Tafsir Al-Alusi — الأنبياء 21:36 – الأنبياء 21:112
المحتويات
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:60
- الأنبياء 21:61
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:63
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:66
- الأنبياء 21:67
- الأنبياء 21:68
- الأنبياء 21:69
- الأنبياء 21:70
- الأنبياء 21:71
- الأنبياء 21:72
- الأنبياء 21:73
- الأنبياء 21:74
- الأنبياء 21:75
- الأنبياء 21:76
- الأنبياء 21:77
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:79
- الأنبياء 21:80
- الأنبياء 21:81
- الأنبياء 21:82
- الأنبياء 21:83
- الأنبياء 21:84
- الأنبياء 21:85
- الأنبياء 21:86
- الأنبياء 21:87
- الأنبياء 21:88
- الأنبياء 21:89
- الأنبياء 21:90
- الأنبياء 21:91
- الأنبياء 21:92
- الأنبياء 21:93
- الأنبياء 21:94
- الأنبياء 21:95
- الأنبياء 21:96
- الأنبياء 21:97
- الأنبياء 21:98
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:100
- الأنبياء 21:101
- الأنبياء 21:102
- الأنبياء 21:103
- الأنبياء 21:104
- الأنبياء 21:105
- الأنبياء 21:106
- الأنبياء 21:107
- الأنبياء 21:108
- الأنبياء 21:109
- الأنبياء 21:110
- الأنبياء 21:111
- الأنبياء 21:112
الأنبياء 21:36
﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُشْرِكُونَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوًّا بِهِ عَلى مَعْنى قَصْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ ﷺ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ هُزُوًا لا عَلى مَعْنى قَصْرِ اتِّخاذِهِمْ عَلى كَوْنِهِ هُزُوًا كَما هو المُتَبادَرُ كَأنَّهُ قِيلَ ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُوًا.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ( إنْ يَتَّخِذُونَكَ ) إلَخْ جَوابُ ( إذا ) ولَمْ يُحْتَجْ إلى الفاءِ كَما لَمْ يُحْتَجْ جَوابُها المُقْتَرِنُ بِما إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ [الجاثِيَةَ: 25] وهَذا بِخِلافِ جَوابِ غَيْرِ إذا مِن أدَواتِ الشَّرْطِ المُقْتَرِنِ بِما فَإنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ الِاقْتِرانُ بِالفاءِ نَحْوُ إنْ تَزُرْنا فَما نُسِيءُ إلَيْكَ، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ وهو يَقُولُونَ المَحْكِيُّ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمْ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ فِيما ذُكِرَ وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ( إنْ يَتَّخِذُونَكَ ) أوْ حالٌ أيْ ويَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ ويُفِيدانِ أنَّ المُرادَ يَذْكُرُ آلِهَتَكم بِسُوءٍ وقَدْ يُكْتَفى بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنْبِياءَ: 60] فَإنَّ ذِكْرَ العَدُوِّ لا يَكُونُ إلّا بِسُوءٍ وقَدْ تَحاشَوْا عَنِ التَّصْرِيحِ أدَبًا مَعَ آلِهَتِهِمْ. وفي مَجْمَعِ البَيانِ تَقُولُ العَرَبُ ذَكَرْتَ فُلانًا أيْ عِبْتَهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
لا تَذْكُرِي مَهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأجْرَبِ
صفحة 48
انْتَهى والإشارَةُ مِثْلُها في قَوْلِهِ:
هَذا أبُو الصَّقْرِ فَرْدًا في مَحاسِنِهِ ∗∗∗ مِن نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِّ والسَّلَمِ
فَيَكُونُ في ذَلِكَ نَوْعُ بَيانٍ لِلِاتِّخاذِ هُزُوًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، والمَعْنى أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ والحالُ أنَّهم بِالقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ رَحْمَةً كافِرُونَ فَهم أحِقّاءُ بِالعَيْبِ والإنْكارِ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( كافِرُونَ ) وبِهِ يَتَعَلَّقُ ( بِذِكْرِ ) وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ وإضافَتُهُ لامِيَّةٌ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأوَّلِ، والفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمُؤَكِّدِ وبَيْنَ المُؤَكَّدِ والمُؤَكِّدِ بِالمَعْمُولِ جائِزٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَوْحِيدُهُ عَلى أنَّ ذِكْرَ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ وهم كافِرُونَ بِتَوْحِيدِ الرَّحْمَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَدْعِي تَوْحِيدَهُ والإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ، وأنْ يُرادَ بِهِ عِظَتُهُ تَعالى وإرْشادُهُ الخَلْقَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقِيلَ المُرادُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ذِكْرُهُ ﷺ هَذا اللَّفْظَ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ قَوْلُهم ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ لا غَيْرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَتَّخِذُونَكَ ) أيْ يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا وهم عَلى حالٍ هي أصْلُ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ وهي الكُفْرُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ عَلى أبِي سُفْيانَ. وأبِي جَهْلٍ وهُما يَتَحَدَّثانِ فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تَنْكِرُ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ فَسَمِعَها النَّبِيُّ ﷺ فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أما إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً». وأنا أرى أنَّ القَلْبَ لا يُثْلَجُ لِكَوْنِ هَذا سَبَبًا لِلنُّزُولِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأنبياء 21:37
﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وهو طَلَبُ الشَّيْءِ وتَحَرِّيهِ قَبْلَ أوانِهِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُهُ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نَفْسِ العَجَلِ تَنْزِيلًا لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الأخْلاقِ مَنزِلَةَ ما طُبِعَ مِنهُ مِنَ الأرْكانِ إيذانًا بِغايَةِ لُزُومِهِ لَهُ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ، وقالَ أبُو عَمْرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ وقُطْرُبُ: في ذَلِكَ قَلْبٌ والتَّقْدِيرُ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ جُعِلَ مِن طَبائِعِهِ وأخْلاقِهِ لِلُزُومِهِ لَهُ، وبِذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وهو قَلْبٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وقَدْ شاعَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ إرادَةِ المُبالَغَةِ فَيَقُولُونَ لِمَن لازَمَ اللَّعِبَ أنْتَ مِن لَعِبٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
وأنا لَمِمّا يَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ يُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ النَّضِرُ بْنُ الحَرْثِ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ حِينَ اسْتَعْجَلَ العَذابَ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ﴾ [الأنْفالَ: 32] إلَخْ، وقالَ مُجاهِدٌ. وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَقُومَ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ وتَصِلَ إلى رِجْلَيْهِ، وقِيلَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ النَّهارِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلَمّا أجْرى الرُّوحَ في عَيْنَيْهِ ولِسانِهِ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ المُرادُ أنَّهُ خُلِقَ بِسُرْعَةٍ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِ خَلْقِ بَنِيهِ
صفحة 49
حَيْثُ تَدَرَّجَ في خَلْقِهِمْ، وذُكِرَ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ خَلْقَهُ كَذَلِكَ مِن دَواعِي عَجَلَتِهِ في الأُمُورِ، والأظْهَرُ إرادَةُ الجِنْسِ وإنْ كانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَقْتَضِيهِ سارِيًا إلى أوْلادِهِ وما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ لا يَأْباهُ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِبَعْضِهِمْ:
النَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ مَنبَتُهُ ∗∗∗ والنَّخْلُ مَنبَتُهُ في الماءِ والعَجَلِ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا تَقْرِيبَ لِهَذا المَعْنى ها هُنا وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يَكُونُ القَصْدُ عَلَيْهِ تَحْقِيرُ شَأْنِ جِنْسِ الإنْسانِ تَتْمِيمًا لِمَعْنى التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ المَعْنى الأوَّلُ، والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ المُسْتَعْجِلِينَ، والمُرادُ بِآياتِهِ تَعالى نَقِماتُهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِإراءَتِهِمْ إيّاها إصابَتُهُ تَعالى إيّاهم بِها، وتِلْكَ الإراءَةُ في الآخِرَةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ ما بَعْدُ، وقِيلَ فِيها وفي الدُّنْيا، والنَّهْيُ عَنِ اسْتِعْجالِهِمْ إيّاهُ تَعالى بِالإتْيانِ بِها مَعَ أنَّ نُفُوسَهم جُبِلَتْ عَلى العَجَلَةِ لِيَمْنَعُوها عَمّا تُرِيدُهُ ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهم مِنَ الأسْبابِ ما يَسْتَطِيعُونَ بِهِ كَفَّ النَّفْسِ عَنْ مُقْتَضاها ويَرْجِعُ هَذا النَّهْيُ إلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ وابْنُ مُقْسِمٍ (خَلَقَ الإنْسانَ ) بِبِناءِ (خَلَقَ ) لِلْفاعِلِ ونَصْبِ (الإنْسانَ ) .
الأنبياء 21:38
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ وقْتُ وُقُوعِ السّاعَةِ المَوْعُودِ بِها، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِعْجالًا لِمَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الجَوابُ لا طَلَبًا لِتَعْيِينِ وقْتِهِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ كَما في سُورَةِ المُلْكِ، ( ومَتى ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِهَذا.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ أيْ مَتى يَأْتِي هَذا الوَعْدُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِأنَّهُ يَأْتِي والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ الكَرِيمَةَ المُنْبِئَةَ عَنْ إتْيانِ السّاعَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ قَوْلَهم ( مَتى هَذا الوَعْدُ ) حَيْثُ كانَ اسْتِبْطاءً مِنهم لِلْمَوْعُودِ وطَلَبًا لِإتْيانِهِ بِطَرِيقِ العَجَلَةِ في قُوَّةِ طَلَبِ إتْيانِهِ بِالعَجَلَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلْيَأْتِنا بِسُرْعَةٍ،
الأنبياء 21:39
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ شِدَّةِ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ وفَظاعَةِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ وأنَّهم إنَّما يَسْتَعْجِلُونَهُ لِجَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ العِلْمِ بِحَسَبِ المَقامِ وإلّا فَكَثِيرًا ما يُفِيدُ المُضارِعُ المَنفِيُّ انْتِفاءَ الِاسْتِمْرارِ، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ مَفْعُولُ ( يَعْلَمُ ) عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، وإضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الجارِيَةِ مَجْرى الصِّفَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ أيْضًا مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى الإخْبارِ بِهِ وإنَّما حَقُّهُ الِانْتِظامُ في سَلْكِ المُسَلَّماتِ المَفْرُوغِ عَنْها، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالوَقْتِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ ( مَتى هَذا الوَعْدُ ) وهو الوَقْتُ الَّذِي تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ فِيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ
صفحة 50
واسْتِلْزامُ الإحاطَةِ بِهِما لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى رَفْعِها بِأنْفُسِهِمْ مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَةِ الغَيْرِ في دَفْعِها إلَخْ لَمّا فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الِاسْتِعْجالِ، وقَدَّرَ الحُوفِيُّ لَسارَعُوا إلى الإيمانِ وبَعْضُهم لَعَلِمُوا صِحَّةَ البَعْثِ وكِلاهُما لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ إنَّ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي لا جَوابَ لَها وهو كَما تَرى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَعْلَمُ ) مَتْرُوكَ المَفْعُولِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّامِ أيْ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ لَما فَعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِينَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِجَهْلِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِاسْتِمْرارِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ كَأنَّهُ قِيلَ: حِينَ يَرَوْنَ ما يَرَوْنَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ، وفي الكَشْفِ كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نُفِيَ العِلْمُ كانَ مَظِنَّةً أنْ يُسْألَ فَأيُّ وقْتٍ يَعْلَمُونَ ؟ فَأُجِيبَ حِينَ لا يَنْفَعُهم، والظّاهِرُ كَوْنُ ( حِينَ ) إلَخْ مَفْعُولًا بِهِ لِيَعْلَمَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ المَوْعُودِ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ واسْتَبْطَؤُوهُ ( وحِينَ ) مَنصُوبٌ بِذَلِكَ المَفْعُولِ ولَيْسَ عِنْدِي بِظاهِرٍ
الأنبياء 21:40
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَكُفُّونَ﴾ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ والتَّقْدِيرُ إنَّ الآياتِ لا تَأْتِي بِحَسَبِ اقْتِراحِهِمْ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ إلَخْ وهو مَنفِيُّ مَعْنًى كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بَلْ تَأْتِيهِمْ إلَخْ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما زَعَمَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. والمُضْمَرُ في ( تَأْتِيهِمْ ) عائِدٌ عَلى ( الوَعْدُ ) لِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَةِ أوِ المَوْعِدَةِ أوِ الحِينِ لِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ أوْ عَلى ( النّارَ ) واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَأْتِيَهم وهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ تُدْهِشُهم وتُحَيِّرُهم أوْ تَغْلِبُهم عَلى أنَّهُ مَعْنًى كِنائِيٌّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (بَلْ يَأْتِيهِمْ ) بِياءِ الغَيْبَةِ (بَغَتَةً ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ في كُلِّ ما عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ (فَيَبْهَتُهم ) بِياءِ الغَيْبَةِ أيْضًا، فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في كُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْحِينِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنّارِ بِجَعْلِها بِمَعْنى العَذابِ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ فِيما قَبْلَهُ، وقِيلَ: عَلى البَغْتَةِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ لِيَسْتَرِيحُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِإمْهالِهِمْ في الدُّنْيا.
الأنبياء 21:41
﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ إلَخْ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ ﷺ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ بَعْدَ أنْ قَضى الوَطَرَ مِن ذِكْرِ الأجْوِبَةِ الحِكَمِيَّةِ عَنْ مَطاعِنِهِمْ في النُّبُوَّةِ وما أُدْمِجَ فِيها مِنَ المَعانِي الَّتِي هي لُبابُ المَقاصِدِ وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضى ما عَلَيْهِ مِن عُهْدَةِ الإبْلاغِ وأنَّهُ المَنصُورُ في العاقِبَةِ ولِهَذا بُدِئَ بِذِكْرِ أجِلَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّأسِّي وخَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ [الأنْبِياءَ: 105] إلَخْ، وتَصْدِيرُ ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، وتَنْوِينُ الرُّسُلِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ أُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ كائِنِينَ مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿فَحاقَ﴾ أيْ أحاطَ عُقَيْبَ ذَلِكَ أوْ نَزَلَ أوْ حَلَّ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَإنَّ مَعْناهُ يَدُورُ عَلى الشُّمُولِ واللُّزُومِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ. والحَيْقُ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ، وقِيلَ: أصْلُ حاقَ حَقَّ كَزالَ
صفحة 51
وزَلَّ وذامَ وذَمَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ، و(ما ) إمّا مَوْصُولَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّهْوِيلِ والضَّمِيرُ المَجْرُورٌ عائِدٌ عَلَيْها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى جِنْسِ الرَّسُولِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَمْعِ كَما قالُوا. ولَعَلَّ إيثارَ الإفْرادِ عَلى الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَحِيقُ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا جْزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِكُلِّهِمْ مِن حَيْثُ هو فَقَطْ أيْ فَنَزَلَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ إيذانًا بِكَمال المُلابَسَةِ بَيْنَهُما أوْ عَيْنَ اسْتِهْزائِهِمْ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ بِناءً عَلى ظُهُورِ الأعْمالِ في النَّشْأةِ الأُخْرَوِيَّةِ بِصُوَرٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ
الأنبياء 21:42
﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ أنْ يَسْألَ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَنْبِيهٍ كَيْلا يَغْتَرُّوا بِما غَشِيَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى ويَقُولُ ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ يَحْفَظُكم ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ مِن بَأْسِهِ بِقَرِينَةِ الحِفْظِ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِما أنَّ الدَّواهِيَ فِيهِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأشَدُّ وقْعًا.
وفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حِفْظَ لَهم إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وتَلْقِينٌ لِلْجَوابِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الِانْفِطارَ: 6] وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ بَأْسَهُ تَعالى إذا أرادَ شَدِيدٌ ألِيمٌ ولِذا يُقالُ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَضَبِ الحَلِيمُ وتَنْدِيمٌ لَهم حَيْثُ عَذَّبَهم مَن غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ ودَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ خُبْثِهِمْ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ والزُّهْرِيُّ وشَيْبَةُ (يَكْلُوكم ) بِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ (يَكْلَوْكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماعِ وأنَّهم قَوْمٌ ألْهَتْهُمُ النِّعَمُ عَنِ المُنْعِمِ فَلا يَذْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَخافُوا بَأْسَهُ أوْ يَعُدُّوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأمْنِ والدَّعَةِ حِفْظًا وكِلاءَةً لِيَسْألُوا عَنِ الكالِئِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
عَوَّجُوا فَحَيَّوْا لِنَعْمى دِمْنَةَ الدّارِ ماذا تَحْيَوْنَ مِن نَوْءٍ وأحْجارِ
وفِيهِ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ ذُكِّرُوا ونُبِّهُوا أوَّلًا، وفي تَعْلِيقِ الإعْراضِ بِذِكْرِهِ تَعالى وإيرادِ اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمُ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَرْبِيَتِهِ تَعالى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الضَّلالَةِ والغَيِّ ما لا يَخْفى، وقِيلَ إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ أيْ إنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَتّى لا يُجْدِيَ السُّؤالُ عَنْهُ سُبْحانَهُ كَيْفَ وهم إنَّما اتَّخَذُوا الآلِهَةَ وعَبَدُوها لِتَشْفَعَ لَهم عِنْدَهُ تَعالى وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفًى بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَّذْكِيرُ يُناسِبُهم، وهَذا مَعَ ظُهُورِهِ مِن مَساقِ الكَلامِ ووُضُوحِ انْطِباقِهِ عَلى مُقْتَضى المَقامِ قَدْ خَفِيَ عَنِ النّاظِرِينَ وغَفَلُوا عَنْهُ أجْمَعِينَ اهَـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِتَجْهِيلِهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ألا يُرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ [الأنْبِياءَ: 45] وما ذُكِرَ يَقْتَضِي العَكْسَ لِتَضَمُّنِهِ وصْفَهم بِإجْداءِ الإنْذارِ والدُّعاءِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ غافِلِينَ مُنافٍ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ فالحَقُّ ما تَقَدَّمَ،
الأنبياء 21:43
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ إعْراضٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِالإعْراضِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى آلِهَتِهِمْ وإسْنادِهِمُ الحِفْظَ إلَيْها، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ ( ولَهم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وآلِهَةٌ ) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ صِفَتُهُ ( ومِن دُونِنا ) قِيلَ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أيْ بَلْ ألَهم آلِهَةٌ مانِعَةٌ لَهم
صفحة 52
مُتَجاوِزَةٌ مَنعَنا أوْ حِفْظَنا فَهم مُعَوِّلُونَ عَلَيْها واثِقُونَ بِحِفْظِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والأصْلُ أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿مِن دُونِنا﴾ صِفَةً أيْضًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنُّعِهِمْ أيْ بَلْ ألَهُمَ آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابٍ مِن عِنْدِنا، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم آلِهَةٌ كَذَلِكَ، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى وُجُودِ الآلِهَةِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ لا إلى نَفْسِ الصِّفَةِ بِأنْ يُقالَ أمْ تَمْنَعُهم آلِهَتُهم إلَخْ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُقُوطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ فَضْلًا عَنْ رُتْبَةِ المَنعِ ما لا يَخْفى.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الإضْرابَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ( أمْ ) عائِدٌ عَلى الأمْرِ بِالسُّؤالِ كالإضْرابِ السّابِقِ لَكِنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ مِن حَيْثُ إنَّ سُؤالَ الغافِلِ عَنِ الشَّيْءِ بِعِيدٌ وسُؤالَ المُعْتَقِدِ لِنَقِيضِهِ أبْعَدُ، وفَهِمَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ الهَمْزَةَ عَلَيْهِ لِلتَّقْرِيرِ بِما في زَعْمِ الكَفَرَةِ تَهَكُّمًا.
وتُعُقِّبَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْكارِ لا بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم زَعْمُ ذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ لِمَ كانَ مِثْلَهُ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، والأظْهَرُ عِنْدِي جَعْلُهُ عائِدًا عَلى الوَصْفِ بِالإعْراضِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا، وفي الكَشْفِ ضِمْنَ الإعْراضِ عَنْ وصْفِهِمْ بِالإعْراضِ إنْكارُهُ أبْلَغَ الإنْكارِ بِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى كَمَن لَهُ كالِئٍ يَمْنَعُهُ عَنْ بَأْسِنا مُعْرِضًا فِيهِ بِجانِبِ آلِهَتِهِمْ وأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ تَعالى واشْتَغَلُوا بِهِمْ ولِهَذا رُشِّحَ بِما بَعْدُ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ حَدِيثَ الإعْراضِ وانْظُرْ إلى مَن أعْرَضُوا عَنْ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ إلَيْهِ فَإنَّ هَذا أطَمُّ وأطَمُّ فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الإنْكارِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا أنْفُسَهم ويَدْفَعُوا عَنْها ما يَنْزِلُ بِها ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ بِنَصْرٍ أوْ بِمَن يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ مِن جِهَتِنا فَهم في غايَةِ العَجْزِ وغَيْرُ مُعْتَنًى بِهِمْ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ ما يُتَوَهَّمُ، فالضَّمائِرُ لِلْآلِهَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها لِلْكَفَرَةِ عَلى مَعْنى لا يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ بِآلِهَتِهِمْ ولا يَصْحَبُهم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، والأوَّلُ أوْلى بِالمَقامِ وإنْ كانَ هَذا أبْعَدَ عَنِ التَّفْكِيكِ، ( ومِنّا ) عَلى القَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدِّرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ.
الأنبياء 21:44
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَلى ما في الكَشْفِ عَنِ الضَّرْبِ السّابِقِ مِنَ الكَلامِ إلى وعِيدِهِمْ وأنَّهم مِن أهْلِ الِاسْتِدْراجِ وأخْرَجَهم عَنِ الخِطابِ عَدَمَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وفي العُدُولِ إلى الإشارَةِ عَنِ الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ، وفي غَيْرِ كِتابٍ أنَّهُ إضْرابٌ عَمّا تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الكِلاءَةِ مِن جِهَةِ أنَّ لَهم آلِهَةً تَمْنَعُهم مِن تَطَرُّقِ البَأْسِ إلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ ما زَعَمُوا مِن كَوْنِهِمْ مَحْفُوظِينَ بِكِلاءَةِ آلِهَتِهِمْ بَلْ ما هم فِيهِ مِنَ الحِفْظِ مِنّا لا غَيْرُ حَفِظْناهم مِنَ البَأْساءِ ومَتَّعْناهم بِأنْواعِ السَّرّاءِ لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الِاسْتِدْراجِ والِانْهِماكِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى العَذابِ الألِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إضْرابًا عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنافُ السّابِقُ مِن بُطْلانِ تَوَهُّمِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ تَوَهُّمِهِمْ مِن أنْ يَكُونَ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم واعْلَمْ أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ورْطَةِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ الباطِلِ بِسَبَبِ أنّا مَتَّعْناهم بِما يَشْتَهُونَ حَتّى طالَتْ مُدَّةُ عِمارَةِ أبْدانِهِمْ بِالحَياةِ فَحَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ يَدُومُ فاغْتَرُّوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ واتَّبَعُوا ما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم وذَلِكَ طَمَعٌ فارِغٌ وأمَلٌ كاذِبٌ ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ ألا يَنْظُرُونَ فَلا يَرَوْنَ
صفحة 53
﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أيْ أرْضَ الكَفَرَةِ أوْ أرْضَهم ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وحَوْزِ ما يَحُوزُونَهُ مِنها ونَظْمِهِ في سِلْكِ مُلْكِهِمْ، والعُدُولُ عَنْ أنّا نَنْقُصُ الأرْضَ مِن أطْرافِها إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِتَصْوِيرِ كَيْفِيَّةِ نَقْصِها وانْتِزاعِها مِن أيْدِيهِمْ فَإنَّهُ بِإتْيانِ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ واسْتِيلائِهِمْ، وكانَ الأصْلُ يَأْتِي جُيُوشُ المُسْلِمِينَ لَكِنَّهُ أسْنَدَ الإتْيانَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْظِيمًا لَهم وإشارَةً إلى أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ورِضاهُ، وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِلْجِهادِ والمُجاهِدِينَ.
والآيَةُ كَما قَدَّمْنا أوَّلَ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي نازِلَةٌ بَعْدَ فَرْضِ الجِهادِ فَلا يَرُدُّ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والجِهادَ فُرِضَ بَعْدَها حَتّى يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ أوْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ نَنْقُصُها بِإذْهابِ بَرَكَتِها كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِتَخْرِيبِ قُراها ومَوْتِ أهْلِها كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ نَنْقُصُها بِمَوْتِ العُلَماءِ وهَذا إنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا مُعْدِلَ عَنْهُ وإلّا فالأظْهَرُ نَظَرًا إلى المَقامِ ما تَقَدَّمَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
والمُرادُ إنْكارُ تَرْتِيبِ الغالِبِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن نَقْصِ أرْضِ الكَفَرَةِ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ أبَعْدَ ظُهُورِ ما ذُكِرَ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ يُتَوَهَّمُ غَلَبَتُهم، وفي التَّعْرِيفِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْلِمِينَ هُمُ المُتَعَيِّنُونَ لِلْغَلَبَةِ المَعْرُوفُونَ فِيها
الأنبياء 21:45
﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ مِن جِهَتِهِ تَعالى غايَةَ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُهُ المُسْتَعْجِلُونَ ونِهايَةَ سُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ إتْيانِهِ ونَعى عَلَيْهِمْ جَهْلَهم بِذَلِكَ وإعْراضَهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي يَكْلَؤُهم مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ وحَوادِثِ النَّهارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَساوِيهِمْ أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: إنَّما أُنْذِرُكم ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ السّاعَةِ بِالوَحْيِ الصّادِقِ النّاطِقِ بِإثْباتِها وفَظاعَةِ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ أيْ إنَّما شَأْنِي أنْ أُنْذِرَكم بِالإخْبارِ بِذَلِكَ لا بِالإتْيانِ بِها فَإنَّهُ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ فَإنَّ الإيمانَ بُرْهانِيٌّ لا عَيانِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ المُلَقَّنِ تَذْيِيلٌ لَهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ قَدْ أمَرَ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الجَهْلِ والعِنادِ، وإمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لَهم ذَلِكَ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّماعِ، واللّامُ في الصُّمِّ إمّا لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا وإمّا لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالتَّصامُمِ، وتَقْيِيدُ نَفِي السَّماعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ مَعَ أنَّ الصُّمَّ لا يَسْمَعُونَ مُطْلَقًا لِبَيانِ كَمالِ شِدَّةِ الصَّمَمِ كَما أنَّ إيثارَ الدُّعاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الصَّوْتِ والنِّداءِ عَلى الكَلامِ لِذَلِكَ، فَإنَّ الإنْذارَ عادَةً يَكُونُ بِأصْواتٍ عالِيَةٍ مُكَرَّرَةٍ مُقارِنَةً لِهَيْئاتٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ فَإذا لَمْ يَسْمَعُوها يَكُنْ صَمَمُهم في غايَةٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِها، وقِيلَ لِأنَّ الكَلامَ في الإنْذارِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍ و وابْنِ الصَّلْتِ عَنْ حَفْصٍ (تَسْمَعُ ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الإسْماعِ ( الصُّمَّ الدُّعاءَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ احْتِمالَ كَوْنِ الجُمْلَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وقُرِئَ (يَسْمَعُ ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ (الصُّمَّ الدُّعاءَ ) بِنَصْبِهِما عَلى ما مَرَّ. وذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ (يُسْمَعُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (الصُّمُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ (الدُّعاءَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ اليَزِيدِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و (يُسْمِعُ ) بِضَمِّ ياءِ الغَيْبَةِ وكَسْرِ المِيمِ ( الصُّمَّ )
صفحة 54
بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ (الدُّعاءُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِيَسْمَعُ، وإسْنادُ الإسْماعِ إلَيْهِ مِن بابِ الِاتِّساعِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ ولا يُسْمِعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ شَيْئًا،
الأنبياء 21:46
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ بَيانٌ لِسُرْعَةِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ نَفْسِ العَذابِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ خَبَرِهِ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ أيْ وبِاللَّهِ لَئِنْ مَسَّهم أدْنى شَيْءٍ مِن عَذابِهِ تَعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُنَّ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُنَّ عَلَيْها بِالظُّلْمِ السّابِقِ، وفي ﴿مَسَّتْهم نَفْحَةٌ﴾ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهي كَما في الكَشْفِ ذِكْرُ المَسِّ وهو دُونُ النُّفُوذِ ويَكْفِي في تَحَقُّقِهِ إيصالُ ما، وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى النَّزارَةِ فَإنَّ أصْلَهُ هُبُوبُ رائِحَةِ الشَّيْءِ ويُقالُ نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ ضَرَبَتْهُ بِحَدِّ حافِرِها ونَفْحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ وأعْطاهُ يَسِيرًا، وبِناءُ المَرَّةِ وهي لِأقَلِّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ التَّنْكِيرَ رابِعَتَها لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْقِيرِ، واسْتِفادَةُ ذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِن بِناءِ المَرَّةِ ونَفْسِ الكَلِمَةِ لا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كَما زَعَمَ صاحِبُ الإيضاحِ.
واعْتَرَضَ بَعْضُهُمُ المُبالَغَةَ في المَسِّ بِأنَّهُ أقْوى مِنَ الإصابَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَأثُّرِ حاسَّةِ المَمْسُوسِ ومِمّا ذُكِرَ في الكَشْفِ يُعْلَمُ انْدِفاعُهُ لِمَن مَسَّتْهُ نَفْحَةُ عِنايَةٍ، ولَعَلَّ في الآيَةِ مُبالَغَةً خامِسَةً تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا المَسَّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما رَمَزْنا إلَيْهِ، وقِيلَ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن تَفْسِيرِ النَّفْحَةِ بِالجُوعِ الَّذِي نَزَلَ بِمَكَّةَ
الأنبياء 21:47
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ بَيانٌ لِما سَيَقَعُ عِنْدَ إتْيانِ ما أُنْذِرُوهُ.
وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَضَعُ، وهي في الخُلُوِّ عَنِ العائِدِ نَحْوُ جِئْتُكَ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُقِيمَ العُمُومُ في ﴿نَفْسٌ﴾ الآتِي بَعْدَ مَقامِ العائِدِ وهو كَما تَرى أيْ ونُحْضِرُ المَوازِينَ العادِلَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ كَما يَقْضِي بِذَلِكَ حَدِيثُ السِّجِلّاتِ والبِطاقَةِ الَّتِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ أوْ نَفْسُ الأعْمالِ كَما قِيلَ، وتَظْهَرُ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُشْرِقَةٍ إنْ كانَتْ حَسَناتٍ ومُظْلِمَةٍ إنْ كانَتْ سَيِّئاتٍ، وجَمْعُ المَوازِينِ ظاهِرٌ في تَعَدُّدِ المِيزانِ حَقِيقَةً وقَدْ قِيلَ بِهِ فَقِيلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِ مَوازِينُ بِعَدَدِ خَيْراتِهِ وأنْواعِ حَسَناتِهِ، والأصَحُّ الأشْهَرُ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ كِفَّتاهُ كَأطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِصِحَّةِ الأخْبارِ بِذَلِكَ، والتَّعَدُّدُ اعْتِبارِيٌّ وقَدْ يُعَبِّرُ عَنِ الواحِدِ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 99] وقَوْلُهُ فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ، وإحْضارُ ذَلِكَ تُجاهَ العَرْشِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ويَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وهَلْ هو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ أوْ سَيُخْلَقُ غَدًا ؟ .
قالَ اللَّقانِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في ذَلِكَ كَما لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّهُ مِن أيِّ الجَواهِرِ هو اهَـ، وما رُوِيَ مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ ؟ فَقالَ تَعالى: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ، نَصٌّ في أنَّهُ مَخْلُوقٌ اليَوْمَ لَكِنْ لا أدْرِي حالَ الحَدِيثِ فَلْيُنْقَرْ.
وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ المِيزانَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وقالُوا: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ عَلى رِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، ووَضْعُ المَوازِينِ عِنْدَهم تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءِ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ورُوِيَ هَذا عَنِالضَّحّاكِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والأعْمَشِ ولا داعِيَ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وإفْرادُ القِسْطِ مَعَ كَوْنِهِ
صفحة 55
صِفَةَ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ القِسْطِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: لا أقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجاءِ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَوْجِيهِ إفْرادِهِ. وقُرِئَ (القِصْطَ ) بِالصّادِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَعْنى في كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لِمَجِيئِها كَذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينَ الدّارِمِيِّ:
أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمُ كَما مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ
وهُوَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ووافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ نَضَعُ المَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ لِأجْلِ أهْلِهِ وجَعَلَها بَعْضُهم لِلِاخْتِصاصِ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في قَوْلِكَ جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ فِيهِ وهو الِاحْتِمالُ الثّانِي أنَّ اللّامَ بِمَعْنى في: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الظُّلْمِ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُها المَوْعُودُ ولا يُزادُ عَذابُها المَعْهُودُ. فالشَّيْءُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والظُّلْمُ هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والظُّلْمُ بِحالِهِ أيْ فَلا تُظْلَمُ في شَيْءٍ بِأنْ تُمْنَعَ ثَوابًا أوْ تُزادَ عَذابًا، وبَعْضُهم فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالنَّقْصِ وجُوِّزَ في ( شَيْئًا ) المَصْدَرِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ فَلا تَنْقُصُ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ أوْ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، ويُفْهَمُ عَدَمُ الزِّيادَةِ في العِقابِ مِن إشارَةِ النَّصِّ واللُّزُومِ المُتَعارَفِ، واخْتِيرَ ما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإشارَةِ واللُّزُومِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ انْتِفاءِ الظُّلْمِ عَلى وضْعِ المَوازِينِ.
ورُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ تُوزَنُ أعْمالُهُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: المِيزانُ حَقٌّ ولا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِ مِنَ البابِ الأيْمَنِ الحَدِيثَ وأحْرى الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنَ: 41] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفَ: 105] . وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفُرْقانَ: 23] . وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ الأجْرُ صَبًّا، وظَواهِرُ أكْثَرِ الآياتِ والأحادِيثِ تَقْتَضِي وزْنَ أعْمالِ الكُفّارِ، وأُوِّلَ لَها ما اقْتَضى ظاهِرُهُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وعِنْدِي لا قاطِعَ في عُمُومِ الوَزْنِ وأمِيلُ إلى عَدَمِ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ كَما اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أفْرادِ الإنْسِ اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَوْعَيِ الإنْسِ والجِنِّ، والحَقُّ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ وكافِرَهم كَكافِرِهِمْ كَما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ واسْتَنْبَطَهُ مِن عِدَّةِ آياتٍ، وبَسَطَ اللَّقانِيُّ القَوْلَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجَوْهَرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ الخِلافِ في كَيْفِيَّةِ الوَزْنِ ﴿وإنْ كانَ﴾ أيِ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ لِشَيْئًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى فَلا تُظْلَمُ جَزاءَ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ مِقْدارَ حَبَّةٍ كائِنَةٍ مِن خَرْدَلٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِحَبَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِثْقالَ والأوَّلُ أقْرَبُ، والمُرادُ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرَ وشَيْبَةُ ونافِعٌ (مِثْقالُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ
صفحة 56
تامَّةٌ ﴿أتَيْنا بِها﴾ أيْ جِئْنا بِها وبِهِ قَرَأ أُبَيُّ، والمُرادُ أحْضَرْناها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْمِثْقالِ وأُنِّثَ لِاكْتِسابِ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ جَوابُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إنْ وصْلِيَّةً والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي إسْحَقَ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ شُرَيْحٍ الأصْبَهانِيُّ (آتَيْنا ) بِمَدَّةٍ عَلى أنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ تَعالى بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقِيلَ هو مِنَ الإيتاءِ وأصْلُهُ أأْتَيْنا فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا، والمُرادُ جازَيْنا أيْضًا مَجازًا ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ ولَوْ كانَ المُرادُ أعْطَيْنا كَما قالَ بَعْضُهم لَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّي وغَيْرُهُ. وقَرَأ حُمَيْدٌ (أثَبْنا ) مِنَ الثَّوابِ ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ قِيلَ أيْ عادِّينَ ومُحْصِينَ أعْمالَهم عَلى أنَّهُ مِنَ الحِسابِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو العَدُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ. وذَكَرَ اللَّقانِيُّ أنَّ الحِسابَ في عُرْفِ الشَّرْعِ تَوْقِيفُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ إلّا مَنِ اسْتُثْنِيَ مِنهم قَبْلَ الِانْصِرافِ مِنَ المَحْشَرِ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا تَفْصِيلًا لا بِالوَزْنِ، وأنَّهُ كَما ذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ قَبْلَ الوَزْنِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ إشارَةً ما إلى أنَّ الحِسابَ المَذْكُورَ فِيها بَعْدَ وضْعِ المَوازِينِ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ الوَصْفِ إمّا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ في البَحْرِ.
