Tafsir Al-Alusi — طه 20:80 – الأنبياء 21:35
المحتويات
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
طه 20:80
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ حِكايَةٌ لِما خاطَبَهم تَعالى بِهِ بَعْدَ إغْراقِ عَدُوِّهِمْ وإنْجائِهِمْ مِنهُ لَكِنْ لا عَقِيبَ ذَلِكَ بَلْ بَعْدَ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما أفاضَ.
وقِيلَ: إنْشاءُ خِطابٍ لِلَّذِينِ كانُوا مِنهم في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قَدْ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلَ بِآبائِهِمْ أصالَةً وبِهِمْ تَبَعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ إلَخْ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ حَمْلِهِ عَلى الإنْشاءِ وكَذا السِّباقُ فالوَجْهُ هو الحِكايَةُ بِتَقْدِيرِ قُلْنا عَطْفًا عَلى ﴿أوْحَيْنا﴾ أيْ وقُلْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ حَيْثُ كانُوا يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم.
صفحة 239
وقَرَأ حُمَيْدٌ (نَجَّيْناكُمْ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ مِن غَيْرِ هُمَزَةٍ قَبْلَها وبِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ ( أنْجَيْتُكم ) بِتاءِ الضَّمِيرِ ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المُضافِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ- هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. . وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الجَرَّ المَذْكُورَ مِنَ الشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ تَخْرُجَ القِراءَةُ عَلَيْهِ وقالَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ نَعْتٌ لِلطُّورِ لِما فِيهِ مِنَ اليُمْنِ، وإمّا لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ مَن يَسْتَقْبِلُ الجَبَلَ ا هـ.
والحَقُّ أنَّ القِلَّةَ لَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ مَنعِ تَخْرِيجِ القِراءَةِ لا سِيَّما إذا كانَتْ شاذَّةً عَلى ذَلِكَ، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ يَقْتَضِيهِ، وقَوْلُهُ: وإمّا لِكَوْنِهِ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الطُّورُ هو الجَبَلَ ولَوْ قالَ: وإمّا لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ مَنِ انْطَلَقَ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ لَكانَ صَحِيحًا، ونَصْبُ (جانِبَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِناءً عَلى ما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الرّاغِبِ، وابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ سُمِعَ نَصْبُ جَنْبٍ وما بِمَعْناهُ مُضافٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ومَنَعَ بَعْضُهم ذَلِكَ لِأنَّهُ مَحْدُودٌ وجَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ واعِدْنا عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ إتْيانَ جانِبِ إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو البَقاءِ. وإذا كانَ ظَرْفًا فالمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أيْ وواعَدْناكم بِواسِطَةِ نَبِيِّكم في ذَلِكَ الجانِبِ إتْيانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُناجاةِ وإنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، ونِسْبَةُ المُواعَدَةِ إلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرًا إلى مُلابَسَتِها إيّاهم وسَرايَةِ مَنفَعَتِها إلَيْهِمْ فَكَأنَّهم كُلَّهم مُواعَدُونَ فالمَجازُ في النِّسْبَةِ. وفي ذَلِكَ مِن إيفاءِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ ما فِيهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والمَذْكُورُونَ مَعَهُ آنِفًا ( وواعَدْتُكم ) بِتاءِ الضَّمِيرِ أيْضًا. وقُرِئَ ( ووَعَدْناكم ) مِنَ الوَعْدِ.
﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ التُّرَنْجَبِينَ والسُّمانِيَّ حَيْثُ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ وهم في التِّيهِ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ ويَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانِيَّ فَيَأْخُذُ الواحِدُ مِنهم ما يَكْفِيهِ.
طه 20:81
﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مِن لَذائِذِهِ أوْ حَلالاتِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّبِ ما يَسْتَطِيبُهُ الطَّبْعُ أوِ الشَّرْعُ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّيِّباتِ ما جَمَعَتْ وصْفَيِ اللَّذَّةِ والحِلِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إباحَةِ ما ذُكِرَ لَهم وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ مَن ذُكِرَ آنِفًا ( رَزَقْتُكم ) وقَدَّمَ سُبْحانَهُ نِعْمَةَ الإنْجاءِ مِنَ العَدُوِّ لِأنَّها مِن بابِ دَرْءِ المَضارِّ وهو أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ ومَن ذاقَ مَرارَةَ كَيْدِ الأعْداءِ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أنْجاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ عَلِمَ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُتِمَّ نِعَمَهُ عَلَيْنا وأنْ لا يَجْعَلَ لِعَدُوٍّ سَبِيلًا إلَيْنا، وثَنّى جَلَّ وعَلا بِالنِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ لِأنَّها الأنْفُ في وجْهِ المَنافِعِ، وأخَّرَ عَزَّ وجَلَّ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لِكَوْنِها دُونَ ذَلِكَ فَتَبًّا لِمَن يَبِيعُ الدِّينَ بِالدُّنْيا ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم بِالإخْلالِ بِشُكْرِهِ وتَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالسَّرَفِ والبَطَرِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى ومَنعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ لا يَظْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذُهُ مِن صاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقِيلَ: أيْ لا تَدَّخِرُوا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ولا تَطْغُوا ) بِضَمِّ الغَيْنِ ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ أيْ فَيَلْزَمَكم غَضَبِي ويَجِبُ لَكم مِن حَلَّ الدِّينَ يَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ إذا وجَبَ أداؤُهُ وأصْلُهُ مِنَ الحُلُولِ وهو في الأجْسامِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِغَيْرِها وشاعَ حَتّى صارَتْ حَقِيقَةً فِيهِ ﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أيْ هَلَكَ
صفحة 240
وأصْلُهُ الوُقُوعُ مِن عُلُوٍّ كالجَبَلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الهَلاكِ لِلُزُومِهِ لَهُ، وقِيلَ: أيْ وقَعَ في الهاوِيَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ فَيَهْوِي في جَهَنَّمَ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الصَّلْصالَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ هَوى﴾ فَيَكُونُ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ إذا أُرِيدَ بِهِ فَرْدٌ مَخْصُوصٌ مِنهُ لا بِخُصُوصِهِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ ( فَيَحُلَّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ الأُولى وهي قِراءَةُ قَتادَةَ وأبِي حَيْوَةَ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ ووافَقَ ابْنُ عُتْبَةَ في (يَحْلُلْ) فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ قَرَأ ابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ ( لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ وهو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَرَأ قَتادَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( فَيُحِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَفاعِلُهُ ضَمِيرُ الطُّغْيانِ، (وغَضَبِي) مَفْعُولُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ العَذابُ أوْ نَحْوُهُ، ومَعْنى يَحُلَّ مَضْمُومِ الحاءِ يَنْزِلُ مِن حَلَّ بِالبَلَدِ إذا نَزَلَ كَما في الكَشّافِ.
وفِي المِصْباحِ حَلَّ العَذابُ يَحِلُّ ويَحُلُّ هَذِهِ وحْدَها بِالكَسْرِ والضَّمِّ والباقِي بِالكَسْرِ فَقَطْ، والغَضَبُ في البَشَرِ ثَوَرانُ دَمِ القَلْبِ عِنْدَ إرادَةِ الِانْتِقامِ، وفي الحَدِيثِ ( «اتَّقُوا الغَضَبَ فَإنَّهُ جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ألَمْ تَرَوْا إلى انْتِفاخِ أوْداجِهِ وحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ» )
وإذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لَمْ يُرَدْ هَذا المَعْنى قَطْعًا وأُرِيدَ مَعْنًى لائِقٌ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الِانْتِقامُ والعُقُوبَةُ أوْ إرادَتُهُما نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالحُلْوِ حَقِيقَةً عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ ومَجازًا عَلى بَعْضٍ آخَرَ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ وصْفَهُ بِالحُلُولِ لا يَتَأتّى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِ إرادَةُ العُقُوبَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( «يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السَّماءِ الدُّنْيا» ) .
عَلى التَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ أوْ عَبَّرَ عَنْ حُلُولِ أثَرِ الإرادَةِ بِحُلُولِها تَعْبِيرًا عَنِ الأثَرِ بِالمُؤَثِّرِ، كَما يَقُولُ النّاظِرُ إلى عَجِيبٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَعْنِي أثَرَ القُدْرَةِ لا نَفْسَها
طه 20:82
﴿وإنِّي لَغَفّارٌ﴾ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ ﴿لِمَن تابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مِنهُ ومِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطُّغْيانُ فِيما رُزِقَ ﴿وآمَنَ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ. واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فِيما يُرْوى عَنْهُ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ولَعَلَّهُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى الأشْرَفِ، وإلّا فالأفْيَدُ إرادَةُ العُمُومِ مَعَ ذِكْرِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا مُسْتَقِيمًا عِنْدَ الشَّرْعِ وهو بِحَسَبِ الظّاهِرِ شامِلٌ لِلْفَرْضِ والسُّنَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأداءِ الفَرائِضِ ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ لَزِمَ الهُدى واسْتَقامَ عَلَيْهِ إلى المُوافاةِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَبْرِ.
والهُدى يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإيمانُ، وقَدْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِمَدْحِ المُسْتَقِيمِينَ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ وأيًّا ما كانَ فَكَلِمَةُ ثُمَّ إمّا لِلتَّراخِي بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ لِبُعْدِهِ عَنْ أوَّلِ الِانْتِهاءِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ فَإنَّ المُداوَمَةَ أعْلى وأعْظَمُ مِنَ الشُّرُوعِ كَما قِيلَ:
لِكُلٍّ إلى شَأْوِ العُلى وثَباتٌ ولَكِنْ قَلِيلٌ في الرِّجالِ ثُباتُ
صفحة 241
وقِيلَ: المُرادُ ثُمَّ عَمِلَ بِالسُّنَّةِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ المُرادَ مَنِ اهْتَدى عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ ثَوابًا يُجْزى عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ طَهَّرَ قَلْبَهُ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. كالعُجْبِ والحَسَدِ والكِبْرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَقْوى في مَعْنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ تُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَرْجِعُ إلى قَوْلِنا ثُمَّ اسْتَقامَ عَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ورَوى الإمامِيَّةُ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ثُمَّ اهْتَدى إلى وِلايَتِنا أهْلِ البَيْتِ فَواللَّهِ لَوْ أنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى عُمْرَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ ثُمَّ ماتَ ولَمْ يَجِئْ بِوِلايَتِنا لَأكَبَّهُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ عَلى وجْهِهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ وِلايَتَهم وحُبَّهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِمّا لا كَلامَ عِنْدَنا في وُجُوبِهِ لَكِنَّ حَمْلَ الِاهْتِداءِ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها حِكايَةً لِما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِأهْلِ البَيْتِ وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ ولايَتَهم إذْ ذاكَ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في صَحِيحِ الأخْبارِ.
نَعَمْ رَوى الإمامِيَّةُ مِن خَبَرِ جارُودِ بْنِ المُنْذِرِ العَبْدِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: ( «يا جارُودُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إلى السَّماءِ أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيَّ أنْ سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا عَلامَ بُعِثُوا؟ قُلْتُ: عَلامَ بُعِثُوا؟ قالَ: عَلى نُبُوَّتِكَ ووِلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والأئِمَّةِ مِنكُما، ثُمَّ عَرَّفَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بِأسْمائِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ ﷺ أسْماءَهم واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلى المَهْدِيِّ» . وهو خَبَرٌ طَوِيلٌ يَتَفَجَّرُ الكَذِبُ مِنهُ. ولَهم أخْبارٌ في هَذا المَطْلَبِ كُلُّها مِن هَذا القَبِيلِ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِها إلّا التَّطْوِيلُ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ المَغْفِرَةِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِمَجْمُوعِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. وقُصارى ما يُفْهَمُ مِنها عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَدَمُ تُحَقُّقِها لِمَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالمَجْمُوعِ، وعَدَمُ التَّحَقُّقِ أعَمُّ مِن تُحَقِّقِ العَدَمِ فالآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلِيِّ عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ المَغْفِرَةِ لِمُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ إذا ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، فافْهَمْ. واحْتَجَّ بِها مَن قالَ تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالإيمانِ ثانِيًا لِأنَّهُ قَدَّمَ فِيها التَّوْبَةَ عَلى الإيمانِ، واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن قالَ بِعَدَمِ دُخُولِ العَمَلِ الصّالِحِ في الإيمانِ لِلْعَطْفِ المُقْتَضِي لِلْمُغايَرَةِ
طه 20:83
﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ عِنْدَ ابْتِداءِ مُوافاتِهِ المِيقاتِ بِمُوجِبِ المُواعَدَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا أيْ وقُلْنا لَهُ: أيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ بِكَ عَنْ قَوْمِكَ فَتَقَدَّمْتَ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا عِنْدَ كَثِيرٍ ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ النُّقَباءُ السَّبْعُونَ. والمُرادُ بِالتَّعْجِيلِ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِمْ لا الإتْيانُ قَبْلَ تَمامِ المِيعادِ المَضْرُوبِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ ويَتَضَمَّنُ كَما في الكَشْفِ إنْكارَ السَّبَبِ الحامِلِ لِوُجُودِ مانِعٍ في البَيْنِ وهو إيهامُ إغْفالِ القَوْمِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِاسْتِصْحابِهِمْ وإحْضارِهِمْ مَعَهُ وإنْكارِ أصْلِ الفِعْلِ لِأنَّ العَجَلَةَ نَقِيصَةٌ في نَفْسِها فَكَيْفَ مِن أُولِي العَزْمِ اللّائِقِ بِهِمْ مَزِيدُ الحَزْمِ.
طه 20:84
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحاصِلُهُ عَرْضُ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّهم لَمْ يَبْعُدُوا عَنِّي وإنَّ تَقَدُّمِي عَلَيْهِمْ بِخُطًا يَسِيرَةٍ وظَنِّي أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُنْكَرُ وقَدْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ اسْتِدامَةُ رِضاكَ أوْ حُصُولُ زِيادَتِهِ وظَنِّي أنَّ مِثْلَ هَذا الحامِلِ يَصْلُحُ لِلْحَمْلِ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ ولَمْ يَخْطُرْ لِي أنَّ هُناكَ مانِعًا لِيُنْكَرَ عَلَيَّ. ونَحْوُ هَذا الإسْراعِ المُزِيلِ لِلْخُشُوعِ إلى إدْراكِ الإمامِ في الرُّكُوعِ
صفحة 242
طَلَبًا لِأنْ يَكُونَ أداءُ هَذا الرَّكْنِ مَعَ الجَماعَةِ الَّتِي فِيها رِضا الرَّبِّ تَعالى فَإنَّهم قالُوا: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الِاعْتِذارَ عَنْ إنْكارِ أصْلِ الفِعْلِ لِأنَّهُ أهَمُّ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الِاسْتِفْهامَ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَها لِأنَّها في نَفْسِها نَقِيصَةٌ انْضَمَّ إلَيْها الإغْفالُ وإيهامُ التَّعْظِيمِ، فَأجابَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّبَبِ بِأنَّهُ اسْتِدامَةُ الرِّضا أوْ حُصُولُ زِيادَتِهِ، وعَنِ الإنْكارِ بِما مُحَصِّلُهُ أنَّهم لَمْ يَبْعُدُوا عَنِّي وظَنَنْتُ أنَّ التَّقَدُّمَ اليَسِيرَ لِكَوْنِهِ مُعْتادًا بَيْنَ النّاسِ لا يُنْكَرُ ولا يُعَدُّ نَقِيصَةً، وعُلِّلَ تَقْدِيمُ هَذا الجَوابِ بِما مَرَّ. واعْتُرِضَ بِأنَّ مَساقَ كَلامِهِ بِظاهِرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلا وجْهَ لِبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ السُّؤالَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ مُحالٌ إنْ كانَ لِاسْتِدْعاءِ المَعْرِفَةِ أمّا إذا كانَ لِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ أوْ لِتَبْكِيتِهِ أوْ تَنْبِيهِهِ فَلَيْسَ مُحالًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ هُنا أنْ يَكُونَ السُّؤالُ لِأحَدِ المَذْكُوراتِ والمُتَبادَرِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْكارِ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ المُرادَ مِن سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ وهو سُبْحانَهُ أعْلَمُ أنْ يُعَلِّمَهُ أدَبَ السَّفَرِ وهو أنَّهُ يَنْبَغِي تَأخُّرُ رَئِيسِ القَوْمِ عَنْهم لِيَكُونَ بَصَرُهُ بِهِمْ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ مَعَ التَّقَدُّمِ، ألا تَرى كَيْفَ عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذا الأدَبَ لُوطًا فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ فَأمَرَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أغْفَلَ هَذا الأمْرَ مُبادَرَةً إلى رِضا اللَّهِ تَعالى ومُسارَعَةً إلى المِيعادِ وذَلِكَ شَأْنُ المَوْعُودِ بِما يَسَّرَهُ، يَوَدُّ لَوْ رَكِبَ أجْنِحَةَ الطَّيْرِ ولا أسَرَّ مِن مُواعَدَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ ما لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِنهُ إنْكارَ المُسَبِّبِ لا يَتَسَنّى هَذا التَّعْلِيمَ، وقالَ بَعْضُهم: الَّذِي يَلُوحُ بِالبالِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أيُّ شَيْءٍ أعْجَلَكَ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِكَ، والإنْكارُ بِالذّاتِ لِلِانْفِرادِ عَنْهم فَهو مُنْصَبٌّ عَلى القَيْدِ كَما عُرِفَ في أمْثالِهِ، وإنْكارُ العَجَلَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِها وسِيلَةً لَهُ فاعْتَذَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ بِأنِّي أخْطَأْتُ في الِاجْتِهادِ وحَسِبْتُ أنَّ القَدْرَ اليَسِيرَ مِنَ التَّقَدُّمِ لا يُخِلُّ بِالمَعِيَّةِ ولا يُعَدُّ انْفِرادًا ولا يُقْدَحُ بِالِاسْتِصْحابِ والحامِلُ عَلَيْهِ طَلَبُ اسْتِدامَةِ مَرْضاتِكَ بِالمُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ أمْرِكَ فالجَوابُ هو قَوْلُهُ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾، وقَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ كالتَّتْمِيمِ لَهُ ا هـ وهو عِنْدِي لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وقِيلَ: إنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ والجَوابُ إنَّما هو قَوْلُهُ ﴿وعَجِلْتُ﴾ إلَخْ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وفِيهِ نَظَرٌ، وعَلى هَذا وما قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ جَوابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أمْرَيْنِ لِيَجِيءَ سُؤالُ التَّرْتِيبِ فَيُجابُ بِما مَرَّ أوْ بِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حارَ لِما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَيُّبِ لِعِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأذْهَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ لَكِنْ قالَ في البَحْرِ: إنَّ في هَذا الجَوابِ إساءَةَ الأدَبِ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وذَلِكَ شَأْنُ الزَّمَخْشَرِيِّ مَعَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِن (إلَيْكَ) إلى مَكانِ وعْدِكَ فَلا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمُجَسِّمَةِ عَلى إثْباتِ مَكانٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. ونِداؤُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِمَزِيدِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ رَغْبَةً في قَبُولِ العُذْرِ و(أُولاءِ) اسْمُ إشارَةٍ كَما هو المَشْهُورُ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الخَبَرِيَّةِ- لَهُمْ- و﴿عَلى أثَرِي﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وجَوَّزَ الطَّبَرَسِيُّ كَوْنَ (أُولاءِ) بَدَلٌ مِن (هُمْ) و﴿عَلى أثَرِي﴾ هو الخَبَرُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أُولاءِ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ و﴿عَلى أثَرِي﴾ صِلَتُهُ وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ ( أُولايِ ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى في رِوايَةٍ ( أُولى ) بِالقَصْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( أُولايَ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقَرَأ عِيسى ويَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ
صفحة 243
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( عَلى إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ، وحَكى الكِسائِيُّ ( أُثْرِي ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وتُرْوى عَنْ عِيسى، وفي الكَشّافِ إنَّ ( الأثَرَ ) بِفُتْحَتَيْنِ أفْصَحُ مِن ( الإثْرِ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وأمّا الأُثْرُ فَمَسْمُوعٌ في فِرِنْدِ السَّيْفِ مُدَوَّنٌ في الأُصُولِ يُقالُ: أُثْرُ السَّيْفِ وأثْرُهُ وهو بِمَعْنى الأثَرِ غَرِيبٌ
طه 20:85
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ نَشَأ مِن حِكايَةِ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو السِّرُّ في وُرُودِهِ عَلى صِيغَةِ الغائِبِ لا أنَّهُ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِما أنَّ المُقَدَّرَ فِيما سَبَقَ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَةِ السّامِعِينَ: فَماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ تَعالى حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ أوْقَعْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم وذَهابِكَ مِن بَيْنِهِمْ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ حَيْثُ أخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ودَعاهم إلى عِبادَتِهِ. وقِيلَ: قالَ لَهم بَعْدَ أنْ غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهم عِشْرِينَ لَيْلَةً: إنَّهُ قَدْ كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ فَجَعَلَ العِشْرِينَ مَعَ أيّامِها أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ولَيْسَ مِن مُوسى عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولَيْسَ إخْلافُهُ مِيعادَكم إلّا لِما مَعَكم مِن حُلِيِّ القَوْمِ وهو حَرامُ عَلَيْكم فَجَمَعُوهُ وكانَ مِن أمْرِ العِجْلِ ما كانَ. والمُرادُ بِقَوْمِكَ هُنا الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فالمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ المُرادِ بِقَوْمِكَ فِيما تَقَدَّمَ، ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِضَمِيرِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ في المَوْضِعَيْنِ المُتَخَلِّينَ لِتَعَيُّنِ إرادَتِهِمْ هُنا، والمَعْرِفَةُ المُعادَةُ عَيْنُ الأُولى. ومَعْنى ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَنِي.
وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلَفْظِ الأثَرِ ولا هو مُطابِقٌ لِتَمْهِيدِ عُذْرِ العَجَلَةِ ومِن أيْنَ لِصاحِبِ هَذا التَّأْوِيلِ النَّقْلُ بِأنَّهم كانُوا عَلى القُرْبِ مِنَ الطُّورِ وحَدِيثُ المَعْرِفَةِ المُعادَةِ إنَّما هو إذا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّغايُرِ وقَدْ قامَ، عَلى أنَّ لَنا أنْ تَقُولَ: هي عَيْنُ الأُولى لِأنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الجِنْسُ في المَوْضِعَيْنِ لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أوَّلًا النُّقَباءُ وثانِيًا المُتَخَلِّفُونَ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن نَفْيِ النَّقْلِ الدّالِّ عَلى القُرْبِ فِيهِ مُقالٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا مِنَ الأخْبارِ ما يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى القُرْبِ إلّا أنّا لَمْ نَقِفْ عَلى تَصْحِيحِهِ أوْ تَضْعِيفِهِ.
وما ذُكِرَ مِن تَفْسِيرِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ عَلى إرادَةِ المُتَخَلِّفِينَ في الأوَّلِ أيْضًا نَقَلَهُ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِأنَّهم عَلى دِينِي ومِنهاجِي والأمْرُ عَلَيْهِ أهْوَنُ. والفاءُ لِتَعْلِيلِ ما يُفْهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْبَغِي عَجَلَتُكَ عَنْ قَوْمِكَ وتَقَدُّمُكَ عَلَيْهِمْ وإهْمالُ أمْرِهِمْ لِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَإنَّهم لِحَداثَةِ عُهَدِهِمْ بِاتِّباعِكَ ومَزِيدِ بَلاهَتِهِمْ وحَماقَتِهِمْ بِمَكانٍ يَحِيقُ فِيهِ مَكْرُ الشَّيْطانِ ويَتَمَكَّنُ مِن إضْلالِهِمْ فَإنَّ القَوْمَ الَّذِينَ خَلَّفْتَهم مَعَ أخِيكَ قَدْ فُتِنُوا وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ بِخُرُوجِكَ مِن بَيْنِهِمْ فَكَيْفَ تَأْمَنُ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْفَلْتَهم وأهْمَلْتَ أمْرَهم.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّها لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى أخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَجَلَتِهِ لَكِنْ لا لِأنَّ الأخْبارَ بِها سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْإخْبارِ بِهِ بَلْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ مِن حَيْثُ إنَّ مَدارَ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ عَجَلَةُ القَوْمِ ولَيْسَ بِذاكَ. وأمّا قَوْلُ الخَفاجِيِّ: إنَّها لِلتَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ أخَرَ أقُولُ لَكَ عَقِبَ ما ذُكِرَ إنّا قَدْ فُتِنّا إلى آخِرِهِ فَفِيهِ سَهْوٌ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَتَسَنّى لَوْ كانَتِ الفاءُ داخِلَةً عَلى القَوْلِ لَكِنَّها داخِلَةٌ عَلى ما بَعْدَهُ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِتَنَ وإضْلالَ السّامِرِيِّ إيّاهم قَدْ تَحَقَّقا ووَقَعا قَبْلَ الإخْبارِ بِهِما إذْ صِيغَةُ الماضِي ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ، والظّاهِرُ أيْضًا عَلى ما قَرَّرْنا أنَّ الإخْبارَ كانَ عِنْدَ مَجِيئِهِ عَلَيْهِ
صفحة 244
السَّلامُ لِلطَّوْرِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إلّا العِتابُ والِاعْتِذارُ. وفي الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ وُقُوعَ ما ذُكِرَ كانَ بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً مِن ذَهابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجانِبِ الطُّورِ، وقِيلَ: بَعْدَ سِتٍّ وثَلاثِينَ يَوْمًا وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الماضِي لِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ أوْ لِأنَّهُ قَرِيبُ الوُقُوعِ مُتَرَقَّبُهُ أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ عِنْدَ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصَدّى لِتَرْتِيبِ مَبادِئِها وتَمْهِيدِ مَبانِيها فَنَزَّلَ مُباشَرَةَ الأسْبابِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ. والسّامِرِيُّ عِنْدَ الأكْثَرِ كَما قالَ الزَّجّاجُ: كانَ عَظِيمًا مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ وهم إلى هَذِهِ الغايَةِ في الشّامِ يُعْرَفُونَ بِالسّامِرِيِّينَ، وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ابْنُ عَمِّهِ، وقِيلَ: كانَ عِلْجًا مَن كِرْمانَ، وقِيلَ: كانَ مِن أهْلِ باجِرْما قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِن مِصْرَ أوْ قَرْيَةٍ مِن قُرى مُوصِلَ، وقِيلَ: كانَ مِنَ القِبْطِ وخَرَجَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُظْهِرًا الإيمانَ وكانَ جارَهُ.
وقِيلَ: كانَ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي إسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ. واسْمُهُ قِيلَ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ، وقِيلَ: مُنَجّا، والأوَّلُ أشْهَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أُمَّهُ حِينَ خافَتْ أنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْتِيهِ فَيَغْذُوهُ بِأصابِعِهِ في واحِدَةٍ لَبَنًا وفي الأُخْرى عَسَلًا، وفي الأُخْرى سَمْنًا ولَمْ يَزَلْ يَغْذُوهُ حَتّى نَشَأ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ:
إذا المَرْءُ لَمْ يُخْلَقْ سَعِيدًا تَحَيَّرَتْ عُقُولُ مُرَبِّيهِ وخابَ المُؤَمِّلُ
فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ
وبِالجُمْلَةِ كانَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانُ ويُبْطِنُ الكُفْرَ، وقَرَأ مُعاذٌ (أضَلُّهُمْ) عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أيْ أشَدُّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ ومُضِلٌّ
طه 20:86
﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ عِنْدَ رُجُوعِهِ المَعْهُودِ أيْ بَعْدَ ما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القِعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ وأخَذَ التَّوْراةَ لا عَقِيبَ الإخْبارِ المَذْكُورِ فَسَبَبِيَّةُ ما قَبْلَ الفاءِ لِما بَعْدَها إنَّما هي بِاعْتِبارِ قَيْدِ الرُّجُوعِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ وإنْ كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَإنَّ كَوْنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ تَمامِ الأرْبَعِينَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى كَوْنِهِ عِنْدَ الإخْبارِ المَذْكُورِ كَما إذا قُلْتَ: شايَعْتُ الحُجّاجَ ودَعَوْتُ لَهم بِالسَّلامَةِ فَرَجَعُوا سالِمِينَ، فَإنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ في أنَّ المُرادَ رُجُوعُهُمُ المُعْتادُ لا رُجُوعُهم أثَرُ الدُّعاءِ وإنَّ سَبَبِيَّةَ الدُّعاءِ بِاعْتِبارٍ وصْفِ السَّلامَةِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِ الرُّجُوعِ، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ وهو مِمّا لا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ. والأسَفُ الحَزِينُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكانَ حُزْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّ ما وقَعَ فِيهِ قَوْمُهُ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ ولا يَدَ لَهُ بِدَفْعِها. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو شَدِيدُ الغَضَبِ، وقالَ الجُبّائِيُّ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ مُتَحَيِّرًا في أمْرِ قَوْمِهِ يَخْشى أنْ لا يُمْكِنَهُ تَدارُكُهُ وهَذا مَعْنًى لِلْأسَفِ غَيْرُ مَشْهُورٍ (قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ بِهِمْ لَمّا رَجَعَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الوَعْدِ ونَفْيِهِ وتَقْرِيرِ وجُودِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أيْ وعَدَكم ﴿وعْدًا حَسَنًا﴾ لا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ. والمُرادُ بِذَلِكَ إعْطاءُ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها هُدًى ونُورٌ، وقِيلَ: هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ طاعَتِهِ.
صفحة 245
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ الجَنَّةُ الَّتِي وعَدَها مَن تَمَسَّكَ بِدِينِهِ، وقِيلَ: هو أنْ يُسْمِعَهم جَلَّ وعَلا كَلامَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، ونَصْبُ (وعْدًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ وهو بِمَعْنى المَوْعُودِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدِّرٍ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَعْطُوفِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ لِصَدارَتِها والعَطْفُ عَلى (لَمْ يَعِدْكُمْ) لِأنَّهُ بِمَعْنى قَدْ وعَدَكم، واخْتارَ جَمْعٌ الأوَّلَ وألْ في العَهْدِ لَهُ، والمُرادُ زَمانُ الإنْجازِ، وقِيلَ: زَمانُ المُفارَقَةِ أيْ أوَعَدَكم سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَطالَ زَمانُ الإنْجازِ أوْ زَمانُ المُفارَقَةِ لِلْإتْيانِ بِهِ ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ﴾ أيْ يَجِبَ ﴿عَلَيْكم غَضَبٌ﴾ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن مالِكِ أمْرِكم عَلى الإطْلاقِ. والمُرادُ مِن إرادَةِ ذَلِكَ فِعْلُ ما يَكُونُ مُقْتَضِيًا لَهُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ، والمَوْعِدُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لِلْقَصْدِ إلى زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ فَإنَّ إخْلافِهِمُ الوَعْدَ الجارِي فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْنَعُ مِنهُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى أفَطالَ عَلَيْكُمُ الزَّمانُ فَنَسِيتُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَأخْلَفْتُمْ وعْدَكم إيّايَ بِالثَّباتِ عَلى دِينِي إلى أنْ أرْجِعَ مِنَ المِيقاتِ نِسْيانًا أوْ تَعَمَّدْتُمْ فِعْلَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِحُلُولِ غَضَبِ رَبِّكم عَلَيْكم فَأخْلَفْتُمْ وعْدَكم إيّايَ بِذَلِكَ عَمْدًا، وحاصِلُهُ أنْسَيْتُمْ فَأخْلَفْتُمْ أوْ تَعَمَّدْتُمْ فَأخْلَفْتُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ التَّقابُلُ بَيْنَ الشِّقَّيْنِ.
وجَوَّزَ المُفَضَّلُ أنْ يَكُونَ المَوْعِدُ مَصْدَرًا مُضافًا إلى الفاعِلِ وإخْلافُهُ بِمَعْنى وِجْدانِ الخُلْفِ فِيهِ يُقالُ: أخْلَفَ وعْدَ زَيْدٍ بِمَعْنى وجَدَ الخُلْفِ فِيهِ، ونَظِيرُهُ أحْمَدْتُ زَيْدًا أيْ فَوَجَدْتُمُ الخُلْفَ في مَوْعِدِي إيّاكم بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُساعِدُهُ السِّياقُ ولا السِّباقُ أصْلًا، وقِيلَ: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ وعَدَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ لِلطُّورِ عَلى أثَرِهِ وفِيهِ ما فِيهِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ خالِقًا لِلْكُفْرِ وإلّا لَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَما كانَ لِغَضَبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأسَفِهِ وجْهٌ ولا يَخْفى ما فِيهِ
طه 20:87
﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ أيْ: وعْدَنا إيّاكَ الثَّباتَ عَلى دِينِكَ وإيثارَهُ عَلى أنْ يُقالَ مَوْعِدُنا عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لِما مَرَّ آنِفًا.
﴿بِمَلْكِنا﴾ بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا يَعْنُونَ أنّا ولَوْ خُلِّينا وأنْفُسُنا ولَمْ يُسَوِّلْ لَنا السّامِرِيُّ ما سَوَّلَهُ مَعَ مُساعَدَةِ بَعْضِ الأحْوالِ لَما أخْلَفْناهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ ( بِمِلْكِنا ) بِكَسْرِ المِيمِ وقَرَأ الأخَوانِ والحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وقَعْنَبٌ بِضَمِّها وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( بِمَلَكِنا ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ قالَ في البَحْرِ: أيْ بِسُلْطانِنا، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُلْكَ بِالضَّمِّ والفَتْحِ والكَسْرِ بِمَعْنًى. وفَرَّقَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: مَعْنى المَضْمُومِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ بِسُلْطانِهِ وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلالسّامِرِيُّ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ وقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
لا تُشْتَكى سَقْطَةٌ مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرُها حَدِبُ
ومَفْتُوحُ المِيمِ مَصْدَرُ مَلَكَ، والمَعْنى ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنْ مَلَكْنا الصَّوابَ ووَفَّقْنا لَهُ بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا، ومَكْسُورُ
صفحة 246
المِيمِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، والمَعْنى عَلَيْهِ كالمَعْنى عَلى المَفْتُوحِ المِيمِ، والمَصْدَرُ في هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ مُقَدَّرٌ أيْ بِمَلْكِنا الصَّوابَ ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا سَبَقَ واعْتِذارٌ عَمّا فَعَلُوا بِبَيانِ مَنشَأِ الخَطَأِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ القِبْطُ والأوْزارُ الأحْمالُ وتُسَمّى بِها الآثامُ. وعَنَوْا بِذَلِكَ ما اسْتَعارُوهُ مِنَ القِبْطِ مِنَ الحُلِيِّ بِرَسْمِ التَّزَيُّنِ في عِيدٍ لَهم قُبَيْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ كَما أسْلَفْنا.
وقِيلَ: اسْتَعارُوهُ بِاسْمِ العُرْسِ. وقِيلَ: هو ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ مِمّا كانَ عَلى الَّذِينَ غَرِقُوا، ولَعَلَّهم أطْلَقُوا عَلى ذَلِكَ الأوْزارَ مُرادًا بِها الآثامُ مِن حَيْثُ إنَّ الحُلِيَّ سَبَبٌ لَها غالِبًا لِما أنَّهُ يُلْبَسُ في الأكْثَرِ لِلْفَخْرِ والخُيَلاءِ والتَّرَفُّعِ عَلى الفُقَراءِ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّهم أثِمُوا بِسَبَبِهِ وعَبَدُوا العِجْلَ المَصُوغَ مِنهُ، وقِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ صارَ بَعْدَ هَلاكِ أصْحابِهِ في حُكْمِ الغَنِيمَةِ ولَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذِهِ الغَنِيمَةِ حَلالًا لَهم بَلْ ظاهِرُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ الغَنائِمَ سَواءٌ كانَتْ مِنَ المَنقُولاتِ أمْ لا لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، والرِّوايَةُ السّابِقَةُ في كَيْفِيَّةِ الإضْلالِ تُوافِقُ هَذا التَّوْجِيهَ إلّا أنَّهُ يَشْكُلُ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي أمَرَهم بِالِاسْتِعارَةِ حَتّى قِيلَ: إنَّ فاعِلَ التَّحْمِيلِ في قَوْلِهِمْ (حُمِّلْنا) هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ ألْزَمَهم ذَلِكَ بِأمْرِهِمْ بِالِاسْتِعارَةِ وقَدْ أبْقاهُ في أيْدِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِ أصْحابِهِ وأقَرَّهم عَلى اسْتِعْمالِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ حَلالًا فَكَيْفَ يُقِرُّهم، وكَذا يُقالُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ، واحْتِمالُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهى عَنْ ذَلِكَ وظَنَّ الِامْتِثالَ ولَمْ يَطَّلِعْ عَلى عَدَمِهِ لِإخْفاءِ الحالِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِهِ أصْلًا لا سِيَّما عَلى رِوايَةِ أنَّهم أمَرُوا بِاسْتِعارَةِ دَوابَّ مِنَ القَوْمِ أيْضًا فاسْتَعارُوها وخَرَجُوا بِها.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ أمْوالَ القِبْطِ مُطْلَقًا بَعْدَ هَلاكِهِمْ كانَتْ حَلالًا عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وقَدْ أضافَ سُبْحانَهُ الحُلِيَّ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ أنَّ الحُلِيَّ مِلْكٌ لَهم ويَدَّعِي اخْتِصاصُ الحَلِّ فِيما كانَ الرَّدُّ فِيهِ مُتَعَذِّرًا لِهَلاكِ صاحَبِهِ ومَن يَقُومُ مَقامَهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ ﷺ: ( «أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تَحُلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» ) . لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ ولَمْ تَحِلَّ كَذَلِكَ لِأحَدٍ قَبْلِي ويَكُونُ تَسْمِيَتُهم ذَلِكَ أوْزارًا إمّا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ والثّانِي، وإمّا لِظَنِّهِمُ الحُرْمَةَ لِجَهْلِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أوْ لِإلْقاءِ السّامِرِيِّ الشُّبْهَةَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرَهم بِالِاسْتِعارَةِ فَأمَرَهم وأبْقى ما اسْتَعارُوهُ بِأيْدِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِ أصْحابِهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الأمْرِ مُنْتَظِرًا ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْدُ. وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَيَّنَ حُكْمَهُ عَلى لِسانِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمِيقاتِ كَما سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
والجارُّ والمَجْرُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِحُمِّلْنا وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِأوْزارًا، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بِناءً عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ الجُمَلَ والظُّرُوفَ بَعْدَ النَّكِراتِ صِفاتٌ وبَعْدَ المَعارِفِ أحْوالٌ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.
وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( حَمَلْنا ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وأبُو رَجاءٍ ( حُمِلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ (فَقَذَفْناها) أيْ طَرَحْناها في النّارِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ. وقِيلَ: أيْ ألْقَيْناها
صفحة 247
عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا (فَكَذَلِكَ) أيْ فَمِثْلُ ذَلِكَ ﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: ما كانَ مَعَهُ مِنها قِيلَ كَأنَّهُ أراهم أنَّهُ أيْضًا يُلْقِي ما كانَ مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ فَقالُوا ما قالُوا عَلى زَعْمِهِمْ وإنَّما كانَ الَّذِي ألْقاهُ التُّرْبَةَ الَّتِي أخَذَها مِن أثَرِ الرَّسُولِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: إنَّهُ ألْقى ما مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ وألْقى مَعَ ذَلِكَ ما أخَذَهُ مِن أثَرِ الرَّسُولِ كَأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا إلّا أنَّهُ ألْقى ما مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أرادُوا ألْقى التُّرْبَةَ، وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِتَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ إذْ لَمْ يُعَبِّرْ بِالقَذْفِ المُتَبادَرِ مِنهُ أنَّ ما رَماهُ جُرْمُ مُجْتَمَعٍ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ يُقالُ: المَعْنى: فَمِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَكَ ألْقى السّامِرِيُّ إلَيْنا وقَرَّرَهُ عَلَيْنا وفِيهِ بُعْدٌ، وإنْ ذُكِرَ أنَّهُ قالَ لَهم: إنَّما تَأخُّرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْكم لِما مَعَكم مِن حُلِيِّ القَوْمِ وهو حَرامٌ عَلَيْكم فالرَّأْيُ أنْ نَحْفِرَ حُفَيْرَةً ونَسْجُرَ فِيها نارًا ونَقْذِفُ فِيها ما مَعَنا مِنهُ فَفَعَلُوا وكانَ صَنَعَ في الحُفَيْرَةِ قالَبَ عِجْلٍ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا فَصَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ قالَ لَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكم قَدْ حُمِّلْتُمْ أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ إلى فِرْعَوْنَ وأمْتِعَةً وحُلِيًّا فَتَطَهَّرُوا مِنها فَإنَّها رِجْسٌ وأوْقَدَ لَهم نارًا فَقالَ لَهم: اقْذِفُوا ما مَعَكم مِن ذَلِكَ فِيها، فَجَعَلُوا يَأْتُونَ بِما مَعَهم فَيَقْذِفُونَهُ فِيها فَجاءَ السّامِرِيُّ ومَعَهُ تُرابٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأقْبَلَ إلى النّارِ فَقالَ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أأُلْقِيَ ما في يَدِي؟ فَقالَ: نَعَمْ ولا يَظُنُّ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ كَبَعْضِ ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِن ذَلِكَ الحُلِيِّ والأمْتِعَةِ فَقَذَفَهُ فِيها فَقالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَكانَ لِلْبَلاءِ والفِتْنَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا حُلِيًّا مِنَ القِبْطِ فَخَرَجُوا بِهِ مَعَهم فَقالَ لَهم هارُونُ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: اجْمَعُوا هَذا الحُلِيَّ حَتّى يَجِيءَ مُوسى فَيَقْضِي فِيهِ ما يَقْضِي، فَجُمِعَ ثُمَّ أُذِيبَ فَألْقى السّامِرِيُّ عَلَيْهِ القَبْضَةَ
طه 20:88
﴿فَأخْرَجَ﴾ أيِ: السّامِرِيُّ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْقائِلِينَ المَذْكُورِينَ ﴿عِجْلا﴾ مِن تِلْكَ الأوْزارِ الَّتِي قَذَفُوها وتَأْخِيرُهُ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿جَسَدًا﴾ أيْ: جُثَّةً ذا لَحْمٍ ودَمٍ أوْ جَسَدًا مِن ذَهَبٍ لا رُوحَ فِيهِ بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: هو نَعْتُ لَهُ عَلى أنَّ مَعْناهُ أحْمَرُ كالمُجَسَّدِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ نَعْتٌ لَهُ، والخُوارُ صَوْتُ العِجْلِ. وهَذا الصَّوْتُ إمّا لِأنَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُكَلِّمَهُ خَرَجَ لِلْوَقْتِ الَّذِي وعَدَهُ فَبَيْنَما هو يُناجِي رَبَّهُ إذْ سَمِعَ خَلْفَهُ صَوْتًا فَقالَ: إلَهِي إنِّي أسْمَعُ خَلْفِي صَوْتًا قالَ: لَعَلَّ قَوْمَكَ ضَلُّوا قالَ: إلَهِي مَن أضَلَّهُمْ؟ قالَ: أضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ قالَ: فِيمَ أضَلَّهُمْ؟ قالَ: صاغَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ قالَ: إلَهِي هَذا السّامِرِيُّ صاغَ لَهُمُ العِجْلَ فَمَن نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ حَتّى صارَ لَهُ خُوارٌ؟ قالَ: أنا يا مُوسى. قالَ: فَوَعِزَّتِكَ ما أضَلَّ قَوْمِي أحَدٌ غَيْرُكَ قالَ: صَدَقْتَ يا حَكِيمَ الحُكَماءِ لا يَنْبَغِي لِحَكِيمٍ أنْ يَكُونَ أحْكَمَ مِنكَ» ) .
وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى إنَّ قَوْمَكَ قَدِ افْتُتِنُوا مِن بَعْدِكَ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ يَفْتَتِنُونَ وقَدْ نَجَّيْتَهم مِن فِرْعَوْنَ ونَجَّيْتَهم مِنَ البَحْرِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وفَعَلْتَ بِهِمْ قالَ: يا مُوسى إنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن بَعْدِكَ عِجْلا لَهُ خُوارٌ قالَ: يا رَبِّ فَمَن جَعَلَ فِيهِ الرُّوحَ؟ قالَ: أنا، قالَ: فَأنْتَ يا رَبِّ أضْلَلْتَهم قالَ:
صفحة 248
يا مُوسى يا رَأْسَ النَّبِيِّينَ ويا أبا الحُكَماءِ إنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَيَسَّرْتُهُ لَهم، وإمّا لِأنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الرِّيحُ فَيُصَوِّتُ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَأثَّمُوا مِن حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي مَعَهم فَأخْرَجُوهُ لِتَنْزِلَ النّارُ فَتَأْكُلَهُ فَلَمّا جَمَعُوهُ ألْقى السّامِرِيُّ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ، فَصارَ كَذَلِكَ وكانَ يَدْخُلُ الرِّيحُ مِن دُبُرِهِ ويَخْرُجُ مِن فِيهِ فَيُسْمَعُ لَهُ صَوْتٍ ﴿فَقالُوا﴾ أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتُتِنَ بِهِ أوَّلَ ما رَآهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسّامِرِيِّ، وجِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَمْعٍ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ أيْ فَغَفَلَ عَنْهُ مُوسى وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ، فَضَمِيرُ نَسِيَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فاعْبُدُوهُ والزَمُوا عِبادَتَهُ فَقَدْ نَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومَكْحُولٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسّامِرِيِّ والنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْضًا أيْ فَأظْهَرَ السّامِرِيُّ النِّفاقَ فَتَرَكَ ما كانَ فِيهِ مِن أسْرارِ الكَفْرِ، والإخْبارُ بِذَلِكَ عَلى هَذا مِنهُ تَعالى ولَيْسَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ بِخِلافِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ. وصَنِيعُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ الأوَّلِ ولا يَخْفى ما في الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ والمُشارِ إلَيْهِ بِمَرْأًى مِنهم وتَكْرِيرًا لَهُ، وتَخْصِيصُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ وإتْيانُ الفاءِ مِنَ المُبالَغَةِ في الضَّلالِ، والإخْبارُ بِالإخْراجِ وما بَعْدَهُ حِكايَةُ نَتِيجَةِ فِتْنَةِ السّامِرِيِّ فِعْلًا وقَوْلًا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ قَصْدًا إلى زِيادَةِ تَقْرِيرِها ثُمَّ الإنْكارِ عَلَيْها لا مِن جِهَةِ القائِلِينَ وإلّا لَقِيلَ فَأخْرَجَ لَنا، والحَمْلُ عَلى أنَّ عُدُولَهم إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِبَيانِ أنَّ الإخْراجَ والقَوْلَ المَذْكُورَيْنِ لِلْكُلِّ لا لِلْعَبَدَةِ فَقَطْ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِاعْتِذارِهِمْ، فَإنَّ مُخالَفَةَ بَعْضِهِمْ لِلسّامِرِيِّ وعَدَمَ افْتِتانِهِمْ بِتَسْوِيلِهِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ والخِطابِ لَهم مِمّا يُهَوِّنُ مُخالَفَتَهُ لِلْمُعْتَذِرِينَ، فافْتِتانُهم بَعْدُ أعْظَمُ جِنايَةً وأكْثَرُ شَناعَةً، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُعْتَذِرِينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ وأنَّ نِسْبَةَ الإخْلافِ إلى أنْفُسِهِمْ وهم بُرَآءُ مِنهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا مَعَ أنَّ القاتِلَ واحِدٌ مِنهم كانُوا قالُوا: ما وجَدْنا الإخْلافَ فِيما بَيْنَنا بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ بَلْ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ العَبَدَةِ حَيْثُ فَعَلَ بِهِمُ السّامِرِيُّ ما فَعَلَ فَأخْرَجَ لَهم ما أخْرَجَ وقالَ ما قالَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى صَرْفِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولَمْ نُفارِقْهم مَخافَةَ ازْدِيادِ الفِتْنَةِ فَقَدْ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ سِياقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ يَقْضِيانِ بِفَسادِهِ، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ كَلامَ المُعْتَذِرِينَ ثَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فَقَذَفْناها وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ إلى آخِرِهِ إخْبارٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ أنَّ السّامِرِيَّ فَعَلَ كَما فَعَلُوا فَأخْرَجَ لَهم إلَخْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
هَذا وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَنَسِي ) بِسُكُونِ الياءِ،
طه 20:89
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ إلى آخِرِهِ إنْكارٌ وتَقْبِيحٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى الضّالِّينَ والمُضِلِّينَ جَمِيعًا وتَسْفِيهٌ لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ بُطْلانُهُ واسْتِحالَتُهُ عَلى أحَدٍ وهو اتِّخاذُ ذَلِكَ العَجَلِ إلَهًا، ولَعَمْرِي لَوْ لَمْ يَكُونُوا في البَلادَةِ كالبَقَرِ لَما عَبَدُوهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا يَتَفَكَّرُونَ فَلا يَعْلَمُونَ ﴿ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أيْ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا بَلْ يَخُورُ كَسائِرِ العَجاجِيلِ، فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ إلَهٌ.
وقَرَأ الإمامُ الشّافِعِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وأبانُ وابْنُ صُبَيْحٍ والزَّعْفَرانِيُّ ( يَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ أنْ هي النّاصِبَةُ لا المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والرُّؤْيَةُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإبْصارِ لا العِلْمِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ وجَماعَةٌ مِن أنَّ
صفحة 249
النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ القُلُوبِ مِمّا يَدُلُّ عَلى يَقِينٍ أوْ ظَنٍّ غالِبٍ لِأنَّها لِكَوْنِها لِلِاسْتِقْبالِ تَدْخُلُ عَلى ما لَيْسَ بِثابِتٍ مُسْتَقِرٍّ فَلا يُناسِبُ وُقُوعُها بَعْدُ ما يَدُلُّ عَلى يَقِينٍ ونَحْوِهِ، والعَطْفُ أيْضًا كَما سَبَقَ أيْ ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ عَدَمَ رَجْعِهِ إلَيْهِمْ قَوْلًا مِنَ الأقْوالِ، وتَعْلِيقُ الإبْصارِ بِما ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ أمْرًا عَدَمِيًّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ المُسْتَدْعِي لِمَزِيدِ تَشْنِيعِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ رَأْيِ البَصْرِيَّةِ أيْضًا لِأنَّها تُفِيدُ العِلْمَ بِواسِطَةِ إحْساسِ البَصَرِ كَما في إيضاحِ المُفَصَّلِ. وأجازَ الفَرّاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وُقُوعَها بَعْدَ أفْعالِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أفْعالِ البَصَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يَرْجِعُ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ أيْ فَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْهم ضُرًّا ويَجْلِبَ لَهم نَفْعًا أوْ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ أوْ يَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوهُ.
طه 20:90
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ مَعَ ما بَعْدُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ بِبَيانِ عُتُوِّهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الرَّسُولِ إثْرَ بَيانِ مُكابَرَتِهِمْ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ نَصَحَ لَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى كُنْهِ الأمْرِ مِن قَبْلِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ وخِطابِهِ إيّاهم بِما ذُكِرَ مِنَ المَقالاتِ، وإلى اعْتِبارِ المُضافِ إلَيْهِ قَبْلَ ما ذُكِرَ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَوْلِ السّامِرِيِّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ ما أبْصَرَهُ حِينَ طَلَعَ مِنَ الحُفَيْرَةِ تَفَرَّسَ فِيهِما الِافْتِتانَ فَسارَعَ إلى تَحْذِيرِهِمْ، واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ وقالَ: هو أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى تَوْبِيخِهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ دَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ في ( أفَلا يَرَوْنَ ) . ولَقَدْ قالَ، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ وادَّعى أنَّ الجَوابَ يُؤَيِّدُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ.
وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهَيْنِ: كَوْنَها مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ وقالَ: إنَّ في إيثارِ المُضارِعِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ في ذِهْنِ السّامِعِ واسْتِدْعاءِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنَها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَرَوْنَ) مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإنْكارِ أيْ أفَلا يَرَوْنَ والحالُ أنَّ هارُونَ نَبَّهَهم قَبْلَ ذَلِكَ عَلى كُنْهِ الأمْرِ، وقالَ لَهم: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أوْقَعْتَهم في الفِتْنَةِ بِالعِجْلِ أوْ أضْلَلْتُمْ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ ﴿إنَّما﴾ في أغْلَبِ اسْتِعْمالاتِها إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ القَوْمُ لا إلى قَيْدِهِ المَذْكُورِ بِالقِياسِ إلى قَيْدٍ آخَرَ عَلى مَعْنى إنَّما فَعَلَ بِكُمُ الفِتْنَةَ لا الإرْشادَ إلى الحَقِّ لا عَلى مَعْنى إنَّما فُتِنْتُمْ بِالعِجْلِ لا بِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَطْفًا عَلى (إنَّما) إلَخْ إرْشادٌ لَهم إلى الحَقِّ إثْرَ زَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ لِلِاعْتِناءِ بِاسْتِمالَتِهِمْ إلى الحَقِّ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِتَخْلِيصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ زَمانَ لَمْ يُوجَدِ العِجْلُ. وكَذا عَلى ما قِيلَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مَتى تابُوا قَبْلَهم. وتَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ وإنَّ رَبَّكُمُ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو الرَّحْمَنُ لا غَيْرَ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ( وأنَّ رَبَّكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما مَرَّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ ولِأنَّ رَبَّكم إلَخْ وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقًا بِاتَّبِعُونِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( أنَّما ) ( وأنَّ رَبَّكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ، وخُرِّجَ عَلى لُغَةِ سُلَيْمٍ
صفحة 250
حَيْثُ يَفْتَحُونَ هَمْزَةَ إنَّ بَعْدَ القَوْلِ مُطْلَقًا. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي في الثَّباتِ عَلى الدِّينِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ فاتَّبِعُونِي إلى الطُّورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ. وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بِصَدَدِ الذَّهابِ إلى الطُّورِ ولَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ وما واعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أُولَئِكَ المَفْتُونِينَ بِذَهابِهِمْ أنْفُسِهِمْ إلَيْهِ، وقِيلَ: - لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ- أيْ فاتَّبِعُونِي في الثَّباتِ عَلى الحَقِّ وأطِيعُوا أمْرِي هَذا وأعْرِضُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِعِبادَةِ ما عَرَفْتُمْ أمْرَهُ أوْ كُفُّوا أنْفُسَكم عَنِ اعْتِقادِ أُلُوهِيَّتِهِ وعِبادَتِهِ
طه 20:91
﴿قالُوا﴾ في جَوابِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ أيْ لا نَزالُ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ (عاكِفِينَ) مُقِيمِينَ ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا رُجُوعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وماذا يَقُولُ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهم عَلِقَ في أذْهانِهِمْ قَوْلُ السّامِرِيِّ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ فَغَيُّوا بِرُجُوعِهِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ والتَّسْوِيفِ وأضْمَرُوا أنَّهُ إذا رَجَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُوافِقُهم عَلى عِبادَتِهِ وحاشاهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُحاوَرَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ بَعْدَ قَوْلِ السّامِرِيِّ المَذْكُورِ فَيَكُونُ (مِن قَبْلُ) عَلى مَعْنى مِن قَبْلِ رُجُوعِ مُوسى، وذُكِرَ أنَّ هَذا الجَوابَ يُؤَيِّدُهُ هَذا المَعْنى لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى عُكُوفِهِمْ حالَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم لَمْ يَعْكُفُوا عَلى عِبادَتِهِ قَبْلَ قَوْلِ السّامِرِيِّ وإنَّما عَكَفُوا بَعْدَهُ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ جَوابَهم هَذا مِن بابِ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ نَقِيضِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ لِأنَّهم قالُوهُ عَنْ قِلَّةِ مُبالاةٍ بِالأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ كَما قالَ نُمْرُوذُ في جَوابِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ فَتَأمَّلْ، واسْتَدَلَّ أبُو حَيّانَ بِهَذا التَّغَيِّي عَلى أنَّ- لَنْ- لا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ لِأنَّ التَّغَيِّيَ لا يَكُونُ إلّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحْتَمَلًا فَيُزالُ الِاحْتِمالُ بِهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القائِلَ بِإفادَتِها ذَلِكَ لا يَدَّعِي أنَّها تُفِيدُهُ في كُلِّ المَوارِدِ وهو ظاهِرٌ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ اعْتَزَلَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَ الصِّياحَ وكانُوا يَسْجُدُونَ إذا خارَ العِجْلُ فَلا يَرْفَعُونَ حَتّى يَخُورَ ثانِيَةً، وفي رِوايَةٍ كانُوا يَرْقُصُونَ عِنْدَ خُوارِهِ، قالَ لِلسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ: هَذا صَوْتُ الفِتْنَةِ حَتّى إذا وصَلَ قالَ لِقَوْمِهِ ما قالَ وسَمِعَ مِنهم ما قالُوا.
طه 20:92
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ نَشَأ مِن حِكايَةِ جَوابِهِمُ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى لِهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ سَمِعَ جَوابَهم وهَلْ رَضِيَ بِسُكُوتِهِ بَعْدَ ما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ؟
فَقِيلَ: قالَ لَهُ وهو مُغْتاظٌ قَدْ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى دَلِيلِ بُطْلانِها ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ تَتَّبِعَنِي عَلى أنْ لا سَيْفٌ خَطِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِمَنَعَ، وقِيلَ: بِتَتَّبِعَنِي، ورَدَ بِأنَّ ما بَعْدَ- أنْ- لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وأُجِيبُ بِأنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ وبِأنَّ الفِعْلَ السّابِقَ لِما طَلَبَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ كانَ مُقَدَّمًا حَكَمًا وهو كَما تَرى أيْ أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ حِينَ رُؤْيَتِكَ لِضَلالِهِمْ مِن أنْ تَتَّبِعَنِي وتَسِيرَ بِسَيْرِي في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى والمُقاتَلَةِ مَعَ مَن كَفَرَ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ ولا يُساعِدُهُ ظاهِرُ الِاعْتِذارِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما مَنَعَكَ مِن أنْ تَلْحَقَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِمَن آمَنُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة 251
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى أنَّ مُفارَقَةَ هارُونَ لَهم وخُرُوجَهُ مِن بَيْنِهِمْ بَعْدَ تِلْكَ النَّصائِحِ القَوْلِيَّةِ أزْجَرُ لَهم مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى النَّصائِحِ لِما أنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى الغَضَبِ وأشَدُّ في الإنْكارِ لا سِيَّما وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ مَحْبُوبًا لَدَيْهِمْ، ومُوسى يَعْلَمُ ذَلِكَ ومُفارَقَةُ الرَّئِيسِ المَحْبُوبِ كَراهَةً لِأمْرٍ تَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ وتَسْتَدْعِي تَرْكَ ذَلِكَ الأمْرِ المَكْرُوهِ لَهُ الَّذِي يُوجِبُ مُفارَقَتَهُ وهَذا ظاهِرٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَن أنْصَفَ.
فالقَوْلُ بِأنَّ نَصائِحَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ تَزْجُرْهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَلِأنْ لا تَزْجُرَهم مُفارَقَتُهُ إيّاهم عَنْهُ أوْلى عَلى ما فِيهِ لا يَرُدُّ عَلى ما ذَكَرْنا ولا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلْحَقُهُ ويُخْبِرُهُ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالقِصَّةِ يَخافُونَ رُجُوعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْزَجِرُونَ عَنْ ذَلِكَ لِيُقالَ: إنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ كَيْفَ لا وهْمَ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهم عاكِفُونَ عَلَيْهِ إلى حِينِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّ (لا) لَيْسَتْ مَزِيدَةً، والمَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى عَدَمِ الِاتِّباعِ فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ بِسِياسَتِهِمْ حَسَبَ ما يَنْبَغِي فَإنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ بِدُونِ ضَمِّ قَوْلِهِ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ لِلْأمْرِ بِذَلِكَ حَتْمًا فَإنَّ الخِلافَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِمُباشَرَةِ الخَلِيفَةِ ما كانَ يُباشِرُهُ المُسْتَخْلَفُ لَوْ كانَ حاضِرًا ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ كانَ حاضِرًا لَساسَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألَمْ تَتْبَعْنِي أوْ أخالَفْتَنِي فَعَصَيْتَ أمْرِي
طه 20:93
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ نَشَأ مِن حِكايَةِ جَوابِهِمُ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى لِهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ سَمِعَ جَوابَهم وهَلْ رَضِيَ بِسُكُوتِهِ بَعْدَ ما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ؟
فَقِيلَ: قالَ لَهُ وهو مُغْتاظٌ قَدْ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى دَلِيلِ بُطْلانِها ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ تَتَّبِعَنِي عَلى أنْ لا سَيْفٌ خَطِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِمَنَعَ، وقِيلَ: بِتَتَّبِعَنِي، ورَدَ بِأنَّ ما بَعْدَ- أنْ- لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وأُجِيبُ بِأنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ وبِأنَّ الفِعْلَ السّابِقَ لِما طَلَبَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ كانَ مُقَدَّمًا حَكَمًا وهو كَما تَرى أيْ أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ حِينَ رُؤْيَتِكَ لِضَلالِهِمْ مِن أنْ تَتَّبِعَنِي وتَسِيرَ بِسَيْرِي في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى والمُقاتَلَةِ مَعَ مَن كَفَرَ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ ولا يُساعِدُهُ ظاهِرُ الِاعْتِذارِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما مَنَعَكَ مِن أنْ تَلْحَقَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِمَن آمَنُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة 251
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى أنَّ مُفارَقَةَ هارُونَ لَهم وخُرُوجَهُ مِن بَيْنِهِمْ بَعْدَ تِلْكَ النَّصائِحِ القَوْلِيَّةِ أزْجَرُ لَهم مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى النَّصائِحِ لِما أنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى الغَضَبِ وأشَدُّ في الإنْكارِ لا سِيَّما وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ مَحْبُوبًا لَدَيْهِمْ، ومُوسى يَعْلَمُ ذَلِكَ ومُفارَقَةُ الرَّئِيسِ المَحْبُوبِ كَراهَةً لِأمْرٍ تَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ وتَسْتَدْعِي تَرْكَ ذَلِكَ الأمْرِ المَكْرُوهِ لَهُ الَّذِي يُوجِبُ مُفارَقَتَهُ وهَذا ظاهِرٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَن أنْصَفَ.
