Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — النمل 27:48 – القصص 28:46

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. النمل 27:48
  2. النمل 27:49
  3. النمل 27:50
  4. النمل 27:51
  5. النمل 27:52
  6. النمل 27:53
  7. النمل 27:54
  8. النمل 27:55
  9. النمل 27:56
  10. النمل 27:57
  11. النمل 27:58
  12. النمل 27:59
  13. النمل 27:60
  14. النمل 27:61
  15. النمل 27:62
  16. النمل 27:63
  17. النمل 27:64
  18. النمل 27:65
  19. النمل 27:66
  20. النمل 27:67
  21. النمل 27:68
  22. النمل 27:69
  23. النمل 27:70
  24. النمل 27:71
  25. النمل 27:72
  26. النمل 27:73
  27. النمل 27:74
  28. النمل 27:75
  29. النمل 27:76
  30. النمل 27:77
  31. النمل 27:78
  32. النمل 27:79
  33. النمل 27:80
  34. النمل 27:81
  35. النمل 27:82
  36. النمل 27:83
  37. النمل 27:84
  38. النمل 27:85
  39. النمل 27:86
  40. النمل 27:87
  41. النمل 27:88
  42. النمل 27:89
  43. النمل 27:90
  44. النمل 27:91
  45. النمل 27:92
  46. النمل 27:93
  47. القصص 28:1
  48. القصص 28:2
  49. القصص 28:3
  50. القصص 28:4
  51. القصص 28:5
  52. القصص 28:6
  53. القصص 28:7
  54. القصص 28:8
  55. القصص 28:9
  56. القصص 28:10
  57. القصص 28:11
  58. القصص 28:12
  59. القصص 28:13
  60. القصص 28:14
  61. القصص 28:15
  62. القصص 28:16
  63. القصص 28:17
  64. القصص 28:18
  65. القصص 28:19
  66. القصص 28:20
  67. القصص 28:21
  68. القصص 28:22
  69. القصص 28:23
  70. القصص 28:24
  71. القصص 28:25
  72. القصص 28:26
  73. القصص 28:27
  74. القصص 28:28
  75. القصص 28:29
  76. القصص 28:30
  77. القصص 28:31
  78. القصص 28:32
  79. القصص 28:33
  80. القصص 28:34
  81. القصص 28:35
  82. القصص 28:36
  83. القصص 28:37
  84. القصص 28:38
  85. القصص 28:39
  86. القصص 28:40
  87. القصص 28:41
  88. القصص 28:42
  89. القصص 28:43
  90. القصص 28:44
  91. القصص 28:45
  92. القصص 28:46

النمل 27:48

﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ أيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ وقَرْيَتِهِمْ، وهي الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ يُطْلَقُ عَلى العِصابَةِ دُونَ العَشَرَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ - وفي الكَشّافِ: هو مِنَ الثَّلاثَةِ أوْ مِنَ السَّبْعَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ إلى الأرْبَعِينَ ولَيْسَ بِمَقْبُولٍ، وأصْلُهُ - عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكِرْمانِيِّ - مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ، وقَدْ أُضِيفَ العَدَدُ إلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوازِ إضافَتِهِ إلى اسْمِ الجَمْعِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ، وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَّلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمِيعِ لِلْقَلِيلِ كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ؛ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَمْعِ القِلَّةِ، أوْ لِلْكَثِيرِ أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، بَلْ إذا أُرِيدَ تَمْيِيزُهُ بِهِ جِيءَ بِهِ مَقْرُونًا بِـ(مِن) كَـ(خَمْسَةٌ مِنَ القَوْمِ) وقالَ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ وهو قَوْلُ المازِنِيِّ. واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ إضافَةَ تِسْعَةٍ إلى رَهْطٍ هاهُنا بِاعْتِبارِ أنَّ رَهْطًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جَمْعٍ لِلْقَلِيلِ في حُكْمِ أشْخاصٍ ونَحْوِهِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، وهي يُضافُ إلَيْها العَدَدُ كَـ(تِسْعَةُ أشْخاصٍ) و(تِسْعُ أنْفُسٍ) وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ وُقُوعَ رَهْطٍ تَمْيِيزًا لِتِسْعَةٍ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أشْخاصٍ، وقِيلَ: أيْ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ، وتَأْنِيثُ العَدَدِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ (رَهْطٍ) وهو مُذَكَّرٌ، فَلَيْسَ ذاكَ مِن غَيْرِ الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ: (ثَلاثَةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ) نَعَمْ، تَقْدِيرُ ما تَقَدَّمَ أسْلَمُ مِنَ المُناقَشَةِ، وأمّا ما قِيلَ: أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ فَفِيهِ الغَفْلَةُ عَمّا أشَرْنا إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الرَّهْطَ بِمَعْنى الشَّخْصِ أوْ بِمَعْنى النَّفْسِ، بَلْ إنَّ التِّسْعَةَ مِنَ الأشْخاصِ أوْ مِنَ الأنْفُسِ هي الرَّهْطُ، فَلَيْسَ المَعْدُودُ بِالتِّسْعَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الرَّهْطُ مِنَ الجَماعَةِ لِيَكُونَ هُناكَ تِسْعُ جَماعاتٍ لا تِسْعَةُ أفْرادٍ. وقالَ الإمامُ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةُ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ النِّسَبِ، اهـ. وقِيلَ: كانَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ رُؤَساءَ، مَعَ كُلٍّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ، ولِذا قِيلَ: (تِسْعَةُ رَهْطٍ) وأسْماؤُهم - عَنْ وهْبٍ -: الهُذَيْلُ بْنُ عَبْدِ رَبٍّ، وغَنْمُ بْنُ غَنْمٍ، ودِبابُ بْنُ مِهْرَجٍ، وعُمَيْرُ بْنُ كُرْدِيَةَ، وعاصِمُ بْنُ مَخْزَمَةَ، وسُبَيْطُ بْنُ صَدَقَةَ، وسَمْعانُ بْنُ صَفِيٍّ، وقِدارُ بْنُ سالِفٍ، وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في عَقْرِ النّاقَةِ، وكانُوا عُتاةَ قَوْمِ صالِحٍ، ومِن أبْناءِ أشْرافِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أسْماءَهُمْ: دَعْمِيٌّ، ودُعَيْمٌ، وهَرَمِيٌّ، وهُرَيْمٌ، ودَوابٌ، وصَوابٌ، ودِيابٌ، ومِسْطَحٌ، وقِدارٌ وهو الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ - لا في المَدِينَةِ فَقَطْ - إفْسادًا بَحْتًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنَ الإصْلاحِ، أوْ لا يُصْلِحُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، والمُرادُ أنَّ عادَتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ ذَلِكَ الإفْسادُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(رَهْطٍ) أوْ لِـ(تِسْعَةُ).

النمل 27:49

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ بَعْضِ ما فَعَلُوا مِنَ الفَسادِ، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ في أثْناءِ المُشاوَرَةِ في أمْرِ صالِحٍ صفحة 213 عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ أنْ عَقَرُوا النّاقَةَ أنْذَرَهم بِالعَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ... إلَخْ -: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أمْرٌ مِنَ التَّقاسُمِ، أيِ: التَّحالُفِ، وقَعَ مَقُولَ القَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا بَدَلًا مِن (قالُوا) أوْ حالًا مِن فاعِلِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها، أيْ: قالُوا مُتَقاسِمِينَ، ومَقُولُ القَوْلِ ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ ... إلَخْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ - عَلى هَذا - أنْ يَكُونَ (بِاللَّهِ) مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. والبَياتُ مُباغَتَةُ العَدُوِّ ومُفاجَأتُهُ بِالإيقاعِ بِهِ لَيْلًا وهو غافِلٌ، وأرادُوا قَتْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلَهُ لَيْلًا وهم غافِلُونَ، وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن آيِينِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى «تَقَسَّمُوا» بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، والمَعْنى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «لَتُبَيِّتَنَّهُ» بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «لَيُبَيِّتَنَّهُ» بِياءِ الغَيْبَةِ و(تَقاسَمُوا) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِخِلافِهِ عَنِ القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا كَما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أمْرًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ خِطابٌ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ لَوْ نُظِرَ إلى الخِطابِ وجَبَ تاءُ الخِطابِ، ولَوْ نُظِرَ إلى صِيغَةِ قَوْلِهِمْ عِنْدَ الحَلِفِ وجَبَ النُّونُ، فَأمّا ياءُ الغائِبِ فَلا وجْهَ لَهُ، وأمّا إذا جُعِلَ خَبَرًا فَهو عَلى الغائِبِ، كَما تَقُولُ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ). ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أيْ: لِوَلِيِّ صالِحٍ، والمُرادُ بِهِ طالِبُ ثَأْرِهِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ إذا قُتِلَ، وقُرَأ «لَتَقُولَنَّ» بِالتّاءِ مَن قَرَأ «لَتُبَيِّتَنَّهُ» كَذَلِكَ، وقَرَأ «لَيَقُولَنَّ» بِياءِ الغَيْبَةِ مَن قَرَأ بِها فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الأوَّلَ بِياءِ الغَيْبَةِ وهَذا بِالنُّونِ. قِيلَ: والمَعْنى عَلى ذَلِكَ قالُوا مُتَقاسِمِينَ بِاللَّهِ لَيُبَيِّتَنَّهُ قَوْمٌ مِنّا، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ جَمِيعُنا لِوَلِيِّهِ: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا هَلاكَهم عَلى أنَّ ( مَهْلِكَ ) مَصْدَرٌ كَمَرْجِعٍ، أوْ مَكانَ هَلاكِهِمْ عَلى أنَّهُ لِلْمَكانِ، أوْ زَمانَ هَلاكِهِمْ عَلى أنَّهُ لِلزَّمانِ. والمُرادُ نَفْيُ شُهُودِ الهَلاكِ الواقِعِ فِيهِ، واخْتارُوا نَفْيَ شُهُودِ مَهْلِكِ أهْلِهِ عَلى نَفْيِ قَتْلِهِمْ إيّاهُمْ؛ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم قالُوا: ما شَهِدْنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ نَتَوَلّى إهْلاكَهم. ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ قَتْلِهِمْ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ – أيْضًا؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَقْتُلْ أتْباعَهُ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ أيْ: والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حُجْرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي اهـ، وفِيهِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أهْلَهِ) يَعُودُ عَلى الوَلِيِّ، والمُرادُ بِأهْلِ الوَلِيِّ صالِحٌ وأهْلُهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ أهْلُ الوَلِيِّ لَقِيلَ: أهْلُكَ أوْ أهْلُهُ، ومُنِعَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، فَقَدْ قُرِئَ: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ» بِالخِطابِ والغَيْبَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ. نَعَمْ، رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى الوَلِيِّ خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ الجُمْهُورُ «مُهْلَكَ» بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن (أهْلَكَ) وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ الثَّلاثُ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «مَهْلَكَ» بِفَتْحِهِما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (ما شَهِدْنا) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، والمَعْنى: ونَحْلِفُ وإنّا لَصادِقُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا، واسْتُشْكِلَ ادِّعاؤُهُمُ الصِّدْقَ في ذَلِكَ وهم عُقَلاءُ يَنْفِرُونَ عَنِ الكَذِبِ ما أمْكَنَ، وأُجِيبَ بِأنَّ حُضُورَ الأمْرِ غَيْرُ مُباشَرَتِهِ في العُرْفِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ لِمَن قَتَلَ رَجُلًا أنَّهُ حَضَرَ قَتْلَهُ، وإنْ كانَ الحُضُورُ لازِمًا لِلْمُباشَرَةِ، فَحَلَفُوا عَلى المَعْنى العُرْفِيِّ عَلى العادَةِ في الأيْمانِ، وأوْهَمُوا الخَصْمَ صفحة 214 أنَّهم أرادُوا مَعْناهُ اللُّغَوِيَّ، فَهم صادِقُونَ غَيْرُ حانِثِينَ، وكَوْنُهم مِن أهْلِ التَّعارُفِ أيْضًا لا يَضُرُّ بَلْ يُفِيدُ فائِدَةً تامَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهم إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ؛ لِأنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَن فَعَلَ أمْرَيْنِ وجَحَدَ أحَدَهُما لَمْ يَكُنْ في كَذِبِهِ شُبْهَةٌ، وإنَّما تَتِمُّ الحِيلَةُ لَوْ فَعَلُوا أمْرًا واحِدًا وادُّعِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ أمْرَيْنِ فَجَحَدُوا المَجْمُوعَ، ولِذا لَمْ يَخْتَلِفُ العُلَماءُ في أنَّ مَن حَلَفَ: (لا أضْرِبُ زَيْدًا) فَضَرَبَ زَيْدًا وعَمْرًا كانَ حانِثًا، بِخِلافِ مَن حَلَفَ: (لا أضْرِبُ زَيْدًا وعَمْرًا) و(لا آكُلُ رَغِيفَيْنِ) فَأكَلَ أحَدَهُما، فَإنَّهُ مَحَلُّ خِلافٍ لِلْعُلَماءِ في الحِنْثِ وعَدَمِهِ، والحَقُّ أنَّ تَبْرِئَتَهم مِنَ الكَذِبِ - فِيما ذُكِرَ - غَيْرُ لازِمَةٍ حَتّى يُتَكَلَّفَ لَها، وهُمُ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وارْتَكَبُوا ما هو أقْبَحُ مِنَ الكَذِبِ فِيما ذُكِرَ، ومَقْصُودُ الزَّمَخْشَرِيِّ تَأْيِيدُ ما يَزْعُمُهُ هو وقَوْمُهُ مِن قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ بِالعَقْلِ بِمُوافَقَةِ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْها، ولا يَكادُ يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ.

النمل 27:50

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ بِهَذِهِ المُواضَعَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم إهْلاكًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، أوْ جازَيْنا مَكْرَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى ما باشَرُوهُ مِنَ المَكْرِ، والظّاهِرُ أنَّ (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ(كانَ) و(عاقِبَةُ) الِاسْمُ، أيْ: كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ واقِعَةً عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ يُعْتَبَرُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ (انْظُرْ) وهي مُعَلَّقَةٌ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ تَفَكَّرْ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن «عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ» أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ العاقِبَةِ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما في عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ مِنَ الإبْهامِ، أيْ: هو أوْهى تَدْمِيرِنا وإهْلاكِنا إيّاهم ﴿وقَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنهم في مُباشَرَةِ التَّبْيِيتِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم شاذٌّ، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِتَدْمِيرِنا إيّاهم أوْ بِتَدْمِيرِنا إيّاهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ بَدَلًا مِن (كَيْفَ) وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَنِ الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِكَ: (كَيْفَ زَيْدٌ أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ)؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ لِـ(كانَ) وتَكُونُ (كَيْفَ) حِينَئِذٍ حالًا، والعامِلُ فِيها كانَ أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً و(كَيْفَ) عَلَيْهِ حالٌ لا غَيْرُ، والِاحْتِمالاتُ الجائِزَةُ في ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ لا تَخْفى. وقَرَأ الأكْثَرُ (إنّا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَكَيْفَ خَبَرُ كانَ و(عاقِبَةُ) اسْمُها، وجُمْلَةُ (إنّا دَمَّرْناهُمْ) اسْتِئْنافٌ لِتَفْسِيرِ العاقِبَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ الشَّأْنُ أوْ ضَمِيرُهُ لا شَيْءَ آخَرَ مِمّا يَحْتاجُ لِلْعائِدِ لِيُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ العائِدِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ المَرْفُوعَ مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ حَذْفُهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً، و(كَيْفَ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولَمْ يُجَوِّزِ الجُمْهُورُ كَوْنَها ناقِصَةً، والخَبَرِ جُمْلَةَ: (أنّا دَمَّرْناهُمْ) لِعَدَمِ الرّابِطِ. وقِيلَ: يَجُوزُ، ويَكْفِي لِلرَّبْطِ وُجُودُ ما يَرْجِعُ إلى مُتَعَلَّقِ المُبْتَدَأِ؛ إذْ رُجُوعُهُ إلَيْهِ نَفْسِهِ غَيْرُ لازِمٍ وهو تَكَلُّفٌ، وإنَّما يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ القائِلِ: إذا قامَ بَعْضُ الجُمْلَةِ مَقامَ مُضافٍ إلى العائِدِ اكْتُفِيَ بِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَأْباهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ (كانَ) زائِدَةً، و(عاقِبَةُ) مُبْتَدَأً، و(كَيْفَ) خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ. صفحة 215 وقَرَأ أُبَيٌّ «أنْ دَمَّرْناهُمْ» بِـ(أنِ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجْرِي في المَصْدَرِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ فِيهِ عَلى قِراءَةِ «أنّا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. هَذا، وفي كَيْفِيَّةِ التَّدْمِيرِ خِلافٌ، فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً مِنَ الهَضْبِ حِيالَهم فَبادَرُوا، فَطَبَّقَتْ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَلَمْ يَدْرِ قَوْمُهم أيْنَ هُمْ، ولَمْ يَدْرُوا ما فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ، وعَذَّبَ اللَّهُ تَعالى كُلًّا مِنهم في مَكانِهِ ونَجّىصالِحًا ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: جاؤُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِي سُيُوفِهِمْ. وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مَلائِكَةً مِلْءَ دارِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ رامِيًا، وهَلَكَ سائِرُ القَوْمِ بِالصَّيْحَةِ، وقِيلَ: إنَّهم عَزَمُوا عَلى تَبْيِيتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وأهْلَهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ صالِحًا، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الأحَدِ.

النمل 27:51

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ بِهَذِهِ المُواضَعَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم إهْلاكًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، أوْ جازَيْنا مَكْرَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى ما باشَرُوهُ مِنَ المَكْرِ، والظّاهِرُ أنَّ (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ(كانَ) و(عاقِبَةُ) الِاسْمُ، أيْ: كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ واقِعَةً عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ يُعْتَبَرُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ (انْظُرْ) وهي مُعَلَّقَةٌ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ تَفَكَّرْ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن «عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ» أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ العاقِبَةِ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما في عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ مِنَ الإبْهامِ، أيْ: هو أوْهى تَدْمِيرِنا وإهْلاكِنا إيّاهم ﴿وقَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنهم في مُباشَرَةِ التَّبْيِيتِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم شاذٌّ، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِتَدْمِيرِنا إيّاهم أوْ بِتَدْمِيرِنا إيّاهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ بَدَلًا مِن (كَيْفَ) وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَنِ الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِكَ: (كَيْفَ زَيْدٌ أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ)؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ لِـ(كانَ) وتَكُونُ (كَيْفَ) حِينَئِذٍ حالًا، والعامِلُ فِيها كانَ أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً و(كَيْفَ) عَلَيْهِ حالٌ لا غَيْرُ، والِاحْتِمالاتُ الجائِزَةُ في ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ لا تَخْفى. وقَرَأ الأكْثَرُ (إنّا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَكَيْفَ خَبَرُ كانَ و(عاقِبَةُ) اسْمُها، وجُمْلَةُ (إنّا دَمَّرْناهُمْ) اسْتِئْنافٌ لِتَفْسِيرِ العاقِبَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ الشَّأْنُ أوْ ضَمِيرُهُ لا شَيْءَ آخَرَ مِمّا يَحْتاجُ لِلْعائِدِ لِيُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ العائِدِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ المَرْفُوعَ مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ حَذْفُهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً، و(كَيْفَ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولَمْ يُجَوِّزِ الجُمْهُورُ كَوْنَها ناقِصَةً، والخَبَرِ جُمْلَةَ: (أنّا دَمَّرْناهُمْ) لِعَدَمِ الرّابِطِ. وقِيلَ: يَجُوزُ، ويَكْفِي لِلرَّبْطِ وُجُودُ ما يَرْجِعُ إلى مُتَعَلَّقِ المُبْتَدَأِ؛ إذْ رُجُوعُهُ إلَيْهِ نَفْسِهِ غَيْرُ لازِمٍ وهو تَكَلُّفٌ، وإنَّما يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ القائِلِ: إذا قامَ بَعْضُ الجُمْلَةِ مَقامَ مُضافٍ إلى العائِدِ اكْتُفِيَ بِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَأْباهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ (كانَ) زائِدَةً، و(عاقِبَةُ) مُبْتَدَأً، و(كَيْفَ) خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ. صفحة 215 وقَرَأ أُبَيٌّ «أنْ دَمَّرْناهُمْ» بِـ(أنِ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجْرِي في المَصْدَرِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ فِيهِ عَلى قِراءَةِ «أنّا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. هَذا، وفي كَيْفِيَّةِ التَّدْمِيرِ خِلافٌ، فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً مِنَ الهَضْبِ حِيالَهم فَبادَرُوا، فَطَبَّقَتْ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَلَمْ يَدْرِ قَوْمُهم أيْنَ هُمْ، ولَمْ يَدْرُوا ما فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ، وعَذَّبَ اللَّهُ تَعالى كُلًّا مِنهم في مَكانِهِ ونَجّىصالِحًا ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: جاؤُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِي سُيُوفِهِمْ. وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مَلائِكَةً مِلْءَ دارِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ رامِيًا، وهَلَكَ سائِرُ القَوْمِ بِالصَّيْحَةِ، وقِيلَ: إنَّهم عَزَمُوا عَلى تَبْيِيتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وأهْلَهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ صالِحًا، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الأحَدِ.

النمل 27:52

﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاوِيَةً﴾ أيْ: خالِيَةً أوْ ساقِطَةً مُتَهَدِّمَةً، أعالِيَها عَلى أسافِلِها، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المَذْكُورِ، حالٌ مِن (بُيُوتُهُمْ) والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ «خاوِيَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي خاوِيَةٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ(تِلْكَ) أوْ خَبَرٌ لَها و(بُيُوتُهُمْ) بَدَلٌ. وبُيُوتُهم هَذِهِ هي الَّتِي قالَ فِيها ﷺ لِأصْحابِهِ عامَ تَبُوكَ: ««لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»» الحَدِيثَ، وهي بِوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّدْمِيرِ العَجِيبِ بِظُلْمِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ مِنَ الأشْياءِ، أوْ لِقَوْمٍ يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ، وقِيلَ: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ هَذِهِ القِصَّةَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ - عَلى ما قِيلَ - دَلالَةٌ عَلى الظُّلْمِ يَكُونُ سَبَبًا لِخَرابِ الدُّورِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي التَّوْراةِ: ابْنَ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخَرَّبْ بَيْتُكَ، قِيلَ: وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الظُّلْمِ - بِمَعْنى الجَوْرِ والتَّعَدِّي عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى - سَبَبًا لِخَرابِ البُيُوتِ مِمّا شُوهِدَ كَثِيرًا في هَذِهِ الأعْصارِ، وكَوْنَهُ بِمَعْنى الكُفْرِ كَذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَلى الكَفَرَةِ يَوْمٌ تُخَرَّبُ فِيهِ بُيُوتُهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

النمل 27:53

﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي اتِّقاءً مُسْتَمِرًّا؛ فَلِذا خُصُّوا بِالنَّجاةِ، رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وحِينَ دَخَلَها ماتَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَتَذَكَّرْ.

النمل 27:54

﴿ولُوطًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى «أرْسَلْنا» في صَدْرِ قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَسَمِ، أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أمْرٌ مُمْتَدٌّ وقَعَ فِيهِ الإرْسالُ، وما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوال. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (اذْكُرْ) مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ و(إذْ) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، ولَيْسَ بِذاكَ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (صالِحًا) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ صالِحًا بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(أخاهُمْ) وقَدْ قُيِّدَ بِقَيْدٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ وهو «إلى ثَمُودَ» فَلَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقَيَّدَ بِهِ، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُرْسَلْ إلى ثَمُودَ، وهو مُتَعَيَّنٌ إذا تَقَدَّمَ القَيْدُ بِخِلافِ ما لَوْ تَأخَّرَ. وقِيلَ: إنَّ تَعَيُّنَهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ إذْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَجْمُوعِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ، لَكِنَّهُ خِلافُ المَأْلُوفِ في الخِطابِيّاتِ، وارْتِكابُ مِثْلِهِ تَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا). صفحة 216 وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ أسالِيبَ سَرْدِ القَصَصِ مِن عَطْفِ إحْدى القِصَّتَيْنِ عَلى الأُخْرى، لا عَلى تَتِمَّةِ الأُولى وذَيْلِها كَما لا يَخْفى. ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيْ: أتَفْعَلُونَ الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والسَّماجَةِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ (تَأْتُونَ) مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ؛ فَإنَّ تَعاطِيَ القَبِيحِ مِنَ العالِمِ بِقُبْحِهِ أقْبَحُ وأشْنَعُ و(تُبْصِرُونَ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، أيْ: أتَفْعَلُونَها والحالُ أنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَوْنَها كَذَلِكَ؟! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بَصَرِ العَيْنِ، أيْ: وأنْتُمْ تَرَوْنَ وتُشاهِدُونَ كَوْنَها فاحِشَةً عَلى تَنْزِيلِ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ، وقِيلَ: مَفْعُولُ (تُبْصِرُونَ) مِنَ المَحْسُوساتِ حَقِيقَةً، أيْ: وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكُمْ، أوْ: وأنْتُمْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِعَدَمِ اكْتِراثِكم بِهِ، ووَجْهُ إفادَةِ الجُمْلَةِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ تَأْكِيدَ الإنْكارِ - أيْضًا - ظاهِرٌ.

النمل 27:55

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ تَثْنِيَةٌ لِلْإنْكارِ، وبَيانٌ لِما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ الإبْهامِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَضْمُونَها مِمّا لا يُصَدِّقُ وُقُوعَهُ أحَدٌ لِكَمالِ شَناعَتِهِ، وإيرادُ المَفْعُولِ بِعُنْوانِ الرُّجُولِيَّةِ دُونَ الذُّكُورِيَّةِ؛ لِتَرْبِيَتِهِ التَّقْبِيحَ وبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِبَنِي آدَمَ، وتَعْلِيلُ الإتْيانِ بِالشَّهْوَةِ تَقْبِيحٌ عَلى تَقْبِيحٍ لِما أنَّها لَيْسَتْ في مَحَلِّها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُخْطِئُونَ في مَحَلِّها فِعْلًا. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ، إشارَةٌ إلى أنَّهم مُخْطِئُونَ فِيهِ تَرْكًا، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ (شَهْوَةً) مَفْعُولٌ لَهُ لِلْإتْيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِقُبْحِ ذَلِكَ، أوْ يَجْهَلُونَ العاقِبَةَ، أوِ الجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ والمُجُونِ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ سُفَهاءُ ماجِنُونَ، كَذا في الكَشّافِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ، وزَعَمَ أنَّ كَلِمَةَ الإضْرابِ تَأْباهُ، ووَجَّهَ الآيَةَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم عَلى الإجْمالِ - وسَمّاهُ فاحِشَةً، وقَيَّدَهُ بِالحالِ المُقَرِّرَةِ لِجِهَةِ الإشْكالِ؛ تَتْمِيمًا لِلْإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) - أرادَ مَزِيدَ ذَلِكَ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، فَكَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى ما أشارَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الكُلِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بَلْ أنْتُمْ) ... إلَخْ، أيْ: كَيْفَ يُقالُ لِمَن يَرْتَكِبُ هَذِهِ الفَحْشاءَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَأوْلى حَرْفَ الإضْرابِ ضَمِيرَ (أنْتُمْ) وجَعَلَهم قَوْمًا جاهِلِينَ، والتَفَتَ في (تَجْهَلُونَ) مُوَبِّخًا مُعَيِّرًا، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ. والقَوْلُ بِالِالتِفاتِ هُنا مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ أيْضًا، وهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ الَّتِي في (قَوْمٌ) إلى الخِطابِ في (تَجْهَلُونَ) وتَعَقَّبَهُ الفاضِلُ السّالكُوتِيُّ بِأنَّهُ وهْمٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْمٍ قَوْمَ لُوطٍ حَتّى يَكُونَ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا - كَما هو شَرْطُ الِالتِفاتِ - بَلْ مَعْنًى كُلِّيٌّ حُمِلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الخِطابَ فِيهِ - مَعَ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(قَوْمٌ) وهو اسْمٌ ظاهِرٌ - مِن قَبِيلِ الغائِبِ لِمُراعاةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ مَعَ (أنْتُمْ) لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمّا غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ في التَّغْلِيبِ تَجَوُّزًا ولا تَجَوُّزَ هُنا. وأُجِيبَ بِأنَّ نَحْوَ (تَجْهَلُونَ) مَوْضُوعٌ لِلْخِطابِ مَعَ جَماعَةٍ لَمْ يُذْكَرُوا بِلَفْظِ غَيْبَةٍ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وقِيلَ: قَوْلُهُمْ: إنَّ في التَّغْلِيبِ تَجَوُّزًا خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، وقالَ الفاضِلُ السّالكُوتِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (بَلْ أنْتُمْ) ... إلَخْ مِنَ المَجازِ بِاعْتِبارِ ما كانَ، فَإنَّ المُخاطَبَ في (تَجْهَلُونَ) بِاعْتِبارِ كَوْنِ القَوْمِ مُخاطَبِينَ في التَّعْبِيرِ بِـ(أنْتُمْ) فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ، ولا الهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ، ولَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى غَيْرِ ما هو لَهُ، فَيَكُونُ هُناكَ مَجازٌ، فافْهَمْ. (تَمَّ الجُزْءُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي، ويَلِيهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الجُزْءُ العِشْرُونَ، وأوَّلُهُ (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ).

النمل 27:56

صفحة 2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ أيْ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، وإخْراجُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعْلَمُ مِن بابِ أوْلى. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِآلِ لُوطٍ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَ دِينَهُ كَما يُرادُ مِن بَنِي آدَمَ آدَمُ وبَنُوهُ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَدْخُلُ امْرَأتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (إلّا) إلَخْ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ واقِعٌ في مَوْقِعِ اسْمِ كانَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ «جَوابُ» بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ ذاكَ واقِعًا مَوْقِعَ الخَبَرِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ بِإضافَةِ القَرْيَةِ إلى- كَمْ- تَهْوِينٌ لِأمْرِ الإخْراجِ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِهْزاءَ أيْ إنَّهم أُناسٌ يَزْعُمُونَ التَّطَهُّرَ والتَّنَزُّهَ عَنْ أفْعالِنا أوْ عَنِ الأقْذارِ ويَعُدُّونَ فِعْلَنا قَذِرًا وهم مُتَكَلِّفُونَ بِإظْهارِ ما لَيْسَ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَوابَ صَدَرَ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَراتِبِ مَواعِظِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم كَلامٌ آخَرُ غَيْرَهُ

النمل 27:57

﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِ القَوْمِ فالفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها﴾ أيْ قَدَّرْنا كَوْنَها ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ الباقِينَ في العَذابِ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ التَّقْدِيرَ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ لا بِالذّاتِ، وجاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ . وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «قَدَرْناها» بِتَخْفِيفِ الدّالِ

النمل 27:58

﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ غَيْرَ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ فَبِئْسَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرُهُمْ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا فارْجِعْ إلى ما ذَكَرْناهُ عِنْدَهُ.

النمل 27:59

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إثْرَ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ قِصَصَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ وأخْبارَهُمُ النّاطِقَةَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وعِظَمِ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وبِما خَصَّهم بِهِ مِنَ الآياتِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى جَلالَةِ أقْدارِهِمْ وصِحَّةِ أخْبارِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ صِحَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ وبُطْلانَ الكُفْرِ والإشْراكِ وأنَّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ فَقَدِ اهْتَدى، ومَن أعْرَضَ عَنْهم فَقَدْ تَرَدّى في مُهاوِي الرَّدى، وشَرَحَ صَدْرَهُ الشَّرِيفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما في تَضاعِيفِ تِلْكَ القِصَصَ مِن فُنُونِ المَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، ونُورِ قَلْبِهِ بِأنْوارِ المَلَكاتِ السُّبْحانِيَّةِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ القُدْسِ، وقَرَّرَ بِذَلِكَ فَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ . أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَحْمَدَهُ بِأتَمِّ وجْهٍ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ ويُسَلِّمَ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ مَن قُصَّتْ أخْبارُهم وشُرِحَتْ آثارُهم عِرْفانًا لِفَضْلِهِمْ وأداءً لِحَقِّ تَقَدُّمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الدِّينِ، فالمُرادُ بِالعِبادِ المُصْطَفِينَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِدَلالَةِ المَقامِ، وقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى:﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾، وقِيلَ: هَذا أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، والسَّلامُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا لَمْ يَكُنِ اسْتِقْلالًا مِمّا لا خِلافَ في جَوازِهِ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ لا يَرْتابُ في جَوازِهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: أمْرٌ صفحة 3 لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالحَمْدِ عَلى ما خَصَّهُ جَلَّ وعَلا بِهِ مِن رَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْ أُمَّتِهِ ومُخالَفَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ مِنَ الأُمَمِ المُسْتَأْصَلَةِ بِالعَذابِ، وبِالسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. فالمُرادُ بِالمُصْطَفَيْنَ الأنْبِياءُ خاصَّةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيهِمْ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ في ﴿وسَلامٌ﴾ إلَخْ: نَزَلَتْ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً. وهَذا ظاهِرٌ في القَوْلِ بِجَوازِ السَّلامِ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ اسْتِقْلالًا كَما هو مَذْهَبُ الحَنابِلَةِ وغَيْرِهِمْ، والكَلامُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابِ الِاقْتِضابِ كَأنَّهُ خُطْبَةٌ مُبْتَدَأةٌ حَيْثُ قالَ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿آللَّهُ﴾ إلَخْ، وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ وبَعْثٌ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذَّكِرِينَ والتَّبَرُّكِ بِهِما والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما عَلى قَبُولِ ما يَلْقى إلى السّامِعِينَ وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةِ الَّتِي يَبْغِيها المَسْمَعُ، ولَقَدْ تَوارَثَتِ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ فَحَمِدُوا اللَّهَ تَعالى وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمامَ كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ وقَبْلَ كُلِّ مَوْعِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ، وتَبِعَهُمُ المُتَراسِلُونَ فَأجْرُوا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ انْتَهى، ولَعَلَّ جَعَلَ ذَلِكَ تَخْلُّصًا مِن قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما جَرى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ المُشْرِكِينَ أوْلى، وأبْعَدُ الأقْوالِ القَوْلُ بِاتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْمَدَهُ تَعالى عَلى إهْلاكِ كَفَرَةِ قَوْمِهِ، وأنْ يُسَلِّمَ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ بِالعِصْمَةِ عَنِ الفَواحِشِ والنَّجاةِ عَنِ الهَلاكِ لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما بَعْدَهُ واحْتِياجِهِ إلى تَقْدِيرٍ وقُلْنا لَهُ، وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّ (سَلامٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ داخِلَةٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَوْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمالِ «الحَمْدُ لِلَّهِ» بِفَتْحِ اللّامِ ﴿آللَّهُ﴾ بِالمَدِّ لِقَلْبِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ألِفًا والأصْلُ أاللَّهُ. ﴿خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدَ مَحْذُوفٌ أيِ (آللَّهُ) الَّذِي ذَكَرْتَ شُؤُونَهُ العَظِيمَةَ خَيْرٌ أمِ الَّذِي يُشْرِكُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، (وخَيْرٌ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ ومَرْجِعُ التَّرْدِيدِ إلى التَّعْرِيضِ بِتَبْكِيتِ الكَفَرَةِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَسْفِيهِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ مِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ فِيما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ شائِبَةٌ خَيْرٌ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خَيْرٌ مَحْضٌ، وقِيلَ: ﴿خَيْرٌ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: الصَّلاةُ خَيْرٌ تَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ، والمُخْتارُ الأوَّلُ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ: كَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شِرْكَةَ هُناكَ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى الخَطَأِ ويُقْصَدُ بِالِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ ذَلِكَ إلْزامُهُ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، واسْتَظْهَرَ أيْضًا كَوْنُ المُرادِ بِالخَيْرِيَّةِ الخَيْرِيَّةَ في الذّاتِ، وقِيلَ: الخَيْرِيَّةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أعِبادَةُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ والحَذْفُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ إشْراكُهم ولا داعِيَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ الغائِبِ لِقُرَيْشٍ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المُهْلَكِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ الأكْثَرُونَ- تُشْرِكُونَ- بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى تَوْجِيهِ الخِطابِ لِمَن ذَكَرْنا مِنَ الكَفَرَةِ صفحة 4 وهُوَ الألْيَقُ بِما بَعْدَهُ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ إلَخْ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ التَّبْكِيتَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ، وحَمَلَهُ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أمَرَ بِهِ بِعِبادَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ، وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ».

النمل 27:60

و (أمْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةٌ كالسّابِقَةِ، وبَلِ المُقَدَّرَةُ عَلى القِراءَةِ الأُولى وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَلِتَثْنِيَةِ التَّبْكِيتِ وتَكْرِيرِ الإلْزامِ كَنَظائِرِها الآتِيَةِ، والهَمْزَةِ لِحَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِالحَقِّ الَّذِي لا مَحِيصَ لِمَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنِ الإقْرارِ بِهِ، ومِن مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مَعَ أمِ المُعادِلَةِ لِلْهَمْزَةِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ خَلا- أنْ تُشْرِكُونَ- المُقَدَّرِ هاهُنا بِتاءِ الخِطابِ عَلى القِراءَتَيْنِ مَعًا، وهَكَذا في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، والمَعْنى أمْ مَن خَلَقَ قُطْرَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ ومَبْدَأيْ مَنافِعِ ما بَيْنَهُما ﴿وأنْزَلَ لَكُمْ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الكَفَرَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى لِتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ وأنْزَلَ لِأجْلِكم ومَنفَعَتِكم ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ نَوْعًا مِنهُ وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ لا أنَّ الإنْباتَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ عَقْلًا، وقِيلَ: أيْ أنْبَتْنا عِنْدَهُ ﴿حَدائِقَ﴾ جَمْعَ حَدِيقَةٍ وهي كَما في البَحْرِ البُسْتانُ سَواءٌ أحاطَ بِهِ جِدارٌ أمْ لا، وهو ظاهِرُ إطْلاقِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ حَيْثُ فَسَّرَ الحَدائِقَ لِابْنِ الأزْرَقِ بِالبَساتِينِ ولَمْ يُقَيِّدْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البُسْتانُ عَلَيْهِ حائِطٌ مِنَ الإحْداقِ وهو الإحاطَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتَ ماءٍ سُمِّيَتْ حَدِيقَةً تَشْبِيهًا بِحَدَقَةِ العَيْنِ في الهَيْئَةِ وحُصُولِ الماءِ فِيها، ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما في البَحْرِ وكَأنَّ وجْهَ تَسْمِيَةِ البُسْتانِ عَلَيْهِ حَدِيقَةً أنَّ مِن شَأْنِها أنْ تُحْدِقَ بِالحِيطانِ أوْ تَصْرِفَ نَحْوَها الأحْداقَ وتَنْظُرَ إلَيْها ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يَبْتَهِجُ بِهِ النّاظِرُ ويُسِرُّ ما ﴿كانَ لَكُمْ﴾ أيْ ما صَحَّ وما أمْكَنَ لَكم ﴿أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ فَضْلًا عَنْ خَلْقِ ثَمَرِها وسائِرِ صِفاتِها البَدِيعَةِ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ هَكَذا هو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَدَّرُ الخَبَرُ يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويُشْرِكُ بِهِ ونَحْوَ هَذا في المَعْنى، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارٍ مُعادِلٍ وذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ في أخَواتِها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أُضْمِرَ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ انْتَهى، ولَعَلَّ الأوْلى ما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ. وقَرَأ الأعْمَشُ «أمَن» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، ومَن بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وتَقْدِيمُ صِلَتَيِ الإنْزالِ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِتَأْكِيدِ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِحُكْمِ المُقابَلَةِ بِذاتِهِ تَعالى والإيذانِ بِأنَّ إنْباتَ تِلْكَ الحَدائِقِ المُخْتَلِفَةِ الأصْنافِ والأوْصافِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ مَعَ ما لَها مِنَ الحُسْنِ البارِعِ والبَهاءِ الرّائِعِ بِماءٍ واحِدٍ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو وحْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ورَشَّحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكُمْ﴾ إلَخْ سَواءً كانَ صِفَةً لِحَدائِقَ أوْ حالًا صفحة 5 أوِ اسْتِئْنافًا، وتَوْحِيدُ وصْفِها السّابِقِ أعْنِي ذاتَ بَهْجَةٍ لِما أنَّ المَعْنى جَماعَةٌ حَدائِقِ ذاتَ بَهْجَةٍ، وهَذا شائِعٌ في جَمْعِ التَّكْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) وكَذا الحالُ في ضَمِيرِ ”شَجَرَها“. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ذَواتَ» بِالجَمْعِ «بَهَجَةٍ» بِفَتْحِ الهاءِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ جَعْلُهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ فَإنَّ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ كَما لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِالمَرَّةِ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ رَأْسًا لا سِيَّما بَعْدَ مُلاحَظَةِ انْتِفاءِ أحْكامِها عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا الحالُ في المَواقِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى إلَهٌ آخَرُ في الخَلْقِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا عَلى أنَّ التَّبْكِيتَ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَقَطْ فَإنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بَلْ بِإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى ما يَعْتَرِفُونَ بِعَدَمِ مُشارَكَتِهِ لَهُ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أإلَهٌ آخَرُ مَعَ اللَّهِ في خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أغَيْرُهُ يُقْرَنُ بِهِ سُبْحانَهُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ مَعَ تَفَرُّدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ. فالإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ مَعَ تَحَقُّقِ المُنْكَرِ دُونَ النَّفْيِ كَما في الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، ورَجَّحَ بِأنَّهُ الأظْهَرُ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ والأوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ آخَرَ مَعَهُ تَعالى رَأْسًا لا نَفْيَ مَعِيَّتِهِ في الخَلْقِ وفُرُوعِهِ فَقَطْ. وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ «آالَهٌ» بِتَوْسِيطِ مَدَّةً بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ وإخْراجِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ «أإلَهًا» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ مِثْلَ أتَجْعَلُونَ أوْ أتَدَّعُونَ أوْ أتُشْرِكُونَ. ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الخِطابِ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ وحِكايَتِهِ لِغَيْرِهِمْ و﴿يَعْدِلُونَ﴾ مِنَ العُدُولِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ أيْ بَلْ هم قَوْمٌ عادَتْهُمُ العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ والِانْحِرافِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَلِذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعُكُوفُ عَلى الباطِلِ البَيِّنِ الَّذِي هو الإشْراكُ، وقِيلَ: مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى المُساواةِ أيْ يُساوُونَ بِهِ غَيْرَهُ تَعالى مِن آلِهَتِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلَيْهِ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ.