* * *
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المَحْجُوبِينَ بِحُبِّ الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْأُخْرى فَغَفَلُوا عَنْ إصْلاحِ أمْرِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِمْ وغَدَتْ قُلُوبُهم عَنِ الذِّكْرِ لاهِيَةً وعَنِ التَّفَكُّرِ في جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ ساهِيَةً، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ نُفُوسَهُمُ الخَبِيثَةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَأْبى اتِّباعَهم لِما يَرَوْنَ مِنَ المُشارَكَةِ في العَوارِضِ البَشَرِيَّةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الظُّلْمِ خَرابَ العُمْرانِ فَمَتى ظَلَمَ الإنْسانُ خَرِبَ قَلْبُهُ وجَرَّ ذَلِكَ إلى خَرابِ بَدَنِهِ وهَلاكِهِ بِالعَذابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ سَبَبٌ لِانْجِلاءِ الظُّلْمَةِ عَنِ القَلْبِ وتَطَهُّرِهِ مِن دَنَسِ الأغْيارِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ سِواهُ سُبْحانَهُ دِيارٌ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ قِيلَ هُمُ الكامِلُونَ الَّذِينَ في الحَضْرَةِ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَسْكُنُونَ إلّا مَعَ الحُضُورِ ولا تَشُقُّ عَلَيْهِمْ عِبادَةٌ ولا تُلْهِيهِمْ عَنْهُ تَعالى تِجارَةٌ بَواطِنُهم مَعَ الحَقِّ وظَواهِرُهم مَعَ الخَلْقِ أنْفاسُهم تَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ وهو سُبْحانَهُ لَهم خَيْرُ أنِيسٍ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكامِلَ لا يَخْتارُ شَيْئًا بَلْ شَأْنُهُ التَّفْوِيضُ والجَرَيانُ تَحْتَ مَجارِي الأقْدارِ مَعَ طِيبِ النَّفْسِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ القُطْبَ الرَّبّانِيَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ الكِيلانِيَّ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ لَمْ يُتَوَفَّ حَتّى تَرَقّى عَنْ مَقامِ الإدْلالِ إلى التَّفْوِيضِ المَحْضِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في كِتابِهِ الجَواهِرُ واليَواقِيتُ ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَن كانَتْ حَياتُهُ بِرُوحِهِ يَكُونُ مَماتُهُ بِذَهابِها ومَن كانَتْ حَياتُهُ بِرَبِّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُنْقَلُ مِن حَياةِ الطَّبْعِ إلى حَياةِ الأصْلِ وهي الحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قِيلَ أيْ بِالقَهْرِ واللُّطْفِ والفِراقِ والوِصالِ والإدْبارِ والإقْبالِ والجَهْلِ والعِلْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُمْتَحَنُ السّالِكُ بِالقَبْضِ والبَسْطِ فَيَنْبَغِي لَهُ التَّثَبُّتُ
صفحة 57
فِي كُلٍّ عَمّا يَحُطُّهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، ولَعَلَّ فِتْنَةَ البَسْطِ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ القَبْضِ فَلْيُتَحَفَّظْ هُناكَ أشَدَّ تَحَفُّظٍ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَوازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ فَلِلْعاشِقِينَ مِيزانٌ ولِلْوالِهِينَ مِيزانٌ ولِلْعامِلِينَ مِيزانٌ وهَكَذا، ومِن ذَلِكَ مِيزانٌ لِلْعارِفِينَ تُوزَنُ بِهِ أنْفاسُهم ولا يَزِنُ نَفْسًا مِنها السَّماواتُ والأرْضُ.
وذَكَرُوا أنَّ في الدُّنْيا مَوازِينَ أيْضًا أعْظَمُ مَوازِينِها الشَّرِيعَةُ وكِفَّتا الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ عَطَّلَ هَذا المِيزانُ مُتَصَوِّفَةَ هَذا الزَّمانِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ الأفْضالِ.
الأنبياء 21:48
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنْبِياءَ: 7 . 9] وإشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ إنْجائِهِمْ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ، والمُرادُ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ وكَذا بِالضِّياءِ والذِّكْرِ، والعَطْفُ كَما في قَوْلِهِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ أُدْخِلَ الواوُ عَلى ﴿ضِياءً﴾ وإنْ كانَ صِفَةً في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ كَما يَدْخُلُ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي صِفَةٌ لَفْظًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنْفالَ: 49، الأحْزابَ: 12] وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وصاحِبِكَ جازَ وإنْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ فَصاحِبِكَ بِالفاءِ لَمْ يَجُزْ كَما جازَ بِالواوِ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي التَّعَقُّبَ وتَأْخِيرَ الِاسْمِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِخِلافِ الواوِ، وأمّا قَوْلُ القائِلِ:
يا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
فَإنَّما ذُكِرَ بِالفاءِ وجادَ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ عَلى ذَلِكَ الحَدِّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِي أيْ فالَّذِي صَبَّحَ فالَّذِي غَنِمَ فالَّذِي آبَ، وأبُو الحَسَنِ يُجِيزُ المَسْألَةَ بِالفاءِ كَما يُجِيزُها بِالواوِ انْتَهى، والمَعْنى وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْناهُما كِتابًا جامِعًا بَيَّنَ كَوْنَهُ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وضِياءً يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ وذِكْرًا يَتَّعِظُ بِهِ النّاسُ ويَتَذَكَّرُونَ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُّونَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ أوْ شَرَفٌ لَهم.
وقِيلَ: الفُرْقانُ النَّصْرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنْفالَ: 41] وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُوِّ وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضِّياءُ حِينَئِذٍ إمّا التَّوْراةُ أوِ الشَّرِيعَةُ أوِ اليَدُ البَيْضاءُ. والذِّكْرُ بِأحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الفُرْقانَ فِلْقُ البَحْرِ والفِرْقُ والفِلْقُ أخَوانٌ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وهو اللّائِقُ بِمَساقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فَإنَّهُ لِتَحْقِيقِ أمْرِ القُرْآنِ المُشارِكِ لِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا سِيَّما التَّوْراةُ فِيما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ ولِأنَّ فِلْقَ البَحْرِ هو الَّذِي اقْتَرَحَ الكَفَرَةُ مِثْلَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 5] .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ (ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ (الفُرْقانَ ) وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ أيْضًا التَّفْسِيرَ الأوَّلَ،
الأنبياء 21:49
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ مَجْرُورُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مادِحَةٌ المُتَّقِينَ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ يَخْشَوْنَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم غَيْرُ مَرْئِيٍّ لَهم فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ لا يَتَأثَّرُونَ بِالإنْذارِ ما لَمْ يُشاهِدُوا ما أُنْذِرُوهُ.
صفحة 58
وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ يَخْشَوْنَهُ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: يَخْشَوْنَهُ بِقُلُوبِهِمْ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ بِطَرِيقِ الِاعْتِناءِ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ عَلى الصِّلَةِ وتَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وتَخْصِيصُ إشْفاقِهِمْ مِنَ السّاعَةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخَشْيَةِ عَلى الإطْلاقِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُعْظَمَ المَخْلُوقاتِ ولِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُسْتَعْجِلُونَ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَتَهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ الإشْفاقُ الدّائِمُ
الأنبياء 21:50
﴿وهَذا﴾ أيِ القُرْآنُ الكَرِيمُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذا لِلْإيذانِ بِسُهُولَةِ تَناوُلِهِ ووُضُوحِ أمْرِهِ، وقِيلَ: لِقُرْبِ زَمانِهِ ﴿ذِكْرٌ﴾ يَتَذَكَّرُ بِهِ مَن تَذَكَّرَ وُصِفَ بِالوَصْفِ الأخِيرِ لِلتَّوْراةِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ ومُوافَقَتِهِ لِما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مَعَ انْطِواءِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ في وصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ غَزِيرُ النَّفْعِ ولَقَدْ عادَ عَلَيْنا ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ مِن بَرَكَتِهِ ما عادَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ﴾ إمّا صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِذِكْرٍ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِهَذا، وفِيهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ما فِيهِ ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إنْكارٌ لِإنْكارِهِمْ بَعْدَ ظُهُورِ كَوْنِهِ كالتَّوْراةِ كَأنَّهُ قِيلَ أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ أنَّ شَأْنَهُ كَشَأْنِ التَّوْراةِ أنْتُمْ مُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِنا فَإنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مُلاحَظَةِ حالِ التَّوْراةِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ أوْ لِلْحَصْرِ لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِغَيْرِهِ مِمّا في أيْدِي أهْلِ الكِتابِ.
الأنبياء 21:51
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ الكِبارِ وهو الرُّشْدُ الكامِلُ أعْنِي الِاهْتِداءَ إلى وُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا والإرْشادَ بِالنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ وقِيلَ: الصُّحُفُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْخَيْرِ صَغِيرًا، واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (رَشَدَهُ ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ وهُما لُغَةٌ كالحُزْنِ والحَزَنِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ، وقِيلَ مِن قَبْلِ البُلُوغِ حِينَ خَرَجَ مِنَ السِّرْبِ، وقِيلَ مِن قَبْلِ أنْ يُولَدَ حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ في الكَشْفِ: وهو الوَجْهُ الأوْفَقُ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ فَلِلْقُرْبِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ ذِكْرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّأسِّي، وكانَ القِياسُ أنْ يُذْكَرَ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ تَرْشِيحُ التَّسَلِّي والتَّأسِّي فَقَدْ ذُكِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ حالَهُ وما قاساهُ مِن قَوْمِهِ وكَثْرَةِ آياتِهِ وتَكاثُفِ أُمَّتِهِ أشْبَهُ بِحالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ ( مِن قَبْلُ ) لِهَذا ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [الأنْبِياءَ: 76] أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وقِيلَ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ اهَـ ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ بِأحْوالِهِ وما فِيهِ مِنَ الكَمالاتِ، وهَذا كَقَوْلِكَ في خَيْرٍ مِنَ النّاسِ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّهُ مِنَ الِاحْتِواءِ عَلى مَحاسِنِ الأوْصافِ بِمَنزِلٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ حِفْظِهِ تَعالى إيّاهُ وعَدَمِ إضاعَتِهِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ إلْقائِهِ في النّارِ وقَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ سَلْ رَبَّكَ: عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، وهو خِلافُ الظّاهِرِ
الأنبياء 21:52
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لَآتَيْنا عَلى أنَّهُ وقْتٌ مُتَّسِعٌ وقَعَ فِيهِ الإيتاءُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِرُشْدٍ
صفحة 59
أوْ لِعالِمِينَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ وأنْ يَنْتَصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أذْكُرُ، وبَدَأ بِذِكْرِ الأبِ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّصِيحَةِ والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ ولِقَوْمِهِ مُجْتَمِعِينَ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذِهِ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالتَّماثِيلِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِها فَإنَّ التِّمْثالَ الصُّورَةُ المَصْنُوعَةُ مُشَبَّهَةٌ بِمَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ. وكانَتْ عَلى ما قِيلَ صُوَرَ الرِّجالِ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ وقَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ كانَتْ صُوَرَ الكَواكِبِ صَنَعُوها حَسْبَما تَخَيَّلُوا، وفي الإشارَةِ إلَيْها بِما يُشارُ بِهِ لِلْقَرِيبِ إشارَةٌ إلى التَّحْقِيرِ أيْضًا، والسُّؤالُ عَنْها بِما الَّتِي يُطْلَبُ بِها بَيانُ الحَقِيقَةِ أوْ شَرْحُ الِاسْمِ مِن بابِ تَجاهُلِ العارِفِ كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ أنَّها ماذا وإلّا فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُحِيطٌ بِأنَّ حَقِيقَتَها حَجَرٌ أوْ نَحْوُهُ، والعُكُوفُ الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتُهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ، وقِيلَ اللُّزُومُ والِاسْتِمْرارُ عَلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وهو عَلى التَّفْسِيرَيْنِ دُونَ العِبادَةِ فَفي اخْتِيارِهِ عَلَيْها إيماءٌ إلى تَفْظِيعِ شَأْنِ العِبادَةِ غايَةَ التَّفْظِيعِ، واللّامُ في ( لَها ) لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يُوسُفَ: 43] أوْ لِلتَّعْلِيلِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِعاكِفُونَ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ عَكَفَ إنَّما يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعْرافَ: 138] وقَدْ نَزَلَ الوَصْفُ هُنا مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيِ الَّتِي أنْتُمْ لَها فاعِلُونَ العُكُوفَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ وصِلَةُ ( عاكِفُونَ ) مَحْذُوفَةٌ أيْ عاكِفُونَ عَلى عِبادَتِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى عَلى كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسْراءَ: 7] وتَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ بِعاكِفُونَ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يُؤَوَّلَ العُكُوفُ بِالعِبادَةِ فاللّامُ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ دِعامَةٌ لا مُعَدِّيَةٌ لِتَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ ورُجِّحَ هَذا الوَجْهُ بِما بَعْدُ، وقِيلَ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا ( وعاكِفُونَ ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ نَفْيٌ بَعْدَهُ مُكابَرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَرْتَضِ تَأْوِيلَ العُكُوفِ بِالعِبادَةِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقالَ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ لَأنْ يَمَسَّ أحَدُكم جَمْرًا حَتّى يُطْفى خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمَسَّها، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأوْلى إبْقاءَ العُكُوفِ عَلى ظاهِرِهِ، ومَعَ ذَلِكَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ العِبادَةِ والتَّوْبِيخُ عَلَيْها بِألْطَفِ أُسْلُوبٍ ولَمّا لَمْ يَجِدُوا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في أمْرِها التَجَئُوا إلى التَّشَبُّثِ بِحَشِيشِ التَّقْلِيدِ المَحْضِ حَيْثُ
الأنبياء 21:53
﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ وأبْطَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ حَيْثُ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ الَّذِينَ وجَدْتُمُوهم كَذَلِكَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَجِيبٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ بَيِّنٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ كَوْنُهُ ضَلالًا لِاسْتِنادِكم وإيّاهم إلى غَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ إلى هَوًى مُتَّبَعٍ وشَيْطانٍ مُطاعٍ، ( وأنْتُمْ ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ( كُنْتُمْ ) ولا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِجَوازِ العَطْفِ عَلى مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، ومَعْنى كُنْتُمْ في ضَلالٍ مُطْلَقُ اسْتِقْرارِهِمْ وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ لا اسْتِقْرارِهِمُ الماضِي الحاصِلِ قَبْلَ زَمانِ الخِطابِ المُتَناوِلِ لَهم ولِآبائِهِمْ، وفي اخْتِيارِ ( في ضَلالٍ ) عَلى ضالِّينَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في ضَلالِهِمْ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِكَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ ( قالُوا ) لَمّا سَمِعُوا مَقالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِبْعادًا
صفحة 60
لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ ضَلالًا وتَعَجُّبًا مِن تَضْلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ
الأنبياء 21:54
﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ وأبْطَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ حَيْثُ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ الَّذِينَ وجَدْتُمُوهم كَذَلِكَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَجِيبٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ بَيِّنٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ كَوْنُهُ ضَلالًا لِاسْتِنادِكم وإيّاهم إلى غَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ إلى هَوًى مُتَّبَعٍ وشَيْطانٍ مُطاعٍ، ( وأنْتُمْ ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ( كُنْتُمْ ) ولا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِجَوازِ العَطْفِ عَلى مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، ومَعْنى كُنْتُمْ في ضَلالٍ مُطْلَقُ اسْتِقْرارِهِمْ وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ لا اسْتِقْرارِهِمُ الماضِي الحاصِلِ قَبْلَ زَمانِ الخِطابِ المُتَناوِلِ لَهم ولِآبائِهِمْ، وفي اخْتِيارِ ( في ضَلالٍ ) عَلى ضالِّينَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في ضَلالِهِمْ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِكَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ ( قالُوا ) لَمّا سَمِعُوا مَقالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِبْعادًا
صفحة 60
لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ ضَلالًا وتَعَجُّبًا مِن تَضْلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ
الأنبياء 21:55
﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالجِدِّ ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ أيِ الهازِلِينَ فالِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ هو اسْتِفْهامٌ مُسْتَبْعِدٌ مُتَعَجِّبٌ، وقَوْلُهم ﴿أمْ أنْتَ﴾ إلَخْ عَدِيلُهُ كَلامٌ مُنْصِفٌ مُومِئٌ فِيهِ بِألْطَفِ وجْهٍ أنَّ الثّابِتَ هو القِسْمُ الثّانِي لِما فِيهِ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ، وأشارَ في الكَشّافِ كَما في الكَشْفِ إلى أنَّ الأصْلَ هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ أهْوَ جِدٌّ وحَقٌّ أمْ لَعِبٌ وهَزْلٌ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ.
وقالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: أيْ أجَدْدَتَ وأحْدَثْتَ عِنْدَنا تَعاطِيَ الحَقِّ أمْ أحْوالَ الصِّبا بَعْدُ عَلى الِاسْتِمْرارِ وهو أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وفِيهِ الإشارَةُ إلى فائِدَةِ العُدُولِ عَنِ المُعادِلِ ظاهِرًا أوْ بَيانِ المُرادِ بِالمَجِيءِ وظاهِرُ كَلامِ الشَّيْخَيْنِ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ. واخْتارَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّها مُنْقَطِعَةٌ فَقالَ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيرِ آلِهَتِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ وآبائِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وشاهَدُوا مِنهُ الغِلْظَةَ والجِدَّ طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البُرْهانَ فَكَأنَّهم قالُوا هَبْ أنّا قَدْ قَلَّدْنا آباءَنا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مَعَكَ دَلِيلٌ عَلى ما ادَّعَيْتَ أجِئْتَنا بِالحَقِّ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ وجاؤُوا بِأمِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فَأضْرَبُوا بِبَلْ عَمّا أثْبَتُوا لَهُ وقَرَّرُوا بِالهَمْزَةِ خِلافَهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والبَتِّ، وذَلِكَ أنَّهم قَطَعُوا أنَّهُ لاعِبٌ ولَيْسَ بِمُحِقٍّ ألْبَتَّةَ لِأنَّ إدْخالَهم إيّاهُ في زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ أيْ أنْتَ غَرِيقٌ في اللَّعِبِ داخِلٌ في زُمْرَةِ الَّذِينَ قُصارى أمْرِهِمْ في إثْباتِ الدَّعاوى اللَّعِبُ واللَّهْوُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ دَلَّ عَلى إثْباتِ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ تُوقِفُكَ عَلى أنَّ أمْ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً قَطْعًا وكَذا بَلْ فِيما بَعْدُ انْتَهى والحَقُّ أنَّ جَوازَ الِانْقِطاعِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا وُجُوبُهُ فَفِيهِ ما فِيهِ.
الأنبياء 21:56
﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ أنْشَأهُنَّ بِما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ وآباؤُكم وما تَعْبُدُونَ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ. وهَذا انْتِقالٌ عَنْ تَضْلِيلِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ ونَفْيُ عَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ إلى بَيانِ الحَقِّ وتَعْيِينِ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ، وضَمِيرُ ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ إمّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، ووَصْفُهُ تَعالى بِإيجادِهِنَّ إثَرَ وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُنَّ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي هي مَنشَأُ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وإمّا لِلتَّماثِيلِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ وإرْشادِ المُخاطَبِينَ إلَيْهِ، ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي تَخُصُّ مَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ كَما ظَنَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَتُكِلِّفَ لِتَوْجِيهِ عَوْدِهِ لِما لا يَعْقِلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُتَضَمِّنٌ لِرَدِّ نِسْبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى اللَّعِبِ والهَزْلِ، والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وأنا شاهِدٌ عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ أوْ عَلى جِهَةِ البَيانِ أيْ أعْنِي عَلى ذَلِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالوَصْفِ بَعْدَهُ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ لِاتِّساعِهِمْ في المَظْرُوفِ أقْوالٌ مَشْهُورَةٌ، والمَعْنى وأنا عَلى ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ العالِمِينَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ ولَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ مَن تَحَقَّقَهُ وحَقَّقَهُ وشَهادَتُهُ عَلى ذَلِكَ إدْلاؤُهُ بِالحُجَّةِ عَلَيْها وإثْباتُهُ بِها.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَهم مِنَ اعْتِقادِ كَوْنِ تِلْكَ التَّماثِيلِ أرْبابًا لَهم كَأنَّهُ قِيلَ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ رَبُّكم إلَخْ وقالَ القاضِي: هو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لاعِبًا
صفحة 61
بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى ما ادَّعاهُ، وجَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ إضْرابًا عَنْ ذَلِكَ أيْضًا قالَ: وهَذا الجَوابُ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنْ يُجِيبَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ بَلْ أنا مِنَ المُحِقِّينَ ولَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ فَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلى أنَّ إبْطالِي لِما أنْتُمْ عاكِفُونَ عَلَيْهِ وتَضْلِيلِي إيّاكم مِمّا لا حاجَةَ فِيهِ لِوُضُوحِهِ إلى الدَّلِيلِ ولَكِنِ انْظُرُوا إلى هَذِهِ العَظِيمَةِ وهي أنَّكم تَتْرُكُونَ عِبادَةَ خالِقِكم ومالِكِ أمْرِكم ورازِقِكم ومالكِ العالَمِينَ والَّذِي فَطَرَ ما أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ وتَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِها دُونَهُ فَأيُّ باطِلٍ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ وأيُّ ضَلالٍ أبْيَنُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجَوابِ بِما هو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ مِن حَيْثُ الأُسْلُوبُ وهو الكِنايَةُ ومِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ وهو بِناءُ الخَبَرِ عَلى الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قالَ: لَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ في الدَّعاوى بَلْ مِنَ العالِمِينَ فِيها بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ كالشّاهِدِ الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ الدَّعاوى اهَـ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا عَلى احْتِمالِ كَوْنِ أمْ مُتَّصِلَةً فافْهَمْ وتَأمَّلْ لِيَظْهَرَ لَكَ أيُّ التَّوْجِيهاتِ لِهَذا الإضْرابِ أوْلى
الأنبياء 21:57
﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ أيْ لَأجْتَهِدَنَّ في كَسْرِها، وأصْلُ الكَيْدِ الِاحْتِيالُ في إيجادَ ما يَضُرُّ مَعَ إظْهارِ خِلافِهِ وهو يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِهادَ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِصُعُوبَةِ الِانْتِهازِ وتَوَقُّفِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الحِيَلِ لِيَحْتاطُوا في الحِفْظِ فَيَكُونُ الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ أتَمَّ في التَّبْكِيتِ، وكانَ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزْمًا عَلى الإرْشادِ إلى ضَلالِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ، ولا يَأْباهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَرى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ لا يَسْمَعُونَ وقِيلَ سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ مِنهم، وقِيلَ قَوْمٌ مِن ضَعَفَتِهِمْ مِمَّنْ كانَ يَسِيرُ في آخِرِ النّاسِ يَوْمَ خَرَجُوا إلى العِيدِ وكانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ: وقِيلَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (بِاللَّهِ ) بِالباءِ ثانِيَةِ الحُرُوفِ وهي أصْلُ حُرُوفِ القَسَمِ إذْ تَدْخُلُ عَلى الظّاهِرِ والمُضْمَرِ ويُصَرَّحُ بِفِعْلِ القَسَمِ مَعَها ويُحْذَفُ والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُجاهَ والواوُ قائِمَةٌ مَقامَ الباءِ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ كَوْنُهُما شَفَوِيَّتَيْنِ ومِن حَيْثُ إنَّ الواوَ تُفِيدُ مَعْنًى قَرِيبًا مِن مَعْنى الإلْصاقِ عَلى ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَقُومُ عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وقَدَّرَهُ السُّهَيْلِيُّ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ أصْلًا لِآخَرَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الباءِ والتّاءِ بِأنَّ في التّاءِ المُثَنّاةِ زِيادَةَ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، وكانَ التَّعَجُّبُ هُنا مِن إقْدامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أمْرٍ فِيهِ مُخاطَرَةٌ. ونُصُوصُ النُّحاةِ أنَّ التّاءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَها تَعْجُّبٌ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ واللّامُ هي الَّتِي يَلْزَمُها التَّعَجُّبُ في القَسَمِ، وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُما اسْتِعْمالًا بِأنَّ التّاءَ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ اسْمِ اللَّهِ الجَلِيلِ أوْ مَعَ رَبِّ مُضافًا إلى الكَعْبَةِ عَلى قِلَّةٍ ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مِن عِبادَتِها إلى عِيدِكم. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ( تَوَلَّوْا ) مِنَ التَّوَلِّي بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وهي الثّانِيَةُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ والأُولى عِنْدَ هِشامٍ، ويُعَضِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصّافّاتِ: 90]
الأنبياء 21:58
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَوَلَّوْا فَأتى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأصْنامَ فَجَعَلَهم ﴿جُذاذًا﴾ أيْ قِطَعًا فُعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الجَذِّ الَّذِي هو القَطْعُ، قالَ الشّاعِرُ:
بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللَّهُ دابِرَهم أمْسَوْا رَمادًا فَلا أصْلٌ ولا طَرْفٌ
فَهُوَ كالحُطامِ مِنَ الحَطْمِ الَّذِي هو الكَسْرُ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ مَحِيضٍ وابْنُ مُقْسِمٍ وأبُو حَيْوَةَ وحَمِيدٌ
صفحة 62
والأعْمَشُ في رِوايَةٍ (جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ نَهْيِكَ وأبُو السَّمالِ (جَذاذًا ) بِالفَتْحِ، والضَّمُّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّي عَنْ أبِي حاتِمٍ لُغاتٌ أجْوَدُها الضَّمُّ ونَصَّ قُطْرُبُ أنَّهُ في لُغاتِهِ الثَّلاثِ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: جُذاذًا بِالضَّمِّ جَمْعُ جُذاذَةٍ كَزُجاجٍ وزُجاجَةٍ، وقِيلَ: بِالكَسْرِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ كالحَصادِ بِمَعْنى المَحْصُودِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ (جُذُذًا ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَسَرِيرٍ وسُرُرٍ، وقُرِئَ (جُذَذًا ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ جُذَّةٍ كَقُبَّةٍ وقُبَبٍ أوْ مُخَفَّفُ فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ. رُوِيَ أنَّ آزَرَ خُرِجَ بِهِ في عِيدٍ لَهم فَبَدَؤُوا بِبَيْتِ الأصْنامِ فَدَخَلُوهُ فَسَجَدُوا لَها ووَضَعُوا بَيْنَها طَعامًا خَرَجُوا بِهِ مَعَهم وقالُوا إلى أنْ نُرْجِعَ بَرَكَتُ الآلِهَةِ عَلى طَعامِنا فَذَهَبُوا فَلَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الطَّرِيقِ ثَنِيَ عَزْمُهُ عَنِ المَسِيرِ مَعَهم فَقَعَدَ وقالَ إنِّي سَقِيمٌ فَدَخَلَ عَلى الأصْنامِ وهي مُصْطَفَّةٌ وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبَلُ البابِ وكانَ مِن ذَهَبٍ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ فَكَسَرَ الكُلَّ بِفَأْسٍ كانَ في يَدِهِ ولَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ وعَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ، وقِيلَ: في يَدِهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيِ الأصْنامُ كَما هو الظّاهِرُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وضَمِيرُ العُقَلاءِ هُنا وفِيما مَرَّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ، والكِبَرُ إمّا في المَنزِلَةِ عَلى زَعْمِهِمْ أيْضًا أوْ في الجُثَّةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْعَبَدَةِ، قِيلَ: ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ لِلْأصْنامِ لَقِيلَ إلّا كَبِيرُهم ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ وجْهِ الكَسْرِ واسْتِبْقاءِ الكَبِيرِ، وضَمِيرُ ( إلَيْهِ ) عِنْدَ الجُمْهُورِ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إلى غَيْرِهِ فَيُحاجُّهم ويُبَكِّتُهم بِما سَيَأْتِي مِنَ الجَوابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ حِينَ يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُجِيبُهم، ويُظْهِرُ عَجْزَ آلِهَتِهِمْ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ لَيْسَ أجْنَبِيًّا في البَيْنِ عَلى هَذا القَوْلِ كَما تُوُهِّمَ، نَعَمْ لا يَخْفى بُعْدُهُ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكَبِيرِ أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الكَبِيرِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ فَيَقُولُونَ لَهُ ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ في عُنُقِكَ أوْ في يَدِكَ ؟ وحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ عاجِزٌ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ ويَظْهَرُ أنَّهم في عِبادَتِهِ عَلى جَهْلٍ عَظِيمٍ، وكَأنَّ هَذا بِناءً عَلى ظَنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ لِما جَرَّبَ وذاقَ مِن مُكابَرَتِهِمْ لِعُقُولِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في آلِهَتِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ لَها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِجْهالِ واعْتِبارِ حالِ الكَبِيرِ عِنْدَهم فَإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلِ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ لا إشْكالَ في دُخُولِ لَعَلَّ في الكَلامِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أسْرَعُ الأوْجُهِ تَبادُرًا لَكِنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُونَ، والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: هو مُتَعَيِّنٌ لِذَلِكَ في الوَجْهِ الأوَّلِ وغَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لَهُ في الأخِيرَيْنِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأداءِ حَقِّ الفاصِلَةِ فَتَأمَّلْ.
وقَدْ يُسْتَأْنَسُ بِفِعْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَسْرِ الأصْنامِ لِمَن قالَ مِن أصْحابِنا إنَّهُ لا ضَمانَ عَلى مَن كَسَرَ ما يُعْمَلُ مِنَ الفَخّارِ مَثَلًا مِنَ الصُّوَرِ لِيَلْعَبَ بِهِ الصِّبْيانُ ونَحْوُهم وهو القَوْلُ المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
الأنبياء 21:59
﴿قالُوا﴾ أيْ حِينَ رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما رَأوْا ﴿مَن فَعَلَ هَذا﴾ الأمْرَ العَظِيمَ ﴿بِآلِهَتِنا﴾ قالُوهُ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالآلِهَةِ دُونَ الأصْنامِ أوْ هَؤُلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ،
صفحة 63
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ( مَن ) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُهُ أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ بِآلِهَتِنا إنَّهُ مَعْدُودٌ مِن جُمْلَةِ الظَّلَمَةِ إمّا لِجُرْأتِهِ عَلى إهانَتِها وهي الحَفِيَّةُ بِالإعْظامِ أوْ لِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلْهَلَكَةِ أوْ لِإفْراطِهِ في الكَسْرِ والحَطْمِ، والظُّلْمُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ
الأنبياء 21:60
﴿قالُوا﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ يَعِيبُهم فَلَعَلَّهُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ. وسَمِعَ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ كَسائِرِ أفْعالِ الحَواسِّ كَما قَرَّرَهُ السُّهَيْلِيُّ ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَثِيرًا وقَدْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِإلى أوِ اللّامِ أوِ الباءِ، وتَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الأخْفَشُ. والفارِسِيُّ في الإيضاحِ وابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهم إلى أنَّهُ إنْ ولِيَهُ ما يُسْمَعُ تَعَدّى إلى واحِدٍ كَسَمِعْتُ الحَدِيثَ وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وإنْ ولِيَهُ ما لا يُسْمَعُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مِمّا يَدُلُّ عَلى صَوْتٍ.
واشْتَرَطَ بَعْضُهم كَوْنُهُ جُمْلَةً كَسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا دُونَ قائِلًا كَذا لِأنَّهُ دالٌّ عَلى ذاتٍ لا تَسْمَعُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشُّعَراءَ: 72] فَعَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم، وقِيلَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الظَّرْفُ مُغْنٍ عَنْهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ناصِبٌ لِواحِدٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَسْمُوعٍ قَبْلَ اسْمِ الذّاتِ، والجُمْلَةُ إنْ كانَتْ حالٌ بَعْدَ المَعْرِفَةِ صِفَةٌ بَعْدَ النَّكِرَةِ ولا تَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِأنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا في الأفْعالِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ ولَيْسَ هَذا مِنها.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِنَ المُلْحَقاتِ بِرَأى العِلْمِيَّةِ لِأنَّ السَّمْعَ طَرِيقُ العِلْمِ كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ فَجُوِّزَ هُنا كَوْنُ ( فَتًى ) مَفْعُولًا أوَّلًا وجُمْلَةُ ( يَذْكُرُهم ) مَفْعُولًا ثانِيًا، وكَوْنُهُ مَفْعُولًا والجُمْلَةُ صِفَةً لَهُ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، وقِيلَ إنَّها بَدَلٌ مِنهُ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّجَوُّزِ والإضْمارِ إذْ هي مَسْمُوعَةٌ والبَدَلُ هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ وإبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ جائِزٌ، وفي الهَمْعِ أنَّ بَدَلَ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وفي التَّصْرِيحِ قَدْ تُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً أبْلَغُ في نِسْبَةِ الذِّكْرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما في ذَلِكَ مِن إيقاعِ الفِعْلِ عَلى المَسْمُوعِ مِنهُ وجَعْلِهِ بِمَنزِلَةِ المَسْمُوعِ مُبالَغَةً في عَدَمِ الواسِطَةِ فَيُفِيدُ أنَّهم سَمِعُوهُ بِدُونِ واسِطَةٍ.