فالقَوْلُ بِأنَّ نَصائِحَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ تَزْجُرْهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَلِأنْ لا تَزْجُرَهم مُفارَقَتُهُ إيّاهم عَنْهُ أوْلى عَلى ما فِيهِ لا يَرُدُّ عَلى ما ذَكَرْنا ولا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلْحَقُهُ ويُخْبِرُهُ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالقِصَّةِ يَخافُونَ رُجُوعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْزَجِرُونَ عَنْ ذَلِكَ لِيُقالَ: إنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ كَيْفَ لا وهْمَ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهم عاكِفُونَ عَلَيْهِ إلى حِينِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّ (لا) لَيْسَتْ مَزِيدَةً، والمَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى عَدَمِ الِاتِّباعِ فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ بِسِياسَتِهِمْ حَسَبَ ما يَنْبَغِي فَإنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ بِدُونِ ضَمِّ قَوْلِهِ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ لِلْأمْرِ بِذَلِكَ حَتْمًا فَإنَّ الخِلافَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِمُباشَرَةِ الخَلِيفَةِ ما كانَ يُباشِرُهُ المُسْتَخْلَفُ لَوْ كانَ حاضِرًا ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ كانَ حاضِرًا لَساسَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألَمْ تَتْبَعْنِي أوْ أخالَفْتَنِي فَعَصَيْتَ أمْرِي
طه 20:94
﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ﴾ خَصَّ الأُمَّ بِالإضافَةِ اسْتِعْطافًا وتَرْقِيقًا لِقَلْبِهِ لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ فَإنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُما كانا شَقِيقَيْنِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يا بْنَ أُمِّ ) بِكَسْرِ المِيمِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ بِشَعْرِ رَأْسِي فَإنَّ الأخْذَ أنْسَبُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ (لِحْيَتِي) عَلى مَعْنى بِشَعْرِ لِحْيَتِي أيْضًا لِأنَّ أصْلَ وضْعِ اللِّحْيَةِ لِلْعُضْوِ النّابِتِ عَلَيْهِ الشَّعْرُ ولا يُناسِبُهُ الأخْذُ كَثِيرَ مُناسَبَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ اسْتِعْمالُ اللِّحْيَةِ في الشَّعْرِ النّابِتِ عَلى العُضْوِ المَخْصُوصِ، وظاهِرُ الآياتِ والأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِذَلِكَ. رُوِيَ أنَّهُ أخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتِهِ بِشَمالِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيدًا مُتَصَلِّبًا غَضُوبًا لِلَّهِ تَعالى وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ تَقْصِيرٌ في هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَحِقُّ بِهِ وإنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ دائِرَةِ العِصْمَةِ الثّابِتَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ التَّأْدِيبُ فَفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ وباشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ أصْلًا ولا مُخالَفَةَ لِلشَّرْعِ، فَلا يَرُدُّ ما تَوَهَّمَهُ الإمامُ فَقالَ: لا يَخْلُو الغَضَبُ مِن أنْ يُزِيلَ عَقْلَهُ أوَّلًا والأوَّلُ لا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ والثّانِي لا يُزِيلُ السُّؤالَ بِلُزُومِ عَدَمِ العِصْمَةِ. وأجابَ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ ( بِلِحْيَتِي ) بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ (إنِّي خَشِيتُ) إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ مُوجِبِ النَّهْيِ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ عاصٍ أمْرَهُ ولا مُقَصِّرٍ في المَصْلَحَةِ أيْ خَشِيتُ لَوْ قاتَلْتُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ وتَفانَوْا وتَفَرَّقُوا أوْ خَشِيتً لَوْ لَحِقْتُكَ بِمَن آمَنَ ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِرَأْيِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ أبْناءَ واحِدٍ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ القَوْمِ ونَحْوِهِ، واسْتِلْزامُ المُقاتَلَةِ التَّفْرِيقَ ظاهِرٌ، وكَذا اللُّحُوقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مَن آمَنَ ورُبَّما يَجُرُّ ذَلِكَ إلى المُقاتَلَةِ. وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْرِيقِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ما يَسْتَتْبِعُهُ القِتالُ مِنَ التَّفْرِيقِ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ الِاجْتِماعُ.
(لَمْ تَرْقُبْ) أيْ ولَمْ تُراعِ (قَوْلِي) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (فَرَّقْتَ) أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ
صفحة 252
وتَنْسُبَ إلَيَّ تَفْرِيقَ بَنِي إسْرائِيلَ وعَدَمَ مُراعاةِ قَوْلِكَ لِي ووَصِيَّتَكَ إيّايَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿فَرَّقْتَ﴾ أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَهم غَيْرَ مُراعٍ قَوْلِي أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ مَجْمُوعَ هَذا الكَلامِ، وأرادَ بِقَوْلِ مُوسى المُضافِ إلى الياءِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ إلَخْ، وحاصِلُ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي رَأيْتُ الإصْلاحَ في حِفْظِ الدَّهْماءِ والمُداراةِ مَعَهم وزَجْرِهِمْ عَلى وجْهٍ لا يَخْتَلُّ بِهِ أمْرُ انْتِظامِهِمْ واجْتِماعِهِمْ ولا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوْمِكَ إيّايَ إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَتَكُونَ أنْتَ المُتَدارِكُ لِلْأمْرِ حَسْبَما تَراهُ لا سِيَّما والقَوْمُ قَدِ اسْتَضْعَفُونِي وقَرُبُوا مِن أنْ يَقْتُلُونِي كَما أفْصَحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا في آيَةٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ القَوْلِ المُضافِ قَوْلُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُمْلَةُ (لَمْ تَرْقُبْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَقُولَ) أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ قَوْلِي وبَيانُ حَقِيقَةِ الحالِ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ولَمْ تَرْقُبْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقَبَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِنِ اعْتِذارِ القَوْمِ بِإسْنادِ الفَسادِ إلى السّامِرِيِّ واعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ما حُكِيَ مِنَ الِاعْتِذارَيْنِ واسْتِقْرارِ أصْلِ الفِتْنَةِ عَلى السّامِرِيِّ؟ فَقِيلَ قالَ مُوَبِّخًا لَهُ إذا كانَ الأمْرُ هَذا.
طه 20:95
﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أيْ: ما شَأْنُكَ والأمْرُ العَظِيمُ الصّادِرُ عَنْكَ وما سُؤالُ عَنِ السَّبَبِ الباعِثِ لِذَلِكَ، وتَفْسِيرُ الخَطْبِ بِذَلِكَ هو المَشْهُورُ، وفي الصَّحّاحِ الخَطْبُ سَبَبُ الأمْرِ.
وقالَ بَعْضُ الثِّقاتِ: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ؟ فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ وشاعَ في الشَّأْنِ والأمْرِ العَظِيمِ لِأنَّهُ يُطْلَبُ ويُرْغَبُ فِيهِ، واخْتِيرَ في الآيَةِ تَفْسِيرُهُ بِالأصْلِ لِيَكُونَ الكَلامُ عَلَيْهِ أبْلَغَ حَيْثُ لَمْ يَسْألْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا صَدَرَ مِنهُ ولا عَنْ سَبَبِهِ بَلْ عَنْ سَبَبِ طَلَبِهِ، وجَعَلَ الرّاغِبُ الأصْلَ لِهَذا الشّائِعِ الخَطْبَ بِمَعْنى التَّخاطُبِ أيِ المُراجَعَةِ في الكَلامِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِأنَّ الأمْرَ العَظِيمَ يَكْثُرُ فِيهِ التَّخاطُبُ، وجُعِلَ في الأساسِ الخَطْبُ بِمَعْنى الطَّلَبِ مَجازًا فَقالَ: ومِنَ المَجازِ فُلانٌ يَخْطُبُ عَمَلَ كَذا يَطْلُبُهُ وما خَطْبُكَ ما شَأْنُكَ الَّذِي تَخْطُبُهُ، وفَرَّقَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَيْنَ الخَطْبِ والشَّأْنِ بِأنَّ الخَطْبَ يَقْتَضِي انْتِهارًا ويُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ دُونَ الشَّأْنِ ثُمَّ قالَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِنكَ. انْتَهى.
ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُطَّرِدٍ فَقَدْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ولا يَتَأتّى فِيهِ ما ذُكِرَ.
وزَعَمَ بَعْضُ مَن جَعَلَ اشْتِقاقَهُ مِنَ الخِطابِ أنَّ المَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وخِطابُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بُطْلانَ كَيْدِهِ بِاعْتِرافِهِ ويَفْعَلَ بِهِ وبِما أخْرَجَهُ ما يَكُونُ نَكالًا لِلْمَفْتُونِينَ ولِمَن خَلْفَهم مِنَ الأُمَمِ.
طه 20:96
﴿قالَ﴾ أيِ السّامِرِيُّ مُجِيبًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ فِيهِما أيْ عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ القَوْمُ وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطَنُوا لَهُ، قالَ الزَّجّاجُ يُقالُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ، وقِيلَ: بَصَرَهُ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ: وقالَ الرّاغِبُ: البَصَرُ يُقالُ: لِلْجارِحَةِ النّاظِرَةُ ولِلْقُوَّةِ الَّتِي فِيها ويُقالُ: لِقُوَّةِ القَلْبِ المُدْرِكَةِ بَصِيرَةٌ وبَصَرٌ ويُقالُ مِنَ الأوَّلِ أبْصَرْتُ. ومِنَ الثّانِي أبْصَرْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ. وقَلَّما يُقالُ: بَصُرْتُ في الحاسَّةِ إذا لَمْ يُضامَّهُ رُؤْيَةُ القَلْبِ ا هـ.
صفحة 253
وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّالِ ( بَصِرْتُ ) بِكَسْرِ الصّادِ ( بِما لَمْ يَبْصَرُوا ) بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( بُصِرْتُ ) بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الصّادِ ( بِما لَمْ تُبْصَرُوا ) بِضَمِّ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وفَتْحِ الصّادِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأبُو بَحَرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مَناذِرَ وابْنُ سَعْدانَ وقُعْنُبٌ ( بِما لَمْ ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ المَفْتُوحَةِ وبِضَمِّ الصّادِ. والخِطابُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ وهَذا مَنقُولٌ عَنْ قُدَماءِ النُّحاةِ وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الثَّعالِبِيُّ في سِرِّ العَرَبِيَّةِ، فَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّ التَّعْظِيمَ إنَّما يَكُونُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ كَفِعْلُنا غَيْرُ مُرْتَضًى وإنْ تَبِعَهُ كَثِيرٌ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأنْسَبَ بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ تَفْسِيرُ بَصُرَ بِرُأًى لا سِيَّما عَلى القِراءَةِ بِالخِطابِ فَإنَّ ادِّعاءَ عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَراءَةً عَظِيمَةً لا تَلِيقُ بِشَأْنِهِ ولا بِمَقامِهِ بِخِلافِ ادِّعاءِ رُؤْيَةِ ما لَمْ يَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مِمّا يَقَعُ بِحَسَبِ ما يَتَّفِقُ. وقَدْ كانَ فِيما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَأى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ فَلَقِ البَحْرِ عَلى فَرَسٍ فَعَرَفَهُ لِما أنَّهُ كانَ يَغْذُوهُ صَغِيرًا حِينَ خافَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ فَألْقَتْهُ في غارٍ، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تَحْتِ حافِرِ الفَرَسِ وألْقى في رُوعِهِ أنَّهُ لا يُلْقِيها عَلى شَيْءٍ فَيَقُولَ: كُنْ كَذا إلّا كانَ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ راكِبًا عَلى فَرَسٍ حِينَ جاءَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ إلى المِيقاتِ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ غَيْرُهُ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْطِئِ فَرَسِهِ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ رَآهُ كُلَّما رَفَعَ الفَرَسُ يَدَيْهِ أوْ رِجْلَيْهِ عَلى التُّرابِ اليَبَسِ يُخْرِجُ النَّباتَ فَعَرَفَ أنَّ لَهُ شَأْنًا فَأخَذَ مِن مَوْطِئِهِ حَفْنَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ. وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وأثَرُ الفَرَسِ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ لِأنَّ أثَرَ فَرَسِهِ أثَرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَعَلَّ ذِكْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ إلّا بِهَذا العُنْوانِ أوْ لِلْإشْعارِ بِوُقُوفِهِ عَلى ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ القَوْمُ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ تَأْكِيدًا لِما صَدَرَ بِهِ مَقالَتَهُ والتَّنْبِيهُ كَما قِيلَ عَلى وقْتِ أخْذِ ما أخَذَ.
والقَبْضَةِ المَرَّةِ مِنَ القَبْضِ أطْلَقَتْ عَلى المَقْبُوضِ مَرَّةً، وبِذَلِكَ يَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ المَصْدَرَ الواقِعَ كَذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ بِالتّاءِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ حُلَّةُ نَسِيجِ اليَمَنِ ولا يَقُولُونَ: نَسِيجَةِ اليَمَنِ. والجَوابُ بِأنَّ المَمْنُوعَ إنَّما هو التّاءُ الدّالَّةُ عَلى التَّحْدِيدِ لا عَلى مُجَرَّدِ التَّأْنِيثِ كَما هُنا والمُناسِبُ عَلى هَذا أنْ لا تَعْتَبِرَهُ المَرَّةَ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وحُمَيْدٌ ( قَبَصْتُ قَبْصَةً ) بِالصّادِ فِيهِما وفَرَّقُوا بَيْنَ القَبْضِ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ والقَبْصِ بِالصّادِ بِأنَّ الأوَّلَ الأخْذُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والثّانِيَ الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ، ونَحْوُهُما الخَضْمُ بِالخاءِ لِلْأكْلِ بِجَمِيعِ الفَمِ والقَضْمُ بِالقافِ لِلْأكْلِ بِأطْرافِ الأسْنانِ. وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا غُيِّرَ لَفْظُهُ لِمُناسِبَةِ مَعْناهُ فَإنَّ الضّادَ المُعْجَمَةَ لِلثِّقَلِ واسْتِطالَةِ مَخْرَجِها جُعِلَتْ فِيما يَدُلُّ عَلى الأكْثَرِ والصّادُ لِضِيقِ مَحَلِّها وخَفائِهِ جُعِلَتْ فِيما يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمِلَةِ وهو اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالمُضْغَةِ اسْمٌ لِلْمَمْضُوغِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها في الحُلِيِّ المُذابِ. وقِيلَ: في جَوْفِ العِجْلِ فَكانَ ما كانَ.
صفحة 254
﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ: زَيَّنَتْهُ وحَسَّنَتْهُ إلَيَّ والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ. وذَلِكَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وحاصِلُ جَوابِهِ أنَّ ما فَعَلَهُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ بِمَحْضِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوِ النَّقْلِيِّ أوْ مِنَ الإلْهامِ الإلَهِيِّ. هَذا ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَبِعَهم جُلُّ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ. وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ ودَرَجَ عَلَيْهِ فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، وتَقْرِيرُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ بِالعِجْلِ قالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ القَوْمُ لَيْسَ بِحَقٍّ وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ فَنَبَذْتُها أيْ طَرَحْتُها ولَمْ أتَمَسَّكْ بِها. وتَعْبِيرُهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ الغائِبِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مَن يُخاطِبُ الأمِيرَ: ما قَوْلُ الأمِيرِ في كَذا ؟ ويَكُونُ إطْلاقُ الرَّسُولِ مِنهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَوْعًا مِنَ التَّهَكُّمِ حَيْثُ كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا بِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكَفَرَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ انْتَهى، وانْتَصَرَ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ. ويَبْعُدُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ الرَّسُولِ ولَمْ يُرَ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ وأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ خِلافُ الأصْلِ، وأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنٍ سائِرِ النّاسِ بَعِيدٌ جِدًّا. وأيْضًا كَيْفَ عَرَفَ أنَّ أثَرَ حافِرِ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأمْرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن حَياةِ الجَمادِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الأثَرُ نَفْسُهُ أوْلى بِالحَياةِ. وأيْضًا مَتى اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ شَيْءٌ آخَرُ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِيما أتى بِهِ المُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ، وأيْضًا يَبْعُدُ الكُفْرُ والإقْدامُ عَلى الإضْلالِ بَعْدَ أنْ عَرَفَ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَجِيءِ هَذا الرَّسُولِ الكَرِيمِ إلَيْهِ انْتَهى.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ عُهِدَ في القُرْآنِ العَظِيمِ إطْلاقُ الرَّسُولِ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وعَدَمُ جَرَيانِ ذِكْرٍ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَعْهُودًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ شائِعًا في بَنِي إسْرائِيلَ لا سِيَّما إنْ قُلْنا بِصِحَّةِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُغَذِّي مَن يَلْقى مِن أطْفالِهِمْ في الغارِ في زَمانِ قَتْلِ فِرْعَوْنَ لَهم، وبِأنَّ تَقْدِيرَ المُضافِ في الكَلامِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وقَدْ عُهِدَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مَرَّةٍ، وبِأنَّ رُؤْيَتَهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ النّاسِ كانَ ابْتِلاءً مِنهُ تَعالى لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا. وبِأنَّ مَعْرِفَتَهُ تَأْثِيرَ ذَلِكَ الأثَرِ ما ذُكِرَ كانَتْ لِما ألْقى في رُوعِهِ أنَّهُ لا يُلْقِيهِ عَلى شَيْءٍ فَيَقُولُ كُنْ كَذا إلّا كانَ كَما في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ كانَتْ لِما شاهَدَ مِن خُرُوجِ النَّباتِ بِالوَطْءِ كَما في بَعْضِ الآثارِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِأنَّ ما ذُكِرَ مِن أوْلَوِيَّةِ الأثَرِ نَفْسِهِ بِالحَياةِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ ألا تَرى أنَّ الإكْسِيرَ يَجْعَلُ ما يُلْقِي هو عَلَيْهِ ذَهَبًا ولا يَكُونُ هو بِنَفْسِهِ ذَهَبًا. وبِأنَّ المُعْجِزَةَ مَقْرُونَةٌ بِدَعْوى الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّحَدِّي وقَدْ قالُوا: مَتى ادَّعى أحَدٌ الرِّسالَةَ وأظْهَرَ الخارِقَ وكانَ لِسَبَبٍ خَفِيٍّ يَجْهَلُهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ قَيَّضَ اللَّهُ تَعالى ولا بُدَّ مَن يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ
صفحة 255
ذَلِكَ بِإظْهارِ مِثْلِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِالدَّعْوى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أوْ جَعَلَ المُدَّعِي بِحَيْثُ لا يَقْدُمُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ الخارِقِ بِذَلِكَ السَّبَبِ بِأنْ يَسْلُبَ قُوَّةَ التَّأْثِيرِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وتَكُونُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةُ البالِغَةُ، وجَوَّزُوا ظُهُورَ الخارِقِ لا عَنْ سَبَبٍ أوْ عَنْ سَبَبٍ خَفِيٍّ عَلى يَدِ مُدَّعِي الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ كَذِبَهُ ظاهِرٌ عَقْلًا ونَقْلًا. ولا تَتَوَقَّفُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ. وبِأنَّ ما ذُكِرَ مِن بَعْدِ الكُفْرِ والإضْلالِ مِنَ السّامِرِيِّ بَعْدَ أنْ عَرَفَ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ السُّقُوطِ فَقَدْ قالَ تَعالى ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ ولَيْسَ كُفْرُ السّامِرِيِّ بِأبْعَدَ مِن كُفْرِ فِرْعَوْنَ وقَدْ رَأى ما رَأى. ويَرُدُّ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ عَنْ خَيْرِ القُرُونِ مِمّا لا يُقالُ مِثْلُهُ مِن قَبْلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ الغائِبِ بَعِيدٌ. وإرادَةُ وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً إلَخْ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْعَدُ. وأنَّ نَبْذَ ما عُرِفَ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لا يُعَدُّ مِن تَسْوِيلِ النَّفْسِ في شَيْءٍ فَلا يُناسِبُ خَتْمَ جَوابِهِ بِذَلِكَ. فَزَعَمَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أقْرَبَ إلى التَّحْقِيقِ باطِلٌ عِنْدَ أرْبابِ التَّدْقِيقِ. وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ ما ألْقاهُ السّامِرِيُّ كانَ قِطْعَةً مِنَ الحُلِيِّ مَنقُوشًا عَلَيْها بَعْضُ الطَّلْسَماتِ وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَلَّقَها في عُنُقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَ صَغِيرًا كَما يُعَلِّقُ النّاسُ اليَوْمَ في أعْناقِ أطْفالِهِمُ التَّمائِمَ ورُبَّما تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَنقُوشًا عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الآياتِ أوِ الأسْماءِ أوِ الطَّلْسَماتِ وقَدْ ظَفِرَ بِها مِن حَيْثُ ظَفِرَ فَنَبَذَها مَعَ حُلِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَ ما كانَ لِخاصِّيَّةِ ما نُقِشَ عَلَيْها فَيَكُونُ عَلى هَذا قَدْ أرادَ بِالرَّسُولِ رَسُولَ بَنِي إسْرائِيلَ في مِصْرَ مِن قَبْلُ وهو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمْ يَجِئْ عِنْدَنا خَبَرٌ صَحِيحٌ ولا ضَعِيفٌ بَلْ ولا مَوْضُوعٌ فِيما زَعَمُوا. نَعَمْ جاءَ عِنْدَنا أنَّ يَعْقُوبَ كانَ قَدْ جَعَلَ القَمِيصَ المُتَوارَثَ في تَعْوِيذٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفَسَّرَ بَعْضُهم بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ إلَخْ. وما أغْفَلَ أُولَئِكَ البُهْتِ عَنْ زَعْمِ أنَّ الأثَرَ هو ذَلِكَ القَمِيصُ فَإنَّهُ قَدْ عَهِدَ مِنهُ ما تَقَدَّمَ في أحْسَنِ القَصَصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ فَبَيْنَ مُعافاةِ المُبْتَلى وحَياةِ الجَمادِ مُناسَبَةٌ كُلِّيَّةٌ فَهَذا الكَذِبُ لَوِ ارْتَكَبُوهُ لَرُبَّما كانَ أرْوَجَ قَبُولًا عِنْدَ أمْثالِ الأصْبِهانِيِّ الَّذِينَ يَنْبِذُونَ ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ مِمّا لا يُقالُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ وراءَ ظُهُورِهِمْ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الضَّلالِ.
طه 20:97
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ ﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ النّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ. و( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ العامِلِ في (لَكَ) أيْ: ثابِتٌ لَكَ في الحَياةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكافِ، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ المَذْكُورِ أيْضًا لِاعْتِمادِهِ عَلى ما هو مُبْتَدَأٌ مَعْنًى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بِتَقُولَ لِمَكانِ أنْ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عُذْرُ مَن يُعَلِّقُ الظَّرْفَ المُتَقَدِّمَ بِما بَعْدَها. ولا يَظْهَرُ ما يُشْفِي الخاطِرَ في وجْهِ تَعْلِيقِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ- إذْ- في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ فِيما بَعْدَ أنْ وعَدَمُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ ﴿فِي الحَياةِ﴾ فِيما بَعْدَها أيْ إنَّ لَكَ مُدَّةَ حَياتِكَ أنْ تُفارِقَ النّاسَ مُفارَقَةً كُلِّيَّةً لَكِنْ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ بِمُوجِبِ التَّكْلِيفِ بَلْ بِحَسَبِ الِاضْطِرارِ المُلْجِئِ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى رَماهُ بِداءٍ عُقامٍ لا يَكادُ يَمَسُّ أحَدًا أوْ يَمَسُّهُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ إلّا حُمَّ مِن ساعَتِهِ حُمّى شَدِيدَةً فَتَحامى النّاسُ وتَحامُوهُ وكانَ يَصِيحُ بِأقْصى صَوْتِهِ لا مِساسَ وحَرُمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُؤاكَلَتُهُ ومُبايَعَتُهُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعْتادُ جَرَيانُهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُعامَلاتِ،
صفحة 256
وصارَ بَيْنَ النّاسِ أوْحَشَ مِنَ القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ ومِنَ الوَحْشِيِّ النّافِرِ في البَيْداءِ، وذُكِرَ أنَّهُ لَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ، وذَكَرَ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ أنَّ لَكَ ولِوَلَدِكَ أنْ تَقُولَ إلَخْ، وخَصَّ عَمْرٌو الحُمّى بِما إذا كانَ الماسُّ أجْنَبِيًّا، وذُكِرَ أنَّ بَقايا ولَدِهِ باقٍ فِيهِمْ تِلْكَ الحالُ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِالوَسْواسِ حِينَ قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا
وأنْكَرَ الجُبّائِيُّ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَرٍّ والحُمّى عِنْدَ المَسِّ وقالَ: إنَّهُ خافَ وهَرَبَ وجَعَلَ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ لا يَجِدُ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَمَسُّهُ حَتّى صارَ لِبُعْدِهِ عَنِ النّاسِ كالقائِلِ لا مِساسَ وصَحَّحَ الأوَّلَ، والمِساسُ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مَصْدَرِ قاتَلَ وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ وأُرِيدَ بِالنَّفْيِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقَعْنَبٌ ( لا مَساسِ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ آخِرِهِ وهو بِوَزْنِ فَجارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ إنْ ورَدْتَ الماءَ فَلا عُبابَ وإنْ فَقَدْتَهُ فَلا أُبابَ. وهي كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والِعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ أيِ الطَّلَبِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلُهُ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مَساسِ
و( لا ) عَلى هَذا لَيْسَتِ النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَّكِراتِ وهَذا مَعْرِفَةٌ مِن أعْلامِ الأجْناسِ ولا داخِلَةٌ مَعْنًى عَلَيْهِ فَإنَّ المَعْنى لا يَكُونُ أوْ لا يَكُنْ مِنكَ مَسٌّ لَنا. وهَذا أوْلى مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى لا أقُولُ مَساسِ.
وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ كَنِزالِ. والمُرادُ نَفْيُ الفِعْلِ أيْ لا أُمْسِكُ والسِّرُّ في عُقُوبَتِهِ عَلى جِنايَتِهِ بِما ذُكِرَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ ضِدَّ ما قَصَدَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النّاسُ ويُعَزِّزُوهُ، فَكانَ سَبَبًا لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَحْقِيرِهِ وصارَ لَدَيْهِمْ أبْغَضَ مِنَ الطَّلْياءِ وأهْوَنَ مِن مِعْبَأةٍ.
وقِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ التَّضادِّ فَإنَّهُ لَمّا أنْشَأ الفِتْنَةَ بِما كانَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِحَياةِ المَواتِ عُوقِبَ بِما يُضادُّهُ حَيْثُ جُعِلَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِلْحُمّى الَّتِي هي مِن أسْبابِ مَوْتِ الأحْياءِ، وقِيلَ: عُوقِبَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ حَيْثُ نَبَذَ فَنَبَذَ فَإنَّ ذَلِكَ التِحامِيَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنَّبْذِ وكانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى ما في البَحْرِ بِاجْتِهادٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحُكِيَ فِيهِ القَوْلُ بِأنَّهُ أرادَ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ سَخِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ في شَرْعِنا في قَضِيَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ» . ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ نَحْوُ ذَلِكَ لِيَضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ فَيُقْتَلَ في الحِلِّ ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أيْ: لَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الوَعْدَ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ البَتَّةَ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خَلَفًا كَأجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتَهُ جَبانًا. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدا ∗∗∗ فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَنْ تُخْلِفَ الواعِدَ إيّاهُ فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ وذُكِرَ الثّانِي لِأنَّهُ المَقْصُودُ. والمَعْنى
صفحة 257
لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَجْعَلَ الواعِدَ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ بَلْ سَيَفْعَلُهُ، ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ ابْنِ نَهِيكٍ أنَّهُ قَرَأ ( لَنْ تَخْلُفُهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وضَمِّ اللّامِ، وفي اللَّوامِحِ أنَّهُ قُرِئَ ( لَنْ يَخْلُفَهُ ) بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتُ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ، قِيلَ: المَعْنى عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا بُدَّ أنْ تُصادِفَهُ، وعَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا يَدْفَعُ قَوْلَ لا مِساسَ فافْهَمْ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ( لَنْ نَخْلِفَهُ ) بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ لَنْ نُصادِفَهُ خَلَفًا فَيَكُونُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ وهو ظاهِرٌ لَوْ كانَتِ النُّونُ مَضْمُومَةً ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ أيْ: مَعْبُودِكَ ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ أيْ ظَلِلْتَ كَما قَرَأ بِذَلِكَ أُبَيٌّ والأعْمَشُ فَحَذَفَتِ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ هَذا الحَذْفَ مِن شُذُوذِ القِياسِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وعَنْ بَعْضِ مُعاصِرِيهِ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعِفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَقِيسٌ في المُضاعَفِ إذا كانَتْ عَيْنُهُ مَكْسُورَةً أوْ مَضْمُومَةً.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمُرَ بِخِلافٍ عَنْهُ أيْضًا ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ عَلى أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلَيْها بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها، وعَنِ ابْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ ضَمَّ الظّاءَ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَجِيءِ الفِعْلِ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ وحِينَئِذٍ يُقالُ بِالنَّقْلِ كَما في الكَسْرِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِهِ ﴿عاكِفًا﴾ أيْ مُقِيمًا، وخاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ سائِرِ العاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ القائِلِينَ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ لِأنَّهُ رَأسُ الضَّلالِ ورَئِيسَ أُولَئِكَ الجُهّالِ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ بِاللَّهِ تَعالى لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ. وأبِي رَجاءٍ والكَلْبِيِّ (لَنُحْرِقَنَّهُ) مُخَفَّفًا مِن أحْرَقَ رُباعِيًّا فَإنَّ الإحْراقَ شائِعٌ فِيما يَكُونُ بِالنّارِ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ. وكَذا ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ ( لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ) .
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ نُحَرِّقُ مُبالَغَةً في حَرَقَ الحَدِيدَ حَرْقًا بِفَتْحِ الرّاءِ إذا بَرَدَهُ بِالمِبْرَدِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وحُمَيْدٌ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ. وكَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِنَحْرُقُنَّهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ فَإنَّ حَرَقَ يَحْرُقُ بِالضَّمِّ مُخْتَصٌّ بِهَذا المَعْنى كَما قِيلَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَصِرْ ذا لَحْمٍ ودَمٍ بَلْ كانَ باقِيًا عَلى الجَمادِيَّةِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُعْدَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَيًّا في تَحْرِيقِهِ بِالمِبْرَدِ إذْ يَجُوزُ خَلْقُ الحَياةِ في الذَّهَبِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الذَّهَبِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّهُ صارَ حَيَوانًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ: إنَّ التَّحْرِيقَ بِالمِبْرَدِ كانَ لِلْعِظامِ وهو كَما تَرى، وقالَ النَّسَفِيُّ: تَفْرِيقُهُ بِالمِبْرَدِ طَرِيقُ تَحْرِيقِهِ بِالنّارِ فَإنَّهُ لا يُفَرَّقُ الذَّهَبُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ. وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَقَهُ بِالمِبْرَدِ ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ النّارَ تُذِيبُهُ وتَجْمَعُهُ ولا تَحْرُقُهُ وتَجْعَلُهُ رَمادًا فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِالحِيَلِ الإكْسِيرِيَّةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ أيْ:
صفحة 258
لَنُذْرِيَنَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ (لَنُنَسِّفَنَّهُ) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّهْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَسْفًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولا يُصادَفُ مِنهُ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ، ولَقَدْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ كُلِّهِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ عُقُوبَةٍ لِلسّامِرِيِّ وإظْهارٌ لِغَباوَةِ المُفْتَتَنِينَ، وقالَ في البَحْرِ بَيانًا لِسِرِّ هَذا الفِعْلِ: يُظْهِرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو داخِلَ البَحْرِ ناسَبَ أنْ يَنْسِفَ ذَلِكَ العِجْلَ الَّذِي صاغَهُ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ وألْقى في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وأنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ تَعالى في البَحْرِ لا يَنْتَفِعُ بِها كَما قَذَفَ سُبْحانَهُ أشْخاصَ مالِكِيها وغَرَّقَهم فِيهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
طه 20:98
﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ بِتَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى الكُلِّ أيْ إنَّما مَعْبُودُكُمُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ الأُلُوهِيَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ ( اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَبُّ العَرْشِ ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ فالشَّيْءُ هَنا شامِلٌ لِلْمَوْجُودِ والمَعْدُومِ وانْتَصَبَ ﴿عِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما إلَهُكُمُ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا لا غَيْرَهُ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ العِجْلُ الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ. وقَتادَةُ (وسَّعَ) بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً فَيَكُونُ انْتِصابُ (عِلْمًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ولَمّا كانَ في القِراءَةِ الأُولى فاعِلًا مَعْنًى صَحَّ نَقْلُهُ بِالتَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِيَّةِ كَما تَقُولُ في خافَ زَيْدٌ عَمْرًا: خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا أيْ جَعَلْتُ زَيْدًا يَخافُ عَمْرًا فَيَكُونُ المَعْنى هُنا عَلى هَذا جَعَلَ عِلْمَهُ يَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مَجْعُولٍ ولا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ اقْتِضاءَ الذّاتِ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ الزِّيادَةِ جَعْلًا وبِهَذا تَمَّ حَدِيثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ،
طه 20:99
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ الوَعْدِ الجَمِيلِ بِتَنْزِيلِ أمْثالِ ما مَرَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَصْدَرِ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ مِنَ الحَوادِثِ الماضِيَةِ الجارِيَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ قَصًّا، كائِنًا كَذَلِكَ القَصُّ المارُّ أوْ قَصًّا مِثْلَ ذَلِكَ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ أيْ كَذَلِكَ لا ناقِصًا عَنْهُ، (ومِن) في ﴿مِن أنْباءِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأً أوْ بَعْضًا كائِنًا مِن أنْباءٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ﴿نَقُصُّ﴾ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ أيْ نَقُصُّ بَعْضَ أنْباءِ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ ﴿عَلَيْكَ﴾ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
صفحة 259
وفائِدَةُ هَذا القَصِّ تَوْفِيرُ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَكْثِيرُ مُعْجِزاتِهِ وتَسْلِيَتُهُ وتَذْكِرَةُ المُسْتَبْصِرِينَ مِن أُمَّتِهِ ﷺ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ كِتابًا مُنْطَوِيًا عَلى هَذِهِ الأقاصِيصِ والأخْبارِ حَقِيقًا بِالتَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ، (ومِن) مُتَعَلِّقٌ بِآتَيْناكَ، وتَنْكِيرُ ذِكْرًا لِلتَّفْخِيمِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الإفادَةِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ المُؤْتى مِن لَدُنْهُ تَعالى ذِكْرًا عَظِيمًا وقُرْآنًا كَرِيمًا جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ لا كَوْنُ ذَلِكَ الذِّكْرِ مُؤْتى مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ بِما بَعْدَهُ مِنَ الصِّفَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ذِكْرًا﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِالقُرْآنِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَيانًا ومَآلُهُ ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو سَهْلٍ: أيْ شَرَفًا وذِكْرًا في النّاسِ، ولا يُلائِمُهُ
طه 20:100
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ إذِ الظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ (عَنْهُ) لِلذِّكْرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، ولا يَحْسُنُ وصْفُ الشَّرَفِ أوِ الذِّكْرِ في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، (ومَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ مَن أعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُسْتَتْبِعِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ ﴿فَإنَّهُ﴾ أيِ: المُعْرِضَ عَنْهُ ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ: عُقُوبَةً ثَقِيلَةً عَلى إعْراضِهِ وسائِرِ ذُنُوبِهِ.
والوِزْرُ في الأصْلِ يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: الحَمْلِ الثَّقِيلِ والإثْمِ، وإطْلاقُهُ عَلى العُقُوبَةِ نَظَرًا إلى المَعْنى الأوَّلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ حَيْثُ شَبَّهَتِ. الثّانِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن حَيْثُ إنَّ العُقُوبَةَ بِالحَمْلِ الثَّقِيلِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها بِقَرِينَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ، ونَظَرًا إلى المَعْنى الثّانِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن حَيْثُ إنَّ العُقُوبَةَ جَزاءُ الإثْمِ فَهي لازِمَةٌ لَهُ أوْ مُسَبِّبَةٌ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما بَعْدُ ﴿وساءَ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ تَرْشِيحٌ لَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ وتَفْسِيرُ الوِزْرِ بِالإثْمِ وحَمْلُ الكَلامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ عُقُوبَةَ أوْ جَزاءَ إثْمٍ لَيْسَ بِذاكَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم داوُدُ بْنُ رُفَيْعٍ (يُحَمَّلُ) مُشَدَّدَ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَحْمِلُهُ طَوْعًا ويَكُونُ (وِزْرًا) عَلى هَذا مَفْعُولًا ثانِيًا.
طه 20:101
﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أيْ في الوِزْرِ المُرادِ مِنهُ العُقُوبَةُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ (يَحْمِلُ)
ونَصْبُ (خالِدِينَ) عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنَّ في (يَحْمِلُ) والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى (مَن) لِما أنَّ الخُلُودَ في النّارِ مِمّا يَتَحَقَّقُ حالَ اجْتِماعِ أهْلِها كَما أنَّ الأفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ إنْشاءٌ لِلذَّمِّ عَلى أنَّ ساءَ فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ وهو أحَدُ مَعْنَيَيْهِ المَشْهُورَيْنِ، وفاعِلُهُ عَلى هَذا هُنا مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى (حِمْلًا) الواقِعِ تَمْيِيزَ الأعْلى وِزْرًا لِأنَّ فاعِلَ بِئْسَ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ العائِدُ هو إلَيْهِ وإنْ تَأخَّرَ لِأنَّهُ مِن خَصائِصِ هَذا البابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ساءَ حِمْلُهم حَمْلًا وِزْرُهم، ولامُ (لَهُمْ) لِلْبَيانِ كَما في ( سَقْيًا لَهُ ) و﴿هَيْتَ لَكَ﴾ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن يُقالُ هَذا؟ فَقِيلَ: هو يُقالُ لَهم وفي شَأْنِهِمْ وإعادَةِ (يَوْمَ القِيامَةِ) لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ساءَ) بِمَعْنى أحْزَنَ وهو المَعْنى الآخَرُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ والتَّقْدِيرُ عَلى ما قِيلَ وأحْزَنَهُمُ الوِزْرُ حالَ كَوْنِهِ حِمْلًا لَهم. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ أيُّ فائِدَةٍ فِيهِ والوِزْرُ أدَلُّ عَلى الثِّقَلِ مَن قَيَّدَهُ ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِلَهم مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ وتَقْدِيمِهِ الَّذِي لا يُطابِقُ المَقامَ وحَذْفَ المَفْعُولِ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا يُلائِمُ ما سَبَقَ لَهُ الكَلامُ ولا مُبالَغَةَ في الوَعِيدِ
صفحة 260
بِذَلِكَ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ ما قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّ المَعْنى وأحْزَنَهم حِمْلُ الوِزْرِ عَلى أنَّ (حِمْلًا) تَمْيِيزٌ واللّامُ في (لَهُمْ) لِلْبَيانِ لِما ذُكِرَ مِن فَواتِ فَخامَةِ المَعْنى، وأنَّ البَيانَ إنْ كانَ لِاخْتِصاصِ الحِمْلِ بِهِمْ فَفِيهِ غَنِيَّةٌ، وإنْ كانَ لِمَحَلِّ الأحْزانِ فَلا كَذَلِكَ طَرِيقُ بَيانِهِ، وإنْ كانَ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ لَهم فَلَيْسَ مَوْقِعُهُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ وأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ وِزْرًا ساءَ لَهم حِمْلًا عَلى الوَصْفِ لا هَكَذا مُعْتَرِضًا مُؤَكَّدًا انْتَهى. ولا مَجالَ لِتَوْجِيهِ الإتْيانِ بِاللّامِ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ فِعْلٍ مِمّا يُلائِمُ الفِعْلَ المَذْكُورَ مُناسِبًا لَها لِأنَّها ظاهِرَةٌ في الِاخْتِصاصِ النّافِعِ والفِعْلِ في الحَدَثِ الضّارِّ، والقَوْلُ بِازْدِيادِها كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أوِ الحِمْلُ عَلى التَّهَكُّمِ تَمَحُّلٌ لِتَصْحِيحِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ويَبْقى مَعَهُ أمْرِ فَخامَةِ المَعْنى، والحاصِلُ أنَّ ما ذُكِرَ لا يُساعِدُهُ اللَّفْظُ ولا المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ساءَ) بِمَعْنى قَبُحَ فَقَدْ ذَكَرَ اسْتِعْمالَهُ بِهَذا المَعْنى وإنْ كانَ في كَوْنِهِ مَعْنًى حَقِيقِيًّا نُظِرَ، و)حِمْلًا) تَمْيِيزًا، و(لَهُمْ) حالًا، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مُتَعَلِّقًا بِالظَّرْفِ أيْ قَبُحَ ذَلِكَ الوِزْرُ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ حِمْلًا لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ وفِيهِ ما فِيهِ.
طه 20:102
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ الذِّكْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفُ المُضْمَرِ حُذِفَ لِلْإيذانِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ وبَيانِهِ أوْ بَدَلًا مِن ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أوْ بَيانًا لَهُ أوْ ظَرْفًا لِيَتَخافَتُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ( نُنْفِخُ ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآمِرِ بِهِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لِلنَّفْخِ لِأنَّ ما يَصْدُرُ مِنَ العَظِيمِ عَظِيمٌ أوْ لِلنّافِخِ بِجَعْلِ فِعْلِهِ بِمَنزِلَةِ فِعْلِهِ تَعالى وهو إنَّما يُقالُ لِمَن لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ وقُرْبُ مَرْتَبَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ الواقِعِ هو فِيهِ.
وقُرِئَ ( يَنْفُخُ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَجُرْ ذِكْرُهُ لِشُهْرَتِهِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عِياضٍ في جَماعَةٍ (فِي الصُّوَرِ) بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ كَغُرْفَةٍ وغُرَفٍ، والمُرادُ بِهِ الجِسْمُ المُصَوِّرُ. وأوْرَدَ أنَّ النَّفْخَ يَتَكَرَّرُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ والنَّفْخُ في الصُّورَةِ إحْياءٌ والإحْياءُ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ بَعْدَ المَوْتِ وما في القَبْرِ لَيْسَ بِمُرادٍ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى بِالِاتِّفاقِ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ نَفْخٍ إحْياءٌ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الصُّورَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِذَلِكَ أيْضًا، والحَقُّ تَفْسِيرُهُ بِالقَرْنِ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، وذُكِرَ ذَلِكَ صَرِيحًا مَعَ تَعِينِ أنَّ الحَشْرَ لا يَكُونُ إلّا يَوْمَئِذٍ لِلتَّهْوِيلِ، وقَرَأ الحَسَنُ ( يُحْشَرُ ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( المُجْرِمُونَ ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ أيْضًا ( يَحْشُرُ ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ ويَحْشُرُ اللَّهُ تَعالى المُجْرِمِينَ (زُرْقًا) حالَ كَوْنِهِمْ زُرْقَ الأبْدانِ وذَلِكَ غايَةٌ في التَّشْوِيهِ ولا تَزْرُقُ الأبْدانُ إلّا مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ وجُفُوفِ رُطُوبَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما زُرْقُ العُيُونِ فَهو وصْفٌ لِلشَّيْءِ بِصِفَةِ جُزْئِهِ كَما يُقالُ غُلامٌ أكْحَلُ وأحْوَلُ والكُحْلُ والحَوَلُ مِن صِفاتِ العَيْنِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً كَرَجُلٍ أعْمى وإنَّما جُعِلُوا كَذَلِكَ لِأنَّ الزُّرْقَةَ أسْوَأُ ألْوانِ العَيْنِ وأبْغَضُها إلى العَرَبِ فَإنَّ الرُّومَ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ أعْدائِهِمْ عَداوَةً زُرِقَ، ولِذَلِكَ قالُوا في وصْفِ العَدُوِّ أسْوَدُ الكَبِدِ أصْهَبُ السِّبالِ أزْرَقُ العَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ:
وما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكُونَ وفاتُهُ بِكَفَّيْ سَبَنْتى أزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ
وكانُوا يَهْجُونَ بِالزُّرْقَةِ كَما في قَوْلِهِ:
لِقَدٍّ زَرِقَتْ عَيْناكَ يا ابْنَ مُكَعْبَرٍ ∗∗∗ إلّا كَلَّ ضَبِّيٍّ مِنَ اللُّؤْمِ أزْرَقُ
وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ ﴿زُرْقًا﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ وعُمْيًا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: لِيَوْمِ القِيامَةِ حالاتُ
صفحة 261
فَحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها عُمْيًا وحالَةٌ يَكُونُونَ فِيها زُرْقًا. وعَنِ الفَرّاءِ المُرادُ مِن ﴿زُرْقًا﴾ عُمْيًا لِأنَّ العَيْنَ إذا ذَهَبَ نُورُها ازْرَقَّ ناظِرُها، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وعَنِ الأزْهَرِيِّ المُرادِ عِطاشًا لِأنَّ العَطَشَ الشَّدِيدَ يُغَيِّرُ سَوادَ العَيْنِ فَيَجْعَلُهُ كالأزْرَقِ، وقِيلَ: يَجْعَلُهُ أبْيَضَ، وجاءَ الأزْرَقُ بِمَعْنى الأبْيَضِ ومِنهُ سِنانٌ أزْرَقُ، وقَوْلُهُ: فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ويُلائِمُ تَفْسِيرُهُ بِعِطاشًا قَوْلُهُ تَعالى عَلى ما سَمِعْتُ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ .
طه 20:103
﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَخْفِضُونَ أصْواتَهم ويُخْفُونَها لِشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ حِينَئِذٍ أوْ حالٌ أُخْرى مِن ﴿المُجْرِمِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ: قائِلِينَ ما لَبِثْتُمْ في القُبُورِ ﴿إلا عَشْرًا﴾ أيْ: عَشْرَ لَيالٍ أوْ عَشَرَةَ أيّامٍ، ولَعَلَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِ الأمْثَلِ.
والمُذَكَّرُ إذا حُذِفَ وأُبْقِيَ عَدَدُهُ قَدْ لا يُؤْتى بِالتّاءِ حَكى الكِسائِيُّ صُمْنا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ ( «ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ» ) فَإنَّ المُرادَ سِتَّةُ أيّامٍ، وحُسْنُ الحَذْفِ هُنا كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةً، ومُرادُهم مِن هَذا القَوْلِ اسْتِقْصارُ المُدَّةِ وسُرْعَةُ انْقِضائِها والتَّنْدِيمُ عَلى ما كانُوا يَزْعُمُونَ حَيْثُ تَبَيَّنَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ المُحالاتِ كَأنَّهم قالُوا: قَدْ بُعِثْتُمْ وما لَبِثْتُمْ في القَبْرِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً وقَدْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم لَنْ تَقُومُوا مِنهُ أبَدًا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم عَنَوْا لَبْثَهم في الدُّنْيا وقالُوا ذَلِكَ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِيها لِزَوالِها ولِاسْتِطالَتِهِمْ مُدَّةَ الآخِرَةِ أوْ لِتَأسُّفِهِمْ عَلَيْها لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ وأيْقَنُوا أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوها عَلى إضاعَةِ الأيّامِ في قَضاءِ الأوْطارِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْ تَذَكُّرِ ذَلِكَ فالأوْفَقُ بِحالِهِمْ ما تَقَدَّمَ، وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ اللُّبْثُ في القُبُورِ وفِيهِ بَحْثٌ.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهم عَنَوْا لَبْثَهم بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ يَلْبَثُونَ أرْبَعِينَ سَنَةً مَرْفُوعًا عَنْهُمُ العَذابُ
طه 20:104
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي يَقُولُونَهُ وهو مُدَّةُ لَبْثِهِمْ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ أيْ: أعْدَلُهم رَأْيًا وأرْجَحُهم عَقْلًا (وإذْ) ظَرْفُ يَقُولُونَ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ واحِدًا وإلَيْهِ يَنْتَهِي العَدَدُ في القِلَّةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الوَقْتِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فالمُرادُ إلّا زَمَنًا قَلِيلًا، وظاهِرُ المُقابَلَةِ بِالعَشْرِ يُبْعِدُهُ، ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى ﴿أمْثَلُهُمْ﴾ اسْتِرْجاحٌ مِنهُ تَعالى لَهُ لَكِنْ لا لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الصِّدْقِ بَلْ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ في التَّنْدِيمِ أوْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ وهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ قائِلِهِ أعْلَمَ بِفَظاعَةِ الأمْرِ وشِدَّةِ العَذابِ.
طه 20:105
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ السّائِلُونَ مُنْكِرُو البَعْثِ مِن قُرَيْشٍ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَيْفَ يَفْعَلُ رَبُّكَ بِالجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: جَماعَةٌ مِن ثَقِيفٍ، وقِيلَ: أُناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ يَجْعَلُها سُبْحانَهُ كالرَّمْلِ ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْها الرِّياحَ فَتُفَرِّقُها، والفاءُ لِلْمُسارَعَةِ إلى إزالَةِ ما في ذِهْنِ السّائِلِ مِن بَقاءِ الجِبالِ بِناءً عَلى ظَنِّ أنَّ ذَلِكَ مِن تَوابِعِ عَدَمِ الحَشْرِ ألا تَرى أنَّ مُنْكِرِي الحَشْرِ يَقُولُونَ بِعَدَمِ تَبَدُّلِ هَذا النِّظامِ المُشاهَدِ في الأرْضِ والسَّماواتِ أوْ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ حِفْظًا مِن أنْ يُتَوَهَّمَ ما يَقْضِي بِفَسادِ الِاعْتِقادِ.
وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السّائِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والأوَّلَ: عَلى أنَّهُ مِن مُنْكِرِي البَعْثِ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: إنَّ مَقْصُودَ السّائِلِينَ الطَّعْنُ في الحَشْرِ والنَّشْرِ فَلا جَرَمَ أمَرَ ﷺ بِالجَوابِ مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ في
صفحة 262
هَذِهِ المَسْألَةِ الأُصُولِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ وأمّا تَأْخِيرُهُ في المَسائِلِ الفُرُوعِيَّةِ فَجائِزٌ ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في الأمْرِ بِالجَوابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ إمّا عَنْ قِدَمِ الجِبالِ أوْ عَنْ وُجُوبِ بَقائِها وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أُمَّهاتِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ فَلا جَرَمَ أمَرَ ﷺ أنْ يُجِيبَهُ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْ هَذا السُّؤالِ في الحالِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِأنَّ القَوْلَ بِقِدَمِها أوْ وُجُوبِ بَقائِها كُفْرٌ، ودَلالَةُ الجَوابِ عَلى نَفْيٍ ذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّ النَّسْفَ مُمْكِنٌ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الجَبَلِ، والحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا في حَقِّ كُلِّ الجَبَلِ فَلَيْسَ بِقَدِيمٍ ولا واجِبِ الوُجُودِ لِأنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والنَّسْفُ انْتَهى.
واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ جَوازِ التَّغَيُّرِ والنَّسْفِ إنَّما يُسَلَّمُ في حَقِّ القَدِيمِ بِالذّاتِ ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِنَ السّائِلَيْنِ إلى كَوْنِ الجِبالِ قَدِيمَةً كَذَلِكَ، وأمّا القَدِيمُ بِالزَّمانِ فَلا يُمْتَنَعُ عَلَيْهِ لِذاتِهِ ذَلِكَ بَلْ إذا امْتَنَعَ فَإنَّما يَمْتَنِعُ لِأمْرٍ آخَرَ عَلى أنَّ في كَوْنِ الجِبالِ قَدِيمَةً بِالزَّمانِ عِنْدَ السّائِلَيْنِ وكَذا غَيْرُهم مِنَ الفَلاسِفَةِ نَظَرًا بَلِ الظّاهِرُ أنَّ الفَلاسِفَةَ قائِلُونَ بِحُدُوثِها الزَّمانِيِّ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَبْدَأً مُعَيَّنًا لِحُدُوثِها فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ قَدْ ذُكِرا في عِدَّةِ مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِنها فُرُوعِيَّةٌ ومِنها أُصُولِيَّةٌ والأُصُولِيَّةُ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ولا يَخْفى أنَّ عَدَّ جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُصُولِيَّةِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وعَلى تَقْدِيرِ ظُهُورِ ذَلِكَ في الجَمِيعِ يَرِدُ السُّؤالُ عَنْ سِرِّ اقْتِرانِ الأمْرِ بِالجَوابِ بِالفاءِ في بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ.
وكَوْنُ ما اقْتَرَنَ بِالفاءِ هو الأهَمَّ في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ الأمْرَ بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الرُّوحِ إنْ كانَ عَنِ القِدَمِ ونَحْوِهِ فَمُهِمٌّ كالأمْرِ بِالجَوابِ فِيما نَحْنُ فِيهِ بَلْ لَعَلَّهُ أهَمُّ مِنهُ لِتَحَقُّقِ القائِلِ بِالقِدَمِ الزَّمانِيِّ لِلرُّوحِ بِناءً عَلى أنَّها النَّفْسُ النّاطِقَةُ كَأفْلاطُونَ وأتْباعِهِ، وقَدْ يُقالُ: لَمّا كانَ الجَوابُ هُنا لِدَفْعِ السُّؤالِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ تَخافُتُ المُجْرِمِينَ المُقْتَضِي لا لِاجْتِماعِهِمْ، والجِبالُ في البَيْنِ مانِعَةٌ عَنْ ذَلِكَ فَمَتى قُلْتُمْ بِصِحَّتِهِ فَبَيِّنُوا لَنا كَيْفَ يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِها؟ فَأُجِيبُ بِأنَّ الجِبالَ تُنْسَفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلا يَبْقى مانِعٌ عَنِ الِاجْتِماعِ والتَّخافُتِ، وقَرَنَ الأمْرَ بِالفاءِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الذَّبِّ عَنِ الدَّعْوَةِ السّابِقَةِ، والآياتُ الَّتِي لَمْ يُقْرَنِ الأمْرُ فِيها بِالفاءِ لَمْ تُسَقْ هَذا المَساقَ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الأذْواقِ، وقالَ النَّسَفِيُّ وغَيْرُهُ: الفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ السُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ كَما وقَعَ في قِصَّةِ الرُّوحِ وغَيْرِها فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ ثَمَّةَ وأُتِيَ بِهِ هُنا فَيَسْألُونَكَ مُتَمَحِّضٌ لِلِاسْتِقْبالِ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَفْعَلُ رَبُّكَ بِهَذِهِ الجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَزَلَتْ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ إنَّما قُرِنَ بِها هُنا ولَمْ يُقْرَنْ بِها ثَمَّةَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الجَوابَ مَعْلُومٌ لَهُ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُبادَرَةِ إلَيْهِ بِخِلافِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجَوابَ عَنْ سُؤالِ الرُّوحِ، وعَنْ سُؤالِ المَحِيضِ ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ ﷺ قَبْلُ لَمْ يَتَجاسَرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن عَوامِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ خَواصِّهِمْ فَما ذَكَرَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
صفحة 263
ومِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى أنَّ بَعْضَ المُعاصِرِينَ سَمِعَ السُّؤالَ عَنْ سِرِّ اقْتِرانِ الأمَلِ هُنا بِالفاءِ وعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِها في الآياتِ الأُخَرَ فَقالَ: ما أجْهَلَ هَذا السّائِلُ بِما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ مِنَ المَسائِلِ أما سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أما دَرى أنَّ مَعْناهُ نَهْيُ مَن يُرِيدُ السُّؤالَ عَنْ أنْ يَسْألَ. وأدَلُّ مِن هَذا عَلى جَهْلِ الرَّجُلِ أنَّهُ دُونَ ما قالَ ولَمْ يُبالِ بِما قِيلَ ويُقالُ، ونَقْلِي لِذَلِكَ مِن بابِ التَّحْمِيضِ وتَذْكِيرِ مَن سَلِمَ مِن مَثَلِ هَذا الدّاءِ بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الفَضْلِ الطَّوِيلِ العَرِيضِ،
طه 20:106
وأمْرُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَيَذَرُها﴾ ظاهِرٌ جِدًّا، والضَّمِيرُ إمّا لِلْجِبالِ بِاعْتِبارِ أجْزائِها السّافِلَةِ الباقِيَةِ بَعْدَ النَّسْفِ وهي مَقارُّها ومَراكِزُها أيْ فَنَذَرُ ما انْبَسَطَ مِنها وساوى سَطْحُهُ سُطُوحَ سائِرِ أجْزاءِ الأرْضِ بَعْدَ نَسْفِ ما نَتَأ مِنها ونَشَزَ وإمّا لِلْأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ لِأنَّها الباقِيَةُ بَعْدَ نَسْفِ الجِبالِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَذَرُ سُبْحانَهُ الكُلَّ قاعًا ﴿صَفْصَفًا﴾ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُوِّيِتْ وجُعِلَ سَطْحُها مُساوِيًا لِسُطُوحِ أجْزاءِ الأرْضِ فَقَدْ جُعِلَ الكُلُّ سَطْحًا واحِدًا، والقاعُ قِيلَ: السَّهْلُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ:
لَتَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ فُقْعَةَ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الأرْضُ المَلْساءُ لا نَباتَ فِيها ولا بِناءَ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّهُ المَكانُ المُنْكَشِفُ، وقِيلَ: المُسْتَوِي الصُّلْبِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ مُسْتَنْقَعُ الماءِ ولَيْسَ بِمُرادٍ. وجَمْعُهُ أقْوُعٌ وأقْواعٌ وقِيعانٌ والصُّفْصُفُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المَلْساءُ كَأنَّ أجْزاءَهُ صَفٌّ واحِدٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وقِيلَ: الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ جَعَلَ القاعَ والصَّفْصَفَ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو المُسْتَوِي الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ وانْتِصابُ قاعًا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَذَرَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى التَّصْيِيرِ. و(صَفْصَفًا) إمّا حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي،
طه 20:107
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَرى فِيها﴾ أيْ في مَقارِّ الجِبالِ أوْ في الأرْضِ عَلى ما فُصِّلَ ﴿عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ كَيْفِيَّةَ ما سَبَقَ مِنَ القاعِ الصَّفْصَفِ أوْ حالٌ أُخْرى أوْ صِفَةٌ لِقاعٍ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ. وعُلِّقَتْ بِالعِوَجِ وهو بِكَسْرِ العَيْنِ ما لا يُدْرَكُ بِفَتْحِها بَلْ بِالبَصِيرَةِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ ما خَفِيَ مِنَ الِاعْوِجاجِ حَتّى احْتاجَ إثْباتُهُ إلى المِساحَةِ الهَنْدَسِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَأُلْحِقَ بِما هو عَقْلِيٌّ صِرْفٌ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِذَلِكَ وهَذا بِخِلافِ العِوَجِ بِفَتْحِ العَيْنِ فَإنَّهُ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِها كَعِوَجِ الحائِطِ والعُودِ وبِهَذا فُرَّقَ بَيْنَهُما في الجَمْهَرَةِ وغَيْرِها.
واخْتارَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، وقالَ أبُو عَمْرٍو: يُقالُ لِعَدَمِ الِاسْتِقامَةِ المَعْنَوِيَّةِ والحِسِّيَّةِ عِوَجٌ بِالكَسْرِ، وأمّا العَوَجُ بِالفَتْحِ فَمَصْدَرُ عَوِجَ، وصَحَّ الواوُ فِيهِ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مِن أعْوَجَ. ولَمّا صَحَّ في الفِعْلِ صَحَّ في المَصْدَرِ أيْضًا، والأمْتُ النُّتُوءُ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّقْلِيلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِوَجًا مِيلًا ولا أمْتًا أثَرًا مِثْلَ الشِّراكِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ عِوَجًا وادِيًا ولا أمْتًا رابِيَةً. وعَنْ قَتادَةَ عِوَجًا صَدْعًا ولا أمْتًا أكَمَةً، وقِيلَ: الأمْتُ الشُّقُوقُ في الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يَغْلُظَ مَكانٌ ويَدُقَّ مَكانٌ، وقِيلَ: الأمْتُ في الآيَةِ العِوَجُ في السَّماءِ تِجاهَ الهَواءِ والعِوَجُ في الأرْضِ مُخْتَصٌّ بِالعَرْضِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
طه 20:108
صفحة 264
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تُنْسَفُ الجِبالُ عَلى إضافَةِ يَوْمٍ إلى وقْتِ النَّسْفِ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ ظَرْفٌ وإنْ كانَ لا مانِعَ عَنْهُ عِنْدَ مَن عَرَفَهُ بِمُتَجَدِّدٍ يُقَدَّرُ بِهِ مُتَجَدِّدٌ آخَرُ. وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى الِاسْمِ كَما قِيلَ في شَهْرِ رَمَضانَ. وهو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ.
فالعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ فِيهِ، وفِيهِ الفَصْلُ الكَثِيرُ وفَواتُ ارْتِباطِ يَتَّبِعُونَ بِما قَبْلَهُ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ مُعْتَرِضٌ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ وضَمِيرُ (يَتَّبِعُونَ) لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالدّاعِي داعِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى المَحْشَرِ وهو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضَعُ الصُّورَ في فِيهِ ويَدْعُو النّاسَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ قائِمًا عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمُّوا إلى العَرْضِ إلى الرَّحْمَنِ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ صَوْبٍ إلى صَوْتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ تَعالى النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلْمَةٍ، تُطْوى السَّماءُ وتَتَناثَرُ النُّجُومُ ويَذْهَبُ الشَّمْسُ والقَمَرُ ويُنادِي مُنادٍ فَيَتَّبِعُ النّاسُ الصَّوْتَ يَؤُمُّونَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ إلَخْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: (الدّاعِيَ) هُنا الرَّسُولُ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أصَحُّ.
﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيْ لِلدّاعِي عَلى مَعْنى لا يَعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ، وهَذا كَما يُقالُ: لا عِصْيانَ لَهُ أيْ لا يُعْصى ولا ظُلْمَ لَهُ أيْ لا يَظْلَمُ، وأصْلُهُ أنَّ اخْتِصاصَ الفِعْلِ بِمُتَعَلِّقِهِ ثابِتٌ كَما هو بِالفاعِلِ، وقِيلَ: أيْ لا عِوَجَ لِدُعائِهِ فَلا يُعْصى ولا ظُلْمَ لَهُ أيْ لا يُظْلَمُ، وأصْلُهُ أنَّ اخْتِصاصَ الفِعْلِ بِمُتَعَلِّقِهِ ثابِتٌ كَما هو بِالفاعِلِ، وقِيلَ: أيْ لا عِوَجَ لِدُعائِهِ فَلا يَمِيلُ إلى ناسٍ دُونَ ناسٍ بَلْ يَسْمَعُ جَمِيعَهم وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.
وقِيلَ: هو عَلى القَلْبِ أيْ لا عِوَجَ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الدّاعِي أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا شَكَّ فِيهِ ولا يُخالِفُ وُجُودُهُ خَبَرَهُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ خَفِيَتْ لِمَهابَتِهِ تَعالى وشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سَكَنَتْ والخُشُوعُ مَجازٌ في ذَلِكَ، وقِيلَ: لا مَجازَ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أصْحابُ الأصْواتِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ السَّمْعُ ﴿إلا هَمْسًا﴾ أيْ صَوْتًا خَفِيًّا خافِتًا كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو الكَلامُ الخَفِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ ( فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا ) وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُرى لا مِمّا يُسْمَعُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ خَفْقُ الأقْدامِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا
وذُكِرَ أنَّهُ يُقالُ لِلْأسَدِ الهَمُوسُ لِخَفاءِ وطْئِهِ فالمَعْنى سَكَنَتْ أصْواتُهم وانْقَطَعَتْ كَلِماتُهم فَلَمْ يُسْمَعْ مِنهم إلّا خَفْقُ أقْدامِهِمْ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ
طه 20:109
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ وهو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾، والمُرادُ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ مِنَ الشُّفَعاءِ أحَدًا ﴿إلا مَن أذِنَ﴾ في الشَّفاعَةِ.
