Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الشعراء 26:198 – النمل 27:47

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الشعراء 26:198
  2. الشعراء 26:199
  3. الشعراء 26:200
  4. الشعراء 26:201
  5. الشعراء 26:202
  6. الشعراء 26:203
  7. الشعراء 26:204
  8. الشعراء 26:205
  9. الشعراء 26:206
  10. الشعراء 26:207
  11. الشعراء 26:208
  12. الشعراء 26:209
  13. الشعراء 26:210
  14. الشعراء 26:211
  15. الشعراء 26:212
  16. الشعراء 26:213
  17. الشعراء 26:214
  18. الشعراء 26:215
  19. الشعراء 26:216
  20. الشعراء 26:217
  21. الشعراء 26:218
  22. الشعراء 26:219
  23. الشعراء 26:220
  24. الشعراء 26:221
  25. الشعراء 26:222
  26. الشعراء 26:223
  27. الشعراء 26:224
  28. الشعراء 26:225
  29. الشعراء 26:226
  30. الشعراء 26:227
  31. النمل 27:1
  32. النمل 27:2
  33. النمل 27:3
  34. النمل 27:4
  35. النمل 27:5
  36. النمل 27:6
  37. النمل 27:7
  38. النمل 27:8
  39. النمل 27:9
  40. النمل 27:10
  41. النمل 27:11
  42. النمل 27:12
  43. النمل 27:13
  44. النمل 27:14
  45. النمل 27:15
  46. النمل 27:16
  47. النمل 27:17
  48. النمل 27:18
  49. النمل 27:19
  50. النمل 27:20
  51. النمل 27:21
  52. النمل 27:22
  53. النمل 27:23
  54. النمل 27:24
  55. النمل 27:25
  56. النمل 27:26
  57. النمل 27:27
  58. النمل 27:28
  59. النمل 27:29
  60. النمل 27:30
  61. النمل 27:31
  62. النمل 27:32
  63. النمل 27:33
  64. النمل 27:34
  65. النمل 27:35
  66. النمل 27:36
  67. النمل 27:37
  68. النمل 27:38
  69. النمل 27:39
  70. النمل 27:40
  71. النمل 27:41
  72. النمل 27:42
  73. النمل 27:43
  74. النمل 27:44
  75. النمل 27:45
  76. النمل 27:46
  77. النمل 27:47

الشعراء 26:198

﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ﴾، أيِ: القُرْآنَ كَما هو بِنَظْمِهِ الرّائِقِ المُعْجِزِ ﴿عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّكَلُّمِ بِالعَرَبِيَّةِ، وهو جَمْعُ أعْجَمِيٍّ - كَما في التَّحْرِيرِ وغَيْرِهِ - إلّا أنَّهُ حُذِفَ ياءُ النَّسَبِ مِنهُ تَخْفِيفًا، ومِثْلُهُ الأشْعَرِينَ جَمْعِ أشْعَرِيٍّ في قَوْلِ الكُمَيْتِ: ولَوْ جَهَّزْتَ قافِيَةً شُرُودًا لَقَدْ دَخَلْتُ بُيُوتَ الأشْعَرِينا وقَدْ قَرَأهُ الحَسَنُ وابْنُ مُقْسَمٍ بِياءِ النَّسَبِ عَلى الأصْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ، والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ خِلافِ العَرَبِ وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ، انْتَهى. واعْتُرِضَ بِأنَّ أعْجَمَ مُؤَنَّثُهُ عَجْماءُ، وأفْعَلَ فَعَلاءَ لا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الأعْجَمَ في الأصْلِ البَهِيمَةُ العَجْماءُ لِعَدَمِ نُطْقِها، ثُمَّ نُقِلَ أوْ تُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذُكِرَ، وهو بِذَلِكَ المَعْنى لَيْسَ لَهُ مُؤَنَّثٌ عَلى فَعَلاءَ، فَلِذَلِكَ جُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيُّ في كِتابِهِ (غَرائِبُ القُرْآنِ) بِأنَّ الأعْجَمَ هو الَّذِي لا يُفْصِحُ والأُنْثى العَجْماءُ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ بِذَلِكَ المَعْنى مُؤَنَّثٌ فالأصْلُ مُراعاةُ أصْلِهِ. وفِيهِ أنَّ كَوْنَ ارْتِفاعِ المانِعِ لِعارِضٍ مُجَوَّزًا مِمّا صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ (أفْعَلَ فَعَلاءَ) لا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، والفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ يُجَوِّزُونَهُ، فَلَعَلَّ مَن قالَ: إنَّهُ جَمْعُ أعْجَمَ قالَهُ بِناءً عَلى ذَلِكَ. وظاهِرُ الجَمْعِ المَذْكُورِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العُقَلاءَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ جَمْعُ أعْجَمَ مُرادًا بِهِ ما لا يَعْقِلُ مِنَ الدَّوابِّ العُجْمِ، وجُمِعَ جَمْعَ العُقَلاءِ؛ لِأنَّهُ وُصِفَ بِالتَّنْزِيلِ عَلَيْهِ وبِالقِراءَةِ في قَوْلِهِ تَعالى:

الشعراء 26:199

﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ ضَمِيرِ الفاعِلِ إلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ، وهُما مِن صِفاتِ العُقَلاءِ، والمُرادُ بَيانِ فَرْطِ عِنادِهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في صفحة 128 المُكابَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِهَذا النَّظْمِ الرّائِقِ المُعْجِزِ عَلى مَن لا يَقْدِرُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالعَرَبِيَّةِ أوْ عَلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ التَّكَلُّمُ أصْلًا مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ﴾ قِراءَةً صَحِيحَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ انْضِمامِ إعْجازِ القِراءَةِ إلى إعْجازِ المَقْرُوءِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْجَمِينَ جَمْعِ أعْجَمَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ عاقِلًا أوْ غَيْرَهُ، ونَقَلَ ذَلِكَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ وهو عَلى بَعِيرٍ فَأشارَ إلَيْهِ وقالَ: هَذا مِنَ الأعْجَمِينَ. والطَّبَرِيُّ - عَلى ما في البَحْرِ - يَرْوِي نَحْوَ هَذا عَنِ ابْنِ مُطِيعٍ، والمُرادُ أيْضًا بَيانُ فَرْطِ عِنادِهِمْ، وقِيلَ: هو جَمْعُ أعْجَمَ مُرادًا بِهِ ما لا يَعْقِلُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في (قَرَأهُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) لِبَعْضِ الأعْجَمِينَ، وكَذا ضَمِيرُ (كانُوا) والمَعْنى: لَوْ نَزَّلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ فَقَرَأهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى أُولَئِكَ البَهائِمِ ما كانُوا - أيْ أُولَئِكَ البَهائِمُ - مُؤْمِنِينَ بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّهم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ. وقِيلَ: المُرادُ: ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ بِلُغَةِ العَجَمِ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ ما فِيهِ. وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، وهو بَعِيدٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ مَقامُ بَيانِ تَمادِيهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ. واسْتَنَدَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلَيْهِ في مَنعِ أخْذِ العَرَبِيَّةِ في مَفْهُومِ القُرْآنِ؛ إذْ لا يُتَصَوَّرُ عَلى تَقْدِيرِ أخْذِها فِيهِ تَنْزِيلُهُ بِلُغَةِ العَجَمِ، إذْ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ الشَّيْءِ الواحِدِ عَرَبِيًّا وعَجَمِيًّا، وهو مُحالٌ. وأُجِيبَ بِأنَّ ضَمِيرَ (نَزَّلْناهُ) لَيْسَ راجِعًا إلى القُرْآنِ المَخْصُوصِ المَأْخُوذِ في مَفْهُومِهِ العَرَبِيَّةَ، بَلْ إلى مُطْلَقِ القُرْآنِ، ويُرادُ مِنهُ ما يُقْرَأُ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وهَذا نَحْوُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْعامِّ في ضِمْنِ الخاصِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ الآيَةَ، فَإنَّ ضَمِيرَ عُمُرِهِ راجِعٌ إلى شَخْصٍ بِدُونِ وصْفِهِ بِـ(مُعَمَّرٍ) إذْ لا يُتَصَوَّرُ نَقْصُ عُمُرِ المُعَمَّرِ كَما لا يَخْفى. وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ: ولَوْ نَزَّلْنا مَعْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ، فَتَدَبَّرْ. وفِي لَفْظِ (بَعْضِ) عَلى كُلِّ الأقْوالِ إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المَفْرُوضِ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ واحِدًا مِن عَرْضِ تِلْكَ الطّائِفَةِ كائِنًا مَن كانَ، و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ.

الشعراء 26:200

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ - عَلى ما يَقْتَضِيهِ انْتِظامُ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ في سِلْكٍ واحِدٍ – لِلْقُرْآنِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ، والمَعْنى - عَلى ما قِيلَ -: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ البَدِيعِ المَذْكُورِ سَلَكْناهُ، أيْ: أدْخَلْنا القُرْآنَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، فَفَهِمُوا مَعانِيَهُ، وعَرَفُوا فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ خارِجٌ عَنِ القُوى البَشَرِيَّةِ، وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ عِلْمُ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِشَأْنِهِ، وبِشارَةُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِإنْزالِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهم لا يَتَأثَّرُونَ بِأمْثالِ تِلْكَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ المُلْجِئَ إلى الإيمانِ بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ مِن (لَهُمْ) و(عَلَيْهِمْ) و(كانُوا) وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى ما ذُكِرَ؛ تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى ذَلِكَ: أيْ مِثْلَ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها، وعَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ وضَعْناهُ فِيها، فَكَيْفَما فُعِلَ بِهِمْ وصُنِعَ، وعَلى أيِّ وجْهٍ دُبِّرَ أمْرُهم فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِن جُحُودِهِ وإنْكارِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: صفحة 129 ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . ومَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلَخْ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فاتُّبِعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، اهـ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ بَيانِ غايَةِ عِنادِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ مَعَ تَعاضُدِ أدِلَّةِ الإيمانِ، وتَناجُدِ مَبادِئِ الهِدايَةِ والإرْشادِ، وانْقِطاعِ أعْذارِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْفَقُ بِتَسْلِيَتِهِ ﷺ الَّتِي هي كالمَبْنى لِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وبِها صُدِّرَتْ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كَأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - بَعْدَ أنْ ذَكَرَ فَرْطَ عِنادِهِمْ وشِدَّةَ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ، وهو تَفْسِيرٌ واضِحٌ في نَفْسِهِ، فَهو عِنْدِي أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ. وفِي المَطْلَعِ أنَّ الضَّمِيرَ لِلتَّكْذِيبِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، والمَعْنى: وكَذَلِكَ سَلَكْنا التَّكْذِيبَ بِالقُرْآنِ والكَفْرَ بِهِ في قُلُوبِ مُشْرِكِي مَكَّةَ ومَكَّناهُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ واقِعٌ مَوْقِعَ الإيضاحِ لِذَلِكَ، ولا يَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنُهُ حالًا، ولا أرى لِهَذا المَعْنى كَثْرَةَ بُعْدٍ عَنْ قَوْلِ مَن قالَ: أيْ: عَلى مِثْلِ هَذا السَّلْكِ سَلَكْنا القُرْآنَ، وعَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ وضَعْناهُ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الأوَّلِ: كَذَلِكَ سَلَكْنا التَّكْذِيبَ بِالقُرْآنِ في قُلُوبِهِمْ، وحاصِلُ هَذا: وكَذَلِكَ سَلَكْنا القُرْآنَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ بِهِ في قُلُوبِهِمْ، فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْبُرْهانِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وهو بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. هَذا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ غَيْرُ الكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ، وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ مِنَ المُعاصِرِينَ لَهم ومَن يَأْتِي بَعْدَهُمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى السَّلْكِ في قُلُوبِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ مُشْرِكِي مَكَّةَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ غَيْرِهِمْ لِاشْتِراكِهِمْ في الوَصْفِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ اعْتُبِرُوا في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، أوْ إيضاحٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ، وبَيانٌ لِما يَقْتَضِيهِ التَّشْبِيهُ، وهو كَما تَرى. ونُقِلَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ أُرِيدَ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ: إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، انْتَهى. وكَأنَّهُ جَعَلَ ضَمِيرَ (سَلَكْناهُ) لِمُطْلَقِ الكُفْرِ لا لِلْكُفْرِ بِالقُرْآنِ، وضَمِيرَ (بِهِ) لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ لِلْقُرْآنِ، وإلّا فَلا يَكادُ يَتَسَنّى ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ.

الشعراء 26:201

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ - عَلى ما يَقْتَضِيهِ انْتِظامُ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ في سِلْكٍ واحِدٍ – لِلْقُرْآنِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ، والمَعْنى - عَلى ما قِيلَ -: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ البَدِيعِ المَذْكُورِ سَلَكْناهُ، أيْ: أدْخَلْنا القُرْآنَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، فَفَهِمُوا مَعانِيَهُ، وعَرَفُوا فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ خارِجٌ عَنِ القُوى البَشَرِيَّةِ، وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ عِلْمُ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِشَأْنِهِ، وبِشارَةُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِإنْزالِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهم لا يَتَأثَّرُونَ بِأمْثالِ تِلْكَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ المُلْجِئَ إلى الإيمانِ بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ مِن (لَهُمْ) و(عَلَيْهِمْ) و(كانُوا) وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى ما ذُكِرَ؛ تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى ذَلِكَ: أيْ مِثْلَ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها، وعَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ وضَعْناهُ فِيها، فَكَيْفَما فُعِلَ بِهِمْ وصُنِعَ، وعَلى أيِّ وجْهٍ دُبِّرَ أمْرُهم فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِن جُحُودِهِ وإنْكارِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: صفحة 129 ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . ومَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلَخْ مِمّا قَبْلَهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فاتُّبِعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، اهـ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ بَيانِ غايَةِ عِنادِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ مَعَ تَعاضُدِ أدِلَّةِ الإيمانِ، وتَناجُدِ مَبادِئِ الهِدايَةِ والإرْشادِ، وانْقِطاعِ أعْذارِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْفَقُ بِتَسْلِيَتِهِ ﷺ الَّتِي هي كالمَبْنى لِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وبِها صُدِّرَتْ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كَأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - بَعْدَ أنْ ذَكَرَ فَرْطَ عِنادِهِمْ وشِدَّةَ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ، وهو تَفْسِيرٌ واضِحٌ في نَفْسِهِ، فَهو عِنْدِي أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ. وفِي المَطْلَعِ أنَّ الضَّمِيرَ لِلتَّكْذِيبِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، والمَعْنى: وكَذَلِكَ سَلَكْنا التَّكْذِيبَ بِالقُرْآنِ والكَفْرَ بِهِ في قُلُوبِ مُشْرِكِي مَكَّةَ ومَكَّناهُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ واقِعٌ مَوْقِعَ الإيضاحِ لِذَلِكَ، ولا يَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنُهُ حالًا، ولا أرى لِهَذا المَعْنى كَثْرَةَ بُعْدٍ عَنْ قَوْلِ مَن قالَ: أيْ: عَلى مِثْلِ هَذا السَّلْكِ سَلَكْنا القُرْآنَ، وعَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ وضَعْناهُ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الأوَّلِ: كَذَلِكَ سَلَكْنا التَّكْذِيبَ بِالقُرْآنِ في قُلُوبِهِمْ، وحاصِلُ هَذا: وكَذَلِكَ سَلَكْنا القُرْآنَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ بِهِ في قُلُوبِهِمْ، فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْبُرْهانِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وهو بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. هَذا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ غَيْرُ الكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ، وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ مِنَ المُعاصِرِينَ لَهم ومَن يَأْتِي بَعْدَهُمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى السَّلْكِ في قُلُوبِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ مُشْرِكِي مَكَّةَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ غَيْرِهِمْ لِاشْتِراكِهِمْ في الوَصْفِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ اعْتُبِرُوا في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، أوْ إيضاحٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ، وبَيانٌ لِما يَقْتَضِيهِ التَّشْبِيهُ، وهو كَما تَرى. ونُقِلَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ أُرِيدَ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ: إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، انْتَهى. وكَأنَّهُ جَعَلَ ضَمِيرَ (سَلَكْناهُ) لِمُطْلَقِ الكُفْرِ لا لِلْكُفْرِ بِالقُرْآنِ، وضَمِيرَ (بِهِ) لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ لِلْقُرْآنِ، وإلّا فَلا يَكادُ يَتَسَنّى ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ.

الشعراء 26:202

﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ أيِ: العَذابُ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِإتْيانِهِ ﴿فَيَقُولُوا﴾ - أيْ تَحَسُّرًا عَلى ما فاتَ مِنَ الإيمانِ، وتَمَنِّيًا لِلْإمْهالِ لِتَلافِي ما فَرَطُوهُ -: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ عاطِفَةٌ، وهي - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ - لِلتَّعْقِيبِ الرُّتَبِيِّ دُونَ الوُجُودِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى يَكُونَ رُؤْيَتُهم لِلْعَذابِ الألِيمِ، فَما هو أشَدُّ مِنها وهو مُفاجَأتُهُ، فَما هو أشَدُّ مِنهُ وهو سُؤالُهُمُ النَّظْرَةَ، نَظِيرُ ما في قَوْلِكَ: (إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ فَمَقَتَكَ اللَّهُ تَعالى) فَلا يَرِدُ أنَّ البَغْتَ مِن غَيْرِ شُعُورٍ لا يَصِحُّ تَعَقُّبُهُ لِلرُّؤْيَةِ في الوُجُودِ. وقالَ سَرِيُّ الدِّينِ المِصْرِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - في تَوْجِيهِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ مِنَ التَّعْقِيبِ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ تَكُونُ تارَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ صفحة 130 أماراتِهِ وظُهُورِ مُقَدِّماتِهِ ومُشاهَدَةِ عَلاماتِهِ، وأُخْرى بَغْتَةً لا يَتَقَدَّمُها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَكانَتْ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مُحْتاجَةً إلى التَّفْسِيرِ فَعُطِفَ عَلَيْها بِالفاءِ التَّفْسِيرِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ وصَحَّ بَيْنَهُما مَعْنى التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ مَرْتَبَةَ المُفَسِّرِ في الذِّكْرِ أنْ يَقَعَ بَعْدَ المُفَسَّرِ، كَما فُعِلَ في التَّفْصِيلِ بِالقِياسِ إلى الإجْمالِ، كَما يُسْتَفادُ مِن تَحْقِيقاتِ الشَّرِيفِ في شَرْحِ المِفْتاحِ. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن بابِ القَلْبِ، كَما هو أحَدُ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ لِلْمُبالَغَةِ في مُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، حَتّى كَأنَّهم رَأوْهُ قَبْلَ المُفاجَأةِ، والمَعْنى: حَتّى يَأْتِيَهُمُ العَذابُ الألِيمُ بَغْتَةً فَيَرَوْهُ، انْتَهى. وجَعَلَها بَعْضُهم لِلتَّفْصِيلِ، واعْتُرِضَ - عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ - بِأنَّ العَذابَ الألِيمَ مُنْطَوٍ عَلى شِدَّةِ البَغْتِ، فَلا يَصِحُّ التَّرْتِيبُ والتَّعْقِيبُ الرُّتَبِيُّ، وهو وهْمٌ كَما لا يَخْفى. والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ (وهم لا يَشْعُرُونَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ (بَغْتَةً) فَإنَّها - كَما قالَ الرّاغِبُ - مُفاجَأةُ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وما بَعْدَها إنْ كانَتْ في الدُّنْيا - كَما قِيلَ - فَإتْيانُ العَذابِ الألِيمِ فِيها بَغْتَةً مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُفاجِئُهم فِيها ما لَمْ يَكُنْ يَمُرُّ بِخاطِرِهِمْ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ، وإنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فَوْجَهُ إتْيانِهِ فِيها بَغْتَةً - عَلى ما زَعَمَهُ بَعْضُهم - أنَّ المُرادَ بِهِ أنْ يَأْتِيَهم مِن غَيْرِ اسْتِعْدادٍ لَهُ وانْتِظارٍ، فافْهَمْ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى «تَأْتِيَهُمْ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلسّاعَةِ، وأبُو حَيّانَ عَلى أنَّهُ لِلْعَذابِ بِتَأْوِيلِ العُقُوبَةِ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: لِلْعَذابِ وأُنِّثَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ؛ تَكْذِيبًا بِها، انْتَهى. وهُوَ في غايَةِ الغَرابَةِ، وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ إضافَةَ العَذابِ إلى السّاعَةِ مَعْنًى؛ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ - بِزَعْمِهِ -: حَتّى يَرَوْا عَذابَ السّاعَةِ الألِيمَ، وقالَ: بِاكْتِسائِهِ التَّأْنِيثَ مِنها بِسَبَبِ إضافَتِهِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلى المُؤَنَّثِ قَدْ تُكْسِي المُضافَ المُذَكَّرَ التَّأْنِيثَ كَما في قَوْلِهِ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ ولَمْ أرَ أحَدًا سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ «بَغَتَةً» بِالتَّحْرِيكِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – (ويَرَوْهُ بَغْتَةً).

الشعراء 26:203

﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ أيِ: العَذابُ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِإتْيانِهِ ﴿فَيَقُولُوا﴾ - أيْ تَحَسُّرًا عَلى ما فاتَ مِنَ الإيمانِ، وتَمَنِّيًا لِلْإمْهالِ لِتَلافِي ما فَرَطُوهُ -: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ عاطِفَةٌ، وهي - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ - لِلتَّعْقِيبِ الرُّتَبِيِّ دُونَ الوُجُودِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى يَكُونَ رُؤْيَتُهم لِلْعَذابِ الألِيمِ، فَما هو أشَدُّ مِنها وهو مُفاجَأتُهُ، فَما هو أشَدُّ مِنهُ وهو سُؤالُهُمُ النَّظْرَةَ، نَظِيرُ ما في قَوْلِكَ: (إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ فَمَقَتَكَ اللَّهُ تَعالى) فَلا يَرِدُ أنَّ البَغْتَ مِن غَيْرِ شُعُورٍ لا يَصِحُّ تَعَقُّبُهُ لِلرُّؤْيَةِ في الوُجُودِ. وقالَ سَرِيُّ الدِّينِ المِصْرِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - في تَوْجِيهِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ مِنَ التَّعْقِيبِ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ تَكُونُ تارَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ صفحة 130 أماراتِهِ وظُهُورِ مُقَدِّماتِهِ ومُشاهَدَةِ عَلاماتِهِ، وأُخْرى بَغْتَةً لا يَتَقَدَّمُها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَكانَتْ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مُحْتاجَةً إلى التَّفْسِيرِ فَعُطِفَ عَلَيْها بِالفاءِ التَّفْسِيرِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ وصَحَّ بَيْنَهُما مَعْنى التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ مَرْتَبَةَ المُفَسِّرِ في الذِّكْرِ أنْ يَقَعَ بَعْدَ المُفَسَّرِ، كَما فُعِلَ في التَّفْصِيلِ بِالقِياسِ إلى الإجْمالِ، كَما يُسْتَفادُ مِن تَحْقِيقاتِ الشَّرِيفِ في شَرْحِ المِفْتاحِ. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن بابِ القَلْبِ، كَما هو أحَدُ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ لِلْمُبالَغَةِ في مُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، حَتّى كَأنَّهم رَأوْهُ قَبْلَ المُفاجَأةِ، والمَعْنى: حَتّى يَأْتِيَهُمُ العَذابُ الألِيمُ بَغْتَةً فَيَرَوْهُ، انْتَهى. وجَعَلَها بَعْضُهم لِلتَّفْصِيلِ، واعْتُرِضَ - عَلى ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ - بِأنَّ العَذابَ الألِيمَ مُنْطَوٍ عَلى شِدَّةِ البَغْتِ، فَلا يَصِحُّ التَّرْتِيبُ والتَّعْقِيبُ الرُّتَبِيُّ، وهو وهْمٌ كَما لا يَخْفى. والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ (وهم لا يَشْعُرُونَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ (بَغْتَةً) فَإنَّها - كَما قالَ الرّاغِبُ - مُفاجَأةُ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وما بَعْدَها إنْ كانَتْ في الدُّنْيا - كَما قِيلَ - فَإتْيانُ العَذابِ الألِيمِ فِيها بَغْتَةً مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُفاجِئُهم فِيها ما لَمْ يَكُنْ يَمُرُّ بِخاطِرِهِمْ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ، وإنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فَوْجَهُ إتْيانِهِ فِيها بَغْتَةً - عَلى ما زَعَمَهُ بَعْضُهم - أنَّ المُرادَ بِهِ أنْ يَأْتِيَهم مِن غَيْرِ اسْتِعْدادٍ لَهُ وانْتِظارٍ، فافْهَمْ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى «تَأْتِيَهُمْ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلسّاعَةِ، وأبُو حَيّانَ عَلى أنَّهُ لِلْعَذابِ بِتَأْوِيلِ العُقُوبَةِ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: لِلْعَذابِ وأُنِّثَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ؛ تَكْذِيبًا بِها، انْتَهى. وهُوَ في غايَةِ الغَرابَةِ، وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ إضافَةَ العَذابِ إلى السّاعَةِ مَعْنًى؛ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ - بِزَعْمِهِ -: حَتّى يَرَوْا عَذابَ السّاعَةِ الألِيمَ، وقالَ: بِاكْتِسائِهِ التَّأْنِيثَ مِنها بِسَبَبِ إضافَتِهِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ إلى المُؤَنَّثِ قَدْ تُكْسِي المُضافَ المُذَكَّرَ التَّأْنِيثَ كَما في قَوْلِهِ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ ولَمْ أرَ أحَدًا سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ «بَغَتَةً» بِالتَّحْرِيكِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – (ويَرَوْهُ بَغْتَةً).

الشعراء 26:204

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَهُ قَبْلَ أوانِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ) وقَوْلُهُمْ: (فائْتِنا بِما تَعِدُنا) ونَحْوُهُما. ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: فَأخْبِرْ ﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ أيْ: مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ بِطُولِ الأعْمالِ وطِيبِ المَعاشِ، أوْ عُمُرَ الدُّنْيا - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ إشارَةً إلى قِلَّتِهِ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيِ: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَهُ مِنَ العَذابِ ﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ، أوْ أيُّ غَناءٍ أغْنى عَنْهم ﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أيْ: كَوْنُهم مُمَتَّعِينَ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ المَدِيدَ، عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ كَما هو الأوْلى، أوِ الَّذِي كانُوا يُمَتَّعُونَهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلنَّفْيِ والإنْكارِ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِكَوْنِهِ أوْفَقَ لِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ، وأدَلَّ عَلى انْتِفاءِ الإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وفِي رَبْطِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كَما في الكَشّافِ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّبْكِيتِ وإنْكارِ أنْ يَسْتَعْجِلَ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ النَّظْرَةَ والإمْهالَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ صفحة 131 إلَيْها، والمَعْنى - عَلى هَذا كَما في الكَشْفِ -: أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ دُونَ مُشاهَدَةِ العَذابِ قالَ سُبْحانَهُ: إنَّ هَذا العَذابَ المَوْعُودَ - وإنْ تَأخَّرَ أيّامًا قَلائِلَ - فَهو لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وهُنالِكَ لا يَنْفَعُهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ الِاغْتِرارِ المُثْمِرِ لِعَدَمِ الإيمانِ، وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ: لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ وكَيْتَ وكَيْتَ، فَإنَّ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم هَذا العَذابُ المَوْعُودُ، فَأيُّ شَيْءٍ أوْ فَأيُّ غَناءٍ يُغْنِي عَنْهم تَمْتِيعُهم تِلْكَ الأيّامَ القَلائِلَ؟! فَجِيءَ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ في مَعْنى (أخْبِرْ) إفادَةً لِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يُخْبَرَ بِها كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَتَعَجَّبَ. ووُسِّطَ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لِلتَّبْكِيتِ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وجِيءَ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى السّابِقِ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ العَذابُ قِيلَ: أيَسْتَعْجِلُ هَذا العَذابَ عاقِلٌ. وفِي الإرْشادِ اخْتِيارُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وجَعْلُ الفاءِ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِخْبارِ - عَلى ذَلِكَ القَوْلِ - وهي مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ مَعْنًى وتَأْخِيرُها عَنْها صُورَةً لِاقْتِضاءِ الهَمْزَةِ الصَّدارَةَ، وإنَّ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، وجَعْلُ الفاءِ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَكُونُ حالُهم كَما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ الألِيمِ فَيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا، وبَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ: أيَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ فَيَسْتَعْجِلُونَ إلَخْ، وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ كَما ذَكَرْنا قالَ: إنَّ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ في هَذا الوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ يَقُولُ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ. والثّانِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كَلامٌ يُوَبَّخُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيهِ ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ حُكِيَ لَنا لُطْفًا ( ويَسْتَعْجِلُونَ ) عَلَيْهِ في مَعْنى اسْتَعْجَلْتُمْ، إذْ كَذَلِكَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ، وكَأنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ أوِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ وارْتِباطَ ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الوَجْهِ السّابِقِ. والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طِوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتِّكالًا عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ. وعَلى هَذا يَكُونُ ( أفَبِعَذابِنا ) إلَخْ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ بِلا خِلافٍ نَحْوِ (أيَسْتَهْزِئُونَ) ( أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ تَعْجُّبًا مِن حالِهِمْ مُتَرَتِّبًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ، والكَلامُ نَظِيرُ ما تَقُولُ لِمُخاطَبِكَ: هَلْ تَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ العَشائِرِ والأمْوالِ؟! فاحْسُبْ أنَّها بَلَغَتْ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُ ألَيْسَ بَعْدَهُ المَوْتُ وتَرْكُهُما عَلى حَسْرَةٍ!. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِعَذابِنا) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَعْجِلُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ كَوْنُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَذابَهُ - جَلَّ جَلالُهُ - مَعَ ما فِيهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ «يُمْتَعُونَ» مِنَ الإمْتاعِ، وفي الآيَةِ مَوْعِظَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن لَهُ قَلْبٌ. رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ - وكانَ يَتَمَنّى لِقاءَهُ - فَقالَ لَهُ: عِظْنِي فَلَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ.

الشعراء 26:205

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَهُ قَبْلَ أوانِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ) وقَوْلُهُمْ: (فائْتِنا بِما تَعِدُنا) ونَحْوُهُما. ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: فَأخْبِرْ ﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ أيْ: مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ بِطُولِ الأعْمالِ وطِيبِ المَعاشِ، أوْ عُمُرَ الدُّنْيا - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ إشارَةً إلى قِلَّتِهِ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيِ: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَهُ مِنَ العَذابِ ﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ، أوْ أيُّ غَناءٍ أغْنى عَنْهم ﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أيْ: كَوْنُهم مُمَتَّعِينَ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ المَدِيدَ، عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ كَما هو الأوْلى، أوِ الَّذِي كانُوا يُمَتَّعُونَهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلنَّفْيِ والإنْكارِ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِكَوْنِهِ أوْفَقَ لِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ، وأدَلَّ عَلى انْتِفاءِ الإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وفِي رَبْطِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كَما في الكَشّافِ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّبْكِيتِ وإنْكارِ أنْ يَسْتَعْجِلَ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ النَّظْرَةَ والإمْهالَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ صفحة 131 إلَيْها، والمَعْنى - عَلى هَذا كَما في الكَشْفِ -: أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ دُونَ مُشاهَدَةِ العَذابِ قالَ سُبْحانَهُ: إنَّ هَذا العَذابَ المَوْعُودَ - وإنْ تَأخَّرَ أيّامًا قَلائِلَ - فَهو لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وهُنالِكَ لا يَنْفَعُهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ الِاغْتِرارِ المُثْمِرِ لِعَدَمِ الإيمانِ، وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ: لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ وكَيْتَ وكَيْتَ، فَإنَّ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم هَذا العَذابُ المَوْعُودُ، فَأيُّ شَيْءٍ أوْ فَأيُّ غَناءٍ يُغْنِي عَنْهم تَمْتِيعُهم تِلْكَ الأيّامَ القَلائِلَ؟! فَجِيءَ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ في مَعْنى (أخْبِرْ) إفادَةً لِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يُخْبَرَ بِها كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَتَعَجَّبَ. ووُسِّطَ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لِلتَّبْكِيتِ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وجِيءَ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى السّابِقِ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ العَذابُ قِيلَ: أيَسْتَعْجِلُ هَذا العَذابَ عاقِلٌ. وفِي الإرْشادِ اخْتِيارُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وجَعْلُ الفاءِ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِخْبارِ - عَلى ذَلِكَ القَوْلِ - وهي مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ مَعْنًى وتَأْخِيرُها عَنْها صُورَةً لِاقْتِضاءِ الهَمْزَةِ الصَّدارَةَ، وإنَّ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، وجَعْلُ الفاءِ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَكُونُ حالُهم كَما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ الألِيمِ فَيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا، وبَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ: أيَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ فَيَسْتَعْجِلُونَ إلَخْ، وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ كَما ذَكَرْنا قالَ: إنَّ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ في هَذا الوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ يَقُولُ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ. والثّانِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كَلامٌ يُوَبَّخُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيهِ ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ حُكِيَ لَنا لُطْفًا ( ويَسْتَعْجِلُونَ ) عَلَيْهِ في مَعْنى اسْتَعْجَلْتُمْ، إذْ كَذَلِكَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ، وكَأنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ أوِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ وارْتِباطَ ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الوَجْهِ السّابِقِ. والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طِوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتِّكالًا عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ. وعَلى هَذا يَكُونُ ( أفَبِعَذابِنا ) إلَخْ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ بِلا خِلافٍ نَحْوِ (أيَسْتَهْزِئُونَ) ( أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ تَعْجُّبًا مِن حالِهِمْ مُتَرَتِّبًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ، والكَلامُ نَظِيرُ ما تَقُولُ لِمُخاطَبِكَ: هَلْ تَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ العَشائِرِ والأمْوالِ؟! فاحْسُبْ أنَّها بَلَغَتْ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُ ألَيْسَ بَعْدَهُ المَوْتُ وتَرْكُهُما عَلى حَسْرَةٍ!. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِعَذابِنا) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَعْجِلُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ كَوْنُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَذابَهُ - جَلَّ جَلالُهُ - مَعَ ما فِيهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ «يُمْتَعُونَ» مِنَ الإمْتاعِ، وفي الآيَةِ مَوْعِظَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن لَهُ قَلْبٌ. رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ - وكانَ يَتَمَنّى لِقاءَهُ - فَقالَ لَهُ: عِظْنِي فَلَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ.

الشعراء 26:206

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَهُ قَبْلَ أوانِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ) وقَوْلُهُمْ: (فائْتِنا بِما تَعِدُنا) ونَحْوُهُما. ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: فَأخْبِرْ ﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ أيْ: مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ بِطُولِ الأعْمالِ وطِيبِ المَعاشِ، أوْ عُمُرَ الدُّنْيا - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ إشارَةً إلى قِلَّتِهِ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيِ: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَهُ مِنَ العَذابِ ﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ، أوْ أيُّ غَناءٍ أغْنى عَنْهم ﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أيْ: كَوْنُهم مُمَتَّعِينَ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ المَدِيدَ، عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ كَما هو الأوْلى، أوِ الَّذِي كانُوا يُمَتَّعُونَهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلنَّفْيِ والإنْكارِ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِكَوْنِهِ أوْفَقَ لِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ، وأدَلَّ عَلى انْتِفاءِ الإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وفِي رَبْطِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كَما في الكَشّافِ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّبْكِيتِ وإنْكارِ أنْ يَسْتَعْجِلَ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ النَّظْرَةَ والإمْهالَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ صفحة 131 إلَيْها، والمَعْنى - عَلى هَذا كَما في الكَشْفِ -: أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ دُونَ مُشاهَدَةِ العَذابِ قالَ سُبْحانَهُ: إنَّ هَذا العَذابَ المَوْعُودَ - وإنْ تَأخَّرَ أيّامًا قَلائِلَ - فَهو لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وهُنالِكَ لا يَنْفَعُهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ الِاغْتِرارِ المُثْمِرِ لِعَدَمِ الإيمانِ، وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ: لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ وكَيْتَ وكَيْتَ، فَإنَّ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم هَذا العَذابُ المَوْعُودُ، فَأيُّ شَيْءٍ أوْ فَأيُّ غَناءٍ يُغْنِي عَنْهم تَمْتِيعُهم تِلْكَ الأيّامَ القَلائِلَ؟! فَجِيءَ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ في مَعْنى (أخْبِرْ) إفادَةً لِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يُخْبَرَ بِها كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَتَعَجَّبَ. ووُسِّطَ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لِلتَّبْكِيتِ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وجِيءَ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى السّابِقِ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ العَذابُ قِيلَ: أيَسْتَعْجِلُ هَذا العَذابَ عاقِلٌ. وفِي الإرْشادِ اخْتِيارُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وجَعْلُ الفاءِ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِخْبارِ - عَلى ذَلِكَ القَوْلِ - وهي مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ مَعْنًى وتَأْخِيرُها عَنْها صُورَةً لِاقْتِضاءِ الهَمْزَةِ الصَّدارَةَ، وإنَّ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، وجَعْلُ الفاءِ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَكُونُ حالُهم كَما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ الألِيمِ فَيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا، وبَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ: أيَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ فَيَسْتَعْجِلُونَ إلَخْ، وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ كَما ذَكَرْنا قالَ: إنَّ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ في هَذا الوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ يَقُولُ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ. والثّانِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كَلامٌ يُوَبَّخُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيهِ ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ حُكِيَ لَنا لُطْفًا ( ويَسْتَعْجِلُونَ ) عَلَيْهِ في مَعْنى اسْتَعْجَلْتُمْ، إذْ كَذَلِكَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ، وكَأنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ أوِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ وارْتِباطَ ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الوَجْهِ السّابِقِ. والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طِوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتِّكالًا عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ. وعَلى هَذا يَكُونُ ( أفَبِعَذابِنا ) إلَخْ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ بِلا خِلافٍ نَحْوِ (أيَسْتَهْزِئُونَ) ( أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ تَعْجُّبًا مِن حالِهِمْ مُتَرَتِّبًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ، والكَلامُ نَظِيرُ ما تَقُولُ لِمُخاطَبِكَ: هَلْ تَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ العَشائِرِ والأمْوالِ؟! فاحْسُبْ أنَّها بَلَغَتْ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُ ألَيْسَ بَعْدَهُ المَوْتُ وتَرْكُهُما عَلى حَسْرَةٍ!. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِعَذابِنا) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَعْجِلُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ كَوْنُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَذابَهُ - جَلَّ جَلالُهُ - مَعَ ما فِيهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ «يُمْتَعُونَ» مِنَ الإمْتاعِ، وفي الآيَةِ مَوْعِظَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن لَهُ قَلْبٌ. رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ - وكانَ يَتَمَنّى لِقاءَهُ - فَقالَ لَهُ: عِظْنِي فَلَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ.

الشعراء 26:207

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَهُ قَبْلَ أوانِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ) وقَوْلُهُمْ: (فائْتِنا بِما تَعِدُنا) ونَحْوُهُما. ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: فَأخْبِرْ ﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ أيْ: مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ بِطُولِ الأعْمالِ وطِيبِ المَعاشِ، أوْ عُمُرَ الدُّنْيا - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ إشارَةً إلى قِلَّتِهِ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيِ: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَهُ مِنَ العَذابِ ﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ، أوْ أيُّ غَناءٍ أغْنى عَنْهم ﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أيْ: كَوْنُهم مُمَتَّعِينَ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ المَدِيدَ، عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ كَما هو الأوْلى، أوِ الَّذِي كانُوا يُمَتَّعُونَهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ لِلنَّفْيِ والإنْكارِ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِكَوْنِهِ أوْفَقَ لِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ، وأدَلَّ عَلى انْتِفاءِ الإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. وفِي رَبْطِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كَما في الكَشّافِ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّبْكِيتِ وإنْكارِ أنْ يَسْتَعْجِلَ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ النَّظْرَةَ والإمْهالَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ صفحة 131 إلَيْها، والمَعْنى - عَلى هَذا كَما في الكَشْفِ -: أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ دُونَ مُشاهَدَةِ العَذابِ قالَ سُبْحانَهُ: إنَّ هَذا العَذابَ المَوْعُودَ - وإنْ تَأخَّرَ أيّامًا قَلائِلَ - فَهو لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وهُنالِكَ لا يَنْفَعُهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ الِاغْتِرارِ المُثْمِرِ لِعَدَمِ الإيمانِ، وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ: لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ وكَيْتَ وكَيْتَ، فَإنَّ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم هَذا العَذابُ المَوْعُودُ، فَأيُّ شَيْءٍ أوْ فَأيُّ غَناءٍ يُغْنِي عَنْهم تَمْتِيعُهم تِلْكَ الأيّامَ القَلائِلَ؟! فَجِيءَ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ في مَعْنى (أخْبِرْ) إفادَةً لِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يُخْبَرَ بِها كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَتَعَجَّبَ. ووُسِّطَ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لِلتَّبْكِيتِ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وجِيءَ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى السّابِقِ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ العَذابُ قِيلَ: أيَسْتَعْجِلُ هَذا العَذابَ عاقِلٌ. وفِي الإرْشادِ اخْتِيارُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ وجَعْلُ الفاءِ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِخْبارِ - عَلى ذَلِكَ القَوْلِ - وهي مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ مَعْنًى وتَأْخِيرُها عَنْها صُورَةً لِاقْتِضاءِ الهَمْزَةِ الصَّدارَةَ، وإنَّ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، وجَعْلُ الفاءِ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَكُونُ حالُهم كَما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ الألِيمِ فَيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا، وبَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ: أيَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ فَيَسْتَعْجِلُونَ إلَخْ، وصاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ كَما ذَكَرْنا قالَ: إنَّ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ في هَذا الوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ يَقُولُ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ. والثّانِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كَلامٌ يُوَبَّخُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيهِ ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ حُكِيَ لَنا لُطْفًا ( ويَسْتَعْجِلُونَ ) عَلَيْهِ في مَعْنى اسْتَعْجَلْتُمْ، إذْ كَذَلِكَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ، وكَأنَّ أمْرَ التَّرْتِيبِ أوِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ وارْتِباطَ ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الوَجْهِ السّابِقِ. والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طِوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتِّكالًا عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ. وعَلى هَذا يَكُونُ ( أفَبِعَذابِنا ) إلَخْ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ بِلا خِلافٍ نَحْوِ (أيَسْتَهْزِئُونَ) ( أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ إلَخْ تَعْجُّبًا مِن حالِهِمْ مُتَرَتِّبًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ، والكَلامُ نَظِيرُ ما تَقُولُ لِمُخاطَبِكَ: هَلْ تَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ العَشائِرِ والأمْوالِ؟! فاحْسُبْ أنَّها بَلَغَتْ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُ ألَيْسَ بَعْدَهُ المَوْتُ وتَرْكُهُما عَلى حَسْرَةٍ!. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِعَذابِنا) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَعْجِلُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ كَوْنُ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَذابَهُ - جَلَّ جَلالُهُ - مَعَ ما فِيهِ - عَلى ما قِيلَ - مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ «يُمْتَعُونَ» مِنَ الإمْتاعِ، وفي الآيَةِ مَوْعِظَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن لَهُ قَلْبٌ. رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ - وكانَ يَتَمَنّى لِقاءَهُ - فَقالَ لَهُ: عِظْنِي فَلَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ.

الشعراء 26:208

﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ قَدْ أنْذَرُوا أهْلَها؛ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا ومُنْذِرُونَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( قَرْيَةٍ ) قالَهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: الإعْرابُ أنْ يَكُونَ (لَها) في مَوْضِعِ الحالِ وارْتَفَعَ ﴿مُنْذِرُونَ﴾ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: إلّا كائِنًا لَها مُنْذِرُونَ، فَيَكُونُ مِن مَجِيءِ الحالِ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً، ومَجِيءُ الحالِ مِنَ المَنفِيِّ كَقَوْلِكَ: (ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ صفحة 132 إلّا قائِمًا فَصِيحٍ) انْتَهى، وفي الوَجْهَيْنِ مَجِيءُ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ. وحَسُنَ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ عُمُومُها - لِوُقُوعِها في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ (مِن) قَبْلَها، وكَأنَّ هَذا القائِلَ جَعَلَ العُمُومَ مُسَوِّغًا لِمَجِيءِ الحالِ قِياسًا عَلى جَعْلِهِمْ إيّاهُ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ لِاشْتِراكِ العِلَّةِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ «لَها مُنْذِرُونَ» جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَرْيَةٍ، ولَمْ يَجَوِّزْ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ (إلّا) صِفَةً، ثُمَّ قالَ: مَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ لا تَجِيءُ الصِّفَةُ بَعْدَ إلّا مُعْتَمِدَةً عَلى أداةِ الِاسْتِثْناءِ، نَحْوُ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا راكِبٌ، وإذا سُمِعَ خُرِّجَ عَلى البَدَلِ، أيْ: إلّا رَجُلٌ راكِبٌ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَذْهَبِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: (ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا قائِمًا) ولا يُحْفَظُ مِن كَلامِها: (ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا قائِمٌ) فَلَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلنَّكِرَةِ لَوَرَدَ المُفْرَدُ بَعْدَ إلّا صِفَةً لَها، فَإنْ كانَتِ الصِّفَةُ غَيْرَ مُعْتَمِدَةٍ عَلى الأداةِ جاءَتِ الصِّفَةُ بَعْدَ إلّا، نَحْوُ: (ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ خَيْرٌ مِن عَمْرٍو) فَإنَّ التَّقْدِيرَ: (ما جاءَنِي أحَدٌ خَيْرٌ مِن عَمْرٍو إلّا زَيْدٌ) انْتَهى، فَتَذَكَّرْ. وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ «لَها» لِلْقَرْيَةِ الَّتِي هي - لِما سَمِعْتَ - في مَعْنى الجَمْعِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ وما أهْلَكْنا القُرى إلّا لَها مُنْذِرُونَ، عَلى مَعْنى أنَّ لِلْكُلِّ مُنْذِرِينَ، أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ مِنها مُنْذِرٌ واحِدٌ أوْ أكْثَرُ.

الشعراء 26:209

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُنْذِرُونَ﴾ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، فَعَلى الحالِ إمّا أنْ يُقَدَّرَ (ذَوِي ذِكْرى) أوْ يُقَدَّرَ (مُذَكِّرِينَ) أوْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ، وعَلى المَصْدَرِ فالعامِلُ ﴿مُنْذِرُونَ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى مُذَكِّرُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ ذِكْرى، أيْ تَذْكِرَةً. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى (هَذِهِ ذِكْرى) والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى (مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى أوْ مُذَكِّرِينَ) أوْ جُعِلُوا نَفْسَ الذِّكْرى مُبالَغَةً لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ(أهْلَكْنا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ظالِمِينَ إلّا بَعْدَما ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ بِإرْسال المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وبُيِّنَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ وعِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ، وبِأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُجْعَلُوا نَكالًا وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ كالأُمَمِ السَّوالِفِ، حَيْثُ فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، فَجُوزُوا بِما جُوزُوا، وحِينَئِذٍ يَتَلاءَمُ الكَلامُ، انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ أنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى الأداةِ، والمَفْعُولُ لَهُ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(أهْلَكْنا). ويَتَخَرَّجُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ - وإنْ كانا لَمْ يَنْصِبا عَلى المَفْعُولِ لَهُ هُنا، وكانَ ذَلِكَ لِما في نَصْبِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ - وأمْرُ الِالتِئامِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى. ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيْسَ شَأْنُنا أنْ يَصْدُرَ عَنّا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ما هو في صُورَةِ الظُّلْمِ لَوْ صَدَرَ مَن غَيْرِنا، بِأنْ نُهْلِكَ أحَدًا قَبْلَ إنْذارِهِ، أوْ بِأنْ نُعاقِبَ مَن لَمْ يَظْلِمْ، ولِإرادَةِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - قالَ: وما كُنّا دُونَ: (وما نَظْلِمُ).

الشعراء 26:210

﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ، وهو رَدٌّ لِقَوْلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: إنَّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تابِعًا مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ كَما تُخْبَرُ الكَهَنَةُ، وأنَّ القُرْآنَ مِمّا ألْقاهُ إلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتَّعْبِيرُ بِالتَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ النُّزُولَ لَوْ وقَعَ لَكانَ بِالِاسْتِراقِ التَّدْرِيجِيِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ «الشَّياطُونَ» فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو غَلَطٌ مِنَ الحَسَنِ أوْ عَلَيْهِ، وقالَ النَّحّاسُ: هو غَلَطٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو غَيْرُ جائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، وقالَ الفَرّاءُ: غَلِطَ الشَّيْخُ، ظَنَّ أنَّها النُّونُ الَّتِي عَلى هِجائِينَ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إنْ جازَ أنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ العَجّاجِ ورُؤْبَةَ فَهَلّا جازَ أنْ يُحْتَجَّ صفحة 133 بِقَوْلِ الحَسَنِ وصاحِبِهِ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّهُما لَمْ يَقْرَآ بِهِ إلّا وقَدْ سَمِعا فِيهِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، فَقُلْتُ: ما أشْبَهَ هَذا بِقِراءَةِ الحَسَنِ، انْتَهى. ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُهُ كَآخِرِ يَبْرِينَ وفِلَسْطِينَ - وقَدْ قِيلَ فِيهِما يَبْرُونَ وفِلَسْطُونَ - أُجْرِيَ فِيهِ نَحْوُ ما أُجْرِيَ فِيهِما، فَقِيلَ: الشَّياطُونَ. وحُقُّهُ عَلى هَذا - عَلى ما في الكَشّافِ - أنْ يُشْتَقَّ مِنَ الشَّيْطُوطَةِ وهي الهَلاكُ، وفي البَحْرِ - نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ - إنْ كانَ اشْتِقاقُهُ مِن شاطَ - أيِ: احْتَرَقَ - يَشِيطُ شَوْطَةً كانَ لِقِراءَتِهِما وجْهٌ، قِيلَ: ووَجْهُها أنَّ بِناءَ المُبالَغَةِ مِنهُ شَيّاطٌ وجَمْعُهُ الشَّياطُونَ فَخَفَّفا الياءَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُما التَّشْدِيدُ، وقَرَأ بِهِ غَيْرُهُما. وقالَ بَعْضٌ: إنَّهُ جَمْعُ شِياطٍ مَصْدَرِ شاطَ (كَخاطَ خِياطًا) كَأنَّهُما رَدّا الوَصْفَ إلى المَصْدَرِ بِمَعْناهُ مُبالَغَةً، ثُمَّ جَمَعا والكُلُّ كَما تَرى، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: لا وجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ القِراءَةِ البَتَّةَ. وقَدْ أطْنَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في تَصْحِيحِها، ثُمَّ قالَ: وعَلى كُلِّ حالٍ فالشَّياطُونَ غَلَطٌ، وأبُو حَيّانَ لا يَرْضى بِكَوْنِهِ غَلَطًا ويَقُولُ: قَرَأ بِهِ الحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ والأعْمَشُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: غَلِطُوا؛ لِأنَّهم مِنَ العِلْمِ ونَقْلِ القُرْآنِ بِمَكانٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والَّذِي أراهُ أنَّهُ مَتى صَحَّ رَفْعُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ لَزِمَ تَوْجِيهُها؛ فَإنَّهم لا يَقْرَؤُونَ إلّا عَنْ رِوايَةٍ كَغَيْرِهِمْ مِنَ القُرّاءِ في جَمِيعِ ما يَقْرَؤُنَهُ عِنْدَنا، وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ بَعْضَ القِراءاتِ بِالرَّأْيِ.

الشعراء 26:211

﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَهم ذَلِكَ ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: وما يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ أصْلًا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾ لِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أيْ مَمْنُوعُونَ بِالشُّهُبِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُمَكَّنِينَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ والمُرادُ تَعْلِيلُ ما تَقَدَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ لِأنَّهم إذا كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْ سَماعِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ كانُوا مَمْنُوعِينَ مَن أخْذِ القُرْآنِ المَجِيدِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ مِن بَيْتِ العِزَّةِ، أوْ مِن سَماعِهِ إذْ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَن شاءَ في سَمائِهِ - مِن بابٍ أوْلى. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهم لَمَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمُشارَكَةِ في صِفاتِ الذّاتِ، وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ، والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِصِفاتٍ هم مُتَّصِفُونَ بِنَقائِضِها فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ؟! وظاهِرُ الآياتِ أنَّهم إلى اليَوْمِ يَسْتَرِقُونَهُ ويَخْطِفُونَ الخَطْفَةَ فَيَتْبَعُهم شِهابٌ ثاقِبٌ، وأيْضًا لَوْ كانَ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلسَّمْعِ - وهو مُنْتَفٍ فِيهِمْ - فَأيُّ فائِدَةٍ لِلْحَرَسِ ومَنعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ. وأيْضًا لَوْ صَحَّ ما ذُكِرَ لَمْ يَتَأتَّ لَهم سَماعُ القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَقائِقِ والمُغَيَّباتِ أمْ لا، فَما فائِدَةٌ في قَوْلِهِ: والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وإنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا كانَ وحْيًا مُنَزَّلًا عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَشْرُوطٌ بِما ذُكِرَ فَهو - مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ ظاهِرِ الكَلامِ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ يَنْزِلُ مَعَهُ رَصَدٌ؛ حِفْظًا لِلْوَحْيِ مِنَ الشَّيْطانِ؟! وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وأيْضًا ظاهِرُ العَزْلِ عَنِ السَّمْعِ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ قَبْلُ ثُمَّ مُنِعُوا عَنْهُ، فَيَلْزَمُ - عَلى ما ذُكِرَ - أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ مِن قَبْلُ مَعَ أنَّ نُفُوسَهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ صفحة 134 فَيَبْطُلُ كَوْنُ المُشارَكَةِ المَذْكُورَةِ شَرْطًا لِلسَّمْعِ، فَإنِ ادُّعِيَ أنَّ الشَّرْطَ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ ثُمَّ فُقِدَ والتُزِمَ القَوْلُ بِجَوازِ تَغَيُّرِ ما بِالذّاتِ فَهو مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وقِياسُ جَمِيعِ الشَّياطِينِ عَلى إبْلِيسَ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - مِمّا لا يَخْفى حالُهُ، فَتَدَبَّرْ. وبِالجُمْلَةِ الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا، وسَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ، والمُرادُ أنَّهم لا يُصْغُونَ لِلْحَقِّ لِعِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ شَمَّةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

الشعراء 26:212

﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَهم ذَلِكَ ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: وما يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ أصْلًا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾ لِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أيْ مَمْنُوعُونَ بِالشُّهُبِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُمَكَّنِينَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ والمُرادُ تَعْلِيلُ ما تَقَدَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ لِأنَّهم إذا كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْ سَماعِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ كانُوا مَمْنُوعِينَ مَن أخْذِ القُرْآنِ المَجِيدِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ مِن بَيْتِ العِزَّةِ، أوْ مِن سَماعِهِ إذْ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَن شاءَ في سَمائِهِ - مِن بابٍ أوْلى. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهم لَمَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمُشارَكَةِ في صِفاتِ الذّاتِ، وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ، والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِصِفاتٍ هم مُتَّصِفُونَ بِنَقائِضِها فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ؟! وظاهِرُ الآياتِ أنَّهم إلى اليَوْمِ يَسْتَرِقُونَهُ ويَخْطِفُونَ الخَطْفَةَ فَيَتْبَعُهم شِهابٌ ثاقِبٌ، وأيْضًا لَوْ كانَ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلسَّمْعِ - وهو مُنْتَفٍ فِيهِمْ - فَأيُّ فائِدَةٍ لِلْحَرَسِ ومَنعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ. وأيْضًا لَوْ صَحَّ ما ذُكِرَ لَمْ يَتَأتَّ لَهم سَماعُ القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَقائِقِ والمُغَيَّباتِ أمْ لا، فَما فائِدَةٌ في قَوْلِهِ: والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وإنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا كانَ وحْيًا مُنَزَّلًا عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَشْرُوطٌ بِما ذُكِرَ فَهو - مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ ظاهِرِ الكَلامِ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ يَنْزِلُ مَعَهُ رَصَدٌ؛ حِفْظًا لِلْوَحْيِ مِنَ الشَّيْطانِ؟! وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وأيْضًا ظاهِرُ العَزْلِ عَنِ السَّمْعِ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ قَبْلُ ثُمَّ مُنِعُوا عَنْهُ، فَيَلْزَمُ - عَلى ما ذُكِرَ - أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ مِن قَبْلُ مَعَ أنَّ نُفُوسَهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ صفحة 134 فَيَبْطُلُ كَوْنُ المُشارَكَةِ المَذْكُورَةِ شَرْطًا لِلسَّمْعِ، فَإنِ ادُّعِيَ أنَّ الشَّرْطَ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ ثُمَّ فُقِدَ والتُزِمَ القَوْلُ بِجَوازِ تَغَيُّرِ ما بِالذّاتِ فَهو مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وقِياسُ جَمِيعِ الشَّياطِينِ عَلى إبْلِيسَ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - مِمّا لا يَخْفى حالُهُ، فَتَدَبَّرْ. وبِالجُمْلَةِ الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا، وسَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ، والمُرادُ أنَّهم لا يُصْغُونَ لِلْحَقِّ لِعِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ شَمَّةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

الشعراء 26:213

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ اسْتِحالَةِ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَهْيِيجًا وحَثًّا لِازْدِيادِ الإخْلاصِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ (أخْلِصْ في التَّوْحِيدِ حَتّى لا تَرى مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ سِواهُ) وفِيهِ لُطْفٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ بِبَيانِ أنَّ الإشْراكَ مِنَ القُبْحِ والسُّوءِ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لَمْ يُمْكِنْ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ؟! وكَأنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا عَلِمْتَ ما ذُكِرَ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ

الشعراء 26:214

﴿وأنْذِرْ﴾ العَذابَ الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ الشِّرْكُ والمَعاصِي ﴿عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ذَوِي القَرابَةِ القَرِيبَةِ، أوِ الَّذِينَ هم أكْثَرُ قُرْبًا إلَيْكَ مَن غَيْرِهِمْ. والعَشِيرَةُ - عَلى ما قالَ الجَوْهَرِيُّ -: رَهْطُ الرَّجُلِ الأدْنَوْنَ، وقالَ الرّاغِبُ: هم أهْلُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَتَكَثَّرُ بِهِمْ، أيْ: يَصِيرُونَ لَهُ بِمَنزِلَةِ العَدَدِ الكامِلِ، وهو العَشَرَةُ. واشْتُهِرَ أنَّ طَبَقاتِ الأنْسابِ سِتٌّ: الأوْلى الشَّعْبُ - بِفَتْحِ الشِّينِ - وهو النَّسَبُ الأبْعَدُ كَعَدْنانَ. الثّانِيَةُ: القَبِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ الشَّعْبُ كَرَبِيعَةَ ومُضَرَ. الثّالِثَةِ: العِمارَةُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ القَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وكِنانَةَ. الرّابِعَةُ: البَطْنُ، وهو ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ العِمارَةِ كَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي مَخْزُومٍ. الخامِسَةُ: الفَخِذُ، وهو ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ البَطْنِ كَبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي أُمَيَّةَ. السّادِسَةُ: الفَصِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ الفَخِذِ كَبَنِي العَبّاسِ، وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَيْسَ دُونَ الفَصِيلَةِ إلّا الرَّجُلُ ووَلَدُهُ. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِيهِ تَقْدِيمَ الشَّعْبِ، ثُمَّ القَبِيلَةَ، ثُمَّ الفَصِيلَةَ، ثُمَّ العِمارَةَ، ثُمَّ الفَخِذَ، فَأقامَ الفَصِيلَةَ مَقامَ العِمارَةِ في ذِكْرِها بَعْدَ القَبِيلَةِ، والعِمارَةَ مَقامَ الفَصِيلَةِ في ذِكْرِها قَبْلَ الفَخِذِ، ولَمْ يُحْكَ ما يُخالِفُهُ، ولَمْ يُذْكَرْ في التَّرْتِيبَيْنِ العَشِيرَةُ، وفي البَحْرِ أنَّها تَحْتَ الفَخِذِ فَوْقَ الفَصِيلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ الأوَّلِ. وحَكى بَعْضُهم بَعْدَ أنْ نَقَلَ التَّرْتِيبَ المَذْكُورَ عَنِ النَّوَوِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّهُ قالَ في تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ: وزادَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ قَبْلَ الفَصِيلَةِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ العَشِيرَةَ إذا وُصِفَتْ بِالأقْرَبِ اتَّحَدَتْ مَعَ الفَصِيلَةِ الَّتِي هي سادِسَةُ الطَّبَقاتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأقْرَبِيَّةَ إذا كانَتْ مَأْخُوذَةً في مَفْهُومِها - كَما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الجَوْهَرِيِّ - تَسْتَغْنِي دَعْوى الِاتِّحادِ عَنِ الوَصْفِ المَذْكُورِ. وفِي كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ: كُلُّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النّاسِ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ مَشْهُورٍ بِأمْرٍ زائِدٍ فَهو شَعْبٌ كَعَدْنانَ، ودُونَهُ القَبِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ الشَّعْبِ كَرَبِيعَةَ ومُضَرَ، ثُمَّ العِمارَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ القَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وكِنانَةَ، ثُمَّ البَطْنُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ العِمارَةِ كَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، ثُمَّ الفَخِذُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ البَطْنِ كَبَنِي هاشِمٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ العَشِيرَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ الفَخِذِ كَبَنِي العَبّاسِ وبَنِي أبِي طالِبٍ، والحَيُّ يَصْدُقُ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ لِلْجَماعَةِ المُتَنازِلِينَ بِمُرَبَّعٍ مِنهُمُ، انْتَهى. ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الفَصِيلَةَ، وكَأنَّهُ يَذْهَبُ إلى اتِّحادِها بِالعَشِيرَةِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ عَشِيرَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأقْرَبِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَتِهِ صفحة 135 - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَفْعُ تَوَهُّمِ المُحاباةِ، وأنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ، وأنَّ البُداءَةَ تَكُونُ بِمَن يَلِي، ثُمَّ مَن بَعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ وفي كَيْفِيَّةِ الإنْذارِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ: مِنها ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قالُوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا؟! فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾»» ومِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وجَماعَةٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا وعَمَّ وخَصَّ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، إلّا أنَّ لَكم رَحِمًا وسَأبُلُّها بِبَلالِها»» . وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جَمَعَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَنِي هاشِمٍ فَأجْلَسَهم عَلى البابِ، وجَمَعَ نِساءَهُ وأهْلَهُ فَأجْلَسَهم في البَيْتِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَأنْذَرَهم» . وجاءَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -أنْ يَصْنَعَ طَعامًا ويَجْمَعَ لَهُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَفَعَلَ وجَمَعَهُمْ، وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، فَبَعْدَ أنْ أكَلُوا أرادَ ﷺ أنْ يُكَلِّمَهم بَدَرَهُ أبُو لَهَبٍ إلى الكَلامِ فَقالَ: لَقَدْ سَحَرَكم صاحِبُكُمْ، فَتَفَرَّقُوا، ثُمَّ دَعاهم مِنَ الغَدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ بَدَرَهم بِالكَلامِ فَقالَ: يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي أنا النَّذِيرُ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ تَعالى والبَشِيرُ، قَدْ جِئْتُكم بِما لَمْ يَجِئْ بِهِ أحَدٌ، جِئْتُكم بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأسْلِمُوا تَسْلَمُوا وأطِيعُوا تَهْتَدُوا». إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ والرِّواياتِ، وإذا صَحَّ الكُلُّ فَطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ يُقالَ بِتَعَدُّدِ الإنْذارِ. ومِنَ الرِّواياتِ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ الشِّيعَةُ فِيما يَدَّعُونَهُ في أمْرِ الخِلافَةِ، وهو مُؤَوَّلٌ أوْ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ

الشعراء 26:215

﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أمْرٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالتَّواضُعِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ وعَلاقَتُهُ اللُّزُومُ، ويُسْتَعْمَلُ في التَّكَبُّرِ رَفْعُ الجَناحِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ: وأنْتَ الشَّهِيرُ بِخَفْضِ الجَناحِ فَلا تَكُ في رَفْعِهِ أجْدَلا و(مِنَ) قِيلَ: بَيانِيَّةٌ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ في أصْلِ مَعْناهُ أعَمُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ لِدِينٍ أوْ غَيْرِهِ، فَفِيهِ إبْهامٌ، وبِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ - المُرادِ بِهِمُ المُتَّبِعُونَ لِلدِّينِ - زالَ ذَلِكَ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ بِناءً عَلى شُيُوعِ مَنِ اتَّبَعَ فِيمَنِ اتَّبَعَ لِلدِّينِ، وحَمْلِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَن صَدَّقَ بِاللِّسانِ - ولَوْ نِفاقًا - ولا شَكَّ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلدِّينِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَن شارَفَ - وإنْ لَمْ يُؤْمِن - ولا شَكَّ أيْضًا أنَّ المُتَّبَعِينَ المَذْكُورِينَ بَعْضُهُمْ، وفي الآيَةِ - عَلى القَوْلَيْنِ - أمْرٌ بِالتَّواضُعِ لِمَنِ اتَّبَعَ لِلدِّينِ. صفحة 136 وقالَ بَعْضُهم - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بَيانِيَّةً -: إنَّ المُؤْمِنِينَ يُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ، وشارَفُوا لِأنْ يُؤْمِنُوا كالمُؤَلَّفَةِ، مَجازٌ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ، وكانَ (مَنِ اتَّبَعَكَ) شائِعًا في مَن آمَنَ حَقِيقَةً ومَن آمَنَ مَجازًا فَبُيِّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُشارِفُونَ، أيْ: تَواضَعْ لِلْمُشارِفِينَ؛ اسْتِمالَةً وتَأْلِيفًا، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها تَبْعِيضِيَّةً يُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا وهم صِنْفانِ: صِنْفٌ صَدَّقَ واتَّبَعَ، وصِنْفٌ ما وُجِدَ مِنهم إلّا التَّصْدِيقُ، فَقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأُرِيدَ بَعْضُ الَّذِينَ صَدَّقُوا واتَّبَعُوا، أيْ: تَواضَعْ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مَحَبَّةً ومَوَدَّةً. وعَلى هَذا يَكُونُ الَّذِينَ أُمِرَ ﷺ بِالتَّواضُعِ لَهم عَلى تَقْدِيرِ البَيانِ غَيْرَ الَّذِينَ أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّواضُعِ لَهم عَلى تَقْدِيرِ التَّبْعِيضِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الِاتِّباعُ والإيمانُ تَوْأمانِ؛ إذِ المُتَبادَرُ مِنِ اتِّباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - اتِّباعُهُ الدِّينِيُّ، وكَذا المُتَبادَرُ مِنَ الإيمانِ الإيمانُ الحَقِيقِيُّ، وذِكْرُ ( مِنَ المُؤْمِنِينَ ) لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ كَذِكْرِ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ بَعْدَ (طائِرٍ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وتُفِيدُ الآيَةُ الأمْرَ بِالتَّواضُعِ لِكُلِّ مَن آمَنَ مِن عَشِيرَتِهِ ﷺ وغَيْرِهِمْ. وقالَ الطِّيبِيُّ: الإجْراءُ عَلى أفانِينِ البَلاغَةِ أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وأنَّ الأصْلَ: (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنهُمْ) فَعُدِلَ إلى المُؤْمِنِينَ لِيَعُمَّ ويُؤْذِنَ أنَّ صِفَةَ الإيمانِ هي الَّتِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْرَمَ صاحِبُها، ويَتَواضَعَ لِأجَلِّها مَنِ اتَّصَفَ بِها، سَواءٌ كانَ مِن عَشِيرَتِكَ أوْ غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ هَذا بِالبَعِيدِ، لَكِنِّي أخْتارُ كَوْنَ (مِن) بَيانِيَّةً، وأنَّ عُمُومَ (مَنِ اتَّبَعَكَ) بِاعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ بَدَأ ﷺ بِأهْلِ بَيْتِهِ وفَصِيلَتِهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.﴾»

الشعراء 26:216

﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ في ﴿عَصَوْكَ﴾ عائِدٌ عَلى مَن أنْذَرَ ﷺ بِإنْذارِهِمْ وهُمُ العَشِيرَةُ، أيْ: فَإنْ عَصَوْكَ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ بَعْدَ إنْذارِهِمْ فَقُلْ: إنِّي بَرِيءٌ مِن عَمَلِكم أوِ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ مِن دُعائِكم مَعَ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ عَصَوْكَ يا مُحَمَّدُ في الأحْكامِ وفُرُوعِ الإسْلامِ بَعْدَ تَصْدِيقِكَ والإيمانِ بِكَ وتَواضُعِكَ لَهم فَقُلْ: إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي، أيْ: أظْهِرْ عَدَمَ رِضاكَ بِذَلِكَ وإنْكارَهُ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ - عَلى هَذا - أنَّهُ ﷺ لَوْ أُمِرَ بِالبَراءَةِ مِنهم ما بَقِيَ شَفِيعًا لِلْعُصاةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والآيَةُ - عَلى غَيْرِ هَذا القَوْلِ - مَنسُوخَةٌ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ، فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ، وفي البَحْرِ: هَذِهِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

الشعراء 26:217

﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فَهو سُبْحانُهُ يَقْهَرُ مَن يَعْصِيكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ بِرَحْمَتِهِ، وتَقْدِيمُ وصْفِ العِزَّةِ قِيلَ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِمَقامِ التَّسَلِّي عَنِ المَشاقِّ اللّاحِقَةِ مِنَ القَوْمِ إلَيْهِ ﷺ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ العِزَّةَ كالعِلَّةِ المُصَحِّحَةِ لِلتَّوَكُّلِ، والرَّحْمَةَ كالعِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، وفَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِتَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْفَعَهُ ويَضُرَّهُ. وقالُوا: المُتَوَكِّلُ مَن إنْ دَهَمَهُ أمْرٌ لَمْ يُحاوِلْ دَفْعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن أحَطِّ مَراتِبِ التَّوَكُّلِ وأدْناها، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الأُولى: التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ ومُعاطاةِ السَّبَبِ عَلى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ، ونَفْعِ الخَلْقِ، وتَرْكِ الدَّعْوى. والثّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ وغَضِّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ؛ اجْتِهادًا في تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وقَمْعِ تَشَرُّفِ النَّفْسِ؛ تَفْرُّغًا إلى حِفْظِ الواجِباتِ. والثّالِثَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ النّازِعَةِ صفحة 137 إلى الخَلاصِ مِن عِلَّةِ التَّوَكُّلِ، وذَلِكَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ أمْرًا مُهْمَلًا، بَلْ فَرَغَ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وقَدَّرَها، وشَأْنُهُ سُبْحانَهُ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، فالمُتَوَكِّلُ مَن أراحَ نَفْسَهُ مِن كَدِّ النَّظَرِ ومُطالَعَةِ السَّبَبِ؛ سُكُونًا إلى ما سَبَقَ مِنَ القِسْمَةِ مَعَ اسْتِواءِ الحالَيْنِ، وهو أنْ يَعْلَمَ أنَّ الطَّلَبَ لا يَنْفَعُ والتَّوَكُّلَ لا يَمْنَعُ، ومَتى طَلَعَ بِتَوَكُّلِهِ عِوَضًا كانَ تَوَكُّلُهُ مَدْخُولًا وقَصْدُهُ مَعْلُولًا، وإذا خَلُصَ مِن رِقِّ الأسْبابِ ولَمْ يُلاحَظْ في تَوَكُّلِهِ سِوى خالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُهِمٍّ. وبَيَّنَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: «وتَوَكَّلْ» إلَخْ إشارَةٌ إلى المَراتِبِ الثَّلاثِ بِما فِيهِ خَفاءٌ. وفِي مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ «فَتَوَكَّلْ» بِالفاءِ وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وخَرَجَ عَلى الإبْدالِ مِن جَوابِ الشَّرْطِ. وجَعَلَ في الكَشّافِ الفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَقُلْ﴾ أوْ ﴿فَلا تَدْعُ﴾ وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ.