ووَجَّهَ بَعْضُهُمُ الأبْلَغِيَّةَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِمّا بُحِثَ فِيهِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ مِمّا يَتَأتّى عَلى احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ فَلا تَفُوتُ المُبالَغَةُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا التَّرْكِيبَ كَيْفَما أُعْرِبَ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ سَمِعْنا ذِكْرَ فَتًى ونَحْوَهُ مِمّا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ اتِّفاقًا لِما أنَّ ( سَمِعْنا ) لَمّا تَعَلَّقَ بِفَتًى أفادَ إجْمالًا أنَّ المَسْمُوعَ نَحْوُ ذَكَرَهُ إذْ لا مَعْنًى لِأنْ يَكُونَ نَفْسُ الذّاتِ مَسْمُوعًا ثُمَّ إذا ذُكِرَ ( يَذْكُرُهم ) عُلِمَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى ولِما فِيهِ مِن تَقْوى الحُكْمِ بِتَكَرُّرِ الإسْنادِ عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي ولِهَذا رُجِّحَ أُسْلُوبُ الآيَةِ عَلى غَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ لِفَتًى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا والأوَّلُ أظْهَرُ، ورُفِعَ ( إبْراهِيمُ ) عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ لِيُقالُ عَلى اخْتِيارِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، والمُرادُ لَفْظُهُ أيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوازِ كَوْنِ مَفْعُولِ القَوْلِ مُفْرَدًا لا يُؤَدِّي مَعْناهُ جُمْلَةً كَقُلْتُ قَصِيدَةً وخُطْبَةً ولا هو مَصْدَرًا لِقَوْلٍ أوْ صِفَتَهُ كَقُلْتُ قَوْلًا أوْ حَقًّا فَذَهَبَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ خَرُوفٍ وابْنُ مالِكٍ إلى
صفحة 64
الجَوازِ إذا أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ لَفْظُهُ بَلْ ذَكَرَ الدَّنُوشَرِيُّ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالمُفْرَدِ الواقِعِ بَعْدَ القَوْلِ نَفْسَ لَفْظِهِ تَجِبُ حِكايَتُهُ ورِعايَةُ إعْرابِهِ، وآخَرُونَ إلى المَنعِ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو الصَّحِيحُ إذْ لا يُحْفَظُ مِن لِسانِهِمْ قالَ فُلانٌ زَيْدٌ ولا قالَ ضَرَبَ وإنَّما وقَعَ القَوْلُ في كَلامِهِمْ لِحِكايَةِ الجُمَلِ وما في مَعْناها، وجَعَلَ المانِعُونَ ( إبْراهِيمُ ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ هَذا إبْراهِيمُ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا ذُقْتُ فاها قُلْتُ طَعْمُ مُدامَةٍ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إبْراهِيمُ فاعِلُهُ وأنْ يَكُونَ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ أيْ يُقالُ لَهُ حِينَ يُدْعى يا إبْراهِيمُ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ فِيما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ويَكْفِي الظُّهُورُ مُرَجِّحًا في أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ، وذَهَبَ الأعْلَمُ إلى أنَّ ( إبْراهِيمُ ) ارْتَفَعَ بِالإهْمالِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عامِلٌ يُؤَثِّرُ في لَفْظِهِ إذِ القَوْلُ لا يُؤَثِّرُ إلّا في المُفْرَدِ المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى الجُمْلَةِ فَبَقِيَ مُهْمَلًا والمُهْمَلُ إذا ضُمَّ إلى غَيْرِهِ ارْتَفَعَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ واحِدٌ واثْنانِ إذا عَدُّوا ولَمْ يُدْخِلُوا عامِلًا لا في اللَّفْظِ ولا في التَّقْدِيرِ وعَطَفُوا بَعْضَ أسْماءِ العَدَدِ عَلى بَعْضٍ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ هَذا الأعْلَمِ لا يَقُولُهُ إلّا الأجْهَلُ ولَأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أفْلَحَ أعْلَمَ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَنْطِقَ بِمِثْلِهِ ويَتَكَلَّمَ.
الأنبياء 21:61
﴿قالُوا﴾ أُولَئِكَ القائِلُونَ ﴿مَن فَعَلَ﴾ إلَخْ إذا كانَ الأمْرُ كَذا ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ أيْ أحْضِرُوهُ ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ مُشاهِدًا مُعايِنًا لَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما تُفِيدُهُ عَلى المُسْتَعارَةِ لِتَمَكُّنِ الرُّؤْيَةِ ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ أيْ يَحْضُرُونَ عُقُوبَتَنا لَهُ، وقِيلَ يَشْهَدُونَ بِفِعْلِهِ أوْ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلنّاسِ بَلْ لِبَعْضٍ مِنهم مُبْهَمٌ أوْ مَعْهُودٌ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، والثّانِي عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، والتَّرَجِّي أوْفَقُ بِهِ
الأنبياء 21:62
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا فَعَلُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ أتَوْا بِهِ أوْ لا ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ اقْتِصارًا عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إتْيانَهم بِهِ ومُسارَعَتَهم إلى ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، والهَمْزَةُ كَما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِّيُّ لِلتَّقْرِيرِ بِالفاعِلِ إذْ لَيْسَ مُرادُ الكَفَرَةِ حَمْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ كَسْرَ الأصْنامِ قَدْ كانَ بَلْ عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ مِنهُ كَيْفَ وقَدْ أشارُوا إلى الفِعْلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ وأيْضًا
الأنبياء 21:63
﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ ولَوْ كانَ التَّقْرِيرُ بِالفِعْلِ لَكانَ الجَوابُ فَعَلْتُ أوْ لَمْ أفْعَلْ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ الخَطِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ عَلى أصْلِهِ إذْ لَيْسَ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَ الأصْنامَ حَتّى يُمْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأُجِيبَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَ الآيَةِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَلَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ إلَخْ ثُمَّ لَمّا رَأوْا كَسْرَ الأصْنامِ قالُوا: ﴿مَن فَعَلَ﴾ هَذا إلَخْ فالظّاهِرُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ مِن حَلِفِهِ وذَمِّهِ الأصْنامَ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الحَلِفَ كَما قالَهُ كَثِيرٌ كانَ سِرًّا أوْ سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا سَمِعْنا﴾ إلَخْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ﴾ هَذا إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم مَن لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَ الأصْنامَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ﴾ كَلامَ ذَلِكَ البَعْضِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّهم بَعْدَ المُفاوَضَةِ في أمْرِ الأصْنامِ وإخْبارِ البَعْضِ البَعْضَ بِما يُقْنِعُهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَها تَيَقَّنُوا كُلُّهم أنَّهُ الكاسِرُ
صفحة 65
فَأأنْتَ فَعَلْتَ مِمَّنْ صَدَرَ لِلتَّقْرِيرِ بِالفاعِلِ، وقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ مَسْلَكًا تَعْرِيضِيًّا يُؤَدِّي بِهِ إلى مَقْصِدِهِ الَّذِي هو إلْزامُهُمُ الحُجَّةَ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ يَحْمِلُهم عَلى التَّأمُّلِ في شَأْنِ آلِهَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَقِّي مِنَ الكَذِبِ فَقَدْ أبْرَزَ الكَبِيرُ قَوْلًا في مَعْرِضِ المُباشِرِ لِلْفِعْلِ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ كَما أبْرَزَهُ في ذَلِكَ المَعْرِضِ فِعْلًا بِجَعْلِ الفَأْسِ في عُنُقِهِ أوْ في يَدِهِ وقَدْ قَصَدَ إسْنادَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ رَأى تَعْظِيمَهم إيّاهُ أشَدَّ مِن تَعْظِيمِهِمْ لِسائِرِ ما مَعَهُ مِنَ الأصْنامِ المُصْطَفَّةِ المُرَتَّبَةِ لِلْعِبادَةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَغَضِبَ لِذَلِكَ زِيادَةَ الغَضَبِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا عَقْلِيًّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ والأصْلُ فَعَلْتُهُ لِزِيادَةِ غَضَبِي مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِ هَذا، وإنَّما لَمْ يَكْسِرْهُ وإنْ كانَ مُقْتَضى غَضَبِهِ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ الحُجَّةُ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن بابِ المَجازِ لِما أنَّ المَعارِيضَ تُشْبِهُ صُورَتُها صُورَتَهُ فَبَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِما ذُكِرَ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أيْضًا: إنَّهُ حِكايَةٌ لِما يَلْزَمُ مِن مَذْهَبِهِمْ جَوازُهُ يَعْنِي أنَّهم لَمّا ذَهَبُوا إلى أنَّهُ أعْظَمُ الآلِهَةِ فَعِظَمُ أُلُوهِيَّتِهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُعْبَدَ غَيْرُهُ مَعَهُ ويَقْتَضِي إفْناءَ مَن شارَكَهُ في ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَعَلَهُ هَذا الكَبِيرُ عَلى مُقْتَضى مَذْهَبِكم والقَضِيَّةُ مُمْكِنَةٌ.
ويُحْكى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا غَضِبَ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ وهو أكْبَرُ مِنها، قِيلَ: فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَمْثِيلًا أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنْبِيهَهم عَلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِعِبادَتِهِ الأصْنامَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا إثْباتَ الفِعْلِ لِنَفْسِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ مُضَمِّنًا فِيهِ الِاسْتِهْزاءَ والتَّضْلِيلَ كَما إذا قالَ لَكَ أُمِّيٌّ فِيما كَتَبْتَهُ بِخَطٍّ رَشِيقٍ وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ: أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ فَإنَّكَ لَمْ تَقْصِدْ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِكَ وإثْباتَهُ لِلْأُمِّيِّ وإنَّما قَصَدْتَ إثْباتَهُ وتَقْرِيرَهُ لِنَفْسِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِمُخاطَبِكَ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ الفِعْلُ دائِرًا بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ كَبِيرِهِمْ ولا يَحْتَمِلُ ثالِثًا.
ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ السُّؤالَ في ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ﴾ تَقْرِيرٌ لا اسْتِفْهامٌ كَما سَمِعْتَ عَنِ العَلّامَةِ وصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ والإمامُ السَّكّاكِيُّ فاحْتِمالُ الثّالِثِ مُنْدَفِعٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ عَلى ظاهِرِهِ فَقَرِينَةُ الإسْنادِ في الجَوابِ إلى ما لا يَصْلُحُ لَهُ بِكَلِمَةِ الإضْرابِ كافِيَةٌ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ السُّؤالَ لا وجْهَ لَهُ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِهَذا الفِعْلِ غَيْرِي، نَعَمْ يَرُدُّ أنَّ تَوْجِيهَهم بِذَلِكَ نَحْوَ التَّأمُّلِ في حالِ آلِهَتِهِمْ وإلْزامِهِمُ الحُجَّةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يَنْطِقُوا غَيْرَ ظاهِرٍ عَلى هَذا، وقِيلَ إنَّ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ مَعْنًى وقَوْلُهُ: (فاسْألُوا ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ: «فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ» فَيَكُونُ كَوْنُ الكَبِيرِ فاعِلًا مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ ومُعَلَّقًا بِهِ وهو مُحالٌ فالمُعَلَّقُ بِهِ كَذَلِكَ، وإلى نَحْوِ ذَلِكَ أشارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَهُ﴾ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ يَعُودُ عَلى ( فَتًى ) أوْ إلى إبْراهِيمُ، ولا يَخْفى أنَّ كُلًّا مِن فَتًى وإبْراهِيمَ مَذْكُورٌ في كَلامٍ لَمْ يَصْدُرْ بِمَحْضَرٍ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ وأنَّ الإضْرابَ لَيْسَ في مَحِلِّهِ حِينَئِذٍ والمُناسِبُ في الجَوابِ نَعَمْ، ولا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ هُنا كَما قِيلَ وعُزِيَ إلى الكِسائِيِّ أنَّهُ جَعَلَ الوَقْفَ عَلى ﴿فَعَلَهُ﴾ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ.
صفحة 66
وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ حَذْفَ الفاعِلِ لا يَسُوغُ أيْ عِنْدَ الجُمْهُورِ وإلّا فالكِسائِيُّ يَقُولُ بِجَوازِ حَذْفِهِ.
وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِالحَذْفِ الإضْمارَ، وأكْثَرُ القُرّاءِ اليَوْمَ عَلى الوَقْفِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ الوَقْفُ عَلى ( كَبِيرُهم ) وأرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ، وهَذا التَّوْجِيهُ عِنْدِي ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ومِثْلُهُ أنْ يُرادَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كَبِيرُ الآلِهَةِ ولا يُلاحَظُ ما أرادُوهُ بِها، ويُعْزى لِلْفَرّاءِ أنَّ الفاءَ في ( فَعَلَهُ ) عاطِفَةٌ وعَلَهُ بِمَعْنى لَعَلَّهُ فَخَفَّفَ.
واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْقَعِ ( فَعَلَّهُ ) مُشَدَّدَ اللّامِ، ولا يَخْفى أنْ يَجِلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْرِيجِ، والآيَةُ عَلَيْهِ في غايَةِ الغُمُوضِ وما ذُكِرَ في مَعْناها بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ لَفْظِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وادَّعى أنَّ صُدُورَ الكَذِبِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمَصْلَحَةٍ جائِزٌ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ رَفْعَ الوُثُوقِ بِالشَّرائِعِ لِاحْتِمالِ الكَذِبِ فِيها لِمَصْلَحَةٍ فالحَقُّ أنْ لا كَذِبَ أصْلًا وأنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ دُونَ إنْ كانُوا يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ مَعَ أنَّ السُّؤالَ مَوْقُوفٌ عَلى السَّمْعِ والعَقْلَ أيْضًا لِما أنَّ نَتِيجَةَ السُّؤالِ هو الجَوابُ وإنَّ عَدَمَ نُطْقِهِمْ أظْهَرُ وتَبْكِيتَهم بِذَلِكَ أدْخَلُ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ
الأنبياء 21:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَتَفَكَّرُوا وتَدَبَّرُوا وتَذَكَّرُوا أنَّ ما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن كَسَرَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْ غَيْرِهِ أوْ جَلْبِ مَنفَعَةٍ لَهُ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا.
﴿فَقالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِيما بَيْنَهم ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ بِعِبادَةِ ما لا يَنْطِقُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ بِسُؤالِكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعُدُولِكم عَنْ سُؤالِها وهي آلِهَتُكم ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أوْ بِنَفْسِ سُؤالِكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ مُتَضَمِّنًا التَّوْبِيخَ المُسْتَتْبِعَ لِلْمُؤاخَذَةِ كَما قِيلَ أوْ بِغَفْلَتِكم عَنْ آلِهَتِكم وعَدَمِ حِفْظِكم إيّاها أوْ بِعِبادَةِ الأصاغِرِ مَعَ هَذا الكَبِيرِ قالَهُما وهْبٌ أوْ بِأنِ اتَّهَمْتُمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والفَأْسُ في عُنُقِ الكَبِيرِ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ إسْحَقَ، والحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
الأنبياء 21:65
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أصْلُ النَّكْسِ قَلْبُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، ولا يَلْغُو ذِكْرَ الرَّأْسِ بَلْ يَكُونُ مِنَ التَّأْكِيدِ أوْ يُعْتَبَرُ التَّجْرِيدَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ النَّكْسُ لُغَةً في مُطْلَقِ قَلْبِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى ويُذْكَرُ الرَّأْسُ لِلتَّصْوِيرِ والتَّقْبِيحِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى ما في الكَشْفِ في المُرادِ بِهِ هُنا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّهُ الرُّجُوعُ عَنِ الفِكْرَةِ المُسْتَقِيمَةِ الصّالِحَةِ في تَظْلِيمِ أنْفُسِهِمْ إلى الفِكْرَةِ الفاسِدَةِ في تَجْوِيزِ عِبادَتِها مَعَ الِاعْتِرافِ بِتَقاصُرِ حالِها عَنِ الحَيَوانِ فَضْلًا أنْ تَكُونَ في مَعْرِضِ الإلَهِيَّةِ فَمَعْنى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْنا وعَلَيْكَ أيُّها المُبَكِّتُ بِأنَّها لا تَنْطِقُ أنَّها كَذَلِكَ وإنّا إنَّما اتَّخَذْناها آلِهَةً مَعَ العِلْمِ بِالوَصْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوابُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الآتِي، والثّانِي أنَّهُ الرُّجُوعُ عَنِ الجَدَلِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ وقَوْلِهِمْ: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ﴾ إلى الجِدالِ عَنْهُ بِالحَقِّ في قَوْلِهِمْ: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) لِأنَّهُ نَفْيٌ لِلْقُدْرَةِ عَنْها واعْتِرافٌ بِعَجْزِها وأنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ وسُمِّيَ نَكْسًا وإنْ كانَ حَقًّا لِأنَّهُ ما أفادَهم عَقْدًا فَهو نَكْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِعَجْزِها وأصَرُّوا. وفي لُبابِ التَّفْسِيرِ ما يَقْرُبُ مِنهُ مَأْخَذًا لَكِنَّهُ قَدَّرَ الرُّجُوعَ عَنِ الجِدالِ عَنْهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكم أنْتُمُ
صفحة 67
الظّالِمُونَ﴾ إلى الجِدالِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) والثّالِثُ أنَّ النَّكْسَ مُبالَغَةٌ في إطْراقِهِمْ رُؤُوسَهم خَجَلًا وقَوْلُهم: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) إلَخْ رَمْيٌ عَنْ حَيْرَةٍ ولِهَذا أتَوْا بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وجازَ أنْ يُجْعَلَ كِنايَةً عَنْ مُبالَغَةِ الحَيْرَةِ وانْخِذالِ الحُجَّةِ فَإنَّها لا تُنافِي الحَقِيقَةَ، قالَ في الكَشْفِ. وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ وكَذَلِكَ الأوَّلُ، وكَوْنُ المُرادِ النَّكْسَ في الرَّأْيِ رَواهُ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وهو لِلْوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ رَدَّتِ السَّفَلَةُ عَلى الرُّؤَساءِ. فالمُرادُ بِالرُّؤُوسِ الرُّؤَساءُ، والأظْهَرُ عِنْدِي الوَجْهُ الثّالِثُ، وأيًّا ما كانَ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنُكِسُوا.
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ قائِلِينَ ( لَقَدْ ) إلَخْ، والخِطابُ في ( عَلِمْتَ ) لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ عَلِمَ إنْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ تَعَدَّتْ لِواحِدٍ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ كَما يُوهِمُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ. وابْنُ مُقْسِمٍ. وابْنُ الجارُودِ. والبَكْراوِيُّ كِلاهُما عَنْ هِشامٍ بِتَشْدِيدِ كافِ ( نُكِّسُوا )، وقَرَأ رِضْوانُ بْنُ عَبْدِ المَعْبُودِ (نَكَسُوا ) بِتَخْفِيفِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ نَكَسُوا أنْفُسَهم وقِيلَ: رَجَعُوا عَلى رُؤَسائِهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُمُجاهِدٍ.
الأنبياء 21:66
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبَكِّتًا لَهم ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُجاوِزِينَ عِبادَتَهُ تَعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ، وقِيلَ: بِشَيْءٍ ﴿ولا يَضُرُّكُمْ﴾ فَإنَّ العِلْمَ بِحالِهِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِمّا يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْ عِبادَتِهِ قَطْعًا
الأنبياء 21:67
﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَضَجُّرٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ بَعْدَ انْقِطاعِ العُذْرِ ووُضُوحِ الحَقِّ، وأصْلُ أُفٍّ صَوْتُ المُتَضَجِّرِ مِنَ اسْتِقْذارِ شَيْءٍ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ ثُمَّ صارَ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى أتَضَجَّرُ وفِيهِ لُغاتٌ كَثِيرَةٌ، واللّامُ لِبَيانِ المُتَأفَّفِ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ اسْتِقْباحِ ما فَعَلُوا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ قُبْحَ صَنِيعِكُمْ
الأنبياء 21:68
﴿قالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا عَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ وضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وهَذا دَيْدَنُ المُبْطَلِ المَحْجُوجِ إذا بُهِتَ بِالحُجَّةِ وكانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ يَفْزَعُ إلى المُناصَبَةِ ﴿حَرِّقُوهُ﴾ فَإنَّ النّارَ أشَدُّ العُقُوباتِ ولِذا جاءَ لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ إلّا خالِقُها ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بِالِانْتِقامِ لَها ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ ناصِرِينَ آلِهَتَكم نَصْرًا مُؤَزَّرًا فاخْتارُوا لَهُ ذَلِكَ وإلّا فَرَّطْتُمْ في نُصْرَتِها وكَأنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا ما فِيها، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ العُدُولُ عَنْ أنْ تَنْصُرُوا آلِهَتَكم فَحَرِّقُوهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وأشارَ بِذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ ورَضِيَ بِهِ الجَمِيعُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْحارِيبَ بْنِ نَمْرُوذَ بْنِ كَوْسَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقالَ: أتَدْرِي يا مُجاهِدُ مَنِ الَّذِي أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنّارِ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: رَجُلٌ مِن أعْرابِ فارِسٍ يَعْنِي الأكْرادَ ونَصَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الأكْرادِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وذُكِرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَسَفَ بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْمُهُ عَلى ما أخْرَجَ
صفحة 68
ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجَبارِيِ هُيُونُ، وقِيلَ: هَدِيرُ. وفي البَحْرِ أنَّهم ذَكَرُوا لَهُ اسْمًا مُخْتَلِفًا فِيهِ لا يُوقَفُ مِنهُ عَلى حَقِيقَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم حِينَ هَمُّوا بِإحْراقِهِ حَبَسُوهُ ثُمَّ بَنَوْا بَيْتًا كالحَظِيرَةِ بِكَوْثى قَرْيَةٌ مِن قُرى الأنْباطِ في حُدُودِ بابِلَ مِنَ العِراقِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: 97] فَجَمَعُوا لَهُ صِلابَ الحَطَبِ مِن أصْنافِ الخَشَبِ مُدَّةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَأوْقَدُوا نارًا عَظِيمَةً لا يَكادُ يَمُرُّ عَلَيْها طائِرٌ في أقْصى الجَوِّ لِشِدَّةِ وهَجِها فَلَمْ يَعْلَمُوا كَيْفَ يُلْقُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها فَأتى إبْلِيسُ وعَلَّمَهم عَمَلَ المَنجَنِيقِ فَعَمَلُوهُ، وقِيلَ: صَنَعَهُ الكُرْدِيُّ الَّذِي أشارَ بِالتَّحْرِيقِ ثُمَّ خُسِفَ بِهِ ثُمَّ عَمَدُوا إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا فَصاحَتْ مَلائِكَةُ السَّماءِ والأرْضِ إلَهَنا ما في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ يُحْرَقُ فِيكَ فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَلْيَنْصُرْهُ وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ وأنا ولِيُّهُ فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ فَإنَّهُ خَلِيلِي لَيْسَ لِي خَلِيلٌ غَيْرُهُ وأنا إلَهُهُ لَيْسَ لَهُ إلَهٌ غَيْرِي فَأتاهُ خازِنُ الرِّياحِ وخازِنُ المِياهِ يَسْتَأْذِنانِهِ في إعْدامِ النّارِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا حاجَةَ لِي إلَيْكم حَسْبِي اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: حِينَ أوْثَقُوهُ لِيُلْقُوهُ في النّارِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ لا شَرِيكَ لَكَ ثُمَّ رَمَوْا بِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا.
قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فاسْألْ رَبَّكَ فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
ويُرْوى أنَّ الوَزَغَ كانَ يَنْفُخُ في النّارِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ.
وفِي البَحْرِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ صَدَرَتْ عَنِ الوَزَغِ والبَغْلِ والخُطّافِ والضُّفْدَعِ والعَضْرَفُوطِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِذَلِكَ، فَلَمّا وصَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحَظِيرَةَ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى بِبَرَكَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْضَةً، وذَلِكَ
الأنبياء 21:69
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ أيِ ابْرُدِي بَرْدًا غَيْرَ ضارٍّ، ولِذا قالَ عَلَيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فِيما أخْرَجَهُ عِنْدَ أحْمَدَ وغَيْرِهِ: لَوْ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ ( وسَلاما ) لَقَتَلَهُ بَرْدُها، وفِيهِ مُبالَغاتُ جَعَلِ النّارِ المُسَخَّرَةِ لِقُدْرَتِهِ تَعالى مَأْسُورَةً مُطاوِعَةُ وإقامَةِ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ مَقامَ ابْرُدِي ثُمَّ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقِيلَ: نُصِبَ ( سَلاما ) بِفِعْلِهِ أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ( قُلْنا ) وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي أيَّدَتْهُ الآثارُ. رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أخَذُوا بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأقْعَدُوهُ عَلى الأرْضِ فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسٌ ولَمْ تَحْرِقِ النّارُ إلّا وثاقَهُ كَما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما كُنْتُ أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، قالَ ابْنُ إسْحَقَ: وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، قالُوا: وبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يا إبْراهِيمُ إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمَتْ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ أشْرَفَ نَمْرُوذُ ونَظَرَ مِن صَرْحٍ لَهُ فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ والمَلَكُ قاعِدٌ إلى جَنْبِهِ والنّارُ مُحِيطَةٌ بِهِ فَنادى يا إبْراهِيمُ كَبِيرُ إلَهِكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ أنْ حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما أرى يا إبْراهِيمُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ قالَ: هَلْ تَخْشى إنْ نِمْتَ فِيها أنْ تَضُرَّكَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَقُمْ فاخْرُجْ مِنها فَقامَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْشِي فِيها حَتّى خَرَجَ مِنها فاسْتَقْبَلَهُ نَمْرُوذُ وعَظَّمَهُ، وقالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ قاعِدًا إلى جَنْبِكَ ؟ قالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ إلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها فَقالَ: يا إبْراهِيمُ إنِّي مُقَرِّبٌ
صفحة 69
إلى إلَهِكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ حِينَ أبَيْتَ إلّا عِبادَتَهُ وتَوْحِيدَهُ إنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنكَ ما كُنْتَ عَلى دِينِكَ حَتّى تُفارِقَهُ وتَرْجِعَ إلى دِينِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ فَذَبَحَها وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْتَرِقْ قالُوا: إنَّهُ سَحَرَ النّارَ فَرَمَوْا فِيها شَيْخًا مِنهم فاحْتَرَقَ، وفي بَعْضِها أنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سالِمًا لَمْ يُحْرَقْ مِنهُ غَيْرُ وثاقِهِ قالَ هارانُ أبُو لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ النّارَ لا تَحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَها لَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ فَجَعَلُوهُ فَوْقَ تِبْنٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ فَطارَتْ شَرارَةٌ إلى لِحْيَةِ هارانَ فَأحْرَقَتْهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صَرْدٍ وكانَ قَدْ أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّ أبا لُوطٍ قالَ وكانَ عَمَّهُ: إنَّ النّارَ لَمْ تَحْرِقْهُ مِن أجْلِ قَرابَتِهِ مِنِّي فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عُنُقًا مِنَ النّارِ فَأحْرَقَهُ، والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ لَكِنْ قالَ في البَحْرِ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في حِكايَةِ ما جَرى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي صَحَّ هو ما ذَكَرَهُ تَعالى مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ في النّارِ فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرْدًا وسَلامًا.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو القائِلُ لَها: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ إلَخْ وأنَّ هُناكَ قَوْلًا حَقِيقَةً، وقِيلَ القائِلُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ قَوْلُ ذَلِكَ مَجازٌ عَنْ جَعْلِها بارِدَةً، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَلَبَها خاصَّتَها مِنَ الحَرارَةِ والإحْراقِ وأبْقى فِيها الإضاءَةَ والإشْراقَ، وقِيلَ إنَّها انْقَلَبَتْ هَواءً طَيِّبًا وهو عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، وقِيلَ كانَتْ عَلى حالِها لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ دَفَعَ أذاها كَما تَرى في السَّمَندَرِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى إبْراهِيمَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ المُعْتادِ فَيَخْتَصُّ بِمَن خُصَّ بِهِ ويَبْقى بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ عَلى الأصْلِ لا نَظَرًا إلى مَفْهُومِ اللَّقَبِ إذِ الأكْثَرُونَ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ. وفي بَعْضِ الآثارِ السّابِقَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدْ يَقَعُ نَظِيرُها لِبَعْضِ صُلَحاءِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ كَرامَةً لَهم لِمُتابَعَتِهِمُ النَّبِيَّ الحَبِيبَ ﷺ، وما يُشاهَدُ مِن وُقُوعِهِ لِبَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إلى حَضْرَةِ الوَلِيِّ الكامِلِ الشَّيْخِ أحْمَدَ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ الفَسَقَةِ الَّذِينَ كادُوا يَكُونُونَ لِكَثْرَةِ فِسْقِهِمْ كُفّارًا فَقِيلَ إنَّهُ بابٌ مِنَ السِّحْرِ المُخْتَلَفِ في كُفْرِ فاعِلِهِ وقَتْلِهِ فَإنَّ لَهم أسْماءً مَجْهُولَةَ المَعْنى يَتْلُونَها عِنْدَ دُخُولِ النّارِ والضَّرْبِ بِالسِّلاحِ ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ كُفْرًا وإنْ كانَ مَعَها ما لا كَفْرَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ ذَلِكَ تَلْسَفْ تَلْسَفْ هَيْفَ هَيْفَ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى التّامَّةِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ أقْسَمْتُ عَلَيْكِ يا أيَّتُها النّارُ أوْ أيُّها السِّلاحُ بِحَقِّ حَيٍّ حُلِيٍّ ونُورٍ سَبْحِيٍ ومُحَمَّدٍ ﷺ أنْ لا تَضُرِّي أوْ لا تَضُرَّ غُلامَ الطَّرِيقَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في زَمَنِ الشَّيْخِ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ فَقَدْ كانَ أكْثَرَ النّاسِ اتِّباعًا لِلسُّنَّةِ وأشَدَّهم تَجَنُّبًا عَنْ مَظانِّ البِدْعَةِ وكانَ أصْحابُهُ سالِكِينَ مَسْلَكَهُ مُتَشَبِّثِينَ بِذَيْلِ اتِّباعِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ ثُمَّ طَرَأ عَلى بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ ما طَرَأ، قالَ في العِبَرِ: قَدْ كَثُرَ الزَّغْلُ في أصْحابِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ وتَجَدَّدَتْ لَهم أحْوالٌ شَيْطانِيَّةٌ مُنْذُ أخَذَتِ التَّتارُ العِراقَ مِن دُخُولِ النِّيرانِ ورُكُوبِ السِّباعِ واللَّعِبِ بِالحَيّاتِ وهَذا ما لا يَعْرِفُهُ الشَّيْخُ ولا صُلَحاءُ أصْحابِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ انْتَهى. والحَقُّ أنَّ قِراءَةَ شَيْءٍ ما عِنْدَهم لَيْسَتْ شَرْطًا لِعَدَمِ التَّأثُّرِ بِالدُّخُولِ في النّارِ ونَحْوِهِ فَكَثِيرٌ مِنهم مَن يُنادِي إذا أُوقِدَتْ لَهُ النّارُ وضُرِبَتِ الدُّفُوفُ يا شَيْخُ أحْمَدُ يا رِفاعِيُّ أوْ يا شَيْخُ فُلانٍ لِشَيْخٍ أخَذَ مِنهُ الطَّرِيقَ ويَدْخُلُ النّارَ ولا يَتَأثَّرُ مِن دُونِ تِلاوَةِ شَيْءٍ أصْلًا، والأكْثَرُ مِنهم إذا قَرَأ الأسْماءَ عَلى النّارِ ولَمْ تُضْرَبْ لَهُ الدُّفُوفُ ولَمْ يَحْصُلْ
صفحة 70
لَهُ تَغَيُّرُ حالٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَسِّ جَمْرَةٍ، وقَدْ يُتَّفَقُ أنْ يَقْرَأ أحَدُهُمُ الأسْماءَ وتُضْرَبَ لَهُ الدُّفُوفُ ويُنادِيَ مَن يُنادِي مِنَ المَشايِخِ فَيَدْخُلُ ويَتَأثَّرُ.
والحاصِلُ أنّا لَمْ نَرَ لَهم قاعِدَةً مَضْبُوطَةً بَيْدَ أنَّ الأغْلَبَ أنَّهم إذا ضُرِبَتْ لَهُمُ الدُّفُوفُ واسْتَغاثُوا بِمَشايِخِهِمْ وعَرْبَدُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ولا يَتَأثَّرُونَ، وقَدْ رَأيْتُ مِنهم مَن يَأْخُذُ زِقَّ الخَمْرِ ويَسْتَغِيثُ بِمَن يَسْتَغِيثُ ويَدْخُلُ تَنُّورًا كَبِيرًا تَضْطَرِمُ فِيهِ النّارُ فَيَقْعُدُ في النّارِ فَيَشْرَبُ الخَمْرَ ويَبْقى حَتّى تَخْمُدَ النّارُ فَيَخْرُجُ ولَمْ يَحْتَرِقْ مِن ثِيابِهِ أوْ جَسَدِهِ شَيْءٌ، وأقْرَبُ ما يُقالُ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّهُ اسْتِدْراجٌ وابْتِلاءٌ، وأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أكْرَمَ حَضْرَةَ الشَّيْخِ أحْمَدَ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ بِعَدَمِ تَأثُّرِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ كَيْفَما كانُوا بِالنّارِ ونَحْوِها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ إذا هَتَفُوا بِاسْمِهِ أوِ اسْمِ مُنْتَسِبٍ إلَيْهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَبَعِيدٌ بَلْ كَأنِّي بِكَ تَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِهِ، وقَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأحْوالِ إعانَةً لَهُ، وقَدْ يَأْخُذُ بَعْضُ النّاسِ النّارَ بِيَدِهِ ولا يَتَأثَّرُ لِأجْزاءٍ يَطْلِي بِها يَدَهُ مِن خاصِّيَّتِها عَدَمُ إضْرارِ النّارِ لِلْجَسَدِ إذا طُلِيَ بِها فَيُوهِمُ فاعِلُ ذَلِكَ أنَّهُ كَرامَةٌ.
هَذا واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في كُلِّ شَيْءٍ خاصَّةً حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ الفَرْقُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ مَثَلًا بِمُجَرَّدِ أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ الإحْراقَ ونَحْوَهُ عِنْدَ النّارِ والرِّيَّ ونَحْوَهُ عِنْدَ الماءِ بَلْ أوْدَعَ في هَذا خاصَّةَ الرِّيَّ مَثَلًا وفي تِلْكَ خاصَّةَ الإحْراقِ مَثَلًا لَكِنْ لا تَحْرِقُ هَذِهِ ولا يَرْوِي ذاكَ إلّا بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أوْدَعَ في النّارِ الحَرارَةَ والإحْراقَ ما قالَ لَها ما قالَ. ولا قائِلَ بِالفَرْقِ فَتَأمَّلْ.
الأنبياء 21:70
﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ مَكْرًا عَظِيمًا في الإضْرارِ بِهِ ومَغْلُوبِيَّتِهِ ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرُ مِن كُلِّ خاسِرٍ حَيْثُ عادَ سَعْيُهم في إطْفاءِ نُورِ الحَقِّ قَوْلًا وفِعْلًا بُرْهانًا قاطِعًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ ومُوجِبًا لِارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ: جَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ما هو مِن أحْقَرِ خَلْقِهِ وأضْعَفِهِ وهو البَعُوضُ يَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ ويَشْرَبُ مِن دِمائِهِمْ وسَلَّطَ عَلى نَمْرُوذَ بَعُوضَةً أيْضًا فَبَقِيَتْ تُؤْذِيهِ إلى أنْ ماتَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ
الأنبياء 21:71
﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا﴾ وهو عَلى ما تَقَدَّمَ ابْنُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هو ابْنُ أخِيهِ ورُوِيَ ذَلِكَ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ ضَمَّنَ ﴿نَجَّيْناهُ﴾ مَعْنى أخْرَجْناهُ فَلِذا عُدِّيَ بِإلى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُنْتَهِيًا إلى الأرْضِ فَلا تَضْمِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ أرْضُ الشّامِ، وقِيلَ: أرْضُ مَكَّةَ، وقِيلَ: مِصْرُ والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ووَصَفَها بِعُمُومِ البَرَكَةِ لِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا فِيها وانْتَشَرَتْ في العالَمِ شَرائِعُهُمُ الَّتِي هي مَبادِئُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي بارَكْناها لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِها مُحِيطَةً بِالبَرَكَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرَكاتِ النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الخِصْبِ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ العِراقِ ومَعَهُ لُوطٌ وسارَّةُ بِنْتُ عَمِّهِ هارانَ الأكْبَرِ وقَدْ كانا مُؤْمِنَيْنِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَلْتَمِسُ الفِرارَ بِدِينِهِ فَنَزَلَ حُرّانَ فَمَكَثَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ سارَّةَ بِنْتُ مَلِكِ حُرّانَ تَزَوَّجَها عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ وشَرَطَ أبُوها أنْ لا يُغَيِّرَها عَنْ دِينِها والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ثُمَّ قَدِمَ مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنها إلى الشّامِ فَنَزَلَ السَّبْعَ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ ونَزَلَ لُوطٌ بِالمُؤْتَفِكَةِ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِنَ السَّبْعِ أوْ أقْرَبَ، وفي الآيَةِ مِن مَدْحِ الشّامِ ما فِيها، وفي الحَدِيثِ ««سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيارُ أهْلِ الأرْضِ ألْزَمُهم مُهاجَرَ إبْراهِيمَ»» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
صفحة 71
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبى لِأهْلِ الشّامِ فَقُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْها» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وأمّا العِراقُ فَقَدْ ذَكَرَ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في بابِ المِحْنَةِ مِنَ الأحْياءِ اتِّفاقَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَمِّهِ وكَراهَةِ سُكْناهُ واسْتِحْبابِ الفِرارِ مِنهُ ولَعَلَّ وجْهَ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ فَلا نُنَقِّبُ فِيهِ البَنانَ.