﴿لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ و(مَن) مَفْعُولُ (تَنْفَعُ) وهي عِبارَةٌ عَنِ المَشْفُوعِ لَهُ (ولَهُ) مُتَعَلِّقٌ
صفحة 265
بِمُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِأذِنَ، وفي البَحْرِ أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أيْ ورَضِيَ لِأجْلِهِ قَوْلَ الشّافِعِ وفي شَأْنِهِ أوْ رَضِيَ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ فالمُرادُ بِالقَوْلِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ قَوْلُ الشّافِعِ، وجُوِّزَ فِيهِ أيْضًا أنْ لا يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى ورَضِيَ قَوْلًا كائِنًا لَهُ فالمُرادُ بِالقَوْلِ قَوْلُ المَشْفُوعِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا إلّا مَن أذِنَ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ وكانَ مُؤْمِنًا، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا إلّا مَن أذِنَ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ وكانَ مُؤْمِنًا، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا إلّا مَن ذُكِرَ وأمّا مَن عَداهُ فَلا تَكادُ تَنْفَعُهُ وإنْ فُرِضَ صُدُورُها عَنِ الشُّفَعاءِ المُتَصَدِّينَ لِلشَّفاعَةِ لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ .
وجُوِّزَ في البَحْرِ والدُّرِّ المَصُونِ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ لِتَنْفَعَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ والِاسْتِثْناءُ مِن شَفاعَةٍ، ومَن في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنها بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ بِتَقْدِيرِهِ أيْضًا أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ إلَخْ، ومِن عِبارَةٍ عَنِ الشّافِعِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا إذا لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ ومَحَلُّ ( مَن ) حِينَئِذٍ نُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، واعْتُرِضَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنَّ حُكْمَ الشَّفاعَةِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أنْ يَمْلِكَها ولا تَصْدُرُ عَنْهُ أصْلًا ومَعْنى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ لا يُؤْذَنُ لَها فِيها لا أنَّها لا تُقْبَلُ بَعْدَ وُقُوعِها فالإخْبارُ عَنْها بِمُجَرَّدِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْمَشْفُوعِ لَهُ رُبَّما يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِها حِينَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَعَ إخْلالِهِ بِمُقْتَضى مَقامِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ.
طه 20:110
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ، وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي، وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وقِيلَ: عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولَيْنِ عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ أوْ بِالعَكْسِ أوْ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ أوْ بِالعَكْسِ أوْ ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ.
﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيْ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِمَعْلُوماتِهِ تَعالى فَعِلْمًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. وقِيلَ: المُرادُ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِذاتِهِ سُبْحانَهُ أيْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ الشّامِلُ ويَقْتَضِي صِحَّةَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ اللَّهَ تَعالى إذِ المَنفِيُّ العِلْمُ عَلى طَرِيقِ الإحاطَةِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: الضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ المَوْصُولَيْنِ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ ما ذُكِرَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ لا عَلى التَّعْيِينِ.
طه 20:111
﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ أيْ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ خُضُوعَ العُناةِ أيِ الأسارى، والمُرادُ بِالوُجُوهِ إمّا الذَّواتُ وإمّا الأعْضاءُ المَعْلُومَةُ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ وآثارُ الذُّلِّ أوَّلُ ما تَظْهَرُ فِيها، وألْ فِيها لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ فَتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واخْتارَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ اعْتِراضًا ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِيَكُونَ أبْلَغَ، وقِيلَ: الوُجُوهُ الأشْرافُ أيْ عُظَماءُ الكَفَرَةِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الهَيْبَةِ ولُصُوقُ الذِّلَّةِ بِهِمْ أوْلى والظُّلْمُ الشِّرْكُ وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ حالٌ والرّابِطُ الواوُ لا مُعْتَرِضَةٌ لِأنَّها
صفحة 266
فِي مُقابَلَةٍ وهو مُؤْمِنٌ فِيما بَعْدُ، انْتَهى. قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: الظّاهِرُ مَعَ الزَّمَخْشَرِيِّ والتَّقابُلُ المَعْنَوِيُّ كافٍ فَإنَّ الِاعْتِراضَ لا يَتَقاعَدُ عَنِ الحالِ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِتَفْسِيرِ الوُجُوهِ بِالإشْرافِ وجَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا بَلْ يَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ الكُفّارُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى ولَمْ يَتُبْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الظّاهِرُ أنَّ ألْ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ خَضَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ جَمِيعُ الوُجُوهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والحالِيَّةَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ العُصاةِ، وخَيْبَةُ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُّلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ دائِمَةٌ، وخَيْبَةُ المُؤْمِنِ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتِ العُقُوبَةِ إنْ عُوقِبَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مَعْنى- الحَيِّ القَيُّومِ- في آيَةِ الكُرْسِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى
طه 20:112
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ ولِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ عَلى هَذا كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ أيْ ومَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أيْ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْيِيدِ بِذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الطّاعاتِ وقَبُولِ الحَسَناتِ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ أيْ: مَنعَ ثَوابٍ مُسْتَحَقٍّ بِمُوجِبِ الوَعْدِ ﴿ولا هَضْمًا﴾ ولا مَنعَ بَعْضٍ مِنهُ تَقُولُ العَرَبُ هَضَمْتَ حَقِّي أيْ نَقَصْتَ مِنهُ ومِنهُ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ أيْ ضامِرُهُما وهَضْمُ الطَّعامِ تَلاشى في المَعِدَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى فَلا يَخافُ أنْ يَظْلِمَ فَيُزادَ في سَيِّئاتِهِ ولا أنْ يَهْضِمَ فَيَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ. والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَلا يَخافُ جَزاءَ ظُلْمٍ وهَضْمٍ إذْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ظُلْمٌ ولا هَضْمُ حَقِّ أحَدٍ حَتّى يَخافَ ذَلِكَ أوْ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ جَزاؤُهُما مَجازًا، ولَعَلَّ المُرادَ عَلى ما قِيلَ نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهُ مِن ذَلِكَ مِن حَيْثُ إيمانُهُ وعَمَلُهُ بَعْضَ الصّالِحاتِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ نَفْيَ أنْ يَكُونَ العَمَلُ الصّالِحُ مَعَ الإيمانِ ظُلْمًا أوْ هَضْمًا.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مَن يَعْمَلُ ذَلِكَ وهو مُؤْمِنٌ هَذا شَأْنُهُ لِصَوْنِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنِ الظُّلْمِ أوِ الهَضْمِ ولِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ. فَلا يَرِدُ ما قِيلَ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ وبَعْضِ العَمَلِ أنْ لا يَظْلِمَ غَيْرَهُ ويَهْضِمَ حَقَّهُ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ القَوْلَ بِحَذْفِ المُضافِ والتَّجَوُّزِ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ البُعْدِ وما قِيلَ مِنَ الِاعْتِراضِ قَوِيٌّ وما أُجِيبَ بِهِ كَما تَرى. ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ كَلامِ الجَوْهَرِيِّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، وظاهِرُ الآيَةِ قاضٍ بِالفَرْقِ وكَذا قَوْلُ المُتَوَكِّلِ اللَّيْثِيِّ:
إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ مَوْلاهُمُ المُتَهَضِّمُ المَظْلُومُ
ومِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الماوَرْدَيُّ حَيْثُ قالَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الظُّلْمَ مَنعُ الحَقِّ كُلِّهِ والهَضْمُ مِنهُ بَعْضَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٍ ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قالَ الطِّيبِيُّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ تُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ مِن حَيْثُ الإخْبارُ وأبْلَغُ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى مِن حَيْثُ الِاسْتِمْرارُ والأُخْرى أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَقْبَلُ التَّرَدُّدَ في الإخْبارِ.
طه 20:113
﴿وكَذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ والإشارَةُ إلى إنْزالِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْوَعِيدِ المُنْبِئَةِ عَمّا سَيَقَعُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ (أنْزَلْناهُ) أيِ: القُرْآنَ كُلَّهُ وهو تَشْبِيهٌ
صفحة 267
لِإنْزالِ الكُلِّ بِإنْزالِ الجُزْءِ والمُرادُ أنَّهُ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ سَبْقِ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِنَباهَةِ شَأْنِهِ وكَوْنِهِ مَرْكُوزًا في العُقُولِ حاضِرًا في الأذْهانِ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمَهُ العَرَبُ ويَقِفُوا عَلى ما فِيهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ الآدَمِيِّينَ نازِلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ كَرَرْنا فِيهِ بَعْضَ الوَعِيدِ أوْ بَعْضًا مِنَ الوَعِيدِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ وجَعْلُها حالًا قَيْدَ الإنْزالِ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ، والمُرادُ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِالفِعْلِ ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أيْ: عِظَةً واعْتِبارًا مُؤَدِّيًا في الآخِرَةِ إلى الِاتِّقاءِ، وكَأنَّهُ لَمّا كانَتِ التَّقْوى هي المَطْلُوبَةَ بِالذّاتِ مِنهم أسْنَدَ فِعْلَها إلَيْهِمْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ كَذَلِكَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ إلى ما سَمِعْتَ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّقْوى مَلَكَتُها، وأُسْنِدَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّها مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تُناسِبُ الإسْنادَ لِمَن قامَتْ بِهِ، وبِالذِّكْرِ العِظَةُ الحاصِلَةُ مِنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ المُثَبِّطَةُ عَنِ المَعاصِي، ولَمّا كانَتْ أمْرًا يَتَجَدَّدُ بِسَبَبِ اسْتِماعِهِ ناسَبَ الإسْنادَ إلَيْهِ، ووَصْفُهُ بِالحُدُوثِ المُناسِبِ لِتَجَدُّدِ الألْفاظِ المَسْمُوعَةِ، ولا يَخْفى بَعْدَ تَفْسِيرِ التَّقْوى بِمَلَكَتِها عَلى أنَّ في القَلْبِ مِنَ التَّعْلِيلِ شَيْئًا.
وفِي البَحْرِ أسْنَدَ تَرَجِّيَ التَّقْوى إلَيْهِمْ لِأنَّ التَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ انْتِفاءِ فِعْلِ القَبِيحِ وذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ، وأسْنَدَ تَرَجِّيَ أحْداثِ الذِّكْرِ لِلْقُرْآنِ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنِ انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الإمامِ وفي قَوْلِهِ: لِأنَّ التَّقْوى إلى آخِرِهِ عَلى إطْلاقِهِ مَنعُ ظاهِرٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّقْوى بِتَرْكِ المَعاصِي والذِّكْرَ بِفِعْلِ الطّاعاتِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجازًا لِما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ، فَكَلِمَةُ أوْ عَلى ما قِيلَ لِلتَّنْوِيعِ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ الأمْرِ التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ. والإمامُ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ المَعْنى إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ لِيَصِيرُوا مُحْتَرِزِينَ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا يَدْعُوهم إلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي فالكَلامُ مُشِيرٌ أيْضًا إلى التَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ارْتِكابُ المُجارِ، والثّانِي أنَّ المَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ لِيَتَّقُوا فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُحْدِثَ لَهم ذِكْرًا وشَرَفًا وصِيتًا حَسَنًا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ المَعْنى وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أيْ فَصِيحًا ناطِقًا بِالحَقِّ ساطِعًا بَيِّناتُهُ لَعَلَّهم يَحْدُثُ لَهُمُ التَّأمُّلُ والتَّفَكُّرُ في آياتِهِ وبَيِّناتِهِ الوافِيَةِ الشّافِيَةِ فَيُذْعِنُونَ ويُطِيعُونَ وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ العَذابَ. فَفي الآيَةِ لَفٌّ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ وهي عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ وعِنْدِي كَوْنُ الآيَةِ مُتَضَمِّنَةً لِلتَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أوْ يُحْدِثْ ) بِسُكُونِ الثّاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ في رِوايَةٍ والجَحْدَرِيُّ وسَلّامٌ ( أوْ نُحْدِثُ ) بِالنُّونِ وسُكُونِ الثّاءِ وذَلِكَ حَمْلُ وصْلٍ عَلى وقْفٍ أوْ تَسْكِينِ حَرْفِ الإعْرابِ اسْتِثْقالًا لِحَرَكَتِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيِّ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
اليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِي
وقَوْلِ جَرِيرٍ:
سِيرُوا بَنِي العَمِّ فالأهْوازُ مَنزِلُكم ∗∗∗ ونَهْرُ تِيرِي ولا يَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
طه 20:114
﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى ولِما صُرِّفَ في القُرْآنِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والأوامِرِ والنَّواهِي وغَيْرِ ذَلِكَ وتَنْزِيهٌ لِذاتِهِ المُتَعالِيَةِ أنْ لا يَكُونَ إنْزالُ قُرْآنِهِ الكَرِيمِ مُنْتَهِيًا إلى غايَةِ الكَمالِيَّةِ مِن تَسَبُّبِهِ لِتَرْكِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ المَعاصِي، ولِفِعْلِهِمُ الطّاعاتِ وفِيهِ تَعْجِيبٌ واسْتِدْعاءٌ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ وعَلى تَعْظِيمِهِ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ
صفحة 268
سُبْحانَهُ ﴿المَلِكُ﴾ أيِ: المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوارِعَ القُرْآنِ سِياساتٌ إلَهِيَّةٌ يَتَضَمَّنُ صَلاحَ الدّارِينَ لا يَحِيدُ عَنْها إلّا مَخْذُولٌ هالِكٌ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الحَقُّ﴾ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعالى أيِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِمُوجِدِ الشَّيْءِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ صِفَةً لِلْمَلِكِ ومَعْناهُ خِلافَ الباطِلِ أيِ الحَقُّ في مِلْكِيَّتِهِ يَسْتَحِقُّها سُبْحانَهُ لِذاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ القُرْآنَ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ حَقٌّ كُلُّهُ لا يَحُومُ حَوْلَ حِماهُ الباطِلُ بِوَجْهٍ، وأنَّ المُحِقَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ بُشْرا شَرِّهِ وأنَّ المُبْطِلَ مَن أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِ زَواجِرِهِ، وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِوَصْلِ النَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ﴾ أيْ: يُتَمَّ ﴿وحْيُهُ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ فَإنَّ مِن حَقِّ الإقْبالِ ذَلِكَ وكَذَلِكَ مِن حَقِّ تَعْظِيمِهِ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ لِما فِيهِ مِن إنْشاءِ التَّعَجُّبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ حَيْثُ نَبَّهْتَ عَلى عَظَمَةِ جَلالَةِ المُنَزِّلِ وأرْشَدْتَ إلى فَخامَةِ المُنَزَّلِ فَعَظِّمْ جَنابَهُ المَلِكِ الحَقِّ المُتَصَرِّفِ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأقْبِلْ بِكُلِّكَ عَلى تَحَفُّظِ كِتابِهِ وتَحَقُّقِ مَبانِيهِ ولا تَعْجَلْ بِهِ، وكانَ ﷺ إذا ألْقى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ القُرْآنَ يَتْبَعُهُ عِنْدَ تَلَفُّظِ كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ خَوْفًا أنْ يَصْعَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَحْفَظْهُ ﷺ فَنَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ إذْ رُبَّما يَشْغَلُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةٍ عَنْ سَماعِ ما بَعْدَها، ونَزَلَ عَلَيْهِ أيْضًا ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ الآيَةَ، وأمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْتِفاضَةِ العِلْمِ واسْتَزادَتِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ فَقِيلَ: ﴿وقُلْ﴾ أيْ في نَفْسِكَ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ: سَلِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَدَلَ الِاسْتِعْجالِ زِيادَةَ العِلْمِ مُطْلَقًا أوْ في القُرْآنِ فَإنَّ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ بَلْ كُلِّ حَرْفٍ مِنهُ أسْرارًا ورُمُوزًا وعُلُومًا جَمَّةً وذَلِكَ هو الأنْفَعُ لَكَ، وقِيلَ: وجُمْلَةُ ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ذُكِرَتْ بَعْدَ الإنْزالِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ تَبْلِيغَ المُجْمَلِ وتِلاوَتَهُ قَبْلَ البَيانِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ومَشْرُوعِيَّتِهِ.
ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الأمْرِ بِكِتابَتِهِ قَبْلَ أنْ تُفَسَّرَ لَهُ المَعانِي وتَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو دُونَهُ بِكَثِيرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نُهِيَ عَنِ الحُكْمِ بِما مَن شَأْنُهُ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ قُرْآنٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها فَقالَ لَها: بَيْنَكُما القِصاصُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَوَقَفَ ﷺ حَتّى نَزَلَ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾»، وقالَ الماوَرْدَيُّ: إنَّهُ نُهِيَ عَنِ العَجَلَةِ بِطَلَبِ نُزُولِهِ. وذَلِكَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ وأُسْقُفَ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنْ كَذا وقَدْ ضَرَبْنا لَكَ أجَلًا ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأبْطَأ الوَحْيُ عَلَيْهِ وفَشَتِ المَقالَةُ بَيْنَ اليَهُودِ وزَعَمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ غُلِبَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ﷺ، واسْتَعْجَلَ الوَحْيَ فَنَزَلَتْ ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ إلَخْ» وفي كِلا القَوْلَيْنِ ما لا يَخْفى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ ( نَقْضِيَ ) بِنُونِ العَظَمَةِ مَفْتُوحَ الياءِ ( وحْيَهُ ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الأعْمَشُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ مِن ( نَقْضِي )، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن لا يَرى فَتْحَ الياءِ بِحالٍ إذا انْكَسَرَ ما قَبْلَها وحَلَّتْ طَرَفًا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَضْلِ العِلْمِ حَيْثُ أمَرَ ﷺ بِطَلَبِ زِيادَتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ما أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ
صفحة 269
فِي شَيْءٍ إلّا العِلْمِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِما عَلَّمْتَنِي وعَلِّمْنِي ما يَنْفَعُنِي وزِدْنِي عِلْمًا والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» ) . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَدْعُو ( اللَّهُمَّ زِدْنِي إيمانًا وفِقْهًا ويَقِينًا وعِلْمًا ) وما هَذا إلّا لِزِيادَةِ فَضْلِ العِلْمِ، وفَضْلُهُ أُظْهَرُ مِن أنْ يَذْكُرَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنا الزِّيادَةَ فِيهِ ويُوَفِّقَنا لِلْعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ.
طه 20:115
﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾ كَأنَّهُ لَمّا مَدَحَ سُبْحانَهُ القُرْآنَ، وحَرَّضَ عَلى اسْتِعْمالِ التُّؤَدَةِ والرِّفْقِ في أخْذِهِ وعَهِدَ عَلى العَزِيمَةِ بِأمْرِهِ وتَرْكِ النِّسْيانِ فِيهِ ضَرَبَ حَدِيثَ آدَمَ مَثَلًا لِلنِّسْيانِ وتَرْكِ العَزِيمَةِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ في ذَلِكَ مَزِيدُ تَحْذِيرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنِ العَجَلَةِ وعَدَمِ التُّؤَدَةِ لِئَلّا يَقَعَ فِيما لا يَنْبَغِي كَما وقَعَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ إلَخْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى (صَرَّفْنا) عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والتَّخالُفُ فِيهِ إنْشاءٌ وخَبَرِيَّةٌ لا يَضُرُّ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بِالعَطْفِ جَوابُ القَسَمِ. وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ صَرَّفْنا الوَعِيدَ وكَرَّرْناهُ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا لَكِنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا لِذَلِكَ ونَسُوهُ كَما لَمْ يَلْتَفِتْ أبُوهم إلى الوَعِيدِ ونَسِيَ العَهْدَ إلَيْهِ. والفائِدَةُ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ مُخالَفَتَهم شَنْشَنَةٌ أخْزَمِيَّةٌ وأنَّ أساسَ أمْرِهِمْ ذَلِكَ وعَرَقُهم راسِخٌ فِيهِ، وحُكِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الطَّبَرِيِّ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ لِما فِيهِ مِنَ الغَضاضَةِ مِن مَقامِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ جُعِلَتْ قِصَّتُهُ مَثَلًا لِلْجاحِدِينَ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى وهو عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ بِتَأْوِيلٍ. انْتَهى، والإنْصافُ يَقْضِي بِحُسْنِهِ فَلا تَلْتَفِتُ إلى ما قِيلَ: إنَّ فِيهِ نَظَرًا، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمْ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ إنْجازُ المَوْعُودِ في تِلْكَ الآيَةِ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيهِ أحَدَ أمْرَيْنِ التَّعَلُّقَ بِلا تَعَجُّلٍ وكَوْنُهُ ابْتِداءَ كَلامٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وهَذا الأخِيرُ وإنْ قَدَّمَهُ في كَلامِهِ ناشِئٌ مِن ضِيقِ العَطَنِ كَما لا يَخْفى، والعَهْدُ الوَصِيَّةُ يُقالُ عَهِدَ إلَيْهِ المَلِكُ ووَغَرَ إلَيْهِ وعَزَمَ عَلَيْهِ وتَقَدَّمَ إلَيْهِ إذا أمَرَهُ ووَصّاهُ، والمَعْهُودُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ وأقْسَمَ بِاللَّهِ لَقَدْ أمَرْناهُ ووَصَّيْناهُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ، وقِيلَ: أيْ مِن قَبْلِ وُجُودِ هَؤُلاءِ المُخالِفِينَ.
وعَنِ الحَسَنِ: أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ، وقِيلَ: أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴿فَنَسِيَ﴾ العَهْدَ ولَمْ يَهْتَمَّ بِهِ ولَمْ يَشْتَغِلْ بِحِفْظِهِ حَتّى غَفَلَ عَنْهُ، والعِتابُ جاءَ مِن تَرْكِ الِاهْتِمامِ، ومِثْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعاتَبُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ المُرادَ فَتَرَكَ ما وصّى بِهِ مِنَ الِاحْتِراسِ عَنِ الشَّجَرَةِ وأكْلِ ثَمَرَتِها فالنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهو عُرْفِيٌّ، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ أيْ لَمْ يَهْتَمَّ بِهِ فَنَسِيَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: المَنسِيُّ الوَعِيدُ بِخُرُوجِ الجَنَّةِ إنْ أكَلَ، وقِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ وقِيلَ: الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الجِنْسِ دُونَ الشَّخْصِ، والظّاهِرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقَرَأ اليَمانِيُّ والأعْمَشُ (فَنَسِيَ) بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ أيْ نَسّاهُ الشَّيْطانُ ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ تَصْمِيمُ رَأْيٍ وثَباتُ قَدَمٍ في الأُمُورِ، وهَذا جاءَ عَلى القَوْلَيْنِ في النِّسْيانِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ أنْسُبُ بِالثّانِي وأوْفَقُ بِسِياقِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا. ورَوى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى لَمْ نَجِدْ لَهُ صَبْرًا عَنْ أكْلِ الشَّجَرَةِ، وعَنِ
صفحة 270
ابْنِ زَيْدٍ وجَماعَةٍ أنَّ المَعْنى لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى الذَّنْبِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْطَأ ولَمْ يَتَعَمَّدْ وهو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ النِّسْيانَ عَلى حَقِيقَتِهِ وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المُوَفَّقِيّاتِ عَنْهُ قالَ قالَ لِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّ صاحِبَكم هَذا- يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ- إنَّ ولِي زُهْدٌ ولَكِنِّي أخْشى عَجَبَ نَفْسِهِ أنْ يَذْهَبَ بِهِ. قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ صاحِبَنا مَن قَدْ عَلِمْتَ واللَّهِ ما نَقُولُ: إنَّهُ غَيَّرَ ولا بَدَّلَ ولا أسْخَطَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيّامَ صُحْبَتِهِ فَقالَ ولا في بِنْتِ أبِي جَهِلَ وهو يُرِيدُ أنْ يَخْطُبَها عَلى فاطِمَةَ قُلْتُ قالَ اللَّهُ تَعالى في مَعْصِيَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فَصاحِبُنا لَمْ يَعْزِمْ عَلى إسْخاطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنَّ الخَواطِرَ الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ دَفْعَها عَنْ نَفْسِهِ ورُبَّما كانَتْ مِنَ الفَقِيهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى العالِمِ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإذا نَبَّهَ عَلَيْها رَجَعَ وأنابَ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ مَن ظَنَّ أنَّهُ يَرِدُ بُحُورَكم فَيَغُوصُ فِيها مَعَكم حَتّى يَبْلُغَ قَعْرَها فَقَدْ ظَنَّ عَجْزًا، لَكِنْ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ غَيْرُ مُتَبادِرٍ ولا كَثِيرُ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، وحاصِلٌ لَمْ نَجِدْ إلَخْ عَلَيْهِ أنَّهُ نَسِيَ فَيَتَكَرَّرُ مَعَ ما قَبْلَهُ.
ثُمَّ إنَّ (لَمْ نَجِدْ) إنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ العِلْمِيِّ، - فَلَهُ عَزْمًا- مَفْعُولاهُ قُدِّمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا وإنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ المُقابِلِ لِلْعَدَمِ كَما اخْتارَهُ بَعْضُهُمْ- فَلَهُ- مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ المُنْكَرِ، والمَعْنى عَلى هَذا ولَمْ نُصادِفْ لَهُ عَزْمًا
طه 20:116
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المَعْهُودِ وكَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِسْيانِهِ وفِقْدانِ عَزْمِهِ، (وإذْ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لِلْمَلائِكَةِ إلَخْ. قِيلَ: وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيِ اذْكُرْ هَذا واذْكُرْ إذْ قُلْنا أوْ مَن عَطَفَ القِصَّةَ عَلى القِصَّةِ.
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اذْكُرْ ما وقَعَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنّا ومِنهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ نِسْيانُهُ وفِقْدانُ عَزْمِهِ ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ مِرارًا ﴿أبى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنِ الإخْبارِ بِعَدَمِ سُجُودِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما بالُهُ لَمْ يَسْجُدْ؟ فَقُلْ: ﴿أبى﴾ والإباءُ الِامْتِناعُ أوْ شِدَّتِهِ ومَفْعُولُهُ إمّا مَحْذُوفٌ أيْ أبى السُّجُودَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ أوْ غَيْرُ مَنَوِيٍّ رَأْسًا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فِعْلَ الإباءِ وأظْهَرَهُ
طه 20:117
﴿فَقُلْنا﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ اعْتِناءً بِنُصْحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا آدَمُ إنَّ﴾ هَذا الَّذِي رَأيْتَ مِنهُ ما رَأيْتَ ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ أُعِيدَ اللّامُ لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: أُعِيدَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَداوَةَ اللَّعِينِ لِلزَّوْجَةِ أصالَةٌ لا تَبَعًا. وهو عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ لُزُومِ إعادَةِ الجارِّ في مِثْلِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ ظاهِرٌ. وأمّا عَلى القَوْلِ بِاللُّزُومِ فَقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِهِ. إنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ لازِمًا بِحَسَبِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ لا يُنافِي قَصْدَ إفادَةِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.
وقَدْ صَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ في شَرْحِ المِفْتاحِ في تَوْجِيهٍ جَعَلَ صاحِبَ المِفْتاحِ تَنْكِيرَ التَّمْيِيزِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ بِما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِزَوْجِكَ دُونَ حَوّاءَ مِن مَزِيدِ التَّنْفِيرِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ العَداوَةِ فَقِيلَ مُجَرَّدُ الحَسَدِ وهو لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى ولَعَنَ أتْباعَهُ أوَّلُ مَن حَسَدَ، وقِيلَ: كَوْنُهُ شَيْخًا جاهِلًا وكَوْنُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شابًّا عالِمًا، والشَّيْخُ الجاهِلُ يَكُونُ أبَدًا عَدُوًّا لِلشّابِّ العالِمِ بَلِ الجاهِلُ مُطْلَقًا عَدُوٌّ لِلْعالِمِ كَذَلِكَ كَما قِيلَ: والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ وقِيلَ: تُنافِي الأصْلَيْنِ
صفحة 271
فَإنَّ اللَّعِينَ خُلِقَ مِن نارٍ وآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقَ مِن طِينٍ وحَوّاءَ خُلِقَتْ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ.
﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ أيْ فَلا يَكُونَنَّ سَبَبًا لِإخْراجِكُما ﴿مِنَ الجَنَّةِ﴾ وهَذا كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِهِما عَنْ أنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطانُ في إخْراجِهِما مِنها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ مُوجِبِ النَّهْيِ عَلى عَداوَتِهِ لَهُما أوْ عَلى الإخْبارِ بِها ﴿فَتَشْقى﴾ أيْ فَتَتْعَبَ بِمَتاعِبِ الدُّنْيا وهي لا تَكادُ تُحْصى ولا يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً بَعْدَ تَعْلِيقِ الإخْراجِ المُوجِبِ لَهُ بِهِما مَعًا لِأصالَتِهِ في الأُمُورِ واسْتِلْزامِ تَعَبِهِ لِتَعَبِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في تَحْصِيلِ مَبادِئِ المَعاشِ وهو مِن وظائِفِ الرِّجالِ، وأيَّدَ هَذا بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ عَساكِرَ. وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ( إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُهْبِطُ مِنَ الجَنَّةِ اسْتَقْبَلَهُ ثَوْرٌ أبْلَقُ فَقِيلَ لَهُ: اعْمَلْ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ ويَقُولُ: هَذا ما وعَدَنِي رَبِّي ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ثُمَّ نادى حَوّاءَ: حَوّاءُ أنْتِ عَمِلْتِ بِي هَذا فَلَيْسَ مِن ولَدِ آدَمَ أحَدٌ يَعْمَلُ عَلى ثَوْرٍ إلّا قالَ: حَوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا أُيِّدَ بِالآيَةِ بَعْدُ وفِيهِ تَأمُّلٌ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالعُمُومِ أوْلى، و( تَشْقى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ في جَوابِ النَّهْيِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ بِتَقْدِيرِ فَأنْتَ تَشْقى، واسْتُبْعِدَ هَذا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ عَنْهُ بِالشَّقاءِ بَلِ المُرادُ إنْ وقَعَ الإخْراجُ حَصَلَ ذَلِكَ.
طه 20:118
﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ أيْ ولا تُصِيبُكَ الشَّمْسُ يُقالُ: ضَحا كَسَعى وضَحِي كَرَضِيَ ضَحْوًا وضَحْيًا إذا أصابَتْهُ الشَّمْسُ، ويُقالُ ضُحًا وضَحْوًا وضُحُوًّا وضُحُيًّا إذا بَرَزَ لَها، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصُرُ
وفَسَّرَ بَعْضُهم ما في الآيَةِ بِذَلِكَ والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ بِلا كُنْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ فَإنَّ اجْتِماعَ أسْبابِ الرّاحَةِ فِيها مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ مَبادِئِ البَقاءِ فِيها والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنْها، والعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها تَنَعُّمًا بِفُنُونِ النِّعَمِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ وتَمَتُّعًا بِأصْنافِ المَلابِسِ البَهِيَّةِ والمَساكِنِ المَرْضِيَّةِ مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الإبْقاءِ فِيها ما لا يَخْفى إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ نَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ والعَطَشُ والعُرْيُ والضَّحْوُ لِتَذْكِيرِ تِلْكَ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن أنْواعِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ سُبْحانَهُ عَنْها لِيُبالِغَ في التِحامِي عَنِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْها، ومَعْنى ﴿ألا تَجُوعَ﴾ إلَخْ أنْ لا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ أصْلًا فَإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ والكُسْوَةَ والكِنَّ قَدْ تَحْصُلُ بَعْدَ عُرُوضِ أضْدادِها ولَيْسَ الأمْرُ فِيها كَذَلِكَ بَلْ كُلَّما وقَعَ فِيها شَهْوَةٌ ومَيْلٌ إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ تَمَتَّعَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ، عَلى أنَّ التَّرْغِيبَ قَدْ حَصَلَ بِما سُوِّغَ لَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِجَمِيعِ ما فِيها سِوى الشَّجَرَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ هاهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ واقْتُصِرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّرْهِيبِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ما ذُكِرَ لِما وقَعَ في سُؤالِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِسُكْنى الجَنَّةِ قالَ إلَهِي ألِي فِيها ما آكُلُ؟ ألِي فِيها ما ألْبَسُ؟ ألِي فِيها ما أشْرَبُ؟ ألِي فِيها ما أسْتَظِلُّ بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ شَيْءٌ.
صفحة 272
ووَجْهُ إفْرادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ ما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: كَوْنُهُ السّائِلَ وكانَ الظّاهِرُ عَدَمَ الفَصْلِ بَيْنَ الجُوعِ والظَّمَأِ والعُرْيِ والضَّحْوِ لِلتَّجانُسِ والتَّقارُبِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنِ المُناسَبَةِ المَكْشُوفَةِ إلى مُناسَبَةٍ أتَمَّ مِنها وهي أنَّ الجُوعَ خُلُوُّ الباطِنِ والعُرْيَ خُلُوُّ الظّاهِرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَخْلُو باطِنُكَ وظاهِرُكَ عَمّا يُهِمُّهُما، وجَمَعَ بَيْنَ الظَّمَأِ المُوَرِّثِ حَرارَةَ الباطِنِ والبُرُوزِ لِلشَّمْسِ وهو الضَّحْوُ المُورِثُ حَرارَةَ الظّاهِرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْلِمُكَ حَرارَةُ الباطِنِ والظّاهِرِ وذَلِكَ الوَصْلُ الخَفِيُّ وهو سِرٌّ بَدِيعٌ مِن أسْرارِ البَلاغَةِ، وفي الكَشْفِ إنَّما عَدَلَ إلى المَنزِلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشِّبَعَ والكُسْوَةَ أصْلانِ وأنَّ الأخِيرَيْنِ مُتَمِّمانِ عَلى التَّرْتِيبِ فالِامْتِنانُ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ ولِهَذا فُرِّقَ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ فَقِيلَ أوَّلًا (إنَّ لَكَ) وثانِيًا (أنَّكَ)، وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ العَلّامَةَ الطِّيبِيُّ أيْضًا ثُمَّ قالَ: وفي تَنْسِيقِ المَذْكُوراتِ الأرْبَعَةِ مُرَتَّبَةً هَكَذا مُقَدَّمًا ما هو الأهَمُّ فالأهَمُّ ثُمَّ في جَعْلِها تَفْصِيلًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ وتَكْرِيرُ لَفْظَةٍ فِيها وإخْراجُها في صِيغَةِ النَّفْيِ مُكَرَّرَةَ الأداةِ الإيماءُ إلى التَّعْرِيضِ بِأحْوالِ الدُّنْيا وأنْ لا بُدَّ مِن مُقاساتِها (فِيها) لِأنَّها خُلِقَتْ لِذَلِكَ وأنَّ الجَنَّةَ ما خُلِقَتْ إلّا لِلتَّنَعُّمِ ولا يُتَصَوَّرُ فِيها غَيْرُهُ. وفي الِانْتِصافِ أنَّ في الآيَةِ سِرًّا بَدِيعًا مِنَ البَلاغَةِ يُسَمّى قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقُ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ ولَوْ قُرِنَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ لَتُوُهِّمَ المَقْرُونانِ نِعْمَةً واحِدَةً، وقَدْ رَمَقَ أهْلُ البَلاغَةِ سَماءَ هَذا المَعْنى قَدِيمًا وحَدِيثًا فَقالَ الكِنْدِيُّ الأوَّلُ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسَبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
فَقَطَعَ رُكُوبَ الجَوادِ عَنْ قَوْلِهِ لِخَيْلِهِ: كُرِّي كَرَّةً وقَطَعَ تَبَطُّنَ الكاعِبِ عَنْ تَرَشُّفِ الكَأْسَ مَعَ التَّناسُبِ، وغَرَضُهُ أنْ يُعَدِّدَ مَلاذَهُ ومَفاخِرَهُ ويُكَثِّرَها، وتَبِعَهُ الكَنَدِيُّ الآخَرُ فَقالَ:
وقَفْتُ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ ضَحّاكٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إذْ قَطَعَ الشَّيْءَ عَنْ نَظِيرِهِ فَقالَ لَهُ: إنْ كُنْتَ أخْطَأْتَ بِذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ وأنْشَدَ البَيْتَيْنِ السّابِقَيْنِ، وفي الآيَةِ سِرٌّ لِذَلِكَ أيْضًا زائِدٌ عَلى ما ذُكِرَ وهو قَصْدٌ تُناسِبُ الفَواصِلَ ا هـ.
وقَدْ يُقالُ في بَيْتِي الأوَّلِ: إنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ رُكُوبِ الخَيْلِ لِلَذَّةِ والنُّزْهَةِ وتَبَطُّنِ الكاعِبِ لِلَّذَّةِ الحاصِلَةِ فِيهِما، وجَمَعَ بَيْنَ سَبْءٍ الزَقْ وقَوْلِهِ لِخَيْلِهِ: كُرِّي لِما فِيهِما مِنَ الشَّجاعَةِ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن قَصْدِ تَناسُبِ الفَواصِلِ في الآيَةِ ظاهِرٌ في أنَّهُ لَوْ عَدَلَ عَنْ هَذا التَّرْتِيبِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وقَرَأ شَيْبَةُ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ سَعْدانَ ( إنَّكَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِها عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى أنْ لا تَجُوعَ وهو في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمٍ لِأنْ وصِحَّةُ وُقُوعِ ما صَدَرَ بِأنِ المَفْتُوحَةَ اسْمًا لِأنَّ المَكْسُورَةَ المُشارِكَةَ لَها في إفادَةِ التَّحْقِيقِ مَعَ امْتِناعِ وُقُوعِها خَبَرًا لَها لِما أنَّ المَحْذُورَ وهو اجْتِماعُ حُرٍّ في التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِاخْتِلافِ مَناطِ التَّحْقِيقِ فِيما في حَيِّزِها بِخِلافِ ما لَوْ وقَعَتْ خَبَرًا فَإنَّ اتِّحادَ المَناطِ حِينَئِذٍ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وبَيانُهُ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأداتَيْنِ مَوْضُوعَةٌ لِتَحْقِيقِ
صفحة 273
مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ مِنِ اسْمِها وخَبَرِها ولا يَخْفى أنَّ مَرْجِعَ خَبَرِيَّتِها ما فِيها مِنَ الحِكَمِ وأنَّ مَناطَهُ الخَبَرُ لا الِاسْمُ فَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنهُما تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِاسْمِها لا ثُبُوتِ اسْمِها في نَفْسِهِ فاللّازِمُ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالمَفْتُوحَةِ اسْمًا لِلْمَكْسُورَةِ تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِتِلْكَ الجُمْلَةِ المُؤَوَّلَةِ بِالمَصْدَرِ، وأمّا تَحْقِيقُ ثُبُوتِها في نَفْسِها فَهو مَدْلُولُ المَفْتُوحَةِ فَلا يَلْزَمُ اجْتِماعُ حُرٍّ في التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إنَّ أنَّ زَيْدًا قائِمُ حَقٍّ مَعَ اخْتِلافِ المَناطِ بَلْ شَرَطُوا الفَصْلَ بِالخَبَرِ كَقَوْلِنا: إنَّ عِنْدِي أنَّ زَيْدًا قائِمُ حَقٍّ لِلتَّجافِي عَنْ صُورَةِ الِاجْتِماعِ، والواوُ العاطِفَةُ وإنْ كانَتْ نائِبَةً عَنِ المَكْسُورَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ دُخُولُها عَلى المَفْتُوحَةِ بِلا فَصْلٍ وقائِمَةٌ مَقامَها في إفْضاءِ مَعْناها وإجْراءِ أحْكامِها عَلى مَدْخُولِها لَكِنَّها حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ لَمْ يَلْزَمْ مِن دُخُولِها اجْتِماعُ حُرٍّ في التَّحْقِيقِ أصْلًا. فالمَعْنى إنَّ لَكَ عَدَمَ الجُوعِ وعَدَمَ العُرْيِ وعَدَمَ الظَّمَأِ خَلا أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَدَمُ الظَّمَأِ والضَّحْوِ مُطْلَقًا كَما فُعِلَ مِثْلُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلْ قُصِدَ بَيانُ أنَّ الثّابِتَ لَهُ تَحْقِيقُ عَدَمِهِما فَوُضِعَ مَوْضِعَ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ المَحْضِ أنْ المُفِيدَةُ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَكَ فِيها عَدَمَ ظَمَئِكَ عَلى التَّحْقِيقِ انْتَهى.
ويَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى بَيانِ النُّكْتَةِ في عَدَمِ الِاقْتِصارِ عَلى بَيانِ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَدَمُ الظَّمَأِ مُطْلَقًا كَما فُعِلَ مِثْلُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وقِيلَ: إنَّ الواوَ وإنْ كانَتْ نائِبَةً عَنْ إنَّ هُنا إلّا أنَّهُ يُلاحَظُ بَعْدَها (لَكَ) المَوْجُودُ بَعْدَ أنِ الَّتِي نابَتْ عَنْها فَيَكُونُ هُناكَ فاصِلٌ ولا يَمْتَنِعُ الدُّخُولُ مَعَهُ وهو كَما تَرى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ العَطْفَ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ عَلى أنَّ الأُولى مَعَ مَعْمُولَيْها لا عَلى اسْمِها ولا كَلامَ في ذَلِكَ
طه 20:119
﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ أيْ ولا تُصِيبُكَ الشَّمْسُ يُقالُ: ضَحا كَسَعى وضَحِي كَرَضِيَ ضَحْوًا وضَحْيًا إذا أصابَتْهُ الشَّمْسُ، ويُقالُ ضُحًا وضَحْوًا وضُحُوًّا وضُحُيًّا إذا بَرَزَ لَها، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصُرُ
وفَسَّرَ بَعْضُهم ما في الآيَةِ بِذَلِكَ والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ بِلا كُنْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ فَإنَّ اجْتِماعَ أسْبابِ الرّاحَةِ فِيها مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ مَبادِئِ البَقاءِ فِيها والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنْها، والعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها تَنَعُّمًا بِفُنُونِ النِّعَمِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ وتَمَتُّعًا بِأصْنافِ المَلابِسِ البَهِيَّةِ والمَساكِنِ المَرْضِيَّةِ مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الإبْقاءِ فِيها ما لا يَخْفى إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ نَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ والعَطَشُ والعُرْيُ والضَّحْوُ لِتَذْكِيرِ تِلْكَ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن أنْواعِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ سُبْحانَهُ عَنْها لِيُبالِغَ في التِحامِي عَنِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْها، ومَعْنى ﴿ألا تَجُوعَ﴾ إلَخْ أنْ لا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ أصْلًا فَإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ والكُسْوَةَ والكِنَّ قَدْ تَحْصُلُ بَعْدَ عُرُوضِ أضْدادِها ولَيْسَ الأمْرُ فِيها كَذَلِكَ بَلْ كُلَّما وقَعَ فِيها شَهْوَةٌ ومَيْلٌ إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ تَمَتَّعَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ، عَلى أنَّ التَّرْغِيبَ قَدْ حَصَلَ بِما سُوِّغَ لَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِجَمِيعِ ما فِيها سِوى الشَّجَرَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ هاهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ واقْتُصِرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّرْهِيبِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ما ذُكِرَ لِما وقَعَ في سُؤالِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِسُكْنى الجَنَّةِ قالَ إلَهِي ألِي فِيها ما آكُلُ؟ ألِي فِيها ما ألْبَسُ؟ ألِي فِيها ما أشْرَبُ؟ ألِي فِيها ما أسْتَظِلُّ بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ شَيْءٌ.
صفحة 272
ووَجْهُ إفْرادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ ما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: كَوْنُهُ السّائِلَ وكانَ الظّاهِرُ عَدَمَ الفَصْلِ بَيْنَ الجُوعِ والظَّمَأِ والعُرْيِ والضَّحْوِ لِلتَّجانُسِ والتَّقارُبِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنِ المُناسَبَةِ المَكْشُوفَةِ إلى مُناسَبَةٍ أتَمَّ مِنها وهي أنَّ الجُوعَ خُلُوُّ الباطِنِ والعُرْيَ خُلُوُّ الظّاهِرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَخْلُو باطِنُكَ وظاهِرُكَ عَمّا يُهِمُّهُما، وجَمَعَ بَيْنَ الظَّمَأِ المُوَرِّثِ حَرارَةَ الباطِنِ والبُرُوزِ لِلشَّمْسِ وهو الضَّحْوُ المُورِثُ حَرارَةَ الظّاهِرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْلِمُكَ حَرارَةُ الباطِنِ والظّاهِرِ وذَلِكَ الوَصْلُ الخَفِيُّ وهو سِرٌّ بَدِيعٌ مِن أسْرارِ البَلاغَةِ، وفي الكَشْفِ إنَّما عَدَلَ إلى المَنزِلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشِّبَعَ والكُسْوَةَ أصْلانِ وأنَّ الأخِيرَيْنِ مُتَمِّمانِ عَلى التَّرْتِيبِ فالِامْتِنانُ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ ولِهَذا فُرِّقَ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ فَقِيلَ أوَّلًا (إنَّ لَكَ) وثانِيًا (أنَّكَ)، وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ العَلّامَةَ الطِّيبِيُّ أيْضًا ثُمَّ قالَ: وفي تَنْسِيقِ المَذْكُوراتِ الأرْبَعَةِ مُرَتَّبَةً هَكَذا مُقَدَّمًا ما هو الأهَمُّ فالأهَمُّ ثُمَّ في جَعْلِها تَفْصِيلًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ وتَكْرِيرُ لَفْظَةٍ فِيها وإخْراجُها في صِيغَةِ النَّفْيِ مُكَرَّرَةَ الأداةِ الإيماءُ إلى التَّعْرِيضِ بِأحْوالِ الدُّنْيا وأنْ لا بُدَّ مِن مُقاساتِها (فِيها) لِأنَّها خُلِقَتْ لِذَلِكَ وأنَّ الجَنَّةَ ما خُلِقَتْ إلّا لِلتَّنَعُّمِ ولا يُتَصَوَّرُ فِيها غَيْرُهُ. وفي الِانْتِصافِ أنَّ في الآيَةِ سِرًّا بَدِيعًا مِنَ البَلاغَةِ يُسَمّى قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقُ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ ولَوْ قُرِنَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ لَتُوُهِّمَ المَقْرُونانِ نِعْمَةً واحِدَةً، وقَدْ رَمَقَ أهْلُ البَلاغَةِ سَماءَ هَذا المَعْنى قَدِيمًا وحَدِيثًا فَقالَ الكِنْدِيُّ الأوَّلُ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسَبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
فَقَطَعَ رُكُوبَ الجَوادِ عَنْ قَوْلِهِ لِخَيْلِهِ: كُرِّي كَرَّةً وقَطَعَ تَبَطُّنَ الكاعِبِ عَنْ تَرَشُّفِ الكَأْسَ مَعَ التَّناسُبِ، وغَرَضُهُ أنْ يُعَدِّدَ مَلاذَهُ ومَفاخِرَهُ ويُكَثِّرَها، وتَبِعَهُ الكَنَدِيُّ الآخَرُ فَقالَ:
وقَفْتُ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ ضَحّاكٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إذْ قَطَعَ الشَّيْءَ عَنْ نَظِيرِهِ فَقالَ لَهُ: إنْ كُنْتَ أخْطَأْتَ بِذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ وأنْشَدَ البَيْتَيْنِ السّابِقَيْنِ، وفي الآيَةِ سِرٌّ لِذَلِكَ أيْضًا زائِدٌ عَلى ما ذُكِرَ وهو قَصْدٌ تُناسِبُ الفَواصِلَ ا هـ.
وقَدْ يُقالُ في بَيْتِي الأوَّلِ: إنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ رُكُوبِ الخَيْلِ لِلَذَّةِ والنُّزْهَةِ وتَبَطُّنِ الكاعِبِ لِلَّذَّةِ الحاصِلَةِ فِيهِما، وجَمَعَ بَيْنَ سَبْءٍ الزَقْ وقَوْلِهِ لِخَيْلِهِ: كُرِّي لِما فِيهِما مِنَ الشَّجاعَةِ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن قَصْدِ تَناسُبِ الفَواصِلِ في الآيَةِ ظاهِرٌ في أنَّهُ لَوْ عَدَلَ عَنْ هَذا التَّرْتِيبِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وقَرَأ شَيْبَةُ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ سَعْدانَ ( إنَّكَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِها عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى أنْ لا تَجُوعَ وهو في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمٍ لِأنْ وصِحَّةُ وُقُوعِ ما صَدَرَ بِأنِ المَفْتُوحَةَ اسْمًا لِأنَّ المَكْسُورَةَ المُشارِكَةَ لَها في إفادَةِ التَّحْقِيقِ مَعَ امْتِناعِ وُقُوعِها خَبَرًا لَها لِما أنَّ المَحْذُورَ وهو اجْتِماعُ حُرٍّ في التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِاخْتِلافِ مَناطِ التَّحْقِيقِ فِيما في حَيِّزِها بِخِلافِ ما لَوْ وقَعَتْ خَبَرًا فَإنَّ اتِّحادَ المَناطِ حِينَئِذٍ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وبَيانُهُ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأداتَيْنِ مَوْضُوعَةٌ لِتَحْقِيقِ
صفحة 273
مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ مِنِ اسْمِها وخَبَرِها ولا يَخْفى أنَّ مَرْجِعَ خَبَرِيَّتِها ما فِيها مِنَ الحِكَمِ وأنَّ مَناطَهُ الخَبَرُ لا الِاسْمُ فَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنهُما تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِاسْمِها لا ثُبُوتِ اسْمِها في نَفْسِهِ فاللّازِمُ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالمَفْتُوحَةِ اسْمًا لِلْمَكْسُورَةِ تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِتِلْكَ الجُمْلَةِ المُؤَوَّلَةِ بِالمَصْدَرِ، وأمّا تَحْقِيقُ ثُبُوتِها في نَفْسِها فَهو مَدْلُولُ المَفْتُوحَةِ فَلا يَلْزَمُ اجْتِماعُ حُرٍّ في التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إنَّ أنَّ زَيْدًا قائِمُ حَقٍّ مَعَ اخْتِلافِ المَناطِ بَلْ شَرَطُوا الفَصْلَ بِالخَبَرِ كَقَوْلِنا: إنَّ عِنْدِي أنَّ زَيْدًا قائِمُ حَقٍّ لِلتَّجافِي عَنْ صُورَةِ الِاجْتِماعِ، والواوُ العاطِفَةُ وإنْ كانَتْ نائِبَةً عَنِ المَكْسُورَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ دُخُولُها عَلى المَفْتُوحَةِ بِلا فَصْلٍ وقائِمَةٌ مَقامَها في إفْضاءِ مَعْناها وإجْراءِ أحْكامِها عَلى مَدْخُولِها لَكِنَّها حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ لَمْ يَلْزَمْ مِن دُخُولِها اجْتِماعُ حُرٍّ في التَّحْقِيقِ أصْلًا. فالمَعْنى إنَّ لَكَ عَدَمَ الجُوعِ وعَدَمَ العُرْيِ وعَدَمَ الظَّمَأِ خَلا أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَدَمُ الظَّمَأِ والضَّحْوِ مُطْلَقًا كَما فُعِلَ مِثْلُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلْ قُصِدَ بَيانُ أنَّ الثّابِتَ لَهُ تَحْقِيقُ عَدَمِهِما فَوُضِعَ مَوْضِعَ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ المَحْضِ أنْ المُفِيدَةُ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَكَ فِيها عَدَمَ ظَمَئِكَ عَلى التَّحْقِيقِ انْتَهى.
ويَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى بَيانِ النُّكْتَةِ في عَدَمِ الِاقْتِصارِ عَلى بَيانِ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَدَمُ الظَّمَأِ مُطْلَقًا كَما فُعِلَ مِثْلُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وقِيلَ: إنَّ الواوَ وإنْ كانَتْ نائِبَةً عَنْ إنَّ هُنا إلّا أنَّهُ يُلاحَظُ بَعْدَها (لَكَ) المَوْجُودُ بَعْدَ أنِ الَّتِي نابَتْ عَنْها فَيَكُونُ هُناكَ فاصِلٌ ولا يَمْتَنِعُ الدُّخُولُ مَعَهُ وهو كَما تَرى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ العَطْفَ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ عَلى أنَّ الأُولى مَعَ مَعْمُولَيْها لا عَلى اسْمِها ولا كَلامَ في ذَلِكَ
طه 20:120
﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ أنْهى الوَسْوَسَةَ إلَيْهِ، وهي كَما قالَ الرّاغِبُ:
الخَطِرَةُ الرَّدِيئَةُ وأصْلُها مِنَ الوَسْواسِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسِ الخَفِيِّ، وقالَ اللَّيْثُ: الوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسُ والفِعْلُ وسْوَسَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، ويُقالُ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِالكَسْرِ والفَتْحِ لَحْنٌ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ وسْوَسَ فِعْلٌ لازِمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْوَسَةِ وهي حِكايَةُ صَوْتٌ كَوَلْوَلَةِ الثَّكْلى ووَعْوَعَةِ الذِّئْبِ ووَقْوَقَةِ الدَّجاجَةِ وإذا عُدِّيَ بَإلى ضِمْنَ مَعْنى الإنْهاءِ وإذا جِيءَ بِاللّامِ بَعْدَهُ نَحْوَ وسْوَسَ لَهُ فَهي لِلْبَيانِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْأجْلِ أيْ وسْوَسَ لِأجْلِهِ، وكَذا إذا كانَتْ بَعْدَ نَظائِرِ هَذا الفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
أجْرِسْ لَها يا ابْنَ أبِي كِباشٍ فَما لَها اللَّيْلَةَ مِن إنْفاشِ
وذُكِرَ في الأساسِ وسْوَسَ إلَيْهِ في قِسْمِ الحَقِيقَةِ، وظاهِرُهُ عَدَمُ اعْتِبارِ التَّضْمِينِ والكَثِيرِ عَلى اعْتِبارِهِ.
(قالَ) إمّا بَدَلٌ مِن (وسْوَسَ) أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُ في وسْوَسَتِهِ:
فَقِيلَ: قالَ ﴿يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ ناداهُ بِاسْمِهِ لِيَكُونَ أقْبَلَ عَلَيْهِ وأمْكَنَ لِلِاسْتِماعِ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ ما عَرَضَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يُشْعِرُ بِالنُّصْحِ، ومَعْنى شَجَرَةِ الخُلْدِ شَجَرَةٌ مَن أكَلَ مِنها خَلَدَ ولَمْ يَمُتْ أصْلًا سَواءٌ كانَ عَلى حالِهِ أوْ بِأنْ يَكُونَ مَلِكًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ .
وفِي البَحْرِ أنَّ ما حُكِيَ هُنا مُقَدَّمٌ عَلى ما حُكِيَ في الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ إلَخْ كَأنَّ اللَّعِينَ لَمّا رَأى مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَوْعَ إصْغاءٍ إلى ما عُرِضَ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إلى الأخْبارِ والحَصْرِ انْتَهى، والحَقُّ
صفحة 274
أنَّهُ لا جَزْمَ بِما ذُكِرَ ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ أيْ لا يَفْنى أوْ لا يَصِيرُ بالِيًا خَلْقًا قِيلَ: إنَّ هَذا مِن لَوازِمِ الخُلُودِ فَذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ وزِيادَةِ التَّرْغِيبِ.
طه 20:121
﴿فَأكَلا﴾ أيْ هو وزَوْجَتُهُ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي سَمّاها اللَّعِينُ شَجَرَةَ الخُلْدِ ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: عَرِيا عَنِ النُّورِ الَّذِي كانَ اللَّهُ تَعالى ألْبَسَهُما حَتّى بَدَتْ فُرُوجُهُما، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ كانَ لِباسُهُما الظُّفُرُ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما وتُرِكَتْ هَذِهِ البَقايا في أطْرافِ الأصابِعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِلْأكْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرى ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بِما ذُكِرَ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ ﴿فَغَوى﴾ ضَلَّ عَنْ مَطْلُوبِهِ الَّذِي هو الخُلُودُ أوْ عَنِ المَطْلُوبِ مِنهُ وهو تَرْكُ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ أوْ عَنِ الرُّشْدِ حَيْثُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ، وقِيلَ: غَوى أيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ. ومِنهُ يُقالُ: الغِواءُ لِسُوءِ الرِّضاعِ. وقُرِئَ ( فَغَوِيَ ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الياءِ أيْ فَبَشِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ مِن غَوِيَ الفَصِيلُ إذا اتَّخَمَ مِنَ اللَّبَنِ وبِهِ فُسِّرَتِ القِراءَةُ الأُخْرى، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَقالَ وهَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها ألِفًا فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ فَنا وبَقا بِالألِفِ وهم بَنُو طَيِّءٍ تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنَ الكَبائِرِ وهو المَفْهُومُ مِن كَلامِ الإمامِ فَإنْ كانَ صُدُورُهُ بَعْدَ البَعْثَةِ تَعَمُّدًا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ ولا تَأْوِيلٍ أشْكَلَ عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ والأئِمَّةُ المُتْقِنُونَ مِن وُجُوبِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ البَعْثَةِ عَنْ صُدُورٍ مِثْلِ ذَلِكَ مِنهم عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، ولا يَكادُ يَقُولُ بِذَلِكَ إلّا الأزارِقَةُ مِنَ الخَوارِجِ فَإنَّهم عَلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَ جَوَّزُوا الكُفْرَ عَلَيْهِمْ وحاشاهم فَما دُونَهُ أوْلى بِالتَّجْوِيزِ، وإنْ كانَ صُدُورُهُ قَبْلَ البَعْثَةِ كَما قالَ بِهِ جَمْعٌ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ مَذْهَبُنا فَإنْ كانَ تَعَمُّدًا أشْكَلَ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ والشِّيعَةِ بِعِصْمَتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ تَعَمُّدًا قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا.
نَعَمْ لا إشْكالَ فِيهِ عَلى ما قالَهُ القاضِي أبُو بَكْرٍ مِن أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا ولا سَمْعًا أنْ يَصْدُرَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ مَعْصِيَةٌ مُطْلَقًا بَلْ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا إرْسالُ مَن أسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ أكْثَرُ الأصْحابِ وكَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كانَ سَهْوًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ بِناءً عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ فِيهِ أشْكَلَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الشِّيعَةِ مِن مَنعِ صُدُورِ الكَبِيرَةِ سَهْوًا قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا، ولا إشْكالَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرٍ، وإنْ كانَ بَعْدَ البَعْثَةِ سَهْوًا أشْكَلَ أيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ قالَ عَضُدُ المِلَّةِ في المَواقِفِ إنَّ الأكْثَرِينَ جَوَّزُوا صُدُورَ الكَبِيرَةِ يَعْنِي ما عَدا الكُفْرَ والكَذِبَ فِيما دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ سَهْوًا وعَلى سَبِيلِ الخَطَأِ مِنهم، وقالَ العَلّامَةُ الشَّرِيفُ المُخْتارُ خِلافَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ ما وقَعَ صَغِيرَةٌ والأمْرُ عَلَيْهِ هَيِّنٌ فَإنَّ الصَّغائِرَ الغَيْرَ المُشْعِرَةِ بِالخِسَّةِ يَجُوزُ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ العَقائِدِ صُدُورُها مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمْدًا بَعْدَ البِعْثَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ وأتْباعِهِ ويَجُوزُ صُدُورُها سَهْوًا بِالِاتِّفاقِ لَكِنِ المُحَقِّقُونَ اشْتَرَطُوا أنْ يُنَبَّهُوا عَلى ذَلِكَ فَيَنْتَهُوا عَنْهُ.
نَعَمْ ذُكِرَ في شَرْحِ المَقاصِدِ عِصْمَتُهم عَنْ صُدُورِ ذَلِكَ عَمْدًا. والأحْوَطُ نَظَرًا إلى مَقامِ آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ يُقالَ: إنَّ صُدُورَ ما ذُكِرَ مِنهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وكانَ سَهْوًا أوْ عَنْ تَأْوِيلٍ إلّا أنَّهُ عَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِ وعَظُمَ لَدَيْهِ
صفحة 275
نَظَرًا إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ ومَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وإحْسانِهِ وقَدْ شاعَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ذَلِكَ مِنهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ المَغْرِبِيِّ قالَ: تَفَكَّرَ إبْراهِيمُ في شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: يا رَبِّ خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ ونَفَخْتَ فِيهِ مِن رُوحِكَ وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتِكَ ثُمَّ بِذَنْبٍ واحِدٍ مَلَأْتَ أفْواهَ النّاسِ مِن ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا إبْراهِيمُ أما عَلِمْتَ أنَّ مُخالَفَةَ الحَبِيبِ عَلى الحَبِيبِ شَدِيدَةٌ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في اسْتِعْظامِ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ المَلامُ زَجْرًا بَلِيغًا لِأوْلادِهِ عَنْ أمْثالِهِ، وعَلى العِلّاتِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ العِصْيانُ اليَوْمَ وأنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ تالِيًا لِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ أوْ راوِيًا لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدِئًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَلا، وقَدْ صَرَّحَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ بِعَدَمِ جَوازِ نِسْبَةِ العِصْيانِ لِلْآباءِ الأدْنِينَ إلَيْنا المُماثِلِينَ لَنا فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَتُهُ لِلْأنْبِياءِ الأقْدامِ والنَّبِيُّ المُقَدَّمُ الأكْرَمُ، وارْتَضى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ وادَّعى أنَّ ابْتِداءَ الأخْبارِ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى المُتَشابِهَةِ كاليَدِ والإصْبَعِ والنُّزُولِ أوْلى بِالمَنعِ وعَدَمِ الجَوازِ، ثُمَّ إنَّ ما وقَعَ كانَ في الحَقِيقَةِ بِمَحْضِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، وإلّا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ والحَسَنِ أنَّ عَقْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ عَقْلِ جَمِيعِ ولَدِهِ وعَداوَةُ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَقْلٌ ولا يُغْنِي شَيْءٌ في جَنْبِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ
طه 20:122
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ اصْطَفاهُ سُبْحانَهُ وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِالحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها مِنِ اجْتَبى الشَّيْءَ جَباهُ لِنَفْسِهِ أيْ جَمَعَهُ كَقَوْلِكَ: اجْتَمَعْتُهُ أوْ مِن جَبى إلى كَذا فاجْتَبَيْتُهُ مِثْلَ جَلَيْتُ عَلى العَرُوسِ فاجْتَلَيْتُها، وأصْلُ مَعْنى الكَلِمَةِ الجَمْعُ فالمُجْتَبى كَأنَّهُ في الأصْلِ مِن جَمَعْتُ فِيهِ المَحاسِنَ حَتّى اخْتارَهُ غَيْرُهُ وقَرَّبَهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وقَبِلَ تَوْبَتَهُ حِينَ تابَ وذَلِكَ حِينَ قالَ هو وزَوْجَتُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ﴿وهَدى﴾ أيْ إلى الثَّباتِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّمَسُّكِ بِما يُرْضِي المَوْلى سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ إلى كَيْفِيَّةِ التَّوْبَةِ بِتَعْلِيمِ الكَلِماتِ، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إلى النُّبُوَّةِ والقِيامُ بِما تَقْتَضِيهِ. وقَدَّمَ أبُو حَيّانَ هَذا عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي ذَكَرَها، والنَّيْسابُورِيُّ فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِالِاخْتِيارِ لِلرِّسالَةِ وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما جَرى كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِنِسْبَةِ العِصْيانِ والغَوايَةِ إلى حَوّاءَ بِأنْ يُسْنِدَهُما إلى ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْها، وعَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أسْنَدَ الأكْلَ وما بَعْدَهُ إلى ذَلِكَ إعْراضًا عَنْ مَزِيدِ النَّعْيِ عَلى الحَرَمِ وأنَّ الأهَمَّ نَظَرًا إلى مَساقِ القِصَّةِ التَّصْرِيحُ بِما أُسْنِدَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ رِعايَةَ الفَواصِلِ وحَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ جَلَّ وعَلا بِعِصْيانِها لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَوْفِيقِها لِلتَّوْبَةِ وقَبُولِها مِنها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى اكْتَفى بِذِكْرِ شَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّ حَوّاءَ تَبَعٌ لَهُ في الحُكْمِ ولِذا طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ مَواقِعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
طه 20:123
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى عامَلَهُ بِما عامَلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالَ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ أيِ انْزِلا مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ مُجْتَمَعَيْنِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِإبْلِيسٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ (اخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ) لِلْوَسْوَسَةِ، وخِطابُهُما
صفحة 276
عَلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِما أنَّهُما أصْلُ الذُّرِّيَّةِ ومَنشَأُ الأوْلادِ فالتَّعادِي في الحَقِيقَةِ بَيْنَ أوْلادِهِما. وهَذا عَلى عَكْسِ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ ونِسْبَةِ ما فَعَلَ آباؤُهم إلَيْهِمْ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَعادِينَ في أمْرِ المَعاشِ وشَهَواتِ الأنْفُسِ. وعَلى الثّانِي ظاهِرٌ لِظُهُورِ العَداوَةِ بَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وكَذا بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّةِ اللَّعِينِ. ومِن هُنا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ والحَيَّةِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ إلَخْ أيْ نَبِيٌّ أرْسَلَهُ إلَيْكم وكِتابٌ أنْزَلَهُ عَلَيْكم ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِ والمُبالَغَةِ في إيجابِ اتِّباعِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾ في الدُّنْيا ﴿ولا يَشْقى﴾ في الآخِرَةِ»، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الهُدى بِالقُرْآنِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: أجارَ اللَّهُ تَعالى تابِعَ القُرْآنِ مِن أنْ يَضِلَّ في الدُّنْيا أوْ يَشْقى في الآخِرَةِ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ ( «مَنِ اتَّبَعَ كِتابَ اللَّهِ هَداهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الضَّلالَةِ في الدُّنْيا ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ» )،
طه 20:124
ورَجَحَ عَلى العُمُومِ بِقِيامِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الذِّكْرِ بِالقُرْآنِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ والمُخْتارُ العُمُومُ أنْ يَقُولَ: الذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وكَذا الآياتُ تَكُونُ بِمَعْنى الأدِلَّةِ مُطْلَقًا، وقَدْ فُسِّرَ الذِّكْرُ أيْضًا هُنا بِالهُدى لِأنَّهُ سَبَبُ ذِكْرِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، فَأُطْلِقُ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ سَبَبُهُ لِوُقُوعِهِ في المُقابَلَةِ، وما في الخَبَرِ مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى حُكْمِ أشْرَفِ الأفْرادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالعُمُومِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ.
ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَ ﴿لا يَضِلُّ﴾ بِقَوْلِنا في الدُّنْيا ﴿ولا يَشْقى﴾ بِقَوْلِنا في الآخِرَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ.
وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ العَكْسَ أيْ فَلا يَضِلُّ طَرِيقَ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ ولا يَتْعَبُ في أمْرِ المَعِيشَةِ في الدُّنْيا، وجَعَلَ الأوَّلَ في مُقابَلَةِ ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ والثّانِيَ في مُقابَلَةِ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ثُمَّ قالَ: وتَقْدِيمُ حالِ الآخِرَةِ عَلى حالِ الدُّنْيا في المُهْتَدِينَ لِأنَّ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ أمْرُ آخِرَتِهِمْ بِخِلافِ خِلافِهِمْ فَإنَّ نَظَرَهم مَقْصُورٌ عَلى دُنْياهم، ولا يَخْفى أنَّ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ هو الأوَّلُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ المُتَبادَرُ، نَعَمْ ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وإنْ قِيلَ: فِيهِ تَكَلُّفٌ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الأمْرَيْنِ في الآخِرَةِ وكَوْنَهُما في الدُّنْيا، وذُكِرَ أنَّ المُرادَ عَلى الأخِيرِ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ لا مُطْلَقًا فَإنْ لَحِقَ المُنْعِمُ بِالهُدى شَقاءً في الدُّنْيا فَبِسَبَبٍ آخَرَ وذَلِكَ لا يَضُرُّ ا هـ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَمِعْتَ، والمُرادُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرِ عَدَمُ الِاتِّباعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَتَّبِعْ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أيْ: ضَيِّقَةً شَدِيدَةً وهو مَصْدَرُ ضَنَكَ وكَذا ضَناكَةٍ ولِذا يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ، وقَدْ وُصِفَ بِهِ هُنا المُؤَنَّثُ بِاعْتِبارِ الأصْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( ضَنْكى ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ كَسَكْرى وبِالإمالَةِ. وهَذا التَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالشَّدِيدِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
صفحة 277
والخَيْلُ قَدْ لَحِقَتْ بِنا في مَأْزِقٍ ضَنْكٍ نَواحِيهِ شَدِيدِ المَقْدَمِ
والمُتَبادَرُ أنَّ تِلْكَ المَعِيشَةَ لَهُ في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، ووَجْهُ ضِيقِ مَعِيشَةِ الكافِرِ المُعَرَّضِ في الدُّنْيا أنَّهُ شَدِيدُ الحِرْصِ عَلى الدُّنْيا مُتَهالِكٌ عَلى ازْدِيادِها خائِفٌ مِنِ انْتِقاصِها غالِبٌ عَلَيْهِ الشُّحُّ بِها حَيْثُ لا غَرَضَ لَهُ سِواها بِخِلافِ المُؤْمِنِ الطّالِبِ لِلْآخِرَةِ، وقِيلَ: الضَّنْكُ مَجازٌ عَمّا لا خَيْرَ فِيهِ، ووَصْفُ مَعِيشَةِ الكافِرِ بِذَلِكَ لِأنَّها وبالٌ عَلَيْهِ وزِيادَةٌ في عَذابِهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ، وهو مَأْخُوذٌ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ كُلُّ مالِ أعْطَيْتُهُ عَبْدًا مِن عِبادِي قَلَّ أوْ كَثُرَ لا يَتَّقِينِي فِيهِ فَلا خَيْرَ فِيهِ وهو الضَّنْكُ في المَعِيشَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن كَوْنِها ضَنْكًا أنَّها سَبَبٌ لِلضَّنْكِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَكُونُ وصْفُها بِالضَّنْكِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ الضَّنْكِ كَما يُقالُ في السُّلْطانِ: المَوْتُ بَيْنَ شَفَتَيْهِ يُرِيدُونَ بِالمَوْتِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوْتِ كالأمْرِ بِالقَتْلِ ونَحْوِهِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ تِلْكَ المَعِيشَةَ لَهُ في القَبْرِ بِأنْ يُعَذَّبَ فِيهِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي صالِحٍ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ وفي البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأُسُودِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ. ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذِكْرِ المَوْتِ. والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ في رَوْضَةٍ خَضْراءَ ويُرَحَّبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِراعًا، ويُضِيءُ حَتّى يَكُونَ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ هَلْ تَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا، هَلْ تَدْرُونَ ما التِّنِّينُ؟ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ يَخْدِشُونَهُ ويَلْسَعُونَهُ ويَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ومُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ عَذابِ القَبْرِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ عَذابُ القَبْرِ» ) ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ، ولَفْظُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ: ضَمَّةُ القَبْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ومَن قالَ: الدُّنْيا ما قَبْلَ القِيامَةِ الكُبْرى قالَ: ما يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ واقِعٌ في الدُّنْيا كالَّذِي يَكُونُ قَبْلَ المَوْتِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّها تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ في جَهَنَّمَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في النّارِ شَوْكٌ وزَقُّومٌ وغِسْلِينٌ وضَرِيعٌ ولَيْسَ في القَبْرِ ولا في الدُّنْيا مَعِيشَةٌ وما المَعِيشَةُ والحَياةُ إلّا في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ الأخْبارَ السّابِقَةَ لَمْ تَبْلُغْ هَذا القائِلَ أوْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها إذا صَحَّتْ فَلا مَساغَ لِلْعُدُولِ عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ تَصِحَّ كانَ الأوْلى القَوْلَ بِأنَّها في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ لِظاهِرِ ذَكَرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْشُرُهُ﴾ إلَخْ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّ ﴿لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبانُ بْنُ تَغْلِبَ ( ونَحْشُرْهُ ) بِإسْكانِ الرّاءِ وخَرَجَ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفٌ أوْ جَزْمٌ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿فَإنَّ لَهُ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي تَكُنْ لَهُ مَعِيشَةٌ ضَنْكٌ ونَحْشُرُهُ إلَخْ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبانَ أنَّهُ قَرَأ ( ونَحْشُرُهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وفي البَحْرِ: الأحْسَنُ تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ فَإنَّهم يُسَكِّنُونَ مِثْلَ هَذِهِ الهاءِ، وقَدْ قُرِئَ (لِرَبِّهْ لَكَنُودٌ) بِإسْكانِ الهاءِ وقَرَأتْ
صفحة 278
فِرْقَةٌ ( ويَحْشُرُهُ ) بِالياءِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ فاقِدُ البَصَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾
طه 20:125
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أيْ في الدُّنْيا كَما هو الظّاهِرُ، ولَعَلَّ هَذا بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أفْرادِ مَن أعْرَضَ لِأنَّ مِن أفْرادِهِ مَن كانَ أكْمَهَ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا سُؤالٌ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الحَشْرَ أعْمى لِأنَّهُ جَهِلَ أوْ ظَنَّ أنْ لا ذَنْبَ لَهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ.
طه 20:126
﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِ ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ الكافُ مُقْحَمَةٌ كَما فِي: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ وذَلِكَ إشارَةُ إلى مَصْدَرِ أتَتْكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإتْيانِ البَدِيعِ أتَتْكَ الآياتُ الواضِحَةُ النَّيِّرَةُ. وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لا إقْحامَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى حَشْرِهِ أعْمى أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ فَعَلْتَ أنْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أتَتْكَ﴾ إلَخْ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يا رَبِّ ما فَعَلْتُ أنا؟ فَقِيلَ: أتَتْكَ آياتُنا ﴿فَنَسِيتَها﴾ أيْ: تَرَكْتَها تَرْكَ المَنسِيِّ الَّذِي لا يُذْكَرُ أصْلًا، والمُرادُ فَعَمِيتَ عَنْها إلّا أنَّهُ وضَعَ المُسَبَّبَ مَوْضِعَ السَّبَبِ لِأنَّ مَن عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ نَسِيَهُ وتَرَكَهُ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ﴾ إلى النِّسْيانِ المَفْهُومِ مِن نَسِيتَها والكافُ عَلى ظاهِرِها أيْ مِثْلَ ذَلِكَ النِّسْيانِ الَّذِي كُنْتَ فَعَلْتَهُ في الدُّنْيا ﴿اليَوْمَ تُنْسى﴾ أيْ تُتْرَكُ في العَمى جَزاءً وِفاقًا، وقِيلَ: الكافُ بِمَعْنى اللّامِ الأجَلِيَّةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أيْ ولِأجْلِ ذَلِكَ النِّسْيانِ الصّادِرِ مِنكَ تُنْسى. وهَذا التَّرْكُ يَبْقى إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يُزالُ العَمى عَنْهُ فَيَرى أهْوالَ القِيامَةِ ويُشاهِدُ النّارَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ الآيَةَ ويَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ وكَذا البَكَمُ والصَّمَمُ يُزِيلُهُما اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ .
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الكافِرَ يُحْشَرُ أوَّلًا بَصِيرًا ثُمَّ يَعْمى فَيَكُونُ الإخْبارُ بِأنَّهُ قَدْ كانَ بَصِيرًا إخْبارًا عَمّا كانَ عَلَيْهِ في أوَّلِ حَشْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ العَمى يَزُولُ أيْضًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ لا يَرى شَيْئًا إلّا النّارَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ أيْضًا في بَعْضِ أجْزاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ وإلّا فَكَيْفَ يَقْرَأُ كِتابَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ المَعْنى نَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى عَنِ الحُجَّةِ أيْ لا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها. وهو مُرادُ مَن قالَ: أعْمى القَلْبِ والبَصِيرَةِ، واخْتارَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ وقالَ كُلَّما ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ العَمى فَذَمَّهُ فَإنَّما يُرادُ بِهِ عَمى القَلْبِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ وقَدْ كُنْتُ عالِمًا بِحُجَّتِي بَصِيرًا بِها أُحاجُّ عَنْ نَفْسِي في الدُّنْيا. ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في رَدِّ مَن حَمَلَ العَمى عَلى عَمى البَصِيرَةِ مِن أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحُسَّ الكافِرُ بِهِ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا أعْمى البَصِيرَةِ وماتَ وهو كَذَلِكَ. وحاصِلُ الجَوابِ عَلَيْهِ أنِّي حَشَرْتُكَ أعْمى القَلْبِ لا تَهْتَدِي إلى ما يُنْجِيكَ مِنَ الحُجَّةِ لِأنَّكَ تَرَكْتَ في الدُّنْيا آياتِي وحُجَجِي وكَما تَرَكْتَ ذَلِكَ تَتْرُكُ عَلى هَذا العَمى أبَدًا، وقِيلَ: المُرادُ بِأعْمى مُتَحَيِّرًا لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ مِنَ الحِيَلِ في دَفْعِ العَذابِ كالأعْمى الَّذِي يَتَحَيَّرُ في دَفْعِ ما لا يَراهُ. ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ كَما يُتَوَهَّمُ عَلى عَدِّ نِسْيانِ القُرْآنِ أوْ آيَةٍ مِنهُ كَبِيرَةٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الرّافِعِيُّ ويُشْعِرُ كَلامُ الإمامِ النَّوَوِيِّ في الرَّوْضَةِ بِاخْتِيارِهِ لِأنَّ المُرادَ بِنِسْيانِ الآياتِ بَعْدَ القَوْلِ بِشُمُولِها آياتِ القُرْآنِ تَرْكُها وعَدَمُ الإيمانِ بِها. ومَن عَدَّ نِسْيانَ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ كَبِيرَةً أرادَ
صفحة 279
بِالنِّسْيانِ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، نَعَمْ تَجَوَّزَ أبُو شامَةَ شَيْخُ النَّوَوِيِّ فَحَمَلَ النِّسْيانَ في الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَمِّ نِسْيانِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِهِ. وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ وأنَّ كَوْنَ النِّسْيانِ بِالمَعْنى الأوَّلِ كَبِيرَةٌ عِنْدَ مَن قالَ بِهِ مَشْرُوطٌ كَما قالَ الجَلالُ البُلْقِينِيُّ والزَّرْكَشِيُّ وغَيْرُهُما بِما إذا كانَ عَنْ تَكاسُلٍ وتَهاوُنٍ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ وكَذا تَحْقِيقُ حالِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلْفٌ ( أعْمِي ) بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الياءِ. وأمالَ أبُو عَمْرٍو في الأوَّلِ فَقَطْ لِكَوْنِهِ جَدِيرًا بِالتَّغْيِيرِ لِكَوْنِهِ رَأْسَ الآيَةِ ومَحَلَّ الوَقْفِ.
طه 20:127
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ المُوافِقِ لِلْجِنايَةِ ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بَلْ كَذَّبَها وأعْرَضَ عَنْها، والمُرادُ تَشْبِيهُ الجَزاءِ العامِّ بِالجَزاءِ الخاصِّ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوْ عَذابُ النّارِ ﴿أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الأُولى ﴿وأبْقى﴾ أيْ: أكْثَرُ بَقاءً مِنهُ أوْ أشَدُّ وأبْقى مِن ذَلِكَ ومِن عَذابِ القَبْرِ أوْ مِنهُما ومِنَ الحَشْرِ عَلى العَمى.
طه 20:128
﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الآيَةَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ. واسْتِعْمالُ الهِدايَةِ بِاللّامِ إمّا لِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا حاجَةَ إلى المَفْعُولِ أوْ لِأنَّها بِمَعْنى التَّبْيِينِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ. وأيًّا ما كانَ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى وضَمِيرُ (لَهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والمَعْنى أغْفَلُوا فَلَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الهِدايَةَ أوْ فَلَمْ يُبَيِّنْ عَزَّ وجَلَّ لَهُمُ العِبَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ إمّا بَيانٌ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتِلْكَ الهِدايَةِ أوْ كالتَّفْسِيرِ لِلْمَفْعُولِ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: فاعِلُ (يَهْدِ) ضَمِيرُهُ ﷺ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الإهْلاكِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، وقِيلَ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ أيِ النَّظَرُ والِاعْتِبارُ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى المِبْرَدِ، وفِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفاعِلُ جُمْلَةُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ إلَخْ ووُقُوعُ الجُمْلَةِ فاعِلًا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ لَكِنْ رُجِّحَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّ التَّعْلِيلَ فِيما بَعْدُ يَقْتَضِيهِ. ورُجِّحَ كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِأنَّهُ قَدْ قَرَأ فِرْقَّةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّلَمِيُّ ( أفَلَمْ نَهْدِ ) بِالنُّونِ واخْتارَ بَعْضُهم عَلَيْهِ كَوْنَ الفِعْلِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ وجُمْلَةُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ بَيانًا لِتِلْكَ الهِدايَةِ، وبَعْضٌ آخَرُ كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ أيْ: أفَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ تَعالى لَهم مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ (كَمْ) هُنا خَبَرِيَّةٌ وهي لا تُعَلِّقُ عَنِ العَمَلِ وإنَّما الَّتِي تُعَلِّقُ عَنْهُ كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ مَدارُ التَّعْلِيقِ الصَّدارَةَ كَما هو الظّاهِرُ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ لِكُلٍّ مِن كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وكَمِ الخَبَرِيَّةِ ما ذُكِرَ، ورَدَ في المُغْنِي قَوْلُ ابْنِ عُصْفُورٍ: أنَّ (كَمْ) في الآيَةِ فاعِلُ يَهْدِ بِأنَّ لَها الصَّدْرَ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ جاءَ عَلى لُغَةٍ رَدِيئَةٍ حَكاها الأخْفَشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يَقُولُ: مَلَكْتَ كَمْ عَبِيدٍ فَيُخْرِجُها عَنِ الصَّدْرِيَّةِ خَطَأٌ عَظِيمٌ إذْ خَرَّجَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ انْتَهى. وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ كَمْ هُنا خَبَرِيَّةٌ ولَها الصَّدْرُ. نَعَمْ نَقَلَ الحُوفِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَدَّ القائِلَ بِالفاعِلِيَّةِ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَها فِيها والظّاهِرُ خَبَرِيَّتُها وهي مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لَأهْلَكْنا و﴿مِنَ القُرُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُمَيِّزِها أيْ كَمْ قَرْنٍ كائِنٌ مِنَ القُرُونِ ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ
صفحة 280
مِنَ (القُرُونِ) أوْ مِن مَفْعُولِ (أهْلَكْنا) أيْ أهْلَكْناهم وهم في حالِ أمْنٍ وتَقَلُّبٍ في دِيارِهِمْ. واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لَهُمْ) مُؤَكِّدًا لِلْإنْكارِ، والعامِلُ فِيهِ (يَهْدِ) أيْ أفَلَمْ يَهْدِ لِلْمُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِهِمْ ماشِينَ في مَساكِنِ مَن أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ السّالِفَةِ مِن أصْحابِ الحِجْرِ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ مُشاهِدِينَ لِآثارِ هَلاكِهِمْ إذا سافَرُوا إلى الشّامِ وغَيْرِهِ، وتَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقُرُونِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ (يُمَشُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ يُمَكَّنُونَ في المَشْيِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْرِيرٌ لِلْهِدايَةِ مَعَ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ. و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ إلَخْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ في بابِهِ.
﴿لآياتٍ﴾ كَثِيرَةً عَظِيمَةً ظاهِراتِ الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ في تَجْرِيدِيَّةً كَما قِيلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ أيْ لِذَوِي العُقُولِ النِّهايَةِ عَنِ القَبائِحِ الَّتِي مِن أقْبَحِها ما يَتَعاطاهُ هَؤُلاءِ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى والتَّعامِي عَنْها وغَيْرُ ذَلِكَ مِن فُنُونِ المَعاصِي.
طه 20:129
﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حِكْمَةِ عَدَمِ وُقُوعِ ما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الآيَةَ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ القُرُونَ المُهْلَكَةَ والكَلِمَةُ السّابِقَةُ هي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إمّا إكْرامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ أوْ لِأنَّ مِن نَسْلِهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ لِحِكْمَةٍ أُخْرى اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِها أيْ لَوْلا الكَلِمَةُ السّابِقَةُ والعِدَةُ بِتَأْخِيرِ العَذابِ ﴿لَكانَ﴾ أيْ: عِقابُ جِناياتِهِمْ ﴿لِزامًا﴾ أيْ لازِمًا لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ جِناياتِهِمْ ساعَةَ لُزُومِ ما نَزَلِ بِأضْرابِهِمْ مِنَ القُرُونِ السّالِفَةِ، واللِّزامُ إمّا مَصْدَرٌ لازِمٌ كالخِصامِ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوِ اسْمُ آلَةٍ كَحِزامٍ ورِكابٍ والوَصْفُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا كَلِزازِ خَصْمٍ بِمَعْنى مُلِحٍّ عَلى خَصْمِهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ جَمْعَ لازِمٍ كَقِيامٍ جَمْعِ قائِمٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَلِمَةٌ﴾ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ أيْ لَوْلا العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ والأجَلُ المُسَمّى لِأعْمارِهِمْ لَما تَأخَّرَ عَذابُهم أصْلًا، وفَصْلُهُ عَمّا عُطِفَ عَلَيْهِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ جَوابٍ لَوْلا، والإشْعارُ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيِ لُزُومِ العَذابِ ومُراعاةِ فَواصِلِ الآيِ الكَرِيمَةِ، وقِيلَ: أيْ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لِعَذابِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَتَّحِدُ حِينَئِذٍ بِالكَلِمَةِ السّابِقَةِ فَلا يَصْحُّ إدْراجُ اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهم بِالنَّفْيِ في عِدادِ نُكَتِ الفَصْلِ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَأْخِيرِ العَذابِ عَنِ الدُّنْيا أنْ يَكُونَ لَهُ وقْتٌ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ ولا يَتَخَلَّفُ فَلا مانِعَ مِنَ الِاسْتِقْلالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الأجَلَ المُسَمّى هي الكَلِمَةُ الَّتِي سَبَقَتْ، وقِيلَ: الأجَلُ المُسَمّى لِلْعَذابِ هو يَوْمُ بَدْرٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُنافِي كَوْنَ الكَلِمَةِ هي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العَذابِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ولَمْ يَقَعْ يَوْمَ بَدْرٍ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ العَطْفِ عَلى المُسْتَكِنِّ في كانَ العائِدِ إلى الأخْذِ العاجِلِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ تَنْزِيلًا لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ مَنزِلَةَ التَّأْكِيدِ أيْ لَكانَ الأخْذُ العاجِلُ والأجَلُ المُسَمّى لازِمَيْنِ لَهم كَدَأْبِ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَنْفَرِدِ الأجَلُ المُسَمّى دُونَ الأخْذِ العاجِلِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَتَسَنّى إذا كانَ ﴿لِزامًا﴾ اسْمَ آلَةٍ لِلُزُومِ التَّثْنِيَةِ حِينَئِذٍ
طه 20:130
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ
صفحة 281
تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لَيْسَ بِإهْمالٍ بَلْ إمْهالٍ وأنَّهُ لازِمٌ لَهُمُ البَتَّةَ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن كَلِماتِ الكُفْرِ فَإنَّ عِلْمَهُ ﷺ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لا مَحالَةَ مِمّا يُسَلِّيهِ ويَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ، والمُرادُ بِهِ عَدَمُ الِاضْطِرابِ لا تَرْكُ القِتالِ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً ﴿وسَبِّحْ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ صَلِّ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى كَمالاتٍ عَلى هِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ أيْ: صَلاةِ الفَجْرِ ﴿وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ أيْ: صَلاةِ المَغْرِبِ، والظّاهِرُ أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِسَبَّحَ.
وقَدْ أُخْرِجَ تَفْسِيرُ التَّسْبِيحِ في هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ بِما ذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ «عَنْ فَضالَةَ بْنِ وهْبٍ اللِّيثِيِّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ: ( حافِظْ عَلى العَصْرَيْنِ قُلْتُ: وما العَصْرانِ؟ قالَ: صَلاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها» )، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ قَبْلَ غُرُوبِها صَلاتا الظُّهْرِ والعَصْرِ لِأنَّ وقْتَ كُلٍّ مِنهُما قَبْلَ غُرُوبِها وبَعْدَ زَوالِها وجَمَعَها لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَبْلَ الغُرُوبِ وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ صادِقًا عَلى وقْتِ الظُّهْرِ ووَقْتِ العَصْرِ إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ الشّائِعَ فِيهِ وقْتُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: مِن ساعاتِهِ جَمْعُ إنْيٍ وإنْوٍ بِالياءِ والواوِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ وإنّا بِالكَسْرِ والقَصْرِ و﴿آناءِ﴾ بِالفَتْحِ والمَدِّ ولَمْ يَشْتَهِرِ اشْتِهارَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وذَكَرَهُ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِهِ:
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ وقْتِهِ، والإناهُ إذا كُسِرَ أوَّلُهُ قُصِرَ وإذا فُتِحَ مُدَّ نَحْوَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
وآنَيْتُ العِشاءَ إلى سُهَيْلٍ أوِ الشِّعْرى فَطالَ بِي الإناءُ
ثُمَّ قالَ: ويُقالُ آنَيْتُ الشَّيْءَ إيناءً أيْ أخَّرْتُهُ عَنْ أوانِهِ ويانَيْتُ تَأخَّرْتُ ا هـ، وفي المِصْباحِ آنَيْتُهُ بِالفَتْحِ والمَدِّ أخَّرْتُهُ، والِاسْمُ أناءٌ بِوَزْنِ سَلامٍ قِيلَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَسَبِّحْ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ قُمْ بَعْضَ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ عَلى نَسَقِ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، والفاءُ عَلى الأوَّلِ عاطِفَةٌ وعَلى الثّانِي مُفَسِّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْمُولُ (فَسَبِّحْ)، والفاءُ زائِدَةٌ فائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى لُزُومِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها.
وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِما ذُكِرَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِدَعْوى زِيادَةِ الفاءِ لِأنَّها لا تَمْنَعُ عَمَلَ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، والمُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ في بَعْضِ آناءِ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ وصَلاةُ العِشاءِ ولِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِما لَمْ يَكْتَفِ في الأمْرِ بِفِعْلِهِما بِالفِعْلِ السّابِقِ بِأنْ يَعْطِفَ (مِن آناءِ اللَّيْلِ) عَلى أحَدِ الظَّرْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ فَسَبِّحْ ولِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ آناءِ اللَّيْلِ وامْتِيازِها عَلى سائِرِ الأوْقاتِ بِأُمُورٍ خاصِّيَّةٍ وعامِّيَّةٍ قُدِّمَ ذَكَرُها عَلى الأمْرِ ولَمْ يَسْلُكْ بِها مَسْلَكَ ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (مِن آناءِ اللَّيْلِ) وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ﴾ والمُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ أطْرافَ النَّهارِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ صَلاةُ الظُّهْرِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، ووَجْهُ إطْلاقِ الطَّرَفِ عَلى وقْتِها بِأنَّهُ نِهايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ وبِدايَةُ النِّصْفِ الأخِيرِ مِنهُ، وجَمَعَهُ بِاعْتِبارِ النِّصْفَيْنِ أوْ لِأنَّ تَعْرِيفَ النَّهارِ لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِكُلِّ نَهارٍ فَيَكُونُ الجَمْعُ بِاعْتِبارٍ تَعَدُّدِ النَّهارِ وأنَّ لِكُلٍّ طَرَفًا كَذا قِيلَ. وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ أنَّ البِدايَةَ والنِّهايَةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ
صفحة 282
لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ نِهايَةً بِاعْتِبارِ أنَّ النِّصْفَ الأوَّلَ انْتَهى عِنْدَهُ وهو خارِجٌ عَنْهُ وبِدايَةً بِاعْتِبارِ أنَّ النِّصْفَ الثّانِيَ ابْتَدَأ مِنهُ وهو داخِلٌ فِيهِ، ولا شَكَّ في بُعْدِ كَوْنِ الجَمْعِ بِمِثْلِ هَذا الِاعْتِبارِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، وأيْضًا أنَّ إطْلاقَ الطَّرَفِ عَلى طَرَفِ أحَدِ نِصْفَيْهِ تَكَلُّفٌ فَإنَّهُ لَيْسَ طَرَفًا لَهُ بَلْ لِنِصْفِهِ.
وقِيلَ: هَذا تَكْرِيرٌ لِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ إيذانًا بِاخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ مَزِيَّةٍ، والمُرادُ بِالنَّهارِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها وبِالطَّرَفِ ما يُلاصِقُ أوَّلَ الشَّيْءِ وآخِرَهُ، والإتْيانُ بِلَفْظِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ المُرادَ اثْنانِ لا مِنَ اللَّبْسِ إذِ النَّهارُ لَيْسَ لَهُ إلّا طَرَفانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
ومَهْمَهَيْنِ فَدْفَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ ∗∗∗ ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ
والمُرَجَّحُ المُشاكَلَةُ لِآناءِ اللَّيْلِ، واخْتارَ هَذا مَن أدْخَلَ الظُّهْرَ فِيما قَبْلَ الغُرُوبِ، وفِيهِ أنَّ الطَّرَفَ حَقِيقَةٌ فِيما يَنْتَهِي بِهِ الشَّيْءُ وهو مِنهُ ويُطْلَقُ عَلى أوَّلِهِ وآخِرِهِ، وإطْلاقُهُ عَلى المُلاصِقِ المَذْكُورِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ سائِغٌ شائِعٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ ويُرادُ بِالنَّهارِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ وبِالطَّرَفِ الأوَّلِ، والآخَرُ بِحَسَبِ العُرْفِ وإذا أُرِيدَ بِالنَّهارِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها يَبْعُدُ هَذا التَّجْوِيزُ إذْ لا يَكُونُ الطَّرَفانِ حِينَئِذٍ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالتَّطَوُّعِ في السّاعاتِ الأخِيرَةِ لِلنَّهارِ وفِيهِ صَرْفُ الأمْرِ عَنْ ظاهِرِهِ مَعَ أنَّ في كَوْنِ السّاعاتِ الأخِيرَةِ لِلنَّهارِ زَمَنَ تَطَوُّعٍ بِالصَّلاةِ كَلامًا لا يَخْفى عَلى الفَقِيهِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أمْرٌ بِالتَّسْبِيحِ مَقْرُونًا بِالحَمْدِ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُرادَ اللَّفْظُ أيْ قُلْ- سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ- أوْ يُرادُ المَعْنى أيْ نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ عَنِ السُّوءِ وأثْنى عَلَيْهِ بِالجَمِيلِ.
وفِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ( مَن سَبَّحَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ تَسْبِيحَةً غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ ).
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغَلَ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الأوْقاتِ وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ أيْضًا العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ وجَعَلَ الباءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ لِلْآلَةِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِتَعْيِينِ سَلْبِ صِفاتِ النَّقْصِ لِأنَّ مَن سَلَبَ شَيْئًا فَقَدْ أثْبَتَ ضِدَّهُ وأضْدادُ صِفاتِ النَّقْصِ صِفاتُ الكَمالِ فَمَن نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ أثْبَتَ صِفاتِ الكَمالِ، وجُوِّزَ في إضافَةِ الحَمْدِ إلى الرَّبِّ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أوْ مِن إضافَةِ الِاخْتِصاصِ بِأنْ يَكُونَ الحَمْدُ بِمَعْنى المَحامِدِ، ثُمَّ اسْتُحْسِنَ الأوَّلُ لِأنَّ الحَمْدَ الحَقُّ الكامِلُ حَمِدَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ، والمُتَبادَرُ جَعْلُ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ والإضافَةِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ.
واخْتارَ الإمامُ حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى التَّنْزِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ صَبَّرَهُ أوَّلًا عَلى ما يَقُولُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ وإظْهارِ الكُفْرِ والشِّرْكِ والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ: حَتّى يَكُونَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الأوْقاتِ بِالذِّكْرِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِذِكْرِها الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالغَداةِ والعَشِيِّ) مَعَ أنَّ لِبَعْضِ الأوْقاتِ مَزِيَّةً لِأمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُدَّ بِأنَّهُ يَأْباهُ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (مِن آناءِ اللَّيْلِ) عَلى أنَّ هَذِهِ الدَّلالَةَ يَكْفِيها أنْ يُقالَ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وبَعْدَهُ لِتَناوُلِهِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، فالزِّيادَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ خُصُوصِيَّةُ الوَقْتِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ /(مِن آناءِ اللَّيْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحِ الثّانِي فَلْيَكُنِ الأوَّلُ لِلتَّعْمِيمِ، والثّانِي لِتَخْصِيصِ البَعْضِ اعْتِناءً بِهِ، نَعَمْ يُرَدُّ أنَّ التَّنْزِيهَ عَنِ الشِّرْكِ لا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِ إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ مُرادًا
صفحة 283
بِهِ التَّنْزِيهُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ ما هو الظّاهِرُ مِنهُ ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الحَمْدِ الصَّلاةَ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَتَكُونُ حِكْمَةُ التَّخْصِيصِ ظاهِرَةً كَذا في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ. وقَدْ عُورِضَ ما قالَهُ الإمامُ بِأنَّ الأنْسَبَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ الأمْرُ بِالصَّلاةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ إرْشادًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وأيْضًا الأمْرُ الآتِي أوْفَقُ بِحَمْلِ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ عَلى الأمْرِ بِالصَّلاةِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الآثارَ تَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنَ الشَّيْءِ فَإنَّهُ أحَدُ مَعانِيهِ كَما في الصَّحّاحِ والقامُوسِ وإذا كانَ تَعْرِيفُ النَّهارِ لِلْجِنْسِ عَلى هَذا لَمْ يَبْقَ الكَلامُ فِيما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ كَما كانَ فَتَدَبَّرْ.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ قِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحْ أيْ سَبِّحْ في هَذِهِ الأوْقاتِ رَجاءَ أنْ تَنالَ عِنْدَهُ تَعالى ما تُرْضِي بِهِ نَفْسَكَ مِنَ الثَّوابِ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ والأمْرِ بِالصَّلاةِ، والمُرادُ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ في الدُّنْيا بِحُصُولِ الظَّفَرِ وانْتِشارِ أمْرِ الدَّعْوَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وأبانُ وعِصْمَةُ وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ وأبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْفَهانِيُّ ( تُرْضى ) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْضى أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ.
طه 20:131
﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تُطِلْ نَظَرَهُما بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ والمَيْلِ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا كالبَنِينَ والأمْوالِ والمَنازِلِ والمَلابِسِ والمَطاعِمِ ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ وهو مَفْعُولُ مَتَّعْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ ومِن بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ بِهِ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ مَفْعُولُ مَتَّعْنا أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِهِ المَحْذُوفِ أيْ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى الَّذِي مَتَّعْنا بِهِ وهو أصْنافٌ وأنْواعٌ بَعْضَهم أوْ بَعْضًا كائِنًا مِنهم.
والمُرادُ عَلى ما قِيلَ اسْتَمِرَّ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ أُمَّتَهُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ إطالَةِ النَّظَرِ إلى زِينَةِ الدُّنْيا وزَخارِفِها وأعْلَقَ بِما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن كُلِّ أحَدٍ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ القائِلُ ( «الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فِيها إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى» ) .
وكانَ ﷺ شَدِيدَ النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالدُّنْيا والنَّظَرِ إلى زُخْرُفِها، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ فِيهِ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ، وفي العُدُولِ عَنْ لا تَنْظُرْ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ إلَخْ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّظَرَ الغَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ وكانَ المَنهِيُّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ هو الإعْجابَ بِذَلِكَ والرَّغْبَةَ فِيهِ والمَيْلَ إلَيْهِ لَكِنَّ بَعْضَ المُتَّقِينَ بالَغُوا في غَضِّ البَصَرِ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا إلى أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعَدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِهِما، وذَلِكَ لِمَغْزًى بَعِيدٍ وهو أنَّهُمُ اتَّخَذُوها لِعُيُونِ النِّظارَةِ والفَخْرِ بِها فَيَكُونُ النَّظَرُ إلَيْها مُحَصِّلًا لِغَرَضِهِمْ وكالمُغْرِي لَهم عَلى اتِّخاذِها.
﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: زِينَتَها وبَهْجَتَها وهو مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَتَّعْنا أيْ جَعَلْنا لَهم زَهْرَةً أوْ بِمَتَّعْنا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطَيْنا أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ بِهِ وضَعَّفَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ لِأنَّ إبْدالَ مَنصُوبٍ مِن مَحَلِّ جارٍّ ومَجْرُورٍ ضَعِيفٌ كَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ أخاكَ ولِأنَّ الإبْدالَ مِنَ العائِدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ما المَوْصُولَةِ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِالبَدَلِ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن- أزْواجًا- بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي أوْ أهْلَ زَهْرَةٍ، وقِيلَ: بِدُونِ تَقْدِيرٍ عَلى كَوْنِ- أزْواجًا- حالًا بِمَعْنى أصْنافِ التَّمَتُّعاتِ أوْ عَلى جَعْلِهِمْ نَفْسَ الزَّهْرَةِ مُبالَغَةً. وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ مِثْلَهُ يَجْرِي في النَّعْتِ لا في البَدَلِ لِمُشابَهَتِهِ لِبَدَلِ الغَلَطِ حِينَئِذٍ أوْ عَلى
صفحة 284
أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِما أوْ لِضَمِيرِ بِهِ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أوْ صِفَةُ- أزْواجًا- ورُدَّ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ التَّمْيِيزِ وتَعْرِيفِ وصْفِ النَّكِرَةِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ بِهِ أوْ مِن ما وحُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وجَرَّ الحَياةَ عَلى البَدَلِ مِن ما واخْتارَهُ مَكِّيٌّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أيِ أذُمُّ زَهْرَةَ إلَخْ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَقامَ يَأْباهُ لِأنَّ المُرادَ أنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى النَّظَرِ إلَيْها والرَّغْبَةِ فِيها ولا يُلائِمُهُ تَحْقِيرُها، ورُدَّ بِأنَّ في إضافَةِ الزَّهْرَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا كُلَّ ذَمٍّ وما ذُكِرَ مِنَ الرَّغْبَةِ مِن شَهْوَةِ النُّفُوسِ الغَبِيَّةِ الَّتِي حُرِمَتْ نُورَ التَّوْفِيقِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وعِيسى والزُّهْرِيُّ- ( زَهَرَةَ ) - بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَةٌ كالجَهَرَةِ في الجَهْرَةِ، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ مَذْهَبُ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحَةٍ أنَّهُ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ كَنَهَرٍ ونَهْرٍ وشَعَرٍ وشَعْرٍ ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَطَّرِدُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا وإنْ لَمْ يُسْمَعْ ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ كَما في لَفْظِ- نَحْوَ- لِأنَّهُ لَوْ حُرِّكَ قُلِبَ الواوُ ألِفًا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ زَهَرَةٍ بِالتَّحْرِيكِ جَمْعَ زاهِرٍ كَكافِرٍ وكَفَرَةٍ وهو وصْفٌ لَأزْواجًا أيْ أزْواجًا مِنَ الكَفَرَةِ زاهِرِينَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ مِمّا يَلْهُونَ ويَتَنَعَّمُونَ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ وبَهاءِ زِيِّهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ والصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا كَوْنُهُ حالًا لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ قَصْدُ الثُّبُوتِ لا الحُدُوثِ فَلا تَكُونُ إضافَتُها لَفْظِيَّةً عَلى أنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ لَيْسَ بِذاكَ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَتَّعْنا أيْ لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِمْ ويَخْتَبِرُهم فِيهِ أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ وفِيهِ تَنْفِيرٌ عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ سُوءِ عاقِبَتِهِ مَآلًا أثَرَ بَهْجَتِهِ حالًا، وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ عاصِمٍ لِنُفْتِنَهم بِضَمِّ النُّونِ مِن أفْتَنَهُ إذا جَعَلَ الفِتْنَةَ واقِعَةً فِيهِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أوْ ما رَزَقَكَ في الدُّنْيا مِنَ النُّبُوَّةِ والهُدى، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّهُ أنْسَبُ بِهَذا المَقامِ أوْ ما ادَّخَرَ لَكَ فِيها مِن فَتْحِ البِلادِ والغَنائِمِ، وقِيلَ: القَناعَةُ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا مُتِّعَ بِهِ هَؤُلاءِ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أجَلِّ ما يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ مَأْمُونَ الغائِلَةِ بِخِلافِ ما مُتِّعُوا بِهِ ﴿وأبْقى﴾ فَإنَّهُ نَفْسَهُ أوْ أثَرَهُ لا يَكادُ يَنْقَطِعُ كالَّذِي مُتِّعُوا بِهِ.
طه 20:132
﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ أُمِرَ ﷺ أنْ يَأْمُرَ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ بَعْدَ ما أُمِرَ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها لِيَتَعاوَنُوا عَلى الِاسْتِعانَةِ عَلى خَصاصَتِهِمْ ولا يَهْتَمُّوا بِأمْرِ المَعِيشَةِ ولا يَلْتَفِتُوا لَفْتَ ذَوِي الثَّرْوَةِ، والمُرادُ بِأهْلِهِ ﷺ قِيلَ أزْواجُهُ وبَناتُهُ وصِهْرُهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقِيلَ: ما يَشْمَلُهم وسائِرَ مُؤْمِنِي بَنِي هاشِمٍ والمُطَّلِبِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُمَّتِهِ، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ أهْلُ بَيْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ النَّجّارِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ﴾ إلَخْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجِيءُ إلى بابِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ صَلاةَ الغَداةِ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ يَقُولُ: الصَّلاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾»، ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ الإمامِيَّةُ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ويُؤْمَرُ بِأدائِها الصَّبِيُّ وإنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِيَعْتادَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ مَرْفُوعًا ( «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» ) .
﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أيْ وداوِمْ عَلَيْها فالصَّبْرُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ المُداوَمَةِ
صفحة 285
لِأنَّها لازِمُ مَعْناهُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العِبادَةَ في رِعايَتِها حَقَّ الرِّعايَةِ مَشَقَّةٌ عَلى النَّفْسِ، والخِطابُ عامٌّ شامِلٌ لِلْأهْلِ وإنْ كانَ في صُورَةِ الخاصِّ وكَذا فِيما بَعْدُ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالتَّسْبِيحِ أوَّلًا والصَّلاةِ ثانِيًا مَعَ تَوْجِيهِ الخِطابِ بِالمُداوَمَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ رِفْعَةِ شَأْنِهِ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ دَفْعٌ لِما عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالِ أحَدٍ مِن أنَّ المُداوِمَةَ عَلى الصَّلاةِ رُبَّما تَضُرُّ بِأمْرِ المَعاشِ فَكَأنَّهُ قِيلَ داوِمُوا عَلى الصَّلاةِ غَيْرَ مُشْتَغِلِينَ بِأمْرِ المَعاشِ عَنْها إذْ لا نُكَلِّفُكم رِزْقَ أنْفُسِكم إذْ نَحْنُ نَرْزُقُكم، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلِاخْتِصاصِ أوْ لِإفادَةِ التَّقْوى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخِطابَ خاصٌّ وكَذا الحُكْمُ إذْ لَوْ كانَ عامًّا لَرُخِّصَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ المُداوَمَةُ عَلى الصَّلاةِ وتَرْكُ الِاكْتِسابِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ قُصارى ما يَلْزَمُ العُمُومُ سَواءٌ كانَ الأهْلُ خاصًّا أوْ عامًّا لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ أنْ يُرَخَّصَ لِلْمُصَلِّي تَرْكُ الِاكْتِسابِ المانِعِ مِنَ الصَّلاةِ وأيُّ مانِعٍ عَنْ ذَلِكَ بَلْ تَرْكُ الِاكْتِسابِ لِأداءِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ فَرْضٌ ولَيْسَ المُرادُ بِالمُداوَمَةِ عَلَيْها إلّا أداؤُها دائِمًا في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها لا اسْتِغْراقَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِها وكانَ الزّاعِمُ ظَنَّ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ ما يَشْمَلُ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها وبِالمُداوَمَةِ عَلَيْها فِعْلُها دائِمًا عَلى وجْهٍ يَمْنَعُ مِنَ الِاكْتِسابِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ في رَدِّ ما ذَكَرَهُ الزّاعِمُ إلى حَمْلِ العُمُومِ عَلى شُمُولِ خِطابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأهْلِهِ فَقَطْ دُونَ جَمِيعِ النّاسِ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ قَدْ يُسْتَشْعَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الصَّلاةَ مُطْلَقًا تَكُونُ سَبَبًا لِإدْرارِ الرِّزْقِ وكَشْفِ الهَمِّ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ ما جاءَ في الأخْبارِ، أخَرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: ( «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَتْ بِأهْلِهِ شِدَّةٌ أوْ ضِيقٌ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ» ) .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنْ ثابِتٍ قالَ ( «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أصابَتْ أهْلَهُ خَصاصَةٌ نادى أهْلَهُ بِالصَّلاةِ صَلُّوا صَلُّوا» .
قالَ ثابِتٌ: وكانَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا نَزَلَ بِهِمْ أمْرٌ فَزِعُوا إلى الصَّلاةِ، وأخْرَجَ مالِكٌ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أسْلَمَ قالَ كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُصَلِّيَ حَتّى إذا كانَ آخِرَ اللَّيْلِ أيْقَظَ أهْلَهُ لِلصَّلاةِ ويَقُولُ لَهم: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ لِظاهِرِ الأخْبارِ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مُطْلَقُها فَتَأمَّلْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وجَماعَةٌ ( نَرْزُقُكَ ) بِإدْغامِ القافِ في الكافِ، وجاءَ ذَلِكَ عَنْ يَعْقُوبَ (والعاقِبَةُ) الحَمِيدَةُ أعَمُّ مِنَ الجَنَّةِ وغَيْرِها وعَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُها بِالجَنَّةِ ﴿لِلتَّقْوى﴾ أيْ لِأهْلِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى (والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ولَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المُضافُ صَحَّ وفِيما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مِلاكَ الأمْرِ التَّقْوى
طه 20:133
﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضِ أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَيْها أيْ هَلّا يَأْتِينا بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لا عَلى التَّعْيِينِ بَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ إلى حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ مِن قَبِيلِ الآياتِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ رَدٌّ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَقالَتِهِمُ القَبِيحَةِ وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما دَسُّوا تَحْتَها مِن إنْكارِ إتْيانِ الآيَةِ بِإتْيانِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي هو أُمُّ الآياتِ وأُسُّ المُعْجِزاتِ وأرْفَعُها وأنْفَعُها لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ الأمْرُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَظْهَرُ عَلى يَدِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ عِنْدَ التَّحَدِّي أيُّ أمْرٍ كانَ ولا رَيْبَ
صفحة 286
فِي أنَّ العِلْمَ أجْلُّ الأُمُورِ وأعْلاها إذْ هو أصْلُ الأعْمالِ ومَبْدَأُ الأفْعالِ وبِهِ تُنالُ المَراتِبُ العَلِيَّةُ والسَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ولَقَدْ ظَهَرَ مَعَ حِيازَتِهِ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ عَلى يَدِ مَن لَمْ يُمارِسْ شَيْئًا مِنَ العُلُومِ ولَمْ يُدارِسْ أحَدًا مِن أهْلِها أصْلًا فَأيُّ مُعْجِزَةٍ تُرادُ بَعْدَ وُرُودِهِ، وأيَّةُ آيَةٍ تُطْلَبُ بَعْدَ وُفُودِهِ، فالمُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ الكَرِيمُ، والمُرادُ بِالصُّحُفِ الأُولى التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وبِما فِيها العَقائِدُ الحَقَّةُ وأُصُولُ الأحْكامِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْها كافَّةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْنى كَوْنِهِ بَيِّنَةً لِذَلِكَ كَوْنُهُ شاهِدًا بِحَقِّيَّتِهِ، وفي إيرادِهِ بِهَذا العُنْوانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ والإنارَةِ لِبُرْهانِهِ، حَيْثُ أشارَ إلى امْتِيازِهِ وغِناهُ عَمّا يَشْهَدُ بِحَقِّيَّةِ ما فِيهِ بِإعْجازِهِ، وإسْنادِ الإتْيانِ إلَيْهِ مَعَ جَعْلِهِمْ إيّاهُ مَأْتِيًّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْبَيِّنَةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَأْتِهِمْ سائِرُ الآياتِ ولَمْ يَأْتِهِمْ خاصَّةُ بَيِّنَةِ ما في الصُّحُفِ الأُولى تَقْرِيرًا لِإتْيانِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى مِنهم إنْكارٌ أصْلًا وإنِ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ سائِرِ الآياتِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وتَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذُكِرَ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ.
وزَعَمَ الإمامُ والطَّبَرَسِيُّ أنَّ المَعْنى أوَلَمْ يَأْتِهِمْ في القُرْآنِ بَيانُ ما في الكُتُبِ الأُولى مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا اقْتَرَحُوا الآياتِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآيَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ﴾ كَحالِ أُولَئِكَ الهالِكِينَ ا هـ. وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العُقُولِ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مَناذِرَ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ ( يِأْتِهِمْ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الآيَةِ والفَصْلِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( بَيِّنَةٌ ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ ما بَدَلٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نافِيَةً عَلى أنْ يُرادَ بِالآتِي ما في القُرْآنِ مِنَ النّاسِخِ والفَضْلِ مِمّا لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ وهو كَما تَرى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِنَصْبِ ( بَيِّنَةً ) والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ حالٌ، وما فاعِلٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ( الصُّحْفِ ) بِإسْكانِ الحاءِ لِلتَّخْفِيفِ،
طه 20:134
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ القُرْآنِ آيَةً بَيِّنَةً لا يُمْكِنُ إنْكارُها بِبَيانِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم في الدُّنْيا بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِعَذابٍ أيْ بِعَذابٍ كائِنٍ مِن قَبْلِهِ، والضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّها بُرْهانٌ ودَلِيلٌ أوْ لِلْإتْيانِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ أيْ مِن قَبْلِ إتْيانِ البَيِّنَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لِلرَّسُولِ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَ مِن ذِكْرِ الرَّسُولِ وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ مِن قَبْلِ إرْسالِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿لَقالُوا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ﴾ في الدُّنْيا ﴿إلَيْنا رَسُولا﴾ مَعَ آياتٍ ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الَّتِي جاءَنا بِها ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا ﴿ونَخْزى﴾ بِدُخُولِ النّارِ اليَوْمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الذُّلُّ والخِزْيُ كِلاهُما بِعَذابِ الآخِرَةِ، ونَقَلَ تَفْسِيرَ الذُّلِّ بِالهَوانِ والخِزْيِ بِالِافْتِضاحِ والمُرادُ أنّا لَوْ أهْلَكْناهم قَبْلَ ذَلِكَ لَقالُوا ولَكُنّا لَمْ نُهْلِكْهم قَبْلَهُ فانْقَطَعَتْ مَعْذِرَتُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ في رِوايَةِ عَبّادٍ والعُمَرِيُّ وداوُدُ
صفحة 287
والفَزارِيُّ وأبُو حاتِمٍ ويَعْقُوبُ ( نُذَلُّ ونَخْزى ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَدَلَّ الأشاعِرَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالشَّرْعِ والجُبّائِيُّ عَلى وُجُوبِ اللُّطْفِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ
طه 20:135
﴿قُلْ﴾ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ المُتَمَرِّدِينَ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا ومِنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ أيْ: مُنْتَظِرٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُنا وأمْرُكم وهو خَبَرُ ﴿كُلٌّ﴾ وإفْرادُهُ حَمْلًا لَهُ عَلى لَفْظِهِ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وقُرِئَ ( فَتَمَتَّعُوا ) (فَسَتَعْلَمُونَ) عَنْ قَرِيبٍ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وعُمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ ( السَّواءِ ) أيِ الوَسَطَ، والمُرادُ بِهِ الجَيِّدُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ يَعْمُرَ ( السُّوأى ) بِالضَّمِّ والقَصْرِ عَلى وزْنِ فُعْلى وهو تَأْنِيثُ الأسْوَأِ وأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الصِّراطِ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( السَّوْءِ ) بِفَتْحٍ وسُكُونٍ وهَمْزَةٍ آخِرَهُ بِمَعْنى الشَّرِّ. وقُرِئَ ( السُّوَيِّ ) بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الياءِ وهو تَصْغِيرُ سَوْءٍ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: تَصْغِيرُ سُوءٍ بِالضَّمِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ تَصْغِيرُ سَواءٍ كَما قالُوا في عَطا عُطَيٌّ لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَصْغِيرُ ذَلِكَ لَثَبَتَتْ هَمْزَتُهُ، وقِيلَ: سُوئِي وتُعُقِّبَ بِأنَّ إبْدالَ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ ياءَ جائِزٌ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ وابْنِ يَعْمُرَ أنَّهُما قَرَأ ( السُّوى ) بِالضَّمِّ والقَصْرِ وتَشْدِيدِ الواوِ، واخْتِيرَ في تَخْرِيجِهِ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ السُّوأى كَما في الرِّوايَةِ الأُولى فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها واوًا وأُدْغِمَتِ الواوُ في الواوِ، وقَدْ رُوعِيَتِ المُقابَلَةُ عَلى أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ بَيْنَ ما تَقَدَّمَ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ ولَمْ تُراعَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ والأُولى مِنَ الشَّواذِّ.
ومَن في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ما بَعْدَ العَطْفِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ أوْ مَفْعُولُهُ إنْ كانَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ مِنَ الثّانِيَةِ مَوْصُولَةً فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الأُولى الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُعَلَّقِ عَنْها الفِعْلُ عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ إذْ لَوْلاهُ لَكانَ المَوْصُولُ بِواسِطَةِ العَطْفِ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ وكانَ المَفْعُولُ الآخَرُ مَحْذُوفًا اقْتِصارًا وهو غَيْرُ جائِزٍ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (أصْحابُ) فَتَكُونُ في حَيِّزِ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ أيْ ومَنَ الَّذِي اهْتَدى أوْ عَلى ( الصِّراطِ ) فَتَكُونُ في حَيِّزِ أصْحابٍ أيْ ومَن (أصْحابُ) الَّذِي اهْتَدى يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، وإذا عَنى بِالصِّراطِ السَّوِيِّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا كانَ العَطْفُ مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ عَلى الصِّفاتِ مَعَ اتِّحادِ الذّاتِ.
وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ مَنَ الأُولى مَوْصُولَةً أيْضًا بِمَعْنى الَّذِينَ وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِلْعِلْمِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ (وأصْحابُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو العائِدُ أيِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الصِّراطِ وهَذا جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ حَذْفَ مِثْلِ هَذا العائِدِ سَواءٌ كانَ في الصِّلَةِ طُولٌ أوْ لَمْ يَكُنْ وسَواءٌ كانَ المَوْصُولُ أيًّا أوْ غَيْرَهُ بِخِلافِ البَصْرِيِّينَ، وما أشَدَّ مُناسِبَةَ هَذِهِ الخاتِمَةِ لِلْفاتِحَةِ. وقَدْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّها خاتِمَةٌ شَرِيفَةٌ ناظِرَةٌ إلى الفاتِحَةِ وأنَّهُ إذا لاحَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِتَحَمُّلِ تَعَبِ الإبْلاغِ ولا تُنْهِكْ نَفْسَكَ فَحَيْثُ بَلَغْتُ وبَلَغْتَ جُهْدَكَ فَلا عَلَيْكَ وعَلَيْكَ بِالإقْبالِ عَلى طاعَتِكَ قَدْرَ طاقَتِكَ، وأْمُرْ أهْلَكَ وهم أُمَّتُكَ المُتَّبِعُونَ بِذَلِكَ ودَعِ الَّذِينَ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الإنْذارُ فَإنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِمَن يَخْشى وسَيَنْدَمُ المُخالِفُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ انْتَهى.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْبَسَ سِحْرَ السَّحَرَةِ لِباسَ القَهْرِ فَخافَ مِنَ القَهْرِ لِأنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ.
صفحة 288
وسُئِلَ ابْنُ عَطاءٍ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَفْسِهِ وإنَّما خافَ عَلى قَوْمِهِ أنْ يَفُوتَهم حَظُّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ أيْ: إنَّكَ المَحْفُوظُ بِعُيُونِ الرِّعايَةِ وحَرَسِ اللُّطْفِ أوْ أنْتَ الرَّفِيعُ القَدِرُ الغالِبُ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً تامَّةً بِحَيْثُ يَكُونُونَ بِسَبَبِها مِن أتْباعِكَ فَلا يَفُوتُهم حَظُّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ إلى آخِرِ ما كانَ مِنهم فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ بِالتَّوْفِيقِ والوُصُولِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في أقْصَرِ وقْتٍ فَلا يُسْتَبْعَدُ حُصُولُ الكَمالِ لِمَن تابَ وسَلَكَ عَلى يَدِ كامِلٍ مُكَمِّلٍ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ. وكَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ يُنْكِرُونَ عَلى السّالِكِينَ التّائِبِينَ إذا كانُوا قَرِيبِي العَهْدِ بِمُقارَفَةِ الذُّنُوبِ ومُفارَقَةِ العُيُوبِ حُصُولَ الكَمالِ لَهم وفَيَضانَ الخَيْرِ عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ: كَيْفَ يَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ وقَدْ كانُوا بِالأمْسِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَوْلُهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ إلَخْ كَلامٌ صادِرٌ مِن عِظَمِ الهِمَّةِ الحاصِلِ لِلنَّفْسِ بِقُوَّةِ اليَقِينِ فَإنَّهُ مَتى حَصَلَ ذَلِكَ لِلنَّفْسِ لَمْ تُبالِ بِالسَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والشَّقاوَةِ البَدَنِيَّةِ واللَّذّاتِ العاجِلَةِ الفانِيَةِ والآلامِ الحِسِّيَّةِ في جَنْبِ السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ واللَّذَّةِ الباقِيَةِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى اسْتِحْبابِ مُفارَقَةِ الأغْيارِ وتَرْكِ صُحْبَةِ الأشْرارِ ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ عَدَّ مِنَ الطُّغْيانِ فِيهِ اسْتِعْمالَهُ مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ نِيَّةِ التَّقْوى بِهِ عَلى تَقْواهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ الإشارَةُ فِيهِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّئِيسِ رِعايَةُ الأصْلَحِ في حَقِّ المَرْءُوسِ ولِلشَّيْخِ عَدَمُ فِعْلِ ما يُخْشى مِنهُ سُوءُ ظَنِّ المُرِيدِ لا سِيَّما إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ رُسُوخٌ أصْلًا ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ بِذَلِكَ: أتَدْرِي مِن أيْنَ أُتِيتَ؟ قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ سُبْحانَهُ: مِن قَوْلِكَ لِهارُونَ: اخْلُفْنِي في قَوْمِي وعَدَمِ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيَّ والِاعْتِمادِ في الخِلافَةِ عَلَيَّ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ سِرَّ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِما ذُكِرَ مُباسَطَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وشَغْلُهُ بِصُحْبَتِهِ عَنْ صُحْبَةِ الأضْدادِ وهو كَما تَرى ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ صارَ سَبَبَ ضَلالِهِمْ بِما صَنَعَ قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّما ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ابْتَلاهم لِيَتَمَيَّزَ مِنهُمُ المُسْتَعِدُّ القابِلُ لِلْكَمالِ بِالتَّجْرِيدِ مِنَ القاصِرِ الِاسْتِعْدادِ المُنْغَمِسِ في المَوادِّ الَّذِي لا يُدْرِكُ إلّا المَحْسُوسَ ولا يَتَنَبَّهُ لِلْمُجَرَّدِ المَعْقُولِ. ولِهَذا قالُوا: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ أيْ بِرَأْيِنا فَإنَّهم عَبِيدٌ بِالطَّبْعِ لا رَأْيَ لَهم ولا مَلَكَةَ ولَيْسُوا مُخْتارِينَ لا طَرِيقَ لَهم إلّا التَّقْلِيدُ والعَمَلُ لا التَّحْقِيقُ والعِلْمُ وإنَّما اسْتَعْبَدَهُمُ السّامِرِيُّ بِالطَّلْسَمِ المُفَرَّغِ مِنَ الحُلِيِّ لِرُسُوخِ مُحِبَّةِ الذَّهَبِ في نُفُوسِهِمْ لِأنَّها سُفْلِيَّةٌ مُنْجَذِبَةٌ إلى الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وتُزَيِّنُ الطَّبِيعَةَ الذَّهَبِيَّةَ وتُحِلِّي تِلْكَ الصُّورَةَ النَّوْعِيَّةَ فِيها لِلتَّناسُبِ الطَّبِيعِيِّ وكانَ ذَلِكَ مِن بابِ مَزْجِ القُوى السَّماوِيَّةِ الَّتِي هي أثَرُ النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ الكُلِّيَّةِ السَّماوِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِحَيْزُومَ وفَرَسِ الحَياةِ وهي مَرْكَبُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُشارُ بِهِ إلى العَقْلِ الفَعّالِ بِالقُوى الأرْضِيَّةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العِلْمِ الطَّبِيعِيِّ والرِّياضِيِّ اللَّذَيْنِ يُبْتَنى عَلَيْهِما عِلْمُ الطَّلْسَماتِ والسِّيمِياءِ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضَبًا عَلى السّامِرِيِّ وطَرْدًا لَهُ وكُلُّ مَن غَضِبَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ وكَذا الأوْلِياءُ لِكَوْنِهِمْ مَظاهِرَ صِفاتِ الحَقِّ تَعالى وقَعَ في قَهْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وشَقِيَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَتْ صُورَةُ عَذابِ هَذا الطَّرِيدِ في التَّحَرُّزِ عَنِ المُماسَّةِ نَتِيجَةً بَعْدَهُ عَنِ الحَقِّ في الدَّعْوَةِ إلى الباطِلِ وأثَرِ لَعْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ عِنْدَ إبْطالِ كَيْدِهِ وإزالَةِ مَكْرِهِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ قالَ أهْلُ الوَحْدَةِ: أيْ يَسْألُونَكَ عَنْ وجُوداتِ الأشْياءِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي بِرِياحِ النَّفَحاتِ الإلَهِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن مَعْدِنِ الأحَدِيَّةِ فَيَذْرُها في القِيامَةِ الكُبْرى قاعًا صَفْصَفًا وُجُودًا أحَدِيًّا ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ اثْنَيْنِيَّةً ولا غَيْرِيَّةً ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾
صفحة 289
الَّذِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ لا عِوَجَ لَهُ إذْ هو تَعالى آخِذٌ بِنَواصِيهِمْ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ إذْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ أمْرًا خَفِيًّا بِاعْتِبارِ الإضافَةِ إلى المَظاهِرِ. انْتَهى.