الشعراء 26:218

﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ: إلى الصَّلاةِ ﴿وتَقَلُّبَكَ﴾ أيْ: ويَرى سُبْحانَهُ تَغَيُّرَكَ مِن حالٍ كالجُلُوسِ والسُّجُودِ إلى آخَرَ كالقِيامِ ﴿فِي السّاجِدِينَ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَ المُصَلِّينَ إذا أمِمْتَهُمْ، وعُبِّرَ عَنْهم بِالسّاجِدِينَ؛ لِأنَّ السُّجُودَ حالَةُ مَزِيدِ قُرْبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو أفْضَلُ الأرْكانِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأئِمَّةِ، وتَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وقِيلَ: المَعْنى: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلتَّهَجُّدِ ويَرى تَقَلُّبَكَ، أيْ: ذَهابَكَ ومَجِيئَكَ فِيما بَيْنَ المُتَهَجِّدِينَ لِتَتَصَفَّحَ أحْوالَهُمْ، وتَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وتَسْتَبْطِنَ سَرائِرَهم وكَيْفَ يَعْمَلُونَ لِآخِرَتِهِمْ، كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ؛ حِرْصًا عَلى كَثْرَةِ طاعاتِهِمْ فَوَجَدَها كَبُيُوتِ النَّحْلِ لِما سَمِعَ لَها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِّلاوَةِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ تَقَلُّبُ بَصَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ، فَإنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَرى مِن خَلْفِهِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقالَ: أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا؛ فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي»». وفِي رِوايَةِ أبِي داوُدَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقُولُ: «اسْتَوُوا اسْتَوُوا اسْتَوُوا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي كَما أراكم مِن بَيْنِ يَدَيَّ»» ولا يَخْفى بُعْدُ حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِأداءِ الرِّسالَةِ ويَرى تَقَلُّبَكَ وتَرَدُّدَكَ فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مَعَهم فِيما فِيهِ إعْلانُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءُ كَلِمَتِهِ سُبْحانَهُ. وتَفْسِيرُ السّاجِدِينَ بِالمُؤْمِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، إلّا أنَّ كَوْنَ المَعْنى ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ – والمَعْنى: ويَرى تَقَلُّبَكَ كَما يَتَقَلَّبُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في تَبْلِيغِ ما أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ وهو كَما تَرى، وتَفْسِيرُ السّاجِدِينَ بِالأنْبِياءِ رَواهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وأبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، إلّا أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَسَّرَ التَّقَلُّبَ فِيهِمْ بِالتَّنَقُّلِ في أصْلابِهِمْ حَتّى ولَدَتْهُ أُمُّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجُوِّزَ - عَلى حَمْلِ التَّقَلُّبِ عَلى التَّنَقُّلِ في الأصْلابِ - أنْ يُرادَ بِالسّاجِدِينَ صفحة 138 المُؤْمِنُونَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى إيمانِ أبَوَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أجِلَّةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأنا أخْشى الكُفْرَ عَلى مَن يَقُولُ فِيهِما - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَلى رَغْمِ أنْفٍ عَلى القارِئِ وأضْرابِهِ - بِضِدِّ ذَلِكَ، إلّا أنِّي لا أقُولُ بِحُجِّيَّةِ الآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ. ورُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى انْكِشافٌ لائِقٌ بِشَأْنِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - غَيْرُ الِانْكِشافِ العِلْمِيِّ، ويَتَعَلَّقُ بِالمَوْجُودِ والمَعْدُومِ الخارِجِيِّ عِنْدَ العارِفِينَ، وقالُوا: إنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَعْدُومِ نَظِيرُ رُؤْيَةِ الشَّخْصِ القِيامَةَ ونَحْوَها في المَنامِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أنْكَرُوا تَعَلُّقَها بِالمَعْدُومِ، ومِنهم مَن أرْجَعَها إلى صِفَةِ العِلْمِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُؤْيَتِهِ حالَهُ ﷺ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ - بَعْدَ وصْفِهِ بِما تَقَدَّمَ - تَحْقِيقٌ لِلتَّوَكُّلِ، وتَوْطِينٌ لِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: (ويُقَلِّبُكَ) مُضارِعُ (قَلَّبَ) مُشَدَّدًا، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى العَطْفِ عَلى (يَراكَ) وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (تَقُومُ ) وفي الكَلامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ تَقَلُّبِهِ ﷺ في السّاجِدِينَ عَلى وجْهِ الكَمالِ، وكَمالُ التَّقَلُّبِ في الصَّلاةِ كَوْنُهُ بِخُشُوعٍ يَغْفُلُ مَعَهُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى

الشعراء 26:219

﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ: إلى الصَّلاةِ ﴿وتَقَلُّبَكَ﴾ أيْ: ويَرى سُبْحانَهُ تَغَيُّرَكَ مِن حالٍ كالجُلُوسِ والسُّجُودِ إلى آخَرَ كالقِيامِ ﴿فِي السّاجِدِينَ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَ المُصَلِّينَ إذا أمِمْتَهُمْ، وعُبِّرَ عَنْهم بِالسّاجِدِينَ؛ لِأنَّ السُّجُودَ حالَةُ مَزِيدِ قُرْبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو أفْضَلُ الأرْكانِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأئِمَّةِ، وتَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وقِيلَ: المَعْنى: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلتَّهَجُّدِ ويَرى تَقَلُّبَكَ، أيْ: ذَهابَكَ ومَجِيئَكَ فِيما بَيْنَ المُتَهَجِّدِينَ لِتَتَصَفَّحَ أحْوالَهُمْ، وتَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وتَسْتَبْطِنَ سَرائِرَهم وكَيْفَ يَعْمَلُونَ لِآخِرَتِهِمْ، كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ؛ حِرْصًا عَلى كَثْرَةِ طاعاتِهِمْ فَوَجَدَها كَبُيُوتِ النَّحْلِ لِما سَمِعَ لَها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِّلاوَةِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ تَقَلُّبُ بَصَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ، فَإنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَرى مِن خَلْفِهِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقالَ: أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا؛ فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي»». وفِي رِوايَةِ أبِي داوُدَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقُولُ: «اسْتَوُوا اسْتَوُوا اسْتَوُوا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي كَما أراكم مِن بَيْنِ يَدَيَّ»» ولا يَخْفى بُعْدُ حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِأداءِ الرِّسالَةِ ويَرى تَقَلُّبَكَ وتَرَدُّدَكَ فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مَعَهم فِيما فِيهِ إعْلانُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءُ كَلِمَتِهِ سُبْحانَهُ. وتَفْسِيرُ السّاجِدِينَ بِالمُؤْمِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، إلّا أنَّ كَوْنَ المَعْنى ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ – والمَعْنى: ويَرى تَقَلُّبَكَ كَما يَتَقَلَّبُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في تَبْلِيغِ ما أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ وهو كَما تَرى، وتَفْسِيرُ السّاجِدِينَ بِالأنْبِياءِ رَواهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وأبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، إلّا أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَسَّرَ التَّقَلُّبَ فِيهِمْ بِالتَّنَقُّلِ في أصْلابِهِمْ حَتّى ولَدَتْهُ أُمُّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجُوِّزَ - عَلى حَمْلِ التَّقَلُّبِ عَلى التَّنَقُّلِ في الأصْلابِ - أنْ يُرادَ بِالسّاجِدِينَ صفحة 138 المُؤْمِنُونَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى إيمانِ أبَوَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أجِلَّةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأنا أخْشى الكُفْرَ عَلى مَن يَقُولُ فِيهِما - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَلى رَغْمِ أنْفٍ عَلى القارِئِ وأضْرابِهِ - بِضِدِّ ذَلِكَ، إلّا أنِّي لا أقُولُ بِحُجِّيَّةِ الآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ. ورُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى انْكِشافٌ لائِقٌ بِشَأْنِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - غَيْرُ الِانْكِشافِ العِلْمِيِّ، ويَتَعَلَّقُ بِالمَوْجُودِ والمَعْدُومِ الخارِجِيِّ عِنْدَ العارِفِينَ، وقالُوا: إنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَعْدُومِ نَظِيرُ رُؤْيَةِ الشَّخْصِ القِيامَةَ ونَحْوَها في المَنامِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أنْكَرُوا تَعَلُّقَها بِالمَعْدُومِ، ومِنهم مَن أرْجَعَها إلى صِفَةِ العِلْمِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُؤْيَتِهِ حالَهُ ﷺ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ - بَعْدَ وصْفِهِ بِما تَقَدَّمَ - تَحْقِيقٌ لِلتَّوَكُّلِ، وتَوْطِينٌ لِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: (ويُقَلِّبُكَ) مُضارِعُ (قَلَّبَ) مُشَدَّدًا، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى العَطْفِ عَلى (يَراكَ) وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (تَقُومُ ) وفي الكَلامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ تَقَلُّبِهِ ﷺ في السّاجِدِينَ عَلى وجْهِ الكَمالِ، وكَمالُ التَّقَلُّبِ في الصَّلاةِ كَوْنُهُ بِخُشُوعٍ يَغْفُلُ مَعَهُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى

الشعراء 26:220

﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِكُلِّ ما يَصِحُّ تَعَلُّقُ السَّمْعِ بِهِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَقُولُهُ ﷺ ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ ما يَصِحُّ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَعْمَلُهُ أوْ يَنْوِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ أزَلًا وأبَدًا ولا تَوَقُّفَ لِذَلِكَ عَلى وُجُودِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ في الخارِجِ، والحَصْرُ فِيها حَقِيقِيٌّ، أيْ: هو تَعالى كَذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وكَأنَّ الجُمْلَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجُمْلَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في حَيِّزِ الجَزاءِ، جِيءَ بِها لِلَتْحْرِيضِ عَلى القَوْلِ السّابِقِ والتَّوَكُّلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمُرادُ مِنها التَّحْرِيضُ عَلى إيقاعِ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي في الصَّلاةِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، فَتَأمَّلْ.

الشعراء 26:221

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَيانِ امْتِناعِ تَنَزُّلِهِمْ بِالقُرْآنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ إلَخْ أخَواتٌ، وفُرِّقَ بَيْنَهُنَّ بِآياتٍ لَيْسَتْ في مَعْناهُنَّ؛ لِيُرْجَعَ إلى المَجِيءِ بِهِنَّ وتَطْرِيَةَ ذِكْرِ ما فِيهِنَّ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، فَيَدُلُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى الَّذِي نَزَلْنَ فِيهِ مِنَ المَعانِي الَّتِي اشْتَدَّتْ عِنايَةُ اللَّهِ تَعالى بِها، ومِثالُهُ أنْ يُحَدِّثَ الرَّجُلُ بِحَدِيثٍ وفي صَدْرِهِ اهْتِمامٌ بِشَيْءٍ مِنهُ وفَضْلُ عِنايَةٍ فَتَراهُ يُعِيدُ ذِكْرَهُ ولا يَنْفَكُّ عَنِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ وعَلى مَن مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنَزَّلُ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِصَدارَةِ المَجْرُورِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لا يَضُرُّ كَما بُيِّنَ في النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ (مَن) مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ مَعْنى التَّضَمُّنِ أنَّ الِاسْمَ دَلَّ عَلى مَعْنَيَيْنِ مَعًا مَعْنى الِاسْمِ ومَعْنى الحَرْفِ، وإنَّما مَعْناهُ أنَّ الأصْلَ (أمَنَ) فَحُذِفَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ واسْتَمَرَّ الِاسْتِعْمالُ عَلى حَذْفِهِ كَما حُذِفَ مِن هَلْ والأصْلُ (أهَلْ) كَما قالَ: سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنا أهَلْ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ فَإذا أدْخَلْتَ حَرْفَ الجَرِّ عَلى (مَن) فَقَدِّرِ الهَمْزَةَ قَبْلَ حَرْفِ الجَرِّ في ضَمِيرِكَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أعَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، كَقَوْلِكَ: أعْلى زَيْدٍ مَرَرْتَ، اهـ. وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِقَوْلِهِ: يَشْكُلُ ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِمْ: مِن أيْنَ أنْتَ ومِن أيْنَ جِئْتَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوْلِهِ: فِيمَ وبِمَ ومِمَّ وحَتّامَ ونَحْوِها، وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لا إشْكالَ في نَحْوِ (مِن أيْنَ أنْتَ)؟ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: أمِنَ البَصْرَةِ أمْ مِنَ الكُوفَةِ مَثَلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ صفحة 139 لا يُحْتاجُ - عَلى ما حَقَّقَهُ النُّحاةُ - إلى جَمِيعِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿عَلى مَن تَنَزَّلُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(أُنَبِّئُكُمْ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ، وهي إمّا سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي إنْ قَدَّرْتَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ، ومَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ إنَّ قَدَّرْتَهُ مُتَعَدِّيًا لِثَلاثَةٍ، والمُرادُ: هَلْ أُعْلِمُكم جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ- أعْنِي عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ- وأصْلُ تَنَزَّلُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَ إحْدى التّاءَيْنِ. والكَلامُ عَلى مَعْنى القَوْلِ عِنْدَ أبِي حَيّانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ

الشعراء 26:222

﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الإفْكِ وهو الكَذِبُ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرِ الإثْمِ و(كُلِّ) لِلتَّكْثِيرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْإحاطَةِ، ولا بُعْدَ في تَنَزُّلِها عَلى كُلِّ كامِلٍ في الإفْكِ والإثْمِ كالكَهَنَةِ نَحْوِ شِقِّ بْنِ رُهْمِ بْنِ نَذِيرِ، وسَطِيحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيٍّ، والمُرادُ بِواسِطَةِ التَّخْصِيصِ في مَعْرِضِ البَيانِ أوِ السِّياقِ أوْ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ - عِنْدَ القائِلِ بِهِ - قَصْرُ تَنَزُّلِهِمْ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وتَخْصِيصٌ لَهُ بِهِمْ لا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ ساحَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنَزَّهَةً عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ اتَّضَحَ اسْتِحالَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ ﴿السَّمْعَ﴾ أيْ: سَمْعَهم إلى الشَّياطِينِ، وإلْقاءُ السَّمْعِ مَجازٌ عَنْ شِدَّةِ الإصْغاءِ لِلتَّلَقِّي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصْغُونَ أشَدَّ إصْغاءٍ إلى الشَّياطِينِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم ما يَتَلَقَّوْنَ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ أيِ: الأفّاكِينَ ﴿كاذِبُونَ﴾ فِيما يَقُولُونَهُ مِنَ الأقاوِيلِ، والأكْثَرِيَّةُ بِاعْتِبارِ أقْوالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ قَلَّما يَصْدُقُونَ في أقْوالِهِمْ، وإنَّما هم في أكْثَرِها كاذِبُونَ، ومَآلُهُ: وأكْثَرُ أقْوالِهِمْ كاذِبَةٌ لا بِاعْتِبارِ ذَواتِهِمْ حَتّى يَلْزَمَ مِن نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى أكْثَرِهِمْ كَوْنُ أقَلِّهِمْ صادِقِينَ عَلى الإطْلاقِ، ويُلْتَزَمُ لِذَلِكَ كَوْنُ الأكْثَرِ بِمَعْنى الكُلِّ. ولَيْسَ مَعْنى الأفّاكِ مَن لا يَنْطِقُ إلّا بِالإفْكِ حَتّى يَمْتَنِعَ مِنهُ الصِّدْقُ، بَلْ مَن يُكْثِرُ الإفْكَ فَلا يُنافِيهِ أنْ يَصْدُقَ نادِرًا في بَعْضِ الأحايِينِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ بِمَعْنى المَسْمُوعِ، وإلْقاؤُهُ مَجازٌ عَنْ ذِكْرِهِ أنْ يَلْقى الأفّاكُونَ إلى النّاسِ المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يَحْكُونَ عَنِ الشَّياطِينِ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهم لِبُعْدِهِ أوْ لِقِلَّةِ جَدْواهُ عَلى ما قِيلَ. واخْتُلِفَ في سَبَبِ كَوْنِ أكْثَرِ أقْوالِهِمْ كاذِبَةً، فَقِيلَ: هو بَعْدَ البِعْثَةِ كَوْنُهم يَتَلَقَّوْنَ مِنهم ظُنُونًا وأماراتٍ؛ إذْ لَيْسَ لَهم مِن عِلْمِ الغَيْبِ نَصِيبٌ، وهم مَحْجُوبُونَ عَنْ خَبَرِ السَّماءِ، ولِعَدَمِ صَفاءِ نُفُوسِهِمْ قَلَّما تَصْدُقُ ظُنُونُهُمْ، مَعَ ذَلِكَ يَضُمُّ الأفّاكُونَ إلَيْها - لِعَدَمِ وفائِها بِمُرادِهِمْ عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ - أشْياءَ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ. وقَبْلَ البِعْثَةِ - إذْ كانُوا غَيْرَ مَحْجُوبِينَ عَنْ خَبَرِ السَّماءِ، وكانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ - يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَثْرَةُ غَلَطِ الأفّاكِينَ في الفَهْمِ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنْهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمَّهم إلى ما يُفْهِمُونَهُ مِنَ الحَقِّ أشْياءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَثْرَةُ غَلَطِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يُوحُونَ إلَيْهِمْ في الفَهْمِ عَنِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنْهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمَّ الشَّياطِينِ إلى ما يُفْهِمُونَهُ مِنَ الحَقِّ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أشْياءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو قَبْلَ البِعْثَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ، وأمّا بَعْدَ البِعْثَةِ فَهو كَثْرَةُ خَلْطِهِمُ الكَذِبَ فِيما تَخْطِفُهُ الشَّياطِينُ عِنْدَ اسْتِراقِهِمُ السَّمْعَ مِنَ المَلائِكَةِ ويُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: «سَألَ أُناسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: «إنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم يُحَدِّثُونَ أحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا قالَ: صفحة 140 تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَحْفَظُها الجِنِّيُّ فَيَقْذِفُها في أُذُنِ ولِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ فِيها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ»». وقِيلَ: هو قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدَها كَثْرَةُ خَلْطِ الأفّاكِينَ الكَذِبَ فِيما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، أمّا كَثْرَتُهُ قَبْلَ البِعْثَةِ فَلِظاهِرِ الخَبَرِ المَذْكُورِ، وأمّا كَثْرَتُهُ بَعْدَ البِعْثَةِ فَلِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «كانَتِ الشَّياطِينُ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ فَتَسْتَمِعُ ثُمَّ تَنْزِلُ إلى الكَهَنَةِ فَتُخْبِرُهُمْ، فَتُحَدِّثُ الكَهَنَةُ بِما أُنْزِلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ مِنَ السَّمْعِ، وتَخْلِطُ بِهِ الكَهَنَةُ كَذِبًا كَثِيرًا، فَيُحَدِّثُونَ بِهِ النّاسَ، فَأمّا ما كانَ مِن سَمْعِ السَّماءِ فَيَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما خَلَطُوهُ بِهِ مِنَ الكَذِبِ فَيَكُونُ كَذِبًا». ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الشَّياطِينَ بَعْدَ البِعْثَةِ يُلْقُونَ ما يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ إلى الكَهَنَةِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، ومِنَ القائِلِينَ بِهِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( يُلْقُونَ ) في الآيَةِ راجِعًا إلى الشَّياطِينِ، والمَعْنى: يُلْقِي الشَّياطِينُ المَسْمُوعَ مِنَ المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ أنْ يُرْجَمُوا مِن بَعْضِ المُغَيَّباتِ إلى أوْلِيائِهِمْ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ، إذْ لا يُسْمِعُونَهم عَلى نَحْوِ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِشَرارَتِهِمْ أوْ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ أوْ ضَبْطِهِمْ أوْ إفْهامِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ يُنْصِتُ الشَّياطِينُ ويَسْتَمِعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ الرَّجْمِ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ بَعْدُ لِشَرارَتِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ في أنْفُسِهِمْ، أوْ لا يُسْمِعُونَ أوْلِياءَهم بَعْدَ ذَلِكَ السَّمْعِ كَلامَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى وجْهِهِ، وجُمْلَةُ ( يُلْقُونَ ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْأفّاكِينَ صِفَةٌ ﴿لِكُلِّ أفّاكٍ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ سَواءٌ أُرِيدَ بِإلْقاءِ السَّمْعِ الإصْغاءُ إلى الشَّياطِينِ أوْ إلْقاءُ المَسْمُوعِ إلى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا إخْبارًا لِحالِهِمْ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لِما أنَّ كُلًّا مِن تَلَقِّيهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ وإلْقائِهِمْ إلى النّاسِ يَكُونُ بَعْدَ التَّنَزُّلِ، واسْتُظْهِرَ تَقْدِيرُ المُبْتَدَأِ عَلى هَذا، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ عِنْدَ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ أوْ ما يَفْعَلُونَ بَعْدَ تَنَزُّلِهِمْ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إلَيْهِمْ أسْماعَهم لِيَحْفَظُوا ما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ، أوْ يُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم إلى النّاسِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مُنْتَظَرَةً عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أيْضًا. وهِيَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلشَّياطِينِ - والمَعْنى ما سَمِعْتَ أوَّلًا - قِيلَ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِلْغَرَضِ مِنَ التَّنَزُّلِ مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إلَيْهِمْ ما سَمِعُوهُ، وأنْ تَكُونَ حالًا مُنْتَظَرَةً مِن ضَمِيرِ الشَّياطِينِ، أيْ: تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ مُلْقِينَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ المَلَأِ الأعْلى إلَيْهِمْ، وعَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ - والمَعْنى ما سَمِعْتَ ثانِيًا - قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا نَظِيرَ ما ذُكِرَ آنِفًا، ولا أنْ تَكُونَ حالًا أيْضًا؛ لِأنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ بِمَعْنى الإنْصاتِ مُقَدَّمٌ عَلى التَّنَزُّلِ المَذْكُورِ، فَكَيْفَ يَكُونُ غَرَضًا مِنهُ أوْ حالًا مُقارِنَةً أوْ مُنْتَظَرَةً ويَتَعَيَّنُ كَوْنُها اسْتِئْنافًا لِلْإخْبارِ بِحالِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ ذِكْرَ حالِهِمُ السّابِقَةِ عَلى تَنَزُّلِهِمُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ غَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ جَعْلَ الضَّمِيرِ لِلشَّياطِينِ وحَمْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ عَلى إنْصاتِهِمْ وتَسَمُّعِهِمْ إلى المَلَأِ الأعْلى - مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، وفِيهِ نَظَرٌ. وجُمْلَةُ ( أكْثَرُهم كاذِبُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافِيَّةَ والحالِيَّةَ. هَذا، واعْلَمْ أنَّ هاهُنا إشْكالًا وارِدًا عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ في الآيَةِ؛ لِأنَّها عَلَيْهِ تُفِيدُ أنَّ الشَّياطِينَ يَسْمَعُونَ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَسْمَعُونَهُ ويُلْقُونَهُ إلى الأفّاكِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَنعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّمْعِ فِيما تَقَدَّمَ السَّمْعُ المُعْتَدُّ بِهِ، وفِيما هاهُنا السَّمْعُ في الجُمْلَةِ، ويُرادُ بِهِ صفحة 141 الخَطْفَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ والكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ في خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وابْنِ مَرْدُويَهْ السّابِقِ آنِفًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن خَطِفَ لا يَبْقى حَيًّا إلى أنْ يُوصِلَ ما خَطَفَهُ إلى ولِيِّهِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ فَإنَّ ظاهِرَهُ أنَّهُ يَهْلَكُ بِالشِّهابِ الَّذِي لَحِقَهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ نَفِيَ بَقائِهِ حَيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ فِيما ذُكِرَ؛ إذْ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنِ اتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ إيّاهُ، وهو يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ كَما يَحْتَمِلُ الإهْلاكَ، فَلْيَرِدِ اتِّباعُهُ لِلزَّجْرِ مَعَ بَقائِهِ حَيًّا؛ فَإنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ يَقْتَضِي بَقاءَهُ كَذَلِكَ. وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّماواتِ وكانُوا يَدْخُلُونَها، ويَأْتُونَ بِأخْبارِها، فَيُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها، فَما مِنهم مَن أحَدٍ يُرِيدُ اسْتِراقَ السَّمْعِ إلّا رُمِيَ بِشِهابٍ - وهو الشُّعْلَةُ مِنَ النّارِ - فَلا يُخْطِئُ أبَدًا، فَمِنهم مَن يَقْتُلُهُ، ومِنهم مَن يُحْرِقُ وجْهَهُ، ومِنهم مَن يَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا يَضِلُّ النّاسَ في البَرارِي. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالسَّمْعِ فِيما تَقَدَّمَ سَمْعُ الوَحْيِ، وفِيما هُنا سَمْعُ المُغَيَّباتِ غَيْرَهُ، وهم غَيْرُ مَمْنُوعِينَ عَنْهُ قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدَها، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ الَّتِي لَمْ يُنْسَجْ عَلى مِنوالِها - وإنْ كانَ لِلطَّعْنِ فِيها مَجالٌ - قالَ: إنَّ الآياتِ إنَّما دَلَّتْ عَلى مَنعِ الشَّياطِينِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ مِن أخْبارِ السَّماءِ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِخَبَرِ البِعْثَةِ ولَمْ يُمْنَعُوا مِمّا سِوى ذَلِكَ، بَلْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ في كَلامِهِ بَعْدُ إشْعارًا ما بِأنَّ المَنعَ إنَّما كانَ بَيْنَ يَدَيِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، لا قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ. ولا يَخْفى أنَّ الظَّواهِرَ تَشْهَدُ بِمَنعِهِمْ مُطْلَقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ حِفْظَ السَّماءِ بِالكَواكِبِ لَمْ يَحْدُثْ وأنَّ خَلْقَها لِذَلِكَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا مَمْنُوعِينَ أيْضًا قَبْلَ وِلادَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن خَبَرِ السَّماءِ، ويُشْكَلُ هَذا عَلى ظاهِرُ العَزْلِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ المَنعَ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ المَنعِ بَعْدُ، فالعَزْلُ عَمّا كانَ يَجْعَلُ المَنعَ شَدِيدًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. وفِي اليَواقِيتِ والجَواهِرِ في عَقائِدِ الأكابِرِ لِمَوْلانا عَبْدِ الوَهّابِ الشَّعْرانِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: الصَّحِيحُ أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ مِنَ السَّمْعِ مُنْذُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وبِتَقْدِيرِ اسْتِراقِهِمْ فَلا يَتَوَصَّلُونَ إلى الإنْسِ لِيُخْبِرُوهم بِما اسْتَرَقُوهُ، بَلْ تُحْرِقُهُمُ الشُّهُبُ وتُفْنِيهِمُ، انْتَهى. قِيلَ: ويَلْزَمُ القائِلِينَ بِهَذا حَمْلُ ما في خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَلى كُهّانٍ كانُوا قَبْلَ البِعْثَةِ، وقَدْ أدْرَكَهُمُ السّائِلُونَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ القاضِي أيْضًا، فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ في شَرْحِهِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الكِهانَةُ في العَرَبِ ثَلاثَةَ أضْرُبٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ولِيٌّ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ بِما يَسْتَرِقُهُ مِنَ السَّمْعِ مِنَ السَّماءِ، وهَذا القِسْمُ بَطَلَ مِن حِينِ بُعِثَ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى آخِرِ ما قالَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ البُوصِيرِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: بَعَثَ اللَّهُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ الشُّهُـ ـبَ حُرّاسًا وضاقَ عَنْها الفَضاءُ تَطْرُدُ الجِنَّ عَنْ مَقاعِدِ لِلسَّمْـ ∗∗∗ ـعِ كَما يَطْرُدُ الذِّئْبَ الرِّعاءُ فَمَحَتْ آيَةَ الكِهانَةِ آيًا ∗∗∗ ـتٌ مِنَ الوَحْيِ ما لَهُنَّ انْمِحاءُ وقَدْ قِيلَ في الجَوابِ عَنِ الإشْكالِ نَحْوُ هَذا، وهو أنْ تَنَزُّلَ الشَّياطِينِ وإلْقاءَهم ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ السَّماءِ إلى أوْلِيائِهِمْ - حَسْبَما تُفِيدُهُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ في أحَدِ مَحامِلِها - إنَّما كانَ قَبْلَ البِعْثَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَنعٌ، أوْ كانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَدِيدًا. والمَنعُ مِنَ السَّمْعِ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ إنَّما كانَ صفحة 142 بَعْدَ البِعْثَةِ، وكانَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهَذا مُشْكِلٌ عِنْدِي بِابْنِ الصَّيّادِ وما كانَ مِنهُ، فَإنَّهم عَدُّوهُ مِنَ الكُهّانِ، وقَدْ صَحَّ «أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَ سَألَهُ عَنْ أمْرِهِ: يَأْتِينِي صادِقٌ وكاذِبٌ، وأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - امْتَحَنَهُ فَأضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخانِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وقالَ ﷺ: خَبَّأْتُ لَكَ خَبَأً، فَقالَ ابْنُ الصَّيّادِ: هو الدُّخُّ، أيِ: الدُّخانُ - وهي لُغَةٌ فِيهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ - فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»» . وقَدْ قالَ القاضِي - كَما نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ أيْضًا -: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الآيَةِ الَّتِي أضْمَرَها النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا لِهَذا اللَّفْظِ النّاقِصِ عَلى عادَةِ الكُهّانِ إذا ألْقى الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ بِقَدْرِ ما يَخْطِفُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ الشِّهابُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»» أيِ: القَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الكُهّانُ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى بَعْضِ الشَّيْءِ، وما لا يَبِينُ مِنهُ حَقِيقَتُهُ ولا يَصِلُ بِهِ إلى بَيانِ وتَحْقِيقِ أُمُورِ الغَيْبِ. وقَدْ يُقالُ في دَفْعِ هَذا الإشْكالِ: إنَّ ابْنَ الصَّيّادِ كانَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي مِنَ الكُهّانِ، وهُمُ الَّذِينَ تُخْبِرُهُمُ الشَّياطِينُ بِما يَطْرَأُ أوْ يَكُونُ في أقْطارِ الأرْضِ، وما خَفِيَ عَنْهم مِمّا قَرُبَ أوْ بَعْدُ. والصَّحِيحُ جَوازُ وُجُودِهِمْ بَعْدَ البِعْثَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قالُوا بِاسْتِحالَةِ وُجُودِ هَذا الضَّرْبِ، وكَذا الضَّرْبِ السّابِقِ آنِفًا، وأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أسَرَّ إلى بَعْضِ أصْحابِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ ما أضْمَرَهُ، أوْ كانَتْ سُورَةُ الدُّخانِ مَكْتُوبَةً في يَدِهِ ﷺ أوْ كَتَبَ الآيَةَ وحْدَها في يَدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكِلا القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ حَكاهُما الدّاوُدِيُّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ كَما في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وأيًّا ما كانَ يَكُونُ ابْنُ الصَّيّادِ قَدْ أخْبَرَ بِأمْرٍ طارِئٍ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ بِدُونِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مِنَ السَّماءِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى ما في القَلْبِ في شَيْءٍ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ تامًّا، بَلْ أخْبَرَ بِهِ عَلى نَحْوِ إخْبارِ الكُهّانِ السّابِقِينَ عَلى زَمَنِ البِعْثَةِ الَّذِينَ هم مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ في النَّقْصِ. ولَعَلَّ مُرادَ القاضِي بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الآيَةِ الَّتِي أضْمَرَها ﷺ إلّا لِهَذا اللَّفْظِ النّاقِصِ عَلى عادَةِ الكُهّانِ إذا ألْقى الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ بِقَدْرِ ما يَخْطِفُ إلَخْ - تَشْبِيهُ حالِهِ - مَعَ أنَّهُ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي - بِحالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُهّانِ الَّذِينَ هم مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ، وإلّا لَأُشْكِلَ كَلامُهُ هَذا مَعَ ما نَقَلْناهُ عَنْهُ أوَّلًا كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ يَقُولُ بِرَجْمِ المُسْتَرِقِينَ لِلسَّمْعِ قَبْلَ البِعْثَةِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ ما كانَ بَعْدَ البِعْثَةِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ إذا خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ألْقى ما يَخْطِفُهُ إلى مَن تَحْتَهُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ الشِّهابُ، ثُمَّ إنَّ مَن تَحْتَهُ يُوصِلُ ذَلِكَ إلى الكاهِنِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ ما يُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلى الكَهَنَةِ بَعْدَ البِعْثَةِ هو ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في العَنانِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ وما هم مَمْنُوعُونَ عَنْهُ هو السَّمْعُ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««المَلائِكَةُ تُحَدَّثُ في العَنانِ - والعَنانُ الغَمامُ - بِالأمْرِ في الأرْضِ فَيَسْمَعُ الشَّيْطانُ الكَلِمَةَ فَيُقِرُّها في أُذُنِ الكاهِنِ كَما يُقِرُّ القارُورَةَ، فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ»». ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في الخَبَرِ تَعَرُّضٌ لِلسَّمْعِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، وقَدْ يُخْتارُ القَوْلُ بِأنَّ الشَّياطِينَ إنَّما مُنِعُوا بَعْدَ البِعْثَةِ عَنْ سَمْعِ ما يُعْتَدُّ بِهِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ مِن مَلائِكَةِ السَّماءِ أوِ العَنانِ، ومَن خَطِفَ خَطْفَةً يُعْتَدُّ بِها مِن ذَلِكَ اتَّبَعَهُ الشِّهابُ وأهْلَكَهُ، ولَمْ يَدَعْهُ يُوصِلُها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلى الكَهَنَةِ، وأمّا سَمْعُ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ فَقَدْ يَقَعُ صفحة 143 لَهم ويُوصِلُونَهُ إلى الكَهَنَةِ، فَيَخْلِطُونَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ ما يَخْلِطُونَ، فَحَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالعَزْلِ عَنِ السَّمْعِ أُرِيدَ بِالسَّمْعِ السَّمْعُ الكامِلُ المُعْتَدُّ بِهِ، وحَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِإلْقاءِ السَّمْعِ أُرِيدَ بِالسَّمْعِ السَّمْعُ في الجُمْلَةِ، وأدْنى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ سَمْعٌ، والظّاهِرُ أنَّ ما حَصَلَ لِابْنِ الصَّيّادِ كانَ مِن هَذا السَّمْعِ ولا يَكادُ يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي لِلْكِهانَةِ إلّا إنْ ثَبَتَ أحَدُ الشُّقُوقِ الثَّلاثَةِ وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ كَلامٌ. نَعَمْ، قَوْلُهُ ﷺ: «خَبَّأْتُ» ظاهِرٌ في أنَّ هُناكَ ما يُخَبَّأُ في كَفٍّ أوْ كُمٍّ أوْ نَحْوِهِما، والآيَةُ ما لَمْ تُكْتَبْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، ولِهَذا احْتاجَ القائِلُونَ بِأنَّهُ ﷺ إنَّما أضْمَرَ لَهُ الآيَةَ في قَلْبِهِ إلى تَأْوِيلِ (خَبَّأْتُ) بِـ(أضْمَرْتُ) ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ - عَلى بُعْدٍ -: إنَّ الشَّياطِينَ قَدْ مُنِعُوا بَعْدَ البِعْثَةِ عَنِ السَّمْعِ مُطْلَقًا بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ لَهم. وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( يُلْقُونَ ) إلى الشَّياطِينِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَقامَ في بَيانِ مَن يَتَنَزَّلُونَ عَلَيْهِ لا بَيانِ حالِهِمْ أوْ إلْقاءِ سَمْعِهِمْ - بِمَعْنى إصْغائِهِمْ - إلى المَلَأِ الأعْلى ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ بِمَعْنى كُلِّهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الأكْثَرِيَّةَ المَذْكُورَةَ كافِيَةٌ في المَقْصُودِ. والمُرادُ: يُصْغُونَ لِيَسْمَعُوا فَلا يَسْمَعُونَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ (وأكْثَرُهم كاذِبُونَ) مَقامَ (لا يَسْمَعُونَ) أوْ: إلْقاءُ السَّمْعِ بِمَعْنى إلْقاءِ ما يَسْمَعُهُ النّاسُ مِنَ الأفّاكِينَ إلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا اخْتَرَعُوهُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ظَنًّا وتَخْمِينًا وألْقَوْهُ إلى أوْلِيائِهِمْ، ولا يَبْعُدُ صِدْقُهم في بَعْضِهِ. والأمْرُ في تَسْمِيَتِهِ مَسْمُوعًا هَيِّنٌ، وما ورَدَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وابْنِ مَرْدُويَهْ مَحْمُولٌ عَلى ما كانَ قَبْلَ البِعْثَةِ، ويُقالُ: إنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ في الجُمْلَةِ، وقَدْ يُحْمَلُ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وحَمْلُ خَطْفِ الكَلِمَةِ فِيهِ عَلى حَدْسِها بِواسِطَةِ بَعْضِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ لِيَجُوزَ اعْتِبارُ كَوْنِهِ بَعْدَ البِعْثَةِ - مِمّا لا أظُنُّ أحَدًا يَرْتَضِيهِ، ولَيْسَ في قِصَّةِ ابْنِ الصَّيّادِ ما هو نَصٌّ في أنَّ ما قالَهُ كانَ عَنْ سَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ألْقاهُ الشَّيْطانُ إلَيْهِ. وكَأنِّي بِكَ تَسْتَبْعِدُ تَحَدُّثَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ بِما أضْمَرَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصُعُودَ الشَّياطِينِ حِينَ السُّؤالِ - مِن غَيْرِ رَيْثٍ - واسْتِراقَهم ونُزُولَهم في أسْرَعِ وقْتٍ بِما أجابَ بِهِ ابْنُ الصَّيّادِ، وما هو إلّا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الكِهانَةِ. وتَحْقِيقُ أمْرِها - عَلى ما ذَكَرَهُ الفاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ - أنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ اسْتِعْدادًا لِلِانْسِلاخِ عَنِ البَشَرِيَّةِ إلى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي فَوْقَها، ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ لَمْحَةٌ لِلْبَشَرِ مِن صِنْفِ الأتْقِياءِ بِما فُطِرُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، ولا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى اكْتِسابٍ ولا اسْتِعانَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ المَدارِكِ، ولا مِنَ التَّصَوُّراتِ ولا مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ كَلامًا أوْ حَرَكَةً، ولا بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. ويُعْطِي التَّقْسِيمُ العَقْلِيُّ أنَّ هاهُنا صِنْفًا آخَرَ مِنَ البَشَرِ ناقِصًا عَنْ رُتْبَةِ هَذا الصِّنْفِ نُقْصانَ الضِّدِّ عَنْ ضِدِّهِ الكامِلِ، وهو صِنْفٌ مِنَ البَشَرِ مَفْطُورٌ عَلى أنْ تَتَحَرَّكَ قُوَّتُهُ العَقْلِيَّةُ حَرَكَتَها الفِكْرِيَّةَ بِالإرادَةِ عِنْدَما يَتْبَعُها النُّزُوعُ لِذَلِكَ وهي ناقِصَةٌ عَنْهُ، فَيَتَشَبَّثُ لِأعْمالِ الحِيلَةِ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ مَحْسُوسَةٍ أوْ مُتَخَيَّلَةٍ كالأجْسامِ الشَّفّافَةِ وعِظامِ الحَيَوانِ وسَجْعِ الكَلامِ، وما سَنَحَ مِن طَيْرٍ أوْ حَيَوانٍ، ويُدِيمُ ذَلِكَ الإحْساسَ والتَّخَيُّلَ مُسْتَعِينًا بِهِ في ذَلِكَ الِانْسِلاخِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، ويَكُونُ كالمُشَيِّعِ لَهُ، وهَذِهِ القُوَّةُ الَّتِي هي مَبْدَأٌ في هَذا الصِّنْفِ لِذَلِكَ الإدْراكِ هي الكِهانَةُ، ولِكَوْنِ هَذِهِ النُّفُوسِ مَفْطُورَةً عَلى النَّقْصِ والقُصُورِ عَنِ الكَمالِ كانَ إدْراكُها الجُزْئِيّاتِ أكْثَرَ مِن إدْراكِها الكُلِّيّاتِ، وتَكُونُ مُشْتَغِلَةً بِها غافِلَةً عَنِ الكُلِّيّاتِ، ولِذَلِكَ كَثِيرًا ما تَكُونُ المُتَخَيَّلَةُ فِيهِمْ في غايَةِ القُوَّةِ وتَكُونُ الجُزْئِيّاتُ عِنْدَها حاضِرَةً عَتِيدَةً، وهي لَها كالمِرْآةِ تَنْظُرُ فِيها دائِمًا، ولا يَقْوى الكاهِنُ عَلى الكَمالِ في إدْراكِ المَعْقُولاتِ؛ لِأنَّ نُقْصانَهُ فِطْرِيٌّ ووَحْيَهُ شَيْطانِيٌّ، وأرْفَعُ أحْوالِ هَذا الصِّنْفِ أنْ يَسْتَعِينَ بِالكَلامِ الَّذِي فِيهِ السَّجْعُ والمُوازَنَةُ صفحة 144 لِيَشْتَغِلَ بِهِ عَنِ الحَواسِّ، ويَقْوى في الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ الِانْسِلاخِ النّاقِصِ، فَيَهْجِسُ في قَلْبِهِ مِن تِلْكَ الحَرَكَةِ - والَّذِي يُشَيِّعُها مِن ذَلِكَ الأجْنَبِيِّ - ما يَقْذِفُ عَلى لِسانِهِ، ورُبَّما صَدَقَ ووافَقَ الحَقَّ، ورُبَّما كَذَبَ؛ لِأنَّهُ يُتَمِّمُ أمْرَ نَقْصِهِ بِأجْنَبِيٍّ عَنْ ذاتِ المَدارِكِ ومَبايِنٍ لَها غَيْرَ مُلائِمٍ، فَيَعْرِضُ لَهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ جَمِيعًا، ويَكُونُ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ، ورُبَّما يَفْزَعُ إلى الظُّنُونِ والتَّخْمِيناتِ؛ حِرْصًا عَلى الظَّفَرِ بِالإدْراكِ - بِزَعْمِهِ - وتَمْوِيهًا عَلى السّائِلِينَ، ولَمّا كانَ انْسِلاخُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ البَشَرِيَّةِ واتِّصالُهُ بِالمَلَأِ الأعْلى مِن غَيْرِ مُشَيِّعٍ ولا اسْتِعانَةٍ بِأجْنَبِيٍّ كانَ صادِقًا في جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ، وكانَ الصِّدْقُ مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ، ولِهَذا «قالَ ﷺ لِابْنِ الصَّيّادِ حِينَ سَألَهُ كاشِفًا عَنْ حالِهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «كَيْفَ يَأْتِيكَ هَذا الأمْرُ»؟ فَقالَ: يَأْتِينِي صادِقٌ وكاذِبٌ: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأمْرُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَفْيَ النُّبُوَّةِ عَنْهُ بِالإشارَةِ إلى أنَّها مِمّا لا يُعْتَبَرُ فِيهِ الكَذِبُ بِحالٍ. وإنَّما قِيلَ: أرْفَعُ أحْوالِ هَذا الصِّنْفِ السَّجْعُ؛ لِأنَّ مَعِينَ السَّجْعِ أخَفُّ مِن سائِرِ المَعِيناتِ مِنَ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ، وتَدُلُّ خِفَّةُ المَعِينِ عَلى قُرْبِ ذَلِكَ الِانْسِلاخِ والِاتِّصالِ والبُعْدِ فِيهِ عَنِ العَجْزِ في الجُمْلَةِ، ولا انْحِصارَ لِعُلُومِ الكُهّانِ فِيما يَكُونُ مِنَ الشَّياطِينِ، بَلْ كَما تَكُونُ مِنَ الشَّياطِينِ تَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ بِانْسِلاخِها انْسِلاخًا غَيْرَ تامٍّ، واتِّصالِها في الجُمْلَةِ بِواسِطَةِ بَعْضِ الأسْبابِ بِعالَمٍ لا تُحْجَبُ عَنْهُ الحَوادِثُ المُسْتَقْبَلَةُ وغَيْرُها، فانْقِطاعُ خَبَرِ السَّماءِ بَعْدَ البِعْثَةِ عَنِ الشَّياطِينِ بِالرَّجْمِ - إنْ سُلِّمَ - لا يَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ الكِهانَةِ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكُهّانَ إذا عاصَرُوا زَمَنَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم عارِفُونَ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ودَلالَةِ مُعْجِزَتِهِ؛ لِأنَّ لَهم بَعْضَ الوِجْدانِ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ، ولا يَصُدُّهم عَنِ الإيمانِ ويَدْعُوهم إلى العِنادِ إلّا وساوِسُ المَطامِعِ بِحُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُمْ، كَما وقَعَ لِأُمَيَّةَ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ فَإنَّهُ كانَ يَطْمَعُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وكَذا وقَعَ لِابْنِ الصَّيّادِ ومُسَيْلِمَةَ وغَيْرِهِما، ورُبَّما تَنْقَطِعُ تِلْكَ الأمانِيُّ فَيُؤْمِنُونَ أحْسَنَ إيمانٍ كَما وقَعَ لِطُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ، وقارِبِ بْنِ الأسْوَدِ، وكانَ لَهُما في الفُتُوحاتِ الإسْلامِيَّةِ مِنَ الآثارِ ما يَشْهَدُ بِحُسْنِ الإيمانِ، وذُكِرَ في بَيانِ اسْتِعْدادِ بَعْضِ الأشْخاصِ - أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا كُهّانًا أوْ غَيْرَهم لِلْإخْبارِ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِها - كَلامٌ طَوِيلٌ، حاصِلُهُ أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ ذاتُ رُوحانِيَّةٍ ولَها بِذاتِها الإدْراكُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، لَكِنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنْهُ بِالِانْغِماسِ في البَدَنِ والحَواسِّ وشَواغِلِها؛ لِأنَّ الحَواسَّ أبَدًا جاذِبَةٌ لَها إلى الظّاهِرِ بِما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الإدْراكِ الجُسْمانِيِّ، ورُبَّما تَنْغَمِسُ عَنِ الظّاهِرِ إلى الباطِنِ فَيَرْتَفِعُ حِجابُ البَدَنِ لَحْظَةً إمّا بِالخاصَّةِ الَّتِي هي لِلْإنْسانِ عَلى الإطْلاقِ مِثْلِ النَّوْمِ، أوْ بِالخاصَّةِ المَوْجُودَةِ في بَعْضِ الأشْخاصِ كالكَهَنَةِ أهْلِ السَّجْعِ، وأهْلِ الطَّرْقِ بِالحَصى والنَّوى، والنّاظِرِينَ في الأجْسامِ الشَّفّافَةِ مِنَ المَرايا والمِياهِ وقُلُوبِ الحَيَواناتِ وأكْبادِها وعِظامِها، وقَدْ يُلْحَقُ بِهِمُ المَجانِينُ، أوْ بِالرِّياضَةِ الدِّينِيَّةِ مِثْلِ أهْلِ الكَشْفِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أوِ السِّحْرِيَّةِ مِثْلِ أهْلِ الكَشْفِ مِنَ الجُوكِيَّةِ، فَتَلْتَفِتُ حِينَئِذٍ إلى الذَّواتِ الَّتِي فَوْقَها مِنَ المَلَأِ الأعْلى؛ لِما بَيْنَ أُفُقِها وأُفُقِهِمْ مِنَ الِاتِّصالِ في الوُجُودِ، وتِلْكَ الذَّواتُ إدْراكٌ مَحْضٌ وعُقُولٌ بِالفِعْلِ، وفِيها صُوَرُ المَوْجُوداتِ وحَقائِقُها - كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ - فَيَتَجَلّى فِيها شَيْءٌ مِن تِلْكَ الصُّوَرِ وتَقْتَبِسُ مِنها عِلْمًا، ورُبَّما وقَعَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ المُدْرَكَةُ إلى الخَيالِ فَيَصْرِفُها في القَوالِبِ المُتَعادَّةِ، ثُمَّ تُراجِعَ الحِسَّ بِما أدْرَكَتْ إمّا مُجَرَّدًا أوْ في قَوالِبِهِ فَتُخْبِرُ بِهِ، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ ذَهابًا إلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في المَلَأِ الأعْلى، وكَثِيرًا ما يُسَمُّونَهُ عالَمَ المُجَرَّداتِ، وقَدْ يُسَمُّونَهُ عالَمَ العُقُولِ، وهي مَحْصُورَةٌ في المَشْهُورِ عَنْهم في عَشَرَةٍ، ولا دَلِيلَ لَهم عَلى هَذا الحَصْرِ، ولِذا قالَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ بِأنَّها لا تَكادُ تُحْصى، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ والمُحَقِّقِينَ مِنَ السَّلَفِ في ذَلِكَ كَلامٌ لا يَتَّسِعُ هَذا المَوْضِعُ لِذِكْرِهِ، وأنا أقُولُ - ولا يُنْكِرُهُ إلّا جَهُولٌ -: لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صفحة 145 خَواصٌّ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولا يَبْعُدُ - بَعْدَ انْقِطاعِ خَبَرِ السَّماءِ عَنِ الشَّياطِينِ بِالرَّجْمِ - أنْ يَجْعَلَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ خاصِّيَّةَ التَّكَلُّمِ بِما يَصْدُقُ كُلًّا أوْ بَعْضًا - مَعَ اطِّلاعٍ وكَشْفٍ يُفِيدُ العِلْمَ بِما أخْبَرَ بِهِ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ - بِأنْ يُنْطِقَهُ سُبْحانَهُ بِشَيْءٍ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمُخْبَرِ بِهِ ويُوافِقُ الواقِعَ. وقَدِ اتَّفَقَ لِي ذَلِكَ - وعُمْرِي نَحْوُ خَمْسِ سِنِينَ - وذَلِكَ أنِّي رَجَعْتُ مِنَ الكُتّابِ إلى البَيْتِ وشَرَعْتُ ألْعَبُ فِيهِ - عَلى عادَةِ الأطْفال - فَنَهَتْنِي والِدَتِي - رَحِمَها اللَّهُ تَعالى - عَنْ ذَلِكَ وأمَرَتْنِي بِالنَّوْمِ؛ لِأسْتَيْقِظَ صَباحًا فَأذْهَبُ إلى الكُتّابِ، فَقُلْتُ لَها: غَدًا يُقْتَلُ الوَزِيرُ ولا أذْهَبُ إلى الكُتّابِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَمُرُّ بِفِكْرٍ - فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ وأنامَتْنِي، فَلَمّا أصْبَحْتُ تَأهَّبْتُ لِلذَّهابِ، فَجاءَ ابْنُ أُخْتٍ لَها وأسَرَّ إلَيْها كَلامًا لَمْ أسْمَعْهُ، فَتَغَيَّرَ حالُها، ومَنَعَتْنِي عَنِ الذَّهابِ، ولا أدْرِي لِمَ ذَلِكَ، فَأرَدْتُ الخُرُوجَ إلى الدَّرْبِ لِألْعَبَ مَعَ أمْثالِي فَمَنَعَتْنِي أيْضًا، فَقَعَدَتْ وهي مُضْطَرِبَةُ البالِ، تَطْلُبُ أحَدًا يُخْبِرُها عَنْ حالِ والِدِي - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حَيْثُ ذَهَبَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى المَدْرَسَةِ، فَخَرَجْتُ إلى الدَّرْبِ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنها، فَوَجَدْتُ النّاسَ بَيْنَ راكِضٍ ومُسْرِعٍ يَتَحَدَّثُونَ بِأنَّ الوَزِيرَ قَتَلَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ وهو في صَلاةِ الفَجْرِ، فَرَجَعْتُ إلَيْها مُسْرِعًا مَسْرُورًا بِصِدْقِ كَلامِي، وكُنْتُ قَدْ أُنْسِيتُهُ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِي حَتّى سَمِعْتُ النّاسَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ. وفِي اليَواقِيتِ والجَواهِرِ لِلشَّعْرانِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - في بَحْثِ الفَرْقِ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والكِهانَةِ أنَّ الكِهانَةَ كَلِماتٌ تَجْرِي عَلى لِسانِ الكاهِنِ رُبَّما تُوافِقُ ورُبَّما تُخالِفُ، وفِيهِ شَمَّةٌ مِمّا ذَكَرْنا، هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والظّاهِرُ - عَلى ما قِيلَ - أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ إلَخْ كَلامٌ مَسُوقٌ مِنهُ تَعالى لِبَيانِ تَنْزِيهِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ - وحاشاهُ - مِمَّنْ تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، وإبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ إنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقى إلى الكَهَنَةِ، وفي البَحْرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلى مَعْنى القَوْلِ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ هَلْ أُنَبِّئُكم إلَخْ، وهو مَسُوقٌ لِلتَّنْزِيهِ والإبْطالِ المَذْكُورَيْنِ.