الأنبياء 21:72
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أيْ عَطِيَّةً كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. وعَطاءٍ مِن نَفَلَهُ بِمَعْنى أعْطاهُ، وهو عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ مَنصُوبٌ بِوَهَبْنا عَلى حَدِّ قَعَدْتُ جُلُوسًا، واخْتارَ جَمْعٌ كَوْنَهُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أوْ وُلِدَ ولَدٌ أوْ زِيادَةٌ عَلى ما سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو إسْحاقُ فَيَكُونُ حالًا مِن يَعْقُوبَ ولا لَبْسَ فِيهِ لِلْقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ ﴿وكُلا﴾ مِنَ المَذْكُورِينَ. وهم إبْراهِيمُ. ولُوطٌ. وإسْحاقُ. ويَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ ﴿جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ بِأنْ وفَّقْناهم لِلصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَصارُوا كامِلِينَ
الأنبياء 21:73
﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿يَهْدُونَ﴾ أيِ الأُمَّةَ إلى الحَقِّ ﴿بِأمْرِنا﴾ لَهم بِذَلِكَ وإرْسالِنا إيّاهم حَتّى صارُوا مُكَمِّلِينَ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ لِيَتِمَّ الكَمالُ بِانْضِمامِ العَمَلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تابَعَهُ أنْ يُفْعَلَ الخَيْراتُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ الخَيْراتِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ثُمَّ فِعْلًا الخَيْراتُ بِتَنْوِينِ المَصْدَرِ ورَفْعِ الخَيْراتِ أيْضًا عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ لِمَصْدَرِ المَجْهُولِ ثُمَّ فِعْلَ الخَيْراتِ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وإضافَةِ المَصْدَرِ لِمَعْمُولِهِ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ، والدّاعِي كَما قِيلَ إنَّ ﴿فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ لَيْسَ مُوحًى إنَّما المُوحى أنْ يَفْعَلَ، ومَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ والحاصِلُ بِالمَصْدَرِ كالمُتَرادِفَيْنِ، وأيْضًا الوَحْيُ عامٌّ لِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ فَلِذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ بِناءَ المَصْدَرِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ والصَّحِيحُ مَنعُهُ، وما ذُكِرَ مِن عُمُومِ الوَحْيِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ هُنا إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومُضافًا مِن حَيْثُ المَعْنى إلى ظاهِرٍ مَحْذُوفٍ يَشْمَلُ المُوحى إلَيْهِمْ وغَيْرَهم أيْ فِعْلَ المُكَلَّفِينَ الخَيْراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المُوحى إلَيْهِمْ أيْ أنْ يَفْعَلُوا الخَيْراتِ وإذا كانُوا قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأتْباعُهم جارُونَ مُجْراهم في ذَلِكَ ولا يَلْزَمُ اخْتِصاصُهم بِهِ انْتَهى.
وانْتُصِرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ بَيانٌ لِأمْرٍ مُقَرَّرٍ في النَّحْوِ والدّاعِي إلَيْهِ أمْرانِ ثانِيهُما ما ذُكِرَ مِن عُمُومِ الوَحْيِ الَّذِي اعْتُرِضَ عَلَيْهِ والأوَّلُ سالِمٌ عَنِ الِاعْتِراضِ ذَكَرَ أكْثَرَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ ثُمَّ قالَ: الظّاهِرُ أنَّ المَصْدَرَ هُنا لِلْأمْرِ كَضَرْبَ الرِّقابِ، وحِينَئِذٍ فالظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ المُوحى قَوْلُ اللَّهِ تَعالى افْعَلُوا الخَيْراتِ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ الوَحْيَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ كَما قالُوا فَيَتَعَلَّقُ بِهِ لا بِالفِعْلِ إلّا أنَّهُ قِيلَ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُشِيرَ أوَّلًا إلَيْهِ مِن أنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ الأحْكامِ المُخْتَصَّةِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَرَعْنا لَهم فِعْلَ ذَلِكَ بِالإيحاءِ إلَيْهِمْ فَتَأمَّلْ، والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ عَلى هَذا الطِّرْزِ، وهو كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وإنافَتِهِ، وأصْلُ ( إقامَ ) إقْوامٌ فَقُلِبَتْ واوُهُ ألِفًا بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها لِما قَبْلَها وحُذِفَ إحْدى ألِفَيْهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والأكْثَرُ تَعْوِيضُ التّاءِ عَنْها فَيُقالُ إقامَةٌ وقَدْ تُتْرَكُ التّاءُ إمّا مُطْلَقًا كَما ذَهَبَ
صفحة 72
إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ والسَّماعُ يَشْهَدُ لَهُ، وإمّا بِشَرْطِ الإضافَةِ لِيَكُونَ المُضافُ سادًّا مَسَدَّها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وهو كَما قالَ أبُو حَيّانَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، والَّذِي حَسَّنَ الحَذْفَ هُنا المُشاكَلَةُ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ كانَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ صَلاةٌ وزَكاةٌ وهو مِمّا تَضافَرَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ إلّا أنَّهُما لَيْسا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ ﴿وكانُوا لَنا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِنا ﴿عابِدِينَ﴾ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ غَيْرُ عِبادَتِنا كَأنَّهُ تَعالى أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهم وفُّوا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وفّى لَهم بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ
الأنبياء 21:74
﴿ولُوطًا﴾ قِيلَ هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ وآتَيْنا لُوطًا آتَيْناهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿وهَبْنا لَهُ﴾ جَمَعَ سُبْحانَهُ إبْراهِيمَ ولُوطًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِالخُصُوصِ وما وقَعَ في البَيْنِ بَيانٌ عَلى وجْهِ العُمُومِ. والطَّبَرْسِيُّ جَعَلَ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وكُلًّا ) إلَخْ أيْ كُلًّا مِن إبْراهِيمَ ووَلَدَيْهِ إسْحاقَ. ويَعْقُوبَ جَعَلْنا إلَخْ فَلا انْدِراجَ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ ولَهُ وجْهٌ، وأمّا كَوْنُ المُرادِ وكُلًّا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَلا وجْهَ لَهُ ويَحْتاجُ إلى تَكْلِيفِ تَوْجِيهِ الجَمْعِ فِيما بَعْدَهُ، وقِيلَ بِأذْكُرُ مُقَدَّرًا وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿حُكْمًا﴾ أيْ حِكْمَةً، والمُرادُ بِها ما يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ نُبُوَّةً فَإنَّ النَّبِيَّ حاكِمٌ عَلى أُمَّتِهِ أوِ الفَصْلَ بَيْنَ الخُصُومِ في القَضاءِ، وقِيلَ حِفْظُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿وعِلْمًا﴾ بِما يَنْبَغِي عِلْمُهُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ قِيلَ أيِ اللُّواطَةَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المَوادِّ، وقِيلَ المُرادُ الأعْمالُ الخَبِيثَةُ مُطْلَقًا إلّا أنَّ أشْنَعَها اللُّواطَةُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بَشِيرٍ. والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَشْرُ خِصالٍ عَمِلَتْها قَوْمُ لُوطٍ بِها أُهْلِكُوا إتْيانُ الرِّجالِ بَعْضَهم بَعْضًا ورَمْيُهم بِالجَلاهِقِ والخَذْفِ ولَعِبُهم بِالحَمامِ وضَرْبُ الدُّفُوفِ وشُرْبُ الخُمُورِ وقَصُّ اللِّحْيَةِ وطُولُ الشّارِبِ والصَّفْرُ والتَّصْفِيقُ ولِباسُ الحَرِيرِ وتَزَيَّدَها أُمَّتِي بِخُلَّةِ إتْيانِ النِّساءِ بَعْضَهُنَّ بَعْضًا»» .
وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى القَرْيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ فالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ نَحْوُ جاءَنِي رَجُلٌ زَنى غُلامُهُ، ولَوْ جُعِلَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِدُونِ تَقْدِيرٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازًا عَنْ أهْلِها جازَ، واسْمُ القَرْيَةِ سَدُومٌ، وقِيلَ: كانَتْ قُراهم سَبْعًا فَعَبَّرَ عَنْها بِبَعْضِها لِأنَّها أشْهَرُها. وفي البَحْرِ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالواحِدَةِ لِاتِّفاقِ أهْلِها عَلى الفاحِشَةِ ويُرْوى أنَّها كُلَّها قُلِبَتْ إلّا زَغَرَ لِأنَّها كانَتْ مَحَلَّ مَن آمَنَ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُورُ قَلْبُ الجَمِيعِ.
﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ غَيْرَ مُنْقادِينَ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْمَلَ الخَبائِثَ، وقِيلَ: لَنَجَّيْناهُ وهو كَما تَرى
الأنبياء 21:75
﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا﴾ أيْ في أهْلِ رَحْمَتِنا أيْ جَعَلْناهُ في جُمْلَتِهِمْ وعِدادِهِمْ فالظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ أوْ في جَنَّتِنا فالظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ والرَّحْمَةُ مَجازٌ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ مَجازًا عَنِ النُّبُوَّةِ وتَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةً أيْضًا فَتَأمَّلْ ﴿إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
الأنبياء 21:76
﴿ونُوحًا﴾ أيْ واذْكُرْ نُوحًا أيْ نَبَأهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ نُوحًا عَطْفٌ عَلى لُوطٍ المَفْعُولِ لِآتَيْنا عَلى مَعْنى وآتَيْنا نُوحًا ولَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، قِيلَ ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ (قِصَّةَ إبْراهِيمَ ) عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أبُو العَرَبِ أرْدَفَها جَلَّ شَأْنُهُ بِقِصَّةِ أبِي البَشَرِ وهو الأبُ الثّانِي كَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الأبُ الأوَّلُ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن
صفحة 73
أنَّ جَمِيعَ النّاسِ الباقِينَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ لَمَكِ بْنِ مَتُوشَلَخَ بْنِ أخْنُوخَ وهو إدْرِيسُ فِيما يُقالُ وهو أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما في التَّهْذِيبِ عُمْرًا، وذَكَرَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ أنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الغَفّارِ وأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُوحٌ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ الجَوالِيقِيُّ: إنَّ لَفْظَ نُوحٍ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ زادَ الكِرْمانِيُّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ ﴿إذْ﴾ نادى أيْ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القَمَرَ: 10] وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحَ: 26] وإذْ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ومَن لَمْ يُقَدِّرْ يَجْعَلُهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن نُوحٍ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وذَكَرْنا قَبْلُ قَوْلًا آخَرَ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دُعاءَهُ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو الطُّوفانُ أوْ أذِيَّةُ قَوْمِهِ وأصْلُ الكَرْبِ الغَمُّ الشَّدِيدُ وكَأنَّهُ عَلى ما قِيلَ مِن كَرْبِ الأرْضِ وهو قَلْبُها بِالحَفْرِ إذِ الغَمُّ يُثِيرُ النَّفْسَ إثارَةَ ذَلِكَ أوْ مِن كَرَبَتِ الشَّمْسُ إذا دَنَتْ لِلْمَغِيبِ فَإنَّ الغَمَّ الشَّدِيدَ تَكادُ شَمْسُ الرُّوحِ تَغْرُبُ مِنهُ أوْ مِنَ الكَرْبِ وهو عَقْدٌ غَلِيظٌ في رِشاءِ الدَّلْوِ فَإنَّ الغَمَّ كَعُقْدَةٍ عَلى القَلْبِ، وفي وصْفِهِ بِالعَظِيمِ تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ
الأنبياء 21:77
﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ مَنَعْناهُ وحَمَيْناهُ مِنهم بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِهِ، وقِيلَ: أيْ نَصَرْناهُ عَلَيْهِمْ فَمِن بِمَعْنى عَلى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ النَّصْرَ يَتَعَدّى بِعَلى ومِن، فَفي الأساسِ نَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَدُوِّهِ ونَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ المُتَعَدِّي بِعَلى يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الإعانَةِ والمُتَعَدِّي بِمِن يَدُلُّ عَلى اسْتِتْباعِ ذَلِكَ لِلِانْتِقامِ مِنَ العَدُوِّ والِانْتِصارِ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ مُنْهَمِكِينَ في الشَّرِّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ فَإنَّ تَكْذِيبَ الحَقِّ والِانْهِماكَ في الشَّرِّ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإهْلاكُ قَطْعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ، ونَصْبُ ( أجْمَعِينَ ) قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُ وقَدْ كَثُرَ التَّأْكِيدُ بِأجْمَعِينَ غَيْرَ تابِعٍ لِكُلٍّ في القُرْآنِ فَكانَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى ابْنِ مالِكٍ في زَعْمِهِ أنَّ التَّأْكِيدَ بِهِ كَذَلِكَ قَلِيلٌ والكَثِيرُ اسْتِعْمالُهُ تابِعًا لِكُلٍّ انْتَهى.
الأنبياء 21:78
﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى ( نُوحا ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ أعْنِي أذْكُرُ عَلَيْهِ عَلى ما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وإمّا مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ العامِلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ نَبَأ داوُدَ وسُلَيْمانَ. وداوُدُ بْنُ إيَشا بْنِ عُوبَرَ بْنِ باعِرَ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَخْشُونَ بْنِ عَمِي بْنِ يارِبَ بْنِ حَضْرُونَ بْنِ فارِضِ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ، كَما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أحْمَرَ الوَجْهِ سِبْطَ الرَّأْسِ أبْيَضَ الجِسْمِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فِيها جُعُودَةٌ حَسَنَ الصَّوْتِ وجُمِعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ أهْلِ التّارِيخِ أنَّهُ عاشَ مِائَةَ سَنَةٍ ومُدَّةُ مُلْكِهِ مِنها أرْبَعُونَ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدُ أبْنائِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُشاوَرُ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ لِوُفُورِ عَقْلِهِ وعِلْمِهِ.
وذَكَرَ كَعْبُ أنَّهُ كانَ أبْيَضَ جَسِيمًا وسِيمًا وضِيئًا خاشِعًا مُتَواضِعًا، ومَلِكَ كَما قالَ المُؤَرِّخُونَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وماتَ ولَهُ ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَحْكُمانِ﴾ ظَرْفٌ لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ عَلى طِرْزِ ما مَرَّ، والمُرادُ إذْ حَكَما ﴿فِي الحَرْثِ﴾ إلّا أنَّهُ جِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، والمُرادُ بِالحَرْثِ هُنا الزَّرْعُ.
صفحة 74
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ الكَرْمُ، وقِيلَ إنَّهُ يُقالُ فِيهِما إلّا أنَّهُ في الزَّرْعِ أكْثَرُ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَعَلَّهُ بِمَعْنى الكَرْمِ مَجازٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالزَّرْعِ، والمَعْنى إذْ يَحْكُمانِ في حَقِّ الحَرْثِ ﴿إذْ نَفَشَتْ﴾ ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ، والنَّفْشُ رَعْيُ الماشِيَةِ في اللَّيْلِ بِغَيْرِ راعٍ كَما أنَّ الهَمْلَ رَعْيُها في النَّهارِ كَذَلِكَ، وكانَ أصْلُهُ الِانْتِشارَ والتَّفَرُّقَ أيْ إذْ تَفَرَّقَتْ وانْتَشَرَتْ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ لَيْلًا بِلا راعٍ فَرَعَتْهُ وأفْسَدَتْهُ ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أيْ حاضِرِينَ عِلْمًا، وضَمِيرُ الجَمْعِ قِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِحُكْمِهِما ) بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ كَما في ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 99] .
وقِيلَ: هو لِلْحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إضافَةَ حُكْمٍ إلى الفاعِلِ عَلى سَبِيلِ القِيامِ وإلى المَفْعُولِ عَلى سَبِيلِ الوُقُوعِ وهُما في المَعْنى مَعْمُولانِ لَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ سَلْكُهُما في قَرْنٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ الحُكْمَ في مَعْنى القَضِيَّةِ لا نَظَرَ ها هُنا إلى عِلْمِهِ وإنَّما يُنْظَرُ إلَيْهِ إذا كانَ مَصْدَرًا صِرْفًا، وأظْهَرُ مِنهُ كَما في الكَشْفِ أنَّ الِاخْتِصاصَ يَجْمَعُ القِيامَ والوُقُوعَ وهو مَعْنى الإضافَةِ ولَمْ يَبْقَ النَّظَرُ إلى العَمَلِ بَعْدَها لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالمَعْنى وكُنّا لِلْحُكْمِ الواقِعِ بَيْنَهم شاهِدِينَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُكْمِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مادِحٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وكُنّا مُراقِبِينَ لِحُكْمِهِمْ لا نُقِرُّهم عَلى خَلَلٍ فِيهِ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورَ: 48] في إفادَةِ العِنايَةِ والحِفْظِ،
الأنبياء 21:79
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَحْكُمانِ﴾ فَإنَّهُ في حُكْمِ الماضِي كَما مَضى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَأفْهَمْناها ) بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْحُكُومَةِ أوِ الفُتْيا المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَتِ امْرَأةٌ عابِدَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ قَدْ تَبَتَّلَتْ وكانَ لَها جارِيَتانِ جَمِيلَتانِ فَقالَتْ إحْداهُما لِلْأُخْرى: قَدْ طالَ عَلَيْنا البَلاءُ أمّا هَذِهِ فَلا تُرِيدُ الرِّجالَ ولا نَزالُ بِشَرٍّ ما كُنّا لَها فَلَوْ أنّا فَضَحْناها فَرُجِمَتْ فَصِرْنا إلى الرِّجالِ فَأخَذا ماءَ البَيْضِ فَأتَياها وهي ساجِدَةٌ فَكَشَفَتا عَنْها ثَوْبَها ونَضَحَتاهُ في دُبُرِها وصَرَخَتا أنَّها قَدْ بَغَتْ وكانَ مَن زَنى فِيهِمْ حَدُّهُ الرَّجْمُ فَرُفِعَتْ إلى داوُدَ وماءُ البَيْضِ في ثِيابِها فَأرادَ رَجْمَها فَقالَ سُلَيْمانُ: ائْتُوا بِنارٍ فَإنَّهُ إنْ كانَ ماءَ الرَّجُلِ تَفَرَّقَ وإنْ كانَ ماءَ البَيْضِ اجْتَمَعَ فَأُتِيَ بِنارٍ فَوَضَعَها عَلَيْهِ فاجْتَمَعَ فَدَرَأ عَنْها الرَّجْمَ فَعَطَفَ عَلَيْهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبَّهُ جِدًّا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ غَنَمَ هَذا دَخَلَتْ في حَرْثِي لَيْلًا فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى لَهُ بِالغَنَمِ فَخَرَجا فَمَرّا عَلى سُلَيْمانَ وكانَ يَجْلِسُ عَلى البابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ الخُصُومُ فَقالَ: كَيْفَ قَضى بَيْنَكُما أبِي ؟ فَأخْبَراهُ فَقالَ: غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالجانِبَيْنِ فَسَمِعَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهُ فَقالَ لَهُ: بِحَقِّ النُّبُوَّةِ والأُبُوَّةِ ألا أخْبَرْتَنِي بِالَّذِي هو أرْفَقُ فَقالَ: أرى أنْ تَدْفَعَ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الأرْضِ لِيَنْتَفِعَ بِدَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها والحَرْثَ إلى صاحِبِ الغَنَمِ لِيَقُومَ عَلَيْهِ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ ثُمَّ يَتَرادّا فَقالَ: القَضاءُ ما قَضَيْتَ وأمْضى الحُكْمَ بِذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً، ومالَ كَثِيرٌ إلى أنَّ حُكْمَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِالِاجْتِهادِ وهو جائِزٌ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ وبِذَلِكَ أقُولُ فَإنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذا أرْفَقُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أرى أنْ تَدْفَعَ إلَخْ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ وإلّا لَبَتَّ القَوْلُ بِذَلِكَ ولَما ناشَدَهُ داوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِإظْهارِ ما عِنْدَهُ بَلْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُظْهِرَهُ بَداءً وحَرُمَ عَلَيْهِ كَتْمُهُ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ السِّنِّ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ القَضاءُ السّابِقُ أيْضًا كَذَلِكَ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ نَقْضِ حُكْمِ النَّصِّ بِالِاجْتِهادِ، وفي الكَشْفِ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ كِلا الحُكْمَيْنِ عَنِ اجْتِهادٍ باطِلٌ لِأنَّ حُكْمَ سُلَيْمانَ نَقَضَ حُكْمَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ والِاجْتِهادُ
صفحة 75
لا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهادِ البَتَّةَ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا حَكَما بِالوَحْيِ ويَكُونُ ما أُوحِيَ بِهِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناسِخًا لِحُكْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ وحْدَهُ بِالوَحْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ اجْتِهادٌ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِعَدَمِ نَقْضِ الِاجْتِهادِ بِالِاجْتِهادِ عَدَمَ نَقْضِهِ بِاجْتِهادِ غَيْرِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَقْلِيدُهُ بِهِ فَلَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ، وإنْ أرادَ عَدَمَ نَقْضِهِ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ ثانِيًا وهو عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ اجْتِهادِهِ لِظُهُورِ دَلِيلٍ آخَرَ فَهو غَيْرُ باطِلٍ بِدَلِيلِ أنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُنْقَلُ عَنْهُ في مَسْألَةٍ قَوْلانِ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ القَدِيمِ والجَدِيدِ ورُجُوعِ كِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى آراءِ بَعْضِهِمْ وهم مُجْتَهِدُونَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اجْتِهادِهِ ويَقْضِيَ بِما قَضى بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اجْتِهادٍ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ نَقْضِ الِاجْتِهادِ بِالِاجْتِهادِ مِن خَصائِصِ شَرِيعَتِنا، عَلى أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما سَمِعَ، ومِمَّنِ اخْتارَ كَوْنَ كِلا الحُكْمَيْنِ عَنِ اجْتِهادٍ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ ثُمَّ قالَ: بَلْ أقُولُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: إنَّ رَأْيَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِحْسانٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أرْفَقُ بِالجانِبَيْنِ ورَأْيَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِياسٌ كَما أنَّ العَبْدَ إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ أوْ يَفْدِيهِ ويَبِيعُهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ عِنْدَ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قِيمَةِ الحَرْثِ وقِيمَةِ الغَنَمِ تَفاوُتٌ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ حَيْثُ جَعَلَ الِانْتِفاعَ بِالغَنَمِ بِإزاءِ ما فاتَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرْثِ مِن غَيْرِ أنْ يَزُولَ مُلْكُ المالِكِ مِنَ الغَنَمِ وأوْجَبَ عَلى صاحِبِ الغَنَمِ أنْ يَعْمَلَ في الحَرْثِ إلى أنْ يَزُولَ الضَّرَرُ الَّذِي آتاهُ مِن قِبَلِهِ كَما قالَ بَعْضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِنهُ إنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِنَ المَنافِعِ فَإذا ظَهَرَ الآبِقُ تَرادّا انْتَهى.
وأمّا حُكْمُ المَسْألَةِ في شَرِيعَتِنا فَعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا ضَمانَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها سائِقٌ أوْ قائِدٌ لِما رَوى الشَّيْخانِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ»» ولا تَقْيِيدَ فِيهِ بِلَيْلٍ أوْ نَهارٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَجِبُ الضَّمانُ لَيْلًا لا نَهارًا لِما في السُّنَنِ مِن أنَّ ناقَةَ البَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ الأمْوالِ بِحِفْظِها بِالنَّهارِ وعَلى أهْلِ المَواشِي بِحِفْظِها بِاللَّيْلِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ في الحَدِيثِ اضْطِرابًا، وفي رِجالِ سَنَدِهِ كَلامًا مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَراءُ أرْسَلَها كَما يَجُوزُ في هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلِيلَ فِيهِ ﴿وكُلا﴾ مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ كَثِيرًا ومِنهُ العِلْمُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ لا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، فالجُمْلَةُ لِدَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ خَطَأ المُجْتَهِدِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ في مَسْألَةٍ لا قاطِعَ فِيها مُصِيبٌ فَحُكْمُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ وحَقِّ مُقَلِّدِهِ ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ فِيها ولا حُكْمَ لَهُ سُبْحانَهُ قَبْلَ الِاجْتِهادِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ مِنّا كالأشْعَرِيِّ، والقاضِي، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الهُذَيْلِ، والجِبائِيِّ وأتْباعِهِمْ، ونُقِلَ عَنِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ والقَوْلِ بِوَحْدَةِ الحَقِّ وتَخْطِئَةِ البَعْضِ، وعُدَّ في الأحْكامِ الأشْعَرِيُّ مِمَّنْ يَقُولُ كَذَلِكَ. ورُدَّ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّصَ سُلَيْمانَ بِفَهْمِ الحَقِّ في الواقِعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾
صفحة 76
وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ فَهْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فِيها وإلّا لَما كانَ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا. وتَعَقَّبَهُ الآمِدِيُّ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ غايَةَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ تَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْهِيمِ ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى عَدَمِ ذَلِكَ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ ولَيْسَ بِحُجَّةٍ وإنْ سَلَّمْنا أنَّهُ حُجَّةٌ غَيْرَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُما حَكَما بِالنَّصِّ حُكْمًا واحِدًا ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعالى الحُكْمَ في مِثْلِ تِلْكَ القَضِيَّةِ في المُسْتَقْبَلِ وعَلِمَ سُلَيْمانُ بِالنَّصِّ النّاسِخِ دُونَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانَ هَذا هو الفَهْمُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ولَوْ كانَ أحَدُهُما مُخْطِئًا لَما كانَ قَدْ أُوتِيَ في تِلْكَ الواقِعَةِ حُكْمًا وعِلْمًا وإنْ سَلَّمْنا أنَّ حُكْمَهُما كانَ مُخْتَلِفًا لَكِنْ يُحْتَمَلُ أنَّهُما حَكَما بِالِاجْتِهادِ مَعَ الإذْنِ فِيهِ وكانا مُحِقَّيْنِ في الحُكْمِ إلّا أنَّهُ نَزَلَ الوَحْيُ عَلى وفْقِ ما حَكَمَ بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ ما حَكَمَ بِهِ حَقًّا مُتَعَيِّنًا بِنُزُولِ الوَحْيِ بِهِ ونُسِبَ التَّفْهِيمُ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْطِئًا في تِلْكَ الواقِعَةِ غَيْرَ أنَّهُ كانَ فِيها نَصٌّ أُطْلِعَ عَلَيْهِ سُلَيْمانُ دُونَ داوُدَ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ الخَطَأ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وإنَّما النِّزاعُ فِيما إذا حَكَما بِالِاجْتِهادِ ولَيْسَ في الواقِعَةِ نَصٌّ انْتَهى.
وأكْثَرُ الأخْبارِ تُساعِدُ أنَّ الَّذِي ظَفِرَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الواقِعَةِ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما ذُكِرَ لا يَخْلُو مِمّا فِيهِ نَظَرٌ فانْظُرْ وتَأمَّلْ ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما عَلَيْهِما السَّلامُ مِن كَراماتِهِ تَعالى إثْرَ ذِكْرِ الكَرامَةِ العامَّةِ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يُقَدِّسْنَ اللَّهَ تَعالى بِلِسانِ القالِ كَما سَبَّحَ الحَصا في كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَمِعَهُ النّاسُ، وكانَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ يَسْمَعُهُ عَلى ما قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، وقِيلَ: يَسْمَعُهُ كُلُّ أحَدٍ وقِيلَ: بِصَوْتٍ يَظْهَرُ لَهُ مِن جانِبِها ولَيْسَ مِنها وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولَيْسَ فِيهِ مِن إظْهارِ الكَرامَةِ ما في الأوَّلِ بَلْ إذا كانَ هَذا هو الصَّدى فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ودُونَهُ ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ، وقِيلَ: ( يُسَبِّحْنَ ) بِمَعْنى يَسِرْنَ مِنَ السِّباحَةِ. وتُعُقِّبَ بِمُخالَفَتِهِ لِلظّاهِرِ مَعَ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ اللُّغَةِ ولا جاءَ في آيَةٍ أُخْرى أوْ خَبَرٍ سَيْرُ الجِبالِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِيلَ: إسْنادُ التَّسْبِيحِ إلَيْهِنَّ مَجازٌ لِأنَّها كانَتْ تَسِيرُ مَعَهُ فَتَحْمِلُ مَن رَآها عَلى التَّسْبِيحِ فَأُسْنِدَ إلَيْها وهو كَما تَرى.
وتَأوَّلَ الجِبائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى جَعْلَ التَّسْبِيحِ بِمَعْنى السَّيْرِ بِأنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ السَّيْرَ سَبَبٌ لَهُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِنَ السِّباحَةِ ومَعَ هَذا لا يَخْفى ما فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( الجِبالَ ) أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ ( ومَعَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّسْخِيرِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْبَحْنَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سَبَأ: 10] والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ ويُعْلَمُ مِنهُ ما في حَمْلِ التَّسْبِيحِ عَلى التَّسْبِيحِ بِلِسانِ الحالِ وعَلى ما يَكُونُ بِالصَّدى ( والطَّيْرَ ) عَطْفٌ عَلى ( الجِبالَ ) أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وفي الآثارِ تَصْرِيحٌ بِأنَّها كانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالجِبالِ. وقُرِئَ (والطَّيْرُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والطَّيْرُ مُسَخَّراتٌ، وقِيلَ: عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ مِن شَأْنِنا أنْ نَفْعَلَ أمْثالَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنّا وإنْ كانَ بَدِيعًا عِنْدَكُمْ
الأنبياء 21:80
﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ أيْ عَمَلَ الدِّرْعِ وأصْلُهُ كُلُّ ما يُلْبَسُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
البِسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها إمّا نَعِيمُها وإمّا بُؤْسُها
وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسِّلاحِ كُلِّهِ دِرْعًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وأنْشَدَ لِلْهُذَلِيِّ يَصِفُ رُمْحًا:
صفحة 77
ومَعِيَ لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ ∗∗∗ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مَحْفِلِ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ فَأوَّلُ مَن سَرَدَها وحَلَقَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمَعَتِ الخِفَّةَ والتَّحْصِينَ، ويُرْوى أنَّهُ نَزَلَ مَلَكانِ مِنَ السَّماءِ فَمَرّا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: نِعْمَ الرَّجُلُ داوُدُ إلّا أنَّهُ يَأْكُلُ مِن بَيْتِ المالِ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ مِن كَسْبِهِ فَألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَصَنَعَ مِنهُ الدِّرْعَ، وقُرِئَ (لُبُوسَ ) بِضَمِّ اللّامِ ( لَكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلَبُوسٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِعَلَّمْنا أوْ بِصَنْعَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَّمْنا أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( لَكم ) بِإعادَةِ الجارِّ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاخْتِصاصِ والمَنفَعَةِ المُسْتَفادَةِ مِن لامِ ( لَكم ) والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلَبُوسٍ، والتَّأْنِيثُ بِتَأْوِيلِ الدِّرْعِ وهي مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ أوْ لِلصَّنْعَةِ.
وقَرَأ جَماعَةٌ (لِيُحْصِنَكم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَبُوسٍ أوْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ أوِ التَّعْلِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِنُحْصِنَكم ) بِالنُّونِ، وكُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ بِإسْكانِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الفَقِيمِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و، وابْنِ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّشْدِيدِ ﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ قِيلَ أيْ مِن حَرْبِ عَدُوِّكم، والمُرادُ مِمّا يَقَعُ فِيها، وقِيلَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن آلَةِ بَأْسِكم كالسَّيْفِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أمْرٌ وارِدٌ صُورَةَ الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ بِالإيماءِ إلى التَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ والمُبالَغَةِ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الشُّكْرَ مُسْتَحِقُّ الوُقُوعِ بِدُونِ أمْرٍ فَسَألَ عَنْهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ الأمْرُ اللّازِمُ الوُقُوعَ أمْ لا
الأنبياء 21:81
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وجِيءَ بِاللّامِ هُنا دُونَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ فَإنَّ تَسْخِيرَ ما سُخِّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِطَرِيقِ الِانْقِيادِ الكُلِّيِّ لَهُ والِامْتِثالِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ بِخِلافِ تَسْخِيرِ الجِبالِ والطَّيْرِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ والِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿عاصِفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّيحِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ المُقَدَّرُ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ حالَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، ولا يُنافِي وصْفُها بِذَلِكَ هُنا وصْفَها في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّها رَخاءٌ بِمَعْنى طَيِّبَةٍ لَيِّنَةٍ لِأنَّ الرَّخاءَ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ نَفْسِها والعَصْفُ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ قَطْعِها المَسافَةَ البَعِيدَةَ في زَمانٍ يَسِيرٍ كالعاصِفَةِ في نَفْسِها فَهي مَعَ كَوْنِها لَيِّنَةً تَفْعَلُ فِعْلَ العاصِفَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُها بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، وقِيلَ وصْفُها بِالرَّخاءِ في الذَّهابِ ووَصْفُها بِالعَصْفِ بِالإيابِ عَلى عادَةِ البَشَرِ في الإسْراعِ إلى الوَطَنِ. فَهي عاصِفَةٌ في وقْتٍ رَخاءٌ في آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ. وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ (الرِّيحُ ) بِالرَّفْعِ مَعَ الإفْرادِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ (الرِّياحَ ) بِالنَّصْبِ والجَمْعِ، وأبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ والجَمْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ ظاهِرٌ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى أنَّ المَرْفُوعَ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ ( وعاصِفَةً ) حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِمَشِيئَتِهِ وعَلى وفْقِ إرادَتِهِ وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَأْمُرَها حَقِيقَةً ويَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَها فَهْمًا لِأمْرِهِ كَما قِيلَ في مَجِيءِ الشَّجَرَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ دَعاها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عَلى ما قِيلَ وقَدْ مَرَّ لَكَ غَيْرُ بَعِيدٍ الكَلامُ في إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ فَتَذَكَّرْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الأُولى ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي
صفحة 78
الشّامُ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْكَنُهُ فِيها فالمُرادُ أنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ رَواحًا بَعْدَ ما سارَتْ بِهِ مِنها بَكْرَةً، ولِشُيُوعِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ساكِنًا في تِلْكَ الأرْضِ لَمْ يَذْكُرْ جَرَيانَها بِأمْرِهِ مِنها واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَرَيانِها إلَيْها وهو أظْهَرُ في الِامْتِنانِ، وقِيلَ كانَ مَسْكَنُهُ إصْطَخْرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ الرِّيحَ مِنها فَتَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ أعَمَّ مِنَ الشّامِ، ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا حَلَّ أرْضًا أمَرَ بِقَتْلِ كُفّارِها وإثْباتِ الإيمانِ فِيها وبَثِّ العَدْلِ ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ويَبْعُدُ أنَّ المُتَبادِرَ كَوْنُ تِلْكَ الأرْضِ مُبارَكًا فِيها قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها وما ذُكِرَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مُبارَكًا فِيها مِن بَعْدِهِ وأبْعَدُ جِدًّا مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ بِقَوْلِهِ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى الأرْضِ﴾ والَّتِي بارَكْنا فِيها صِفَةٌ لِلرِّيحِ وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الَّتِي بارَكْنا فِيها عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ بَلْ لا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ وكَلامُ أدْنى البُلَغاءِ يَجِلُّ عَنْهُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرِّيحِ هَذا العُنْصُرُ المَعْرُوفُ العامُّ لِجَمِيعِ أصْنافِهِ المَشْهُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّبا.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: نَسَجَتْ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّياطِينُ بِساطًا مِن ذَهَبٍ وإبْرِيسَمَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ ووَضَعَتْ لَهُ مِنبَرًا مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهِ وحَوْلَهُ كَراسِيُّ مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَراسِيُّ مِن فِضَّةٍ يَقْعُدُ عَلَيْها العُلَماءُ وحَوْلَهم سائِرُ النّاسِ وحَوْلَ النّاسِ الجِنُّ والشَّياطِينُ والطَّيْرُ تَظُلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ وتَرْفَعُ رِيحَ الصَّبا البِساطَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ومِنَ الرَّواحِ إلى الصَّباحِ.
وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى البِساطِ هو المَشْهُورُ ولَعَلَّ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ وإلّا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْكَبٌ مِن خَشَبٍ وكانَ فِيهِ ألْفُ رُكْنٍ في كُلِّ رُكْنِ ألْفُ بَيْتٍ يَرْكَبُ مَعَهُ فِيهِ الجِنُّ والإنْسُ تَحْتَ كُلِّ رُكْنٍ ألْفُ شَيْطانٍ يَرْفَعُونَ ذَلِكَ المَرْكَبَ فَإذا ارْتَفَعَ أتَتِ الرِّيحُ الرَّخاءُ فَسارَتْ بِهِ فَسارُوا مَعَهُ فَلا يَدْرِي القَوْمُ إلّا وقَدْ أظَلَّهم مِنهُ الجُيُوشُ والجُنُودُ، وقِيلَ في وجْهِ الجَمْعِ إنَّ البِساطَ في المَرْكَبِ المَذْكُورِ ولَيْسَ بِذاكَ.
وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِما فَعَلَ بِالخَيْلِ حِينَ فاتَتْهُ بِسَبَبِها صَلاةُ العَصْرِ وذَلِكَ أنَّهُ تَرَكَها لِلَّهِ تَعالى فَعَوَّضَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرًا مِنها مِن حَيْثُ السُّرْعَةُ مَعَ الرّاحَةِ، ومِنَ العَجَبِ أنَّ أهْلَ لَنْدَنَ قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم مُنْذُ زَمانٍ بِعَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي مُرْتَفِعَةً في الهَواءِ إلى حَيْثُ شاؤُوا بِواسِطَةِ أبْخِرَةٍ يَحْبِسُونَها فِيها اغْتِرارًا بِما ظَهَرَ مُنْذُ سَنَواتٍ مِن عَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي في الماءِ بِواسِطَةِ آلاتٍ تُحَرِّكُها أبْخِرَةٌ فِيها فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ذَلِكَ ولا أظُنُّهُ يَتِمَّ حَسْبَ إرادَتِهِمْ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ المُطَّلِعِينَ أنَّهم صَنَعُوا سَفِينَةً تَجْرِي في الهَواءِ لَكِنْ لا إلى حَيْثُ شاؤُوا بَلْ إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ فَما أعْطَيْناهُ ما أعْطَيْناهُ إلّا لِما نَعْلَمُهُ مِنَ الحِكْمَةِ
الأنبياء 21:82
﴿ومِنَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِسَخَّرْنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما قَبْلَهُ، وهي عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَوْصُولَةٌ وعَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ووَجْهُ اخْتِيارِ ذَلِكَ عَلى المَوْصُولِيَّةِ أنَّهُ لا عَهْدَ هُنا، وكَوْنُ المَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ خِلافُ الظّاهِرِ، وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ نَظَرًا لِلْمَعْنى، وحَسَّنَهُ تَقَدُّمُ جَمْعٍ
صفحة 79
قَبْلَهُ، والغَوْصُ الدُّخُولُ تَحْتَ الماءِ وإخْراجُ شَيْءٍ مِنهُ، ولَمّا كانَ الغائِصُ قَدْ يَغُوصُ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ قِيلَ: ( لَهُ ) لِلْإيذانِ بِأنَّ الغَوْصَ لَيْسَ لِأنْفُسِهِمْ بَلْ لِأجْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهم فَيَغُوصُونَ في البِحارِ ويَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِن نَفائِسِهِ ﴿ويَعْمَلُونَ﴾ لَهُ عَمَلًا كَثِيرًا ( دُونَ ذَلِكَ ) أيْ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ [سَبَأ: 13] الآيَةَ، قِيلَ: إنَّ الحَمّامَ والنَّوْرَةَ والطّاحُونَ والقَوارِيرَ والصّابُونَ مِن أعْمالِهِمْ، وذَكَرَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ في التَّفْسِيرِ، لَكِنَّ في كَوْنِ الصّابُونِ مِن أعْمالِهِمْ خِلافًا. فَفي التَّذْكِرَةِ الصّابُونُ مِنَ الصِّناعَةِ القَدِيمَةِ قِيلَ وُجِدَ في كُتُبِ هِرْمِسَ وأنْدُوخِيا وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: مِن صِناعَةِ بِقْراطَ وجالِينُوسَ انْتَهى. وقِيلَ: هو مِن صِناعَةِ الفارابِيِّ وأوَّلُ ما صَنَعَهُ في دِمَشْقِ الشّامِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ، وما اشْتُهِرَ أنَّ أوَّلَ مَن صَنَعَهُ البُونِيُّ فَمِن كَذِبِ العَوامِّ وخُرافاتِهِمْ، ثُمَّ هَؤُلاءِ إمّا الفِرْقَةُ الأُولى أوْ غَيْرُها لِعُمُومِ كَلِمَةِ ( مِنَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَعْمَلُونَ، والشَّياطِينُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نارِيَّةٌ عاقِلَةٌ، وحُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ فَإنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَلْعِ الهَواءِ الأجْسامَ الثَّقِيلَةَ، وقالَ الجِبائِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم وزادَ في عَظْمِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا تُوُفِّيَ رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى لِئَلّا يُفْضِي إبْقاؤُهم إلى تَلْبِيسِ المُتَنَبِّي وهو كَلامٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ كَما لا يَخْفى.
والظّاهِرُ أنَّ المُسَخَّرِينَ كانُوا كُفّارًا لِأنَّ لَفْظَ الشَّياطِينِ أكْثَرُ إطْلاقًا عَلَيْهِمْ، وجاءَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُفْسِدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوهُ بِالنَّهارِ، وقِيلَ حافِظِينَ لَهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا والأنْسَبُ بِالتَّذْيِيلِ ما تَقَدَّمَ وذُكِرَ في حِفْظِهِمْ أنَّهُ وكَلَّ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ، هَذا وفي قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ الإمامُ: وتَسْخِيرُ أكْثَفِ الأجْسامِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الحَجَرُ إذْ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والحَدِيدُ إذْ ألانَهُ سُبْحانَهُ لَهُ وتَسْخِيرُ ألْطَفِ الأجْسامِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الرِّيحُ والشَّياطِينُ وهم مِن نارٍ وكانُوا يَغُوصُونَ في الماءِ فَلا يَضُرُّهم دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وإظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ وإمْكانِ إحْياءِ العَظْمِ الرَّمِيمِ وجَعْلِ التُّرابِ اليابِسِ حَيَوانًا فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ وجَبَ قَبُولُهُ واعْتِقادُهُ
الأنبياء 21:83
﴿وأيُّوبَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ قائِلًا إنِّي، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ إجْراءُ نادى مُجْرى قالَ، والضَّرُّ بِالفَتْحِ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ ونَحْوِهِما ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ وأنْتَ أعْظَمُ رَحْمَةً مِن كُلِّ مَن يَتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ في الجُمْلَةِ وإلّا فَلا راحِمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولا يَخْفى ما في وصْفِهِ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَّرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها مُكْتَفِيًا بِذَلِكَ عَنْ عَرْضِ الطَّلَبِ مِنَ اسْتِمْطارِ سَحائِبِ الرَّحْمَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ.
ويُحْكى في التَّلَطُّفِ في الطَّلَبِ أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى بَعْضِ ولَدِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قِلَّةَ الفَأْرِ في بَيْتِها فَقالَ: امْلَؤُوا بَيْتَها خُبْزًا وسَمْنًا ولَحْمًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ابْنُ أمُوصَ بْنِ رُزاحَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ، وحَكى ابْنُ عَساكِرَ
صفحة 80
أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلى هَذا كانَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إدْرِيسُ ثُمَّ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ ثُمَّ يُوسُفُ ثُمَّ لُوطٌ ثُمَّ هُودُ ثُمَّ صالَحٌ ثُمَّ شُعَيْبٌ ثُمَّ مُوسى وهارُونُ ثُمَّ إلْياسُ ثُمَّ اليَسَعُ ثُمَّ يُونُسُ ثُمَّ أيُّوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَصِحَّ في نَسَبِهِ شَيْءٌ إلّا أنَّ اسْمَ أبِيهِ أمُوصُ.
وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ سَمْرَةَ عَنْ كَعْبٍ طَوِيلًا جَعْدَ الشَّعْرِ واسِعَ العَيْنَيْنِ حَسْنَ الخُلُقِ قَصِيرَ العُنُقِ عَرِيضَ الصَّدْرِ غَلِيظَ السّاقَيْنِ والسّاعِدَيْنِ وكانَ قَدِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وبَسَطَ عَلَيْهِ الدُّنْيا وكَثَّرَ أهْلَهُ ومالَهُ فَكانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وسَبْعُ بَناتٍ ولَهُ أصْنافُ البَهائِمِ وخَمْسُمِائَةِ فَدّانٍ يُتْبِعُها خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ لِكُلِّ عَبْدٍ امْرَأةٌ ووَلَدٌ فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَهابِ ولَدِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وبِذَهابِ أمْوالِهِ وبِالمَرَضِ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ أوْ ثَلاثَ سِنِينَ، وعُمْرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ أكْثَرُ، ومُدَّةُ عُمْرِهِ عَلى ما رَوى الطَّبَرانِيُّ ثَلاثٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وقِيلَ أكْثَرُ.
رُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ وكَوْنُها ماضِرُ بِنْتُ مَيْشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ إنَّما يَتَسَنّى عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في زَمانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءِ فَذَكَرَتْ مُدَّةً كَثِيرَةً وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ثَمانِينَ سَنَةً فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي.
ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أتاها عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقالَ لَها: أنا إلَهُ الأرْضِ فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ ما فَعَلْتُ لِأنَّهُ تَرَكَنِي وعَبَدَ إلَهَ السَّماءِ فَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً رَدَدْتُ عَلَيْهِ وعَلَيْكِ جَمِيعَ ما أخَذْتُ مِنكُما.
وفِي رِوايَةٍ لَوْ سَجَدْتِ لِي سَجْدَةً لَرَدَدْتُ المالَ والوَلَدَ وعافَيْتُ زَوْجَكِ فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مُلْقًى في الكُناسَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ لا يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَعَلَّكِ افْتَتَنْتِ بِقَوْلِ اللَّعِينِ لَئِنْ عافانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأضْرِبَنَّكِ مِائَةَ سَوْطٍ وحَرامٌ عَلَيَّ أنْ أذُوقَ بَعْدَ هَذا مِن طَعامِكِ وشَرابِكِ شَيْئًا فَطَرَدَها فَبَقِيَ طَرِيحًا في الكُناسَةِ لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَّ ساجِدًا فَقالَ: (رَبِّ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ مَرَّ بِهِ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ولَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى في هَذا حاجَةٌ ما بَلَغَ بِهِ هَذا كُلُّهُ فَسَمِعَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ، ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ مَرَّةً لِيُصَلِّيَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى النُّهُوضِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا الأخِيرَ أمْثَلُ الأقْوالِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلاؤُهُ في بَدَنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَ يَخْرُجُ في بَدَنِهِ مِثْلُ ثَدْيِ النِّساءِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ بَقِيَ مِن أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا عَيْناهُ وقَلْبُهُ ولِسانُهُ فَكانَتِ الدَّوابُّ تَخْتَلِفُ في جَسَدِهِ، وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ.
وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أنَّ الدُّودَةَ لَتَقَعُ مِن جَسَدِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُعِيدُها إلى مَكانِها ويَقُولُ: كُلِي مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، وما أصابَ مِنهُ إبْلِيسُ في مَرَضِهِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ إلّا الأنِينَ، وسَبَبُ ابْتِلائِهِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اسْتَعانَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلى دَرْءِ ظُلْمٍ عَنْهُ فَلَمْ يُعِنْهُ.
صفحة 81
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوَلانِيِّ في ذَلِكَ أنَّ الشّامَ أجْدَبَ فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ هَلُمَّ إلَيْنا فَإنَّ لَكَ عِنْدَنا سَعَةً فَأقْبَلَ بِما عِنْدَهُ فَأقْطَعَهُ أرْضًا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ شُعَيْبٌ عَلى فِرْعَوْنَ وأيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ فَقالَ: أما تَخافُ أنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى غَضْبَةً فَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالُ والبِحارُ فَسَكَتَ أيُّوبُ فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى أيُّوبَ أوَسَكَتَّ عَنْ فِرْعَوْنَ لِذَهابِكَ إلى أرْضِهِ اسْتَعِدَّ لِلْبَلاءِ قالَ: فَدِينِي قالَهُ سُبْحانَهُ: أسْلِمُهُ لَكَ قالَ: لا أُبالِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَجَدَ فَقالَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ مِن تَحْتِهِ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ ولا جِراحَةٌ إلّا بَرِئَتْ ثُمَّ رَكَضَ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ وعادَ صَحِيحًا ورَجَعَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجَمالُهُ وذَلِكَ
الأنبياء 21:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً وجَلَسَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ ولَمْ تَعْلَمِ امْرَأتُهُ بِذَلِكَ فَأدْرَكَتْها الرِّقَّةُ عَلَيْهِ فَقالَتْ في نَفْسِها: هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا وتَأْكُلَهُ السِّباعُ لَأرْجِعَنَّ فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ الكُناسَةُ وتَبْكِي وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ تَأْتِيَهُ وتَسْألَهُ فَدَعاها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهِ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: أُرِيدُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ قالَ لَها: ما كانَ مِنكِ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي قالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ ؟ قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقالَ: أنا ذَلِكَ فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ فاعْتَنَقَتْهُ ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (كَشَفْنا ) فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وفِيهِ خَفاءٌ لِعَدَمِ ظُهُورِ كَوْنِ الإتْيانِ المَذْكُورِ مَدْعُوًّا بِهِ وإذا عُطِفَ عَلى (اسْتَجَبْنا ) لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبَرَ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ﴾ إلَخْ قالَ: رَدَّ اللَّهُ تَعالى امْرَأتَهُ إلَيْهِ وزادَ في شَبابِها حَتّى ولَدَتْ لَهُ سِتًّا وعِشْرِينَ ذَكَرًا»» فالمَعْنى عَلى هَذا آتَيْناهُ في الدُّنْيا مِثْلَ أهْلِهِ عَدَدًا مَعَ زِيادَةِ مِثْلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودَ والحَسَنُ وقَتادَةُ في الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أوْلادَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا في بَلائِهِ وأُوتِيَ مِثْلُهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ المِثْلَ مِن صُلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وقِيلَ: كانُوا نَوافِلَ وجاءَ في خَبَرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لَهُ أنْدَرانِ أنْدَرُ لِلْقَمْحِ وأنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى سَحابَتَيْنِ فَأفْرَغَتْ إحْداهُما في أنْدَرِ القَمْحِ الذَّهَبَ حَتّى فاضَ وأفْرَغَتِ الأُخْرى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِقَ حَتّى فاضَ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««بَيْنَما أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ فَجَعَلَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ فَناداهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ يا أيُّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمّا تَرى: قالَ: بَلى وعِزَّتِكَ لَكِنْ لا غِنى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»»، وعاشَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ البَلاءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما سَبْعِينَ سَنَةً، ويَظْهَرُ مِن هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ عُمْرَهُ حِينَ أصابَهُ البَلاءُ سَبْعُونَ أنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَوْقَ ثَلاثٍ وتِسْعِينَ بِكَثِيرٍ، ولَمّا ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْصى إلى ابْنِهِ حَرْمَلَ كَما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الأهْلَ لَيْسَ المَرْأةَ ﴿رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أيْ وآتَيْناهُ ما ذُكِرَ لِرَحْمَتِنا أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، فَرَحْمَةً نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ( ولِلْعابِدِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رَحْمَةً وذِكْرى ) تَنازُعًا فِيهِ عَلى مَعْنى
صفحة 82
وآتَيْناهُ العابِدِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرِنا إيّاهم بِالإحْسانِ وعَدَمِ نِسْيانِنا لَهم.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَ (رَحْمَةً ) عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى
الأنبياء 21:85
﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ﴾ أيْ واذْكُرْهم وظاهِرُ نَظْمِ ذِي الكِفْلِ في سِلْكِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ مِنهم وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ فَقِيلَ بِشْرٌ وهو ابْنُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ أبِيهِ وسَمّاهُ ذا الكِفْلِ وأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، وكانَ مُقِيمًا بِالشّامِ عُمْرَهُ وماتَ وهو ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً وأوْصى إلى ابْنِهِ عَبْدانَ وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ، وقِيلَ هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وصَنِيعُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِهِ، وقِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ اسْمُهُ ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ هو زَكَرِيّا حَكى كُلَّ ذَلِكَ الكِرْمانِيُّ في العَجائِبِ، وقِيلَ هو اليَسَعُ بْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهُ حَزْقِيالُ وجاءَتْهُ النُّبُوَّةُ وهو في وسَطِ سَبْيِ بُخْتَنَصَّرَ عَلى نَهْرِ خُوبارَ.
وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ومُجاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وكانَ عَبْدًا صالِحًا اسْتَخْلَفَهُ. عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. اليَسَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرْطِ أنْ يَصُومَ النَّهارَ ويَقُومَ اللَّيْلَ ولا يَغْضَبَ فَفَعَلَ ولَمْ يَذْكُرْ مُجاهِدٌ ما اسْمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ فَحَضَرَهُ المَوْتُ فَقالَ: مَن يَقُومُ مَقامِي عَلى أنْ لا يَغْضَبَ ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنا يُسَمّىذا الكِفْلِ الخَبَرَ، وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأكْبَرِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ فَحَضَرَتْهُ الوَفاةُ فَأتاهُ رُؤُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: اسْتَخْلِفْ عَلَيْنا مَلِكًا نَفْزَعُ إلَيْهِ فَقالَ: مَن تَكَفَّلَ لِي بِثَلاثٍ فَأُوَلِّيهِ مُلْكِي ؟ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلّا فَتًى مِنَ القَوْمِ قالَ: أنا فَقالَ: اجْلِسْ ثُمَّ قالَها ثانِيَةً فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أحَدٌ إلّا الفَتى فَقالَ: تَكَفَّلْ لِي بِثَلاثٍ وأُوَلِّيكَ مُلْكِي تَقُومُ اللَّيْلَ فَلا تَرْقُدُ وتَصُومُ فَلا تُفْطِرُ وتَحْكُمُ فَلا تَغْضَبُ قالَ: نَعَمْ قالَ: قَدْ ولَّيْتُكَ مُلْكِي الخَبَرَ، وفِيهِ كَذا في الخَبَرِ السّابِقِ قِصَّةُ إرادَةِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إغْضابَهُ وحِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِنهُ، والكِفْلُ الكَفالَةُ والحَظُّ والضَّعْفُ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنِ اسْمَهُ إمّا لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرٍ فَوَفّى بِهِ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ لَهُ ذا حَظٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ ضِعْفُ عَمَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَمانِهِ وضِعْفُ ثَوابِهِمْ.
ومَن قالَ إنَّهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكَفالَتِهِ مَرْيَمَ وهو داخِلٌ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وفي البَحْرِ وقِيلَ: في تَسْمِيَتِهِ ذا الكِفْلِ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ لا تَصِحُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وشَدائِدِ النَّوْبِ ويُعْلَمُ هَذا مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ بَعْدَ أيُّوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِهِمْ
الأنبياء 21:86
﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ الكَلامُ فِيهِ عَلى طِرْزِ ما سَبَقَ مِن نَظِيرِهِ آنِفًا.
﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ لِعِصْمَتِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِ مِنَ ابْتِدائِيَّةً كَما يَظْهَرُ بِأدْنى نَظَرٍ
الأنبياء 21:87
﴿وذا النُّونِ﴾ أيْ واذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ مَتّى وهو اسْمُ أبِيهِ عَلى ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ
صفحة 83
قالَ: ولَمْ أقِفْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ، وقالَ ابْنُ الأثِيرِ كَغَيْرِهِ إنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ ولَمْ يُنْسَبْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلى أُمِّهِ غَيْرُهُ وغَيْرُ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
واليَهُودُ قالُوا بِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهم سَمَّوْهُ يُونَهَ بْنَ أمِيتايَ، وبَعْضُهم يَقُولُ يُونانُ بْنُ أمافِي، والنُّونُ الحُوتُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويُجْمَعُ عَلى نِينانٍ كَما في البَحْرِ وأنْوانٍ أيْضًا كَما في القامُوسِ.
﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ أيْ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مَعَ طُولِ دَعْوَتِهِ إيّاهم، وكانَ ذَهابُهُ هَذا هِجْرَةً عَنْهم لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. وقِيلَ: غَضْبانَ عَلى المَلِكِ حَزْقِيلَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ يُونُسُ وقَوْمُهُ يَسْكُنُونَ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى شَعْياءَ النَّبِيِّ أنِ اذْهَبْ إلى حَزْقِيلَ المَلِكِ وقُلْ لَهُ يُوَجِّهُ خَمْسَةً مِنَ الأنْبِياءِ لِقِتالِ هَذا المَلِكِ فَقالَ: أُوَجِّهُ يُونُسَ بْنَ مَتّى فَإنَّهُ قَوِيٌّ أمِينٌ فَدَعاهُ المَلِكُ يَخْرُجُ فَقالَ يُونُسُ: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِإخْراجِي ؟ قالَ: لا قالَ: هَلْ سَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: لا فَقالَ يُونُسُ: فَها هُنا أنْبِياءٌ غَيْرِي فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا فَأتى بَحْرَ الرُّومِ فَوَجَدَ قَوْمًا هَيَّؤُوا سَفِينَةً فَرَكِبَ مَعَهم فَلَمّا وصَلُوا اللُّجَّةَ تَكَفَّأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ وأشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ فَقالَ المَلّاحُونَ: مَعَنا رَجُلٌ عاصٍ أوْ عَبْدٌ آبِقٌ ومِن رَسْمِنا إذا ابْتُلِينا بِذَلِكَ أنْ نَقْتَرِعَ فَمَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ ألْقَيْناهُ في البَحْرِ ولَأنْ يَغْرَقَ أحَدُنا خَيْرٌ مِن أنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ فِيها كُلِّها عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا الرَّجُلُ العاصِي والعَبْدُ الآبِقُ فَألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَجاءَتْ حُوتٌ فابْتَلَعَتْهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها أنْ لا تُؤْذِيَهُ بِشَعْرَةٍ فَإنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكِ سِجْنًا لَهُ ولَمْ أجْعَلْهُ طَعامًا ثُمَّ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِها ونَبَذَهُ بِالعَراءِ وقَدْ رَقَّ جِلْدُهُ فَأنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى اشْتَدَّ فَلَمّا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ حَزِنَ عَلَيْها يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: أتَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ ولَمْ تَحْزَنْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ حَيْثُ لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِمْ ولَمْ تَطْلُبْ راحَتَهم ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ فَتَوَجَّهَ نَحْوَهم حَتّى دَخَلَ أرْضَهم وهم مِنهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأتاهم وقالَ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَنِي إلَيْكَ فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ ولَوْ عَلِمْنا عِلْمَنا أنَّكَ صادِقٌ لَفَعَلْنا وقَدْ آتَيْناكم في دِيارِكم وسَبَيْناكم فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ لَمَنَعَنا اللَّهُ تَعالى عَنْكم فَطافَ فِيهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ فَأبَوْا عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ قُلْ لَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهُمُ العَذابُ فَأبْلَغَهم فَأبَوْا فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَلَمّا فَقَدُوهُ نَدِمُوا عَلى فِعْلِهِمْ فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرُوا أمْرَهم وأمْرَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعُلَماءِ الَّذِينَ عِنْدَهم فَقالُوا: انْظُرُوا واطْلُبُوهُ في المَدِينَةِ فَإنْ كانَ فِيها فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ مِن نُزُولِ العَذابِ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ فَهو كَما قالَ فَطَلَبُوهُ فَقِيلَ لَهم: إنَّهُ خَرَجَ العَشِيَّةَ فَلَمّا أيِسُوا غَلَّقُوا بابَ مَدِينَتِهِمْ ولَمْ يُدْخِلُوا فِيها دَوابَّهم ولا غَيْرَها وعَزَلُوا كُلَّ واحِدَةٍ عَنْ ولَدِها وكَذا الصِّبْيانَ والأُمَّهاتِ ثُمَّ قامُوا يَنْتَظِرُونَ الصُّبْحَ فَلَمّا انْشَقَّ الصُّبْحُ نَزَلَ العَذابُ مِنَ السَّماءِ فَشَقُّوا جُيُوبَهم ووَضَعَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها وصاحَتِ الصِّبْيانُ والدَّوابُّ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ عَنْهم فَبَعَثُوا إلى يُونُسَ حَتّى لَقُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وبَعَثُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وحُكِيَ في هَذِهِ المُغاضَبَةِ كَيْفِيّاتٌ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَجِبُ إطْراحُ هَذا القَوْلِ إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ لِمَن قالَ ذَلِكَ مِنَ العُلَماءِ كالحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ التّابِعِينَ. وابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِمْ لِرَبِّهِ لِأجْلِ رَبِّهِ تَعالى وحِمْيَةً لِدِينِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ
صفحة 84
لا اللّامُ المُوَصِّلَةُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ انْتَهى.
وكَوْنُ المُرادِ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ مُقْتَضى زَعْمِ اليَهُودِ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلى نِينَوى ويُنْذِرَ أهْلَها فَهَرَبَ إلى تَرْسِيسَ مِن ذَلِكَ وانْحَدَرَ إلى يافا ونَزَلَ في السَّفِينَةِ فَعَظُمَتِ الأمْواجُ وأشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ فاقْتَرَعَ أهْلُها فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ فَرَمى بِنَفْسِهِ إلى البَحْرِ فالتَقَمَهُ الحُوتُ ثُمَّ ألْقاهُ وذَهَبَ إلى نِينَوى فَكانَ ما كانَ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الهَرَبِ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واليَهُودُ قَوْمُ بُهْتٍ.
ونَصْبُ ﴿مُغاضِبًا﴾ عَلى الحالِ وهو مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي اشْتِراكًا نَحْوُ عاقَبْتُ اللِّصَّ وسافَرْتُ، وكَأنَّهُ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى ظاهِرِها فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ وهم غَضِبُوا عَلَيْهِ بِالذَّهابِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقَ العَذابِ. وقَرَأ أبُو سَرَفٍ (مُغْضَبًا ) اسْمُ مَفْعُولٍ ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ إنَّهُ أيِ الشَّأْنُ لَنْ نَقْدِرَ ونَقْضِيَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ ونَحْوِها أوْ لَنْ نَضِيقَ عَلَيْهِ في أمْرِهِ بِحَبْسٍ ونَحْوِهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والزُّهْرِيِّ ( نُقَدِّرَ ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً، وقِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. واليَمانِيِّ ( يُقَدِّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والدّالُ مُشَدَّدَةٌ فَإنَّ الفِعْلَ فِيهِما مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى القَضاءِ والحُكْمِ كَما هو المَشْهُورُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّضَيُّقِ فَإنَّهُ ورَدَ بِهَذا المَعْنى أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، وظَنَّ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ فاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ إذْ لا يَظُنُّ أحَدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وفَزِعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَأجابَهُ بِما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ وتَكُونَ مَجازًا عَنْ أعْمالِها أيْ فَظَنَّ أنْ لَنْ نُعْمِلَ قُدْرَتَنا فِيهِ أوْ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ فَعَلَ فِعْلَ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَسْبِقَ ذَلِكَ إلى وهْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ثُمَّ يَرْدَعُهُ ويَرُدُّ بِالبُرْهانِ كَما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ المُحَقِّقُ نَزَعاتِ الشَّيْطانِ وما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، ومِنهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحْزابَ: 8] والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ مِثْلَهُ عَنِ المُؤْمِنِ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المَعْصُومِ لِأنَّهُ كُفْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( تَظُنُّونَ ) إلَخْ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى أنَّهُ شامِلٌ لِلْخُلَّصِ وغَيْرِهِمْ، وبِأنَّ ما هَجَسَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِأنَّ الخَواطِرَ لا عَتَبَ عَلَيْها، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ حامِلَهُ عَلى الخُرُوجِ لَمْ يَكُنْ مِن قَبِيلِ الوَسْوَسَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى الهَجْسِ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ والعَتَبُ عَلى ذَهابِهِ مُغاضِبًا ولا وجْهَ لِجَعْلِهِ حامِلًا عَلى الخُرُوجِ ومَعَ هَذا هو وجْهٌ لا وجاهَةَ لَهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو سَرَفَ والكَلْبِيُّ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ ( يُقَدَرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ مُخَفَّفًا، وعِيسى والحَسَنُ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الدّالِ.
﴿فَنادى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ فَنادى ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ جَعَلَتِ الظُّلْمَةَ لِشِدَّتِها كَأنَّها ظُلُماتٌ، وأنْشَدَ السِّيرافِيُّ:
ولَيْلٍ تَقُولُ النّاسُ في ظُلُماتِهِ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها
أوِ الجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: ابْتَلَعَ حُوتَهُ حُوتٌ أكْبَرُ مِنهُ فَحَصَلَ في ظُلْمَتِي بَطْنَيِ الحُوتَيْنِ وظُلْمَتَيِ البَحْرِ واللَّيْلِ ﴿أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّ أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والجارَّ مُقَدَّرٌ وضَمِيرَ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أوْ أيْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ ﴿سُبْحانَكَ﴾
صفحة 85
أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ أوْ أنْ يَكُونَ ابْتِلائِي بِهَذا مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِن جِهَتِي ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِهِمْ لِلْهَلَكَةِ حَيْثُ بادَرْتُ إلى المُهاجَرَةِ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى خِلافِ مُعْتادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَنْبِهِ وإظْهارٌ لِتَوْبَتِهِ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كُرْبَتَهُ.