ولَكَمْ لَهم مِثْلُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ واللَّهُ تَعالى العاصِمُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ قِيلَ: هو مَن صَحَّحَ فِعْلَهُ وعَقْدَهُ ولَمْ يَنْسُبْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا ولا رَأى لَها عَمَلًا ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ لِكَمالِ تَقَدُّسِهِ وتَنَزُّهِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ فَهَيْهاتَ أنْ تُحَلِّقَ بَعُوضَةُ الفِكْرِ في جَوِّ سَماءِ الجَبَرُوتِ ومِن أيْنَ لِنَحْلَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ أنْ تَرْعى أزْهارَ رِياضِ بَيْداءِ اللّاهُوتِ، نَعَمْ يَتَفاوَتُ الخَلْقُ في العِلْمِ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَدْرِ تَفاوُتِ اسْتِعْداداتِهِمْ وهو العِلْمُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، والإشارَةُ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ مَزِيدُ التَّحَفُّظِ عَنِ الوُقُوعِ في العِصْيانِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
يا ناظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ راقِدٍ ومُشاهِدًا لِلْأمْرِ غَيْرَ مُشاهِدِ
مَنَّيْتَ نَفْسَكَ ضَلَّةً وأبَيْتَها ∗∗∗ طُرُقُ الرَّجاءِ وهُنَّ غَيْرُ قَواصِدِ
تَصِلُ الذُّنُوبَ إلى الذُّنُوبِ وتَرْتَجِي ∗∗∗ دَرَجَ الجِنانِ بِها وفَوْزِ العابِدِ
ونَسِيتَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ آدَمًا ∗∗∗ مِنها إلى الدُّنْيا بِذَنْبٍ واحِدِ
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَبْكِي جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَكى آدَمُ وبَكى جِبْرِيلُ لِبُكائِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ وقالَ: يا آدَمُ ما هَذا البُكاءُ؟ قالَ: يا جِبْرِيلُ وكَيْفَ لا أبْكِي وقَدْ حَوَّلَنِي رَبِّي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِن دارِ النِّعْمَةِ إلى دارِ البُؤْسِ فانْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَقالَةِ آدَمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا جِبْرِيلُ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: يا آدَمُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: ألَمْ أخْلُقْكَ بِيَدِي؟ ألَمْ أنْفُخْ فِيكَ مِن رُوحِي؟ ألَمْ أُسْجِدْ لَكَ مَلائِكَتِي ألَمْ أُسْكِنْكَ جَنَّتِي ألَمْ آمُرْكَ فَعَصَيْتَنِي فَوَعِزَّتِي وجَلالِي لَوْ أنَّ مَلْءَ الأرْضِ رِجالًا مِثْلَكَ ثُمَّ عَصَوْنِي لَأنْزَلَتْهم مَنازِلَ العاصِينَ غَيْرَ أنَّهُ يا آدَمُ قَدْ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وقَدْ سَمِعْتُ تَضَرُّعَكَ ورَحِمْتَ بُكاءَكَ وأقَلْتَ عَثْرَتَكَ.
﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ بِالتَّوَجُّهِ إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ لِغَلَبَةِ شُحِّهِ وشِدَّةِ بُخْلِهِ فَإنَّ المُعْرِضَ عَنْ جَنابِ الحَقِّ سُبْحانَهُ انْجَذَبَتْ نَفْسُهُ إلى الزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمُقْتَنَياتِ المادِّيَّةِ لِمُناسَبَتِها إيّاهُ واشْتَدَّ حِرْصُهُ وكَلْبُهُ عَلَيْها وشَغَفُهُ بِها لِلْجِنْسِيَّةِ والِاشْتِراكِ في الظُّلْمَةِ والمِيلِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ فَيَشِحُّ بِها عَنْ نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، وكُلَّما اسْتَكْثَرَ مِنها ازْدادَ حِرْصُهُ عَلَيْها وشُحُّهُ بِها وتِلْكَ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ.
ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: لا يُعْرِضُ أحَدٌ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلّا أظْلَمَ عَلَيْهِ وقْتَهُ وتَشَوَّشَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ بِخِلافِ الذّاكِرِ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ تَعالى فَإنَّهُ ذُو يَقِينٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَوَكُّلٍ عَلَيْهِ تَعالى في سِعَةٍ مِن عَيْشِهِ ورَغَدٍ يُنْفِقُ ما يَجِدُ ويَسْتَغْنِي بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَفْقِدُ ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أيِ: العاقِبَةُ الَّتِي تَعْتَبِرُ وتَسْتَأْهِلُ أنْ تُسَمّى عاقِبَةً لِأهْلِ التَّقْوى المُتَخَلِّينَ عَنِ الرَّذائِلِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَحَلِّينَ بِالفَضائِلِ الرُّوحانِيَّةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِحُسْنِ العاقِبَةِ وصَفاءِ العُمْرِ عَنِ المُشاغَبَةِ ونَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ عَلى آلائِهِ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ عَلى خَيْرِ أنْبِيائِهِ وعَلى آلِهِ خَيْرِ آلٍ ما طَلَعَ نَجْمٌ ولَمَعَ آلٌ.
تَمَّ الجُزْءُ السّادِسَ عَشَرَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ السّابِعَ عَشَرَ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الأنْبِياءِ. .
الأنبياء 21:1
صفحة 2
سُورَةُ الأنْبِياءِ 21
نَزَلَتْ بِمَكَّةَ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وفي البَحْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ وأطْلَقَ ذَلِكَ فِيها، واسْتَثْنى مِنها في الإتْقانِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ [الأنْبِياءَ: 44] الآيَةَ وهي مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً في عَدِّ الكُوفِيِّ وإحْدى عَشْرَةَ في عَدِّ الباقِينَ كَما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ والدّانِيُّ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وهي سُورَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها مَوْعِظَةٌ فَخِيمَةٌ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ فَأكْرَمَ عامِرٌ مَثْواهُ وكَلَّمَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجاءَهُ الرَّجُلُ فَقالَ: إنِّي اسْتَقْطَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وادِيًا ما في العَرَبِ وادٍ أفْضَلُ مِنهُ وقَدْ أرَدْتُ أنْ أقْطَعَ لَكَ مِنهُ قِطْعَةً تَكُونُ لَكَ ولِعَقِبِكَ مِن بَعْدِكَ فَقالَ عامِرٌ: لا حاجَةَ لِي في قَطِيعَتِكَ نَزَلَتِ اليَوْمَ سُورَةٌ أذْهَلَتْنا عَنِ الدُّنْيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ﴾ [الأنْبِياءَ: 1] إلى آخِرِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما قالَ الإمامُ، والقُرْطُبِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الآياتِ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في وصْفِ المُشْرِكِينَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ ما فِيها مِن قَبِيلِ نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ فَلا يُنافِي كَوْنَ تَعْرِيفِهِ لِلْجِنْسِ، ووَجْهُ حُسْنِهِ ها هُنا كَوْنُ أُولَئِكَ البَعْضِ هُمُ الأكْثَرُونَ ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ شَرْعًا وعُرْفًا. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ إرادَةَ الجِنْسِ والضَّمائِرُ فِيما بَعْدُ لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهم في هَذِهِ السُّورَةِ ولَيْسَ بِأبْعَدَ مِمّا سَبَقَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ دَلالَةَ ما ذُكِرَ عَلى التَّخْصِيصِ لَيْسَتْ إلّا عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الأوْصافِ بِما فَسَّرُوها بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ كُلٌّ مِنها عَلى مَعْنًى يَشْتَرِكُ فِيهِ عُصاةُ المُوَحِّدِينَ ولا يَخْفى أنَّ في ذَلِكَ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، واللّامُ صِلَةٌ لِاقْتَرَبَ كَما هو الظّاهِرُ وهي بِمَعْنى إلى أوْ بِمَعْنى مِن فَإنَّ اقْتَرَبَ افْتَعَلَ مِنَ القُرْبِ ضِدُّ البُعْدِ وهو يَتَعَدّى بِإلى وبِمِن، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى القَوْلِ بِأنَّها بِمَعْنى إلى فَقِيلَ فِيهِ تَحَكُّمٌ لِحَدِيثِ تَعَدِّي القُرْبِ بِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِن مِن وإلى اللَّتَيْنِ هُما صِلَتا القُرْبِ بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ إلّا أنَّ إلى عَرِيقَةٌ في هَذا المَعْنى ومِن عَرِيقَةٌ في ابْتِداءِ الغايَةِ فَلِذا أُوثِرَ التَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِ اللّامِ المَذْكُورَةِ بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزَّلْزَلَةَ: 5] القَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى إلى واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وفي الكَشْفِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِلَةً لِاقْتَرَبَ اقْتَرَبَ مِنَ النّاسِ لِأنَّ مَعْنى الِاخْتِصاصِ وابْتِداءِ الغايَةِ كِلاهُما مُسْتَقِيمٌ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ مِنَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الِاقْتِرابِ بِمَعْنى ابْتِداءِ الغايَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ مُلاءَمَةِ ذَلِكَ المَعْنى مَواقِعَ اسْتِعْمالِ تِلْكَ الكَلِمَةِ فالحَقُّ أنَّها بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ مِن يَجِيءُ لِذَلِكَ، قالَ الشَّمْنِيُّ: وفي الجَنْيِ الدّانِيِّ مَثَّلَ ابْنُ مالِكٍ لِانْتِهاءِ الغايَةِ بِقَوْلِهِمْ تَقَرَّبْتُ مِنهُ فَإنَّهُ مُساوٍ لِتَقَرَّبْتُ إلَيْهِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ فِعْلَ الِاقْتِرابِ كَما يُسْتَعْمَلُ بِمِن يُسْتَعْمَلُ بِإلى، وقَدْ ذُكِرَ في مَعانِي مِنَ انْتِهاءِ الغايَةِ كَما سَمِعْتَ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ في مَعانِي إلى ابْتِداءَ الغايَةِ والأصْلُ أنْ تَكُونَ
صفحة 3
الصِّلَتانِ بِمَعْنًى فَتُحْمَلُ مِن عَلى إلى في كَوْنِ المُرادِ بِها الِانْتِهاءَ وغايَةُ ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الكَشْفِ حَمَلَها عَلى ابْتِداءِ الغايَةِ لِأنَّهُ أشْهَرُ مَعانِيها حَتّى ذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى إرْجاعِ سائِرِها إلَيْهِ وجَعَلَ تَعْدِيَتَهُ بِها حَمْلًا عَلى ضِدِّهِ المُتَعَدِّي بِها وهو فِعْلُ البُعْدِ كَما أنَّ فِعْلَ البَيْعِ يُعَدّى بِمِن حَمْلًا لَهُ عَلى فِعْلِ الشِّراءِ المُتَعَدِّي بِها عَلى ما ذَكَرَهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ الحُرُوفِ الجارَّةِ والمَشْهُورُ أنَّ ( اقْتَرَبَ ) بِمَعْنى قَرُبَ كارْتَقَبَ بِمَعْنى رَقَبَ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ لِزِيادَةِ مَبْناهُ والمُرادُ مِنِ اقْتِرابِ الحِسابِ اقْتِرابُ زَمانِهِ وهو السّاعَةُ، ووَجْهُ إيثارِ بَيانِ اقْتِرابِهِ مَعَ أنَّ الكَلامَ مَعَ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِأصْلِ بَعْثِ الأمْواتِ ونَفْسِ إحْياءِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكانَ ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أنْ يُؤْتى بِما يُفِيدُ أصْلَ الوُقُوعِ بَدَلَ الِاقْتِرابِ وأنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِ السّاعَةِ لا إلى الحِسابِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ وُقُوعَ القِيامِ وحُصُولَ بَعْثِ الأجْسادِ والأجْسامِ أمْرٌ ظاهِرٌ بِلا تَمْوِيهٍ وشَيْءٌ واضِحٌ لا رَيْبَ فِيهِ وأنَّهُ وصَلَ في الظُّهُورِ والجَلاءِ إلى حَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى العُقَلاءِ، وأنَّ الَّذِي يُرْخى في بَيانِهِ أعِنَّةُ المَقالِ بَعْضُ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ كالحِسابِ المُوجِبِ لِلِاضْطِرابِ بَلْ نَفْسُ وُقُوعِ الحِسابِ أيْضًا غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ لا يَنْبَغِي أنْ تَرْتابَ فِيهِ العُقُولُ والأذْهانُ وأنَّ الَّذِي قُصِدَ بَيانُهُ هَهُنا أنَّهُ دَنا أوانُهُ واقْتَرَبَ زَمانُهُ فَيَكُونُ الكَلامُ مُفْصِحًا عَنْ تَحَقُّقِ القِيامِ الَّذِي هو مُقْتَضى المَقامِ عَلى وجْهٍ وجِيهٍ أكِيدٍ ونَهْجٍ بَدِيعٍ سَدِيدٍ لا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ المُشْرِكِينَ السّائِلِينَ عَنْ زَمانِ السّاعَةِ المُسْتَعْجِلِينَ لَها اسْتِهْزاءً كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسْراءَ: 51] فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإخْبارُ عَنِ الِاقْتِرابِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإيثارُ بَيانِ اقْتِرابِ الحِسابِ عَلى بَيانِ اقْتِرابِ سائِرِ وُقُوعِ مُسْتَتْبِعاتِ البَعْثِ كَفُنُونِ العَذابِ وشُجُونِ العِقابِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مُجَرَّدَ اقْتِرابِ الحِسابِ الَّذِي هو مِن مَبادِي العَذابِ ومُقَدِّماتِهِ كافٍ في التَّحْذِيرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ ووافٍ بِالرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُلُوِّ والِاسْتِكْبارِ فَكَيْفَ الحالُ في نَفْسِ العَذابِ والنَّكالِ.
وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى الحِسابِ لا إلى السّاعَةِ لِانْسِياقِ الكَلامِ إلى بَيانِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ وإعْراضِهِمْ عَمّا يُذَكِّرُهم إيّاهُ وفِيهِ ما فِيهِ، ثُمَّ الوَجْهُ اللّائِحُ في النَّظَرِ الجَلِيلِ لِإسْنادِ الِاقْتِرابِ إلى الحِسابِ دُونَ النّاسِ مَعَ جَوازِ العَكْسِ هو أنَّ الِاقْتِرابَ إذا حَصَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُسْنَدُ إلى ما هو مُقْبِلٌ عَلى الآخَرِ مُتَحَرِّكٌ ومُتَوَجِّهٌ إلى جِهَتِهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا حَتّى أنَّهُ لَوْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُتَوَجِّهًا إلى الآخَرِ يَصِحُّ إلى كُلٍّ مِنهُما، وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ المُرادَ مِنَ اقْتِرابِ الحِسابِ اقْتِرابُ زَمانِهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الشّائِعَ المُسْتَفِيضَ اعْتِبارُ الوَجْهِ والإتْيانِ مِنَ الزَّمانِ إلى ذِي الزَّمانِ لا بِالعَكْسِ فَلِذَلِكَ يُوصَفُ الزَّمانُ بِالمُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ فَكانَ الجَدِيرُ أنْ يُسْنَدَ الِاقْتِرابُ إلى زَمانِ الحِسابِ ويُجْعَلَ النّاسُ مَدْنُوًّا إلَيْهِمْ.
وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ في هَذا الإسْنادِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ ما لا يَخْفى لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ ذَلِكَ بِصُورَةِ شَيْءٍ مُقْبِلٍ عَلَيْهِمْ لا يَزالُ يَطْلُبُهم فَيُصِيبُهم لا مَحالَةَ انْتَهى، وهو مَعْنًى زائِدٌ عَلى ما ذَكَرْنا لا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ واليَلْمَعِيِّ الخَبِيرِ، والمُرادُ مِنَ اقْتِرابِ ذَلِكَ مِنَ النّاسِ عَلى ما اخْتارَهُ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ دُنُوُّهُ مِنهم بَعْدَ بُعْدِهِ عَنْهم فَإنَّهُ في كُلِّ ساعَةٍ يَكُونُ أقْرَبَ إلَيْهِمْ مِنهُ في السّاعَةِ السّابِقَةِ، واعْتُرِضَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ المُرادُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الباقِي مِن مُدَّةِ الدُّنْيا أقَلَّ وأقْصَرَ مِمّا مَضى مِنها فَإنَّهُ كَصُبابَةِ الإناءِ ودُرْدِيِّ الوِعاءِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي ولا حاجَةَ إلَيْهِ في تَحْقِيقِ مَعْناهُ. نَعَمْ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ
صفحة 4
عُرْفًا كَوْنُهُ قَرِيبًا في نَفْسِهِ أيْضًا فَيُصارُ حِينَئِذٍ إلى هَذا التَّوْجِيهِ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ فَإنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالحُدُوثِ المُسْتَفادِ مِنها فَلا وجْهَ لَهُ إذِ الِاقْتِرابُ بِالمَعْنى المَذْكُورِ أمْرٌ حَدَثَ بِمُضِيِّ الأكْثَرِ مِن مُدَّةِ الدُّنْيا وإنْ أرادَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمُضِيِّ المُسْتَفادِ مِنها فَلا وجْهَ لَهُ أيْضًا إذِ الدَّلائِلُ دَلَّتْ عَلى حُصُولِ هَذا الِاقْتِرابِ حِينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ المَوْعُودِ في آخِرِ الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ.
ثُمَّ قالَ: فَلَيْتَ شِعْرِي ما مَعْنى عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِما نَحْنُ فِيهِ بَلْ رُبَّما يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ المُناسَبَةِ في المَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ نَفْسَهُ فَإنَّ الِاقْتِرابَ بِذَلِكَ المَعْنى مُسْتَمِرٌّ مِن أوَّلِ بَدْءِ الدُّنْيا إلى يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ بَلْ إلى ما بَعْدُ فالَّذِي يُناسِبُهُ هو الصِّيغَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ، ثُمَّ لا يَخْفى عَلى أصْحابِ الأفْهامِ أنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي اعْتَرَضَهُ أنْسَبُ بِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن إخافَةِ الكَفَرَةِ اللِّئامِ المُرْتابِينَ في أمْرِ القِيامِ لِما فِيهِ مِن بَيانِ قُرْبِهِ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ أ.ه. فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ المُرادُ اقْتِرابُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا نِسْبَةَ لِلْكائِناتِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالقُرْبِ والبُعْدِ.
ورُدَّ بِأنَّهُ غَفْلَةٌ أوْ تَغافُلٌ عَنِ المُرادِ فَإنَّ المُرادَ مِن عِنْدِ اللَّهِ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ أوْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ لا الدُّنُوُّ والِاقْتِرابُ المَعْرُوفُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنَ القُرْبِ تَحَقُّقَهُ في عِلْمِهِ تَعالى أوْ تَقْدِيرِهِ.
وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى نِسْبَتَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجْعَلَ هو عَزَّ وجَلَّ مَدْنُوًّا مِنهُ ومُقَرَّبًا إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بَلِ المُرادُ قُرْبُ الحِسابِ لِلنّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِبُلُوغِ تَأنِّيهِ إلى حَدِّ الكَمالِ يَسْتَقْصِرُ المُدَدَ الطِّوالَ فَيَكُونُ الحِسابُ قَرِيبًا مِنَ النّاسِ عِنْدَ جَنابِهِ المُتَعالِ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أعْوامٌ وأحْوالٌ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المَعارِجَ: 6، 7] وهَذا المَعْنى يُفِيدُ وراءَ إفادَتِهِ تَحَقُّقَ الثُّبُوتِ لا مَحالَةَ أنَّ المُدَّةَ الباقِيَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الحِسابِ شَيْءٌ قَلِيلٌ في الحَقِيقَةِ وما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ اسْتِطالَتِهِ واسْتِكْثارِهِ فَمِنَ التَّسْوِيلاتِ الشَّيْطانِيَّةِ وأنَّ اللّائِقَ بِأصْحابِ البَصِيرَةِ أنْ يَعُدُّوا تِلْكَ المُدَّةَ قَصِيرَةً فَيُشَمِّرُوا الذَّيْلَ لِيَوْمٍ يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ ويَكُونُ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المَساقُ، وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ في الاعْتِراضِ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِهِ ها هُنا لِأنَّ قُرْبَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّجَدُّدُ والتَّفاوُتُ حَتْمًا وإنَّما اعْتِبارُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشُّورى: 17] ونَظائِرِهِ مِمّا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحُدُوثِ مَبْنِيٌّ عَلى حَمْلِ القُرْبِ عِنْدَهُ تَعالى عَلى القُرْبِ إلَيْهِ تَعالى بِمَعْنى حُضُورِ ذَلِكَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ فَإنَّهُ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ التَّفاوُتُ حَتْمًا وأمّا قُرْبُ الأشْياءِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ زَمانًا أوْ مَكانًا فَلا رَيْبَ أنَّهُ يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقاتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ فَيَعْلَمُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ صِفَةِ العِلْمِ نَفْسِها قَدِيمَةً عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ اهَـ. واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالعِنْدِيَّةِ ما سَمِعْتَهُ أوَّلًا وهو مَعْنًى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ وجُعِلَ التَّجَدُّدُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ كَما قِيلَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ [الكَهْفَ: 12] الآيَةَ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ اقْتِرابِهِ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ والبَعِيدُ ما وقَعَ ومَضى ولِذا قِيلَ:
فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ
ولا بُدَّ أنْ يُرادَ مِن تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ لا تَحَقُّقُهُ في العِلْمِ الأزَلِيِّ لِيُغايِرَ القَوْلَ السّابِقَ. وبَعْضُ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي إلّا أنْ يُصارَ إلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ الصِّيغَةِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن تَقَدَّسَ عَنِ الأنْدادِ وتَنَزَّهَ عَنِ الأضْدادِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ كَما صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْمُسارَعَةِ إلى إدْخالِ الرَّوْعَةِ فَإنَّ نِسْبَةَ الِاقْتِرابِ
صفحة 5
إلى المُشْرِكِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ يَسُوؤُهم ويُورِثُهم رَهْبَةً وانْزِعاجًا مِنَ المُقْتَرِبِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَحْصُلُ لَهُمُ التَّرْوِيعُ والِانْزِعاجُ لِما سَتَسْمَعُ مِن غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَتَأتّى تَعْجِيلُ المَساءَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ لا يُزْعِجَهُمُ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ ولا يُرَوِّعَهُمُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ لِجَوازِ أنْ يَخْتَلِجَ في ذِهْنِهِمُ احْتِمالُ الصِّدْقِ ولَوْ مَرْجُوحًا فَيَحْصُلُ لَهُمُ الخَوْفُ والإشْفاقُ.
وأُيِّدَ بِما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرَ: 1] قالَ الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ ما هو كائِنٌ فَلَمّا تَأخَّرَتْ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ فَأشْفَقُوا فانْتَظَرُوا قُرْبَها فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ انْتَهى.
وقالَ بَعْضُهم في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّ الِاقْتِرابَ مُنْبِئٌ عَنِ التَّوَجُّهِ والإقْبالِ نَحْوَ شَيْءٍ فَإذا قِيلَ اقْتَرَبَ أشْعَرَ أنَّ هُناكَ أمْرًا مُقْبِلًا عَلى شَيْءٍ طالِبًا لَهُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى خُصُوصِيَّةِ المُقْتَرَبِ مِنهُ فَإذا قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ ( لِلنّاسِ ) دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ طالِبٌ لَهم مُقْبِلٌ عَلَيْهِمْ وهم هارِبُونَ مِنهُ فَأفادَ أنَّ المُقْتَرِبَ مَمّا يَسُوؤُهم فَيَحْصُلُ لَهُمُ الخَوْفُ والِاضْطِرابُ قَبْلَ ذِكْرِ الحِسابِ بِخِلافِ ما إذا قِيلَ اقْتَرَبَ الحِسابُ لِلنّاسِ فَإنَّ كَوْنَ إقْبالِ الحِسابِ نَحْوَهم لا يُفْهَمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إلّا بَعْدَ ذِكْرٍ لِلنّاسِ فَتَحَقُّقُ فائِدَةِ التَّعْجِيلِ في التَّقْدِيمِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ بَلْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي ذَهابُ الوَهْمِ في تَعْيِينِ ذَلِكَ الأمْرِ الهائِلِ إلى كُلِّ مَذْهَبٍ إلى أنْ يُذَكَرَ الفاعِلُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ في وجْهِ تَعْجِيلِ التَّهْوِيلِ: إنَّ جَرَيانَ عادَتِهِ الكَرِيمَةِ ﷺ عَلى إنْذارِ المُشْرِكِينَ وتَحْذِيرِهِمْ وبَيانِ ما يُزْعِجُهم يَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَيَّنَ اقْتِرابَهُ مِنهم شَيْءٌ سَيِّئٌ هائِلٌ فَإذا قُدِّمَ الجارُّ يَحْصُلُ التَّخْوِيفُ حَيْثُ يُعْلَمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الكَلامَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ الجارِي عادَتُهُ الكَرِيمَةُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَحْذِيرِهِمْ بِخِلافِ ما إذا قُدِّمَ الفاعِلُ حَيْثُ لا يُعْلَمُ المُقْتَرَبُ مِنهُ إلى أنْ يُذْكَرَ الجارُّ والمَجْرُورُ والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ لا تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ المُقْتَرَبِ كَما تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ المُقْتَرِبِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن عادَتِهِ الكَرِيمَةِ ﷺ أنَّهُ إذا تَكَلَّمَ في شَأْنِهِمْ يَتَكَلَّمُ غالِبًا بِما يَسُوؤُهم لا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَكَلَّمُ في غالِبِ أحْوالِهِ بِما يَسُوؤُهم وفَرْقٌ بَيْنَ العادَتَيْنِ، ولا يَقْدَحُ في تَمامِيَّةِ المَرامِ تَوَقُّفُ تَحَقُّقِ نُكْتَةِ التَّقْدِيمِ عَلى ضَمِّ ضَمِيمَةِ العادَةِ إذْ يَتِمُّ المُرادُ بِأنْ يَكُونَ لِلتَّقْدِيمِ مَدْخَلٌ في حُصُولِ تِلْكَ النُّكْتَةِ بِحَيْثُ لَوْ فاتَ التَّقْدِيمُ لَفاتَتِ النُّكْتَةُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَيْسَ في كَلامِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسارَعَةَ المَذْكُورَةَ حاصِلَةٌ مِنَ التَّقْدِيمِ وحْدَهُ كَذا قِيلَ. ولَكَ أنْ تَقُولَ: التَّقْدِيمُ لِتَعْجِيلِ التَّخْوِيفِ ولا يُنافِي ذَلِكَ عَدَمُ حُصُولِهِ كَما لا يُنافِي عَدَمَ حُصُولِ التَّخْوِيفِ كَوْنُ إنْزالِ الآياتِ لِلتَّخْوِيفِ فافْهَمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ اللّامِ تَأْكِيدًا لِإضافَةِ الحِسابِ إلَيْهِمْ قالَ في الكَشْفِ: فالأصْلُ اقْتَرَبَ حِسابُ النّاسِ لِأنَّ المُقْتَرَبَ مِنهُ مَعْلُومٌ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ مُقَدَّمٌ لا أنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُضافٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ لِأنَّ المُتَأخِّرَ مُفَسِّرٌ أيِ اقْتَرَبَ الحِسابُ لِلنّاسِ الحِسابُ كَما زَعَمَ الطَّيِّبِيُّ وفي التَّقْدِيمِ والتَّصْرِيحِ بِاللّامِ وتَعْرِيفِ الحِسابِ مُبالَغاتٌ لَيْسَتْ في الأصْلِ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم فَصارَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الِاخْتِصاصِ الإضافِيِّ لا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَما في لا أبا لَهُ وما ثُنِّيَ فِيهِ الظَّرْفُ مِن نَحْوِ فِيكَ زَيْدٌ راغِبٌ فِيكَ انْتَهى.
وادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا الوَجْهَ أغْرَبُ بِناءً عَلى أنَّ فِيهِ مُبالَغاتٍ ونُكَتًا لَيْسَتْ في الوَجْهِ الأوَّلِ وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا تامًّا بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وبَحَثَ فِيهِ أيْضًا أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ ومِنَ النّاسِ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ وذَبَّ عَنْهُ، وبِالجُمْلَةِ لِلْعُلَماءِ في ذَلِكَ مُناظَرَةٌ عُظْمى ومَعْرَكَةٌ كُبْرى، والأوْلى بَعْدَ كُلِّ حِسابٍ جَعْلُ
صفحة 6
اللّامِ صِلَةَ الِاقْتِرابِ هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ثُبُوتِ الحِسابِ، وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةَ: 284] أنَّ المُعْتَزِلَةَ والخَوارِجَ يُنْكِرُونَهُ ويُعَضِّدُهُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ النَّسَفِيُّ في بَعْضِ مُؤَلَّفاتِهِ حَيْثُ قالَ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا مِيزانَ ولا حِسابَ ولا صِراطَ ولا حَوْضَ ولا شَفاعَةَ وكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ المِيزانَ أوِ الحِسابَ أرادَ سُبْحانَهُ بِهِ العَدْلَ انْتَهى. لَكِنَّ المَذْكُورَ في عامَّةِ المُعْتَبَراتِ الكَلامِيَّةِ أنَّ أكْثَرَهم يَنْفِي الصِّراطَ وجَمِيعَهم يَنْفِي المِيزانَ ولَمْ يُتَعَرَّضْ فِيهِ لِنَفْيِهِمُ الحِسابَ، والحَقُّ أنَّ الحِسابَ بِمَعْنى المُجازاةِ مِمّا لا يُنْكِرُهُ إلّا المُشْرِكُونَ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ وجَهالَةٍ فَخِيمَةٍ عَنْهُ، وقِيلَ الأوْلى التَّعْمِيمُ أيْ في غَفْلَةٍ تامَّةٍ وجَهالَةٍ عامَّةٍ مِن تَوْحِيدِهِ تَعالى والإيمانِ بِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووُقُوعِ الحِسابِ ووُجُودِ الثَّوابِ والعِقابِ وسائِرِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ الكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ، وذِكْرُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ عُقَيْبَ بَيانِ اقْتِرابِ الحِسابِ لا يَقْتَضِي قَصْرَ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ فَإنَّ وُقُوعَ تَأسُّفِهِمْ ونَدامَتِهِمْ وظُهُورَ أثَرِ جَهْلِهِمْ وحَماقَتِهِمْ لِما كانَ مِمّا يَقَعُ في يَوْمِ الحِسابِ كانَ سَبَبًا لِلتَّعْقِيبِ المَذْكُورِ انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ التَّعْقِيبِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ومَن غَفَلَ عَنْ مُجازاةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ المُرادُ مِنَ الحِسابِ صَدَرَ مِنهُ كُلُّ ضَلالَةٍ ورَكِبَ مَتْنَ كُلِّ جَهالَةٍ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا - لَهم - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنِ الآياتِ والنُّذُرِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ المُنَجِّي مِنَ المَهالِكِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، واجْتِماعُ الغَفْلَةِ والإعْراضِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، ولِلْإشارَةِ إلى تَمَكُّنِهِمْ في الغَفْلَةِ الَّتِي هي مَنشَأُ الإعْراضِ المُسْتَمِرِّ جِيءَ بِالكَلامِ عَلى ما سَمِعْتَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ مَعَ الإعْراضِ عَلى مَعْنى أنَّهم غافِلُونَ عَنْ حِسابِهِمْ ساهُونَ لا يَتَفَكَّرُونَ في عاقِبَتِهِمْ ولا يَتَفَطَّنُونَ لِما تَرْجِعُ إلَيْهِ خاتِمَةُ أمْرِهِمْ مَعَ اقْتِضاءِ عُقُولِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن جَزاءٍ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ ولِذا إذا قُرِعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ وفَطِنُوا لِذَلِكَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ أعْرَضُوا وسَدُّوا أسْماعَهم ونَفَرُوا إلى آخِرِ ما قالَ.
وحاصِلُهُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ التَّنافِي بَيْنَ الغَفْلَةِ الَّتِي هي عَدَمُ التَّنَبُّهِ والإعْراضُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ المُتَنَبَّهِ بِأنَّ الغَفْلَةَ عَنِ الحِسابِ في أوَّلِ أمْرِهِمْ والإعْراضَ بَعْدَ قَرْعِ عَصا الإنْذارِ أوْ بِأنَّ الغَفْلَةَ عَنِ الحِسابِ والإعْراضَ عَنِ التَّفَكُّرِ في عاقِبَتِهِمْ وأمْرِ خاتِمَتِهِمْ، وفي الكَشْفِ أرادَ أنَّ حالَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ الغَفْلَةُ عَنْ مُقْتَضى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ ثُمَّ إذا عاضَدَتْها الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وأُرْشِدُوا لِطَرِيقِ النَّظَرِ أعْرَضُوا، وفِيهِ بَيانُ فائِدَةِ إيرادِ الأوَّلِ جُمْلَةً ظَرْفِيَّةً لِما في حَرْفِ الظَّرْفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإيرادِ الثّانِي وصْفًا مُنْتَقِلًا دالًّا عَلى نَوْعٍ تَجَدَّدَ، ومِنهُ يَظْهَرُ ضَعْفُ الحَمْلِ عَلى أنَّ الظَّرْفِيَّةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ( مُعْرِضُونَ ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِاقْتِضاءِ العُقُولِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ لا يَتَسَنّى إلّا عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ والأشاعِرَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الإعْراضُ عَلى الِاتِّساعِ كَما في قَوْلِهِ:
عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي ∗∗∗ واعْرَضَّ في المَعالِي واسْتَطالا
وذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ [الإسْراءَ: 67] فَيَكُونُ المَعْنى وهم مُتَّسِعُونَ في الغَفْلَةِ مُفْرِطُونَ فِيها.
ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالغَفْلَةِ مَعْنى الإهْمالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 17] فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ.
الأنبياء 21:2
صفحة 7
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ مِن طائِفَةٍ نازِلَةٍ مِنَ القُرْآنِ تُذَكِّرُهم أكْمَلَ تَذْكِيرٍ وتُبَيِّنُ لَهُمُ الأمْرَ أتَمَّ تَبْيِينٍ كَأنَّها نَفْسُ الذِّكْرِ، ( ومِن ) سَيْفُ خَطِيبٍ وما بَعْدَها مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ بَعِيدٌ، ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِيَأْتِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِذِكْرٍ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ وشَرَفِهِ وكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ ﴿مُحْدَثٍ﴾ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِذِكْرٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ أيْضًا عَلى المَحَلِّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ بِناءً عَلى وصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ ) بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ: إذا كانَ الماضِي بَعْدَ إلّا فاكْتِفاؤُهُ بِالضَّمِيرِ مِن دُونِ الواوِ وقَدْ أكْثَرُ نَحْوُ ما لَقِيتُهُ إلّا أكْرَمَنِي لِأنَّ دُخُولَ إلّا في الأغْلَبِ عَلى الأسْماءِ فَهو بِتَأْوِيلٍ إلّا مُكْرَمًا فَصارَ كالمُضارِعِ المُثْبَتِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ لِأنَّهُ حامِلٌ لِضَمِيرِهِ أيْضًا والمَعْنى لا يَأْباهُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِذِكْرٍ، وكَلِمَةُ ( إلّا ) وإنْ كانَتْ مانِعَةً عِنْدَ الجُمْهُورِ إذِ التَّفْرِيغُ في الصِّفاتِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهم إلّا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ذِكْرٌ آخَرُ بَعْدَ إلّا فَتُجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لَهُ ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ المَذْكُورِ أيْ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ إلّا ذِكْرٌ اسْتَمَعُوهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾
الأنبياء 21:3
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ إمّا حالٌ أُخْرى مِنهُ فَتَكُونُ مُتَرادِفَةً أوْ حالٌ مِن واوِ ( يَلْعَبُونَ ) فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً والمَعْنى ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ لاعِبِينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ لاهِينَ عَنْهُ أوْ لاعِبِينَ بِهِ حالَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ لاهِيَةً عَنْهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى (لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم، والسِّرُّ في اخْتِلافِ الخَبَرَيْنِ لا يَخْفى، و﴿لاهِيَةً﴾ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ لُهِيًّا ولِهْيانًا إذا سَلا عَنْهُ وتَرَكَ ذِكْرَهُ وأضْرَبَ عَنْهُ كَما في الصِّحاحِ، وفي الكَشّافِ هي مِن لَهي عَنْهُ إذا ذَهَلَ وغَفَلَ وحَيْثُ اعْتَبَرَ في الغَفْلَةِ فِيما مَرَّ أنْ لا يَكُونَ لِلْغافِلِ شُعُورٌ بِالمَفْعُولِ عَنْهُ أصْلًا بِأنْ لا يَخْطُرَ بِبالِهِ ولا يَقْرَعَ سَمْعَهُ أُشْكِلَ وصْفُ قُلُوبِهِمْ بِالغَفْلَةِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ إذْ قَدْ زالَتْ عَنْهم بِذَلِكَ وحَصَلَ لَهُمُ الشُّعُورُ وإنْ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلْإيمانِ وبَقُوا في غَيابَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ عَلى تَنْزِيلِ شُعُورِهِمْ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةَ: 102] وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُرادَ مِنَ الغَفْلَةِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ لَهي التَّرْكُ والإعْراضُ عَلى ما تُفْصِحُ عَنْهُ عِبارَةُ الصِّحاحِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ بِمَعْنى اللَّعِبِ عَلى ما هو المَشْهُورُ لِأنَّ تَعْقِيبَ ( يَلْعَبُونَ ) بِذَلِكَ حِينَئِذٍ مِمّا لا يُناسِبُ جَزالَةَ التَّنْزِيلِ ولا يُوافِقُ جَلالَةَ نَظْمِهِ الجَزِيلِ وإنْ أمْكَنَ تَصْحِيحُ مَعْناهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، والمُرادُ بِالحُدُوثِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مُحْدَثٌ التَّجَدُّدُ وهو يَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالعَدَمِ، ووُصِفَ الذِّكْرُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِهِ لا بِاعْتِبارِهِ نَفْسَهُ وإنْ صَحَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى حَمْلِ الذِّكْرِ عَلى الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والقَوْلِ بِما شاعَ عَنِ الأشاعِرَةِ مِن حُدُوثِهِ ضَرُورَةً أنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ لِأنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ بَيانَ أنَّهُ كُلَّما تَجَدَّدَ لَهُمُ التَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ وتَكَرَّرَ عَلى أسْماعِهِمْ
صفحة 8
كَلِماتُ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ وقَرَعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ عَدَدَ الحَصا وأُرْشِدُوا إلى طَرِيقِ الحَقِّ مِرارًا لا يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا فِرارًا، وأمّا إنَّ ذَلِكَ المَنزِلَ حادِثٌ أوْ قَدِيمٌ فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالذِّكْرِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازٌ بَلْ إسْنادُهُ إلى الكَلامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الحُدُوثِ التَّجَدُّدُ ويُقالُ: إنَّ وصْفَهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ التَّنْزِيلِ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِقِدَمِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُثْبِتُوهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، والحَنابِلَةُ القائِلُونَ بِقِدَمِ اللَّفْظِيِّ كالنَّفْسِيِّ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهم كَوْنُ الوَصْفِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ لِألّا تَقُومَ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ المُرادُ بِالذِّكْرِ النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ سُمِّيَ ذِكْرًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ [الطَّلاقَ: 10، 11] ويَدُلُّ عَلَيْهِ هُنا ( هَلْ ) هَذا إلَخِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ، وبِالجُمْلَةِ لَيْسَتِ الآيَةُ مِمّا تُقامُ حُجَّةً عَلى رَدِّ أهْلِ السُّنَّةِ ولَوِ الحَنابِلَةَ كَما لا يَخْفى ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، ( والنَّجْوى ) اسْمٌ مِنَ التَّناجِي ولا تَكُونُ إلّا سِرًّا فَمَعْنى إسْرارِها المُبالَغَةُ في إخْفائِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّناجِي فالمَعْنى أخْفَوْا تَناجِيَهم بِأنْ لَمْ يَتَناجَوْا بِمَرْأىً مِن غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى ما في الكَشْفِ أظْهَرُ وأحْسَنُ مَوْقِعًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْرارُ مِنَ الأضْدادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
فَلَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيَّ الَّذِي كانَ أضْمَرا
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ مَعْنى الإخْفاءِ وإنْ قُلْنا إنَّهُ مِنَ الأضْدادِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ ولا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿أسَرُّوا﴾ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ. والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: هو فاعِلُ ﴿أسَرُّوا﴾ والواوُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الجَمْعِيَّةِ كَواوِ قائِمُونَ وتاءِ قامَتْ وهَذا عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وهي لُغَةٌ لِأزْدِ شَنُوءَةَ قالَ شاعِرُهم:
يَلُومُونَنِي في اشْتِراءِ النَّخِيلِ أهْلِي وكُلُّهم ألْوَمُ
وهِيَ لُغَةٌ حَسَنَةٌ عَلى ما نَصَّ أبُو حَيّانَ ولَيْسَتْ شاذَّةً كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم، وقالَ الكِسائِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ وقُدِّمَ اهْتِمامًا بِهِ، والمَعْنى هم أسَرُّوا النَّجْوى فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِكَوْنِهِ ظُلْمًا، وقِيلَ هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ هو فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَقُولُ الَّذِينَ والقَوْلُ كَثِيرًا ما يُضْمَرُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا ( لِلنّاسِ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ أوْ بَدَلًا مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ وكِلاهُما كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلَخْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ هو جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا في نَجْواهم ؟ فَقِيلَ قالُوا هَذا إلَخْ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿أسَرُّوا﴾ أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ حالٌ أيْ قائِلِينَ هَلْ هَذا إلَخْ وهو مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ قَبْلَ المَوْصُولِ عَلى ما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِلنَّجْوى نَفْسِها لِأنَّها في مَعْنى القَوْلِ والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ يَجُوزُ إعْمالُهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وقِيلَ بَدَلٌ مِنها أيْ أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ، و( هَلْ ) بِمَعْنى النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعَجُّبِيِّ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
صفحة 9
حالٌ مِن فاعِلِ تَأْتُونَ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، وأرادُوا كَما قِيلَ ما هَذا إلّا بَشَرٌّ مِثْلُكم أيْ مِن جِنْسِكم وما أتى بِهِ سِحْرٌ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَأْتُونَهُ وتَحْضُرُونَهُ عَلى وجْهِ الإذْعانِ والقَبُولِ وأنْتُمْ تُعايِنُونَ أنَّهُ سِحْرٌ قالُوهُ بِناءً عَلى ما ارْتَكَزَ في اعْتِقادِهِمُ الزّائِغِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا وأنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ البَشَرِ مِنَ الخَوارِقِ مِن قَبِيلِ السِّحْرِ، وعَنَوْا بِالسِّحْرِ ها هُنا القُرْآنَ فَفي ذَلِكَ إنْكارٌ لِحَقِّيَّتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وإنَّما أسَرُّوا ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقِ تَوْثِيقِ العَهْدِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ وتَمْهِيدِ مُقَدِّماتِ المَكْرِ والكَيْدِ في هَدْمِ أمْرِ النُّبُوَّةِ وإطْفاءِ نُورِ الدِّينِ واللَّهُ تَعالى يَأْبى إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ أسَرُّوهُ لِيَقُولُوا لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إنْ كانَ ما تَدَّعُونَهُ حَقًّا فَأخْبِرُونا بِما أسْرَرْناهُ ؟ ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ ولا يُناسِبُ المُبالَغَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَتَأْتُونَ﴾ السِّحْرَ
الأنبياء 21:4
﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ أحْوالَهم وأقْوالَهم بَيانًا لِظُهُورِ أمْرِهِمْ وانْكِشافِ سِرِّهِمْ فَفاعِلُ ﴿قالَ﴾ ضَمِيرُهُ ﷺ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى وأيُّوبَ وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وابْنِ جُبَيْرِ الأنْطاكِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (قُلْ ) عَلى الأمْرِ لِنَبِيِّهِ ﷺ، و(القَوْلُ ) عامٌّ يَشْمَلُ السِّرَّ والجَهْرَ فَإيثارُهُ عَلى السِّرِّ لِإثْباتِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى النَّهْجِ البُرْهانِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالأمْرَيْنِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما بِالجَلاءِ والخَفاءِ قَطْعًا كَما في عُلُومِ الحَقِّ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ بَيْنَ السِّرِّ والقَوْلِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ والمُناسِبُ في هَذا المَقامِ تَعْمِيمُ القَوْلِ لِيَشْمَلَ جَهْرَهُ وسِرَّهُ والأخْفى فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ يَعْلَمُ هَذا الضَّرْبَ وما هو أعْلى مِن ذَلِكَ وأدْنى مِنهُ وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُناسِبَةِ لِما حَكى عَنْهم مِنَ المُبالَغَةِ في الإخْفاءِ ما فِيهِ وإيثارُ السِّرِّ عَلى القَوْلِ في بَعْضِ الآياتِ لِنُكْتَةٍ تَقْتَضِيهِ هُناكَ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القَوْلِ أيْ كائِنًا في السَّماءِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقِيلَ أيِ المُبالِغُ في العِلْمِ بِالمَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُهم وأفْعالُهم دُخُولًا أوَّلِيًّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَدَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ بِمُجازاتِهِمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهم، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَحْرِ أنَّ ما قَبْلُ مُتَضَمِّنٌ ذَلِكَ أيْضًا
الأنبياء 21:5
﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمُ السّابِقِ إلى حِكايَةِ قَوْلٍ آخَرَ مُضْطَرِبٍ باطِلٍ أيْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى القَوْلِ في حَقِّهِ ﷺ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم وفي حَقِّ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ إنَّهُ سِحْرٌ بَلْ قالُوا هو أيِ القُرْآنُ تَخالِيطُ الأحْلامِ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْهُ فَقالُوا ﴿بَلِ افْتَراهُ﴾ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ شُبْهَةُ أصْلٍ ثُمَّ أضْرَبُوا فَقالُوا: ﴿بَلْ هو شاعِرٌ﴾ وما أتى بِهِ شِعْرٌ يُخَيِّلُ إلى السّامِعِ مَعانِيَ لا حَقِيقَةَ لَها، وهَذا الِاضْطِرابُ شَأْنُ المُبْطِلِ المَحْجُوجِ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ باطِلٍ وأبْطَلَ ويَتَذَبْذَبُ بَيْنَ فاسِدٍ وأفْسَدَ فَبَلِ الأُولى كَما نَرى مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وهي انْتِقالِيَّةٌ والمُنْتَقِلُ مِنهُ ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِهِ والأخِيرَتانِ مِن كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ وهُما ابْطالِيَّتانِ لِتَرَدُّدِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ في تَزْوِيرِهِمْ وجُمْلَةُ المَقُولِ داخِلَةٌ في النَّجْوى.
صفحة 10
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأُولى انْتِقالِيَّةٌ والمُنْتَقِلُ مِنهُ ما تَقَدَّمَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِهِ والجُمْلَةُ غَيْرُ داخِلَةٍ في النَّجْوى، وكِلا الوَجْهَيْنِ وجِيهٌ ولَيْسَ فِيهِما إلّا اخْتِلافُ مَعْنى بَلْ، وكَوْنُ الأُولى مِنَ الحِكايَةِ والأخِيرَتَيْنِ مِنَ المَحْكِيِّ ولا مانِعَ مِنهُ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُولى مِن كَلامِهِمْ وهي إبْطالِيَّةٌ أيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِمْ هو سِحْرٌ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِأفَتَأْتُونَ السِّحْرَ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ النَّظْمُ الكَرِيمُ قالُوا بَلْ إلَخْ لِيُفِيدَ حِكايَةَ إضْرابِهِمْ، وكَوْنَهُ مِنَ القَلْبِ وأصْلُهُ قالُوا بَلْ لا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ أُجِيبَ أيْضًا بِأنَّهُ إضْرابٌ في قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ( هَلْ ) هَذا إلَخْ أوِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ النَّجْوى وأُعِيدَ القَوْلُ لِلْفاصِلِ أوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الثَّلاثَةُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَنْزِيلٌ لِأقْوالِهِمْ في دَرَجِ الفَسادِ وأنَّ قَوْلَهُمُ الثّانِيَ أفْسَدُ مِنَ الأوَّلِ والثّالِثَ أفْسَدُ مِنَ الثّانِي وكَذَلِكَ الرّابِعَ مِنَ الثّالِثِ، ويُطْلَقُ عَلى نَحْوِ هَذا الإضْرابِ التَّرَقِّي لَكِنْ لَمْ يُقَلْ هُنا تَرَقِّيًا إشارَةً إلى أنَّ التَّرَقِّيَ في القُبْحِ تَنْزِيلٌ في الحَقِيقَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ كَما قالَ في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم إنَّهُ سِحْرٌ أقْرَبُ مِنَ الثّانِي فَقَدْ يُقالُ: إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا لِأنَّ تَخالِيطَ الكَلامِ الَّتِي لا تَنْضَبِطُ لا شَبَهَ لَها بِوَجْهٍ بِالنَّظْمِ الأنِيقِ الَّذِي أبْكَمَ كُلَّ مِنطِيقٍ، ثُمَّ ادِّعاءُ أنَّها مَعَ كَوْنِها تَخالِيطَ مُفْتَرَياتٍ أبْعَدُ وأبْعَدُ لِأنَّ النَّظْمَ بِمادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِن أتَمِّ القَواطِعِ دَلالَةً عَلى الصِّدْقِ كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّ القائِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَمٌ عِنْدَهم في الأمانَةِ والصِّدْقِ، والأخِيرُ هَذَيانُ المُبَرْسَمِينَ لِأنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ المَنظُومِ والمَنثُورِ طَبْعًا وبَيْنَ ما يُساقُ لَهُ الشِّعْرُ وما سِيقَ لَهُ هَذا الكَلامُ الَّذِي لا يُشْبِهُ بَلِيغاتِ خُطَبِهِمْ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ وبَيْنَ مُحَسِّناتِ الشِّعْرِ ومُحَسِّناتِ هَذا النَّثْرِ هَذا فِيما يَرْجِعُ إلى الصُّورَةِ وحْدَها، ثُمَّ إذا جِئْتَ إلى المادَّةِ وتَرَكُّبِ الشِّعْرِ مِنَ المُخَيِّلاتِ والمَعانِي النّازِلَةِ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها الأجْلافُ وهَذا مِنَ اليَقِينِيّاتِ العَقَدِيَّةِ والدِّينِيّاتِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها مَدارُ المَعادِ والمَعاشِ وبِها تَتَفاضَلُ الأشْرافُ فَأظْهَرُ وأظْهَرُ، هَذا والقائِلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ مِمَّنْ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ الشِّعْرُ وإنْ أرادَهُ خالَطُوهُ وذاقُوهُ أرْبَعِينَ سَنَةً اهَـ.
وكَوْنُ تَرَكُّبِ الشِّعْرِ مِنَ المُخِيِّلاتِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَلا يُنافِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: ««إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»» لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ النُّدْرَةِ ويُؤَيِّدُهُ التَّأْكِيدُ بِإنَّ الدّالَّةِ عَلى التَّرَدُّدِ فِيهِ، وقَدْ جاءَ الشّاعِرُ بِمَعْنى الكاذِبِ بَلْ قالَ الرّاغِبُ: إنَّ الشّاعِرَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الكاذِبِ بِالطَّبْعِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ أرادُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَلْ هو وحاشاهُ ذُو افْتِراءاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَيْسَ في بَلْ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ إبْطالٌ بَلْ إثْباتٌ لِلْحُكْمِ الأوَّلِ وزِيادَةٌ عَلَيْهِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ الرّاغِبُ، وفي وُقُوعِها لِلْإبْطالِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى خِلافٌ فَأثْبَتَهُ ابْنُ هِشامٍ ومَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 26] ووَهِمَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ الكافِيَةِ فَنَفاهُ، والحَقُّ أنَّ الإبْطالَ إنْ كانَ لِما صَدَرَ عَنِ الغَيْرِ فَهو واقِعٌ في القُرْآنِ وإنْ كانَ لِما صَدَرَ عَنْهُ تَعالى فَغَيْرُ واقِعٍ بَلْ هو مُحالٌ لِأنَّهُ بَداءٌ، ورُبَّما يُقالُ: مُرادُ ابْنِ مالِكٍ بِالمَنفِيِّ الضَّرْبُ الثّانِي، ثُمَّ إنَّ هَذا الوَجْهَ وإنْ كانَ فِيهِ بُعْدٌ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ كَما قِيلَ فَتَدَبَّرْ.
﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يُفْصِحُ عَنْهُ السِّياقُ كَأنَّهُ قِيلَ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَما قُلْنا بَلْ كانَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴿أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ وقَدَّرَ النَّيْسابُورِيُّ غَيْرَ هَذا الشَّرْطِ فَقالَ أخْذًا مِن كَلامِ الإمامِ في بَيانِ حاصِلِ مَعْنى الآيَةِ: إنَّهم أنْكَرُوا أوَّلًا كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مِن جِنْسِ البَشَرِ ثُمَّ إنَّهم كَأنَّهم قالُوا سَلَّمْنا ذَلِكَ ولَكِنَّ الَّذِي ادَّعَيْتَ أنَّهُ مُعْجِزٌ لَيْسَ بِمُعَجِزٍ غايَتُهُ أنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ وما كَلُّ خارِقٍ لَها
صفحة 11
مُعْجِزٌ فَقَدْ يَكُونُ سِحْرًا هَذا إذا ساعَدْنا عَلى أنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ لَكُنّا عَنْ تَسْلِيمِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ بِمَراحِلَ فَإنّا نَدَّعِي أنَّهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ وسُوءِ النَّظْمِ كَأضْغاثِ أحْلامٍ سَلَّمْنا ولَكِنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِ الأوْساطِ افْتَراهُ مِن عِنْدِهِ سَلَّمْنا أنَّهُ كَلامٌ فَصِيحٌ لَكِنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فَصاحَةَ الشِّعْرِ وإذا كانَ حالُ هَذا المُعْجِزِ هَكَذا فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ كَما أرْسَلَ الأوَّلُونَ انْتَهى وهو كَما تَرى.
وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالكافِ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدِّرٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ أيْ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ مِثْلِ الآيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها الأوَّلُونَ، ولا يَضُرُّ فَقْدُ بَعْضِ شُرُوطِ جَوازِ حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ إذْ لا اتِّفاقَ عَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ، ومَنِ اشْتَرَطَ اعْتَبَرَ العائِدَ المَحْذُوفَ هُنا مَنصُوبًا مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وهو مَهْيَعٌ واسِعٌ، وأرادُوا بِالآيَةِ المُشَبَّهِ بِها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما النّاقَةَ والعَصا ونَحْوَهُما، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ فَلْيَأْتِنا بِما أتى بِهِ الأوَّلُونَ أوْ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ الأوَّلُونَ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِدَلالَتِهِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعَ زِيادَةِ كَوْنِهِ مُرْسَلًا بِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي التَّعْبِيرِ في حَقِّهِ ﷺ بِالإتْيانِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ فِيما بَعْدَهُ إيماءٌ إلى أنَّ ما أتى بِهِ ﷺ مِن عِنْدِهِ وما أتى بِهِ الأوَّلُونَ مِنَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى فَفِيهِ تَعْرِيضٌ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِافْتِراءِ قالَهُ الخَفاجِيُّ وذَكَرَ أنَّ ما قِيلَ إنَّ العُدُولَ عَنْ كَما أتى بِهِ الأوَّلُونَ لِأنَّ مُرادَهُمُ اقْتِراحُ آيَةٍ مِثْلِ آيَةِ مُوسى وآيَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لا غَيْرِهِما مِمّا أتى بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ العَلّامَةَ البَيْضاوِيَّ أشارَ إلى ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والكافُ مَنصُوبَةً عَلى أنَّها مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إتْيانًا كائِنًا مِثْلَ إرْسالِ الأوَّلِينَ بِها وصِحَّةُ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِثْلُ إتْيانِ الأوَّلِينَ بِها لِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَضَمِّنُ الإتْيانِ المَذْكُورِ كَما في الكَشّافِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ كِنايَةٌ في هَذا المَقامِ، وفائِدَةُ العُدُولِ بَعْدَ حُسْنِ الكِنايَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِها آيَةً مُسَلِّمَةً بِمِثْلِها تُثْبِتُ الرِّسالَةَ لا تُنازِعُ فِيها ويَتَرَتَّبُ المَقْصُودُ عَلَيْها، والقَوْلُ بِأنَّ الإرْسالَ المُشَبَّهَ بِهِ مَصْدَرُ المَجْهُولِ ومَعْناهُ كَوْنُهُ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالآياتِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي في تَوْجِيهِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُغايِرٌ لِلْإتْيانِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الإتْيانِ والإرْسالِ في كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ لَكِنَّهُ تُرِكَ في جانِبِ المُشَبَّهِ ذِكْرُ الإرْسالِ، وفي جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ ذِكْرُ الإتْيانِ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في المَوْطِنِ الآخَرِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ إقْرارَهم بِإرْسالِ الأوَّلِينَ لَيْسَ عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ بَلْ هو أمْرٌ اقْتَضاهُ اضْطِرابُهم وتَحَيُّرُهم، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ مِمّا يُرَجِّحُ الحَمْلَ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ حِكايَةُ أقْوالِهِمُ المُضْطَرِبَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ لِأنَّهم مَنَعُوا أوَّلًا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا وبَتُّوا القَوْلَ بِهِ وبَنَوْا ما بَنَوْا ثُمَّ سَلَّمُوا أنَّ الأوَّلِينَ كانُوا ذَوِي آياتٍ وطالَبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإتْيانِ بِنَحْوِ ما أتَوْا بِهِ مِنها، وعَلى وجْهِ التَّنْزِيلِ لِأقْوالِهِمْ عَلى دَرَجِ الفَسادِ يُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ تَنَزَّلَ مِنهم، والعُدُولُ إلى الكِنايَةِ لِتَحْقِيقِ تَنَزُّلِهِ عَنْ شَأْوِهِمِ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
الأنبياء 21:6
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَكْذِيبِهِمْ فِيما يُنْبِئُ عَنْهُ خاتِمَةُ مَقالِهِمْ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ بِالإيمانِ عِنْدَ إتْيانِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ وبَيانِ أنَّهم في اقْتِراحِ ذَلِكَ كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ
صفحة 12
وإنَّ في تَرْكِ الإجابَةِ إلَيْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ كَيْفَ لا ولَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ مَعَ عَدَمِ إيمانِهِمْ قَطْعًا لاسْتُئْصِلُوا لِجَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ عَلى اسْتِئْصالِ المُقْتَرِحِينَ مِنهم إذا أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُعَذَّبُونَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّهم لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ وبالَغُوا في ذَلِكَ حَتّى أُخِذُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ إلى أنِ انْتَهَوْا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَأْتِنا﴾ إلَخْ جِيءَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما آمَنَتْ﴾ إلَخْ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ في أنَّ الإنْذارَ لا يُجْدِي فِيهِمْ.
وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفِعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أهْلَكْناها﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ رَفْعٍ صِفَةَ قَرْيَةٍ، والمُرادُ أهْلَكْناها بِإهْلاكِ أهْلِها لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ( أهْلَكْناها ) يَأْباهُ والِاسْتِخْدامُ وإنْ كَثُرَ في الكَلامِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقالَ بَعْضُهم: لَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ هَلاكَها كِنايَةٌ عَنْ إهْلاكِ أهْلِها وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ لِإنْكارِ الوُقُوعِ والفاءُ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْهُ الهَمْزَةُ فَأفادَتْ إنْكارَ وُقُوعِ إيمانِهِمْ ونَفْيِهِ عُقَيْبَ عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ فالمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عِنْدَ إعْطاءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ أهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ لَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ أيْ مَعَ أنَّهم أعْتى وأطْغى كَما يُفْهَمُ بِمَعُونَةِ السِّياقَ والعُدُولِ عَنْ فَهْمِ لا يُؤْمِنُونَ أيْضًا وإمّا عَلى ﴿ما آمَنَتْ﴾ عَلى أنَّ الفاءَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ في الِاعْتِبارِ مُفِيدَةٌ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ عَلى عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ،
الأنبياء 21:7
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ جَوابٌ لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ ما بَنَوْا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا﴾ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ فَلا بُدَّ مِنَ المُسارَعَةِ إلى رَدِّهِ وإبْطالِهِ ولِأنَّ في هَذا الجَوابِ نَوْعَ بَسْطٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإرْسالِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ المُسْتَمِرَّةِ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى خُصُوصِهِ، والمَعْنى ما أرْسَلَنا إلى الأُمَمِ قَبْلَ إرْسالِكَ إلى أُمَّتِكَ إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً نُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ ما نُوحِي مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِهِما مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ كَما نُوحِي إلَيْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما في حَقِيقَةِ الوَحْيِ وحَقِيقَةِ مَدْلُولِهِ كَما لا فَرْقَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في البَشَرِيَّةِ فَما لَهم لا يَفْهَمُونَ أنَّكَ لَسْتَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وإنَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ لَيْسَ مُخالِفًا لِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً مادِحَةً لَرِجالًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحى إلَيْهِمْ ) بِالياءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ لِتَبْكِيتِهِمْ واسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِبْعادِ والنَّكِيرِ إثْرَ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ الحَقِيقُ بِالخِطابِ في أمْثالِ تِلْكَ الحَقائِقِ الأنِيقَةِ، وأمّا الوُقُوفُ عَلَيْها بِالسُّؤالِ مِنَ الغَيْرِ فَهو مِن وظائِفِ العَوامِّ وأمْرُهُ ﷺ بِالسُّؤالِ في بَعْضِ
صفحة 13
الآياتِ لَيْسَ لِلْوُقُوفِ وتَحْصِيلِ العِلْمِ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ لِأمْرٍ آخَرَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وأهْلُ الذِّكْرِ أهْلُ الكِتابِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ فاسْألُوا أيُّها الجَهَلَةُ أهْلَ الكِتابِ الواقِفِينَ عَلى أحْوالِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَزُولَ شُبْهَتُكم. أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّ أخْبارَ الجَمِّ الغَفِيرِ يُفِيدُ العِلْمَ في مِثْلِ ذَلِكَ لا سِيَّما وهم كانُوا يُشايِعُونَ المُشْرِكِينَ في عَداوَتِهِ ﷺ ويُشاوِرُونَهم في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ وُضُوحِ الأمْرِ وقُوَّةِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ما لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ أهْلَ الذِّكْرِ هم أهْلُ القُرْآنِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهم كانُوا خُصُومَهم فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِسُؤالِهِمْ، ويَرُدُّ ذَلِكَ عَلى ما زَعَمَتْهُ الإمامِيَّةُ مِن أنَّهم آلُهُ ﷺ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ في أحْكامِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ والجَسَدُ عَلى ما في القامُوسِ جِسْمُ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو كالجِسْمِ إلّا أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، قالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ الجَسَدُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ ونَحْوِهِ، وأيْضًا فَإنَّ الجَسَدَ يُقالُ لِما لَهُ لَوْنٌ والجِسْمُ لِما لا يَبِينُ لَهُ لَوْنٌ كالهَواءِ والماءِ،
الأنبياء 21:8
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ إلَخْ يَشْهَدُ لِما قالَهُ الخَلِيلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو جِسْمٌ ذُو تَرْكِيبٍ وظاهِرُهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الحَيَوانِ ومِنهم خَصَّهُ بِهِ وقالَ بَعْضُهم: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ جَسَدَ الدَّمُ يَجْسَدُ أيِ التَصَقَ وأُطْلِقَ عَلى الجِسْمِ المُرَكِّبِ لِأنَّهُ ذُو أجْزاءٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الَّذِي يَقُولُ بِتَخْصِيصِهِ بِحَيْثُ لا يَشْمَلُ غَيْرَ العاقِلِ مِنَ الحَيَوانِ مَثَلًا غايَةُ ما يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ أصْلِ وضْعِهِ ولا يَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِ تَعْمِيمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، والمُرادُ تَصْيِيرُهُ كَذَلِكَ ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والجَعْلُ إبْداعِيٌّ وإفْرادُهُ لِإعادَةِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِلْكَثِيرِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ عَلى ما سَمِعْتَ مَصْدَرٌ وهو يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: لِإرادَةِ الِاسْتِغْراقِ الإفْرادِيِّ في الضَّمِيرِ أيْ جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهم وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي جَسَدٍ، وفي التَّسْهِيلِ أنَّهُ يُسْتَغْنى بِتَثْنِيَةِ المُضافِ وجَمْعِهِ عَنْ تَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ وجَمْعِهِ في الأعْلامِ وكَذا ما لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ مِن أسْماءِ الأجْناسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةُ ( جَسَدًا ) أيْ وما جَعَلْناهم جَسَدًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الغِذاءِ بَلْ مُحْتاجًا إلَيْهِ ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ أيْ باقِينَ أبَدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخُلُودُ بِمَعْنى المُكْثِ المَدِيدِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَشَرًا لا مَلائِكَةً كَما يَقْتَضِيهِ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ الفاسِدُ وزَعْمُهُمُ الكاسِدُ، والظّاهِرُ هم يَعْتَقِدُونَ أيْضًا في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأبَدِيَّةَ كاعْتِقادِ الفَلاسِفَةِ فِيهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يُسَمُّونَهم عُقُولًا مُجَرَّدَةً، وحاصِلُ المَعْنى جَعَلْناهم أجْسادًا مُتَغَذِّيَةً صائِرَةً إلى المَوْتِ بِالآخِرَةِ حَسَبَ آجالِهِمْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً لا يَتَغَذَّوْنَ ولا يَمُوتُونَ حَسْبَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانَ: 7] إلَخْ والأوَّلُ أوْلى، نَعَمْ هي مَعَ كَوْنِها مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها فِيها رَدٌّ عَلى ذَلِكَ. وفي إيثارِ ( وما كانُوا ) عَلى وما جَعَلْناهم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عَدَمَ الخُلُودِ والبَقاءِ مِن تَوابِعِ جِبِلَّتِهِمْ في هَذِهِ النَّشْأةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ إلَخْ لا بِالجَعْلِ المُسْتَأْنَفِ بَلْ إذا نَظَرْتَ إلى سائِرِ المُرَكَّباتِ مِنَ العَناصِرِ المُتَضادَّةِ رَأيْتَ بَقاءَها سُوَيْعَةً أمْرًا غَرِيبًا وانْتَهَضْتَ إلى طَلَبِ العِلَّةِ لِذَلِكَ ومِن هُنا قِيلَ:
صفحة 14
ولا تَتْبَعِ الماضِيَ سُؤالَكَ لِمَ مَضى وعَرِّجْ عَلى الباقِي وسائِلْهُ لِمَ بَقِيَ
بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ المُمْكِناتُ مُطْلَقًا كَذَلِكَ فَقَدْ قالُوا: إنَّ المُمْكِنَ إذا خَلِّيَ وذاتَهُ يَكُونُ مَعْدُومًا إذِ العَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى عِلَّةٍ وتَأْثِيرٍ بِخِلافِ الوُجُودِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ العَدَمُ مُقْتَضى الذّاتِ حَتّى يَصِيرَ مُمْتَنِعًا إذْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أوْلَوِيَّةِ العَدَمِ وألْيَقِيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاتِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الهَيْئاتِ الشِّفاءُ لِلْمَعْلُولِ في نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لَيْسَ ولَهُ عَنْ عِلَّتِهِ أنْ يَكُونَ آيِسًا، وقَوْلُهم بِاسْتِواءِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مَعْناهُ اسْتِواؤُهُ في عَدَمِ وُجُوبِ واحِدٍ مِنهُما بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، وقَوْلُهم عِلَّةُ العَدَمِ عِلَّةُ الوُجُودِ بِمَعْنى أنَّ العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى تَأْثِيرٍ وجَعْلٍ بَلْ يَكْفِيهِ انْعِدامُ العِلَّةِ لا أنَّ عَدَمَ العِلَّةِ مُؤَثِّرَةٌ في عَدَمِ المَعْلُولِ ولَعَلَّ في «قَوْلِهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» إشارَةً إلى هَذا فَتَدَبَّرْ،
الأنبياء 21:9
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن حِكايَةِ وحْيِهِ تَعالى إلى المُرْسَلِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ ما أوْحَيْنا ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ الَّذِي وعَدْناهم في تَضاعِيفِ الوَحْيِ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( نُوحِي ) السّابِقِ بِمَعْنى أوْحَيْنا، وتَوْسِيطُ الأمْرِ بِالسُّؤالِ وما مَعَهُ اهْتِمامًا بِإلْزامِهِمْ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ وقالَ الخَفاجِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرْسَلْنا﴾ وثُمَّ لِلتَّراخِي الذِّكْرِيِّ أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِنَ البَشَرِ وصَدَقْناهم ما وعَدْناهم فَكَذا مُحَمَّدٌ ﷺ فاحْذَرُوا تَكْذِيبَهُ ومُخالَفَتَهُ فالآياتُ كَما تَضَمَّنَتِ الجَوابَ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ونَصْبُ ( الوَعْدَ ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ صَدَقْناهم في الوَعْدِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ القِتالَ وصَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ وصَدَقَ قَدْ تَتَعَدّى لِلْمَفْعُولَيْنِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ أصْلًا.
﴿فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ كَما عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةُ إبْقاءَهُ كَمَن سَيُؤْمِنُ هو أوْ بَعْضُ فُرُوعِهِ بِالآخِرَةِ وهو السِّرُّ في حِمايَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وآذَوْهُ ﷺ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِالمُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ وذَلِكَ لِحَمْلِ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ والمُسْرِفِينَ عَلى الكُفّارِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافِرَ: 43] بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ مُلازِمُوها والمُخَلَّدُونَ فِيها ولا يَخْلُدُ فِيها عِنْدَنا إلّا الكُفّارُ، ومَن عَمَّمَ أوَّلًا قالَ: المُرادُ بِالمُسْرِفِينَ مَن عَدا أُولَئِكَ المُنْجِينَ، والتَّعْبِيرُ بِمَن نَشاءُ دُونَ مَن آمَنَ أوْ مَن مَعَهم مَثَلًا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ وآخَرُونَ مَعَهم ولا يَظْهَرُ عَلى التَّخْصِيصِ وجْهُ العُدُولِ عَمّا ذُكِرَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ والتَّعْبِيرُ بِنَشاءُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ شِئْنا لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ،
الأنبياء 21:10
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي ذَكَرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إعْراضَ النّاسِ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِن آياتِهِ واسْتِهْزاءَهم بِهِ واضْطِرابَهم في أمْرِهِ وبَيانُ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّهُ كَسائِرِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ صَدَرَ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ وإيذانًا بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ في أقْصى مَراتِبِ النَّكِيرِ والخِطابُ لِقُرَيْشٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ العَرَبِ وتَنْوِينُ كِتابًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ أيْ كِتابًا عَظِيمَ الشَّأْنِ نَيِّرَ البُرْهانِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ مِن كَوْنِهِ جَلِيلَ القَدْرِ بِأنَّهُ جَمِيلُ الآثارِ مُسْتَجْلِبٌ لَهم مَنافِعَ جَلِيلَةً والمُرادُ بِالذِّكْرِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصِّيتُ والشَّرَفُ مَجازٌ أيْ فِيهِ ما يُوجِبُ الشَّرَفَ لَكم لِأنَّهُ بِلِسانِكم ومُنَزَّلٌ عَلى نَبِيٍّ مِنكم تَتَشَرَّفُونَ بِشَرَفِهِ
صفحة 15
وتَشْتَهِرُونَ بِشُهْرَتِهِ لِأنَّكم حَمْلَتُهُ والمَرْجِعُ في حَلِّ مَعاقِدِهِ وجُعِلَ ذَلِكَ فِيهِ مُبالَغَةٌ في سَبَبِيَّتِهِ لَهُ، وعَنْ سُفْيانَ أنَّهُ مَكارِمُ الأخْلاقِ ومَحاسِنُ الأعْمالِ أيْ فِيهِ ما يَحْصُلُ بِهِ الذِّكْرُ أيِ الثَّناءُ الحَسَنُ وحُسْنُ الأُحْدُوثَةِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ فَهو مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أُمُورِ دِينِكم، وزادَ بَعْضٌ ودُنْياكم، وقِيلَ الذِّكْرُ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى فِيهِ مَوْعِظَتُكم، ورُجِّحَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ فِيهِ بَعَثٌ لَهم عَلى التَّدَبُّرِ في أمْرِ الكِتابِ والتَّدَبُّرِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن فُنُونِ المَواعِظِ والزَّواجِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَوارِعُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآياتِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ذِكُرُ قَبائِحِكم ومَثالِبِكم وما عامَلْتُمْ بِهِ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ مُؤَدٍّ إلى التَّنَبُّهِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ أوْ لا تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ،
الأنبياء 21:11
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ فَكَمْ خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِ ( قَصَمْنا ) و( مِن قَرْيَةٍ ) تَمْيِيزٌ، وفي لَفْظِ القَصْمِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَسْرِ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ وإذْهابِ التِئامِها بِالكُلِّيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الإتْيانُ بِالقافِ الشَّدِيدَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الغَضَبِ وشِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ صِفَةُ ( قَرْيَةٍ ) وكانَ الأصْلُ عَلى ما قِيلَ أهْلَ قَرْيَةٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الضَّمِيرُ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَوُصِفَ بِما هو مِن صِفاتِ المُضافِ أعْنِي الظُّلْمَ فَكَأنَّهُ قِيلَ وكَثِيرًا قَصَمْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا ظالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى كافِرِينَ بِها مِثْلَكم.
وفِي الكَشّافِ المُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالظُّلْمِ فَيَكُونُ التَّجَوُّرُ في الطَّرَفِ، وقالَ بَعْضُهم: لَكَ أنْ تَقُولَ وصْفُها بِذَلِكَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَصَمَ أهْلَها لِلُزُومِ إهْلاكِها إهْلاكَهم فَلا مَجازَ ولا حَذْفَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ قَرْيَةً مُعَيَّنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها حِضْوَرٌ قَرْيَةٌ بِاليَمَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِهِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مِن حِمْيَرٍ يُقالُ لَهُ شُعَيْبٌ فَوَثَبَ إلَيْهِ عَبْدٌ فَضَرَبَهُ بِعَصا فَسارَ إلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرُ فَقاتَلَهم فَقَتَلَهم حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم شَيْءٌ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا﴾ إلَخْ وفي البَحْرِ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا بِحِضْوَرٍ وأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا فَهَزَمُوهُ ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ آخَرَ فَهَزَمُوهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ اسْمُ هَذا النَّبِيِّ مُوسى بْنَ مِيشا، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتَيْنِ بِاليَمَنِ إحْداهُما حِضْوَرٌ والأُخْرى قُلابَةٌ بَطَرَ أهْلُهُما فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ بُخْتَنَصَّرَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا يَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ والقَوْلُ بِأنَّها مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ كَمْ أخَذْتَ مِن دَراهِمِ زَيْدٍ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْتَ والتَّمْيِيزَ مَحْذُوفٌ أيْ كَمْ دِرْهَمٍ أخَذْتَ مِن دَراهِمِ زَيْدٍ، ويُقالُ هُنا إنَّها بِتَقْدِيرِ كَمْ ساكِنٍ قَصَمْنا مِن ساكِنِي قَرْيَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ إلّا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ ما في الرِّواياتِ مَحْمُولٌ
صفحة 16
عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ قَلِيلٍ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِ أهْلِها لا بَعْدَ تِلْكَ الفِعْلَةِ كَما تُوِهِّمَ ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أيْ لَيْسُوا مِنهم في شَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِئْصالِ الأوَّلِينَ وقَطْعِ دابِرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ حِكايَةِ إنْشاءِ هَؤُلاءِ عَلى حِكايَةِ مَبادِي إهْلاكِ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الأنبياء 21:12
﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأهْلِ لا لِقَوْمٍ آخَرِينَ إذْ لا ذَنْبَ لَهم يَقْتَضِي ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكَلامُ، والإحْساسُ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا بِحاسَّتِهِمْ عَذابَنا الشَّدِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِمّا يُدْرَكُ بِإحْدى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في البَأْسِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ ويَكُونَ الإحْساسُ تَخْيِيلًا وأنْ يَكُونَ الإحْساسُ مَجازًا عَنْ مُطْلَقِ الإدْراكِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا ذَلِكَ ﴿إذا هم مِنها﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ مِنَ البَأْسِ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ في مَعْنى النِّقْمَةِ والبَأْساءِ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وهي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْكُضُونَ﴾ وإذا فُجائِيَّةٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ لَمّا، ورَكَضَ مِن بابِ قَتَلَ بِمَعْنى ضَرَبَ الدّابَّةَ بِرِجْلِهِ وهو مُتَعَدٍّ، وقَدْ يُرادُ لازِمًا كَرَكَضَ الفَرَسُ بِمَعْنى جَرى كَما قالَهُ أبُو زَيْدٍ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ، والرَّكْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الهَرَبِ أيْ فَإذا هم يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ راكِضِينَ دَوابَّهم.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُشَبَّهِينَ بِمَن يَرْكُضُ الدَّوابَّ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً ولا مانِعَ مِن حَمَلِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى ما قِيلَ
الأنبياء 21:13
﴿لا تَرْكُضُوا﴾ أيْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ، والقائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَلائِكَةَ العَذابِ أوْ مَن كانَ ثَمَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ عَلى الرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنْ يَكُونَ القائِلُ مِن جَيْشِ بُخْتَنَصَّرَ وأرادَ بِذَلِكَ خَدْعَهم والِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ، وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُجْعَلُونَ خُلَقاءَ، بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ عَلى مَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في الرَّكْضِ والفِرارِ مِنَ العَذابِ بَعْدَ الإتْرافِ والتَّنْعِيمِ بِحَيْثُ مَن رَآهم قالَ لا تَرْكُضُوا ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ مِنَ النِّعَمِ والتَّلَذُّذِ والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وفي ظَرْفِيَّةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها سَبَبِيَّةً ﴿ومَساكِنِكُمْ﴾ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتَخِرُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ تَقْصِدُونَ لِلسُّؤالِ والتَّشاوُرِ والتَّدْبِيرِ في المُهِمّاتِ والنَّوازِلِ أوْ تَسْألُونَ عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَنازِلِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ أوْ يَسْألُكم حَشَمُكم وعَبِيدُكم فَيَقُولُوا لَكم بِمَ تَأْمُرُونَ ماذا تَرْسُمُونَ وكَيْفَ نَأْتِي ونَذَرَ كَما كُنْتُمْ مِن قَبْلُ أوْ يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ نَوالَكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَكم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ، وقِيلَ عَلى الرِّوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ المَعْنى لَعَلَّكم تَسْألُونَ صُلْحًا أوْ جِزْيَةً أوْ أمْرًا تَتَّفِقُونَ مَعَ المَلِكِ عَلَيْهِ، وقِيلَ المُرادُ بِمَساكِنِهِمُ النّارُ فَيَكُونُ المُرادُ بِارْجِعُوا إلى مَساكِنِكُمُ ادْخُلُوا النّارَ تَهَكُّمًا، والمُرادُ بِالسُّؤالِ السُّؤالُ عَنِ الأعْمالِ أوِ المُرادُ بِهِ العَذابُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ أيِ ادْخُلُوا النّارَ كَيْ تُسْألُوا أوْ تُعَذَّبُوا عَلى ظُلْمِكم وتَكْذِيبِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.
الأنبياء 21:14
﴿قالُوا﴾ لَمّا يَئِسُوا مِنَ الخَلاصِ بِالهَرَبِ وأيْقَنُوا اسْتِيلاءَ العَذابِ ﴿يا ويْلَنا﴾ يا هَلاكَنا ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَوْجَبِينَ لِلْعَذابِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِالظُّلْمِ واسْتِتْباعُهُ لِلْعَذابِ ونَدَمٌ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، وقِيلَ عَلى الرِّوايَةِ السّالِفَةِ إنَّ هَذا النَّدَمَ والِاعْتِرافَ كانَ مِنهم حِينَ أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ ونادى مُنادٍ
صفحة 17
مِنَ السَّماءِ يا لَثاراتِ الأنْبِياءِ
الأنبياء 21:15
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ أيْ فَما زالُوا يُرَدِّدُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وتَسْمِيَتُها دَعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ فَإنَّهُ يُقالُ دَعا دَعْوى ودَعْوَةً لِأنَّ المَوْلُولَ كَأنَّهُ يَدْعُو الوَيْلَ قائِلًا يا ويْلُ تَعالَ فَهَذا أوانُكَ.
وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَ ( تِلْكَ ) اسْمَ زالَ ( ودَعْواهم ) خَبَرَها والعَكْسُ، قالَ أبُو حَيّانَ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَبْلَهُمُ الزَّجّاجُ وأمّا أصْحابُنا المُتَأخِّرُونَ فَعَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها مُشَبَّهٌ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ فَكَما لا يَجُوزُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ إذا أوْقَعَ ذَلِكَ في اللَّبْسِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الإعْرابِ لا يَجُوزُ في بابِ كانَ ولَمْ يُنازِعْ فِيهِ أحَدٌ إلّا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ الحاجِّ مِن نُبَهاءِ تَلامِيذِ الشَّلُوبِينَ اهَـ.
وقالَ الفاضِلُ الخَفاجِيُّ: إنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِّ في كِتابِ المَدْخَلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التِباسٌ وأنَّهُ مِن عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ الِالتِباسِ وهو أنْ يُفْهَمَ مِنهُ خِلافُ المُرادِ والإجْمالِ وهو أنْ لا يَتَعَيَّنَ فِيهِ أحَدُ الجانِبَيْنِ. ولِأجْلِ هَذا جَوَّزَهُ، وما ذَكَرَهُ مَحَلُّ كَلامٍ وتَدَبُّرٍ.
وفِي حَواشِيِّ الفاضِلِ البَهْلَوانِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ إنَّ هَذا في الفاعِلِ والمَفْعُولِ وفي المُبْتَدَأِ والخَبَرِ إذا انْتَفى الإعْرابُ، والقَرِينَةُ مُسَلَّمٌ مُصَرَّحٌ بِهِ، وأمّا في بابِ كانَ وأخَواتِها فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ اهَـ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ بابِ كانَ وغَيْرِها مِمّا ذُكِرَ وإنْ سُلِّمَ عَدَمُ التَّصْرِيحِ لِاشْتِراكِ ما ذَكَرُوهُ عِلَّةً لِلْمَنعِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ إلى الِالتِباسِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الإجْمالِ لا سِيَّما في الآيَةِ في رَأْيٍ فافْهَمْ ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ أيْ إلى أنْ جَعَلْناهم بِمَنزِلَةِ النَّباتِ المَحْصُودِ والنّارِ الخامِدَةِ في الهَلاكِ قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ المِفْتاحِ ثُمَّ قالَ في ذَلِكَ اسْتِعارَتانِ بِالكِنايَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ وهو ضَمِيرُ ﴿جَعَلْناهُمْ﴾ حَيْثُ شُبِّهَ بِالنَّباتِ وبِالنّارِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ وأُرِيدَ بِهِ المُشَبَّهُ بِهِما أعْنِي النَّباتَ والنّارَ ادِّعاءً بِقَرِينَةِ أنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ الحَصادُ الَّذِي هو مِن خَواصِّ النَّباتِ والخُمُودُ الَّذِي هو مِن خَواصِّ النّارِ، ولا يُجْعَلُ مِن بابِ التَّشْبِيهِ مِثْلِ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لِأنَّ جَمْعَ ( خامِدِينَ ) جَمْعَ العُقَلاءِ يُنافِي التَّشْبِيهَ إذْ لَيْسَ لَنا قَوْمٌ خامِدُونَ يُعْتَبَرُ تَشْبِيهَ أهْلِ القَرْيَةِ بِهِمْ إذِ الخُمُودُ مِن خَواصِّ النّارِ بِخِلافِ الصَّمَمِ مَثَلًا فَإنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنزِلَةِ هم كَقَوْمٍ صُمٍّ وكَذا يُعْتَبَرُ ﴿حَصِيدًا﴾ بِمَعْنى مَحْصُودِينَ عَلى اسْتِواءِ الجَمْعِ والواحِدِ في فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِيُلائِمَ ﴿خامِدِينَ﴾ نَعَمْ يَجُوزُ تَشْبِيهُ هَلاكِ القَوْمِ بِقَطْعِ النَّباتِ وخُمُودِ النّارِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الوَصْفَيْنِ انْتَهى، وكَذا في شَرْحِ المِفْتاحِ لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ بَيْدَ أنَّهُ جُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ ﴿حَصِيدًا﴾ فَقَطْ مِن بابِ التَّشْبِيهِ بِناءً عَلى ما في الكَشّافِ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ كَما تَقُولُ جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، وجَعْلَ غَيْرُ واحِدٍ إفْرادَ الحَصِيدِ لِهَذا التَّأْوِيلِ فَإنَّ مَثَلًا لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ وهو الخَبَرُ حَقِيقَةً في التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ويَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ صِحَّةُ الرِّجالُ أسَدٌ وهو كَما تَرى، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِ الشّارِحَيْنِ: إذْ لَيْسَ لَنا إلَخْ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا مَعَ أنَّ مَدارَ ما ذَكَراهُ مِن كَوْنِ ( خامِدِينَ ) لا يَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ جَمْعُهُ جَمْعَ العُقَلاءِ المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنّارِ حَتّى لَوْ قِيلَ خامِدَةً كانَ تَشْبِيهًا، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّرِيفُ في حَواشِيهِ لَكِنَّهُ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ لِأنَّهُ لَمّا صَحَّ الحَمْلُ في التَّشْبِيهِ ادِّعاءً فَلِمَ لا يَصِحُّ جَمْعُهُ لِذَلِكَ ولَوْلاهُ لَما صَحَّتِ الِاسْتِعارَةُ أيْضًا وذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والفاضِلُ اليَمَنِيُّ إلى التَّشْبِيهِ في المَوْضِعَيْنِ فَفي الآيَةِ أرْبَعَةُ احْتِمالاتٍ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ و( خامِدِينَ ) مَعَ حَصِيدًا في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ كَجَعَلْتُهُ حُلْوًا حامِضًا، والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِلْحَصادِ والخُمُودِ أوْ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخامِدِ أوْ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخُمُودِ أوْ جَعَلْناهم هالِكِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَلا يُرادُ أنَّ الجَعْلَ نَصَبَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ
صفحة 18
هُنا وهو مِمّا يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أوْ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿جَعَلْناهُمْ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في ﴿حَصِيدًا﴾ أوْ هو صِفَةٌ لَحَصِيدًا وهو مُتَعَدِّدُ مَعْنًى، واعْتَرَضَ بَعْضُهم بِأنَّ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُ مَعَ كَوْنِهِ تَشْبِيهًا أُرِيدَ بِهِ ما لا يَعْقِلُ يَأْباهُ كَوْنُهُ لِلْعُقَلاءِ.
الأنبياء 21:16
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أيْ ما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِن أصْنافِ الخَلائِقِ مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ والعَجائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم وسائِرَ زَخارِفِهِمْ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ وإنَّما سَوَّيْناها لِلْفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والحِكَمِ الرَّبّانِيَّةِ كَأنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلِاعْتِبارِ ودَلِيلًا لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ مَنافِعَ لا تُحْصى وحِكَمٍ لا تُسْتَقْصى، وحاصِلُهُ ما خَلَقْنا ذَلِكَ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ الفِعْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ مَقْصِدٌ صَحِيحٌ لِبَيانِ كَمالِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وهَذا الكَلامُ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالَمِ وإبْداعَ بَنِي آدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ مَعَ التَّخَلُّصِ إلى وعِيدِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَشْفِ أنَّ الآياتِ لِإثْباتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِ تِلْكَ المَطاعِنِ السّابِقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ تُكَرَّرَ في الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العِبادَةُ والمَعْرِفَةُ وجَزاءُ مَن قامَ بِهِما ومَن لَمْ يَقُمْ ولَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ إلّا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَمُنْكِرُ الرِّسالَةِ جاعِلُ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَعِبًا تَعالى خالِقُهُما وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ نَقْصٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومُنْكِرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جَعَلَ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدَيْهِ مِن بابِ العَبَثِ واللَّعِبِ فَفِيهِ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَسادُ تِلْكَ المَطاعِنِ كُلِّها.
الأنبياء 21:17
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ انْتِفاءِ اللَّعِبِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ لَوْ أرَدْنا اتِّخاذَ لَهْوٍ لَكانَ اتِّخاذُ لَهْوٍ مِن جِهَتِنا أيْ لَهْوًا إلَهِيًّا أيْ حِكْمَةً اتَّخَذْتُمُوها لَهْوًا مِن جِهَتِكم وهَذا عَيْنُ الجِدِّ والحِكْمَةِ فَهو في مَعْنى لَوْ أرَدْناهُ لامْتَنَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِذَلِكَ المَعْنى مُبالَغَةً في الِامْتِناعِ عَلى أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ وجَوابَها مَحْذُوفٌ أيْ ( إنْ كُنّا فاعِلِينَ ) ما يُوصَفُ بِفِعْلِهِ بِاللَّهْوِ فَكَهَذا يَكُونُ فِعْلُنا ولَوْ حُمِلَ عَلى النَّفْيِ لِيَكُونَ تَصْرِيحًا بِنَتِيجَةِ السّابِقِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ لَكانَ حَسَنًا بالِغًا انْتَهى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، وجَعَلَ حاصِلَ المَعْنى أنّا لَوْ أرَدْنا ذَلِكَ لاتَّخَذْنا فَإنّا قادِرُونَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ إلّا إنّا لَمْ نُرِدْهُ لَأنَّ الحِكْمَةَ صارِفَةٌ عَنْهُ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ تَفْسِيرَهُ ذَلِكَ بِالقُدْرَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ، وقَدْ فَسَّرَهُ بِهِ أيْضًا البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وظاهِرُهُ أنَّ اتِّخاذَ اللَّهْوِ داخِلٌ تَحْتَ القُدْرَةِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ تَعالى امْتِناعًا ذاتِيًّا والمُمْتَنِعُ لا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ صِدْقَ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي صِدْقَ الطَّرَفَيْنِ فَهو تَعْلِيقٌ عَلى امْتِناعِ الإرادَةِ أوْ يُقالُ الحِكْمَةُ غَيْرُ مُنافِيَةٍ لِاتِّخاذِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَهّى بِهِ وإنَّما تُنافِي أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ لاهِيًا بِهِ فَلا امْتِناعَ في الِاتِّخاذِ بَلْ في وصْفِهِ انْتَهى.
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ العَبَثَ لِكَوْنِهِ نَقْصًا مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِ تَعالى فَتَرْكُهُ واجِبٌ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ونَحْنُ وإنْ لَمْ نَقُلْ بِالوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى لَكُنّا قائِلُونَ بِالوُجُوبِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ الكَلَنْبَوِيُّ: إنَّ
صفحة 19
مَذْهَبَ الماتُرِيدِيَّةِ المُثْبِتِينَ لِلْأفْعالِ جِهَةً مُحَسِّنَةً أوْ مُقَبِّحَةً قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّهُ إنْ كانَ في الفِعْلِ جِهَةٌ تَقْتَضِي القُبْحَ فَذَلِكَ الفِعْلُ مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى فَتَرْكُهُ واجِبٌ عَنْهُ سُبْحانَهُ ولا واجِبَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَلِكَ كالتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ عِنْدَهم كالكَذِبِ عِنْدَ مُحَقِّقِي الأشاعِرَةِ والماتُرِيدِيَّةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تِلْكَ الجِهَةُ فَذَلِكَ الفِعْلُ مُمْكِنٌ لَهُ تَعالى ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهم يُوافِقُونَ الأشاعِرَةَ في أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهى.
ومَن أنْكَرَ أنَّ كَوْنَ العَبَثِ نَقْصًا كالكَذِبِ فَقَدْ كابَرَ عَقْلُهُ، وأبْلَغُ مِن هَذا أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ القَوْلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ مُطْلَقِ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَلْزَمَ أحَدٌ المُحالاتِ المَشْهُورَةِ وأنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ الإصْحابِ المَوْجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى نَفْيُ الوُجُوبِ في الخُصُوصِيّاتِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، ولَعَلَّهُ حِينَئِذٍ يُرادُ بِالوُجُوبِ لُزُومُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْهُ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن تَرْكِهِ بِناءً عَلى اسْتِلْزامِهِ مُحالًا بَعْدَ صُدُورِ مُوجِبِهِ اخْتِيارًا لا مُطْلَقًا ولا بِشَرْطِ تَمامِ الِاسْتِعْدادِ لِئَلّا يَلْزَمَ رَفْضُ قاعِدَةِ الِاخْتِيارِ كَما لا يُلْزِمُ رَفْضُها في اخْتِيارِ الإمامِ الرّازِيِّ ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ الأشاعِرَةِ مِن لُزُومِ العِلْمِ لِلنَّظَرِ عَقْلًا، ومَعَ هَذا يَنْبَغِي التَّحاشِي عَنْ إطْلاقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.
وقِيلَ مَعْنى مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِحَضْرَتِنا مِنَ المُجَرَّداتِ أيْ لاتَّخَذْناهُ مِن ذَلِكَ لا مِنَ الأجْرامِ المَرْفُوعَةِ والأجْسامِ المَوْضُوعَةِ كَدَيْدَنِ الجَبابِرَةِ في رَفْعِ العُرُوشِ وتَحْسِينِها وتَسْوِيَةِ الفُرُوشِ وتَزْيِينِها انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى إنْكارِ المُجَرَّداتِ ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذُكِرَ المُرادُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ اتِّخاذَ اللَّهْوِ في هَذا العالَمِ لا أنَّهُ يَجُوزُ اتِّخاذُهُ مِنَ المُجَرَّداتِ بَلْ هو فِيها أظْهَرُ في الِاسْتِحالَةِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ المَعْنى لَوْ أرَدْنا اتِّخاذَ اللَّهْوِ لاتَّخَذْناهُ مِن عِنْدِنا بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ لِأنَّهُ نَقْصٌ فَسَتْرُهُ أوْلى أوْ هو أسْرَعُ تَبادُرًا مِمّا في الكَشْفِ وذَلِكَ أبْعَدُ مَغْزًى، وقالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: اللَّهْوُ طَلَبُ التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ ثُمَّ المَرْأةُ تُسَمّى لَهْوًا وكَذا الوَلَدُ لِأنَّهُ يُسْتَرْوَحُ بِكُلٍّ مِنهُما ولِهَذا يُقالُ لِامْرَأةِ الرَّجُلِ ووَلَدِهِ رَيْحانَتاهُ، والمَعْنى لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ امْرَأةً ذاتَ لَهْوٍ أوْ ولَدًا ذا لَهْوٍ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا أيْ مِمّا نَصْطَفِيهِ ونَخْتارُهُ مِمّا نَشاءُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزُّمُرَ: 4] وقالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ مِنَ الحُورِ العِينِ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ وقَوْلِ النَّصارى في المَسِيحِ وأُمِّهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا وكَوْنِها صاحِبَةً، ومَعْنى ﴿مِن لَدُنّا﴾ مِن عِنْدِنا بِحَيْثُ لا يَجْرِي لِأحَدٍ فِيهِ تَصَرُّفٌ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ انْتَهى.
وتَفْسِيرُ اللَّهْوِ هُنا بِالوَلَدِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ الوَلَدُ بِلُغَةِ حَضْرَمَوْتَ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المَرْأةِ حَكاهُ قَتادَةُ عَنْ أهْلِ اليَمَنِ ولَمْ يَنْسُبْهُ لِأهْلِ بَلْدَةٍ مِنهُ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ أصْلَهُ الجِماعُ ويُكَنّى بِهِ عَنِ المَرْأةِ لِأنَّها تُجامَعُ وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبُرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوُ أمْثالِي
والظّاهِرُ حَمْلُ اللَّهْوِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ولِأنَّ نَفْيَ الوَلَدِ سَيَجِيءُ مُصَرَّحًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كَوْنَ المُرادِ الرَّدَّ عَلى النَّصارى وأضْرابِهِمْ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ السِّياقِ أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ والجَوابَ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنّا فاعِلِينَ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا وكَوْنُها نافِيَةً وإنْ كانَ حَسَنًا مَعْنًى وقَدْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنهم مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِأنَّ أكْثَرَ مَجِيءِ إنِ النّافِيَةِ مَعَ اللّامِ الفارِقَةِ لَكِنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ،
الأنبياء 21:18
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾
صفحة 20
إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ بَلْ عَنْ إرادَةِ الِاتِّخاذِ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنّا لا نُرِيدُهُ بَلْ شَأْنُنا أنْ نُغَلِّبَ الحَقَّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِدُّ عَلى الباطِلِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ اللَّهْوُ، وتَخْصِيصُ هَذا الشَّأْنِ مِن بَيْنِ سائِرِ شُؤُونِهِ تَعالى بِالذِّكْرِ لِلتَّخَلُّصِ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الوَعِيدِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ والباطِلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ الحَقُّ الحُجَّةُ والباطِلُ شَبَهُهم ووَصْفُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ، والعُمُومُ هو الأوْلى، وأصْلُ القَذْفِ الرَّمْيُ البَعِيدُ كَما قالَ الرّاغِبُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِصَلابَةِ الرَّمْيِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْإيرادِ أيْ نُورِدُ الحَقَّ عَلى الباطِلِ.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أيْ يَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلْنا بِأهْلِ القُرى المُحْكَمَةِ، وأصْلُ الدَّمْغِ كَسْرُ الشَّيْءِ الرَّخْوِ الأجْوَفِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْمَحْقِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَمْثِيلٌ لِغَلَبَةِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ حَتّى يُذْهِبَهُ بِرَمْيِ جِرْمٍ صُلْبٍ عَلى رَأْسِ دِماغِهِ رَخْوٍ لِيَشُقَّهُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ الحَقِّ وتَسَفُّلِ الباطِلِ وأنَّ جانِبَ الأوَّلِ باقٍ والثّانِي فانٍ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الحَقِّ بِشَيْءٍ صُلْبٍ يَجِيءُ مِن مَكانٍ عالٍ والباطِلِ بِجِرْمٍ رَخْوٍ أجْوَفَ سافِلٍ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّمْثِيلِ أمْثَلُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فَيَدْمَغَهُ ) بِالنَّصْبِ، وضَعُفَ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما يَنْتَصِبُ بِإضْمارِ أنْ لا بِالفاءِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ في جَوابِ الأشْياءِ السِّتَّةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها ولَمْ يُرَ مِثْلُهُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ في هَذا إنَّ أسْتَرِيحا لَيْسَ مَنصُوبًا بَلْ مَرْفُوعٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِالألِفِ، ووُجِّهَ بِأنَّ النَّصْبَ في جَوابِ المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ وهو يُشْبِهُ التَّمَنِّيَ في التَّرَقُّبِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى في الآيَةِ لَيْسَ عَلى خُصُوصِ المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ قالُوا إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ في البَيْتِ ضَعِيفٌ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ أضْعَفَ مِنهُ مَأْخَذًا والعَطْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحَقِّ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والمَعْنى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ فَنَدْمَغُهُ عَلى الباطِلِ أيْ نَرْمِي بِالحَقِّ فَإبْطالُهُ بِهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مِن قَبِيلِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا صَحَّ، واسْتُظْهِرَ أنَّ العَطْفَ عَلى المَعْنى أيْ نَفْعَلُ القَذْفَ فالدَّمْغَ، وقُرِئَ (فَيَدْمُغُهُ ) بِضَمِّ المِيمِ والغَيْنِ ﴿فَإذا هو زاهِقٌ﴾ أيْ ذاهِبٌ بِالكُلِّيَّةِ وفي إذا الفُجائِيَّةِ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ المُسارَعَةِ في الذَّهابِ والبُطْلانِ ما لا يَخْفى فَكَأنَّهُ زاهِقٌ مِنَ الأصْلِ.
﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ أوْ لِجَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ لَهم أيْضًا مِثْلَ ما لِأُولَئِكَ مِنَ العَذابِ والعِقابِ، وما تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الوَيْلِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ومُسْتَقِرٌّ لَكُمُ الوَيْلُ والهَلاكُ مِن أجْلِ وصْفِكم لَهُ تَعالى بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ تَعالى شَأْنُهُ أوْ بِالَّذِي تَصِفُونَهُ أوْ بِشَيْءٍ تَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ ونَحْوِهِ أوْ كائِنًا مِمّا تَصِفُونَهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ، وكَوْنُ الخِطابِ لِمَن سَمِعْتَ مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ ولا بُعْدَ، وأبْعَدُ كُلَّ البُعْدِ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ القُرى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ إلَيْهِ.
الأنبياء 21:19
﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِهِ تَعالى لِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ونِظامٍ كامِلٍ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِقُّ الحَقَّ ويُزْهِقُ الباطِلَ، وقِيلَ هو عَدِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ﴾ وهو كَما تَرى أيْ ولَهُ تَعالى خاصَّةً جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَدْبِيرًا وتَصَرُّفًا وإحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ أنْ
صفحة 21
يَكُونَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ دَخْلٌ ما اسْتِقْلالًا واسْتِتْباعًا، وكَأنَّهُ أُرِيدَ هُنا إظْهارُ مَزِيدِ العَظَمَةِ فَجِيءَ بِالسَّماواتِ جَمْعًا عَلى مَعْنى لَهُ كُلُّ مَن هو في واحِدَةٍ واحِدَةٍ مِنَ السَّماواتِ ولَمْ يُرِدْ فِيما مَرَّ سِوى بَيانِ اشْتِمالِ هَذا السَّقْفِ المُشاهَدِ والفِراشِ المُمَهَّدِ وما اسْتَقَرَّ بَيْنَهُما عَلى الحِكَمِ الَّتِي لا تُحْصى فَلِذا جِيءَ بِصِيغَةِ الإفْرادِ دُونَ الجَمْعِ.
وفِي الإتْقانِ حَيْثُ يُرادُ العَدَدُ يُؤْتى بِالسَّماءِ مَجْمُوعَةً وحَيْثُ يُرادُ الجِهَةُ يُؤْتى بِها مُفْرَدَةً ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ مُطْلَقًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ عِنْدِيَّةُ الشَّرَفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانِ وقَدْ شُبِّهَ قُرْبُ المَكانَةِ والمَنزِلَةِ بِقُرْبِ المَكانِ والمَسافَةِ فَعُبِّرَ عَنِ المُشَبَّهِ بِلَفْظٍ دالٍّ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ.
وقِيلَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ تَنْزِيلًا لَهم لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَنزِلَةَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيْ لا يَتَعَظَّمُونَ عَنْها ولا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أيْ لا يَكِلُّونَ ولا يَتْعَبُونَ يُقالُ حَسَرَ البَعِيرُ واسْتَحْسَرَ كُلَّ وتَعِبَ وحَسَرْتُهُ أنا فَهو مُتَعَدٍّ ولازِمٌ ويُقالُ أيْضًا أحْسَرْتُهُ بِالهَمْزِ.
والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِحْسارَ حَيْثُ لا طَلَبَ كَما هُنا أبْلَغُ مِنَ الحُسُورِ فَإنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، والمُرادُ مِنَ الِاتِّحادِ بَيْنَهُما الدّالِّ عَلَيْهِ كَلامُهُمُ الِاتِّحادُ في أصْلِ المَعْنى، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عِبادَتَهم بِثِقَلِها ودَوامِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُسْتَحْسَرَ مِنها ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَحْسِرُونَ ولَيْسَ لِنَفْيِ المُبالَغَةِ في الحُسُورِ مَعَ ثُبُوتِ أصْلِهِ في الجُمْلَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتَ: 46] عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المَشْهُورَةِ فِيهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى مَنِ الأُولى وأمْرُ تَفْسِيرِهِ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى حالِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا العَطْفَ لِكَوْنِ المَعْطُوفِ أخَصَّ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ كالعَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ [القَدْرَ: 4] في الدَّلالَةِ عَلى رِفْعَةِ شَأْنِ المَعْطُوفِ وتَعْظِيمِهِ حَيْثُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في عُمُومِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّما أُفْرِدَ لِأنَّهُ أعَمُّ مِن وجْهٍ فَإنَّ مَن في الأرْضِ يَشْمَلُ البَشَرَ ونَحْوَهم وهو يَشْمَلُ الحافِّينَ بِالعَرْشِ دُونَهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَعالٍ عَنِ التَّبَوُّءِ والِاسْتِقْرارِ في السَّماءِ والأرْضِ، وكَأنَّ هَذا مَيْلٌ إلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ نَوْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ الإسْلامِ لا يَقُولُونَ بِتَجَرُّدِ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ. والمَشْهُورُ عَنِ القائِلِينَ بِهِ القَوْلُ بِتَجَرُّدِ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا لا بِتَجَرُّدِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.
ثُمَّ إنَّ أبا البَقاءِ جَوَّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَفَعَ بِالظَّرْفِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الَّذِي هو الخَبَرُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عِنْدَهُ ) ويَتَعَيَّنُ أحَدُ الأخِيرَيْنِ عِنْدَ مَن يُعْرِبُ مَن مُبْتَدَأً ولا يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ ولا يَخْفى.
وجَوَّزَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والأظْهَرُ جَعْلُها خَبَرًا لِمَن عِنْدَهُ، وفي بَعْضِ أوْجُهِ الحالِيَّةِ ما لا يَخْفى،
الأنبياء 21:20
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا يَصْنَعُونَ في عِبادَتِهِمْ أوْ كَيْفَ يَعْبُدُونَ فَقِيلَ ( يُسَبِّحُونَ ) إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يُسَبِّحُونَ ) عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والحالِيَّةِ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ أنْ يَكُونَ هَذا حالًا مِن
صفحة 22
ضَمِيرِ ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) أيْضًا ولا يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ كَوْنُهُ حالًا مِنهُ لِلْفَصْلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا والمَعْنى يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ في كُلِّ الأوْقاتِ لا يَتَخَلَّلُ تَسْبِيحَهم فَتْرَةٌ أصْلًا بِفَراغٍ أوْ شُغُلٍ آخَرَ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مَعَ أنَّ مِنهم رُسُلًا يُبَلِّغُونَ الرِّسالَةَ ولا يَتَأتّى التَّسْبِيحُ حالَ التَّبْلِيغِ ومِنهم مَن يَلْعَنُ الكَفَرَةَ كَما ورَدَ في آيَةٍ أُخْرى. وقَدْ سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَرْثِ بْنِ نَوْفَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ فَأجابَ بِأنَّهُ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كالتَّنَفُّسِ فَلا يَمْنَعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِشَيْءٍ آخَرَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا، وقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهم ألْسِنَةً فَيُسَبِّحُونَ بِبَعْضٍ ويُبَلِّغُونَ مَثَلًا بِبَعْضٍ آخَرَ، وقِيلَ تَبْلِيغُهم ولَعْنُهُمُ الكَفَرَةَ تَسْبِيحٌ مَعْنًى.
وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى بَعْضِهِمْ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ كَما يُقالُ فُلانٌ لا يَفْتُرُ عَنْ ثَنائِكَ وشُكْرِ آلائِكَ انْتَهى. ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا التَّسْبِيحَ كالحُضُورِ والذِّكْرِ القَلْبِيِّ الَّذِي يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنَ السّالِكِينَ وذَلِكَ مِمّا يَجْتَمِعُ مَعَ التَّبْلِيغِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم في السَّماءِ لَيْلٌ ونَهارٌ لِأنَّ المُرادَ إفادَةُ دَوامِهِمْ عَلى التَّسْبِيحِ عَلى الوَجْهِ المُتَعارَفِ،
الأنبياء 21:21
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ هي أعْظَمُ مِن جِنايَةِ طَعْنِهِمْ في النُّبُوَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ وتُقَدَّرُ بِبَلِ الإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ هي لِإنْكارِ الوُقُوعِ لا إنْكارِ الواقِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذُوا ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ اتِّخاذَهم إيّاها مُبْتَدَأٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ كالحِجارَةِ وأنْواعِ المَعادِنِ ويَجُوزُ كَوْنُها تَبْعِيضِيَّةً.
وقالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقْعَ صِفَةً لِآلِهَةٍ أيْ آلِهَةٌ كائِنَةٌ مِن جِنْسِ الأرْضِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ التَّحْقِيرُ لا التَّخْصِيصُ، ومَن جَوَّزَهُ التَزَمَ تَخْصِيصَ الإنْكارِ بِالشَّدِيدِ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ أيْ يَبْعَثُونَ المَوْتى صِفَةً لِآلِهَةٍ وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الإنْكارُ والتَّجْهِيلُ والتَّشْنِيعُ لا نَفْسُ الِاتِّخاذِ فَإنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ أيْ بَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم خاصَّةً مَعَ حَقارَتِهِمْ وجَمادِيَّتِهِمْ يَنْشُرُونَ المَوْتى كَلّا فَإنَّ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ وهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ صَرِيحًا لَكِنَّهم حَيْثُ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الإنْشارَ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ حَتْمًا ومَعْنى التَّخْصِيصِ في تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ وما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِلْإنْشارِ المُوجِبَةِ لِمَزِيدِ الإنْكارِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبْراهِيمَ: 10] لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ أمْرِهِ تَعالى لِأنْ يُشَكَّ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن مُسْتَتْبَعاتِ ادِّعائِهِمُ الباطِلِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالإبْداءِ، والإعادَةِ فَحَيْثُ ادَّعَوْا لِلْأصْنامِ الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُمُ الِاسْتِقْلالَ بِالإنْشارِ كَما أنَّهم جُعِلُوا بِذَلِكَ مُدَّعِينَ لِأصْلِ الإنْشارِ قالَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ، وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلتَّقْوى، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن إفادَتِهِ مَعْنى التَّخْصِيصِ تَبِعَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيَّ، وفي الكَشْفِ الدّاعِي إلى تَرْجِيحِهِ عَلى التَّقْوى أنَّهُ تَرْشِيحٌ لِما أبْداهُ أوَّلًا مِن أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَصِحُّ دُونَ القُدْرَةِ عَلى الإنْشارِ ولا وجْهَ لِتَجْوِيزِ كَوْنِهِ فَصْلًا انْتَهى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مُقَدَّرًا مَعَها اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِبَيانِ عِلَّةِ إنْكارِ الِاتِّخاذِ، ولَعَلَّ مُجَوِّزَ ذَلِكَ لا يُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِ مَعْنى الهَمْزَةِ في أمِ المُنْقَطِعَةِ إنْكارَ الوُقُوعِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ إنْكارَ الواقِعِ، وتَفْسِيرُ ﴿يُنْشِرُونَ﴾ يَبْعَثُونَ هو المَشْهُورُ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ قُطْرُبُ: هو بِمَعْنى يَخْلُقُونَ.
صفحة 23
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ (يَنْشِرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّهُ مِن نَشَرَ وهو وأنْشَرَ بِمَعْنًى وقَدْ يَجِيءُ نَشَرَ لازِمًا يُقالُ أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَوْتى فَنُشِرُوا،
الأنبياء 21:22
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ إبْطالٌ لِتَعَدُّدِ الإلَهِ وضَمِيرُ ( فِيهِما ) لِلسَّماءِ والأرْضِ والمُرادُ بِهِما العالَمُ كُلُّهُ عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً والمُرادُ بِالكَوْنِ فِيهِما التَّمَكُّنُ البالِغُ مِنَ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ لا التَّمَكُّنُ والِاسْتِقْرارُ فِيهِما كَما تَوَهَّمَهُ الفاضِلُ الكَلَنْبَوِيُّ، والظَّرْفُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ بِمَكانٍ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِآلِهَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزُّخْرُفَ: 84] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنْعامَ: 3] وجُعِلَ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِما ذُكِرَ ها هُنا بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى الخالِقِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا، و(إلّا ) المُغايِرَةُ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها فَهي بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ، وفي المَعْنى أنَّها تَكُونُ صِفَةً بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ فَيُوصَفُ بِها وبِتالِيها جَمْعٌ مُنَكَّرٌ أوْ شَبَهُهُ ومُثِّلَ لِلْأوَّلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المَعْنى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ وجَعَلَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ إشارَةً إلى أنَّ ( إلّا ) هُنا اسْمٌ بِمَعْنى صِفَةٍ لِما قَبْلَها وظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها لِكَوْنِها عَلى صُورَةِ الحَرْفِ كَما في ألِ المَوْصُولَةِ في اسْمِ الفاعِلِ مَثَلًا.
وأنْكَرَ الفاضِلُ الشَّمْنِيُّ كَوْنَها بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ في الِاسْمِيَّةِ لِما في حَواشِيِّ العَلّامَةِ الثّانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا فارِضٌ﴾ [البَقَرَةَ: 68] مِن أنَّهُ لا قائِلَ بِاسْمِيَّةِ إلّا الَّتِي بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ أنَّها بِمَنزِلَتِها في مُغايَرَةِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها ذاتًا أوْ صِفَةً، فَفي شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ أصْلُ غَيْرٍ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُفِيدَةً لِمُغايَرَةِ مَجْرُورِها لِمَوْصُوفِها إمّا بِالذّاتِ نَحْوُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ غَيْرِ زَيْدٍ وإمّا بِالصِّفَةِ نَحْوُ دَخَلْتُ بِوَجْهٍ غَيْرِ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ، وأصْلُ إلّا الَّتِي هي أُمُّ أدَواتِ الِاسْتِثْناءِ مُغايَرَةُ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها نَفْيًا أوْ إثْباتًا فَلَمّا اجْتَمَعَ ما بَعْدَ إلّا وما بَعْدَ غَيْرٍ في مَعْنى المُغايَرَةِ حُمِلَتْ إلّا عَلى غَيْرٍ في الصِّفَةِ فَصارَ ما بَعْدَ إلّا مُغايِرًا لِما قَبْلَها ذاتًا أوْ صِفَةً مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُغايَرَتِهِ لَهُ نَفْيًا أوْ إثْباتًا وحُمِلَتْ غَيْرُ عَلى إلّا في الِاسْتِثْناءِ فَصارَ ما بَعْدَها مُغايِرًا لِما قَبْلَها نَفْيًا أوْ إثْباتًا مِن غَيْرِ مُغايَرَتِهِ لَهُ ذاتًا أوْ صِفَةً إلّا أنَّ حَمْلَ غَيْرٍ عَلى إلّا أكْثَرُ مِن حَمْلِ إلّا عَلى غَيْرٍ لِأنَّ غَيْرَ اسْمٌ والتَّصَرُّفُ في الأسْماءِ أكْثَرُ مِنهُ في الحُرُوفِ فَلِذَلِكَ تَقَعُ غَيْرُ في جَمِيعِ مَواقِعِ إلّا انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادِرَ كَوْنُ إلّا حِينَ إفادَتِها مَعْنى غَيْرٍ اسْمًا وفي بَقائِها عَلى الحَرْفِيَّةِ مَعَ كَوْنِها وحْدَها أوْ مَعَ ما بَعْدَها بِجَعْلِهِما كالشَّيْءِ الواحِدِ صِفَةً لِما قَبْلَها نَظَرٌ ظاهِرٌ وهو في كَوْنِها وحْدَها كَذَلِكَ أظْهَرُ، ولَعَلَّ الخَفاجِيَّ لَمْ يَقُلْ ما قالَ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلى قائِلٍ بِاسْمِيَّتِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اضْطَرَّهُ إلى القَوْلِ بِذَلِكَ ما يَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِبَقائِها عَلى الحَرْفِيَّةِ، ولَعَمْرِي إنَّهُ أصابَ المَحْزُوَّ أنْ قالَ العَلّامَةُ ما قالَ، وكَلامُ الرَّضِيِّ لَيْسَ نَصًّا في أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ. ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِثْناءِ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِأنَّ ( آلِهَةٌ ) جَمْعٌ مُنَكَّرٌ في الإثْباتِ ومَذْهَبُ الأكْثَرِينَ كَما صُرِّحَ بِهِ في التَّلْوِيحِ أنَّهُ لا اسْتِغْراقَ لَهُ فَلا يَدْخُلُ فِيهِ ما بَعْدَها حَتّى يَحْتاجَ لِإخْراجِهِ بِها وهم يُوجِبُونَ دُخُولَ المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ في الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ ولا يَكْتَفُونَ بِجَوازِ الدُّخُولِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهم قامَ رِجالٌ إلّا زَيْدًا عَلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا وكَذا عَلى كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا بِناءً عَلى أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ وهو مَفْقُودٌ جَزْمًا، ومَن أجازَ الِاسْتِثْناءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ كالمُبَرِّدِ جَعَلَ الرَّفْعَ في الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى البَدَلِيَّةِ، واعْتُرِضَ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ النَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَوْ لِلشَّرْطِ وهو كالنَّفْيِ، وعَنْهُ أنَّهُ أجابَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ وامْتِناعُ الشَّيْءِ انْتِفاؤُهُ وزُعِمَ أنَّ التَّفْرِيغَ بَعْدَها جائِزٌ وأنَّ نَحْوَ لَوْ كانَ
صفحة 24
مَعَنا إلّا زَيْدٌ لَهَلَكْنا لَكانَ أجْوَدَ كَلامٍ وخالَفَ في ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ قالَ لَوْ قُلْتَ لَوْ كانَ مَعَنا المِثالُ لَكُنْتَ قَدْ أحَلْتَ.
ورُدَّ بِأنَّهم لا يَقُولُونَ لَوْ جاءَنِي دِيارٌ أكْرَمْتُهُ ولا لَوْ جاءَنِي مِن أحَدٍ أكْرَمْتُهُ ولَوْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ النّافِي لَجازَ ذَلِكَ كَما يَجُوزُ ما فِيها دِيارٌ وما جاءَنِي مِن أحَدٍ، وتَعَقَّبَهُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّ لِلْمُبَرِّدِ أنْ يَقُولَ: قَدْ أجْمَعْنا عَلى إجْراءِ أبى مُجْرى النَّفْيِ الصَّرِيحِ وأجَزْنا التَّفْرِيغَ فِيهِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ [الإسْراءَ: 89]، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التَّوْبَةَ: 32] مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أبى دِيارٌ المَجِيءَ وأبى مِن أحَدٍ الذَّهابَ فَما هو جَوابُكم عَنْ هَذا فَهو جَوابُنا.
وقالَ الرَّضِيُّ: أجازَ المُبَرِّدُ الرَّفْعَ في الآيَةِ عَلى البَدَلِ لِأنَّ في لَوْ مَعْنى النَّفْيِ وهَذا كَما أجازَ الزَّجّاجُ البَدَلَ في ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يُونُسَ: 98] الآيَةَ إجْراءً لِلتَّخْصِيصِ مُجْرى النَّفْيِ والأوْلى عَدَمُ إجْراءِ ذَيْنِكَ في جَوازِ الإبْدالِ والتَّفْرِيغِ مَعَهُما مُجْراهُ إذا لَمْ يُثْبَتِ انْتَهى.
وذَكَرَ المالِكِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ كَلامَ المُبَرِّدِ في المُقْتَضَبِ مِثْلُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ وأنَّ التَّفْرِيغَ والبَدَلَ بَعْدَ لَوْ غَيْرُ جائِزٍ، وكَذا لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ مِن جِهَةِ المَعْنى فَفي الكَشْفِ أنَّ البَدَلَ والِاسْتِثْناءَ في الآيَةِ مُمْتَنِعانِ مَعْنًى لِأنَّهُ إذْ ذاكَ لا يُفِيدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ انْتِفاءِ التَّعَدُّدِ ويُؤَدِّي إلى كَوْنِ الآلِهَةِ بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ في عِدادِهِمُ الإلَهُ الحَقُّ مُفْضٍ إلى الفَسادِ فَنَفْيُ الفَسادِ يَدُلُّ عَلى دُخُولِهِ فِيهِمْ وهو مِنَ الفَسادِ بِمَكانٍ ثُمَّ إنَّ الصِّفَةَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ مُؤَكِّدَةٌ صالِحَةٌ لِلْإسْقاطِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقَّةَ: 13] فَلَوْ قِيلَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَفَسَدَتا لَصَحَّ وتَأتّى المُرادُ. وقالَ الشَّلُوبِينُ. وابْنُ الصّائِغِ: لا يَصِحُّ المَعْنى حَتّى تَكُونَ إلّا بِمَعْنى غَيْرِ الَّتِي يُرادُ بِها البَدَلُ والعِوَضُ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى حِينَئِذٍ لَوْ كانَ فِيهِما عَدَدٌ مِنَ الآلِهَةِ بَدَلٌ وعِوَضٌ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ لَفَسَدَتا وذَلِكَ يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِما اثْنانِ هو عَزَّ وجَلَّ أحَدُهُما لَمْ تَفْسَدا وذَلِكَ باطِلٌ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ لا يَقْتَضِي هَذا المَفْهُومَ لِأنَّ مَعْناها لَوْ كانَ فِيهِما عَدَدٌ مِنَ الآلِهَةِ دُونَهُ أوْ بِهِ سُبْحانَهُ بَدَلًا مِنهُ وحْدَهُ عَزَّ وجَلَّ لَفَسَدَتا وذَلِكَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ فاعْرِفْ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ إرادَةُ المُغايَرَةِ، والمُرادُ بِالفَسادِ البُطْلانُ والِاضْمِحْلالُ أوْ عَدَمُ التَّكَوُّنِ، والآيَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُشِيرَةٌ إلى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ عَلى نَفْيِ تَعَدُّدِ الإلَهِ وهو قِياسٌ اسْتِثْنائِيٌّ اسْتُثْنِيَ فِيهِ نَقِيضُ التّالِي لِيَنْتُجَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ في العالَمِ لَفَسَدَ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْسَدْ يُنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّدِ الإلَهُ. وفي هَذا اسْتِعْمالٌ لِلَوْ غَيْرُ الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ.
قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ: إنَّ لَوْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ فَيُفْهَمُ مِنها ارْتِباطُ وُجُودِ الحالِيِّ بِوُجُودِ المُقَدَّمِ مَعَ انْتِفاءِ التّالِي فَيُعْلَمُ مِنهُ انْتِفاءُ المُقَدَّمِ وهو عَلى قِلَّتِهِ مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ يُقالُ: لَوْ كانَ زَيْدٌ في البَلَدِ لَجاءَنا لِيُعْلَمَ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾: وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّ أرْبابَ المَعْقُولِ قَدْ جَعَلُوا لَوْ أداةً لِلتَّلازُمِ دالَّةً عَلى لُزُومِ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى القَطْعِ بِانْتِفائِهِما ولِهَذا صَحَّ عِنْدَهُمُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ المُقَدَّمِ فَهم يَسْتَعْمِلُونَها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِلْمَ بِانْتِفاءِ الثّانِي عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ ضَرُورَةُ انْتِفاءِ المَلْزُومِ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى أنَّ عِلَّةَ انْتِفاءِ الجَزاءِ في الخارِجِ ما هي لِأنَّهم يَسْتَعْمِلُونَها في القِياساتِ لِاكْتِسابِ العُلُومِ والتَّصْدِيقاتِ ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ لا يُوجِبُ العِلْمَ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ وإذا تَصَفَّحْنا وجَدْنا اسْتِعْمالَها عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ أكْثَرَ لَكِنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ عَلى قاعِدَتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما﴾ إلَخْ لِظُهُورِ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّصْدِيقُ بِانْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لا بَيانُ سَبَبِ انْتِفاءِ الفَسادِ اهَـ. وفِيهِ بَحْثٌ يَدْفَعُ بِالعِنايَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ نَحْوَ هَذا القَوْلِ فَقَدْ قالَ الشَّلُوبِينُ، وابْنُ عُصْفُورٍ: إنَّ لَوْ
صفحة 25
لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ بَيْنَ الحُصُولَيْنِ في الماضِي مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى امْتِناعِ الأوَّلِ والثّانِي كَما أنَّ إنَّ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ في الِاسْتِقْبالِ والظّاهِرُ أنَّ خُصُوصِيَّةَ المُضِيِّ ها هُنا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهم: أنَّ لَوْ هُنا لِانْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ كَما هو المَشْهُورُ فِيها ويَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ، ثُمَّ إنَّ العَلّامَةَ قالَ في شَرْحِ العَقائِدِ: إنَّ الحُجَّةَ إقْناعِيَّةٌ والمُلازَمَةَ عادِيَّةٌ عَلى ما هو اللّائِقُ بِالخِطابِيّاتِ فَإنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِوُقُوعِ التَّمانُعِ والتَّغالُبِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الحاكِمِ وإلّا فَإنْ أُرِيدَ الفَسادُ بِالفِعْلِ أيْ خُرُوجُهُما عَنْ هَذا النِّظامِ المُشاهَدِ فَمُجَرَّدُ التَّعَدُّدِ لا يَسْتَلْزِمُهُ لِجَوازِ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا النِّظامِ وإنْ أُرِيدَ إمْكانُ الفَسادِ فَلا دَلِيلَ عَلى انْتِفائِهِ بَلِ النُّصُوصُ شاهِدَةٌ بِطَيِّ السَّماواتِ ورَفْعِ هَذا النِّظامِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا لا مَحالَةَ.
وكَذا لَوْ أُرِيدَ بِفَسادِهِما عَدَمُ تَكَوُّنِهِما بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ صانِعانِ لَأمْكَنَ بَيْنَهُما تَمانَعٌ في الأفْعالِ فَلَمْ يَكُنْ أحَدُهُما صانِعًا فَلَمْ يُوجَدْ مَصْنُوعٌ لا تَكُونُ المُلازَمَةُ قَطْعِيَّةً لِأنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ لا يَسْتَلْزِمُ إلّا عَدَمَ تَعَدُّدِ الصّانِعِ وهو لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ المَصْنُوعِ عَلى أنَّهُ يُرَدُّ مَنعُ المُلازَمَةِ إنْ أُرِيدَ عَدَمُ التَّكَوُّنِ بِالفِعْلِ ومَنعُ انْتِفاءِ اللّازِمِ إنْ أُرِيدَ بِالإمْكانِ انْتَهى.
فَنُفِيَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ بُرْهانًا سَواءٌ حُمِلَ الفَسادُ عَلى الخُرُوجِ عَنِ النِّظامِ أوْ عَلى عَدَمِ التَّكَوُّنِ، وفِيهِ قَدْحٌ لِما أشارَ إلَيْهِ في شَرْحِ المَقاصِدِ مِن كَوْنِ كَوْنِها بُرْهانًا عَلى الثّانِي فَإنَّهُ بَعْدَ ما قَرَّرَ بُرْهانَ التَّمانُعِ قالَ: وهَذا البُرْهانُ يُسَمّى بُرْهانَ التَّمانُعِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ﴾ فَإنْ أُرِيدَ عَدَمُ التَّكَوُّنِ فَتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ تَعَدَّدَ الآلِهَةُ لَمْ تَتَكَوَّنِ السَّماءُ والأرْضُ لَأنَّ تَكَوُّنَهُما إمّا بِمَجْمُوعِ القُدْرَتَيْنِ أوْ بِكُلٍّ مِنهُما أوْ بِأحَدِهِما والكُلُّ باطِلٌ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مِن شَأْنِ الإلَهِ كَمالُ القُدْرَةِ وأمّا الأخِيرانِ فَلِما مَرَّ مِنَ التَّوارُدِ والرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ، وإنْ أُرِيدَ بِالفَسادِ الخُرُوجُ عَمّا هُما عَلَيْهِ مِنَ النِّظامِ فَتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَتِ الآلِهَةُ لَكانَ بَيْنَهُما التَّنازُعُ والتَّغالُبُ وتَمْيِيزُ صَنِيعِ كُلٍّ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِحُكْمِ اللُّزُومِ العادِيِّ فَلَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ أجْزاءِ العالَمِ هَذا الِالتِئامِ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صارَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ واحِدٍ ويَخْتَلُّ أمْرُ النِّظامِ الَّذِي فِيهِ بَقاءُ الأنْواعِ وتَرَتُّبُ الآثارِ انْتَهى، وذَلِكَ القَدْحُ بِأنْ يُقالَ: تَعَدُّدُ الإلَهِ لا يَسْتَلْزِمُ التَّمانُعَ بِالفِعْلِ بِطَرِيقِ إرادَةِ كُلٍّ مِنهُما وُجُودَ العالَمِ بِالِاسْتِقْلالِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةِ قُدْرَةِ الآخَرِ بَلْ إمْكانُ ذَلِكَ التَّمانُعِ والإمْكانُ لا يَسْتَلْزِمُ الوُقُوعَ فَيَجُوزُ أنْ لا يَقَعَ بَلْ يَتَّفِقانِ عَلى الإيجادِ بِالِاشْتِراكِ أوْ يُفَوِّضُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وبَحَثَ فِيهِ المَوْلى الخَيالِيُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا ثُمَّ قالَ: التَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ أنَّهُ إنْ حُمِلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى نَفْيِ تَعَدُّدِ الصّانِعَ مُطْلَقًا فَهي حُجَّةٌ إقْناعِيَّةٌ لَكِنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ تَعَدُّدِ الصّانِعِ المُؤَثِّرِ في السَّماءِ والأرْضِ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الكَوْنِ فِيهِما التَّمَكُّنَ فِيهِما بَلِ التَّصَرُّفُ والتَّأثُّرُ فالحَقُّ أنَّ المُلازَمَةَ قَطْعِيَّةٌ إذِ التَّوارُدُ باطِلٌ فَتَأْثِيرُهُما إمّا عَلى سَبِيلِ الِاجْتِماعِ أوِ التَّوْزِيعِ فَيَلْزَمُ انْعِدامُ الكُلِّ أوِ البَعْضِ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِ أحَدِهِما صانِعًا لِأنَّهُ جُزْءُ عِلَّةٍ أوْ عِلَّةٌ تامَّةٌ فَيَفْسَدُ العالَمُ أيْ لا يُوجَدُ هَذا المَحْسُوسُ كُلًّا أوْ بَعْضًا، ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ المُلازَمَةُ بِحَيْثُ تَكُونُ قَطْعِيَّةً عَلى الإطْلاقِ وهو أنْ يُقالَ: لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ لَمْ يَكُنِ العالَمُ مُمْكِنًا فَضْلًا عَنِ الوُجُودِ وإلّا لَأمْكَنَ التَّمانُعُ بَيْنَهُما المُسْتَلْزِمُ لِلْمُحالِ لِأنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ لازِمٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّعَدُّدِ وإمْكانُ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَإذا فُرِضَ التَّعَدُّدِ يَلْزَمُ أنْ لا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ حَتّى لا يُمْكِنَ التَّمانُعُ المُسْتَلْزِمُ لِلْمُحالِ انْتَهى.
وأوْرَدَ الفاضِلُ الكَلَنْبَوِيُّ عَلى الأوَّلِ خَمْسَةَ أبْحاثٍ فِيها الغَثُّ والسَّمِينُ ثُمَّ قالَ: فالحَقُّ أنَّ تَوْجِيهَهُ الثّانِيَ لِقَطْعِيَّةِ المُلازَمَةِ صَحِيحٌ دُونَ الأوَّلِ، ولِلْعَلّامَةِ الدَّوانِيِّ كَلامٌ في هَذا المَقامِ قَدْ ذَكَرَ الفاضِلُ المَذْكُورُ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِنَ
صفحة 26
النَّقْضِ والإبْرامِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لِلتَّمانُعِ عِنْدَهم مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما إرادَةُ أحَدِ القادِرِينَ وُجُودَ المَقْدُورِ والآخَرِ عَدَمَهُ وهو المُرادُ بِالتَّمانُعِ في البُرْهانِ المَشْهُورِ بِبُرْهانِ التَّمانُعِ، وثانِيهِما إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما إيجادَهُ بِالِاسْتِقْلالِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةِ قُدْرَةِ الآخَرِ فِيهِ وهو التَّمانُعُ الَّذِي اعْتَبَرُوهُ في امْتِناعِ مَقْدُورٍ بَيْنَ قادِرِينَ، وقَوْلُهم: لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنَ المُمْكِناتِ لِاسْتِلْزامِهِ أحَدَ المُحالَيْنِ إمّا وُقُوعُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قادِرِينَ وإمّا التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجَّحٍ مَبْنِيٍّ عَلى هَذا، وحاصِلُ البُرْهانِ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهانِ قادِرانِ عَلى الكَمالِ لَأمْكَنَ بَيْنَهُما تُمانُعٌ واللّازِمُ باطِلٌ إذْ لَوْ تُمانَعا وأرادَ كُلٌّ مِنهُما الإيجادَ بِالِاسْتِقْلالِ يَلْزَمُ إمّا أنْ لا يَقَعَ مَصْنُوعٌ أصْلًا أوْ يَقَعَ بِقُدْرَةِ كُلٍّ مِنهُما أوْ بِأحَدِهِما والكُلُّ باطِلٌ ووُقُوعُهُ بِمَجْمُوعِ القُدْرَتَيْنِ مَعَ هَذِهِ الإرادَةِ يُوجِبُ عَجْزَهُما لِتَخْلُّفِ مُرادِ كُلٍّ مِنهُما عَنْ إرادَتِهِ فَلا يَكُونانِ إلَهَيْنِ قادِرَيْنِ عَلى الكَمالِ وقَدْ فُرِضا كَذَلِكَ ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّعَدُّدِ لَوْ وُجِدَ مَصْنُوعٌ لَزِمَ إمْكانُ أحَدِ المُحالَيْنِ إمّا إمْكانُ التَّوارُدِ وإمّا إمْكانُ الرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ والكُلُّ مُحالٌ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ مَعَ حَمْلِ الفَسادِ عَلى عَدَمِ الكَوْنِ قِيلَ بِقَطْعِيَّةِ المُلازَمَةِ في الآيَةِ فَهي دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ مِن وجْهٍ ودَلِيلٌ قَطْعِيٌّ مِن وجْهٍ آخَرَ والأوَّلُ أنْسَبُ إلى العَوامِّ والثّانِي بِالنِّسْبَةِ إلى الخَواصِّ، وقالَ مُصْلِحُ الدِّينِ اللّارِّيُّ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ وقالَ وقِيلَ أقُولُ أُقَرِّرُ الحُجَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى وجْهٍ أوْجَهَ مِمّا عَداهُ وهو أنَّ الإلَهَ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وواجِبُ الوُجُودِ وجُودُهُ عَيْنُ ذاتِهِ عِنْدَ أرْبابِ التَّحْقِيقِ إذْ لَوْ غايَرَهُ لَكانَ مُمْكِنًا لِاحْتِياجِهِ في مَوْجُودِيَّتِهِ إلى غَيْرِهِ الَّذِي هو الوُجُودُ فَلَوْ تَعَدَّدَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ وُجُودًا فَلا تَكُونُ الأشْياءُ مَوْجُودَةً لِأنَّ مَوْجُودِيَّةَ الأشْياءِ بِارْتِباطِها بِالوُجُودِ فَظَهْرَ فَسادُ السَّماءِ والأرْضِ بِالمَعْنى الظّاهِرِ لا بِمَعْنى عَدَمِ التَّكَوُّنِ لِأنَّهُ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إرادَةَ عَدَمِ التَّكَوُّنِ أظْهَرُ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ إنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الحُكَماءُ بَلْ أكْثَرُ بَراهِينِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أجَلُّ المَطالِبِ الإلَهِيَّةِ بَلْ جَمِيعُها يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الواجِبِ تَعالى هو الوُجُودُ البَحْتُ القائِمُ بِذاتِهِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالوُجُوبِ الذّاتِيِّ والوُجُودِ المُتَأكِّدِ وأنَّ ما يَعْرِضُهُ الوُجُوبُ أوِ الوُجُودُ فَهو في حَدِّ نَفْسِهِ مُمْكِنٌ ووُجُودُهُ كَوُجُوبِهِ يُسْتَفادُ مِنَ الغَيْرِ فَلا يَكُونُ واجِبًا ومِن أشْهَرِها أنَّهُ لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبِي الوُجُودِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في وُجُوبِ الوُجُودِ ومُتَغايِرَيْنِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وإلّا لَمْ يَكُونا اثْنَيْنِ، وما بِهِ الِامْتِيازُ إمّا أنْ يَكُونَ تَمامَ الحَقِيقَةِ أوْ جُزْءَها لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِأنَّ الِامْتِيازَ لَوْ كانَ بِتَمامِ الحَقِيقَةِ لَكانَ وُجُوبُ الوُجُودِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما خارِجًا عَنْ حَقِيقَةِ كُلٍّ مِنهُما أوْ عَنْ حَقِيقَةِ أحَدِهِما وهو مُحالٌ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ نَفْسُ حَقِيقَةِ واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، ولا سَبِيلَ إلى الثّانِي لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ الِاشْتِراكُ وما بِهِ الِامْتِيازُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ فَلا يَكُونُ واجِبًا لِإمْكانِهِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الواجِبَيْنِ أوْ أحَدِهِما مُمْكِنًا هَذا خُلْفٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ وُجُوبُ الوُجُودِ نَفْسُ حَقِيقَةِ واجِبِ الوُجُودِ أنَّهُ يَظْهَرُ مِن نَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أثَرُ صِفَةِ وُجُوبِ الوُجُودِ لا أنَّ تِلْكَ الحَقِيقَةَ عَيْنُ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلا يَكُونُ اشْتِراكُ مَوْجُودَيْنِ واجِبِي الوُجُودِ في وُجُوبِ الوُجُودِ إلّا أنْ يَظْهَرَ مِن نَفْسِ كُلٍّ مِنهُما أثَرُ صِفَةِ الوُجُوبِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ اشْتِراكِهِما في وُجُوبِ الوُجُودِ وتَمايُزِهِما بِتَمامِ الحَقِيقَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ العَيْنِيَّةُ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ عَيْنُ حَقِيقَةِ الواجِبِ هو أنَّ ذاتَهُ بِنَفْسِ ذاتِهِ مِصْداقُ هَذا الحُكْمِ ومَنشَأُ انْتِزاعِهِ مِن دُونِ انْضِمامِ أمْرٍ آخَرَ ومِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ حَيْثِيَّةٍ أُخْرى غَيْرِ ذاتِهِ تَعالى أيَّةُ حَيْثِيَّةٍ كانَتْ حَقِيقِيَّةً أوْ إضافِيَّةً أوْ سَلْبِيَّةً، وكَذَلِكَ قِياسُ سائِرِ صِفاتِهِ
صفحة 27
سُبْحانَهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِعَيْنِيَّتِها مِن أهْلِ التَّحْقِيقِ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ عَلى مَشْرَبِهِمْ أنَّكَ كَما قَدْ تَعْقِلُ المُتَّصِلَ مَثَلًا نَفْسُ المُتَّصِلِ كالجُزْءِ الصُّورِيِّ لِلْجِسْمِ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ وقَدْ تَعْقِلُ شَيْئًا ذَلِكَ الشَّيْءُ هو المُتَّصِلُ كالمادَّةِ فَكَذَلِكَ قَدْ تَعْقِلُ واجِبَ الوُجُودِ بِما هو واجِبُ الوُجُودِ وقَدْ تَعْقِلُ شَيْئًا ذَلِكَ الشَّيْءُ هو واجِبُ الوُجُودِ ومِصْداقُ الحُكْمِ بِهِ ومُطابِقُهُ في الأوَّلِ حَقِيقَةُ المَوْضُوعِ وذاتُهُ فَقَطْ، وفي الثّانِي هي مَعَ حَيْثِيَّةٍ أُخْرى هي صِفَةٌ قائِمَةٌ بِالمَوْضُوعِ حَقِيقِيَّةً أوِ انْتِزاعِيَّةً وكُلُّ واجِبِ الوُجُودِ لَمْ يَكُنْ نَفْسَ واجِبِ الوُجُودِ بَلْ يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةٌ تِلْكَ الحَقِيقَةُ مُتَّصِفَةٌ بِكَوْنِها واجِبَةَ الوُجُودِ فَفي اتِّصافِها تَحْتاجُ إلى عُرُوضِ هَذا الأمْرِ وإلى جاعِلٍ يَجْعَلُها بِحَيْثُ يَنْتَزِعُ مِنها هَذا الأمْرَ فَهي في حَدِّ ذاتِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ وبِهِ صارَتْ واجِبَةَ الوُجُودِ فَلا تَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ بِذاتِهِ فَهو نَفْسُ واجِبِ الوُجُودِ بِذاتِهِ ولْيُقَسْ عَلى ذَلِكَ سائِرُ صِفاتِهِ تَعالى الحَقِيقِيَّةِ الكَمالِيَّةِ كالعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِهِما. واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما بِهِ الِامْتِيازُ أمْرًا عارِضًا لا مُقَوَّمًا حَتّى يَلْزَمَ التَّرْكِيبُ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعَيُّنُ عارِضًا وهو خِلافُ ما ثَبَتَ بِالبُرْهانِ، ولِابْنِ كَمُّونَةَ في هَذا المَقامِ شُبْهَةٌ شاعَ أنَّها عَوِيصَةُ الدَّفْعِ عَسِيرَةُ الحَلِّ حَتّى أنَّ بَعْضَهم سَمّاهُ لِإبْدائِها بِافْتِخارِ الشَّياطِينِ وهي أنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ هُوِيَّتانِ بَسِيطَتانِ مَجْهُولَتا الكُنْهِ مُخْتَلِفَتانِ بِتَمامِ الماهِيَّةِ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما واجِبًا بِذاتِهِ ويَكُونُ مَفْهُومُ واجِبِ الوُجُودِ مُنْتَزَعًا مِنهُما مَقُولًا عَلَيْها قَوْلًا عَرَضِيًّا، وقَدْ رَأيْتَ في مُلَخَّصِ الإمامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ نَحْوَها، ولَعَلَّكَ إذا أحَطْتَ خَبَرًا بِحَقِيقَةِ ما ذَكَرْنا يَسْهُلُ عَلَيْكَ حَلُّها وإنْ أرَدْتَ التَّوْضِيحَ فاسْتَمِعْ لِما قِيلَ في ذَلِكَ إنَّ مَفْهُومَ واجِبِ الوُجُودِ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ انْتِزاعُهُ عَنْ نَفْسِ ذاتِ كُلٍّ مِنهُما مِن دُونِ اعْتِبارِ حَيْثِيَّةٍ خارِجَةٍ أيَّةُ حَيْثِيَّةٍ كانَتْ أوْ مَعَ اعْتِبارِ تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وكِلا الشِّقَّيْنِ مُحالٌ، أمّا الثّانِي فَلِما تَقَرَّرَ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَكُنْ ذاتُهُ مُجَرَّدَ حَيْثِيَّةِ انْتِزاعِ الوُجُوبِ فَهو مُمْكِنٌ مِن ذاتِهِ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مِصْداقَ حَمْلِ مَفْهُومٍ واحِدٍ ومُطابِقٍ صِدْقُهُ بِالذّاتِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أيَّةِ حَيْثِيَّةٍ كانَتْ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَوِّنَ حَقائِقَ مُتَخالِفَةً مُتَبايِنَةً بِالذّاتِ غَيْرَ مُشْتَرِكَةٍ في ذاتِي أصْلًا، ولَعَلَّ كُلَّ سَلِيمِ الفِطْرَةِ يَحْكُمُ بِأنَّ الأُمُورَ المُتَخالِفَةَ مِن حَيْثُ كَوْنُها مُتَخالِفَةً بِلا حَيْثِيَّةٍ جامِعَةٍ لا تَكُونُ مِصْداقًا لِحُكْمٍ واحِدٍ ومَحْكِيًّا عَنْها بِهِ نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَتْ تِلْكَ الأُمُورُ مُتَماثِلَةً مِن جِهَةِ كَوْنِها مُتَماثِلَةً ولَوْ في أمْرٍ سَلْبِيٍّ بَلْ نَقُولُ لَوْ نَظَرْنا إلى نَفْسِ مَفْهُومِ الوُجُودِ المَصْدَرِيِّ المَعْلُومِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بَدِيهَةً أدّانا النَّظَرُ والبَحْثُ إلى أنَّ حَقِيقَتَهُ وما يُنْتَزَعُ هو مِنهُ أمْرٌ قائِمٌ بِذاتِهِ هو الواجِبُ الحَقُّ الوُجُودُ المُطْلَقُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ عُمُومٌ ولا خُصُوصٌ ولا تَعَدُّدٌ إذْ كَلُّ ما وُجُودُهُ هَذا الوُجُودِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ لَهُ أيْضًا هَذا الوُجُودُ فَرْضًا مُبايَنَةٌ أصْلًا ولا تَغايُرٌ فَلا يَكُونُ اثْنانِ بَلْ يَكُونُ هُناكَ ذاتٌ واحِدَةٌ ووُجُودٌ واحِدٌ كَما لَوَّحَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّلْوِيحاتِ بِقَوْلِهِ: صَرِّفِ الوُجُودَ الَّذِي لا أتَمَّ مِنهُ كُلَّما فَرَضْتَهُ ثانِيًا فَإذا نَظَرْتَ فَهو هو إذْ لا مَيْزَ في صَرْفِ شَيْءٍ فَوُجُوبُ وُجُودِهِ تَعالى الَّذِي هو ذاتُهُ سُبْحانَهُ تَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ جَلَّ وعَلا انْتَهى فَتَأمَّلْ.
ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ أكْثَرَ البَراهِينِ عَلى هَذا المَطْلَبِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ ويُحْمَلُ حِينَئِذٍ الفَسادُ عَلى عَدَمِ التَّكَوُّنِ فَعَلَيْكَ بِالتَّخْرِيجِ وإنْ أحْوَجَكَ إلى بَعْضِ تَكَلُّفٍ وإيّاكَ أنْ تَقْنَعَ بِجَعْلِها حُجَّةً إقْناعِيَّةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ فَإنَّ هَذا المَطْلَبَ الجَلِيلَ أجَلُّ مِن أنْ يُكْتَفى فِيهِ بِالإقْناعاتِ المَبْنِيَّةِ عَلى الشُّهْرَةِ والعادَةِ، ولِصاحِبِ الكَشْفِ طابَ ثَراهُ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ في هَذا المَقامِ سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كَما اخْتارَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 91] ثُمَّ لا تَتَوَهَّمَنَّ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ الِاثْنَيْنِ والواحِدِ لِأنَّ نَفْيَ آلِهَةٍ تُغايِرُ الواحِدَ المُعِيَّنَ شَخْصًا يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ
صفحة 28
مِنهم يُغايِرُهُ شَخْصًا وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِ واحِدٍ يُغايِرُ المُعَيَّنَ في الشَّخْصِ عَلى أنَّهُ طُوبِقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ وقِيامُ المُلازَمَةِ كافٍ في نَفْيِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ أيْضًا واسْتُشْكِلَ سِياقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّها إنَّما سِيقَتْ لِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ لِذِكْرِها بَعْدَهُ، وهي لا تُبْطِلُ إلّا تَعَدُّدَ الإلَهِ الخالِقِ القادِرِ المُدَبِّرِ التّامِّ الأُلُوهِيَّةَ وهو غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ، ( ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [لُقْمانَ: 25، الزُّمَرَ: 38] وهم يَقُولُونَ في آلِهَتِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمُرَ: 3] فَما قالُوا بِهِ لا تُبْطِلُهُ الآيَةُ وما تُبْطِلُهُ الآيَةُ لَمْ يَقُولُوا بِهِ ومِن هُنا قِيلَ مَعْنى الآيَةِ لَوْ كانَ في السَّماءِ والأرْضِ آلِهَةٌ كَما يَقُولُ عَبَدَةُ الأوْثانِ: لَزِمَ فَسادُ العالَمِ لِأنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ الَّتِي يَقُولُونَ بِها جَماداتٌ لا تَقْدِرُ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ فَيَلْزَمُ فَسادُ العالَمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِلزَّجْرِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَها الأُلُوهِيَّةُ التّامَّةُ لِأنَّ العِبادَةَ إنَّما تَلِيقُ لِمَن لَهُ ذَلِكَ وبَعْدَ الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ مَن لَهُ ما ذُكِرَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا عَلى أنَّ شَرْحَ اسْمِ الإلَهِ هو الواجِبُ الوُجُودَ لِذاتِهِ الحَيُّ العالِمُ المُرِيدُ القادِرُ الخالِقُ المُدَبِّرُ فَمَتى أطْلَقُوهُ عَلى شَيْءٍ لَزِمَهم وصْفُهُ بِذَلِكَ شاؤُوا أوْ أبَوْا فالآيَةُ لِإبْطالِ ما يَلْزَمُ قَوْلُهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ نَزِّهُوهُ أكْمَلَ تَنْزِيهٍ عَنْ أنْ يَكُونَ مِن دُونِهِ تَعالى آلِهَةٌ كَما يَزْعُمُونَ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَهُ عَلى ما قَبْلَها مِن ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ، وإبْرازِ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مَناطٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَنَزُّهُهُ تَعالى عَنِ الشَّرِكَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، والوَصْفُ بِرَبِّ العَرْشِ لِتَأْكِيدِ التَّنَزُّهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ الأمْرِ بِالتَّنْزِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّعْجِيبِ مِمَّنْ عَبَدَ تِلْكَ المَعْبُوداتِ الخَسِيسَةَ وعَدَّها شَرِيكًا مَعَ وُجُودِ المَعْبُودِ العَظِيمِ الخالِقِ لِأعْظَمِ الأشْياءِ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلِيلِ،
الأنبياء 21:23
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن إثْباتِ تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ المُتَضَمِّنِ تَوَحُّدَهُ تَعالى في الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ ووَصْفِ الكَفَرَةِ إيّاهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ كَأنَّهُ قِيلَ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الإلَهُ الخالِقُ المُتَصَرِّفُ فَلِمَ خَلَقَ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ولَمْ يَصْرِفْهم عَمّا يَقُولُونَ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُسْألُ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إذْ هو حَكِيمٌ مُطْلَقٌ لا يَفْعَلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ عَمّا يَفْعَلُونَ ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ، وهَذا الحُكْمُ في حَقِّهِ تَعالى عامٌّ لِجَمِيعِ أفْعالِهِ سُبْحانَهُ ويَنْدَرِجُ فِيهِ خَلْقُ الكَفَرَةِ وإيجادُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، ووَجْهُ حَلِّ السُّؤالِ النّاشِئِ مِمّا تَقَدَّمَ بِناءً عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ هَذا الجَوابُ الإجْمالِيُّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكَفَرَةَ بَلْ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عَلى حَسَبِ ما عَلِمَهم مِمّا هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ الخَلْقَ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ والإرادَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالعِلْمِ والعِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الأزَلِيُّ، وقَدْ يُشِيرُ إلى بَعْضِ ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن أبْياتٍ:
خَلَقْتَ العِبادَ عَلى ما عَلِمْتَ فَفي العِلْمِ يَجْرِي الفَتى والمُسِنُّ
ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ كَلَّفَهم لِاسْتِخْراجِ سِرِّ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ اللَّذَيْنِ في اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ وأرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِتَتَحَرَّكَ الدَّواعِي ويَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ولا يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى اعْتِراضٌ بِخَلْقِ الكافِرِ وإنَّما
صفحة 29
يَتَوَجَّهُ الِاعْتِراضُ عَلى الكافِرِ بِكُفْرِهِ حَيْثُ إنَّهُ مِن تَوابِعِ اسْتِعْدادِهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ، وقَدْ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النَّحْلَ: 118] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «(فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ )» وهَذا وإنْ كانَ مِمّا فِيهِ قِيلَ وقالَ ونِزاعٌ وجِدالٌ إلّا أنَّهُ مِمّا ارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ والأجِلَّةِ العارِفِينَ، وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ بَيانِ أنَّهُ تَعالى لِقُوَّةِ عَظَمَتِهِ الباهِرَةِ وعِزَّةِ سَلْطَنَتِهِ القاهِرَةِ بِحَيْثُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ أنْ يُناقِشَهُ ويَسْألَهُ عَمّا يَفْعَلُ مِن أفْعالِهِ أثَرُ بَيانِ أنْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وضَمِيرُ (هم ) لِلْعِبادِ أيْ والعِبادُ يُسْئَلُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ تَعالى مُسْتَعْبَدُونَ، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ النَّفْيِ جَمِيعَ الأزْمانِ أيْ لا يُسْألُ سُبْحانَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَمّا يَفْعَلُ، وخَصَّ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِيَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ أوْلى وإنْ كانَ أمْرُ الوَعِيدِ عَلى هَذا أظْهَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ والغاياتِ فَلا يُقالُ فَعَلَ كَذا لِكَذا إذْ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً لَكانَ لِلْعَبْدِ أنْ يَسْألَ فَيَقُولُ لِمَ فَعَلَ ؟ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأشاعِرَةُ ولَهم عَلَيْهِ أدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أيْضًا وأوَّلُوا ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى المَجازِ أوْ جَعْلِ الأداةِ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، ومَذْهَبُ الماتُرِيدِيَّةِ كَما في شَرْحِ المَقاصِدِ والمُعْتَزِلَةِ أنَّها تُعَلَّلُ بِذَلِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ كَما قالَ الوَفِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ العَلّامَةُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ الدِّمَشْقِيُّ الحَنْبَلِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ القِيِّمِ في كِتابِ شِفاءُ العَلِيلِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى ومَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالفِعْلِ بَلْ أفْعالُهُ سُبْحانَهُ صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِأجْلِها فَعَلَ، وقَدْ دَلَّ كَلامُهُ تَعالى وكَلامُ رَسُولِهِ ﷺ عَلى هَذا في مَواضِعَ لا تَكادُ تُحْصى ولا سَبِيلَ إلى اسْتِيعابِ أفْرادِها فَنَذْكُرُ بَعْضَ أنْواعِها وساقَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ نَوْعًا في بِضْعَةَ عَشْرَةَ ورَقَةً ثُمَّ قالَ: لَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أمْثالُنا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ وأمْرِهِ لَزادَ ذَلِكَ عَلى عَشْرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ ثُمَّ قالَ: وهَلْ إبْطالُ الحِكَمِ والمُناسَباتِ والأوْصافِ الَّتِي شُرِعَتِ الأحْكامُ لِأجْلِها إلّا إبْطالُ الشَّرْعِ جُمْلَةً ؟ وهَلْ يُمْكِنُ فَقِيهًا عَلى وجْهِ الأرْضِ أنْ يَتَكَلَّمَ في الفِقْهِ مَعَ اعْتِقادِهِ بُطْلانَ الحِكْمَةِ والمُناسَبَةِ والتَّعْلِيلِ. وقَصْدَ الشّارِعِ بِالأحْكامِ مَصالِحِ العِبادِ ؟ ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بِأسْبابٍ وحِكَمٍ وغاياتٍ مَحْمُودَةٍ، وقَدْ أُودِعَ العالَمُ مِنَ القُوى والغَرائِزِ ما بِهِ قامَ الخَلْقُ والأمْرُ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ الإسْلامِ. وأكْثَرِ طَوائِفِ النُّظّارِ وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ قاطِبَةً اهَـ.
والظّاهِرُ أنَّ ابْنَ القِيِّمِ وأضْرابَهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى لا يَجْعَلُونَ كالأشاعِرَةِ المُخَصَّصَ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالوُقُوعِ مَحْضَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ ومُحَقِّقُو المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الحَسَنِ والنِّظامِ والجاحِظِ والعَلّافِ وأبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ، وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ العِلْمَ بِتَرَتُّبِ النَّفْعِ عَلى إيجادِ النّافِعِ هو المُخَصَّصُ لِلنّافِعِ بِالوُقُوعِ ويُسَمُّونَ ذَلِكَ العِلْمَ بِالدّاعِي وهو الإرادَةُ عِنْدَهم. وأُورِدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الواجِبَ تَعالى مُوجِبٌ في تَعَلُّقِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلَوْ كانَ المُخَصَّصُ المُوجِبُ لِلْوُقُوعِ هو العِلْمُ بِالنَّفْعِ كانَ ذَلِكَ المُخَصَّصُ لازِمًا لِذاتِهِ تَعالى فَيَكُونُ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ واجِبًا لِأمْرٍ خارِجٍ ضَرُورِيٍّ لِلْفاعِلِ وهو يُنافِي الِاخْتِيارَ بِالمَعْنى الأخَصِّ قَطْعًا فَلا يَكُونُ الواجِبُ مُخْتارًا بِهَذا المَعْنى بَلْ يُؤَوَّلُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الِاخْتِيارِ المُجامِعِ لِلْإيجابِ، ولا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ المُخَصَّصَ هو تَعَلُّقُ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ غَيْرُ لازِمٍ لِذاتِ الواجِبِ تَعالى وإنْ كانَ أزَلِيًّا دائِمًا لِإمْكانِ تَعَلُّقِها بِالضِّدِّ الآخَرِ بَدَلَ الضِّدِّ الواقِعِ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ما يَصْعُبُ التَّقَصِّي عَنْهُ مِمّا
صفحة 30
هُوَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ، وأُورِدَ نَظِيرُ ما ذُكِرَ عَلى الحَنَفِيَّةِ فَإنَّهم ذَهَبُوا إلى التَّعْلِيلِ وجَعَلُوا العِلْمَ بِتَرَتُّبِ المَصالِحِ عِلَّةً لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِالوُقُوعِ فَلا يَتَسَنّى لَهُمُ القَوْلُ بِكَوْنِ الواجِبِ تَعالى مُخْتارًا بِالمَعْنى الأخَصِّ لِأنَّ الذّاتَ يُوجِبُ العِلْمَ والعِلْمَ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الإرادَةِ وتَعَلُّقَ الإرادَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ ولا مُخَلِّصَ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ إيجابَ العِلْمِ بِالنَّفْعِ والمَصْلَحَةِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم بَلْ هو مُرَجَّحٌ تَرْجِيحًا غَيْرَ بالِغٍ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وما قِيلَ إذا لَمْ يَبْلُغِ التَّرْجِيحُ إلى حَدِّ الوُجُوبِ جازَ وُقُوعُ الرّاجِحِ في وقْتٍ وعَدَمُ وُقُوعِهِ في وقْتٍ آخَرَ مَعَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ فَإنْ كانَ اخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ بِالوُقُوعِ بِانْضِمامِ شَيْءٍ آخَرَ إلى ذَلِكَ المُرَجَّحِ لَمْ يَكُنِ المُرَجَّحُ مُرَجَّحًا وإلّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ بَلْ يُلْزِمُ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ عَدَمُهُ في الوَقْتِ الآخَرِ لِأنَّ الوُقُوعَ كانَ راجِحًا بِذَلِكَ المُرَجَّحِ فَمَدْفُوعٌ بِوَجْهَيْنِ إلّا أنَّهُ إنَّما يَجْرِي في العِلَّةِ التّامَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَعْلُولِها لا في الفاعِلِ المُخْتارِ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِهِ فَإنَّهُ إنْ أُرِيدَ لُزُومُ الرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ كَما هو اللّازِمُ في العِلَّةِ التّامَّةِ فَعَدَمُ اللُّزُومِ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ فَبُطْلانُ اللّازِمِ في الفاعِلِ المُخْتارِ مَمْنُوعٌ وإلّا فَما الفَرْقُ بَيْنَ الفاعِلِ المُوجِبِ والمُخْتارِ، الثّانِي أنَّ المُرَجَّحَ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ رُبَّما لا يَكُونُ مُرَجَّحًا بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ آخَرَ بَلْ مُنافِيًا لِلْمَصْلَحَةِ فَلا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ أحَدِ المُتَساوِيَيْنِ أوِ المَرْجُوحِ في وقْتٍ آخَرَ بَلْ يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الرّاجِحِ في كُلِّ وقْتٍ وهو تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِالأوْقاتِ فَتَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِوُقُوعِ كُلِّ مُمْكِنٍ في وقْتٍ لِتُرَتِّبَ المَصالِحَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ الوَقْتِ عَلى عَدَمِهِ فَلا إشْكالَ، وهَذا هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الأوَّلِ أنَّ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ الواجِبِ الحَكِيمِ وإنْ جازَ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن أفْرادِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ. هَذا ووَقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالأغْراضِ والغاياتِ ومُرادُهم عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم نَفْيُ التَّعْلِيلِ عَنْ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ بِما هو غَيْرُ ذاتِهِ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ تامُّ الفاعِلِيَّةِ لا يُتَوَقَّفُ فِيها عَلى غَيْرِهِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الغايَةِ والغَرَضِ عَنْ فِعْلِهِ تَعالى مُطْلَقًا ولِذا صَحَّ أنْ يَقُولُوا عِلْمُهُ تَعالى بِنِظامِ الخَيْرِ الَّذِي هو عَيْنُ ذاتِهِ تَعالى عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وغَرَضٌ في الإيجادِ ومُرادُهم بِالِاقْتِضاءِ في قَوْلِهِمْ في تَعْرِيفِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ مُطْلَقُ عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَكِنَّهم تَسامَحُوا في ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ المُتَدَرِّبِ في العُلُومِ وصَرَّحُوا بِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في المُمْكِناتِ وقَصْدٌ إلى مَنافِعِها لِأنَّ كُلَّ فاعِلٍ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذاتِهِ فَهو فَقِيرٌ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ مُسْتَكْمَلٌ بِهِ والمُكَمِّلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ فَغَرَضُ الفاعِلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو فَوْقَهُ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظَّنِّ ولَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِيما دُونَهُ وحُصُولُ وُجُودِ المُمْكِناتِ مِنهُ تَعالى عَلى غايَةٍ مِنَ الإتْقانِ ونِهايَةٍ مِنَ الإحْكامِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى ذاتٌ لا تَحْصُلُ مِنهُ الأشْياءُ إلّا عَلى أتَمِّ ما يَنْبَغِي وأبْلَغِ ما يُمْكِنُ مِنَ المَصالِحِ فالواجِبُ سُبْحانَهُ عِنْدَهم يَلْزَمُ مِن تَعَقُّلِهِ لِذاتِهِ الَّذِي هو مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالُ حُصُولِ المُمْكِناتِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ والنِّظامِ الأقْوَمِ واللَّوازِمُ غاياتٌ عَرَضِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِالغايَةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ وذاتِيَّةً إنْ أُرِيدَ بِها ما يَتَرَتَّبُ عَلى الفِعْلِ تَرَتُّبًا ذاتِيًّا لا عَرَضِيًّا كَوُجُودِ مَبادِئِ الشَّرِّ وغَيْرِها في الطَّبائِعِ الهِيُولانِيَّةِ ثُمَّ كَما أنَّهُ تَعالى غايَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فَهو غايَةٌ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ طالِبَةٌ لَهُ مُتَشَوِّقَةٌ إلَيْهِ طَبْعًا وإرادَةً لِأنَّهُ الخَيْرُ المَحْضُ والمَعْشُوقُ الحَقِيقِيُّ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ.
والحُكَماءُ المُتَألِّهُونَ قَدْ حَكَمُوا بِسَرَيانِ نُورِ العِشْقِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى تَفاوُتِ طَبَقاتِها ولَوْلا ذَلِكَ ما دارَ الفَلَكُ ولا اسْتَنارَ الحَلَكُ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ قاهِرٍ وهو الأوَّلُ والآخِرُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى
صفحة 31
مَشْرَبِ المُتَكَلِّمِينَ والفَلاسِفَةِ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ (لا يُسَلْ. ويُسَلُونَ ) بِنَقْلِ فَتْحَةِ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ وحَذْفِها
الأنبياء 21:24
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن إظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً حَقِيقِيَّةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القَطْعِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ مُطْلَقًا وتَفَرُّدُهُ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إقامَةَ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا انْتِقالًا لِإظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ مُطْلَقًا بَعْدَ إظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ الأرْضِيَّةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاتَّخَذُوا، والمَعْنى بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آلِهَةً مَعَ ظُهُورِ أنَّها عارِيَةٌ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿قُلْ﴾ لَهم بِطَرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ أوِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ أيْ هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنُ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ ذِكْرُ أُمَّتِي وعِظَتُهم وذِكْرُ الأُمَمِ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم، وأُعِيدَ لَفْظُ ( ذِكْرُ ) ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ المُسْتَدْعِي لِلِانْسِحابِ لِأنَّ كَوْنَ المُشَخَّصِ ذِكْرَ مَن مَعَهُ وكَوْنَهُ ذِكْرَ مَن قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالحَقِيقَةِ مَعَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الكِتابُ أيْ هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِنَقِيضِ مُدَّعاهم وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ذِكْرٍ الأوَّلِ والثّانِي وجُعِلَ ما بَعْدَهُ مَنصُوبَ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وإعْمالُهُ هو الأصْلُ نَحْوُ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدَ: 14] .
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ مِيمِ (مِن ) فَهي عَلى هَذا حَرْفُ جَرٍّ ومَعَ مَجْرُورَةٌ بِها وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والِاجْتِماعِ جُعِلَتْ هُنا ظَرْفًا كَقَبْلُ وبَعْدُ فَجازَ إدْخالُ مِن عَلَيْها كَما جازَ إدْخالُها عَلَيْهِما لَكِنَّ دُخُولَها عَلَيْها نادِرٌ، ونَصَّ أبُو حَيّانَ أنَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ. وقِيلَ: مِن داخِلَةٌ عَلى مَوْصُوفِها أيْ عِظَةٌ مِن كِتابٍ مَعِيَ وعِظَةٌ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِي، وأبُو حاتِمٍ ضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ لِما فِيها مِن دُخُولِ مَن عَلى مَعَ ولَمْ يَرَ لَهُ وجْهًا وعَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ (هَذا ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي ) بِتَنْوِينِ (ذِكْرٍ ) وإسْقاطِ (مَن ) وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (هَذا ذِكْرُ مَن ) بِالإضافَةِ (وذِكْرٌ مِن قَبْلِي ) بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَعَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ لا يَنْفَعُ لِفَقْدِهِمُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجِ أوْ فَهم مُعْرِضُونَ
صفحة 32
عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَنصُوبُ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُونِ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.
الأنبياء 21:25
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِن آيِ التَّوْحِيدِ وقَدْ يُقالُ إنَّ فِيهِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ إذا أُرِيدَ مِن ( ذِكْرُ مَن قَبْلِي ) الكُتُبُ الثَّلاثَةُ، ولَمّا كانَ ﴿مِن رَسُولٍ﴾ عامًّا مَعْنًى فَكانَ هُناكَ لَفْظٌ ومَعْنًى أُفْرِدَ عَلى اللَّفْظِ في نُوحِي إلَيْهِ ثُمَّ جُمِعَ عَلى المَعْنى في ﴿فاعْبُدُونِ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ فاعْبُدْنِي وهَذا بِناءً عَلى أنَّ ( فاعْبُدُونِ ) داخِلٌ في المُوحِي وجُوِّزَ عَدَمُ الدُّخُولِ عَلى الأمْرِ لَهُ ﷺ ولِأُمَّتِهِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (يُوحِي ) عَلى صِيغَةِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُصارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ الوَحْيِ
الأنبياء 21:26
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لِإظْهارِ بُطْلانِها وبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ تَنَزُّهِهِ جَلّا وعَلا عَنِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ قُرَيْشًا وبَعْضَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلامَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ فَنَزَلَتْ والمَشْهُورُ الأوَّلُ. والآيَةُ مُشَنِّعَةٌ عَلى كُلِّ مَن نَسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ كالنَّصارى القائِلِينَ عِيسى ابْنُ اللَّهِ واليَهُودِ القائِلِينَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ جَمِيعِ ما سِواهُ تَعالى مَرْبُوبًا لَهُ تَعالى لِإبْرازِ كَمالِ شَناعَةِ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تُنَزِّهُهُ بِالذّاتِ تَنَزُّهَهَ اللّائِقِ بِهِ عَلى أنَّ السُّبْحانَ مَصْدَرُ سَبَّحَ أيْ بَعْدَ أنْ أُسَبِّحَهُ تَسْبِيحَهُ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ﴾ إضْرابٌ وإبْطالٌ لِما قالُوا كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتِ المَلائِكَةُ كَما قالُوا بَلْ هم عِبادٌ مِن حَيْثُ إنَّهم مَخْلُوقُونَ لَهُ تَعالى فَهم مِلْكُهُ سُبْحانَهُ والوَلَدُ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ تَعالى تَنْبِيهٌ عَلى مَنشَأِ غَلَطِهِمْ وقَرَأ عِكْرِمَةُ مُكَرَّمُونَ بِالتَّشْدِيدِ
الأنبياء 21:27
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ تَعالى أوْ يَأْمُرَهم بِهِ كَما هو دَيْدَنُ العَبِيدِ المُؤَدَّبِينَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ لِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأدُّبِهِمْ مَعَهُ تَعالى، والأصْلُ لا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ تَعالى فَأُسْنِدَ السَّبْقُ إلَيْهِمْ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى تَنْزِيلًا لِسَبْقِ قَوْلِهِمْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ مُنَزِّلَةً سَبْقَهم إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَزِيدِ تَنْزِيهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ اسْتِهْجانِ السَّبْقِ المُعَرَّضِ بِهِ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ ما لَمْ يَقُلْهُ تَعالى، وجُعِلَ القَوْلُ مَحَلَّ السَّبْقِ وآلَتَهُ الَّتِي يَسْبِقُ بِها وأُنِيبَتِ اللّامُ عَنِ الإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ لِلِاخْتِصاصِ والتَّجافِي عَنِ التَّكْرارِ. وقُرِئَ (لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ المُغالَبَةِ يُقالُ سابَقَنِي فَسَبَقْتُهُ وأسْبُقُهُ ويَلْزَمُ فِيهِ ضَمُّ عَيْنِ المُضارِعِ ما لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ أوْ لامُهُ ياءً، وفِيهِ مَزِيدُ اسْتِهْجانٍ لِلسَّبْقِ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن سَبَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ تَعالى فَقَدْ تَصَدّى لِمُغالَبَتِهِ تَعالى في السَّبْقِ وزِيادَةُ تَنْزِيهٍ عَمّا نُفِيَ عَنْهم بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الغَلَبَةِ بَعْدَ المُغالَبَةِ فَأنّى يُتَوَهَّمُ صُدُورُهُ عَنْهم ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
صفحة 33
بَيانٌ لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأعْمالِ إثْرَ بَيانِ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ في الأقْوالِ كَأنَّهُ قِيلَ هم بِأمْرِهِ يَقُولُونَ وبِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ لا بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى أصْلًا بِأنْ يَعْمَلُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، فالحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ أمْرِهِ تَعالى لا إلى أمْرِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ
الأنبياء 21:28
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا قَدَّمُوا وأخَّرُوا فَلا يَزالُونَ يُراقِبُونَ أحْوالَهم حَيْثُ إنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ اللَّهُ تَعالى أنْ يَشْفَعَ لَهُ.
وهُوَ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والمُنْذِرُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وشَفاعَتُهُمُ الِاسْتِغْفارُ، وهي كَما في الصَّحِيحِ تَكُونُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا مُتَمَسِّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لا تَكُونُ لِأصْحابِ الكَبائِرِ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن أنْ لا يَشْفَعُوا لِمَن لا تُرْتَضى الشَّفاعَةُ لَهُ مَعَ أنَّ عَدَمَ شَفاعَةِ المَلائِكَةِ لا تَدُلُّ عَلى عَدَمِ شَفاعَةِ غَيْرِهِمْ ﴿وهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مِن خَشْيَتِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ خَوْفِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ مُتَوَقِّعُونَ مِن أمارَةٍ ضَعِيفَةٍ كائِنُونَ عَلى حَذَرٍ ورَقَبَةٍ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ يُرادُ مِن خَشْيَتِهِ تَعالى ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى ومَعَ ذَلِكَ يَحْذَرُونَ مِن وُقُوعِ تَقْصِيرِ خَشْيَتِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ ( مِن ) صِلَةً لِمُشْفِقُونَ، وفَرْقٌ بَيْنَ الخَشْيَةِ والإشْفاقِ بِأنَّ الأوَّلَ خَوْفٌ مَشُوبٌ بِتَعْظِيمٍ ومَهابَةٍ ولِذَلِكَ خُصَّ بِهِ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرَ: 28] والثّانِي خَوْفٌ مَعَ اعْتِناءٍ ويُعَدّى بِمِن كَما يُعَدّى الخَوْفُ وقَدْ يُعَدّى بِعَلى بِمُلاحَظَةِ الحُنُوِّ والعَطْفِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَشْيَةَ ها هُنا مَجازٌ عَنْ سَبَبِها وأنَّ المُرادَ مِنَ الإشْفاقِ شِدَّةُ الخَوْفِ أيْ وهم مِن مَهابَتِهِ تَعالى شَدِيدُو الخَوْفِ، والحَقُّ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ لِارْتِكابِ المَجازِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وهم خائِفُونَ مِن خَوْفِ عَذابِهِ تَعالى عَلى أنَّ مِن صِلَةٌ لِما بَعْدَها وإضافَةُ خَشْيَةٍ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ خائِفُونَ مِنَ العَذابِ المُخَوِّفِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ هَذا الإشْفاقَ صِفَةٌ لَهم دُنْيا وأُخْرى كَما يُشْعِرُ بِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي «مَرَرْتُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِالمَلَأِ الأعْلى مُلْقًى كالحِلْسِ البالِي مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى»
الأنبياء 21:29
﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ، والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ إذِ الكَلامُ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ عَمّا قالُوهُ في حَقِّهِمْ، والمُرادُ ومَن يَقُلْ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزًا إيّاهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي فَرَضَ قَوْلَهُ ما ذَكَرَ فَرْضٌ مُحالٌ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ كَسائِرِ المُجْرِمِينَ ولا يُغْنِي عَنْهُ ما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ السُّنِّيَّةِ والأفْعالِ المُرْضِيَةِ وعَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ عَدَمُ اعْتِبارِ الفَرْضِ وقالا: إنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَعا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ وشَرَعَ الكُفْرَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ مَلَكُوتِهِ تَعالى وعِزَّةِ جَبَرُوتِهِ واسْتِحالَةِ كَوْنِ المَلائِكَةِ بِحَيْثُ يُتَوَهَّمُ في حَقِّهِمْ ما يَتَوَهَّمُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما لا يَخْفى.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَقَرِّيُ (نُجْزِيهِ ) بِضَمِّ النُّونِ أرادَ نُجْزِئُهُ بِالهَمْزِ مِن أجْزَأنِي كَذا كَفانِي ثُمَّ خَفَّفَ
صفحة 34
الهَمْزَةَ فانْقَلَبَتْ ياءً ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الَّذِي يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ويَتَعَدَّوْنَ أطْوارَهم، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ يُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّقْصانِ دُونَ الزِّيادَةِ أيْ لِأجْزاءٍ أنْقَصَ مِنهُ
الأنبياء 21:30
﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَجْهِيلٌ لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ وكَوْنِ جَمِيعِ ما سِواهُ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَعْلَمُونَ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ حَجَرٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِغَيْرِ واوٍ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ مِنَ السَّماواتِ طائِفَتُها ولِذا ثُنِّيَ الضَّمِيرُ ولَمْ يُجْمَعْ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرَ: 41] وكَذا قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:
إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما دُونَ المَحارِمِ يَرْقُبانِ سَوادِي
وأُفْرِدَ الخَبَرَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَتْقًا﴾ ولَمْ يُثَنَّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والحَمْلُ إمّا بِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ أوْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتَيْ رَتْقٍ، وهو في الأصْلِ الضَّمُّ والِالتِحامُ خِلْقَةً كانَ أمْ صَنْعَةً، ومِنهُ الرَّتْقاءُ المُلْتَحِمَةُ مَحِلَّ الجِماعِ وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى (رَتَقًا ) بِفَتْحِ التّاءِ وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَّقْضِ والنَّقْضِ فَكانَ قِياسُهُ أنْ يُثَنّى هُنا لِيُطابِقَ الِاسْمَ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقًا وشَيْءٌ اسْمُ جِنْسٍ شامِلٍ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ فَيَصِحُّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُثَنّى كالجَمْعِ ويُحَسِّنُهُ أنَّهُ في حالِ الرَّتْقِيَّةِ لا تَعَدُّدَ فِيهِ.
وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: الأكْثَرُ في هَذا البابِ أنْ يَكُونَ المُتَحَرِّكُ مِنهُ اسْمًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والسّاكِنُ مَصْدَرًا وقَدْ يَكُونانِ مَصْدَرَيْنِ، والأوْلى هُنا كَوْنُهُما كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَوْجِيهِ الإخْبارِ، وقَدْ أُرِيدَ بِالرَّتْقِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ حالَةُ العَدَمِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذَواتٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَكَأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ أمْرٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ مُتَشابِهٌ وأُرِيدَ بِالفَتْقِ وأصْلُهُ الفَصْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ الإيجادُ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ وانْفِصالِ بَعْضِ الحَقائِقِ عَنِ البَعْضِ بِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ) [الأنْعامَ: 14، يُوسُفَ: 101، إبْراهِيمَ: 10، فاطِرَ: 1، الزُّمَرَ: 46، الشُّورى: 11] بِناءً عَلى أنَّ الفَطْرَ الشَّقُّ وظاهِرُهُ نَفْيُ تَمايُزِ المَعْدُوماتِ، والَّذِي حَقَّقَهُ مَوْلانا الكُورانِيُّ في جَلاءِ الفُهُومِ وذَبَّ عَنْهُ حَسَبَ جُهْدِهِ أنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مُتَصَوَّرٌ ولا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ إلّا بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِ مُتَصَوَّرًا أوْلى مِن غَيْرِهِ ولِأنَّ بَعْضَ المَعْدُوماتِ قَدْ يَكُونُ مُرادًا دُونَ بَعْضٍ ولَوْلا التَّمْيِيزُ بَيْنَها لَما عُقِلَ ذَلِكَ إذِ القَصْدُ إلى إيجادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ مُمْتَنِعٌ لِأنَّ ما لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ في نَفْسِهِ لَمْ يَتَمَيَّزِ القَصْدُ إلَيْهِ عَنِ القَصْدِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى هَذا: يَكْفِي في تِلْكَ الإرادَةِ عَدَمُ تَمايُزِ السَّماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العَدَمِ نَظَرًا إلى الخارِجِ المُشاهَدِ، وأيًّا ما كانَ فَمَعْنى الآيَةِ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مَعْدُومَتَيْنِ فَأوْجَدْناهُما، ومَعْنى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ تَمَكُّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِ بِأدْنى نَظَرٍ لِأنَّهُما مُمْكِنانِ، والمُمْكِنُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ وحْدَها يَكُونُ مَعْدُومًا واتِّصافُهُ بِالوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا مِن واجِبِ الوُجُودِ.
قالَ ابْنُ سِينا في المَقالَةِ الثّامِنَةِ مِن إلَهِيّاتِ الشِّفاءِ: سائِرُ الأشْياءِ غَيْرُ واجِبِ الوُجُودِ لا تَسْتَحِقُّ الوُجُودَ بَلْ
صفحة 35
هِيَ في أنْفُسِها ومَعَ قَطْعِ إضافَتِها إلى الواجِبِ تَسْتَحِقُّ العَدَمَ ولا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ إمْكانِهِما الضَّرُورِيِّ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذِيمُقْرَطِيسُ مِن أنَّ وُجُودَ العالَمِ إنَّما كانَ بِالِاتِّفاقِ وذَلِكَ لِأنَّ مَبادِيَهُ أجْرامٌ صِغارٌ لا تَتَجَزَّأُ لِصَلابَتِها وهي مَبْثُوثَةٌ في خَلاءٍ غَيْرِ مُتَناهٍ وهي مُتَشاكِلَةُ الطَّبائِعِ مُخْتَلِفَةُ الأشْكالِ دائِمَةُ الحَرَكَةِ فاتَّفَقَ أنْ تَضامَّتْ جُمْلَةٌ مِنهُ واجْتَمَعَتْ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَكَوَّنَ مِنها هَذا العالَمُ فَضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ أبْناذِقْلَسُ لَكِنَّ الأوَّلَ زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لَيْسَ بِالِاتِّفاقِ وهَذا زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الأجْرامِ الأسْطَقْسِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ أيْضًا إلّا أنَّ ما اتَّفَقَ إنْ كانَ ذا هَيْئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ لِلْبَقاءِ والنَّسْلِ بَقِيَ وما اتَّفَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ، وهَذا الهَذَيانُ بَعِيدٌ مِن هَذا الرَّجُلِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ مِن رُؤَساءِ يُونانَ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلَقّى العِلْمَ مِنهُ واخْتَلَفَ إلى لُقْمانَ الحَكِيمِ واقْتَبَسَ مِنهُ الحِكْمَةَ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَهُما عَنِ العِلَّةِ حادِثٌ بَلِ العالَمُ المَحْسُوسُ مِنهُ وغَيْرُهُ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وما يُتَوَهَّمُ مِن بَعْضِ عِباراتِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّهُ حادِثٌ بِالذّاتِ قَدِيمٌ بِالزَّمانِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ إذْ هم أجَلُّ مِن أنْ يَقُولُوا بِهِ لِما أنَّهُ كُفْرٌ. والفَلاسِفَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ثَلاثَةِ آراءٍ فَجَماعَةٌ مِنَ الأوائِلِ الَّذِينَ هم أساطِينُ مِنَ المَلْطِيَّةِ وسامِيا صارُوا إلى القَوْلِ بِحُدُوثِ مَوْجُوداتِ العالَمِ مَبادِيها وبَسائِطِها ومُرَكَّباتِها وطائِفَةٌ مِنَ الأتِينِينِيَّةِ وأصْحابِ الرِّواقِ صارُوا إلى قِدَمِ مَبادِيها مِنَ العَقْلِ والنَّفْسِ والمُفارَقاتِ والبَسائِطِ دُونَ المُتَوَسِّطاتِ والمُرَكَّباتِ فَإنَّ المَبادِيَ عِنْدَهم فَوْقَ الدَّهْرِ والزَّمانِ فَلا يَتَحَقَّقُ فِيها حُدُوثٌ زَمانِيٌّ بِخِلافِ المُرَكَّباتِ الَّتِي هي تَحْتَ الدَّهْرِ والزَّمانِ ومَنَعُوا كَوْنَ الحَرَكاتِ سَرْمَدِيَّةً، ومَذْهَبُ أرِسْطُو ومَن تابَعَهُ مِن تَلامِذَتِهِ أنَّ العالَمَ قَدِيمٌ وأنَّ الحَرَكاتِ الدَّوْرِيَّةَ سَرْمَدِيَّةٌ، وهَذا بِناءً عَلى المَشْهُورِ عَنْهُ وإلّا فَقَدْ ذُكِرَ في الأسْفارِ أنَّ أساطِينَ الحِكْمَةِ المُعْتَبَرِينَ عِنْدَ الطّائِفَةِ ثَمانِيَةٌ ثَلاثَةٌ مِنَ المَلْطِيِّينَ ثالسُ وانْكَسْيَمائِسُ وأغاثاذِيمُونُ، وخَمْسَةٌ مِنَ اليُونانِيِّينَ أبْناذِقْلَسُ وفِيثاغُورْسُ وسُقْراطُ وأفْلاطُونُ وأرِسْطُو وكُلُّهم قائِلُونَ بِما قالَ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم مِن حُدُوثِ العالَمِ بِجَمِيعِ جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ وأفْلاكِهِ وأمْلاكِهِ وبَسائِطِهِ ومُرَكَّباتِهِ، ونُقِلَ عَنْ كُلٍّ كَلِماتٌ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وكَذا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ أُولَئِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَوْلا مَخافَةُ السَّآمَةِ لَنَقَلْتُ ذَلِكَ ولَعَلِّي أنْقُلُ شَيْئًا مِنهُ في مَحِلِّهِ الألْيَقِ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي وأقَرَّ الأرْضَ. وقالَ كَعْبُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ مُلْتَصِقَتَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَتَوَسَّطَهُما فَفَتَقَهُما. وعَنِ الحَسَنِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَصِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ فَجَعَلَ سَبْعَ سَمَواتٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرَتَّقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ أرْضِينَ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ التَّمَكُّنُ مِنهُ أيْضًا إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ بَلْ بِالِاسْتِفْسارِ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يُخالِطُونَهم ويَقْبَلُونَ أقْوالَهم وقِيلَ بِذَلِكَ أوْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ويَدْخُلُ فِيها القُرْآنُ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً في نَفْسِهِ وفي ذَلِكَ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَسَألَهُ عَنِ الآيَةِ فَقالَ: اذْهَبْ إلى ذَلِكَ الشَّيْخِ فاسْألْهُ ثُمَّ تَعالَ فَأخْبِرْنِي وكانَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ
صفحة 36
فَقالَ: نَعَمْ كانَتِ السَّماواتُ رَتْقًا لا تُمْطِرُ وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِلْأرْضِ أهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالمَطَرِ وفَتَقَ هَذِهِ بِالنَّباتِ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى ابْنِ عُمَرَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: الآنَ عَلِمْتُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ أُوتِيَ في القُرْآنِ عِلْمًا صَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ هَكَذا كانَتْ، ورَوى عَنْهُ ما هو بِمَعْنى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ والحُجَّةَ وتَعْدِيدَ النِّعْمَةِ ويُناسِبُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ والرَّتْقُ والفَتْقُ مَجازِيّانِ عَلَيْهِ كَما هُما كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ جِهَةُ العُلُوِّ أوْ سَماءُ الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ ثَوْبِ أخْلاقِ، وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ ولِكُلٍّ مِنَ السَّماواتِ مَدْخَلٌ في المَطَرِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ أيْضًا وعِلْمُ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وجَعْلُها عِلْمِيَّةً أوْلى، ومِنَ البَعِيدِ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَماءِ الإسْلامِ أنَّ الرَّتْقَ انْطِباقُ مِنطَقَتَيِ الحَرَكَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ المُوجِبُ لِبُطْلانِ العِماراتِ وفُصُولِ السَّنَةِ والفَتْقُ افْتِراقُهُما المُقْتَضِي لِإمْكانِ العِمارَةِ وتَمْيِيزِ الفُصُولِ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ عَلى الأُصُولِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي أصَّلَها السَّلَفُ الصّالِحُ كَما لا يَخْفى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ عَطْفِهِ عَلى فَتَقْنا، والجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ والماءُ هو المَعْرُوفُ أيْ خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ أيْ مُتَّصِفٍ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ. وجَماعَةٌ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النُّورَ: 45] ووَجْهُ كَوْنِ الماءِ مَبْدَأٌ ومادَّةٌ لِلْحَيَوانِ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ أنَّهُ أعْظَمُ مَوادِّهِ وفَرْطُ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ بِعَيْنِهِ ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ العامِّ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَذا الجِنَّ أحْياءٌ ولَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ ولا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ عَلى الصَّحِيحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى خَلَقْنا كُلَّ نامٍ مِنَ الماءِ فَيَدْخُلُ النَّباتُ ويُرادُ بِالحَياةِ النُّمُوُّ أوْ نَحْوُهُ، ولَعَلَّ مَن زَعَمَ أنَّ في النَّباتِ حِسًّا وشُعُورًا أبْقى الحَياةَ عَلى ظاهِرِها، وقالَ قُطْرُبُ، وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالماءِ النُّطْفَةُ ولا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ أيْضًا بَلْ بِما سِوى ذَلِكَ والحَيَواناتِ المَخْلُوقَةِ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ كَأكْثَرِ الحَشَراتِ الأرْضِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ وهُما هُنا ( كُلَّ ومِنَ الماءِ ) وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومِنَ اتِّصالِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي»» والمَعْنى صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ مُتَّصِلًا بِالماءِ أيْ مُخالِطًا لَهُ غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحْيا دُونَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( كُلَّ ) وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ مِن عَلى هَذا بَيانِيَّةً تَجْرِيدِيَّةً فَيَكُونُ قَدْ جُرِّدَ مِنَ الماءِ الحَيِّ مُبالَغَةً كَأنَّهُ هو، وقَرَأ حُمَيْدٌ (حَيًّا ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( كُلَّ ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا يَحْيا، والشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالحَيَوانِ لِأنَّهُ المَوْصُوفُ بِالحَياةِ، وجَوَّزَ تَعْمِيمَهُ لِلنَّباتِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ حَيٌّ حَياةً لائِقَةً بِهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ تَسْبِيحَ الأشْياءِ المُفادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءَ: 44] قالِيٌّ لا حالِيٌّ، وإذا قِيلَ بِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ أيْضًا إذا لَمْ يَجْعَلْ مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا ولَمْ أقِفْ عَلى مُخالِفٍ في ذَلِكَ مِنّا، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ ثالِسَ المَلْطِيِّ وهو أوَّلُ مَن تَفَلْسَفَ بِمَلْطِيَّةَ أنَّ أصْلَ المَوْجُوداتِ الماءُ حَيْثُ قالَ: الماءُ قابِلٌ كُلَّ صُورَةٍ ومِنهُ أُبْدِعَتِ الجَواهِرُ كُلُّها مِنَ السَّماءِ والأرْضِ انْتَهى.