النمل 27:61

﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ جَعَلَها بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها الإنْسانُ والدَّوابُّ بِإبْداءِ بَعْضِها مِنَ الماءِ ودَحْوِها وتَسْوِيَتِها حَسْبَما يَدُورُ عَلَيْهِ مَنافِعُهُمْ- فَقَرارًا- بِمَعْنى مُسْتَقِرًّا لا بِمَعْنى قارَّةٍ غَيْرِ مُضْطَرِبَةٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ فَإنَّ الفائِدَةَ عَلى ذَلِكَ أتَمُّ، والجَعْلُ إنْ كانَ تَصْيِيرِيًّا فالمَنصُوبانِ مَفْعُولانِ وإلّا فالثّانِي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ جَعَلَ﴾ إلَخْ عَلى ما قِيلَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِ ما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ وحُكْمُ الكُلِّ واحِدٌ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأظْهَرُ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِما قَبْلَها إلى التَّبْكِيتِ بِوَجْهٍ آخَرَ داخِلٌ في الإلْزامِ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وإلى الإبْدالِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ، وسَنَنْقُلُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ صاحِبِ الكَشْفِ ما فِيهِ الكَشْفُ عَنْ وجْهِهِ ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ أوْساطَها جَمْعُ خَلَلٍ، وأصْلُهُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَهو ظَرْفٌ حَلَّ مَحَلَّ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْهارًا﴾ وساغَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِتَقَدُّمِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ الثّانِي- لِجَعْلِ- و(أنْهارًا) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمُرادُ بِالأنْهارِ ما يَجْرِي فِيها لا المَحَلُّ صفحة 6 الَّذِي هو الشِّقُّ أيْ جَعَلَ خِلالَها أنْهارًا جارِيَةً تَنْتَفِعُونَ بِها ﴿وجَعَلَ لَها﴾ أيْ لِصَلاحِ أمْرِها ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ فَإنَّ لَها مَدْخَلًا عادِيًّا اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ في انْكِشافِ المَسْكُونِ مِنها وانْحِفاظِها عَنِ المَيْدِ بِأهْلِها وتَكُونُ المِياهُ المُمَدَّةِ لِلْأنْهارِ المُفْضِيَةِ لِنَضارَتِها في حَضِيضِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم في مَنفَعَةِ الجِبالِ تَكَوُّنَ المَعادِنِ فِيها ونَبْعَ المَنابِعِ مِن حَضِيضِها ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنفَعَةِ مَنعِها الأرْضَ عَنِ الحَرَكَةِ والمَيَلانِ، وعَلَّلَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المَقْصُودُ ذَلِكَ لَذَكَرَ عَقِبَ جَعْلِ الأرْضِ قَرارًا، ومَن أنْصَفَ رَأى أنَّ مَنعَ الجِبالِ الأرْضَ عَنِ الحَرَكَةِ والمَيَلانِ اللَّذَيْنِ يُخْرِجانِ الأرْضَ عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاعِ ويَجْعَلانِ وُجُودَها كَعَدَمِها مِن أهَمِّ ما يُذْكَرُ هُنا لِأنَّهُ مِمّا بِهِ صَلاحُ أمْرِها ورِفْعَةُ شَأْنِها، وذِكْرُ (لَها) دُونَ فِيها أوْ عَلَيْها ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ ما هو مِن هَذا القَبِيلِ مِنَ المَنافِعِ فَتَأمَّلْ. وإرْجاعُ ضَمِيرِ (لَها) لِلْأنْهارِ لِيَكُونَ المَعْنى وجَعَلَ لِإمْدادِها رَواسِيَ يَنْبُعُ مِن حَضِيضِها الماءُ فَيَمُدُّها لا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ﴾ أيِ العَذْبِ والمِلْحِ- عَنِ الضَّحّاكِ- أوْ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ- عَنِ الحَسَنِ- أوْ بَحَرِيِّ العِراقِ والشّامِ- عَنِ السُّدِّيِّ- أوْ بَحْرَيِ السَّماءِ والأرْضِ- عَنْ مُجاهِدٍ - ﴿حاجِزًا﴾ فاصِلًا يَمْنَعُ مِنَ المُمازَجَةِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ في الوُجُودِ أوْ في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ عَلى ما مَرَّ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ مُعْتَدًّا بِهِ ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ

النمل 27:62

﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ وهو الَّذِي أحْوَجَتْهُ شِدَّةٌ مِنَ الشَّدائِدِ وألْجَأتْهُ إلى اللَّجَأِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ، ويَرْجِعُ إلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ لَهُ بِالمَجْهُودِ، وتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ بِالَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، واللّامُ فِيهِ عَلى ما قِيلَ: لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ حَتّى يَلْزَمَ إجابَةَ كُلِّ مُضْطَرٍّ وكَمْ مِن مُضْطَرٍّ لا يُجابُ. وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ لَكِنَّ الإجابَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ كَما وقَعَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾، ومَعَ هَذا كَرِهَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ الشَّخْصُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّهُ سُبْحانَهُ لا مُكْرَهُ لَهُ»».، والمُعْتَزِلَةُ يُقَيِّدُونَها بِالعِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ لِإيجابِهِمْ رِعايَةَ المَصالِحِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: ما مِن مُضْطَرٍّ دَعا إلّا أُجِيبَ وأُعِيدَ نَفْعُ دُعائِهِ إلَيْهِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ الدُّعاءَ طَلَبُ شَيْءٍ. فَإنْ لَمْ يُعْطَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ يُعْطَ ما هو أجَلُّ مِنهُ أوْ إنْ لَمْ يُعْطَ هَذا الوَقْتَ يُعْطَ بَعْدَهُ اهـ. وظاهِرُهُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ مِن دُونِ تَقْيِيدٍ لِلْإجابَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَتِ الإجابَةُ بِإعْطاءِ السّائِلِ ما سَألَهُ حَسْبَما سَألَ لا بِقَطْعِ سُؤالِهِ سَواءٌ كانَ بِالإعْطاءِ المَذْكُورِ أمْ بِغَيْرِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ ما ذَكَرَهُ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في المُشْرِكِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ﴾ والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم عِنْدَ اضْطِرارِهِمْ في نَوازِلِ الدَّهْرِ وخُطُوبِ الزَّمانِ كانُوا يَلْجَأُونَ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الشُّرَكاءِ والأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى التَّنْبِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: كانُوا إذا حَزَبَهم أمْرٌ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى دُونَ أصْنامِهِمْ، فالمَعْنى إذا حَزَبَكم أمْرٌ أوْ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ الدَّهْرِ إلى أنْ تَصِيرُوا آيِسِينَ مِنَ الحَياةِ مَن يُجِيبُكم إلى كَشْفِها ويَجْعَلُكم بَعْدَ ذَلِكَ تَتَصَرَّفُونَ في البِلادِ كالخُلَفاءِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فَلا يَكُونُ المُضْطَرُّ عامًّا ولا الدُّعاءُ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمِثْلِ قَضِيَّةِ الفُلْكِ، وقَدْ أُجِيبُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الآيَةَ اهـ. صفحة 7 وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولَعَلَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى الجِنْسِ والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ وهو سُبْحانُهُ لا يَشاءُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والدُّعاءُ بِشَيْءٍ مِن قَبِيلِ أحَدِ الأسْبابِ العادِيَّةِ لَهُ فافْهَمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيْ يَرْفَعُ عَنِ الإنْسانِ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَسُوءُهُ، وقِيلَ: الكَشْفُ أعَمُّ مِنَ الدَّفْعِ والرَّفْعِ، وعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها مِن قَبِيلِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وقِيلَ: المَعْنى ويَكْشِفُ سُوءَهُ أيِ المُضْطَرَّ، أوْ ويَكْشِفُ عَنْهُ السُّوءَ والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ فَإنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّ هي كَشْفُ السُّوءِ عَنْهُ الَّذِي صارَ مُضْطَرًّا بِسَبَبِهِ وهو كَما تَرى. ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ خُلَفاءَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ في الأرْضِ بِأنْ ورَّثَكم سُكْناها والتَّصَرُّفَ فِيها بَعْدَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخِلافَةِ المُلْكُ والتَّسَلُّطُ، وقَرَأ الحَسَنُ ونَجْعَلُكم بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هَذِهِ شُؤُونُهُ ونِعَمُهُ تَعالى ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُرًّا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ- فَقَلِيلًا- نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ أوْ ظَرْفٍ مُقَدَّرٍ، وما- مَزِيدَةٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها العَدَمُ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى، ومَفْعُولُ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ مَحْذُوفٌ لِلْفاصِلَةِ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ تَذْكُرُونَ نِعَمَهُ، وقِيلَ: تَذْكُرُونَ مَضْمُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: تَذْكُرُونَ ما مَرَّ لَكم مِنَ البَلاءِ والسُّرُورِ، ولَعَلَّ الأوْلى نِعَمُهُ المَذْكُورَةُ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَذَكِّرَ في غايَةِ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كانَ التَّذْيِيلُ بِنَفْيِ التَّذَكُّرِ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو- يَذَكَّرُونَ- بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ- «تَتَذَكَّرُونَ» - بِتاءَيْنِ

النمل 27:63

﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ يُرْشِدُكم في ظُلُماتِ اللَّيالِي في البَرِّ والبَحْرِ بِالنُّجُومِ ونَحْوِها مِنَ العَلاماتِ، وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِلْمُلابَسَةِ وكَوْنَها فِيهِما، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالظُّلُماتِ الطُّرُقُ المُشَبَّهاتُ مَجازًا فَإنَّها كالظُّلُماتِ في إيجابِ الحَيْرَةِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْ تَعالى وتَنَزَّهَ بِذاتِهِ المُنْفَرِدَةِ بِالأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ، المُقْتَضِيَةِ لِكَوْنِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مَقْهُورَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ وُجُودِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ إلَهًا وشَرِيكًا لَهُ تَعالى، أوْ تَعالى اللَّهُ عَنْ شَرِكَةٍ أوْ مُقارَنَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ تَعالى اللَّهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وقُرِئَ «عَمّا تُشْرِكُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.

النمل 27:64

﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ يُوجِدُهُ مُبْتَدِئًا لَهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يُكَرِّرُ إيجادَهُ ويُرْجِعُهُ كَما كانَ، وذَلِكَ بَعْدَ إهْلاكِهِ ضَرُورَةَ أنَّ الإعادَةَ لا تُعْقَلُ إلّا بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا ما يَكُونُ مِنَ الإعادَةِ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَألْ في الخَلْقِ لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ لِأنَّ مِنهُ ما لا يُعادُ بِالإجْماعِ، ومِنهُ ما في إعادَتِهِ خِلافٌ بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وتَفْصِيلُهُ في مَحَلِّهِ. واسْتَشْكَلَ الحَمْلُ عَلى الإعادَةِ بِالبَعْثِ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُشْرِكِينَ وأكْثَرُهم مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْمَلُ الكَلامُ عَلَيْهِ ويُخاطَبُونَ بِهِ خِطابَ المُعْتَرِفِ؟ وأُجِيبُ بِأنَّ تِلْكَ الإعادَةَ لِوُضُوحِ بَراهِينِها جُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِها لِتَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِها فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ وقِيلَ: إنَّ مِنهم مَنِ اعْتَرَفَ بِها، والكَلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِ ألْ لِلْجِنْسِ وأنَّ المُرادَ بِالبَدْءِ والإعادَةِ ما يُشاهَدُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ مِن صفحة 8 إنْشاءِ بَعْضِ الأشْياءِ وإهْلاكِها، ثُمَّ إنْشاءِ أمْثالِها وذَلِكَ مِمّا لا يُنْكِرُهُ المُشْرِكُونَ المُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ وأرْضِيَّةٍ قَدْ رَتَّبَها عَلى تَرْتِيبٍ بَدِيعٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي عَلَيْها بَنى أمْرَ التَّكْوِينِ ﴿أإلَهٌ﴾ آخَرُ مَوْجُودٌ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَبْكِيتٍ أيْ هاتُوا بُرْهانًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ إلَهًا، وقِيلَ: أيْ هاتُوا بُرْهانًا عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ صَرِيحًا ولا يَلْتَزِمُونَ كَوْنَهُ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ وإنْ كانَ مِنها في الحَقِيقَةِ فَمُطالَبَتُهم بِالبُرْهانِ عَلَيْهِ لا عَلى صَرِيحِ دَعْواهم مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وفي إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِما فِيها مِن إيهامِ أنَّ لَهم بُرْهانًا وأنّى لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِزِيادَةِ التَّبْكِيتِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْنُ نَقْنَعُ مِنكم بِما تَعُدُّونَهُ أنْتُمْ أيُّها الخُصُومُ بُرْهانًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ نَعُدَّهُ نَحْنُ ولا أحَدٌ مِن ذَوِي العُقُولِ كَذَلِكَ، ومَعَ هَذا أنْتُمْ عاجِزُونَ عَنِ الإتْيانِ بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الدَّعْوى، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الدَّعْوى لا تُقْبَلُ ما لَمْ تُنَوَّرْ بِالبُرْهانِ. هَذا وفي الكَشْفِ أنَّ مَبْنى هَذِهِ الآياتِ التَّرَقِّي لِأنَّ الكَلامَ في إثْباتِ أنْ لا خَيْرِيَّةَ في الأصْنامِ مَعَ أنَّ كُلَّ خَيْرٍ مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى، فَأجْمَلَ أوَّلًا بِذِكْرِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ الجامِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آللَّهُ﴾ ثُمَّ أخَذَ في المُفَصَّلِ فَجَعَلَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ تَمْهِيدًا لِإنْزالِ الماءِ وإنْباتِ الحَدائِقِ لا بَلْ لِلْأخِيرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الِالتِفاتُ هُنالِكَ والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا﴾ كَأنَّهُ يَذْكُرُ سُبْحانَهُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ الكَثِيرَةِ لَوْنًا وطَعْمًا ورائِحَةً واسْتِرْواحَ ظِلٍّ. ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ فِعْلُهُ الخاصُّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وجَعَلَهم عادِلِينَ عَنْ مَنهَجِ الصَّوابِ أوْ عادِلِينَ بِهِ سُبْحانَهُ مَن لا يَسْتَحِقُّ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ثُمَّ تَرْقى مِنهُ إلى ما هو أكْثَرُ لَهم خَيْرًا وأظْهَرُ في نَفْعِهِمْ مِن جَعْلِ الأرْضِ قَرارًا وما عَقِبَهُ، فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا ما لا يَتِمُّ الإنْباتُ المَذْكُورُ إلّا بِهِ مَعَ مَنافِعَ يَتَصاغَرُ لَدَيْها مَنفَعَةُ الإنْباتِ، وعَقَّبَهُ بِجَهْلِهِمُ المُطْلَقِ المُنْتِجِ لِلْعُدُولِ المَذْكُورِ، وأسْوَأ مِنهُ وأسْوَأ، ثُمَّ بالَغَ في التَّرَقِّي فَذَكَرَ ما هو لَصِيقٌ بِهِمْ دُونَ واسِطَةٍ مِن دَفْعٍ أوْ نَفْعٍ فَخَصَّ إجابَتَهم عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وعَمَّ بِكَشْفِ السُّوءِ والمَضارِّ، هَذا فِيما يَرْجِعُ إلى دَفْعِ المَحْذُورِ وإقامَتِهِمْ خُلَفاءَ في الأرْضِ يَنْتَفِعُونَ بِها وبِما فِيها كَما أحَبُّوا، وهَذا أتَمُّ مِنَ الأوَّلِينَ وأعَمُّ وأجَلُّ مَوْقِعًا وأهَمُّ، ولِهَذا فَصَلَ بِعَدَمِ التَّذَكُّرِ وبُولِغَ فِيهِ تِلْكَ المُبالَغاتِ، وأمّا ذِكْرُ الهِدايَةِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ وذِكْرُ إرْسالِ الرِّياحِ المُبَشِّرَةِ اسْتِطْرادًا لِمُناسَبَةِ حَدِيثِ الرِّياحِ مَعَ الهِدايَةِ في البَحْرِ، فَمِن مُتَمِّماتِ الخِلافَةِ وإجابَةِ المُضْطَرِّ وكَشْفِ السُّوءِ فافْهَمْ. ونَبَّهَ عَلى هَذا بِأنَّهُ فَصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإضْرابِ عَنْ هَذا الأُسْلُوبِ بِتَذْكِيرِ نِعْمَتَيِ الإيجادِ والإعادَةِ، فَكُلُّ نِعْمَةٍ دُونَهُما لِتَوَقُّفِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْها، وعَقِبَهُ بِإجْمالٍ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ ما عَدَّدَهُ أوَّلًا وزِيادَةً أعْنِي رِزْقَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأُدْمِجَ في تَأْخِيرِهِ أنَّهُ دُونَ النِّعْمَتَيْنِ، ولِهَذا بَكَّتَهم بِطَلَبِ البُرْهانِ فِيما لَيْسَ وسَجَّلَ بِكَذِبِهِمْ دَلالَةً عَلى تَعَلُّقِهِ بِالكُلِّ وأنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ خِتامٌ مِسْكِيٌّ، والمُعْرِضُ عَنْ تَشامِّ نَفَحاتِهِ مِسْكِيٌّ، وعَنْ هَذا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ وجْهُ الإبْدالِ مَكْشُوفَ النِّقابِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى المُنْعِمِ الوَهّابِ اهـ. صفحة 9 وفِي غُرَّةِ التَّنْزِيلِ لِلرّاغِبِ ما يُؤَيِّدُهُ، وقَدْ لَخَّصَهُ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.

النمل 27:65

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بِبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ التّامَّةِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ العامِلَةِ عَقَّبَ بِذِكْرِ ما لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وهو اخْتِصاصُهُ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمْرِ البَعْثِ، وفي البَحْرِ قِيلَ: سَألَ الكُفّارُ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ- الَّتِي وعَدُوها- الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وألَحُّوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ﴾ الآيَةَ، فَمُناسَبَتُها عَلى هَذا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أتَمُّ مُناسِبَةٍ، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعَلَ يَعْلَمُ وهو مَوْصُولٌ أوْ مَوْصُوفٌ، والغَيْبُ مَفْعُولُهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (مَن) والِاسْتِثْناءُ عَلى ما قِيلَ: مُنْقَطِعٌ تَحْقِيقًا مُتَّصِلٌ تَأْوِيلًا عَلى حَدِّ ما في قَوْلِ الرّاجِزِ: وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ بِناءً عَلى إدْخالِ اليَعافِرِ في الأنِيسِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ في نَفْيِ عِلْمِ الغَيْبِ عَمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ بِتَعْلِيقِ عِلْمِهِمْ إيّاهُ بِما هو بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ مِن كَوْنِهِ تَعالى مِنهم كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ فِيهِما فَفِيهِمْ مَن يَعْلَمُ الغَيْبَ يَعْنِي أنَّ اسْتِحالَةَ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، ونَظِيرُ هَذا مِمّا لا اسْتِثْناءَ فِيهِ قَوْلُهُ: تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ عَلى حَدِّ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيَّ المُصَمَّمَ يَعْنِي أنَّهُ مِنِ اتِّباعِ أحَدِ المُتَبايِنَيْنِ الآخَرَ نَحْوَ ما أتانِي زِيدٌ إلّا عَمْرٌو وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ، وذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الأصْلَ فِيهِما: ما أتانِي أحَدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ أحَدٌ إلّا إخْوانُهُ فَجُعِلَ مَكانَ أحَدٍ بَعْضُ مَدْلُولِهِ وهو زَيْدٌ وإخْوانُكُمْ، ولَوْ لَمْ يَذْكُرِ الدُّخَلاءَ فِيمَن نُفِيَ عَنْهُ الإتْيانُ والإعانَةُ، ولَكِنْ ذَكَرا تَوْكِيدًا لِقِسْطِهِما مِنَ النَّفْيِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ المُخاطَبِ أنَّ المُتَكَلِّمَ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ هَذا الَّذِي أُكِّدَ بِهِ، فَذَكَرَ تَأْكِيدًا، وعَلَيْهِ يَكُونُ الأصْلُ في الآيَةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ فَحُذِفَ أحَدٌ وجُعِلَ مَكانَهُ بَعْضُ مَدْلُولِهِ وهو مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، والبَعْضُ الآخَرُ مِن لَيْسَ فِيهِما، ويَكْفِي في كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَهُ صِدْقُهُ عَلَيْهِ ولا يَجِبُ في ذَلِكَ وُجُودُهُ في الخارِجِ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ مِنَ الكُلِّيِّ ما يَمْتَنِعُ وُجُودُ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ كُلِّها في الخارِجِ عَلى أنَّ مِن أجِلَّةِ الإسْلامِيِّينَ مَن قالَ بِوُجُودِ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وهو الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ فَإنَّها لا مَكانَ لَها عِنْدَهم عَلى نَحْوِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، وقالَ: إنَّ شَرْطَ الِاتِّباعِ في هَذا النَّوْعِ أنْ يَسْتَقِيمَ حَذْفُ المُسْتَثْنى مِنهُ والِاسْتِغْناءُ عَنْهُ بِالمُسْتَثْنى فَإنْ لَمْ يُوجَدْ هَذا الشَّرْطُ تَعَيَّنَ النَّصْبُ عِنْدَ التَّمِيمِيِّ. والحِجازِيُّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ﴾، فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ فِيهِ بِالمُسْتَثْنى عَمّا قَبْلَهُ مُمْتَنِعٌ إلّا بِتَكَلُّفٍ، وزَعَمَ المازِنِيُّ أنَّ اتِّباعَ المُنْقَطِعِ مِن تَغْلِيبِ العاقِلِ عَلى غَيْرِهِ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَخْتَصَّ بِأحَدٍ وشِبْهِهِ وهو فاسِدٌ- كَما قالَ ابْنُ خَرُوفٍ- لِأنَّ ما يُبَدَّلُ مِنهُ في هَذا البابِ غَيْرُ ما ذَكَرَ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى اهـ. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُوهِمُ صَدْرُهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مِن قَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ في المِثالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ، وفي البَيْتِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قُبَيْلِهِما، ويُفْهَمُ عَجْزُهُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ في الرَّجُزِ السّابِقِ، وأنَّ الدّاعِيَ إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ نُكْتَةُ المُبالِغَةِ الَّتِي سَمِعْتَها، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ إفادَةَ تِلْكَ النُّكْتَةِ إنَّما تَتَأتّى إذا جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا تَحْقِيقًا مُتَّصِلًا تَأْوِيلًا، ولَعَلَّ الحَقَّ أنَّهُ إذا أُرِيدَ الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ النَّفْيِ تَعَيَّنَ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ نَحْوَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: «وبَلْدَةٍ» صفحة 10 إلَخْ، وإذا أُرِيدَ الدَّلالَةُ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ تَعَيَّنَ جَعْلُهُ نَحْوَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِمْ: ما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَّصِلًا كَما هو الأصْلُ في الِاسْتِثْناءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِما اطِّلاعَ الحاضِرِ فِيهِما مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً، وأيًّا ما كانَ فَهو مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ ولِذَوِي العِلْمِ مِن خَلْقِهِ وهو المُخَلِّصُ مِن لُزُومِ ارْتِكابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ المُخْتَلِفِ في صِحَّتِهِ كَما فَعَلَهُ بَعْضُ القائِلِينَ بِالِاتِّصالِ، وقِيلَ: يُعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِنَحْوٍ يَذْكُرُ مِنَ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ عَلى الحَقِيقَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى المَخْلُوقِينَ لا بِنَحْوٍ اسْتَقَرَّ مِمّا لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِيقَةِ أيْ لا يَعْلَمُ مَن يَذْكُرُ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ، ويَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِاسْتَقَرَّ أيْضًا إلّا أنَّهُ يُجْعَلُ مُسْنَدًا إلى مُضافٍ حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ لا يُعْلَمُ مَنِ اسْتَقَرَّ ذِكْرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ فَحُذِفَ الفِعْلُ والمُضافُ واسْتُتِرَ الضَّمِيرُ لِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا، وهَذا وما قَبْلُهُ كَما تَرى، واعْتُرِضَ حَدِيثُ الِاتِّصالِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ غَيْرِهِ في إطْلاقِ لَفْظٍ واحِدٍ وهو أمْرٌ مَذْمُومٌ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ «أنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ قُلْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ»». وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُذَمُّ إذا صَدَرَ مِنَ البَشَرِ أمّا إذا صَدَرَ مِنهُ تَعالى فَلا يُذَمُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مِمّا يُذَمُّ إذا صَدَرَ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ الإيمانِ مَن كانَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما»» الحَدِيثَ.، ولَعَلَّ مَدارَ الذَّمِّ والمَدْحِ تَضَمُّنُ ذَلِكَ نُكْتَةً لَطِيفَةً وعَدَمُ تَضَمُّنِهِ إيّاها، وقَدْ قِيلَ في حَدِيثِ أنَسٍ: النُّكْتَةُ في تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ الإيماءُ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ هو المَجْمُوعُ المُرَكَّبُ مِنَ المَحَبَّتَيْنِ، والنُّكْتَةُ في إفْرادِهِ في حَدِيثِ عَدِيٍّ الإشْعارُ بِأنَّ كُلًّا مِنَ العِصْيانَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِلْزامِ الغَوايَةِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في هَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ، وجُوِّزَ أنْ يُعْرَبَ مَن مَفْعُولُ- يَعْلَمُ. والغَيْبُ- بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلُ (يَعْلَمُ) ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ ولا يَخْفى بَعْدَهُ. والغَيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ غابَتِ الشَّمْسُ وغَيْرُها إذا اسْتَتَرَتْ عَنِ العَيْنِ، واسْتُعْمِلَ في الشَّيْءِ الغائِبِ الَّذِي لَمْ تُنْصَبْ لَهُ قَرِينَةٌ وكَوْنُ ذَلِكَ غَيْبًا بِاعْتِبارِهِ بِالنّاسِ ونَحْوِهِمْ لا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ تَعالى شَيْءٌ لَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يَعْلَمُ الغَيْبَ قَصْدًا إلى أنَّهُ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِيُقالَ يَعْلَمُهُ، وقَدْ شَنَّعَ الشَّيْخُ أحْمَدُ الفارُوقِيُّ السَّرْهَنِدِيُّ المَشْهُورُ بِالإمامِ الرَّبّانِيِّ في مَكْتُوباتِهِ- عَلى مَن قالَ ذَلِكَ قاصِدًا ما ذَكَرَ- أتَمَّ تَشْنِيعٍ كَما هو عادَتُهُ جَزاهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا فِيمَن لَمْ يَتَأدَّبْ بِآدابِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السّاعَةُ، وقِيلَ: ما يُضْمِرُهُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ الغَيْبِ، ويَلْزَمُ مِن نَفْيِ عِلْمِ جِنْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ نَفْيُ عِلْمِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ عَنْ ذَلِكَ الغَيْرِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى ثُبُوتِ عِلْمِ كُلِّ غَيْبٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ بَلْ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ ثُبُوتُ عِلْمِ جِنْسِ الغَيْبِ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ المَنفِيُّ صَرِيحًا عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ عِلْمِ هَذا الجِنْسِ ثُبُوتُ عِلْمِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ لِأنَّها لَمْ تُسَقْ لِلِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ، وكَمْ وكَمْ مِن دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الغَيْبَ مِن حَيْثُ إنَّهُ غَيْبٌ لا يَتَفاوَتُ فَمَتى ثَبَتَ العِلْمُ بِبَعْضِ أفْرادِهِ ثَبَتَ العِلْمُ بِجَمِيعِها دَفْعًا لِلُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ فَتَأمَّلْ. صفحة 11 واخْتارَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِغْراقَ أيْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ غَيْبٍ إلّا اللَّهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مَن يَعْلَمُ بَعْضَ الغُيُوبِ، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ الأجِلَّةِ يَأْبى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ وجَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يُخْبِرُ النّاسَ بِما يَكُونُ في غَدٍ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ يَعْلَمُ ما في غَدٍ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى الفِرْيَةَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مِنهم مَن يَعْلَمُ بَعْضَ الغُيُوبِ، فَفي بَيانِ قَواطِعِ الإسْلامِ تَأْلِيفُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ بَعْدَ الرَّدِّ عَلى مَن أُكَفِّرُ مَن قِيلَ لَهُ: أتَعْلَمُ الغَيْبَ؟ فَقالَ: نَعَمْ لِأنَّ فِيما قالَهُ تَكْذِيبُ النَّصِّ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ ما نَصُّهُ: وعَلى كُلٍّ فالخَواصُّ يَجُوزُ أنْ يَعْلَمُوا الغَيْبَ في قَضِيَّةٍ أوْ قَضايا كَما وقَعَ لِكَثِيرٍ مِنهم واشْتَهَرَ، والَّذِي اخْتُصَّ بِهِ تَعالى إنَّما هو عِلْمُ الجَمِيعِ وعِلْمُ مَفاتِحِ الغَيْبِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ، ويَنْتِجُ مِن هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ مَنِ ادَّعى عَلِمَ الغَيْبِ في قَضِيَّةٍ أوْ قَضايا لا يَكْفُرُ وهو مُحْمَلٌ ما في الرَّوْضَةِ، ومَنِ ادَّعى عِلْمَهُ في سائِرِ القَضايا يَكْفُرُ وهو مُحْمَلٌ ما في أصْلِها إلّا أنَّ عِبارَتَهُ لَمّا كانَتْ مُطْلَقَةً تَشْمَلُ هَذا وغَيْرَهُ ساغَ لِلنَّوَوِيِّ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ فَإنْ أُطْلِقَ فَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا، فالأوْجَهُ ما اقْتَضاهُ كَلامُ النَّوَوِيِّ مِن عَدَمِ الكُفْرِ انْتَهى. ولَعَلَّ الحَقَّ أنْ يُقالَ: إنَّ عِلْمَ الغَيْبِ المَنفِيِّ عَنْ غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا هو ما كانَ لِلشَّخْصِ لِذاتِهِ أيْ بِلا واسِطَةٍ في ثُبُوتِهِ لَهُ، وهَذا مِمّا لا يُعْقَلُ لِأحَدٍ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لِمَكانِ الإمْكانِ فِيهِمْ ذاتًا وصِفَةً وهو يَأْبى ثُبُوتَ شَيْءٍ لَهم بِلا واسِطَةٍ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ إشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وما وقَعَ لِلْخَواصِّ لَيْسَ مِن هَذا العِلْمِ المَنفِيِّ في شَيْءٍ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الواجِبِ عَزَّ وجَلَّ أفاضَهُ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإفاضَةِ فَلا يُقالُ: إنَّهم عَلِمُوا الغَيْبَ بِذَلِكَ المَعْنى ومَن قالَهُ كَفَرَ قَطْعًا، وإنَّما يُقالُ: إنَّهم أُظْهِرُوا أوِ اطْلِعُوا. بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، عَلى الغَيْبِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُفْهِمُ الواسِطَةَ في ثُبُوتِ العِلْمِ لَهُمْ، ويُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ نِسْبَةُ عِلْمِ الغَيْبِ إلى غَيْرِهِ تَعالى أصْلًا، وجاءَ الإظْهارُ عَلى الغَيْبِ لِمَنِ ارْتَضى سُبْحانَهُ مِن رَسُولٍ لا يُقالُ: يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: أُعْلِمَ فُلانٌ الغَيْبَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُهُ وعَرَّفَهُ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الإعْلامِ والتَّعْرِيفِ، ومَتى جازَ هَذا جازَ أنْ يُقالَ: عَلِمَ فُلانٌ الغَيْبَ بِقَصْدِ نِسْبَةِ عِلْمِهِ الحاصِلِ مِن إعْلامِهِ إلَيْهِ لِأنّا نَقُولُ: لا كَلامَ في جَوازِ أُعْلِمَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما الكَلامُ في قَوْلِكَ: ومَتى جازَ هَذا جازَ أنْ يُقالَ إلَخْ، فَنَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِالجَوازِ في تالِي الشَّرْطِيَّةِ الجَوازُ مَعْنًى أيِ الصِّحَّةُ مِن حَيْثُ المَعْنى فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ ما جازَ مَعْنًى بِهَذا المَعْنى جازَ شَرْعًا اسْتِعْمالُهُ، وإنْ أُرِيدَ الجَوازُ شَرْعًا بِمَعْنى عَدَمِ المَنعِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ فَهو مَمْنُوعٌ لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ والمُصادَمَةِ لِظَواهِرِ الآياتِ كَآيَةِ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ وغَيْرِها وقَدْ سَمِعْتُ عَنِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ النُّورانِيَّ أنَّهُ حَطَّ كُلَّ الحَطِّ عَلى مَن قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: «لا يَعْلَمُ الغَيْبَ» مُتَأوِّلًا لَهُ بِما تَقَدَّمَ لِما فِيهِ مِنَ المُصادَمَةِ لِلنُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وغَيْرِها، وفي ذَلِكَ مِن سُوءِ الأدَبِ ما فِيهِ، وقَدْ شَنَّعُوا أيْضًا عَلى مَن قالَ: أكْرَهُ الحَقَّ وأُحِبُّ الفِتْنَةَ وأفِرُّ مِنَ الرَّحْمَةِ مُرِيدًا بِالحَقِّ المَوْتَ، وبِالفِتْنَةِ المالَ أوِ الوَلَدَ، وبِالرَّحْمَةِ المَطَرَ لِما في ظاهِرِهِ مِنَ الشَّناعَةِ والبَشاعَةِ ما لا يَخْفى. صفحة 12 نَعَمْ لا يَكْفُرُ قائِلُ ذَلِكَ بِذَلِكَ القَصْدِ ويَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ كَيْلا يَعُودَ إلى قَوْلِهِ، ثُمَّ إنَّ عِلْمَ غَيْرِ الغَيْبِ مِنَ المَحْسُوساتِ والمَعْقُولاتِ وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ لِشَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ بِلا واسِطَةٍ في الثُّبُوتِ أيْضًا إلّا أنَّهُ في نِسْبَتِهِ لِشَيْءٍ مِنها لَمْ يُعْتَبَرْ إلّا اتِّصافُهُ بِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِنَفْيِ تِلْكَ الواسِطَةِ لِما أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَصْرَ ذَلِكَ العِلْمِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ونَفْيَهُ عَمَّنْ سِواهُ جَلَّ وعَلا بَلْ صَرَّحَ في مَواضِعَ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى بِنِسْبَتِهِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ولَوْ ورَدَ فِيهِ ما ورَدَ في عِلْمِ الغَيْبِ لالتَزَمَ فِيهِ ما التَزَمَ فِيهِ، وعَلى ما تُقَرِّرُ لا يَكُونُ عِلْمُ العُقُولِ بِما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مِنَ الحَوادِثِ عَلى ما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ بَلْ هو لَوْ سُلِّمَ عِلْمٌ حَصَلَ لَهم مِنَ الفَيّاضِ المُطْلَقِ جَلَّ شَأْنُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِمْ: إنَّهم عالِمُونَ بِالغَيْبِ، وقائِلُهُ إمّا كافِرٌ أوْ مُسْلِمٌ آثِمٌ، وكَذا يُقالُ في عِلْمِ بَعْضِ المُرْتاضِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ الصُّوفِيَّةِ والكَفَرَةِ الجَوْكِيَّةِ فَإنَّ كُلَّ ما يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو بِطْرِيقِ الفَيْضِ ومَراتِبُهُ وأحْوالُهُ لا تُحْصى، والتَّأهُّلُ لَهُ قَدْ يَكُونُ فِطْرِيًّا، وقَدْ يَكُونُ كَسْبِيًّا، وطُرُقُ اكْتِسابِهِ مُتَشَعِّبَةٌ لا تَكادُ تُسْتَقْصى، وإفاضَةُ ذَلِكَ عَلى كَفَرَةِ المُرْتاضِينَ وإنْ أُشْبِهَتْ إفاضَتُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ إلّا أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقًا عَظِيمًا عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ ما مِن حَقٍّ إلّا وقَدْ جُعِلَ لَهُ باطِلٌ يُشْبِهُهُ لِأنَّ الدّارَ دارُ فِتْنَةٍ وأكْثَرُ ما فِيها مِحْنَةٌ، ويَلْحَقُ بِعِلْمِ المُرْتاضِينَ مِنَ الجَوْكِيَّةِ عِلْمُ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ المَنسُوبِينَ إلى الإسْلامِ المُهْمِلِينَ أكْثَرَ أحْكامِهِ الواجِبَةِ عَلَيْهِمُ المُنْهَمِكِينَ في ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ في نَهارِهِمْ ولَيْلِهِمْ، فَلا يَنْبَغِي اعْتِقادُ أنَّ ذَلِكَ كَرامَةٌ بَلْ هو نِقْمَةٌ مُفْضِيَةٌ إلى حَسْرَةٍ ونَدامَةٍ، وأمّا عِلْمُ النُّجُومِيِّ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ حَسْبَما يَزْعُمُهُ فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ لِأنَّ تِلْكَ الحَوادِثَ الَّتِي يُخْبِرُ بِها لَيْسَتْ مِنَ الغَيْبِ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ إذْ هي وإنْ كانَتْ غائِبَةٌ عَنّا إلّا أنَّها عَلى زَعْمِهِ مِمّا نَصَّبَ لَها قَرِينَةً مِنَ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ والنِّسَبِ النُّجُومِيَّةِ مِنَ الِاقْتِرانِ والتَّثْلِيثِ والتَّسْدِيسِ والمُقابَلَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وعِلْمُهُ بِدَلالَةِ القَرائِنِ الَّتِي يَزْعُمُها ناشِئٌ مِنَ التَّجْرِبَةِ وما تَقْتَضِيهِ طَبائِعُ النُّجُومِ والبُرُوجِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها بِزَعْمِهِ اخْتِلافُ الآثارِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ فَلا أرى العِلْمَ بِها إلّا كَعِلْمِ الطَّبِيبِ الحاذِقِ إذا رَأى صَفْراوِيًّا مَثَلًا عَلِمَ رُتْبَةَ مِزاجِهِ وحَقَّقَها يَأْكُلُ مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنَ العَسَلِ أنَّهُ يَعْتَرِيهِ بَعْدَ ساعَةٍ أوْ ساعَتَيْنِ كَذا وكَذا مِنَ الألَمِ، وإطْلاقُ عِلْمِ الغَيْبِ عَلى ذَلِكَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ أبَيْتَ إلّا تَسْمِيَةَ ذَلِكَ غَيْبًا فالعِلْمُ بِهِ لِكَوْنِهِ بِواسِطَةِ الأسْبابِ لا يَكُونُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ المَنفِيِّ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى في شَيْءٍ وكَذا كُلُّ عِلْمٍ بِخَفِيٍّ حَصَلَ بِواسِطَةِ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَعِلْمِنا بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ العَلِيَّةِ وعِلْمِنا بِالجَنَّةِ والنّارِ ونَحْوَ ذَلِكَ، عَلى أنَّكَ إذا أنْصَفْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ النُّجُومِيِّ ونَحْوَهُ لَيْسَ عِلْمًا حَقِيقِيًّا وإنَّما هو ظَنٌّ وتَخْمِينٌ مَبْنِيٌّ عَلى ما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما سَنُحَقِّقُ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ اللّائِقِ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأقْوى ما عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ زَمَنَيِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ وأزْمِنَةِ تَحَقُّقِ النِّسَبِ المَخْصُوصَةِ بَيْنَ الكَواكِبِ وهي ناشِئَةٌ مِن مَعْرِفَةِ مَقادِيرِ الحَرَكاتِ لِلْكَواكِبِ والأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ وهي أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ تُدْرَكُ بِالأرْصادِ والآلاتِ المَعْمُولَةِ لِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ عِلْمُ الغَيْبِ بِلا واسِطَةٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أصْلًا، ومَتى اعْتُبِرَ فِيهِ نَفْيُ الواسِطَةِ بِالكُلِّيَّةِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ فَلا يَتَحَقَّقُ فِيهِ تَفاوُتٌ بَيْنَ غَيْبٍ وغَيْبٍ، فَلا بَأْسَ بِحَمْلِ ألْ في الغَيْبِ عَلى الجِنْسِ، ومَتى حُمِلَتْ عَلى الِاسْتِغْراقِ فاللّائِقُ أنْ لا يُعْتَبَرَ في الآيَةِ سَلْبُ العُمُومِ بَلْ يُعْتَبَرُ عُمُومُ السَّلْبِ، ويَلْتَزِمُ أنَّ القاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ. وكَذا يُقالُ في السَّلْبِ والعُمُومِ في جانِبِ الفاعِلِ فَتَأمَّلْ فَهَذا ما عِنْدِي ولَعَلَّ ما عِنْدَكَ خَيْرٌ مِنهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. صفحة 13 ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ مَتى يَنْشُرُونَ مِنَ القُبُورِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا بُدَّ لَهم مِنهُ، ومِن أهَمِّ الأُمُورِ عِنْدَهُمْ- فَأيّانَ- اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ أصْلَها أيَّ آنَ أيْ أيَّ زَمانٍ، وإنْ كانَ المَعْرُوفُ خِلافَهُ وهي مَعْمُولَةٌ لِيُبْعَثُونَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. بِيَشْعُرُونَ. وعُلِّقَتْ (يَشْعُرُونَ) لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْكَفَرَةِ وإنْ كانَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِما ذَكَرَ عامًّا لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُذْكَرُ بَعْدُ مِنَ الضَّمائِرِ الخاصَّةِ بِهِمْ قَطْعًا، وقِيلَ: الكُلُّ لِمَن وإسْنادُ خَواصِّ الكَفَرَةِ إلى الجَمِيعِ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا والفاعِلُ بَعْضٌ مِنهُمْ، وفِيهِ بَحْثٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ. «إيِّانَ». بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي لُغَةُ بَنِي سُلَيْمٍ