الأنبياء 21:88
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ دُعاءَهُ الَّذِي دَعاهُ في ضِمْنِ الِاعْتِرافِ وإظْهارِ التَّوْبَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحَكِيمُ في نَوادِرِ الأُصُولِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وجَماعَةٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ هو في بَطْنِ الحُوتِ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ لَهُ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا، وقَدْ شاهَدْتُ أثَرَ الدُّعاءِ بِهِ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ حِينَ أمَرَنِي بِذَلِكَ مَن أظُنُّ وِلايَتَهُ مِنَ الغُرَباءِ المُجاوِرِينَ في حَضْرَةِ البازِ الأشْهَبِ وكانَ قَدْ أصابَنِي مِنَ البَلاءِ ما اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ وفي شَرْحِهِ طُولٌ وأنْتَ مَلُولٌ. وجاءَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعا بِذَلِكَ أقْبَلَتْ دَعْوَتُهُ تَحُفُّ بِالعَرْشِ فَقالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: هَذا صَوْتُ ضَعِيفٍ مَعْرُوفٍ مِن بِلادٍ غَرِيبَةٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أما تَعْرِفُونَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبِّ ومَن هو ؟ قالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ قالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ ودَعْوَةٌ مُجابَةٌ يا رَبِّ أفَلا تَرْحَمُ ما كانَ يَصْنَعُ في الرَّخاءِ فَتُنَجِّيهِ مِنَ البَلاءِ قالَ: بَلى فَأمَرَ الحُوتَ فَطَرَحَهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾» أيِ الَّذِي نالَهُ حِينَ التَقَمَهُ الحُوتُ بِأنْ قَذَفَهُ إلى السّاحِلِ بَعْدَ ساعاتٍ. قالَ الشَّعْبِيُّ: التَقَمَهُ ضُحًى ولَفَظَهُ عَشِيَّةً، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ بَقِيَ في بَطْنِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وهو الَّذِي زَعَمَتْهُ اليَهُودُ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ بَقِيَ سَبْعَةَ أيّامٍ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ بَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ المُرادُ بِالغَمِّ غَمُّ الخَطِيئَةِ وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ فَنَجَّيْناهُ كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَشَفْنا. قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِأنَّهُ دَعا بِالخَلاصِ مِنَ الضُّرِّ فالكَشْفُ المَذْكُورُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِجابَتِهِ ويُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ فَلَمْ يُوجَدْ وجْهُ التَّرْتِيبِ في اسْتِجابَتِهِ. ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفْسِيرِيَّةٌ والعَطْفَ هُنا أيْضًا تَفْسِيرِيٌّ والتَّفَنُّنُ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ في البَلاغَةِ، ثُمَّ لا نُسَلِّمُ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ دُعاءٌ لَمْ تَتَحَقَّقِ الِاسْتِجابَةُ اهَـ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ، وكَوْنُهُ تَفْسِيرًا لا يَدْفَعُ السُّؤالَ لِأنَّ حاصِلَهُ لِمَ أُتِيَ بِالفاءِ ثُمَّتْ ولَمْ يُؤْتَ بِها هُنا ؟ فالظّاهِرُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأوَّلَ دُعاءٌ بِكَشْفِ الضُّرِّ عَلى وجْهِ التَّلَطُّفِ فَلَمّا أُجْمِلَ في الِاسْتِجابَةِ وكانَ السُّؤالُ بِطَرِيقِ الإيماءِ ناسَبَ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وأمّا هُنا فَلَمّا هاجَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أمْرٍ كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَما أُوحِيَ إلَيْهِ هو الدُّعاءُ بِعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِما صَدَرَ مِنهُ فالِاسْتِجابَةُ عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ، ولَيْسَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ بَلْ زِيادَةُ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ ولِذا عَطَفَ بِالواوِ اهَـ ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ لا يَتَسَنّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الأنْبِياءَ: 76]
الأنبياء 21:89
وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنْبِياءَ: 90] إذْ لَمْ يَكُنْ سُؤالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الإيماءِ مَعَ أنَّهُ قالَ تَعالى في قِصَّتِهِ
صفحة 86
﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ بِالفاءِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُعَدُّ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِيَتَلَطَّفَ في سُؤالِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ مَعَ أنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ في قِصَّتِهِ ﴿ووَهَبْنا﴾ بِالواوِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن بَيانِ نُكْتَةٍ غَيْرِ ما ذَكَرَ لِلتَّعْبِيرِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ بِما عَبَّرَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما ذَكَرَهُ الشِّهابُ في الآيَةِ الأخِيرَةِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ جِيءَ بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ في قِصَّتَيْ نُوحٍ وأيُّوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ اعْتِناءً بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ لِمَكانِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِعِظَمِ ما كانا فِيهِ وتَفاقُمِهِ جِدًّا، ألا تَرى كَيْفَ يُضْرَبُ المَثَلُ بِبَلاءِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ في النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ واسْتَمَرَّ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وكَيْفَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ما نَجّى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ولا كَذَلِكَ ما كانَ فِيهِ ذُو النُّونِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ فَلِذا جِيءَ في آيَتَيْهِما بِالواوِ وهي وإنْ جاءَتْ لِلتَّفْسِيرِ لَكِنَّ مَجِيءَ الفاءِ لِذَلِكَ أكْثَرُ. ولا يَبْعُدُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن كَوْنِ الِاسْتِجابَةِ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّنْجِيَةُ زِيادَةُ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ ويُقالُ فِيما سَيَأْتِي ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ الكامِلِ ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ مِن غُمُومٍ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى فِيها بِالإخْلاصِ لا إنْجاءَ أدْنى مِنهُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ( نُنَجِّي ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ نَجّى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( نُجِّي ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وإسْكانِ الياءِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى القِراءَةِ بِنُونَيْنِ لِكَوْنِها أوْفَقَ بِالرَّسْمِ العُثْمانِيِّ لِما أنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍ و ( نُجِي ) بِالإدْغامِ والنُّونُ لا تُدْغَمُ في الجِيمِ وإنَّما أُخْفِيَتْ لِأنَّها ساكِنَةٌ تَخْرُجُ مِنَ الخَياشِيمِ فَحُذِفَتْ مِنَ الكِتابِ وهي في اللَّفْظِ، ومَن قالَ: تُدْغَمُ فَقَدْ غَلَطَ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ وتُسَمّى الأحْرُفُ الشَّجَرِيَّةُ وهي الجِيمُ والشِّينُ والضّادُ وتَبْيِينُها لَحْنٌ فَلَمّا أُخْفِي ظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ مُدْغَمٌ انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ ابْنِ جِنِّي: أصْلُهُ ( نُنْجِي ) كَما في قِراءَةِ الجَحْدَرِيِّ فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ لِتَوالِي المِثْلَيْنِ والأُخْرى جِيءَ بِها لِمَعْنًى والثِّقَلُ إنَّما حَصَلَ بِالثّانِيَةِ وذَلِكَ كَما حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في ﴿تُظاهِرُونَ﴾ [الأحْزابَ: 4] ولا يَضُرُّ كَوْنُها أصْلِيَّةً وكَذا لا يَضُرُّ عَدَمُ اتِّحادِ حَرَكَتِها مَعَ حَرَكَةِ النُّونِ الأُولى فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الحَذْفِ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ مَعَ تَعَذُّرِ الإدْغامِ فَقَوْلُ أبِي البَقاءِ: إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ أصْلٌ وهي فاءُ الكَلِمَةِ فَحَذْفُها يَبْعُدُ جِدًّا، والثّانِي أنَّ حَرَكَتَها غَيْرُ حَرَكَةِ النُّونِ الأُولى فَلا يُسْتَثْقَلُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِخِلافِ ( تُظاهِرُونَ ) لَيْسَ في حَيِّزِ القَبُولِ، وإنَّما امْتَنَعَ الحَذْفُ في ﴿تَتَجافى﴾ [السَّجْدَةَ: 16] لِخَوْفِ اللَّبْسِ بِالماضِي بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ماضِيًا لَمْ يَسْكُنْ آخِرُهُ، وكَوْنُهُ سَكَنَ تَخْفِيفًا خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ هو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وسَكَنَتِ الياءُ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البَقَرَةَ: 278] وقَوْلِهِ:
هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيَ لَكم ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ
ونائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ﴿والمُؤْمِنِينَ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدْ أجازَ قِيامَ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ بِهِ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ وأبُو عُبَيْدٍ، وخَرَّجُوا عَلى ذَلِكَ قِراءَةَ أبِي جَعْفَرٍ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ [الجاثِيَةَ: 14] وقَوْلَهُ:
ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الكَلْبِ الكِلابا
صفحة 87
والمَشْهُورُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ مَتى وُجِدَ المَفْعُولُ بِهِ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقامَ الفاعِلِ، وقِيلَ إنَّ ( المُؤْمِنِينَ ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ وكَذَلِكَ نُجِّيَ هو أيِ الِانْجاءُ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ والكُلُّ كَما تَرى ﴿وزَكَرِيّا﴾ أيْ واذْكُرْ خَبَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أيْ وحِيدًا بِلا ولَدٍ يَرِثُنِي كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِلا ولَدٍ يُصاحِبُنِي ويُعاوِنُنِي لَقِيلَ وأنْتَ خَيْرُ المُعِينِينَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ وأنْتَ خَيْرُ حَيٍّ يَبْقى بَعْدَ مَيِّتٍ، وفِيهِ مَدْحٌ لَهُ تَعالى بِالبَقاءِ وإشارَةٌ إلى فَناءِ مَن سِواهُ مِنَ الأحْياءِ، وفي ذَلِكَ اسْتِمْطارٌ لِسَحائِبِ لُطْفِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ الأمْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي ولَدًا يَرِثُنِي فَأنْتَ خَيْرُ وارِثٍ فَحَسْبِي أنْتَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ الدُّعاءِ إذْ مِن آدابِ الدّاعِي أنْ يَدْعُوَ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وتَصْمِيمٍ مِنهُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إذا دَعا أحَدُكم فَلا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ مَسْألَتَهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا مُكْرِهَ لَهُ» .
وفِي رِوايَةٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «ولَكِنْ لِيَعْزِمِ المَسْألَةَ ولْيَعْزِمِ الرَّغْبَةَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أعْطاهُ»» ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا إظْهارَ الرِّضا والِاعْتِمادَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَوْ لَمْ يُجِبْ دُعاءَهُ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.
الأنبياء 21:90
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دُعاءَهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أيْ أصْلَحْناها لِلْمُعاشَرَةِ بِتَحَسُّنِ خُلُقِها وكانَتْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ طَوِيلَةَ اللِّسانِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُحَمَّدٍ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أوْ أصْلَحْناها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرَدِّ شَبابِها إلَيْها وجَعْلِها ولُودًا وكانَتْ لا تَلِدُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (اسْتَجَبْنا ) لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ بِتَحْسِينِ خُلُقِ زَوْجِهِ.
قالَ الخَفاجِيُّ: ويَجُوزُ عَطْفُها عَلى ﴿وهَبْنا﴾ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ عَطْفُهُ بِالواوِ لِأنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى المَطْلُوبِ لا يُعْطَفُ بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وعَلى الثّانِي العَطْفُ عَلى ﴿وهَبْنا﴾ وقَدَّمَ هِبَةَ يَحْيى مَعَ تَوَقُّفِها عَلى إصْلاحِ الزَّوْجِ لِلْوِلادَةِ لِأنَّها المَطْلُوبُ الأعْظَمُ، والواوُ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلا حاجَةَ لِما قِيلَ: المُرادُ بِالهِبَةِ إرادَتُها، قالَ الخَفاجِيُّ: ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: فَوَهَبْنا لِأنَّ المُرادَ الِامْتِنانُ لا التَّفْسِيرُ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ التَّفْسِيرُ بِالفاءِ بَلْ قَدْ يَكُونُ العَطْفُ التَّفْسِيرِيُّ بِالواوِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُصِّلَ مِن فُنُونِ إحْسانِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ.
وقِيلَ: لِزَكَرِيّا وزَوْجِهِ ويَحْيى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن حُصُولِ القُرْبى والزُّلْفى والمَراتِبِ العالِيَةِ لَهم أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ما حالُهم ؟ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمَعْنى إنَّهم كانُوا يَجِّدُونَ ويَرْغَبُونَ في أنْواعِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ وكَثِيرًا ما يَتَعَدّى أسْرَعَ بِفي لِما فِيهِ مِن مَعْنى الجِدِّ والرَّغْبَةِ فَلَيْسَتْ في بِمَعْنى إلى أوْ لِلتَّعْلِيلِ ولا الكَلامُ مِن قَبِيلِ.
يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نُصَلِّي ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ أيْ راغِبِينَ في نِعَمِنا وراهِبِينَ مِن نِقَمِنا أوْ راغِبِينَ في قَبُولِ أعْمالِهِمْ وراهِبِينَ مِن رَدِّها، فَرَغَبًا ورَهَبًا مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ
صفحة 88
الحالِ بِتَأْوِيلِهِما بِاسْمِ الفاعِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي رَغَبٍ، ويَجُوزُ إبْقاؤُهُما عَلى الظّاهِرِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ كَخَدَمٍ جَمْعُ خادِمٍ لَكِنْ قالُوا: إنَّ هَذا الجَمْعَ مَسْمُوعٌ في ألْفاظٍ نادِرَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا نُصِبا عَلى التَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَهُما عَلى المَصْدَرِ نَحْوُ قَعَدْتُ جُلُوسًا وهو كَما تَرى.
وحُكِيَ في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ الدُّعاءَ رَغْبَةً بِبُطُونِ الأكُفِّ ورَهْبَةً بِظُهُورِها، وقَدْ قالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمائِنا، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( يُسارِعُونَ ) فَهي داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ ( كانُوا )، وفي عَدَمِ إعادَتِها رَمْزٌ إلى أنَّ الدُّعاءَ المَذْكُورَ مِن تَوابِعِ تِلْكَ المُسارَعَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( يَدْعُونا ) بِحَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ (يَدْعُونّا ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ أدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في نُونِ ضَمِيرِ النَّصْبِ، وقَرَأ (رَغْبًا ) (ورَهْبًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ ما بَعْدَها و(رُغْبًا ) (ورُهْبًا ) بِالضَّمِّ والإسْكانِ ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أيْ مُخْبِتِينَ مُتَضَرِّعِينَ أوْ دائِمِي الوَجَلِ، وحاصِلُ التَّعْلِيلِ أنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ما نالُوا بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.
الأنبياء 21:91
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ نُصِبَ نَصْبَ نَظائِرِهِ السّابِقَةِ، وقِيلَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم أوْ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ والفاءُ زائِدَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ، والإحْصانُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ مُطْلَقًا. والفَرْجُ في الأصْلِ الشِّقُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كالفُرْجَةِ وما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ ويُكْنى بِهِ عَنِ السَّوْأةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ وهو المُرادُ بِهِ هُنا عِنْدَ جَماعَةٍ أيْ مَنَعَتْ فَرْجَها مِنَ النِّكاحِ بِقِسْمَيْهِ كَما قالَتْ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 20] وكانَ التَّبَتُّلُ إذْ ذاكَ مَشْرُوعًا لِلنِّساءِ والرِّجالِ، وقِيلَ الفَرْجُ هُنا جَيْبُ قَمِيصِها مَنَعَتْهُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرُبَ مِنها لِيَنْفُخَ حَيْثُ لَمْ تَعْرِفْهُ.
وعُبِّرَ عَنْها بِما ذُكِرَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وتَنْزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها، والمُرادُ مِنَ الرُّوحِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَفْخُ الرُّوحِ عِبارَةٌ عَنِ الإحْياءِ ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ. ثُمَّ هَذا الإحْياءُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لِكَوْنِهِ في بَطْنِها صَحَّ أنْ يُقالَ: نَفَخْنا فِيها فَإنَّ ما يَكُونُ فِيما في الشَّيْءِ يَكُونُ فِيهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أحْيَيْناها ولَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الزَّمّارُ. نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ وهو قَدْ نَفَخَ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخْنا في ابْنِها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مَرْيَمَ: 17] ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ وهُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ أيْ فَنَفَخْنا فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَفَخَ مِن جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها فَصَحَّ أنَّ النَّفْخَ فِيها مِن غَيْرِ غُبارٍ يَحْتاجُ إلى النَّفْخِ، ثُمَّ النَّفْخُ لازِمٌ وقَدْ يَتَعَدّى فَيُقالُ نَفَخَنا الرُّوحُ.
وقَدْ جاءَ في ذَلِكَ بَعْضُ الشَّواذِّ ونَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ فَإنْكارُهُ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ جَعَلْنا قِصَّتَهُما أوْ حالَهُما ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّ مَن تَأمَّلَ حالَتَهُما تَحَقَّقَ كَمالَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمُرادُ بِالآيَةِ ما حَصَلَ بِهِما مِنَ الآيَةِ مَعَ تَكاثُرِ آياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِالآيَةِ الجِنْسُ الشّامِلُ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآياتِ المُسْتَقِلَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى وجَعَلْناها آيَةً وابْنَها آيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها واسْتُدِلَّ
صفحة 89
بِذِكْرِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مَعَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّها كانَتْ نَبِيَّةً إذْ قُرِنَتْ مَعَهم في الذِّكْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ لا يُلْزِمُ ذِكْرُها مَعَهم كَوْنَها مِنهم ولَعَلَّها إنَّما ذُكِرَتْ لِأجْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وناسَبَ ذِكْرُهُما هُنا قِصَّةَ زَكَرِيّا وزَوْجِهِ وابْنِهِما يَحْيى لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ
الأنبياء 21:92
﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً، والإشارَةُ إلى مِلَّةِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وذَلِكَ مِن بابِ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكَهْفَ: 78] وهَذا أخُوكَ تَصَوُّرُ المُشارِ إلَيْهِ في الذِّهْنِ وأُشِيرَ إلَيْهِ، وفِيهِ أنَّهُ مُتَمَيِّزٌ أكْمَلَ التَّمْيِيزِ ولِهَذا لَمْ يُبَيَّنْ بِالوَصْفِ، والأُمَّةُ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ المَطْلَعِ أصْلُها القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ عَلى دِينٍ واحِدٍ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها حَتّى أُطْلِقَتْ عَلى نَفْسِ الدِّينِ، والأشْهَرُ أنَّها النّاسُ المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ أوْ في زَمانٍ وإطْلاقُها عَلى نَفْسِ الدِّينِ مَجازٌ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ أيْضًا وهو المُرادُ هُنا، وأُرِيدَ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ عَلى تِلْكَ المِلَّةِ ومُراعاةِ حُقُوقِها، والمَعْنى أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تُحافِظُوا عَلى حُدُودِها وتُراعُوا حُقُوقَها فافْعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ( أُمَّةً ) والعامِلُ فِيها اسْمُ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ غَيْرَ العامِلِ في صاحِبِها وإنْ كانَ الأكْثَرُ الِاتِّحادَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِأبِي حَيّانَ، وقِيلَ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) ومَعْنى وحْدَتِها اتِّفاقُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها أيْ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ أجْمَعُوا كُلُّهم عَلَيْها فَلَمْ تَتَبَدَّلْ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ كَما تَبَدَّلَتِ الفُرُوعُ، وقِيلَ: مَعْنى وحْدَتِها عَدَمُ مُشارَكَةِ غَيْرِها وهو الشِّرْكُ لَها في القَبُولِ وصِحَّةِ الِاتِّباعِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُرادُ بِها التَّوْحِيدُ أيْضًا، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقِصَّتِهِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ ما قِيلَ إنَّها إشارَةٌ إلى مِلَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما عِنْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ قائِلِينَ لَهم: إنَّ هَذِهِ أيِ المِلَّةَ الَّتِي بُعِثَ بِها عِيسى أُمَّتُكم إلَخْ بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، وقِيلَ: إنَّ ( هَذِهِ ) إشارَةٌ إلى جَماعَةِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأُمَّةُ بِمَعْنى الجَماعَةِ أيْ إنَّ هَؤُلاءِ جَماعَتُكُمُ الَّتِي يَلْزَمُكُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، وفِيهِ جِهَةُ حُسْنٍ كَما لا يَخْفى، والأوَّلُ أحْسَنُ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، وجَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ لِلْمُعانِدِينَ خاصَّةً حَيْثُ قالَ في وجْهِ تَرْتِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نازِلَةٌ في بَيانِ النُّبُوَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها والمُخاطَبُونَ المُعانِدُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ النُّبُوَّةِ وتَكْرِيرِهِ تَقْرِيرًا ومِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُسَلِّيًا عادَ إلى خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ إلَخْ أيْ هَذِهِ المِلَّةُ الَّتِي كَرَّرْتُها عَلَيْكم مِلَّةٌ واحِدَةٌ أخْتارُها لَكم لِتَتَمَسَّكُوا بِها وبِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والقَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ وهي الَّتِي أدْعُوكم إلَيْها لِتَعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ لِأنَّ سائِرَ الكُتُبِ نازِلَةٌ في شَأْنِها والأنْبِياءَ كُلَّهم مَبْعَثُونَ لِلدَّعْوَةِ إلَيْها ومُتَّفِقُونَ عَلَيْها،
الأنبياء 21:93
ثُمَّ لَمّا عَلِمَ إصْرارَهم قِيلَ: ﴿وتَقَطَّعُوا﴾ إلَخْ، وحاصِلُ المَعْنى المِلَّةُ واحِدَةٌ والرَّبُّ واحِدٌ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْها وهَؤُلاءِ البُعَداءُ جَعَلُوا أمْرَ الدِّينِ الواحِدِ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا كَما يَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ الواحِدَ انْتَهى، والأظْهَرُ العُمُومُ، وأمْرُ النَّظْمِ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الطَّيِّبِيِّ بِأدْنى التِفاتٍ وقَرَأ الحَسَنُ ( أُمَّتَكم ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ
صفحة 90
عَلَيْهِ و(أُمَّةٌ واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ. وقَرَأ هو أيْضًا وابْنُ إسْحاقَ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَعْفِيُّ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والزَّعْفَرانِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُما خَبَرُ إنَّ، وقِيلَ: الأوَّلُ خَبَرٌ والثّانِي بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي أُمَّةٌ واحِدَةٌ ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ أنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴿فاعْبُدُونِ﴾ خاصَّةً، وتَفْسِيرُ الرَّبِّ بِالإلَهِ لِأنَّهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، والدَّلالَةُ عَلى الوَحْدَةِ مِن حِدَةِ المِلَّةِ، وفي لَفْظِ الرَّبِّ إشْعارٌ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الرَّبَّ إنْ تُوُهِّمَ جَوازُ تَعَدُّدِهِ في نَفْسِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَرْبُوبٍ إلّا رَبٌّ واحِدٌ لِأنَّهُ مُفِيضُ الوُجُودِ وكِمالاتِهِ مَعًا، وفي العُدُولِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ تَرْجِيحُ جانِبِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ تَعالى يَدْعُوهم إلى عِبادَتِهِ بِلِسانِ التَّرْغِيبِ والبَسْطِ قالَهُ في الكَشْفِ.
﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أيْ جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا عَلى أنَّ تَقَطَّعَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَعْلِ فَلِذا تَعَدّى إلى ﴿أمْرَهُمْ﴾ بِنَفْسِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: تَقَطَّعُوا أمْرَهم أيْ في أمْرِهِمْ أيْ تَفَرَّقُوا، وقِيلَ: عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى قَطَّعُوا أيْ فَرَّقُوا، وقِيلَ.
﴿أمْرَهُمْ﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ تَقَطَّعَ أمْرُهُمُ انْتَهى، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأمْرُ التَّمْيِيزِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ثُمَّ أصْلُ الكَلامِ وتَقَطَّعْتُمْ أمْرَكم بَيْنَهم عَلى الخِطابِ فالتَفَتَ إلى الغَيْبَةِ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ وجَعْلِهِ قِطَعًا مُوَزَّعَةً ويُنْهِي ذَلِكَ إلى الآخَرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ ألا تَرَوْنَ إلى عِظَمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي ذَلِكَ ذَمٌّ لِلِاخْتِلافِ في الأُصُولِ.
﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ المُتَقَطِّعَةِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الفِرَقِ ﴿إلَيْنا راجِعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيهِمْ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ.
الأنبياء 21:94
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ تَفْضِيلٌ لِلْجَزاءِ أيْ فَمَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ لا حِرْمانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ ذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالكُفْرانِ الَّذِي هو سَتْرُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى ونَفى نَفْيَ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ التَّرْكِيبَ عَلى طِرْزِ (لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ) والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ بَيْنَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالسَّعْيِ لِإظْهارِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ (فَلا كُفْرَ ) والمَعْنى واحِدٌ ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ لِسَعْيِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿كاتِبُونَ﴾ أيْ مُثْبِتُونَ في صَحِيفَةِ عَمَلِهِ لا يَضِيعُ بِوَجْهٍ ما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ العَمَلِ الصّالِحِ مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: الإيمانُ شَرْطٌ لِقَبُولِ ما يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ مِنَ الأعْمالِ، وتَحْقِيقُهُ في مَوْضِعِهِ.
الأنبياء 21:95
﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ. فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها. والحَرامُ مُسْتَعارٌ لِلْمُمْتَنِعِ وجُودُهُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مَرْجُوِّ الحُصُولِ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَرامُ المَمْنُوعُ مِنهُ إمّا بِتَسْخِيرٍ إلَهِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ قَهْرِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ أوْ مِن جِهَةِ مَن يَرْتَسِمُ أمْرُهُ، وذُكِرَ أنَّهُ قَدْ حُمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْرِيمِ بِالتَّسْخِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القَصَصَ: 12] وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ (وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ اهَـ.
صفحة 91
وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرُ الوَرّاقُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍ و بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ (وحُرِمٌ ) الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ أيْضًا وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ أيْضًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بِخِلافٍ عَنْهُما وأبُو العالِيَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الحاءِ والرّاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا.
وقَرَأ اليَمانِيُّ ( وحُرِّمَ ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ في الأزَلِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ فِيما لا يَزالُ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ (أهْلَكْتُها ) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في تَأْوِيلِ اسْمٍ مَرْفُوعٍ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ (حَرامٌ ) قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ويَجِبُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُهُ لِما تَقَرَّرَ في النَّحْوِ مِن أنَّ الخَبَرَ عَنْ أنْ يَجِبَ تَقْدِيمُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (حَرامٌ ) مُبْتَدَأً و(أنَّهم ) فاعِلٌ لَهُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلى نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ الِاعْتِمادُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ كَما هو المَشْهُورُ.
وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ رَفْعَ الوَصْفِ الواقِعِ مُبْتَدَأً لِمُكْتَفًى بِهِ عَنِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ جائِزٌ بِلا خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في الِاسْتِحْسانِ وعَدَمِهِ فَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: هو لَيْسَ بِحَسَنٍ والأخْفَشُ يَقُولُ: هو حَسَنٌ وكَذا الكُوفِيُّونَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ وما في أنَّ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ في ( حَرامٌ ) لا في المَنفِيِّ أيْ مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقَّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْهُ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ إبْطالُ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ وأنَّهُ يُجْزى عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ أبُو عُتْبَةَ: المَعْنى ومُمْتَنِعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ رُجُوعُهم إلَيْنا أيْ تَوْبَتُهم عَلى أنَّ (لا ) سَيْفٌ خَطِيبٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعْرافَ: 12] في قَوْلٍ، وقِيلَ ﴿حَرامٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٌ كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرٍ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا﴾ [الأنْعامَ: 151] إلَخْ فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجِبٌ، وعَلى هَذا قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ لا يَتُوبُونَ عَنِ الشِّرْكِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ بِأهْلَكْناها أوْجَدْنا إهْلاكَها بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالهَلاكِ الهَلاكُ الحِسِّيُّ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَدَمُ التَّوْبَةِ أنْ يُرادَ بِهِ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ بِالكُفْرِ والمَعاصِي. وقُرِئَ (إنَّهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَها فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ وهو ما ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَماهم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يُمْتَنَعُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ. والزَّجّاجُ قَدَّرَ المُبْتَدَأ في ذَلِكَ أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم فَقالَ: المَعْنى وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِهَلاكِها أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ
صفحة 92
ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ
الأنبياء 21:96
و ( حَتّى ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ والكَلامُ بَعْدَها غايَةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْنا ويَقُولُونَ يا ويْلَنا إلَخْ أوْ غايَةٌ لِلْحُرْمَةِ أيْ يَسْتَمِرُّ امْتِناعُ رُجُوعِهِمْ إلى التَّوْبَةِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْها وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الرُّجُوعُ أوْ غايَةٌ لِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ أيْ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ عَنْهُ وهو حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، وهَذا بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والتَّوْزِيعُ غَيْرُ خَفِيٍّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( تَقَطَّعُوا ) إلَخْ قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ بُعْدٌ مِن كَثْرَةِ الفَصْلِ لَكِنَّهُ مِن جِهَةِ المَعْنى جَيِّدٌ، وحاصِلُهُ أنَّهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ غَيْرَ مُجْتَمِعِينَ عَلى دِينِ الحَقِّ إلى قُرْبِ مَجِيءِ السّاعَةِ فَإذا جاءَتِ السّاعَةُ انْقَطَعَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ وعَلِمَ الجَمِيعُ أنَّ مَوْلاهُمُ الحَقَّ وأنَّ الدِّينَ المُنَجِّيَ كانَ دِينَ التَّوْحِيدِ، ونِسْبَةُ الفَتْحِ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مَجازٌ وهي حَقِيقَةٌ إلى السَّدِّ أوِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهو السَّدُّ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( فَتَّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وهُمْ﴾ أيْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وقِيلَ النّاسُ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ أيْ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ كَجَبَلٍ وأكْمَةَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (جَدَثٍ ) بِالجِيمِ والثّاءِ المُثَلَّثَةِ وهو القَبْرُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى النّاسِ، وقُرِئَ بِالجِيمِ والفاءِ وهي بَدَلُ الثّاءِ عِنْدَ تَمِيمٍ ولا يَخْتَصُّ إبْدالُها عِنْدَهم في آخِرِ الكَلِمَةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ مَغْثُورٌ مَكانَ مَغْفُورٌ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، وأصْلُ النَّسَلانِ بِفَتْحَتَيْنِ مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، وقِيلَ ويَخْتَصُّ وضْعًا بِالذِّئابِ وعَلَيْهِ يَكُونُ مَجازًا هُنا. وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ وأبُو السِّمالِ بِضَمِّ السِّينِ
الأنبياء 21:97
﴿واقْتَرَبَ﴾ أيْ قَرُبَ، وقِيلَ هو أبْلَغُ في القُرْبِ مِن قَرُبَ ﴿الوَعْدُ الحَقُّ﴾ وهو ما بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ لا النَّفْخَةِ الأُولى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾ ثُمَّ إنَّ هَذا الفَتْحَ في زَمَنِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ وبَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ عِنْدَ بابِ لَدِّ الشَّرْقِيِّ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهَ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُوحِي إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ يَقْتُلَ الدَّجّالَ أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا مِن عِبادِي لا يُدانُ لَكَ بِقِتالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبادِيَ إلى الطَّوْرِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهم كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فَيَرْغَبُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ نَغْفًا في رِقابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتًى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَيَهْبِطُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأعْناقِ البَخْتِ فَتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَطَرًا لا يَكُنْ مِنهُ نَبْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتّى يَتْرُكَها زُلْفَةً ويُقالُ لِلْأرْضِ انْبُتِي ثَمَرَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ يَأْكُلُ النَّفَرُ مِنَ الرِّمايَةِ ويَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِها ويُبارَكُ في الرُّسُلِ حَتّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ تَكْفِي الفَخْذَ والشّاةَ مِنَ الغَنَمِ تَكْفِي البَيْتَ فَبَيْنَما هم عَلى ذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا طَيِّبَةً تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُسْلِمٍ ويَبْقى شِرارُ النّاسِ يَتَهارَجُونَ تَهارُجَ الحُمُرِ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ»» وجاءَ مِن حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ ««إنَّ السّاعَةَ بَعْدَ أنْ يَهْلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ كالحامِلِ المُتِمِّ لا يَدْرِي أهْلُها حَتّى تَفْجَأُهم بِوِلادِها لَيْلًا أوْ نَهارًا»» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ
صفحة 93
النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَوْ نَتَجَتْ فَرَسٌ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ ما رُكِبَ فَلُوُّها حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» وهَذا مُبالَغَةٌ في القُرْبِ كالخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ.
﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ وهي تَسُدُّ مَسَدَّ الفاءِ الجَزائِيَّةِ في الرَّبْطِ ولَيْسَتْ عِوَضًا عَنْها فَمَتى كانْتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الواقِعَةُ جَزاءً مُقْتَرِنَةً بِها لَمْ تَحْتَجْ إلى الفاءِ نَحْوُ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الرُّومَ: 36] وإذا جِيءَ بِهِما مَعًا كَما هُنا يَتَقَوّى الرَّبْطُ، والضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ والشَّأْنِ وهو مُبْتَدَأٌ و( شاخِصَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( أبْصارُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( شاخِصَةٌ ) الخَبَرَ و(أبْصارُ ) مَرْفُوعًا بِهِ لِأنَّ خَبَرَ الضَّمِيرِ الشَّأْنِ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْأيْها، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ كَوْنَهُ مُفْرَدًا فَيَجُوزُ ما ذُكِرَ عِنْدَهُ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ ( هي ) ضَمِيرُ الأبْصارِ فَهو ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما في حَيِّزِ خَبَرِهِ وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً في مِثْلِ ذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ. وغَيْرِهِ كَما في ضَمِيرِ الشَّأْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: هو الجِدُّ حَتّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها بَلْ نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ مَتى دَلَّ الكَلامُ عَلى المَرْجِعِ وذُكِرَ بَعْدَهُ ما يُفَسِّرُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ خَبَرِهِ لا يَضُرُّ تَقَدُّمُهُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
فَلا وأبِيها لا تَقُولُ خَلِيلَتِي ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبٍ
ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ ( هي ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وعِمادٍ يَصْلُحُ مَوْضِعَهُ هو وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما ها هُنا رَأْسُ
وهَذا لا يَتَمَشّى إلّا عَلى أحَدِ قَوْلَيِ الكِسائِيِّ مِن إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الفَصْلِ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وقَوْلِ مَن أجازَ كَوْنَهُ قَبْلَ خَبَرِ نَكِرَةٍ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيْ فَإذا هي أيِ السّاعَةُ حاصِلَةٌ أوْ بارِزَةٌ أوْ واقِعَةٌ ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ ﴿شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ مُتَنافِرُ التَّرْكِيبِ، وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ ( اقْتَرَبَ ) والواوُ سَيْفُ خَطِيبٍ. ونُقِلَ ذَلِكَ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الفَرّاءِ. ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ زِيادَةَ الواوِ وأنَّ الجَوابَ عِنْدَهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا﴾ أيِ القَوْلُ المُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ قالُوا يا ويْلَنا، ومَن جَعَلَ الجَوابَ ما تَقَدَّمَ قَدَّرَ القَوْلَ ها هُنا أيْضًا وجَعَلَهُ حالًا مِنَ المَوْصُولِ يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ (يا ويْلَنا ) وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ يَقُولُونَ يا ويْلَنا اسْتِئْنافًا، وشُخُوصُ الأبْصارِ رَفْعُ أجْفانِها إلى فَوْقٍ مِن دُونَ أنْ تَطْرِفَ وذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وأرادُوا مِن نِداءِ الوَيْلِ التَّحَسُّرَ وكَأنَّهم قالُوا: يا ولِيَّنا تَعالَ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ ﴿قَدْ كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ تامَّةٍ ( مِن ) هَذا الَّذِي دَهَمَنا مِنَ البَعْثِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَزاءِ، وقِيلَ: مِن هَذا اليَوْمِ ولَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ حَقٌّ ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ إضْرابٌ عَنْ وصْفِ أنْفُسِهِمْ بِالغَفْلَةِ أيْ لَمْ نَكُنْ في غَفْلَةٍ مِنهُ حَيْثُ نَبَّهَنا عَلَيْهِ بِالآياتِ والنُّذُرِ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ بِتَرْكِ الآياتِ والنُّذُرِ مُكَذِّبِينَ بِها أوْ ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِالتَّكْذِيبِ.
الأنبياء 21:98
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وتَصْرِيحٌ بِمَآلِ أمْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ مُبالَغَةً في الإنْذارِ وإزاحَةِ الأعْذارِ، فَما عِبارَةُ عَنْ أصْنامِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما عَلى بابِهِ لِأنَّها عَلى المَشْهُورِ لِما لا يَعْقِلُ فَلا يَرِدُ أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ
صفحة 94
عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الحُكْمَ لا يَشْمَلُهم وشاعَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبْعَرِيِّ القُرَشِيَّ اعْتَرَضَ بِذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا غُلامُ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ لِأنِّي قُلْتُ ( وما تَعْبُدُونَ ) وما لِما لَمْ يَعْقِلْ ولَمْ أقُلْ ومَن تَعْبُدُونَ»» .
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ بِأنَّهُ أشْهَرُ عَلى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ العَجَمِ وفي كُتُبِهِمْ وهو لا أصْلَ لَهُ ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ مُسْنَدًا ولا غَيْرَ مُسْنَدٍ والوَضْعُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ والعَجَبُ مِمَّنْ نَقَلَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ انْتَهى، ويُشَكَّلُ عَلى ما قُلْنا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ إلَخْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا: أتَشْتُمُ آلِهَتَنا فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: أنا أخْصِمُ لَكم مُحَمَّدًا ادْعُوهُ لِي فَدُعِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً أمْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ» . يَعْنِي الكَعْبَةَ. ألَسْتَ تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ المَلائِكَةَ صالِحُونَ ؟ قالَ: بَلى قالَ: فَهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ وفَرِحُوا فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلَخْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزُّخْرُفَ: 57] إلَخْ، وجاءَ في رِواياتٍ أُخَرَ ما يُعَضِّدُهُ فَإنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ أنَّ ما هُنا شامِلٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّمُولَ لِلْعُقَلاءِ الَّذِي ادَّعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِجامِعِ الشَّرِكَةِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا أشارَ ﷺ إلى عُمُومِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ اعْتَرَضَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ بِما اعْتَرَضَ وتَوَهَّمَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ الغَرَضَ فَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ، وحاصِلُهُ تَخْصِيصُ العُمُومِ المَفْهُومِ مِن دَلالَةِ النَّصِّ بِما سِوى الصُّلَحاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَيَبْقى الشَّياطِينُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ داخِلِينَ في الحُكْمِ بِحُكْمِ دَلالَةِ النَّصِّ فَيُفِيدُ النَّصُّ بَعْدَ هَذا التَّخْصِيصَ عِبارَةَ ودَلالَةَ حُكْمِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ ويَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ما تَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في التَّلْوِيحِ ودَلِيلُ ذَلِكَ النَّصُّ والإطْلاقُ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [اللَّيْلَ: 3] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشَّمْسَ: 5] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافِرُونَ: 3] وأمّا الإطْلاقُ فَمِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ ما قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنى الَّذِي بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ والَّذِي يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى مَن يَعْقِلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمُ الَّذِي جاءَ زَيْدٌ فَما كَذَلِكَ، الثّانِي أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ما في دارِي مِنَ العَبِيدِ أحْرارٌ، وأمّا المَعْنى فَمِن وجْهَيْنِ أيْضًا، الأوَّلُ أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما جاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضُوا بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهم مِن فُصَحاءِ العَرَبِ فَلَوْ لَمْ يَفْهَمُوا العُمُومَ لَما اعْتَرَضُوا، الثّانِي أنَّ ما لَوْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِغَيْرِ العالِمِ لَما احْتِيجَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحَيْثُ كانَتْ بِعُمُومِها مُتَناوِلَةً لَهُ عَزَّ وجَلَّ احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ شامِلَةً عِبادَةً لِأُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ الجَوابُ الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ جَوابًا بِالتَّخْصِيصِ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ بِجَوازِ تَخْصِيصِ العامِّ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النُّصُوصِ والإطْلاقاتِ فَغايَتُهُ جَوازُ إطْلاقِ ما عَلى مَن يَعْلَمُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ
صفحة 95
أنْ تَكُونَ ظاهِرَةً فِيهِ أوْ فِيما يَعُمُّهُ بَلْ هي ظاهِرَةٌ في غَيْرِ العالِمِ لا سِيَّما هُنا لِأنَّ الخِطابَ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وإذا كانَتْ ظاهِرَةً فِيما لا يَعْقِلُ وجَبَ تَنْزِيلُها عَلَيْهِ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ في المَعْنى فَلَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ المُعْتَرِضِينَ إنَّما اعْتَرَضُوا لِفَهْمِهِمُ العُمُومَ مِن ما وضْعًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَهْمِهِمْ إيّاهُ مِن دَلالَةِ النَّصِّ كَما مَرَّ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الثّانِي مِن عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) فَإنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ، وفائِدَتُهُ مَعَ التَّأْكِيدِ تَقْبِيحُ ما كانُوا عَلَيْهِ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ ما حَقِيقَةٌ فِيمَن يَعْقِلُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ بَيانَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْآيَةِ فَإنَّ دَلِيلَ العَقْلِ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ خِلافًا لِطائِفَةٍ شاذَّةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلى امْتِناعِ تَعْذِيبٍ أحَدٍ بِجُرْمٍ صادِرٍ مِن غَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ راضِيًا بِجُرْمِ ذَلِكَ الغَيْرِ، وأحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ رِضا المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَةِ مَن عَبَدَهم وما مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَلا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُقارَنَتِهِ لِلْآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ فَإنَّما ورَدَ تَأْكِيدًا بِضَمِّ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ أصْلِهِ أمّا أنْ يَكُونَ هو المُسْتَقِلُّ بِالبَيانِ فَلا، وعَدَمُ تَعَرُّضِهِ ﷺ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَآهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ فاعْتَرَضُوا بِما اعْتَرَضُوا مَعَ ظُهُورِهِ انْتَظَرَ ما يُقَوِّيهِ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ أوْ لِأنَّ الوَحْيَ سَبَقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم تَعَنَّتُوا بِنَوْعٍ مِنَ المَجازِ فَنَزَلَ ما يَدْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا خَبَرٌ لا تَكْلِيفَ فِيهِ والِاخْتِلافُ في جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ تَكْلِيفٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ: لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ الشّافِعِيِّ في قَصْرِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما يَتَناوَلُهُ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ إنَّما الخِلافُ في أنَّهُ تَخْصِيصٌ حَتّى يَصِيرَ العامُّ بِهِ ظَنِّيًّا في الباقِي أوْ نُسِخَ حَتّى يَبْقى عَلى ما كانَ فَلا وجْهَ لِلِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الثّابِتَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّمامِ قَصْرُ العامِّ بِالمُتَراخِي والخِلافُ فِيما وراءَهُ والدَّلِيلُ قاصِرٌ عَنْ بَيانِهِ ولا لِلْجَوابِ بِأنَّ تَعْبُدُونَ لا يَتَناوَلُ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا لِأنَّ ما لِغَيْرِ العُقَلاءِ لِما أنَّهُ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بَلْ لِأنَّهم ما عُبِدُوا حَقِيقَةً عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ ﷺ حِينَ قالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ بِقَوْلِهِ ﷺ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ الآيَةَ لِدَفْعِ ذَهابِ الوَهْمِ إلى التَّناوُلِ لَهم نَظَرًا إلى الظّاهِرِ.