الشعراء 26:223

﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الإفْكِ وهو الكَذِبُ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرِ الإثْمِ و(كُلِّ) لِلتَّكْثِيرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْإحاطَةِ، ولا بُعْدَ في تَنَزُّلِها عَلى كُلِّ كامِلٍ في الإفْكِ والإثْمِ كالكَهَنَةِ نَحْوِ شِقِّ بْنِ رُهْمِ بْنِ نَذِيرِ، وسَطِيحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيٍّ، والمُرادُ بِواسِطَةِ التَّخْصِيصِ في مَعْرِضِ البَيانِ أوِ السِّياقِ أوْ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ - عِنْدَ القائِلِ بِهِ - قَصْرُ تَنَزُّلِهِمْ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وتَخْصِيصٌ لَهُ بِهِمْ لا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ ساحَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنَزَّهَةً عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ اتَّضَحَ اسْتِحالَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿يُلْقُونَ﴾ أيِ: الأفّاكُونَ ﴿السَّمْعَ﴾ أيْ: سَمْعَهم إلى الشَّياطِينِ، وإلْقاءُ السَّمْعِ مَجازٌ عَنْ شِدَّةِ الإصْغاءِ لِلتَّلَقِّي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصْغُونَ أشَدَّ إصْغاءٍ إلى الشَّياطِينِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم ما يَتَلَقَّوْنَ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ أيِ: الأفّاكِينَ ﴿كاذِبُونَ﴾ فِيما يَقُولُونَهُ مِنَ الأقاوِيلِ، والأكْثَرِيَّةُ بِاعْتِبارِ أقْوالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ قَلَّما يَصْدُقُونَ في أقْوالِهِمْ، وإنَّما هم في أكْثَرِها كاذِبُونَ، ومَآلُهُ: وأكْثَرُ أقْوالِهِمْ كاذِبَةٌ لا بِاعْتِبارِ ذَواتِهِمْ حَتّى يَلْزَمَ مِن نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى أكْثَرِهِمْ كَوْنُ أقَلِّهِمْ صادِقِينَ عَلى الإطْلاقِ، ويُلْتَزَمُ لِذَلِكَ كَوْنُ الأكْثَرِ بِمَعْنى الكُلِّ. ولَيْسَ مَعْنى الأفّاكِ مَن لا يَنْطِقُ إلّا بِالإفْكِ حَتّى يَمْتَنِعَ مِنهُ الصِّدْقُ، بَلْ مَن يُكْثِرُ الإفْكَ فَلا يُنافِيهِ أنْ يَصْدُقَ نادِرًا في بَعْضِ الأحايِينِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ بِمَعْنى المَسْمُوعِ، وإلْقاؤُهُ مَجازٌ عَنْ ذِكْرِهِ أنْ يَلْقى الأفّاكُونَ إلى النّاسِ المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يَحْكُونَ عَنِ الشَّياطِينِ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهم لِبُعْدِهِ أوْ لِقِلَّةِ جَدْواهُ عَلى ما قِيلَ. واخْتُلِفَ في سَبَبِ كَوْنِ أكْثَرِ أقْوالِهِمْ كاذِبَةً، فَقِيلَ: هو بَعْدَ البِعْثَةِ كَوْنُهم يَتَلَقَّوْنَ مِنهم ظُنُونًا وأماراتٍ؛ إذْ لَيْسَ لَهم مِن عِلْمِ الغَيْبِ نَصِيبٌ، وهم مَحْجُوبُونَ عَنْ خَبَرِ السَّماءِ، ولِعَدَمِ صَفاءِ نُفُوسِهِمْ قَلَّما تَصْدُقُ ظُنُونُهُمْ، مَعَ ذَلِكَ يَضُمُّ الأفّاكُونَ إلَيْها - لِعَدَمِ وفائِها بِمُرادِهِمْ عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ - أشْياءَ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ. وقَبْلَ البِعْثَةِ - إذْ كانُوا غَيْرَ مَحْجُوبِينَ عَنْ خَبَرِ السَّماءِ، وكانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ - يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَثْرَةُ غَلَطِ الأفّاكِينَ في الفَهْمِ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنْهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمَّهم إلى ما يُفْهِمُونَهُ مِنَ الحَقِّ أشْياءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَثْرَةُ غَلَطِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يُوحُونَ إلَيْهِمْ في الفَهْمِ عَنِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنْهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمَّ الشَّياطِينِ إلى ما يُفْهِمُونَهُ مِنَ الحَقِّ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أشْياءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا يُطابِقُ أكْثَرُها الواقِعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو قَبْلَ البِعْثَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ، وأمّا بَعْدَ البِعْثَةِ فَهو كَثْرَةُ خَلْطِهِمُ الكَذِبَ فِيما تَخْطِفُهُ الشَّياطِينُ عِنْدَ اسْتِراقِهِمُ السَّمْعَ مِنَ المَلائِكَةِ ويُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: «سَألَ أُناسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: «إنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم يُحَدِّثُونَ أحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا قالَ: صفحة 140 تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَحْفَظُها الجِنِّيُّ فَيَقْذِفُها في أُذُنِ ولِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ فِيها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ»». وقِيلَ: هو قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدَها كَثْرَةُ خَلْطِ الأفّاكِينَ الكَذِبَ فِيما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، أمّا كَثْرَتُهُ قَبْلَ البِعْثَةِ فَلِظاهِرِ الخَبَرِ المَذْكُورِ، وأمّا كَثْرَتُهُ بَعْدَ البِعْثَةِ فَلِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «كانَتِ الشَّياطِينُ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ فَتَسْتَمِعُ ثُمَّ تَنْزِلُ إلى الكَهَنَةِ فَتُخْبِرُهُمْ، فَتُحَدِّثُ الكَهَنَةُ بِما أُنْزِلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ مِنَ السَّمْعِ، وتَخْلِطُ بِهِ الكَهَنَةُ كَذِبًا كَثِيرًا، فَيُحَدِّثُونَ بِهِ النّاسَ، فَأمّا ما كانَ مِن سَمْعِ السَّماءِ فَيَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما خَلَطُوهُ بِهِ مِنَ الكَذِبِ فَيَكُونُ كَذِبًا». ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الشَّياطِينَ بَعْدَ البِعْثَةِ يُلْقُونَ ما يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ إلى الكَهَنَةِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، ومِنَ القائِلِينَ بِهِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( يُلْقُونَ ) في الآيَةِ راجِعًا إلى الشَّياطِينِ، والمَعْنى: يُلْقِي الشَّياطِينُ المَسْمُوعَ مِنَ المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ أنْ يُرْجَمُوا مِن بَعْضِ المُغَيَّباتِ إلى أوْلِيائِهِمْ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ، إذْ لا يُسْمِعُونَهم عَلى نَحْوِ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِشَرارَتِهِمْ أوْ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ أوْ ضَبْطِهِمْ أوْ إفْهامِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ يُنْصِتُ الشَّياطِينُ ويَسْتَمِعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ الرَّجْمِ، وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ بَعْدُ لِشَرارَتِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ في أنْفُسِهِمْ، أوْ لا يُسْمِعُونَ أوْلِياءَهم بَعْدَ ذَلِكَ السَّمْعِ كَلامَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى وجْهِهِ، وجُمْلَةُ ( يُلْقُونَ ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْأفّاكِينَ صِفَةٌ ﴿لِكُلِّ أفّاكٍ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ سَواءٌ أُرِيدَ بِإلْقاءِ السَّمْعِ الإصْغاءُ إلى الشَّياطِينِ أوْ إلْقاءُ المَسْمُوعِ إلى النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا إخْبارًا لِحالِهِمْ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لِما أنَّ كُلًّا مِن تَلَقِّيهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ وإلْقائِهِمْ إلى النّاسِ يَكُونُ بَعْدَ التَّنَزُّلِ، واسْتُظْهِرَ تَقْدِيرُ المُبْتَدَأِ عَلى هَذا، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ عِنْدَ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ أوْ ما يَفْعَلُونَ بَعْدَ تَنَزُّلِهِمْ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إلَيْهِمْ أسْماعَهم لِيَحْفَظُوا ما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ، أوْ يُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم إلى النّاسِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مُنْتَظَرَةً عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أيْضًا. وهِيَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلشَّياطِينِ - والمَعْنى ما سَمِعْتَ أوَّلًا - قِيلَ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِلْغَرَضِ مِنَ التَّنَزُّلِ مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يُلْقُونَ إلَيْهِمْ ما سَمِعُوهُ، وأنْ تَكُونَ حالًا مُنْتَظَرَةً مِن ضَمِيرِ الشَّياطِينِ، أيْ: تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ مُلْقِينَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ المَلَأِ الأعْلى إلَيْهِمْ، وعَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ - والمَعْنى ما سَمِعْتَ ثانِيًا - قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا نَظِيرَ ما ذُكِرَ آنِفًا، ولا أنْ تَكُونَ حالًا أيْضًا؛ لِأنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ بِمَعْنى الإنْصاتِ مُقَدَّمٌ عَلى التَّنَزُّلِ المَذْكُورِ، فَكَيْفَ يَكُونُ غَرَضًا مِنهُ أوْ حالًا مُقارِنَةً أوْ مُنْتَظَرَةً ويَتَعَيَّنُ كَوْنُها اسْتِئْنافًا لِلْإخْبارِ بِحالِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ ذِكْرَ حالِهِمُ السّابِقَةِ عَلى تَنَزُّلِهِمُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ غَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ جَعْلَ الضَّمِيرِ لِلشَّياطِينِ وحَمْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ عَلى إنْصاتِهِمْ وتَسَمُّعِهِمْ إلى المَلَأِ الأعْلى - مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، وفِيهِ نَظَرٌ. وجُمْلَةُ ( أكْثَرُهم كاذِبُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافِيَّةَ والحالِيَّةَ. هَذا، واعْلَمْ أنَّ هاهُنا إشْكالًا وارِدًا عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ في الآيَةِ؛ لِأنَّها عَلَيْهِ تُفِيدُ أنَّ الشَّياطِينَ يَسْمَعُونَ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَسْمَعُونَهُ ويُلْقُونَهُ إلى الأفّاكِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى مَنعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّمْعِ فِيما تَقَدَّمَ السَّمْعُ المُعْتَدُّ بِهِ، وفِيما هاهُنا السَّمْعُ في الجُمْلَةِ، ويُرادُ بِهِ صفحة 141 الخَطْفَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ والكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ في خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وابْنِ مَرْدُويَهْ السّابِقِ آنِفًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن خَطِفَ لا يَبْقى حَيًّا إلى أنْ يُوصِلَ ما خَطَفَهُ إلى ولِيِّهِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ فَإنَّ ظاهِرَهُ أنَّهُ يَهْلَكُ بِالشِّهابِ الَّذِي لَحِقَهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ نَفِيَ بَقائِهِ حَيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ فِيما ذُكِرَ؛ إذْ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنِ اتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ إيّاهُ، وهو يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ كَما يَحْتَمِلُ الإهْلاكَ، فَلْيَرِدِ اتِّباعُهُ لِلزَّجْرِ مَعَ بَقائِهِ حَيًّا؛ فَإنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ يَقْتَضِي بَقاءَهُ كَذَلِكَ. وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّماواتِ وكانُوا يَدْخُلُونَها، ويَأْتُونَ بِأخْبارِها، فَيُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها، فَما مِنهم مَن أحَدٍ يُرِيدُ اسْتِراقَ السَّمْعِ إلّا رُمِيَ بِشِهابٍ - وهو الشُّعْلَةُ مِنَ النّارِ - فَلا يُخْطِئُ أبَدًا، فَمِنهم مَن يَقْتُلُهُ، ومِنهم مَن يُحْرِقُ وجْهَهُ، ومِنهم مَن يَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا يَضِلُّ النّاسَ في البَرارِي. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالسَّمْعِ فِيما تَقَدَّمَ سَمْعُ الوَحْيِ، وفِيما هُنا سَمْعُ المُغَيَّباتِ غَيْرَهُ، وهم غَيْرُ مَمْنُوعِينَ عَنْهُ قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدَها، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ الَّتِي لَمْ يُنْسَجْ عَلى مِنوالِها - وإنْ كانَ لِلطَّعْنِ فِيها مَجالٌ - قالَ: إنَّ الآياتِ إنَّما دَلَّتْ عَلى مَنعِ الشَّياطِينِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ مِن أخْبارِ السَّماءِ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِخَبَرِ البِعْثَةِ ولَمْ يُمْنَعُوا مِمّا سِوى ذَلِكَ، بَلْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ في كَلامِهِ بَعْدُ إشْعارًا ما بِأنَّ المَنعَ إنَّما كانَ بَيْنَ يَدَيِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، لا قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ. ولا يَخْفى أنَّ الظَّواهِرَ تَشْهَدُ بِمَنعِهِمْ مُطْلَقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ حِفْظَ السَّماءِ بِالكَواكِبِ لَمْ يَحْدُثْ وأنَّ خَلْقَها لِذَلِكَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا مَمْنُوعِينَ أيْضًا قَبْلَ وِلادَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن خَبَرِ السَّماءِ، ويُشْكَلُ هَذا عَلى ظاهِرُ العَزْلِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ المَنعَ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ المَنعِ بَعْدُ، فالعَزْلُ عَمّا كانَ يَجْعَلُ المَنعَ شَدِيدًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. وفِي اليَواقِيتِ والجَواهِرِ في عَقائِدِ الأكابِرِ لِمَوْلانا عَبْدِ الوَهّابِ الشَّعْرانِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: الصَّحِيحُ أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ مِنَ السَّمْعِ مُنْذُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وبِتَقْدِيرِ اسْتِراقِهِمْ فَلا يَتَوَصَّلُونَ إلى الإنْسِ لِيُخْبِرُوهم بِما اسْتَرَقُوهُ، بَلْ تُحْرِقُهُمُ الشُّهُبُ وتُفْنِيهِمُ، انْتَهى. قِيلَ: ويَلْزَمُ القائِلِينَ بِهَذا حَمْلُ ما في خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَلى كُهّانٍ كانُوا قَبْلَ البِعْثَةِ، وقَدْ أدْرَكَهُمُ السّائِلُونَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ القاضِي أيْضًا، فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ في شَرْحِهِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الكِهانَةُ في العَرَبِ ثَلاثَةَ أضْرُبٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ولِيٌّ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ بِما يَسْتَرِقُهُ مِنَ السَّمْعِ مِنَ السَّماءِ، وهَذا القِسْمُ بَطَلَ مِن حِينِ بُعِثَ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى آخِرِ ما قالَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ البُوصِيرِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: بَعَثَ اللَّهُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ الشُّهُـ ـبَ حُرّاسًا وضاقَ عَنْها الفَضاءُ تَطْرُدُ الجِنَّ عَنْ مَقاعِدِ لِلسَّمْـ ∗∗∗ ـعِ كَما يَطْرُدُ الذِّئْبَ الرِّعاءُ فَمَحَتْ آيَةَ الكِهانَةِ آيًا ∗∗∗ ـتٌ مِنَ الوَحْيِ ما لَهُنَّ انْمِحاءُ وقَدْ قِيلَ في الجَوابِ عَنِ الإشْكالِ نَحْوُ هَذا، وهو أنْ تَنَزُّلَ الشَّياطِينِ وإلْقاءَهم ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ السَّماءِ إلى أوْلِيائِهِمْ - حَسْبَما تُفِيدُهُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ في أحَدِ مَحامِلِها - إنَّما كانَ قَبْلَ البِعْثَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَنعٌ، أوْ كانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَدِيدًا. والمَنعُ مِنَ السَّمْعِ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ إنَّما كانَ صفحة 142 بَعْدَ البِعْثَةِ، وكانَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهَذا مُشْكِلٌ عِنْدِي بِابْنِ الصَّيّادِ وما كانَ مِنهُ، فَإنَّهم عَدُّوهُ مِنَ الكُهّانِ، وقَدْ صَحَّ «أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَ سَألَهُ عَنْ أمْرِهِ: يَأْتِينِي صادِقٌ وكاذِبٌ، وأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - امْتَحَنَهُ فَأضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخانِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وقالَ ﷺ: خَبَّأْتُ لَكَ خَبَأً، فَقالَ ابْنُ الصَّيّادِ: هو الدُّخُّ، أيِ: الدُّخانُ - وهي لُغَةٌ فِيهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ - فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»» . وقَدْ قالَ القاضِي - كَما نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ أيْضًا -: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الآيَةِ الَّتِي أضْمَرَها النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا لِهَذا اللَّفْظِ النّاقِصِ عَلى عادَةِ الكُهّانِ إذا ألْقى الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ بِقَدْرِ ما يَخْطِفُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ الشِّهابُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»» أيِ: القَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الكُهّانُ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى بَعْضِ الشَّيْءِ، وما لا يَبِينُ مِنهُ حَقِيقَتُهُ ولا يَصِلُ بِهِ إلى بَيانِ وتَحْقِيقِ أُمُورِ الغَيْبِ. وقَدْ يُقالُ في دَفْعِ هَذا الإشْكالِ: إنَّ ابْنَ الصَّيّادِ كانَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي مِنَ الكُهّانِ، وهُمُ الَّذِينَ تُخْبِرُهُمُ الشَّياطِينُ بِما يَطْرَأُ أوْ يَكُونُ في أقْطارِ الأرْضِ، وما خَفِيَ عَنْهم مِمّا قَرُبَ أوْ بَعْدُ. والصَّحِيحُ جَوازُ وُجُودِهِمْ بَعْدَ البِعْثَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قالُوا بِاسْتِحالَةِ وُجُودِ هَذا الضَّرْبِ، وكَذا الضَّرْبِ السّابِقِ آنِفًا، وأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أسَرَّ إلى بَعْضِ أصْحابِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ ما أضْمَرَهُ، أوْ كانَتْ سُورَةُ الدُّخانِ مَكْتُوبَةً في يَدِهِ ﷺ أوْ كَتَبَ الآيَةَ وحْدَها في يَدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكِلا القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ حَكاهُما الدّاوُدِيُّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ كَما في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وأيًّا ما كانَ يَكُونُ ابْنُ الصَّيّادِ قَدْ أخْبَرَ بِأمْرٍ طارِئٍ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ بِدُونِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مِنَ السَّماءِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى ما في القَلْبِ في شَيْءٍ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ تامًّا، بَلْ أخْبَرَ بِهِ عَلى نَحْوِ إخْبارِ الكُهّانِ السّابِقِينَ عَلى زَمَنِ البِعْثَةِ الَّذِينَ هم مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ في النَّقْصِ. ولَعَلَّ مُرادَ القاضِي بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الآيَةِ الَّتِي أضْمَرَها ﷺ إلّا لِهَذا اللَّفْظِ النّاقِصِ عَلى عادَةِ الكُهّانِ إذا ألْقى الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ بِقَدْرِ ما يَخْطِفُ إلَخْ - تَشْبِيهُ حالِهِ - مَعَ أنَّهُ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي - بِحالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُهّانِ الَّذِينَ هم مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ، وإلّا لَأُشْكِلَ كَلامُهُ هَذا مَعَ ما نَقَلْناهُ عَنْهُ أوَّلًا كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ يَقُولُ بِرَجْمِ المُسْتَرِقِينَ لِلسَّمْعِ قَبْلَ البِعْثَةِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ ما كانَ بَعْدَ البِعْثَةِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ إذا خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ألْقى ما يَخْطِفُهُ إلى مَن تَحْتَهُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ الشِّهابُ، ثُمَّ إنَّ مَن تَحْتَهُ يُوصِلُ ذَلِكَ إلى الكاهِنِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ ما يُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلى الكَهَنَةِ بَعْدَ البِعْثَةِ هو ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في العَنانِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ وما هم مَمْنُوعُونَ عَنْهُ هو السَّمْعُ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««المَلائِكَةُ تُحَدَّثُ في العَنانِ - والعَنانُ الغَمامُ - بِالأمْرِ في الأرْضِ فَيَسْمَعُ الشَّيْطانُ الكَلِمَةَ فَيُقِرُّها في أُذُنِ الكاهِنِ كَما يُقِرُّ القارُورَةَ، فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ»». ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في الخَبَرِ تَعَرُّضٌ لِلسَّمْعِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، وقَدْ يُخْتارُ القَوْلُ بِأنَّ الشَّياطِينَ إنَّما مُنِعُوا بَعْدَ البِعْثَةِ عَنْ سَمْعِ ما يُعْتَدُّ بِهِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ مِن مَلائِكَةِ السَّماءِ أوِ العَنانِ، ومَن خَطِفَ خَطْفَةً يُعْتَدُّ بِها مِن ذَلِكَ اتَّبَعَهُ الشِّهابُ وأهْلَكَهُ، ولَمْ يَدَعْهُ يُوصِلُها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلى الكَهَنَةِ، وأمّا سَمْعُ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ فَقَدْ يَقَعُ صفحة 143 لَهم ويُوصِلُونَهُ إلى الكَهَنَةِ، فَيَخْلِطُونَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ ما يَخْلِطُونَ، فَحَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالعَزْلِ عَنِ السَّمْعِ أُرِيدَ بِالسَّمْعِ السَّمْعُ الكامِلُ المُعْتَدُّ بِهِ، وحَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِإلْقاءِ السَّمْعِ أُرِيدَ بِالسَّمْعِ السَّمْعُ في الجُمْلَةِ، وأدْنى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ سَمْعٌ، والظّاهِرُ أنَّ ما حَصَلَ لِابْنِ الصَّيّادِ كانَ مِن هَذا السَّمْعِ ولا يَكادُ يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي لِلْكِهانَةِ إلّا إنْ ثَبَتَ أحَدُ الشُّقُوقِ الثَّلاثَةِ وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ كَلامٌ. نَعَمْ، قَوْلُهُ ﷺ: «خَبَّأْتُ» ظاهِرٌ في أنَّ هُناكَ ما يُخَبَّأُ في كَفٍّ أوْ كُمٍّ أوْ نَحْوِهِما، والآيَةُ ما لَمْ تُكْتَبْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، ولِهَذا احْتاجَ القائِلُونَ بِأنَّهُ ﷺ إنَّما أضْمَرَ لَهُ الآيَةَ في قَلْبِهِ إلى تَأْوِيلِ (خَبَّأْتُ) بِـ(أضْمَرْتُ) ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ - عَلى بُعْدٍ -: إنَّ الشَّياطِينَ قَدْ مُنِعُوا بَعْدَ البِعْثَةِ عَنِ السَّمْعِ مُطْلَقًا بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ لَهم. وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( يُلْقُونَ ) إلى الشَّياطِينِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَقامَ في بَيانِ مَن يَتَنَزَّلُونَ عَلَيْهِ لا بَيانِ حالِهِمْ أوْ إلْقاءِ سَمْعِهِمْ - بِمَعْنى إصْغائِهِمْ - إلى المَلَأِ الأعْلى ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ بِمَعْنى كُلِّهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الأكْثَرِيَّةَ المَذْكُورَةَ كافِيَةٌ في المَقْصُودِ. والمُرادُ: يُصْغُونَ لِيَسْمَعُوا فَلا يَسْمَعُونَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ (وأكْثَرُهم كاذِبُونَ) مَقامَ (لا يَسْمَعُونَ) أوْ: إلْقاءُ السَّمْعِ بِمَعْنى إلْقاءِ ما يَسْمَعُهُ النّاسُ مِنَ الأفّاكِينَ إلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا اخْتَرَعُوهُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ظَنًّا وتَخْمِينًا وألْقَوْهُ إلى أوْلِيائِهِمْ، ولا يَبْعُدُ صِدْقُهم في بَعْضِهِ. والأمْرُ في تَسْمِيَتِهِ مَسْمُوعًا هَيِّنٌ، وما ورَدَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وابْنِ مَرْدُويَهْ مَحْمُولٌ عَلى ما كانَ قَبْلَ البِعْثَةِ، ويُقالُ: إنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ في الجُمْلَةِ، وقَدْ يُحْمَلُ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وحَمْلُ خَطْفِ الكَلِمَةِ فِيهِ عَلى حَدْسِها بِواسِطَةِ بَعْضِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ لِيَجُوزَ اعْتِبارُ كَوْنِهِ بَعْدَ البِعْثَةِ - مِمّا لا أظُنُّ أحَدًا يَرْتَضِيهِ، ولَيْسَ في قِصَّةِ ابْنِ الصَّيّادِ ما هو نَصٌّ في أنَّ ما قالَهُ كانَ عَنْ سَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ألْقاهُ الشَّيْطانُ إلَيْهِ. وكَأنِّي بِكَ تَسْتَبْعِدُ تَحَدُّثَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ بِما أضْمَرَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصُعُودَ الشَّياطِينِ حِينَ السُّؤالِ - مِن غَيْرِ رَيْثٍ - واسْتِراقَهم ونُزُولَهم في أسْرَعِ وقْتٍ بِما أجابَ بِهِ ابْنُ الصَّيّادِ، وما هو إلّا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الكِهانَةِ. وتَحْقِيقُ أمْرِها - عَلى ما ذَكَرَهُ الفاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ - أنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ اسْتِعْدادًا لِلِانْسِلاخِ عَنِ البَشَرِيَّةِ إلى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي فَوْقَها، ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ لَمْحَةٌ لِلْبَشَرِ مِن صِنْفِ الأتْقِياءِ بِما فُطِرُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، ولا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى اكْتِسابٍ ولا اسْتِعانَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ المَدارِكِ، ولا مِنَ التَّصَوُّراتِ ولا مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ كَلامًا أوْ حَرَكَةً، ولا بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. ويُعْطِي التَّقْسِيمُ العَقْلِيُّ أنَّ هاهُنا صِنْفًا آخَرَ مِنَ البَشَرِ ناقِصًا عَنْ رُتْبَةِ هَذا الصِّنْفِ نُقْصانَ الضِّدِّ عَنْ ضِدِّهِ الكامِلِ، وهو صِنْفٌ مِنَ البَشَرِ مَفْطُورٌ عَلى أنْ تَتَحَرَّكَ قُوَّتُهُ العَقْلِيَّةُ حَرَكَتَها الفِكْرِيَّةَ بِالإرادَةِ عِنْدَما يَتْبَعُها النُّزُوعُ لِذَلِكَ وهي ناقِصَةٌ عَنْهُ، فَيَتَشَبَّثُ لِأعْمالِ الحِيلَةِ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ مَحْسُوسَةٍ أوْ مُتَخَيَّلَةٍ كالأجْسامِ الشَّفّافَةِ وعِظامِ الحَيَوانِ وسَجْعِ الكَلامِ، وما سَنَحَ مِن طَيْرٍ أوْ حَيَوانٍ، ويُدِيمُ ذَلِكَ الإحْساسَ والتَّخَيُّلَ مُسْتَعِينًا بِهِ في ذَلِكَ الِانْسِلاخِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، ويَكُونُ كالمُشَيِّعِ لَهُ، وهَذِهِ القُوَّةُ الَّتِي هي مَبْدَأٌ في هَذا الصِّنْفِ لِذَلِكَ الإدْراكِ هي الكِهانَةُ، ولِكَوْنِ هَذِهِ النُّفُوسِ مَفْطُورَةً عَلى النَّقْصِ والقُصُورِ عَنِ الكَمالِ كانَ إدْراكُها الجُزْئِيّاتِ أكْثَرَ مِن إدْراكِها الكُلِّيّاتِ، وتَكُونُ مُشْتَغِلَةً بِها غافِلَةً عَنِ الكُلِّيّاتِ، ولِذَلِكَ كَثِيرًا ما تَكُونُ المُتَخَيَّلَةُ فِيهِمْ في غايَةِ القُوَّةِ وتَكُونُ الجُزْئِيّاتُ عِنْدَها حاضِرَةً عَتِيدَةً، وهي لَها كالمِرْآةِ تَنْظُرُ فِيها دائِمًا، ولا يَقْوى الكاهِنُ عَلى الكَمالِ في إدْراكِ المَعْقُولاتِ؛ لِأنَّ نُقْصانَهُ فِطْرِيٌّ ووَحْيَهُ شَيْطانِيٌّ، وأرْفَعُ أحْوالِ هَذا الصِّنْفِ أنْ يَسْتَعِينَ بِالكَلامِ الَّذِي فِيهِ السَّجْعُ والمُوازَنَةُ صفحة 144 لِيَشْتَغِلَ بِهِ عَنِ الحَواسِّ، ويَقْوى في الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ الِانْسِلاخِ النّاقِصِ، فَيَهْجِسُ في قَلْبِهِ مِن تِلْكَ الحَرَكَةِ - والَّذِي يُشَيِّعُها مِن ذَلِكَ الأجْنَبِيِّ - ما يَقْذِفُ عَلى لِسانِهِ، ورُبَّما صَدَقَ ووافَقَ الحَقَّ، ورُبَّما كَذَبَ؛ لِأنَّهُ يُتَمِّمُ أمْرَ نَقْصِهِ بِأجْنَبِيٍّ عَنْ ذاتِ المَدارِكِ ومَبايِنٍ لَها غَيْرَ مُلائِمٍ، فَيَعْرِضُ لَهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ جَمِيعًا، ويَكُونُ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ، ورُبَّما يَفْزَعُ إلى الظُّنُونِ والتَّخْمِيناتِ؛ حِرْصًا عَلى الظَّفَرِ بِالإدْراكِ - بِزَعْمِهِ - وتَمْوِيهًا عَلى السّائِلِينَ، ولَمّا كانَ انْسِلاخُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ البَشَرِيَّةِ واتِّصالُهُ بِالمَلَأِ الأعْلى مِن غَيْرِ مُشَيِّعٍ ولا اسْتِعانَةٍ بِأجْنَبِيٍّ كانَ صادِقًا في جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ، وكانَ الصِّدْقُ مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ، ولِهَذا «قالَ ﷺ لِابْنِ الصَّيّادِ حِينَ سَألَهُ كاشِفًا عَنْ حالِهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «كَيْفَ يَأْتِيكَ هَذا الأمْرُ»؟ فَقالَ: يَأْتِينِي صادِقٌ وكاذِبٌ: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأمْرُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَفْيَ النُّبُوَّةِ عَنْهُ بِالإشارَةِ إلى أنَّها مِمّا لا يُعْتَبَرُ فِيهِ الكَذِبُ بِحالٍ. وإنَّما قِيلَ: أرْفَعُ أحْوالِ هَذا الصِّنْفِ السَّجْعُ؛ لِأنَّ مَعِينَ السَّجْعِ أخَفُّ مِن سائِرِ المَعِيناتِ مِنَ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ، وتَدُلُّ خِفَّةُ المَعِينِ عَلى قُرْبِ ذَلِكَ الِانْسِلاخِ والِاتِّصالِ والبُعْدِ فِيهِ عَنِ العَجْزِ في الجُمْلَةِ، ولا انْحِصارَ لِعُلُومِ الكُهّانِ فِيما يَكُونُ مِنَ الشَّياطِينِ، بَلْ كَما تَكُونُ مِنَ الشَّياطِينِ تَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ بِانْسِلاخِها انْسِلاخًا غَيْرَ تامٍّ، واتِّصالِها في الجُمْلَةِ بِواسِطَةِ بَعْضِ الأسْبابِ بِعالَمٍ لا تُحْجَبُ عَنْهُ الحَوادِثُ المُسْتَقْبَلَةُ وغَيْرُها، فانْقِطاعُ خَبَرِ السَّماءِ بَعْدَ البِعْثَةِ عَنِ الشَّياطِينِ بِالرَّجْمِ - إنْ سُلِّمَ - لا يَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ الكِهانَةِ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكُهّانَ إذا عاصَرُوا زَمَنَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم عارِفُونَ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ودَلالَةِ مُعْجِزَتِهِ؛ لِأنَّ لَهم بَعْضَ الوِجْدانِ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ، ولا يَصُدُّهم عَنِ الإيمانِ ويَدْعُوهم إلى العِنادِ إلّا وساوِسُ المَطامِعِ بِحُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُمْ، كَما وقَعَ لِأُمَيَّةَ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ فَإنَّهُ كانَ يَطْمَعُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وكَذا وقَعَ لِابْنِ الصَّيّادِ ومُسَيْلِمَةَ وغَيْرِهِما، ورُبَّما تَنْقَطِعُ تِلْكَ الأمانِيُّ فَيُؤْمِنُونَ أحْسَنَ إيمانٍ كَما وقَعَ لِطُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ، وقارِبِ بْنِ الأسْوَدِ، وكانَ لَهُما في الفُتُوحاتِ الإسْلامِيَّةِ مِنَ الآثارِ ما يَشْهَدُ بِحُسْنِ الإيمانِ، وذُكِرَ في بَيانِ اسْتِعْدادِ بَعْضِ الأشْخاصِ - أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا كُهّانًا أوْ غَيْرَهم لِلْإخْبارِ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِها - كَلامٌ طَوِيلٌ، حاصِلُهُ أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ ذاتُ رُوحانِيَّةٍ ولَها بِذاتِها الإدْراكُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، لَكِنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنْهُ بِالِانْغِماسِ في البَدَنِ والحَواسِّ وشَواغِلِها؛ لِأنَّ الحَواسَّ أبَدًا جاذِبَةٌ لَها إلى الظّاهِرِ بِما فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الإدْراكِ الجُسْمانِيِّ، ورُبَّما تَنْغَمِسُ عَنِ الظّاهِرِ إلى الباطِنِ فَيَرْتَفِعُ حِجابُ البَدَنِ لَحْظَةً إمّا بِالخاصَّةِ الَّتِي هي لِلْإنْسانِ عَلى الإطْلاقِ مِثْلِ النَّوْمِ، أوْ بِالخاصَّةِ المَوْجُودَةِ في بَعْضِ الأشْخاصِ كالكَهَنَةِ أهْلِ السَّجْعِ، وأهْلِ الطَّرْقِ بِالحَصى والنَّوى، والنّاظِرِينَ في الأجْسامِ الشَّفّافَةِ مِنَ المَرايا والمِياهِ وقُلُوبِ الحَيَواناتِ وأكْبادِها وعِظامِها، وقَدْ يُلْحَقُ بِهِمُ المَجانِينُ، أوْ بِالرِّياضَةِ الدِّينِيَّةِ مِثْلِ أهْلِ الكَشْفِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أوِ السِّحْرِيَّةِ مِثْلِ أهْلِ الكَشْفِ مِنَ الجُوكِيَّةِ، فَتَلْتَفِتُ حِينَئِذٍ إلى الذَّواتِ الَّتِي فَوْقَها مِنَ المَلَأِ الأعْلى؛ لِما بَيْنَ أُفُقِها وأُفُقِهِمْ مِنَ الِاتِّصالِ في الوُجُودِ، وتِلْكَ الذَّواتُ إدْراكٌ مَحْضٌ وعُقُولٌ بِالفِعْلِ، وفِيها صُوَرُ المَوْجُوداتِ وحَقائِقُها - كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ - فَيَتَجَلّى فِيها شَيْءٌ مِن تِلْكَ الصُّوَرِ وتَقْتَبِسُ مِنها عِلْمًا، ورُبَّما وقَعَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ المُدْرَكَةُ إلى الخَيالِ فَيَصْرِفُها في القَوالِبِ المُتَعادَّةِ، ثُمَّ تُراجِعَ الحِسَّ بِما أدْرَكَتْ إمّا مُجَرَّدًا أوْ في قَوالِبِهِ فَتُخْبِرُ بِهِ، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ ذَهابًا إلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في المَلَأِ الأعْلى، وكَثِيرًا ما يُسَمُّونَهُ عالَمَ المُجَرَّداتِ، وقَدْ يُسَمُّونَهُ عالَمَ العُقُولِ، وهي مَحْصُورَةٌ في المَشْهُورِ عَنْهم في عَشَرَةٍ، ولا دَلِيلَ لَهم عَلى هَذا الحَصْرِ، ولِذا قالَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ بِأنَّها لا تَكادُ تُحْصى، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ والمُحَقِّقِينَ مِنَ السَّلَفِ في ذَلِكَ كَلامٌ لا يَتَّسِعُ هَذا المَوْضِعُ لِذِكْرِهِ، وأنا أقُولُ - ولا يُنْكِرُهُ إلّا جَهُولٌ -: لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صفحة 145 خَواصٌّ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولا يَبْعُدُ - بَعْدَ انْقِطاعِ خَبَرِ السَّماءِ عَنِ الشَّياطِينِ بِالرَّجْمِ - أنْ يَجْعَلَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ خاصِّيَّةَ التَّكَلُّمِ بِما يَصْدُقُ كُلًّا أوْ بَعْضًا - مَعَ اطِّلاعٍ وكَشْفٍ يُفِيدُ العِلْمَ بِما أخْبَرَ بِهِ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ - بِأنْ يُنْطِقَهُ سُبْحانَهُ بِشَيْءٍ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمُخْبَرِ بِهِ ويُوافِقُ الواقِعَ. وقَدِ اتَّفَقَ لِي ذَلِكَ - وعُمْرِي نَحْوُ خَمْسِ سِنِينَ - وذَلِكَ أنِّي رَجَعْتُ مِنَ الكُتّابِ إلى البَيْتِ وشَرَعْتُ ألْعَبُ فِيهِ - عَلى عادَةِ الأطْفال - فَنَهَتْنِي والِدَتِي - رَحِمَها اللَّهُ تَعالى - عَنْ ذَلِكَ وأمَرَتْنِي بِالنَّوْمِ؛ لِأسْتَيْقِظَ صَباحًا فَأذْهَبُ إلى الكُتّابِ، فَقُلْتُ لَها: غَدًا يُقْتَلُ الوَزِيرُ ولا أذْهَبُ إلى الكُتّابِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَمُرُّ بِفِكْرٍ - فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ وأنامَتْنِي، فَلَمّا أصْبَحْتُ تَأهَّبْتُ لِلذَّهابِ، فَجاءَ ابْنُ أُخْتٍ لَها وأسَرَّ إلَيْها كَلامًا لَمْ أسْمَعْهُ، فَتَغَيَّرَ حالُها، ومَنَعَتْنِي عَنِ الذَّهابِ، ولا أدْرِي لِمَ ذَلِكَ، فَأرَدْتُ الخُرُوجَ إلى الدَّرْبِ لِألْعَبَ مَعَ أمْثالِي فَمَنَعَتْنِي أيْضًا، فَقَعَدَتْ وهي مُضْطَرِبَةُ البالِ، تَطْلُبُ أحَدًا يُخْبِرُها عَنْ حالِ والِدِي - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حَيْثُ ذَهَبَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى المَدْرَسَةِ، فَخَرَجْتُ إلى الدَّرْبِ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنها، فَوَجَدْتُ النّاسَ بَيْنَ راكِضٍ ومُسْرِعٍ يَتَحَدَّثُونَ بِأنَّ الوَزِيرَ قَتَلَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ وهو في صَلاةِ الفَجْرِ، فَرَجَعْتُ إلَيْها مُسْرِعًا مَسْرُورًا بِصِدْقِ كَلامِي، وكُنْتُ قَدْ أُنْسِيتُهُ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِي حَتّى سَمِعْتُ النّاسَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ. وفِي اليَواقِيتِ والجَواهِرِ لِلشَّعْرانِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - في بَحْثِ الفَرْقِ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والكِهانَةِ أنَّ الكِهانَةَ كَلِماتٌ تَجْرِي عَلى لِسانِ الكاهِنِ رُبَّما تُوافِقُ ورُبَّما تُخالِفُ، وفِيهِ شَمَّةٌ مِمّا ذَكَرْنا، هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والظّاهِرُ - عَلى ما قِيلَ - أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ إلَخْ كَلامٌ مَسُوقٌ مِنهُ تَعالى لِبَيانِ تَنْزِيهِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ - وحاشاهُ - مِمَّنْ تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، وإبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ إنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقى إلى الكَهَنَةِ، وفي البَحْرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلى مَعْنى القَوْلِ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ هَلْ أُنَبِّئُكم إلَخْ، وهو مَسُوقٌ لِلتَّنْزِيهِ والإبْطالِ المَذْكُورَيْنِ.

الشعراء 26:224

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا - عَنْ أنْ يَكُونَ - وحاشاهُ - مِنَ الشُّعَراءِ، وإبْطالِ زَعْمِ الكَفَرَةِ أنَّ القُرْآنَ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ. والمُتَبادَرُ مِنهُ الكَلامُ المَنظُومُ المُقَفّى، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم رَمَوْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكَوْنِهِ آتِيًا بِشِعْرٍ مَنظُومٍ مُقَفًّى حَتّى تَأوَّلُوا عَلَيْهِ ما جاءَ في القُرْآنِ مِمّا يَكُونُ مَوْزُونًا بِأدْنى تَصَرُّفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ ويَكُونُ بِهَذا الِاعْتِبارِ شَطْرًا مِنَ الطَّوِيلِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ ويَكُونُ مِنَ المَدِيدِ، وكَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ ويَكُونُ مِنَ البَسِيطِ، وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ويَكُونُ مِنَ الوافِرِ، وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويَكُونُ مِنَ الكامِلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اسْتَخْرَجُوهُ مِنهُ مِن سائِرِ البُحُورِ، وقَدِ اسْتَخْرَجُوا مِنهُ ما يُشْبِهُ البَيْتَ التّامَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ . وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا هَذا المَقْصِدَ فِيما رَمَوْهُ بِهِ ﷺ إذْ لا يَخْفى عَلى الأغْبِياءِ مِنَ العَجَمِ - فَضْلًا عَنْ بُلَغاءِ العَرَبِ - أنَّ القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ ﷺ لَيْسَ عَلى أسالِيبِ الشِّعْرِ، وهم ما قالُوا فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شاعِرٌ إلّا لَمّا جاءَهم بِالقُرْآنِ، واسْتِخْراجُ ما ذُكِرَ ونَحْوُهُ مِنهُ لَيْسَ إلّا لِمَزِيدِ فَصاحَتِهِ وسَلاسَتِهِ ولَمْ يُؤْتَ بِهِ لِقَصْدِ النَّظْمِ. ولَوِ اعْتُبِرَ في كَوْنِ الكَلامِ شِعْرًا إمْكانُ اسْتِخْراجِ كَلامٍ مَنظُومٍ مِنهُ لَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الأطْفالِ شُعَراءَ؛ فَإنَّ كَثِيرًا صفحة 146 مِن كَلامِهِمْ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَصَدُوا رَمْيَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنَّهُ - وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ - يَأْتِي بِكَلامٍ مُخَيَّلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ غالِبًا في الشُّعَراءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالمَنظُومِ مِنَ الكَلامِ عَبَّرُوا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – بِشاعِرٍ، وعَمّا جاءَ بِهِ بِالشِّعْرِ، ومَعْنى الآيَةِ: والشُّعَراءُ يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهم ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهِمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السُّنَنِ، الحائِرُونَ فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، ولا يَسْتَمِرُّونَ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ والأحْوالِ، لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ الثّابِتِينَ عَلَيْهِ. والحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن بِناءِ ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ إلَخْ عَلى الشُّعَراءِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، كَما قَرَّرَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ومَن لا يَرى الحَصْرَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ يَأْخُذُهُ مِنَ الوَصْفِ المُناسِبِ، أعْنِي أنَّ الغَوايَةَ جُعِلَتْ عِلَّةً لِلِاتِّباعِ فَإذا انْتَفَتِ انْتَفى.

الشعراء 26:225

َقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى أنَّ الشُّعَراءَ إنَّما يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ وتَقْرِيرٌ لَهُ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حالَهم مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِهِ راءٍ دُونَ راءٍ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلشُّعَراءِ أيْ: ألَمْ تَرَ أنَّ الشُّعَراءَ في كُلِّ وادٍ مِن أوْدِيَةِ القِيلِ والقالِ، وفي كُلِّ شِعْبٍ مِن شِعابِ الوَهْمِ والخَيالِ، وفي كُلِّ مَسْلَكٍ مِن مَسالِكِ الغَيِّ والضَّلالِ - يَهِيمُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، لا يَهْتَدُونَ إلى سَبِيلٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السُّبُلِ، بَلْ يَتَحَيَّرُونَ في سَباسِبِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، ويَتِيهُونَ في تِيهِ الصَّلَفِ والوَقاحَةِ، دَيْدَنُهم تَمْزِيقُ الأعْراضِ المَحْمِيَّةِ، والقَدَحُ في الأنْسابِ الطّاهِرَةِ السَّنِيَّةِ، والنَّسِيبُ بِالحُرُمِ، والغَزَلُ والِابْتِهارُ والتَّرَدُّدُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في المَدْحِ والهِجاءِ.

الشعراء 26:226

﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفاعِيلِ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ اللَّوْمِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَتَّبِعَهم في مَسْلَكِهِمْ ذَلِكَ ويَلْحَقَ بِهِمْ ويَنْتَظِمَ في سِلْكِهِمْ مَن تَنَزَّهَتْ ساحَتُهُ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَها شائِبَةُ الِاتِّصافِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واتَّصَفَ بِمَحاسِنِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، وتَخَلَّقَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وحازَ جَمِيعَ الكِمالاتِ القُدْسِيَّةِ، وفازَ بِجُمْلَةِ المَلِكاتِ السَّنِيَّةِ الإنْسِيَّةِ، مُسْتَقِرًّا عَلى أقْوَمِ مِنهاجٍ، مُسْتَمِرًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَرى لَهُ العَقْلُ السَّلِيمُ مِن هاجٍ، ناطِقًا بِكُلِّ أمْرٍ رَشِيدٍ، داعِيًا إلى صِراطِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ الحَمِيدِ، مُؤَيَّدًا بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، وآياتٍ ظاهِرَةٍ، مَشْحُونَةٍ بِفُنُونِ الحِكَمِ الباهِرَةِ، وصُنُوفِ المَعارِفِ الباهِرَةِ، مُسْتَقِلَّةٍ بِنَظْمٍ رائِقٍ، وأُسْلُوبٍ فائِقٍ، أعْجَزَ كُلَّ مِنطِيقٍ ماهِرٍ، وبَكَّتْ كُلَّ مُفْلِقٍ ساحِرٍ. هَذا، وقَدْ قِيلَ في تَنْزِيهِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الشُّعَراءِ: إنَّ أتْباعَ الشُّعَراءِ الغاوُونَ، وأتْباعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسُوا كَذَلِكَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ كَوْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنهم بِكَوْنِ أتْباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرَ غاوِينَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ العالِي، وقِيلَ: ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْغاوِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُمُ الشُّعَراءُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الغاوِينَ هُمُ الرُّواةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ شِعْرَ الشُّعَراءِ ويَرْوُونَهُ عَنْهم مُبْتَهِجِينَ بِهِ. وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَحْسِنُونَ أشْعارَهم - وإنْ لَمْ يَحْفَظُوها - وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهُمُ الشَّياطِينُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في شُعَراءِ المُشْرِكِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، وهُبَيْرَةُ بْنُ وهْبٍ المَخْزُومِيُّ، ومُسافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، وأُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، قالُوا: نَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وكانُوا يَهْجُونَهُ، ويَجْتَمِعُ إلَيْهِمُ الأعْرابُ مِن قَوْمِهِمْ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهم وأهاجِيَّهُمْ، وهُمُ الغاوُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: تَهاجى رَجُلانِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ صفحة 147 اللَّهِ ﷺ أحَدُهُما مِنَ الأنْصارِ والآخَرُ مَن قَوْمٍ آخَرِينَ، وكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما غُواةٌ مِن قَوْمِهِ - وهُمُ السُّفَهاءُ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿والشُّعَراءُ﴾ الآياتِ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ شَيْءٌ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّها نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا في القُرْآنِ ما قالُوا. وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو «الشُّعَراءَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ «يَتْبَعُهُمْ» مُخَفَّفًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (يَتَّبِعْهُمُ) بِالتَّشْدِيدِ وتَسْكِينِ العَيْنِ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالُوا: (عَضْدٌ) بِسُكُونِ الضّادِ فَغَيَّرُوا الضَّمَّةَ واقِعَةً بَعْدَ الفَتْحَةِ فَلِأنْ يُغَيِّرُوها واقِعَةً بَعْدَ الكَسْرَةِ أوْلى، ورَوى هارُونُ فَتْحَ العَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمْ، واسْتَشْكَلَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّخْفِيفِ أيْضًا، واخْتِيارُهُ عَلى السُّكُونِ لِحُصُولِ الغَرَضِ بِهِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُراعاةَ الأصْلِ في الجُمْلَةِ لِما بَيْنَ الحَرَكَتَيْنِ مِنَ المُشارَكَةِ الجِنْسِيَّةِ، ولا كَذَلِكَ ما بَيْنَ الضَّمِّ والسُّكُونِ، وهو غَرِيبٌ كَما لا يَخْفى.

الشعراء 26:227

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ اسْتِثْناءٌ لِلشُّعَراءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكُونُ أكْثَرُ أشْعارِهِمْ في التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والحَثِّ عَلى الطّاعَةِ والحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا، والتَّرْهِيبِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْها، والِاغْتِرارِ بِزَخارِفِها، والِافْتِتانِ بِمَلاذِّها الفانِيَةِ، والتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ونَشْرِ مَحاسِنِ رَسُولِهِ ﷺ ومَدْحِهِ وذِكْرِ مُعْجِزاتِهِ؛ لِيَتَغَلْغَلَ حُبُّهُ في سُوَيْداءِ قُلُوبِ السّامِعِينَ، وتَزْدادَ رَغَباتُهم في اتِّباعِهِ، ونَشْرِ مَدائِحِ آلِهِ وأصْحابِهِ وصُلَحاءِ أُمَّتِهِ لِنَحْوِ ذَلِكَ، ولَوْ وقَعَ مِنهم في بَعْضِ الأوْقاتِ هَجْوٌ وقَعَ بِطَرِيقِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ هَجاهم مِن غَيْرِ اعْتِداءٍ ولا زِيادَةٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «وانْتَصَرُوا بِمِثْلِ ما ظُلِمُوا». وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَثْنَيْنَ شُعَراءُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يُنافِحُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُكافِحُونَ هُجاةَ المُشْرِكِينَ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ الأنْصارِ هاجُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوُهُ. وبِما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ أبِي حَسَنٍ سالِمٍ البَرّادِ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: (والشُّعَراءُ) الآيَةَ جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهم يَبْكُونَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهو يَعْلَمُ أنّا شُعَراءُ، هَلَكْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِ الصِّفاتِ فَقالَ: هم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، فَقَدْ جاءَ عَنْهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ ما يُشْعِرُ بِالعُمُومِ. هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ذَمِّ الشِّعْرِ والمُبالَغَةِ في المَدْحِ والهَجْوِ وغَيْرِهِما مِن فُنُونِهِ، وجَوازِهِ في الزُّهْدِ والأدَبِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، وجَوازِ الهَجْوِ لِمَن ظُلِمَ انْتِصارًا كَذا قِيلَ. واعْلَمْ أنَّ الشِّعْرَ بابٌ مِنَ الكَلامِ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، وفي الحَدِيثِ: ««إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»». وقَدْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – الشِّعْرَ، وأجازَ عَلَيْهِ، «وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِحَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «اهْجُهم - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - فَإنَّ رُوحَ القُدُسِ سَيُعِينُكَ»» وفي رِوايَةٍ ««اهْجُهم وجِبْرِيلُ مَعَكَ»». صفحة 148 وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعانَ حَسّانًا عَلى مِدْحَتِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِسَبْعِينَ بَيْتًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في التّارِيخِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في الشُّعَراءِ ما أنْزَلَ فَكَيْفَ تَرى فِيهِ؟ فَقالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأنَّ ما تَرْمُونَهم بِهِ نَضْحَ النَّبْلِ»». وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةً وهم في سَفَرٍ: «أيْنَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ فَقالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: خُذْ فَجَعَلَ يُنْشِدُهُ ويُصْغِي إلَيْهِ حَتّى فَرَغَ مِن نَشِيدِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: لَهَذا أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ»». ويُرْوى عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَنِي لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ مِنبَرًا في المَسْجِدِ يُنْشِدُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ». وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – مَرْفُوعًا: «الشُّعَراءُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ في الإسْلامِ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولُوا شِعْرًا يَتَغَنّى بِهِ الحُورُ العِينُ لِأزْواجِهِنَّ في الجَنَّةِ، والَّذِينَ ماتُوا في الشِّرْكِ يَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ في النّارِ». وقَدْ أنْشَدَ كُلٌّ مِنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أجْمَعِينَ الشِّعْرَ، وكَذا كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَمِن شِعْرِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمِن طَيْفِ سَلْمى بِالبِطاحِ الدَّمائِثِ أرِقْتَ وأمْرٍ في العَشِيرَةِ حادِثِ تَرى مِن لُؤَيٍّ فِرْقَةً لا يَصُدُّها ∗∗∗ عَنِ الكُفْرِ تَذْكِيرٌ ولا بَعْثُ باعِثِ رَسُولٌ أتاهم صادِقٌ فَتَكَذَّبُوا ∗∗∗ عَلَيْهِ وقالُوا لَسْتَ فِينا بِماكِثِ ولَمّا دَعَوْناهم إلى الحَقِّ أدْبَرُوا ∗∗∗ وهَرُّوا هَرِيرَ المُجْحِراتِ اللَّواهِثِ فَكَمْ قَدْ مَثَّلْنا فِيهِمْ بِقَرابَةٍ ∗∗∗ وتَرْكُ التُّقى شَيْءٌ لَهم غَيْرُ كارِثِ فَإنْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وعُقُوقِهِمْ ∗∗∗ فَما طَيِّباتُ الحِلِّ مِثْلُ الخَبائِثِ وإنْ يَرْكَبُوا طُغْيانَهم وضَلالَهم ∗∗∗ فَلَيْسَ عَذابُ اللَّهِ عَنْهم بِلابِثِ ونَحْنُ أُناسٌ مِن ذُؤابَةِ غالِبٍ ∗∗∗ لَنا العِزُّ مِنها في الفُرُوعِ الأثائِثِ فَأوْلى بِرَبِّ الرّاقِصاتِ عَشِيَّةً ∗∗∗ حَراجِيجَ تُحْدِي في السَّرِيحِ الرَّثائِثِ كَأُدْمِ ظِباءٍ حَوْلَ مَكَّةَ عُكَّفٍ ∗∗∗ يَرِدْنَ حِياضَ البِئْرِ ذاتِ النَّبائِثِ لَئِنْ لَمْ يَفِيقُوا عاجِلًا مِن ضَلالِهِمْ ∗∗∗ ولَسْتُ إذا آلَيْتُ يَوْمًا بِحانِثِ لَتَبْتَدِرَنَّهم غارَةٌ ذاتُ مَصْدَقٍ ∗∗∗ تُحَرِّمُ أطْهارَ النِّساءِ الطَّوامِثِ تُغادِرُ قَتْلى يَعْصِبُ الطَّيْرُ حَوْلَهم ∗∗∗ ولا تَرْأفُ الكُفّارُ رَأفَ ابْنِ حارِثِ فَأبْلِغْ بَنِي سَهْمٍ لَدَيْكَ رِسالَةً ∗∗∗ وكُلَّ كَفُورٍ يَبْتَغِي الشَّرَّ باحِثِ فَإنْ تَشَعَّثُوا عَرْضِي عَلى سُوءِ رَأْيِكم ∗∗∗ فَإنِّي مِن أعْراضِكم غَيْرُ شاعِثِ ومِن شِعْرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وكانَ مِن أنْقَدِ أهْلِ زَمانِهِ لِلشِّعْرِ وأنْفَذِهِمْ فِيهِ مَعْرِفَةً: تَوَعَّدَنِي كَعْبٌ ثَلاثًا يَعِدُّها ∗∗∗ ولا شَكَّ أنَّ القَوْلَ ما قالَهُ كَعْبُ وما بِي خَوْفُ المَوْتِ إنِّي لَمَيِّتٌ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَوْفَ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ صفحة 149 وقَوْلُهُ ويُرْوى لِلْأعْوَرِ الثَّنِيِّ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ ∗∗∗ بِكَفِّ الإلَهِ مَقادِيرُها فَلَيْسَ بِآتِيكَ مَنهِيُّها ∗∗∗ ولا قاصِرٌ عَنْكَ مَأْمُورُها ومِنهُ وقَدْ لَبِسَ بُرْدًا جَدِيدًا فَنَظَرَ النّاسُ إلَيْهِ، ويُرْوى لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ مِن أبْياتٍ: لا شَيْءَ مِمّا تَرى تَبْقى بِشاشَتُهُ ∗∗∗ يَبْقى الإلَهُ ويَفْنى المالُ والوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزَ يَوْمًا خَزائِنُهُ ∗∗∗ والخُلْدَ حاوَلَهُ عادٌ فَما خَلَدُوا ولا سُلَيْمانُ إذْ تَجْرِي الرِّياحُ لَهُ ∗∗∗ والإنْسُ والجِنُّ فِيما بَيْنَها تَرِدُ حَوْضٌ هُنالِكَ مَوْرُودٌ بِلا كَذِبٍ ∗∗∗ لا بُدَّ مِن ورْدِهِ يَوْمًا كَما ورَدُوا ومِن شِعْرِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: غِنى النَّفْسِ يُغْنِي النَّفْسَ حَتّى يَكُفَّها ∗∗∗ وإنَّ عَضَّها حَتّى يَضُرَّ بِها الفَقْرُ ومِن شِعْرِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وكانَ مُجَوِّدًا حَتّى قِيلَ: إنَّهُ أشْعَرُ الخُلَفاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - يَذْكُرُ هَمْدانَ ونَصْرَهم إيّاهُ في صِفِّينَ: ولَمّا رَأيْتُ الخَيْلَ تُزْحَمُ بِالقَنا ∗∗∗ نَواصِيها حُمْرُ النُّحُورِ دَوامِي وأعْرَضَ نَقَعٌ في السَّماءِ كَأنَّهُ ∗∗∗ عَجاجَةُ دَجْنٍ مُلْبَسٌ بِقَتامِ ونادى ابْنُ هِنْدٍ في الكُلاعِ وحِمْيَرَ ∗∗∗ وكِنْدَةَ في لَخْمٍ وحَيِّ جُذامِ تَيَمَّمْتُ هَمْدانَ الَّذِينَ هم هم ∗∗∗ إذا نابَ دَهْرٌ جُنَّتِي وسِهامِي فَجاوَبَنِي مِن خَيْلِ هَمْدانَ عُصْبَةٌ ∗∗∗ فَوارِسُ مِن هَمْدانَ غَيْرُ لِئامِ فَخاضُوا لِظاها واسْتَطارُوا شَرارَها ∗∗∗ وكانُوا لَدى الهَيْجا كَشُرْبِ مَدامِ فَلَوْ كُنْتُ بَوّابًا عَلى بابِ جَنَّةٍ ∗∗∗ لَقُلْتُ لِهَمْدانَ ادْخُلُوا بِسَلامِ وقَدْ جَمَعُوا ما نُسِبَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِنَ الشِّعْرِ في دِيوانٍ كَبِيرٍ، ولا يَصِحُّ مِنهُ إلّا اليَسِيرُ. ومِن شِعْرِ ابْنِهِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقَدْ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ مُخْتَضِبًا: نَسُودُ أعْلاها وتَأْبى أُصُولُها ∗∗∗ فَلَيْتَ الَّذِي يَسُودُ مِنها هو الأصْلُ ومِن شِعْرِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقَدْ عاتَبَهُ أخُوهُ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في امْرَأتِهِ: لَعَمْرُكَ إنَّنِي لَأُحِبُّ دارًا ∗∗∗ تَحُلُّ بِها سَكِينَةُ والرَّبابُ أُحِبُّهُما وأبْذُلُ جُلَّ مالِي ∗∗∗ ولَيْسَ لِلائِمِي عِنْدِي عِتابُ ومِن شِعْرِ فاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْهُ يَوْمَ وفاةِ أبِيها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ماذا عَلى مَن شَمَّ تُرْبَةَ أحْمَدَ ∗∗∗ أنْ لا يَشُمَّ مَدى الزَّمانِ غَوالِيا صَبَّتْ عَلَيَّ مَصائِبَ لَوْ أنَّها ∗∗∗ صُبَّتْ عَلى الأيّامِ صِرْنَ لَيالِيا ومِن شِعْرِ العَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ يَفْتَخِرُ بِثُبُوتِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا هَلْ أتى عُرْسِي مَكْرِي ومَوْقِفِي ∗∗∗ بِوادِي حُنَيْنٍ والأسِنَّةُ تُشْرَعُ وقَوْلِي إذا ما النَّفْسُ جاشَتْ لَها قُرًى ∗∗∗ وهامٌ تَدَهْدى والسَّواعِدُ تُقْطَعُ صفحة 145 وكَيْفَ رَدَدْتُ الخَيْلَ وهي مُغِيرَةٌ ∗∗∗ بِزَوْراءَ تُعْطِي بِاليَدَيْنِ وتَمْنَعُ نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ سَبْعَةٌ ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأقْشَعُوا ومِن شِعْرِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إذا طارِقاتُ الهَمِّ ضاجَعَتِ الفَتى ∗∗∗ وأعْمَلَ فِكْرَ اللَّيْلِ واللَّيْلُ عاكِرُ وباكَرَنِي في حاجَةٍ لَمْ يَجِدْ لَها ∗∗∗ سِوايَ ولا مِن نَكْبَةِ الدَّهْرِ ناصِرُ فَرَّجْتُ بِمالِي هَمَّهُ مِن مَقامِهِ ∗∗∗ وزايَلَهُ هَمٌّ طَرُوقٌ مُسامِرُ وكانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيَّ بِظَنِّهِ ∗∗∗ بِي الخَيْرَ أنِّي لِلَّذِي ظَنَّ شاكِرُ وهَلُمَّ جَرّا إلى حَيْثُ شِئْتَ. ولَيْسَ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ - كَما قِيلَ - رِجالًا ولا نِساءً مَن لَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ حاشا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في أمْرِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولِأجِلَّةِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم مِن أئِمَّةِ الدِّينِ وفُقَهاءِ المُسْلِمِينَ شِعْرٌ كَثِيرٌ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ومُتْعِبِ العِيسِ مُرْتاحٍ إلى بَلَدٍ ∗∗∗ والمَوْتُ يَطْلُبُهُ في ذَلِكَ البَلَدِ وضاحِكٍ والمَنايا فَوْقَ هامَتِهِ ∗∗∗ لَوْ كانَ يَعْلَمُ غَيْبًا ماتَ مَن كَمَدِ مَن كانَ لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا في بَقاءِ غَدٍ ∗∗∗ فَما يُفَكِّرُ في رِزْقٍ لِبَعْدِ غَدِ والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ يَحْتاجُ إلى إفْرادِهِ بِكِتابٍ، وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ. وقَدْ مَدَحَهُ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، فَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ كَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: مُرْ مَن قِبَلَكَ بِتَعَلُّمِ الشِّعْرِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ، وصَوابِ الرَّأْيِ، ومَعْرِفَةِ الأنْسابِ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: الشِّعْرُ مِيزانُ العُقُولِ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَقُولُ: إذا قَرَأْتُمْ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ تَعْرِفُوهُ فاطْلُبُوهُ في أشْعارِ العَرَبِ؛ فَإنَّ الشِّعْرَ دِيوانُ العَرَبِ. وما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذْ عَرَضَ شاعِرٌ يَنْشُدُ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»» حَمَلَهُ الشّافِعِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَلى الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. فَقَدْ أخْرَجَ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ بَلَغَها أنَّ أبا هُرَيْرَةَ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»» مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيتُ بِهِ يَعْنِي نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَكَرَ ذَلِكَ المُرْشِدِيُّ في فَتاواهُ نَقْلًا عَنْ كِتابِ (بُسْتانِ الزّاهِدِينَ) ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ الحَمْلُ المَذْكُورُ لِلتَّعْبِيرِ بِـ(يَمْتَلِئَ) فَإنَّ الكَثِيرَ والقَلِيلَ مِمّا فِيهِ فُحْشٌ أوْ هَجْوٌ لِسَيِّدِ الخَلْقِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – سَواءٌ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الماوَرْدِيِّ: الشِّعْرُ في كَلامِ العَرَبِ مُسْتَحَبٌّ ومُباحٌ ومَحْظُورٌ، فالمُسْتَحَبُّ ما حَذَّرَ مِنَ الدُّنْيا ورَغَّبَ في الآخِرَةِ، وحَثَّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ. والمُباحُ ما سَلِمَ مِن فُحْشٍ أوْ كَذِبٍ. والمَحْظُورُ نَوْعانِ: كَذِبٌ وفُحْشٌ، وهُما جَرْحٌ في قائِلِهِ، وأمّا مُنْشِدُهُ فَإنْ حَكاهُ اضْطِرارًا لَمْ يَكُنْ جَرْحًا أوِ اخْتِيارًا جُرِحَ. وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الرُّويانِيُّ، وجَعَلَ الرُّويانِيُّ ما فِيهِ الهَجْوُ لِمُسْلِمٍ - سَواءٌ كانَ بِصِدْقٍ أوْ كَذِبٍ - مِنَ المَحْظُورِ أيْضًا، ووافَقَهُ جَماعَةٌ، إلّا أنَّ إثْمَ الصّادِقِ أخَفُّ مِن إثْمِ الكاذِبِ - كَما قالَ القَمُولِيُّ - وإثْمَ الحاكِي صفحة 151 - عَلى ما قالَ الرّافِعِيُّ - دُونَ إثْمِ المُنْشِدِ. وقالَ الأذْرَعِيُّ: لَيْسَ هَذا عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ إذا اسْتَوى الحاكِي والمُنْشِدُ، أمّا إذا أنْشَدَهُ ولَمْ يُذِعْهُ فَأذاعَهُ الحاكِي فَإثْمُهُ أشَدُّ بِلا شَكٍّ، واحْتُرِزَ بِقَيْدِ المُسْلِمِ عَمّا فِيهِ الهَجْوُ لِكافِرٍ فَإنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا. وفَصَّلَ بَعْضُهم ما فِيهِ الهَجْوُ لِمُسْلِمٍ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ أطْلَقُوا جَوازَ هَجْوِ الكافِرِ؛ اسْتِدْلالًا بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَسّانًا ونَحْوَهُ بِهَجْوِ المُشْرِكِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّ ذَلِكَ الكُفّارُ عَلى العُمُومِ، وكَذا المُعِينُ الحَرْبِيُّ - مَيِّتًا كانَ أوْ حَيًّا - حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ مَعْصُومٌ يَتَأذّى بِهِ، وأمّا الذِّمِّيُّ أوِ المُعاهَدُ أوِ الحَرْبِيُّ الَّذِي لَهُ قَرِيبٌ ذِمِّيٌّ أوْ مُسْلِمٌ يَتَأذّى بِهِ فَلا يَجُوزُ هَجْوُهُ - كَما قالَهُ الأذْرَعِيُّ وابْنُ العِمادِ وغَيْرُهُما - وقالُوا: إنَّ هَجْوَ حَسّانَ - وإنْ كانَ في مُعَيَّنٍ - لَكِنَّهُ في حَرْبِيٍّ، وعَلى التَّنَزُّلِ فَهو ذَبٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَكُونُ مِنَ القُرَبِ، فَضْلًا عَنِ المُباحاتِ. وألْحَقَ الغَزالِيُّ وتَبِعَهُ جَمْعٌ المُبْتَدِعَ بِالحَرْبِيِّ، فَيَجُوزُ هَجْوُهُ بِبِدْعَتِهِ لَكِنْ لِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ كالتَّحْذِيرِ مِن جِهَتِهِ، وجَوَّزَ ابْنُ العِمادِ هَجْوَ المُرْتَدِّ دُونَ تارِكِ الصَّلاةِ والزّانِي المُحْصَنِ، وما قالَهُ في المُرْتَدِّ واضِحٌ؛ لِأنَّهُ كالحَرْبِيِّ بَلْ أقْبَحُ، وفي الأخِيرَيْنِ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَتَجاهَرْ، أمّا المُتَجاهِرُ بِفِسْقِهِ فَيَجُوزُ هَجْوُهُ بِما تَجاهَرَ بِهِ فَقَطْ؛ لِجَوازِ غَيْبَتِهِ بِذَلِكَ فَقَطْ. وقالَ البَلْقِينِيُّ: الأرْجَحُ تَحْرِيمُ هَجْوِ المُتَجاهِرِ المَذْكُورِ لا لِقَصْدِ زَجْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتُوبُ وتَبْقى وصْمَةُ الشِّعْرِ السّائِرِ عَلَيْهِ، ولا كَذَلِكَ الكافِرُ إذا أسْلَمَ. ورُدَّ بِأنَّ مُجاهَرَتَهُ بِالمَعْصِيَةِ وعَدَمَ مُبالاتِهِ بِالنّاسِ وكَلامِهِمْ فِيهِ صَيَّراهُ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ ولا مُراعًى فَهو المُهْدِرُ لِحُرْمَةِ نَفْسِهِ بِالنِّسْبَةِ لِما تَجاهَرَ بِهِ، فَلَمْ يُبالِ بِبَقاءِ تِلْكَ الوَصْمَةِ عَلَيْهِ. نَعَمْ، لَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ إنْشادِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إذا كانَ يَتَأذّى بِهِ هو أوْ قَرِيبُهُ المُسْلِمُ أوِ الذِّمِّيُّ، أوْ بَعْدَ مَوْتِهِ إذا كانَ يَتَأذّى بِهِ مَن ذُكِرَ لَمْ يَبْعُدْ. وذَكَرَ جَماعَةٌ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَحْظُورِ أيْضًا ما فِيهِ تَشْبِيبٌ بِغُلامٍ ولَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ مَعَ ذِكْرِ أنَّهُ يَعْشَقُهُ، أوْ بِامْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ - وإنْ لَمْ يَذْكُرْها بِفُحْشٍ - أوْ بِامْرَأةٍ مُبْهَمَةٍ مَعَ ذِكْرِها بِالفُحْشِ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إنْشاءِ ذَلِكَ وإنْشادِهِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّعْيِينَ في الغُلامِ كالمَرْأةِ فَلا يَحْرُمُ التَّشْبِيبُ بِمُبْهَمٍ. قالَ الأذْرَعِيُّ: وهو الأقْرَبُ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وقالَ أيْضًا: يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّهُ إذا شَبَّبَ بِحَلِيلَتِهِ ولَمْ يَذْكُرْ سِوى المَحَبَّةِ والشَّوْقِ أوْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ التَّشْبِيهاتِ الظّاهِرَةِ أنَّهُ لا يَضُرُّ، وكَذا إذا ذَكَرَ امْرَأةً مَجْهُولَةً ولَمْ يَذْكُرْ سُوءًا. وفِي الإحْياءِ في حُرْمَةِ التَّشْبِيبِ بِنَحْوِ وصْفِ الخُدُودِ والأصْداغِ وسائِرِ أوْصافِ النِّساءِ نَظَرٌ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَحْرُمُ نَظْمُهُ ولا إنْشادُهُ بِصَوْتٍ وغَيْرِ صَوْتٍ، وعَلى المُسْتَمِعِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلى امْرَأةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإنْ نَزَّلَهُ عَلى حَلِيلَتِهِ جازَ، أوْ عَلى غَيْرِها فَهو العاصِي بِالتَّنْزِيلِ، ومَن هَذا وصْفُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْتَنِبَ السَّماعَ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ ما يَحْرُمُ إنْشاؤُهُ قَدْ لا تَحْرُمُ رِوايَتُهُ؛ فَإنَّ المَغازِيَ رُوِيَ فِيها قَصائِدُ الكُفّارِ الَّذِينَ هاجُوا فِيها الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أذِنَ في الشِّعْرِ الَّذِي تَقاوَلَتْ بِهِ الشُّعَراءُ في يَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ وغَيْرِهِما إلّا قَصِيدَةَ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ الحائِيَّةَ، انْتَهى. قالَ الأذْرَعِيُّ: ولا شَكَّ في هَذا إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ ولا أذًى لِحَيٍّ ولا مَيِّتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلَيْهِ، وقَدْ ذَمَّ العُلَماءُ جَرِيرًا والفَرَزْدَقَ في تَهاجِيهِما، ولَمْ يَذُمُّوا مَنِ اسْتَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلى إعْرابٍ وغَيْرِهِ مِن عِلْمِ اللِّسانِ، ويَجِبُ حَمْلُ كَلامِ الأئِمَّةِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو عادَةُ أهْلِ اللَّعِبِ والبِطالَةِ، وعَلى إنْشادِ شِعْرِ شُعَراءِ العَصْرِ إذا كانَ إنْشاؤُهُ حَرامًا؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أذًى أوْ وقِيعَةٌ في الأحْياءِ، صفحة 152 أوْ إساءَةُ الأحْياءِ في أمْواتِهِمْ، أوْ ذِكْرُ مَساوِئِ الأمْواتِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في اللُّغَةِ ولا غَيْرِها فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّعِبُ بِالأعْراضِ، وزادَ بَعْضٌ حُرْمَةَ شِعْرٍ فِيهِ تَعْرِيضٌ، وجَعَلَ التَّعْرِيضَ في الهَجْوِ كالتَّصْرِيحِ، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ. وقالَ آخَرُ: إنَّ ما فِيهِ فَخْرٌ مَذْمُومٌ وقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ إنْ تَضَمَّنَ غَرَضًا شَرْعِيًّا فَلا بَأْسَ بِهِ، ولِلسَّلَفِ شِعْرٌ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضٌ مِنهُ، وحَمَلَ الأكْثَرُونَ الخَبَرَ السّابِقَ عَلى ما إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ ومَلَكَ نَفْسَهُ حَتّى اشْتَغَلَ بِهِ عَنِ القُرْآنِ والفِقْهِ ونَحْوِهِما ولِذَلِكَ ذُكِرَ الِامْتِلاءُ، والحاصِلُ أنَّ المَذْمُومَ امْتِلاءُ القَلْبِ مِنَ الشِّعْرِ بِحَيْثُ لا يَتَّسِعُ لِغَيْرِهِ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ. ولَيْسَ في الخَبَرِ ذَمُّ إنْشائِهِ ولا إنْشادِهِ لِحاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ وإلّا لَوَقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى حِلِّ ذَلِكَ، وهي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأبْعَدُ مِن أنْ تَقْبَلَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى. وما رُوِيَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ مِن قَوْلِهِ: ولَوْلا الشِّعْرُ بِالعُلَماءِ يُزْرِي ∗∗∗ لَكُنْتُ اليَوْمَ أشْعُرَ مَن لَبِيدِ مَحْمُولٌ عَلى نَحْوِ ما حَمَلَ الأكْثَرُونَ الخَبَرَ عَلَيْهِ، وإلّا فَما قالَهُ شِعْرٌ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ شَيْخِنا عَلاءِ الدِّينِ عَلِيٍّ أفَنْدِي - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ - مُخاطِبًا خاتِمَةَ الوُزَراءِ في الزَّوْراءِ داوُدَ باشا مِن أبْياتٍ: ولَوْ لِداعِيهِ يَرْضى الشِّعْرَ مَنقَبَةً ∗∗∗ لَقُمْتُ ما بَيْنَ مُنْشِيهِ ومُنْشِدِهِ هَذا، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - كَلامٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذا البَحْثِ أيْضًا عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ . ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَ الفَرَزْدَقَ: فَبِتْنَ بِجانِبِي مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ فَقالَ لَهُ: قَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَدْ دَرَأ اللَّهُ تَعالى عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ . ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ أكِيدٌ لِما في (سَيَعْلَمُ) مِن تَهْوِيلِ مُتَعَلَّقِهِ، وفي (الَّذِينَ ظَلَمُوا) مِنَ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمِ، وقَدْ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يَتَواعَظُونَ بِها، وخَتَمَ بِها أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وصِيَّتَهُ حِينَ عَهِدَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنْ يَكْتُبَ في مَرَضِ مَوْتِهِ حِينَئِذٍ: ﷽ هَذا ما عَهِدَ بِهِ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحافَةَ عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيا وأوَّلِ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ في الحالِ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها الكافِرُ، ويُتَّقى فِيها الفاجِرُ، ويُصَدَّقُ فِيها الكاذِبُ: إنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَإنْ يَعْدِلْ فَذاكَ ظَنِّي بِهِ ورَجائِي فِيهِ، وإنْ يَجُرْ ويُبَدِّلْ فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ، والخَيْرَ أرَدْتُ، ولِكُلِّ امْرِئٍ ما اكْتَسَبَ ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . وتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ - وإنْ كانَ شائِعًا في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ - إلّا أنَّ الأنْسَبَ - عَلى ما قِيلَ - هُنا الإطْلاقُ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: (مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا) وقالَ الطِّيبِيُّ: سِياقُ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما لَقِيَ مِنهم مَنِ الشَّدائِدِ - كَما مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ - يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ. ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أشْرَكُوا وهَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أرْقَمَ، عَنِ الحَسَنِ: «أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ» بِالفاءِ والتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مِنَ الِانْفِلاتِ بِمَعْنى النَّجاةِ، والمَعْنى إنَّ الظّالِمِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَنْفَلِتُوا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، وسَيَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ لَهم وجْهٌ مِن وُجُوهِ الِانْفِلاتِ (وسَيَعْلَمُ) هُنا مُعَلَّقَةٌ، و(أيَّ) اسْتِفْهامٌ مُضافٌ إلى (مُنْقَلَبٍ) والنّاصِبُ لَهُ (يَنْقَلِبُونَ) والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، كَذا في البَحْرِ. صفحة 153 وقالَ أبُو البَقاءِ: (أيَّ مُنْقَلَبٍ) مَصْدَرٌ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ (يَنْقَلِبُونَ) أيْ: يَنْقَلِبُونَ انْقِلابًا، أيَّ مُنْقَلَبٍ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ (يَعْلَمُ) لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَخْلِيطٌ؛ لِأنَّ أيًّا إذا وُصِفَ بِها لَمْ تَكُنِ اسْتِفْهامًا، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ المَوْصُوفَ بِها قَسِيمُ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وتَحْقِيقُ انْقِسامِ أيٍّ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * ومِمّا قِيلَ في بَعْضِ الآياتِ مِن بابِ الإشارَةِ: (طسم) قالَ الجُنَيْدُ: الطّاءُ طَرَبُ التّائِبِينَ في مَيْدانِ الرَّحْمَةِ، والسِّينُ سُرُورُ العارِفِينَ في مَيْدانِ الوَصْلَةِ، والمِيمُ مَقامُ المُحِبِّينَ في مَيْدانِ القُرْبَةِ. وقِيلَ: الطّاءُ طَهارَةُ القَدَمِ مِنَ الحَدَثانِ، والسِّينُ سَناءُ صِفاتِهِ تَعالى الَّتِي تُكْشَفُ في مَرايا البُرْهانِ، والمِيمُ مَجْدُهُ سُبْحانَهُ الَّذِي ظَهَرَ بِوَصْفِ البَهاءِ في قُلُوبِ أهْلِ العِرْفانِ. وقِيلَ: الطّاءُ طَهارَةُ قَلْبِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّقاتِ الكَوْنَيْنِ، والسِّينُ سِيادَتُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمِيمُ مُشاهَدَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جَمالَ رَبِّ العالَمِينَ. وقِيلَ: الطّاءُ شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينُ سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلَخْ ... فِيهِ إشارَةٌ إلى كَمالِ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ، وأنَّ الحِرْصَ عَلى إيمانِ الكافِرِ لا يَمْنَعُ سَوابِقَ الحِكَمِ. ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ فِيهِ إشارَةٌ إلى حُسْنِ التَّعاضُدِ في المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ، والتَّلَطُّفِ بِالضّالِّ في إلْزامِهِ بِالحُجَجِ القَطْعِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي عَدَمُ الِاحْتِفالِ بِمَن رَبَّيْتَهُ صَغِيرًا ثُمَّ رَأيْتَهُ وقَدْ مَنَحَهُ اللَّهُ تَعالى ما مَنَحَهُ مَن فَضْلِهِ كَبِيرًا. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى ما في الأنْفُسِ، وجَعَلَ مُوسى إشارَةً إلى مُوسى القَلْبِ، وفِرْعَوْنَ إشارَةً إلى فِرْعَوْنَ النَّفْسِ، وقَوْمَهُ إشارَةً إلى الصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ، وبَنِي إسْرائِيلَ إشارَةً إلى الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ، والفِعْلَةَ إشارَةً إلى قَتْلِ قِبْطِيِّ الشَّهْوَةِ، والعَصا إشارَةً إلى عَصا الذِّكْرِ، أعْنِي (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) واليَدَ إشارَةً إلى يَدِ القُدْرَةِ، وكَوْنَها بَيْضاءَ إشارَةً إلى كَوْنِها مُؤَيَّدَةً بِالتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ، والنّاظِرِينَ إشارَةً إلى أرْبابِ الكَشْفِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى، والسَّحَرَةَ إشارَةً إلى الأوْصافِ البَشَرِيَّةِ والأخْلاقِ الرَّدِيَّةِ، والنّاسَ إشارَةً إلى الصِّفاتِ النّاسُوتِيَّةِ، والأجْرَ إشارَةً إلى الحُظُوظِ الحَيَوانِيَّةِ، والحِبالَ إشارَةً إلى حِبالِ الحِيَلِ، والعِصِيَّ إشارَةً إلى عِصِيِّ التَّمْوِيهاتِ والمُخَيَّلاتِ، والمَدائِنَ إشارَةً إلى أطْوارِ النَّفْسِ، وهَكَذا. وعَلى هَذا الطَّرِيقِ سَلَكُوا في الإشارَةِ في سائِرِ القَصَصِ، فَجَعَلُوا إبْراهِيمَ إشارَةً إلى القَلْبِ، وأباهُ وقَوْمَهُ إشارَةً إلى الرُّوحِ وما يَتَوَلَّدُ مِنها، والأصْنامَ إشارَةً إلى ما يُلائِمُ الطِّباعَ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وهَكَذا مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ. ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في هَذِهِ القَصَصِ كَلامٌ عَجِيبٌ، مَن أرادَهُ فَلْيَطْلُبْهُ في كُتُبِهِ، وهو - قُدِّسَ سِرُّهُ - مِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ خَطِيئَةَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ كانَتْ إضافَةَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وقَدْ ذَكَرَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَسَألَهُ عَنْ مُرادِهِ بِها فَأجابَهُ بِما ذَكَرَ. وقالَ في بابِ أسْرارِ الزَّكاةِ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ ( إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِ العالَمِينَ ) لا يَقْدَحُ في كَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِأنْ يُعْلَمَ أنَّ كُلَّ عَمَلٍ خالِصٍ يَطْلُبُ الأجْرَ بِذاتِهِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُ العَبْدَ عَنْ أوْصافِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ العَبْدَ في صُورَةِ الأجِيرِ ولَيْسَ بِأجِيرٍ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَسْتَأْجِرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَلْ يَسْتَأْجِرُ صفحة 154 الأجْنَبِيَّ، وإنَّما العَمَلُ نَفْسُهُ يَقْتَضِي الأُجْرَةَ وهو لا يَأْخُذُها، وإنَّما يَأْخُذُها العامِلُ وهو العَبْدُ، فَهو قابِضُ الأُجْرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَأشْبَهَ الأجِيرَ في قَبْضِ الأُجْرَةِ وخالَفَهُ بِالِاسْتِئْجارِ اهـ. وحَقَّقَ أيْضًا ذَلِكَ في البابِ السّادِسَ عَشَرَ والثَّلاثِمِائَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ، وذَكَرَ في البابِ السّابِعَ عَشَرَ والأرْبَعِمِائَةِ مِنها أنَّ أجْرَ كُلِّ نَبِيٍّ يَكُونُ عَلى قَدْرِ ما نالَهُ مِنَ المَشَقَّةِ الحاصِلَةِ لَهُ مِنَ المُخالِفِينَ. ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ قُوَّةُ حَمْلِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ ولَيْسَ لَها قُوَّةُ حَمْلِ النُّورِ، ألا تَرى أنَّ نارَ الجَحِيمِ كَيْفَ تَسْتَغِيثُ عِنْدَ مُرُورِ المُؤْمِنِ عَلَيْها، وتَقُولُ: جُزْ يا مُؤْمِنُ فَقَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي، ولِنَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ عَلى سَمْعِهِ. وهَذا بِالنِّسْبَةِ إلى أوَّلِ مَراتِبِ ظُهُورِهِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ - عَلى ما ذُكِرَ - أنَّ الشَّياطِينَ لا يَسْمَعُونَ آياتِ القُرْآنِ إذا تَلَوْناها ولا يَحْفَظُونَها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، ذُكِرَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا آيَةَ الكُرْسِيِّ، وآخِرَ البَقَرَةِ؛ وذَلِكَ لِخاصِّيَّةٍ فِيهِما. ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّسَبَ إذا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الإيمانُ لا يَنْفَعُ شَيْئًا، ولَمّا كانَ حِجابُ القَرابَةِ كَثِيفًا أُمِرَ ﷺ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هم أهْلُ النَّسَبِ المَعْنَوِيِّ، الَّذِي هو أقْرَبُ مِنَ النَّسَبِ الصُّورِيِّ، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ الفارِضِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - بِقَوْلِهِ: نَسَبٌ أقْرَبُ في شَرْعِ الهَوى بَيْنَنا مِن نَسَبٍ مِن أبَوَيَّ وأنا أحْمَدُ اللَّهَ تَعالى كَما هو أهْلُهُ عَلى أنْ جَعَلَنِي مِنَ الفائِزِينَ بِالنَّسَبَيْنِ؛ حَيْثُ وهَبَ لِي الإيمانَ، وجَعَلَنِي مِن ذُرِّيَّةِ سَيِّدِ الكَوْنَيْنِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَها أنا مِن جِهَةِ أُمِّ أبِي مِن ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ، ومِن جِهَةِ أبِي مِن ولَدِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى ∗∗∗ نُورًا ومِن فَلَقِ الصَّباحِ عَمُودًا واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - هو ولِيُّ الإحْسانِ، المُتَفَضِّلُ بِصُنُوفِ النِّعَمِ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ العالَمِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