النمل 27:66

﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ إضْرابٌ عَمّا تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، وأصْلُ ﴿ادّارَكَ﴾ تَدارَكَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسَكَنَتْ فاجْتَلَبَتْ هَمْزَةَ الوَصْلِ وهو مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ وهو مُرادُ مَن فَسَّرَ التَّدارُكَ هُنا بِالِاضْمِحْلالِ والفَناءِ، وإلّا فَأصْلُ التَّدارُكِ التَّتابُعِ والتَّلاحُقِ مُطْلَقًا، (وفِي الآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ”عِلْمُهُمْ“. والعِلْمُ يَتَعَدّى بِفي كَما يَتَعَدّى بِالباءِ، وهي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الباءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، والمَعْنى بَلْ تَتابَعَ عِلْمُهم في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي ما ذَكَرَ مِنَ البَعْثِ حالٌ مِن أحْوالِها حَتّى انْقَطَعَ وفَنِيَ ولَمْ يَبْقَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِمّا سَيَكُونُ فِيها قَطْعًا مَعَ تَوَفُّرِ أسْبابِهِ فَهو تَرَقٍّ عَنْ وصْفِهِمْ بِجَهْلٍ فاحِشٍ إلى وصْفِهِمْ بِجَهْلٍ أفْحَشَ، ولَيْسَ تَدارُكُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ لَهم عِلْمٌ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ فانْتَفى شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِتَنْزِيلِ أسْبابِ العِلْمِ ومُبادِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ، وإجْراءُ تَساقُطِها عَنْ دَرَجَةِ اعْتِبارِهِمْ كُلَّما لاحَظُوها مَجْرى تَتابُعِها إلى الِانْقِطاعِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيِ ﴿ادّارَكَ﴾ أسْبابَ عِلْمِهِمْ، والتَّدارُكُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ التَّساقُطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِها إلى ما هو أفْحَشُ مِنهُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وهو حَيْرَتُهم في ذَلِكَ أيْ بَلْ هم في شَكٍّ عَظِيمٍ مِن نَفْسِ الآخِرَةِ وتَحَقُّقِها كَمَن تَحَيَّرَ في أمْرٍ لا يَجِدُ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ فِيها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شاكِّينَ إلى وصْفِهِمْ بِما هو أفْظَعُ مِنهُ وهو كَوْنُهم عُمْيًا قَدِ اخْتَلَتْ بَصائِرُهم بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُدْرِكُونَ طَرِيقَ العِلْمِ بِها وهو الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فالمُرادُ ﴿عَمُونَ﴾ عَنْ دَلائِلِها أوْ عَمُونَ عَنْ كُلِّ ما يُوصِلُهم إلى الحَقِّ ويَدْخُلُ فِيهِ دَلائِلُها دُخُولًا أوَّلِيًّا، (ومِنها) مُتَعَلِّقٌ بِعَمُونَ، قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، ولَعَلَّ تَعْدِيَتَهُ بِمَن دُونَ عَنْ لِجَعْلِ الآخِرَةِ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، والكُفْرُ بِالعاقِبَةِ والجَزاءِ يَدَعُ الشَّخْصَ عاكِفًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ لا يَتَدَبَّرُ ولا يَتَبَصَّرُ فِيما عَدا ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ادّارَكَ﴾ بِمَعْنى اسْتَحْكَمَ وتَكامَلَ ووَصَفَهم بِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وتَكامُلِهِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، ومَآلُ التَّهَكُّمِ المَذْكُورِ نَفِيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ لَكِنْ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، والإضْرابانِ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الوَصْفِ بِالفَظِيعِ إلى الوَصْفِ بِالأفْظَعِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ وهو وجْهٌ حَسَنٌ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ بِتَرْجِيحِهِ عَلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالادِّراكِ الِاسْتِحْكامَ لَكِنْ عَلى مَعْنى اسْتَحْكَمَ أسْبابُ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ مِنَ الآياتِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ وتَمَكَّنُوا مِنَ المَعْرِفَةِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ وهم جاهِلُونَ في ذَلِكَ، وفِيهِ صفحة 14 أنَّ دَلالَةَ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى إرادَةٍ وهم جاهِلُونَ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: التَّدارُكُ التَّتابُعُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا الحُكْمُ والقَوْلُ والمَعْنى بَلْ تَتابَعُ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاهم بَعْضُهم. وشَكَّ فِيها بَعْضُهم واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم وفِيهِ ما فِيهِ. وقِيلَ: إنَّ في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ. (بِادّارَكَ) . وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ والطَّبَرْسِيُّ، واقْتَضَتْهُ بَعْضُ الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَلِ اسْتَحْكَمَ في الآخِرَةِ عِلْمُهم بِما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا حَيْثُ رَأوْا ذَلِكَ عِيانًا، وكانَ الظّاهِرُ يَدّارَكُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ. وقِيلَ: التَّدارُكُ عَلَيْهِ مِن تَدارَكْتُ أمْرَ فُلانٍ إذا تَلافَيْتَهُ، ومَفْعُولُهُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ بَلْ تَدارَكَ في الآخِرَةِ عَلِمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا أيْ تَلافاهُ، وحاصِلُ المَعْنى بَلْ عَلِمُوا ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ العِلْمُ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى ما عَلِمْتَ، ولا يَخْفى أنَّ في وجْهِ تَرْتِيبِ الإضْراباتِ الثَّلاثِ حَسَبَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ خَفاءً فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ أُبَيٌّ أمْ «تَدارَكَ». عَلى الأصْلِ وجَعَلَ أمْ بَدَلَ (بَلْ)، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ بَلْ أدْرَكَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وشَدَّ الدّالَ بِناءً عَلى وزْنِهِ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَّ وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا فَصارَ فِيهِ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ كَما في قَوْلِهِمُ: اثْرُدْ وأصْلُهُ اثْتَرِدْ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ «بَلِ»، ورُوِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأهْلُ مَكَّةَ. «بَلْ أدْرَكَ». عَلى وزْنٍ أفْعَلَ بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي حَيْوَةَ وغَيْرِهِ عَنْهُ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ. بَلِ آدَّرَكَ» بِمَدَّةٍ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدَّرَكَ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا تَخْفِيفًا كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ «بَلْ» لِأنَّ بَلْ لِلْإيجابِ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ اهـ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ، الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ (بَلْ) وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ، بَلْ أماءً شَرِبْتَ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي، وقَرَأ مُجاهِدٌ «أمْ أدْرَكَ» جَعَلَ أمْ بَدَلَ (بَلْ) وأدْرَكَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أيْضًا «بَلْ أدّارَكَ» بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى (ادّارَكَ) فَتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةُ لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا بَلْ أأدَّرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفْعَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا والأعْرَجُ. «بَلْ أدَرَكَ». بِهَمْزَةٍ، وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ وهي الدّالُ في فاءِ افْتَعَلَ بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا، وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ. «بَلِ ادَّرَكَ» بِحَذْفِ هَمْزَةِ أدْرَكَ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. «بَلى أدْرَكَ». بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجِبُ بِهِ المُسْتَفْهِمُ المَنفِيَّ، وقَرَأ. «بَلْ (آأدّارَكَ)». بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَهَذِهِ عِدَّةُ قِراءاتٍ فَما فِيهِ مِنها اسْتِفْهامٌ صَرِيحٌ أوْ مُضَمَّنٌ فَهو إنْكارٌ ونَفْيٌ، وما فِيهِ بَلى فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ يَلِي جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ جازَ أنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَهُ كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ صفحة 15 فَقِيلَ لَهُمْ: بَلى إيجابًا لِما نَفَوْا، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى أمْ هم في شَكِّ مِنها لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ اهـ، يَعْنِي أنَّ المَعْنى أأُدْرِكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا؟ فَبَلْ بِمَعْنى أمْ عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنْ جَعَلَ بَلْ بِمَعْنى أمْ ومُعادَلَتُها لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما فِيهِ بَلى فَإثْباتٌ لِشُعُورِهِمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَنِ التَّفْسِيرِ مُبالَغَةً في النَّفْيِ ودَلالَةً عَلى أنَّ شُعُورَهم بِها أنَّهم شاكُّونَ فِيها بَلْ إنَّهم مِنها عَمُّونَ فَهو عَلى مِنوال: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ أوْ رَدٌّ وإنْكارٌ لِشُعُورِهِمْ عَلى أنَّ الإضْرابَ إبْطالِيٌّ فافْهَمْ،

النمل 27:67

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ كالبَيانِ لِجَهْلِهِمْ بِالآخِرَةِ وعَمّا هم مِنها، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ حُكْمِهِمُ الباطِلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَقُولُ القَوْلِ، وإذا. ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ. أيْ أنُخْرَجُ إذا كُنّا تُرابًا ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لِمُخْرَجُونَ) لِأنَّ كُلًّا مِنَ الهَمْزَةِ وإنَّ واللّامِ عَلى ما قِيلَ: مانِعَةٌ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُهُمُ اللّامَ مانِعَةً بِناءً عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ مِن جَوازِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ خَبَرِ إنَّ المَقْرُونِ بِاللّامِ عَلَيْهِ نَحْوَ إنَّ زَيْدًا طَعامَكَ لَآكِلٌ، ويَكْفِي حِينَئِذٍ مانِعانِ وأظُنُّ أنَّ مَن قالَ: يَتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ ما لا يَتَوَسَّعُ في غَيْرِها لا يَقُولُ بِاطِّرادِ الحُكْمِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ ومُرادُهم بِالإخْراجِ الإخْراجُ مِنَ القُبُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإخْراجُ مِن حالِ الفَناءِ إلى الحَياةِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وتَقْيِيدُ الإخْراجِ بِوَقْتِ كَوْنِهِمْ تُرابًا لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الإنْكارِ بِالإخْراجِ حِينَئِذٍ فَقَطْ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِتَوْجِيهِهِ إلى الإخْراجِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِزَعْمِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وآباؤُنا﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ كانَ واسْتَغْنى بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ عَنِ الفَصْلِ بِالتَّأْكِيدِ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في أإنّا. لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في الإنْكارِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِأنْ واللّامِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِأصالَتِها في الصَّدارَةِ، والضَّمِيرُ في. أإنّا. لَهم ولِآبائِهِمْ لِأنَّ الكَوْنَ تُرابًا قَدْ تَناوَلَهم وآباءَهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو. أئِذا. وأإنّا. بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو. وقَرَأ نافِعٌ «إذا» بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى الخَبَرِ، وآيِنّا، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، وقَرَأ آخَرُونَ أئِذا. بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ أنَّنا بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ

النمل 27:68

﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ أيِ الإخْراجَ المَذْكُورَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَقْدِيمُ المَوْعُودِ عَلى (نَحْنُ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي تَعَمَّدَ بِالكَلامِ وقَصَدَ بِهِ حَتّى كَأنَّ ما سِواهُ مُطْرَحٌ وعِلاوَةٌ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُ ما صَدَرَ مِنهم أنْفُسُهم مُؤَكَّدًا مُقَرَّرًا مُكَرَّرًا وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ في آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ لِرِعايَةِ الأصْلِ، ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ إذْ لَمْ يَذْكُرْ هُناكَ سِوى اتِّباعِهِمْ أسْلافَهم في الكُفْرِ وإنْكارِ البَعْثِ مِن غَيْرِ نَعْيٍ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقْرِيرٌ إثْرَ تَقْرِيرٍ.

النمل 27:69

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة 16 فِيما دَعَوْهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ وبِاليَوْمِ الآخِرِ الَّذِي تُنْكِرُونَهُ فَإنَّ في مُشاهَدَةِ عاقِبَتِهِمْ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِأُولِي الأبْصارِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ المُكَذِّبِينَ بِالمُجْرِمِينَ الأعَمُّ مِنهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لُطْفٌ بِالمُؤْمِنِينَ في تَرْكِ الجَرائِمِ لِما فِيهِ مِن إرْشادِهِمْ إلى أنَّ الجُرْمَ مُطْلَقًا مَبْغُوضٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ

النمل 27:70

﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ صَدْرٍ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ مِن مَكْرِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «ضِيقٍ» بِكَسْرِ الضّادِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْتُوحَ الضّادِ مُخَفَّفًا مِن ضَيْقٍ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ أيْ لا تَكُنْ في أمْرِ ضَيْقٍ، وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ ذَلِكَ مُخَفَّفًا مِمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ، وفِيهِ بَحْثٌ.

النمل 27:71

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيِ العَذابُ العاجِلُ المَوْعُودُ، وكَأنَّهم فَهِمُوا وعْدَهم بِالعَذابِ مِنَ الأمْرِ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ في عاقِبَةِ أمْثالِهِمُ المُكَذِّبِينَ، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ لِلتَّعْبِيرِ- بِيَقُولُونَ- وعَدَمُ إجْرائِهِ عَلى سُنَنِ ما قَبْلَهُ أعْنِي وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وسُؤالُهم عَنْ وقْتِ إتْيانِ هَذا العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ، ولِذا قالُوا: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عانِينَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إخْبارِكم بِإتْيانِهِ فَبَيِّنُوا لَنا وقْتَهُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ شَرِكَةِ المُؤْمِنِينَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ

النمل 27:72

﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أصْلُ مَعْنى ﴿رَدِفَ﴾ تَبِعَ والمُرادُ بِهِ هُنا لَحِقَ، ووَصَلَ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ كَنَصِحَ. وقِيلَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُصُولِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ بِهِ كَما زِيدَتِ الباءُ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِتَضْمِينِ (رَدِفَ) مَعْنى دَنا وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِمِن وإلى كَما في الأساسِ ولِتَضْمِينِهِ ذَلِكَ عُدِّيَ بِمِن في قَوْلِهِ: فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تُعْنَقُ وقِيلَ: اللّامُ داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ والمَفْعُولُ بِهِ الَّذِي يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ مَحْذُوفٌ أيْ (رَدِفَ) الخَلْقَ لِأجْلِكم ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ (رَدِفَ) عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ عَلى أنَّ بَعْضُ مُبْتَدَأٌ، (ولَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ لِلْكَلامِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ داعٍ لَفْظِيٍّ ولا مَعْنَوِيٍّ، والمَعْنى قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ لَحِقَكم ووَصَلَ إلَيْكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ حُلُولَهُ وتَطْلُبُونَهُ وقْتًا فَوَقْتًا، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ ولَيْسَ بِذاكَ، ونِسْبَةُ اسْتِعْجالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ وإلّا فَلا اسْتِعْجالَ مِنهم حَقِيقَةً، والتَّرَجِّي المَفْهُومُ مِن عَسى قِيلَ: راجِعٌ إلى العِبادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ عَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجَدِّهِ وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ ووُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُّوَهم لا يَفُوتُهم وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدُهُ سُبْحانَهُ انْتَهى. صفحة 17 وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولا يَخْفى حُسْنُ ذَلِكَ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: عَسى أنْ يَرْدِفَكم إلَخْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «رَدَفَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

النمل 27:73

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ كَثِيرٍ عَلى كافَّةِ النّاسِ، ومِن جُمْلَةِ إفْضالِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْعامِهِ تَعالى تَأْخِيرُ عُقُوبَةِ هَؤُلاءِ عَلى ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لا يَشْكُرُونَهُ جَلَّ وعَلا عَلى إفْضالِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ومِنهم هَؤُلاءِ، وقِيلَ: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ فَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ تَعْبِيرًا عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ ذَلِكَ بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الشُّكْرِ

النمل 27:74

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ ما تُخْفِيهِ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَداوَتُكَ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ وما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم فَلَيْسَ تَأْخِيرُ عُقُوبَتِهِمْ لِخَفاءِ حالِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، أوْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفِعْلُ القَلْبِ إذا كانَ مِثْلَ الحُبِّ والبُغْضِ والتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ والعَزْمِ المُصَمِّمِ عَلى طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ فَهو مِمّا يُجازى عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ لَهم قَبائِحَ غَيْرَ ما حُكِيَ عَنْهُمْ، وتَقْدِيمُ الِاكْتِنانِ لِيَظْهَرَ المُرادُ مِنِ اسْتِواءِ الخَفِيِّ والظّاهِرِ في عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا، أوْ لِأنَّ مُضْمِراتِ الصُّدُورِ سَبَبٌ لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، وإلى الرَّمْزِ إلى فَسادِ صُدُورِهِمُ الَّتِي هي المَبْدَأُ لِسائِرِ أفْعالِهِمْ أُوثِرُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما يُكِنُّونَ وما يُعْلِنُونَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «تَكُنَّ» بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ مِن كَنَّ الشَّيْءَ سَتَرَهُ وأخْفاهُ.

النمل 27:75

﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ خَفِيٍّ ثابِتِ الخَفاءِ فِيهِما عَلى أنَّ ﴿غائِبَةٍ﴾ صِفَةٌ غَلَبَتْ في هَذا المَعْنى فَكَثُرَ عَدَمُ إجْرائِها عَلى المَوْصُوفِ ودَلالَتُها عَلى الثُّبُوتِ وإنْ لَمْ تُنْقُلْ إلى الِاسْمِيَّةِ كَمُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَتاؤُها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ إذْ لَمْ يُلاحَظْ لَها مَوْصُوفٌ تَجْرِي عَلَيْهِ كالرّاوِيَةِ لِلرَّجُلِ الكَثِيرِ الرِّوايَةِ فَهي تاءُ مُبالَغَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً مَنقُولَةً إلى الِاسْمِيَّةِ سُمِّيَ بِها ما يَغِيبُ ويَخْفى، والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ كَما في الفاتِحَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ المُغَلَّبِ والمَنقُولِ- عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ- أنَّ الأوَّلَ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ بِخِلافِ الثّانِي. والظّاهِرُ عُمُومُ الغائِبَةِ أيْ ما مِن غائِبَةٍ كائِنَةٍ ما كانَتْ ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ، أوْ مُبَيِّنٍ لِما فِيهِ لِمَن يُطالِعُهُ ويَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، واشْتِمالُهُ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ مُتَناهِيًا لا إشْكالَ فِيهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فَفِيهِ إشْكالٌ ظاهِرٌ ضَرُورَةَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى تَناهِي الإبْعادِ واسْتِحالَةِ وُجُودِ ما لا يَتَناهى، ولَعَلَّ وُجُودَ الأشْياءِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَحْوِ ما يَزْعُمُونَهُ مِن وُجُودِ الحَوادِثِ في الجَفْرِ الجامِعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَذْوُ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُهُ تَعالى الأزَلِيُّ الَّذِي هو مَبْدَأٌ لِإظْهارِ الأشْياءِ بِالإرادَةِ والقُدْرَةِ، وقِيلَ: حُكْمُهُ سُبْحانَهُ الأزَلِيُّ وإطْلاقُ الكِتابِ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ واشْتِمالُهُ عَلى كُلِّ غائِبَةٍ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا في اشْتِمالِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ بَعْضَ العارِفِينَ اسْتَخْرَجَ مِنَ الفاتِحَةِ أسْماءَ السَّلاطِينِ العُثْمانِيَّةِ ومُدَدَ سَلْطَنَتِهِمْ إلى آخِرِ مَن يَتَسَلَّطْنَ مِنهم أدامَ اللَّهُ تَعالى مُلْكَهم إلى يَوْمِ الدِّينِ ووَفَّقَهم لِما فِيهِ صَلاحُ المُسْلِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُهم في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ مُناسِبٌ لِما بَعْدُ مِن وصْفِ القُرْآنِ وفِيهِ ما فِيهِ، وقالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هو صفحة 18 يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالِها، وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: الحَوادِثُ والنَّوازِلُ، وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ، وقِيلَ: ما غابَ مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ، والعُمُومُ أوْلى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ يَقُولُ سُبْحانَهُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا وعَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم حَمْلُ الكِتابِ عَلى العِلْمِ الأزَلِيِّ، وفِيهِ نَظَرٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ جُعِلَ كَوْنُ ذَلِكَ في كِتابٍ مُبِينٍ كِنايَةً عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِهِ. وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اعْتَبَرَ في الآيَةِ حَذْفَ أحَدِ المُتَقابِلَيْنِ اكْتِفاءً بِالآخَرِ وكَلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ ذَكَرَ العَلانِيَةَ في بَيانِ المَعْنى لِأنَّ مَن عَلِمَ السِّرَّ عَلِمَ العَلانِيَةَ مِن بابِ أوْلى، ويَحْتَمِلُ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ ما مِن عَلانِيَةٍ إلّا وهي غَيْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأشْخاصِ، فَيَكُونُ قَدْ أشارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِبَيانِ المَعْنى وذِكْرِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ فِيهِ إلى أنَّ المُرادَ- بِغائِبَةٍ- في الآيَةِ ما يَشْمَلُهُما وهو ما اتَّصَفَ بِالغَيْبَةِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً أوْ إضافِيَّةً كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ.

النمل 27:76

﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ ذَكَرَ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ فَإنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ ما تَثْبُتُ بِهِ نُبُوَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِهِمْ- كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ- اليَهُودُ والنَّصارى أكْثَرُ ما تَجَدَّدَ واسْتَمَرَّ اخْتِلافُهم فِيهِ عَلى وجْهِهِ ويُبَيِّنُ لَهم حَقِيقَةَ الأمْرِ فِيهِ وذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي إسْلامَهم لَوْ تَأمَّلُوا وأنْصَفُوا لَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا وكابَرُوا مِثْلَكم أيُّها المُشْرِكُونَ، ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمِن قائِلٍ: هو اللَّهُ تَعالى، ومِن قائِلٍ: ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ومِن قائِلٍ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ: هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومِن قائِلٍ: هُوَ- وحاشاهُ- كاذِبٌ في دَعْواهُ النُّبُوَّةَ ويَنْسِبُ مَرْيَمَ فِيهِ إلى ما هي مُنَزَّهَةٌ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، وأمْرُ النَّبِيِّ المُبَشِّرِ بِهِ في التَّوْراةِ، فَمِن قائِلٍ: هو يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قائِلٍ: هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قائِلٍ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلى الآنِ وسَيَأْتِي آخِرَ الزَّمانِ ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ الخِنْزِيرِ فَقالَتِ اليَهُودُ: بِحُرْمَةِ أكْلِهِ، وقالَتِ النَّصارى: بِحِلِّهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

النمل 27:77

﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ كَما فَعَلَ بَعْضُهم خِلافُ الظّاهِرِ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعالِمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ

النمل 27:78

﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا أوْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ النّاسِ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ قِيلَ: أيْ بِحِكْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ جَناحِ بْنِ حُبَيْشٍ بِحِكَمِهِ- بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ- جَمْعِ حِكْمَةٍ مُضافٍ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُكْمِ المَحْكُومُ بِهِ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، والمُرادُ بِالمَحْكُومِ بِهِ الحَقُّ والعَدْلُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لَمْ يَبْقَ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنْ- يَقْضِيَ- بِمَعْنى يَحْكُمَ فَلَوْ بَقِيَ الحُكْمُ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ لَصارَ الكَلامُ نَحْوَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ يَضْرِبُ بِضَرْبِهِ وهو لا يُقالُ مِثْلُهُ في كَلامٍ عَرَبِيٍّ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى يُضْرَبُ بِضَرْبِهِ المَعْرُوفِ بِالشِّدَّةِ مَثَلًا، فالمَعْنى هُنا يَحْكُمُ بِحُكْمِهِ المَعْرُوفِ بِمُلابَسَةِ الحَقِّ، أوْ يَحْكُمُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ تَعالى لا بِحُكْمِ غَيْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ كالبَشَرِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: لَيْسَ المانِعُ لِصِحَّةِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى ضَمِيرِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لا كَلامَ في صِحَّتِهِ كَإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المَفْعُولِ فِي- سَعى لَها سَعْيَها- إنَّما المانِعُ دُخُولُ الباءِ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، ثُمَّ إنَّ المَعْنى الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ حُكْمًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ صفحة 19 بِمُلابَسَةِ الحَقِّ، والثّانِي إنَّما يَظْهَرُ لَوْ قَدَّمَ بِحُكْمِهِ، وفِيهِ أنَّهُ عَلى ما ذُكِرَ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ، وعَدَمُ الجَوازِ في المَصْدَرِ النَّوْعِيِّ لا سِيَّما إذا كانَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وأيْضًا الظّاهِرُ أنَّ المانِعَ بِزَعْمِ المُؤَوَّلِ لُزُومُ اللُّغَوِيَّةِ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِما ذُكِرَ، والأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وجُلُّ الإضافَةِ لِلْعَهْدِ، وكَوْنُ المَعْنى كَما قالَ المُورِدُ: يَحْكُمُ بِحُكْمِهِ المَعْرُوفِ بِمُلابَسَةِ الحَقِّ وأمْرُ التَّوَهُّمِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وعَوْدُهُ عَلى القُرْآنِ عَلى أنَّ المَعْنى يَحْكُمُ بِالحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن إثابَةِ المُحِقِّ وتَعْذِيبِ المُبْطِلِ وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ القِيلِ والقالِ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ القِيلِ والقالِ عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ بِأسالِيبِ المَقالِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يَرُدُّ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ وقَضاؤُهُ جَلَّ جَلالُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَقْضِي بِهِ،

النمل 27:79

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّها مُوجِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وداعِيَةٌ إلى الأمْرِ بِهِ وفي ذِكْرِهِ تَعالى بِالِاسْمِ الجامِعِ تَأْيِيدٌ لِذَلِكَ أيْ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ فَإنَّهُ يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ ويُفَوِّضَ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا، * * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الحَقِّ البَيِّنِ، أوِ الفاصِلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ. أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَإنَّ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الوُثُوقَ بِحِفْظِهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ وتَأْيِيدِهِ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلتَّوَكُّلِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والإعْراضِ عَنِ التَّشَبُّثِ بِما سِواهُ وقَدْ عَلَّلَ أوَّلًا بِما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى أعْنِي قَضاءَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحَقِّ وعِزَّتِهِ وعِلْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وثانِيًا بِما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ أعْنِي كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِّ ومِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ الآخَرِ أعْنِي إعانَتَهُ تَعالى وتَأْيِيدَهُ تَعالى لِلْمُحِقِّ، ثُمَّ عَلَّلَ ثالِثًا بِما يُوجِبُهُ لَكِنْ لا بِالذّاتِ بَلْ بِواسِطَةِ إيجابِهِ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّشَبُّثِ بِما سِواهُ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهم كالمَوْتى والصُّمِّ والعُمْيِ مُوجِبٌ لِقَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ مُشايَعَتِهِمْ ومُعاضَدَتِهِمْ رَأْسًا، وداعٍ إلى تَخْصِيصِ الِاعْتِضادِ بِهِ تَعالى، وهو المَعْنِيُّ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، أعْنِي إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالَهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِمَن هو عَلى الحَقِّ المُبِينِ فَقِيلَ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلَخْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ، واعْتُرِضَ بِالمَنعِ وإنَّما شُبِّهُوا بِالمَوْتى عَلى ما قِيلَ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ، وإطْلاقُ الأسْماعِ عَنِ المَفْعُولِ لِبَيانِ عَدَمِ سَماعِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ المَسْمُوعاتِ، وقِيلَ: لَعَلَّ المُرادَ تَشْبِيهُ قُلُوبِهِمْ بِالمَوْتى فِيما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ فَإنَّ القَلْبَ مَشْعَرٌ مِنَ المَشاعِرِ أُشِيرَ إلى بُطْلانِهِ بِالمَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ مَشْعَرَيِ الأُذُنِ والعَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾، وإلّا فَبَعْدَ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ بِالمَوْتى لا يَظْهَرُ لِتَشْبِيهِهِمْ بِالصُّمِّ والعُمْيِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ في البَحْرِ: أيْ مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ فَقَدَّمَ احْتِمالَ نِسْبَةِ المَوْتِ إلى قُلُوبِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ تَخَيُّلٌ بارِدٌ لِأنَّ القَلْبَ يُوصَفُ بِالفِقْهِ والفَهْمِ لا السَّمْعُ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن أنَّهم أنْفُسُهم شُبِّهُوا بِالمَوْتى هو الظّاهِرُ، ووَجْهُهُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والنَّظَرِ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تُسْمِعُهُمُ الإرْشادَ صفحة 20 إلى طَرِيقِ الحَقِّ وهم مَوْتى وهَذا بِالنَّظَرِ لِأوَّلِ الدَّعْوَةِ ولَوْ أحْيَيْناهم لَمْ يَفِدْ أيْضًا لِأنَّهم صُمٌّ، وقَدْ ولَّوْا مُدْبِرِينَ وهَذا بِالنَّظَرِ لِحالِهِمْ بَعْدَ التَّبْلِيغِ البَلِيغِ ونَفْرَتِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ إنّا لَوْ أسْمَعْناهم أيْضًا فَهم عُمْيٌ لا يَهْتَدُونَ إلى العَمَلِ بِما يَسْمَعُونَ، وهَذا خاتِمَةُ أمْرِهِمْ، ويُعْلَمُ مِن هَذا ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ المَزِيَّةِ الخالِيَةِ عَنِ التَّكَلُّفِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِطَوائِفَ عَلى مَراتِبِهِمْ في الضَّلالِ، فَمِنهم مَن هو كالمَيِّتِ ومَن هو كالأصَمِّ ومَن هو كالأعْمى، وهو وإنْ كانَ وجْهًا خَفِيفَ المَئُونَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ أيِ الدَّعْوَةَ إلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَقْيِيدُ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِتَتْمِيمِ وتَأْكِيدِ النَّفْيِ فَإنَّهم مَعَ صَمَمِهِمْ عَنِ الدُّعاءِ إلى الحَقِّ مُعْرِضُونَ عَنِ الدّاعِي مُوَلَّوْنَ عَلى أدْبارِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ مَعَ كَوْنِ الدّاعِي بِمُقابَلَةِ صِماخِهِ قَرِيبًا مِنهُ، فَكَيْفَ إذا كانَ خَلْفَهُ بَعِيدًا مِنهُ، ومِثْلُهُ في التَّتْمِيمِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: حَمَلَتْ رُدَيْنِيًّا كَأنَّ سِنانَهُ سَنا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخانِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ- لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ- بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعُ الضُّمِّ

النمل 27:80

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّها مُوجِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وداعِيَةٌ إلى الأمْرِ بِهِ وفي ذِكْرِهِ تَعالى بِالِاسْمِ الجامِعِ تَأْيِيدٌ لِذَلِكَ أيْ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ فَإنَّهُ يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ ويُفَوِّضَ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا، * * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الحَقِّ البَيِّنِ، أوِ الفاصِلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ. أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَإنَّ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الوُثُوقَ بِحِفْظِهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ وتَأْيِيدِهِ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلتَّوَكُّلِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والإعْراضِ عَنِ التَّشَبُّثِ بِما سِواهُ وقَدْ عَلَّلَ أوَّلًا بِما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى أعْنِي قَضاءَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحَقِّ وعِزَّتِهِ وعِلْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وثانِيًا بِما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ أعْنِي كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِّ ومِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ الآخَرِ أعْنِي إعانَتَهُ تَعالى وتَأْيِيدَهُ تَعالى لِلْمُحِقِّ، ثُمَّ عَلَّلَ ثالِثًا بِما يُوجِبُهُ لَكِنْ لا بِالذّاتِ بَلْ بِواسِطَةِ إيجابِهِ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّشَبُّثِ بِما سِواهُ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهم كالمَوْتى والصُّمِّ والعُمْيِ مُوجِبٌ لِقَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ مُشايَعَتِهِمْ ومُعاضَدَتِهِمْ رَأْسًا، وداعٍ إلى تَخْصِيصِ الِاعْتِضادِ بِهِ تَعالى، وهو المَعْنِيُّ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، أعْنِي إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالَهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِمَن هو عَلى الحَقِّ المُبِينِ فَقِيلَ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلَخْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ، واعْتُرِضَ بِالمَنعِ وإنَّما شُبِّهُوا بِالمَوْتى عَلى ما قِيلَ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ، وإطْلاقُ الأسْماعِ عَنِ المَفْعُولِ لِبَيانِ عَدَمِ سَماعِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ المَسْمُوعاتِ، وقِيلَ: لَعَلَّ المُرادَ تَشْبِيهُ قُلُوبِهِمْ بِالمَوْتى فِيما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ فَإنَّ القَلْبَ مَشْعَرٌ مِنَ المَشاعِرِ أُشِيرَ إلى بُطْلانِهِ بِالمَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ مَشْعَرَيِ الأُذُنِ والعَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾، وإلّا فَبَعْدَ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ بِالمَوْتى لا يَظْهَرُ لِتَشْبِيهِهِمْ بِالصُّمِّ والعُمْيِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ في البَحْرِ: أيْ مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ فَقَدَّمَ احْتِمالَ نِسْبَةِ المَوْتِ إلى قُلُوبِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ تَخَيُّلٌ بارِدٌ لِأنَّ القَلْبَ يُوصَفُ بِالفِقْهِ والفَهْمِ لا السَّمْعُ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن أنَّهم أنْفُسُهم شُبِّهُوا بِالمَوْتى هو الظّاهِرُ، ووَجْهُهُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والنَّظَرِ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تُسْمِعُهُمُ الإرْشادَ صفحة 20 إلى طَرِيقِ الحَقِّ وهم مَوْتى وهَذا بِالنَّظَرِ لِأوَّلِ الدَّعْوَةِ ولَوْ أحْيَيْناهم لَمْ يَفِدْ أيْضًا لِأنَّهم صُمٌّ، وقَدْ ولَّوْا مُدْبِرِينَ وهَذا بِالنَّظَرِ لِحالِهِمْ بَعْدَ التَّبْلِيغِ البَلِيغِ ونَفْرَتِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ إنّا لَوْ أسْمَعْناهم أيْضًا فَهم عُمْيٌ لا يَهْتَدُونَ إلى العَمَلِ بِما يَسْمَعُونَ، وهَذا خاتِمَةُ أمْرِهِمْ، ويُعْلَمُ مِن هَذا ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ المَزِيَّةِ الخالِيَةِ عَنِ التَّكَلُّفِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِطَوائِفَ عَلى مَراتِبِهِمْ في الضَّلالِ، فَمِنهم مَن هو كالمَيِّتِ ومَن هو كالأصَمِّ ومَن هو كالأعْمى، وهو وإنْ كانَ وجْهًا خَفِيفَ المَئُونَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ أيِ الدَّعْوَةَ إلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَقْيِيدُ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِتَتْمِيمِ وتَأْكِيدِ النَّفْيِ فَإنَّهم مَعَ صَمَمِهِمْ عَنِ الدُّعاءِ إلى الحَقِّ مُعْرِضُونَ عَنِ الدّاعِي مُوَلَّوْنَ عَلى أدْبارِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ مَعَ كَوْنِ الدّاعِي بِمُقابَلَةِ صِماخِهِ قَرِيبًا مِنهُ، فَكَيْفَ إذا كانَ خَلْفَهُ بَعِيدًا مِنهُ، ومِثْلُهُ في التَّتْمِيمِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: حَمَلَتْ رُدَيْنِيًّا كَأنَّ سِنانَهُ سَنا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخانِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ- لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ- بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعُ الضُّمِّ

النمل 27:81

﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ وما أنْتَ بِصارِفِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هادِيًا لَهم هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ لِفَقْدِ الشَّرْطِ العادِيِّ لِلِاهْتِداءِ وهو البَصَرُ، (وعَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالهِدايَةِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِها مَعْنى الصَّرْفِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَعَلَّقَ بِالعَمى ويَكُونُ المَعْنى أنَّ العَمى صَدَرَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْمُبالِغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيْوَةَ- «بِهادٍ» - بِالتَّنْوِينِ «العُمْيَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمْزَةُ- «تَهْدِي» - مُضارِعَ هَدى «العُمْيَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- وما أنْ تَهْتَدِيَ- بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ و«تَهْتَدِي» - مُضارِعُ اهْتَدى، و«العُمْيُ» بِالرَّفْعِ ﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ أيْ ما تُسْمِعُ إسْماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا. ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمُ الإيمانُ بِها وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مَوْتى ولا صُمًّا ولا عُمْيًا. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أيْ إلّا مَن هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ وإنْ صَحَّتْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ فِيما لا يَزالُ إلّا أنَّ المُناسِبَ صِيغَةُ المُضِيِّ، واخْتارَ المُعْتَرِضُ أنَّ المَعْنى إلّا الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى إذْ حِينَئِذٍ تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ ﷺ فَيَقْبَلُ قَوْلَهُ ويُجْدِي إسْماعُهُ نَفْعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَنْتَقِضُ الحَصْرَ بِالمُصَدِّقِينَ في الِاسْتِقْبالِ إنْ كانَتِ الصِّيغَةُ لِلْحالِ وبِالمُصَدِّقِينَ في الحالِ إنْ كانَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذا دَفَعَ لُزُومُ الِانْتِقاضِ بِجَعْلِها لَهُما لَزِمَ اسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ الحالُ ويَدْخُلُ غَيْرُهُ فِيهِ بِدَلالَةِ النَّصِّ مِن غَيْرِ تَكْلِيفٍ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَدْ يُرادُ بِالمُضارِعِ الِاسْتِقْبالُ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأزْمِنَةِ فَإنَّ الِاسْتِقْبالَ كَما يَكُونُ بِالنَّظَرِ لِزَمانِ الحُكْمِ والتَّكَلُّمِ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إلى عِلْمِ القائِلِ أيْضًا فَيَشْمَلُ مَن يُؤْمِنُ هُنا مَن آمَنَ حالًا كَما يَشْمَلُ مَن يُؤْمِنُ اسْتِقْبالًا فَلا غُبارَ في المَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ ذَلِكَ المُعْتَرِضُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، صفحة 21 نَعَمْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ شِبْهَ تَحْصِيلِ الحاصِلِ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالقُرْآنِ هو اسْتِماعُهُ النّافِعُ، ولَعَلَّ مَن عَدَلَ عَنْهُ إنَّما عَدَلَ لِذَلِكَ، ولَمْ يَعْبَأْ بِالمُغايِرَةِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، والحَقُّ أنَّ ما ذُكِرَ مِن شِبْهِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ لِظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَ الإسَماعِ المُرادِ في الآيَةِ والتَّصْدِيقِ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشّامِلَةُ لِلْآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ وأنْ يُرادَ بِها الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ فَقَطْ، والإيمانُ بِها التَّصْدِيقُ بِكَوْنِها آياتِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ وإذا أُرِيدَ بِالإسْماعِ النّافِعِ عَلى هَذا إسْماعُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ لِيُؤْتى بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ كانَ الكَلامُ أبْعَدَ وأبْعَدَ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ شِبْهُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ إيرادَ الإسْماعِ في النَّفْيِ والإثْباتِ دُونَ الهِدايَةِ مَعَ قُرْبِها بِأنْ يُقالَ: إنْ تَهْدِي إلّا مَن يُؤْمِنُ إلَخْ لِما أنَّ طَرِيقَ الهِدايَةِ هو إسْماعُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ فافْهَمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ في كُلِّ وقْتٍ. وقِيلَ: مُخْلِصُونَ لِلَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن أنَّهم يَسْمَعُونَ إسْماعًا نافِعًا لَهُمْ، وفي تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعِهِ أُخْرى رِعايَةٌ لِلَفْظِ مِن ومَعْناها. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ كَلامَ النّاسِ مُطْلَقًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ في سُورَةِ الرُّومِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ

النمل 27:82

﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بَيانٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ السّاعَةِ ومَبادِيها، والمُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ بِمَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وبِوُقُوعِهِ قِيامُها وحُصُولُها عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ وقْعِها وتَأْثِيرِها، وإسْنادُهُ إلى القَوْلِ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ وُقُوعِها مِن حَيْثُ إنَّها مِصْداقٌ لِلْقَوْلِ النّاطِقِ بِمَجِيئِها، وقَدْ أُرِيدَ بِالوُقُوعِ دُنُوُّهُ واقْتِرابُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَجازُ المُشارَفَةِ أيْ إذا دَنا وُقُوعُ مَدْلُولِ القَوْلِ المَذْكُورِ الَّذِي لا يَكادُونَ يَسْمَعُونَهُ ومِصْداقُهُ. ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ﴾ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، وهو وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا «حِينَ يُتْرَكُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أكْثِرُوا الطَّوافَ بِالبَيْتِ مِن قَبْلِ أنْ يُرْفَعَ ويَنْسى النّاسُ مَكانَهُ وأكْثِرُوا تِلاوَةَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُرْفَعَ، قِيلَ: وكَيْفَ يُرْفَعُ ما في صُدُورِ الرِّجالِ؟ قالَ: يُسَرّى عَلَيْهِمْ لَيْلًا فَيُصْبِحُونَ مِنهُ فَقُراءَ ويَنْسَوْنَ قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَقَعُونَ في قَوْلِ الجاهِلِيَّةِ وأشْعارِهِمْ فَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ»، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ خُرُوجَ الدّابَّةِ حِينَ لا يَبْقى في الأرْضِ خَيْرٌ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ مَوْتِ عِيسى والمَهْدِيِّ وأتْباعِهِما عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأخْبارِ ما هو ناطِقٌ بِأنَّها تَخْرُجُ وعِيسى يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ. وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: أوَّلُ الآياتِ الرُّومُ والثّانِيَةُ الدَّجّالُ والثّالِثَةُ يَأْجُوحُ ومَأْجُوجُ والرّابِعَةُ عِيسى والخامِسَةُ الدُّخانُ والسّادِسَةُ الدّابَّةُ، وصَوَّبَ السَّفارِينِيُّ أنَّها قَبْلَ الدُّخانِ، والحَقُّ أنَّها تَخْرُجُ وفي النّاسِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا صفحة 22 مِنَ الحَقِّ ما أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ وتُحَطِّمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخُوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ»» وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ فِيها اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَحَكى أبُو حَيّانَ في البَحْرِ والدُّمَيْرِيُّ في حَياةِ الحَيَوانِ رِوايَةَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَبْثُوثٌ نَوْعُها في الأرْضِ فَلَيْسَتْ دابَّةً واحِدَةً وعَلَيْهِ يُرادُ بِدابَّةِ الجِنْسِ الصّادِقِ بِالمُتَعَدِّدِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّها دابَّةٌ واحِدَةٌ وهو الصَّحِيحُ، فالتَّعْبِيرُ عَنْها بِاسْمِ الجِنْسِ وتَأْكِيدُ إبْهامِهِ بِالتَّنْوِينِ الدّالِّ عَلى التَّفْخِيمِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غَرابَةِ شَأْنِها وخُرُوجِ أوْصافِها عَنْ طَوْرِ البَيانِ ما لا يَخْفى، وعَلى كَوْنِها واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها أيْضًا فَقِيلَ: هي مِنَ الإنْسِ واسْتُؤْنِسَ لَهُ بِما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القَرْظِيُّ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ الدّابَّةِ فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّها لَيْسَتْ بِدابَّةٍ لَها ذَنَبٌ ولَكِنَ لَها لِحْيَةٌ، وفي المِيزانِ لِلذَّهَبِيِّ عَنْ جابِرٍ الجُعْفِيِّ وهو كَذّابٌ- قالَ أبُو حَنِيفَةَ: ما لَقِيتُ أكْذَبَ مِنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هي مِنَ الإنْسِ وأنَّها عَلِيٌّ نَفْسُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَلى ذَلِكَ جَمَعَ مِن إخْوانِهِ الشِّيعَةِ ولَهم في ذَلِكَ رِواياتٌ: مِنها ما رَواهُ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: يا أبا اليَقْظانِ آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أفْسَدَتْ قَلْبِي، قالَ عَمّارٌ: وأيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟! فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ فَأيَّةُ دابَّةٍ هَذِهِ؟ قالَ عَمّارٌ: واللَّهِ ما أجْلِسُ ولا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أُرِيَكَها فَجاءَ عَمّارٌ مَعَ الرَّجُلِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو يَأْكُلُ تَمْرًا وزُبْدًا فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ هَلُمَّ فَجَلَسَ عَمّارٌ يَأْكُلُ مَعَهُ فَتَعَجَّبَ الرَّجُلُ مِنهُ فَلَمّا قامَ عَمّارٌ قالَ الرَّجُلُ: سُبْحانَ اللَّهِ حَلَفْتَ أنَّكَ لا تَجْلِسُ ولا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى تُرِيَنِيها قالَ عَمّارٌ: قَدْ أرَيْتُكَها إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، ورَوى العَيّاشِيُّ هَذِهِ القِصَّةَ بِعَيْنِها عَنْ أبِي ذَرٍّ أيْضًا وكُلُّ ما يَرْوُونَهُ في ذَلِكَ كَذِبٌ صَرِيحٌ، وفِيهِ القَوْلُ بِالرَّجْعَةِ الَّتِي لا يَنْتَهِضُ لَهم عَلَيْها دَلِيلٌ. وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يُعارِضُ ما ذُكِرَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ قالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّكَ دابَّةُ الأرْضِ، فَقالَ: واللَّهِ إنَّ لِدابَّةِ الأرْضِ لَرِيشًا وزَغَبًا وما لِي رِيشٌ ولا زَغَبٌ وإنَّ لَها لَحافِرًا وما لِي مِن حافِرٍ وإنَّها لَتَخْرُجُ مِن حَفْرِ الفَرَسِ الجَوادِ ثَلاثًا وما خَرَجَ ثُلُثُها، والمَشْهُورُ- وهو الحَقُّ- أنَّها دابَّةٌ لَيْسَتْ مِن نَوْعِ الإنْسانِ، فَقِيلَ: هي الثُّعْبانُ الَّذِي كانَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ واخْتَطَفَتْهُ العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ البَيْتِ الحَرامِ فَمَنَعَهم وأنَّ العُقابَ الَّتِي اخْتَطَفَتْهُ ألْقَتْهُ بِالحَجُونِ فالتَقَمَتْهُ الأرْضُ، وذَكَرَ ذَلِكَ الدُّمَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها غَيْرُها. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ وصَفَ الدّابَّةَ فَقالَ: رَأْسُها رَأْسُ ثَوْرٍ وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ وقَرْنُها قَرْنُ أُيَّلٍ وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرَّةٍ وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا- زادَ ابْنُ جَرِيرٍ- بِذِراعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلَ السَّفارِينِيُّ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: صَوْتُها صَوْتُ حِمارٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الدّابَّةُ مُؤَلَّفَةٌ ذاتَ زَغَبٍ ورِيشٍ فِيها مِن ألْوانِ الدَّوابِّ كُلِّها وفِيها مِن كُلِّ أُمَّةٍ سِيما وسِيماها مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّها تَتَكَلَّمُ صفحة 23 بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ وما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَها عُنُقًا مُشْرِفًا يَراها مَن بِالمَشْرِقِ كَما يَراها مَن بِالمَغْرِبِ ولَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ ومِنقارٌ كَمِنقارِ الطَّيْرِ ذاتَ وبَرٍ وزَغَبٍ، وعَنْ وهْبٍ وجْهُها وجْهُ رَجُلٍ وسائِرُ خَلْقِها كَخَلْقِ الطَّيْرِ، وصَرَّحَ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِأنَّ لَها جَناحَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا، واخْتُلِفَ في مَحَلِّ خُرُوجِها فَقِيلَ: المَسْجِدُ الحَرامُ لِما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: ««ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدّابَّةَ فَقالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن أيْنَ تَخْرُجُ؟ قالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى بَيْنَما عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ إذْ تَضْطَرِبُ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ تُحَرِّكُ القِنْدِيلَ ويَنْشَقُّ الصَّفا مِمّا يَلِي المَسْجِدَ فَتَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنَ الصَّفا أوَّلُ ما يَبْدُو رَأْسُها مُلَمَّعَةٌ ذاتَ وبَرٍ ورِيشٍ لَنْ يُدْرِكَها طالِبٌ ولَنْ يَفُوتَها هارِبٌ تَسِمُ النّاسَ مُؤْمِنًا وكافِرًا: أمّا المُؤْمِنُ فَيَرى وجْهَهُ كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ وأمّا الكافِرُ فَتَنْكُتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةً سَوْداءَ وتَكْتُبُ كافِرٌ»». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن جَبَلِ جِيادٍ في أيّامِ التَّشْرِيقِ والنّاسُ بِمِنى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ مِن جِيادٍ فَيَبْلُغُ صَدْرُها الرُّكْنَ ولَمْ يَخْرُجْ ذَنَبُها بَعْدُ وهي دابَّةٌ ذاتَ وبَرٍ وقَوائِمَ»». وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««ذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَوْضِعٍ بِالبادِيَةِ قَرِيبٍ مِن مَكَّةَ فَإذا أرْضٌ يابِسَةٌ حَوْلَها رَمْلٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن هَذا المَوْضِعِ فَإذا شِبْرٌ في شِبْرٍ»». وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّها تَخْرُجُ مِن أقْصى البادِيَةِ. وفي بَعْضٍ مِن مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ. وفي بَعْضٍ أنَّ لَها ثَلاثَ خُرُجاتٍ في الدَّهْرِ: تَخْرُجُ في أوَّلِ خَرْجَةٍ في أقْصى اليَمَنِ مُنْتَشِرًا ذِكْرُها بِالبادِيَةِ ولا يَدْخُلُ ذِكْرُها القَرْيَةَ يَعْنِي مَكَّةَ، ثُمَّ تَخْرُجُ خَرْجَةً أُخْرى فَيَعْلُو ذِكْرُها في البادِيَةِ ويَدْخُلُ القَرْيَةَ، ثُمَّ بَيْنَما النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً لَمْ يَرُعْهم إلّا وهي في ناحِيَةِ المَسْجِدِ مِنَ الرُّكْنِ الأسْوَدِ وبابِ بَنِي مَخْزُومٍ فَيَرْفَضُّ النّاسُ عَنْها شَتّى وتَثْبُتُ عِصابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَرَفُوا أنَّهم لَنْ يَعْجِزُوا اللَّهَ تَعالى فَتَنْفُضُ عَنْ رَأْسِها التُّرابَ فَتَجْلُو عَنْ وُجُوهِهِمْ حَتّى كَأنَّهُمُ الكَواكِبُ الدُّرِّيَّةُ. واخْتُلِفَ أيْضًا في أنَّها هَلْ تُخْلَقُ يَوْمَ تَخْرُجُ أوْ هي مَخْلُوقَةٌ الآنَ؟ فَقِيلَ: إنَّها تُخْلَقُ يَوْمَ تَخْرُجُ، وقِيلَ: إنَّها مَخْلُوقَةٌ الآنَ لَكِنْ لَمْ تُؤْمَرْ بِالخُرُوجِ. واسْتُدِلَّ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَعَ الصَّفا بِعَصاهُ وهو مُحْرِمٌ وقالَ: إنَّ الدّابَّةَ لَتَسْمَعُ قَرْعَ عَصايَ هَذِهِ، وعَلَيْهِ مَن يَقُولُ: إنَّها الثُّعْبانُ، ومَن يَقُولُ: إنَّها الجَسّاسَةُ الَّتِي تَتَجَسَّسُ الأخْبارَ لِلدَّجّالِ كَما هو المَرْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مَخْلُوقَةٌ في عَهْدِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ الدّابَّةَ فَخَرَجَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ تَذْهَبُ في السَّماءِ لا يَرى واحِدٌ مِن طَرَفَيْها فَرَأى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنظَرًا فَظِيعًا فَقالَ: يا رَبِّ رُدَّها فَرَدَّها. وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها إذا خَرَجَتْ تَقْتُلُ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ- وهو ساجِدٌ- وذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وتَحَقُّقُ هَلاكِهِ عِنْدَهُ، والأخْبارُ في هَذِهِ الدّابَّةِ كَثِيرَةٌ. صفحة 24 وفِي البَحْرِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا- في ماهِيَّتِها وشَكْلِها ومَحَلِّ خُرُوجِها وعَدَدِ خُرُوجِها ومِقْدارِ ما يَخْرُجُ مِنها وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ وما الَّذِي تَخْرُجُ بِهِ- اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا فاطْرَحْنا ذِكْرَهُ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ اهـ، وهو كَلامُ حَقٍّ وأنا إنَّما نَقَلْتُ بَعْضَ ذَلِكَ دَفْعًا لِشَهْوَةِ مَن يُحِبُّ الِاطِّلاعَ عَلى شَيْءٍ مِن أخْبارِها صِدْقًا كانَ أوْ كَذِبًا، وقَدْ تَصَدّى السَّفارِينِيُّ في كِتابِهِ البُحُورِ الزّاخِرَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِ هَذِهِ الأخْبارِ المُتَعارِضَةِ ولا أظُنُّهُ أتى بِشَيْءٍ. ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ المَذْكُورَةَ أقْرَبُها لِلْقَبُولِ الخَبَرُ الَّذِي حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، ومِنَ الأخْبارِ في هَذا البابِ ما صَحَّحَهُ الحاكِمُ وتَصْحِيحُهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ، وقُصارى ما أقُولُ في هَذِهِ الدّابَّةِ أنَّها دابَّةٌ عَظِيمَةٌ ذاتَ قَوائِمَ لَيْسَتْ مِن نَوْعِ الإنْسانِ أصْلًا يُخْرِجُها اللَّهُ تَعالى آخِرَ الزَّمانِ مِنَ الأرْضِ، وفي تَقْيِيدِ إخْراجِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ نَوْعُ إشارَةٍ عَلى ما قِيلَ: إلى أنَّ خَلْقَها لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّوالُدِ بَلْ هو بِطْرِيقِ التَّوَلُّدِ نَحْوَ خَلْقِ الحَشَراتِ. وقِيلَ: إنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى تَكَوُّنِها في جَوْفِ الأرْضِ فَيَكُونُ في إخْراجِها مِنَ الأرْضِ رَمْزٌ إلى ما يَكُونُ في السّاعَةِ الَّتِي أُخْرِجَتْ هي بَيْنَ يَدَيْها مِن تَشَقُّقِ الأرْضِ وخُرُوجِ النّاسِ مِن جَوْفِها أحْياءً كامِلَةً خِلْقَتُهُمْ، وفي هَذا وما قَبْلَهُ ذَهابٌ إلى تَعَلُّقِ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِ ﴿أخْرَجْنا﴾ وهو الظّاهِرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ دُونَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ”دابَّةً“ أيْ دابَّةً كائِنَةً مِنَ الأرْضِ. ﴿تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّهم كانُوا لا يَتَيَقَّنُونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِمَجِيءِ السّاعَةِ ومَبادِيها أوْ بِجَمِيعِ آياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تِلْكَ الآياتُ، وقِيلَ: بِآياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خُرُوجُها بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإضافَةُ الآياتِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِأنَّها حِكايَةٌ مِنهُ تَعالى لِمَعْنى قَوْلِها لا لِعَيْنِ عِبارَتِها. وقِيلَ: لِأنَّها حِكايَةٌ مِنها لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: لِاخْتِصاصِها بِهِ تَعالى وأثَرَتِها عِنْدَهُ سُبْحانَهُ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما الخَيْلُ والبِلادُ لِمَوْلاهُ، وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ بِآياتِ رَبِّنا. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في تُكَلِّمُهم لِلْكَفَرَةِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُطْلَقًا لا لِلْكَفَرَةِ المُحَدِّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ بِخُصُوصِهِمْ ضَرُورَةَ أنَّهم لَيْسُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ إخْراجِ الدّابَّةِ لِتُكَلِّمُهُمْ، وتَكْلِيمُها إيّاهُمْ- وهم مَوْتى- بَعِيدٌ أوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والرَّجْعَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُها الشِّيعَةُ لا نَعْتَقِدُها، والآيَةُ الآتِيَةُ لا تَدُلُّ كَما يَزْعُمُونَ عَلَيْها. ويَسْهُلُ أمْرُ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مَدارُ الحَدِيثِ عَنْهم سِوى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ بِالآياتِ وإنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ وفي الكَفَرَةِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ إخْراجِ الدّابَّةِ، ومِثْلُهُ ضَمِيرًا- عَلَيْهِمْ. ولَهُمْ- والمُرادُ بِالنّاسِ الكَفَرَةِ الماضُونَ مُطْلَقًا لا مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ، والمُرادُ بِإخْبارِها إيّاهم بِذَلِكَ التَّحَسُّرُ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيقانِ بِما قَرُبَ وُقُوعُهُ وظُهُورُ بُطْلانِ ما اعْتَقَدُوهُ فِيهِ ومُؤاخَذَتُهم عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ أشَدَّ مُؤاخَذَةٍ، وفي ذَلِكَ اسْتِدْعاءٌ لِأمْثالِهِمْ إلى تَرْكِ ما هم عَلَيْهِ مِمّا شارَكُوهم بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ وإنْكارِ البَعْثِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وأمْرُ الإخْبارِ عَلى حالِهِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ لِلنّاسِ لا لِلْكَفَرَةِ مِنهم خاصَّةً، ويُرادُ بِالنّاسِ إمّا الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، والمُرادُ بِالإخْبارِ التَّنْفِيرُ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ لِيَثْبُتَ المُؤْمِنُ ويَرْتَدِعَ الكافِرُ، وإمّا مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ والمُرادُ بِالإخْبارِ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بَيْنَ أحِبّائِهِمْ وأعْدائِهِمْ وكانَ بِلِسانِ الدّابَّةِ لِيَكُونَ أبْلَغَ لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ خَطَئِهِمْ عِنْدَ ما لا يُظَنُّ إدْراكُهُ لَهُ فَضْلًا عَنِ النُّطْقِ بِهِ وإذاعَتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْنِيعِ، وكانَ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ لِيُرْدِفَهُ صفحة 25 بِلا كَثِيرِ فَصْلِ ما يُشْبِهُهُ مِن شَهادَةِ الأعْضاءِ عَلَيْهِمْ وهي أبْعَدُ وُقُوعًا مَعَ تَشْنِيعِ الدّابَّةِ، وفي وُقُوعِها بَعْدَهُ ما يُشْبِهُ التَّرَقِّيَ مِنَ العَظِيمِ إلى الأعْظَمِ، وأيَّدَ كَوْنَ الضَّمائِرِ لِلنّاسِ عَلى الإطْلاقِ وأنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أهْلُ مَكَّةَ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّ الدّابَّةَ تُخْبِرُ كُلَّ مَن تَراهُ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ لا يُوقِنُونَ. وقِيلَ: ضَمِيرًا- عَلَيْهِمْ. ولَهُمْ- لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ المُحَدَّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ، ومَعْنى (لَهُمْ) لِذَمِّهِمْ أوْ نَحْوَهُ، وضَمِيرُ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ لِلنّاسِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ الإخْراجِ أوْ لِلْكَفَرَةِ كَذَلِكَ، والمُرادُ بِالنّاسِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بِأدْنى تَأمُّلٍ ما هو الأوْلى والأظْهَرُ في الآيَةِ مِنَ الأقْوالِ، وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُ النّاسِ بِعَدَمِ الإيقانِ بِالآياتِ مَعَ أنَّهم كانُوا جاحِدِينَ لَها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُوقِنُوا بِها ويَقْطَعُوا بِصِحَّتِها، وقَدِ اتَّصَفُوا بِنَقِيضِ ذَلِكَ وكَوْنُ التَّكْلِيمِ مِنَ الكَلامِ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبَيٍّ- تُنَبِّؤُهُمْ- وقِراءَةُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ تُحَدِّثُهم. وقِيلَ: هو مِنَ الكَلْمِ بِمَعْنى الجَرْحِ والتَّفْعِيلُ لِلتَّكْثِيرِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي زُرْعَةَ والجَحْدَرِيِّ وأبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «تَكْلِمُهُمْ» بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ اللّامِ وقِراءَةُ بَعْضِهِمْ- «تَجْرَحُهُمْ» - مَكانَ تُكَلِّمُهُمْ، وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالجَرْحِ ما هو مُقابِلُ التَّعْدِيلِ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى التَّشْنِيعِ ورُجُوعِ الضَّمائِرِ عَلَيْهِ إلى الكَفَرَةِ المُحَدَّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ﴾ إلَخْ بِتَقْدِيرِ بِأنَّ النّاسَ، والمَعْنى تُشَنِّعُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الكَلامِ، ويُرادُ بِالنّاسِ فِيهِ أُولَئِكَ المُشَنَّعِ عَلَيْهِمْ، وظاهِرُ الآيَةِ وُقُوعُهُ في كَلامِها بِهَذا اللَّفْظِ، ولَعَلَّ فَهْمَ السّامِعِينَ كَوْنَ المُرادِ بِهِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وقْتَ التَّشْنِيعِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إذْ ذاكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الواقِعُ فِيهِ بَدَلَهُ مُشْرِكِي مَكَّةَ أوْ نَحْوَهُ، لَكِنْ جاءَ في الحِكايَةِ بِلَفْظِ النّاسِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإيماءُ إلى كَثْرَتِهِمْ. وقِيلَ: الرَّمْزُ إلى مَزِيدِ قُبْحِ عَدَمِ الإيقانِ مِنهُمْ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ- أنَّهُمْ- إلى ﴿أنَّ النّاسَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّ النّاسَ إلَخْ، وهو تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِجُرْحِها إيّاهُمْ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ، وجُوِّزَ أنْ تُقَدَّرَ الباءُ عَلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلْمِ الجُرْحَ بِمَعْنى الوَسْمِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها تَسِمُ جَبْهَةَ الكافِرِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها تُحَطِّمُ أنْفَهُ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي مَعَها، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِهِ ما ذُكِرَ لِما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا لَيْسَ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ ولا كَلامٍ ولَكِنَّهُ سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ تَعالى، وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَلْ ما في الآيَةِ تُكَلِّمُهم أوْ تَكْلُمُهُمْ؟ فَقالَ كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ تَجْرَحُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمائِرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالكَلِمِ الجَرْحُ، والوَسْمُ راجِعَةٌ إلى الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ دُونَ المُحَدَّثِ عَنْهم فِيما سَبَقَ إذْ لا مَعْنى لِوَسْمِها إيّاهُمْ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ، ولَعَلَّ المَعْنى تَسِمُهم لِأنَّهم كانُوا في عِلْمِنا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- بِأنْ- وجُعِلَتْ مُؤَيِّدَةً لِكَوْنِ التَّكْلِيمِ مِنَ الكَلامِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ وإلّا فالباءُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَتُلائِمُ كَوْنَهُ مِنَ الكَلِمِ بِمَعْنى الجَرْحِ، وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ- إنْ- بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وخَرَجَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ التَّكْلِيمِ مِنَ الكَلامِ مَجْراهُ، أوْ عَلى أنَّ الكَلامَ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِلتَّعْلِيلِ فَتَدَبَّرْ.

النمل 27:83

صفحة 26 ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ المُكَذِّبِينَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ مَبادِيها، ﴿ويَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ نَبِيُّنا ﷺ أيِ اذْكُرْ يَوْمَ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ بَيانُ سِرِّهِ مِرارًا، والمُرادُ بِهَذا الحَشْرِ الحَشْرُ لِلتَّوْبِيخِ والعَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِكافَّةِ الخَلْقِ وهو المَذْكُورُ فِيما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ إلى آخِرِهِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما تَضَمَّنَ هَذا عَلى ما تَضَمَّنَ ذَلِكَ دُونَ العَكْسِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيُّ يَقْتَضِيهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلّا مِمّا تَضَمَّنَهُ هَذا وذاكَ مِنَ الأحْوالِ طامَّةٌ كُبْرى وداهِيَةٌ دَهْياءُ حَقِيقَةً بِالتَّذْكِيرِ عَلى حِيالِها ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الكُلَّ داهِيَةٌ واحِدَةٌ قَدْ أمَرَ بِذِكْرِها كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعَ أنَّ الأنْسَبَ بِذِكْرِ أنَّ الكَفَرَةَ لا يُوقِنُونَ بِالآياتِ المُرادُ بِهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِها أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ ما تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ والتَّعْذِيبَ عَلى ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، و(مِن) الثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ ﴿فَوْجًا﴾، ومِنَ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مُنْقَسِمَةٌ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، أيْ ويَوْمَ نَجْمَعُ مَن كُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ مِن أهْلِ كُلِّ قَرْنٍ مِنَ القُرُونِ جَماعَةً كَثِيرَةً مُكَذِّبَةً بِآياتِنا ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا في مَوْقِفِ التَّوْبِيخِ والمُناقَشَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِهِمْ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ كالأُولى، والمُرادُ بِالفَوْجِ جَماعَةٌ مِنَ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ لِلْكَفَرَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يُساقُونَ بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ وهَكَذا يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشْهَرِ ما اسْتَدَلَّ بِها الإمامِيَّةُ عَلى الرَّجْعَةِ. قالَ الطَّبَرْسِيُّ في تَفْسِيرِهِ مَجْمَعِ البَيانِ: واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ مِنَ الإمامِيَّةِ بِأنْ قالَ: إنَّ دُخُولَ (مِن) في الكَلامِ يُوجِبُ التَّبْعِيضَ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُحْشَرُ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ ولَيْسَ ذَلِكَ صِفَةَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ سُبْحانَهُ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأخْبارُ عَنْ أئِمَّةِ الهُدى مِن آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُعِيدُ عِنْدَ قِيامِ المَهْدِيِّ قَوْمًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهم مِن أوْلِيائِهِ وشِيعَتِهِ لِيَفُوزُوا بِثَوابِ نُصْرَتِهِ ومَعُونَتِهِ ويَبْتَهِجُوا بِظُهُورِ دَوْلَتِهِ، ويُعِيدُ أيْضًا قَوْمًا مِن أعْدائِهِ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَنالُوا بَعْضَ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ بِالقَتْلِ عَلى أيْدِي شِيعَتِهِ أوِ الذُّلِّ والخِزْيِ بِما يُشاهِدُونَ مِن عُلُوِّ كَلِمَتِهِ. ولا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ هَذا مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ في نَفْسِهِ وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ ونَطَقَ القُرْآنُ بِذَلِكَ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِثْلَ قِصَّةِ عُزَيْرٍ وغَيْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلُهُ: ««سَيَكُونُ في أُمَّتِي كُلُّ ما كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ والقُذَّةِ بِالقُذَّةِ حَتّى لَوْ أنَّ أحَدَهم دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»». وتَأوَّلَ جَماعَةٌ مِنَ الإمامِيَّةِ ما ورَدَ مِنَ الأخْبارِ في الرَّجْعَةِ عَلى رُجُوعِ الدَّوْلَةِ والأمْرِ والنَّهْيِ دُونَ رُجُوعِ الأشْخاصِ وإحْياءِ الأمْواتِ، وأوَّلُوا الأخْبارَ الوارِدَةَ في ذَلِكَ لَمّا ظَنُّوا أنَّ الرَّجْعَةَ تُنافِي التَّكْلِيفَ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يُلْجِئُ إلى فِعْلِ الواجِبِ والِامْتِناعِ مِنَ القَبِيحِ، والتَّكْلِيفُ يَصِحُّ مَعَها كَما يَصِحُّ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ والآياتِ القاهِرَةِ كَفَلْقِ البَحْرِ وقَلْبِ العَصا ثُعْبانًا وما أشْبَهَ ذَلِكَ صفحة 27 ولِأنَّ الرَّجْعَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِظَواهِرِ الأخْبارِ المَنقُولَةِ فَيَتَطَرَّقُ التَّأْوِيلُ عَلَيْها، وإنَّما المُعَوَّلُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ إجْماعُ الشِّيعَةِ الإمامِيَّةِ وإنْ كانَتِ الأخْبارُ تُعَضِّدُهُ وتُؤَيِّدُهُ انْتَهى. وأقُولُ: أوَّلُ مَن قالَ بِالرَّجْعَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ ولَكِنْ خَصَّها بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَبِعَهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ في أوَّلِ المِائَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ بِرَجْعَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا لَكِنْ لَمْ يُوَقِّتْها بِوَقْتٍ، ولَمّا أتى القَرْنُ الثّالِثُ قَرَّرَ أهْلُهُ مِنَ الإمامِيَّةِ رَجْعَةَ الأئِمَّةِ كُلِّهِمْ وأعْدائِهِمْ وعَيَّنُوا لِذَلِكَ وقْتَ ظُهُورِ المَهْدِيِّ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما رَوَوْهُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ، والزَّيْدِيَّةُ كافَّةُ مُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الدَّعْوى إنْكارًا شَدِيدًا، وقَدْ رَدُّوها في كُتُبِهِمْ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى بِرِواياتٍ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ أيْضًا تُعارِضُ رِواياتِ الإمامِيَّةِ، والآياتُ المَذْكُورَةُ هُنا لا تَدُلُّ عَلى الرَّجْعَةِ حَسْبَما يَزْعُمُونَ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا مِنهم يَزْعُمُ دَلالَتَها عَلى ذَلِكَ، بَلْ قُصارى ما يَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى رَجْعَةِ المُكَذِّبِينَ أوْ رُؤَسائِهِمْ فَتَكُونُ دالَّةً عَلى أصْلِ الرَّجْعَةِ وصِحَّتِها لا عَلى الرَّجْعَةِ بِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَذْكُرُونَها، وفي كَلامِ الطَّبَرْسِيِّ ما يُشِيرُ إلى هَذا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَكادُ يَصِحُّ إرادَةُ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِنَ الآيَةِ لِإفادَتِها أنَّ الحَشْرَ المَذْكُورَ لِتَوْبِيخِ المُكَذِّبِينَ وتَقْرِيعِهِمْ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بَلْ ظاهِرُ ما بَعْدُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى بِذاتِهِ يُوَبِّخُهم ويُقَرِّعُهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِهِ سُبْحانَهُ، والمَعْرُوفُ مِنَ الآياتِ لِمِثْلِ ذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ مَعَ أنَّها تُفِيدُ أيْضًا وُقُوعَ العَذابِ عَلَيْهِمْ واشْتِغالَهم بِهِ عَنِ الجَوابِ ولَمْ تَفِدْ مَوْتَهم ورُجُوعَهم إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وأبْقى وهو عَذابُ الآخِرَةِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ عِظَمُ جِنايَتِهِمْ، فالظّاهِرُ اسْتِمْرارُ حَياتِهِمْ وعَذابِهِمْ بَعْدَ هَذا الحَشْرِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا إذا كانَ حَشْرُ يَوْمَ القِيامَةِ، ورُبَّما يُقالُ أيْضًا:- مِمّا يَأْبى حَمْلَ الحَشْرِ المَذْكُورِ عَلى الرَّجْعَةِ- أنَّ فِيهِ راحَةً لَهم في الجُمْلَةِ حَيْثُ يَفُوتُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ مِن عَذابِ البَرْزَخِ الَّذِي هو لِلْمُكَذِّبِينَ كَيْفَما كانَ أشَدَّ مِن عَذابِ الدُّنْيا، وفي ذَلِكَ إهْمالٌ لِما يَقْتَضِيهِ عِظَمُ الجِنايَةِ، وأيْضًا كَيْفَ تَصِحُّ إرادَةُ الرَّجْعَةِ مِنها، وفي الآياتِ ما يَأْبى ذَلِكَ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فَإنَّ آخِرَ الآيَةِ ظاهِرٌ في عَدَمِ الرَّجْعَةِ مُطْلَقًا وكَوْنُ الإحْياءِ بَعْدَ الإماتَةِ والإرْجاعِ إلى الدُّنْيا مِنَ الأُمُورِ المَقْدُورَةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ مِمّا لا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ إلّا أنَّ الكَلامَ في وُقُوعِهِ وأهْلَ السُّنَّةِ ومَن وافَقَهم لا يَقُولُونَ بِهِ ويَمْنَعُونَ إرادَتَهُ مِنَ الآيَةِ ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى آياتٍ كَثِيرَةٍ، والأخْبارُ الَّتِي رَوَتْها الإمامِيَّةُ في هَذا البابِ قَدْ كَفَتْنا الزَّيْدِيَّةُ مُؤْنَةَ رَدِّها، عَلى أنَّ الطَّبَرْسِيَّ أشارَ إلى أنَّها لَيْسَتْ أدِلَّةً وأنَّ التَّعْوِيلَ لَيْسَ عَلَيْها، وإنَّما الدَّلِيلُ إجْماعُ الإمامِيَّةِ والتَّعْوِيلُ لَيْسَ إلّا عَلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَدارَ حُجِّيَّةِ الإجْماعِ عَلى المُخْتارِ عِنْدَهم حُصُولُ الجَزْمِ بِمُوافَقَةِ المَعْصُومِ ولَمْ يَحْصُلْ لِلسِّنِّيِّ هَذا الجَزْمُ مِن إجْماعِهِمْ هَذا فَلا يَنْتَهِضُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ مَعَ أنَّ لَهُ إجْماعًا يُخالِفُهُ وهو إجْماعُ قَوْمِهِ عَلى عَدَمِ الرَّجْعَةِ الكاشِفُ عَمّا عَلَيْهِ سَيِّدُ المَعْصُومِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكُلُّ ما تَقُولُهُ الإمامِيَّةُ في هَذا الإجْماعِ يَقُولُ السَّنِيُّ مِثْلَهُ في إجْماعِهِمْ، وما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سَيَكُونُ في أُمَّتِي» الحَدِيثَ لا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ بِهَذا اللَّفْظِ بَلِ الظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ فَإنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ ما لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلَيْهِمْ حِينَ امْتَنَعُوا عَنْ أخْذِ ما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الكِتابِ والبَقاءِ في التِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً حِينَ قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ونُزُولِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ فِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. صفحة 28 وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِالرَّجْعَةِ حَسْبَما تَزْعُمُ الإمامِيَّةُ مِمّا لا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وكَمْ مِن آيَةٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ تَأْباهُ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ، وكَأنَّ ظُلْمَةَ بُغْضِهِمْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِتِلْكَ الآياتِ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الضَّلالاتِ

النمل 27:84

﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ السُّؤالِ والجَوابِ والمُناقَشَةِ والحِسابِ ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُوَبِّخًا لَهم عَلى التَّكْذِيبِ لا سائِلًا سُبْحانَهُ وتَعالى سُؤالَ اسْتِفْسارٍ لِاسْتِحالَتِهِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَدَمُ وُقُوعِ الِاسْتِفْسارِ عَنِ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ النّاطِقَةِ بِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ شَناعَةِ التَّكْذِيبِ وغايَةِ قُبْحِهِ، ومُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ أيْ أكَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ الرَّأْيِ غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكُنْهِها وأنَّها حَقِيقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ حَتْمًا، وهَذا عَلى ما قِيلَ: ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالآياتِ فِيما تَقَدَّمَ الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ لِأنَّها المُنْطَوِيَةُ عَلى دَلائِلِ الصِّحَّةِ وشَواهِدِها الَّتِي لَمْ يُحِيطُوا بِها عِلْمًا مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا فِيها لا نَفْسَ السّاعَةِ وما فِيها. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ التَّكْذِيبَ يَأْبى بِظاهِرِهِ أنْ يُرادَ بِالآياتِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ كالمُعْجِزاتِ ونَحْوَها إذْ لَيْسَ فِيها نِسْبَةٌ يَتَعَلَّقُ بِها ذَلِكَ، وإرادَةُ الأعَمِّ تَسْتَدْعِي اعْتِبارَ التَّغْلِيبِ وكَوْنَ التَّكْذِيبِ بِمَعْنى نَفْيِ دَلالَتِها عَلى المُرادِ مِنها كَتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ في المُعْجِزاتِ ونَحْوَهُ في نَحْوِها مِن آياتِ الأنْفُسِ والآفاقِ خِلافَ الظّاهِرِ، فالأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى الظّاهِرِ وحَمْلُ الآياتِ عَلى الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى- كَذَّبْتُمْ- والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الجَمْعِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أجَمَعْتُمْ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِي وعَدَمِ التَّدَبُّرِ فِيها. ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِها عَلى أنَّ المُرادَ التَّبْكِيتُ وأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا إلّا التَّكْذِيبَ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَرَّرَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ (أمْ مُتَّصِلَةٌ، والأصْلُ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي أمْ صَدَّقْتُمْ، والمُعادَلَةُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِالآياتِ لَكِنْ جِيءَ بِالأوَّلِ مَجِيئًا مَعْلُومًا مُحَقَّقًا، وبِالثّانِي لا عَلى ذَلِكَ النَّهْجِ تَنْبِيهًا عَلى انْتِفائِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أهُوَ ما عَهِدَ مِنَ التَّكْذِيبِ أمْ حَدَثَ حادِثٌ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ أنَّهُ جَعَلَ العَدِيلَ مُرَدِّدًا فِيهِ فَلَمْ يَجْعَلِ التَّصْدِيقَ مِثْلَ التَّكْذِيبِ في الِاسْتِفْهامِ عَنْ حالِهِ بَلْ إنَّما شَكَّ في وُجُودِ مُعادِلِ التَّكْذِيبِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَشْمَلُ التَّكْذِيبَ المَذْكُورَ أوَّلًا وعَدِيلَهُ الحَقِيقِيَّ، وهَذِهِ قَرِينَةٌ أنَّهُ لَمْ يُجَأْ بِالِاسْتِفْهامِ جَهْلًا بِالحالِ بَلْ إنَّما أُرِيدَ التَّبْكِيتُ والإلْزامُ عَلى مَعْنى قُلْ لِي ويْحَكَ إنْ حَدَثَ أمْرٌ آخَرُ بَتًّا بِالقَوْلِ بِأنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ ما يُضادُّ الأوَّلَ وإشْعارًا بِأنَّهُ إذا سُئِلَ عَنِ الَّذِي عَمِلَهُ لَمْ يُجِبْ إلّا بِما قَدَّمَ أوَّلًا، ثُمَّ قالَ: وهَذا وجْهٌ لائِحٌ، وإنَّما جازَ دُخُولُ أمْ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ فَإنَّها خَرَجَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ إلى البَتِّ بِالحُكْمِ لا بِالمُعادِلِ بَلْ بِالأوَّلِ، وثانِيهُما أنَّ المَعْنى ما كانَ لَكم عَمَلٌ في الدُّنْيا إلّا الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، وقَرَّرَهُ في الكَشْفِ أيْضًا بِأنَّ أمْ عَلى اتِّصالِها ولَكِنَّ المُعادَلَةَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ وكُلِّ عَمَلٍ غَيْرِهِ تَعَلَّقَ بِالآياتِ أوَّلًا والإيرادِ عَلى صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلنُّكْتَةِ السّابِقَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم عَمْلٌ إلّا التَّكْذِيبَ والكُفْرَ كَأنَّهم لَمْ يُخْلَقُوا إلّا لِذَلِكَ فَلِأجْلِهِ لَمْ يَعْمَلُوا غَيْرَهُ، وجَعَلَ سائِرَ أعْمالِهِمْ صفحة 29 لِاسْتِمْرارِ الكُفْرِ بِهِمْ نَفْسَ الكَفْرِ أوْ كَلا عَمَلٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا وجْهٌ وجِيهٌ بالِغٌ، ومِنهُ ظَهَرَ أنَّ دُخُولَ (أمْ) عَلى أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ مُنْكَرٍ إذا خَرَجَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو مُقاسٌ مَعْنًى وإنْ كانَتْ مُراعاةُ صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا مُنْقاسَةً مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لَكِنَّهم يُرَجِّحُونَ في نَحْوِهِ جانِبَ المَعْنى ولا يَلْتَفِتُونَ لَفْتَ اللَّفْظِ اهـ. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ (أمْ) مُنْقَطِعَةً فَتُقَدَّرُ بِبَلْ وحْدَها وهي لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ ولَيْسَ في ذَلِكَ شائِبَةٌ مِن دُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزًى، وماذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِجُمْلَتِها اسْتِفْهامًا مَنصُوبَ المَحَلِّ بِخَبَرِ كانَ وهو ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أوْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ تَعْمَلُونَهُ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (ما) فِيها اسْتِفْهامًا، وذا اسْمٍ مَوْصُولٍ بِمَعْنى الَّذِي، وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ بَعْدَ صِلَةِ المَوْصُولِ والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ- «أماذا» - بِتَخْفِيفِ المِيمِ وفِيها دُخُولُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ وقَدْ سَمِعْتُ وجْهَهُ.

النمل 27:85

﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي هو مَدْلُولُ القَوْلِ النّاطِقِ بِحُلُولِهِ وهو كَبُّهم في النّارِ ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ بِحُجَّةٍ لِانْتِفائِها عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وابْتِلائِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وقِيلَ: يَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى النُّطْقِ بِشَيْءٍ أصْلًا. وفِي البَحْرِ أنَّ انْتِفاءَ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ لِأنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ ناطِقٌ بِأنَّهم يَنْطِقُونَ في بَعْضِ المُواطِنِ بِأعْذارٍ وما يَرْجُونَ بِهِ النَّجاةَ مِنَ النّارِ.