وجَوابُهُ ﷺ بِذَلِكَ مِمّا رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآيَةَ، وعَلى وفْقِ هَذا ورَدَ جَوابُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأ: 4، 41] والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ والرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ ﷺ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ لِابْنِ الزِّبْعَرِيِّ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ وقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ إلَخْ ذَكَرَ عَدَمَ تَناوُلِها المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُشارِكُوا الأصْنامَ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ أمْرِهِمْ ولا رِضاهم بِما كانَ الكَفَرَةُ يَفْعَلُونَ، ولَعَلَّ فِيهِ رَمْزًا خَفِيًّا إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ تَأْكِيدًا لِعَدَمِ التَّناوُلِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ إنْ صَحَّتْ تَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ الأصْنامُ مَعْبُودَةً أيْضًا لِأنَّها لَمْ تَأْمُرْهم بِالعِبادَةِ فَلا تَكُونُ ما مُطْلَقَةً عَلَيْها بَلْ عَلى الشَّياطِينِ بِناءً عَلى أنَّها هي الآمِرَةُ الرّاضِيَةُ بِذَلِكَ فَهي مَعْبُوداتُهم، ولِذا قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مَرْيَمَ: 44] مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ظاهِرًا.
صفحة 96
ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ لِذَوِي العُقُولِ أنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرى الجَماداتِ لِكُفْرِها، وفي قَوْلِهِ ﷺ الَّتِي أمَرَتْهم دُونَ الَّذِينَ أمَرُوهم إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ في عَدَمِ تَناوُلِ الآيَةِ الأصْنامَ هُنا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لَمْ تَثْبُتْ، ولِمَوْلانا أبِي السُّعُودِ كَلامٌ مَبْناهُ خَبَرُ أنَّهُ ﷺ رَدَّ عَلى ابْنِ الزِّبَعْرَيِّ بِقَوْلِهِ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إلَخْ، وقَدْ عَلِمْتَ ما قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ وهو وأمْثالُهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ في أمْثالِ ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِذِكْرِهِ في أحْكامِ الآمِدِيِّ وشَرْحِ المَواقِفِ وفُصُولِ البَدائِعِ لِلْفَنارَيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً فَماءٌ ولا كَصِداءٍ ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ. وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ العُمُومَ بِدَلالَةِ النَّصِّ والتَّخْصِيصَ بِما نَزَلَ بَعْدَ حَدِيثِ الخِلافِ في التَّخْصِيصِ بِالمُسْتَقِلِّ المُتَراخِي ويُعْلَمُ الجَوابُ عَنْهُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ هُنا زِيادَةً عَلى ذَلِكَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ العامِ المُخْتَلَفِ فِيهِ لِأنَّ العامَ هُناكَ هو اللَّفْظُ الواحِدُ الدّالُّ عَلى مُسَمَّيَيْنِ فَصاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا وهو ظاهِرٌ فِيما فِيهِ الدَّلالَةُ عِبارَةً والعُمُومُ هُنا إنَّما فُهِمَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ المانِعَ مِنَ التَّأْخِيرِ ظاهِرٌ في عَدَمِ الفَرْقِ فَتَدَبَّرْ فالمَقامُ حَرِيٌّ بِهِ، والحَصَبُ ما يُرْمى بِهِ وتُهَيَّجُ بِهِ النّارُ مِن حَصَبَهُ إذا رَماهُ بِالحَصْباءِ وهي صِغارُ الحِجارَةِ فَهو خاصٌّ وضْعًا عامٌّ اسْتِعْمالًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحَطَبُ بِالزِّنْجِيَّةِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيُّ وعائِشَةُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (حَطَبُ ) بِالطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي السَّمَيْقَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ومَحْبُوبٌ وأبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ بَشِيرٍ (حَصْبُ ) بِإسْكانِ الصّادِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ، وجاءَ عَنْهُ أيْضًا إسْكانُها وبِهِ قَرَأ كُثَيِّرُ عَزَّةَ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ وهو مَعْنى الحَصَبِ بِالصّادِ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وتُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ في حُكْمِ النَّتِيجَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن ( جَهَنَّمَ ) وهو كَما تَرى، واللّامُ مُعَوَّضَةٌ مِن عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ وُرُودَهم لِأجْلِها وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعَدّى الوُرُودَ إلى ذَلِكَ بِعَلى كَما أشارَ إلَيْهِ في القامُوسِ بِتَفْسِيرِهِ بِالإشْرافِ عَلى الماءِ وهو في الِاسْتِعْمالِ كَثِيرٌ وإلّا فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَدُوها﴾ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ لِكَوْنِ المَعْمُولِ مُقَدَّمًا والعامِلُ فَرْعِيٌّ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزَّلْزَلَةَ: 5] ولَيْسَ بِذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ الوُرُودَ هُنا وُرُودُ دُخُولٍ والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ وما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا
الأنبياء 21:99
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ كَما تَزْعُمُونَ أيُّها العابِدُونَ إيّاها ما ﴿ورَدُوها﴾ وحَيْثُ تَبَيَّنَ وُرُودُهم إيّاها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ إنَّهم حَصَبُ جَهَنَّمَ امْتَنَعَ كَوْنُهم آلِهَةً بِالضَّرُورَةِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ مِمّا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لا الشَّياطِينَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إثْباتُ نَقِيضِ ما يَدَّعُونَهُ وهم يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ لا إلَهِيَّتَها حَتّى يُحْتَجَّ بِوُرُودِها النّارَ عَلى عَدَمِها، نَعَمِ الشَّياطِينُ الَّتِي تُعْبَدُ داخِلَةٌ في حُكْمِ النَّصِّ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ فَلا تَغْفُلْ.
﴿وكُلٌّ﴾ مِنَ العَبَدَةِ والمَعْبُودِينَ ﴿فِيها خالِدُونَ﴾ باقُونَ إلى الأبَدِ
الأنبياء 21:100
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ هو صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ يَخْرُجُ مِن أقْصى الجَوْفِ، وأصْلُ الزَّفْرِ كَما قالَ الرّاغِبُ: تَرْدِيدُ النَّفَسِ حَتّى تَنْتَفِخَ مِنهُ الضُّلُوعُ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ( لَهم ) لِلْكُلِّ أعْنِي العَبَدَةَ والمَعْبُودِينَ، وفِيهِ تَغْلِيبُ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأصْنامِ حَيْثُ
صفحة 97
جِيءَ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ راجِعًا إلى الكُلِّ، ويَجْرِي ذَلِكَ في ( خالِدُونَ ) أيْضًا، وكَذا غُلِّبَ مَن يَتَأتّى مِنهُ الزَّفِيرُ مِمَّنْ فِيهِ حَياةٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ أيْضًا حَيْثُ نُسِبَ الزَّفِيرُ لِلْجَمِيعِ، وجُوِّزَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى لِلْأصْنامِ الَّتِي عُبِدَتْ حَياةً فَيَكُونُ حالُها حالَ مَن مَعَها ولَها ما لَهم فَلا تَغْلِيبَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُخاطَبِينَ في ( إنَّكم ) خاصَّةً عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالتَّغْلِيبِ أصْلًا. ورُدَّ بِأنَّهُ يُوجِبُ تَنافُرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ كَيْفَ يَجْمَعُ بَيْنَهم تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ فَلَوْ خَصَّ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ لَزِمَ التَّفْكِيكُ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وفَظاعَةِ العَذابِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ لَوْ نُودِيَ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ زَفِيرِهِمْ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم مِنَ الكَلامِ إذْ لا يُكَلَّمُونَ إلّا بِما يَكْرَهُونَ، وقِيلَ: إنَّهم يُبْتَلَوْنَ بِالصَّمَمِ حَقِيقَةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءَ: 97] وهو كَما تَرى، وذُكِرَ في حِكْمَةِ إدْخالِ المُشْرِكِينَ النّارَ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها زِيادَةُ غَمِّهِمْ بِرُؤْيَتِهِمْ إيّاها مُعَذَّبَةً مِثْلَهم وقَدْ كانُوا يَرْجُونَ شَفاعَتَها، وقِيلَ: زِيادَةُ غَمِّهِمْ بِرُؤْيَتِها مَعَهم وهي السَّبَبُ في عَذابِهِمْ فَقَدْ قِيلَ:
واحْتِمالُ الأذى ورُؤْيَةُ جانِي ـهِ غِذاءٌ تُضْنى بِهِ الأجْسامُ
وظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ نِهايَةَ المُخَلَّدِينَ أنْ لا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا فَقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ فِيها مَسامِيرُ مِن حَدِيدٍ ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ ثُمَّ قُذِفُوا في أسْفَلِ الجَحِيمِ فَما يَرى أحَدُهم أنَّهُ يُعَذَّبُ في النّارِ غَيْرُهُ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ ومِنهُ يُعْلَمُ قَوْلٌ آخَرُ في (لا يَسْمَعُونَ ) واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأنبياء 21:101
﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ في الحُسْنِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والمُرادُ مِن سَبَقَ ذَلِكَ تَقْدِيرُهُ في الأزَلِ، وقِيلَ: الحُسْنى الكَلِمَةُ الحُسْنى وهي المُتَضَمِّنَةُ لِلْبِشارَةِ بِثَوابِهِمْ وشُكْرِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ مِن سَبَقَ ذَلِكَ تَقَدُّمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 94] وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُخَصِّصُ، وما ذُكِرَ في بَعْضِ الآثارِ مِن تَفْسِيرِهِ بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ حَيْثُ إنَّهُ السَّبَبُ في النُّزُولِ. ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَ المَوْصُولَ بِعُثْمانَ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: أنا مِنهم وعُمَرُ مِنهم وعُثْمانُ مِنهم والزُّبَيْرُ مِنهم وطَلْحَةُ مِنهم وسَعْدُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنهم كَذا رَأيْتُهُ في الدُّرِّ المَنثُورِ، ورَأيْتُ في غَيْرِهِ عَدَّ العَشْرَةَ المُبَشَّرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والجُدْرانُ مُتَعَلِّقانِ بِسَبَقَتْ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في الثّانِي كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ ووَقَعَ حالًا مِنَ ( الحُسْنى ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ
صفحة 98
والفَضْلِ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النَّعْتِ ﴿عَنْها﴾ أيْ عَنْ جَهَنَّمَ ﴿مُبْعَدُونَ﴾ لِأنَّهم في الجَنَّةِ وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ النّارِ.
الأنبياء 21:102
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أيْ صَوْتَها الَّذِي يُحَسُّ مِن حَرَكَتِها، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن (مُبْعَدُونَ )، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، وأنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُها مُؤَكِّدَةً لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن بُعْدِهِمْ عَنْها، وقِيلَ إنَّ الإبْعادَ يَكُونُ بَعْدَ القُرْبِ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أوْرَدَها أوَّلًا، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ التَّأذِّي بِها دُفِعَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( لا يَسْمَعُونَ ) فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ لِدَفْعِ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ عَدَمُ سَماعِ الحَسِيسِ قَبْلَ الدُّخُولِ إلى الجَنَّةِ، ومَن قالَ بِهِ قالَ: إنَّ ذَلِكَ حِينَ المُرُورِ عَلى الصِّراطِ وذَلِكَ لِأنَّهم عَلى ما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهي خامِدَةٌ لا حَرَكَةَ لَها حَتّى أنَّهم يَظُنُّونَ وهم في الجَنَّةِ أنَّهم لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها، وقِيلَ لا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ لِسُرْعَةِ مُرُورِهِمْ وهو ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أُولَئِكَ أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ مَرًّا هو أسْرَعُ مِنَ البَرْقِ فَلا تُصِيبُهم ولا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ويَبْقى الكُفّارُ جِثِيًّا، لَكِنْ جاءَ في خَبَرٍ آخَرَ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا وابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ في ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ إلَخْ لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنازِلَهم في الجَنَّةِ، وقِيلَ إنَّ الإبْعادَ عَنْها قَبْلَ الدُّخُولِ إلى الجَنَّةِ أيْضًا، والمُرادُ بِذَلِكَ حِفْظُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَنِ الوُقُوعِ فِيها كَما يُقالُ أبْعَدَ اللَّهُ تَعالى فُلانًا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ، والأظْهَرُ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وذَلِكَ بَيانٌ لِخَلاصِهِمْ عَنِ المَهالِكِ والمَعاطِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ بَيانٌ بِفَوْزِهِمْ بِالمَطالِبِ بَعْدَ ذَلِكَ الخَلاصِ، والمُرادُ أنَّهم دائِمُونَ في غايَةِ التَّنَعُّمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ والِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفَواصِلِ.
الأنبياء 21:103
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ بَيانٌ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الإفْزاعِ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ لِأنَّهم إذا لَمْ يُحْزِنْهم أكْبَرُ الإفْزاعِ لَمْ يُحْزِنْهم ما عَداهُ بِالضَّرُورَةِ كَذا قِيلَ، ولْيُلاحَظْ ذَلِكَ مَعَ ما جاءَ في الأخْبارِ أنَّ النّارَ تَزْفِرُ في المَوْقِفِ زَفْرَةً لا يَبْقى نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ فَإنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي عَدَمَ الحُزْنِ فَلا إشْكالَ وإذا قُلْنا: إنَّهُ يُنافِي فَهو مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ زَمانِهِ وسُرْعَةِ الأمْنِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَزَلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ فَتَأمَّلْ، والفَزَعُ كَما قالَ الرّاغِبُ انْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ وهو مِن جِنْسِ الجَزَعِ ويُطْلَقُ عَلى الذَّهابِ بِسُرْعَةٍ لِما يَهُولُ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا الفَزَعِ فَعَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ حِينَ انْصِرافِ أهْلِ النّارِ إلى النّارِ.
ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ الفَزَعَ الأكْبَرَ بِنَفْسِ هَذا الِانْصِرافِ فَيَكُونُ الفَزَعُ بِمَعْنى الذَّهابِ المُتَقَدِّمِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ حِينَ وُقُوعِ طَبْقِ جَهَنَّمَ عَلَيْها وغَلْقِها عَلى مَن فِيها، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ حِينَ يُنادى أهْلُ النّارِ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وقِيلَ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ، وقِيلَ حِينَ النَّفْخَةِ الأخِيرَةِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها النَّفْخَةُ لِلْقِيامِ مِنَ القُبُورِ لِرَبِّ العالَمِينَ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم بِالرَّحْمَةِ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، وقِيلَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ قائِلِينَ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا مَجِيئَهُ وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ لَكم مِنَ المَثُوباتِ عَلى الإيمانِ
صفحة 99
والطّاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا قُرَناءَهم في الدُّنْيا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُونَ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ تَتَلَقّاهم عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ بِالهَدايا أوْ بِالسَّلامِ، والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ وهو كالقَرِينَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ الحُزْنِ حِينَ النَّفْخَةِ الأخِيرَةِ، وظاهِرُ أكْثَرِ الجُمَلِ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ المَلائِكَةِ في المَوْصُولِ السّابِقِ بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: (وتَتَلَقّاهم ) إلَخْ نَصٌّ في ذَلِكَ فَلَعَلَّ الإسْنادَ في ذَلِكَ عِنْدَ مَن أدْرَجَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عُمُومِ المَوْصُولِ لِسَبَبِ النُّزُولِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ أوْ يُقالُ: إنَّ اسْتِثْناءَهم مِنَ العُمُومِ السّابِقِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ كَما أنَّ دُخُولَهم فِيما قَبْلُ كانَ كَذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ (لا يُحْزِنُهم ) مُضارِعُ أحْزَنَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وحَزِنَ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
الأنبياء 21:104
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِلا يُحْزِنُهم، وقِيلَ لِلْفَزَعِ، والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا في العَمَلِ لا سِيَّما وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ إلّا أنَّ الظَّرْفَ مَحَلُّ التَّوَسُّعِ قالَهُ في الكَشْفِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ عَلى الصَّحِيحِ وإنْ كانَ الظَّرْفُ قَدْ يُتَوَسَّعُ فِيهِ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِتَتَلَقّاهم، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِن ﴿تُوعَدُونَ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ وتُوُهِّمَ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ذَلِكَ العائِدِ لِأنَّ يَوْمَ الطَّيِّ بَعْدَ الوَعْدِ.
وقَرَأ شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ وجَماعَةٌ (يَطْوِي ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأُخْرى بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعُ (السَّماءُ ) عَلى النِّيابَةِ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ الإفْناءُ والإزالَةُ مِن قَوْلِكَ: اطْوِ عَنِّي هَذا الحَدِيثَ، وأنْكَرَ ابْنُ القَيِّمِ إفْناءَ السَّماءِ وإعْدامَها إعْدامًا صِرْفًا وادَّعى أنَّ النُّصُوصَ إنَّما تَدُلُّ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها مِن حالٍ إلى حال، ويُبْعِدُ القَوْلَ بِالإفْناءِ ظاهِرُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ وهو الصَّحِيفَةُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ ونَسَبَهُ في مَجْمَعِ البَيانِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ أيْضًا، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِصَحِيفَةِ العَهْدِ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ حَجَرٌ يُكْتَبُ فِيهِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ ما يُكْتَبُ فِيهِ مِن قِرْطاسٍ وغَيْرِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ طَيًّا كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وصاحِبُهُ أبُو زَرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ (السُّجُلِّ ) بِضَمَّتَيْنِ وشَدِّ اللّامِ، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأبُو السَّمالِ ( السَّجْلِ ) بِفَتْحِ السِّينِ، والحَسَنُ وعِيسى بِكَسْرِها والجِيمُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ ساكِنَةٌ واللّامُ مُخَفَّفَةٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍ: وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ كالحَسَنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ﴿السِّجِلِّ﴾ أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ أوِ الكائِنِ لِلْكُتُبِ فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً، وقَرَأ الأعْمَشُ (لِلْكُتْبِ ) بِإسْكانِ التّاءِ، وقَرَأ الأكْثَرُ (لِلْكِتابِ ) بِالإفْرادِ وهو إمّا مَصْدَرٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اتِّخاذِهِ لَها ووَضْعِهِ مُسَوًّى مَطْوِيًّا حَتّى إذا احْتِيجَ إلى الكِتابَةِ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَسْوِيَتِهِ فَلا يَرُدُّ أنَّ المَعْهُودَ نَشْرُ الطُّومارِ لِلْكِتابَةِ لا طَيُّهُ لَها، وإمّا اسْمٌ كالإمامِ فاللّامُ كَما ذُكِرَ أوَّلًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ السِّجِلَّ اسْمُ مَلَكٍ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ مُوكَلٌ
صفحة 100
بِالصُّحُفِ فَإذا ماتَ الإنْسانُ وقَعَ كِتابُهُ إلَيْهِ فَطَواهُ ورَفَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واللّامُ عَلى هَذا قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَيِّ، وقِيلَ سَيْفُ خَطِيبٍ، وكَوْنُها بِمَعْنى عَلى كَما تَرى. واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ أقْوى ولا أشْهَرَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ أقْوى نَظَرًا لِما في أذْهانِ العامَّةِ مِن قُوَّةِ الطّاوِي وضَعْفِ المَطْوِيِّ وصِغَرِ حَجْمِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّماءِ أيْ نَظَرًا لِما في أذْهانِهِمْ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ فَتَأمَّلْ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ مِنهُمُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ، وضَعُفَ ذَلِكَ بَلْ قِيلَ إنَّهُ قَوْلٌ واهٍ جِدًّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْمُهُ السِّجِلُّ ولا حَسُنَ لِلتَّشْبِيهِ عَلَيْهِ أيْضًا، وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرَّجُلَ زادُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقالَ بَعْضُهم: يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايَةِ السّابِقَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى هَذا والأكْثَرُ عَلى ما قِيلَ عَلى تَفْسِيرِ السِّجِلِّ بِالصَّحِيفَةِ. واخْتُلِفَ في أنَّهُ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ فَذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ الأصَحُّ أنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، هَذا ثُمَّ إنَّ الآيَةَ نَصٌّ في دُثُورِ السَّماءِ وهو خِلافُ ما شاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ، نَعَمْ ذَكَرَ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في كِتابِهِ الأسْفارِ أنَّ مَذْهَبَ أساطِينِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ القَوْلُ بِالدُّثُورِ والقَوْلُ بِخِلافِ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُتَأخِّرِيهِمْ لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ وعَدَمِ صَفاءِ ضَمائِرِهِمْ، فَمِنَ الأساطِينِ أنْكِسِيمائِسُ المَلْطِيُّ قالَ: إنَّما ثَباتُ هَذا العالَمِ بِقَدْرِ ما فِيهِ مِن قَلِيلِ نُورِ ذَلِكَ العالَمِ وأرادَ بِهِ عالَمَ المُجَرَّداتِ المَحْضَةِ وإلّا لَما ثَبَتَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ويَبْقى ثَباتُهُ إلى أنْ يُصَفِّيَ جُزْؤُهُ المُمْتَزِجُ جُزْأها المُخْتَلِطَ فَإذا صُفِّيَ الجُزْءانِ عِنْدَ ذَلِكَ دُثِّرَتْ أجْزاءُ هَذا العالَمِ وفَسَدَتْ وبَقِيَتْ مُظْلِمَةً وبَقِيَتِ الأنْفُسُ الدَّنِسَةُ في هَذِهِ الظُّلْمَةِ لا نُورَ لَها ولا سُرُورَ ولا راحَةَ ولا سُكُونَ ولا سَلْوَةَ.
ومِنهم فِيثاغُورْسُ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ قُلْتَ بِإبْطالِ العالَمِ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ يَبْلُغُ العِلَّةَ الَّتِي مِن أجْلِها كانَ فَإذا بَلَغَها سَكَنَتْ حَرَكَتُهُ، ومِنهم أفْلاطُونُ حَكى الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ العامِرِيُّ أنَّهُ ذَكَرَ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ بِطِيماوُسَ أنَّ العالَمَ مُكَوَّنٌ وأنَّ البارِي تَعالى قَدْ صَرَفَهُ مِن لا نِظامَ إلى نِظامٍ وأنَّ جَواهِرَهُ كُلَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ وأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُعَرَّضٌ لِلِانْحِلالِ، نَعَمْ إنَّهُ قالَ في أسُولُوطِيقُوسَ أيْ تَدْبِيرُ البَدَنِ. إنَّ العالَمَ أبَدِيٌّ غَيْرُ مُكَوَّنٍ دائِمُ البَقاءِ وتَعَلَّقَ بِهَذا أبْرَقْلِسُ فَبَيْنَ كَلامَيْهِ تَنافٍ، قَدْ وفَّقَ بَيْنَهُما تِلْمِيذُهُ أرِسْطاطالِيسُ بِما فِيهِ نَظَرٌ، ولَعَلَّ الأوْفَقَ أنْ يُقالَ عَلى مَشْرَبِهِمْ: أرادَ بِالعالَمِ الأبَدِيِّ عالَمَ المُفارَقاتِ المَحْضَةِ، ومِنهم أرِسْطاطالِيسُ قالَ في كِتابِ أثُولُوجِيا إنَّ الأشْياءَ العَقْلِيَّةَ تَلْزَمُ الأشْياءَ الحِسِّيَّةَ والبارِي سُبْحانَهُ لا يَلْزَمُ الأشْياءَ الحِسِّيَّةَ والعَقْلِيَّةَ بَلْ هو سُبْحانَهُ مُمْسِكٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ غَيْرَ أنَّ الأشْياءَ العَقْلِيَّةَ هي آنِيّاتٌ حَقِّيَّةٌ لِأنَّها مُبْتَدَعَةٌ مِنَ العِلَّةِ الأُولى بِغَيْرِ وسَطٍ وأمّا الأشْياءُ الحِسِّيَّةُ فَهي آنِيّاتٌ دائِرَةٌ لِأنَّها رُسُومُ الآنِيّاتِ الحَقِّيَّةِ ومِثالُها وإنَّما قِوامُها ودَوامُها بِالكَوْنِ والتَّناسُلِ كَيْ تَدُومَ وتَبْقى تَشْبِيهًا بِالأشْياءِ العَقْلِيَّةِ الثّابِتَةِ الدّائِمَةِ، وقالَ في كِتابِ الرُّبُوبِيَّةِ: أبْدَعَ العَقْلُ صُورَةَ النَّفْسِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَرَّكَ تَشْبِيهًا بِالواحِدِ الحَقِّ وذَلِكَ أنَّ العَقْلَ أبْدَعَهُ الواحِدُ الحَقُّ وهو ساكِنٌ فَكَّكَ النَّفْسَ أبْدَعَها العَقْلُ وهو ساكِنٌ أيْضًا غَيْرَ أنَّ الواحِدَ الحَقَّ أبْدَعَ هُوِيَّةَ العَقْلِ وأبْدَعَ العَقْلُ صُورَةَ النَّفْسِ ولَمّا كانَتْ مَعْلُولَةً مِن مَعْلُولٍ لَمْ تَقْوَ أنْ تَفْعَلَ فِعْلَها بِغَيْرِ حَرَكَةٍ بَلْ فَعَلَتْهُ بِحَرَكَةٍ وأبْدَعَتْ صَنَمًا وإنَّما سُمِّيَ صَنَمًا لِأنَّهُ فِعْلٌ داثِرٌ غَيْرُ ثابِتٍ ولا باقٍ
صفحة 101
لِأنَّهُ كانَ بِحَرَكَةٍ والحَرَكَةُ لا تَأْتِي بِالشَّيْءِ الثّابِتِ الباقِي بَلْ إنَّما تَأْتِي بِالشَّيْءِ الدّاثِرِ وإلّا لَكانَ فِعْلُها أكْرَمُ مِنها وهو قَبِيحٌ جِدًّا، وسَألَهُ بَعْضُ الدَّهْرِيَّةِ إذا كانَ المُبْدِعُ لَمْ يَزَلْ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ ثُمَّ أحْدَثَ العالَمَ فَلِمَ أحْدَثَهُ ؟ فَقالَ: لِمَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلَيْهِ لِأنَّ لِمَ تَقْتَضِي عِلَّةً والعِلَّةُ مَحْمُولَةٌ فِيما هي عِلَّةٌ عَلَيْهِ مِن مُعِلٍّ فَوْقَهُ ولَيْسَ بِمُرَكَّبٍ يَتَحَمَّلُ ذاتُهُ العِلَلَ فَلِمَ عَنْهُ مَنفِيَّةٌ فَإنَّما فَعَلَ ما فَعَلَ لِأنَّهُ جَوادٌ فَقِيلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لَمْ يَزَلْ لِأنَّهُ جَوادٌ لَمْ يَزَلْ فَقالَ: مَعْنى لَمْ يَزَلْ لا أوَّلَ لَهُ وفِعْلُ فاعِلٍ يَقْتَضِي أوَّلًا واجْتِماعٌ يَكُونُ ما لا أوَّلَ لَهُ وذا أوَّلُ في القَوْلِ والذّاتِ مَحْضٌ مُتَناقِضٌ، فَقِيلَ: فَهَلْ يُبْطِلُ هَذا العالَمَ ؟ قالَ: نَعَمْ فَقِيلَ: فَإذا أبْطَلَهُ بَطَلَ الجُودُ فَقالَ: يُبْطِلُ لِيَصُوغَهُ الصِّيغَةَ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ الفَسادَ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَحْتَمِلُ الفَسادَ، ومِنهم فَرْفُورِيُوسُ واضِعُ إيساغُوجِي قالَ المُكَوِّناتُ كُلُّها إنَّما تَتَكَوَّنُ بِتَكَوُّنِ الصُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّغَيُّرِ وتَفْسَدُ بِخُلُوِّ الصُّورَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأقْوالِهِمْ.
وذِكْرُ جَمِيعِ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى المَلَلِ، ومَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلى الأسْفارِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ الصَّدْرِ، والحَقُّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ في كَلامِ مُتَقَدِّمِي الفَلاسِفَةِ كَثِيرًا مِمّا هو ظاهِرٌ في مُخالَفَةِ مَدْلُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ولا يَكادُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وهو مُقْتَضى أُصُولِهِمْ وما يَتَراءى مِنهُ المُوافَقَةَ فَإنَّما يَتَراءى مِنهُ المُوافَقَةَ في الجُمْلَةِ والتِزامُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في أمْرِ العالَمِ بِأسْرِهِ وما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في ذَلِكَ كالتِزامِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ بَلْ كالتِزامِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ.
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
هِيَ شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ ∗∗∗ وسُهَيْلُ إذا ما اسْتَقَلَّ يَمانِي
فَعَلَيْكَ بِما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ المُبِينُ أوْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ الأمِينِ ﷺ، وما عَلَيْكَ إذا خالَفْتَ الفَلاسِفَةَ فَأغْلَبُ ما جاؤُوا بِهِ جَهْلٌ وسَفَهٌ ولَعَمْرِي لَقَدْ ضَلَّ بِكَلامِهِمْ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وباضَ وفَرَّخَ في صُدُورِهِمُ الوَسْواسُ الخَنّاسُ، وهو جَعْجَعَةٌ بِلا طِحْنٍ وقَعْقَعَةٌ كَقَعْقَعَةِ شَنٍّ ولَوْلا الضَّرُورَةُ الَّتِي لا أُبْدِيها والعِلَّةُ الَّتِي عَزَّ مُداوِيها لَما أضَعْتُ في دَرْسِهِ وتَدْرِيسِهِ شَرْخَ شَبابِي ولَما ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنهُ خِلالَ سُطُورِ كِتابِي، هَذا وأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِلتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ الحَقِّ الوَثِيقِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ العَرْشَ لا يُطْوى كَما تُطْوى السَّماءُ فَإنْ كانَ هو المُحَدَّدَ كَما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن تَبِعَ آثارَهم فَعَدَمُ دُثُورِهِ بِخُصُوصِهِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الفَلاسِفَةِ الإسْكَنْدَرُ الإفْرُودِيسِي مِن كِبارِ أصْحابِ أرِسْطاطالِيسَ وإنْ خالَفَهُ في بَعْضِ المَسائِلِ ومَن حَمَلَ كَلامَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَسَّفَ وأتى بِما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا مُشْعِرٌ بِعَدَمِ طَيِّهِ لِلِاقْتِصارِ فِيها عَلى طَيِّ السَّماءِ. والشّائِعُ عَدَمُ إطْلاقِها عَلى العَرْشِ، ثُمَّ إنَّ الطَّيَّ لا يَخْتَصُّ بِسَماءٍ دُونَ سَماءٍ بَلْ تُطْوى جَمِيعُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمُرَ: 67] .
﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الكافَ جارَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرَ مَجْرُورٌ بِها والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ و(أوَّلَ ) مَفْعُولُ بَدَأْنا أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ إعادَةً مِثْلَ بَدْئِنا إيّاهُ أيْ في السُّهُولَةِ وعَدَمِ التَّعَذُّرِ وقِيلَ: أيْ في كَوْنِها إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ أوْ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ، ولا يَخْفى أنَّ في كَوْنِ الإعادَةِ إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ مُطْلَقًا بَحْثًا، نَعَمْ قالَ اللَّقانِيُّ: مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْدِمُ الذَّواتِ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعِيدُها وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِصِحَّةِ الفَناءِ عَلى الأجْسامِ بَلْ وُقُوعُهُ.
وقالَ البَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ والآمِدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. والقَوْلُ بِأنَّ الإعادَةَ عَنْ تَفْرِيقٍ مَحْضٍ قَوْلُ الأقَلِّ وحَكاهُ
صفحة 102
جَمْعٌ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لَكِنْ في المَواقِفِ وشَرْحُهُ هَلْ يَعْدِمُ اللَّهُ تَعالى الأجْزاءَ البَدَنِيَّةَ ثُمَّ يُعِيدُها أوْ يُفَرِّقُها ويُعِيدُ فِيها التَّآلُفَ ؟ الحَقُّ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ شَيْءٌ بِلا جَزْمٍ فِيهِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. وفي الِاقْتِصادِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ فَإنْ قِيلَ هَلْ تُعْدَمُ الجَواهِرُ والأعْراضُ ثُمَّ تُعادانِ جَمِيعًا أوْ تُعْدَمُ الأعْراضُ دُونَ الجَواهِرِ وتُعادُ الأعْراضُ ؟ قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ المُمْكِناتِ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الحَقُّ وُقُوعُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا إعادَةُ ما انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وإعادَةُ ما تَفَرَّقَ بِأعْراضِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ صَحَّتْ بِبَقاءِ عَجْبِ الذَّنَبِ مِنَ الإنْسانِ فَإعادَةُ الإنْسانِ لَيْسَتْ كَبَدْئِهِ، وكَذا رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أجْسادَ الأنْبِياءِ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَ ابْنِ العَرَبِيِّ، وقالَ غَيْرُهُ: صَحِيحٌ، وجاءَ نَحْوُ ذَلِكَ في المُؤَذِّنِينَ احْتِسابًا وحَدِيثُهم في الطَّبَرانِيِّ وفي حَمَلَةِ القُرْآنِ وحَدِيثُهم عِنْدَ ابْنِ مِندَدٍ، وفِيمَن لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ وحَدِيثُهم عَنِ المُرَوَّزِيِّ فَلا تَغْفُلْ، وكَذا في كَوْنِ البَدْءِ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ إنْ صَحَّ في المُرَكَّبِ مِنَ العَناصِرِ كالإنْسانِ لا يَصِحُّ في نَفْسِ العَناصِرِ مَثَلًا لِأنَّها لَمْ تُخْلَقْ أوَّلًا مِن أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ فَلَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ في وجْهِ الشَّبَهِ أبْعَدُ عَنِ القالِ والقِيلِ.