النمل 27:1

سُورَةُ النَّمْلِ وتُسَمّى أيْضًا - كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ - سُورَةَ سُلَيْمانَ، وهي مَكِّيَّةٌ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وذَهَبَ بَعْضُهم إلى مَدَنِيَّةِ بَعْضِ آياتِها - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وعَدَدُ آياتِها خَمْسٌ وتِسْعُونَ آيَةً حِجازِيٌّ، وأرْبَعٌ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ، وثَلاثٌ كُوفِيٌّ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّتِمَّةِ لَها؛ حَيْثُ زادَ سُبْحانَهُ فِيها ذِكْرَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وبَسَطَ فِيها قِصَّةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبْسَطَ مِمّا هي قَبْلُ، وقَدْ وقَعَ فِيها: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ إلَخْ،،، وذَلِكَ كالتَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقَدِ اشْتَمَلَ كُلٌّ مِنَ السُّورَتَيْنِ عَلى ذِكْرِ القُرْآنِ وكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَسْلِيَتِهِ ﷺ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ الشُّعَراءَ نَزَلَتْ، ثُمَّ طس، ثُمَّ القَصَصُ. ﷽ ﴿طس﴾ قُرِئَ بِالإمالَةِ وعَدَمِها، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظائِرِهِ مِنَ الفَواتِحِ. ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ المَذْكُورَةِ، وأداةُ البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ أوْ إلى صفحة 155 الآياتِ الَّتِي تُتْلى بَعْدُ، نَظِيرُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ أوْ إلى مُطْلَقِ الآياتِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتُ القُرْآنِ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (طس) وإضافَةُ (آياتُ) إلى (القُرْآنِ) لِتَعْظِيمِ شَأْنِها؛ فَإنَّ المُرادَ بِهِ المُنَزَّلُ المُبارَكُ المُصَدِّقُ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، المَوْصُوفُ بِالكِمالاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ﷺ – لِلْإعْجازِ، وعَلى بَعْضٍ مِنهُ، وجُوِّزَ هُنا إرادَةُ كُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وإذا أُرِيدَ الثّانِي فالمُرادُ بِالبَعْضِ جَمِيعُ المُنَزَّلِ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى (القُرْآنِ) والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وعَطْفُهُ عَلَيْهِ - مَعَ اتِّحادِهِ مَعَهُ في الصِّدْقِ - كَعَطْفِ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا فِعْلُ السَّخِيِّ والجَوادِ الكَرِيمِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، و«المُبِينِ» إمّا مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ: مُظْهِرٍ ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، وأحْوالِ القُرُونِ الأُولى وأحْوالِ الآخِرَةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها الثَّوابُ والعِقابُ، أوْ سَبِيلُ الرُّشْدِ والغَيِّ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ في أمْثالِ هَذا الحَذْفِ أنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ. وإمّا مِن أبانَ اللّازِمِ بِمَعْنى بانَ، أيْ: ظاهِرِ الإعْجازِ، أوْ ظاهِرِ الصِّحَّةِ لِلْإعْجازِ، وهو عَلى الِاحْتِمالَيْنِ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِـ(كِتابٍ) مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ. ولَمّا كانَ في التَّنْكِيرِ نَوْعٌ مِنَ الفَخامَةِ وفي التَّعْرِيفِ نَوْعٌ آخَرُ، وكانَ الغَرَضُ الجَمْعَ لِلِاسْتِيعابِ الكامِلِ - عُرِّفَ القُرْآنُ ونُكِّرَ الكُتّابُ، وعُكِسَ في الحِجْرِ، وقُدِّمَ المُعَرَّفُ في المَوْضِعَيْنِ؛ لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ، ولَمّا عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِالحَدِيثِ عَنِ الخُصُوصِ هاهُنا قُدِّمَ كَوْنُهُ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى خُصُوصِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْإعْجازِ كَذا في الكَشْفِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: قُدِّمَ الوَصْفُ الأوَّلُ هاهُنا نَظَرًا إلى حالِ تَقَدُّمِ القُرْآنِيَّةِ عَلى حالِ الكِتابِيَّةِ، وعُكِسَ هُنالِكَ؛ لِأنَّ المُرادَ تَفْخِيمُهُ مِن حَيْثُ اشْتِمالِهِ عَلى كَمالِ جِنْسِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، حَتّى كَأنَّهُ كُلُّها، ومِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُمْتازًا عَنْ غَيْرِهِ نَسِيجَ وحْدِهِ، بَدِيعًا في بابِهِ، والإشارَةُ إلى امْتِيازِهِ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى انْطِوائِهِ عَلى كِمالاتِ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ أدْخَلُ في المَدْحِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ امْتِيازَهُ عَنْ غَيْرِهِ لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْصافٍ خاصَّةٍ بِهِ مِن غَيْرِ اشْتِمالِهِ عَلى نُعُوتِ كَمالِ سائِرِ الكُتُبِ الكَرِيمَةِ، وفي هَذا حَمْلُ (ألْ) عَلى الجِنْسِ في الكِتابِ. والظّاهِرُ أنَّها في (القُرْآنِ) لِلْعَهْدِ، فَيَخْتَلِفُ مَعْناها في المَوْضِعَيْنِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ كَما قِيلَ، واعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّهُ إذا رَجَعَ المَعْنَيانِ إلى التَّفْخِيمِ فَلا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذا الِاخْتِلافِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَهْدِ وأنْ تَكُونَ فِيهِما لِلْجِنْسِ، فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: إنَّ اخْتِصاصَ كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ بِما اخْتُصَّ بِهِ مِن تَعْيِينِ الطَّرِيقِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وإبانَتُهُ أنَّهُ خُطَّ فِيهِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو يُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِينَ فِيهِ، وتَأْخِيرُهُ هُنا عَنِ القُرْآنِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ عِلْمِنا بِهِ، وتَقْدِيمُهُ في الحِجْرِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ؛ فَإنَّ القُرْآنَ - بِمَعْنى المَقْرُوءِ لَنا - مُؤَخَّرٌ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ غَيْرِ اللَّوْحِ مِنَ الكِتابِ أظْهَرُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُساعِدُ إرادَةَ اللَّوْحِ مِنهُ هاهُنا إضافَةُ الآياتِ إلَيْهِ؛ إذْ لا عَهْدَ بِاشْتِمالِهِ عَلى الآياتِ، ولا وصْفُهُ بِالهِدايَةِ والبِشارَةِ إذْ هُما بِاعْتِبارِ إبانَتِهِ، فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِها بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ المُؤْمِنُونَ لا إلى النّاظِرِينَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «وكِتابٌ مُبِينٌ» بِرَفْعِهِما، وخُرِّجَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أيْ: وآياتٌ كِتابٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَدَمُ اعْتِبارِ الحَذْفِ، والكِتابُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُؤَنَّثِ، وقِيلَ: رُبَّ شَيْءٍ يَجُوزُ تَبَعًا ولا يَجُوزُ اسْتِقْلالًا، ألا تَرى أنَّهم حَظَرُوا: (جاءَتْنِي زَيْدٌ) وأجازُوا: (جاءَتْنِي صفحة 156 هِنْدٌ وزَيْدٌ).

النمل 27:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن (آياتُ) عَلى إقامَةِ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّها نَفْسُ الهُدى والبِشارَةِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وهو الَّذِي سَمَّتْهُ النُّحاةُ عامِلًا مَعْنَوِيًّا. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ في (كِتابٍ) كَوْنَ الحالِ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (مُبِينٍ) عَلى القِراءَتَيْنِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ تَهْدِي هُدًى وتُبَشِّرُ بُشْرى، أوِ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (آياتُ) واشْتِراطُ الكُوفِيِّينَ في إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ شَرْطَيْنِ اتِّحادِ اللَّفْظِ وأنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ غَيْرُ صَحِيحٍ - كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ - لِشَهادَةِ السَّماعِ بِخِلافِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِتِلْكَ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي هُدًى وبُشْرى. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْهُدى والبُشْرى مَعًا، ومَعْنى هِدايَةِ الآياتِ لَهم - وهم مُهْتَدُونَ - أنَّها تَزِيدُهم هُدًى قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وأمّا مَعْنى تَبْشِيرِها إيّاهم فَظاهِرٌ؛ لِأنَّها تُبَشِّرُهم بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ - كَذا قِيلَ - وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ الهُدى - عَلى هَذا الِاحْتِمالِ - إمّا بِمَعْنى الِاهْتِداءِ أوْ عَلى ظاهِرِهِ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ وإنْ كانَتْ هِدايَتُها عامَّةً، وجَعْلُ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى الصّائِرِينَ لِلْإيمانِ تَكَلُّفٌ كَحَمْلِ هُداهم عَلى زِيادَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْبُشْرى فَقَطْ، ويَبْقى الهُدى عَلى العُمُومِ وهو بِمَعْنى الدَّلالَةِ والإرْشادِ، أيْ: هُدًى لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ.

النمل 27:3

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكُنِّيَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ عَنْ عَمَلِ الصّالِحاتِ مُطْلَقًا، وخُصًّا؛ لِأنَّهُما - عَلى ما قِيلَ - إمّا العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ، والظّاهِرُ أنَّهُ حُمِلَ الزَّكاةُ عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: كانَ في مَكَّةَ زَكاةٌ مَفْرُوضَةٌ إلّا أنَّها لَمْ تَكُنْ كالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ بِالمَدِينَةِ، فَلْتُحْمَلْ في الآيَةِ عَلَيْها، وقِيلَ: الزَّكاةُ هُنا بِمَعْنى الطَّهارَةِ مِنَ النَّقائِصِ ومُلازَمَةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهو خِلافُ المَشْهُورِ في الزَّكاةِ المَقْرُونَةِ بِالصَّلاةِ، ويُبْعِدُهُ تَعْلِيقُ الإيتاءِ بِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَوْصُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا جِيءَ بِهِ لِلْقَصْدِ إلى تَأْكِيدِ ما وُصِفَ المُؤْمِنُونَ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإيقانَ بِالآخِرَةِ يَسْتَلْزِمُ الخَوْفَ المُسْتَلْزِمَ لِتَحَمُّلِ مَشاقِّ التَّكْلِيفِ فَلا بُدَّ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وقَدْ أُقِيمَ الضَّمِيرُ فِيهِ مَقامَ اسْمِ الإشارَةِ المُفِيدِ لِاكْتِسابِ الخِلافَةِ بِالحُكْمِ بِاعْتِبارِ السَّوابِقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، وسَمّى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاسْتِئْنافَ اعْتِراضًا، وكَوْنُهُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَتَعَلَّقُ أحَدُهُما بِالآخَرِ كالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ - غَيْرَ مُسَلَّمٍ عِنْدَهُ. واخْتارَ هَذا الِاحْتِمالَ فَقالَ: إنَّهُ الوَجْهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عُقِدَ الكَلامُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً، وكُرِّرَ فِيها المُبْتَدَأُ الَّذِي هو (هُمْ) حَتّى صارَ مَعْناها: وما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ إلّا هَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ خَوْفَ العاقِبَةِ يَحْمِلُهم عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، انْتَهى. وأنْكَرَ ابْنُ المُنِيرِ إفادَةَ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ الِاخْتِصاصَ، وادَّعى أنَّ تَكْرارَ الضَّمِيرِ لِلنَّظَرِيَّةِ لِمَكانِ الفَصْلِ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والحَقُّ أنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ - كَما صَرَّحُوا بِهِ - صفحة 157 فِي نَحْوِ (هُوَ عُرْفٌ) وكَذا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لِما فِيهِ مِن تَكْرارِ الضَّمِيرِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِهِ أكْثَرُ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لَمْ يُوقِنْ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ، ولَعَلَّ جَعْلَ ذَلِكَ دَسِيسَةً مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ بَنى ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أصْحابِ الكَبائِرِ، وقَوْلِهِ فِيهِمْ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِما اخْتارَهُ في الآيَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى القَوْلِ المَذْكُورِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ (بِالآخِرَةِ) في جَمِيعِ الأوْجُهِ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ كَما في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ.

النمل 27:4

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والعِقابِ عَلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ القُرْآنُ ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ بِما رَكَّبْنا فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ والأمانِيِّ حَتّى رَأوْها حَسَنَةً ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ ويَتَرَدَّدُونَ، والِاسْتِمْرارُ في الِاشْتِغالِ بِها والِانْهِماكِ فِيها مِن غَيْرِ مُلاحِظَةٍ لِما يَتْبَعُها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، ونِسْبَةُ التَّزْيِينِ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - عِنْدَ الجَماعَةِ حَقِيقَةٌ وكَذا التَّزْيِينُ نَفْسُهُ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ التَّزْيِينَ إمّا مُسْتَعارٌ لِلتَّمْتِيعِ بِطُولِ العُمُرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، وإمّا حَقِيقَةٌ، وإسْنادُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَجازٌ، وهو حَقِيقَةٌ لِلشَّيْطانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ . والمُصَحِّحُ لِهَذا المَجازِ إمْهالُهُ تَعالى الشَّيْطانَ وتَخْلِيَتُهُ حَتّى يُزَيِّنَ لَهُمْ، والدّاعِي لَهُ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ إيجابُ رِعايَةِ الأصْلَحِ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونُسِبَ إلى الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ الأعْمالُ الحَسَنَةُ، وتَزْيِينُها بَيانُ حُسْنِها في أنْفُسِها حالًا واسْتِتْباعُها لِفُنُونِ المَنافِعِ مَآلًا، أيْ: زَيَّنا لَهُمُ الأعْمالَ الحَسَنَةَ فَهم يَتَرَدَّدُونَ في الضَّلالِ والإعْراضِ عَنْها. والفاءُ عَلَيْهِ لِتَرْتِيبِ ضِدِّ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ كَما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ عُتُوِّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ وتَعْكِيسِهِمُ الأُمُورَ، وتُعُقِّبَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ التَّزْيِينَ قَدْ ورَدَ غالِبًا في غَيْرِ الخَيْرِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إلَخْ، ووُرُودُهُ في الخَيْرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ ويُبْعِدُ حَمْلَ الأعْمالِ عَلى الأعْمالِ الحَسَنَةِ إضافَتُها إلى ضَمِيرِهِمْ وهم لَمْ يَعْمَلُوا حَسَنَةً أصْلًا، وكَوْنُ إضافَتِها إلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أمْرِهِمْ بِها وإيجابِها عَلَيْهِمْ لا يَدْفَعُ البُعْدَ. وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ أوَّلًا أنَّ وِزانَ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هاهُنا وِزانُ فاتِحَةِ البَقَرَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ . وقَدْ سَبَقَ بَيانُ وجْهِ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ هُناكَ، وأنَّ التَّرْكِيبَ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ، وأنَّ المَعْنى اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم بِحَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الإيمانُ ساعَةً فَساعَةً أمارَةً لِرَقْمِ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ والخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى زَيَّنَ لَهم سُوءَ أعْمالِهِمْ فَهم لِذَلِكَ في تِيهِ الضَّلالِ يَتَرَدَّدُونَ، وفي بَيْداءِ الكُفْرِ يَعْمَهُونَ، ودَلَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إيقاعُ لَفْظِ المُضارِعِ في صِلَةِ المَوْصُولِ والماضِي في خَبَرِهِ، وتَرْتِيبُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ بِالفاءِ عَلَيْهِ، واخْتِصاصُ الخِطابِ بِما يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وِدَّها غُولُ صفحة 158 وفِي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَنْصُرُ هَذا التَّأْوِيلَ أيْضًا

النمل 27:5

(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ المَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ والعَمَهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا بِأنْ يُقْتَلُوا أوْ يُؤْسَرُوا أوْ تُشَدَّدَ عَلَيْهِمْ سَكَراتُ المَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَهم ذَلِكَ في الدّارَيْنِ وهو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (وهُمْ) إلَخْ ... لِبَيانِ أنَّ ما في الآخِرَةِ أعْظَمُ العَذابَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ «الأخْسَرِينَ» أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ حالَيْهِمْ في الدّارَيْنِ، أيْ: هم في الآخِرَةِ أخْسَرُ مِنهم في الدُّنْيا لا غَيْرُهُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ عَلى مَعْنى أنَّ خُسْرانَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن خُسْرانِهِمْ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ إنَّ عَذابَهم في الآخِرَةِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ أصْلًا، وعَذابَهم في الدُّنْيا مُنْقَطِعٌ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهم مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ خُسْرانَهم في الآخِرَةِ لَيْسَ أعْظَمَ مِن خُسْرانِهِمْ في الدُّنْيا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، فَإنَّ عَذابَهم في الآخِرَةِ يَنْقَطِعُ ويَعْقُبُهُ نَعِيمُ الأبَدِ حَتّى يَكادُوا لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّهم عُذِّبُوا، كَذا قِيلَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّفْضِيلَ بِاعْتِبارِ ما في الآخِرَةِ، أيْ: هم في الآخِرَةِ أشَدُّ النّاسِ خُسْرانًا لا غَيْرُهم لِحِرْمانِهِمُ الثَّوابَ واسْتِمْرارِهِمْ في العِقابِ بِخِلافِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن عَذابِهِمْ في الدُّنْيا ويَكْفِي هَذا في البَيانِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّ أفْعَلَ هُنا لِلْمُبالَغَةِ لا لِلشَّرِكَةِ، قالَ أبُو حَيّانَ: كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ خُسْرانٌ البَتَّةَ حَتّى يُشْرِكَهُ فِيهِ الكافِرُ ويَزِيدَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِكَوْنِ المُرادِ أنَّ خُسْرانَ الكافِرِ في الآخِرَةِ أشَدُّ مِن خُسْرانِهِ في الدُّنْيا، فالِاشْتِراكُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ (أفْعَلُ) إنَّما هو بَيْنَ ما في الآخِرَةِ وما في الدُّنْيا، اهـ كَلامُهُ. وكَأنَّهُ يُسَلِّمُ أنْ لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ خُسْرانٌ البَتَّةَ، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ (فِي الآخِرَةِ) إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ،

النمل 27:6

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُؤُونِ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأقاصِيصِ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ - وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ولَقى المُخَفَّفُ يَتَعَدّى لِواحِدٍ والمُضاعَفُ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وهُما هُنا نائِبُ الفاعِلِ والقُرْآنُ، والمُرادُ: وإنَّكَ لَتُعْطى القُرْآنَ تُلَقَّنُهُ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ: أيِّ حَكِيمٍ وأيِّ عَلِيمٍ، وفي تَفْخِيمِهِما تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ القُرْآنِ، وتَنْصِيصٌ عَلى عُلُوِّ طَبَقَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَعْرِفَتِهِ والإحاطَةِ بِما فِيهِ مِنَ الجَلائِلِ والدَّقائِقِ، والحِكْمَةُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مَعْرِفَةُ الأشْياءِ وإيجادُها عَلى غايَةِ الإحْكامِ، ومِنَ الإنْسانِ مَعْرِفَةُ المَوْجُوداتِ وفِعْلُ الخَيْراتِ، وجُمِعَ بَيْنَها وبَيْنَ العِلْمِ - مَعَ أنَّهُ داخِلٌ في مَعْناها لُغَةً كَما سَمِعْتَ – لِعُمُومِهِ؛ إذْ هو يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُوماتِ، ويَكُونُ بِلا عَمَلٍ ودَلالَةِ الحِكْمَةِ عَلى إحْكامِ العَمَلِ وإتْقانِهِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ ما في القُرْآنِ مِنَ العُلُومِ مِنها ما هو حِكْمَةٌ كالشَّرائِعِ، ومِنها ما هو لَيْسَ كَذَلِكَ كالقَصَصِ والأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ.

النمل 27:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمِرَ بِتِلاوَةِ بَعْضٍ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي تَلَقّاهُ ﷺ مِن لَدُنْهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لَهُ، أيِ: اذْكُرْ صفحة 159 لَهم وقْتَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأهْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (إذْ) ظَرْفًا لِـ(عَلِيمٍ). وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواضِحٍ إذْ يَصِيرُ الوَصْفُ مُقَيَّدًا بِالمَعْمُولِ، وقالَ في الكَشْفِ: ما يُتَوَهَّمُ مِن دَخْلِ التَّقْيِيدِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مُنْدَفَعٌ؛ إذْ لَيْسَ مَفْهُومًا مُعْتَبَرًا عِنْدَ المُعْتَبِرِ، ولِأنَّهُ لَمّا كانَ تَمْهِيدَ القِصَّةِ حَسُنَ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْلَمُهُ حَيْثُ فُعِلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما فُعِلَ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَضُرَّ التَّقْيِيدَ بَلْ نَفَعَ لِرُجُوعِهِ بِالحَقِيقَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ التَّعْلِيلِ والتَّذْكِيرِ اهـ. ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ - مَعَ هَذا - هو الوَجْهُ الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ كانَ في أثْناءِ سَيْرِهِ خارِجًا مِن مَدْيَنَ عِنْدَ وادِي طُوًى، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَقَدَحَ، فَأصْلَدَ زَنْدَهُ، فَبَدا لَهُ مِن جانِبِ الطُّورِ نارٌ، والمُرادُ بِالخَبَرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بِهِ مِن جِهَةِ النّارِ الخَبَرُ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ مَن يَذْهَبُ لِضَوْءِ نارٍ عَلى الطَّرِيقِ يَكُونُ كَذَلِكَ، ولَمْ يُجَرِّدِ الفِعْلَ عَنِ السِّينِ إمّا لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَسافَةِ النّارِ في الجُمْلَةِ؛ حَتّى لا يَسْتَوْحِشُوا إنْ أبْطَأ - عَلَيْهِ السَّلامُ – عَنْهُمْ، أوْ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ بِالإتْيانِ؛ فَإنَّها - كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - تَدْخُلُ في الوَعْدِ لِتَأْكِيدِهِ، وبَيانِ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وما قِيلَ مِن أنَّ السِّينَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيبِ المُدَّةِ دَفْعًا لِلِاسْتِيحاشِ إنَّما يَنْفَعُ - عَلى ما قِيلَ - في اخْتِيارِهِ عَلى سَوْفَ دُونَ التَّجْرِيدِ الَّذِي يَتَبادَرُ مِنَ الفِعْلِ مَعَهُ الحالُ الَّذِي هو أتَمُّ في دَفْعِ الِاسْتِيحاشِ. ولَعَلَّ الأُولى اعْتِبارُ كَوْنِهِ لِلتَّأْكِيدِ، لا يُقالُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالعَرَبِيَّةِ وما ذُكِرَ مِن مَباحِثِها؛ لِأنّا نَقُولُ: ما المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ في غَيْرِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاها، بَلْ حِكايَةُ القَوْلِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الألْفاظِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَكَلَّمَ في لُغَتِهِ بِما يُؤَدِّي ذَلِكَ ولا بُدَّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ - إنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ – لِلتَّعْظِيمِ، وهو الوَجْهُ في تَسْمِيَةِ اللَّهِ - تَعالى شَأْنُهُ - امْرَأةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِالأهْلِ، مَعَ أنَّهُ جَماعَةُ الأتْباعِ. ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ أيْ بِشُعْلَةِ نارٍ مَقْبُوسَةٍ، أيْ: مَأْخُوذَةٍ مِن أصْلِها، فَـ(قَبَسٍ) صِفَةُ (شِهابٍ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وهَذِهِ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ «بِشِهابِ قَبَسٍ» بِالإضافَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ، وهي إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ العُمُومِ والخُصُوصِ، كَما في (ثَوْبِ خَزٍّ) فَإنَّ الشِّهابَ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، والعِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ التَّرَجِّي في سُورَةِ طه، فَلا تَدافُعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا وما وقَعَ هُناكَ، والتَّرْدِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِما لَمْ يَعْدَمْ أحَدَهُما بِناءً عَلى ظاهِرِ الأمْرِ، وثِقَةً بِسُنَّةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: التَّرْدِيدُ؛ لِأنَّ احْتِياجَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أحَدِهِما لا لَهُما؛ لِأنَّهُ كانَ في حالِ التَّرْحالِ، وقَدْ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَمَقْصُودُهُ أنْ يَجِدَ أحَدًا يَهْدِي إلى الطَّرِيقِ، فَيَسْتَمِرُّ في سَفَرِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُ يَقْتَبِسْ نارًا ويُوقِدْها ويَدْفَعْ ضَرَرَ البَرْدِ في الإقامَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ ورَدَ في القِصَّةِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ وُلِدَ لَهُ عِنْدَ الطُّورِ ابْنٌ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ وظُلْمَةٍ مَثْلَجَةٍ، وقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ ماشِيَتُهُ، فَرَأى النّارَ، فَقالَ لِأهْلِهِ ما قالَ، وهو يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ لَهُما مَعًا، لَكِنَّهُ تَحَرّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الصِّدْقَ فَأتى بِـ(أوْ). ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أوْ لِأجْلِ أنْ تَسْتَدْفِئُوا بِها، والصِّلاةُ - بِكَسْرِ الصّادِ والمَدِّ ويُفْتَحُ بِالقَصْرِ - الدُّنُوُّ مِنَ النّارِ لِتَسْخِينِ البَدَنِ، وهو الدِّفْءُ، ويُطْلَقُ عَلى النّارِ نَفْسِها، أوْ هو بِالكَسْرِ الدِّفْءُ صفحة 160 وبِالفَتْحِ

النمل 27:8

﴿فَلَمّا جاءَها﴾، أيِ: النّارَ الَّتِي قالَ فِيها: (إنِّي آنَسْتُ نارًا) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّجَرَةِ وهو كَما تَرى، وما ظَنَّهُ داعِيًا لَيْسَ بِداعٍ لِما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿نُودِيَ﴾ أيْ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جانِبِ الطُّورِ ﴿أنْ بُورِكَ﴾ مَعْناهُ: أيْ بُورِكَ عَلى أنَّ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ومَنَعَهُ بَعْضُهم لِعَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِـ(قَدْ) أوِ السِّينِ أوْ سَوْفَ أوْ حَرْفِ النَّفْيِ، وهو مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إذا كانَتْ مُخَفَّفَةً؛ لِما في الحُجَّةِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّها لَمّا كانَتْ لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ اسْتَقْبَحُوا أنْ يَلِيَها الفِعْلُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ اشْتِراطِ الفَصْلِ في مَواضِعَ، مِنها ما يَكُونُ الفِعْلُ فِيهِ دُعاءً، فَلَعَلَّ مَن جَوَّزَ كَوْنَها المُخَفِّفَةَ هاهُنا جَعَلَ (بُورِكَ) دُعاءً، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُدَّعى أنَّ الفَصْلَ بِإحْدى المَذْكُوراتِ في غَيْرِ ما اسْتُثْنِيَ أغْلَبِيٌّ لِقَوْلِهِ: عَلِمُوا أنْ يُؤَمِّلُونَ فَجادُوا قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْأفْعالِ (وبُورِكَ) حِينَئِذٍ إمّا خَبَرٌ أوْ إنْشاءٌ لِلدُّعاءِ. وادَّعى الرَّضِيُّ أنَّ (بُورِكَ) إذا جُعِلَ دُعاءً فَإنْ مُفَسِّرَةٌ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ المُخَفَّفَةَ لا يَقَعُ بَعْدَها فِعْلٌ إنْشائِيٌّ إجْماعًا، وكَذا المَصْدَرِيَّةُ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، ودَعْوى الإجْماعِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، والقَوْلُ بِأنْ يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالمَصْدَرِ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ. وفِي الكَشْفِ يَمْنَعُ عَنْ جَعْلِها مَصْدَرِيَّةً عَدَمُ سَدادِ المَعْنى لِأنَّ (بُورِكَ) إذْ ذاكَ لَيْسَ يَصْلُحُ بِشارَةً، وقَدْ قالُوا: إنَّ تَصْدِيرَ الخِطابِ بِذَلِكَ بِشارَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ قَدْ قُضِيَ لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ، وهَذا بِخِلافِ ما إذا كانَ (بُورِكَ) تَفْسِيرًا لِلشَّأْنِ، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ. وعَلى الوَجْهَيْنِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: نُودِيَ بِأنْ إلَخْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ نائِبَ الفاعِلِ، بَلْ نائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: هو نائِبُ الفاعِلِ ولا ضَمِيرَ. وقالَ بَعْضُهم في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا: إنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لَيْسَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هو لِمَصْدَرِ الفِعْلِ، أيْ: نُودِيَ هُوَ، أيِ: النِّداءَ، وفُسِّرَ النِّداءُ بِما بَعْدَهُ، والأظْهَرُ في الضَّمِيرِ رُجُوعُهُ لِمُوسى، وفي أنْ أنَّها مُفَسِّرَةٌ وفي (بُورِكَ) أنَّهُ خَبَرٌ، وهو مِنَ البَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وقِيلَ هُنا: المَعْنى قُدِّسَ وطُهِّرَ وزِيدَ خَيْرًا. ﴿مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا في مَوْضِعَيْنِ، أيْ: مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها، قالُوا: ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ وتَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها» واسْتُظْهِرَ عُمُومُ (مَن) لِكُلِّ (مَن) في ذَلِكَ الوادِي وحَوالَيْهِ مِن أرْضِ الشّامِ المَوْسُومَةِ بِالبَرَكاتِ؛ لِكَوْنِها مَبْعَثَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكِفاتَهم أحْياءً وأمْواتًا، ولا سِيَّما تِلْكَ البُقْعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيها. وقِيلَ: مَن في النّارِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن حَوْلَها المَلائِكَةُ الحاضِرُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ - فِيما نَقَلَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ -: «ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ» وهي عِنْدَ كَثِيرٍ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ؛ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ المَلائِكَةُ والثّانِي مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واسْتَغْنى بَعْضُهم عَنْ تَقْدِيرِ المُضافِ بِجَعْلِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازًا عَنِ القُرْبِ التّامِّ، وذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي في المُرادِ صفحة 161 بِالمَوْصُولَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ بِشارَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى - عَلى ما قِيلَ -: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَعْجِيبٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الشُّؤُونِ، ومِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ، أوْ خَبَرٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِن سَماعِ كَلامِهِ تَعالى التَّشْبِيهُ بِما لِلْبَشَرِ، أوْ طَلَبٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا صادِرًا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ... إلَخْ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنْ سِماتِ المُحَدَّثِينَ، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْضًا، وجَعَلَ المُقَدَّرَ عَطْفًا عَلى (نُودِيَ). وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ: وبُورِكَ مَن سَبَّحَ اللَّهَ تَعالى رَبَّ العالَمِينَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ جِدًّا، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِنَبِيِّنا ﷺ مُرادٌ بِهِ التَّنْزِيهُ، وجُعِلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ما

النمل 27:9

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَإنَّهُ مُتَّصِلُ مَعْنًى بِذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنا اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والعَزِيزُ الحَكِيمُ نَعْتانِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ مُمَهِّدَتانِ لِما أُرِيدَ إظْهارُهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزَةِ، أيْ: أنا اللَّهُ القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما لا تَنالُهُ الأوْهامُ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ العَصا واليَدِ، الفاعِلُ كُلَّ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وتَدْبِيرٍ رَصِينٍ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو المُكَلِّمُ المُنادِي و(أنا) خَبَرٌ، أيْ: إنَّ مُكَلِّمَكَ المُنادِي لَكَ أنا، والِاسْمُ الجَلِيلُ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(أنا) وتَجُوزُ البَدَلِيَّةُ عِنْدَ مَن جَوَّزَ إبْدالَ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بَدَلَ كُلٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أنا) تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ و(اللَّهُ) الخَبَرُ. وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِلْمُكَلِّمِ المُنادِي بِأنَّهُ إذا حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَفْعُولِ لا يَجُوزُ عَوْدُ ضَمِيرٍ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِلْغَرَضِ مِن حَذْفِهِ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَكُونَ مُحَدَّثًا عَنْهُ، وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّهُ عائِدٌ عَلى الفاعِلِ المَحْذُوفِ، بَلْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَلا امْتِناعَ في ذَلِكَ إذا كانَ في جُمْلَةٍ أُخْرى. وأيْضًا قَوْلُهُ: والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَكُونَ مُحَدَّثًا عَنْهُ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحَدَّثًا عَنْهُ ويُحْذَفُ لِلْعِلْمِ بِهِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذِكْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الحَمْلَ مُفِيدٌ مِن غَيْرِ رُؤْيَةٍ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَهُ سُبْحانَهُ عِلْمَ اليَقِينِ بِما وقَرَ في قَلْبِهِ، فَكَأنَّهُ رَآهُ عَزَّ وجَلَّ. هَذا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إلَخْ أقْوالٌ أُخَرُ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِمَن في النّارِ نُورُ اللَّهِ تَعالى، وبِمَن حَوْلَها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ. والثّانِي أنَّ المُرادَ بِمَن في النّارِ الشَّجَرَةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، وبِمَن حَوْلَها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ – أيْضًا، ونُقِلَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ، وفي ما ذُكِرَ إطْلاقُ (مَن) عَلى غَيْرِ العالِمِ. والثّالِثُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ يَعْنِي تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ، كَأنَّ نُورَ رَبِّ العالَمِينَ في الشَّجَرَةِ، ومَن حَوْلَها يَعْنِي المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واشْتُهِرَ عَنْهُ كَوْنُ المُرادِ بِمَن في النّارِ نَفْسَهُ تَعالى، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِما، كَما في البَحْرِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إذا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ أُوِّلَ عَلى حَذْفٍ، أيْ: بُورِكَ مَن قُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ في النّارِ، وذَهَبَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في رِسالَتِهِ (تَنْبِيهِ العُقُولِ عَلى تَنْزِيهِ الصُّوفِيَّةِ عَنِ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ والعَيْنِيَّةِ والِاتِّحادِ والحُلُولِ) صفحة 162 إلى صِحَّةِ الخَبَرِ عَنِ الحَبْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ؛ فَإنَّ الَّذِي دَعا المُؤَوِّلِينَ أوِ الحاكِمِينَ بِالوَضْعِ إلى التَّأْوِيلِ أوِ الحُكْمِ بِالوَضْعِ ظَنُّ دَلالَتِهِ عَلى الحُلُولِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ تَعالى، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هو ظُهُورُهُ سُبْحانَهُ في النّارِ وتَجَلِّيهِ فِيها، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحُلُولِ في شَيْءٍ، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُجَلًّى لِشَيْءٍ لَيْسَ كَوْنَهُ مُحِلًّا لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ في المِرْآةِ مَثَلًا خارِجٌ عَنِ المِرْآةِ بِذاتِهِ قَطْعًا بِخِلافِ الحالِّ في مَحَلٍّ فَإنَّهُ حاصِلٌ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ تَجَلِّيَهُ تَعالى وظُهُورَهُ في المَظاهِرِ يُجامِعُ التَّنْزِيهَ. ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَهُ: فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ - أيْ: قُدِّسَ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ - مَن تَجَلّى وظَهَرَ في صُورَةِ النّارِ لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ لِكَوْنِها مَطْلُوبَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنهم ومِن مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ دَفْعٌ لِما يَتَوَهَّمُهُ التَّجَلِّي في مَظْهَرِ النّارِ مِنَ التَّشْبِيهِ، أيْ: وسُبْحانَ اللَّهِ عَنِ التَّقَيُّدِ بِالصُّورَةِ والمَكانِ والجِهَةِ - وإنْ ظَهَرَ فِيها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ - لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ الواسِعِ القُدُّوسِ الغَنِيِّ عَنِ العالَمِينَ، ومَن هو كَذَلِكَ لا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِن صِفاتِ المُحْدَثاتِ، بَلْ هو - جَلَّ وعَلا - باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ في حالِ تَجَلِّيهِ وظُهُورِهِ فِيما شاءَ مِنَ المَظاهِرِ. ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ««سُبْحانَكَ حَيْثُ كُنْتَ»» فَأثْبَتَ لَهُ تَعالى التَّجَلِّي في الحَيْثِ ونَزَّهَهُ عَنْ أنْ يَتَقَيَّدَ بِذَلِكَ «يا مُوسى» إنَّهُ: أيِ المُنادِي المُتَجَلِّي في النّارِ ﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾ فَلا أتَقَيَّدُ بِمَظْهَرٍ لِلْعِزَّةِ الذّاتِيَّةِ لَكِنِّي الحَكِيمُ ومُقْتَضى الحِكْمَةِ الظُّهُورُ في صُورَةِ مَطْلُوبِكَ، وذُكِرَ أنَّ تَقْدِيرَ المُضافِ - كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ لِظَنِّ المَحْذُورِ فِيهِ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنْ لا مَحْذُورَ فَلا حاجَةَ إلى العُدُولِ، انْتَهى. وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: هَذا طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العُقُولِ، ثُمَّ إنَّهُ لا مانِعَ عَلى أُصُولِ الصُّوفِيَّةِ أنْ يُرِيدُوا بِمَن حَوْلَها اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ – أيْضًا؛ إذْ لَيْسَ في الدّارِ عِنْدَهم غَيْرُهُ سُبْحانَهُ دَيّارٌ، ولا بُعْدَ في أنْ تَكُونَ الآيَةُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - إنْ صَحَّ عَنْهُ ما ذُكِرَ - مِنَ المُتَشابَهِ، والمَذاهِبُ فِيهِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَكَ، والأوْفَقُ بِالعامَّةِ التَّأْوِيلُ بِأنْ يُقالَ: المُرادُ: أنْ بُورِكَ مَن ظَهَرَ نُورُهُ في النّارِ، ولَعَلَّ في خَبَرِ الحَبْرِ السّابِقِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ. وإضافَةُ النُّورِ إلَيْهِ تَعالى لِتَشْرِيفِ المُضافِ، وهو نُورٌ خاصٌّ كانَ مَظْهَرًا لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ أجِلَّةِ المَشايِخِ يَقُولُ: إنَّ هَذا النُّورَ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا ولا غَيْرًا، عَلى نَحْوِ قَوْلِ الأشْعَرِيِّ في صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ – الذّاتِيَّةِ، وهو أيْضًا مَنزَعٌ صُوفِيٌّ يَرْجِعُ بِالآخِرَةِ إلى حَدِيثِ التَّجَلِّي والظُّهُورِ كَما لا يَخْفى، فَتَأمَّلْ.

النمل 27:10

﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى (بُورِكَ) مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ تَفْسِيرِ النِّداءِ، أيْ: نُودِيَ أنْ بُورِكَ وأنْ ألْقِ عَصاكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ بِتَكْرِيرِ (أنْ) فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ تَجْدِيدَ النِّداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مُوسى﴾ إلَخْ ... يَأْباهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَجْدِيدِ نِداءٍ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ تَفْسِيرِ النِّداءِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: لا يَأْباهُ؛ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وفِيهِ بَحْثٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ (بُورِكَ) إخْبارٌ و(ألْقِ) إنْشاءٌ، ولا يُعْطَفُ الإنْشاءُ عَلى الإخْبارِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ العَطْفَ عَلى ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ (وقِيلَ لَهُ: ألْقِ) أوِ العَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيِ: (افْعَلْ ما آمُرُكَ وألْقِ) وفِيهِ إنَّهُ في مِثْلِ هَذا يَجُوزُ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ؛ لِكَوْنِ النِّداءِ في مَعْنى القَوْلِ، بَلْ أجازَ سِيبَوَيْهِ: (جاءَ زَيْدٌ ومَن عَمْرٌو ) بِالعَطْفِ. ولا يَرِدُ هَذا أصْلًا عَلى مَن يَجْعَلُ «بُورِكَ» إنْشاءً، ويَرِدُ عَلى مَن جَعَلَ العَطْفَ عَلى أفْعَلَ مَحْذُوفًا، فَإنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ فَألْقِ بِالفاءِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ العَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ولَمْ يُبالِ بِاخْتِلافِ صفحة 163 الجُمْلَتَيْنِ اسْمِيَّةٍ وفِعْلِيَّةٍ وإخْبارِيَّةٍ وإنْشائِيَّةٍ؛ لِما ذُكِرَ أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ اشْتِراطِ تَناسُبِ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في ذَلِكَ لِما سَمِعْتَ آنِفًا عَنْ سِيبَوَيْهَ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ، تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ؛ ثِقَةً بِظُهُورِها ودَلالَةً عَلى سُرْعَةِ وُقُوعِ مَضْمُونِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَألْقاها فانْقَلَبَتْ حَيَّةً، فَلَمّا أبْصَرَها تَتَحَرَّكُ بِشِدَّةٍ اضْطَرَبَ، وجُمْلَةُ (تَهْتَزُّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ رَأى فَإنَّها بَصَرِيَّةٌ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - لا عِلْمِيَّةٌ كَما قِيلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ في مَوْضِعِ حالٍ أُخْرى مِنهُ، أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ (تَهْتَزُّ) عَلى طَرِيقَةِ التَّداخُلِ، والجانُّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ السَّرِيعَةُ الحَرَكَةِ، شَبَّهَها سُبْحانَهُ في شِدَّةِ حَرَكَتِها واضْطِرابِها - مَعَ عِظَمِ جُثَّتِها - بِصِغارِ الحَيّاتِ السَّرِيعَةِ الحَرَكَةِ، فَلا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ . وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْها بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاعْتِبارِ تَنَقُّلِها فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: «جَأنٌ» بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ؛ هَرَبًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ عَلى حَدِّهِ كَما قِيلَ: دَأبَةٌ وشَأبَةٌ. ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيِ: انْهَزَمَ ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ ولَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ، مِن عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا كَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، قالَ الشّاعِرُ: فَما عَقَّبُوا إذْ قِيلَ هَلْ مِن مُعَقِّبٍ ولا نَزَلُوا يَوْمَ الكَرِيهَةِ مَنزِلًا وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ: (أيْ: لَمْ يَلْتَفِتْ) وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِخَوْفٍ لَحِقَهُ، قِيلَ: لِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ؛ فَإنَّ الإنْسانَ إذْ رَأى أمْرًا هائِلًا جِدًّا يَخافُ طَبْعًا، أوْ لِما أنَّهُ ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ وُقُوعُهُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِي أيَّ مَخْلُوقٍ كانَ حَيَّةً أوْ غَيْرَها؛ ثِقَةً بِي واعْتِمادًا عَلَيَّ، أوْ: لا تَخْفَ مُطْلَقًا عَلى تَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وهَذا إمّا لِمُجَرَّدِ الإيناسِ دُونَ إرادَةِ حَقِيقَةِ النَّهْيِ، وإمّا لِلنَّهْيِ عَنْ مَنشَأِ الخَوْفِ وهو الظَّنُّ الَّذِي سَمِعْتَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، وهو - عَلى ما قِيلَ - يُؤَيِّدُ أنَّ الخَوْفَ كانَ لِلظَّنِّ المَذْكُورِ، وأنَّ المُرادَ: لا تَخَفْ مُطْلَقًا، والمُرادُ مِن (لَدَيَّ) في حَضْرَةِ القُرْبِ مِنِّي، وذَلِكَ حِينَ الوَحْيِ. والمَعْنى أنَّ الشَّأْنَ لا يَنْبَغِي لِلْمُرْسَلِينَ أنْ يَخافُوا حِينَ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، بَلْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمُ الخَوْفُ - وإنْ وُجِدَ ما يُخافُ مِنهُ - لِفَرْطِ اسْتِغْراقِهِمْ إلى تَلَقِّي الأوامِرِ وانْجِذابِ أرْواحِهِمْ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ، والتَّقْيِيدُ بِـ(لَدَيَّ) لِأنَّ المُرْسَلِينَ في سائِرِ الأحْيانِ أخْوَفُ النّاسِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ ولا أعْلَمَ مِنهم بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَخَفْ مِن غَيْرِي، أوْ لا تَخَفْ مُطْلَقًا؛ فَإنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مِنهُ أمْثالُكَ المُرْسَلُونَ إنَّما هو سُوءُ العاقِبَةِ، وأنَّ الشَّأْنَ لا يَكُونُ لِلْمُرْسَلِينَ عِنْدِي سُوءُ عاقِبَةٍ لِيَخافُوا مِنهُ. والمُرادُ بِسُوءِ العاقِبَةِ ما في الآخِرَةِ لا ما في الدُّنْيا؛ لِئَلّا يَرِدَ قَتْلُ بَعْضِ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُرادُ بِـ(لَدَيَّ) - عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ - عِنْدَ لِقائِي، وفي حُكْمِي - عَلى ما قالَ ابْنُ الشَّيْخِ - وأيًّا ما كانَ يَلْزَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخافُونَ سُوءَ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى آمَنَهم مِن ذَلِكَ، فَلَوْ خافُوا لَزِمَ أنْ لا يَكُونُوا واثِقِينَ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا هو الصَّحِيحُ - كَما في الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ - وظاهِرُ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كانُوا يَخافُونَ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: ««يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» صفحة 169 فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - يَوْمًا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تُكْثِرُ أنْ تَدْعُوَ بِهَذا الدُّعاءِ فَهَلْ تَخْشى؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما يُؤَمِّنُنِي يا عائِشَةُ وقُلُوبُ العِبادِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إذا أرادَ يُقَلِّبُ قَلْبَ عَبْدَهُ»». وظاهِرُ بَعْضِ الآياتِ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى آمَنَهم مِن ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما جاءَ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِمْ بِالجَنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - كانُوا يَخافُونَ مِن سُوءِ العاقِبَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِبِشارَتِهِ تَعالى إيّاهم بِالجَنَّةِ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الخَوْفَ يَجْتَمِعُ مَعَ البِشارَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ الوُثُوقِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَرْطٌ لَمْ يُظْهِرْهُ اللَّهُ تَعالى لَهم لِلِابْتِلاءِ ونَحْوِهِ مِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما كانَ بِصَرِيحِ آمَنتُكم مِن سُوءِ العاقِبَةِ كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا أيْضًا فِيهِ، ويَحْصُلُ الخَوْفُ مِن ذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما اقْتَضاهُ جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم مَعْصُومِينَ مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، ورُدَّ بِأنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعْصُومِينَ مِن ذَلِكَ أيْضًا، وهم يَخافُونَ. فَفِي الأثَرِ: لَمّا مُكِرَ بِإبْلِيسَ بَكى جِبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُما: ما يُبْكِيكُما؟ قالا: يا رَبِّ ما نَأْمَنُ مَكْرَكَ، فَقالَ تَعالى: هَكَذا كُونا لا تَأْمَنا مَكْرِي. ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ العِصْمَةَ عِنْدَنا عَلى ما يَقْتَضِيهِ أصْلُ اسْتِنادِ الأشْياءِ كُلِّها إلى الفاعِلِ المُخْتارِ ابْتِداءً - كَما في المَواقِفِ وشَرَحَهُ الشَّرِيفُ الشَّرِيفِيُّ - أنْ لا يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الشَّخْصِ ذَنْبًا، وعِنْدَ الحُكَماءِ - بِناءً عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ القَوْلِ بِالإيجابِ واعْتِبارِ اسْتِعْدادِ القَوابِلِ - مَلَكَةٌ تَمْنَعُ الفُجُورَ، وتَحْصُلُ ابْتِداءً بِالعِلْمِ بِمَثالِبِ المَعاصِي ومَناقِبِ الطّاعاتِ، وتَتَأكَّدُ بِتَتابُعِ الوَحْيِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، وهي بِكِلا المَعْنَيَيْنِ لا تَقْتَضِي اسْتِحالَةَ الذَّنْبِ. أمّا عَدَمُ اقْتِضائِها ذَلِكَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَلِأنَّ عَدَمَ خَلْقِهِ تَعالى إيّاهُ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَكُونَ خَلْقُهُ مُسْتَحِيلًا عَلَيْهِ تَعالى، ومَتى لَمْ يَكُنِ الخَلْقُ مُسْتَحِيلًا عَلَيْهِ تَعالى فَكَيْفَ يَحْصُلُ الأمْنُ مِنَ المَكْرِ. وأمّا عَدَمُ اقْتِضائِها ذَلِكَ بِالمَعْنى الثّانِي فَلِأنَّ زَوالَ تِلْكَ المَلَكَةِ مُمْكِنٌ أيْضًا، واقْتِضاءُ العِلْمِ بِالمَثالِبِ والمَناقِبِ إيّاها ابْتِداءً وتَأكُّدُها بِتَتابُعِ الوَحْيِ لَيْسَ مِنَ الضَّرُوراتِ العَقْلِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا يَحْصُلُ الأمْنُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ المَلَكَةِ، نَعَمْ، قالَ قَوْمٌ: العِصْمَةُ تَكُونُ خاصِّيَّةً في نَفْسِ الشَّخْصِ أوْ في بَدَنِهِ يَمْتَنِعُ بِسَبَبِها صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهُ، وقَدْ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مَن يَقُولُ بِالأمْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ تَمّامُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى هَذا المَطْلَبِ فَهو في حَدِّ ذاتِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَفِي المَواقِفِ وشَرْحِهِ أنَّهُ يُكَذِّبُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ لَوْ كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ مُمْتَنِعًا لَما اسْتَحَقَّ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المَدْحَ بِتَرْكِ الذَّنْبِ؛ إذْ لا مَدْحَ بِتَرْكِ ما هو مُمْتَنَعٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ داخِلًا تَحْتَ الِاخْتِيارِ، وأيْضًا فالإجْماعُ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُكَلَّفُونَ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ مُثابُونَ بِهِ، ولَوْ كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ مُمْتَنَعًا عَنْهم لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ يَدُلُّ عَلى مُماثَلَتِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِسائِرِ النّاسِ فِيما يَرْجِعُ إلى البَشَرِيَّةِ، والِامْتِيازُ بِالوَحْيِ، فَلا يَمْتَنِعُ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهم كَما لا يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ سائِرِ البَشَرِ اهـ. وذَكَرَ الخَفاجِيُّ في شَرْحِ الشِّفاءِ عَنِ ابْنِ الهُمامِ أنَّهُ قالَ في التَّحْرِيرِ: العِصْمَةُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى المَعْصِيَةِ وخُلُقٌ مانِعٌ عَنْها غَيْرُ مُلْجِئٍ، ثُمَّ قالَ: وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِ الماتُرِيدِيُّ: العِصْمَةُ لا تُزِيلُ المِحْنَةَ، أيِ: الِابْتِلاءَ المُقْتَضِيَ لِبَقاءِ الِاخْتِيارِ، ومَعْناهُ - كَما في الهِدايَةِ - أنَّها لا تُجْبِرُهُ عَلى الطّاعَةِ ولا تُعْجِزُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، بَلْ هي لُطْفٌ مِنَ صفحة 165 اللَّهِ تَعالى تَحْمِلُهُ عَلى فِعْلِهِ وتَزْجُرُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَعَ بَقاءِ الِاخْتِيارِ وتَحْقِيقِ الِابْتِلاءِ، اهـ. وهُوَ ظاهِرٌ عَلى عَدَمِ الِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ لِصُدُورِ الذَّنْبِ، ولَعَلَّ ما وقَعَ في كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ مِنِ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحالَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ كَلامُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في شَرْحِ الهَمْزِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ويَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَخافُونَ ولا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ - وإنِ اسْتَحالَ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهم شَرْعًا - لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ عَقْلًا، بَلْ هو مِنَ المُمْكَناتِ الَّتِي يَصِحُّ تَعَلُّقُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِها، ومَعَ مُلاحَظَةِ إمْكانِهِ الذّاتِيِّ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقِيامُ احْتِمالِ تَقْيِيدِ المُطْلَقِ بِما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ لِحِكْمَةٍ كالمَشِيئَةِ لا يَكادُ يَأْمَنُ مَعْصُومٌ مَن مَكْرِ المَلِكِ الحَيِّ القَيُّومِ، فالأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ كُلُّهم خائِفُونَ، ومِن خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُشْفِقُونَ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَخُصَّ خَوْفَهم بِخَوْفِ الإجْلالِ؛ إذِ الظّاهِرُ العُمُومُ، ولا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ فُحُولِ الرِّجالِ. نَعَمْ، قَدْ يُقالُ بِإمْكانِ حُصُولِ الأمْنِ مِنَ المَكْرِ وذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِلْمًا ضَرُورِيًّا في العَبْدِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ ما يَخافُ مِنهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا؛ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَدَمَ تَحَقُّقِهِ كَذَلِكَ - وإنْ كانَ مُمْكِنًا ذاتِيًّا - ولَعَلَّهُ يَحْصُلُ لِأهْلِ الجَنَّةِ لِتَتِمَّ لَذَّتُهم فِيها، فَقَدْ قِيلَ: فَإنْ شِئْتَ أنْ تَحْيا حَياةً هَنِيَّةً ∗∗∗ فَلا تَتَّخِذْ شَيْئًا تَخافُ لَهُ فَقْدًا ولا يَبْعُدُ حُصُولُهُ لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ قَبْلَ دُخُولِها أيْضًا، ولَمْ تَقُمْ أمارَةٌ عِنْدِي عَلى حُصُولِهِ في هَذِهِ النَّشْأةِ لِأحَدٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، فَتَأمَّلْ، ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. ورَوى الإمامُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: إنِّي إذا أمَرْتُ المُرْسَلِينَ بِإظْهارِ مُعْجِزٍ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافُوا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ ذَلِكَ، وإلّا فالمُرْسَلُ قَدْ يَخافُ لا مَحالَةَ.