النمل 27:86

﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ لا بَصَرِيَّةٌ لِأنَّ نَفْسَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وإنْ كانا مِنَ المُبْصِراتِ لَكِنْ جَعْلَهُما كَما ذُكِرَ مِن قَبِيلِ المَعْقُولاتِ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ بِما فِيهِ مِنَ الإظْلامِ لِيَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِالقَرارِ والنَّوْمِ، قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ: النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ لِيُبْصِرُوا بِما فِيهِ مِنَ الإضاءَةِ طُرُقَ التَّقَلُّبِ في أُمُورِ مَعاشِهِمْ فَبُولِغَ حَيْثُ جَعَلَ الإبْصارَ الَّذِي هو حالُ النّاسِ حالًا لَهُ ووَصْفًا مِن أوْصافِهِ الَّتِي جُعِلَ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ عَنْها، ولَمْ يَسْلُكْ في اللَّيْلِ هَذا المَسْلَكَ لِما أنَّ تَأْثِيرَ ظَلامِ اللَّيْلِ في السُّكُونِ لَيْسَ بِمَثابَةِ تَأْثِيرِ ضَوْءِ النَّهارِ في الإبْصارِ، والمَشْهُورُ أنَّ في الآيَةِ صَنْعَةَ الِاحْتِباكِ والتَّقْدِيرُ جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيَنْتَشِرُوا فِيهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في جَعْلِهِما كَما وصَفا وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الفَضْلِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وتَجْوِيزِ الحَشْرِ وبَعْثِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّ تَعاقُبَ النُّورِ والظُّلْمَةِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بِذاتِهِ لا يَكُونُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ لَيْسَتْ لِما أشْرَكَهُ المُشْرِكُونَ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إبْدالِ الظَّلَمَةِ بِالنُّورِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ قادِرٌ عَلى إبْدالِ المَوْتِ بِالحَياةِ في مَوادِّ الأبْدانِ، وأنَّ مَن جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَبَبَيْنِ لِمَنافِعِهِمْ ومَصالِحِهِمْ لَعَلَّهُ لا يُخِلُّ بِما هو مَناطُ جَمِيعِ مَصالِحِهِمْ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ وهو بَعْثَةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. صفحة 30 وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لِآياتٍ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وصِدْقِ الآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ دَلالَةً واضِحَةً كَيْفَ لا وأنَّ مَن تَأمَّلَ في تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ واخْتِلافِهِما عَلى وُجُوهٍ بَدِيعَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى حِكَمٍ رائِقَةٍ تَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ ولا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا وشاهَدَ في الآفاقِ تَبَدُّلَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ المُحاكِيَةِ لِلْمَوْتِ بِضِياءِ النَّهارِ المُضاهِي لِلْحَياةِ وعايَنَ في نَفْسِهِ تَبُدَّلَ النَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ بِالِانْتِباهِ الَّذِي هو مِثْلُ الحَياةِ قَضى بِأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ قَضاءً مُتْقَنًا وجَزَمَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذا أُنْمُوذَجًا لَهُ ودَلِيلًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحَقُّقِهِ، وأنَّ الآياتِ النّاطِقَةَ بِهِ وبِكَوْنِ حالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ بُرْهانًا عَلَيْهِ وسائِرُ الآياتِ كُلُّها حَقٌّ نازِلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى اهـ. ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى لا سِيَّما إذا ضُمَّ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى جَوازِ الحَشْرِ مُشابَهَةُ النَّوْمِ واليَقَظَةِ لِلْمَوْتِ والحَياةِ لِما في هَذا مِن خَفاءِ الدَّلالَةِ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ لِما أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ، ووَجْهُ رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الحَشْرِ

النمل 27:87

﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ النّاصِبِ، والصُّورُ- عَلى ما في التَّذْكِرَةِ- قَرْنٌ مِن نُورٍ، وذَكَرَ البُخارِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كالبُوقِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: ««جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «ما الصُّورُ؟ قالَ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ»،» والمَشْهُورُ أنَّ صاحِبَ الصُّورِ هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ الأُمَمَ مُجَمَّعَةٌ عَلى ذَلِكَ وهو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّورِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ واسْتَمَعَ الإذْنَ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ؟! فَكَأنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ: قُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««ما أطْرَقَ صاحِبُ الصُّورِ مُذْ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدًّا بِحِذاءِ العَرْشِ مَخافَةَ أنْ يُؤْمَرَ بِالصَّيْحَةِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ طَرْفُهُ كَأنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبانِ دُرِّيانِ»». وجاءَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ ««إنَّ أعْظَمَ دائِرَةٍ فِيهِ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ»» وهَذا مِمّا يُؤْمِنُ بِهِ وتُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، وقِيلَ: إنَّ الصَّوْرَ بِسُكُونِ الواوِ بِمَعْنى الصُّوَرِ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ الواوِ جَمْعَ صُورَةٍ- وعَلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ- والكَلامُ في الوَجْهَيْنِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ هَيْئَةَ انْبِعاثِ المَوْتى مِنَ القُبُورِ إلى المَحْشَرِ إذا نُودُوا بِالقِيامِ بِهَيْئَةِ قِيامِ جَيْشٍ نُفِخَ لَهم في المِزْمارِ المَعْرُوفِ وسَيْرِهِمْ إلى مَحَلٍّ عُيِّنَ لَهُمْ، والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ- وعَلَيْهِ المِعْوَلُ- لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ ظاهِرٌ في أنَّ الصُّورَ لَيْسَ جَمْعَ صُورَةٍ وإلّا لَقالَ سُبْحانَهُ: فِيها بَدَلَ فِيهِ، وارْتِكابُ التَّأْوِيلِ بِجَعْلِ الكَلامِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ ظاهِرٌ في إنْكارِ أنْ يَكُونَ هُناكَ صُورٌ حَقِيقَةً، وهو خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصِّحاحُ، وقَدْ قالَ أبُو الهَيْثَمِ عَلى ما نَقَلَ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الصُّورُ قَرْنًا فَهو كَمَن أنْكَرَ العَرْشَ والصِّراطَ والمِيزانَ وطَلَبَ لَها تَأْوِيلاتٍ، وهَذا النَّفْخُ قِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ الغَنِيّانِ، واخْتارَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وقالَ: الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ذَلِكَ، وأنَّ المُرادَ بِالفَزَعِ في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة 31 ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ما يَعْتَرِي الكُلَّ عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ مِنَ الرُّعْبِ والتَّهَيُّبِ الضَّرُورِيَّيْنِ الجَبَلِيَّيْنِ بِمُشاهَدَةِ الأُمُورِ الهائِلَةِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْخِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وبِالفَزَعِ هو الَّذِي يَسْتَتْبِعُ المَوْتَ لِغايَةِ شِدَّةِ الهَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَيَخْتَصُّ أثَرُها بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها دُونَ مَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ النَّفْخَةِ الفَزَعُ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ الَّتِي أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ وشَنَّعَ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ بِما هو مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: الحَقُّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ هو النَّفْخَةُ الأُولى، وقَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿وكُلٌّ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، واعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ النَّفْخَةِ فَقِيلَ: ثَلاثٌ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾، ونَفْخَةُ البَعْثِ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، ونَفْخَةُ الفَزَعِ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ هاهُنا، وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ. وقِيلَ: اثْنَتانِ، ونَفْخَةُ الفَزَعِ هي نَفْخَةُ الصَّعْقِ لِأنَّ الأمْرَيْنِ: الفَزَعُ بِمَعْنى الخَوْفِ. والصَّعْقُ بِمَعْنى المَوْتِ لا زَمانَ لَها، قالَ القُرْطُبِيُّ: والسُّنَّةُ كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وهو طَوِيلٌ مِنهُ مَعَ حَذْفٍ ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَأوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَهُ فَيُصْعَقُ ثُمَّ يُصْعَقُ النّاسُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ. تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْخَ مَرَّتانِ لا ثَلاثَةٌ وهو الصَّحِيحُ، ونَفْخُ الفَزَعِ هو نَفْخُ الصَّعْقِ بِعَيْنِهِ لِاتِّحادِ الِاسْتِثْناءِ في آيَتَيْهِما. وتُعُقِّبَ في الرِّسالَةِ المُسَمّاةِ بِشَرْحِ العَشْرِ في مَعْشَرِ الحَشْرِ المَنسُوبَةِ لِابْنِ الكَمالِ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في الحَدِيثِ عَلى عَدَمِ النَّفْخَةِ الثّالِثَةِ، غايَتُهُ أنَّهُ وسائِرُ الأحادِيثِ الوارِدَةِ عَلى نَسَقِهِ ساكِتٌ عَنْها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُها، وكَذا لا دَلالَةَ في اتِّحادِ الِاسْتِثْناءِ في الآيَتَيْنِ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ فِيهِما نَفْخَةً واحِدَةً، وهَذا ظاهِرٌ، ثُمَّ قالَ: والصَّحِيحُ عِنْدِي ما في القَوْلِ الأوَّلِ، مِن أنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ غَيْرُ نَفْخَةِ الصَّعْقِ. فَإنَّ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ «لا تُخَيِّرُونِي مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، فَإنَّ النّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ فَإذا أنا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آخُذُ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ، فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أوْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ:» صَرِيحٌ في أنَّ الصَّعْقَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنْ لا مَوْتَ فِيهِ فَهو فَزَعٌ بِلا مَوْتٍ، فَمَن قالَ: هي ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، ثُمَّ نَفْخَةُ الصَّعْقِ وهو المَوْتُ، ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ فَقَدْ أصابَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَفْخَةِ الفَزَعِ ونَفْخَةِ الصَّعْقِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُصِبْ في زَعْمِهِ أنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ. كَيْفَ وقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ المَذْكُورُ عَلى عُمُومِ حُكْمِ نَفْخَةِ الفَزَعِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ أيِ المَوْتِ، قالَ القاضِي عِياضٌ: إنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ والأرْضُ، فَظَهَرَ أنَّ النَّفَخاتِ ثَلاثٌ بَلْ أرْبَعٌ: نَفْخَةٌ يُمِيتُ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ الخَلْقِ بِها كَما جاءَ في الحَدِيثِ وعِنْدَ ذَلِكَ يُنادِي سُبْحانَهُ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ. ويُنادِي عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ . ونَفْخَةُ البَعْثِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ونَفْخَةُ الصَّعْقِ وهي نَفْخَةُ الفَزَعِ بِعَيْنِها وقَدْ سَمِعْتُ آيَتَيْهِما، ونَفْخَةٌ لِلْإفاقَةِ كَما قالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ نَفْخَةِ الصَّعْقِ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ ما في زَعْمِ أنَّ نَفْخَةَ الصَّعْقِ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ صفحة 32 بِعَيْنِها فَتَدَبَّرِ انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ عَلى القَوْلِ بِالمُغايِرَةِ بَيْنَ نَفْخَةِ الفَزَعِ ونَفْخَةِ الصَّعْقِ أنْ تَكُونَ النَّفَخاتُ خَمْسًا ولَمْ نَسْمَعْ مُتَنَفَّسًا يَقُولُ بِذَلِكَ، وأيْضًا فِيهِ القَوْلُ بِأنَّ نَفْخَةَ الصَّعْقِ بَعْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فَأرْفَعُ رَأْسِي فَإذا مُوسى مُتَعَلِّقٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَما أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى» فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ لا مَحالَةَ فَإذا عَقِبَهُ رَفْعُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُفاجَأةُ كَوْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَعَلِّقًا بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَأيْنَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ النَّفَخاتِ خَمْسًا لَمْ يُسْمَعْ هو الغالِبُ عَلى الظَّنِّ ويَتَوَقَّفُ قَبُولُ ما ذَكَرَهُ ثانِيًا عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخَبَرِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِما تَقَدَّمَ مِن وراءِ المَنعِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّ النَّفَخاتِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الصَّعْقِ بِمَعْنى المَوْتِ كَما هو أحَدُ مَعْنَيَيْهِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والثّالِثَةُ نَفْخَةُ الفَزَعِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِما هُنا وهي عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ القاضِي عِياضٍ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ والأرْضُ. وأصْلُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ انْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الشَّخْصَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ والمُرادُ بِهِ الرُّعْبُ الشَّدِيدُ، ولَعَلَّ الصَّعْقَ المَذْكُورَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ هو غَشْيٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِلا واسِطَةٍ وعَلى النَّفْخِ بِواسِطَتِهِ وقَدْ نَصَّ في الأساسِ عَلى هَذا المَعْنى لَهُ قالَ يُقالُ صَعِقَ الرَّجُلُ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ مِن هَدَّةٍ أوْ صَوْتٍ شَدِيدٍ يَسْمَعُهُ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الغَشْيِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ»» لِأنَّ الإفاقَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الغَشْيِ دُونَ المَوْتِ ولَمْ يُعَبِّرْ هُنا بِالصَّعْقِ مُرادًا بِهِ الغَشْيُ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ إرادَةُ مَعْنى المَوْتِ مِنهُ لِخُلُوِّهِ هُنا عَنِ القَرِينَةِ الَّتِي في الحَدِيثِ واقْتِرانِهِ بِما يُلائِمُ ذَلِكَ. وقَدْ يَخْتارُ ما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ النَّفْخَةَ اثْنَتانِ ويُجابُ عَمّا يُشْعِرُ بِالزِّيادَةِ فالنَّفْخَةُ الأُولى نَفْخَةُ الصَّعْقِ بِمَعْنى المَوْتِ بِحالٍ هائِلَةٍ فَبِها يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الأحْياءِ قُبَيْلَ ذَلِكَ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْها آيَةُ: ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ إلَخْ، والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِآيَةِ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وبَيْنَهُما في المَشْهُورِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أرْبَعُونَ» بِدُونِ ذِكْرِ التَّمْيِيزِ فَقِيلَ أرْبَعُونَ يَوْمًا فَقالَ أبُو هُرَيْرَةٍ: أبَيْتُ فَقِيلَ أرْبَعُونَ شَهْرًا فَقالَ أبَيْتُ فَقِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً فَقالَ أبَيْتُ، ونَفْخَةُ الفَزَعِ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفِ هي هَذِهِ النَّفْخَةُ بِعَيْنِها ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يُنْفَخُ في الصُّورِ لِلْبَعْثِ فَيُبْعَثُ الخَلْقُ ويُنْشَرُونَ فَإذا تَحَقَّقُوا يَوْمَ القِيامَةِ وشاهَدُوا آثارَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَزِعُوا ورُعِبُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَرَتَّبَ الفَزَعُ عَلى النَّفْخِ بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ الزَّمانِ الفاصِلِ لِسُرْعَةِ تَحَقُّقِهِمْ ومُشاهَدَتِهِمْ ما ذَكَرَ، والإضافَةُ في قَوْلِنا نَفْخَةُ البَعْثِ وقَوْلِنا نَفْخَةُ الفَزَعِ مِن إضافَةِ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ إلّا أنَّ سَبَبِيَّةَ النَّفْخِ لِلْبَعْثِ بِلا واسِطَةٍ وسَبَبِيَّتَهُ لِلْفَزَعِ بِواسِطَةٍ، وحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ ««لا تُخَيِّرُونِي مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ فَإنَّ النّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ»» إلَخْ لَيْسَ فِيهِ سِوى إثْباتِ الصَّعْقِ بِمَعْنى الغَشْيِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ذِكْرُ الإفاقَةِ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ ولا تَعَرُّضَ لَهُ لِنَفْخٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، نَعَمِ التَّعْبِيرُ بِالصَّعْقِ عَلى ما ذَكَرُوا في مَعْناهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هُناكَ هَدَّةٌ أوْ صَوْتٌ شَدِيدٌ يَسْمَعُهُ مَن يَسْمَعُهُ فَيُغْشى عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لا يُعَيِّنُ النَّفْخَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن صَوْتٍ حادِثٍ مِنِ انْشِقاقِ السَّماواتِ الكائِنِ صفحة 33 بَعْدَ البَعْثِ والفَزَعِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وما شاهَدُوا مِن أهْوالِهِ. ومَنَعَ بَعْضُهُمُ اقْتِضاءَهُ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِهِ الغَشْيُ لِحُدُوثِ أمْرٍ عَظِيمٍ مِن أُمُورِ يَوْمِ القِيامَةِ غَيْرِ النَّفْخِ، وقِيلَ: هو مِن فُرُوعِ النَّفْخِ لِلْبَعْثِ وذَلِكَ أنَّهُ يُنْفَخُ فَتُبْعَثُ الخَلائِقُ فَيَتَحَقَّقُونَ ما يَتَحَقَّقُونَ ويُشاهِدُونَ ما يُشاهِدُونَ فَيَفْزَعُونَ فَيُغْشى عَلَيْهِمْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ مِمّا لا يَأْبى ذَلِكَ واحْتِياجُ الإفاقَةِ لِنَفْخَةٍ أُخْرى في حَيِّزِ المَنعِ وقِيلَ: فِي بَيانِ اتِّحادِ نَفْخَةِ البَعْثِ ونَفْخَةِ الفَزَعِ أنَّ المُرادَ بِالفَزَعِ الإجابَةُ والإسْراعُ لِلْقِيامِ لِرَبِّ العالَمِينَ وقَدْ صَرَّحَتِ الآياتُ بِإسْراعِ النّاسِ عِنْدَ البَعْثِ فَقالَ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ واحْتِياجُ تَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ بَعُدَ عَلَيْهِ إلى تَكَلُّفٍ فالأوْلى أنْ يُوَجَّهَ الِاتِّحادُ بِما سَبَقَ فَتَأمَّلْ، وإيرادُ صِيغَةِ الماضِي مَعَ كَوْنِ المَعْطُوفِ أعْنِي يُنْفَخُ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ ووَجْهُ تَأْخِيرِ بَيانِ الأحْوالِ الواقِعَةِ في ابْتِداءِ هَذِهِ النَّفْخَةِ عَنْ بَيانِ ما يَقَعُ بَعْدُ مِن حَشْرِ المُكَذِّبِينَ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ كَما هو الظّاهِرُ مِن مَن ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُفْزَعَ، والمُرادُ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ وتُعُقَّبَ بِأنَّ الفَزَعَ في تِلْكَ الآيَةِ غَيْرُ الفَزَعِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَفَزِعَ﴾ إلَخْ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واخْتَلَفَ الَّذِينَ حَمَلُوا النَّفْخَ هُنا عَلى النَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي تَكُونُ لِلصَّعْقِ- أيِ المَوْتِ- في تَعْيِينِهِمْ فَقِيلَ هم جِبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ وعِزْرائِيلُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: هُمُ الوِلْدانُ والحُورُ العِينُ وخَزَنَةُ الجَنَّةِ وحَمَلَةُ العَرْشِ. وحَكى بَعْضُهم هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في المُرادِ بِالمُسْتَثْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالنَّفْخِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ وبِالفَزَعِ الخَوْفُ والرُّعْبُ وأوْرَدَ عَلَيْهِما أنْ حَمَلَةَ العَرْشِ لَيْسُوا مِن سُكّانِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ السَّماواتِ في داخِلِ الكُرْسِيِّ ونِسْبَتُها إلَيْهِ نِسْبَةُ حَلَقَةٍ في فَلاةٍ ونِسْبَةُ الكُرْسِيِّ إلى العَرْشِ كَهَذِهِ النِّسْبَةِ أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ حَمَلَتُهُ في السَّماواتِ وكَذا الوِلْدانُ والحُورُ وخَزَنَةُ الجَنَّةِ لِأنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهم في الجَنَّةِ والجِنانُ جَمِيعُها فَوْقَ السَّماواتِ ودُونَ العَرْشِ عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««سَقْفُ الجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ»» فَما فِيها مِنَ الوِلْدانِ والحُورِ والخَزَنَةِ لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهم مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وأمّا جِبْرائِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهم مِنَ الصّافِّينَ المُسَبِّحِينَ حَوْلَ العَرْشِ وإذا كانَ العَرْشُ فَوْقَ السَّماواتِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفافُ حَوْلَهُ في السَّماواتِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماواتِ ما يَعُمُّ العَرْشَ والكُرْسِيَّ وغَيْرَهُما مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ فَإنَّهُ الألْيَقُ بِالمَقامِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عِنْدَ إرادَةِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ. وقِيلَ: لا مانِعَ مِن حَمْلِ السَّماواتِ عَلى السَّماواتِ السَّبْعِ والتِزامِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُنْقَطِعًا ولا يَخْفى ما فِيهِ، وعَدَّ بَعْضُهم مِمَّنِ اسْتُثْنِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَكادُ يَصِحُّ إلّا إذا أُرِيدَ بِالفَزَعِ الصَّعْقُ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، أمّا إذا أُرِيدَ بِهِ ما يَكُونُ في الدُّنْيا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى فَلا، عَلى أنَّ صفحة 34 عَدَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ لا يُصْعَقُ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ السّابِقِ «فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أوْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ صَحِيحٍ وارِدٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنَّهُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ». وصَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ وبِهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ ولَفْظُهُ هُمُ الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفَ حَوْلَ العَرْشِ وكَذا ذَهَبَ إلَيْهِ الحَلِيمِيُّ وقالَ: هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثُمَّ ضَعَّفَ غَيْرُهُ مِنَ الأقْوالِ. وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِ مَن شاءَ اللَّهُ في آيَةِ الصَّعْقِ وبَعْضٌ آخَرُ ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ في آيَةِ الفَزَعِ فَتَدَبَّرْ. ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفازِعِينَ المَبْعُوثِينَ عِنْدَ النَّفْخَةِ ﴿أتَوْهُ﴾ أيْ حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ لِلسُّؤالِ والجَوابِ والمُناقَشَةِ والحِسابِ، وقِيلَ: أيْ رَجَعُوا إلى أمْرِهِ تَعالى وانْقادُوا. وضَمِيرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (كُلٌّ) وقَرَأ قَتادَةُ أتاهُ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا لِضَمِيرِ (كُلٌّ) عَلى لَفْظِها. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ آتَوْهُ اسْمَ فاعِلٍ ﴿داخِرِينَ﴾ أيْ أذِلّاءَ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ دَخِرِينَ بِغَيْرِ ألِفٍ وهو عَلى القِراءَتَيْنِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (كُلٌّ)

النمل 27:88

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ عَطْفٌ عَلى يُنْفَخُ داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ وتَرى مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ ثابِتَةً في أماكِنِها لا تَتَحَرَّكُ حالٌ مِن فاعِلِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن سابِقِهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجِبالِ في تَحْسَبُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِها في ”جامِدَةً“ ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ تَكُونَ جامِدَةً ومارَّةً في وقْتٍ واحِدٍ أيْ وتَرى الجِبالَ رَأْيَ العَيْنِ ساكِنَةً والحالُ أنَّها تَمُرُّ في الجَوِّ مَرَّ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ سَيْرًا حَثِيثًا، وذَلِكَ أنَّ الأجْرامَ المُجْتَمِعَةَ المُتَكاثِرَةَ العَدَدِ عَلى وجْهِ الِالتِصاقِ إذا تَحَرَّكَتْ نَحْوَ سَمْتٍ لا تَكادُ تُبَيِّنُ حَرَكَتَها، وعَلَيْهِ قَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ في وصْفِ جَيْشٍ: بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍّ والرُّكّابُ تُهَمْلِجُ وقِيلَ: شَبَّهَ مَرَّها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا كَما قالَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحائِبِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والمَشْهُورُ في وجْهِ الشَّبَهِ السُّرْعَةُ وإنَّ مَنشَأ الحُسْبانِ المَذْكُورِ ما سَمِعْتَ، وقِيلَ: إنَّ حُسْبانَ الرّائِي إيّاها جامِدَةً مَعَ مُرُورِها لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها جامِدَةً ولَيْسَ بِذاكَ وقَدْ أدْمَجَ في التَّشْبِيهِ المَذْكُورِ تَشْبِيهَ حالِ الجِبالِ بِحالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا، فَفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ مِمّا يَقَعُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كالفَزَعِ المَذْكُورِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ يُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ ويُغَيِّرُ هَيْئَتَها ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَنْ مَقارِّها عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الهَيْئَةِ الهائِلَةِ يُشاهِدُها أهْلُ المَحْشَرِ وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى لَكِنَّ تَسْيِيرَها وتَسْوِيَةَ الأرْضِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة 35 ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ وبُرُوزَ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى لا يَكُونانِ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وقَدْ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ﴾: إنَّ صِيغَةَ الماضِي في المَعْطُوفِ مَعَ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَقَدُّمِ الحَشْرِ عَلى التَّسْيِيرِ والرُّؤْيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ اهـ. وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ مِمّا يَقَعُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وذَلِكَ أنَّهُ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ ثُمَّ تَنْفَصِلُ الجِبالُ عَنِ الأرْضِ وتَسِيرُ في الجَوِّ ثُمَّ تَسْقُطُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا مَهِيلًا ثُمَّ هَباءً مُنْبَثًّا، ويُرْشِدُ إلى أنَّ هَذِهِ الصَّيْرُورَةَ مِمّا لا يَتَرَتَّبُ عَلى الرَّجْفَةِ ولا تَعْقُبُها بِلا مُهْلَةٍ العَطْفُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ﴾ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَما مَرَّ آنِفًا واليَوْمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ اسْمًا لِلْحِينِ الواسِعِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى مِنَ النَّسْفِ والتَّبْدِيلِ وما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنِ اتِّباعِ الدّاعِي والبُرُوزِ لِلَّهِ تَعالى الواحِدِ القَهّارِ، وقَدْ حُمِلَ اليَوْمُ عَلى ما يَسَعُ ما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَتَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ وهَذا كَما تَقُولُ جِئْتُهُ عامَ كَذا وإنَّما مَجِيئُكَ في وقْتٍ مِن أوْقاتِهِ وقَدْ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ كالبُرُوزِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ ««قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ﴾ فَأيْنَ يَكُونُ النّاسُ؟ قالَ عَلى الصِّراطِ»» وجاءَ في غَيْرِ خَبَرٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وجَمَعَ صاحِبُ الإفْصاحِ بَيْنَ الأخْبارِ بِأنَّ التَّبْدِيلَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى وأُخْرى بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وحَكى في البَحْرِ أنَّ أوَّلَ الصِّفاتِ ارْتِجاجُها ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ ثُمَّ نَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها ثُمَّ تَطْيِيرُها بِالرِّيحِ في الجَوِّ كَأنَّها غُبارٌ ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، وهَذا كُلُّهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ السَّفارِينِيِّ قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ومَن تَتَبَّعَ الأخْبارَ وجَدَها ظاهِرَةً في ذَلِكَ، والآيَةُ هُنا تَحْتَمِلُ كَوْنَ الرُّؤْيَةِ المَذْكُورَةِ فِيها قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وكَوْنَها قَبْلَها فَتَأمَّلْ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهي جُمْلَةُ الحالِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ مِن صُنْعِهِ تَعالى فَكَأنَّهُ قِيلَ: صَنَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ صُنْعًا وهَذا نَحْوٌ لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ عُرْفًا ويُسَمّى في اصْطِلاحِهِمُ المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو البَقاءِ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَمِيعًا قُصِدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الأفاعِيلِ وتَهْوِيلِ أمْرِها والإيذانُ بِأنَّها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ إخْلالِ نِظامِ العالَمِ وإفْسادِ أحْوالِ الكائِناتِ بِالكُلِّيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ حِكْمَةٌ بَلْ هي مِن قَبِيلِ بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْغاياتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي لِأجْلِها رُتِّبَتْ مُقَدِّماتُ الخَلْقِ ومَبادِئُ الإبْداعِ عَلى الوَجْهِ المَتِينِ والنَّهْجِ الرَّصِينِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ أتْقَنَ خَلْقَهُ وسَوّاهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ اهـ، وحُسْنُهُ ظاهِرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ وهو النّاصِبُ لِـ يَوْمَ يُنْفَخُ والمَعْنى ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَكانَ كَيْتٌ وكَيْتٌ أثابَ اللَّهُ تَعالى المُحْسِنِينَ وعاقَبَ المُجْرِمِينَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ صفحة 36 عَزَّ وجَلَّ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ إلى آخِرِ ما قالَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَضَ اليَوْمَ مُمْتَدًّا شامِلًا لِزَمانِ النَّفْخَتَيْنِ وما بَعْدَهُما وجَعَلَ المَصْدَرَ مُؤَكِّدًا لِهَذا المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: مَن جاءَ ومَن جاءَ وبِاسْتِدْعاءِ يَوْمِ يُنْفَخُ ناصِبًا وفَرَّعَ عَلَيْهِ ما فَرَّعَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أكَّدَ مَضْمُونَها بِالمَصْدَرِ وذَلِكَ حَذْفُ كَثِيرٌ مُخِلٌّ ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها لَمْ يُرِدِ الحَذْفَ في شَيْءٍ مِنها إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدَ إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّأْكِيدَ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أكَّدَ مُعْتَنى بِهِ ومِن حَيْثُ حَذَفَ غَيْرَ مُعْتَنى بِهِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ إنَّ الصُّنْعَ المُتْقَنَ لا يُناسِبُ تَسْيِيرَ الجِبالِ ظاهِرًا وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى طَرَفِ الثُّمامِ نَعَمِ الأحْسَنُ جَعْلُهُ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ وما بَعْدَهُ وجِيءَ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الأفاعِيلِ عَلى ما سَمِعْتُهُ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ. وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ بِمَعْنى انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ وهو كَما تَرى. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ إطْلاقِ الصّانِعِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ وُرُودَ الفِعْلِ كافٍ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى الجَوازِ المَذْكُورِ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ ««إنَّ اللَّهَ صانِعُ كُلَّ صانِعٍ وصَنْعَتَهُ»» وتُعُقِّبَ بِأنَّ الشَّرْطَ أنْ لا يَكُونَ الوارِدُ عَلى جِهَةِ المُقابَلَةِ نَحْوَ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ خِلافًا لِلْحَلِيمِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ يُسْتَحَبُّ لِمَن ألْقى بَذْرًا في أرْضٍ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى الزّارِعَ والمُنْبِتَ والمُبَلِّغَ، وما في هَذا الحَدِيثِ مِن هَذا القَبِيلِ وأيْضًا ما في الخَبَرِ بِالإضافَةِ فَلا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الخالِي عَنْها ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يا صاحِبَ كُلِّ نَجْوى أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ». لَمْ يَأْخُذُوا مِنهُ أنَّ الصّاحِبَ مِن غَيْرِ قَيْدٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَكَذا هو لا يُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ الصّانِعَ مِن غَيْرِ قَيْدٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَتَأمَّلْهُ، ونَحْوَ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ ««لِيَعْزِمْ في الدُّعاءِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى صانِعُ ما شاءَ لا مُكْرَهُ لَهُ»». فَإنَّ ما فِيهِ مِن قَبِيلِ المُضافِ أوِ المُقَيَّدِ والأوْلى الِاسْتِدْلالُ بِما صَحَّ في حَدِيثِ الطَّبَرانِيِّ والحاكِمِ ««اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فاتِحٌ لَكم وصانِعٌ»» ولا فَرْقَ بَيْنَ المُعَرَّفِ والمُنَكَّرِ عِنْدَ الفُقَهاءِ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُنْكَّرِ لا يُغَيِّرُ مَعْناهُ ولِذا يُجَوِّزُونَ في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ: اللَّهُ الأكْبَرُ. واسْتَدَلَّ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عَلى أنَّ قَبائِحَ العَبْدِ لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ سُبْحانَهُ وإلّا وجَبَ وصْفُها بِأنَّها مُتْقَنَةٌ والإجْماعُ مانِعٌ مِنهُ وأُجِيبَ بِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ الأعْراضِ لِأنَّ الإتْقانَ بِمَعْنى الإحْكامِ وهو مِن أوْصافِ المَرْكَباتِ ولَوْ سَلَّمَ فَوَصَفَ كُلَّ الأعْراضِ بِهِ مَمْنُوعٌ فَما مِن عامٍّ إلّا وقَدْ خُصَّ ولَوْ سُلِّمَ فالإجْماعُ المَذْكُورُ مَمْنُوعٌ بَلْ هي مُتْقَنَةٌ أيْضًا بِمَعْنى أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْها ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَعْلِيلًا لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ وما بَعْدَهُ صُنْعًا مُحْكِمًا لَهُ تَعالى بِبَيانِ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِظَواهِرِ أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وبَواطِنَها مِمّا يَسْتَدْعِي إظْهارَها وبَيانَ كَيْفِيّاتِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ والسُّوءِ وتَرْتِيبِ أخْيَرِيَّتِها عَلَيْها بَعْدَ بَعْثِهِمْ وحَشْرِهِمْ وتَسْيِيرِ الجِبالِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ.

النمل 27:89

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ بَيانًا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِأفْعالِهِمْ مِن تَرْتِيبِ أخْيَرِيَّتِها عَلَيْها. وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ قَوْلُهُ تَعالى إنَّ اللَّهَ إلَخْ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِقَوْلِ مَن يَسْألُ فَماذا يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ القَوارِعِ فَقِيلَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِعَمَلِ العامِلِينَ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وفَصَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ مَن جاءَ إلَخْ. والخِطابُ في ﴿تَفْعَلُونَ﴾ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ «يَفْعَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ. والمُرادُ بِالحَسَنَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ صفحة 37 والنَّخْعِيِّ وأبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وقَتادَةَ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَّرَها بِذَلِكَ والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ التَّوْحِيدُ المَقْبُولُ وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ ما يَتَحَقَّقُ بِما ذُكِرَ وغَيْرُهُ مِنَ الحَسَناتِ وهو الظّاهِرُ، نَظَرًا إلى أنَّ اللّامَ حَقِيقَةٌ في الجِنْسِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الظّاهِرُ الأوَّلُ، لِأنَّ الظّاهِرَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى الكامِلِ وأكْمَلُ جِنْسِ الحَسَنَةِ التَّوْحِيدُ ولَوْ أُرِيدَ العُمُومُ لَكانَ الظّاهِرُ الإتْيانَ بِالنَّكِرَةِ، ويَكْفِي في تَرْجِيحِ الأوَّلِ ذَهابُ أكْثَرِ السَّلَفِ إلَيْهِ وإذا صَحَّ الحَدِيثُ فِيهِ لا يَكادُ يُعْدَلُ عَنْهُ. وكانَ النَّخْعِيُّ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ ولا يَسْتَثْنِي، والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا لِلتَّفْضِيلِ وفَضْلُ الجَزاءِ عَلى الحَسَنَةِ كائِنَةً ما كانَتْ. قِيلَ بِاعْتِبارِ الإضْعافِ أوْ بِاعْتِبارِ الدَّوامِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَيْرٌ مِن قَدْرِها وهو كَما تَرى. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ والتَّوْحِيدِ الحاصِلِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ في الآخِرَةِ والنَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ جَلَّ جَلالُهُ وذَلِكَ أشْرَفُ السَّعاداتِ. وقِيلَ: إنَّ خَيْرًا لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ فَلَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ومَنشَؤُهُ مِنها أيْ مِن جِهَةِ الحَسَنَةِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ ﴿وهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ جاؤُوا بِالحَسَنَةِ ﴿مِن فَزَعٍ﴾ أيْ فَزَعٍ عَظِيمٍ هائِلٍ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُونَ﴾ وبِهِ أيْضًا يَتَعَلَّقُ ﴿مِن فَزَعٍ﴾ والأمْنُ يُسْتَعْمَلُ بِالجارِّ وبِدُونِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ)،﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مَنصُوبًا بِفَزَعٍ وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ مِن فَزَعٍ كائِنٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ فَزَعِ يَوْمِئِذَ بِإضافَةِ فَزَعِ إلى يَوْمٍ، وكَسْرِ مِيمِ يَوْمٍ، وقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ المِيمَ فَتْحَ بِناءٍ لِإضافَةِ يَوْمٍ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وتَنْوِينُ إذْ لِلتَّعْوِيضِ عَنْ جُمْلَةٍ، والأوْلى عَلى ما في البَحْرِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ المُعَوِّضُ هو عَنْها ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ أيْ ”يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ“يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ" لا سِيَّما إذا أُرِيدَ بِذَلِكَ النَّفْخِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ، وفَسَّرَ الفَزَعَ بِالفَزَعِ الحاصِلِ مِن مُشاهَدَةِ العَذابِ بَعْدَ تَمامِ المُحاسَبَةِ وظُهُورِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذاكَ حِينَ يُؤْمَرُ بِالعَبْدِ إلى النّارِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ ويُنادى: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. وهو كَذَلِكَ في قِراءَةِ التَّنْوِينِ وقِراءَةِ الإضافَةِ ولا يُرادُ بِهِ في القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَمِيعُ الأفْزاعِ الحاصِلَةِ يَوْمَئِذٍ، ومَدارُ الإضافَةِ كَوْنُ ذَلِكَ أعْظَمَ الأفْزاعِ وأكْبَرَها كَأنَّ ما عَداهُ لَيْسَ بِفَزَعٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وقالَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: إنَّ الفَزَعَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ﴾ إلَخْ لَيْسَ إلّا التَّهَيُّبُ والرُّعْبُ الحاصِلُ في ابْتِداءِ الإحْساسِ بِالشَّيْءِ الهائِلِ ولا يَكادُ يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ وإنْ كانَ آمِنًا مِن لَحاقِ الضَّرَرِ بِهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفَزَعِ في القِراءَتَيْنِ فَزَعٌ واحِدٌ وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَتِمَّةٌ لِلْكَلامِ في الآيَةِ

النمل 27:90

﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ وهو الشِّرْكُ وبِهِ فَسَّرَها مَن فَسَّرَ الحَسَنَةَ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقَدْ عَلِمْتُ مَن هُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الشِّرْكَ وغَيْرَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أيْ كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ مَنكُوسِينَ، فَإسْنادُ الكَبِّ إلى الوُجُوهِ مَجازِيٌّ صفحة 38 لِأنَّهُ يُقالُ كَبَّهُ وأكَبَّهُ إذا نَكَّسَهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ الأنْفَسُ كَما أُرِيدَتْ بِالأيْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ أيْ فَكُبَّتْ أنْفُسُهم في النّارِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَلى الِالتِفاتِ لِلتَّشْدِيدِ أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ مَقُولًا لَهم ذَلِكَ فَلا التِفاتَ فِيهِ لِأنَّهُ في كَلامٍ آخَرَ ومِن شُرُوطِ الِالتِفاتِ اتِّحادُ الكَلامَيْنِ كَما حَقَّقَ في المَعانِي، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُرْجِئَةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُعَذَّبُ يَوْمَ القِيامَةِ وإلّا لَمْ يَكُنْ آمِنًا مِن فَزَعِ مُشاهِدَةِ العَذابِ يَوْمَئِذٍ وهو خِلافُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وأُجِيبَ بِمَنعِ دُخُولِ المُؤْمِنِ العاصِي في عُمُومِ الآيَةِ لِأنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةُ الكامِلَةُ وهو الإيمانُ الَّذِي لَمَّ تُدَنِّسْهُ مَعْصِيَةٌ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيهِ أوْ لِأنَّ المُتَبادِرَ المَجِيءُ بِالحَسَنَةِ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِسَيِّئَةٍ وهو أيْضًا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيهِ ومَن تَحَقَّقَ فِيهِ فَهو آمَنُ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ آمِنًا مِن كُلِّ فَزَعٍ مَن أفَزاعِ يَوْمِ القِيامَةِ وإنْ سُلِّمَ الدُّخُولُ قُلْنا المُرادُ بِالفَزَعِ الآمِنِ مِنهُ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ما يَكُونُ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ ويُنادِي المُنادِي يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ كَما سَمِعْتُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أوْ حِينَ تُطْبِقُ جَهَنَّمُ عَلى أهْلِها فَيَفْزَعُونَ كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ تَكامُلِ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ والعَذابُ الَّذِي يَكُونُ لِبَعْضِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو قَبْلَ ذَلِكَ والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ العاصِي آمِنًا مِن فَزَعِ مُشاهِدَةِ العَذابِ، وإنْ عُذِّبَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَخْلُدُ فَيُعَدُّ عَذابُهُ كالمَشاقِّ الَّتِي يَتَكَلَّفُها المُحِبُّ في طَرِيقِ وِصالِ المَحْبُوبِ وهَذا في غايَةِ السُّقُوطِ كَما لا يَخْفى. واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) إلَخْ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ عَذابِ الكافِرِ وعَذابِ المُؤْمِنِ العاصِي لِأنَّ (مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) يَعُمُّهُما وقَدْ أُثْبِتَ لَهُ الكَبُّ عَلى الوُجُوهِ في النّارِ فَحَيْثُ كانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ العاصِي كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ الإشْراكُ كَما رُوِيَ تَفْسِيرُها بِهِ عَنْ أكْثَرِ سَلَفِ الأُمَّةِ فَلا يَدْخُلُ المُؤْمِنُ العاصِي فِيمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ولَوْ سُلِّمَ دُخُولُهُ بِناءً عَلى القَوْلِ بِعُمُومِ السَّيِّئَةِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى خُلُودِهِ في النّارِ وكَوْنُ الكَبِّ في النّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ فَكَثِيرًا ما يُحْكَمُ عَلى جَماعَةٍ بِأمْرٍ كُلِّيٍّ ويَكُونُ الثّابِتُ لِبَعْضِهِمْ نَوْعًا ولِلْبَعْضِ الآخَرِ نَوْعًا آخَرَ مِنهُ وهَذا مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ مِن بابِ الوَعِيدِ فَيُجْرى فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ المُؤْمِنِ العاصِي في عُمُومٍ مِن ما قالَهُ الأشاعِرَةُ في آياتِ الوَعِيدِ فافْهَمْ وتَأمَّلْ.