واعْتُرِضَ جَعْلُ ( أوَّلَ ) مَفْعُولَ بَدَأْنا بِأنَّ تَعَلُّقَ البُداءَةِ بِأوَّلِ الشَّيْءِ المَشْرُوعِ فِيهِ رَكِيكٌ لا يُقالُ بَدَأْتُ أوَّلَ كَذا وإنَّما يُقالُ بَدَأْتُ كَذا وذَلِكَ لِأنَّ بِدايَةَ الشَّيْءِ هي المَشْرُوعُ فِيهِ والمَشْرُوعُ يُلاقِي الأوَّلَ لا مَحالَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ تَكْرارًا.
ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ المُرادَ بَدَأْنا ما كانَ أوَّلًا سابِقًا في الوُجُودِ ولَيْسَ المُرادُ بِالأوَّلِ أوَّلَ الأجْزاءِ حَتّى يُتَوَهَّمَ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ نُعِيدُ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ﴿نُعِيدُهُ﴾ والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ بِذَلِكَ ويَكُونُ ﴿كَما بَدَأْنا﴾ جُمْلَةً مُنْقَطِعَةً عَنْ ذَلِكَ عَلى مَعْنى تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِثْلَ تَحَقُّقِهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى إعادَةٍ مِثْلَ البَدْءِ، ومَحَلُّ الكافِ في مِثْلِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا، والمَقامُ يَقْتَضِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّذْنِيبُ فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا داعِيَ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وتَنْكِيرُ ( خَلْقٍ ) لِإرادَةِ التَّفْصِيلِ وهو قائِمٌ مَقامَ الجَمْعِ في إفادَةِ تَناوُلِ الجَمِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ نُعِيدُ المَخْلُوقِينَ الأوَّلِينَ.
وجُوِّزَ أنْ تُنْصَبَ الكافُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿نُعِيدُهُ﴾ وما مَوْصُولَةٌ و( أوَّلَ ) ظَرْفٌ لَبَدَأْنا لِأنَّ المَوْصُولَ يَسْتَدْعِي عائِدًا فَإذا قُدِّرَ هُنا يَكُونُ مَفْعُولًا، ولِأوَّلَ قابِلِيَّةُ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فَيُنْصَبُ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ذَلِكَ العائِدِ، وحاصِلُ المَعْنى نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ في أوَّلِ خَلْقٍ أوْ كائِنًا أوَّلَ خَلْقٍ، والخَلْقُ عَلى الأوَّلِ مَصْدَرٌ وعَلى الثّانِي بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَوْصُوفَةً وباقِي الكَلامِ بِحالِهِ.
وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ نَصْبَ الكافِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِاسْمِيَّتِها ولَيْسَ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ سِواهُ أنَّ كَوْنَها اسْمًا مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ، وأوْرَدَ نَحْوَهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ في الوَجْهِ السّابِقِ، وإذا قِيلَ بِأنَّ لِلْمَكْفُوفَةِ مُتَعَلِّقًا كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم خِلافًا لِلرَّضِيِّ ومَن مَعَهُ فَلْيَكُنْ مُتَعَلِّقُها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُناكَ، ورُجِّحَ كَوْنُ المُرادِ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ في أوَّلِ خَلْقٍ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِنْدِي عَجُوزٌ مِن بَنِي عامِرٍ فَقالَ: مَن هَذِهِ العَجُوزُ يا عائِشَةُ ؟ فَقُلْتُ: إحْدى خالاتِي فَقالَتِ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها
صفحة 103
العُجُزُ فَأخَذَ العَجُوزَ ما أخَذَها فَقالَ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ ثُمَّ قالَ: تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُلْفًا فَقالَتْ: حاشَ لِلَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلى إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾» ومِثْلُ هَذا المَعْنى حاصِلٌ عَلى ما جَوَّزَهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن كَوْنِ ﴿كَما بَدَأْنا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿نُعِيدُهُ﴾ أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ مُماثِلًا لِلَّذِي بَدَأْناهُ، ولا تَغْفُلْ عَمّا يَقْتَضِيهِ التَّشْبِيهُ مِن مُغايَرَةِ الطَّرَفَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ الإخْبارُ بِالبَعْثِ ولَيْسَتْ ما في شَيْءٍ مِنَ الأوْجُهِ خاصَّةً بِالسَّماءِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ولا اللَّفْظُ يُساعِدُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى الآيَةِ نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَدَبُّرٍ فَتَدَبَّرْ.
﴿وعْدًا﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ تَأْكِيدًا لَهُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مَنصُوبٌ بِنُعِيدُ لِأنَّهُ عِدَةٌ بِالإعادَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، واسْتَجْوَدَ الأوَّلَ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّ القُرّاءَ يَقِفُونَ عَلى ( نُعِيدُهُ عَلَيْنا ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوَعْدًا أيْ وعْدًا لازِمًا عَلَيْنا، والمُرادُ لَزِمَ إنْجازُهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَكَلُّفِ الِاسْتِخْدامِ ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ذَلِكَ بِالفِعْلِ لا مَحالَةَ، والأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وُقُوعَها كالماضِيَةِ في التَّحَقُّقِ ولِذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ قادِرِينَ عَلى أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ
الأنبياء 21:105
﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكُتُبُ، والذِّكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ التَّوْراةُ. ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا. وقالَ في الزَّبُورِ: الكُتُبُ مِن بَعْدِ التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الذِّكْرَ التَّوْراةُ والزَّبُورَ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الزَّبُورَ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والذِّكْرَ أُمُّ الكِتابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الأشْياءُ قَبْلَ ذَلِكَ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ كَما في بَعْضِ الآثارِ، واخْتارَ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ الزَّجّاجُ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ. وقَدْ وقَعَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ ««كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ»» وقِيلَ: الذِّكْرُ العِلْمُ وهو المُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ، وأصْلُ الزَّبُورِ كُلُّ كِتابٍ غَلِيظِ الكِتابَةِ مِن زَبَرْتُ الكِتابَ أزْبُرُ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّها كَما في المُحْكَمِ إذا كَتَبْتُهُ كِتابَةً غَلِيظَةً وخُصَّ في المَشْهُورِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهم: هو اسْمٌ لِلْكِتابِ المَقْصُورِ عَلى الحِكْمَةِ العَقْلِيَّةِ دُونَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ولِهَذا يُقالُ لِلْمُنَزَّلِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لا يَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ بِمَعْنى المَزْبُورِ، ولِذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ ( مِن بَعْدِ ) بِهِ كَما جُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِكَتَبْنا، وقالَ حَمْزَةُ: هو اسْمٌ سُرْيانِيٌّ، وأيًّا ما كانَ فَإذا أُرِيدَ مِنهُ الكُتُبُ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أيْ كَتَبْنا في جِنْسِ الزَّبُورِ.
﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ الجَنَّةِ قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزُّمُرَ: 74] وإنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلُوا فِيها فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ وأنَّ
صفحة 104
الآيَةَ ذُكِرَتْ عُقَيْبَ ذِكْرِ الإعادَةِ ولَيْسَ بَعْدَ الإعادَةِ أرْضٌ يَسْتَقِرُّ بِها الصّالِحُونَ ويُمْتَنُّ بِها عَلَيْهِمْ سِوى أرْضِ الجَنَّةِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِها أرْضُ الدُّنْيا يَرِثُها المُؤْمِنُونَ ويَسْتَوْلُونَ عَلَيْها وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النُّورَ: 55] .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها»» وهَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإظْهارِ الدِّينِ وإعْزازِ أهْلِهِ واسْتِيلائِهِمْ عَلى أكْثَرِ المَعْمُورَةِ الَّتِي يَكْثُرُ تَرَدُّدُ المُسافِرِينَ إلَيْها وإلّا فَمِنَ الأرْضِ ما لَمْ يَطَأْها المُؤْمِنُونَ كالأرْضِ الشَّهِيرَةِ بِالدُّنْيا الجَدِيدَةِ وبِالهِنْدِ الغَرْبِيِّ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَكُونُ في حَوْزَةِ المُؤْمِنِينَ أيّامَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: الشّامُ ولَعَلَّ بَقاءَ الكُفّارِ وحْدَهم في الأرْضِ جَمِيعِها في آخِرِ الزَّمانِ كَما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ لا يَضُرُّ في هَذِهِ الوِراثَةِ لِما أنَّ بَيْنَ اسْتِقْلالِهِمْ في الأرْضِ حِينَئِذٍ وقِيامِ السّاعَةِ زَمَنًا يَسِيرًا لا يُعْتَدُّ بِهِ وقَدْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المَبادِئِ القَرِيبَةِ لِيَوْمِ القِيامَةِ، والأوْلى أنْ تُفَسَّرَ الأرْضُ بِأرْضِ الجَنَّةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ.
ومِنَ الغَرائِبِ قِصَّةُ تَفاؤُلِ السُّلْطانِ سَلِيمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ أضْمَرَ مُحارَبَتَهُ لِلْغُورِيِّ وبِشارَةِ ابْنِ كَمالٍ لَهُ أخْذًا مِمّا رَمَزَتْ إلَيْهِ الآيَةُ بِمِلْكَةِ مِصْرَ في سَنَةِ كَذا ووُقُوعِ الأمْرِ كَما بَشَّرَ وهي قِصَّةٌ شَهِيرَةٌ وذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الِاتِّفاقِيَّةِ ومِثْلُهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ
الأنبياء 21:106
﴿إنَّ في هَذا﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الأخْبارِ والمَواعِظِ البالِغَةِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ كُلِّهِ ﴿لَبَلاغًا﴾ أيْ كِفايَةً أوْ سَبَبَ بُلُوغٍ إلى البُغْيَةِ أوْ نَفْسِ البُلُوغِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ لِقَوْمٍ هَمُّهُمُ العِبادَةُ دُونَ العادَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِالجَماعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً»، وضَمِيرُ (هِيَ ) لِلْعِبادَةِ المَفْهُومَةِ مِن (عابِدِينَ ) وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ ولَمْ يُقَيِّدُوا بِشَيْءٍ، وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ تَفْسِيرُها بِصِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وصَلاةِ الخَمْسِ والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ الأفْرادِ لِنُكْتَةٍ
الأنبياء 21:107
﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ بِما ذُكِرَ وبِأمْثالِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَناطٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ وما أرْسَلْناكَ بِما ذُكِرَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِتَرْحَمَ العالَمِينَ بِإرْسالِكَ. أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما أرْسَلْناكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكَ رَحْمَةً أوْ ذا رَحْمَةٍ أوْ راحِمًا لَهم بِبَيانِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعالَمِينَ ما يَشْمَلُ الكُفّارَ، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ بِما هو سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، ومَصْلَحَةِ النَّشْأتَيْنِ إلّا أنَّ الكافِرَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الِانْتِفاعَ بِذَلِكَ وأعْرَضَ لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِ عَمّا هُنالِكَ، فَلا يَضُرُّ ذَلِكَ في كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرْسِلَ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أيْضًا كَما لا يَضُرُّ في كَوْنِ العَيْنِ العَذْبَةِ مَثَلًا نافِعَةً عَدَمُ انْتِفاعِ الكَسْلانِ بِها لِكَسَلِهِ وهَذا ظاهِرٌ خِلافًا لِمَن ناقَشَ فِيهِ، وهَلْ يُرادُ بِالعالَمِينَ ما يَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا فِيهِ خِلافٌ مَبْنِيٌّ
صفحة 105
عَلى الخِلافِ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ ﷺ لَهم، فَإذا قُلْنا بِالعُمُومِ كَما رَجَّحَهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ البارِزِيُّ وتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في خَصائِصِهِ، ومِنَ الحَنابِلَةِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وابْنُ حامِدٍ وابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الفُرُوعِ، ومِنَ المالِكِيَّةِ عَبْدُ الحَقِّ قُلْنا بِشُمُولِ العالَمِينَ لَهم هُنا. وكَوْنُهُ ﷺ أُرْسِلَ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا بِما فِيهِ تَكْلِيفُهم مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما هُنا، ولا شَكَّ أنَّ في امْتِثالِ المُكَلَّفِ ما كُلِّفَ بِهِ نَفْعًا لَهُ وسَعادَةً، وإنْ قُلْنا بِعَدَمِ العُمُومِ كَما جَزَمَ بِهِ الحَلِيمِيُّ والبَيْهَقِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ وزَيْنُ الدِّينِ العِراقِيُّ في نُكَتِهِ عَلى ابْنِ الصَّلاحِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ ومَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ في كِتابِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ بَلْ نَقَلَ البُرْهانُ النَّسَفِيُّ والفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما الإجْماعَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَسْلَمْ قُلْنا بِعَدَمِ شُمُولِهِ لَهم هُنا وإرادَةِ مَن عَداهم مِنهُ، وقِيلَ: هم داخِلُونَ هُنا في العُمُومِ وإنْ لَمْ نَقُلْ بِبَعْثَتِهِ ﷺ إلَيْهِمْ لِأنَّهم وقَفُوا بِواسِطَةِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عُلُومٍ جَمَّةٍ وأسْرارٍ عَظِيمَةٍ مِمّا أُودِعَ في كِتابِهِ الَّذِي فِيهِ بِناءُ ما كانَ وما يَكُونُ عِبارَةً وإشارَةً وأيُّ سَعادَةٍ أعْظَمُ مِنَ التَّحَلِّي بِزِينَةِ العِلْمِ ؟ وكَوْنُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجْهَلُونَ شَيْئًا مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لِأنَّهم أُظْهِرَ مِن فَضْلِهِمْ عَلى لِسانِهِ الشَّرِيفِ ما أُظْهِرَ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الرَّحْمَةَ في حَقِّ الكُفّارِ أمْنُهم بِبَعْثَتِهِ ﷺ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ والِاسْتِئْصالِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذُكِرَ أنَّها في حَقِّ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأمْنُ مِن نَحْوِ ما ابْتُلِيَ بِهِ هارُوتُ ومارُوتُ، وأُيِّدَ بِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الشِّفاءِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ أصابَكَ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ كُنْتُ أخْشى العاقِبَةَ فَأمِنتُ لِثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التَّكْوِيرَ: 20]» وإذا صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَزِمَ القَوْلُ بِشُمُولِ العالَمِينَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا أنَّ الجَلالَ السُّيُوطِيَّ ذَكَرَ في تَزْيِينِ الأرائِكِ أنَّهُ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالعالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَإنَّ العالَمَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُمِعَ جَمْعَ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْأشْرَفِ عَلى غَيْرِهِ.
وكَوْنُهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسِطَةُ الفَيْضِ الإلَهِيِّ عَلى المُمْكِناتِ عَلى حَسَبِ القَوابِلِ، ولِذا كانَ نُورُهُ ﷺ أوَّلَ المَخْلُوقاتِ، فَفي الخَبَرِ «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورُ نَبِيِّكَ يا جابِرُ» .
وجاءَ ««اللَّهُ تَعالى المُعْطِي وأنا القاسِمُ»» ولِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَتْ أسْرارُهم في هَذا الفَصْلِ كَلامٌ فَوْقَ ذَلِكَ، وفي مِفْتاحِ السَّعادَةِ لِابْنِ القِيِّمِ أنَّهُ لَوْلا النُّبُوّاتُ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ عِلْمٌ نافِعٌ البَتَّةَ ولا عَمَلٌ صالِحٌ ولا صَلاحٌ في مَعِيشَةٍ ولا قِوامٌ لِمَمْلَكَةٍ ولَكانَ النّاسُ بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ والسِّباعِ العادِيَّةِ والكِلابِ الضّارِيَةِ الَّتِي يَعْدُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ خَيْرٍ في العالَمِ فَمِن آثارِ النُّبُوَّةِ وكُلُّ شَرٍّ وقَعَ في العالَمِ أوْ سَيَقَعُ فَبِسَبَبِ خَفاءِ آثارِ النُّبُوَّةِ ودُرُوسِها فالعالَمُ جَسَدٌ رُوحُهُ النُّبُوَّةُ ولا قِيامَ لِلْجَسَدِ بِدُونِ رُوحِهِ، ولِهَذا إذا انْكَسَفَتْ شَمْسُ النُّبُوَّةِ مِنَ العالَمِ ولَمْ يَبْقَ في الأرْضِ شَيْءٌ مِن آثارِها البَتَّةَ انْشَقَّتْ سَماؤُهُ وانْتَشَرَتْ كَواكِبُهُ وكُوِّرَتْ شَمْسُهُ وخَسَفَ قَمَرُهُ ونُسِفَتْ جِبالُهُ وزُلْزِلَتْ أرْضُهُ وأُهْلِكَ مَن عَلَيْها فَلا قِيامَ لِلْعالَمِ إلّا بِآثارِ النُّبُوَّةِ اهَـ وإذا سَلُمَ هَذا عُلِمَ مِنهُ بِواسِطَةٍ كَوْنُهُ ﷺ أكْمَلَ النَّبِيِّينَ وما جاءَ بِهِ أجَلَّ مِمّا جاؤُوا بِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الأُصُولِ اخْتِلافُ وجْهِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أيْضًا لَكِنْ لا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ بَحْثٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العالَمِينَ هُنا خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ولِواحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ كَلامٌ طَوِيلٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَقَضَ فِيهِ وأبْرَمَ ومَنَعَ وسَلَّمَ ولا أرى مَنشَأً سِوى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ عَلى الحَقِّ الحَقِيقِ بِالِاتِّباعِ،
صفحة 106
وأنْتَ مَتى أخَذْتَ العِنايَةَ بِيَدِكَ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْكَ رَدُّهُ ولَمْ يُهَوِّلْكَ هَزْلُهُ وجِدُّهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّهُ ﷺ إنَّما بُعِثَ رَحْمَةً لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ العالَمِينَ مَلائِكَتِهِمْ وإنْسِهِمْ وجِنِّهِمْ ولا فَرْقَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ في ذَلِكَ، والرَّحْمَةُ مُتَفاوِتَةٌ ولِبَعْضٍ مِنَ العالَمِينَ المُعَلّى والرَّقِيبُ مِنها، وما يُرى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَهو إمّا مِنها في النَّظَرِ الدَّقِيقِ أوْ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالقَصْدِ الأوْلى كَسائِرِ الشُّرُورِ الواقِعَةِ في العالَمِ بِناءً عَلى ما حُقِّقَ في مَحِلِّهِ أنَّ الشَّرَّ لَيْسَ داخِلًا في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ، ومِمّا هو ظاهِرٌ في عُمُومِ العالَمِينَ الكُفّارُ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ قالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً»» ولَعَلَّهُ يُؤَيِّدُ نَصْبَ ( رَحْمَةً ) في الآيَةِ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ ﷺ الَّذِي أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ««إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»» ولا يَشِينُ احْتِمالَ التَّعْلِيلِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشاعِرَةُ مِن عَدَمِ تَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الماتُرِيدِيَّةَ وكَذا الحَنابِلَةَ ذَهَبُوا إلى خِلافِهِ ورَدُّوهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ فِيهِ كَما قِيلَ في سائِرِ ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ ووُجُودُ المانِعِ هُنا تَوَهُّمٌ مَحْضٌ فَتَدَبَّرْ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ تَعَلُّقَ ( لِلْعالَمِينَ ) بِرَحْمَةٍ هو الظّاهِرُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأرْسَلْناكَ، وفي البَحْرِ لا يَجُوزُ عَلى المَشْهُورِ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بَعْدَ إلّا بِالفِعْلِ قَبْلَها إلّا إنْ كانَ العامِلُ مُفَرَّغًا لَهُ نَحْوُ ما مَرَرْتُ إلّا بِزَيْدٍ.
الأنبياء 21:108
﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الآيَةِ حَصْرَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ أنَّما المَفْتُوحَةَ تُفِيدُ ذَلِكَ كالمَكْسُورَةِ، والأوَّلُ لِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ والثّانِي لِقَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ فالثّانِي قُصِرَ فِيهِ اللَّهُ تَعالى عَلى الوَحْدانِيَّةِ والأوَّلُ قُصِرَ فِيهِ الوَحْيُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والمَعْنى ما يُوحى ( إلَيَّ ) إلّا اخْتِصاصُ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُقْصَرُ الوَحْيُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﷺ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ كالتَّكالِيفِ والقِصَصِ، وأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ مَعْنى قَصْرِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ وما عَداهُ راجِعٌ إلَيْهِ أوْ غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ في جَنْبِهِ فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، والثّانِي أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الشِّرْكِ الصّادِرِ مِنَ الكُفّارِ، وكَذا الكَلامُ في القَصْرِ الثّانِي.
وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ إفادَةَ أنَّما المَفْتُوحَةِ الحَصْرَ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِمَصْدَرٍ واسْمٍ مُفْرَدٍ ولَيْسَتْ كالمَكْسُورَةِ المُؤَوَّلَةِ بِما وإلّا وقالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا في عَدَمِ إفادَتِها ذَلِكَ والخِلافُ إنَّما هو في إفادَةِ إنَّما المَكْسُورَةِ إيّاهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ وأكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى إفادَتِها ذَلِكَ، والحَقُّ مَعَ الجَماعَةِ ويُؤَيِّدُهُ هُنا أنَّها بِمَعْنى المَكْسُورَةِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الوَحْيِ الَّذِي هو في مَعْنى القَوْلِ ولِأنَّها مَقُولَةُ ( قُلْ ) في الحَقِيقَةِ ولا شَكَّ في إفادَتِها التَّأْكِيدَ فَإذا اقْتَضى المَقامُ القَصْرَ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ انْضَمَّ إلى التَّأْكِيدِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالوَضْعِ كَما في المَكْسُورَةِ فَقَدْ جاءَ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ [صَ: 24] ولِذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ ابْتَلَيْناهُ لا مَحالَةَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالحَصْرِ هُنا، نَعَمْ في تَوْجِيهِ القَصْرِ هُنا بِما سَمِعْتَ مِن كَوْنِهِ قَصْرَ اللَّهِ تَعالى عَلى الوَحْدانِيَّةِ ما سَمِعْتَهُ في آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ فَتَذَكَّرْ.
وجُوِّزَ في (ما ) في ﴿إنَّما يُوحى﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وتَجْوِيزُهُ فِيما بَعْدُ بَعِيدٌ جِدًّا مُوجِبٌ لِتَكَلُّفٍ لا يَخْفى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِما يُوحى إلَيَّ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالِانْقِيادِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الإسْلامَ بِلازِمِهِ وهو إخْلاصُ العِبادَةِ لَهُ تَعالى وما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى.
صفحة 107
والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما قَبْلَها مُوجِبٌ لِما بَعْدَها قالُوا: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صِفَةَ الوَحْدانِيَّةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَرِيقُها السَّمْعَ بِخِلافِ إثْباتِ الواجِبِ فَإنَّ طَرِيقَهُ العَقْلُ لِئَلّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
قالَ في شَرْحِ المَقاصِدِ: إنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصِدْقَهم لا يَتَوَقَّفُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كَإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ وكالنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، وما قِيلَ إنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ الإمْكانَ لِما عَرَفْتَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وما لَمْ تَعْرِفْ أنَّ اللَّهَ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ خارِجٌ عَنْ جَمِيعِ المُمْكِناتِ لَمْ يَتَأتَّ إثْباتُ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ غايَةَ اسْتِلْزامِ الوُجُوبِ الوَحْدَةُ لا اسْتِلْزامُ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَتَها فَضْلًا عَنِ التَّوَقُّفِ، وسَبَبُ الغَلَطِ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ثُبُوتِ الشَّيْءِ والعِلْمِ بِثُبُوتِهِ انْتَهى.
وتَفْرِيعُ الِاسْتِفْهامِ هُنا صَرِيحٌ في ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ بِما ذُكِرَ، وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يُوحى إلَيْهِ ﷺ ذَلِكَ مُبَرْهَنًا لا عَلى قانُونِ الخَطابَةِ فَلَعَلَّ نُزُولَها كانَ مَصْحُوبًا بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِظُهُورِ أنَّ التَّفْرِيعَ عَلى نَفْسِ هَذا المُوحى، وكَوْنِ نُزُولِهِ مَصْحُوبًا بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ والتَّفْرِيعِ بِاعْتِبارِهِ غَيْرَ ظاهِرٍ
الأنبياء 21:109
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما يُوجِبُهُ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم ما أمَرْتُ بِهِ أوْ حَرْبِي لَكم، والإيذانُ إفْعالٌ مِنَ الإذْنِ وأصْلُهُ العِلْمُ بِالإجازَةِ في شَيْءٍ وتَرْخِيصُهُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ العِلْمِ وصِيغَ مِنهُ الأفْعالُ، وكَثِيرًا ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّحْذِيرِ والإنْذارِ وهو يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ الثّانِي مِنهُما مُقَدَّرٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ أيْ كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ بِذَلِكَ لَمْ أخُصَّ أحَدًا مِنكم دُونَ أحَدٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُسْتَوِيًا أنا وأنْتُمْ في المُعاداةِ أوْ في العِلْمِ بِما أعْلَمْتُكم بِهِ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْها. وقِيلَ ما أعْلَمَهم ﷺ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ وُقُوعُ الحَرْبِ في البَيْنِ واسْتِوائِهِمْ في العِلْمِ بِذَلِكَ جاءَ مِن إعْلامِهِمْ بِهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الصّادِقُ الأمِينُ وإنْ كانُوا يَجْحَدُونَ بَعْضَ ما يُخْبِرُ بِهِ عِنادًا فَتَدَبَّرْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ إيذانًا عَلى سَواءٍ. وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ مُقَدَّرَةٍ أيْ أعْلَمْتُكم أنِّي عَلى سَواءٍ أيْ عَدْلٍ واسْتِقامَةِ رَأْيٍ بِالبُرْهانِ النَّيِّرِ وهَذا خِلافُ المُتَبادَرِ جِدًّا.
وفِي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إلَخِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شُبِّهَ بِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْدائِهِ هُدْنَةٌ فَأحَسَّ بِغَدْرِهِمْ فَنَبَذَ إلَيْهِمُ العَهْدَ وشَهَرَ النَّبْذَ وأشاعَهُ وآذَنَهم جَمِيعًا بِذَلِكَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ ﴿وإنْ أدْرِي﴾ أيْ ما أدْرِي ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مِن غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْكم وظُهُورِ الدِّينِ أوِ الحَشْرِ مَعَ كَوْنِهِ آتِيًا لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأدْرِي. ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ بَعِيدٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
الأنبياء 21:110
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ ما تَجْهَرُونَ بِهِ مِنَ الطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَكْذِيبِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نُطِقَ بِمَجِيءِ المَوْعُودِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ مِنَ الإحَنِ والأحْقادِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ جَزائِكُمُ اسْتِدْراجٌ لَكم وزِيادَةٌ في
صفحة 108
افْتِتانِكم أوِ امْتِحانٌ لَكم لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وجُمْلَةُ ( لَعَلَّهُ ) إلَخْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ.
والكُوفِيُّونَ يُجْرُونَ لَعَلَّ مُجْرى هَلْ في كَوْنِها مُعَلَّقَةً. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى أنَّ لَعَلَّ مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأ (أدْرِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ تَشْبِيهًا لَها بِياءِ الإضافَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ لامَ الفِعْلِ ولا تُفْتَحُ إلّا بِعامِلٍ. وأنْكَرَ ابْنُ مُجاهِدٍ فَتْحَ هَذِهِ الياءِ.
﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ لَكم وتَأْخِيرٌ إلى أجَلٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكم. وقِيلَ المُرادُ بِالحِينِ يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ
الأنبياء 21:111
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ ما تَجْهَرُونَ بِهِ مِنَ الطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَكْذِيبِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نُطِقَ بِمَجِيءِ المَوْعُودِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ مِنَ الإحَنِ والأحْقادِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ جَزائِكُمُ اسْتِدْراجٌ لَكم وزِيادَةٌ في
صفحة 108
افْتِتانِكم أوِ امْتِحانٌ لَكم لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وجُمْلَةُ ( لَعَلَّهُ ) إلَخْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ.
والكُوفِيُّونَ يُجْرُونَ لَعَلَّ مُجْرى هَلْ في كَوْنِها مُعَلَّقَةً. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى أنَّ لَعَلَّ مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأ (أدْرِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ تَشْبِيهًا لَها بِياءِ الإضافَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ لامَ الفِعْلِ ولا تُفْتَحُ إلّا بِعامِلٍ. وأنْكَرَ ابْنُ مُجاهِدٍ فَتْحَ هَذِهِ الياءِ.
﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ لَكم وتَأْخِيرٌ إلى أجَلٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكم. وقِيلَ المُرادُ بِالحِينِ يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ
الأنبياء 21:112
﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ حِكايَةُ لِدُعائِهِ ﷺ . وقَرَأ الأكْثَرُ (قُلْ ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ. والحُكْمُ القَضاءُ. والحَقُّ العَدْلُ أيْ رَبِّ اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِالعَدْلِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العَذابِ والتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ فَهو دُعاءٌ بِالتَّعْجِيلِ والتَّشْدِيدِ وإلّا فَكُلُّ قَضائِهِ تَعالى عَدْلٌ وحَقٌّ. وقَدِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ حَيْثُ عُذِّبُوا بِبَدْرٍ أيَّ تَعْذِيبٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( رَبُّ ) بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مُنادى مُفْرَدٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ النِّداءِ مِنِ اسْمِ الجِنْسِ شاذٌّ بابُهُ الشِّعْرُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُنادى مُفْرَدٍ بَلْ هو مُنادى مُضافٌ إلى الياءِ حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وبُنِيَ عَلى الضَّمِّ كَقَبْلُ وبَعْدُ وذَلِكَ لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ في المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ حالَ نِدائِهِ ولا شُذُوذَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنَ ( رَبِّي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ ( أحْكَمُ ) عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ أيْ أنْفَذُ أوْ أعْدَلُ حُكْمًا أوْ أعْظَمُ حِكْمَةً. فَرَبِّي أحْكَمُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (أحْكَمَ ) فِعْلًا ماضِيًا ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِلرَّحْمَنِ بِناءً عَلى إجْرائِهِ مُجْرى العَلَمِ.
وإضافَةُ الرَّبِّ فِيما سَبَقَ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ خاصَّةٌ لِما أنَّ الدُّعاءَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أنَّ إضافَتَهُ ها هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ المُنْتَظِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا لِما أنَّ الِاسْتِعانَةَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لَهم.
﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الحالِ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشِّرْكَةَ تَكُونُ لَهم وإنَّ رايَةَ الإسْلامِ تَخْفُقُ ثُمَّ تَسْكُنُ وإنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لَوْ كانَ حَقًّا لَنَزَلَ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ فاسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَةَ رَسُولِهِ ﷺ فَخَيَّبَ آمالَهم وغَيَّرَ أحْوالَهم ونَصَرَ أوْلِياءَهُ عَلَيْهِمْ فَأصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أصابَهم، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ عَلى أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَصِفُونَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ. هَذا وفي جَعْلِ خاتَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ خاتِمَةً لِسُورَةِ الأنْبِياءِ طِيبٌ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ يَتَضَوَّعُ مِنهُ مِسْكُ الخِتامِ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ قِيلَ ذَلِكَ الرُّشْدُ إيثارُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وسُئِلَ الجُنَيْدُ مَتّى أتاهُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: حِينَ لا مَتى ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَلَبَ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضَلَّةٌ في عَقْلِهِ اهَـ.
وقالَ حَمْدُونَ القَصّارُ: اسْتِعانَةُ الخَلْقِ بِالخَلْقِ كاسْتِعانَةِ المَسْجُونِ بِالمَسْجُونِ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: كانَ ذَلِكَ لِسَلامَةِ قَلْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وخُلُوِّهِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الأسْبابِ وصِحَّةِ
صفحة 109
تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَكَ حاجَةٌ ؟ أمّا إلَيْكَ فَلا ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ فَكَمْ مِن صَغِيرٍ أفْضَلُ مِن كَبِيرٍ بِكَثِيرٍ ﴿وكُلا آتَيْنا حُكْمًا﴾ قِيلَ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿وعِلْمًا﴾ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ العُبُودِيَّةِ ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قِيلَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَخْلُو في الكُهُوفِ لِذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ فَيُشارِكُهُ في ذَلِكَ الجِبالُ ويُسَبِّحْنَ مَعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الجِبالَ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ صُنْعِ الخَلْقِ حالِيَةٌ بِأنْوارِ قُدْرَةِ الحَقِّ يُحِبُّ العاشِقُونَ الخَلْوَةَ فِيها، ولِذا تَحَنَّثَ ﷺ في غارِ حِراءٍ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ الِانْقِطاعَ لِلْعِبادَةِ فِيها ﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ قَصَدَتْ دُودَةٌ قَلْبَهُ ودُودَةٌ لِسانَهُ فَخافَ أنْ يُشْغَلَ مَوْضِعُ فِكْرِهِ ومَوْضِعُ ذِكْرِهِ، وقالَ جَعْفَرٌ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِدْعاءً لِلْجَوابِ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ لِيَسْكُنَ إلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ شَكْوى وكَيْفَ يَشْكُو المُحِبُّ حَبِيبَهُ وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وقَدْ حَفِظَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدابَ الخِطابِ ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ رَشْحَةٌ مِن دَنِّ خَمْرِ الدَّلالِ، وذَكَرُوا أنَّ مَقامَ الدَّلِّ دُونَ مَقامِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ لِعَدَمِ فَناءِ الإرادَةِ فِيهِ ولِذا نادى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حَيْثُ اخْتَلَجَ في سِرِّي أنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ ما أرَدْتَ ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ ولَدًا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِإفْشاءِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِ فَإنَّ العارِفَ مَتى كانَ فَرْدًا غَيْرَ واجِدٍ مَن يُفْشِي إلَيْهِ السِّرَّ ضاقَ ذَرْعُهُ ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قِيلَ أيْ رَغْبَةً فِينا ورَهْبَةً عَمّا سِوانا أوْ رَغْبَةً في لِقائِنا ورَهْبَةً مِنَ الِاحْتِجابِ عَنّا ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ .
قالَ أبُو يَزِيدَ: الخُشُوعُ خُمُودُ القَلْبِ عَنِ الدَّعاوى، وقِيلَ الفَناءُ تَحْتَ أذْيالِ العَظَمَةِ ورِداءِ الكِبْرِياءِ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ العالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ وهو ﷺ رَحْمَةٌ لِكُلٍّ مِنهم إلّا أنَّ الحُظُوظَ مُتَفاوِتَةٌ ويَشْتَرِكُ الجَمِيعُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِوُجُودِهِمْ بَلْ قالُوا: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُورِهِ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النّابُلْسِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ:
طَهَ النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ كُلُّ الخَلِيقَةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا
وأشارَ بِقَوْلِهِ لَوْ تُرِكَ القَطا إلى أنَّ الجَمِيعَ مِن نُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهُ الِانْقِسامِ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ بَعْدَ تَكَوُّنِهِ فَتَأمَّلْ. هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ حَظَّنا مِن رَحْمَتِهِ الحَظَّ الوافِرَ وأنْ يُيَسِّرَ لَنا أُمُورَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِلُطْفِهِ المُتَواتِرِ.