النمل 27:11

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ وغَيْرِهِما أنَّ المُرادَ بِـ(مَن ظَلَمَ) مَن أذْنَبَ مِن غَيْرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ: والمَعْنى عَلَيْهِ: لَكِنْ مَن ظَلَمَ مِن سائِرِ العِبادِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي أغْفِرُ لَهُ، وقالَ جَماعَةٌ: إنَّ المُرادَ بِهِ: مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما وصَدَرَ مِنهُ خِلافُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى شَأْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمُرادُ اسْتِدْراكُ ما يَخْتَلِجُ في الصَّدْرِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ، وفِيهِمْ مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: لَكِنْ مَن صَدَرَ مِنهم ما هو في صُورَةِ الظُّلْمِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي أغْفِرُ لَهُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ أيْضًا، وهو شامِلٌ - عَلى ما قِيلَ - لِمَن فَعَلَ مِنهم شَيْئًا مِن ذَلِكَ قَبْلَ رِسالَتِهِ، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِمَن صَدَرَ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقالَ: يُؤَيِّدُهُ لَفْظَةُ (ثُمَّ) فَإنَّها ظاهِرَةٌ في التَّراخِي الزَّمانِيِّ، ولَعَلَّ الظّاهِرَ كَوْنُهُ خاصًّا بِمَن صَدَرَ مِنهُ بَعْدَ الرِّسالَةِ لِظُهُورِ المُرْسَلِ في المُتَلَبِّسِ بِالرِّسالَةِ لا فِيمَن يَتَلَبَّسُ بِها بَعْدُ أوِ الأعَمُّ، وكَأنَّ فِيما ذُكِرَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ تَعْرِيضًا بِما وقَعَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن وكْزِهِ القِبْطِيِّ واسْتِغْفارِهِ، وتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (ظَلَمْتُ نَفْسِي). ولَمْ يَجْعَلُوهُ - عَلى هَذا - مُتَّصِلًا مَعَ دُخُولِ المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ، أعْنِي المُرْسَلِينَ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَّصِلًا لَزِمَ إثْباتُ الخَوْفِ لِمَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما مِنهم لِاسْتِثْنائِهِ مِنَ الحُكْمِ، وهو نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهُمْ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، وذَلِكَ خِلافُ المُرادِ، فَلا يَكُونُ مُتَّصِلًا، بَلْ هو شُرُوعٌ في حُكْمٍ آخَرَ. ورَجَّحَ الطِّيبِيُّ ما قالَهُ الجَماعَةُ بِأنَّ مَقامَ تَلَقِّي الرِّسالَةِ وابْتِداءِ المُكالَمَةِ مَعَ الكَلِيمِ يَقْتَضِي إزالَةَ الخَوْفِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قالُوهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ صفحة 166 والظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا بِمَن مَن أرادَهُ الجَماعَةُ، وفي اتِّصالِهِ - عَلى ما سَمِعْتَ - خَفاءٌ. ورُبَّما يُقالُ: إنَّ مَن يُطْلِقُ الِاتِّصالَ عَلَيْهِ في رَأْيِ الجَماعَةِ يَكْتَفِي في الِاتِّصالِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَإنْ كَفى فَذاكَ، وإلّا يَلْتَزِمُ إثْباتَ الخَوْفِ ويَجْعَلُ «بَدَّلَ» عَطْفًا عَلى مُسْتَأْنَفٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ فَإنَّهُ يَخافُ، فَمَن فَرَّطَ ثُمَّ تابَ غُفِرَ لَهُ، فَلا يَخافُ. وحاصِلُهُ: إلّا مَن ظَلَمَ فَإنَّهُ يَخافُ أوَّلًا ويَزُولُ عَنْهُ الخَوْفُ بِالتَّوْبَةِ آخِرًا، وعَنِ الفَرّاءِ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّما يَخافُ غَيْرُهم إلّا مَن ظَلَمَ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مَحْذُوفٍ لا يَجُوزُ، ولَوْ جازَ هَذا لَجازَ أنْ يُقالَ: (لا تَضْرِبِ القَوْمَ إلّا زَيْدًا) عَلى مَعْنى: وإنَّما اضْرِبْ غَيْرَهم إلّا زَيْدًا، وهَذا ضِدُّ البَيانِ والمَجِيءِ بِما لا يُعْرَفُ مَعْناهُ انْتَهى، وهو كَما قالَ، ولا يُجْدِي نَفْعًا القَوْلُ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ المَخافَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، والتَّقْدِيرُ: ولا مَن ظَلَمَ ... إلَخْ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِلْمُبايَنَةِ التّامَّةِ بَيْنَ إلّا والواوِ، فَلا تَقَعُ إحْداهُما مَوْقِعَ الأُخْرى، وحُسْنُ الظَّنِّ يُجَوِّزُ أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِكَوْنِ إلّا بِمَعْنى الواوِ، وإنَّما فَهَمَ مَن نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِن تَقْدِيرِهِمْ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا إعْرابٍ، فَلا تَغْفُلْ. والظّاهِرُ انْقِطاعُ الِاسْتِثْناءِ، ولَعَلَّ الأوْفَقَ بِشَأْنِ المُرْسَلِينَ أنْ يُرادَ بِمَن ظَلَمَ مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا مِن غَيْرِهِمْ، و(ثُمَّ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فَتُفِيدُ الآيَةُ المَغْفِرَةَ لِمَن بَدَّلَ عَلى الفَوْرِ مِن بابٍ أوْلى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، وهو ظاهِرٌ بَيْنَ الظُّلْمِ والتَّبْدِيلِ المَذْكُورِ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ نَحْوُ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ وقَدْ يَتَعَدّى إلى أحَدِهِما بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِالباءِ أوْ بِمِن وهو المَذْهُوبُ بِهِ والمُبْدَلُ مِنهُ، نَحْوُ: (بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أوْ مِن خَوْفِهِ أمْنًا) وقَدْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ نَحْوُ (بَدَّلْتُ الشَّيْءَ) أيْ غَيَّرْتُهُ، ومِنهُ (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ) والمَعْنى هُنا عَلى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدْ تَعَدّى إلى أحَدِهِما - وهو المُبْدَلُ مِنهُ - بِالباءِ أوْ بِمِن فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ بَدَّلَ بِظُلْمِهِ أوْ مِن ظُلْمِهِ حُسْنًا، ويُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ وحاصِلُهُ: ثُمَّ تَرَكَ الظُّلْمَ وأتى بِحُسْنٍ، والمُرادُ بِهِ التَّوْبَةُ. فَيَكُونُ المَعْنى في الآخِرَةِ: إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ تابَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِمَقامِ الإيناسِ، كَذا قِيلَ. والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ إسْنادَ التَّبْدِيلِ إلى (مَن ظَلَمَ) حَقِيقِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَفَعَ الظُّلْمَ والسُّوءَ ومَحاهُ مِن صَحِيفَةِ أعْمالِهِ ووَضَعَ مَكانَهُ الحُسْنَ بِسَبَبِ تَوْبَتِهِ، نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ وإسْنادُ التَّبْدِيلِ إلى (مَن ظَلَمَ) عَلى هَذا مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِتَبْدِيلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِتَوْبَتِهِ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ الأوَّلَ، ومَحَلُّ «مَن» عَلى كُلٍّ مِن تَقْدِيرَيِ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ واتِّصالِهِ ظاهِرٌ، والظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ في التَّقْدِيرَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّها إذا اعْتُبِرَتْ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوْ مَرْفُوعَتَهُ عَلى البَدَلِ تَكُونُ جُمْلَةُ «فَإنِّي» ... إلَخْ مُسْتَأْنَفَةً. ومَن قَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفًا عَطَفَ عَلَيْهِ (بَدَّلَ) وقالَ: التَّقْدِيرُ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ، جَعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرَ (مَن) وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجُمْلَةُ (فَإنِّي) إلَخْ جَوابَها، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ «ألا مَن ظَلَمَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى أنَّ (ألا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ (مَن) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ شَرْطِيَّةً، ولا أُراهُ واجِبًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ «حُسْنى» عَلى وزْنِ فُعْلى مَمْنُوعَ الصَّرْفِ، وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ «حُسُنًا» بِضَمِّ الحاءِ والسِّينِ مُنَوَّنًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَلِيٍّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ – وعِصْمَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ، وهارُونُ وعَيّاشٌ «حَسَنًا» بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ مَعَ التَّنْوِينِ.

النمل 27:12

﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: جَيْبِ صفحة 167 قَمِيصِكَ، وهو مَدْخَلُ الرَّأْسِ مِنهُ المَفْتُوحُ إلى الصَّدْرِ، لا ما يُوضَعُ فِيهِ الدَّراهِمُ ونَحْوُها كَما هو مَعْرُوفٌ الآنَ؛ لِأنَّهُ مُوَلَّدٌ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: (فِي كُمِّكَ) لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لابِسًا إذْ ذاكَ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ لا كُمَّ لَها، وقِيلَ: الجَيْبُ القَمِيصُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ يُجابُ أيْ يُقْطَعُ، فَهو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: (فِي جَيْبِكَ) أيْ: تَحْتَ إبِطِكَ. ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ المَعْنى: أدْخِلْها في جَيْبِكَ وضَعْها تَحْتَ إبِطِكَ، وكانَتْ مُدَرَّعَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لا أزْرارَ لَها، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ كانَ مُطْلَقَ القَمِيصِ في بَعْضِ الأوْقاتِ. فَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ، بابٌ في حَلِّ الأزْرارِ، ثُمَّ أخْرَجَ فِيهِ مِن طَرِيقِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن مُزَيْنَةَ فَبايَعْناهُ وإنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ - وفي رِوايَةِ البَغَوِيِّ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ (لَمُطْلَقُ الأزْرارِ) - قالَ: فَبايَعْتُهُ، ثُمَّ أدْخَلْتُ يَدِي في جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الخاتَمَ، قالَ عُرْوَةُ: فَما رَأيْتُ مُعاوِيَةَ ولا أباهُ قَطُّ إلّا مُطْلِقِي أزْرارَهُما، ولا يَزِرّانِها أبَدًا. وجاءَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمَرَ بِزَرِّ الأزْرارِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَإذا أزْرارُهُ مَحْلُولَةً فَزَرَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِيَدِهِ، وقالَ: «اجْمَعْ عَطْفَيْ رِدائِكَ عَلى نَحْرِكَ»». وفِي هَذَيْنِ الأثَرَيْنِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ جَيْبَ القَمِيصِ كانَ إذْ ذاكَ عَلى الصَّدْرِ كَما هو اليَوْمَ عِنْدَ العَرَبِ، وهو يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّهُ خِلافُ السُّنَّةِ، وأنَّهُ مِن شَعائِرِ اليَهُودِ، وأمْرُهُ تَعالى إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإدْخالِ يَدِهِ في جَيْبِهِ - مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَها بَيْضاءَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ – لِلِامْتِحانِ، ولَهُ سُبْحانُهُ أنْ يَمْتَحِنَ عِبادَهُ بِما شاءَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ﴾ جَوابُ الأمْرِ؛ لِأنَّ خُرُوجَها مُتَرَتِّبٌ عَلى إدْخالِها، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَدْخُلْ وأخْرِجْها تَخْرُجْ، فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ، وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ﴾ حالٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ وهو احْتِراسٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ أيْ: آيَةً مَعْدُودَةً مِن جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ، أوْ مُعْجِزَةً لَكَ مَعَها، عَلى أنَّ التِّسْعَ هِيَ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطِّمْسَةُ - وهي جَعْلُ أسْبابِهِمْ حِجارَةً - والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ، والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ، ولِمَن عَدَّ العَصا واليَدَ مِنَ التِّسْعِ أنْ يَعُدَّ الجَدْبَ والنُّقْصانَ في المَزارِعِ واحِدًا، ولا يَعُدَّ الفَلْقَ مِنها؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُبْعَثْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وإنَّ تَقَدَّمَهُ بِيَسِيرٍ، ومَن عَدَّهُ يَقُولُ: يَكْفِي مُعايَنَتُهُ لَهُ في البَعْثِ بِهِ، أوْ هو بَعْثٌ بِهِ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ ولِمَن تَخَلَّفَ مِنَ القِبْطِ ولَمْ يُؤْمِن، وفي التَّقْرِيبِ أنَّ الطِّمْسَةَ والجَدْبَ والنُّقْصانَ يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتِّسْعُ هَذا الواحِدُ والعَصا واليَدُ وما بَقِيَ مِنَ المَذْكُوراتِ. وذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ إلى أنَّ الجَرادَ والقُمَّلَ واحِدٌ، والجَدْبَ والنُّقْصانَ واحِدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فِي تِسْعٍ) مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا﴾ وفي بِمَعْنى مَعَ، ونَظِيرُ هَذا الحَذْفِ ما في قَوْلِهِ: أتَوْا نارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ فَقالُوا الجِنُّ قُلْتُ عَمُوا ظَلامًا وقُلْتُ إلى الطَّعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ فَرِيقٌ يَحْسُدُ الإنْسَ الطَّعاما فَإنَّ التَّقْدِيرَ هَلُمُّوا إلى الطَّعامِ، ويَتَعَلَّقُ بِهَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ وعَلى ما تَقَدَّمَ يَتَعَلَّقُ صفحة 168 بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ مَبْعُوثًا أوْ مُرْسَلًا إلى فِرْعَوْنَ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ أرْسَلْتَ إلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ؟ فَقِيلَ: إنَّهم إلَخْ، والمُرادُ بِالفِسْقِ إمّا الخُرُوجُ عَمّا ألْزَمَهُمُ الشَّرْعُ إيّاهُ إنْ قُلْنا بِأنَّهم قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُهُ وهو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإمّا الخُرُوجُ عَمّا ألْزَمَهُ العَقْلُ واقْتِضاءُ الفِطْرَةِ إنْ قُلْنا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ أحَدٌ قَبْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

النمل 27:13

﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا﴾ أيْ ظَهَرَتْ لَهم عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالمَجِيءُ مَجازٌ عَنِ الظُّهُورِ، وإسْنادُهُ إلى الآياتِ حَقِيقِيٌّ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المَجِيءُ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُ إلى الآياتِ مَجازِيٌّ، وهو حَقِيقَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ لِكَوْنِها مُعْجِزَةً لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ساغَ ذَلِكَ. ولَعَلَّ النُّكْتَةَ في العُدُولِ عَنْ (فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ الإشارَةُ إلى أنَّ تِلْكَ الآياتِ خارِجَةٌ عَنْ طَوْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَسائِرِ المُعْجِزاتِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَصَرُّفٌ في بَعْضِها، وكَوْنُهُ مُعْجِزَةً لَهُ لِإخْبارِهِ بِهِ ووُقُوعِهِ بِدُعائِهِ ونَحْوِهِ، ولا يُنافِي هَذا الإسْنادَ إلَيْهِ لِكَوْنِها جارِيَةً عَلى يَدَيْهِ لِلْإعْجازِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا﴾ في مَحَلٍّ آخَرَ، وقَدْ بَيَّنَ بَعْضُهم وجْهًا لِاخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِمَحَلِّهِ بِأنَّ ثَمَّةَ ذِكْرَ مُقاوَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُجادَلَتِهِمْ مَعَهُ فَناسَبَ الإسْنادُ إلَيْهِ، وهُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ناسَبَ الإسْنادُ إلَيْها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ جُحُودِهِمْ بِها، وإضافَةُ الآياتِ لِلْعَهْدِ، وفي إضافَتِها إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِ شَأْنِها ﴿مُبْصِرَةً﴾ حالٌ مِنَ الآياتِ، أيْ: بَيِّنَةً واضِحَةً، وجَعْلُ الإبْصارِ لَها - وهو حَقِيقَةٌ لِمُتَأمَّلِيها - لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَها وبَيْنَهُمْ؛ لِأنَّهم إنَّما يُبْصِرُونَ بِسَبَبِ تَأمُّلِهِمْ فِيها، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مُبْصِرَةً كُلَّ مَن نَظَرَ إلَيْها مِنَ العُقَلاءِ أوْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: جاعِلَتَهُ بَصِيرًا، مِن (أبْصَرَهُ) المُتَعَدِّي بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مِن (بَصُرَ) والإسْنادِ أيْضًا مَجازِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ كَأنَّها تُبْصِرُ فَتَهْدِي؛ لِأنَّ العَمى لا تَقْدِرُ عَلى الِاهْتِداءِ فَضْلًا أنْ تَهْدِيَ غَيْرَها، فَيَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مُرَشَّحَةٌ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا الوَجْهُ أبْلَغُ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلًا أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ، فالمَجازُ إمّا في الطَّرْفِ أوْ في الإسْنادِ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ قَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، عَلى وزْنِ مَسْبَعَةٍ، وأصْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تُصاغَ في الأكْثَرِ لِمَكانٍ كَثُرَ فِيهِ مَبْدَأُ الِاشْتِقاقِ، فَلا يُقالُ: مَسْبَعَةٌ - مَثَلًا - إلّا لِمَكانٍ يَكْثُرُ فِيهِ السِّباعُ لا لِما فِيهِ سَبُعٌ واحِدٌ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِها عَمّا هو سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الشَّيْءِ وغَلَبَتِهِ كَقَوْلِهِمِ: الوَلَدُ مُجْبَنَةٌ ومَبْخَلَةٌ، أيْ: سَبَبٌ لِكَثْرَةِ جُبْنِ الوالِدِ وكَثْرَةِ بُخْلِهِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ: سَبَبًا لِكَثْرَةِ تَبَصُّرِ النّاظِرِينَ فِيها. وقالَ أبُو حَيّانَ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْضًا ﴿قالُوا هَذا﴾ أيِ: الَّذِي نَراهُ أوْ نَحْوُهُ ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحٌ سِحْرِيَّتُهُ عَلى أنَّ ( مُبِينٌ ) مِن (أبانَ)

النمل 27:14

﴿وجَحَدُوا بِها﴾ أيْ: وكَذَّبُوا بِها ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: عَلِمَتْ عِلْمًا يَقِينِيًّا أنَّها آياتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ. وفِي البَحْرِ أنَّ (اسْتَفْعَلَ) هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ كاسْتَكْبَرَ بِمَعْنى تَكَبَّرَ، والأبْلَغُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةً إمّا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها ﴿ظُلْمًا﴾ أيْ لِلْآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ وقَدْ ظَلَمُوا بِها صفحة 169 أيَّ ظُلْمٍ، حَيْثُ حَطُّوها عَنْ رُتْبَتِها العالِيَةِ، وسَمَّوْها سِحْرًا، وقِيلَ: ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وعُلُوًّا﴾ أيْ تَرَفُّعًا واسْتِكْبارًا عَنِ الإيمانِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ وانْتِصابُهُما إمّا عَلى العِلِّيَّةِ مِن ﴿جَحَدُوا﴾ وهي - عَلى ما قِيلَ - بِاعْتِبارِ العاقِبَةِ والِادِّعاءِ كَما في قَوْلِهِ: لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ وإمّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِهِ، أيْ: جَحَدُوا بِها ظالِمِينَ عالِينَ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: ما آلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الإغْراقِ عَلى الوَجْهِ الهائِلِ الَّذِي هو عِبْرَةٌ لِلظّالِمِينَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ مَشْهُورٍ لَدى كُلِّ بادٍ وحاضِرٍ، وأدْخَلَ بَعْضُهم في العاقِبَةِ حالَهم في الآخِرَةِ مِنَ الإحْراقِ والعَذابِ الألِيمِ، وفي إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ ذَمٌّ لَهم وتَحْذِيرٌ لِأمْثالِهِمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ «وعِلِيًّا» بِقَلْبِ الواوِ ياءً وكَسْرِ العَيْنِ واللّامِ، وأصْلُهُ (فُعُولٌ) لَكِنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ إتْباعًا، ورُوِيَ ضَمُّها عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ.

النمل 27:15

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، كَقِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ، أيْ: آتَيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما طائِفَةً مِنَ العِلْمِ لائِقَةً بِهِ مِن عِلْمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما، كَصَنْعَةِ لَبُوسٍ ومَنطِقِ الطَّيْرِ، وخَصَّها مُقاتِلٌ بِعِلْمِ القَضاءِ، وابْنُ عَطاءٍ بِالعِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ الأوْلى ما ذُكِرَ، أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فالتَّنْوِينُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّقْلِيلِ، وهو أوْفَقُ بِكَوْنِ القائِلِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّ كُلَّ عِلْمٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ قَلِيلٌ، وعَلى الثّانِي لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ وهو أوْفَقُ بِامْتِنانِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - فَإنَّهُ سُبْحانَهُ المَلِكُ العَظِيمُ، فاللّائِقُ بِشَأْنِهِ الِامْتِنانُ بِالعَظِيمِ الكَثِيرِ فَلِكُلٍّ وُجْهَةٌ، ورُبَّما يُرَجَّحُ الثّانِي، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ كَوْنُ التَّنْوِينِ لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: نَوْعًا مِنَ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ عِلْمُ الكِيمْياءِ. ﴿وقالا﴾ أيْ قالَ كُلٌّ مِنهُما؛ شُكْرًا لِما أُوتِيَهُ مِنَ العِلْمِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ بِما آتانا مِنَ العِلْمِ ﴿عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ عِبارَةَ كُلٍّ مِنهُما (فَضَّلَنِي) إلّا أنَّهُ عُبِّرَ عَنْهُما عِنْدَ الحِكايَةِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ إيجازًا، وحِكايَةُ الأقْوالِ المُتَعَدِّدَةِ - سَواءٌ كانَتْ صادِرَةً عَنِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَنْ غَيْرِهِ بِعِبارَةٍ جامِعَةٍ لِلْكُلِّ - مِمّا لَيْسَ بِعَزِيزٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ قِيلَ: وبِهَذا ظَهَرَ حُسْنُ مَوْقِعِ العَطْفِ بِالواوِ دُونَ الفاءِ؛ إذِ المُتَبادَرُ مِنَ العَطْفِ بِالفاءِ تَرَتُّبُ حَمْلِ كُلٍّ مِنهُما عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ كُلٌّ مِنهُما، لا عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ نَفْسُهُ فَقَطْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا سُلِّمَ ما ذُكِرَ فالعَطْفُ بِالواوِ أيْضًا يَتَبادَرُ مَعَهُ كَوْنُ حَمْدِ كُلٍّ مِنهُما عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ كُلٌّ مِنهُما، فَما يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ مَعَ الواوِ يُمْنَعُ نَحْوُهُ مَعَ الفاءِ، وقالَ العَلامَةَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ بِالواوِ دُونَ الفاءِ - مَعَ أنَّ الظّاهِرَ العَكْسُ كَما في قَوْلِكَ: أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ - إشْعارًا بِأنَّ ما قالاهُ بَعْضُ ما أحْدَثَ فِيهِما إيتاءُ العِلْمِ وشَيْءٌ مِن مَواجِبِهِ، فَأُضْمِرَ ذَلِكَ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ التَّحْمِيدُ، كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا فَعَمِلا فِيهِ وعَلِماهُ وعَرَفا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ والفَضِيلَةِ، وقالا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلْنا، وحاصِلُهُ أنَّ إيتاءَ العِلْمِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ، وفَواضِلِ المِنَحِ، صفحة 170 يَسْتَدْعِي إحْداثَ الشُّكْرِ أكْثَرَ مِمّا ذُكِرَ، فَجِيءَ بِالواوِ لِأنَّها تَسْتَدْعِي إضْمارًا، فَيُضْمَرُ ما يَقْتَضِيهِ مُوجَبُ الشُّكْرِ مِن قَوْلِهِ: فَعَمِلا بِهِ وعَلِماهُ فَإنَّهُ شُكْرٌ فِعْلِيٌّ، وقَوْلِهِ: وعَرِفا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ والفَضِيلَةِ فَإنَّهُ شُكْرٌ قَلْبِيٌّ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالا﴾ إلَخْ ... تَتِمُّ أنْواعُ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ شُكْرٌ لِسانِيٌّ، وفي الطَّيِّ إيماءٌ بِأنَّ المَطْوِيَّ جاوَزَ حَدَّ الإحْصاءِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ هَذا الوَجْهَ لِاخْتِيارِ العَطْفِ بِالواوِ أوْلى مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ مِن تَفْوِيضِ التَّرَتُّبِ إلى العَقْلِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي الشُّكْرَ البالِغَ، وهو ما يَسْتَوْعِبُ الأنْواعَ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ يَكُونُ بِنَوْعِ القَوْلِيِّ مِنها وحْدَهُ، وهو أوْلى مِمّا قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ لَمْ يُعْطَفْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الحَمْدَ عَلى نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها العِلْمُ، ولَوْ عُطِفَ بِالفاءِ لَكانَ الحَمْدُ عَلَيْهِ فَقَطْ؛ لِأنَّ السِّياقَ ظاهِرٌ في أنَّ الحَمْدَ عَلَيْهِ لا عَلى ما يَدْخُلُ هو في جُمْلَتِهِ. وهَلْ هُناكَ - عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ - تَقْدِيرُ حَقِيقَةٍ أمْ لا قَوْلانِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ مَن يُسَمِّي هَذِهِ الواوَ الواوَ الفَصِيحَةَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الكَثِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - وقِيلَ: ذاكَ ومَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أصْلًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَبْيِينُ الكَثِيرِ بِعِبادِهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ خُلُوَّهم عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ مِمّا لا يُمْكِنُ، وفي تَخْصِيصِهِما الكَثِيرَ بِالذِّكْرِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَعْضَ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِما كَذا قِيلَ، والمُتَبادَرُ مِنَ البَعْضِ القَلِيلُ، وفي الكَشّافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى كَثِيرٍ﴾ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ إذْ يَدُلُّ بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّهُما لَمْ يُفَضَّلا عَلى القَلِيلِ، فَأمّا أنْ يُفَضَّلَ القَلِيلُ عَلَيْهِما أوْ يُساوِياهُ فَلا، بَلْ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ. ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الكَثِيرَ لا يُقابِلُهُ القَلِيلُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الأكْثَرِ بِخِلافِهِ، ولَمّا بَعُدَ تَساوِي الأكْثَرِ مِن حَيْثُ العادَةُ - لا سِيَّما والأصْلُ التَّفاوُتُ - حَكَمَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِما أيْضًا كَثِيرٌ، عَلى أنَّ العُرْفَ طَرْحُ التَّساوِي في مِثْلِهِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وجَعْلُ التَّقابُلِ بَيْنَ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهم إذا قالُوا: (لا أفْضَلَ مِن زَيْدٍ) فُهِمَ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، انْتَهى. وفِي الآيَةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى فَضْلِ العِلْمِ وشَرَفِ أهْلِهِ؛ حَيْثُ شَكَرا عَلى العِلْمِ وجَعَلاهُ أساسَ الفَضْلِ، ولَمْ يَعْتَبِرا دُونَهُ مِمّا أُوتِياهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ، وتَحْرِيضٌ لِلْعُلَماءِ عَلى أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى ما آتاهم مِن فَضْلِهِ، وأنْ يَتَواضَعُوا ويَعْتَقِدُوا أنَّ في عِبادِ اللَّهِ تَعالى مَن يَفْضُلُهم في العِلْمِ، ونِعْمَ ما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - حِينَ نَهى عَلى المِنبَرِ عَنِ التَّغالِي في المُهُورِ فاعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ عَجُوزٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ الآيَةَ: كُلُّ النّاسِ أفْقَهَ مِن عُمَرَ، وفِيهِ مِن جَبْرِ قَلْبِ العَجُوزِ وفَتْحِ بابِ الِاجْتِهادِ ما فِيهِ، وجَعْلُ الشِّيعَةِ لَهُ مِنَ المَثالِبِ مِن أعْظَمِ المَثالِبِ وأعْجَبِ العَجائِبِ. ولَعَلَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى جَوازِ أنْ يَقُولَ العالِمُ: أنا عالِمٌ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ جُمْلَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِنهم أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وما شاعَ مِن حَدِيثِ: ««مَن قالَ أنا عالِمٌ فَهو جاهِلٌ»» إنَّما يُعْرَفُ مِن كَلامِ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، عَلى ضَعْفٍ في إسْنادِهِ، ويَحْيى هَذا مِن صِغارِ التّابِعِينَ، فَإنَّهُ رَأى أنَسَ بْنَ مالِكٍ وحْدَهُ، وقَدْ وهِمَ بَعْضُ الرُّواةِ فَرَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَحْقِيقُهُ في (أعْذَبِ المَناهِلِ) لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ.

النمل 27:16

﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أيْ قامَ مَقامَهُ في النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وصارَ نَبِيًّا مَلِكًا بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَوِراثَتُهُ إيّاهُ مَجازٌ عَنْ قِيامِهِ مَقامَهُ - فِيما ذُكِرَ - بَعْدَ مَوْتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، وقِيلَ: وِراثَةُ المُلْكِ فَقَطْ، وعَنِ الحَسَنِ - ونَسَبَهُ الطَّبَرْسِيُّ إلى أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ - أنَّها وِراثَةُ المالِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ: «نَحْنُ صفحة 171 مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وقَدْ ذَكَرَهُ الصِّدِّيقُ والفارُوقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَخافُونَ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةَ لائِمٍ، ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنهم عَلَيْهِما. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ««إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا ولَكِنْ ورَّثُوا العِلْمَ فَمِن أخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ»». ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الرّازِيُّ - في الكافِي - عَنْ أبِي البُحْتُرِيِّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ أيْضًا. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الوِراثَةَ لَيْسَتْ وِراثَةَ المالِ ما رَوى الكِلِينِيُّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُلَيْمانَ ورِثَ داوُدَ، وأنَّ مُحَمَّدًا ورِثَ سُلَيْمانَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأيْضًا وِراثَةُ المالِ لا تَخْتَصُّ بِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ لِداوُدَ عِدَّةُ أوْلادٍ غَيْرِهِ كَما رَواهُ الكِلِينِيُّ عَنْهُ أيْضًا، وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا، فالإخْبارُ بِها عَنْ سُلَيْمانَ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ، وإنْ كانَ المُرادُ الإخْبارَ بِما يَلْزَمُها مِن بَقاءِ سُلَيْمانَ بَعْدَ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَما الدّاعِي لِلْعُدُولِ عَمّا يُفِيدُهُ مِن غَيْرِ خَفاءٍ مِثْلِ: وقالَ سُلَيْمانُ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ داوُدَ «يا أيُّها النّاسُ» ... إلَخْ. وأيْضًا السِّياقُ والسِّباقُ يَأْبَيانِ أنْ يَكُونَ المُرادُ وِراثَةَ المالِ كَما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ، والظّاهِرُ أنَّ الرِّوايَةَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ ثابِتَةٍ، وكَذا الرِّوايَةُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَقَدْ سَمِعْتَ في رِوايَةِ الكِلِينِيَّ عَنِ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما يُنافِي ثُبُوتَها، ووِراثَةُ غَيْرِ المالِ شائِعَةٌ في الكِتابِ الكَرِيمِ فَقَدْ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ ولا يَضُرُّ تَفاوُتُ القَرِينَةِ، فافْهَمْ. وكانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وكانَ داوُدُ قَدْ أوْصى لَهُ بِالمُلْكِ، فَلَمّا تُوُفِّيَ مَلَكَ وعُمُرُهُ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولّاهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في حَياتِهِ، حَكاهُ في البَحْرِ. وقالَ تَشْهِيرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَعْظِيمًا لِقَدْرِها، ودُعاءً لِلنّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ بِذِكْرِ المُعْجِزاتِ الباهِراتِ الَّتِي أُوتِيَها لا افْتِخارًا ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ الظّاهِرُ عُمُومُهُ جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ يُمْكِنُ - عادَةً - مُخاطَبَتُهم. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِهِ رُؤَساءُ مَمْلَكَتِهِ وعُظَماءُ دَوْلَتِهِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِما ذُكِرَ لِلتَّغْلِيبِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: النّاسُ عِنْدَنا أهْلَ العِلْمِ. ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ أيْ: نُطْقَهُ وهو في المُتَعارَفِ: كُلُّ لَفْظٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَمّا في الضَّمِيرِ مُفْرَدًا أوْ مُرَكَّبًا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يُصَوَّتُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ تَشْبِيهُ المُصَوِّتِ بِالإنْسانِ، ويَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ، وإثْباتُ النُّطْقِ تَخْيِيلًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالنُّطْقِ مُطْلَقُ الصَّوْتِ عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ ولَيْسَ بِذاكَ. ويَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ قَوْلُهُ: لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالِ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ كَما في قَوْلِهِمِ: النّاطِقُ والصّامِتُ لِلْحَيَوانِ والجَمادِ، والَّذِي عُلِّمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو - عَلى ما قِيلَ - ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَعانِيهِ وأغْراضِهِ. ويُحْكى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَّ عَلى بُلْبُلٍ في شَجَرَةٍ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ ويُمِيلُ ذَنَبَهُ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: أتَدْرُونَ ما يَقُولُ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ونَبِيُّهُ أعْلَمُ، قالَ: يَقُولُ: أكَلْتُ نِصْفَ ثَمَرَةٍ فَعَلى الدُّنْيا العَفاءُ، وصاحَتْ فاخِتَةٌ فَأخْبَرَ أنَّها تَقُولُ: لَيْتَ ذا الخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، وصاحَ طاوُسٌ فَقالَ: يَقُولُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، وصاحَ هُدْهُدٌ فَقالَ: يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تَعالى يا مُذْنِبُونَ، وصاحَ طِيطَوى فَقالَ: يَقُولُ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ وكُلُّ جَدِيدٍ صفحة 172 بالٍ، وصاحَ خُطّافٌ فَقالَ: يَقُولُ: قَدِّمُوا خَيْرًا تَجِدُوهُ، وصاحَتْ رَخْمَةٌ فَقالَ: تَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى مِلْءَ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وصاحَ قُمْرِيٌّ فَأخْبَرَ أنَّهُ يَقُولُ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، وقالَ: الحَدَأُ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا اللَّهَ تَعالى، والقَطاةُ تَقُولُ: مَن سَكَتَ سَلَمَ، والبَبْغاءُ يَقُولُ: ويْلٌ لِمَنِ الدُّنْيا هَمُّهُ، والدِّيكُ يَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى يا غافِلُونَ، والنَّسْرُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ عِشْ ما شِئْتَ آخِرُكَ المَوْتُ، والعُقابُ يَقُولُ: في البُعْدِ مِنَ النّاسِ أُنْسٌ، والضُّفْدَعُ يَقُولُ: سُبْحانَ رُبِّيَ القُدُّوسِ، والقُنْبُرَةُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ العَنْ مُبْغِضَ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، والزُّرْزُورُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ يا رَزّاقُ، والدُّرّاجِ يَقُولُ: الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى، انْتَهى. ونَظْمُ الضُّفْدَعِ في سِلْكِ المَذْكُوراتِ مِنَ الطَّيْرِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، ومَعَ هَذا اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، وقِيلَ: كانَتِ الطَّيْرُ تُكَلِّمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْجِزَةً لَهُ، نَحْوَ ما وقَعَ مِنَ الهُدْهُدِ في القِصَّةِ الآتِيَةِ. وقِيلَ: عُلِّمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَقْصِدُهُ الطَّيْرُ في أصْواتِها في سائِرِ أحْوالِها، فَيَفْهَمُ تَسْبِيحَها ووَعْظَها، وما تُخاطِبُهُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما يُخاطِبُ بِهِ بَعْضُها بَعْضًا. وبِالجُمْلَةِ عُلِّمَ مِن مَنطِقِها ما عُلِّمَ الإنْسانُ مِن مَنطِقِ بَنِي صِنْفِهِ، ولا يُسْتَبْعَدُ أنْ يَكُونَ لِلطَّيْرِ نُفُوسٌ ناطِقَةٌ ولُغاتٌ مَخْصُوصَةٌ تُؤَدِّي بِها مَقاصِدَها كَما في نَوْعِ الإنْسانِ، إلّا أنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ أقْوى وأكْمَلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ مُتَفاوِتَةً تَفاوُتَ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ الَّذِي قالَ بِهِ مَن قالَ. ويَجُوزُ أنْ يُعَلِّمَ اللَّهُ تَعالى مَنطِقَها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويَجْرِي ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الحَيَواناتِ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عُلِّمَ مَنطِقَها أيْضًا إلّا أنَّهُ نُصَّ عَلى الطَّيْرِ؛ لِأنَّها كانَتْ جُنْدًا مِن جُنُودِهِ يَحْتاجُ إلَيْها في التَّظْلِيلِ مِنَ الشَّمْسِ وفي البَعْثِ في الأُمُورِ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَيَحْتاجُ القَوْلُ بِهِ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عُلِّمَ أيْضًا مَنطِقَ النَّباتِ، فَكانَ يَمُرُّ عَلى الشَّجَرَةِ فَتَذْكُرُ لَهُ مَنافِعَها ومَضارَّها، ولَمْ أجِدْ في ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا. وكَثِيرٌ مِنَ الحُكَماءِ مَن يَعْرِفُ خَواصَّ النَّباتِ بِلَوْنِهِ وهَيْئَتِهِ وطَعْمِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَحْتاجُ في مَعْرِفَتِها إلى نُطْقِهِ بِلِسانِ القالِ. والضَّمِيرُ في (عُلِّمْنا) (وأُوتِينا) قِيلَ: لَهُ ولِأبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والأوْلى كَوْنُهُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمّا كانَ مَلِكًا مُطاعًا خاطَبَ رَعِيَّتَهُ - عَلى عادَةِ المُلُوكِ - لِمُراعاةِ قَواعِدِ السِّياسَةِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما يُرادُ مِنَ الرَّعِيَّةِ مِنَ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ في الأوامِرِ والنَّواهِي، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعاظُمًا وتَكَبُّرًا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُراعاةُ قَواعِدِ السِّياسَةِ لِلتَّوَصُّلِ بِها إلى ما فِيهِ رِضا اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وقَدْ أمَرَ نَبِيُّنا ﷺ العَبّاسَ بِحَبْسِ أبِي سُفْيانَ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الكَتائِبُ يَوْمَ الفَتْحِ لِذَلِكَ. وكُلِّ في الأصْلِ لِلْإحاطَةِ، وتَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ كَثِيرًا نَحْوُ قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ ويَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وهي كِنايَةٌ في ذَلِكَ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وهَذا المَعْنى هو المُرادُ هُنا إذا جُعِلَتْ (مِن) صِلَةً، وهو المُناسِبُ لِمَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعَمِ، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ صِلَةً فَهي عَلى أصْلِها فِيما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا إذا أُرِيدَ الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ، وهو كَما تَرى. وفِي البَحْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ إشارَةٌ إلى النُّبُوَّةِ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ إشارَةٌ إلى المُلْكِ، والجُمْلَتانِ كالشَّرْحِ لِلْمِيراثِ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِما أُوتِيَهُ النُّبُوَّةُ والمُلْكُ، وتَسْخِيرُ الجِنِّ والإنْسِ والشَّياطِينِ والرِّيحِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - هو ما يُهِمُّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ ما يَحْتاجُهُ المَلِكُ مِن آلاتِ الحَرْبِ وغَيْرِها. ﴿إنَّ هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ صفحة 173 مِنَ التَّعْلِيمِ والإيتاءِ ﴿لَهُوَ الفَضْلُ﴾ والإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿المُبِينُ﴾ الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ أنَّ هَذا الفَضْلَ الَّذِي أُوتِيتُهُ لَهو الفَضْلُ المُبِينُ، فَيَكُونُ مِن كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – قَطْعًا، ذُيِّلَ بِهِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ إنَّما قالَ ما قالَ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ، كَما قالَ ﷺ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ آخِرَهُ - كَما في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ – أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا لا فَخْرًا، ويَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى (ولا فَخْزَ) بِالزّايِ كَما في الرِّوايَةِ الغَيْرِ المَشْهُورَةِ.

النمل 27:17

﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ مِنَ الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ بَيانٌ لِلْجُنُودِ في البَحْرِ وغَيْرِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الجُنُودُ المَحْشُورُونَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَمِيعَ الجِنِّ وجَمِيعَ الإنْسِ وجَمِيعَ الطَّيْرِ؛ إذْ يَأْبى ذَلِكَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ العَقْلِ - قِصَّةُ بِلْقِيسَ الآتِيَةُ بَعْدُ، وكَذا قِصَّةُ الهُدْهُدِ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَأْتِيهِ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الطَّيْرِ واحِدٌ، وهو نَصٌّ في أنَّ المَحْشُورَ لَيْسَ جَمِيعَ الطَّيْرِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ إرادَةُ الجَمِيعِ في الجَمِيعِ - عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ في الآيَةِ أيْضًا - وهو أنَّ المَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الأصْنافِ جُنُودَهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَسْتَدْعِ الحُضُورَ والِاجْتِماعَ في مَوْضِعٍ واحِدٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الِانْقِيادِ والدُّخُولِ في حَيْطَةِ تَصَرُّفِهِ والِاتِّباعِ لَهُ حَيْثُ كانُوا - لِإباءِ قِصَّةِ بِلْقِيسَ أيْضًا عَنْهُ، فَإنَّ المُناسِبَ الإخْبارُ بِهَذا الجَعْلِ بَعْدَ الإخْبارِ بِدُخُولِها ومَن مَعَها في حَيْطَةِ تَصَرُّفِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الحَشْرَ لَيْسَ إلّا جَمْعُ العَساكِرِ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مُحارَبَةِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في رِبْقَةِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَوْنُهُ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلى مَكَّةَ؛ شُكْرًا عَلى ما وُفِّقَ لَهُ مِن بِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ خِلافَ الظّاهِرِ، لَكِنْ إذا صَحَّ فِيهِ خَبَرٌ قُبِلَ، وأنَّ المَجْمُوعَ مِنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ وأُبَّهَتِهِ وعَظَمَتِهِ سَواءٌ جُعِلَتْ (مِنَ) بَيانِيَّةً أوْ تَبْعِيضِيَّةً. وكَوْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَدَ المُؤْمِنَيْنِ اللَّذَيْنِ مَلَكا المَعْمُورَةَ بِأسْرِها - إذا سَلَّمْنا صِحَّةَ الخَبَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ وسَلامَتَهُ مِنَ المُعارِضِ وأنَّهُ نَصٌّ في المَطْلُوبِ - لا يَسْتَدْعِي سِوى دُخُولِ سُكّانِ المَعْمُورَةِ في عِدادِ رَعِيَّتِهِ وحَيْطَةِ مَلَكَتِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ دَفْعِيًّا، بَلْ هو - إنَّ صَحَّ - كانَ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ بِلْقِيسَ إنَّما دَخَلَتْ تَحْتَ طاعَتِهِ في السَّنَةِ الخامِسَةِ والعِشْرِينَ مِن مُلْكِهِ، وكانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْبَعِينَ سَنَةً، وكَذا كانَتْ مُدَّةُ مُلْكِ أبِيهِ داوُدَ، عَلَيْهِما السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ الحاشِرَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ أشْخاصٌ مِنهُمْ، فَيَكُونُ مِن كُلِّ نَوْعٍ أشْخاصٌ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ مُعَدُّونَ لَهُ، ولا تَسْتَعْبِدْ ذَلِكَ في الطَّيْرِ إذا كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِقِصَّةِ الهُدْهُدِ، ولا يَلْزَمُكَ التِزامَ ما قالَهُ الإمامُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلطَّيْرِ عَقْلًا في أيّامِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَجْعَلْ لَها ذَلِكَ في أيّامِنا، فَما عَلَيْكَ بَأْسٌ إذا قُلْتَ بِأنَّها عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ اليَوْمَ وذَلِكَ اليَوْمَ، ولا نَعْنِي بِعَقْلِها إلّا ما تَهْتَدِي بِهِ لِأغْراضِها، ووُجُودُ ذَلِكَ اليَوْمَ فِيها وكَذا في غَيْرِها مِن سائِرِ الحَيَواناتِ مِمّا لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وما عَلَيْنا أنْ نَقُولَ: إنَّ عُقُولَها مِن حَيْثُ هي كَعُقُولِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هي. ولَعَلَّ فِيها مَن يَهْتَدِي إلى ما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ الكَثِيرُ مِن بَنِي آدَمَ كالنَّحْلِ، ولَعَمْرِي أنَّها لَوْ كانَتْ خالِيَةً مِنَ العَقْلِ - كَما يُقالُ - وفُرِضَ وُجُودُ العَقْلِ فِيها لا أظُنُّ أنَّها تَصْنَعُ بَعْدَ وُجُودِهِ أحْسَنَ مِمّا تَصْنَعُهُ اليَوْمَ وهي خالِيَةٌ مِنهُ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّ عاقِلٍ مُكَلَّفًا، فَلْتَكُنِ الطُّيُورُ كَسائِرِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ يَأْمُرُهم ويَنْهاهُمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ عارِفَةً بِرَبِّها مُؤْمِنَةً بِهِ - جَلَّ وعَلا - مِن غَيْرِ أنْ يُبْعَثَ إلَيْها نَبِيٌّ، كَمَن يَنْشَأُ بِشاهِقِ جَبَلٍ وحْدَهُ ويَكُونُ مُؤْمِنًا بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، بَلْ كَوْنُها مُؤْمِنَةً صفحة 174 بِاللَّهِ تَعالى مُسَبِّحَةً لَهُ - وكَذا سائِرُ الحَيَواناتِ - مِمّا تَشْهَدُ لَهُ ظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضًا مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ عِنْدَنا ما يَجِبُ لَهُ التَّأْوِيلُ. وبالَغَ بَعْضُهم فَزَعَمَ أنَّها مُكَلَّفَةً، وفِيها - وكَذا في غَيْرِها - مِنَ الحَيَواناتِ أنْبِياءُ لَهم شَرائِعُ خاصَّةً، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما اسْتَدَلَّ، والمَشْهُورُ إكْفارُ مَن زَعَمَ ذَلِكَ، وقَدْ نَصَّ عَلى إكْفارِهِ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ، وتَخْصِيصُ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ في أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُسَخَّرْ لَهُ الوَحْشُ، وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ الحاكِمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ما هو ظاهِرٌ في تَسْخِيرِهِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْضًا، وسَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - لَكِنَّهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ الجِنِّ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ مُلْكِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعِزَّةِ سُلْطانِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ لِما أنَّ الجِنَّ طائِفَةٌ عاتِيَةٌ، وقَبِيلَةٌ طاغِيَةٌ مارِدَةٌ، بَعِيدَةٌ مِنَ الحَشْرِ والتَّسْخِيرِ، ولَمْ يُقَدَّمِ الطَّيْرُ عَلى الإنْسِ - مَعَ أنَّ تَسْخِيرَها أشُقُّ أيْضًا وأدُلُّ عَلى قُوَّةِ المُلْكِ وعِزَّةِ السُّلْطانِ - لِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ المُتَقابِلَيْنِ والمُشْتَرِكَيْنِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ. وقِيلَ في تَقْدِيمِ الجِنِّ: إنَّ مَقامَ التَّسْخِيرِ لا يَخْلُو مِن تَحْقِيرٍ، وهو مُناسِبٌ لَهُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ التَّسْخِيرَ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ – شَرَفٌ؛ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي سَخَّرَ كُلَّ شَيْءٍ، وإذا اعْتُبِرَ في نَفْسِهِ فالتَّعْلِيلُ بِذَلِكَ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، ويَكْفِي هَذا في عَدَمِ قَبُولِهِ. ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم لِيَلْحَقَ آخِرُهم فَيَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ، لا يَتَخَلَّفُ مِنهم أحَدٌ، وذَلِكَ لِلْكَثْرَةِ العَظِيمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَرْتِيبِ الصُّفُوفِ كَما هو المُعْتادُ في العَساكِرِ، والأوَّلُ أوْلى، وفِيهِ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ والإشْعارِ بِكَمالِ مُسارَعَتِهِمْ إلى السَّيْرِ - الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم كانُوا مَسُوسِينَ غَيْرَ مُهْمَلِينَ، لا يَتَأذّى أحَدٌ بِهِمْ، وأصْلُ الوَزْعِ الكَفُّ والمَنعُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ما يَزَعُ السُّلْطانُ أكْثَرُ مِمّا يَزَعُ القُرْآنُ، وقَوْلُ الحَسَنِ: لا بُدَّ لِلْقاضِي مِن وزَعَةٍ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ومَن لَمْ يَزَعْهُ لُبُّهُ وحَياؤُهُ فَلَيْسَ لَهُ مِن شَيْبِ فَوْدَيْهِ وازِعُ وتَخْصِيصُ حَبْسِ أوائِلِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَ سَوْقِ أواخِرِهِمْ - مَعَ أنَّ التَّلاحُقَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ أيْضًا - لِأنَّ في ذَلِكَ شَفَقَةً عَلى الطّائِفَتَيْنِ، أمّا الأوائِلُ فَمِن جِهَةِ أنْ يَسْتَرِيحُوا في الجُمْلَةِ بِالوُقُوفِ عَنِ السَّيْرِ، وأمّا الأواخِرُ فَمِن جِهَةِ أنْ لا يُجْهِدُوا أنْفُسَهم بِسُرْعَةِ السَّيْرِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ أواخِرَهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أوائِلُهم مِنَ السَّيْرِ السَّرِيعِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والطَّسْتِيُّ في مَسائِلِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى تَنامَ الطَّيْرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ - والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَزْعُ، إذا لَمْ يَكُنْ سَيْرُهم بِتَسْيِيرِ الرِّيحِ في الجَوِّ، والأخْبارُ في قِصَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ يُوضَعُ لِسُلَيْمانَ ثَلاثُمِائَةِ ألْفِ كُرْسِيٍّ، فَيَجْلِسُ مُؤْمِنِي الإنْسِ مِمّا يَلِيهِ، ومُؤْمِنِي الجِنِّ مِن ورائِهِمْ، ثُمَّ يَأْمُرُ الطَّيْرَ فَتُظِلُّهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُهُ، فَيَمُرُّونَ عَلى السُّنْبُلَةِ فَلا يُحَرِّكُونَها. وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُعَسْكَرُهُ مِائَةَ فَرْسَخٍ، خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلْإنْسِ، وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلْجِنِّ، وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلْوَحْشِ، وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلطَّيْرِ، وكانَ لَهُ ألْفُ بَيْتٍ مِن قَوارِيرَ عَلى الخَشَبِ، فِيها ثَلاثُمِائَةِ مَنكُوحَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، فَيَأْمُرُ الرِّيحَ العاصِفَ فَتَرْفَعُهُ ثُمَّ يَأْمُرُ الرَّخاءَ فَتَسِيرُ بِهِ. وأوْحى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - إلَيْهِ - وهو يَسِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ - أنِّي قَدْ زِدْتُكَ في مُلْكِكَ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ بِشَيْءٍ إلّا جاءَتْ بِهِ الرِّيحُ إلَيْكَ وألْقَتْهُ في سَمْعِكَ. ويُرْوى أنَّ الجِنَّ نَسَجَتْ لَهُ صفحة 175 - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِساطًا مِن ذَهَبٍ وإبْرَيْسَمَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، ومِنبَرُهُ في وسَطِهِ مِن ذَهَبٍ، فَيَصْعَدُ عَلَيْهِ وحَوْلَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفِ كُرْسِيٍّ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَتَقْعُدُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى كَراسِيِّ الذَّهَبِ، والعُلَماءُ عَلى كَراسِيِّ الفِضَّةِ، وحَوْلَهُمُ النّاسُ، وحَوْلَ النّاسِ الجِنُّ والشَّياطِينُ، وتُظِلُّهُ الطَّيْرُ بِأجْنِحَتِها، وتَرْفَعُ رِيحُ الصَّبا البِساطَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مَرَّ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في مُلْكِهِ - وقَدْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ - عَلى رَجُلٍ حَرّاثٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا رَآهُ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ لَقَدْ أُوتِيَ آلُ داوُدَ مُلْكًا فَحَمَلَتْها الرِّيحُ فَوَضَعَتْها في أُذُنِهِ فَقالَ: ائْتُونِي بِالرَّجُلِ، قالَ: ماذا قُلْتَ؟ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ سُلَيْمانُ: إنِّي خَشِيتُ عَلَيْكَ الفِتْنَةَ، لَثَوابُ (سُبْحانَ اللَّهِ) عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِمّا رَأيْتَ آلَ داوُدَ أُوتُوا، فَقالَ الحَرّاثُ: أذْهَبَ اللَّهُ تَعالى هَمَّكَ كَما أذْهَبْتَ هَمِّي. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَزَلَ ومَشى إلى الحَرّاثِ وقالَ: إنَّما مَشَيْتُ إلَيْكَ؛ لِئَلّا تَتَمَنّى ما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: لَتَسْبِيحَةٌ واحِدَةٌ يَقْبَلُها اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ مِمّا أُوتِيَ آلُ داوُدَ. وأكْثَرُ الأخْبارِ في هَذا الشَّأْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، فَعَلَيْكَ بِالإيمانِ بِما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ، وإيّاكَ مِنَ الِانْتِصارِ لِما لا صِحَّةَ لَهُ مِمّا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ القُصّاصِ والمُؤَرِّخِينَ، مِمّا فِيهِ مُبالَغاتٌ شَنِيعَةٌ بِمُجَرَّدِ أنَّها أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ، يَصِحُّ تَعَلُّقُ قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِها فَتَفْتَحَ بِذَلِكَ بابَ السُّخْرِيَةِ بِالدِّينِ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ ما تَضَمَّنَ مِثْلُ ذَلِكَ مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ، يُرِيدُونَ بِهِ التَّنْفِيرَ عَنْ دِينِ الإسْلامِ.