النمل 27:91

﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ قُلْ قَبْلَهُ وهو أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم أحْوالَ المَبْدَأِ والمَعادِ وشَرَحَ أحْوالَ القِيامَةِ إثارَةً لِهِمَمِهِمْ بِألْطَفِ وجْهٍ إلى أنْ يَشْتَغِلُوا بِتَدارُكِ أحْوالِهِمْ وتَحْصِيلِ ما يَنْفَعُهم والتَّوَجُّهِ نَحْوَ التَّدَبُّرِ فِيما قَرَعَ أسْماعَهم مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الكافِيَةِ في إرْشادِهِمْ والشّافِيَةِ لِعِلَلِهِمْ. والبَلْدَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما هي مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ، وفي تارِيخِ مَكَّةَ أنَّها مِنى قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ خَلّادِ بْنِ يَحْيى عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: البَلْدَةُ مِنى والعَرَبُ تُسَمِّيها بَلْدَةَ إلى الآنِ. وأخْرُجُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ أيْضًا، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى صفحة 39 الأوَّلِ وتَخْصِيصُها بِالإضافَةِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وإجْلالِ مَكانِها والتَّعَرُّضُ لِتَحْرِيمِهِ تَعالى إيّاها تَشْرِيفٌ لَها بَعْدَ تَشْرِيفٍ وتَعْظِيمٌ إثْرَ تَعْظِيمٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ ومُوجَبِ الِامْتِثالِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ ومِنَ الرَّمْزِ إلى غايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا فِيها ألا تَرى أنَّهم مَعَ كَوْنِها مُحَرَّمَةً مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُها بِاخْتِلاءِ خَلاها وعَضُدِ شَجَرِها وتَنْفِيرِ صَيْدِها وإرادَةِ الإلْحادِ فِيها قَدِ اسْتَمَرُّوا فِيها عَلى تَعاطِي أفْظَعِ أفْرادِ الفُجُورِ وأشْنَعِ آحادِ الإلْحادِ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ رَبِّها ونَصَبُوا فِيها الأوْثانَ وعَكَفُوا عَلى عِبادَتِها قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ ما في الآيَةِ مِن نِسْبَةِ تَحْرِيمِها إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَّمَ مَكَّةَ وأنا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»» مِن نِسْبَةِ تَحْرِيمِها إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ما هُنا بِاعْتِبارِ أنَّهُ هو المُحَرِّمُ في الحَقِيقَةِ وما في الحَدِيثِ بِاعْتِبارِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُظْهِرٌ لِحُكْمِهِ عَزَّ شَأْنُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ (الَّتِي) صِفَةً لِلْبَلْدَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ إجْراءَ الوَصْفِ عَلى الرَّبِّ تَعالى شَأْنُهُ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الوَصْفِ ولِشَأْنِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الوَصْفُ وزِيادَةُ اخْتِصاصٍ لَهُ بِمَن أُجْرِيَ عَلَيْهِ الوَصْفُ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ وجَعْلُ ذَلِكَ كالمُسَلَّمِ المُبَرْهَنِ ولا كَذَلِكَ لَوْ وُصِفَتِ البَلْدَةُ بِوَصْفٍ تَخْصِيصًا أوْ مَدْحًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أيْ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا، مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إفْرادَ مَكَّةَ بِالإضافَةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّشْرِيفِ مَعَ عُمُومِ الرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النّاسِ لِجَوازِ ما يَقُولُهُ جَهَلَةُ المُتَصَوِّفَةِ شَيْءٌ لِلَّهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى ”كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ“، نَحْوَ ”تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ“، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِهِ لِإرادَةِ ذَلِكَ بَلْ يَقُولُونَ: شَيْءٌ لِلَّهِ يا فُلانُ لِبَعْضِ الأكابِرِ مِن أهْلِ القُبُورِ، إمّا عَلى مَعْنى أعْطِنِي شَيْئًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى يا فُلانُ، أوْ أنْتَ شَيْءٌ عَظِيمٌ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ وجَّهَهُ بِذَلِكَ مَن لَمْ يُكَفِّرْهم بِهِ وهو الحَقُّ وإنْ كانَ في ظاهِرِهِ عَلى أوَّلِ التَّوْجِيهَيْنِ طَلَبُ شَيْءٍ مِمَّنْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ نَعَمِ الأوْلى صِيانَةُ اللِّسانِ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ. ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ أثْبُتُ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِي مِن جُمْلَةِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ أوِ الَّذِينَ أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ تَعالى خالِصَةً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾

النمل 27:92

﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ أُواظِبُ عَلى قِراءَتِهِ عَلى النّاسِ بِطَرِيقِ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ وتَثْنِيَتُهُ الإرْشادَ لِكِفايَتِهِ في الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ الرَّشادِ، وقِيلَ أيْ أُواظِبُ عَلى قِراءَتِهِ لِيَنْكَشِفَ لِي حَقائِقُهُ الرّائِقَةُ المَخْزُونَةُ في تَضاعِيفِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإنَّ المُواظَبَةَ عَلى قِراءَتِهِ مِن أسْبابِ فَتْحِ بابِ الفَيُوضاتِ الإلَهِيَّةِ والأسْرارِ القُدْسِيَّةِ، وقَدْ حُكِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ لَيْلَةً يُصَلِّي فَقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ فَما زالَ يُكَرِّرُها ويَظْهَرُ لَهُ مِن أسْرارِها ما يَظْهَرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرَ». وقِيلَ: أتْلُو مَن تَلاهُ إذا تَبِعَهُ، أيْ وأنْ أتْبَعَ القُرْآنَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِنَ المَعْنى ما في حَرْفِ أُبَيٍّ كَما أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ هارُونَ واتْلُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وحَكى عَنْهُ في البَحْرِ أنَّهُ قَرَأ واتْلُ هَذا القُرْآنَ، ولا تَأْيِيدَ فِيهِ لِما ذَكَرْنا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأنِ اتْلُ بِغَيْرِ واوٍ أمْرًا مِن تَلا فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِّلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ أُمِرْتُ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ والعَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقِيلَ: أيْ بِالِاتِّباعِ فِيما صفحة 40 ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والإسْلامِ، وتِلاوَةِ القُرْآنِ أوِ اتِّباعِهِ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَإنَّما مَنافِعُ اهْتِدائِهِ تَعُودُ إلَيْهِ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ بِالكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، وقِيلَ بِالمُخالَفَةِ فِيما ذَكَرَ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ لَهُ. ﴿إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ وقَدْ خَرَجَتْ عَنْ عُهْدَةِ الإنْذارِ فَلَيْسَ عَلَيَّ مِن وبالِ ضَلالِكَ شَيْءٌ وإنَّما هو عَلَيْكَ فَقَطْ ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ جُمْلَةُ القَوْلِ وما في حَيِّزِهِ والرّابِطُ المُشْتَرِطُ في مِثْلِهِ مَحْذُوفٌ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم بَعْدَ المُنْذِرِينَ أيْ مِنَ المُنْذِرِينَ إيّاهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجَوابِ مَحْذُوفًا أيْ مَن ضَلَّ فَوَبالُ ضَلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ وحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الجُمْلَةِ بَعْدُ هي الجَوابَ ولِكَوْنِها كِنايَةً تَعْرِيضِيَّةً عَمّا قَدَّرَهُ أبُو حَيّانَ لَمْ تَحْتَجْ إلى رابِطٍ ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ التَّصْرِيحِ بِقُلْ هُنا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فَمَنِ اهْتَدى إلَخْ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَقَّبَ بِهِ أمْرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما قَبْلَهُ، ولا بُعْدَ في كَوْنِهِ مِن مَقُولِ القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾ كَما

النمل 27:93

﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ عَلى ما أفاضَ عَلَيَّ مِن نَعْمائِهِ الَّتِي مِن أجَلِّها نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ المُسْتَتْبَعَةُ لِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ووَفَّقَنِي لِتَحَمُّلِ أعْبائِها وتَبْلِيغِ أحْكامِها بِالآياتِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ النَّيِّرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ قُلْ سَيُرِيكم آياتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ أيْ فَتَعْرِفُونَ أنَّها آياتُ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ لا تَنْفَعُكُمُ المَعْرِفَةُ، وقِيلَ: أيْ سَيُرِيكم في الدُّنْيا والمُرادُ بِالآياتِ الدُّخانُ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَّ مِنها قَتْلَ يَوْمِ بَدْرٍ واعْتِرافِ المَقْتُولِينَ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ واعْتِرافِ غَيْرِهِمْ بِالقُوَّةِ، وقِيلَ: هي خُرُوجُ الدّابَّةِ وسائِرُ أشْراطِ السّاعَةِ والخِطابُ لِجِنْسِ النّاسِ لا لِمَن في عَهْدِ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ الأنْفُسِيَّةُ والآفاقِيَّةُ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِها مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِأنَّها فِعْلُهُ عَزَّ وجَلَّ أظْهَرَها عَلى يَدِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّصْدِيقِ، والمُرادُ بِالمَعْرِفَةِ ما يُجامِعُ الجُحُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصُ الخِطابِ أوَّلًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْمِيمُهُ ثانِيًا لِلْكَفَرَةِ تَغْلِيبًا أيْ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُ أنْتَ مِنَ الحَسَناتِ وما تَعْمَلُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ مِنَ السَّيِّئاتِ فَيُجازِي كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ لا مَحالَةَ، وقَرَأ الأكْثَرُ يَعْمَلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو وعِيدٌ مَحْضٌ والمَعْنى وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَنْ أعْمالِهِمْ فَسَيُعَذِّبُهُمُ البَتَّةَ فَلا يَحْسَبُوا أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لِغَفْلَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لَهُ ومَن تَأمَّلَ في الآياتِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ مِمّا تُدْهِشُ العُقُولَ وتُحَيِّرُ الأفْهامَ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ وماذا عَسى يُقالُ في كَلامِ المَلِكِ العَلّامِ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ما قِيلَ وأُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ أيْ سَماءِ القَلْبِ ماءٌ هو ماءُ نَظَرِ الرَّحْمَةِ فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ مِنَ العُلُومِ والمَعانِي والأسْرارِ والحِكَمِ البالِغَةِ، ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أيْ أُصُولَها لِما أنَّ العُلُومَ الإلَهِيَّةَ غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ بَلْ كُلُّ عِلْمٍ لَيْسَ بِاخْتِيارِيٍّ في نَفْسِهِ وإلّا لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ نَعَمْ هو اخْتِيارِيٌّ بِاعْتِبارِ الأسْبابِ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ﴾ أيْ أرْضَ النَّفَسِ قَرارًا في الجَسَدِ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ مِن صفحة 41 دَواعِي البَشَرِيَّةِ ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ مِن قُوى البَشَرِيَّةِ والحَواسِّ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ﴾ بَحْرِ الرُّوحِ وبَحْرِ النَّفْسِ ﴿حاجِزًا﴾ وهو القَلْبُ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ﴾ وهو المُسْتَعِدُّ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إذا دَعاهُ﴾ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وطَلَبٍ مِنهُ تَعالى ما اسْتَعَدَّ لَهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُضْطَرُّ المُسْتَغْرِقُ في بِحارِ شَوْقِهِ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً﴾ وهي النَّفْسُ النّاطِقَةُ والرُّوحُ الإنْسانِيُّ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ البَشَرِيَّةِ وعَلى هَذا النَّمَطِ تَكَلَّمُوا في سائِرِ الآياتِ وساقَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ دَلِيلًا عَلى ما يَدَّعِيهِ مِن تَجَدُّدِ الجَواهِرِ كالأعْراضِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وعَدَمِ بَقائِها زَمانَيْنِ، ومَبْنى ذَلِكَ عِنْدَهُ القَوْلُ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، والكَلامُ في صِحَّةِ هَذا المَبْنى واسْتِلْزامِهِ لِلْمُدَّعى لا يَخْفى عَلى العارِفِ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِهَذا المَطْلَبِ فَمِن أُمَّهاتِ العَجائِبِ وأغْرَبِ الغَرائِبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القصص 28:1

سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وعِكْرِمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا واقِعَةَ أُحُدٍ. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ في خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْهِجْرَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ، وقالَ المَدائِنِيُّ في كِتابِ (العَدَدُ): حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ثَنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى عَنْ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ هاجَرَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُحْفَةِ وهو مُتَوَجِّهٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَقالَ: أتَشْتاقُ يا مُحَمَّدُ إلى بَلَدِكَ الَّتِي وُلِدْتَ فِيها؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ الآيَةَ». وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ بَعْضِ ما أجْمَلَ فِيهِ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الجَلالَ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَما حَكى في الشُّعَراءِ قَوْلَ فِرْعَوْنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ في طس قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأهْلِهِ ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ إلى آخِرِهِ الَّذِي هو في الوُقُوعِ بَعْدَ الفِرارِ وكانَ الأمْرانِ عَلى سَبِيلِ الإشارَةِ والإجْمالِ فَبَسَطَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْجَزَهُ سُبْحانَهُ في السُّورَتَيْنِ وفَصَّلَ تَعالى شَأْنُهُ ما أجْمَلَهُ فِيهِما عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِما فَبَدَأ عَزَّ وجَلَّ بِشَرْحِ تَرْبِيَةِ فِرْعَوْنَ لَهُ مُصَدِّرًا بِسَبَبِ ذَلِكَ مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وذَبْحِ أبْناءِ بَنِي إسْرائِيلَ المُوجِبِ لِإلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ وِلادَتِهِ في اليَمِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ وبَسَطَ القِصَّةَ في تَرْبِيَتِهِ وما وقَعَ فِيها إلى كِبَرِهِ إلى السَّبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ قَتَلَ القِبْطِيَّ إلى قَتْلِ القِبْطِيِّ وهي الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَ إلى النَّمِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ المُوجِبِ لِفِرارِهِ إلى مَدْيَنَ إلى ما وقَعَ لَهُ مَعَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَزَوُّجِهِ بِابْنَتِهِ إلى أنْ سارَ بِأهْلِهِ وآنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسَتْ نارًا إلى ما وقَعَ لَهُ فِيها مِنَ المُناجاتِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ وبَعْثِهِ تَعالى إيّاهُ رَسُولًا وما اسْتَتْبَعَ صفحة 42 ذَلِكَ إلى آخِرِ القِصَّةِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شارِحَةً لِما أُجْمِلَ في السُّورَتَيْنِ مَعًا عَلى التَّرْتِيبِ، وبِذَلِكَ عُرِفُ وجْهُ الحِكْمَةِ مِن تَقْدِيمِ طس عَلى هَذِهِ وتَأْخِيرِها عَنِ الشُّعَراءِ في الذِّكْرِ في المُصْحَفِ وكَذا في النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ الشُّعَراءَ نَزَلَتْ، ثُمَّ طَسَّ، ثُمَّ القَصَصَ، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ مِن تَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِالسُّؤالِ يَوْمَ القِيامَةِ ما ذُكِرَ، وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما هو أبْسَطُ وأكْثَرُ مِمّا تَقَدَّمَ، وأيْضًا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هُنا فَوْقَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ هُناكَ، وقَدْ يُقالُ في وجْهِ المُناسِبَةِ أيْضًا: إنَّهُ تَعالى فَصَّلَ في تِلْكَ السُّورَةِ أحْوالَ بَعْضِ المُهْلَكِينَ مِن قَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وأجْمَلَ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ الآياتِ، وأيْضًا بَسَطَ في الجُمْلَةِ هُناكَ حالَ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ وحالَ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وأوْجَزَ سُبْحانَهُ هُنا حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ مِن حالِ الأوَّلِينَ أمْنَهم مِنَ الفَزَعِ ومِن حالِ الآخَرِينَ كَبَّ وُجُوهِهِمْ في النّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. ﷽ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ في أشْباهِهِ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ أيْ نَقْرَأُ بِواسِطَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ والتِّلاوَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ تَخْتَصُّ بِاتِّباعِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ تارَةً بِالقِراءَةِ وتارَةً بِالِارْتِسامِ لِما فِيهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ أوْ ما يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ وهو أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ التَّنْزِيلِ بِعَلاقَةِ أنَّ التَّنْزِيلَ لازِمٌ لَها أوْ سَبَبُها في الجُمْلَةِ وأنْ تَكُونَ اسْتِعارَةً لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما طَرِيقٌ لِلتَّبْلِيغِ فالمَعْنى نُنَزِّلُ عَلَيْكَ ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ مِن خَبَرِهِما العَجِيبِ الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِ نَتْلُو المَحْذُوفِ أيْ نَتْلُو شَيْئًا كائِنًا مِن نَبَئِهِما. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها بَيانِيَّةً وكَوْنَها صِلَةً عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ فَنَبَأٌ مَجْرُورٌ، لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا مَفْعُولُ نَتْلُو ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ (مِن) هو المَفْعُولُ كَأنَّهُ قِيلَ: ”نَتْلُو بَعْضَ نَبَأِ“ وفِيهِ بَحْثٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَجُوزُ في كَوْنِ النَّبَأِ مَتْلُوًّا لِما أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو مُلْتَبِسِينَ (بِالحَقِّ) أوْ مَفْعُولَهُ أيْ نَتْلُو شَيْئًا مِن نَبَئِهِما مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أوْ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَتْلُو واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ والبَيانِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شُمُولِ (يُؤْمِنُونَ) لِلْمُؤْمِنِينَ حالًا واسْتِقْبالًا في السُّورَةِ السّابِقَةِ،

القصص 28:2

سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وعِكْرِمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا واقِعَةَ أُحُدٍ. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ في خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْهِجْرَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ، وقالَ المَدائِنِيُّ في كِتابِ (العَدَدُ): حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ثَنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى عَنْ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ هاجَرَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُحْفَةِ وهو مُتَوَجِّهٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَقالَ: أتَشْتاقُ يا مُحَمَّدُ إلى بَلَدِكَ الَّتِي وُلِدْتَ فِيها؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ الآيَةَ». وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ بَعْضِ ما أجْمَلَ فِيهِ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الجَلالَ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَما حَكى في الشُّعَراءِ قَوْلَ فِرْعَوْنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ في طس قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأهْلِهِ ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ إلى آخِرِهِ الَّذِي هو في الوُقُوعِ بَعْدَ الفِرارِ وكانَ الأمْرانِ عَلى سَبِيلِ الإشارَةِ والإجْمالِ فَبَسَطَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْجَزَهُ سُبْحانَهُ في السُّورَتَيْنِ وفَصَّلَ تَعالى شَأْنُهُ ما أجْمَلَهُ فِيهِما عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِما فَبَدَأ عَزَّ وجَلَّ بِشَرْحِ تَرْبِيَةِ فِرْعَوْنَ لَهُ مُصَدِّرًا بِسَبَبِ ذَلِكَ مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وذَبْحِ أبْناءِ بَنِي إسْرائِيلَ المُوجِبِ لِإلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ وِلادَتِهِ في اليَمِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ وبَسَطَ القِصَّةَ في تَرْبِيَتِهِ وما وقَعَ فِيها إلى كِبَرِهِ إلى السَّبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ قَتَلَ القِبْطِيَّ إلى قَتْلِ القِبْطِيِّ وهي الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَ إلى النَّمِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ المُوجِبِ لِفِرارِهِ إلى مَدْيَنَ إلى ما وقَعَ لَهُ مَعَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَزَوُّجِهِ بِابْنَتِهِ إلى أنْ سارَ بِأهْلِهِ وآنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسَتْ نارًا إلى ما وقَعَ لَهُ فِيها مِنَ المُناجاتِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ وبَعْثِهِ تَعالى إيّاهُ رَسُولًا وما اسْتَتْبَعَ صفحة 42 ذَلِكَ إلى آخِرِ القِصَّةِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شارِحَةً لِما أُجْمِلَ في السُّورَتَيْنِ مَعًا عَلى التَّرْتِيبِ، وبِذَلِكَ عُرِفُ وجْهُ الحِكْمَةِ مِن تَقْدِيمِ طس عَلى هَذِهِ وتَأْخِيرِها عَنِ الشُّعَراءِ في الذِّكْرِ في المُصْحَفِ وكَذا في النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ الشُّعَراءَ نَزَلَتْ، ثُمَّ طَسَّ، ثُمَّ القَصَصَ، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ مِن تَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِالسُّؤالِ يَوْمَ القِيامَةِ ما ذُكِرَ، وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما هو أبْسَطُ وأكْثَرُ مِمّا تَقَدَّمَ، وأيْضًا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هُنا فَوْقَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ هُناكَ، وقَدْ يُقالُ في وجْهِ المُناسِبَةِ أيْضًا: إنَّهُ تَعالى فَصَّلَ في تِلْكَ السُّورَةِ أحْوالَ بَعْضِ المُهْلَكِينَ مِن قَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وأجْمَلَ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ الآياتِ، وأيْضًا بَسَطَ في الجُمْلَةِ هُناكَ حالَ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ وحالَ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وأوْجَزَ سُبْحانَهُ هُنا حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ مِن حالِ الأوَّلِينَ أمْنَهم مِنَ الفَزَعِ ومِن حالِ الآخَرِينَ كَبَّ وُجُوهِهِمْ في النّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. ﷽ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ في أشْباهِهِ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ أيْ نَقْرَأُ بِواسِطَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ والتِّلاوَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ تَخْتَصُّ بِاتِّباعِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ تارَةً بِالقِراءَةِ وتارَةً بِالِارْتِسامِ لِما فِيهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ أوْ ما يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ وهو أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ التَّنْزِيلِ بِعَلاقَةِ أنَّ التَّنْزِيلَ لازِمٌ لَها أوْ سَبَبُها في الجُمْلَةِ وأنْ تَكُونَ اسْتِعارَةً لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما طَرِيقٌ لِلتَّبْلِيغِ فالمَعْنى نُنَزِّلُ عَلَيْكَ ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ مِن خَبَرِهِما العَجِيبِ الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِ نَتْلُو المَحْذُوفِ أيْ نَتْلُو شَيْئًا كائِنًا مِن نَبَئِهِما. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها بَيانِيَّةً وكَوْنَها صِلَةً عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ فَنَبَأٌ مَجْرُورٌ، لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا مَفْعُولُ نَتْلُو ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ (مِن) هو المَفْعُولُ كَأنَّهُ قِيلَ: ”نَتْلُو بَعْضَ نَبَأِ“ وفِيهِ بَحْثٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَجُوزُ في كَوْنِ النَّبَأِ مَتْلُوًّا لِما أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو مُلْتَبِسِينَ (بِالحَقِّ) أوْ مَفْعُولَهُ أيْ نَتْلُو شَيْئًا مِن نَبَئِهِما مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أوْ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَتْلُو واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ والبَيانِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شُمُولِ (يُؤْمِنُونَ) لِلْمُؤْمِنِينَ حالًا واسْتِقْبالًا في السُّورَةِ السّابِقَةِ،

القصص 28:3

سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وعِكْرِمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا واقِعَةَ أُحُدٍ. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ في خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْهِجْرَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ، وقالَ المَدائِنِيُّ في كِتابِ (العَدَدُ): حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ثَنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى عَنْ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ هاجَرَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُحْفَةِ وهو مُتَوَجِّهٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَقالَ: أتَشْتاقُ يا مُحَمَّدُ إلى بَلَدِكَ الَّتِي وُلِدْتَ فِيها؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ الآيَةَ». وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ بَعْضِ ما أجْمَلَ فِيهِ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الجَلالَ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَما حَكى في الشُّعَراءِ قَوْلَ فِرْعَوْنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ في طس قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأهْلِهِ ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ إلى آخِرِهِ الَّذِي هو في الوُقُوعِ بَعْدَ الفِرارِ وكانَ الأمْرانِ عَلى سَبِيلِ الإشارَةِ والإجْمالِ فَبَسَطَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْجَزَهُ سُبْحانَهُ في السُّورَتَيْنِ وفَصَّلَ تَعالى شَأْنُهُ ما أجْمَلَهُ فِيهِما عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِما فَبَدَأ عَزَّ وجَلَّ بِشَرْحِ تَرْبِيَةِ فِرْعَوْنَ لَهُ مُصَدِّرًا بِسَبَبِ ذَلِكَ مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وذَبْحِ أبْناءِ بَنِي إسْرائِيلَ المُوجِبِ لِإلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ وِلادَتِهِ في اليَمِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ وبَسَطَ القِصَّةَ في تَرْبِيَتِهِ وما وقَعَ فِيها إلى كِبَرِهِ إلى السَّبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ قَتَلَ القِبْطِيَّ إلى قَتْلِ القِبْطِيِّ وهي الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَ إلى النَّمِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ المُوجِبِ لِفِرارِهِ إلى مَدْيَنَ إلى ما وقَعَ لَهُ مَعَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَزَوُّجِهِ بِابْنَتِهِ إلى أنْ سارَ بِأهْلِهِ وآنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسَتْ نارًا إلى ما وقَعَ لَهُ فِيها مِنَ المُناجاتِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ وبَعْثِهِ تَعالى إيّاهُ رَسُولًا وما اسْتَتْبَعَ صفحة 42 ذَلِكَ إلى آخِرِ القِصَّةِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شارِحَةً لِما أُجْمِلَ في السُّورَتَيْنِ مَعًا عَلى التَّرْتِيبِ، وبِذَلِكَ عُرِفُ وجْهُ الحِكْمَةِ مِن تَقْدِيمِ طس عَلى هَذِهِ وتَأْخِيرِها عَنِ الشُّعَراءِ في الذِّكْرِ في المُصْحَفِ وكَذا في النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ الشُّعَراءَ نَزَلَتْ، ثُمَّ طَسَّ، ثُمَّ القَصَصَ، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ مِن تَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِالسُّؤالِ يَوْمَ القِيامَةِ ما ذُكِرَ، وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما هو أبْسَطُ وأكْثَرُ مِمّا تَقَدَّمَ، وأيْضًا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هُنا فَوْقَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ هُناكَ، وقَدْ يُقالُ في وجْهِ المُناسِبَةِ أيْضًا: إنَّهُ تَعالى فَصَّلَ في تِلْكَ السُّورَةِ أحْوالَ بَعْضِ المُهْلَكِينَ مِن قَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وأجْمَلَ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ الآياتِ، وأيْضًا بَسَطَ في الجُمْلَةِ هُناكَ حالَ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ وحالَ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وأوْجَزَ سُبْحانَهُ هُنا حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ مِن حالِ الأوَّلِينَ أمْنَهم مِنَ الفَزَعِ ومِن حالِ الآخَرِينَ كَبَّ وُجُوهِهِمْ في النّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. ﷽ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ في أشْباهِهِ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ أيْ نَقْرَأُ بِواسِطَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ والتِّلاوَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ تَخْتَصُّ بِاتِّباعِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ تارَةً بِالقِراءَةِ وتارَةً بِالِارْتِسامِ لِما فِيهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ أوْ ما يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ وهو أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ التَّنْزِيلِ بِعَلاقَةِ أنَّ التَّنْزِيلَ لازِمٌ لَها أوْ سَبَبُها في الجُمْلَةِ وأنْ تَكُونَ اسْتِعارَةً لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما طَرِيقٌ لِلتَّبْلِيغِ فالمَعْنى نُنَزِّلُ عَلَيْكَ ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ مِن خَبَرِهِما العَجِيبِ الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِ نَتْلُو المَحْذُوفِ أيْ نَتْلُو شَيْئًا كائِنًا مِن نَبَئِهِما. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها بَيانِيَّةً وكَوْنَها صِلَةً عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ فَنَبَأٌ مَجْرُورٌ، لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا مَفْعُولُ نَتْلُو ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ (مِن) هو المَفْعُولُ كَأنَّهُ قِيلَ: ”نَتْلُو بَعْضَ نَبَأِ“ وفِيهِ بَحْثٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَجُوزُ في كَوْنِ النَّبَأِ مَتْلُوًّا لِما أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو مُلْتَبِسِينَ (بِالحَقِّ) أوْ مَفْعُولَهُ أيْ نَتْلُو شَيْئًا مِن نَبَئِهِما مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أوْ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَتْلُو واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ والبَيانِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شُمُولِ (يُؤْمِنُونَ) لِلْمُؤْمِنِينَ حالًا واسْتِقْبالًا في السُّورَةِ السّابِقَةِ،

القصص 28:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ ما بَعْدَهُ أيْ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ تَجَبَّرَ وطَغى في أرْضِ مِصْرَ وجاوَزَ الحُدُودَ المَعْهُودَةَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ أيْ فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ في كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ يُسْتَعْمَلُ صفحة 43 كُلُّ صِنْفٍ في عَمَلٍ مِن بِناءٍ وحَرْثٍ وحَفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ ومَن لَمْ يَعْمَلْ ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ فَيَخْدِمُهُ بِأدائِها أوْ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً قَدْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ لِئَلّا تَتَّفِقَ كَلِمَتُهم ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ أيْ يَجْعَلُهم ضُعَفاءَ مَقْهُورِينَ والمُرادُ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ بَنُو إسْرائِيلَ وعَدَّهم مِن أهْلِها لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّهم كانُوا فِيها زَمانًا طَوِيلًا، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ في جَوابِ ماذا صَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ وإمّا حالٌ مِن فاعِلِ جَعَلَ أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِشِيَعًا والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ قَبْلَها بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ تَفْسِيرٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ يَسْتَضْعِفُ أوْ صِفَةٌ لِطائِفَةٍ أوْ حالٌ مِنها لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ وكانَ ذَلِكَ مِنهُ لِما أنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ: يُولَدُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّ نارًا أقْبَلَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى اشْتَمَلَتْ عَلى بُيُوتِ مِصْرَ فَأحْرَقَتِ القِبْطَ وتَرَكَتْ بَنِي إسْرائِيلَ فَسَألَ عُلَماءَ قَوْمِهِ فَقالُوا: يَخْرُجُ مِن هَذا البَلَدِ رَجُلٌ يَكُونُ هَلاكُ مِصْرَ عَلى يَدِهِ فَأخَذَ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الحُمْقِ بِمَكانٍ إذْ لَوْ صَدَقَ الكاهِنُ أوِ الرُّؤْيا فَما فائِدَةُ القَتْلِ وإلّا فَما وجْهُهُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَتْلَ الأوْلادِ لِحِفْظِ المُلْكِ شَرِيعَةٌ فِرْعَوْنِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «يَذْبَحُ» بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإفْسادِ ولِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى مِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ مِن قَتْلِ مَن لا جُنْحَةَ لَهُ مِن ذَرارِيِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَخَيُّلٍ فاسِدٍ

القصص 28:5

﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ نَتَفَضَّلُ ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ بِإنْجائِهِمْ مِن بَأْسِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في نُرِيدُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ وأمّا نَمُنُّ فَمُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإرادَةِ فَلا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا﴾ إلَخْ لِتَناسُبِهِما في الوُقُوعِ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لِلنَّبَإ وهَذا هو الظّاهِرُ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن مَفْعُولِ يَسْتَضْعِفُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ يَسْتَضْعِفُهم فِرْعَوْنُ ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَيْهِمْ وقُدِّرَ المُبْتَدَأُ لِيَجُوزَ التَّصْدِيرُ بِالواوِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ أيْضًا، وخُلُوُّها عَنِ العائِدِ عَلَيْهِ وما يَقُومُ مَقامَهُ لا يَضُرُّ لِأنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً يَكْفِي في رَبْطِها الواوُ وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في اسْتِهْجانِ ذَلِكَ مَعَ حَذْفِ المُبْتَدَأِ، وتُعُقِّبَ القَوْلُ بِصِحَّةِ الحالِيَّةِ مُطْلَقًا بِأنَّ الأصْلَ في الحالِ المُقارَنَةُ والمَنُّ بَعْدَ الِاسْتِضْعافِ بِكَثِيرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ الحالَ لَيْسَ المَنُّ بَلْ إرادَتُهُ وهو مُقارَنَةٌ وتَعَلُّقُها إنَّما هو بِوُقُوعِ المَنِّ في الِاسْتِقْبالِ فَلا يَلْزَمُ مِن مُقارَنَتِها مُقارَنَتُهُ عَلى أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ لِما كانَ في شَرَفِ الوُقُوعِ جازَ إجْراؤُهُ مَجْرى الواقِعِ المُقارَنِ لِلِاسْتِضْعافِ وإذا جُعِلَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً يَرْتَفِعُ القِيلُ والقالُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم عَطْفَ ذَلِكَ عَلى نَتْلُو ونَسْتَضْعِفُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو غَيْرُ سَدِيدٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ أمّا الأوَّلُ فَلِما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنِ المُنَبَّأِ بِهِ وهو أعْظَمُهُ وأهَمُّهُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ إمّا حالٌ عَنْ ضَمِيرِ جَعَلَ أوْ عَنْ مَفْعُولِهِ أوْ صِفَةٌ لِشِيَعًا أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ وعَلى الأوَّلَيْنِ ظاهِرُ الِامْتِناعِ وعَلى الثّالِثِ أظْهَرُ إذْ لا مَدْخَلَ لِذَلِكَ في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الَّذِي يُعْطِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: (جَعَلَ أهْلَها شِيَعًا) والعَطْفُ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ لَكِنْ لِلْعَطْفِ عَلى يَسْتَضْعِفُ مُساغٌ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِ والمَعْنى جَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَيْهِمْ مِنهم أيْ عَلى الطّائِفَةِ مِنَ الشِّيَعِ فَأُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى الطّائِفَةِ وحُذِفَ الرّاجِعُ إلى الشِّيَعِ لِلْعِلْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَضْعِفُهم صفحة 44 ونُرِيدُ أنْ نُقَوِّيَهم كَما زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الوَجْهِ الَّذِي جَعَلَهُ حالًا عَنْ مَفْعُولٍ يَسْتَضْعِفُ والحاصِلُ شِيَعًا مَوْصُوفِينَ بِاسْتِضْعافِ طائِفَةٍ وإرادَةُ المَنِّ عَلى تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنهم بِدَفْعِ الضَّعْفِ. ”فَإنْ قُلْتَ“ يَدْفَعُهُ أنَّ العِلْمَ بِالصِّفَةِ الثّانِيَةِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا بِخِلافِ الأُولى قُلْنا: كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا بِاسْتِضْعافِ مُقَيَّدٍ بِحالِ الإرادَةِ والحَقُّ أنَّ الوَجْهَيْنِ يَضْعُفانِ لِذَلِكَ وإنَّما أوْرَدْناهُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لِتَجْوِيزِهِ الحالَ انْتَهى. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حالًا مُساغًا أيْضًا بِعَيْنِ ما ذَكَرَهُ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِالوَصْفِيَّةِ وأنَّ عَدَمَ حُصُولِ العِلْمِ بِالصِّفَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِ اشْتِراطِ العِلْمِ بِالصِّفَةِ مُطْلَقًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإنَّ سَبَبَ العِلْمِ بِالأُولى وهو الوَحْيُ أوْ خَبَرُ أهْلِ الكِتابِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِالثّانِيَةِ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يُخَصَّصَ جَوازُ حالِيَّةٍ ونُرِيدُ إلَخْ بِاحْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ والحالِيَّةُ في يَسْتَضْعِفُ دُونَ الوَصْفِ فَلا يَكُونُ مُشْتَرَكَ الإلْزامِ، وفِيهِ أنَّ احْتِمالَ الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ لَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَلِذا لَمْ يَلْتَفِتْ صاحِبُ الكَشْفِ إلى أنَّ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ مُساغًا وأنَّ اشْتِراطَ العِلْمِ بِالصِّفَةِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ مِنَ الكَشّافِ والكَلامُ مَعَهُ وأنَّ العِلْمَ بِصِفَةِ الِاسْتِضْعافِ لِكَوْنِهِ مُفَسَّرًا بِالذَّبْحِ والِاسْتِحْياءِ وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ ولَيْسَ سَبَبُ العِلْمِ ما ذَكَرَ مِنَ الوَحْيِ أوْ خَبَرِ أهْلِ الكِتابِ وفي هَذا نَظَرٌ، والإنْصافُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ بَيانًا لِنَبَأِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ مَعًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الِاحْتِمالاتِ ظُهُورُهُ عَلى احْتِمالِ العَطْفِ عَلى إنَّ فِرْعَوْنَ وإدْخالُهُ في حَيِّزِ البَيانِ وإلّا فالظّاهِرُ مِن إنَّ فِرْعَوْنَ إلَخْ بِدُونِ هَذا المَعْطُوفِ أنَّهُ بَيانٌ لِنَبَإ فِرْعَوْنَ فَقَطْ فَتَأمَّلْ ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا عَلى ما في البَحْرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ نِسْبَةٌ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ لِجَمِيعِ ما كانَ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ كَما يُومِئُ إلَيْهِ التَّعْرِيفُ وذَلِكَ بِأنْ لا يُنازِعَهم أحَدٌ فِيهِ

القصص 28:6

﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِ مِصْرَ، وأصْلُ التَّمْكِينِ أنْ يَجْعَلَ الشَّيْءَ مَكانًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْلِيطِ وإطْلاقِ الأمْرِ وشاعَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فالمَعْنى نُسَلِّطُهم عَلى أرْضِ مِصْرَ يَتَصَرَّفُونَ ويَنْفُذُ أمْرُهم فِيها كَيْفَما يَشاؤُونَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ ما يَعُمُّ مِصْرَ والشّامَ مَعَ أنَّ المَعْهُودَ هو أرْضُ مِصْرَ لا غَيْرُ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ الشّامَ مَقَرُّ بَنِي إسْرائِيلَ. وقَرَأ الأعْمَشُ ولِنُمَكِّنَ بِلامِ كَيْ أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ أوْ ولِنُمَكِّنَ فِعْلَنا ذَلِكَ. ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ إضافَةُ الجُنُودِ إلى ضَمِيرِهِما إمّا لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّهُ كانَ لِهامانَ جُنْدٌ مَخْصُوصُونَ بِهِ وإنْ كانَ وزِيرًا أوْ لِأنَّ جُنْدَ السُّلْطانِ جُنْدُ الوَزِيرِ، ونُرِي مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ عَلى ما هو المُناسِبُ لِلْبَلاغَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ هو ناصِبٌ لِمَفْعُولَيْنِ لِمَكانِ الهَمْزَةِ فَفِرْعَوْنُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أيْ يَتَوَقُّونَ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلْكِهِمْ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِنهم مَفْعُولُهُ الثّانِي، والرُّؤْيَةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بَصْرِيَّةً لِمُقَدِّماتِ ذَلِكَ وعَلاماتِهِ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّها جُعِلَتْ لَهُ مُبالَغَةً ومِثْلُهُ مُسْتَفِيضٌ بَيْنَهم حَتّى يُقالَ رَأى مَوْتَهُ بِعَيْنِهِ وشاهَدَ هَلاكَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: صفحة 45 أبْكانِي البَيْنُ حَتّى رَأيْتُ غُسْلِي بِعَيْنِي وقِيلَ: المُرادُ رُؤْيَةُ وقْتِ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِذاكَ، والأمْرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بِمَعْنى المَعْرِفَةِ ظاهِرٌ. لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا ذَهابَ مُلْكِهِمْ وهَلاكِهِمْ، لِما شاهَدُوهُ مِن ظُهُورِ أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ عَلَيْهِمْ، وطُلُوعِ طَلائِعِهِ مِن طُرُقِ خُذْلانِهِمْ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المَوْصُولَ بِظُهُورِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ المُؤَيِّدِ بِالآثارِ وكَأنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِخَفاءِ وجْهِ تَعَلُّقِ رُؤْيَةِ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ بِذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلْكِهِمْ عَلَيْهِ وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ- ويَرى- بِالياءِ مُضارِعَ رَأى، وفِرْعَوْنُ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ

القصص 28:7

﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ قِيلَ: هي مَحْيانَةُ بِنْتُ يَصْهُرَ بْنِ لاوى، وقِيلَ: يُوخابِذُ وقِيلَ: يارْخا وقِيلَ: يارَخْتُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ إلَيْها كانَ بِإرْسالِ مَلَكٍ، ولا يُنافِي حِكايَةَ أبِي حَيّانَ الإجْماعُ عَلى عَدَمِ نُبُوَّتِها، لِما أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ تُرْسَلُ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ وتُكَلِّمُهُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ قُطْرُبٌ وجَماعَةٌ وقالَ مُقاتِلٌ مِنهُمْ: إنَّ المَلَكَ المُرْسَلَ إلَيْها هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُ كانَ إلْهامًا، ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ نَعَمْ هو أوْفَقُ بِالأوَّلِ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ كانَ رُؤْيا مَنامٍ صادِقَةً قَصَّ فِيها أمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوْقَعَ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِها اليَقِينَ. وحُكِيَ عَنِ الجُبائِيِّ أنَّها رَأتْ في ذَلِكَ رُؤْيا، فَقَصَّتْها عَلى مَن تَثِقُ بِهِ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَعَبَّرَها لَها. وقِيلَ: كانَ بِإخْبارِ نَبِيٍّ في عَصْرِها إيّاها، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإيحاءَ كانَ بَعْدَ الوِلادَةِ، وفي الأخْبارِ ما يَشْهَدُ لَهُ، فَيَكُونُ في الكَلامِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، وكَأنَّ التَّقْدِيرَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: ووَضَعَتْ مُوسى أُمُّهُ في زَمَنِ الذَّبْحِ فَلَمْ تَدْرِ ما تَصْنَعُ في أمْرِهِ وأوْحَيْنا إلَيْها ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ وقِيلَ: كانَ قَبْلَ الوِلادَةِ، وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ أنْ أرَضِعَيْهِ ما أمْكَنَكِ إخْفاؤُهُ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ أنِ ارْضِعِيهِ بِكَسْرِ النُّونِ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ القِياسَ فِيهِ نَقْلُ حَرَكَتِها وهي الفَتْحَةُ إلى النُّونِ كَما في قِراءَةِ ورْشٍ. ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن جَواسِيسِ فِرْعَوْنَ ونُقَبائِهِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الأبْناءَ، أوْ مِنَ الجِيرانِ ونَحْوِهِمْ أنْ يَنِمُّوا عَلَيْهِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ. والمُرادُ بِهِ النِّيلُ، ويُسَمّى مِثْلُهُ بَحْرًا، وإنْ غَلَبَ في غَيْرِ العَذْبِ ﴿ولا تَخافِي﴾ عَلَيْهِ ضَيْعَةً أوْ شِدَّةً مِن عَدَمِ رِضاعِهِ في سِنِّ الرِّضاعِ ﴿ولا تَحْزَنِي﴾ مِن مُفارَقَتِكِ إيّاهُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ عَنْ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تَأْمَنِينَ عَلَيْهِ ويُوِمِئُ إلى القُرْبِ السِّياقُ، وقِيلَ التَّعْبِيرُ بِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ ويُعْتَبَرُ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ولا يَضُرُّ تَفاوُتُ القُرْبَيْنِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ والحُزْنِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها أيْ إنّا فاعِلُونَ رَدَّهُ، وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ لا مَحالَةَ، واسْتَفْصَحَ الأصْمَعِيُّ امْرَأةً مِنَ العَرَبِ أنْشَدَتْ شِعْرًا فَقالَتْ: أبَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ الآيَةَ فَصاحَةٌ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ.