صفحة 37
ويُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى مَشْرَبٍ صُوفِيٍّ بِأنْ يُقالَ إنَّهُ أرادَ بِالماءِ الوُجُودَ الِانْبِساطِيَّ المُعَبَّرَ عَنْهُ في اصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ بِالنَّفْسِ الرَّحْمانِيِّ، وحِينَئِذٍ لَوْ جُعِلَتِ الإشارَةُ في الآيَةِ إلى ذَلِكَ عِنْدَهم لَمْ يَبْعُدْ ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ إنْكارٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ مَعَ ظُهُورِ ما يُوجِبُهُ حَتْمًا مِنَ الآياتِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهُ الإنْكارُ أيْ أيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ
الأنبياء 21:31
﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ جَمْعُ راسِيَةٍ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ ورَسَخَ، ووَصْفُ جَمْعِ المُذَكِّرِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ في غَيْرِ العُقَلاءِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَتَحَرَّكَ وتَضْطَرِبَ بِهِمْ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ فَحَذْفُ اللّامِ ولا لِعَدَمِ الإلْباسِ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والأوَّلُ أوْلى، وفي الِانْتِصافِ أوْلى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِكَ أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ مَعْناهُ أنْ أُدَعِّمَ الحائِطَ بِها إذا مالَ، وقُدِّمَ ذِكْرُ المَيْدِ عِنايَةً بِأمْرِهِ ولِأنَّهُ السَّبَبُ في الإدْعامِ والإدْعامُ سَبَبُ إعْدادِ الخَشَبَةِ فَعُومِلَ سَبَبُ السَّبَبِ مُعامَلَةَ السَّبَبِ فَكَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ يَكُونُ الأصْلُ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ نُثَبِّتَها إذا مادَتْ بِهِمْ فَجُعِلَ المَيْدُ هو السَّبَبُ كَما جُعِلَ المَيْلُ في المِثالِ سَبَبًا وصارَ الكَلامُ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ فَنُثَبِّتُها ثُمَّ حُذِفَ فَنُثَبِّتُها لِأمْنِ الإلْباسِ إيجازًا، وهَذا أقْرَبُ إلى الواقِعِ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا فَإنَّ مُقْتَضاهُ أنْ لا تَمِيدَ الأرْضُ بِأهْلِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِهَ ذَلِكَ ومُحالٌ أنْ يَقَعَ ما يَكْرَهُهُ سُبْحانَهُ والمُشاهَدَةُ بِخِلافِهِ فَكَمْ مِن زَلْزَلَةٍ أمادَتِ الأرْضَ حَتّى كادَتْ تَنْقَلِبُ وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُثَبِّتُ الأرْضَ بِالجِبالِ إذا مادَتْ، وهَذا لا يَأْبى وُقُوعَ المَيْدِ لَكِنَّهُ مَيْدٌ يَسْتَعْقِبُهُ التَّثْبِيتُ، وكَذَلِكَ الواقِعُ مِنَ الزِّلْزالِ إنَّما هو كاللَّمْحَةِ ثُمَّ يُثَبِّتُها اللَّهُ تَعالى انْتَهى.
وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بَيانٌ لِلْمَعْنى لا أنَّ هُناكَ إضْمارٌ ألْبَتَّةَ ولِهَذا كانَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ خَلِيقًا بِالرَّدِّ، وما في الِانْتِصافِ مِن أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ أعْدَدْتُ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ عَلى ما قُرِّرَ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ ولا مُخالِفَ لَهُ، أمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الرَّدِّ بِمُخالَفَةِ الواقِعِ المُشاهَدَ فَلَيْسَ بِالوَجْهِ لِأنَّ مَيْدُودَةَ الأرْضِ غَيْرُ كائِنَةٍ ألْبَتَّةَ ولَيْسَتْ هَذِهِ الزَّلازِلُ مِنها في شَيْءٍ انْتَهى، وهو كَلامٌ رَصِينٌ كَما لا يَخْفى، وقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِأنَّ الأرْضَ لِطَلَبِها المَرْكَزَ طَبْعًا ساكِنَةٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيها المَيْدُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها الجِبالُ. وأُجِيبَ أوَّلًا بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا في دَعْوى طَلَبِها المَرْكَزَ طَبْعًا وسُكُونِها عِنْدَهُ مِنَ القِيلِ والقالِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ خَلَقَ الأرْضَ يَوْمَ خَلَقَها عُرْيَةً عَنِ الجِبالِ مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ ثِقَلًا وخِفَّةً اخْتِلافًا تامًّا أوْ عَرَضَ لَها الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ ومَعَ هَذا لَمْ يَجْعَلْ سُبْحانَهُ لِمَجْمُوعِها مِنَ الثِّقَلِ ما لا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثِقَلُ ما عَلِمَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَتَحَرَّكُ عَلَيْها مِنَ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ لَها مَرْكَزانِ مُتَغايِرانِ مَرْكَزُ حَجْمٍ ومَرْكَزُ ثِقَلٍ وهي إنَّما تَطْلُبُ بِطَبْعِها عِنْدَهم أنْ يَنْطَبِقَ مَرْكَزُ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ وذَلِكَ وإنِ اقْتَضى سُكُونَها إلّا أنَّهُ يُلْزِمُ أنْ تَتَحَرَّكَ بِتَحَرُّكَ هاتَيْكِ الأجْسامِ فَخَلَقَ جَلَّ جَلالُهُ الجِبالَ فِيها لِيَحْصُلَ لَها مِنَ الثِّقَلِ ما لا يَظْهَرُ مَعَهُ ثِقْلُ المُتَحَرِّكِ فَلا تَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ أصْلًا، وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلى قُطْرِها كَنِسْبَةِ سَبْعٍ عَرْضُ شُعَيْرَةٍ إلى ذِراعٍ إنَّما يَنْفَعُ في أمْرِ الكِرْيَةِ الحِسِّيَّةِ وأمّا أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ لِمَجْمُوعِ الجِبالِ ثِقَلٌ مُعْتَدٍّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثِقَلِ الأرْضِ فَلا. ثُمَّ لَيْسَ خَلْقُ الجِبالِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ فَقَطْ بَلْ لِحِكَمٍ لا تُحْصى ومَنافِعَ لا تُسْتَقْصى فَلا يُقالُ إنَّهُ يُغْنِي عَنِ الجِبالِ
صفحة 38
خَلْقُها بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لِلْأجْسامِ الثَّقِيلَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَلَيْها أثَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثِقَلِها، وثانِيًا أنَّها بِحَسَبِ طَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ بِحَيْثُ تَكُونُ الخُطُوطُ الخارِجَةُ مِن مَرْكَزِها المُنْطَبِقِ عَلى مَرْكَزِ العالَمِ إلى مُحَدَّبِ الماءِ مُتَساوِيَةً مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَبُرُوزُ هَذا المِقْدارِ المَعْمُورِ مِنها قَسْرِيٌّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِبالِ مَدْخَلٌ في القَسْرِ بِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ فِيها وصَيْرُورَةِ الأرْضِ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَزِقٍّ في الماءِ نَفَخَ نَفْخًا ظَهَرَ بِهِ شَيْءٌ مِنهُ عَلى وجْهِ الماءِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ القَسْرُ قَوِيًّا بِحَيْثُ لا يُعارِضُهُ ما يَكُونُ فَوْقَ الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها وذَلِكَ يُوجِبُ المَيْدَ الَّذِي قَدْ يُفْضِي بِها إلى الِانْغِمارِ فَتَأمَّلْ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَطْلَبِ فَتَذَكَّرْ ﴿وجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِاخْتِلافِ المَجْعُولِينَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَمالِ الِامْتِنانِ أوْ في الرَّواسِي عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والمُنْذِرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويُؤَيِّدُهُ أنَّها المُحْتاجَةُ لِأنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ فِيها ﴿فِجاجًا﴾ جَمْعُ فَجٍّ قالَ الرّاغِبُ: هو شَقَّةٌ يَكْتَنِفُها جَبَلانِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ، وقالَ بَعْضُهم: هو مُطْلَقُ الواسِعِ سَواءٌ كانَ طَرِيقًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ أمْ لا ولِذا يُقالُ جُرْحٌ فَجٌّ، والظّاهِرُ أنَّ (فِجاجًا ) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِجَعَلَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبُلا﴾ بَدَلٌ مِنهُ فَيَدُلُّ ضِمْنًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَها ووَسَّعَها لِلسّابِلَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ البَدَلَ كالتَّكْرارِ وعَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السُّقُوطِ مُطْلَقًا وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِن ( سُبُلًا ) ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا﴾ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِهِ كَذَلِكَ بَلْ قُدِّمَ فَصارَ حالًا لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ في حالِ جَعْلِها سُبُلًا كانَتْ واسِعَةً ولَوْ أتى بِهِ صِفَةً لَمْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ. وأوْجَبَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مَفْعُولًا وكَوْنَ ( سُبُلًا ) بَدَلًا مِنهُ وكَذا أوْجَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا﴾ إلَخْ كَوْنَ ( سُبُلًا ) مَفْعُولًا وكَوْنَ ( فِجاجًا ) بَدَلًا قائِلًا: إنَّ الفَجَّ اسْمٌ لا صِفَةٌ لِدَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ والِاسْمُ يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ ولِذا وقَعَ مَوْصُوفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحَجَّ: 27] والحَمْلُ عَلى تَجْرِيدِهِ عَنْ دَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناهُ ذَلِكَ بَلْ مَعْناهُ مُطْلَقُ الواسِعِ وتَخْصِيصُهُ بِالطَّرِيقِ عارِضٌ وهو لا يَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ ولَوْ سُلِّمَ فَمُرادُ مَن قالَ إنَّهُ وصْفٌ أنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّبِيلِ لِأنَّ السَّبِيلَ الطَّرِيقُ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ فَإذا قُدِّمَ عَلَيْهِ يَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدُ لَغْوًا لَوْ لَمْ يَكُنْ حالًا، وظاهِرُ كَلامِ الفاضِلِ اليَمَنِيِّ في المَطْلَعِ أنَّ ( سُبُلًا ) عَطْفُ بَيانٍ وهو سائِغٌ في النَّكِراتِ حَيْثُ قالَ: هو تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ وبَيانُ أنَّ تِلْكَ الفِجاجَ نافِذَةٌ فَقَدْ يَكُونُ الفَجُّ غَيْرَ نافِذٍ وقُدِّمَ هُنا وأُخِّرَ في آيَةِ سُورَةِ نُوحٍ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ وارِدَةٌ لِلِامْتِنانِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهَذِهِ لِلِاعْتِبارِ والحَثِّ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ، ومِن ثَمَّ ذُكِرَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى كانَتا ( رَتْقًا ) إلَخِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ نَصْبُ ( فِجاجًا ) هُنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِجَعَلَ ووَجْهُ التَّغايُرِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ لا يَخْفى فَتَأمَّلْ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وقِيلَ: إلى مَصالِحِهِمْ ومُهِمّاتِهِمْ. ورُدَّ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّهُ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وبِأنَّ خَلْقَ السُّبُلِ لا تَظْهَرُ دَلالَتُهُ عَلى ما ذُكِرَ انْتَهى، وفِيهِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى الِاسْتِدْلالِ والِاهْتِداءِ إلى المَصالِحِ:
الأنبياء 21:32
﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مِنَ البِلى والتَّغَيُّرِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والمُرادُ أنَّها جُعِلَتْ مَحْفُوظَةً عَنْ ذَلِكَ الدَّهْرِ الطَّوِيلِ، ولا يُنافِيهِ أنَّها تُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وإلى تَغَيُّرِها ودُثُورِها ذَهَبَ جَمِيعُ
صفحة 39
المُسْلِمِينَ ومُعْظَمُ أجِلَّةِ الفَلاسِفَةِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحِلِّهِ. وقِيلَ: مِنَ الوُقُوعِ، وقالَ الفَرّاءُ: مِنَ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يَكُونُ ذِكْرُ السَّقْفِ لَغْوًا لا يُناسِبُ البَلاغَةَ فَضْلًا عَنِ الإعْجازِ، وذُكِرَ في وجْهِهِ أنَّ المُرادَ أنَّ حِفْظَها لَيْسَ كَحِفْظِ دَوْرِ الأرْضِ فَإنَّ السُّرّاقَ رُبَّما تَسَلَّقَتْ مِن سُقُوفِها بِخِلافِ هَذِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى حِفْظِها عَمَّنْ تَحْتَها ويَدُلُّ عَلى حِفْظِها عَنْهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وفي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى السَّماءِ فَقالَ: «إنَّ السَّماءَ سَقْفٌ مَرْفُوعٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي كَما يَجْرِي السَّهْمُ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الشَّياطِينِ»» وهو إذا صَحَّ لا يَكُونُ نَصًّا في مَعْنى الآيَةِ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُورِدَ عَلى سابِقِهِ كَما لا يَخْفى.
﴿وهم عَنْ آياتِها﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِنا وعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وإرادَتِنا الَّتِي بَعْضُها ظاهِرٌ كالشَّمْسِ وبَعْضُها مَعْلُومٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ ذاهِلُونَ عَنْها لا يُجِيلُونَ قِداحَ الفِكْرِ فِيها، وقَرَأ مُجاهِدٌ. وحَمِيدٌ (عَنْ آيَتِها ) بِالإفْرادِ ووُجِّهَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِمّا فِيها كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِ كَمالِهِ وُحِّدَتِ الآيَةُ لِذَلِكَ، وجُعِلَ الإعْراضُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى إنْكارِ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً دالَّةً عَلى الخالِقِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ في الكَشّافِ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى الخالِقِ مُعْرِضُونَ ولَيْسَ بِلازِمٍ.
الأنبياء 21:33
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ اللَّذَيْنِ هُما آيَتاهُما ولِذا لَمْ يَعُدِ الفِعْلُ بَيانًا لِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هم عَنْها مُعْرِضُونَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ المُوجِبِ لِتَأْكِيدِ الِاعْتِناءِ بِفَحْوى الكَلامِ، ولَمّا كانَ إيجادُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْسَ عَلى نَمَطِ إيجادِ الحَيَواناتِ وإيجادِ الرَّواسِي لَمْ يَتَّحِدِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ جِيءَ بِالجَعْلِ هُناكَ وبِالخَلْقِ هُنا وكَذا قِيلَ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ﴾ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، واعْتَبَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ مُفْرَدًا نَكِرَةً أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في المُغَنِي بِأنَّ المُقَدَّرَ إذا كانَ مُفْرَدًا نَكِرَةً يَجِبُ الإفْرادُ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى كُلٍّ كَما لَوْ صَرَّحَ بِهِ وهُنا قَدْ جُمِعَ فَيَجِبُ عَلى هَذا اعْتِبارُهُ جَمْعًا مُعَرَّفًا أيْ كُلُّهم ومَتى اعْتُبِرَ كَذَلِكَ وجَبَ عِنْدَ ابْنِ هِشامٍ جَمْعُ العائِدِ وإنْ كانَ لَوْ ذُكِرَ لَمْ يَجِبْ، ووُجُوبُ الإفْرادِ في المَسْألَةِ الأُولى والجَمْعِ في الثّانِيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى حالِ المَحْذُوفِ.
وأبُو حَيّانَ يُجَوِّزُ الإفْرادَ والجَمْعَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ هُنا اعْتِبارُ المُضافِ إلَيْهِ مُفْرَدًا نَكِرَةً مَعَ جَمْعِ الضَّمِيرِ بَعْدُ كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مَن تَعْلَمُ عُلُوَّ شَأْنِهِ في العَرَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ خَبَرُهُ، ووَجْهُ إفْرادِهِ ظاهِرٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ المُقَدَّرَةَ لِلْعُمُومِ البَدَلِيِّ لا الشُّمُولِيِّ، ومَن قَدَّرَ جَمْعًا مُعَرَّفًا قالَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ الكُلِّيُّ المُؤَوَّلُ بِالجَمْعِ نَحْوُ كَساهم حُلَّةً بِناءً عَلى أنَّ المَجْمُوعَ لَيْسَ في فَلَكٍ واحِدٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ حالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ و﴿فِي فَلَكٍ﴾ حالًا أوْ مُتَعَلِّقًا بِهِ وجُمْلَةُ ( كُلٌّ ) إلَخْ حالٌ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والرّابِطُ الضَّمِيرُ دُونَ واوٍ بِناءً عَلى جَوازِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ قُبْحٍ، ومَنِ اسْتَقْبَحَهُ جَعَلَها مُسْتَأْنَفَةً وكانَ ضَمِيرُهُما جَمْعًا اعْتِبارًا لِلتَّكْثِيرِ بِتَكاثُرِ المُطالِعِ فَيَكُونُ لَهُما نَظَرًا إلى مَفْهُومِهِما الوَضْعِيِّ أفْرادٌ خارِجِيَّةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا حَقِيقَةً، ولِهَذا السَّبَبِ يُقالُ شُمُوسٌ وأقْمارٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الخارِجِ إلّا شَمْسٌ واحِدَةٌ وقَمَرٌ واحِدٌ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ هُنا تَوافُقُ الفَواصِلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ غُلِّبَ القَمَرانِ لِشَرَفِهِما عَلى سائِرِ الكَواكِبِ فَجُمِعَ الضَّمِيرُ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنُّجُومِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْها.
صفحة 40
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، وفِيهِ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَحْسُنُ وصْفُهُما بِالسِّباحَةِ وإنْ كانَتْ مَجازًا عَنِ السَّيْرِ، واخْتِيارُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إمّا لِأنَّهُما عُقَلاءُ حَقِيقَةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُسْلِمِينَ كالفَلاسِفَةِ، وإمّا لِأنَّهُما عُقَلاءُ ادِّعاءً وتَنْزِيلًا حَيْثُ نُسِبَ إلَيْهِما السِّباحَةُ وهي مِن صَنائِعِ العُقَلاءِ، والفَلَكُ في الأصْلِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ ومِنهُ فَلْكَةُ المِغْزَلِ والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ السَّماءُ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَحْتَ السَّماءِ يَجْرِي فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وفِيهِ القَوْلُ بِاسْتِدارَةِ السَّماءِ وفي (كُلٌّ في فَلَكٍ ) رَمْزٌ خَفِيٌّ إلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْقِلابِ وعَلَيْهِ أدِلَّةٌ جَمَّةٌ. وكَوْنُها سَقْفًا لا يَأْبى ذَلِكَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ إطْلاقُ الفَلَكِ عَلى السَّماءِ ووَصَفُوهُ بِأنَّهُ حَيٌّ عالِمٌ مُتَحَرِّكٌ بِالإرادَةِ حَرَكَةً مُسْتَدِيرَةً لا غَيْرَ ولا يَقْبَلُ الكَوْنَ والفَسادَ والنُّمُوَّ والذُّبُولَ والخَرْقَ والِالتِئامَ ونَوْعُهُ مُنْحَصِرٌ في شَخْصِهِ وأنَّهُ لا حارٌّ ولا بارِدٌ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ ولا خَفِيفٌ ولا ثَقِيلٌ، وأكْثَرُ هَذِهِ الأوْصافِ مُتَفَرِّعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في طِباعِهِ مَيْلٌ مُسْتَقِيمٌ، وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وبَنَوْا عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ أنَّ الكَوْكَبَ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ الفَلَكِ ولَمّا رَأوْا حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً قالُوا بِتَعَدُّدِ الأفْلاكِ، والمَشْهُورُ أنَّ الأفْلاكَ الكُلِّيَّةَ تِسْعَةٌ سَبْعَةٌ لِلسَّبْعِ السَّيّارَةِ وواحِدٌ لِلثَّوابِتِ وآخَرُ لِتَحْرِيكِ الجَمِيعِ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ، والحَقُّ أنَّهُ لا قاطِعَ عَلى نَفْيِ ما عَدا ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ الشَّيْخَ الرَّئِيسَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أنَّ الثَّوابِتَ في كَرَّةٍ واحِدَةٍ أوْ في كَرّاتٍ مُنْطَوٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهم إنَّ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ مُتَشابِهَةٌ ومَتى كانْتُ كَذَلِكَ كانَتْ مَرْكُوزَةً في فَلَكٍ واحِدٍ غَيْرُ يَقِينِيٍّ أمّا صُغْراهُ فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في الحِسِّ مُتَشابِهَةً لَكِنْ لَعَلَّها لا تَكُونُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ الواحِدَةَ مِنها تُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في سِتٍّ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ والأُخْرى تُتَمِّمُها في هَذا الزَّمانِ لَكِنْ بِنُقْصانِ عاشِرَةٍ أوْ أقَلَّ فالَّذِي يَخُصُّ الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ مِن هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ يَقِلُّ جِدًّا بِحَيْثُ لا تَفِي أعْمارُنا بِضَبْطِهِ وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ سَقَطَ القَطْعُ بِالتَّشابُهِ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ سُقُوطًا والِاحْتِمالَ قُوَّةً وِجْدانُ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ الأرْصادِ كَوْكَبًا أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ الثَّوابِتِ وأبْطَأ مِنَ السَّيّارَةِ سَمَّوْهُ بِهِرْشِلَ ولَمْ يَظْفَرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الدُّهُورِ الماضِيَةِ، وأمّا كُبْراهُ فَلِاحْتِمالِ اشْتِراكِ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ في كَثِيرٍ مِنَ اللَّوازِمِ فَيَجُوزُ أنَّ لِكُلٍّ فَلَكًا عَلى حِدَةٍ وتَكُونُ تِلْكَ الأفْلاكُ مُتَوافِقَةً في حَرَكاتِها جِهَةً وقُطْبًا ومِنطَقَةً وبَطْنًا، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِمالَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ بَلْ حاصِلٌ في كُلِّ الأفْلاكِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ أفْلاكِ السَّيّارَةِ أفْلاكُ أُخَرُ، وما يُقالُ في إبْطالِهِ مِن أنَّ أقْرَبَ قُرْبِ كُلِّ كَوْكَبٍ يُساوِي أبْعَدَ بُعْدِ كُلِّ الكَواكِبِ الَّتِي فُرِضَتْ تَحْتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ بَيْنَ أبْعَدِ بُعْدِ القَمَرِ وأقْرَبِ قُرْبِ عُطارِدَ ثَخَنَ فَلَكِ جَوْزَهَرِ القَمَرِ، وقَدْ ذَكَرَ المُحَقِّقُونَ مِن أصْحابِ الهَيْئَةِ أنَّ لِفَلَكِ التَّدْوِيرِ لِكُلٍّ مِنَ العُلْوِيَّةِ ثَلاثَ أُكَرٍ مُحِيطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ وجِرْمُ الكَوْكَبِ مَرْكُوزٌ في الكُرَةِ الدّاخِلَةِ فَيَكُونُ مِقْدارُ ثَخَنِ أرْبَعِ كُراتٍ مِن تِلْكَ التَّداوِيرِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ السّافِلِ والعالِي ثَخَنَ كُرَتَيْنِ حائِلًا بَيْنَ أقْرَبِ قُرْبِ العالِي وأبْعَدِ بُعْدِ السّافِلِ، وأثْبَتُوا لِلسُّفْلِيَّةِ خَمْسَةَ تَداوِيرَ فَيَكُونُ بَيْنَ أقْرَبِ قُرْبِ الزَّهْرَةِ وأبْعَدِ بُعْدِ عُطارِدَ ثَخَنُ ثَمانِي كُراتٍ عَلى أنَّهم إنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ أقْرَبَ قُرْبِ العالِي مُساوٍ لِأبْعَدِ بُعْدِ السّافِلِ لِاعْتِقادِهِمْ أوَّلًا أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الأفْلاكِ ما يَتَخَلَّلُها فَلَيْسَ يُمْكِنُهم بِناءُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ آخَرَ، وقَوْلُهم لا فَضْلَ في الفَلَكِيّاتِ مَعَ أنَّهُ كَما تَرى يُبْطِلُهُ ما قالُوا في عِظَمِ ثَخَنِ المُحَدَّدِ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ فَوْقَ التّاسِعِ مِنَ الأفْلاكِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ
صفحة 41
هَذا الفَلَكُ التّاسِعُ بِما فِيهِ مِنَ الكُراتِ مَرْكُوزًا في ثَخَنِ كُرَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ ويَكُونُ في ثَخَنِ تِلْكَ الكُرَةِ ألْفُ ألْفِ كُرَةٍ مِثْلِ الكُراتِ ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا فَإنَّ تَدْوِيرَ المَرِّيخِ أعْظَمُ مِن مُمَثِّلِ الشَّمْسِ فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَأيُّ بَأْسٍ بِأنْ يُفْرَضَ مِثْلُهُ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ. ويَجُوزُ أيْضًا كَما قِيلَ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ الكُلِّيَّةُ ثَمانِيَةً لا مَكانَ كَوْنَ جَمِيعِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ أيْ في مُتَمِّمِهِ الحاوِي عَلى أنْ يَتَحَرَّكَ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ والفَلَكُ الثّامِنُ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ بَلْ قِيلَ مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ سَبْعَةً بِأنْ تُفْرَضَ الثَّوابِتُ ودَوائِرُ البُرُوجِ عَلى مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ ونَفْسانُ تَتَّصِلُ إحْداهُما بِمَجْمُوعِ السَّبْعَةِ وتُحَرِّكُها إحْدى الحَرَكَتَيْنِ السَّرِيعَةِ والبَطِيئَةِ والأُخْرى بِالفَلَكِ السّابِعِ وتُحَرِّكُهُ الأُخْرى فَلا قاطِعَ أيْضًا عَلى نَفْيِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ. ثُمَّ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يَجْرِي في ثَخَنِ فَلَكِهِ ولا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا ودَلِيلُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وهو أنَّهُ لَوْ كانَ الفَلَكُ قابِلًا لِذَلِكَ لَكانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ المُسْتَقِيمَةِ وهي مُحالٌ عَلَيْهِ غَيْرُ تامٍّ وعَلى فَرْضِ تَمامِهِ إنَّما يَتِمُّ في المُحَدَّدِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَرْقُ في الفَلَكِ مِن جِهَةِ بَعْضِ أجْزائِهِ عَلى الِاسْتِدارَةِ فَلا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ مُطْلَقًا مُتَحَرِّكَةٌ في أفْلاكِها حَرَكَةَ الحِيتانِ في الماءِ ولا يَبْطُلُ بِهِ عِلْمُ الهَيْئَةِ لِأنَّ حَرَكاتِها يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُتَشابِهَةً حَوْلَ مَراكِزِ أفْلاكِها أيْ لا تُسْرِعُ ولا تُبْطِئُ ولا تَقِفُ ولا تَرْجِعُ ولا تَنْعَطِفُ، وقَوْلُ السَّهْرَوَرْدِيِّ في المُطارَحاتِ: لَوْ كانَتِ الأفْلاكُ قابِلَةً لِلْخَرْقِ وقَدْ بَرْهَنَ عَلى كَوْنِها ذاتَ حَياةٍ فَعِنْدَ حُصُولِ الخَرْقِ فِيها وتَبَدُّدِ الأجْزاءِ فَإنْ لَمْ تُحَسَّ فَلَيْسَ جُزْؤُها المُنْخَرِقُ لَهُ نِسْبَةٌ إلى الآخَرِ بِجامِعٍ إدْراكِيٍّ ولا خَبَرَ لَها عَنْ أجْزائِها وما سَرى لِنَفْسِها قُوَّةٌ في بَدَنِها جامِعَةٌ لِتِلْكَ الأجْزاءِ فَلا عَلاقَةَ لِنَفْسِها مَعَ بَدَنِها، وقَدْ قِيلَ إنَّها ذاتُ حَياةٍ وإنْ كانَتْ تُحَسُّ فَلا بُدَّ مِنَ التَّألُّمِ بِتَبْدِيدِ الأجْزاءِ فَإنَّهُ شُعُورٌ بِالمُنافِي وكُلُّ شُعُورٍ بِالمُنافِي إمّا ألَمٌ أوْ مُوجِبٌ لِألَمٍ وإذا كانَ كَذا وكانَتِ الكَواكِبُ تَخْرُقُها بِجَرْيِها كانَتْ في عَذابٍ دائِمٍ، وسَنُبَرْهِنُ عَلى أنَّ الأُمُورَ الدّائِمَةَ غَيْرَ المُمْكِنَةِ الإشْرافُ لا يُتَصَوَّرُ عَلَيْها لا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الخِطابِيّاتِ بَلْ مِمّا هو أدْوَنُ مِنها.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القَوِيَّةِ مِمّا لا بُرْهانَ عَلَيْهِ مِنَ البَراهِينِ الضَّعِيفَةِ، وادَّعى الإمامُ أنَّها كَما تَدُلُّ عَلى جَرْيِ الكَوْكَبِ تَدُلُّ عَلى سُكُونِ الفَلَكِ، والحَقُّ أنَّها مُجْمَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السُّكُونِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ فِيهِ، وإلى حَرَكَتِهِ وسُكُونِ الفَلَكِ بِأسْرِهِ ذَهَبَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ ويُحْكى عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ فِيهِ إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لَها إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ أوْ مُخالِفَةٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ ساكِنًا فِيهِ كَما هو عِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ أوْ مُتَحَرِّكًا عَلى نَفْسِهِ كَما هو عِنْدَ مُحَقِّقِيهِمْ والفَلَكُ بِأسْرِهِ مُتَحَرِّكًا وهو الَّذِي أوْجَبَهُ الفَلاسِفَةُ لِما لا يُسَلِّمُ لَهم ولا يَتِمُّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ مِنهم.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ في جِسْمٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ ثَخَنِ الفَلَكِ شَبِيهٌ بِحَلْقَةِ قُطْرِهِ مُساوٍ لِقُطْرِ الكَوْكَبِ وهو الَّذِي يَتَحَرَّكُ بِهِ ويَكُونُ الفَلَكُ ساكِنًا ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في ثَخَنِ الفَلَكِ خَلاءً يَدُورُ الكَوْكَبُ فِيهِ مَعَ سُكُونِ الفَلَكِ أوْ حَرَكَتِهِ ولَيْسَ في هَذا قَوْلٌ بِالخَرْقِ والِالتِئامِ بَلْ فِيهِ القَوْلُ بِالخَلاءِ وهو عِنْدَنا وعِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ جائِزٌ خِلافًا لِأرِسْطاطالِيسَ وأتْباعِهِ، ودَلِيلُ الجَوازِ أقْوى مِن صَخْرَةٍ مَلْساءٍ، والقَوْلُ بِأنَّ الفَلَكَ بَسِيطٌ فَبَساطَتُهُ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ في ثَخَنِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَما ذَكَرُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى البَساطَةِ عَلى ضَعْفِهِ لا يَتَأتّى إلّا في المُحَدَّدِ دُونَ سائِرِ الأفْلاكِ، وأيْضًا مَتى جازَ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُجَوَّفًا مَعَ بَساطَتِهِ فَلْيَجُزْ ما ذُكِرَ مَعَها ولا يَكادُ يَتِمُّ لَهُمُ
صفحة 42
التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الكَواكِبَ جَمِيعَها مُعَلَّقَةٌ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ تَحْتَ سَماءِ الدُّنْيا بِأيْدِي مَلائِكَةٍ يُجْرُونَها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكادُ يَصِحُّ وإنْ كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا، والَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ الفَلاسِفَةِ والهَيْئِيِّينَ أنَّ الحَرَكَةَ الخاصَّةَ بِالكَوْكَبِ الثّابِتَةَ لِفَلَكِهِ أوَّلًا وبِالذّاتِ آخِذَةٌ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ وهي الحَرَكَةُ عَلى تَوالِي البُرُوجِ وتُسَمّى الحَرَكَةُ الثّانِيَةُ والحَرَكَةُ البَطِيئَةُ وهي ظاهِرَةٌ في السَّيّاراتِ وفي القَمَرِ مِنها في غايَةِ الظُّهُورِ وفي الثَّوابِتِ خَفِيَّةٌ ولِهَذا لَمْ يُثْبِتْها المُتَقَدِّمُونَ مِنهم، وغَيْرُ الخاصَّةِ بِهِ الثّابِتَةُ لِفَلَكِهِ ثانِيًا وبِالعَرْضِ آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وتُسَمّى الحَرَكَةُ الأُولى والحَرَكَةُ السَّرِيعَةُ وهي بِواسِطَةِ حَرَكَةِ المُحَدَّدِ وبِها يَكُونُ اللَّيْلُ والنَّهارُ في سائِرِ المَعْمُورَةِ، وأمّا في عَرْضِ تِسْعِينَ ونَحْوِهِ فَفي الحَرَكَةِ الثّانِيَةِ فَعِنْدَهم لِلْكَوْكَبِ حَرَكَتانِ مُخْتَلِفَتانِ جِهَةً وبُطْأً ومَثَّلُوهُما بِحَرَكَةِ رَحًى إلى جِهَةٍ سَرِيعًا وحَرَكَةِ نَمْلَةٍ عَلَيْها إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ بَطِيئًا.
وذَهَبَ بَعْضُ الأوائِلِ إلى أنَّهُ لا حَرَكَةَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ بَلْ حَرَكاتُها كُلُّها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِأنَّها أوْلى بِهَذِهِ الأجْرامِ لِكَوْنِها أقَلَّ مُخالَفَةً ولِأنَّ غايَةَ الحَرَكَةِ لِلْجِرْمِ الأقْصى وغايَةَ السُّكُونِ لِلْأرْضِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو أقْرَبُ إلى الأقْصى أسْرَعَ مِمّا هو أبْعَدُ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُها مِنَ المَشْرِقِ وبَعْضُها مِنَ المَغْرِبِ يَلْزَمُ أنْ يَتَحَرَّكَ الكَوْكَبُ بِحَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جِهَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى جِهَةٍ تَقْتَضِي حُصُولَ المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقَلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دُفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الحَرَكَتانِ طَبِيعِيَّتَيْنِ أوْ قَسْرِيَّتَيْنِ أوْ إحْداهُما طَبِيعِيَّةً والأُخْرى قَسْرِيَّةً.
ولا يُدْفَعُ هَذا بِما يُشاهَدُ مِن حَرَكَةِ النَّمْلَةِ عَلى الرَّحى إلى جِهَةٍ حالَ حَرَكَةِ الرَّحى إلى خِلافِها لِأنَّهُ مِثالٌ والمِثالُ لا يَقْدَحُ في البُرْهانِ ولِأنَّ القَطْعَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكاتِ جائِزٌ أمّا عَلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ فَمُحالٌ، وما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ غَيْرَ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مِنَ المَشْرِقِ ويَظُنُّ أنَّها مِنَ المَغْرِبِ وبَيانُهُ أنَّ المُتَحَرِّكَيْنِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ حَرَكَةً دَوْرِيَّةً مَتى كانَ أحَدُهُما أسْرَعَ مِن حَرَكَةِ الآخَرِ فَإنَّهُما إذا تَحَرَّكا إلى تِلْكَ الجِهَةِ رُؤِيَ الإبْطاءُ مِنهُما مُتَخَلِّفًا فَيُظَنُّ أنَّهُ مُتَحَرِّكٌ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ لِأنَّهُما إذا اقْتَرَنا ثُمَّ تَحَرَّكا في الجِهَةِ بِما لَهُما مِنَ الحَرَكَةِ فَسارَ السَّرِيعُ دَوْرَةً تامَّةً وسارَ البَطِيءُ دَوْرَةَ الأقْوى صارَ البَطِيءُ مُتَخَلِّفًا عَنِ السَّرِيعِ في الجِهَةِ المُخالِفَةِ لِجِهَةِ حَرَكَتِهِما بِتِلْكَ القَوْسِ، وقالُوا: يَجِبُ المَصِيرُ إلى ذَلِكَ لِما أنَّ البُرْهانَ يَقْتَضِيهِ ولا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ النُّجُومِيَّةِ.
وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ في المُلَخَّصِ ما ذُكِرَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى مُحالِيَّةِ الحَرَكَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيِ الجِهَةِ لِلْجِسْمِ الواحِدِ إشْكالًا عَلى القائِلِينَ بِهِما ثُمَّ قالَ: ولِقُوَّةِ هَذا الكَلامِ أثْبَتَ بَعْضُهُمُ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ لِكُرَةِ الأرْضِ لا لِكُرَةِ السَّماءِ وإنْ كانَ ذَلِكَ باطِلًا وأوْرَدَهُ في التَّفْسِيرِ وسَمّاهُ بُرْهانًا قاطِعًا وذَهَبَ فِيهِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا البَعْضُ مِن أنَّ الحَرَكاتِ كُلَّها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لَكِنَّها مُخْتَلِفَةٌ سُرْعَةً وبُطْأً وفِيما ذَكَرُوهُ نَظَرٌ لِأنَّ الشُّبْهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ اقْناعِيَّتانِ والثّالِثَةَ وإنْ كانَتْ بُرْهانِيَّةً لَكِنَّ فَسادَها أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وأمّا أنَّ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ النُّجُومِيَّةِ لا يُبْطِلُهُ فَباطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ الخاصَّةَ لِلْكَوْكَبِ أعْنِي حَرَكَةَ القَمَرِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ مَثَلًا دَوْرَةً إلّا قَوْسًا لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى قُطْبَيِ البُرُوجِ لِأنَّها تُوجَدُ مُوازِيَةً لِمُعَدَّلِ النَّهارِ ولا عَلى قُطْبَيِ المُعَدَّلِ وإلّا لَما زالَتْ عَنْ مُوازاتِهِ ولَما انْتَظَمَتْ مِنَ القُسِيِّ الَّتِي تَتَأخَّرُ فِيها كُلَّ يَوْمٍ دائِرَةٌ عَظِيمَةٌ مُقاطِعَةٌ لِلْمُعَدَّلِ كَدائِرَةِ البُرُوجِ مِنَ القُسِيِّ الَّتِي تَأخَّرَتِ الشَّمْسُ فِيها بَلِ انْتَظَمَتْ صَغِيرَةً مُوازِيَةً لَهُ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ الكَوْكَبُ عَلى المُعَدَّلِ مِقْدارَ ما يُتَمِّمُ بِحَرَكَتِهِ دَوْرَةً فَإنَّ المُنْتَظِمَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ نَفْسَ المُعَدَّلِ لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ
صفحة 43
فِي الكَواكِبِ الَّتِي نَعْرِفُها ولا عَلى قُطْبَيْنِ غَيْرِ قُطْبَيْهِما وإلّا لَكانَ يُرى مَسِيرُهُ فَوْقَ الأرْضِ عَلى دائِرَةٍ مُقاطِعَةٍ لِلدَّوائِرِ المُتَوازِيَةِ ولَمْ تَكُنْ دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ تَفْصِلُ الزَّمانَ الَّذِي مِن حِينِ يَطْلُعُ إلى حِينِ يَغْرُبُ بِنِصْفَيْنِ لِأنَّ قُطْبَيْ فَلَكِهِ المائِلِ لا يَكُونُ دائِمًا عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ فَلا تَنْفَصِلُ قُسِيُّ مُداراتِهِ الظّاهِرَةُ بِنِصْفَيْنِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوا لَكانَتِ الشَّمْسُ تَصِلُ إلى أوْجِها وحَضِيضِها وبُعْدَيْها الأوْسَطَيْنِ بَلْ إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ فَيَجِبُ أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الأظْلالِ اللّائِقَةِ بِكَوْنِ الشَّمْسِ في هَذِهِ المَواضِعِ في اليَوْمِ الواحِدِ والوُجُودِ بِخِلافِهِ.
وقَوْلُ مَن قالَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَرَكَةُ الشَّمْسِ في دائِرَةِ البُرُوجِ إلى المَغْرِبِ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اليَوْمُ الواحِدُ بِلَيْلَتِهِ يَنْقُصُ عَنْ دَوْرِ مُعَدَّلِ النَّهارِ بِقَدْرِ القَوْسِ الَّتِي قَطَعَتْها الشَّمْسُ بِالتَّقْرِيبِ بِخِلافِ ما هو الواقِعُ لِأنَّهُ يَزِيدُ عَلى دَوْرِ المُعَدَّلِ بِذَلِكَ القَدْرِ ولَكانَ يُرى قَطْعُها البُرُوجِ عَلى خِلافِ التَّوالِي ولَيْسَ كَذَلِكَ لِتَأخُّرِها عَنِ الجُزْءِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ مَعَها مِنَ المُعَدَّلِ في كُلِّ يَوْمٍ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإذًا حَرَكاتُ الأفْلاكِ الشّامِلَةِ لِلْأرْضِ ثَنَتانِ حَرَكَةٌ إلى التَّوالِي وأُخْرى إلى خِلافِهِ، وأمّا حَرَكاتُ التَّداوِيرِ فَخارِجَةٌ عَنِ القِسْمَيْنِ لِأنَّ حَرَكاتِ أعالِيها مُخالِفَةٌ لِحَرَكاتِ أسافِلِها لا مَحالَةَ لِكَوْنِها غَيْرَ شامِلَةٍ لِلْأرْضِ، فَإنْ كانَتْ حَرَكَةُ الأعْلى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَحَرَكَةُ الأسْفَلِ بِالعَكْسِ كَما في المُتَحَيِّرَةِ، وإنْ كانَتْ حَرَكَةُ الأعْلى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كانَتْ حَرَكَةُ الأسْفَلِ بِالعَكْسِ كَما في القَمَرِ. هَذا وقُصارى ما نَقُولُ في هَذا المَقامِ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في أمْرِ الأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وأوْضاعِها أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ ولا دَلِيلَ عَلى أنَّهُ هو الواقِعُ لا غَيْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى خِلافِهِ أهْلُ لَنْدَنَ وغَيْرُهم مِن أصْحابِ الأرْصادِ اليَوْمَ، وكَذا أصْحابُ القَلْبِيَّةِ والمَعارِجِ المَعْنَوِيَّةِ كالشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ. وأمّا السَّلَفُ الصّالِحُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهم تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَلِيلُ الجَدْوى ووَقَفُوا حَيْثُ صَحَّ الخَبَرُ وقالُوا: إنَّ اخْتِلافَ الحَرَكاتِ ونَحْوَهُ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ وتَشَبَّثُوا فِيما صَحَّ وخَفِيَ سَبَبُهُ بِأذْيالِ التَّسْلِيمِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ السَّماواتِ عَلى طِبْقِ ما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ في أمْرِ الثَّخَنِ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ ولا أخْرُجُ عَنْ دائِرَةِ هَذا المَيْلِ، وأقُولُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَخَنَ كُلِّ سَماءٍ فَلَكٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ السَّيّاراتِ عَلى نَحْوِ الفَلَكِ الَّذِي أثْبَتَهُ الفَلاسِفَةُ لَها وحَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ عَلى نَحْوِ حَرَكَتِهِ عِنْدَهم وحَرَكَتُهُ العَرْضِيَّةُ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ سَمائِهِ إلى المَغْرِبِ الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةُ فَتَكُونُ حَرَكاتُ السَّماواتِ مُتَساوِيَةً، وإنْ أبَيْتَ تَحَرُّكَ السَّماءِ بِجَمِيعِ ما فِيها لِإباءِ بَعْضِ الأخْبارِ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُوجِبُهُ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُحَرِّكٌ في ثَخَنِ السَّماءِ أيْضًا ويَبْقى ما يَبْقى مِنها ساكِنًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَطْحِهِ الأعْلى مَلائِكَةٌ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، ولِلْفَلاسِفَةِ في تَحْقِيقِ أنَّ المُحِيطَ كَيْفَ يُحَرِّكُ المُحاطَ بِهِ كَلامٌ تَعَقَّبَهُ الإمامُ ثُمَّ قالَ: الصَّحِيحُ أنَّ المُحَرِّكَ لِلْكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى بِاخْتِيارِهِ وإنْ ثَبَتَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِمْ كَوْنُ الحاوِي مُحَرِّكًا لِلْمَحْوِيِّ فَإنَّهُ يَكُونُ مُحَرِّكًا بِقُوَّةِ نَفْسِهِ لا بِالمُماسَّةِ، وأمّا الثَّوابِتُ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في فَلَكٍ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في ثَخَنِ السَّماءِ السّابِعَةِ فَوْقَ فَلَكِ زُحَلَ بَلْ إذا قِيلَ بِأنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ في ثَخَنِ السَّماءِ الدُّنْيا تَتَحَرَّكُ عَلى أفْلاكٍ مُماثِلَةٍ لِلْأفْلاكِ الَّتِي أثْبَتَها لَها الفَلاسِفَةُ ويَكُونُ لَها حَرَكَتانِ عَلى نَحْوِ ما يَقُولُونَ لَمْ يَبْعُدْ، وفِيهِ حِفْظٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [المُلْكَ: 5] وما ذَكَرُوهُ في عِلْمِ الأجْرامِ والأبْعادِ عَلى اضْطِرابِهِ لا يَلْزَمُنا تَسْلِيمُهُ فَلا يَرِدُ أنَّهم قالُوا بُعْدُ
صفحة 44
الثَّوابِتِ عَنْ مَرْكَزِ الأرْضِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةٍ واثْنا عَشَرَ ألْفًا وثَمانِمِائَةٍ وتِسْعٌ وتِسْعُونَ فَرْسَخًا، وما ورَدَ في الخَبَرِ مِن أنَّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وسُمْكَ السَّماءِ كَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ وجْهِ الأرْضِ والثَّوابِتِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ألْفُ عامٍ وفَراسِخُ مَسِيرَةُ ذَلِكَ مَعَ فَراسِخِ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ وهي ألْفٌ ومِائَتانِ وثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ تَقْرِيبًا عَلى ما قِيلَ دُونَ ما ذُكِرَ بِكَثِيرٍ.
ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: العَدَدُ لا مَفْهُومَ لَهُ واخْتِيارُ خَمْسِمِائَةٍ لِما أنَّ الخَمْسَةَ عَدَدٌ دائِرٌ فَيَكُونُ في ذَلِكَ رَمْزٌ خَفِيٌّ إلى الِاسْتِدارَةِ كَما قِيلَ في كُلِّ فَلَكٍ، ويُشِيرُ إلى صِحَّةِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ في ثَخَنِ السَّماءِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلُ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن مَشْرِقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ، والأخْبارُ المَرْفُوعَةُ والمَوْقُوفَةُ في أمْرِ الكَواكِبِ والسَّماواتِ والأرْضِ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ مِنها ما ذَكَرَ في رِسالَةٍ ألَّفَها في بَيانِ الهَيْئَةِ السُّنِّيَّةِ، وإذا رَصَدْتَها رَأيْتَ أكْثَرَها مائِلًا عَنْ دائِرَةِ بُرُوجٍ القَبُولِ، وفِيها ما يُشْعِرُ بِأنَّ لِلْكَوْكَبِ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً نَحْوُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتّى يُوَتَّرَ لَها كَما تُوَتَّرُ القَوْسُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالسِّباحَةِ الحَرَكَةُ الذّاتِيَّةُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الحَرَكَةُ العَرْضِيَّةُ بَلْ قِيلَ هَذا أوْلى لِأنَّ تِلْكَ غَيْرُ مُشاهَدَةٍ مُشاهَدَةَ هَذِهِ بَلْ عَوامُّ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الحَرَكَتَيْنِ، واسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن نِسْبَةِ السِّباحَةِ إلى الكَوْكَبِ أنْ لَيْسَ هُناكَ حامِلٌ لَهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ مُطْلَقًا بَلْ هو مُتَحَرِّكٌ بِنَفْسِهِ في الفَلَكِ تَحَرُّكَ السَّمَكَةِ في الماءِ إذْ لا يُقالُ لِلْجالِسِ في صُنْدُوقٍ أوْ جِذْعٍ يَجْرِي في الماءِ إنَّهُ يَسْبَحُ، واخْتارَ أنَّهُ يَجْرِي في مَجْرًى قابِلٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ كالماءِ ودُونَ إثْباتِ اسْتِحالَةِ ذَلِكَ العُرُوجِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وهو سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وعَلى مِحْوَرِ هِدايَتِهِ تَدُورُ كُرَةُ التَّحْقِيقِ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِمّا رَأيْنا إيرادَهُ مُناسِبًا لِهَذا المَقامِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نُبْذَةٌ أُخْرى مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الكَلامِ
الأنبياء 21:34
﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ﴾ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيِ الخُلُودَ والبَقاءَ في الدُّنْيا لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ، وقِيلَ الخُلْدُ المُكْثُ الطَّوِيلُ ومِنهُ قَوْلُهم لِلْأثافِيِّ خَوالِدُ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى عَدَمِ حَياةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿أفَإنْ مِتَّ﴾ بِمُقْتَضى حِكْمَتِنا ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالُوا ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطَّوْرَ: 30] والفاءُ الأُولى لِتَعْلِيقِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِما قَبْلَها والهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِها وهي في الحَقِيقَةِ لِإنْكارِ جَزائِها أعْنِي ما بَعْدَ الفاءِ الثّانِيَةِ. وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ مَصَبُّ الإنْكارِ والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ ولَيْسَ بِذاكَ، ويَتَضَمَّنُ إنْكارُ ما ذُكِرَ إنْكارَ ما هو مَدارٌ لَهُ وُجُودًا وعَدَمًا مِن شَماتَتِهِمْ بِمَوْتِهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ حَتّى يَشْمَتُوا بِمَوْتِكَ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ:
تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ تَزَوُّدْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ
وقَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ:
إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ ∗∗∗ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا
صفحة 45
فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا ∗∗∗ سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ ونَقَلَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأدْنى زِيادَةٍ أنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى ما سِيقَ لَهُ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن حَيْثُ النُّبُوَّةُ لِيَتَخَلَّصَ مِنهُ إلى تَقْرِيرِ مُشَرِّعٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أفْحَمَ القائِلِينَ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ والمُتَّخِذِينَ لَهُ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ وبَكَّتَهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى إفْحامِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ﴾ إلَخْ لِأنَّ الخَصْمَ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ مُتَشَبَّثٌ تَمَنّى هَلاكَ خَصْمِهِ.
الأنبياء 21:35
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ بُرْهانٌ عَلى ما أنْكَرَ مِن خُلُودِهِمْ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ إلَخْ، والمَوْتُ عِنْدَ الشَّيْخِ الأشْعَرِيِّ كَيْفِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ تَضادُّ الحَياةَ، وعِنْدَ الإسْفِرايِنِيِّ وعُزِيَ لِلْأكْثَرِينَ أنَّهُ عَدَمُ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ عَدَمُ تِلْكَ الحَياةِ كَما في العَمى الطّارِئِ عَلى البَصَرِ لا مُطْلَقُ العَمى فَلا يَلْزَمُ كَوْنُ عَدَمِ الحَياةِ عَنِ الجَنِينِ عِنْدَ اسْتِعْدادِهِ لِلْحَياةِ مَوْتًا، وقِيلَ عَدَمُ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ الحَياةُ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُ ذَلِكَ ولا ضَيْرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةَ: 28] واسْتَدَلَّ الأشْعَرِيُّ عَلى كَوْنِهِ وُجُودِيًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكَ: 2] فَإنَّ الخَلْقَ هو الإيجادُ والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ وبِأنَّهُ جائِزٌ والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ والعَدَمُ لا يَفْعَلُ. وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وهو أعَمُّ مِنَ الإيجادِ ولَوْ سُلِّمَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإيجادِ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِخَلْقِ المَوْتِ إيجادُ أسْبابِهِ أوْ يُقَدَّرُ المُضافُ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ في الكَلامِ، وعَنِ الأُسْتاذِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ الآخِرَةُ والحَياةُ الدُّنْيا لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُما بِذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الفاعِلَ قَدْ يُرِيدُ العَدَمَ كَما يُرِيدُ الحَياةَ فالفاعِلُ يَعْدَمُ الحَياةَ كَما يَعْدَمُ البَصَرَ مَثَلًا.
وقالَ اللَّقانِيُّ: الظّاهِرُ قاضٍ بِما عَلَيْهِ الأشْعَرِيُّ والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ العُدُولِ، وكَلامُهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ عَرَضٌ وتَوَقَّفَ بَعْضُ العُلَماءِ القائِلِينَ بِأنَّهُ وُجُودِيٌّ في أنَّهُ جَوْهَرٌ أوْ عَرَضٌ لِما أنَّ في بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّهُ مَعْنًى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في كَفِّ مَلَكِ المَوْتِ، وفي بَعْضِها أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ يَجِدُ رِيحَهُ إلّا ماتَ، وجُلُّ عِباراتِ العُلَماءِ أنَّهُ عَرَضٌ يَعْقُبُ الحَياةَ أوْ فَسادُ بِنْيَةِ الحَيَوانِ، والأوَّلُ غَيْرُ مانِعٍ والثّانِي رَسْمٌ بِالثَّمَرَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قالَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّهُ تَعَطُّلُ القُوى لِانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ الَّتِي هي آلَتُها فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِانْطِفاءِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَهو المَوْتُ الطَّبِيعِيُّ وإلّا فَهو الغَيْرُ الطَّبِيعِيُّ، والنّاسُ لا يَعْرِفُونَ مِنَ المَوْتِ إلّا انْقِطاعَ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ التَّعَلُّقَ المَخْصُوصَ ومُفارَقَتِها إيّاهُ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ وهي مُطْلَقًا أعَمُّ مِنَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ كَما أنَّ الحَيَوانَ مُطْلَقًا أعَمُّ مِنَ الإنْسانِ.
والنُّفُوسُ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم ثَلاثَةٌ: النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ والفَلَكِيَّةُ والنَّفْسُ مَقُولَةٌ عَلى الثَّلاثَةِ بِالِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ عَلى ما حَكاهُ الإمامُ في المُلَخَّصِ عَنِ المُحَقِّقِينَ. وبِالِاشْتِراكِ المَعْنَوِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ في الشِّفاءِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحِلِّهِ، وإرادَةُ ما يَشْمَلُ الجَمِيعَ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِها النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِنَفْيِ خُلُودِ البَشَرِ، واخْتِيرَ عُمُومُها لِتَشْمَلَ نُفُوسَ البَشَرِ والجِنِّ وسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ ولا يَضُرُّ ذَلِكَ بِالسَّوْقِ بَلْ هو أنْفَعُ فِيهِ، ولا شَكَّ في مَوْتِ كُلٍّ مِن أفْرادِ تِلْكَ الأنْواعِ، نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ إرادَةُ عُمُومِها بِحَيْثُ تَشْمَلُ نَفْسَ كُلِّ حَيٍّ كالمَلَكِ وغَيْرِهِ أمْ لا بِناءً عَلى الِاخْتِلافِ في مَوْتِ
صفحة 46
المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والحُورِ العِينِ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ الكُلَّ يَمُوتُونَ ولَوْ لَحْظَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القَصَصَ: 88] وقالَ بَعْضُهم: إنَّهم لا يَمُوتُونَ لِدَلالَةِ بَعْضِ الأخْبارِ عَلى ذَلِكَ، والمُرادُ مِن كُلِّ نَفْسٍ النُّفُوسُ الأرْضِيَّةُ والآيَةُ الَّتِي اسْتُدِلَّ بِها مُؤَوَّلَةٌ بِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وهم داخِلُونَ في المُسْتَثْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمُرَ: 68] أوَّلًا يُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ صَعْقٍ مَوْتٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَلائِكَةَ يَمُوتُونَ والحُورَ لا تَمُوتُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَمُوتُونَ وبَعْضُهم لا يَمُوتُ كَجِبْرِيلَ وإسْرافِيلَ ومِيكائِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورُجِّحَ قَوْلُ البَعْضِ، ولا يَرِدُ أنَّ المَوْتَ يَقْتَضِي مُفارَقَةَ الرُّوحِ البَدَنَ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا أبْدانَ لَهم لِأنَّ القائِلَ بِمَوْتِهِمْ يَقُولُ بِأنَّ لَهم أبْدانًا لَكِنَّها لَطِيفَةٌ كَما هو الحَقُّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، ورُبَّما يَمْنَعُ اقْتِضاءُ المَوْتِ البَدَنَ. وبالَغَ بَعْضُهم فادَّعى أنَّ النُّفُوسَ أنْفُسَها تَمُوتُ بَعْدَ مُفارَقَتِها لِلْبَدَنِ وإنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ المُفارَقَةِ ذاتَ بَدَنٍ، وكَأنَّهُ يَلْتَزِمُ تَفْسِيرَ المَوْتِ بِالعَدَمِ والِاضْمِحْلالِ، والحَقُّ أنَّها لا تَمُوتُ سَواءٌ فُسِرَّ المَوْتُ بِما ذُكِرَ أمْ لا، وقَدْ أشارَ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ الكِنْدِيُّ إلى هَذا الِاخْتِلافِ بِقَوْلِهِ:
تَنازَعَ النّاسُ حَتّى لا اتِّفاقَ لَهم إلّا عَلى شَجْبٍ والخُلْفُ في شَجْبِ
فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ المَرْءِ سالِمَةً ∗∗∗ وقِيلَ تُشْرِكُ جِسْمَ المَرْءِ في العَطَبِ
وذَهَبَ الإمامُ إلى العُمُومِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ قالَ: هو مَخْصُوصٌ فَإنَّ لَهُ تَعالى نَفْسًا كَما قالَ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةَ: 116] مَعَ أنَّ المَوْتَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَذا الجَماداتُ لَها نُفُوسٌ وهي لا تَمُوتُ، ثُمَّ قالَ: والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عَلى ظاهِرِهِ فِيما عَدا ما أُخْرِجَ مِنهُ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ الفَلاسِفَةِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والعُقُولِ المُفارِقَةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ إنَّها لا تَمُوتُ اهَـ، وفِيهِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِالنَّفْسِ الجَوْهَرَ المُتَعَلِّقَ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ كَما قالَهُ الفَلاسِفَةُ ومَن وافَقَهم أوِ الجِسْمَ النُّورانِيَّ الخَفِيفَ الحَيَّ المُتَحَرِّكَ النّافِذَ في الأعْضاءِ السّارِي فِيها سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُحْدَثِينَ وذَكَرَ لَهُ ابْنُ القِيِّمِ مِائَةَ دَلِيلٍ فاللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ أصْلًا. وكَذا الجَماداتُ لا تَتَّصِفُ بِها عَلى الشّائِعِ، وأيْضًا لَيْسَ لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والعُقُولِ المُفارِقَةِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ نَفْسًا بِأحَدِ ذَيْنِكَ المَعْنَيَيْنِ فَكَيْفَ يَبْطُلُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهم، وإنْ أرادَ بِها الذّاتَ كَما هو أحَدُ مَعانِيها جازَ أنْ تُثْبَتَ لِلَّهِ تَعالى وقَدْ قِيلَ بِهِ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها، وكَذا هي ثابِتَةٌ لِلْجَماداتِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِالمَوْتِ مُفارَقَةَ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ وذَلِكَ يُبْطِلُ إلَخْ لِأنَّ الأرْواحَ والعُقُولَ المَذْكُورَةَ لا أبْدانَ لَها عِنْدَ الفَلاسِفَةِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِيها المَوْتُ بِذَلِكَ المَعْنى، وإنْ أرادَ بِهِ العَدَمَ والِاضْمِحْلالَ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الجَماداتِ تَتَّصِفُ بِهِ فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ وهي لا تَمُوتُ، وبِالجُمْلَةِ لا يَخْفى عَلى المُتَذَكِّرِ أنَّ الإمامَ سَها في هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنَّ مَعْنى كَوْنِ النَّفْسِ ذائِقَةَ المَوْتِ أنَّها تُلابِسُهُ عَلى وجْهٍ تَتَألَّمُ بِهِ أوْ تَلْتَذُّ مِن حَيْثُ إنَّها تَخْلُصُ بِهِ مِن مَضِيقِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وحَظائِرِ القُدْسِ كَذا قِيلَ.
والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَتَألَّمُ بِالمَوْتِ لَكِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ شَدَّةً وضَعْفًا، وفي الحَدِيثِ ««إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ»» ولا يَلْزَمُ مِنَ التَّخَلُّصِ المَذْكُورِ لِبَعْضِ النّاسِ عَدَمُ التَّألُّمِ، ولَعَلَّ في اخْتِيارِ الذَّوْقِ إيماءً إلى ذَلِكَ لِمَن لَهُ ذَوْقٌ
صفحة 47
فَإنَّ أكْثَرَ ما جاءَ في العَذابِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ الذَّوْقَ إدْراكٌ خاصٌّ وهو ها هُنا مَجازٌ عَنْ أصْلِ الإدْراكِ ولا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ المَوْتَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطَّعامِ حَتّى يُذاقَ، وذَكَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْتِ مُقَدِّماتُهُ مِنَ الآلامِ العَظِيمَةِ لِأنَّهُ قِيلَ دُخُولُهُ في الوُجُودِ مُمْتَنِعُ الإدْراكِ وحالَ وُجُودِهِ يَصِيرُ الشَّخْصُ مَيِّتًا والمَيِّتُ لا يُدْرِكُ، وتُعُقِّبُ بِأنَّ المُدْرِكَ النَّفْسُ المُفارِقَةُ وتُدْرِكُ ألَمَ مُفارَقَتِها البَدَنَ ﴿ونَبْلُوكُمْ﴾ الخِطابُ إمّا لِلنّاسِ كافَّةً بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ أوْ لِلْكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ أيْ نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم ﴿بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ بِالمَكْرُوهِ والمَحْبُوبِ هَلْ تَصْبِرُونَ وتَشْكُرُونَ أوْ لا.
وتَفْسِيرُ الشَّرِّ والخَيْرِ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما الشِّدَّةُ والرَّخاءُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الفَقْرُ والمَرَضُ والغِنى والصِّحَّةُ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، وقُدِّمَ الشَّرُّ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِالمُنْكَرِ عَلَيْهِمْ أوْ لِأنَّهُ ألْصَقُ بِالمَوْتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ اخْتِيارَ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادِ تارَةً بِالمَسارِّ لِيَشْكُرُوا وتارَةً بِالمَضارِّ لِيَصْبِرُوا فالمِنحَةُ والمِحْنَةُ جَمِيعًا بَلاءٌ فالمِحْنَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلصَّبْرِ والمِنحَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلشُّكْرِ والقِيامُ بِحُقُوقِ الصَّبْرِ أيْسَرُ مِنَ القِيامِ بِحُقُوقِ الشُّكْرِ فالمِنحَةُ أعْظَمُ البَلاءَيْنِ، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: بُلِينا بِالضَّرّاءِ فَصَبَرْنا وبُلِينا بِالسَّرّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ، ولِهَذا قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ دُنْياهُ فَلَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ مُكِرَ بِهِ فَهو مَخْدُوعٌ عَنْ عَقْلِهِ اهَـ، ولَعَلَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ لِتَقْدِيمِ الشَّرِّ ﴿فِتْنَةً﴾ أيِ ابْتِلاءٍ فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَبْلُوَكم عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أوْ حالًا عَلى مَعْنى نَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ لِأجْلِ إظْهارِ جَوْدَتِكم ورَداءَتِكم أوْ مُظْهِرِينَ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِنا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فَنُجازِيكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ، فَهو عَلى الأوَّلِ مِن وجْهَيِ الخِطابِ وعْدٌ ووَعِيدٌ وعَلى الثّانِي مِنهُما وعِيدٌ مَحْضٌ، وفي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الِابْتِلاءُ والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ والعِقابِ. وقُرِئَ (يَرْجِعُونَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