النمل 27:18

﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، ومَعَ ذَلِكَ هي غايَةٌ لِما قَبْلَها وهي هاهُنا غايَةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مِنَ السَّيْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَسارُوا حَتّى إذا أتَوْا إلَخْ، ووادِي النَّمْلِ وادٍ بِأرْضِ الشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ - وقالَ كَعْبٌ: هو وادِي السَّدِيرِ مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: وادٍ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ، مَذْكُورٌ في أشْعارِها، وقِيلَ: هو وادٍ تَسْكُنُهُ الجِنُّ والنَّمْلُ مَراكِبُهُمْ، وهَذا عِنْدِي مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِكَلِمَةِ عَلى - مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أوْ بِإلى - إمّا لِأنَّ إتْيانَهم كانَ مِن جانِبٍ عالٍ فَعُدِّيَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ولَشَدَّما جاوَزْتَ قَدْرَكَ صاعِدًا ولَشَدَّما قَرُبَتْ عَلَيْكَ الأنْجُمُ لِما كانَ قُرْبُ الأنْجُمِ - وإنْ أرادَ بِها أبْياتَ شِعْرِهِ - مِن فَوْقُ. وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالإتْيانِ عَلَيْهِ قَطْعُهُ وبُلُوغُ آخِرِهِ مِن قَوْلِهِمْ: أتى عَلى الشَّيْءِ إذا أنْفَدَهُ وبَلَغَ آخِرَهُ، ثُمَّ الإتْيانُ عَلَيْهِ - بِمَعْنى قَطْعِهِ - مَجازٌ عَنْ إرادَةِ ذَلِكَ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الحَطْمِ الآتِي وجْهٌ؛ إذْ لا مَعْنى لَهُ بَعْدَ قَطْعِ الوادِي الَّذِي فِيهِ النَّمْلُ ومُجاوَزَتِهِ، والظّاهِرُ - عَلى الوَجْهَيْنِ - أنَّهم أتَوْا عَلَيْهِ مُشاةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسِيرُونَ في الهَواءِ فَأرادُوا أنْ يَنْزِلُوا هُناكَ، فَأحَسَّتِ النَّمْلَةُ بِنُزُولِهِمْ، فَأنْذَرَتِ النَّمْلَ. ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ جَوابُ (إذا) والظّاهِرُ أنَّها صَوَّتَتْ بِما فَهِمَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهُ مَعْنى ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وهَذا كَما يَفْهَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أصْواتِ الطَّيْرِ ما يَفْهَمُ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُعَلَّمْ إلّا مَنطِقَ الطَّيْرِ؛ إمّا لِأنَّها كانَتْ مِنَ الطَّيْرِ ذاتَ جَناحَيْنِ، كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وهو وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، وكَمْ رَأيْنا نَمْلَةً لَها جَناحانِ تَطِيرُ بِهِما، وكَوْنُ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي عَدَّها مِنَ الطَّيْرِ مَحَلُّ نَظَرٍ. وإمّا لِأنَّ فَهْمَ ما ذُكِرَ وقَعَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ المَرَّةَ فَقَطْ، ولَمْ يَطَّرِدْ كَفَهْمِ أصْواتِ الطَّيْرِ، ولَيْسَ في الآيَةِ صفحة 176 السّابِقَةِ ولا في الأخْبارِ ما يَنْفِي فَهْمَ ما يَقْصِدُهُ غَيْرُ الطَّيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ بِدُونِ اطِّرادٍ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّها نَطَقَتْ بِذَلِكَ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما نَطَقَ الضَّبُّ والذِّراعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ مُقاتِلٌ: وقَدْ سَمِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّها أحَسَّتْ بِنُزُولِهِمْ مِن هَذِهِ المَسافَةِ، والسَّمْعُ مِن سُلَيْمانَ مِنها غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ الرِّيحَ - كَما جاءَ في الآثارِ - تُوصِلُ الصَّوْتَ إلَيْهِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وهَبَهُ إذْ ذاكَ قُوَّةً قُدْسِيَّةً سَمِعَ بِها، إلّا أنَّ إحْساسَ النَّمْلَةِ مِن تِلْكَ المَسافَةِ بَعِيدٌ، والمَشْهُورُ عِنْدَ العَرَبِ بِالإحْساسِ مِن بَعِيدٍ القُرادُ حَتّى ضَرَبُوا بِهِ المَثَلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرَرَ في إنْكارِ صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ. وقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا أصْلًا، وإنَّما فَهِمَ ما في نَفْسِ النَّمْلَةِ إلْهامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الكَلْبِيُّ: أخْبَرَهُ مَلَكٌ بِذَلِكَ،وإلى أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا يُشِيرُ قَوْلُ جَرِيرٍ: لَوْ كُنْتُ أُوتِيتُ كَلامَ الحُكْلِ ∗∗∗ عَلِمَ سُلَيْمانُ كَلامَ النَّمْلِ فَإنَّهُ أرادَ بِالحُكْلِ ما لا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّها لَمّا رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى الوادِي فَرَّتْ عَنْهم مَخافَةَ حَطْمِهِمْ فَتَبِعَها غَيْرُها، وصاحَتْ صَيْحَةً تَنَبَّهَتْ بِها ما بِحَضْرَتِها مِنَ النَّمْلِ فَتَبِعَتْها، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِمُخاطَبَةِ العُقَلاءِ ومُناصَحَتِهِمْ، ولِذَلِكَ أُجْرُوا مَجْراهم حَيْثُ جُعِلَتْ هي قائِلَةً وما عَداها مِنَ النَّمْلِ مَقُولًا لَهُ، فَيَكُونُ الكَلامُ خارِجَ مَخْرَجِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ومَن تَتَبَّعَ أحْوالَ النَّمْلِ لا يَسْتَبْعِدُ أنْ تَكُونَ لَهُ نَفْسٌ ناطِقَةٌ؛ فَإنَّهُ يَدَّخِرُ في الصَّيْفِ ما يَقْتاتُ بِهِ في الشِّتاءِ، ويَشُقُّ ما يَدَّخِرُهُ مِنَ الحُبُوبِ نِصْفَيْنِ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ النَّدى فَيَنْبُتَ، إلّا الكُزْبَرَةَ والعَدَسَ فَإنَّهُ يَقْطَعُ الواحِدَةَ مِنهُما أرْبَعَ قِطَعٍ، ولا يَكْتَفِي بِشَقِّها نِصْفَيْنِ؛ لِأنَّها تَنْبُتُ كَما تَنْبُتُ إذا لَمْ تُشَقَّ. وهَذا وأمْثالُهُ يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ كُلِّيٍّ اسْتِدْلالِيٍّ، وهو يَحْتاجُ إلى نَفْسٍ ناطِقَةٍ، وقَدْ بَرْهَنَ شَيْخُ الأشْرافِ عَلى ثُبُوتِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ، وظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارِ الصَّحِيحَةِ تَقْتَضِيهِ - كَما سَمِعْتُ قَدِيمًا وحَدِيثًا - فَلا حاجَةَ بِكَ إلى أنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ خَلَقَ في النَّمْلَةِ إذْ ذاكَ النُّطْقَ وفِيما عَداها مِنَ النَّمْلِ العَقْلَ والفَهْمَ، وأمّا اليَوْمُ فَلَيْسَ في النَّمْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ عِلْمَ النَّمْلَةِ بِأنَّ الآتِي هو سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجُنُودُهُ كانَ عَنْ إلْهامٍ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ كَعِلْمِ الضَّبِّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حِينَ تَكَلَّمَ مَعَهُ وشَهِدَ بِرِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والظّاهِرُ أيْضًا أنَّها كانَتْ كَسائِرِ النَّمْلِ في الجُثَّةِ، وفِيهِ اليَوْمَ ما يَقْرُبُ مِنَ الذُّبابَةِ ويُسَمّى بِالنَّمْلِ الفارِسِيِّ، وبالَغَ بَعْضُ القُصّاصِ في كِبَرِها، ولا يَصِحُّ لَهُ مُسْتَنَدٌ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّها كانَتْ عَرْجاءَ، واسْمُها طاخِيَةُ، وقِيلَ: جَرْمى، وفي البَحْرِ: اخْتَلَفَ في اسْمِها العِلْمُ ما لَفْظُهُ، ولَيْتَ شِعْرِي مَنِ الَّذِي وضَعَ لَها لَفْظًا يَخُصُّها أبَنُو آدَمَ أمِ النَّمْلُ؟! انْتَهى. والَّذِي يَذْهَبُ إلى أنَّ لِلْحَيَواناتِ نُفُوسًا ناطِقَةً لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ لَها أسْماءٌ وضَعَها بَعْضُها لِبَعْضٍ، لَكِنْ لا بِألْفاظٍ كَألْفاظِنا بَلْ بِأصْواتٍ تُؤَدّى عَلى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأداءِ، ولَعَلَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلٌّ مِنها يَقُومُ مَقامَ حَرْفٍ مِنَ الحُرُوفِ المَأْلُوفَةِ لَنا إذا أرادَ أنْ يُتَرْجِمَ عَنْها مَن عَرَفَها مِن ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ تَرْجَمَها بِما نَعْرِفُ، ويُقَرِّبُ هَذا لَكَ أنَّ بَعْضَ كَلامِ الإفْرِنْجِ وأشْباهِهِمْ لا نَسْمَعُ مِنهُ إلّا كَما نَسْمَعُ مِن أصْواتِ العَصافِيرِ ونَحْوِها، وإذا تُرْجِمَ لَنا بِما نَعْرِفُهُ ظَهَرَ مُشْتَمِلًا عَلى الحُرُوفِ المَأْلُوفَةِ. والظّاهِرُ أنَّ تاءَ (نَمْلَةٌ) لِلْوَحْدَةِ، فَتَأْنِيثُ الفِعْلِ لِمُراعاةِ ظاهِرِ التَّأْنِيثِ، فَلا دَلِيلَ في ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ كانَتْ أُنْثى، قالَهُ بَعْضُهم. صفحة 177 وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ، فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ - وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ - فَقالَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى؟ فَسَألُوهُ فَأفْحَمَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كانَتْ أُنْثى فَقِيلَ لَهُ: مِن أيْنَ عَرَفْتَ؟ فَقالَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: «قالَتْ نَمْلَةٌ» ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ سُبْحانَهُ: قالَ نَمْلَةٌ، وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوِ قَوْلِهِمْ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وهو وهِيَ، كَذا في الكَشّافِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: لا أدْرِي العَجَبَ مِنهُ أمْ مِن أبِي حَنِيفَةَ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ كالحَمامَةِ والشّاةِ تَقَعُ عَلى الذَّكَرِ وعَلى الأُنْثى؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَيُقالُ: نَمْلَةٌ ذَكَرٌ ونَمْلَةٌ أُنْثى، كَما يَقُولُونَ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وشاةٌ ذَكَرٌ وشاةٌ أُنْثى، فَلَفْظُها مُؤَنَّثٌ ومَعْناها مُحْتَمِلٌ، فَيُمْكِنُ أنْ تُؤَنَّثَ لِأجْلِ لَفْظِها - وإنْ كانَتْ واقِعَةً عَلى ذَكَرٍ - بَلْ هَذا هو الفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ، ألا تَرى قَوْلَهُ ﷺ: ««لا يُضَحّى بِعَوْراءَ ولا عَمْياءَ ولا عَجْفاءَ»» كَيْفَ أخْرَجَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى اللَّفْظِ مُؤَنَّثَةً، ولا يَعْنِي ﷺ الإناثَ مِنَ الأنْعامِ خاصَّةً، فَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: (قالَتْ نَمْلَةٌ) رُوعِيَ فِيهِ تَأْنِيثُ اللَّفْظِ، وأمّا المَعْنى فَيَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وكَيْفَ يَسْألُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذا ويُفْحِمُ بِهِ قَتادَةَ - مَعَ غَزارَةِ عِلْمِهِ - والأشْبَهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُما، اهـ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: التَّأْنِيثُ اللَّفْظِيُّ هو أنْ لا يَكُونَ بِإزائِهِ ذَكَرٌ في الحَيَوانِ كَظُلْمَةٍ وعَيْنٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ حَيَوانًا أوْ غَيْرَهُ كَدَجاجَةٍ وحَمامَةٍ - إذا قُصِدَ بِهِ مُذَكَّرٌ - فَإنَّهُ مُؤَنَّثٌ لَفْظِيٌّ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ النَّمْلَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ أُنْثى لِوُرُودِ تاءِ التَّأْنِيثِ في (قالَتْ) وهْمًا؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُذَكَّرًا في الحَقِيقَةِ، ووُرُودُ تاءِ التَّأْنِيثِ كَوُرُودِها في الفِعْلِ المُؤَنَّثِ اللَّفْظِيِّ نَحْوُ (جاءَتِ الظُّلْمَةُ). وأجابَ بَعْضُ فُضَلاءِ ما وراءَ النَّهْرِ وقالَ: لَعَمْرِي إنَّهُ قَدْ تَعَسَّفَ هاهُنا ابْنُ الحاجِبِ وتَرَكَ الواجِبَ، حَيْثُ اعْتَرَضَ عَلى إمامِ أهْلِ الإسْلامِ، واعْتِراضُهُ بِقَوْلِهِ: ووُرُودُ تاءِ التَّأْنِيثِ كَوُرُودِها ... إلَخْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَوْ كانَ جائِزًا أنْ يُؤْتى بِتاءِ التَّأْنِيثِ في الفِعْلِ لِمُجَرَّدِ صُورَةِ التَّأْنِيثِ في الفاعِلِ المُذَكَّرِ الحَقِيقِيِّ لَكانَ يَنْبَغِي جَوازُ أنْ يُقالَ: (جاءَتْنِي طَلْحَةُ ) مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وجَوابُهُ عَنْ ذَلِكَ في شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ كَتَأْنِيثِ أسْماءِ الأعْلامِ؛ فَإنَّها لا يُعْتَبَرُ فِيها إلّا المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، والسِّرُّ فِيهِ هو أنَّهم نَقَلُوها عَنْ مَعانِيها إلى مَدْلُولٍ آخَرَ فاعْتَبَرُوا فِيها المَدْلُولَ الثّانِيَ، ولَوِ اعْتَبَرُوا تَأْنِيثَها لَكانَ اعْتِبارًا لِلْمَدْلُولِ الأوَّلِ فَيَفْسَدُ المَعْنى، فَلِذَلِكَ لا يُقالُ: أعْجَبَتْنِي طَلْحَةُ - تَناقُضٌ مَحْضٌ، كَأنَّهُ نَسِيَ ما أمْضى في صَدْرِ كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ: فَإنْ سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ فَشَرْطُهُ الزِّيادَةُ، يَعْنِي فَإنَّ سُمِّيَ بِالمُؤَنَّثِ المَعْنَوِيِّ فَشَرْطُهُ الزِّيادَةُ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ، فَلا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ أنَّ عَقْرَبَ - مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ لِلْعَلَمِيَّةِ - لا تَمْنَعُها عَنِ اعْتِبارِ تَأْنِيثِها حَتّى تُمْنَعَ مِنَ الصَّرْفِ فَكَيْفَ تَمْنَعُ العَلَمِيَّةُ عَنِ اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ في طَلْحَةَ - مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ فِيهِ لَفْظِيَّةٌ - فَإذَنْ لَيْسَ طَرْحُ التّاءِ عَنِ الفِعْلِ إلّا لِأنَّ التّاءَ إنَّما يُجاءُ بِها عَلامَةً لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، والفاعِلُ هاهُنا مُذَكَّرٌ حَقِيقِيٌّ، فَكَذا النَّمْلَةُ لَوْ كانَ مُذَكَّرًا لَكانَ هو مَعَ ( طَلْحَةَ ) حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ. ويَنْصُرُ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: هَذا بَطَّةٌ ذَكَرٌ، وهَذا حَمامَةٌ ذَكَرٌ، وهَذا شاةٌ إذا عَنَيْتَ كَبْشًا، وهَذا بَقَرَةٌ إذا عَنَيْتَ ثَوْرًا، فَإنْ عَنَيْتَ بِهِ أُنْثى قُلْتَ: هَذِهِ بَقَرَةٌ اهـ. وارْتَضاهُ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَظَهَرَ أنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حَذامِ، والمَذْهَبَ ما سَلَكَهُ الإمامُ. وفِي الكَشْفِ صفحة 178 أنَّ التّاءَ في نَمْلَةٍ لِلْوَحْدَةِ، فَهي في حُكْمِ المُؤَنَّثِ اللَّفْظِيِّ جازَ أنْ تُعامَلَ مُعامَلَتَهُ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ عَلى ما نُصَّ عَلَيْهِ في المُفَصَّلِ، ولا يُشْكَلُ بِنَحْوِ ( طَلْحَةَ ) حَيْثُ لَمْ يُجَزْ إلْحاقُ فِعْلِهِ التّاءَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ يُعْتَبَرُ فِيها المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ، ولا نَقْضَ بِاعْتِبارِ التَّأْنِيثِ في (عَقْرَبَ) إنْ سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ، ولا في ( طَلْحَةَ ) نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ مَنعِ الصَّرْفِ، عَلى ما ظَنَّهُ بَعْضُ فُضَلاءِ ما وراءِ النَّهْرِ. وصَوَّبَهُ شَيْخُنا الطِّيبِيُّ؛ لِأنَّ اعْتِبارَ المَعْنى هو فِيما يَرْجِعُ إلى المَعْنى لا فِيما يَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ، وإلْحاقُ العَلامَةِ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ وإمّا لِشِبْهِ التَّأْنِيثِ مِنَ الوَحْدَةِ أوِ الجَمْعِيَّةِ ونَحْوِها، فَإذا لَمْ يَبْقَ المَعْنى - أعْنِي التَّأْنِيثَ وشِبْهَ التَّأْنِيثِ - فَلا وجْهَ لِلْإلْحاقِ. وأمّا مَنعُ الصَّرْفِ فَلا نَظَرَ فِيهِ إلى مَعْنى التَّأْنِيثِ، بَلْ إلى هَذِهِ الزِّيادَةِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، وذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ في المَنقُولِ والمَنقُولِ عَنْهُ، وكَفاكَ دَلِيلًا لِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وحْدَهُ في هَذا الحُكْمِ تَفْرِقَتُهم في (سَقَرَ) بَيْنَ تَسْمِيَةِ المُذَكَّرِ بِهِ والمُؤَنَّثِ دُونَ (عَقْرَبَ) فَلَوْ تَأمَّلَ المُناقِضُ لَكانَ ما أوْرَدَهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، هَذا، وإنَّ الإمامَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – كُوفِيٌّ، والقاعِدَةُ عَلى أصْلِهِ مَهْدُومَةٌ، انْتَهى، وهو كَلامٌ مَتِينٌ. والحَزْمُ القَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، فَأبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَن عَرَفْتَ - وإنْ كانَ إذْ ذاكَ غُلامًا حَدَثًا - وقَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ السَّدُوسِيُّ - بِإجْماعِ العارِفِينَ بِالرِّجالِ - كانَ بَصِيرًا بِالعَرَبِيَّةِ، فَيَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ وُقُوعُ ما ذُكِرَ مِنهُما، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والحَطْمُ الكَسْرُ، والمُرادُ بِهِ الإهْلاكُ، والنَّهْيُ في الظّاهِرِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وجُنُودِهِ، وهو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِلنَّمْلِ عَنِ التَّوَقُّفِ حَتّى تُحْطَمَ؛ لِأنَّ الحَطْمَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَها، نَحْوُ قَوْلِكَ: لا أرَيْنَكَ هاهُنا، فَإنَّهُ في الظّاهِرِ نَهْيٌ لِلْمُتَكَلِّمِ عَنْ رُؤْيَةِ المُخاطَبِ، والمَقْصُودُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ الكَوْنِ بِحَيْثُ يَراهُ المُتَكَلِّمُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ . وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إذا كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنِ التَّوَقُّفِ حَتّى تُحْطَمَ يَحْصُلُ الِاتِّحادُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وعَلى ما ذُكِرَ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ اعْتِراضُ أبِي حَيّانَ عَلى وجْهِ الإبْدالِ بِاخْتِلافِ مَدْلُولَيِ الجُمْلَتَيْنِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ (لا يَحْطِمَنَّكُمْ) جَوابًا لِلْأمْرِ، أعْنِي (ادْخُلُوا) و(لا) حِينَئِذٍ نافِيَةٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ دُخُولَ النُّونِ في جَوابِ الشَّرْطِ مَخْصُوصٌ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: مَهْما تَشَأْ مِنهُ فَزارَةُ تُعْطَهُ ∗∗∗ ومَهْما تَشَأْ مِنهُ فَزارَةُ يَمْنَعا وفِي الكِتابِ: وهو قَلِيلٌ في الشِّعْرِ، شَبَّهُوهُ بِالنَّهْيِ حَيْثُ كانَ مَجْزُومًا غَيْرَ واجِبٍ، وأرادَتِ النَّمْلَةُ - عَلى ما في الكَشّافِ - لا يَحْطِمَنَّكم جُنُودُ سُلَيْمانَ فَجاءَتْ بِما هو أبْلَغُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: عَجِبْتُ مِن نَفْسِي ومِن إشْفاقِها، حَيْثُ أرادَ عَجِبْتُ مِن إشْفاقِ نَفْسِي، فَجاءَ بِما هو أبْلَغُ لِلْإجْماعِ والتَّفْصِيلِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ القَوْلَ بِزِيادَةِ الأسْماءِ وهي لا تَجُوزُ، بَلِ الظّاهِرُ إسْنادُ الحَطْمِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلى جُنُودِهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: خَيْلُ سُلَيْمانَ وجُنُودُهُ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وجُمْلَةُ ( وهم لا يَشْعُرُونَ ) حالٌ مِن مَجْمُوعِ المُتَعاطِفَيْنِ، والضَّمِيرُ لَهُما. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الجُنُودِ، والضَّمِيرُ لَهُمْ، وأيًّا ما كانَ فَفي تَقْيِيدِ الحَطْمِ بِعَدَمِ الشُّعُورِ بِمَكانِهِمُ - المُشْعِرِ بِأنَّهُ لَوْ شَعَرُوا بِذَلِكَ لَمْ يَحْطِمُوا - ما يُشْعِرُ بِغايَةِ أدَبِ النَّمْلَةِ مَعَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجُنُودِهِ، ولَيْتَ مَن طَعَنَ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - تَأسّى بِها، فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وأحْسَنَ الأدَبَ. ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ صفحة 179 - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ قَوْلَ النَّمْلَةِ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ﴾ إلَخْ قالَ: ائْتُونِي بِها، فَأتَوْا بِها، فَقالَ: لِمَ حَذَّرْتِ النَّمْلَ ظُلْمِي؟! أما عَلِمْتِ أنِّي نَبِيٌّ عَدْلٌ؟! فَلِمَ قُلْتِ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ ؟! فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ قَوْلِي: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ومَعَ ذَلِكَ إنِّي لَمْ أُرِدْ حَطْمَ النُّفُوسِ، وإنَّما أرَدْتُ حَطْمَ القُلُوبِ، خَشِيتُ أنْ يَرَوْا ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْكَ مِنَ الجاهِ والمُلْكِ العَظِيمِ فَيَقَعُوا في كُفْرانِ النِّعَمِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَشْتَغِلُوا بِالنَّظَرِ إلَيْكَ عَنِ التَّسْبِيحِ، فَقالَ لَهاسُلَيْمانُ: عِظِينِي، فَقالَتْ: أعَلِمْتَ لِمَ سُمِّيَ أبُوكَ داوُدَ ؟! قالَ: لا، قالَتْ: لِأنَّهُ داوى جِراحَةَ قَلْبِهِ، وهَلْ تَدْرِي لِمَ سُمِّيتَ سُلَيْمانَ ؟! قالَ: لا، قالَتْ: لِأنَّكَ سَلِيمُ القَلْبِ والصَّدْرِ، ثُمَّ قالَتْ: أتَدْرِي لِمَ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ الرِّيحَ؟ قالَ: لا، قالَتْ: أخْبَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها رِيحٌ، فَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَيْها فَكَأنَّما اعْتَمَدَ عَلى الرِّيحِ. وهَذا ظاهِرُ الوَضْعِ - كَما لا يَخْفى - وفِيهِ ما يُشْبِهُ كَلامَ الصُّوفِيَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ما رُوِيَ مِن أنَّها أهْدَتْ إلَيْهِ نَبْقَةً، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لِلنَّمْلِ بِالبَرَكَةِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ( هم لا يَشْعُرُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّمْلَةِ، والضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أتَوْا﴾ وهي مِن كَلامِهِ تَعالى، أيْ: قالَتْ ذَلِكَ في حالِ كَوْنِ الجُنُودِ لا يَشْعُرُونَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ يَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى مُقَدَّرٍ، وهي مِن كَلامِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَأنَّهُ قِيلَ: فَهِمَ سُلَيْمانُ ما قالَتْ والجُنُودُ لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ، ومُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، وأبُو سُلَيْمانَ التَّيْمِيُّ (نَمُلَةٌ) بِضَمِّ المِيمِ كَسَمُرَةَ، وكَذَلِكَ النَّمُلُ كالرَّجْلِ والرَّجُلِ لُغَتانِ، وعَنْ أبِي سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ (نُمُلَةٌ) و(نُمُلٌ) بِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ، وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ «مَسْكَنَكَمُ» عَلى الإفْرادِ، وعَنْ أُبَيٍّ «أدْخِلْنَ مَساكِنَكُنَّ لا يَحْطِمَنكُنَّ» مُخَفَّفَةَ النُّونِ الَّتِي قَبْلَ الكافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ الكُوفِيُّ، ونُوحٌ القاضِي بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ الطّاءِ والنُّونِ مُضارِعَ (حَطَّمَ) مُشَدَّدًا. وعَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الحاءِ وشَدِّ الطّاءِ، وعَنْهُ كَذَلِكَ مَعَ كَسْرِ الحاءِ، وأصْلُهُ (يَحْتَطِمَنَّكُمْ) مِنَ الِاحْتِطامِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عُبَيْدٍ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا نُونَ التَّأْكِيدِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ وجَزْمِ المِيمِ، ولا خِلافَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في جَوازِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ.

النمل 27:19

﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، أيْ: فَسَمِعَها فَتَبَسَّمَ، وجُعِلَ الفاءُ فَصِيحَةً كَما قِيلَ. ولَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما تَبَسَّمَ مِن ذَلِكَ سُرُورًا بِما أُلْهِمَتْ مِن حُسْنِ حالِهِ وحالِ جُنُودِهِ في بابِ التَّقْوى والشَّفَقَةِ، وابْتِهاجًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ ما هو هَمْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، وفَهْمِ مُرادِها مِنهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها وتَحْذِيرِها واهْتِدائِها إلى تَدْبِيرِ مَصالِحِها ومَصالِحِ بَنِي نَوْعِها، والأوَّلُ أظْهَرُ مُناسَبَةً لِما بَعْدُ مِنَ الدُّعاءِ. وانْتُصِبَ (ضاحِكًا) عَلى الحالِ، أيْ شارِعًا في الضَّحِكِ، أعْنِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ التَّبَسُّمِ إلى الضَّحِكِ، أوْ مُقَدِّرَ الضَّحِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، كَما نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهو يَقْتَضِي كَوْنَ التَّبَسُّمِ والضَّحِكِ بِمَعْنًى، والمَعْرُوفُ الفَرْقُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: التَّبَسُّمُ مَبادِئُ الضَّحِكِ مِن غَيْرِ صَوْتٍ، والضَّحِكُ انْبِساطُ الوَجْهِ حَتّى تَظْهَرَ الأسْنانُ مِنَ السُّرُورِ مَعَ صَوْتٍ خَفِيٍّ، فَإنْ كانَ فِيهِ صَوْتٌ صفحة 180 يُسْمَعُ مِن بُعْدٍ فَهو القَهْقَهَةُ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى اتِّحادِ التَّبَسُّمِ والضَّحِكِ خَصَّ ذَلِكَ بِما كانَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَإنَّ ضَحِكَهم تَبَسُّمٌ، وقَدْ قالَ البُوصِيرِيُّ في مَدْحِ نَبِيِّنا ﷺ: سَيِّدٌ ضَحِكُهُ التَّبَسُّمُ والمَـ شْيُ الهُوَيْنا ونَوْمُهُ الإغْفاءُ ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها قالَتْ: ما رَأيْتُهُ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضاحِكًا، أيْ: مُقْبِلًا عَلى الضَّحِكِ بِكُلِّيَّتِهِ إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الأحادِيثِ أنَّ تَبَسُّمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أكْثَرُ مِن ضَحِكِهِ، ورُبَّما ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، وكَوْنُهُ ضَحِكَ كَذَلِكَ مَذْكُورٌ في حَدِيثِ: ««آخِرُ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها وأهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ»» وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وكَذا في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في المَواقِعِ أهْلَهُ في رَمَضانَ، ولَيْسَ في حَدِيثِ عائِشَةَ السّابِقِ أكْثَرُ مِن نَفْيِها رُؤْيَتَها إيّاهُ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا، وهو لا يُنافِي وُقُوعَ الضَّحِكِ مِنهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، حَيْثُ لَمْ تَرَهُ. وأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ ﷺ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ بِأنَّ الغَرَضَ مِنهُ المُبالَغَةُ في وصْفِ ما وُجِدَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الضَّحِكِ النَّبَوِيِّ، ولَيْسَ هُناكَ ظُهُورُ النَّواجِذِ - وهي أواخِرُ الأضْراسِ - حَقِيقَةً، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ: (فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها) بَلْ جاءَ - جَلَّ وعَلا - بِـ(ضاحِكًا) نَصْبًا عَلى الحالِ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ التَّجاوُزَ إلى الضَّحِكِ، بِناءً عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ قَيْدٌ إفادَةُ القَيْدِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِقُوَّةِ تَأْثِيرِ قَوْلِها فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أدّاهُ ما عَراهُ مِنهُ إلى أنَّ تَجاوَزَ حَدَّ التَّبَسُّمِ آخِذًا في الضَّحِكِ، ولَمْ يَكُنْ حالُهُ التَّبَسُّمَ فَقَطْ. وكَأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ: (فَضَحِكَ مِن قَوْلِها) في إفادَةِ ما ذَكَرْنا مِثْلَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لَمْ يُؤْتَ بِهِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ لَمّا كانَ التَّبَسُّمُ يَكُونُ لِلِاسْتِهْزاءِ ولِلْغَضَبِ - كَما يَقُولُونَ: تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الغَضْبانِ وتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُسْتَهْزِئِ - وكانَ الضَّحِكُ إنَّما يَكُونُ لِلسُّرُورِ والفَرَحِ أتى سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (ضاحِكًا) لِبَيانِ أنَّ التَّبَسُّمَ لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً ولا غَضَبًا، انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ دَعْوى أنَّ الضَّحِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلسُّرُورِ والفَرَحِ يُكَذِّبُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ فَإنَّ هَذا الضَّحِكَ كانَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ اسْتِهْزاءً بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وغَيْرِهِمْ، كَما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ولَمْ يَكُنْ لِلسُّرُورِ والفَرَحِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ كَما هو الظّاهِرُ. وإنْ هَرِعْتَ إلى التَّأْوِيلِ قُلْنا: الواقِعُ يُكَذِّبُها، فَإنْ أنْكَرْتَ ضَحِكَ مِنكَ أُولُو الألْبابِ، وفِيهِ أيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى صَوْبِ الصَّوابِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ «ضَحِكًا» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، نَحْوُ شُكْرًا في قَوْلِكَ: (حَمِدَ شُكْرًا). ﴿وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ أيِ: اجْعَلْنِي أزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، أيْ: أكُفُّهُ وأرْتَبِطُهُ لا يَنْفَلِتُ عَنِّي، وهو مَجازٌ عَنْ مُلازَمَةِ الشُّكْرِ والمُداوَمَةِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ اجْعَلْنِي مُداوِمًا عَلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وهَمْزَةُ (أوْزِعْ) لِلتَّعْدِيَةِ، ولا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ (رَبِّ يَسِّرْ لِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ وازِعًا) إيّاهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: اجْعَلْنِي أشْكُرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: حَرِّضْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: أوْلِعْنِي. وقالَ الزَّجّاجُ - فِيما قِيلَ – أيْ: ألْهِمْنِي. وتَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ: كُفَّنِي عَنِ الأشْياءِ الَّتِي تُباعِدُنِي عَنْكَ. قالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلى هَذا هو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ؛ فَإنَّهُ طَلَبَ أنْ يَكُفَّهُ عَمّا يُؤَدِّي إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ بِأنْ يُلْهِمَهُ ما بِهِ تَقَيُّدُ النِّعْمَةِ مِنَ الشُّكْرِ. وإضافَةُ النِّعْمَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: جَمِيعَ نِعَمِكَ. وقُرِئَ صفحة 181 «أوْزِعَنِيَ» بِفَتْحِ الياءِ. ﴿الَّتِي أنْعَمْتَ﴾ أيْ أنْعَمْتَها، وأصْلُهُ أنْعَمْتَ بِها إلّا أنَّهُ اعْتُبِرَ الحَذْفُ والإيصالُ لِفَقْدِ شَرْطِ حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ، وهو أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلَّقًا، ومَن لا يَقُولُ بِاطِّرادِ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُ ما ذُكِرَ، ولا أرى فِيهِ بَأْسًا. ﴿عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أُدْرِجَ ذِكْرُ والِدَيْهِ تَكْثِيرًا لِلنِّعْمَةِ؛ فَإنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِما إنْعامٌ عَلَيْهِ مِن وجْهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلشُّكْرِ، أوْ تَعْمِيمًا لَها؛ فَإنَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَرْجِعُ نَفْعُها إلَيْهِما، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، واقْتُصِرَ عَلى الثّانِي في الكَشّافِ وهو أوْفَقُ بِالشُّكْرِ. وكَوْنُ الدُّعاءِ المَذْكُورِ بَعْدَ وفاةِ والِدَيْهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَطْعًا، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ إلَخْ، فَتَدَبَّرْ، فَإنَّهُ دَقِيقٌ. ( وأنْ أعْمَلَ صالِحًا ) عَطْفٌ عَلى ( أنْ أشْكُرَ ) فَيَكُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ طَلَبَ جَعْلَهُ مُداوِمًا عَلى عَمَلِ العَمَلِ الصّالِحِ أيْضًا، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِالشُّكْرِ الشُّكْرَ بِاللِّسانِ المُسْتَلْزِمَ لِلشُّكْرِ بِالجَنانِ، وأرْدَفَهُ بِما ذُكِرَ تَتْمِيمًا لَهُ؛ لِأنَّ عَمَلَ الصّالِحِ شُكْرٌ بِالأرْكانِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ أوَّلًا شَيْئًا خاصًّا وهو شُكْرُ النِّعْمَةِ، وثانِيًا شَيْئًا عامًّا وهو عَمَلُ الصّالِحِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْضاهُ﴾ قِيلَ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ مُخَصِّصَةٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ كَمالُ الرِّضا، واخْتِيرَ كَوْنُهُ صِفَةً مُخَصِّصَةً، والمُرادُ بِالرِّضا القَبُولُ، وهو لَيْسَ مِن لَوازِمِ العَمَلِ الصّالِحِ أصْلًا لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في جُمْلَتِهِمْ. والكَلامُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الجَنَّةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ(أدْخِلْنِي) وعَلى كَوْنِهِ كِنايَةً لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، والدّاعِي لِأحَدِ الأمْرَيْنِ - عَلى ما قِيلَ - دَفْعُ التَّكْرارِ مَعَ ما قَبْلُ؛ لِأنَّهُ إذا عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا كانَ مِنَ الصّالِحِينَ البَتَّةَ إذْ لا مَعْنى لِلصّالِحِ إلّا العامِلُ عَمَلًا صالِحًا، وأرْدَفَ طَلَبَ المُداوَمَةِ عَلى عَمَلِ الصّالِحِ بِطَلَبِ إدْخالِهِ الجَنَّةَ لِعَدَمِ اسْتِلْزامِ العَمَلِ الصّالِحِ بِنَفْسِهِ إدْخالَ الجَنَّةِ. فَفِي الخَبَرِ: ««لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ»». وكَأنَّ في ذِكْرِ (بِرَحْمَتِكَ) في هَذا الدُّعاءِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، ولا يَأْبى ما ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ سَبَبِيَّةَ العَمَلِ لِلْإيراثِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّ نَفْسَهُ غَيْرَ صالِحٍ تَواضُعًا، أيْ: فَلا يُحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ ولا إلى نَظْمِ الكَلامِ في سِلْكِ الكِنايَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَدْفَعُ السُّؤالَ بِإغْناءِ الدُّعاءِ بِالمُداوَمَةِ عَلى عَمَلِ الصّالِحِ عَنْهُ. وقِيلَ: المُرادُ أنْ يَجْعَلَهُ سُبْحانَهُ في عِدادِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويُثْبِتَ اسْمَهُ مَعَ أسْمائِهِمْ، ولا يَعْزِلَهُ عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ الَّذِي هو مِنحَةٌ إلَهِيَّةٌ لا تُنالُ بِالأعْمالِ، ولِذا ذَكَرَ الرَّحْمَةَ في البَيْنِ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُلَوِّحُ بِهَذا المَعْنى. وقِيلَ: المُرادُ: أدْخِلْنِي في عِدادِ الصّالِحِينَ، واجْعَلْنِي أذْكُرُ مَعَهم إذا ذَكَرُوا، وحاصِلُهُ طَلَبُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ الَّذِي لا يَسْتَلْزِمُهُ عَمَلُ الصّالِحِ؛ إذْ قَدْ يَتَحَقَّقُ مِن شَخْصٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا يَعُدُّهُ النّاسُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. وفِي هَذا الدُّعاءِ شَمَّةٌ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ومَقاصِدُ الأنْبِياءِ في مِثْلِ ذَلِكَ أُخْرَوِيَّةٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ بِعَمَلِ الصّالِحِ القِيامَ بِحُقُوقِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأرادَ بِالصَّلاحِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ القِيامَ بِحُقُوقِهِ تَعالى وحُقُوقِ عِبادِهِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. وتَعْيِينُ ما هو الأوْلى مِن هَذِهِ الأقْوالِ مُفَوَّضٌ إلى فِكْرِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي، وكانَ دُعاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ بَعْدَ صفحة 182 أنْ دَخَلَ النَّمْلُ مَساكِنَهُنَّ. قالَ في الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّ النَّمْلَةَ أحَسَّتْ بِصَوْتِ الجُنُودِ ولا تَعْلَمُ أنَّهم في الهَواءِ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرِّيحَ فَوَقَفَتْ؛ لِئَلّا يُذْعَرْنَ حَتّى دَخَلْنَ مَساكِنَهُنَّ ثُمَّ دَعا بِالدَّعْوَةِ.

النمل 27:20

﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ أيْ: أرادَ مَعْرِفَةَ المَوْجُودِ مِنها مِن غَيْرِهِ، وأصْلُ التَّفَقُّدِ مَعْرِفَةُ الفَقْدِ، والظّاهِرُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفَقَّدَ كُلَّ الطَّيْرِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ العِنايَةُ بِأُمُورِ المُلْكِ والِاهْتِمامُ بِالرَّعايا، لا سِيَّما الضُّعَفاءُ مِنها، قِيلَ: وكانَ يَأْتِيهِ مِن كُلِّ صِنْفٍ واحِدٌ فَلَمْ يَرَ الهُدْهُدَ، وقِيلَ: كانَتِ الطَّيْرُ تُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، وكانَ الهُدْهُدُ يَسْتُرُ مَكانَهُ الأيْمَنَ، فَمَسَّتْهُ الشَّمْسُ فَنَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَرَهُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَزَلَ بِمَفازَةٍ لا ماءَ فِيها، وكانَ الهُدْهُدُ يَرى الماءَ في باطِنِ الأرْضِ، فَيُخْبِرُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ، فَيَأْمُرُ الجِنَّ فَتُسْلَخُ الأرْضُ عَنْهُ في ساعَةٍ كَما تُسْلَخُ الشّاةُ، فاحْتاجُوا إلى الماءِ، فَتَفَقَّدَ لِذَلِكَ الطَّيْرَ فَلَمْ يَرَ الهُدْهُدَ. ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ وهو طائِرٌ مَعْرُوفٌ مُنْتِنٌ، يَأْكُلُ الدَّمَ - فِيما قِيلَ - ويُكَنّى بِأبِي الأخْبارِ، وأبِي الرَّبِيعِ، وأبِي ثُمامَةَ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ الدَّمِيرِيُّ، وتَصْغِيرُهُ عَلى القِياسِ هُدَيْهِدٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ في تَصْغِيرِهِ: هُداهِدٌ بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وأنْشَدُوا: كَهُداهِدٍ كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَهُ ونَظِيرُ ذَلِكَ دُوابَّةٌ وشُوابَّةٌ في دُوَيْبَّةٍ وشُوَيْبَّةٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ ظَنَّ حُضُورَهُ ومَنَعَ مانِعٌ لَهُ مِن رُؤْيَتِهِ، أيْ: عَدَمُ رُؤْيَتِي إيّاهُ - مَعَ حُضُورِهِ - لِأيِّ سَبَبٍ ألِساتِرٍ أمْ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: ﴿أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ كَما في قَوْلِهِمْ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَقْصِدُ الكَلامِ: الهُدْهُدُ غابَ، ولَكِنَّهُ أخَذَ اللّازِمَ مِن مَغِيبِهِ وهو أنْ لا يَراهُ، فاسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ عَنِ اللّازِمِ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ما لِيَ) نابَ مَنابَ الهَمْزَةِ الَّتِي تَحْتاجُها (أمِ) انْتَهى. وظاهِرُهُ أنَّ (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والهَمْزَةَ قائِمَةٌ مَقامَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ: أغابَ عَنِّي الآنَ فَلَمْ أرَهُ حالَ التَّفَقُّدِ أمْ كانَ مِمَّنْ غابَ قَبْلُ ولَمْ أشْعُرْ بِغَيْبَتِهِ، والحَقُّ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ، والأصْلُ ما لِلْهُدْهُدِ لا أراهُ؟ ولا يَخْفى أنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى ادِّعاءِ ذَلِكَ. نَعَمْ، قِيلَ: هو أوْفَقُ بِكَوْنِ التَّفَقُّدِ لِلْعِنايَةِ، وذُكِرَ أنَّ اسْمَ هَذا الهُدْهُدِ يَعْفُورُ، وكَوْنُ الهُدْهُدِ يَرى الماءَ تَحْتَ الأرْضِ رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ قالَ ذَلِكَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ - كَعادَتِهِ - بِأنَّهُ كَيْفَ ذاكَ والهُدْهُدُ يُنْصَبُ لَهُ الفَخُّ، ويُوضَعُ فِيهِ الحَبَّةُ، وتُسْتَرُ بِالتُّرابِ فَيُصْطادُ؟! فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إنَّ البَصَرَ يَنْفَعُ ما لَمْ يَأْتِ القَدْرُ، فَإذا جاءَ القَدَرُ حالَ دُونَ البَصَرِ، فَقالَ ابْنُ الأزْرَقِ: لا أُجادِلُكَ بَعْدَها بِشَيْءٍ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ يَرى الحَبَّةَ أيْضًا إلّا أنَّهُ لا يَعْرِفُ أنَّ التِقاطَها مِنَ الفَخِّ يُوجِبُ اصْطِيادَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ الطُّيُورِ وسائِرِ الحَيَواناتِ يُصْطادُ بِما يَراهُ بِنَوْعِ حِيلَةٍ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَراها ويَعْرِفَ المَكِيدَةَ في وضْعِها إلّا أنَّ القَدَرَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ يَنْجُو إذا التَقَطَها بِأحَدِ وُجُوهٍ يَتَخَيَّلُها، فَيَكُونُ نَظِيرَ مَن يَخُوضُ المَهالِكَ لِظَنِّ النَّجاةِ - مَعَ مُشاهَدَةِ هَلاكِ الكَثِيرِ مِمَّنْ خاضَها قَبْلَهُ - وإذا أرادَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ أمْرًا سَلَبَ مِن ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهم. نَعَمْ، إنَّ رُؤْيَتَهُ الماءَ تَحْتَ الأرْضِ - وإنَّ جازَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أُصُولُ الأشاعِرَةِ - أمْرٌ يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ جِدًّا، ولا جَزْمَ لِي بِصِحَّةِ الخَبَرِ السّابِقِ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ صفحة 183 مَحْكُومٌ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ بِما تَعْلَمُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ سَلامٍ، وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها في هَذا الشَّأْنِ، ولَيْسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، بَلِ الظّاهِرُ - بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ حالُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ التَّفَقُّدَ كانَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنايَةً بِأُمُورِ مُلْكِهِ، واهْتِمامًا بِضُعَفاءِ جُنْدِهِ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْرَجَ كَلامَهُ - كَما حَكاهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ - لِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ ما أهْلَكَهُ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ مَعَ التَّفَقُّدِ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ صِفَتَيِ الجَمالِ والجَلالِ، وهو الأكْمَلُ في شَأْنِ المُلُوكِ، ولَعَلَّ ما وقَعَ مِن حَدِيثِ النَّمْلَةِ كانَ كالحالَةِ المُذَكِّرَةِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلتَّفَقُّدِ. وعَلى ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ سَلامٍ أنَّ الحالَةَ المُذَكِّرَةَ بَلِ الدّاعِيَةَ هي النُّزُولُ في المَفازَةِ الَّتِي لا ماءَ فِيها، وكَوْنُ الهُدْهُدِ قُناقِنَهُ، ويَحْكُونَ في ذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ تَمَّ لَهُ بِناءُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَجَهَّزَ لِيَحُجَّ بِحَشْرِهِ فَوافى الحَرَمَ، وأقامَ بِهِ ما شاءَ، وكانَ يُقَرِّبُ كُلَّ يَوْمٍ - طُولَ مَقامِهِ - خَمْسَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، وخَمْسَةَ آلافِ ناقَةٍ، وعِشْرِينَ ألْفَ شاةٍ، وقالَ لِأشْرافِ مَن مَعَهُ: إنَّ هَذا مَكانٌ يَخْرُجُ مِنهُ نَبِيٌّ عَرَبِيٌّ، صِفَتُهُ كَذا وكَذا، يُعْطى النَّصْرَ عَلى مَن عَداهُ، ويُنْصَرُ بِالرُّعْبِ مِن مَسِيرَةِ شَهْرٍ، القَرِيبُ والبَعِيدُ عِنْدَهُ سَواءٌ في الحَقِّ، لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، قالُوا: فَبِأيِّ دِينٍ يَدِينُ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقالَ: بِدِينِ الحَنِيفِيَّةِ، فَطُوبى لِمَن آمَنَ بِهِ وأدْرَكَهُ، فَقالُوا: كَمْ بَيْنَنا وبَيْنَ خُرُوجِهِ؟ قالَ: مِقْدارُ ألِفِ عامٍ، فَلْيُبَلِّغِ الشّاهِدُ مِنكُمُ الغائِبَ، فَإنَّهُ سَيِّدُ الأنْبِياءِ، وخاتَمُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ثُمَّ عَزَمَ عَلى السَّيْرِ إلى اليَمَنِ، فَخَرَجَ مِن مَكَّةَ صَباحًا يَؤُمُّ سُهَيْلًا، فَوافى صَنْعاءَ وقْتَ الزَّوالِ، وذَلِكَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، فَرَأى أرْضًا أعْجَبَتْهُ خُضْرَتُها، فَنَزَلَ لِيَتَغَذّى ويُصَلِّيَ، فَلَمْ يَجِدُوا الماءَ فَكانَ ما كانَ. وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يُعارِضُ حِكايَةَ الحَجِّ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سارَ مِن إصْطَخْرَ يُرِيدُ اليَمَنَ فَمَرَّ عَلى مَدِينَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: هَذِهِ دارُ هِجْرَةِ نَبِيٍّ يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، طُوبى لِمَنِ اتَّبَعَهُ، ولَمّا وصَلَ إلى مَكَّةَ رَأى حَوْلَ البَيْتِ أصْنامًا تُعْبَدُ، فَجاوَزَهُ، فَبَكى البَيْتُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: يا رَبِّ أبْكانِي أنَّ هَذا نَبِيٌّ مِن أنْبِيائِكَ ومَعَهُ قَوْمٌ مِن أوْلِيائِكَ مَرُّوا عَلَيَّ ولَمْ يَهْبِطُوا ولَمْ يُصَلُّوا عِنْدِي، والأصْنامُ تُعْبَدُ حَوْلِي مِن دُونِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: لا تَبْكِ فَإنِّي سَوْفَ أُبْكِيكَ وُجُوهًا سُجَّدًا، وأُنْزِلُ فِيكَ قُرْآنًا جَدِيدًا، وأبْعَثُ مِنكَ نَبِيًّا في آخِرِ الزَّمانِ، أحَبَّ أنْبِيائِي إلَيَّ، وأجْعَلُ فِيكَ عُمّارًا مِن خَلْقِي يَعْبُدُونَنِي، وأفْرِضُ عَلَيْهِمْ فَرِيضَةً يَرِفُّونَ إلَيْكَ رَفِيفَ النَّسْرِ إلى وكْرِهِ، ويَحِنُّونَ إلَيْكَ حَنِينَ النّاقَةِ إلى ولَدِها، والحَمامَةِ إلى بَيْضِها، وأُطَهِّرُكَ مِنَ الأوْثانِ وعَبَدَةِ الشَّيْطانِ،

النمل 27:21

ثُمَّ مَضى سُلَيْمانُ حَتّى أتى عَلى وادِي النَّمْلِ، ولا يَظْهَرُ الجَمْعُ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ. ولَعَلَّ المِقْدارَ الَّذِي يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَمَّ لَهُ بِناءُ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَّ وأكْثَرَ مِن تَقْرِيبِ القَرابِينِ، وبَشَّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وقَصَدَ اليَمَنَ، وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَلَمْ يَرَ الهُدْهُدَ فَتَوَعَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ قِيلَ: بِنَتْفِ رِيشِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُ رِيشِهِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: بِنَتْفِ رِيشِ جَناحَيْهِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ: بِنَتْفِ نِصْفِ رِيشِهِ. وزادَ بَعْضُهم مَعَ النَّتْفِ إلْقاءَهُ لِلنَّمْلِ، وآخَرُ: تَرْكَهُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِطَلْيِهِ بِالقَطِرانِ وتَشْمِيسِهِ، وقِيلَ: بِحَبْسِهِ في القَفَصِ، وقِيلَ: بِجَمْعِهِ مَعَ غَيْرِ جِنْسِهِ، وقِيلَ: بِإبْعادِهِ مِن خِدْمَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وقِيلَ: بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: بِإلْزامِهِ خِدْمَةَ أقْرانِهِ. وفِي البَحْرِ: الأجْوَدُ أنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنَ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وهَذا التَّعْذِيبُ لِلتَّأْدِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يُبِيحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ لِما رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ والمَنفَعَةِ، كَما أباحَ سُبْحانَهُ صفحة 184 ذَبْحَ البَهائِمِ والطُّيُورِ لِلْأكْلِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ، وإذا سُخِّرَ لَهُ الطَّيْرُ ولَمْ يُتِمَّ ما سُخِّرَ مِن أجْلِهِ إلّا بِالتَّأْدِيبِ والسِّياسَةِ جازَ أنْ يُباحَ لَهُ ما يَسْتَصْلِحُ بِهِ. وفِي الإكْلِيلِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ: قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَأْدِيبِ الحَيَواناتِ والبَهائِمِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَقْصِيرِها في المَشْيِ أوْ إسْراعِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وعَلى جَوازِ نَتْفِ رِيشِ الحَيَوانِ لِمَصْلَحَةِ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّعْذِيبِ المَذْكُورِ نَتْفُ رِيشِهِ. وذُكِرَ فِيهِ أنَّ ابْنَ العَرَبِيِّ اسْتَدَلَّ بِها عَلى أنَّ العَذابَ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الجَسَدِ، وعَلى أنَّ الطَّيْرَ كانُوا مُكَلَّفِينَ إذْ لا يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ فِعْلٍ إلّا مَن كُلِّفَ بِهِ، اهـ، فَلا تَغْفُلْ. ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ كالتَّرَقِّي مِنَ الشَّدِيدِ إلى الأشَدِّ؛ فَإنَّ في الذَّبْحِ تَجْرِيعُ كَأْسِ المَنِيَّةِ. وقَدْ قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ المَنِيَّةِ سَهْلٌ ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ تَبَيِّنُ عُذْرَهُ في غَيْبَتِهِ، وما ألْطَفَ التَّعْبِيرَ بِالسُّلْطانِ دُونَ الحُجَّةِ هُنا؛ لِما أنَّ ما أتى بِهِ مِنَ العُذْرِ انْجَرَّ إلى الإتْيانِ بِبِلْقِيسَ وهي سُلْطانٌ، ثُمَّ إنَّ هَذا الشِّقَّ - وإنْ قُرِنَ بِحَرْفِ القَسَمِ - لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما المُقْسَمُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً الأوَّلانِ، وأُدْخِلَ هَذا في سِلْكِهِما لِلتَّقابُلِ. وهَذا - كَما في الكَشْفِ - نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ لَطِيفُ المَسْلَكِ، ومَآلُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأُمُورِ، عَلى مَعْنى: إنْ كانَ الإتْيانُ بِالسُّلْطانِ لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبٌ ولا ذَبْحٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كانَ أحَدُهُما، فَـ(أوْ) في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّرْدِيدِ، وقِيلَ: هي في الأوَّلِ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ التَّعْذِيبِ والذَّبْحِ، وفي الثّانِي لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الإتْيانِ بِالسُّلْطانِ، وهو كَما تَرى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها في الأوَّلِ لِلتَّخْيِيرِ وفي الثّانِي بِمَعْنى إلّا، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ لامِ القَسَمِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ مُقْسَمًا عَلَيْها حَقِيقَةً، وصَحَّ قَسَمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الإتْيانِ المَذْكُورِ لِعِلْمِهِ بِالوَحْيِ أنَّهُ سَيَكُونُ، أوْ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِذَلِكَ لِأمْرٍ قامَ عِنْدَهُ يُفِيدُها، وإلّا فالقَسَمُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ مِن دُونِ عِلْمٍ أوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ بِهِ لا يَكادُ يَسُوغُ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ يُنافِي حُصُولَ العِلْمِ وما حَكاهُ لَهُ، ودَفْعُ المُنافاةِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ لا يَعْلَمُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يَظُنُّ صِدْقَها وكَذِبَها غَيْرُ سَدِيدٍ؛ إذْ قَوْلُهُ: (مُبِينٍ) يَأْباهُ، وبِالجُمْلَةِ الوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (لَيَأْتِيَنَّ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بِغَيْرِ ياءٍ، وكُتِبَ في الإمامِ «لا أذْبَحُهُ» بِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ الذّالِ والألِفِ المُتَّصِلَةِ بِاللّامِ، ولا يُعْلَمُ وجْهُهُ كَأكْثَرِ ما جاءَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ الرَّسْمَ المَعْرُوفَ، وقِيلَ: هو لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الذَّبْحَ لَمْ يَقَعْ. وقالَ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ: إنَّ الكِتابَةَ العَرَبِيَّةَ كانَتْ في غايَةِ الإتْقانِ والجَوْدَةِ في حِمْيَرَ، ومِنهم تَعَلَّمَها مُضَرُ، إلّا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجِيدِينَ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الحَضارَةِ، وكانَ الخَطُّ العَرَبِيُّ أوَّلَ الإسْلامِ غَيْرَ بالِغٍ إلى الغايَةِ مِنَ الإتْقانِ والجَوْدَةِ وإلى التَّوَسُّطِ لِمَكانِ العَرَبِ مِنَ البَداوَةِ والتَّوَحُّشِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ الصَّنائِعِ، وما وقَعَ في رَسْمِ المُصْحَفِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِنَ الرُّسُومِ المُخالِفَةِ لِما اقْتَضَتْهُ أقْيِسَةُ رُسُومِ الخَطِّ وصِناعَتُهُ عِنْدَ أهْلِها كَزِيادَةِ الألِفِ في «لا أذْبَحَنَّهُ» مِن قِلَّةِ الإجادَةِ لِصَنْعَةِ الخَطِّ، واقْتِفاءُ السَّلَفِ رَسْمَهم ذَلِكَ مِن بابِ التَّبَرُّكِ. وتَوْجِيهُ بَعْضِ المُغَفَّلِينَ تِلْكَ المُخالَفَةَ بِما وجَّهَهُ بِها لَيْسَ بِصَحِيحٍ، والدّاعِي لَهُ إلى ذَلِكَ تَنْزِيهُ الصَّحابَةِ عَنِ النَّقْصِ لِما زَعَمَ أنَّ الخَطَّ كَمالٌ، ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِأنَّ الخَطَّ مِن جُمْلَةِ الصَّنائِعِ المَدَنِيَّةِ المَعاشِيَّةِ، وذَلِكَ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ؛ إذِ الكَمالُ في الصَّنائِعِ إضافِيٌّ، ولَيْسَ بِكَمالٍ مُطْلَقٍ؛ إذْ لا يَعُودُ نَقْصُهُ عَلى الذّاتِ في الدِّينِ ونَحْوِهِ، وإنَّما يَعُودُ عَلى أسْبابِ المَعاشِ. وقَدْ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – أُمِّيًّا، وكانَ ذَلِكَ كَمالًا في حَقِّهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومِثْلُ الأُمِّيَّةِ تَنَزُّهُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الصَّنائِعِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي أسْبابُ المَعاشِ والعُمْرانِ، ولا يُعَدُّ صفحة 185 ذَلِكَ كَمالًا في حَقِّنا؛ إذْ هو ﷺ مُنْقَطِعٌ إلى رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونَحْنُ مُتَعاوِنُونَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، ومِن هُنا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمُ»» انْتَهى مُلَخَّصًا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ زِيادَةِ الألِفِ في «لا أذْبَحَنَّهُ» لِقِلَّةِ إجادَتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - صَنْعَةَ الكِتابَةِ في غايَةِ البُعْدِ، وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الذَّبْحِ كَذَلِكَ، وإلّا لَزادُوها في (لَأُعَذِّبَنَّهُ) لِأنَّ التَّعْذِيبَ لَمْ يَقَعْ أيْضًا. وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ الإجادَةَ في الخَطِّ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ - إنْ أرادَ بِهِ أنْ تَحْسِينَ الخَطِّ وإخْراجَهُ عَلى صُوَرٍ مُتَناسِبَةٍ يَسْتَحْسِنُها النّاظِرُ، وتَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ كَسائِرِ النُّقُوشِ المُسْتَحْسَنَةِ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ ولا يَضُرُّ بِشَأْنِهِمْ فَقْدُهُ – فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ هَذا شَيْءٌ وما نَحْنُ فِيهِ شَيْءٌ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ الإتْيانَ بِالخَطِّ عَلى وجْهِهِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِهِ مِن وصْلِ ما يَصِلُونَهُ، وفَصْلِ ما يَفْصِلُونَهُ، ورَسْمِ ما يَرْسُمُونَهُ، وتَرْكِ ما يَتْرُكُونَهُ لَيْسَ بِكَمالٍ - فَهَذا مَحَلُّ بَحْثٍ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُعْتَرَضُ عَلى العالِمِ بِقُبْحِ الخَطِّ وخُرُوجِهِ عَنِ الصُّوَرِ الحَسَنَةِ والهَيْئاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِوَصْلِ ما يُفْصَلُ وفَصْلِ ما يُوصَلُ، ورَسْمِ ما لا يُرْسَمُ وعَدَمِ رَسْمِ ما يُرْسَمُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الصَّحابَةَ الَّذِينَ كَتَبُوا القُرْآنَ كانُوا مُتْقِنِينَ رَسْمَ الخَطِّ، عارِفِينَ ما يَقْتَضِي أنْ يُكْتَبَ وما يَقْتَضِي أنْ لا يُكْتَبَ، وما يَقْتَضِي أنْ يُوصَلَ وما يَقْتَضِي أنْ لا يُوصَلَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ خالَفُوا القَواعِدَ في بَعْضِ المَواضِعِ لِحِكْمَةٍ، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِهِ التَّكْمِلَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أخْبِرُونِي، عَنْ هَذا الكِتابِ العَرَبِيِّ هَلْ كُنْتُمْ تَكْتُبُونَهُ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ تَجْمَعُونَ مِنهُ ما اجْتَمَعَ، وتُفَرِّقُونَ مِنهُ ما افْتَرَقَ، مِثْلَ الألِفِ واللّامِ والنُّونِ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذْتُمُوهُ؟ قالَ: مِن حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ حَرْبٌ؟ قالَ: مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ؟ قالَ: مِن أهْلِ الأنْبارِ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ أهْلُ الأنْبارِ؟ قالَ: مِن طارٍ طَرَأ عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ اليَمَنِ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَ ذَلِكَ الطّارِئُ؟ قالَ: مِنَ الخَلَجانِ بْنِ القَسْمِ كاتِبِ الوَحْيِ لِهُودٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الَّذِي يَقُولُ: فِي كُلِّ عامٍ سُنَّةٌ تُحْدِثُونَها ورَأْيٌ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ يُعْبَرُ ولَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِن حَياةٍ تَسُبُّنا ∗∗∗ بِها جُرْهَمُ فِيمَن يُسَبُّ وحَمِيرُ انْتَهى. وفِي كِتابِ مُحاصَرَةِ الأوائِلِ ومُسامَرَةِ الأواخِرِ أنَّ أوَّلَ مَنِ اشْتُهِرَ بِالكِتابَةِ في الإسْلامِ مِنَ الصَّحابَةِ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَشْتَهِرُوا في ذَلِكَ إلّا لِإصابَتِهِمْ فِيها. والقَوْلُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الأجِلَّةَ وسائِرَ الصَّحابَةِ لَمْ يَعْرِفُوا مُخالَفَةَ رَسْمِ الألِفِ هُنا لِما يَقْتَضِيهِ قَوانِينُ أهْلِ الخَطِّ وكَذا سائِرُ ما وقَعَ مِنَ المُخالَفَةِ - مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مِن لَهُ أدْنى أدَبٍ وإنْصافِ. ومِثْلُ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ مِنهم إلّا أنَّهُ تَرَكَ تَغْيِيرَهُ إلى المُوافِقِ لِلْقَوانِينِ أوْ وافَقَهُ عَلى الغَلَطِ لِلتَّبَرُّكِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِنَ الرَّسْمِ المُخالِفِ بِسَبَبِ قِلَّةِ مَهارَةِ مَن أخَذُوا عَنْهُ صَنْعَةَ الخَطِّ، فَيَكُونُ هو الَّذِي خالَفَ في مِثْلِ ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ خالَفَ، فالقُصُورُ - إنْ كانَ - مِمَّنْ أخَذُوا عَنْهُ، وأمّا هم فَلا قُصُورَ فِيهِمْ؛ إذْ لَمْ يُخِلُّوا بِالقَواعِدِ الَّتِي أخَذُوها، وإخْلالُهم بِقَواعِدَ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا بِها صفحة 186 لا يُعَدُّ قُصُورًا، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما فِيهِ مِنَ البَشاعَةِ، ثُمَّ إنَّ الإنْصافَ بَعْدَ كُلِّ كَلامٍ يَقْتَضِي الإقْرارَ بِقُوَّةِ دَعْوى أنَّ المُخالَفَةَ لِضَعْفِ صِناعَةِ الكِتابَةِ؛ إذْ ذاكَ - إنْ صَحَّ أنَّها وقَعَتْ أيْضًا - في غَيْرِ الإمامِ مِنَ المُكاتَباتِ وغَيْرِها، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ وإلّا لَنُقِلَ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

النمل 27:22

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْهُدْهُدِ و(بَعِيدٍ) صِفَةُ زَمانٍ، والكَلامُ بَيانٌ لِمُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَضى مِن غَيْبَتِهِ بَعْدَ التَّهْدِيدِ؟ فَقِيلَ: مَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ: مَكَثَ زَمانًا غَيْرَ مَدِيدٍ، ووُصِفَ زَمانُ مُكْثِهِ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ؛ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسُلَيْمانَ، وهو كَما تَرى. وقِيلَ: (بَعِيدٍ) صِفَةُ مَكانٍ، أيْ: فَمَكَثَ الهُدْهُدُ في مَكانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ مِن سُلَيْمانَ، وجَعْلُهُ صِفَةَ الزَّمانِ أوْلى، ويُحْكى أنَّهُ حِينَ نَزَلَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَلَّقَ الهُدْهُدُ، فَرَأى هُدْهُدًا - واسْمَهُ فِيما قِيلَ عَفِيرٌ – واقِعًا، فانْحَطَّ إلَيْهِ، فَوَصَفَ لَهُ مُلْكَ سُلَيْمانَ، وما سُخِّرَ لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرَ لَهُ صاحِبُهُ مُلْكَ بِلْقِيسَ، وذَهَبَ مَعَهُ لِيَنْظُرَ، فَما رَجَعَ إلّا بَعْدَ العَصْرِ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا لَمْ يَرَهُ دَعا عَرِيفَ الطَّيْرَ - وهو النَّسْرُ - فَسَألَهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ عِلْمَهُ، ثُمَّ قالَ لِسَيِّدِ الطَّيْرِ - وهو العُقابُ -: عَلَيَّ بِهِ، فارْتَفَعَتْ فَنَظَرَتْ فَإذا هو مُقْبِلٌ، فَقَصَدَتْهُ، فَناشَدَها اللَّهَ تَعالى، وقالَ: بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي قَوّاكِ وأقْدَرَكِ عَلَيَّ إلّا رَحِمَتْنِي، فَتَرَكَتْهُ، وقالَتْ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى قَدْ حَلَفَ لَيُعَذِّبَنَّكَ أوْ لَيَذْبَحَنَّكَ، قالَ: وما اسْتَثْنى؟ قالَتْ: بَلى، قالَ: ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَقالَ: نَجَوْتُ إذًا، فَلَمّا قَرُبَ مِن سُلَيْمانَ أرْخى ذَنَبَهُ وجَناحَيْهِ يَجُرُّها عَلى الأرْضِ؛ تَواضُعًا لَهُ، فَلَمّا دَنا مِنهُ أخَذَ بِرَأْسِهِ فَمَدَّهُ إلَيْهِ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى اذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فارْتَعَدَ سُلَيْمانُ وعَفا عَنْهُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ إنَّما عَفا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ كانَ بارًّا بِأبَوَيْهِ يَأْتِيهِما بِالطَّعامِ فَيَزُقُّهُما لِكِبَرِهِما، ثُمَّ سَألَهُ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أيْ: عِلْمًا ومَعْرِفَةً، وحَفِظْتُهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وابْتِداءُ كَلامِهِ بِذَلِكَ لِتَرْوِيجِهِ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَرْغِيبِهِ في الإصْغاءِ إلى اعْتِذارِهِ، واسْتِمالَةِ قَلْبِهِ نَحْوَ قَبُولِهِ؛ فَإنَّ النَّفْسَ لِلِاعْتِذارِ المُنْبِئِ عَنْ أمْرٍ بَدِيعٍ أقْبَلُ، وإلى تَلَقِّي ما لا تَعْلَمُهُ أمْيَلُ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ حَيْثُ فَسَّرَ إبْهامَهُ السّابِقَ نَوْعَ تَفْسِيرٍ، وأراهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ بِصَدَدِ إقامَةِ خِدْمَةٍ مُهِمَّةٍ لَهُ، حَيْثُ عَبَّرَ عَمّا جاءَ بِهِ بِالنَّبَإ - الَّذِي هو الخَبَرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ الكَبِيرُ - ووَصَفَهُ بِما وصَفَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَ الهُدْهُدَ فَكافَحَ سُلَيْمانَ بِهَذا الكَلامِ عَلى ما أُوتِيَ مِن فَضْلِ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ والإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ الكَثِيرَةِ؛ ابْتِلاءً لَهُ في عِلْمِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِهِ وأضْعَفِهِ مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ؛ لِيَتَحاقَرَ إلَيْهِ نَفْسُهُ، ويَصْغُرَ إلَيْهِ عِلْمُهُ، ويَكُونَ لُطْفًا بِهِ في تَرْكِ الإعْجابِ الَّذِي هو فِتْنَةُ العُلَماءِ، وأعْظِمْ بِها فِتْنَةً، انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما أحاطَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ الَّتِي لا تُعَدُّ الإحاطَةُ بِها فَضِيلَةً ولا الغَفْلَةُ عَنْها نَقِيصَةً؛ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ إدْراكِها إلّا عَلى مُجَرَّدِ إحْساسٍ يَسْتَوِي فِيهِ العُقَلاءُ وغَيْرُهُمْ، وماذا صَدَرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ما حُكِيَ عَنْهُ ما حُكِيَ مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ والدُّعاءِ حَتّى يَلِيقَ بِالحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ تَنْبِيهُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى تَرْكِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ: (أحَطْتُ) ... إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ كَلامٌ مُدِلٌّ بِعِلْمِهِ، مُصَغِّرٌ لِما عِنْدَ صاحِبِهِ، وأنَّ العِلْمَ بِالأُمُورِ المَحْسُوسَةِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ فَضِيلَةً - إلّا أنَّ فَقْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ومُلْكِهِ، وإلْقاءَ الرِّيحِ الأخْبارَ في سَمْعِهِ يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ، وفي التَّنْبِيهِ المَذْكُورِ تَثْبِيتٌ مِنهُ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الحَمْدِ والشُّكْرِ، وهو مِمّا يُناسِبُ دُعاءَهُ السّابِقَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، ولَعَلَّ الأوْلى والأظْهَرَ - مَعَ هَذا - ما ذُكِرَ أوَّلًا. و(سَبَإٍ) مُنْصَرِفٌ، عَلى أنَّهُ لِحَيٍّ مِنَ النّاسِ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ. صفحة 187 وفِي حَدِيثِ فَرْوَةَ وغَيْرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ سَبَأً اسْمُ رَجُلٍ، ولَدَ عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ، تَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، والسِّتَّةُ حِمْيَرٌ، وكِنْدَةُ، والأزْدُ، وأشْعَرُ، وخَثْعَمُ، والأرْبَعَةُ: لَخْمٌ، وجُذامُ، وعامِلَةُ، وغَسّانُ. وقِيلَ: سَبَأٌ لَقَبٌ لِأبِي هَذا الحَيِّ مِن قَحْطانَ، واسْمُهُ عَبْدُ شَمْسٍ، وقِيلَ: عامِرٌ، ولُقِّبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «مِن سَبَأ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ مَأْرَبُ سَبَأ، وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ عَلى الصَّرْفِ المَوْضِعُ المَخْصُوصُ، وعَلى مَنعِ الصَّرْفِ المَدِينَةُ المَخْصُوصَةُ، وأنْشَدُوا عَلى صَرْفِهِ قَوْلَهُ: الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ وقَرَأ قُنْبُلٌ - مِن طَرِيقِ النَّبّالِ - بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وخُرِّجَ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقالَ مَكِّيٌّ: الإسْكانُ في الوَصْلِ بِعِيدٌ غَيْرُ مُخْتارٍ ولا قَوِيٍّ. وقَرَأ الأعْمَشُ: «مِن سَبَإ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، حَكاها عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ وابْنُ عَطِيَّةَ، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الجَرَّ بِالكَسْرَةِ لِرِعايَةِ ما نُقِلَ عَنْهُ، فَإنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ الرَّجُلِ أوْ مَكانٌ مَخْصُوصٌ، وحُذِفَ التَّنْوِينُ لِرِعايَةِ ما نُقِلَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ أوْ لِلْمَدِينَةِ، وهو كَما تَرى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ «مِن سَبًى» بِتَنْوِينِ الباءِ عَلى وزْنِ رَحًى، جَعَلَهُ مَقْصُورًا مَصْرُوفًا، وذَكَرَ أبُو مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ «مِن سَبْأى» بِسُكُونِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعْلى، فَهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ. ورَوى ابْنُ حَبِيبٍ، عَنِ اليَزِيدِيِّ «مِن سَبا» بِألِفٍ ساكِنَةٍ كَما في قَوْلِهِمْ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «بِنَبا» بِالألِفِ عِوَضَ الهَمْزَةِ، وكَأنَّها قِراءَةُ مَن قَرَأ (سَبا) بِالألِفِ؛ لِتَتَوازَنَ الكَلِمَتانِ كَما تَوازَنَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأهُما بِالهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والتَّنْوِينِ، وفي التَّحْرِيرِ أنَّ مِثْلَ «مِن سَبا بِنَبا» يُسَمّى تَجْنِيسَ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلٌّ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ بِحَرْفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ وحَدِيثِ: ««الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ»». وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: «مِن سَبا بِنَبا» مِن جِنْسِ الكَلامِ الَّذِي سَمّاهُ المُحَدِّثُونَ البَدِيعَ، وهو مِن مَحاسِنِ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ بِشَرْطِ أنْ يَجِيءَ مَطْبُوعًا، أوْ يُصِيغَهُ عالِمٌ بِجَوْهَرِ الكَلامِ يَحْفَظُ مَعَهُ صِحَّةَ المَعْنى وسَدادَهُ، ولَقَدْ جاءَ هاهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ وبَدُعَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى لَوْ وُضِعَ مَكانَ (بِنَبَإٍ) (بِخَبَرٍ) لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، وهو - كَما جاءَ - أصَحُّ لِما في النَّبَأِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ اهـ. وهَذِهِ الزِّيادَةُ كَوْنُ الخَبَرِ ذا شَأْنٍ، وكَوْنُ النَّبَأِ بِمَعْنى الخَبَرِ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِمّا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَعْنًى وضْعِيٌّ لَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ بِوَضْعِيٍّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُ المُحَدِّثِينَ: (أنْبَأنا) أحَطُّ دَرَجَةً مِن (أخْبَرَنا) غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ اصْطِلاحٌ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ «فَمَكُثَ» بِضَمِّ الكافِ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ وسَهْلٍ ورَوْحٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ «فَمَكَثَ ثُمَّ قالَ» وعَبْدُ اللَّهِ «فَمَكَثَ فَقالَ» وكِلْتا القِراءَتَيْنِ - في الحَقِيقَةِ عَلى ما في البَحْرِ - تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ. وقَرَئَ في السَّبْعَةِ (أحَطْتُ) بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ مَعَ بَقاءِ صِفَةِ الإطْباقِ، ولَيْسَ بِإدْغامٍ حَقِيقِيٍّ. صفحة 188 وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامٍ حَقِيقِيٍّ، واعْتَرَضَ ابْنُ الحاجِبِ القِراءَةَ الأُولى بِأنَّ الإطْباقَ - وهو رَفْعُ اللِّسانِ إلى ما يُحاذِيهِ مِنَ الحَنَكِ لِلتَّصْوِيتِ بِصَوْتِ الحَرْفِ المُخْرَجِ - لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِنَفْسِ الحَرْفِ وهو الطّاءُ هُنا، والإدْغامُ يَقْتَضِي إبْدالَها تاءً، وهو يُنافِي وُجُودَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وغَيْرَ مَوْجُودَةٍ، وهو تُناقِضٌ، فالتَّحْقِيقُ أنَّ نَحْوَ (أحَطْتُ) بِالإطْباقِ لَيْسَ فِيهِ إدْغامٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا أمْكَنَ النُّطْقُ بِالثّانِي مَعَ الأوَّلِ مِن غَيْرِ ثِقَلٍ عَلى اللِّسانِ كانَ كالنُّطْقِ بِالمِثْلِ بَعْدَ المِثْلِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الإدْغامُ؛ تَوَسُّعًا قالَهُ الطِّيبِيُّ. وفِي النَّشْرِ أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الطّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ وفي التَّسْهِيلِ أنَّهُ إذا أُدْغِمَ المُطْبَقُ يَجُوزُ إبْقاءُ الإطْباقِ وعَدَمُهُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: كُلٌّ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، كَذا الحَواشِي الشِّهابِيَّةُ، فَتَأمَّلْ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: (أحَطْتُ) إلَخْ ... دَلِيلٌ بِإشارَةِ النَّصِّ والإدْماجِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الرّافِضَةِ أنَّ الإمامَ يَنْبَغِي أنْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الجُزْئِيّاتِ، ولا يَخْفى أنَّهم إنْ عَنَوْا بِذَلِكَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإمامُ عالِمًا عَلى التَّفْصِيلِ بِأحْكامِ جَمِيعِ الحَوادِثِ الجُزْئِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُها، وأنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا الجَوابَ الصَّحِيحَ عَنْ كُلِّ ما يُسْألُ عَنْهُ - فَبُطْلانُ كَلامِهِمْ في غايَةِ الظُّهُورِ. وقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -وهُوَ عَلى مِنبَرِ الكُوفَةِ عَنْ مَسْألَةٍ فَقالَ: لا أدْرِي، فَقالَ السّائِلُ: لَيْسَ مَكانُكَ هَذا مَكانَ مَن يَقُولُ: لا أدْرِي، فَقالَ الإمامُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – بَلى، واللَّهِ هَذا مَكانُ مَن يَقُولُ لا أدْرِي، وأمّا مَن لا يَقُولُ ذَلِكَ فَلا مَكانَ لَهُ، يَعْنِي بِهِ اللَّهَ، عَزَّ وجَلَّ. وإنْ عَنَوْا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القَواعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وبِكَثِيرٍ مِنَ الفُرُوعِ الجُزْئِيَّةِ لِتِلْكَ القَواعِدِ بِحَيْثُ لَوْ حَدَثَتْ حادِثَةٌ ولا يَعْلَمُ حُكْمَها يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنِ اسْتِنْباطِ الحُكْمِ فِيها عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ - فَذاكَ حَقٌّ، وهو في مَعْنى قَوْلِ الجَماعَةِ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإمامُ مُجْتَهِدًا، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