القصص 28:8

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فَصِيحَةٌ والتَّقْدِيرُ فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ وإلْقائِهِ في اليَمِّ لَمّا خافَتْ عَلَيْهِ، وحُذِفَ ما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ. صفحة 46 رُوِيَ أنَّها لَمّا ضَرَبَها الطَّلْقُ دَعَتْ قابِلَةً مِنَ المُوَكَّلاتِ بِحُبالى بَنِي إسْرائِيلَ فَعالَجَتْها، فَلَمّا وقَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنها ودَخَلَ حُبُّهُ قَلْبَها بِحَيْثُ مَنَعَها مِنَ السِّعايَةِ فَقالَتْ لِأُمِّهِ: احْفَظِيهِ، فَلَمّا خَرَجَتْ جاءَ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وألْقَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَمْ تَعْلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَخَرَجُوا وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَأخَذَتْهُ، فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوِلْدانِ واجْتَهَدَ العُيُونُ في تَفَحُّصِها أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها ما أوْحى، وأرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةً، أوْ ثَمانِيَةً عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَلَمّا خافَتَ عَلَيْهِ عَمَدَتْ إلى بَرْدِيٍّ فَصَنَعَتْ مِنهُ تابُوتًا أيْ صُنْدُوقًا فَطَلَتْهُ بِالقارِ مِن داخِلِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها دَعَتْ نَجّارًا، فَصَنَعَ لَها تابُوتًا، وجَعَلَتْ مِفْتاحَهُ مِن داخِلٍ، ووَضَعَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ وألْقَتْهُ في النِّيلِ بَيْنَ أحْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَ جَوارِي آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَهُ فَأدْخَلْنَهُ إلَيْها وظَنَنَّ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحْنَهُ رَأتْهُ آسِيَةُ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ رَحْمَتُها فَأحَبَّتْهُ، وأرادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَلَمْ تَزَلْ تُكَلِّمُهُ حَتّى تَرَكَهُ لَها ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها وكانَتْ مِن أكْرَمِ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ بِها بَرَصٌ شَدِيدٌ أعْيا الأطِبّاءَ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهُ أنَّها لا تَبْرَأُ إلّا مِن قِبَلِ البَحْرِ يُؤْخَذُ مِنهُ شِبْهُ الإنْسِ يَوْمَ كَذا مِن شَهْرِ كَذا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ فَيُؤْخَذُ مِن رِيقِهِ فَيُلَطِّخُ بِهِ بَرَصَها فَتَبْرَأُ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَدا فِرْعَوْنُ في مَجْلِسٍ لَهُ عَلى شَفِيرِ النِّيلِ ومَعَهُ امْرَأتُهُ آسِيَةُ وأقْبَلَتْ بِنْتُهُ في جَوارِيها حَتّى جَلَسَتْ عَلى شاطِئِ النِّيلِ فَإذا بِتابُوتٍ تَضْرِبُهُ الأمْواجُ فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ائْتُونِي بِهِ فابْتَدَرُوا بِالسُّفُنِ فَأحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وقَصَدُوا كَسْرَهُ فَأعْياهم فَنَظَرَتْ آسِيَةُ فَكُشِفَ لَها عَنْ نُورٍ في جَوْفِهِ لَمْ يَرَهُ غَيْرُها فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ فَإذا صَبِيٌّ صَغِيرٌ فِيهِ ولَهُ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وهو يَمُصُّ إبْهامَهُ لَبَنًا فَألْقى اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَلْبِها وقُلُوبِ القَوْمِ وعَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إلى رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَها فَبَرَأتْ مِن ساعَتِها. وقِيلَ: لَمّا نَظَرَتْ إلى وجْهِهِ بَرَأتْ فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنّا نَظُنُّ أنَّ هَذا هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ رُمِيَ في البَحْرِ خَوْفًا مِنكَ فاقْتُلْهُ فَهَمَّ أنْ يَقْتُلَهُ فاسْتَوْهَبَتْهُ آسِيَةُ فَتَرَكَهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنها ما قَدَّمْنا، وآلُ فِرْعَوْنَ أتْباعُهُ وقَوْلُهُمْ: إنَّ الآلَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما فِيهِ شَرَفٌ مَبْنِيٌّ عَلى الغالِبِ أوِ الشَّرَفُ فِيهِ أعَمُّ مِنَ الشَّرَفِ الحَقِيقِيِّ والصُّورِيِّ ومَعْنى التِقاطِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذُهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ وصِيانَةٍ لَهُ عَنِ الضَّياعِ ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ ضَرُورَةَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم لِلِالتِقاطِ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وإنَّما دَعاهم شَيْءٌ آخَرُ كالتَّبَنِّي ونَفْعِهِ إيّاهم إذا كَبُرَ. وفِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يُشَبَّهَ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ كالتَّبَنِّي والنَّفْعِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِغَيْرِ المُشَبَّهِ ويَدُلْ عَلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَخُصُّ المُشَبَّهَ بِهِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ في المَجْرُورِ واللّامُ عَلى حَقِيقَتِها، الثّانِي أنْ يُشَبِّهَ أوَّلًا تَرَتُّبَ غَيْرِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ أيْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ التَّرْتِيبَيْنِ الكُلِّيَّيْنِ لِيَسْرِيَ في جُزْئِيّاتِهِما فَيَتَحَقَّقُ تَبَعًا تَشْبِيهُ تَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ عَلى الِالتِقاطِ بِتَرَتُّبِ التَّبَنِّي ونَحْوَهُ مِمّا هو عِلَّةٌ غائِيَّةٌ- أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ أيْضًا عَلَيْهِ- ثُمَّ صفحة 47 يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ فَتَكُونُ الِاسْتِعارَةُ أوَّلًا في العَلِيَّةِ والعَرْضِيَّةِ وتَبَعًا في اللّامِ فَصارَ حُكْمُ اللّامِ حُكْمَ الأسَدِ حَيْثُ اسْتُعِيرَتْ لِما يُشْبِهُ العِلَّةَ كَما اسْتُعِيرَ الأسَدُ لِما يُشْبِهُ الأسَدَ بَيْدَ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هاهُنا مَكْنِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، الثّالِثُ ما أفادَهُ كَلامُ الخَطِيبِ الدِّمَشْقِيِّ في التَّلْخِيصِ والإيضاحِ وهو أنْ يُقَدَّرَ التَّشْبِيهُ أوَّلًا لِكَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ ثُمَّ يَسْرِي ذَلِكَ التَّشْبِيهُ إلى تَشْبِيهِ تَرَتُّبِهِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ فَتُسْتَعارُ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِتَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في المَجْرُورِ وهَذا التَّشْبِيهُ كَتَشْبِيهِ الرَّبِيعِ بِالقادِرِ المُخْتارِ ثُمَّ إسْنادُ الإنْباتِ إلَيْهِ وهو مُفادُ كَلامِ الكَشّافِ، واخْتارَ ذَلِكَ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ، فَقالَ: وهو الحَقُّ عِنْدِي لِأنَّ اللّامَ لَمّا كانَ مَعْناها مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ المَجْرُورِ كانَ اللّائِقُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ والتَّشْبِيهُ فِيها تابِعًا لِتَشْبِيهِ المَجْرُورِ لا تابِعًا لِتَشْبِيهِ مَعْنًى كُلِّيٍّ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ مَعْنى الحَرْفِ مِن جُزْئِيّاتِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ وتَبِعَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ انْتَهى فَتَأمَّلْ. واسْتُشْكِلَ أصْلُ تَعْلِيلِ الِالتِقاطِ بِأنَّ الِالتِقاطَ الوِجْدانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ والتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ القَصْدِ وهو تَوَهُّمٌ لِأنَّ الوِجْدانَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لا يُنافِي قَصْدَ أخْذِ ما وُجِدَ لِغَرَضٍ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَعْنى هُنا فَأخَذَهُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ إلَخْ، والتَّعْلِيلُ فِيهِ إنَّما هو لِلْأخْذِ ولا إشْكالَ فِيهِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِمُقَدَّرٍ أيْ قَدَّرْنا الِالتِقاطَ لِيَكُونَ إلَخْ، وعَلَيْهِ لا تَجُوزُ في الكَلامِ إلّا عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وهو أمْرٌ غَيْرُ ما نَحْنُ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْلُّ وأعْلى مِن أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ، وفي جَعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَ الحُزْنِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ سَعْدانَ- حُزْنًا- بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةَ قُرَيْشٍ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ أوْ مِن شَأْنِهِمُ الخَطَأُ فَلَيْسَ بِبِدَعٍ مِنهم أنْ قَتَلُوا أُلُوفًا لِأجْلِهِ ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبُرَ ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، رُوِيَ أنَّهُ ذَبَحَ في طَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ. و﴿خاطِئِينَ﴾ عَلى هَذا مِنَ الخَطَأِ في الرَّأْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَطِئَ بِمَعْنى أذْنَبَ، وفي الأساسِ يُقالُ: خَطِئَ خَطَأً إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ، والمَعْنى وكانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ رَبِّي عَدُّوهم عَلى أيْدِيهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمُ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فَإنَّهُ كَما سَمِعْتَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ عَلى الثّانِي، اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ ذَنْبِهِمُ المَفْهُومِ مِن حاصِلِ الكَلامِ، وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا إنْ أُرِيدَ بِما ابْتُلُوا بِهِ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا وهو لا يُنافِي الِاعْتِراضَ عِنْدَهُمْ، وقُرِئَ خاطِينَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ وحُذِفَتْ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو مِن خَطا يَخْطُو أيْ خاطِّينَ الصَّوابَ إلى ضِدِّهِ فَهو مَجازٌ.

القصص 28:9

﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا لَمْ تَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: كانَتْ مِنهم مِن سِبْطِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَكى السُّهَيْلِيُّ أنَّها كانَتْ عَمَّتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ، والمَشْهُورُ القَوْلُ الأوَّلُ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ أيْ وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لَهُ حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ أيْ هو قُرَّةُ عَيْنٍ كائِنَةٌ لِي ولَكَ عَلى أنَّ ”قُرَّةُ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ صفحة 48 الصِّفَةِ لَهُ ويَبْعُدُ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ وقالَتْ ذَلِكَ لِما ألْقى اللَّهُ تَعالى مِن مَحَبَّتِهِ في قَلْبِها أوْ لِما كُشِفَ لَها فَرَأتْهُ مِنَ النُّورِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أوْ لِما شاهَدَتْهُ مِن بُرْءِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ مِنَ البَرَصِ بِرِيقِهِ أوْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ، ولِتَفْخِيمِ شَأْنِ القُرَّةِ عَدَلَتْ عَنْ لَنا إلى لِي ولَكَ وكَأنَّها لِما تَعْلَمُ مِن مَزِيدِ حُبِّ فِرْعَوْنَ إيّاها وأنَّ مَصْلَحَتَها أهَمُّ عِنْدَهُ مِن مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ قَدَّمَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَرْغِيبِهِ بِتَرْكِ قَتْلِهِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الأظْهَرَ في التَّرْغِيبِ بِذَلِكَ العَكْسِ وقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِكَوْنِ مَصْلَحَتِها أهَمَّ عِنْدَهُ مِن مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ما أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها حِينَ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ قالَ: لَكِ لا لِي ولَوْ قالَ لِي كَما هو لَكِ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى كَما هَداها، وهَذا أمْرٌ فَرْضِيٌّ فَلا يُنافِي ما ورَدَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ طُبِعَ كافِرًا، والخِطابُ في لا تَقْتُلُوهُ قِيلَ: لِفِرْعَوْنَ وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ الآمِرُ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ لا يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ إلّا في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَفِعْلِنا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ الرَّضِيُّ وقَلَّدَهُ فِيهِ مَن قَلَّدَهُ وهو لا أصْلَ لَهُ رِوايَةً ودِرايَةً قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في فِقْهِ اللُّغَةِ مِن سُنَنِ العَرَبِ: مُخاطَبَةُ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَيُقالُ لِلرَّجُلِ العَظِيمِ انْظُرُوا في أمْرِي، وهَكَذا في سِرِّ الأدَبِ وخَصائِصِ ابْنِ جِنِّيٍّ وهو مَجازٌ بَلِيغٌ وفي القُرْآنِ الكَرِيمِ مِنهُ ما التِزامُ تَأْوِيلِهِ سَفَهٌ، وقِيلَ: هو لِفِرْعَوْنَ وأعْوانِهِ الحاضِرِينَ ورُجِّحَ بِما رُوِيَ أنَّ غُواةَ قَوْمِهِ قالُوا وقْتَ إخْراجِهِ هَذا هو الصَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَحْذَرُ مِنهُ فَأْذَنْ لَنا في قَتْلِهِ. وقِيلَ: هو لَهُ ولِمَن يَخْشى مِنهُ القَتْلَ وإنْ لَمْ يَحْضُرْ عَلى التَّغْلِيبِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ لِلْمَأْمُورِينَ بِقَتْلِ الصِّبْيانِ كَأنَّها بَعْدَ أنْ خاطَبَتْ فِرْعَوْنَ وأخْبَرَتْهُ بِما يَسْتَعْطِفُهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمِنَتْ مِنهُ بادِرَةَ أمْنٍ جَدِيدٍ بِقَتْلِهِ فالتَفَتَتْ إلى خِطابِ المَأْمُورِينَ قَبْلُ فَنَهَتْهم عَنْ قَتْلِهِ مُعَلِّلَةً ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى المَحْكِيِّ عَنْها: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ وهو أوْفَقُ بِاخْتِلافِ الأُسْلُوبِ حَيْثُ فَصَلَّتْ أوَّلًا في قَوْلِها: لِي ولَكَ وأفْرَدَتْ ضَمِيرَ خِطابِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ خاطَبَتْ وجَمَعَتِ الضَّمِيرَ في لا تَقْتُلُوهُ ثُمَّ تَرَكَتِ التَّفْصِيلَ في ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ إلَخْ ولَمْ تَأْتِ بِهِ عَلى طُرُزِ ”قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولَكَ“ بِأنْ تَقُولَ: عَسى أنْ يَنْفَعَنِي ويَنْفَعَكَ مَثَلًا فَتَأمَّلْ. ورَجاءَ نَفْعِهِ لِما رَأتْ فِيهِ مِن مَخايِلِ البَرَكَةِ ودَلائِلِ النَّجابَةِ: فِي المَهْدِ يَنْطِقُ عَنْ سَعادَةِ جَدِّهِ أثَرُ النَّجابَةِ ساطِعُ البُرْهانِ واتِّخاذُهُ ولَدًا لِأنَّهُ لائِقٌ لِتَبَنِّي المُلُوكِ لِما فِيهِ مِنَ الأُبَّهَةِ وعَطْفُ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ أوْ تُعْتَبَرُ بَيْنَهُما المُغايَرَةُ وهو الأنْسَبُ بَأوْ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والتَّقْدِيرُ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وقالَتِ امْرَأتُهُ لَهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ فِيما صَنَعُوا. وقالَقَتادَةُ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ الَّذِي يُفْسِدُ مُلْكَهم عَلى يَدِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أجْمَعُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ القائِلَةِ والمَقُولِ لَهُ مَعًا. والمُرادُ بِالجَمْعِ اثْنانِ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الخِطابِ في لا تَقْتُلُوهُ لِفِرْعَوْنَ فَقَطْ وكَوْنُهُ حالًا مِنَ القائِلَةِ فَقَطْ أيْ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لَهُ ذَلِكَ والَّذِينَ أشارُوا بِقَتْلِهِ لا يَشْعُرُونَ بِمَقالَتِها لَهُ واسْتِعْطافُ قَلْبِهِ عَلَيْهِ لِئَلّا يُغْرُوهُ بِقَتْلِهِ وعَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ نَتَّخِذُهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ لا لِذِي الحالِ إذْ يَكْفِي الواوُ لِلرَّبْطِ أيْ نَتَّخِذُهُ ولَدًا والنّاسُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لِغَيْرِنا وقَدْ تَبَنَّيْناهُ فَيَكُونُ مِن كَلامِ آسِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها

القصص 28:10

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ أيْ صارَ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ صفحة 49 الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ، ونَحْوَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ سُبْحانَهُ إلَيْها تَناسَتْ ذَلِكَ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الهَمِّ إذْ لَمْ يَغْرَقْ وسَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ كَما يُقالُ فُلانٌ فارِغُ البالِ وقالَ بَعْضُهُمْ: فارِغًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ عَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ أيْ خَلاءٌ لا عُقُولَ فِيها واعْتُرِضَ عَلى القَوْلَيْنِ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِما لا يُلائِمُ ما بَعْدَهُ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو- فُوادُ- بِالواوِ وقَرَأ- مُؤْسى- بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الواوِ، وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ والحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ- فَزِعًا- بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ مِنَ الفَزَعِ وهو الخَوْفُ والقَلَقُ، وابْنُ عَبّاسٍ قَرِعًا بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها مِن قَرَعَ رَأْسُهُ إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذَكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قَرْعًا بِالسُّكُونِ مَصْدَرٌ أيْ قَرَعَ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ وهو الهَمُّ العَظِيمُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ فِزْغًا بِفاءٍ مَكْسُورَةٍ وزايٍ ساكِنَةٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ومَعْناهُ ذاهِبًا هَدْرًا والمُرادُ هالِكًا مِن شِدَّةِ الهَمِّ كَأنَّهُ قَتِيلٌ لا قَوْدَ ولا دِيَةَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حَبّالٍ: فَإنْ يَكُ قَبَلِي قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ يَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حَبّالِ وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ- فُرُغًا- بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أيْ أنَّها كادَتْ إلَخْ عَلى أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ أوْ ما كادَتْ إلّا تُبْدِي بِهِ عَلى أنَّ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ والإبْداءُ إظْهارُ الشَّيْءِ وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّصْرِيحِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ والباءُ سَبَبِيَّةٌ أيْ تُبْدِي حَقِيقَةَ الحالِ بِسَبَبِهِ أيْ بِسَبَبِ ما عَراها مِن فِراقِهِ، وقِيلَ: هي صِلَةٌ أيْ تُبْدِيهِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّها كادَتْ تُصَرِّحُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَقُولُ وا ابْناهُ مِن شِدَّةِ الغَمِّ والوَجْدِ رَواهُ الجَماعَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها كادَتْ تَصِيحُ وا ابْناهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمِ الأمْواجِ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها كادَتْ تُظْهِرُ أمْرَهُ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِنَجاتِهِ وتَبَنِّي فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ إنَّها كادَتْ تُظْهِرُ الوَحْيَ وهو الوَحْيُ الَّذِي كانَ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ الآيَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا تُساعِدُ عَلَيْهِ الرِّواياتُ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا عَلَيْهِ مِنَ السَّكِينَةِ والمُرادُ لَوْلا أنْ ثَبَّتْنا قَلْبَها وصَبَّرْناها، فالرَّبْطُ عَلى القَلْبِ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ رَبْطَنا عَلى قَلْبِها لَأبْدَتْهُ، وقِيلَ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عِلَّةٌ لِلرَّبْطِ عَلى القَلْبِ، والإيمانِ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ أيْ صَبَّرْناها وثَبَّتْنا قَلْبَها لِتَكُونَ راسِخَةً في التَّصْدِيقِ بِوَعْدِنا بِأنّا رادُّوهُ إلَيْها صفحة 50 وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، ومَن جَعَلَ الفَراغَ مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ وكَيْدُودَةِ الإبْداءِ مِنَ الفَرَحِ بِتَبَنِّيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو فَرَحٌ مَذْمُومٌ جَعَلَ الإيمانَ بِمَعْنى الوُثُوقِ كَما في قَوْلِهِمْ عَلى ما حَكى أبُو زَيْدٍ: ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً أيْ ما وثِقْتُ وحَقِيقَتُهُ صِرْتُ ذا أمْنٍ أيْ ذا سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ، وقالَ: المَعْنى لَوْلا أنْ رَبَطَنا عَلى قَلْبِها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الكائِنَ مِنَ الِابْتِهاجِ الفاسِدِ لِتَكُونَ مِنَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى المُبْتَهِجِينَ بِما يَحِقُّ الِابْتِهاجُ بِهِ

القصص 28:11

﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ﴾ مَرْيَمَ وقِيلَ: كُلْثُمَةَ وقِيلَ: كُلْثُومَ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِأُخُوَّتِهِ دُونَ أنْ يُقالَ لِبِنْتِها لِلتَّصْرِيحِ بِمَدارِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ مِنها بَعْدَ أنْ أصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا فَإنْ كانَتْ لَمْ تَعْرِفْ مَكانَهُ إذْ ذاكَ فَظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ عَرَفَتْهُ فَتَتَبَّعُ الخَبَرُ لِيُعْرَفَ هَلْ قَتَلُوهُ أمْ لا ولِيَنْكَشِفَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحالِ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ فَبَصُرَتْ، وقَرَأ قَتادَةُ- فَبَصَرَتْ- بِفَتْحِ الصّادِّ وعِيسى بِكَسْرِها ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: أيْ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ يَقُولُونَ جَنُبْتُ إلَيْكَ أيِ اشْتَقْتُ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: جُنُبٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ أيْ بَعِيدٍ وكَأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْضًا كالجارِ الجُنُبِ، وقِيلَ: أيْ عَنْ جانِبٍ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وقِيلَ: النَّظَرُ عَنْ جُنُبٍ أنْ تَنْظُرَ إلى الشَّيْءِ كَأنَّكَ لا تُرِيدُهُ. وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والأعْرَجُ عَنْ جَنْبٍ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِهِما أيْضًا، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قُرِئَ بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ- عَنْ جانِبٍ- والكُلُّ عَلى ما قِيلَ: بِمَعْنًى واحِدٍ، وفي البَحْرِ الجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها تَقُصُّهُ وتَتَعَرَّفُ حالَهُ أوْ أنَّها

القصص 28:12

﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أيْ مَنَعْناهُ ذَلِكَ فالتَّحْرِيمُ مَجازٌ عَنِ المَنعِ فَإنَّ مَن حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَدْ مُنَعَهُ ولا يَصِحُّ إرادَةُ التَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ ولا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، والمَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ، وتَرَكَ التّاءَ إمّا لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى شَخْصٍ مُرْضِعٍ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرِّضاعِ وجُمِعَ لِتَعَدُّدِ مَرّاتِهِ أوِ اسْمُ مَكانٍ أيْ مَوْضِعَ الرِّضاعِ وهو الثَّدْيُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ قَصِّها أوْ إبْصارِها أوْ وُرُودِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ، أوْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُهُ ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ هَلْ تُرِيدُونَ أنْ أدُلَّكم ﴿عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أيْ يُضَمِّنُونَهُ ويَقُومُونَ بِتَرْبِيَتِهِ لِأجْلِكُمْ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فَقالَتْ، وقَوْلُها: عَلى أهْلِ بَيْتٍ دُونَ امْرَأةٍ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ امْرَأةٌ مِن أهْلِ الشَّرَفِ تَلِيقُ بِخِدْمَةِ المُلُوكِ ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يُقَصِّرُونَ في خِدْمَتِهِ وتَرْبِيَتِهِ، ورُوِيَ أنَّ هامانَ لِما سَمِعَ هَذا مِنها قالَ: إنَّها لَتَعْرِفُهُ وأهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِحالِهِ فَقالَتْ: إنَّما أرَدْتُ وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ فَخَلُصَتْ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَجُوزُ لِمِثْلِهِ الكَذِبُ وأحْسَنَتْ ولَيْسَ بِبِدَعٍ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ فَحَقِيقٌ بِها ذَلِكَ، واحْتِمالُ الضَّمِيرِ لِأمْرَيْنِ مِمّا لا تَخْتَصُّ بِهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَلْ يَكُونُ في جَمِيعِ اللُّغاتِ عَلى أنَّ الفَراعِنَةَ مِن بَقايا العَمالِقَةِ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ فَلَعَلَّها كَلَّمَتْ بِلِسانِهِمْ ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهُ.

القصص 28:13

﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنها ودَلَّتْهم عَلى أُمِّهِ وكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ فَقَبِلَتْ فَرَدَدْناهُ صفحة 51 إلَيْها أوْ يُقَدِّرُ نَحْوَ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ أُخْتَهُ لَمّا قالَتْ ما قالَتْ أمَرَها فِرْعَوْنُ بِأنْ تَأْتِيَ بِمَن يَكْفُلُهُ فَأتَتْ بِأُمِّهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ يَبْكِي وهو يُعَلِّلُهُ فَدَفَعَهُ إلَيْها فَلَمّا وجَدَ رِيحَها اسْتَأْنَسَ والتَقَمَ ثَدْيَها فَقالَ: مَن أنْتِ مِنهُ؟ فَقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ إلّا ثَدْيَكِ فَقالَتْ إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ لا أوُتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي فَقَرَّرَهُ في يَدِها فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها وأمَرَ أنْ يُجْرى عَلَيْها النَّفَقَةَ ولَيْسَ أخْذُها ذَلِكَ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى إرْضاعِها إيّاهُ ولَوْ سُلِّمَ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ حَرامًا فِيما تَدِينُ وكانَتِ النَّفَقَةُ عَلى ما في البَحْرِ دِينارًا في كُلِّ يَوْمٍ ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِوُصُولِ ولَدِها إلَيْها ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ لِفِراقِهِ ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ جَمِيعَ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مِن رَدِّهِ وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴿حَقٌّ﴾ لا خُلْفَ فِيهِ بِمُشاهَدَةِ بَعْضِهِ وقِياسِ بَعْضِهِ عَلَيْهِ وإلّا فَعِلْمُها بِحَقِّيَّةِ ذَلِكَ بِالوَحْيِ حاصِلٌ قَبْلُ. واسْتَدَلَّ أبُو حَيّانَ بِالآيَةِ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْرِفُونَ وعْدَهُ تَعالى ولا حَقِّيَّتَهُ أوْ لا يَجْزِمُونَ بِما وعَدَهم جَلَّ وعَلا لِتَجْوِيزِهِمْ تَخَلُّفَهُ وهو سُبْحانُهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْها عِلْمُها بِذَلِكَ وما سِواهُ مِن قُرَّةِ عَيْنِها وذَهابِ حُزْنِها تَبَعٌ، وفِيهِ أنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الكَلامُ إنَّما هو كَوْنُ كُلٍّ مِن قُرَّةِ العَيْنِ والعِلْمِ كالغَرَضِ أوْ غَرَضًا مُسْتَقِلًّا، وأمّا تَبَعِيَّةُ غَيْرِ العِلْمِ لَهُ لا سِيَّما مَعَ تَقَدُّمِ الغَيْرِ فَلا، وكَوْنُ المُفِيدِ لِذَلِكَ حَذْفَ حَرْفِ العِلَّةِ مِنَ الأوَّلِ لا يَخْفى حالُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ) إلَخْ قِيلَ: تَعْرِيضٌ بِما فَرَطَ مِن أُمِّهِ حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَراها كانَ مِن مُقْتَضَياتِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ وهو يُجامِعُ العِلْمَ بِعَدَمِ وُقُوعِ ما يُخافُ مِنهُ، ونَفْيُ العِلْمِ في مِثْلِ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِدْراكَ عَلى ما اخْتارَهُ مِمّا وقَعَ بَعْدَ العِلْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن نَفْسِ العِلْمِ وذَلِكَ إذا كانَ المَعْنى لا يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْها عِلْمُها بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ تَعالى فَتَأمَّلْ.

القصص 28:14

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ المَبْلَغَ الَّذِي لا يَزِيدُ عَلَيْهِ نُشُوءُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَوى﴾ أيْ كَمُلَ وتَمَّ تَأْكِيدٌ وتَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ كَذا قِيلَ: واخْتُلِفَ في زَمانِ بُلُوغِ الأشَدِّ والِاسْتِواءِ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ الأشَدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الأشَدُّ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً والِاسْتِواءُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وقالَ الزَّجّاجُ مَرَّةً: بُلُوغُ الأشَدِّ مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى الأرْبَعِينَ وأُخْرى هو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ واخْتارَهُ بَعْضُهم هُنا وعَلَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ لِمُوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ مُنْتَهٍ إلى الأرْبَعِينَ وهي سِنُّ الوُقُوفِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَبْدَؤُهُ مَبْدَأهُ ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والحَقُّ أنَّ بُلُوغَ الأشَدِّ في الأصْلِ هو الِانْتِهاءُ إلى حَدِّ القُوَّةِ وذَلِكَ وقْتَ انْتِهاءِ النُّمُوِّ وغايَتِهِ وهَذا مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والأعْصارِ والأحْوالِ ولِذا وقَعَ لَهُ تَفاسِيرُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ، ولَعَلَّ الأوْلى عَلى ما قِيلَ: أنْ يُقالَ إنَّ بُلُوغَ الأشُدِّ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَدْرِ الَّذِي يَتَقَوّى فِيهِ بَدَنُهُ وقُواهُ الجُسْمانِيَّةُ ويَنْتَهِي فِيهِ نُمُوُّهُ المُعْتَدُّ بِهِ والِاسْتِواءُ اعْتِدالُ عَقْلِهِ وكَمالُهُ ولا يَنْبَغِي تَعْيِينُ وقْتٍ لِذَلِكَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِخَبَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِما سَمِعْتُ مِن أنَّ ذاكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والأعْصارِ والأحْوالِ نَعَمِ اشْتُهِرَ أنَّ ذَلِكَ في الأغْلَبِ يَكُونُ في سِنِّ أرْبَعِينَ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: صفحة 52 إذا المَرْءُ وافى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابِ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في الأشُدِّ في سُورَةِ يُوسُفَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفَلْ. ثُمَّ إنَّ حاصِلَ المَعْنى عَلى ما قِيلَ أخِيرًا: ولَمّا قَوِيَ جِسْمُهُ، واعْتَدَلَ عَقْلُهُ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أيْ نُبُوَّةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أوْ عِلْمًا هو مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ عَلى ما تَأوَّلَ بِهِ بَعْضُهم كَلامَهُ ﴿وعِلْمًا﴾ بِالدِّينِ والشَّرِيعَةِ. وفي الكَشّافِ العِلْمُ التَّوْراةُ والحُكْمُ السُّنَّةُ وحِكْمَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّتُهم. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ وقِيلَ آتَيْناهُ سِيرَةَ الحُكَماءِ العُلَماءِ وسَمْتَهم قَبْلَ البَعْثِ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَفْعَلُ فِعْلًا يَسْتَجْهِلُ فِيهِ اهـ، ورُجِّحَ ما قِيلَ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِنَظْمِ القِصَّةِ مِمّا تَقَدَّمَ، لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ وكْزِ القِبْطِيِّ، والهِجْرَةُ إلى مَدْيَنَ، ورُجُوعُهُ مِنها، وإيتاؤُهُ التَّوْراةَ كانَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ، فَهو بَعْدَ الوَكْزِ بِكَثِيرٍ وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْناهُ بِمُوسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ يَأْبى حَمْلَ ما تَقَدَّمَ عَلى النُّبُوَّةِ لِأنَّها لا تَكُونُ جَزاءً عَلى العَمَلِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ جَعَلَ هَذا بَيانًا إجْمالِيًّا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ بَعْدَ رَدِّهِ لِأُمِّهِ، وما بَعْدُ تَفْصِيلٌ لَهُ، والعَطْفُ بِالواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وكَوْنُ ما فَعَلَ بِمُوسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ جَزاءً عَلى العَمَلِ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ أصْلَ النُّبُوَّةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ جَزاءً عَلى العَمَلِ إلّا أنَّ بَعْضَ مَراتِبِها، وهو ما فِيهِ مَزِيدُ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ بِاعْتِبارِ مَزِيدِ القُرْبِ جَزاءً عَلَيْهِ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّ مَزِيدَ القُرْبِ هو الجَزاءُ وتَفاوُتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في القُرْبِ مِنهُ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، ورُجِّحَ ما تَقَدَّمَ بِكَوْنِهِ أوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ واسْتِلْزامُهُ حُصُولُ النُّبُوَّةِ لِكُلِّ مُحْسِنٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الإيتاءَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى آتَيْناهُ رِياسَةً بَيْنَ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ جَعَلْناهُ مُمْتازًا فِيما بَيْنَهُمْ، يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في مَهامِّهِمْ، ويَمْتَثِلُونَهُ إذا أمَرَهم بِشَيْءٍ أوْ نَهاهم عَنْهُ، وعِلْمًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويَنْفَعُ بِهِ غَيْرَهُ، وذَلِكَ إمّا بِمَحْضِ الإلْهامِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ لِاسْتِنْباطِ دَقائِقَ وأسْرارٍ مِمّا نُقِلَ إلَيْهِ مِن كَلِماتِ آبائِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولا بِدَعَ في أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُ الأنْبِياءُ مِنهم وبِما كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ بِواسِطَةِ الإلْهامِ أوْ بِسَماعِ ما يُفِيدُهُ العِلْمُ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى مِمّا نَقَلَهُ في الكَشّافِ. وفي الكَلامِ عَلى أواخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما تَنْفَعُكَ مُراجَعَتُهُ فَلْيُراجَعْ.

القصص 28:15

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى ما في البَحْرِ: هي مَنفُ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ أيْ في وقْتٍ لا يُعْتادُ دُخُولُها، أوْ لا يَتَوَقَّعُونَهُ فِيهِ، وكانَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ وقْتَ القائِلَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ بَيْنَ العَشاءِ والعَتَمَةِ وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَكِبَ يَوْمًا وسارَ إلى تِلْكَ المَدِينَةِ فَعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِرُكُوبِهِ فَلَحِقَ ودَخَلَ المَدِينَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي مِصْرُ، كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وغابَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنها فَغابَ سِنِينَ فَنَسِيَ فَجاءَ ودَخَلَها وأهْلُها في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ، وبَعُدَ عَهْدُهم بِهِ. وقِيلَ: دَخَلَ في يَوْمِ عِيدٍ صفحة 53 وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ وقْتَ القَيْلُولَةِ أوْ بَيْنَ العِشاءَيْنِ، وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها: حابِينُ. وقِيلَ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والأشْهَرُ أنَّها مِصْرُ، ولَعَلَّهُ هو الأظْهَرُ والمُتَبادِرُ أنَّ- عَلى حِينِ- مُتَعَلِّقٌ بِدَخَلَ، وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنَّ عَلى بِمَعْنى في مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ عَلى قَوْلٍ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَدِينَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أيْ مُخْتَلِسًا اهـ ولَعَلَّ الَّذِي دَعاهُ إلى العُدُولِ عَنِ المُتَبادِرِ احْتِياجُهُ إلى جَعْلِ عَلى بِمَعْنى في وخَفاءُ نُكْتَةِ التَّعْبِيرِ بِها دُونَها أوِ الِاكْتِفاءُ بِالظَّرْفِ وحْدَهُ عَلَيْهِ والأمْرُ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ وقِيلَ: إنَّ الدّاعِيَ إلى ذَلِكَ أنَّ دُخُولَ المَدِينَةِ في حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها لَيْسَ نَصًّا في دُخُولِها غافِلًا أهْلَها كَما في وجْهِ الحالِيَّةِ مِنَ المَدِينَةِ ولا في دُخُولِها مُخْتَلِسًا كَما في وجْهِ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ فَإنَّ وقْتَ الغَفْلَةِ كَوَقْتِ القائِلَةِ وما بَيْنَ العِشاءَيْنِ قَدْ لا يُغْفَلُ فِيهِ وفِيهِ بَحْثٌ. و﴿مِن أهْلِها﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِغَفْلَةٍ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ مِن غَفْلَةِ أهْلِها بِالإضافَةِ لِما في التَّنْوِينِ مِن إفادَةِ التَّفْخِيمِ، ولَعَلَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِهَذا فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ- عَلى حِينَ- بِفَتْحِ النُّونِ ووُجِّهَ بِأنَّهُ فَتَحَ لِمُجاوِرَةِ الغَيْنِ كَما كُسِرَ في بَعْضِ القِراءاتِ الدّالُّ في الحَمْدِ لِلَّهِ لِمُجاوِرَةِ اللّامِ أوْ بِأنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها فَبَنى حِينَ كَما يَبْنِي إذا أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهو كَما تَرى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ أيْ يَتَحارَبانِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرَجُلَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ يَقْتُلانِ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ وتابَعَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ أوْ في الدِّينِ عَلى ما قالَهُ جَماعَةٌ وهم بَنُو إسْرائِيلَ قالَ في الإتْقانِ: هو السّامِرِيُّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ مِن مُخالِفِيهِ فِيما يُرِيدُ أوْ في الدِّينِ عَلى ما قالَهُ الجَماعَةُ وهُمُ القِبْطُ واسْمُهُ كَما في الإتْقانِ أيْضًا قانُونٌ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِرَجُلَيْنِ والإشارَةُ بِهَذا واقِعَةٌ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ لِما وقَعَ وقْتَ الوِجْدانِ كَأنَّ الرّائِيَ لَهُما يَقُولُهُ لا في المَحْكِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ قالَ جَرِيرٌ: هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةً لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وهَذِهِ الإشارَةُ قائِمَةٌ مَقامَ الضَّمِيرِ في الرَّبْطِ والعَطْفُ سابِقٌ عَلى الوَصْفِيَّةِ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ تَقاتُلِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَقِيلَ: كانَ أمْرًا دِينِيًّا، وقِيلَ: كانَ أمْرًا دُنْيَوِيًّا، رُوِيَ أنَّ القِبْطِيَّ كَلَّفَ الإسْرائِيلِيَّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى فاقْتَتَلا لِذَلِكَ، وكانَ القِبْطِيُّ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ خَبّازًا لِفِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ فَطَلَبَ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ إيّاهُ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ ولِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى النَّصْرِ عُدِّيَ بِعَلى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعانَةِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ فاسْتَعانَهُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، وقَدْ نَقَلَ هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ خالَوَيْهِ، عَنْ صفحة 54 سِيبَوَيْهِ وأبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّهُ ذَكَرَها الأخْفَشُ وهو تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ مِمّا لا ثَبْتَ لَهُ فِيهِ، وقَدْ حُذِفَ مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ صَدْرُها أيِ الَّذِي هو مِن شِيعَتِهِ والَّذِي هو مِن عَدُوِّهِ ولَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ حَذْفُ ذَلِكَ صَحَّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ أيْ ضَرَبَ القِبْطِيَّ بِجَمْعِ كَفِّهِ أيْ بِكَفِّهِ المَضْمُومَةِ أصابِعُها عَلى ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الوَكْزُ الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعَةً أصابِعُها كَعَقْدِ ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ وعَلى القَوْلَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ضَرَبَهُ بِاليَدِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَهُ بِعَصاهُ فَكَأنَّهُ يُفَسِّرُ الوَكْزَ بِالدَّفْعِ أوِ الطَّعْنِ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ كَما في القامُوسِ ولَعَلَّهُ أرادَ بِعَصاهُ عَصًا كانَتْ لَهُ فَإنَّ عَصاهُ المَشْهُورَةَ أعْطاهُ إيّاها شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَذِهِ الحادِثَةِ كَما هو مَشْهُورٌ، وفي كُتُبِ التَّفاسِيرِ مَسْطُورٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فَلَكَزَهُ بِاللّامِ وعَنْهُ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ واللَّكْزُ عَلى ما في القامُوسِ الوَكْزُ والوَجْءُ في الصَّدْرِ والحَنَكِ والنَّكْزُ عَلى ما فِيهِ أيْضًا الضَّرْبُ والدَّفْعُ، وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّكْزُ الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ، وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنَّهُ أحْمِلُهُ يَعْنِي الحَطَبَ عَلَيْكَ فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً فَوَكَزَهُ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ فَقَتَلَهُ مُوسى وأصْلُهُ أنْهى حَياتَهُ أيْ جَعَلَها مُنْتَهِيَةً مُتَقَضِّيَةً وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى بِعَلى كَما في الأساسِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِأوْقَعَ القَضاءَ عَلَيْهِ، وقَدْ يَتَعَدّى الفِعْلُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإيحاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وعَوْدُ ضَمِيرِ الفاعِلِ في قَضى عَلى مُوسى هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى أيْ فَقَضى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ فَقَضى بِمَعْنى حَكَمَ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ أيْ أنْهى حَياتَهُ ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ مِن تَزْيِينِهِ. وقِيلَ: مِن جِنْسِ عَمَلِهِ والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ عَلى أنَّ ”مُبِينٌ“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِعَدُوٍّ، وقِيلَ: ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ المُلاحِظُ مَعَهُ وصْفُ الإضْلالِ أوْ بِأنَّهُ مُتَنازِعٌ فِيهِ لِعَدُوٍّ ومُضِلٍّ كُلٌّ يَطْلُبُهُ صِفَةً لَهُ وأيًّا ما كانَ فَمُبِينٌ مِن أبانَ اللّازِمِ