النمل 27:23

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ - أيْ: تَتَصَرَّفُ بِهِمْ، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْها أحَدٌ - اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما جاءَ بِهِ مِنَ النَّبَأِ، وتَفْصِيلٌ لَهُ إثْرَ إجْمالٍ، وعَنى بِهَذِهِ المَرْأةِ بِلْقِيسَ بِنْتِ شَراحِيلَ بْنِ مالِكِ بْنِ رَيّانَ مِن نَسْلِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، ويُقالُ: مِن نَسْلِ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ. ورَوى ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ اسْمَ هَذِهِ المَرْأةِ لَيْلى، وهو خِلافُ المَشْهُورِ، وقِيلَ: اسْمُ أبِيها السَّرْجُ بْنُ الهُداهِدِ. ويُحْكى أنَّهُ كانَ أبُوها مَلَكَ أرْضِ اليَمَنِ كُلِّها، ووَرِثَ المُلْكَ مِن أرْبَعِينَ أبًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها، فَغَلَبَتْ بَعْدَهُ عَلى المُلْكِ ودانَتْ لَها الأُمَّةُ. وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوها طَمِعَتْ في المُلْكِ، وطَلَبَتْ مِن قَوْمِها أنْ يُبايِعُوها، فَأطاعَها قَوْمٌ وأبى آخَرُونَ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقالُ: إنَّهُ ابْنُ عَمِّها، وكانَ خَبِيثًا فَأساءَ السِّيرَةَ في أهْلِ مَمْلَكَتِهِ، حَتّى كانَ يَفْجُرُ بِنِساءِ رَعِيَّتِهِ، فَأرادُوا خَلْعَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أدْرَكَتْها الغَيْرَةُ فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلَيْهِ فَأجابَها، وقالَ: ما مَنَعَنِي أنْ أبْتَدَئَكِ بِالخِطْبَةِ إلّا اليَأْسُ مِنكِ، قالَتْ: لا أرْغَبُ عَنْكَ لِأنَّكَ كُفُؤٌ كَرِيمٌ، فاجْمَعْ رِجالَ أهْلِي واخْطُبْنِي، فَجَمَعَهم وخَطَبَها، فَقالُوا: لا نَراها تَفْعَلُ، فَقالَ: بَلى إنَّها رَغِبَتْ فِيَّ، فَذَكَرُوا لَها ذَلِكَ فَقالَتْ: نَعَمْ، فَزَوَّجُوها مِنهُ، فَلَمّا زُفَّتْ إلَيْهِ خَرَجَتْ مَعَ أُناسٍ كَثِيرٍ مِن حَشَمِها وخَدَمِها، فَلَمّا خَلَتْ بِهِ سَقَتْهُ الخَمْرَ حَتّى سَكَرَ، فَقَتَلَتْهُ، وحَزَّتْ رَأْسَهُ، وانْصَرَفَتْ إلى مَنزِلِها، فَلَمّا أصْبَحَتْ أرْسَلَتْ إلى وُزَرائِهِ وأحْضَرَتْهم وقَرَّعَتْهُمْ، وقالَتْ: أما كانَ فِيكم مَن يَأْنَفُ مِنَ الفُجُورِ بِكَرائِمِ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ أرَتْهم إيّاهُ قَتِيلًا، وقالَتِ: اخْتارُوا رَجُلًا تُمَلِّكُوهُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: لا نَرْضى غَيْرَكِ، فَمَلَّكُوها، وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ النِّكاحَ كانَ مَكْرًا وخَدِيعَةً مِنها، واشْتُهِرَ أنَّ أُمَّها جِنِّيَّةٌ. صفحة 189 وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حاضِرٍ أنَّ أُمَّها امْرَأةٌ مِنَ الجِنِّ، يُقالُ لَها: بَلْقَمَةُ بِنْتُ شِيصا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّ أُمَّها فارِعَةُ الجِنِّيَّةُ. وفِي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ أباها شَراحِيلُ كانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الأطْرافِ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم كُفُؤًا لِي، وأبى أنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِمْ، فَخَطَبَ إلى الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ امْرَأةً يُقالُ لَها رَيْحانَةُ بِنْتُ السَّكَنِ، وسَبَبُ وُصُولِهِ إلى الجِنِّ حَتّى خَطَبَ إلَيْهِمْ - عَلى ما قِيلَ - إنَّهُ كانَ كَثِيرَ الصَّيْدِ، فَرُبَّما اصْطادَ الجِنَّ وهم عَلى صُوَرِ الظِّباءِ، فَيُخَلِّي عَنْهُمْ، فَظَهَرَ لَهُ مَلِكُ الجِنِّ وشَكَرَهُ عَلى ذَلِكَ، واتَّخَذَهُ صَدِيقًا، فَخَطَبَ ابْنَتَهُ فَزَوَّجَهُ إيّاها. وقِيلَ: إنَّهُ خَرَجَ مُتَصَيِّدًا فَرَأى حَيَّتَيْنِ يَقْتَتِلانِ بَيْضاءَ وسَوْداءَ، وقَدْ ظَهَرَتِ السَّوْداءُ عَلى البَيْضاءِ، فَقَتَلَ السَّوْداءَ وحَمَلَ البَيْضاءَ، وصَبَّ عَلَيْها الماءَ، فَأفاقَتْ، فَأطْلَقَها، فَلَمّا رَجَعَ إلى دارِهِ جَلَسَ وحْدَهُ مُنْفَرِدًا، فَإذا هو مَعَهُ شابٌّ جَمِيلٌ، فَخافَ مِنهُ فَقالَ: لا تَخَفْ، أنا الحَيَّةُ البَيْضاءُ الَّذِي أحْيَيْتَنِي، والأسْوَدُ الَّذِي قَتَلْتَهُ هو عَبْدٌ لَنا تَمَرَّدَ عَلَيْنا، وقَتَلَ عِدَّةً مِنّا، وعَرَضَ عَلَيْهِ المالَ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِهِ، ولَكِنْ إنْ كانَ لَكَ بِنْتٌ فَزَوِّجْنِيها، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ، انْتَهى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ كانَ جِنِّيًّا»». والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، وفي البَحْرِ: قَدْ طَوَّلُوا في قِصَصِها يَعْنِي بِلْقِيسَ بِما لَمْ يَثْبُتْ في القُرْآنِ ولا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الحِكاياتِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ، فَإنَّ الظّاهِرَ - عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ التَّناكُحِ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ الَّذِي قِيلَ: يُصْفَعُ السّائِلُ عَنْهُ لِحَماقَتِهِ وجَهْلِهِ - أنْ لا يَكُونَ تَوالُدٌ بَيْنَهُما، وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ - فِيما رَوى ابْنُ عَساكِرَ - أنَّهُ قِيلَ بِحَضْرَتِهِ: إنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ أحَدُ أبَوَيْها جِنِّيٌّ، فَقالَ: لا يَتَوالَدُونَ، أيْ: إنَّ المَرْأةَ مِنَ الإنْسِ لا تَلِدُ مِنَ الجِنِّ، والمَرْأةَ مِنَ الجِنِّ لا تَلِدُ مِنَ الإنْسِ. نَعَمْ، رُوِيَ عَنْ مالِكٍ ما يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ، فَفي الأشْباهِ والنَّظائِرِ لِابْنِ نُجَيْمٍ: رَوى أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ داوُدَ الزَّبِيدِيُّ قالَ: كَتَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى مالِكٍ يَسْألُونَهُ عَنْ نِكاحِ الجِنِّ، وقالُوا: إنْ هاهُنا رَجُلًا مِنَ الجِنِّ زَعَمَ أنَّهُ يُرِيدُ الحَلالَ، فَقالَ: ما أرى بَأْسًا في الدِّينِ، ولَكِنْ أكْرَهُ إذا وُجِدَتِ امْرَأةٌ حامِلٌ قِيلَ لَها: مَن زَوْجُكِ؟ قالَتْ: مِنَ الجِنِّ، فَيَكْثُرُ الفَسادُ في الإسْلامِ بِذَلِكَ، انْتَهى. ولَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ مالِكٍ؛ لِظُهُورِ ما يَرِدُ عَلى تَعْلِيلِ الكَراهَةِ، ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي إذا حَمَلَتِ الجِنِّيَّةُ مِنَ الإنْسِيِّ هَلْ تَبْقى عَلى لَطافَتِها فَلا تُرى، والحَمْلُ عَلى كَثافَتِهِ فَيُرى، أوْ يَكُونُ الحَمْلُ لَطِيفًا مِثْلَها فَلا يُرَيانِ؟! فَإذا تَمَّ أمْرُهُ تَكَثَّفَ وظَهَرَ كَسائِرِ بَنِي آدَمَ، أوْ تَكُونُ مُتَشَكِّلَةً بِشَكْلِ نِساءِ بَنِي آدَمَ ما دامَ الحَمَلُ في بَطْنِها، وهو فِيهِ يَتَغَذّى ويَنْمُو بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِن غِذائِها، وكُلٌّ مِنَ الشُّقُوقِ لا يَخْلُو عَنِ اسْتِبْعادٍ كَما لا يَخْفى. وإيثارُ (وجَدْتُ) عَلى (رَأيْتُ) لِما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ بِصَدَدِ خِدْمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإبْرازِ نَفْسِهِ في مَعْرِضِ مَن يَتَفَقَّدُ أحْوالَها ويَتَعَرَّفُها، كَأنَّها طِلْبَتُهُ وضالَّتُهُ؛ لِيَعْرِضَها عَلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما ظَفِرَ بِهِ أمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ أوَّلًا؛ لِأنَّ الوِجْدانَ بَعْدَ الفَقْدِ، وفِيهِ رَمْزٌ بِغَرابَةِ الحالِ، وضَمِيرُ (تَمْلِكُهُمْ) لِسَبَأٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، أوْ لِأهْلِها المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مَدِينَتِهِمْ عَلى أنَّها اسْمٌ لَها، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنَّ تَكُونَ المَرْأةُ مَلِكَةً، ولا حُجَّةَ في عَمَلِ قَوْمٍ كَفَرَةٍ عَلى مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ أهْلَ فارِسَ قَدْ مَلَّكُوا بِنْتَ كِسْرى قالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً»». ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ قاضِيَةً ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وفي الأشْباهِ لا يَنْبَغِي أنْ تُوَلّى القَضاءَ - وإنْ صَحَّ مِنها - بِغَيْرِ الحُدُودِ والقِصاصِ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّها تَقْضِي فِيما تَشْهَدُ فِيهِ لا عَلى الإطْلاقِ، صفحة 190 ولا أنْ يُكْتَبَ لَها مَنشُورٌ بِأنَّ فُلانَةَ مُقْدِمَةٌ عَلى الحُكْمِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّحْكِيمِ لَها. ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَحْتاجُ إلَيْها المُلُوكُ بِقَرِينَةِ (تَمْلِكُهُمْ) وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ الغَرَضُ إلّا إفادَةُ كَثْرَةِ ما أُوتِيَتْ. والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (تَمْلِكُهُمْ) وأنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (تَمْلِكُهُمْ) المَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ -: أيْ: سَرِيرٌ كَرِيمٌ مِن ذَهَبٍ، قَوائِمُهُ مِن جَوْهَرٍ ولُؤْلُؤٍ، حَسَنُ الصَّنْعَةِ، غالِي الثَّمَنِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ ثَلاثِينَ ذِراعًا في ثَلاثِينَ ذِراعًا، وكانَ طُولُهُ في السَّماءِ ثَلاثِينَ ذِراعًا أيْضًا، وقِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَمانِينَ في ثَمانِينَ، وارْتِفاعُهُ ثَمانِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سَرِيرٌ مِن ذَهَبٍ، وصَفْحَتاهُ مُرَصَّعَتانِ بِالياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا في عَرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: كانَ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ الأخْضَرِ، وقَوائِمُهُ مِنَ الياقُوتِ والزُّمُرُّدِ، وعَلَيْهِ سَبْعَةُ أبْياتٍ، عَلى كُلِّ بَيْتٍ بابٌ مُغْلَقٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. وبِالجُمْلَةِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهِ المُلْكُ ولا داعِيَ إلَيْهِ. واسْتِعْظامُ الهُدْهُدِ لِعَرْشِها - مَعَ ما كانَ يُشاهِدُهُ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ - إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى حالِها أوْ إلى عُرُوشِ أمْثالِها مِنَ المُلُوكِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مِثْلُهُ، وإنْ كانَ عَظِيمَ المُلْكِ، فَإنَّهُ قَدْ يُوجَدُ لِبَعْضِ أُمَراءِ الأطْرافِ شَيْءٌ لا يَكُونُ لِلْمَلِكِ الَّذِي هم تَحْتَ طاعَتِهِ. وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُهُ بِذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِن تَرْغِيبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الإصْغاءِ إلى حَدِيثِهِ، وفِيهِ تَوْجِيهٌ لِعَزِيمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَحْوَ تَسْخِيرِها، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِما يُوجِبُ غَزْوَها مِن كُفْرِها وكُفْرِ قَوْمِها حَيْثُ قالَ:

النمل 27:24

﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَها، مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى. قالَ الحَسَنُ: كانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الأنْوارَ، وقِيلَ: كانُوا زَنادِقَةً. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافُ كَلامٍ، وأنَّ الوَقْفَ عَلى (عَظِيمٌ) قالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: ولا يُوقَفُ عَلى (عَرْشٌ) وقَدْ زَعَمَ بَعْضُهم جَوازَهُ، وقالَ: مَعْناهُ عَظِيمٌ عِنْدَ النّاسِ. وقَدْ أنْكَرَ هَذا الوَقْفَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ونَسَبُوا القائِلَ بِهِ إلى الجَهْلِ، وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْناهُ عَظِيمٌ عِبادَتُهم لِلشَّمْسِ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى قَوْلٌ رَكِيكٌ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وفي الكَشّافِ: مِن نَوْكى القُصّاصِ مَن وقَفَ عَلى (عَرْشٌ) يُرِيدُ: عَظِيمٌ أنْ وجَدْتُها، فَرَّ مِنِ اسْتِعْظامِ الهُدْهُدِ عَرْشَها فَوَقَعَ في عَظِيمَةٍ وهي نَسْخُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي هي عِبادَةُ الشَّمْسِ ونَظائِرِها مِن أصْنافِ الكُفْرِ والمَعاصِي، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ (يَسْجُدُونَ) والحالِيَّةَ مِنَ الضَّمِيرِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ آنِفًا. ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلتَّزْيِينِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، أيْ: فَصَدَّهم تَزْيِينُ الشَّيْطانِ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الحَقِّ والصَّوابِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ إلَيْهِ.

النمل 27:25

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: لِئَلّا يَسْجُدُوا، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(صَدَّهُمْ) أوْ بِـ(زَيَّنَ) والفاءُ في (فَصَدَّهُمْ) لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً لِجَوازِ كَوْنِها تَفْرِيعِيَّةً أوْ تَفْصِيلِيَّةً، أيْ: فَصَدَّهم عَنْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن أعْمالِهِمْ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَدَمَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ في عَدِّ عَدَمِ السُّجُودِ مِنَ الأعْمالِ وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ السَّبِيلِ و(لا) زائِدَةً مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ صفحة 191 كَأنَّهُ قِيلَ: فَصَدَّهم عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إلى و(لا) زائِدَةً أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَهْتَدُونَ) كَأنَّهُ قِيلَ: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى السُّجُودِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ زِيادَةَ (لا) - وإنْ وقَعَتْ في الفَصِيحِ - خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَقْدِيرٌ، والمَصْدَرُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُهم عَدَمُ السُّجُودِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هِيَ، أيْ: أعْمالُهم عَدَمُ السُّجُودِ، وفِيهِ ما مَرَّ آنِفًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والزُّهْرِيُّ، والسَّلُمِيُّ، والحَسَنُ، وحُمَيْدٌ، والكِسائِيُّ «ألا» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْتاحِ، ويا حَرْفُ نِداءٍ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، أيْ: ألا يا قَوْمِ اسْجُدُوا كَما في قَوْلِهِ: ألا يا اسْلَمِي ذاتَ الدَّمالِيجِ والعُقَدِ ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ. وسَقَطَتْ ألِفُ يا وألِفُ الوَصْلِ في (اسْجُدُوا) وكُتِبَتْ بِالياءِ مُتَّصِلَةً بِالسِّينِ عَلى خِلافِ القِياسِ. ووَقَفَ الكِسائِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ياءٍ وابْتَدَأ بِـ(اسْجُدُوا) وهو وقْفُ اخْتِيارٍ، وفي البَحْرِ: الَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ الوارِدِ عَنِ العَرَبِ لَيْسَتْ يا فِيهِ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ المُنادى عِنْدِي لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حُذِفَ الفِعْلُ العامِلُ في النِّداءِ وانْحَذَفَ فاعِلُهُ لِحَذْفِهِ، فَلَوْ حَذَفْنا المُنادى لَكانَ في ذَلِكَ حَذْفُ جُمْلَةِ النِّداءِ وحَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ - وهو المُنادى - وإذا لَمْ نَحْذِفْهُ كانَ دَلِيلًا عَلى العامِلِ فِيهِ وهو جُمْلَةُ النِّداءِ، ولَيْسَ حَرْفُ النَّداءِ حَرْفَ جَوابٍ كَنَعَمْ وبَلى ولا وأجَلْ، فَيَجُوزُ حَذْفُ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ كَما يَجُوزُ حَذْفُها بَعْدَهُنَّ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ السُّؤالِ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ. فَيا عِنْدِي في تِلْكَ التَّراكِيبِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ أُكِّدَ بِهِ (ألا) الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، وجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ، ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ في التَّوْكِيدِ، وإذا كانَ قَدْ وُجِدَ التَّأْكِيدُ في اجْتِماعِ الحَرْفَيْنِ المُخْتَلِفَيِ اللَّفْظِ العامِلَيْنِ في قَوْلِهِ: فَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بِما بِهِ والمُتَّفِقِي اللَّفْظِ العامِلَيْنِ أيْضًا في قَوْلِهِ: فَلا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ∗∗∗ ولا لَلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ وجازَ ذَلِكَ - وإنْ عَدُّوهُ ضَرُورَةً أوْ قَلِيلًا - فاجْتِماعُ غَيْرِ العامِلَيْنِ وهُما مُخْتَلِفا اللَّفْظِ يَكُونُ جائِزًا، ولَيْسَ (يا) في قَوْلِهِ: يا لَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ حَرْفَ نِداءٍ عِنْدِي بَلْ حَرْفَ تَنْبِيهِ، جاءَ بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ ولَيْسَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُنادى لِما ذَكَرْناهُ انْتَهى، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، إمّا خِطابًا لِقَوْمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُخاطَبِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قِيلَ وهو حِينَئِذٍ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ. ولَعَلَّ الأظْهَرَ احْتِمالُ كَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَ سُبْحانَهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ ويُوقَفُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى (يَهْتَدُونَ) اسْتِحْسانًا، ويُوجِبُ ذَلِكَ زِيادَةَ عِدَّةِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ - عَلى ما قالُوهُ فِيها - عِنْدَ بَعْضٍ، وقِيلَ: لا يُوجِبُها فَإنَّ الآياتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، لَيْسَ مَدارُها عَلى الوَقْفِ وعَدَمِهِ، فَتَأمَّلْ. والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى أنَّ في الآيَةِ عَلى الأُولى ذَمًّا عَلى تَرْكِ السُّجُودِ، وفِيها عَلى الثّانِيَةِ أمْرًا بِالسُّجُودِ، وأيًّا ما كانَ فالسُّجُودُ واجِبٌ عِنْدَ قِراءَةِ الآيَةِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ وُجُوبَهُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ مَرْجُوعٍ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: «هَلّا يَسْجُدُونَ» عَلى التَّحْضِيضِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ «ألا تَسْجُدُونَ» عَلى العَرْضِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «ألا هَلْ تَسْجُدُونَ» بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ وهَلِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي الكَشّافِ ما فِيهِ مُخالَفَةُ ما لَهُ، والعالِمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. صفحة 192 ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ يُظْهِرُ الشَّيْءَ المَخْبُوءَ فِيهِما كائِنًا ما كانَ، فالخَبْءُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالمَطَرِ والنَّباتِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالماءِ، والأوْلى التَّعْمِيمُ كَما رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وفِي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبْءِ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ (فِي) بِمَعْنى مِن، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُخْرِجُ) والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ. واخْتِيارُ هَذا الوَصْفِ لِما أنَّهُ أوْفَقُ بِالقِصَّةِ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ما هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِإخْراجِ الخَبْءِ وهو إظْهارُ أمْرِ بِلْقِيسَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وعَلى هَذا القِياسِ اخْتِيارُ ما ذُكِرَ بَعْدُ مِن صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الهُدْهُدَ أرْسَخُ في مَعْرِفَتِهِ والإحاطَةِ بِأحْكامِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى مَعْرِفَةِ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الهُدْهُدِ أُودِعَ فِيهِ القُدْرَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا لَمْ يَجِئْ فِيهِ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأيْضًا التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ لا يَتَسَنّى عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ والسِّتَّةِ الَّذِينَ مَعَهُ (ألا يَسْجُدُوا) بِالتَّخْفِيفِ، إذا جُعِلَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن جِهَةِ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعِيسى «الخَبَ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى الباءِ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، وحَكى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنْ قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ وبَنِي أسَدٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِألِفٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، فَلَزِمَ فَتْحُ ما قَبْلَها، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وخُرِّجَتْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ في الوَقْفِ: هَذا الخَبْوُ ومَرَرْتُ بِالخَبْيِ ورَأيْتُ الخَبا، وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يُقالَ في المَرْأةِ والكَمْأةِ: المَراةُ والكَماةُ بِإبْدالٍ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحِ ما قَبْلَها، وذُكِرَ أنَّ هَذا الإبْدالَ لُغَةٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الخَبْءَ) مِن ذَلِكَ، ومَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُدَّعِيًا أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ، وعُلِّلَ بِأنَّ الهَمْزَةَ إذا سَكَنَ ما قَبْلَها فَطَرِيقُ تَخْفِيفِها الحَذْفُ لا القَلْبُ، كَما يُقالُ في الكَمْءِ كَمَهْ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ فَقالَ: تَخْرِيجُهُ عَلى الوَقْفِ فِيهِ ضَعْفانِ؛ لِأنَّ الوَقْفَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لَيْسَ مِن لُغَةِ الفُصَحاءِ، وإجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ - فِيما لا يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ – كَذَلِكَ، وأمّا تِلْكَ اللُّغَةُ فَعَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّها قِياسٌ، انْتَهى. وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّ الخَبا بِالألِفِ لا يَجُوزُ أصْلًا، وهو مِن قُصُورِ العِلْمِ، قالَ المُبَرِّدُ: كانَ أبُو حاتِمٍ دُونَ أصْحابِهِ في النَّحْوِ ولَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ، إلّا أنَّهُ إذا خَرَجَ مِن بَلْدَتِهِمْ لَمْ يُلْقَ أعْلَمَ مِنهُ. وأُشِيرَ بِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ عَلى (يُخْرِجُ) إلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ ما في العالَمِ الإنْسانِيِّ مِنَ الخَفايا كَما يُخْرِجُ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الخَبايا؛ لِما أنَّ المُرادَ: يُظْهِرُ ما تُخْفُونَهُ مِنَ الأحْوالِ فَيُجازِيكم بِها، وذِكْرُ (ما تُعْلِنُونَ) لِتَوْسِيعِ دائِرَةِ العِلْمِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَساوِيهِما بِالنِّسْبَةِ إلى العِلْمِ الإلَهِيِّ كَذا قِيلَ. ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ أُشِيرَ بِما تَقَدَّمَ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وبِهَذا إلى كَمالِ عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّهُ اسْتَوى فِيهِ الباطِنُ والظّاهِرُ. وقُدِّمَ ( ما تُخْفُونَ) لِذَلِكَ مَعَ مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الخَبْءِ، وقُدِّمَ وصْفُهُ تَعالى بِإخْراجِ الخَبْءِ مِنَ السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِلْمَقامِ، والخِطابُ - عَلى ما قِيلَ - إمّا لِلنّاسِ أوْ لِقَوْمِ سُلَيْمانَ أوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ، وفي الكَلامِ التِفاتٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والجُمْهُورُ «ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ، وفي الكَشّافِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: «ألا تَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ» .

النمل 27:26

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِوَصْفِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ، و(العَظِيمِ) بِالجَرِّ صِفَةُ العَرْشِ، وهو نِهايَةُ الأجْرامِ، فَلا جِرْمَ فَوْقَهُ، وفي الآثارِ مِن وصْفِ عِظَمِهِ ما يُبْهِرُ صفحة 193 العُقُولَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنَّ الكُرْسِيَّ الَّذِي نَطَقَ الكِتابُ العَزِيزُ بِأنَّهُ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وهو عِنْدَ الفَلاسِفَةِ مُحَدَّدُ الجِهاتِ، وذَهَبُوا إلى أنَّهُ جِسْمٌ كُرِّيٌّ خالٍ عَنِ الكَواكِبِ، مُحِيطٌ بِسائِرِ الأفْلاكِ، مُحَرِّكٌ لَها قَسْرًا مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ولا يَكادُ يَعْلَمُ مِقْدارَ ثِخَنِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وفي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَأْبى بِظاهِرِهِ بَعْضَ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَبَيْنَ عِظَمِهِ وعِظَمِ عَرْشِ بِلْقِيسَ بَوْنٌ عَظِيمٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وجَماعَةٌ «العَظِيمُ» بِالرَّفْعِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعَرْشِ مَقْطُوعَةً بِتَقْدِيرِ هُوَ، فَتَسْتَوِي القِراءَتانِ مَعْنًى، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ.

النمل 27:27

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرْتَهُ، مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: سَنَتَعَرَّفُ بِالتَّجْرِبَةِ البَتَّةَ. ﴿أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (أمْ كَذَبْتَ) وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَذِبَهُ في هَذِهِ المادَّةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِظامَهُ في سِلْكِ المَوْسُومِينَ بِالكَذِبِ الرّاسِخِينَ فِيهِ؛ فَإنَّ مَساقَ هَذِهِ الأقاوِيلِ المُلَفَّقَةِ - مَعَ تَرْتِيبٍ أنِيقٍ يَسْتَمِيلُ قُلُوبَ السّامِعِينَ نَحْوَ قَبُولِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ أصْلًا، لا سِيَّما بَيْنَ يَدَيْ نَبِيٍّ عَظِيمٍ تُخْشى سَطْوَتُهُ - لا يَكادُ يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ في الكَذِبِ والإفْكِ، وصارَ سَجِيَّةً لَهُ، حَتّى لا يَمْلِكَ نَفْسَهُ عَنْهُ في أيِّ مَوْطِنٍ كانَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذاكَ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وفي الآيَةِ - عَلى ما في الإكْلِيلِ - قَبُولُ الوالِي عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، ودَرْءُ العُقُوبَةِ عَنْهُمْ، وامْتِحانُ صِدْقِهِمْ فِيما اعْتَذَرُوا بِهِ.

النمل 27:28

َقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ النَّظَرِ الَّذِي وعَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَما كَتَبَ كِتابَهُ في ذَلِكَ المَجْلِسِ أوْ بَعْدَهُ. فَهَذا إشارَةٌ إلى الحاضِرِ، وتَخْصِيصُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهُ بِالرِّسالَةِ دُونَ سائِرِ ما تَحْتَ مِلْكِهِ مِن أُمَناءِ الجِنِّ الأقْوِياءِ عَلى التَّصَرُّفِ والتَّعَرُّفِ؛ لِما عايَنَ فِيهِ مِن مَخايِلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، ولِئَلّا يَبْقى لَهُ عُذْرٌ أصْلًا، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إرْسالِ الكُتُبِ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ الإمامِ لِإبْلاغِ الدَّعْوَةِ والدُّعاءِ إلى الإسْلامِ، وقَدْ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى كِسْرى وقَيْصَرَ وغَيْرِهِما مِن مُلُوكِ العَرَبِ. وقُرِئَ في السَّبْعَةِ «فَألْقِهْ» بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ بَعْدَها، وبِاخْتِلاسِ الكَسْرَةِ وبِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الهاءِ وواوٍ بَعْدَها. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ التَّوَلِّيَ بِالكُلِّيَّةِ يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى القَلْبِ - كَما زَعَمَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو عَلِيٍّ - وهو غَيْرُ مُناسِبٍ. وأمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهُ بِالتَّنَحِّي مِن بابِ تَعْلِيمِ الأدَبِ مَعَ المُلُوكِ، كَما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ. والنَّظَرُ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، وماذا إمّا كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ(يَرْجِعُونَ) ورَجَعَ تَكُونُ مُتَعَدِّيَةً كَما تَكُونُ لازِمَةً، أوْ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ (يَرْجِعُونَ) خَبَرُهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، وذا اسْمٌ مَوْصُولٌ - بِمَعْنى الَّذِي – خَبَرُهُ، وجُمْلَةُ (يَرْجِعُونَ) صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها فِعْلُ القَلْبِ، فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وقِيلَ: النَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَلا تَعْلِيقَ، بَلْ كَلِمَةُ (ماذا) مَوْصُولٌ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ كَذا قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ بِمَعْنى التَّأمُّلِ، وأنَّ المُرادَ: فَتَأمَّلْ وتَعَرَّفْ ماذا يَرُدُّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ. وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطى الهُدْهُدَ قُوَّةً يَفْهَمُ بِها ما يَسْمَعُهُ مِن صفحة 194 كَلامِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِالإلْقاءِ لِأنَّ تَبْلِيغَهُ لا يُمْكِنُ بِدُونِهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَبْلِيغُ ما فِيهِ لِجَمِيعِ القَوْمِ، والكَشْفُ عَنْ حالِهِمْ بَعْدَهُ.

النمل 27:29

﴿قالَتْ﴾ أيْ: بَعْدَما ذَهَبَ الهُدْهُدُ بِالكِتابِ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ وتَنَحّى عَنْهم حَسْبَما أُمِرَ بِهِ، وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُهُ؛ إيذانًا بِكَمالِ مُسارَعَتِهِ إلى إقامَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخِدْمَةِ، وإشْعارًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ. رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَتَبَ كِتابَهُ، وطَبَعَهُ بِالمِسْكِ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ودَفَعَهُ إلى الهُدْهُدِ، فَذَهَبَ بِهِ فَوَجَدَها راقِدَةً في قَصْرِها بِمَأْرَبٍ، وكانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها، فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وفي رِوايَةٍ: بَيْنَ ثَدْيَيْها، وقِيلَ: نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً، وقِيلَ: أتاها والقادَةُ والجُنُودُ حَوالَيْها فَرَفْرَفَ ساعَةً، والنّاسُ يَنْظُرُونَ حَتّى رَفَعَتْ رَأْسَها فَألْقى الكِتابَ في حِجْرِها، فَلَمّا رَأتِ الخاتَمَ ارْتَعَدَتْ وخَضَعَتْ فَقالَتْ ما قالَتْ. وقِيلَ: كانَتْ في البَيْتِ كُوَّةٌ تَقَعُ الشَّمْسُ مِنها كُلَّ يَوْمٍ، فَإذا نَظَرَتْ إلَيْها سَجَدَتْ، فَجاءَ الهُدْهُدُ فَسَدَّها بِجَناحَيْهِ فَرَأتْ ذَلِكَ وقامَتْ إلَيْهِ فَألْقى الكِتابَ إلَيْها، وكانَتْ قارِئَةً كاتِبَةً عَرَبِيَّةً مَن نَسْلِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، واشْتُهِرَ أنَّها مِن نَسْلِ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ، وكانَ الخَطُّ العَرَبِيُّ في غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ والجَوْدَةِ في دَوْلَةِ التَّبابِعَةِ، وهو المُسَمّى بِالخَطِّ الحِمْيَرِيِّ، وكانَ بِحِمْيَرَ كِتابَةٌ تُسَمّى المُسْنَدَ، حُرُوفُها مُفَصَّلَةٌ، وكانُوا يَمْنَعُونَ مِن تَعْلِيمِها إلّا بِإذْنِهِمْ، ومِن حِمْيَرٍ تَعَلَّمَ مُضَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ. واخْتارَ ابْنُ خَلْدُونَ القَوْلَ بِأنَّهُ تَعَلَّمَ الكِتابَةَ العَرَبِيَّةَ مِنَ التَّبابِعَةِ وحَمِيرٍ أهْلُ الحِيرَةِ، وتَعَلَّمَها مِنهم أهْلُ الحِجازِ. وظاهِرٌ كَوْنُ بِلْقِيسَ مِنَ العَرَبِ، وأنَّها قَرَأتِ الكِتابَ يَقْتَضِي أنَّ الكِتابَ كانَ عَرَبِيًّا، ولَعَلَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعْرِفُ العَرَبِيَّ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ - ومَن عُلِّمَ مَنطِقَ الطَّيْرِ لا يَبْعُدُ أنْ يُعَلَّمَ مَنطِقَ العَرَبِ الَّذِي هو أشْرَفُ مَنطِقٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَن يَعْرِفُ ذَلِكَ، وكَذا مَن يَعْرِفُ غَيْرَهُ مِنَ اللُّغاتِ كَعادَةِ المُلُوكِ يَكُونُ عِنْدَهم مَن يَتَكَلَّمُ بِعِدَّةِ لُغاتٍ؛ لِيُتَرْجِمَ لَهم ما يَحْتاجُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ بَلْ بِلُغَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وقَلَمِهِ، وكانَ قَلَمُهُ - كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ البَوْنِيِّ – كاهِنِيًّا، وكانَ عِنْدَ بِلْقِيسَ مَن تَرْجَمَهُ لَها، وأعْلَمَها بِما فِيهِ، فَجَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وأخْبَرَتْهم بِذَلِكَ واسْتَشارَتْهم كَما حَكى سُبْحانَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - قالَتْ: ﴿يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ... إلَخْ. وأقْدَمَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى كِتابَةِ الكِتابِ إلَيْها كَذَلِكَ قَوْلُ الهُدْهُدِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ والمُتَرْجِمُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها المَلِكُ، وأنَّ اللّائِقَ بِشَأْنِهِ وعَظْمَتِهِ أنْ لا يَتْرُكَ لِسانَهُ ويَتَشَبَّهُ بِها في لِسانِها، ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ بِنَفْسِها تَعْرِفُ تِلْكَ الكِتابَةَ فَقَرَأتِ الكِتابَ لِذَلِكَ، ورُجِّحَ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ بِأنَّ الكِتابَةَ لَها بِالعَرَبِيَّةِ تَسْتَدْعِي الوُقُوفَ عَلى حالِها، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما وقَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَلَّهُ عَلى كَوْنِها عَرَبِيَّةً قَوْلُ الهُدْهُدِ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ لا يَخْفى عَلَيْهِ كَوْنُ سَبَأٍ مِنَ العَرَبِ، والظّاهِرُ كَوْنُ مَلِكَتِهِمْ مِنهُمْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ؛ لِكَوْنِهِ مَخْتُومًا، فَفي الحَدِيثِ: ««كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ»». وفِي شَرْحِ أدَبِ الكاتِبِ يُقالُ: أكْرَمْتُ الكِتابَ فَهو كَرِيمٌ إذا خَتَمْتَهُ، وقالَ ابْنُ المُقَفَّعِ: مَن كَتَبَ إلى أخِيهِ كِتابًا ولَمْ يَخْتِمْهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِهِ، وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «الكَرِيمَ» هُنا بِالمَخْتُومِ، وفِيهِ - كَما قِيلَ - اسْتِحْبابُ خَتْمِ الكِتابِ لِكَرَمِ مَضْمُونِهِ وشَرَفِهِ، أوْ لِكَرَمِ صفحة 195 مُرْسِلِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ، وعَلِمَتْ ذَلِكَ بِالسَّماعِ أوْ بِكَوْنِ كِتابِهِ مَخْتُومًا بِاسْمِهِ - عَلى عادَةِ المُلُوكِ والعُظَماءِ - أوْ بِكَوْنِ رَسُولِهِ بِهِ الطَّيْرَ، أوْ لِبَداءَتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ لِغَرابَةِ شَأْنِهِ ووُصُولِهِ إلَيْها عَلى مِنهاجٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِظَنِّها إيّاهُ - بِسَبَبِ أنَّ المُلْقِيَ لَهُ طَيْرٌ - أنَّهُ كِتابٌ سَماوِيٌّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وبِناءُ (أُلْقِيَ) لِلْمَفْعُولِ لِعَدَمِ الِاهْتِمامِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: لِجَهْلِها بِهِ أوْ لِكَوْنِهِ حَقِيرًا. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفُصُوصِ: مِن حِكْمَةِ بِلْقِيسَ كَوْنُها لَمْ تَذْكُرْ مَن ألْقى إلَيْها الكِتابَ، وما ذاكَ إلّا لِتُعْلِمَ أصْحابَها أنَّ لَها اتِّصالًا إلى أُمُورٍ لا يَعْلَمُونَ طَرِيقَها، وفي ذَلِكَ سِياسَةٌ مِنها، أوْرَثَتِ الحَذَرَ مِنها في أهْلِ مَمْلَكَتِها، وخَواصِّ مُدَبِّرِيها، وبِهَذا اسْتَحَقَّتِ التَّقْدِيمَ عَلَيْهِمُ، انْتَهى. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الحُكْمِ،

النمل 27:30

وأمّا التَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلِذاكَ أيْضًا، أوْ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مِمَّنْ هَذا الكِتابُ وماذا مَضْمُونُهُ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ إلَخْ، ويَحْسُنُ التَّأْكِيدُ بِـ(إنَّ) في جَوابِ السُّؤالِ، ولا أرى فَرْقًا في ذَلِكَ بَيْنَ المُحَقَّقِ والمُقَدَّرِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ ضَمِيرَ (إنَّهُ) الأوَّلَ لِلْكِتابِ، وضَمِيرَ (إنَّهُ) الثّانِيَ لِلْمَضْمُونِ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدَّمَ اسْمَهُ عَلى اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وعِلْمُها بِأنَّهُ مِن سُلَيْمانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكِتابَةِ اسْمِهِ بَعْدُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ أنَّهُ قالَ: كَتَبَ سُلَيْمانُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ إلى بِلْقِيسَ ابْنَةِ ذِي شَرْحٍ وقَوْمِها: (أنْ لا تَعْلُوا) ... إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكِتابَتِهِ في ظاهِرِ الكِتابِ، وكانَ باطِنُ الكِتابِ (بِسْمِ اللَّهِ) ... إلَخْ. وقِيلَ: ضَمِيرُ (إنَّهُ) الأوَّلُ لِلْعُنْوانِ، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْوَنَ الكِتابَ بِاسْمِهِ مُقَدِّمًا لَهُ، فَكَتَبَ: مِن سُلَيْمانَ (بِسْمِ اللَّهِ) ... إلَخْ، واسْتَظْهَرَ هَذا أبُو حَيّانَ، ثُمَّ قالَ: وقَدَّمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْمَهُ لِاحْتِمالِ أنْ يَبْدُرَ مِنها ما لا يَلِيقُ إذْ كانَتْ كافِرَةً، فَيَكُونُ اسْمُهُ وِقايَةً لِاسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى. وكِتابَةُ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ الكُتُبِ مِمّا جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ نَبِيِّنا ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِلا خِلافٍ، وأمّا قَبْلَهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ كُتُبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تُفْتَتَحْ بِها، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ ما كَتَبَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) حَتّى نَزَلَتْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ) ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ) ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النَّمْلِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ، فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)». وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ – يَكْتُبُ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ كَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ)...» إلَخْ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ وقَتادَةَ، وهَذا عِنْدِي مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى مَعَ القَوْلِ بِنُزُولِ البَسْمَلَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلى خِلافِهِ، فَقَدْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في إتْقانِهِ: اخْتُلِفَ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها - وهو الصَّحِيحُ -: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واحْتَجَّ لَهُ بَعْدَهُ بِأخْبارٍ، مِنها خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ في بَدْءِ الوَحْيِ، وهو مَشْهُورٌ. وثانِيها: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ . وثالِثُها: سُورَةُ الفاتِحَةِ. ورابِعُها: البَسْمَلَةُ. ثُمَّ قالَ: وعِنْدِي أنَّ هَذا لا يُعَدُّ قَوْلًا بِرَأْسِهِ؛ فَإنَّهُ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِ السُّورَةِ نُزُولُ البَسْمَلَةِ مَعَها، فَهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى الإطْلاقِ، اهـ. وهُوَ يُقَوِّي ما قُلْناهُ، فَإنَّ البَسْمَلَةَ إذا كانَتْ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ كانَتْ هي المُفْتَتَحَ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِشَأْنِهِ ﷺ أنْ يَفْتَتِحَ بِها كُتُبَهُ كَما افْتَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِها كِتابَهُ، وجَعَلَها أوَّلَ المُنَزَّلِ مِنهُ. والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ قَبْلُ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَعْلَمْ مَشْرُوعِيَّتَها في أوائِلِ الكُتُبِ والرَّسائِلِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِكِتابَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها في كِتابِهِ إلى أهْلِ سَبَأٍ - مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا جاهِلٌ صفحة 196 بِقَدْرِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّها إذا كُتِبَتْ في الكُتُبِ والرَّسائِلِ فالأوْلى أنْ تَكْتُبَ سَطْرًا وحْدَها. وفِي أدَبِ الكُتّابِ لِلصُّولِيِّ أنَّهم يَخْتارُونَ أنْ يَبْدَأ الكاتِبُ بِالبَسْمَلَةِ مِن حاشِيَةِ القِرْطاسِ، ثُمَّ يَكْتُبَ الدُّعاءَ مُساوِيًا لَها، ويَسْتَقْبِحُونَ أنْ يَخْرُجَ الكَلامُ عَنِ البَسْمَلَةِ فاضِلًا بِقَلِيلٍ، ولا يَكْتُبُونَها وسَطًا، ويَكُونُ الدُّعاءُ فاضِلًا، اهـ. وما ذُكِرَ مِن كِتابَةِ الدُّعاءِ بَعْدَها لَمْ يَكُنْ في الصَّدْرِ الأوَّلِ، وإنَّما كانَ فِيهِ كِتابَةُ (مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ). وتَقْدِيمُ اسْمِ الكاتِبِ عَلى اسْمِ المَكْتُوبِ لَهُ مَشْرُوعٌ، وإنْ كانَ الأوَّلُ مَفْضُولًا والثّانِي فاضِلًا، فَفي البَحْرِ عَنْ أنَسٍ: ما كانَ أحَدٌ أعْظَمَ حُرْمَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ أصْحابُهُ إذا كَتَبُوا إلَيْهِ كِتابًا بَدَؤُوا بِأنْفُسِهِمْ. وقالَ أبُو اللَّيْثِ في البُسْتانِ لَهُ: ولَوْ بَدَأ بِالمَكْتُوبِ إلَيْهِ جازَ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ قَدْ أجْمَعَتْ عَلَيْهِ وفَعَلُوهُ، انْتَهى. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها مِنها لَكِنْ بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ والتَّرْتِيبِ المَخْصُوصِ، وما في كِتابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ، وتُرْجِمَتْ لَنا بِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ» بِزِيادَةِ واوٍ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّها عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها عَلى جُمْلَةِ: (إنِّي أُلْقِيَ) وقِيلَ: هي واوُ الحالِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ» بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) في المَوْضِعَيْنِ، وخُرِّجَ عَلى الإبْدالِ مِن (كِتابٌ) أيْ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ ... إلَخْ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ ... إلَخْ، كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ، وبِكَوْنِهِ مُصَدَّرًا بِاسْمِ اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ أُبَيٌّ: «أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ (أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ، أوْ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وحُذِفَتِ الهاءُ.

النمل 27:31

و(أنْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً و(لا) ناهِيَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ناصِبَةً لِلْفِعْلِ و(لا) نافِيَةً، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُها ناهِيَةً أيْضًا، ومَحَلُّ المَصْدَرِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (كِتابٌ) أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ، أيْ: مَضْمُونُهُ (أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ) أيْ: أنْ لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، كَما يَفْعَلُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - في رِوايَةِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والأشْهَبِ العَقِيلِيُّ: «أنْ لا تَغْلُوا» بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ، أيْ: (أنْ لا تَتَجاوَزُوا حَدَّكُمْ). ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فَإنْ كانَتْ فِيهِ (لا) ناهِيَةً فَعَطْفُ الأمْرِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً و(أنْ) مَصْدَرِيَّةً فَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ، والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ، والأكْثَرُونَ عَلى جَوازِهِ في مِثْلِ هَذا، والمُرادُ بِالإسْلامِ الإيمانُ، أيْ: وأتَوْنِي مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الِانْقِيادُ، أيِ: ائْتُونِي مُنْقادِينَ مُسْتَسْلِمِينَ، والدَّعْوَةُ عَلى الأوَّلِ دَعْوَةُ النُّبُوَّةِ، وعَلى الثّانِي دَعْوَةُ المَلِكِ، واللّائِقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الأوَّلُ. وفِي بَعْضِ الآثارِ - كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ما يُؤَيِّدُهُ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالإيمانِ قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى رِسالَتِهِ فَيَكُونَ اسْتِدْعاءً لِلتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ المَذْكُورَةَ هي الدَّعْوَةُ الأُولى الَّتِي لا تَسْتَدْعِي إظْهارَ المُعْجِزَةِ وإقامَةَ الحُجَّةِ، وعادَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ أوَّلًا، فَإذا عُورِضُوا أقامُوا الدَّلِيلَ وأظْهَرُوا المُعْجِزَةَ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَصْدُرْ مُعارَضَةٌ، وقِيلَ: إنَّ الدَّعْوَةَ ما كانَتْ إلّا مَقْرُونَةً بِإقامَةِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّ إلْقاءَ الكِتابِ إلَيْها عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ - فِيما مَرَّ أوَّلًا - مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ دالَّةٌ عَلى رِسالَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَلالَةً بَيِّنَةً. وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ الإلْقاءِ المَذْكُورِ مُعْجِزَةً غَيْرُ واضِحٍ، خُصُوصًا وهي لَمْ تُقارِنِ التَّحَدِّيَ، ورُجِّحَ صفحة 197 الثّانِي بِأنَّ قَوْلَها: ﴿إنَّ المُلُوكَ﴾ إلَخْ صَرِيحٌ في دَعْوَةِ المُلْكِ والسَّلْطَنَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ لِعَدَمِ تَيَقُّنِها رِسالَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – حِينَئِذٍ، أوْ هو مِن بابِ الِاحْتِيالِ لِجَلْبِ القَوْمِ إلى الإجابَةِ بِإدْخالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مَلِكًا، وهَذا كَما تَرى. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الكِتابِ أكْثَرُ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ، وثانِيَتُهُما أنَّ فِيهِ: (السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى) أمّا بَعْدُ: (فَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ). وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ نُسْخَةَ الكِتابِ: مِن عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ إلى بِلْقِيسَ مَلِكَةِ سَبَأٍ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، إلى آخِرِ ما ذُكِرَ، ولَعَلَّها - عَلى ما هو الظّاهِرُ - عَرَفَتْ أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالخِطابِ مِن قَرائِنِ الأحْوالِ. وقَدْ تَضَمَّنَ ما قَصَّهُ سُبْحانَهُ البَسْمَلَةَ الَّتِي هي هي في الدَّلالَةِ عَلى صِفاتِهِ تَعالى صَرِيحًا والتِزامًا، والنَّهْيَ عَنِ التَّرَفُّعِ الَّذِي هو أُمُّ الرَّذائِلِ، والأمْرَ بِالإسْلامِ الجامِعَ لِأُمَّهاتِ الفَضائِلِ، فَيا لَهُ كِتابٌ في غايَةِ الإيجازِ ونِهايَةِ الإعْجازِ، وعَنْ قَتادَةَ كَذَلِكَ كانَتِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَكْتُبُ جُمَلًا لا يُطِيلُونَ ولا يُكْثِرُونَ. هَذا، ولَمْ أرَ في الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَتَبَ ذَلِكَ عَلى الكاغِدِ أوِ الرَّقِّ أوْ غَيْرِهِما، واشْتُهِرَ عَلى ألْسِنَةِ الكُتّابِ أنَّ الكِتابَ كانَ مِنَ الكاغِدِ المَعْرُوفِ، وأنَّ الهُدْهُدَ أخَذَهُ مِن طَرَفِهِ بِمِنقارِهِ فابْتَلَّ ذَلِكَ الطَّرَفُ بِرِيقِهِ، وذَهَبَ مِنهُ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ الزّاوِيَةَ اليُمْنى مِن جِهَةِ أسْفَلِ الكِتابِ، وزَعَمُوا أنَّ قَطْعَهم شَيْئًا مِنَ القِرْطاسِ مِن تِلْكَ الزّاوِيَةِ تَشْبِيهًا لِما يَكْتُبُونَهُ بِكِتابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولِسائِرِ أرْبابِ الصَّنائِعِ والحِرَفِ حِكاياتٌ مِن هَذا القَبِيلِ، وهي عِنْدَ العُقَلاءِ أحادِيثُ خُرافَةٍ.

النمل 27:32

﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ كَرَّرَتْ حِكايَةَ قَوْلِها؛ لِلْإيذانِ بِغايَةِ اعْتِنائِها بِما في حَيِّزِها، والإفْتاءُ - عَلى ما قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ -: الإشارَةُ عَلى المُسْتَفْتِي فِيما حَدَثَ لَهُ مِنَ الحادِثَةِ بِما عِنْدَ المُفْتِي مِنَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ، وهو إزالَةُ ما حَدَثَ لَهُ مِنَ الإشْكالِ، كالإشْكاءِ إزالَةُ الشَّكْوى، وفي المُغْرِبِ: اشْتِقاقُ الفَتْوى مِنَ الفَتى؛ لِأنَّها جَوابٌ في حادِثَةٍ، أوْ إحْداثُ حُكْمٍ، أوْ تَقْوِيَةٌ لِبَيانِ مُشْكِلٍ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى: أشِيرُوا عَلَيَّ بِما عِنْدَكم مِنَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ فِيما حَدَثَ لِي، وذَكَرْتُ لَكم خُلاصَتَهُ، وقَصَدَتْ بِما ذَكَرَتِ اسْتِعْطافَهم وتَطْيِيبَ نُفُوسِهِمْ؛ لِيُساعِدُوها ويَقُومُوا مَعَها، وأكَّدَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما أقْطَعُ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُلْكِ إلّا بِمَحْضَرِكم وبِمُوجِبِ آرائِكُمْ، والإتْيانُ بِـ(كانَ) لِلْإيذانِ بِأنَّها اسْتَمَرَّتْ عَلى ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَقَعْ مِنها غَيْرُهُ في الزَّمَنِ الماضِي، فَكَذا في هَذا و(حَتّى تَشْهَدُونِ) غايَةٌ لِلْقَطْعِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ المُشاوَرَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالآراءِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «ما كُنْتُ قاضِيَةً أمْرًا».

النمل 27:33

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في جَوابِها؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في الأجْسادِ والعَدَدِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وشَجاعَةٍ مُفْرِطَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ، قِيلَ: كانَ أهْلُ مَشُورَتِها ثَلاثَمِائَةٍ واثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّ واحِدٍ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لِصاحِبَةِ سُلَيْمانَ اثْنا عَشَرَ ألْفَ قَيْلٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ ألْفٍ، وقِيلَ: كانَ تَحْتَ يَدِها أرْبَعُمِائَةِ مَلِكٍ، كُلُّ مَلِكٍ عَلى كُورَةٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ مَلِكٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، صفحة 198 ولَها ثَلاثُمِائَةِ وزِيرٍ، يُدَبِّرُونَ مُلْكَها، ولَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ قائِدٍ، كُلُّ قائِدٍ تَحْتَ يَدِهِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مُقاتِلٍ، وهَذِهِ الأخْبارِ إلى الكَذِبِ أقْرَبُ مِنها إلى الصِّدْقِ، ولَعَمْرِي إنَّ أرْضَ اليَمَنِ لَتَكادُ تَضِيقُ عَنِ العَدَدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ الأخِيرانِ، ولَيْتَ شِعْرِي ما مِقْدارُ عَدَدِ رَعِيَّتِها الباقِينَ الَّذِينَ تَحْتاجُ إلى هَذا العَسْكَرِ والقُوّادِ والوُزَراءِ؛ لِسِياسَتِهِمْ، وضَبْطِ أُمُورِهِمْ، وتَنْظِيمِ أحْوالِهِمْ. ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ تَسْلِيمٌ لِلْأمْرِ إلَيْها بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والشَّجاعَةِ؛ حَتّى لا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ مِنَ العَجْزِ، والأمْرُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، أوِ المَعْنى الشَّأْنُ، وهو مُبْتَدَأٌ و(إلَيْكِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، ويُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا لِيُفِيدَ الحَصْرَ المَقْصُودَ لِفَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، أيْ والأمْرُ إلَيْكِ مَوْكُولٌ. ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ مِنَ الصُّلْحِ والمُقاتَلَةِ نُطِعْكِ ونَتَّبِعْ رَأْيَكِ، وقِيلَ: أرادُوا: نَحْنُ مِن أبْناءِ الحَرْبِ لا مِن أبْناءِ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ، وإلَيْكِ الرَّأْيُ والتَّدْبِيرُ، فانْظُرِي ماذا تَرَيْنَ نَكُنْ في الخِدْمَةِ، فَلَمّا أحَسَّتْ مِنهُمُ المَيْلَ إلى الحَرْبِ، والعُدُولَ عَنِ السَّنَنِ الصَّوابِ شَرَعَتْ في تَزْيِيفِ مَقالَتِهِمُ المُنْبِئَةِ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ شَأْنِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَسْبَما تَعْتَقِدُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

النمل 27:34

﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ مِنَ القُرى عَلى مِنهاجِ المُقاتَلَةِ والحَرْبِ ﴿أفْسَدُوها﴾ بِتَخْرِيبِ عِماراتِها وإتْلافِ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ. ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الإهانَةِ والإذْلالِ، ولَمْ يَقُلْ: وأذَلُّوا أعِزَّةَ أهْلِها - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - لِلْمُبالَغَةِ في التَّصْيِيرِ والجَعْلِ ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تَصْدِيقٌ لَها مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هو مِن كَلامِها، جاءَتْ بِهِ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْ مِن حالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، وتَقْرِيرًا لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ، فالضَّمِيرُ لِلْمُلُوكِ، وقِيلَ: هو لِسُلَيْمانَ ومَن مَعَهُ، فَيَكُونُ تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّأْكِيدَ لازِمٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا لِلِانْدِراجِ تَحْتَ الكُلِّيَّةِ، وكَأنَّها أرادَتْ - عَلى ما قِيلَ -: إنَّ سُلَيْمانَ مَلِكٌ، والمُلُوكَ هَذا شَأْنُهُمْ، وغَلَبَتَنا عَلَيْهِ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ، ولا اعْتِمادَ عَلى العَدَدِ والعُدَّةِ والشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ، فَرُبَّما يَغْلِبُنا فَيَكُونُ ما يَكُونُ، فالصُّلْحُ خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّها غَلَبَ عَلى ظَنِّها غَلَبَتُهُ حَيْثُ رَأتْ أنَّهُ سُخِّرَ لَهُ الطَّيْرُ، فَجَعَلَ يُرْسِلُهُ بِأمْرٍ خاصٍّ إلى شَخْصٍ خاصٍّ، مُغْلِقٍ عَلَيْهِ الأبْوابَ، فَأشارَتْ لَهم إلى أنَّهُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ إذا قاتَلُوهُ، فَيُفْسِدُ القُرى، ويُذِلُّ الأعِزَّةَ، وأفْسَدَتْ بِذَلِكَ رَأْيَهم وما أحَسَّتْهُ مِنهم مِنَ المَيْلِ إلى مُقاتَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَرَّرَتْ رَأْيَها بِقَوْلِها:

النمل 27:35

﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ حَتّى أعْمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّها لَمْ تَثِقْ بِقَبُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَدِيَّتَها. ورُوِيَ أنَّها قالَتْ لِقَوْمِها: إنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيًّا أرْضاهُ المالُ وعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ويَنْبَغِي أنْ نَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، والهَدِيَّةُ اسْمٌ لِما يُهْدى كالعَطِيَّةِ اسْمٌ لِما يُعْطى، والتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ، و(ناظِرَةٌ) عَطْفٌ عَلى (مُرْسِلَةٌ) و(بِمَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَرْجِعُ) ووَقَعَ لِلْحَوْفِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ناظِرَةٌ) وهو وهْمٌ فاحِشٌ كَما في البَحْرِ، والنَّظَرُ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لَهُ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الثَّباتِ المُصَدَّرَةُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّها مُزْمِعَةٌ عَلى رَأْيِها، لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ، ولا يَثْنِيها عاطِفٌ. واخْتُلِفَ في هَدِيَّتِها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِائَةَ وصِيفٍ ومِائَةَ وصِيفَةٍ، وقالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ: عَمَدَتْ بِلْقِيسُ إلى خَمْسِمِائَةِ غُلامٍ وخَمْسِمِائَةِ جارِيَةٍ فَألْبَسَتِ الجَوارِيَ لُبْسَ الغِلْمانِ الأقْبِيَةَ والمَناطِقَ، وألْبَسَتِ الغِلْمانَ صفحة 199 لِباسَ الجَوارِي، وجَعَلَتْ في أيْدِيهِمْ أساوِرَ الذَّهَبِ، وفي أعْناقِهِمْ أطْواقَ الذَّهَبِ، وفي آذانِهِمْ أقْرِطَةً وشُنُوفًا مُرَصَّعَةً بِأنْواعِ الجَواهِرِ، وحَمَلَتِ الجَوارِيَ عَلى خَمْسِمِائَةِ رَمَكَةٍ، والغِلْمانَ عَلى خَمْسِمِائَةِ بِرْذَوْنٍ، عَلى كُلِّ فَرَسٍ سَرْجٌ مِنَ الذَّهَبِ، مُرَصَّعٌ بِالجَوْهَرِ، وعَلَيْهِ أغْشِيَةُ الدِّيباجِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ لَبِناتٍ مِن ذَهَبٍ، ولَبِناتٍ مِن فِضَّةٍ، وتاجًا مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وأرْسَلَتْ بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ والعُودِ، وعَمَدَتْ إلى حُقٍّ فَجَعَلَتْ فِيهِ دُرَّةً عَذْراءَ وخَرَزَةَ جِزْعٍ مُعْوَجَّةَ الثُّقْبِ. ودَعَتْ رَجُلًا مِن أشْرافِ قَوْمِها يُقالُ لَهُ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وضَمَّتْ إلَيْهِ رِجالًا مِن قَوْمِها أصْحابَ رَأْيٍ وعَقْلٍ، وكَتَبَتْ مَعَهُ كِتابًا تَذْكُرُ فِيهِ الهَدِيَّةَ، وقالَتْ فِيهِ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا مَيِّزْ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، وأخْبِرْ بِما في الحُقِّ قَبْلَ أنْ تَفْتَحَهُ، ثُمَّ قالَتْ لِلرَّسُولِ: فَإنْ أخْبَرَ فَقُلْ لَهُ: اثْقُبِ الدُّرَّةَ ثَقْبًا مُسْتَوِيًا، وأدْخِلْ في الخَرَزَةِ خَيْطًا مِن غَيْرِ عِلاجِ إنْسٍ ولا جِنٍّ، وقالَتْ لِلْغِلْمانِ: إذا كَلَّمَكم سُلَيْمانُ فَكَلِّمُوهُ بِكَلامٍ فِيهِ تَأْنِيثٌ وتَخَنُّثٌ يُشْبِهُ كَلامَ النِّساءِ، وأمَرَتِ الجَوارِيَ أنْ يُكَلِّمُوهُ بِكَلامِ فِيهِ غِلْظَةٌ يُشْبِهُ كَلامَ الرِّجالِ، ثُمَّ قالَتْ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ إلى الرَّجُلِ إذا دَخَلْتَ فَإنْ نَظَرَ إلَيْكَ نَظَرًا فِيهِ غَضَبٌ فاعْلَمْ أنَّهُ مَلِكٌ، فَلا يَهُولَنَّكَ مَنظَرُهُ؛ فَأنا أعَزُّ مِنهُ، وإنْ رَأيْتَ الرَّجُلَ بَشّاشًا لَطِيفًا فاعْلَمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَتَفَهَّمْ مِنهُ قَوْلَهُ ورَدَّ الجَوابِ. فانْطَلَقَ الرَّجُلُ بِالهَدايا، وأقْبَلَ الهُدْهُدُ مُسْرِعًا إلى سُلَيْمانَ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَأمَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجِنَّ أنْ يَضْرِبُوا لَبِنًا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَفَعَلُوا، وأمَرَهم بِعَمَلِ مَيْدانٍ مِقْدارِ تِسْعِ فَراسِخَ، وأنْ يَفْرِشُوا فِيهِ لَبِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأنْ يُخْلُوا قَدْرَ تِلْكَ اللَّبِناتِ الَّتِي مَعَهُمْ، وأنْ يَعْمَلُوا حَوْلَ المَيْدانِ حائِطًا مُشْرِفًا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالَ: أيُّ دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ أحْسَنُ؟ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما رَأيْنا أحْسَنَ مِن دَوابَّ في البَحْرِ يُقالُ لَها كَذا وكَذا، مُخْتَلِفَةٌ ألْوانُها، لَها أجْنِحَةٌ وأعْرافٌ ونَواصٍ، قالَ: عَلَيَّ بِها السّاعَةَ، فَأتَوْهُ بِها قالَ: شُدُّوها عَنْ يَمِينِ المَيْدانِ وشِمالِهِ، وقالَ لِلْجِنِّ: عَلَيَّ بِأوْلادِكُمْ، فاجْتَمَعَ مِنهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأقامَهم عَلى يَمِينِ المَيْدانِ وعَلى شِمالِهِ، وأمَرَ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ والوُحُوشَ والسِّباعَ والطَّيْرَ، ثُمَّ قَعَدَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، ووَضَعَ أرْبَعَةَ آلافِ كُرْسِيٍّ عَلى يَمِينِهِ وعَلى شِمالِهِ، وأمَرَ جَمِيعَ الإنْسِ والجِنِّ والشَّياطِينِ والوُحُوشِ والسِّباعِ والطَّيْرِ فاصْطَفَوْا فَراسِخَ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، فَلَمّا دَنا القَوْمُ مِنَ المَيْدانِ، ونَظَرُوا إلى مُلْكِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَأوُا الدَّوابَّ الَّتِي لَمْ يَرَوْا مِثْلَها تَرُوثُ عَلى لَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ تَصاغَرَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ، وخَبَّؤُوا ما كانَ مَعَهم مِنَ الهَدايا. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا ذَلِكَ المَوْضِعَ الخالِيَ مِنَ اللَّبِناتِ خالِيًا خافُوا أنْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ، فَوَضَعُوا ما مَعَهم مِنَ اللَّبِنِ فِيهِ، ولَمّا نَظَرُوا إلى الشَّياطِينِ هالَهم ما رَأوْا، وفَزِعُوا، فَقالَتْ لَهُمُ الشَّياطِينُ: جُوزُوا لا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى كَرادِيسِ الجِنِّ والوَحْشِ والطَّيْرِ حَتّى وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وتَلَقّاهم مَلْقًى حَسَنًا، وسَألَهم عَنْ حالِهِمْ فَأخْبَرَهُ رَئِيسُ القَوْمِ بِما جاؤُوا فِيهِ، وأعْطاهُ الكِتابَ فَنَظَرَ فِيهِ، وقالَ: أيْنَ الحُقُّ؟ فَأُتِيَ بِهِ، فَحَرَّكَهُ فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخْبَرَهُ بِما فِيهِ، فَقالَ لَهُمْ: إنَّ فِيهِ دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وجِزْعَةً مُعْوَجَّةَ الثَّقْبِ، قالَ الرَّسُولُ: صَدَقْتَ، فَأثْقِبِ الدُّرَّةَ وأدْخِلِ الخَيْطَ في الجِزْعَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن لِي بِثَقْبِها؟ وسَألَ الجِنَّ والإنْسَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَألَ الشَّياطِينَ فَقالُوا: نُرْسِلُ إلى الأرَضَةِ، فَلَمّا جاءَتْ أخَذَتْ شَعَرَةً بِفِيها ونَفَذَتْ في الدُّرَّةِ حَتّى خَرَجَتْ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَقالَ لَها: ما حاجَتُكِ؟ قالَتْ: تُصَيِّرُ رِزْقِي في الشَّجَرِ، فَقالَ: لَكِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: مَن لِهَذِهِ الخَرَزَةِ؟ فَقالَتْ دُودَةٌ بَيْضاءُ: أنا لَها يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأخَذَتِ الخَيْطَ بِفِيها ودَخَلَتِ الثَّقْبُ حَتّى خَرَجَتْ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَقالَ: ما حاجَتُكِ؟ قالَتْ: يَكُونُ رِزْقِي في الفَواكِهِ، فَقالَ: لَكِ ذَلِكَ، ثُمَّ مَيَّزَ صفحة 200 بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، أمَرَهم أنْ يَغْسِلُوا وُجُوهَهم وأيْدِيَهُمْ، فَجَعَلَتِ الجارِيَةُ تَأْخُذُ الماءَ بِيَدِها وتَضْرِبُ بِها الأُخْرى وتَغْسِلُ وجْهَها، والغُلامُ يَأْخُذُ الماءَ بِيَدَيْهِ ويَضْرِبُ بِهِ وجْهَهُ، وكانَتِ الجارِيَةُ تَصُبُّ الماءَ عَلى باطِنِ ساعِدَيْها، والغُلامُ عَلى ظاهِرِهِ، ثُمَّ رَدَّ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – الهَدِيَّةَ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: إنَّها أنَفَذَتْ مَعَ هَداياها عَصًا كانَ يَتَوارَثُها مُلُوكُ حِمْيَرَ، وقالَتْ: أُرِيدُ أنْ تُعَرِّفَنِي رَأْسَها مِن أسْفَلِها، وبِقَدَحِ ماءٍ وقالَتْ: تَمْلَؤُهُ ماءً رِواءً لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَّماءِ، فَأرْسَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا إلى الهَواءِ وقالَ، أيُّ الطَّرَفَيْنِ سَبَقَ إلى الأرْضِ فَهو أصْلُها، وأمَرَ بِالخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتّى عَرِقَتْ ومَلَأ القَدَحَ مِن عَرَقِها، وقالَ: هَذا لَيْسَ مِن ماءِ الأرْضِ ولا مِن ماءِ السَّماءِ، اهـ. وكُلُّ ذَلِكَ أخْبارٌ لا يُدْرى صِحَّتُها ولا كَذِبُها، ولَعَلَّ في بَعْضِها ما يَمِيلُ القَلْبُ إلى القَوْلِ بِكَذِبِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النمل 27:36

﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَأرْسَلَتِ الهَدِيَّةَ، فَلَمّا جاءَ ... إلَخْ، وضَمِيرُ (جاءَ) لِلرَّسُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِما أهْدَتْ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «فَلَمّا جاؤُوا» أيِ: المُرْسَلُونَ. ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُرْسِلِ تَغْلِيبًا لِلْحاضِرِ عَلى الغائِبِ، وإطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ، وهو أوْفَقُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ لِما فِيهِ مِن تَشْدِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ المُسْتَفادَيْنِ مِنَ الهَمْزَةِ - عَلى ما قِيلَ - وتَعْمِيمُهُما لِبِلْقِيسَ وقَوْمِها، وأُيِّدَ بِمَجِيءِ قَوْلِهِ تَعالى:

النمل 27:37

﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ بِالإفْرادِ، وتَنْكِيرُ (مالٍ) لِلتَّحْقِيرِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ «تُمِدُّونَنِ» بِنُونَيْنِ، وأثْبَتَ بَعْضٌ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ وإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والمَحْذُوفُ نُونُ الوِقايَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأوْلى، فَرَفْعُهُ بِعَلامَةٍ مُقَدَّرَةٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: أبِيتُ أُسَرِّي وتَبِيتِي تُدَلِّكِي وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِي ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المالِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما جِئْتُمْ بِهِ، وقِيلَ: عَنى بِما آتاهُ المالَ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ لِهَدِيَّتِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الِافْتِخارَ بِما أُوتِيَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُنْكِرُ إمْدادَكم إيّايَ بِمالٍ؛ لِأنَّ ما عِنْدِي خَيْرٌ مِنهُ، فَلا حاجَةَ لِي إلى هَدِيَّتِكُمْ، ولا وقْعَ لَها عِنْدِي، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ المَذْكُورَ كانَ أوَّلَ ما جاؤُوهُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ ... إلَخْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ عَلى إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم ما ذُكِرَ بَعْدَ أنْ جَرى بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما جَرى مِمّا في خَبَرِ وهْبٍ وغَيْرِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ رَدِّ هَدايا المُشْرِكِينَ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إذا كانَ في الرَّدِّ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ لا مُطْلَقًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (وما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ) لِتَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا لِما أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحالِ - وهي الحالُ المُقَرِّرَةُ لِلْإشْكالِ - يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِخِلافِ العِلَّةِ، وهي هُنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ إضْرابٌ عَمّا ذُكِرَ مِن إنْكارِ الإمْدادِ بِالمالِ وتَعْلِيلِهِ إلى بَيانِ ما حَمَلَهم عَلَيْهِ مِن قِياسِ حالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حالِهِمْ، وهو قُصُورُ هِمَّتِهِمْ عَلى الدُّنْيا والزِّيادَةِ فِيها، فالمَعْنى: أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم لِقُصُورِ هِمَّتِكم عَلى الدُّنْيا وحُبِّكُمُ الزِّيادَةَ فِيها، فَفي ذَلِكَ مِنَ الحَطِّ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى، والهَدِيَّةُ مُضافَةٌ إلى المُهْدى إلَيْهِ، وهي تُضافُ إلى ذَلِكَ كَما تُضافُ إلى المُهْدِي، أوْ إضْرابٌ صفحة 201 عَنْ ذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِفَرَحِهِمْ بِهَدِيَّتِهِمُ الَّتِي أهْدَوْها إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَحَ افْتِخارٍ وامْتِنانٍ واعْتِدادٍ بِها، وفائِدَةُ الإضْرابِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إمْدادَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالمالِ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وعَدُّ ذَلِكَ - مَعَ أنَّهُ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أقْبَحُ، والتَّوْبِيخُ بِهِ أدْخَلُ، قِيلَ: ويُنْبِئُ عَنِ اعْتِدادِهِمْ بِتِلْكَ الهَدِيَّةِ التَّنْكِيرُ في قَوْلِ بِلْقِيسَ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ بَعْدَ عَدِّها إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَلِكًا عَظِيمًا، وكَذا ما تَقَدَّمَ في خَبَرِ وهْبٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ الحُقِّ والجِزْعَةِ، وتَغْيِيرِ زِيِّ الغِلْمانِ والجَوارِي وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: فَرَحُهم بِما أهْدَوْهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حَيْثُ تَوَقُّعُهم بِهِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ؛ فَإنَّ الهَدايا لِلْعُظَماءِ قَدْ تُفِيدُ ما هو أزْيَدُ مِنها مالًا أوْ غَيْرَهُ، كَمَنعِ تَخْرِيبِ دِيارِهِمْ هُنا، وقِيلَ: الكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ الرَّدِّ، والمَعْنى: أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَفْرَحُوا بِأخْذِ الهَدِيَّةِ لا أنا، فَخُذُوها وافْرَحُوا، وهو مَعْنًى لَطِيفٌ، إلّا أنَّ فِيهِ خَفاءً. ﴿ارْجِعْ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ، ولَمْ يَجْمَعِ الضَّمِيرَ كَما جَمَعَهُ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتُمِدُّونَنِ﴾ ... إلَخْ؛ لِاخْتِصاصِ الرُّجُوعِ بِهِ بِخِلافِ الإمْدادِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ دِرايَةً ورِوايَةً. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «ارْجِعُوا» عَلى أنَّهُ أمْرٌ لِلْمُرْسَلِينَ، والفِعْلُ هُنا لازِمٌ أيِ: انْقَلِبْ وانْصَرِفْ ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ أيْ: فَواللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهم ﴿بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِمُقاوَمَتِها، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى مُقابَلَتِها، وأصْلُ القِبَلِ المُقابَلَةُ، فَجُعِلَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ الطّاقَةِ والقُدْرَةِ عَلَيْها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِهِمْ». ﴿ولَنُخْرِجَنَّهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن سَبَأٍ ﴿أذِلَّةً﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ العِزِّ والتَّمْكِينِ، وفي جَمْعِ القِلَّةِ تَأْكِيدٌ لِذِلَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ حالٌ أُخْرى، والصَّغارُ - وإنْ كانَ بِمَعْنى الذُّلِّ - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا وُقُوعُهم في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ إخْراجَهم بِطَرِيقِ الأسْرِ لا بِطْرِيقِ الإجْلاءِ، وعَدَمُ وُقُوعِ جَوابِ القَسَمِ؛ لِأنَّهُ كانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلْيَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وإلّا فَلَنَأْتِيَنَّهم ... إلَخْ.

النمل 27:38

﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلَيْها وأخْبَرَها بِما أقْسَمَ عَلَيْهِ سُلَيْمانُ، فَتَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلَيْهِ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُ نَبِيٌّ ولا طاقَةَ لَها بِقِتالِهِ، فَرُوِيَ أنَّها أمَرَتْ عِنْدَ خُرُوجِها فَجُعِلَ عَرْشُها في آخِرِ سَبْعَةِ أبْياتٍ بَعْضِها في جَوْفِ بَعْضٍ في آخِرِ قَصْرٍ مِن قُصُورِها، وغَلَّقَتِ الأبْوابَ، ووَكَّلَتْ بِهِ حُرّاسًا يَحْفَظُونَهُ، وتَوَجَّهَتْ إلى سُلَيْمانَ في أقْيالِها وأتْباعِهِمْ، وأرْسَلَتْ إلى سُلَيْمانَ: إنِّي قادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي؛ حَتّى أنْظُرَ ما أمْرُكَ، وما تَدْعُو إلَيْهِ مِن دِينِكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: فَلَمّا كانَتْ عَلى فَرْسَخٍ مِن سُلَيْمانَ قالَ: (أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها). وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُلَيْمانُ مَهِيبًا لا يُبْتَدَأُ بِشَيْءٍ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَسْألُ عَنْهُ، فَنَظَرَ ذاتَ يَوْمٍ رَهْجًا قَرِيبًا مِنهُ، فَقالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: بِلْقِيسُ فَقالَ: (أيُّكم ...) إلَخْ، ومَعْنى مُسْلِمِينَ - عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ - طائِعِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو بِمَعْنى مُؤْمِنِينَ. واخْتَلَفُوا في مَقْصُودِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اسْتِدْعائِهِ عَرْشَها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدْعى ذَلِكَ؛ لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ولِيُغْرِبَ عَلَيْها، ومِن هُنا قالَ في الكَشّافِ: لَعَلَّهُ صفحة 202 أُوِحِي إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْتِيثاقِها مِن عَرْشِها، فَأرادَ أنْ يُغْرِبَ عَلَيْها ويُرِيَها بِذَلِكَ بَعْضَ ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن إجْراءِ العَجائِبِ عَلى يَدِهِ، مَعَ اطِّلاعِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى ما يَشْهَدُ لِنُبُوَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ويُصَدِّقُها، انْتَهى. وتَقْيِيدُ الإتْيانِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ) إلَخْ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ أبْدَعُ وأغْرَبُ وأبْعَدُ مِنَ الوُقُوعِ عادَةً، وأدَلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِيَكُونَ اطِّلاعُها عَلى بَدائِعِ المُعْجِزاتِ في أوَّلِ مَجِيئِها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الِاخْتِبارِ؛ فَإنَّ أمارَةَ الصِّدْقِ في ذَلِكَ في غايَةِ الوُضُوحِ لَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا سِيَّما إذا صَحَّ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ وغَيْرِهِ. وقِيلَ: أرادَ أنْ يُؤْتى بِهِ فَيُنَكَّرَ ويُغَيَّرَ ثُمَّ يَنْظُرَ أتُثْبِتُهُ أمْ تُنْكِرُهُ؛ اخْتِبارًا لِعَقْلِها. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ أخْذَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَها وقَوْمَها الإيمانُ ويَمْنَعَ أخْذَ أمْوالِهِمْ، قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ أنَّ حَلَّ الغَنائِمِ مِمّا اخْتُصَّ بِهِ نَبِيُّنا ﷺ وقالَ في التَّحْقِيقِ: لا يُناسِبُ رَدَّ الهَدِيَّةِ وتَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ . وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ أخْذِ الغَنائِمِ، وإنَّما هو مِن بابِ أخْذِ مالِ الحَرْبِيِّ، والتَّصَرُّفِ بِغَيْرِ رِضاهُ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ بِوَحْيٍ، فَيَجُوزُ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ لِحِكْمَةٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هَدِيَّةً لَها حَتّى لا يُناسِبَ الرَّدَّ السّابِقَ وفِيهِ بَحْثٌ، ولَعَلَّ الألْصَقَ بِالقَلْبِ أنَّ ذاكَ لِيُنَكِّرَهُ فَيَمْتَحِنَها؛ اخْتِبارًا لِعَقْلِها، مَعَ إراءَتِها بَعْضَ خَوارِقِهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ رَدِّ الهَدِيَّةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ حِينَ ابْتَدَأ النَّظَرَ في صِدْقِ الهُدْهُدِ مِن كَذِبِهِ لَمّا قالَ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفي تَرْتِيبِ القَصَصِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وأظُنُّ أنَّهُ لا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

النمل 27:39

﴿قالَ عِفْرِيتٌ﴾ أيْ: خَبِيثٌ مارِدٌ ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ بَيانٌ لَهُ، إذْ يُقالُ لِلرَّجُلِ الخَبِيثِ المُنْكَرِ الَّذِي يُعَفِّرُ أقْرانَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «عَفْرِيتٌ» بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى - ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «عِفْرِيَةٌ» بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ بَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «عِفْرٌ» بِلا ياءٍ ولا تاءٍ، ويُقالُ في لُغَةِ طَيِّئٍ وتَمِيمٍ: (عِفْراةٌ) بِألِفٍ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، وفِيهِ لُغَةٌ سادِسَةٌ عُفارِيَةٌ. وتاءُ (عِفْرِيتٌ) زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في المَشْهُورِ، وفي النِّهايَةِ: الياءُ في عِفْرِيَةٍ وعُفارِيَةٍ لِلْإلْحاقِ بِشِرْذِمَةٍ وعُذافِرَةٍ، والهاءُ فِيهِما لِلْمُبالَغَةِ، والتّاءِ في (عِفْرِيتٌ) لِلْإلْحاقِ بِقِنْدِيلٍ اهـ. واسْمُ هَذا العِفْرِيتِ - عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ أنَّ اسْمَهُ كَوَزْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ أنَّ اسْمَهُ كُوزى، وقِيلَ: اسْمُهُ ذَكْوانُ. ﴿أنا آتِيكَ بِهِ﴾ أيْ بِعَرْشِها، وآتِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ. قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ ادِّعاءِ الإتْيانِ بِهِ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجْلِسُ مِنَ الصُّبْحِ إلى الظُّهْرِ في كُلِّ يَوْمٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، ووَهْبٌ، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: أيْ قَبْلَ أنْ تَسْتَوِيَ مِن جُلُوسِكَ قائِمًا ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ لا يَثْقُلُ عَلَيَّ حَمْلُهُ. والقُوَّةُ صِفَةٌ تَصْدُرُ عَنْها الأفْعالُ الشّاقَّةُ، ويُطِيقُ بِها مَن قامَتْ صفحة 203 بِهِ لِتَحَمُّلِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، ولِذا اخْتِيرَ (قَوِيٌّ) عَلى (قادِرٍ) هُنا، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، فَمِنهم مَن قالَ: أيْ عَلى حَمْلِهِ، ومِنهم قالَ: أيْ عَلى الإتْيانِ بِهِ، ورُجِّحَ الثّانِي بِالتَّبادُرِ؛ نَظَرًا إلى أوَّلِ الكَلامِ، والأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بُقُولِهِ: (لَقَوِيٌّ). ﴿أمِينٌ﴾ لا أقْتَطِعُ مِنهُ شَيْئًا ولا أُبَدِّلُهُ

النمل 27:40

﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ فَصْلُهُ عَمّا قَبْلَهُ؛ لِلْإيذانِ بِما بَيْنَ القائِلَيْنِ ومَقالَتَيْهِما وكَيْفِيَّتَيْ قُدْرَتَيْهِما عَلى الإتْيانِ بِهِ مِن كَمالِ التَّبايُنِ، أوْ لِإسْقاطِ الأوَّلِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ. واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذا القائِلِ، فالجُمْهُورُ - ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، والحَسَنُ - عَلى أنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرَخْيا بْنِ شَمْعِيا بْنِ مِنكِيلَ، واسْمُ أُمِّهِ باطُورا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ وزِيرَ سُلَيْمانَ عَلى المَشْهُورِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ وزِيرُهُ وابْنُ أُخْتِهِ، وكانَ صِدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وقِيلَ كانَ كاتِبَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ رَجُلٌ اسْمُهُ أسْطُومُ، وقِيلَ: أسْطُورَسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ ذُو النُّورِ. وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أنَّهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ قَتادَةَ أنَّ اسْمَهُ مَلِيخا، وقِيلَ: مَلَخُ، وقِيلَ: تَمْلِيخا، وقِيلَ: هُودٌ، وقالَتْ جَماعَةٌ: هو ضَبَّةُ بْنُ أُدٍّ، جِدُّ بَنِي ضَبَّةَ مِنَ العَرَبِ، وكانَ فاضِلًا يَخْدِمُ سُلَيْمانَ، كانَ عَلى قِطْعَةٍ مِن خَيْلِهِ، وقالَ النَّخَعِيُّ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: هو مَلَكٌ آخَرُ أيَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقالَ الجُبّائِيُّ: هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ووَجْهُ الفَصْلِ عَلَيْهِ واضِحٌ، فَإنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ العِفْرِيتُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ ... إلَخْ، ويَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ العِلْمِ، وأنَّ هَذِهِ الكَرامَةَ كانَتْ بِسَبَبِهِ، ويَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ لِلْعِفْرِيتِ، وإنَّما لَمْ يَأْتِ بِهِ أوَّلًا - بَلِ اسْتَفْهَمَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ ثُمَّ قالَ ما قالَ وأتى بِهِ - قَصْدًا لِأنْ يُرِيَهم أنَّهُ يَتَأتّى لَهُ ما لا يَتَهَيَّأُ لِعَفارِيتِ الجِنِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ. وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِالعِفْرِيتِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي تَصَدّى لِدَعْوى القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِهِ مِن بَيْنِهِمْ، وجَعْلُهُ لِكُلِّ أحَدٍ - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ - غَيْرُ ظاهِرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذُكِرَ. وآثَرَ هَذا القَوْلَ الإمامُ، وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المَوْصُولَ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ المُخاطَبِ، والشَّخْصُ المَعْلُومُ بِأنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ إرادَتُهُ وصَرْفُ اللَّفْظِ إلَيْهِ، وآصِفُ - وإنْ شارَكَهُ في مَضْمُونِ الصِّلَةِ - لَكِنْ هو فِيهِ أتَمُّ؛ لِأنَّهُ نَبِيٌّ وهو أعْلَمُ بِالكِتابِ مِن أُمَّتِهِ. الثّانِي أنَّ إحْضارَ العَرْشِ في تِلْكَ السّاعَةِ اللَّطِيفَةِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، فَلَوْ حَصَلَتْ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ دُونَهُ لاقْتَضى تَفْضِيلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. الثّالِثُ أنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ في إحْضارِهِ إلى أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ لاقْتَضى قُصُورَ حالِهِ في أعْيُنِ النّاسِ. الرّابِعُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما بَعْدُ ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ ... إلَخْ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ الخارِقَ قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اهـ، ولِلْمُناقَشَةِ فِيهِ مَجالٌ. واعْتَرَضَ عَلى هَذا القَوْلِ بَعْضُهم بِأنَّ الخِطابَ في (آتِيكَ) يَأْباهُ، فَإنَّ حَقَّ الكَلامِ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: أنا آتِي بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلى الشَّخْصِ طَرْفُهُ مَثَلًا، وقَدْ عَلِمْتَ دَفْعَهُ، وبِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ فِيما بَعْدُ: (فَلَمّا أتى بِهِ) دُونَ (فَلَمّا رَآهُ) ... إلَخْ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ ذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ فِيهِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّ القائِلَ أحَدُ أتْباعِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإتْيانِ بِهِ صفحة 204 كَذَلِكَ، فَإنَّ عادَةَ المُلُوكِ تَكْلِيفُ أتْباعِهِمْ بِمَصالِحَ لَهم لا يُعْجِزُهم فِعْلُها بِأنْفُسِهِمْ، فَلْيَكُنْ ما نَحْنُ فِيهِ جارِيًا عَلى هَذِهِ العادَةِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ الغَرَضِ مِمّا يَتِمُّ بِالقَوْلِ - وهو الدُّعاءُ - ولا يَحْتاجُ إلى أعْمالِ البَدَنِ وإتْعابِهِ كَما لا يَخْفى. وفِي فُصُوصِ الحِكَمِ: كانَ ذَلِكَ عَلى يَدِ بَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَكُونَ أعْظَمَ لِسُلَيْمانَ في نُفُوسِ الحاضِرِينَ، وقالَ القَيْصَرِيُّ: كانَ سَلِيمانُ قُطْبَ وقْتِهِ، ومُتَصَرِّفًا، وخَلِيفَةً عَلى العالَمِ، وكانَ آصِفُ وزِيرَهُ، وكانَ كامِلًا، وخَوارِقُ العاداتِ قَلَّما تَصْدُرُ مِنَ الأقْطابِ والخُلَفاءِ بَلْ مِن وُرِّاثِهِمْ وخُلَفائِهِمْ؛ لِقِيامِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ التّامَّةِ، واتِّصافِهِمْ بِالفَقْرِ الكُلِّيِّ، فَلا يَتَصَرَّفُونَ لِأنْفُسِهِمْ في شَيْءٍ، ومِن مِنَنِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْ يَرْزُقَهم صُحْبَةَ العُلَماءِ الأُمَناءِ، يَحْمِلُونَ مِنهم أثْقالَهُمْ، ويُنَفِّذُونَ أحْكامَهم وأقْوالَهُمْ، اهـ، وما في الفُصُوصِ أقْرَبُ لِمَشْرَبِ أمْثالِنا، عَلى أنَّ ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ عَلى مَشْرَبِ القَوْمِ أيْضًا. وفِي مَجْمَعِ البَيانِ رَوى العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ قالَ: التَقى مُوسى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسى ويَحْيى بْنُ أكْثَمَ، فَسَألَهُ عَنْ مَسائِلَ مِنها: هَلْ كانَ سُلَيْمانُ مُحْتاجًا إلى عِلْمِ آصِفَ؟ فَلَمْ يُجِبْ حَتّى سَألَ أخاهُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقالَ: اكْتُبْ لَهُ: لَمْ يَعْجِزْ سُلَيْمانُ عَنْ مَعْرِفَةِ ما عَرَفَ آصِفُ لَكِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَبَّ أنْ يُعَرِّفَ أُمَّتَهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ أنَّهُ الحُجَّةُ مِن بَعْدِهِ، وذَلِكَ مِن عِلْمِ سُلَيْمانَ، أوْدَعَهُ آصِفَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَفَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِئَلّا يُخْتَلَفَ في إمامَتِهِ، كَما فَهَّمَ سُلَيْمانَ في حَياةِ داوُدَ لِتُعْرَفَ إمامَتُهُ مِن بَعْدِهِ لِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، اهـ وهو كَما تَرى. والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في المَوْصُولِ بَعِيدٌ جِدًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الَّذِي أُرْسِلَ إلى بِلْقِيسَ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، وتَنْكِيرُ (عِلْمٌ) لِلتَّفْخِيمِ والرَّمْزِ إلى أنَّهُ عِلْمٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ العِلْمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمَ الَّذِي إذا سُئِلَ بِهِ أجابَ، وقَدْ دَعا ذَلِكَ العالِمُ بِهِ فَحَصَلَ غَرَضُهُ، وهو (يا حَيُّ يا قَيُّومُ) وقِيلَ: (يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)، وقِيلَ: (اللَّهُ الرَّحْمَنُ) وقِيلَ: (هُوَ بِالعِبْرانِيَّةِ آهْيا شَراهْيا). وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ دَعا بِقَوْلِهِ: يا إلَهَنا وإلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، إلَهًا واحِدًا، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، ائْتِنِي بِعَرْشِها. والطَّرْفُ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحُها لِلنَّظَرِ إلى شَيْءٍ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ النَّظَرِ، وارْتِدادُهُ انْقِطاعُهُ بِانْضِمامِ الأجْفانِ، ولِكَوْنِهِ أمْرًا طَبِيعِيًّا غَيْرَ مَنُوطٍ بِالقَصْدِ أُوثِرَ الِارْتِدادُ عَلى الرَّدِّ، فالمَعْنى: آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْضَمَّ جَفْنُ عَيْنِكَ بَعْدَ فَتْحِهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ التَّجَوُّزِ في الطَّرْفِ؛ إذِ المُرادُ قَبْلَ ارْتِدادِ تَحْرِيكِ الأجْفانِ بِطَبْقِها بَعْدَ فَتْحِها، وفِيهِ نَظَرٌ، والكَلامُ جارٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِلسُّرْعَةِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ آصِفَ قالَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُدَّ عَيْنَيْكَ حَتّى يَنْتَهِيَ طَرْفُكَ، فَمَدَّ طَرْفَهُ فَنَظَرَ نَحْوَ اليَمَنِ، فَقَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْهِ حَضَرَ العَرْشُ عِنْدَهُ. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتى بِهِ في مُدَّةِ طُلُوعِ دَرَجَةٍ أوْ دَرَجَتَيْنِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ أنَّ الطَّرْفَ بِمَعْنى المَطْرُوفِ، أيْ: مَن يَقَعُ إلَيْهِ النَّظَرُ، وأنَّ المَعْنى: قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ مَن يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبْعَدِ ما تَرى إذا نَظَرْتَ أمامَكَ، وهو كَما تَرى. ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أيْ فَلَمّا صفحة 205 رَأى سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَرْشَ ساكِنًا عِنْدَهُ، قارًّا عَلى حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها ﴿قالَ﴾ تَلَقِّيًا لِلنِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وخُلَّصِ عِبادِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: (هَذا) أيِ: الإتْيانُ بِالعَرْشِ أوْ حُضُورُهُ بَيْنَ يَدَيَّ في هَذِهِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ، وقِيلَ: أيِ: التَّمَكُّنُ مِن إحْضارِهِ بِالواسِطَةِ أوْ بِالذّاتِ ﴿مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ أيْ: تَفَضُّلِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - عَلَيَّ، مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ ذاتِيٍّ لِي لَهُ، ولا عَمَلٍ مِنِّي يُوجِبُهُ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَأتاهُ بِهِ فَرَآهُ، فَلَمّا رَآهُ ... إلَخْ، وحُذِفَ ما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، ولِلْإيذانِ بِكَمالِ سُرْعَةِ الإتْيانِ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ الوَعْدِ بِهِ ورُؤْيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهُ شَيْءٌ ما أصْلًا، وفي تَقْيِيدِ رُؤْيَتِهِ بِاسْتِقْرارِهِ عِنْدَهُ تَأْكِيدٌ لِهَذا المَعْنى لِإيهامِهِ أنَّهُ لَمْ يَتَوَسَّطْ بَيْنَهُما ابْتِداءُ الإتْيانِ أيْضًا، كَأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ. فَـ(مُسْتَقِرًّا) مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ و(عِنْدَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهو - عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ - كَوْنٌ خاصٌّ ولِذا ساغَ ذِكْرُهُ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ كَوْنٌ عامٌّ، فَأُشْكِلَ عَلَيْهِمْ ذِكْرُهُ مَعَ قَوْلِ جُمْهُورِ النُّحاةِ: إنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا عامًّا وجَبَ حَذْفُهُ، فالتَزَمَ بَعْضُهم لِذَلِكَ كَوْنَ الظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا بِـ(رَآهُ) لا بِهِ. ومِنهم مَن ذَهَبَ - كابْنِ مالِكٍ - إلى أنَّ حَذْفَ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ، وأنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهِ: لَكَ العِزُّ إنْ مَوْلاكَ عَزَّ وإنْ يَهِنْ فَأنْتَ لَدى بُحْبُوحَةِ الهَوْنِ كائِنُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبارُ ما في البَيْتِ كَوْنًا خاصًّا كالَّذِي في الآيَةِ. وفِي كَيْفِيَّةِ وُصُولِ العَرْشِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ خِلافٌ. فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ سابِطٍ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: نَزَلَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السَّماءِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ ذاكَ في أرْضِ الشّامِ - عَلى ما قِيلَ - رَجَعَ إلَيْها مِن صَنْعاءَ وبَيْنَها وبَيْنَ مَأْرَبٍ - مَحَلِّ العَرْشِ - نَحْوٌ مِن مَسافَةِ شَهْرَيْنِ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كانَ في صَنْعاءَ فالمَسافَةُ بَيْنَ مَحَلِّهِ ومَحَلِّ العَرْشِ نَحْوُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وأيًّا ما كانَ فَقَطْعُهُ المَسافَةَ الطَّوِيلَةَ في الزَّمَنِ القَصِيرِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ الصّادِقُ فَيَجِبُ قَبُولُهُ، وقَدِ اتَّفَقَ البَرُّ والفاجِرُ عَلى وُقُوعٍ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وهو قَطْعُ الشَّمْسِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ آلافًا مِنَ الفَراسِخِ، مَعَ أنَّ نِسْبَةَ عَرْشِ بِلْقِيسَ إلى جِرْمِها نِسْبَةُ الذَّرَّةِ إلى الجَبَلِ. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - إنَّ آصِفَ تَصَرَّفَ في عَيْنِ العَرْشِ فَأعْدَمَهُ في مَوْضِعِهِ وأوْجَدَهُ عِنْدَ سُلَيْمانَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ أحَدٌ بِذَلِكَ، إلّا مَن عَرَفَ الخَلْقَ الجَدِيدَ الحاصِلَ في كُلِّ آنٍ، وكانَ زَمانُ وُجُودِهِ عَيْنَ زَمانِ عَدَمِهِ، وكُلٌّ مِنهُما في آنٍ، وكانَ عَيْنُ قَوْلِ آصِفَ عَيْنَ الفِعْلِ في الزَّمانِ، فَإنَّ القَوْلَ مِنَ الكامِلِ بِمَنزِلَةِ (كُنْ) مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَسْألَةُ حُصُولِ العَرْشِ مِن أشْكَلِ المَسائِلِ إلّا عِنْدَ مَن عَرَفَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ، فَما قَطَعَ العَرْشُ مَسافَةً ولا زُوِيَتْ لَهُ أرْضٌ ولا خَرَقَها، اهـ مُلَخَّصًا، ولَهُ تَتِمَّةٌ سَتَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ كانَ بِالإعْدامِ والإيجادِ مِمّا يَجُوزُ عِنْدِي، وإنْ لَمْ أقُلْ بِتَجَدُّدِ الجَواهِرِ تَجَدُّدَ الأعْراضِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، إلّا أنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى ثُبُوتِ الكَراماتِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاحْتِمالَ يُسْقِطُ الِاسْتِدْلالَ، وعَلَّلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفَضُّلَهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أيْ لِيُعامِلَنِي مُعامَلَةَ المُبْتَلى، أيِ: المُخْتَبَرِ ﴿أأشْكُرُ﴾ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أراهُ مَحْضَ فَضْلِهِ تَعالى مِن غَيْرٍ حَوْلٍ مِن جِهَتِي صفحة 206 ولا قُوَّةٍ وأقُومُ بِحَقِّهِ ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ بِأنْ أجِدَ لِنَفْسِي مَدْخَلًا في البَيْنِ، أوْ أُقَصِّرُ في إقامَةِ مَواجِبِهِ، كَما هو شَأْنُ سائِرِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلى العِبادِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المَعْنى: لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ إذا أُتِيتُ بِالعَرْشِ أمْ أكْفُرُ إذا رَأيْتُ مَن هو أدْنى مِنِّي في الدُّنْيا أعْلَمَ مِنِّي، ونُقِلَ مِثْلُهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ، وأبْعَدُ مِنهُ عَنِ الصِّحَّةِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ جَزِعَ وقالَ: رَجُلٌ غَيْرِي أقْدَرُ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – مِنِّي؟! ولَعَلَّ الحَقَّ الجَزْمُ بِكَذِبِ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿أأشْكُرُ﴾ ... إلَخْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ البَلْوى، وهو مُعَلَّقٌ بِالهَمْزَةِ عَنْها إجْراءً لَهُ مَجْرى العِلْمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرادِفًا لَهُ، وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنَ الياءِ. ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ لِنَفْعِها؛ لِأنَّهُ يَرْبُطُ بِهِ القَيْدَ، ويَسْتَجْلِبُ المَزِيدَ، ويَحُطُّ بِهِ عَنْ ذِمَّتِهِ عِبْءَ الواجِبِ، ويَتَخَلَّصُ عَنْ وصْمَةِ الكُفْرانِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ: لَمْ يَشْكُرْ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ ﴿كَرِيمٌ﴾ بِتَرْكِ تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، والإنْعامِ مَعَ عَدَمِ الشُّكْرِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شُرْطِيَّةٌ، والجُمْلَةَ المَقْرُونَةَ بِالفاءِ جَوابُ الشَّرْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن قَسِيمِهِ، والمَذْكُورُ قائِمٌ مَقامَهُ، أيْ: ومَن كَفَرَ فَعَلى نَفْسِهِ، أيْ: فَضَرَرُ كُفْرانِهِ عَلَيْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: ( كَرِيمٌ ) وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ.

النمل 27:41

﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُرِّرَتِ الحِكايَةُ - مَعَ كَوْنِ المَحْكِيِّ سابِقًا ولاحِقًا مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهًا عَلى ما بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما أنَّ الأوَّلَ مِن بابِ الشُّكْرِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والثّانِيَ أمْرٌ لِخَدَمِهِ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِتَغْيِيرِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ والشَّكْلِ، ولَعَلَّ المُرادَ التَّغْيِيرُ في الجُمْلَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ أنَّهُ كانَ بِالزِّيادَةِ فِيهِ والنَّقْصِ مِنهُ، وقِيلَ: بِنَزْعِ ما عَلَيْهِ مِنَ الجَواهِرِ، وقِيلَ: بِجَعْلِ أسْفَلِهِ أعْلاهُ ومُقَدِّمِهِ مُؤَخِّرَهُ، ولامُ (لَها) لِلْبَيانِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّها المُرادَّةُ خاصَّةً بِالتَّنْكِيرِ ﴿نَنْظُرْ﴾ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿أتَهْتَدِي﴾ إلى مَعْرِفَتِهِ أوْ إلى الجَوابِ اللّائِقِ بِالمَقامِ. وقِيلَ: إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأتْ تَقَدُّمَ عَرْشِها وقَدْ خَلَّفَتْهُ مُغَلِّقَةً عَلَيْهِ الأبْوابَ، مُوَكِّلَةً عَلَيْهِ الحُرّاسَ والحُجّابَ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الجُبّائِيِّ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَظْهَرُ مَدْخَلِيَّةُ التَّنْكِيرِ في الإيمانِ ﴿أمْ تَكُونُ﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِنا ﴿مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى ما ذُكِرَ مِن مَعْرِفَةِ عَرْشِها، أوِ الجَوابِ اللّائِقِ بِالمَقامِ، فَإنَّ كَوْنَها في نَفْسِ الأمْرِ مِنهم - وإنْ كانَ أمْرًا مُسْتَمِرًّا - لَكِنَّ كَوْنَها مِنهم عِنْدَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ أمْرٌ حادِثٌ يَظْهَرُ بِالِاخْتِبارِ.

النمل 27:42

﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ التَّجْرِبَةِ الَّتِي قَصَدَها سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – أيْ: فَلَمّا جاءَتْ بِلْقِيسُ سُلَيْمانَ، وقَدْ كانَ العَرْشُ مُنَكَّرًا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿قِيلَ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ سُلَيْمانَ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ أيْ: أمِثْلَ هَذا العَرْشِ الَّذِي تَرَيْنَهُ عَرْشُكِ الَّذِي تَرَكْتِيهِ بِبِلادِكِ، ولَمْ يَقُلْ: أهَذا عَرْشُكِ؛ لِئَلّا يَكُونَ تَلْقِينًا لَها فَيَفُوتَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّنْكِيرِ مِن إبْرازِ العَرْشِ في مَعْرِضِ الإشْكالِ والِاشْتِباهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – حالُها، وقَدْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَخافَةِ العَقْلِ. صفحة 207 وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الجِنَّ خافُوا مِن أنْ يَتَزَوَّجَها فَيُرْزَقَ مِنها ولَدًا يَحُوزُ فِطْنَةَ الإنْسِ وخِفَّةَ الجِنِّ - حَيْثُ كانَتْ لَها نِسْبَةٌ إلَيْهِمْ - فَيَضْبُطَهم ضَبْطًا قَوِيًّا، فَرَمَوْها عِنْدَهُ بِالجُنُونِ، وأنَّ رِجْلَيْها كَحَوافِرِ البَهائِمِ؛ فَلِذا اخْتَبَرَها بِهَذا، وبِما يَكُونُ سَبَبًا لِلْكَشْفِ عَنْ ساقَيْها، ومَن لَمْ يَقُلْ بِنِسْبَتِها إلى الجِنِّ يَقُولُ: لَعَلَّها رَماها حاسِدٌ بِذَلِكَ فَأرادَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتِبارَها لِيَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ ذاكَ إلّا لِيُقابِلَها بِمِثْلِ ما فَعَلَتْ هي حَيْثُ نَكَّرَتِ الغِلْمانَ والجَوارِيَ، وامْتَحَنَتْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدُّرَّةِ العَذْراءِ والجِزْعَةِ المِعْوَجَّةِ الثَّقْبِ، وكَوْنُ ذَلِكَ في عَرْشِها - الَّذِي يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ إحْضارُهُ مَعَ بُعْدِ المَسافَةِ وشِدَّةِ مُحافَظَتِها لَهُ - أتَمَّ وأقْوى، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا مِن إظْهارِ المُعْجِزَةِ ما لا يَخْفى، وهَذا عِنْدِي ألْصَقُ بِالقَلْبِ مِن غَيْرِهِ. ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ أجابَتْ بِما أنْبَأ عَنْ كَمالِ عَقْلِها، حَيْثُ لَمْ تَجْزِمْ بِأنَّهُ هُوَ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، بَلْ أتَتْ بِـ(كَأنَّ) الدّالَّةِ - كَما قِيلَ - عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ في اتِّحادِهِ مَعَهُ مَعَ الشَّكِّ في خِلافِهِ، ولَيْسَتْ (كَأنَّ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّشْبِيهِ كَما هو الغالِبُ فِيها. وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها تُفِيدُ قُوَّةَ الشَّبَهِ، فَقالَ: الحِكْمَةُ في عُدُولِ بِلْقِيسَ في الجَوابِ عَنْ (هَكَذا هُوَ) المُطابِقِ لِلسُّؤالِ إلى (كَأنَّهُ هُوَ) أنَّ (كَأنَّهُ هُوَ) عِبارَةُ مَن قَوِيَ عِنْدَهُ الشَّبَهُ حَتّى شَكَّكَ نَفْسَهُ في التَّغايُرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وكادَ يَقُولُ: هو هُوَ، وتِلْكَ حالُ بِلْقِيسَ، وأمّا (هَكَذا هُوَ) فَعِبارَةُ جازِمٍ بِتَغايُرِ الأمْرَيْنِ، حاكِمٍ بِوُقُوعِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما لا غَيْرُ، فَلا تُطابِقُ حالَها، فَلِذا عَدَلَتْ عَنْها إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ. ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِها عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كَأنَّها اسْتَشْعَرَتْ مِمّا شاهَدَتْهُ اخْتِبارَ عَقْلِها وإظْهارَ مُعْجِزَةٍ لَها، ولَمّا كانَ الظّاهِرُ مِنَ السُّؤالِ هو الأوَّلَ سارَعَتْ إلى الجَوابِ بِما أنْبَأ عَنْ كَمالِ رَجاحَةِ عَقْلِها، ولَمّا كانَ إظْهارُ المُعْجِزَةِ دُونَ ذَلِكَ في الظُّهُورِ ذَكَرَتْ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ آخِرًا وهو قَوْلُها: (وأُوتِينا) ... إلَخْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ عَقْلِها أيْضًا، ومَعْناهُ: وأُوتِينا العِلْمَ بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحالَةِ بِما شاهَدْناهُ مِن أمْرِ الهُدْهُدِ، وما سَمِعْناهُ مِن رُسُلِنا إلَيْكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، وكُنّا مُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن تَتِمَّةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالِاخْتِبارِ، وحاصِلُهُ: لا حاجَةَ إلى الِاخْتِبارِ؛ لِأنِّي آمَنتُ قَبْلُ، وهَذا كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ عَقْلِي. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِبَيانِ مَنشَأِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأنَّهُ عَرْشُها، والدّاعِيَ إلى حُسْنِ الأدَبِ في مُحاوَرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – أيْ: وأُوتِينا العِلْمَ بِإتْيانِكَ بِالعَرْشِ مِن قَبْلِ الرُّؤْيَةِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحالَةِ بِالقَرائِنِ أوِ الإخْبارِ، وكُنّا مِن ذَلِكَ الوَقْتِ مُؤْمِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِنُونِ العَظَمَةِ جارٍ عَلى سَنَنِ تَعْبِيراتِ المُلُوكِ، وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ إسْلامِها، ولَيْسَ ذاكَ لِإرادَةِ نَفْسِها ومَن مَعَها مِن قَوْمِها إذْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

النمل 27:43

﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهو بَيانٌ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِما كانَ يَمْنَعُها مِن إظْهارِ ما ادَّعَتْ مِنَ الإسْلامِ إلى الآنِ، أيْ: صَدَّها عَنْ إظْهارِ ذَلِكَ يَوْمَ أُوتِيَتِ العِلْمَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ عِبادَتُها القَدِيمَةُ لِلشَّمْسِ، فَما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرِ فاعِلُ (صَدَّ) وجُوِّزَ كَوْنُها مَوْصُولَةً واقِعَةً عَلى الشَّمْسِ وهي فاعِلٌ أيْضًا، والإسْنادُ مَجازِيٌّ عَلى الوَجْهَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسَبَبِيَّةِ عِبادَتِها المَذْكُورَةِ لِلصَّدِّ، أيْ: إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ راسِخِينَ في الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ قادِرَةً عَلى إظْهارِ إسْلامِها وهي بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ إلى أنْ حَضَرَتْ بَيْنَ يَدَيْ صفحة 208 سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أنَّها» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنَّها، أوْ جُعِلَ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن فاعِلِ (صَدَّ) بَدَلَ اشْتِمالٍ. وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا﴾ .. إلَخْ مِن كَلامِ قَوْمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهم لَمّا سَمِعُوها أجابَتِ السُّؤالَ بِقَوْلِها: (كَأنَّهُ هُوَ) قالُوا: قَدْ أصابَتْ في جَوابِها، فَطَبَّقَتِ المُفَصَّلَ، وهي عاقِلَةٌ لَبِيبَةٌ، وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، وعَلِمَتْ قُدْرَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وصِحَّةَ النُّبُوَّةِ بِالآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ العَجِيبَةِ مِن أمْرِ عَرْشِها، وعَطَفُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِقُدْرَتِهِ وبِصِحَّةِ ما جاءَ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ قَبْلَ عِلْمِها، ولَمْ نَزَلْ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وكانَ هَذا مِنهم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى فَضْلِهِمْ عَلَيْها، وسَبْقِهِمْ إلى العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى والإسْلامِ قَبْلَها، ويُومِئُ إلى هَذا المَطْوِيِّ جَعْلُ عِلْمِهِمْ وإسْلامِهِمْ قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّها﴾ ... إلَخْ - عَلى هَذا - يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ أخْبارٍ مِن جِهَتِهِ، عَزَّ وجَلَّ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّ (وأُوتِينا) مِن كَلامِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي (وصَدَّها) ...إلَخْ - عَلَيْهِ أيْضًا - احْتِمالٌ، ولا يَخْفِي ما في جَعْلِ (وأُوتِينا) ... إلَخْ مِن كَلامِ القَوْمِ أوْ مِن كَلامِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ البُعْدِ والتَّكَلُّفِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ جِهَةُ حُسْنٍ سِوى اتِّساقِ الضَّمائِرِ المُؤَنَّثَةِ. وقِيلَ: إنَّ (وأُوتِينا) ... إلَخْ مِن تَتِمَّةِ كَلامِها، وقَوْلَهُ تَعالى: (وصَدَّها) ... إلَخْ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ حُسْنِ حالِها وسَلامَةِ إسْلامِها عَنْ شَوْبِ الشِّرْكِ بِجَعْلِ فاعِلِ (صَدَّها) ضَمِيرَهُ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ ضَمِيرَ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ، أيْ: صَدَّها اللَّهُ تَعالى أوْ سُلَيْمانُ عَنْ عِبادَتِها مَن دُونِ اللَّهِ، أوْ عَنِ الَّذِي تَعْبُدُهُ مَن دُونِهِ تَعالى، ونَقَلَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَنِ الطَّبَرِيِّ، وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وهو ضَعِيفٌ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ: تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا ولَيْسَ مِن مَواضِعِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى مَعَ هَذا مِمّا لا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ، وأبْعَدَ بَعْضُهم كُلَّ البُعْدِ فَزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (وصَدَّها) ... إلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ والواوُ فِيهِ لِلْحالِ، وقَدْ مُضْمَرَةٌ، وفي البَحْرِ أنَّهُ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَها؛ ولِأنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لا يُذْهَبُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. ولَعَمْرِي مَن أنْصَفَ رَأى أنَّ ما ذُكِرَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المَجِيدُ، وأنا أقُولُ - بَعْدَ القِيلِ والقالِ -: إنَّ وجْهَ رَبْطِ هَذِهِ الجُمَلِ مِمّا يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ، فَلْيُتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

النمل 27:44

﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها بَعْدَ الِامْتِحانِ المَذْكُورِ؟ فَقِيلَ: (قِيلَ لَها ادْخُلِي) ... إلَخْ، ولَمْ يُعْطَفْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ لِئَلّا يَفُوتَ هَذا المَعْنى، وجِيءَ بِـ(لَها) هُنا دُونَ ما مَرَّ لِمَكانِ أمْرِها، والصَّرْحُ: القَصْرُ وكُلُّ بِناءٍ عالٍ، ومِنهُ ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وهو مِنَ التَّصْرِيحِ وهو الإعْلانُ البالِغُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّرْحُ هُنا البَرَكَةُ، وقالَ ابْنُ عِيسى: الصَّحْنُ، وصَرْحَةُ الدّارِ ساحَتُها. ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ الجِنَّ قَبْلَ قُدُومِها فَبَنَوْا لَهُ عَلى طَرِيقِها قَصْرًا مِن زُجاجٍ أبْيَضَ، وأجْرى مِن تَحْتِهِ الماءَ، وألْقى فِيهِ مِن دَوابِّ البَحْرِ السَّمَكِ وغَيْرِهِ. وفِي رِوايَةٍ أنَّهم بَنَوْا لَهُ صَرَحًا، وجَعَلُوا لَهُ طَوابِيقَ مِن قَوارِيرَ كَأنَّها الماءُ، وجَعَلُوا في باطِنِ الطَّوابِيقِ كُلَّ ما يَكُونُ مِنَ الدَّوابِّ في البَحْرِ، ثُمَّ أطْبَقُوهُ، وهَذا أوْفَقُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ووُضِعَ سَرِيرُهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ والجِنُّ والإنْسُ، وفَعَلَ ذَلِكَ؛ امْتِحانًا لَها أيْضًا عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لِيَزِيدَها اسْتِعْظامًا لِأمْرِهِ وتَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ وثَباتًا عَلى الدِّينِ، وقِيلَ لِأنَّ الجِنَّ قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّها شَعْراءُ صفحة 209 السّاقَيْنِ، ورِجْلُها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأرادَ الكَشْفَ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ بِذَلِكَ. وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما حاصِلُهُ: إنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَها بِالفِعْلِ عَلى أنَّها صَدَقَتْ في قَوْلِها في العَرْشِ: «كَأنَّهُ هُوَ» حَيْثُ إنَّهُ انْعَدَمَ في سَبَأٍ ووُجِدَ مِثْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ لَها صَرْحًا في غايَةِ اللُّطْفِ والصَّفاءِ، كَأنَّهُ ماءٌ صافٍ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا غايَةُ الإنْصافِ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا أظُنُّ الأمْرَ كَما قالَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ - عَلى القَوْلِ بِأنَّ أمْرَها بِدُخُولِ الصَّرْحِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى كَشْفِ حَقِيقَةِ الحالِ - عَلى إباحَةِ النَّظَرِ قَبْلَ الخِطْبَةِ، وفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. ﴿فَلَمّا رَأتْهُ﴾ أيْ: رَأتْ صَحْنَهُ بِناءً عَلى أنَّ الصَّرْحَ بِمَعْنى القَصْرِ ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أيْ: ظَنَّتْهُ ماءً كَثِيرًا ﴿وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ لِئَلّا تَبْتَلَّ أذْيالُها، كَما هو عادَةُ مَن يُرِيدُ الخَوْضَ في الماءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلٍ «سَأْقَيْها» بِهَمْزِ ألِفِ (ساقٍ) حَمْلًا لَهُ عَلى جَمْعِهِ سُؤْقٍ وأسْؤُقٍ، فَإنَّهُ يَطَّرِدُ في الواوِ المَضْمُومَةِ هي أوْ ما قَبْلَها قَلْبُها هَمْزَةً، فانْجَرَّ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ إلى المُفْرَدِ الَّذِي في ضِمْنِهِ. وفِي البَحْرِ حَكى أبُو عَلِيٍّ أنَّ أبا حَيَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وأنْشَدَ: أحَبُّ المَؤْقَدَيْنِ إلى مُؤْسى وفِي الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَ لُغَةٌ في (ساقٍ) ويَشْهَدُ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ الِاشْتِقاقُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَصِحُّ لا يَصِحُّ. ﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى ما اعْتَراها مِنَ الدَّهْشَةِ والرُّعْبِ، وقِيلَ: القائِلُ هو الَّذِي أمَرَها بِدُخُولِ الصَّرْحِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: ما حَسِبَتْهُ (لُجَّةً ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أيْ: مُمَلَّسٌ، ومِنهُ الأمْرَدُ لِلشّابِّ الَّذِي لا شَعْرَ في وجْهِهِ، وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لا ورَقَ عَلَيْها، ورَمْلَةٌ مَرْداءُ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والمارِدُ المُتَعَرِّي مِنَ الخَيْرِ ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ مِنَ الزُّجاجِ، وهو جَمْعُ قارُورَةٍ. ﴿قالَتْ﴾ حِينَ عايَنَتْ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: بِظَنِّي السُّوءَ بِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُ إغْراقَها في اللُّجَّةِ وهو بَعِيدٌ. ومِثْلُهُ ما قِيلَ: أرادَتْ ظَلَمْتُ نَفْسِي بِامْتِحانِي سُلَيْمانَ حَتّى امْتَحَنَنِي لِذَلِكَ بِما أوْجَبَ كَشْفَ ساقَيَّ بِمَرْأًى مِنهُ ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ تابِعَةً لَهُ مُقَيَّدَةً بِهِ، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِأُلُوهِيَّتِهِ تَعالى، وتَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ورُبُوبِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما كانَتْ تَعْبُدُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الشَّمْسِ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ تَجْدِيدٌ لِإسْلامِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقَدْ أخْرَجَتْهُ مَخْرَجًا لا أنانِيَّةَ فِيهِ، ولا كِبْرَ أصْلًا كَما لا يَخْفى. واخْتُلِفَ في أمْرِها بَعْدَ الإسْلامِ، فَقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَزَوَّجَها وأحَبَّها وأقَرَّها عَلى مُلْكِها، وأمَرَ الجِنَّ فَبَنَوْا لَها سَيْلَحِينَ وغَمْدانَ، وكانَ يَزُورُها في الشَّهْرِ مَرَّةً فَيُقِيمُ عِنْدَها ثَلاثَةَ أيّامٍ، ووَلَدَتْ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِبْعِيٍّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْهَرَها بَعْلَبَكَّ. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها حِينَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها أبْصَرَ عَلَيْهِما شَعْرًا كَثِيرًا فَكَرِهَ أنْ يَتَزَوَّجَها كَذَلِكَ، فَدَعا الإنْسَ فَقالَ: ما يَذْهَبُ بِهَذا؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ المُواسى فَقالَ: المُواسى تَقْطَعُ ساقَيِ المَرْأةِ. وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ قِيلَ لَها ذَلِكَ فَقالَتْ: لَمْ يَمْسَسْنِي الحَدِيدُ قَطُّ، فَكَرِهَ سُلَيْمانُ المُواسى، وقالَ: إنَّها تَقْطَعُ ساقَيْها، ثُمَّ دَعا الجِنَّ فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعا الشَّياطِينَ فَوَضَعُوا لَهُ النُّورَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أوَّلَ يَوْمٍ رُؤِيَتْ فِيهِ النُّورَةُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أوَّلَ صفحة 210 مَن وضَعَ النُّورَةَ شَياطِينُ الإنْسِ، وضَعُوها لِبَلْقِيسَ وهو خِلافُ المَشْهُورِ، ويُرْوى أنَّ الحَمّامَ وُضِعَ يَوْمَئِذٍ. وفِي تارِيخِ البُخارِيِّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أوَّلَ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ»». وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى»». ورُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: زَعَمُوا أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا أسْلَمَتْ قالَ لَها سُلَيْمانُ: اخْتارِي رَجُلًا مِن قَوْمِكِ أُزَوِّجْكَهُ فَقالَتْ: أمِثْلِي يا نَبِيَّ اللَّهِ تَنْكِحُ الرِّجالَ، وقَدْ كانَ في قَوْمِي مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ ما كانَ؟! قالَ: نَعَمْ، إنَّهُ لا يَكُونُ في الإسْلامِ إلّا ذَلِكَ، وما يَنْبَغِي لَكِ أنْ تُحَرِّمِي ما أحِلَّ اللَّهُ تَعالى لَكِ، فَقالَتْ: زَوِّجْنِي - إنْ كانَ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ - ذا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدانَ، فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ رَدَّها إلى اليَمَنِ، وسَلَّطَ زَوْجَها ذا تُبَّعٍ عَلى اليَمَنِ، ودَعا زَوْبَعَةَ أمِيرَ جِنِّ اليَمَنِ فَقالَ: اعْمَلْ لِذِي تُبَّعٍ ما اسْتَعْمَلَكَ فِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِها مَلِكًا يُعْمَلُ لَهُ فِيها حَتّى ماتَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا أنْ حالَ الحَوْلُ وتَبَيَّنَ الجِنُّ مَوْتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْبَلَ رَجُلٌ مِنهم فَسَلَكَ تِهامَةَ حَتّى إذا كانَ في جَوْفِ اليَمَنِ صَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ إنَّ المَلِكَ سُلَيْمانَ قَدْ ماتَ، فارْفَعُوا أيْدِيَكُمْ، فَرَفَعُوا أيْدِيَهم وتَفَرَّقُوا، وانْقَضى مُلْكُ ذِي تُبَّعٍ ومُلْكُ بِلْقِيسَ مَعَ مُلْكِ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَألَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ: هَلْ تَزَوَّجَ سُلَيْمانُ بِلْقِيسَ ؟ فَقالَ: انْتَهى أمْرُها إلى قَوْلِها: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: يَعْنِي لا عِلْمَ لَنا وراءَ ذَلِكَ. والمَشْهُورُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – تَزَوَّجَها، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأخْبارِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الزُّهْدِ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كُسِرَ بُرْجٌ مِن أبْراجٍ تَدْمُرَ فَأصابُوا فِيهِ امْرَأةً حَسْناءَ دَعْجاءَ مُدْمَجَةً، كَأنَّ أعْطافَها طَيُّ الطَّوامِيرِ، عَلَيْها عِمامَةٌ طُولُها ثَمانُونَ ذِراعًا، مَكْتُوبٌ عَلى طَرَفٍ العِمامَةِ بِالذَّهَبِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أنا بِلْقِيسُ مَلِكَةُ سَبَأٍ، زَوْجَةُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مَلَكْتُ مِنَ الدُّنْيا كافِرَةً ومُؤْمِنَةً ما لَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ قَبْلِي ولا يَمْلِكْهُ أحَدٌ بَعْدِي، صارَ مَصِيرِي إلى المَوْتِ فاقْصُرُوا يا طالِبِي الدُّنْيا» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ، وكَمْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن أخْبارٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنها، والقِصَّةُ في نَفْسِها عَجِيبَةٌ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أشْياءَ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، بَلْ يَكادُ العَقْلُ يُحِيلُها في أوَّلِ وهْلَةٍ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ - ولِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرٌّ خَفِيٌّ - خَفاءُ أمْرِ بِلْقِيسَ عَلى سُلَيْمانَ عِدَّةَ سِنِينَ - كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ - مَعَ أنَّ المَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها لَمْ تَكُنْ في غايَةِ البُعْدِ، وقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ والطَّيْرِ والرِّيحِ ما سَخَّرَ، وهَذا أغْرَبُ مِن خَفاءِ أمْرِ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِمَراتِبَ، وسُبْحانَ مَن لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ. وهَذا، ولِلصُّوفِيَّةِ في تَطْبِيقِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ما في الأنْفُسِ كَلامٌ طَوِيلٌ، ولَعَلَّ الأمْرَ سَهْلٌ عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى بَعْضِ ما مَرَّ مِن تَطْبِيقاتِهِمْ ما في بَعْضِ القَصَصِ عَلى ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

النمل 27:45

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ مَسُوقٌ لِما سِيقَ هو لَهُ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا ﴿إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ وإنَّما أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ و(صالِحًا) بَدَلٌ مِن (أخاهُمْ) أوْ عَطْفٌ بَيانِيٌّ، وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً حُذِفَ مِنها حَرْفُ الجَرِّ، أيْ بِأنْ، وقِيلَ: لِأنْ، ووَصْلُها بِالأمْرِ جائِزٌ، لا ضَيْرَ فِيهِ كَما مَرَّ. صفحة 211 وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ إتْباعًا لَها لِلْباءِ. ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: فاجَأ إرْسالُنا تَفَرُّقَهم واخْتِصامَهُمْ، فَآمَنَ فَرِيقٌ وكَفَرَ فَرِيقٌ، وكانَ ما حَكى اللَّهُ تَعالى في مَحَلٍّ آخَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ. (فَإذا) فُجائِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها مُقَدَّرٌ لا (يَخْتَصِمُونَ) خِلافًا لِأبِي البَقاءِ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ (فَرِيقانِ) كَما قالَ، ومَعْمُولُ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ، وقِيلَ: هَذا حَيْثُ لا يَكُونُ المَعْمُولُ ظَرْفًا، وضَمِيرُ (يَخْتَصِمُونَ) لِمَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: (يَخْتَصِمانِ) لِلْفاصِلَةِ، ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ ثانٍ وهو كَما تَرى. و(هُمْ) راجِعٌ إلى ثَمُودَ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وقِيلَ: إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ لِيَشْمَلَ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والفَرِيقانِ حِينَئِذٍ أحَدُهُما صالِحٌ وحْدَهُ، وثانِيهُما قَوْمُهُ. والحامِلُ عَلى هَذا - كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عادِلٍ - العَطْفُ بِالفاءِ، فَإنَّها تُؤْذِنُ أنَّهم عَقِيبَ الإرْسالِ بِلا مُهْلَةٍ صارُوا فَرِيقَيْنِ، ولا يَصِيرُ قَوْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرِيقَيْنِ إلّا بَعْدَ زَمانٍ. وفِيهِ أنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الفاءِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ.

النمل 27:46

ولَعَلَّ فَرِيقَ الكَفَرَةِ أكْثَرُ، ولِذا ناداهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ كَما حُكِيَ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ لِجَعْلِهِ في حُكْمِ الكُلِّ، أيْ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم بَعْدَما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ مِن نِهايَةِ العُتُوِّ والعِنادِ حَتّى بَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ إلى أنْ قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ –: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ مُتَلَطِّفًا بِهِمْ: (يا قَوْمِ). ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: بِالعُقُوبَةِ الَّتِي تَسُوءُكم ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيِ: التَّوْبَةِ، فَتُؤَخِّرُونَها إلى حِينِ نُزُولِها، حَيْثُ كانُوا - مِن جَهْلِهِمْ وغَوايَتِهِمْ – يَقُولُونَ: إنْ وقَعَ إيعادُهُ تُبْنا حِينَئِذٍ، وإلّا فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ أيْ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَهُ تَعالى قَبْلَ نُزُولِها ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِقَبُولِها؛ إذْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى عَدَمُ القَبُولِ عِنْدَ النُّزُولِ. وقَدْ خاطَبَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ تَخْمِينِهِمْ وجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ بِأنَّ ما خَمَّنُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ إذْ ذاكَ فاسِدَةٌ، وأنَّ اسْتِعْجالَهم ذَلِكَ خارِجٌ مِنَ المَعْقُولِ. والتَّقابُلُ بَيْنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ - بِالمَعْنى الَّذِي سَمِعْتَ - حاصِلٌ مِن كَوْنِ أحَدِهِما حَسَنًا والآخَرِ سَيِّئًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئَةِ تَكْذِيبُهم إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفْرُهم بِهِ، وبِالحَسَنَةِ تَصْدِيقُهم وإيمانُهُمْ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ) ... إلَخْ لَوْمُهم عَلى المُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، وكُفْرِهِمْ بِهِ، وحَضِّهِمْ عَلى التَّوْبَةِ مِن ذَلِكَ بِتَرْكِ التَّكْذِيبِ والإيمانِ، وحاصِلُهُ لَوْمُهم عَلى إيقاعِ التَّكْذِيبِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ دُونَ التَّصْدِيقِ، وحَضُّهم عَلى تَلافِي ذَلِكَ. وإيهامُ الكَلامِ انْتِفاءَ اللَّوْمِ عَلى إيقاعِ التَّكْذِيبِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى - بَعْدَ طَيِّ الكَشْحِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما ذُكِرَ - أنَّ المُناسِبَ لِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ القَوْمِ في سُورَةِ الأعْرافِ ولِما جاءَ في الآثارِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ومِن هُنا ضُعِّفَ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِ الحَسَنَةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِتُقابِلَ السَّيِّئَةَ المُفَسَّرَةَ بِعُقُوبَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكُونُ المُرادُ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ طَلَبَهم إيّاها دُونَ الرَّحْمَةِ، فَتَأمَّلْ.

النمل 27:47

﴿قالُوا اطَّيَّرْنا﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقُرِئَ بِهِ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وزِيدَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ؛ لِيَتَأتّى الِابْتِداءُ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ، عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِما أنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مُسافِرِينَ فَيَمُرُّونَ بِطائِرٍ يَزْجُرُونَهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا بِأنْ مَرَّ مِن مَيامِنِ الشَّخْصِ إلى مَياسِرِهِ تَيَمَّنُوا، وإنَّ مَرَّ بارِحًا بِأنْ مَرَّ مِنَ المَياسِرِ إلى المَيامِنِ تَشاءَمُوا؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِلْمارِّ بِهِ كَذَلِكَ أنْ يَرْمِيَهُ حَتّى يَنْحَرِفَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبًا لَهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وقِسْمَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو سَبَبُ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ، أيْ: تَشاءَمْنا ﴿بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ في دِينِكَ؛ حَيْثُ تَتابَعَتْ عَلَيْنا الشَّدائِدُ - وقَدْ كانُوا قُحِطُوا - ولَمْ نَزَلْ في اخْتِلافٍ وافْتِراقٍ مُذِ اخْتَرَعْتُمْ دِينَكُمْ، وتَشاؤُمُهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَجْمُوعِ وأنْ يَكُونَ مِن كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ. صفحة 212 ﴿قالَ طائِرُكُمْ﴾ أيْ: سَبَبُكُمُ الَّذِي مِنهُ يَنالُكم ما يَنالُكم مِنَ الشَّرِّ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو قَدَرُهُ سُبْحانَهُ، أوْ عَمَلُكُمُ المَكْتُوبُ عِنْدَهُ، عَزَّ وجَلَّ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ إضْرابٌ مِن بَيانِ طائِرِهِمُ الَّذِي هو مَبْدَأُ ما يَحِيقُ بِهِمْ إلى ذِكْرِ ما هو الدّاعِي إلَيْهِ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُخْتَبَرُونَ بِتَعاقُبِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيرَةَ، وجاءَ (تُفْتَنُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ (أنْتُمْ) وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ «يُفْتَنُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ (قَوْمٌ) وهو قَلِيلٌ في لِسانِهِمْ.