القصص 28:16

﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِوَكْزٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ القَتْلُ ﴿فاغْفِرْ لِي﴾ ذَنْبِي وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ لِأنَّهُ فَعَلَ ما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِهِ ولَيْسَ مِن سُنَنِ آبائِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الحادِثَةِ الَّتِي شاهَدَها وقَدْ أفْضى إلى قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يُشْرَعْ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ قَتْلُها، ولا يُشْكِلُ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَها لِأنَّ أصْلَ الوَكْزِ مِنَ الصَّغائِرِ، وما وقَعَ مِنَ القَتْلِ كانَ خَطَأً كَما قالَهُ كَعْبٌ وغَيْرُهُ، والخَطَأُ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنِ الإثْمِ، ولِذا شُرِعَتْ فِيهِ الكَفّارَةُ إلّا أنَّهُ صَغِيرَةٌ أيْضًا بَلْ قِيلَ: لا يُشْكِلُ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِعِصْمَتِهِمْ عَنِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ مُطْلَقًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَأى أنَّ في الوَكْزِ دَفْعَ ظالِمٍ عَنْ مَظْلُومٍ فَفَعَلَهُ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ القَتْلَ، وإنَّما وقَعَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لا عَنْ قَصْدٍ وكَوْنُ الخَطَأِ لا يَخْلُو عَنْ إثْمٍ في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وكَذا مَشْرُوعِيَّةُ الكَفّارَةِ فِيهِ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ تَأمَّلَ فَظَهَرَ لَهُ إمْكانُ الدَّفْعِ بِغَيْرِ الوَكْزِ وأنَّهُ لَمْ يَتَثَبَّتْ في رَأْيِهِ لِما صفحة 55 اعْتَراهُ مِنَ الغَضَبِ فَعَلِمَ أنَّهُ فَعَلَ خِلافَ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى أمْثالِهِ فَقالَ ما قالَ عَلى عادَةِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِهِمْ خِلافَ الأوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وبِذَلِكَ قالَ النِّقّاشُ وغَيْرُهُ ورُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ومَن فَسَّرَ الِاسْتِواءَ بِبُلُوغِ أرْبَعِينَ سَنَةً وجَعَلَ ما ذُكِرَ بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ والِاسْتِواءِ وإيتاءِ الحُكْمِ والعِلْمِ بِالمَعْنى الَّذِي لا يَقْتَضِي النُّبُوَّةَ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ ما فَوْقَها بِقَلِيلٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ إنِّي عَرَّضْتُها لِلتَّلَفِ بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ إذْ لَوْ عَرَفَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي﴾ فاسْتُرْ عَلَيَّ ذَلِكَ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ لِما فِيهِ مِنَ الوُقُوعِ في الوَسْوَسَةِ وتَرَقُّبِ المَحْذُورِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ويَأْبى عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وتَرْتِيبُ غَفَرَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ يُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ غَفَرَ لَهُ لِاسْتِغْفارِهِ وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ﴾ إلَخْ كالتَّعْلِيلِ لِلْعَلِيَّةِ أيْ إنَّهُ تَعالى هو المُبالِغُ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ عِبادِهِ ورَحْمَتِهِمْ، ولِذا كانَ اسْتِغْفارُهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ لَهُ وتَوْسِيطُ قالَ بَيْنَ كَلامَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُخالَفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي مُناجاةٌ ودُعاءٌ بِخِلافِ الأوَّلِ،

القصص 28:17

وأمّا تَوْسِيطُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ، والباءُ في بِما لِلْقَسَمِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ أيْ أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأمْتَنِعَنَّ عَنْ مِثْلِ هَذا الفِعْلِ. وقِيلَ: لَأتُوبَنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِإنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِ حِفْظُهُ إيّاهُ مِن شَرِّ فِرْعَوْنَ ورَدُّهُ إلى أُمِّهِ وتَمْيِيزُهُ عَلى سائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَغْفِرَتُهُ لَهُ وهو غَيْرُ بَعِيدٍ، ومَعْرِفَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَفَرَ لَهُ إذا كانَ هَذا القَوْلُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِإلْهامٍ أوْ رُؤْيا، والظَّهِيرُ المُعِينُ، ”والمُجْرِمِينَ“ جَمْعُ مُجْرِمٍ والمُرادُ بِهِ مَن أوْقَعَ غَيْرَهُ في الجُرْمِ أوْ مَن أدَّتْ مُعاوَنَتُهُ إلى جُرْمٍ كالإسْرائِيلِيِّ الَّذِي خاصَمَهُ القِبْطِيُّ فَأدَّتْ مُعاوَنَتُهُ إلى جُرْمٍ في نَظَرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ في المُجْرِمِينَ مَجازٌ في النِّسْبَةِ لِلْإسْنادِ إلى السَّبَبِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الكَفّارُ وعَنى بِهِمْ مَنِ اسْتَغاثَهُ ونَحْوَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أسْلَمَ، وقِيلَ: أرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والمَعْنى أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ فَلَنْ أكُونَ مُعْيِنًا لِلْكُفّارِ بِأنْ أصْحَبَهم وأُكْثِرَ سَوادَهَمْ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَصْحَبُ فِرْعَوْنَ ويَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ ولا يَخْفى أنَّ ما تَقَدَّمَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ الِاسْتِعْطافِي عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ دُعاءٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ فَلَنْ أكُونَ إلَخْ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ الدُّعاءِ أوِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ أيْ بِحَقِّ إنْعامِكَ عَلَيَّ اعْصِمْنِي فَلَمْ أكُونُ إلَخْ أوْ إنْ عَصَمْتَنِي فَلَنْ أكُونَ إلَخْ والقَسَمُ الِاسْتِعْطافِيُّ ما أُكِّدَ بِهِ جُمْلَةٌ طَلَبِيَّةٌ نَحْوَ قَوْلِكَ بِاللَّهِ تَعالى زُرْنِي وغَيْرُ الِاسْتِعْطافِي ما أُكِّدَ بِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ نَحْوَ واللَّهِ تَعالى لَأقُومَنَّ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ، وقِيلَ: القَسَمُ الِاسْتِعْطافِيُّ ما كانَ المُقْسَمُ بِهِ مُشْعِرًا بِعَطْفٍ وحُنُوٍّ نَحْوَ بِكَرَمِكَ الشّامِلِ أنْعِمْ عَلَيَّ وهو صادِقٌ عَلى ما هُنا، وغَيْرُ الِاسْتِعْطافِي ما كانَ المُقْسَمُ بِهِ أعَمَّ مِن ذَلِكَ، وعَلى القَوْلَيْنِ هُما قَسَمانِ مِن مُطْلَقِ القَسَمِ، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَسَمِ ما يُؤَكَّدُ بِهِ الكَلامُ الخَبَرِيِّ ويَنْعَقِدُ مِنهُ يَمِينٌ فَما يَكُونُ المُرادُ بِهِ الِاسْتِعْطافَ صفحة 56 قَسِيمٌ لَهُ وجَعَلَ بَعْضُهم إطْلاقَ القَسَمِ عَلى الِاسْتِعْطافِيِّ تَجَوُّزًا، ويُبْعِدُ إرادَةَ الِاسْتِعْطافِ هُنا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْتَثْنِ أيْ لَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فابْتُلِيَ بِهِ أيْ بِالكَوْنِ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ مَرَّةً أُخْرى وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾ إلَخْ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يُناسِبُ الِاسْتِعْطافَ لِكَوْنِ النَّفْيِ مُعَلَّقًا بِعِصْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ سَبَبِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُعْطَفُ عَلَيْهِ لَنْ أكُونَ إلَخْ وما مَوْصُولَةٌ، والمَعْنى بِسَبَبِ الَّذِي أنْعَمْتَهُ عَلَيَّ مِنَ القُوَّةِ أشْكُرُكَ فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ ولا أدْعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا وهو إلْزامٌ لِنَفْسِهِ بِنُصْرَةِ أوْلِيائِهِ عَزَّ وجَلَّ كالنَّذْرِ ولَيْسَ هُناكَ قَسَمٌ بِوَجْهٍ خِلافًا لِمَن تَوَّهَمَ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ هَذا وإنْ لَمْ يُبْعِدْهُ الأثَرُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدِ نَظَرٍ إلى السِّباقِ، و(لَنْ) عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لِلنَّفْيِ وفي البَحْرِ قِيلَ: إنَّها لِلدُّعاءِ وحَكى ابْنُ هِشامٍ رَدَّهُ بِأنَّ فِعْلَ الدُّعاءِ لا يُسْنَدُ إلى المُتَكَلِّمِ بَلْ إلى المُخاطَبِ أوِ الغائِبِ نَحْوَ يا رَبِّ عَذَّبْتَ فُلانًا، ويَجُوزُ لا عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى عَمْرًا ثُمَّ قالَ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ لا زِلْتُ لَكم خالِدًا خُلُودُ الجِبالِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ كَوْنَها لِلدُّعاءِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ في الآيَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ فَلَعَلَّ مَن جَعَلَها لِلدُّعاءِ حَمَلَ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ عَلى الِاسْتِعْطافِ وعَلَّقَ الجارَّ والمَجْرُورِ بِنَحْوِ اعْصِمْنِي وجَعَلَ الفاءَ تَفْسِيرِيَّةً ولَنْ أكُونَ إلَخْ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا﴾ فَلْيُتَدَبَّرْ، واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى المَنعِ مِن مَعُونَةِ الظَّلَمَةِ وخِدْمَتِهِمْ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الوَلِيدِ الرَّصافِيِّ أنَّهُ سَألَ عَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ أخٍ لَهُ كاتِبٍ فَقالَ لَهُ: إنَّ أخِي لَيْسَ لَهُ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ شَيْءٌ إلّا أنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ بِقَلَمٍ ما يَدْخُلُ وما يَخْرُجُ فَإنْ تَرَكَ قَلَمَهُ صارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ واحْتاجَ وإنْ أخَذَ بِهِ كانَ لَهُ فِيهِ غِنًى قالَ: لِمَن يَكْتُبُ؟ قالَ: لِخالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى ما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فَلا يَهْتَمُّ أخُوكَ بِشَيْءٍ ولْيَرْمِ بِقَلَمِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَأْتِيهِ بِرِزْقٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حَنْظَلَةَ جابِرِ بْنِ حَنْظَلَةَ الضَّبِّيِّ الكاتِبِ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِعامِرٍ يا أبا عَمْرٍو إنِّي رَجُلٌ كاتِبٌ أكْتُبُ ما يَدْخُلُ وما يَخْرُجُ آخُذٌ رِزْقًا أسْتَغْنِي بِهِ أنا وعِيالِي قالَ: فَلَعَلَّكَ تَكْتُبُ في دَمٍ يُسْفَكُ قالَ: لا. قالَ: فَلَعَلَّكَ تَكْتُبُ في مالٍ يُؤْخَذُ قالَ: لا. قالَ: فَلَعَلَّكَ تَكْتُبُ في دارٍ تُهْدَمُ قالَ: لا. قالَ: أسَمِعْتَ بِما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قالَ: أبْلَغْتَ إلَيَّ يا أبا عَمْرٍو واللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا أخُطُّ لَهم بِقَلَمٍ أبَدًا قالَ: واللَّهِ تَعالى لا يَدَعُكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ رِزْقٍ أبَدًا. وقَدْ كانَ السَّلَفُ يَجْتَنِبُونَ كُلَّ الِاجْتِنابِ عَنْ خِدْمَتِهِمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ قالَ: بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ إلى الضَّحّاكِ فَقالَ: اذْهَبْ بِعَطاءِ أهْلِ بُخارى فَأعْطِهِمْ فَقالَ: أعْفِنِي فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْفِيهِ حَتّى أعْفاهُ فَقالَ لَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ: ما عَلَيْكَ أنْ تَذْهَبَ فَتُعْطِيَهم وأنْتَ لا تَرْزُؤُهم شَيْئًا فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُعِينَ الظَّلَمَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ. وإذا صَحَّ حَدِيثُ «يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ الظَّلَمَةُ وأشْباهُ الظَّلَمَةِ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ حَتّى مَن لاقَ لَهم دَواةً أوْ بَرى لَهم قَلَمًا فَيُجْمَعُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ فَيُرْمى بِهِمْ في جَهَنَّمَ». فَلْيَبْكِ مَن عَلِمَ أنَّهُ مِن أعْوانِهِمْ عَلى نَفْسِهِ ولْيُقْلِعْ عَمّا هو عَلَيْهِ قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِهِ، ومِمّا يَقْصِمُ الظَّهْرَ ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ خَيّاطًا سَألَهُ فَقالَ: أنا مِمَّنْ يَخِيطُ لِلظَّلَمَةِ فَهَلْ أُعَدُّ مِن أعْوانِهِمْ؟ فَقالَ: لا. أنْتَ مِنهم والَّذِي يَبِيعُكَ الإبْرَةَ مِن أعْوانِهِمْ فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى العَلِيِّ العَظِيمِ، ويا حَسْرَتا عَلى مَن باعَ صفحة 57 دِينَهُ بِدُنْياهُ واشْتَرى رِضا الظَّلَمَةِ بِغَضَبِ مَوْلاهُ. هَذا وقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى وجَرى الوادِي فَطَمَّ عَلى القُرى.

القصص 28:18

﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يَتَرَصَّدُ ذَلِكَ أوِ الأخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُرْوى قَدْ دَفَنَ القِبْطِيَّ بَعْدَ أنْ ماتَ في الرَّمْلِ، وقِيلَ: خائِفًا وُقُوعَ المَكْرُوهِ مِن فِرْعَوْنَ يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: يَتَرَقَّبُ أنْ يُسَلِّمَهُ قَوْمُهُ، وقِيلَ: يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، وقِيلَ: خائِفًا مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ، والكُلُّ كَما تَرى، والمُتَبادِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ في المَدِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأصْبَحَ واسْمُ أصْبَحَ ضَمِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخائِفًا خَبَرُها وجُمْلَةُ يَتَرَقَّبُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في خائِفًا وقالَ أبُو البَقاءِ: يَتَرَقَّبُ حالٌ مُبْدَلَةٌ مِنَ الحالِ الأُولى أوْ تَأْكِيدٌ لَها أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في خائِفًا اهـ. وفِيهِ احْتِمالُ كَوْنِ أصْبَحَ تامَّةً واحْتِمالُ كَوْنِها ناقِصَةً، والخَبَرُ في المَدِينَةِ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الأوْلى مِن ذَلِكَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ وهو الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مِنَ الصُّراخِ وهو في الأصْلِ الصِّياحُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِعَدَمِ خُلُوِّها مِنهُ غالِبًا وشاعَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وقِيلَ: مَعْنى يَسْتَصْرِخُهُ يَطْلُبُ إزالَةَ صُراخِهِ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ يَسْتَصْرِخُهُ الخَبَرُ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا والخَبَرِ إذا، والمُرادُ بِالأمْسِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنْ كانَ دُخُولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَدِينَةَ بَيْنِ العِشاءَيْنِ فالأمْسُ مَجازٌ عَنْ قُرْبِ الزَّمانِ وهو مُعْرَبٌ لِدُخُولِ ألْ عَلَيْهِ وذَلِكَ الشّائِعُ فِيهِ عِنْدَ دُخُولِها، وقَدْ بُنِيَ مَعَها عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ كَما في قَوْلِهِ: وإنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ إلى الشَّمْسِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَهُ مُوسى﴾ أيْ لِلْإسْرائِيلِيِّ الَّذِي يَسْتَصْرِخُهُ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ ضالٌّ ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الغِوايَةِ لِأنَّكَ تَسَبَّبْتَ لِقَتْلِ رَجُلٍ وتُقاتِلُ آخَرَ أوْ لِأنَّ عادَتَكَ الجِدالُ، واخْتارَ هَذا بَعْضُ الأجِلَّةِ قالَ: إنَّ الأوَّلَ لا يُناسِبُ

القصص 28:19

قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ﴾ إلَخْ لِأنَّ تَذَكُّرَ تَسَبُّبِهِ لِما ذَكَرَ باعِثُ الإحْجامِ لا الإقْدامِ. ورَدَّ بِأنَّ التَّذَكُّرَ أمْرٌ مُحَقِّقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ والباعِثُ لَهُ عَلى ما ذُكِرَ شَفَقَتُهُ عَلى مَن ظَلَمَ مِن قَوْمِهِ وغَيْرَتُهُ لِنُصْرَةِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ والخِطابَ في إنَّكَ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ الإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ عَلى ذاكَ بِهِ بَدَلُ الَّذِي والبَطْشُ الأخْذُ بِصَوْلَةٍ وسَطْوَةٍ، والتَّنْوِينُ في ”عَدُوٌّ“ لِلتَّفْخِيمِ أيْ عَدُوٌّ عَظِيمُ العَداوَةِ ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يُضِفْهُ، والمُرادُ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما القِبْطِيُّ، وقَدْ كانَ القِبْطُ أعْظَمَ النّاسِ عَداوَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ: عَداوَتُهُ لَهُما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ «يَبْطُشُ» بِضَمِّ الطّاءِ. ﴿قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ قالَهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي يَسْتَصْرِخُهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ إرادَةَ البَطْشِ بِهِ دُونَ القِبْطِيِّ مِن تَسْمِيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ غَوِيًّا، وقالَ الحَسَنُ: قالَهُ القِبْطِيُّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما كَأنَّهُ تَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ لِلْإسْرائِيلِيِّ إنَّكَ لَغَوِيٌّ أنَّهُ الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ لَهُ ولا بُعْدَ فِيهِ لِأنَّ ما ذَكَرَ إمّا إجْمالٌ لِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ أوْ لِأنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِمَظْلُومٍ انْتَصَرَ بِهِ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا بُعْدَ لِلِانْتِقالِ مِنهُ لِذَلِكَ، والَّذِي في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ هَذَيْنِ صفحة 58 الرَّجُلَيْنِ كانا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الرَّجُلانِ اللَّذانِ رَآهُما بِالأمْسِ فَأحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ والآخَرُ مِصْرِيٌّ، ووُجِّهَ أمْرُ العَداوَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ هَذا الَّذِي أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ كانَ ظالِمًا لِمَنِ اسْتَصْرَخَهُ فَيَكُونُ عَدُوًّا لَهُ وعاصِيًا لِلَّهِ تَعالى فَيَكُونُ عَدُوًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَداوَتُهُ لَهُما لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ وإنْ كانَ إسْرائِيلِيًّا وفِيها أيْضًا ما هو صَرِيحٌ في أنَّ الظّالِمَ هو قائِلُ ذَلِكَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ التَّوْراةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها فِيما يُكَذِّبُ القُرْآنَ أوِ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ وهي فِيما عَدا ذَلِكَ كَسائِرِ أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا تُصَدَّقُ ولا تُكَذَّبُ. نَعَمْ قَدْ يُسْتَأْنَسُ بِها لِبَعْضِ الأُمُورِ ثُمَّ إنَّ ما فِيها مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُخالِفٌ لِما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِنها هُنا، وفي سائِرِ المَواضِعِ زِيادَةً ونَقْصًا وهو ظاهِرٌ لِمَن وقَفَ عَلَيْها، ولا يَخْفى الحُكْمُ في ذَلِكَ، وقَدْ خَلَتْ هُنا عَنْ ذِكْرِ مَجِيءِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ونُصْحِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا عَنْ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ أيْ ما تُرِيدُ ﴿إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وهو الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ، وقِيلَ: المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ: النَّخْلَةُ الطَّوِيلَةُ فاسْتُعِيرَ لِما ذُكِرَ إمّا بِاعْتِبارِ تَعالِيهِ المَعْنَوِيِّ أوْ تَعَظُّمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ أيْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ بَيْنَ النّاسِ فَتَدْفَعُ التَّخاصُمَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ولَمّا قالَ هَذا انْتَشَرَ الحَدِيثُ وارْتَقى إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَهَمُّوا بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ هو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ لِيُخْبِرَهُ بِذَلِكَ ويَنْصَحَهُ

القصص 28:20

كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ الآيَةَ، واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وكَوْنُ هَذا الرَّجُلِ الجائِي مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ويَسْعى بِمَعْنى يُسْرِعُ في المَشْيِ وإنَّما أسْرَعَ لِبُعْدِ مَحَلِّهِ ومَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِإخْبارِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونُصْحِهِ، وقِيلَ: يَسْعى بِمَعْنى يَقْصِدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ وهو وإنْ كانَ مَجازًا يَجُوزُ الحَمْلُ عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿مِن أقْصى﴾ صِلَةُ (جاءَ) وجُمْلَةُ ﴿يَسْعى﴾ صِفَةُ ﴿رَجُلٌ﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِن أقْصى﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ”رَجُلٌ“، وجُمْلَةُ يَسْعى صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”رَجُلٌ“، أمّا إذا جُعِلَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ مِنهُ فَظاهِرٌ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً مُلْحَقًا بِالمَعارِفِ فَيَسُوغُ أنْ يَكُونَ ذا حالٍ، وأمّا إذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِجاءَ فَمَنَعَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ وأجازَهُ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ أنْ يُعَلَّقَ الجارُّ والمَجْرُورُ بِيَسْعى وهو كَما تَرى ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أيْ يَتَشاوَرْنَ بِسَبَبِكَ وإنَّما سُمِّيَ التَّشاوُرُ ائْتِمارًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَشاوِرِينَ يَأْمُرُ الآخَرَ ويَأْتَمِرُ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَظْفَرُوا بِكَ ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ اللّامُ لِلْبَيانِ كَما في سُقْيًا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أعْنِي- أعْنِي- ولَمْ يُجَوِّزِ الجُمْهُورُ تَعَلُّقَهُ بِالنّاصِحِينَ لِأنَّ ألْ فِيهِ اسْمُ مَوْصُولٍ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ ولا بِمَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ لِأنَّ ما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا وعِنْدَ مَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ مَعْمُولِ الصِّلَةِ إذا كانَ المَوْصُولُ ألْ خاصَّةً لِكَوْنِها عَلى صُورَةِ الحَرْفِ، أوْ إذا كانَ المُتَقَدِّمُ صفحة 59 ظَرْفًا لِلتَّوَسُّعِ فِيهِ، أوْ قالَ: إنَّ ألْ هُنا حَرْفُ تَعْرِيفٍ لِإرادَةِ الثُّبُوتِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَكَ مُتَعَلِّقًا بِالنّاصِحِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ذَلِكَ. واسْتَدَلَّ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ النَّمِيمَةِ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ

القصص 28:21

﴿فَخَرَجَ مِنها﴾ أيْ مِنَ المَدِينَةِ مُمْتَثِلًا. ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لُحُوقَ الطّالِبِينَ ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ أيْ صَرَفَ وجْهَهُ ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ ما يُقابِلُ جانِبَها، و”تِلْقاءَ“ في الأصْلِ مَصْدَرٌ انْتُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ومَدِينُ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ سُمِّيتْ باسِمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ في سُلْطانِ فِرْعَوْنَ ولِذا تَوَجَّهَ لِقَرْيَتِهِ، وقِيلَ تَوَجَّهَ إلَيْها لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وقِيلَ لِقَرابَتِهِ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانٍ. ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ وسْطَ الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةً بِحُسْنِ تَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَعْرِفُ الطُّرُقَ فَعَنْ ثَلاثِ طَرائِقَ فَأخَذَ في الوُسْطى وأخَذَ طالِبُوهُ في الأُخْرَيَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بِنِيّاتِها فَبَقِيَ ثَمانِيَ لَيالٍ وهو حافٍ لا يُطْعَمُ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصِلْ حَتّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَهَداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ في بِنَياتِ الطَّرِيقِ فَجاءَهُ مَلَكٌ عَلى فَرَسٍ بِيَدِهِ عَنْزَةٌ فَلَمّا رَآهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَ لَهُ أيْ خَضَعَ مِنَ الفَرَقِ، فَقالَ: لا تَسْجُدْ لِي ولَكِنِ اتَّبِعْنِي فَتَبِعَهُ وانْطَلَقَ حَتّى انْتَهى بِهِ إلى مَدْيَنَ.

القصص 28:22

﴿فَخَرَجَ مِنها﴾ أيْ مِنَ المَدِينَةِ مُمْتَثِلًا. ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لُحُوقَ الطّالِبِينَ ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ أيْ صَرَفَ وجْهَهُ ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ ما يُقابِلُ جانِبَها، و”تِلْقاءَ“ في الأصْلِ مَصْدَرٌ انْتُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ومَدِينُ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ سُمِّيتْ باسِمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ في سُلْطانِ فِرْعَوْنَ ولِذا تَوَجَّهَ لِقَرْيَتِهِ، وقِيلَ تَوَجَّهَ إلَيْها لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وقِيلَ لِقَرابَتِهِ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانٍ. ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ وسْطَ الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةً بِحُسْنِ تَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَعْرِفُ الطُّرُقَ فَعَنْ ثَلاثِ طَرائِقَ فَأخَذَ في الوُسْطى وأخَذَ طالِبُوهُ في الأُخْرَيَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بِنِيّاتِها فَبَقِيَ ثَمانِيَ لَيالٍ وهو حافٍ لا يُطْعَمُ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصِلْ حَتّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَهَداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ في بِنَياتِ الطَّرِيقِ فَجاءَهُ مَلَكٌ عَلى فَرَسٍ بِيَدِهِ عَنْزَةٌ فَلَمّا رَآهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَ لَهُ أيْ خَضَعَ مِنَ الفَرَقِ، فَقالَ: لا تَسْجُدْ لِي ولَكِنِ اتَّبِعْنِي فَتَبِعَهُ وانْطَلَقَ حَتّى انْتَهى بِهِ إلى مَدْيَنَ.

القصص 28:23

﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ ووَرَدَ. الوُرُودُ بِمَعْنى الدُّخُولِ وبِمَعْنى الشُّرْبِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما مُرادًا والمُرادُ بِماءِ مَدْيَنَ بِئْرٌ كانُوا يَسْقُونَ مِنها، فَهو مَجازٌ مِن إطْلاقِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ﴾ أيْ فَوْقَ شَفِيرِهِ ومُسْتَقاهُ ﴿أُمَّةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً مُخْتَلِفِي الأصْنافِ، ويُشْعِرُ بِالقَيْدِ الأوَّلِ التَّنْوِينُ، وبِالثّانِي مِنَ النّاسِ لِشُمُولِهِ لِلْأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ وهي فائِدَةُ ذَكَرِهِ، وقِيلَ فائِدَتُهُ تَحْقِيرُ أُولَئِكَ الجَماعَةِ وأنَّهم لِئامٌ لا يُعْرَفُونَ بِغَيْرِ جِنْسِهِمْ أوْ مُحْتاجُونَ إلى بَيانٍ أنَّهم مِنَ البَشَرِ ﴿يَسْقُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَسْقُونَ مَواشِيَ مُخْتَلِفَةَ الأنْواعِ بِمَعْنى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَسْقِي إبِلًا ومِنهم مَن كانَ يَسْقِي غَنَمًا وهَكَذا، وتَخَصُّصُ سَقْيِهِمْ بِنَوْعٍ يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ، وقِيلَ مِن قُرْبِهِمْ أوْ مِن سِواهم أوْ مِمّا يَلِي جِهَتَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِمْ وإلى هَذا الأخِيرِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَيْثُ قالَ: المَعْنى ووَجَدَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ ﴿امْرَأتَيْنِ﴾ اسْمُ إحْداهُما قِيلَ: لَيا وقِيلَ: عَبْرا وقِيلَ: شَرْفا، واسْمُ الأُخْرى قِيلَ صَفُورِيّا وقِيلَ صَفُوراءُ وقِيلَ صُفَيْراءُ، وفي الكَشّافِ صُفَيْراءُ اسْمُ الصُّغْرى واسْمُ الكُبْرى صَفْراءُ ﴿تَذُودانِ﴾ كانَتا تَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: تَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ لِئَلّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِها. وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقالَ قَتادَةُ: تَمْنَعانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما، وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِ غَنَمَهُما عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، وفي جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُذَوَّدَ كانَ غَنَمًا، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ، وقِيلَ تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِينَ لِتَسْتُرَهُما وهَذا كَما تَرى ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ ما مَخْطُوبُكُما صفحة 60 ومَطْلُوبُكُما مِمّا أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ ولِمَ لا تُباشِرانِ السَّقْيَ كَغَيْرِكُما؟ وأصْلُ الخَطْبِ مَصْدَرُ خَطَبَ بِمَعْنى طَلَبَ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وفي سُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُما دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعْنِي. وقَرَأ شَمِرٌ «ما خِطْبُكُما» بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ في البَحْرِ: أيْ مَن زَوْجِكُما؟ ولِمَ لا يَسْقِي هُوَ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ اهـ. ولا يَخْفى ما فِيهِ وإباءُ الجَوابِ عَنْهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: الخَطْبُ فِيها بِمَعْنى المَخْطُوبِ والمَطْلُوبِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، ونَظِيرُهُ الحِبُّ بِكَسْرِ الحاءِ المُهْمَلَةِ بِمَعْنى المَحْبُوبِ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ عادَتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم بَعْدَ رِيِّها عَنِ الماءِ عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ لا أنّا لا نَسَقِي اليَوْمَ إلى تِلْكَ الغايَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ «لا نُسْقِي» بِضَمِّ النُّونِ مِنَ الإسْقاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو «يَصْدُرَ» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ أيْ حَتّى يَصْدُرَ الرُّعاةُ بِأغْنامِهِمْ. وسَألَ بَعْضُ المُلُوكِ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَأُجِيبَ بِأنَّ قِراءَةَ يَصْدُرُ بِفَتْحِ الياءِ تَدُلُّ عَلى فَرْطِ حَيائِهِما وتُوارِيهِما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالأجانِبِ، وقِراءَةَ يُصْدُرُ بِضَمِّ الياءِ تَدُلُّ عَلى إصْدارِ الرُّعاةِ المَواشِي ولَمْ يُفْهَمْ مِنها صُدُورُهم عَنِ الماءِ. وقُرِئَ بِزايٍ خالِصَةٍ وبِحَرْفٍ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، وقُرِئَ الرُّعاءُ بِضَمِّ الرّاءِ والمَعْرُوفُ في صِيَغِ الجَمْعِ فِعالٌ بِكَسْرِ الفاءِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا فُعالٌ بِالضَّمِّ فَعَلى خِلافِ القِياسِ لِأنَّهُ مِن أبْنِيَةِ المَصادِرِ والمُفْرَداتِ كَنُباحٍ وصُراخٍ، وإذا اسْتُعْمِلَ في مَعْنى الجَمْعِ كَما في القِراءَةِ الشّاذَّةِ فَقِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ أصْلِيٌّ وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ ولَكِنَّ الأصْلَ فِيهِ الكَسْرُ، والضَّمُّ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الكَسْرِ كَما أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الفَتْحِ في نَحْوِ سُكارى، والوارِدُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ ألْفاظٌ مَحْصُورَةٌ ذَكَرَها الخَفاجِيُّ في شَرْحِ دُرَّةِ الغَوّاصِ والمَشْهُورُ مِنها عَلى ما قالَ ثَمانِيَةٌ، وقَدْ نَظَمَها صَدْرُ الأفاضِلِ لا الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الأصَحِّ بِقَوْلِهِ: ما سَمِعْنا كَلِمًا غَيْرَ ثَمانِ هي جَمْعٌ وهي في الوَزْنِ فِعالِ فَرِبابٌ وفِرارٌ وتُؤامٌ ∗∗∗ وعِرامٌ وعِراقٌ ورِخالٌ وظُؤارٌ جَمْعُ ظِئْرٍ وبِساطٌ، جَمْعُ بُسُطٍ هَكَذا فِيما يُقالُ. وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الرِّعاءَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَيْسَ بِقِياسٍ أيْضًا قالَ: لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فِعْلَةٍ كَقاضٍ وقُضاةٍ وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَرَأ عَيّاشُ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”الرَّعاءُ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أيْ أهْلُ الرِّعاءِ ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ إبْداءٌ مِنهُما لِلْعُذْرِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَوَلِّيهِما لِلسَّقْيِ بِأنْفُسِهِما كَأنَّهُما قالَتا: إنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ لا نَقْدِرُ عَلى مُساجَلَةِ الرِّجالِ ومُزاحَمَتِهِمْ وما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرُ السِّنِّ قَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ فَلا بُدَّ لَنا مِن تَأْخِيرِ السَّقْيِ إلى أنْ يَقْضِيَ النّاسُ أوْطارَهم مِنَ الماءِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ السُّؤالَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ بِالضُّعَفاءِ حَيْثُ سَألَهُما عَنْ مَطْلُوبِهِما مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ قَصْدًا لِأنْ يُجابَ بِطَلَبِ المَعُونَةِ إلّا أنَّهُما لِجَلالَةِ قَدْرِهِما حَمْلَتا قَوْلَهُ عَلى ما يُجابُ عَنْهُ بِالسَّبَبِ صفحة 61 وفِي ضِمْنِهِ طَلَبُ المَعُونَةِ لِأنَّ إظْهارَهُما العَجْزَ لَيْسَ إلّا لِذَلِكَ، وقِيلَ: لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِما بَلْ فِيهِ أماراتٌ عَلى حَيائِهِما وسَتْرِهِما ولَوْ أرادَتا إظْهارَ العَجْزِ لَقالَتا لا نَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ ومَعْنى وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ أنّا مَعَ حَيائِنا إنَّما تَصَدِّينا لِهَذا الأمْرِ لِكِبَرِهِ وضَعْفِهِ وإلّا كانَ عَلَيْهِ أنْ يَتَوَلّاهُ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُما أرادَتا إظْهارَ العَجْزِ عَنِ المُساجَلَةِ لِلضَّعْفِ ولِما جُبِلا عَلَيْهِ مِنَ الحَياءِ، والكَلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِما فِيهِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ لِمَن لَهُ قَلْبٌ، ويَفْهَمُ مِن بَيانِ مَعْنى جَوابِهِما المارِّ آنِفًا أنَّ جُمْلَةَ أبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا أيْ نَتْرُكُ السَّقْيَ حَتّى يَصْدُرَ الرِّعاءُ والحالُ أبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ وأبُوهُما عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَإنْ قِيلَ كَيْفَ ساغَ لِنَبِيِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يَرْضى لِابْنَتَيْهِ بِسَقْيِ الغَنَمِ؟ فالجَوابُ: أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ فالدِّينُ لا يَأْباهُ، وأمّا المُرُوءَةُ فالنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ والعاداتُ مُتَبايِنَةٌ فِيهِ وأحْوالُ العَرَبِ فِيهِ خِلافُ أحْوالِ العَجَمِ ومَذْهَبُ أهْلِ البَدْوِ فِيهِ غَيْرُ مَذْهَبِ أهْلِ الحَضَرِ خُصُوصًا إذا كانَتِ الحالُ حالَ ضَرُورَةٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ كانَ صاحِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَكى هَذا القَوْلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا إلّا أنَّهُ ذَكَرَ هارُونَ بَدَلَ أثْرُونَ وحَكاهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ بَدَلَهُ مَرْوانَ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنْ وهْبٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ بَلَغَنِي أنَّ أبا الِامْرَأتَيْنِ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ واسْمُهُ رَعاوِيلُ وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أُصَدِّقُ أنَّ اسْمَهُ في الكِتابِ يَثْرُونُ كاهِنُ مَدْيَنَ والكاهِنُ حَبْرٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ اسْمَهُ يَثْرُونُ وهو مُوافِقٌ لِما نُقِلَ عَنِ الكِتابِ مِنَ الِاسْمِ ولَمْ يُذْكَرْ في هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ نِسْبَتُهُ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَحْتَمِلُ أنَّ المُسَمّى بِما فِيها ابْنُ أخِيهِ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ رَجُلٌ أجْنَبِيٌّ عَنْهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أباهُما لَيْسَ ذا قَرابَةٍ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما هو رَجُلٌ صالِحٌ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ يَثْرُونَ اسْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ بِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ هو عِنْدَنا يَثْرُو بِدُونِ نُونٍ في آخِرِهِ والَّذِي رَأيْتُهُ أنا في الفَصْلِ الثّانِي مِنَ السِّفْرِ الثّانِي مِن تَوْراتِهِمْ ما تَرْجَمْتُهُ. ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِهَذا الخَبَرِ أيْ خَبَرِ القَتْلِ طَلَبَ أنْ يَقْتُلَ مُوسى فَهَرَبَ مُوسى مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وصارَ إلى بَلَدِ مَدْيَنَ وجَلَسَ عَلى بِئْرِ ماءٍ وكانَ لِإمامِ مَدْيَنَ سَبْعُ بَناتٍ فَجاءَتْ ودَلَّتْ ومَلَأتِ الأحْواضَ لِسَقْيِ غَنَمِ أبِيهِنَّ فَلِما جاءَ الرُّعاةُ فَطَرَدُوهُنَّ قامَ مُوسى فَأغاثَهُنَّ وسَقى غَنَمَهُنَّ فَلَمّا جِئْنَ إلى رَعَوايِلَ أبِيهِنَّ قالَ ما بالُكُنَّ أسْرَعْتُنَّ المَجِيءَ اليَوْمَ إلَخْ، وفي أوَّلِ الفَصْلِ الثّالِثِ مِنهُ ما تَرْجَمْتُهُ وكانَ مُوسى يَرْعى غَنَمَ يَثْرُو حَمِيَّةَ إمامِ مَدْيَنَ إلَخْ فَلا تَغْفُلْ، وفي البَحْرِ عِنْدَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ قِيلَ: كانَ عَمُّها صاحِبَ الغَنَمِ وهو المُزَوِّجُ عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا القائِلَ يَقُولُ: إنَّهُما عَنَتا بِالأبِ هُنا العَمَّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِمّا تَقَدَّمَ مِمّا لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ فالمَدارُ في قَبُولِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والأخْبارُ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها في هَذا المَطْلَبِ مُخْتَلِفَةٌ ولَمْ يَتَمَيَّزْ عِنْدَنا ما هو الأرْجَحُ فِيما بَيْنَها وكَأنِّي بِكَ تُعَوِّلُ عَلى المَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وهو أنَّ أباهُما عَلى الحَقِيقَةِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَظْهَرَ لَكَ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

القصص 28:24

﴿فَسَقى لَهُما﴾ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة 62 سارَعَ إلى السَّقْيِ لَهُما رَحْمَةً عَلَيْهِما ومَنشَأُ التَّرَحُّمِ كَوْنُهُما عَلى الذَّوْدِ وكَوْنُ الأُمَّةِ مِنَ النّاسِ عَلى السَّقْيِ ولِهَذا ذَهَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ وصاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ في يَسْقُونَ وتَذُودانِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ يَصْدُرُ مِنهُمُ السَّقْيُ ومِنهُما الذَّوْدُ وقالَ: إنَّ كَوْنَ المَسْقِي والمُذَوَّدِ إبِلًا أوْ غَنَمًا خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ بَلْ يُوهِمُ خِلافَهُ إذْ لَوْ قِيلَ: أوْ قُدِّرَ يَسْقُونَ إبِلَهم وتَذُودانِ غَنَمَهُما لَتُوُهِّمَ أنَّ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِما لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّهُما عَلى الذَّوْدِ والنّاسِ عَلى السَّقْيِ بَلْ مِن جِهَةِ أنَّ مَذْوَدَهُما غَنَمٌ ومَسْقِيَهم إبِلٌ بِناءً عَلى أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في الكَلامِ البَلِيغِ هو القَيْدُ الأخِيرُ وخالَفَهُما في ذَلِكَ السَّكّاكِيُّ فَذَهَبَ إلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ مِن يَسْقُونَ وتَذُودانِ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصارِ والمُرادُ يَسْقُونَ مَواشِيَهم وتَذُودانِ غَنَمَهُما وكَذا سائِرُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي فَقالَ: إنَّ هَذا أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِأنَّ التَّرَحُّمَ لَمْ يَكُنْ مِن جِهَةِ صُدُورِ الذَّوْدِ عَنْهُما وصُدُورِ السَّقْيِ مِنَ النّاسِ بَلْ مِن جِهَةِ ذَوْدِهِما غَنَمَهُما وسَقْيِ النّاسِ مَواشِيَهم حَتّى لَوْ كانَتا تَذُودانِ غَيْرَ غَنَمِهِما بَلْ مَواشِيَهم وكانَ النّاسُ يَسْقُونَ غَيْرَ مَواشِيهِمْ بَلْ غَنَمَهُما مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ التَّرَحُّمُ ووافَقَهُ في ذَلِكَ السَّيِّدُ السَّنَدُ وقالَ في تَحْقِيقِ المَذْهَبَيْنِ: إنَّ الشَّيْخَيْنِ اعْتَبَرا المَفْعُولَ الَّذِي نَزَلَ الفِعْلانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ هو الإبِلُ والغَنَمُ مَثَلًا أيِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المَواشِي بِدُونِ الإضافَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُما إنَّ كَوْنَ المَسْقِي والمُذَوَّدِ إبِلًا أوْ غَنَمًا إلَخْ وكُلٌّ مِنهُما مُقابِلٌ لِلْآخَرِ في نَفْسِهِ وجُعِلا ما يُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ في القَوْلِ أوِ التَّقْدِيرِ المَفْرُوضِ خارِجًا عَنِ المَفْعُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ غَيْرُ مَلْحُوظٍ مَعَهُ فالمَفْعُولُ عِنْدَهُما لَيْسَ إلّا مُطْلَقَ الإبِلِ والغَنَمِ فَلَوْ قُدِّرَ المَفْعُولُ لَأدّى إلى فَسادِ المَعْنى فَإنَّهُما لَوْ كانَتا تَذُودانِ إبِلًا لَهُما عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لَكانَ التَّرَحُّمُ باقِيًا بِحالِهِ لِأنَّهُ إنَّما كانَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِما عَلى السَّقْيِ، والسَّكّاكِيُّ نَظَرَ إلى أنَّ المَفْعُولَ هو الغَنَمُ المُضافَةُ إلَيْهِما والمَواشِي المُضافَةُ إلَيْهِمْ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقابِلُ الآخَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُضافٌ فَلَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المَفْعُولُ يَفْسُدِ المَعْنى وهَذا أدَقُّ نَظَرًا وأصَحُّ مَعْنًى انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ المَوْلى عَبْدُ الحَكِيمِ السّالَكُونِي بِقَوْلِهِ: وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّ عَدَمَ التَّقْدِيرِ إنْ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ أيْ يَسْقُونَ مَواشِيَهم وغَيْرَ مَواشِيهِمْ وتَذُودانِ غَنَمَهُما وغَيْرَ غَنَمِهِما يَلْزَمُ الفَسادُ أمّا إذا قُصِدَ بِهِ مُجَرَّدُ السَّقْيِ والذَّوْدِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلا لِأنَّ كَوْنَ طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ مَنشَأ التَّرَحُّمِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولٍ مَخْصُوصٍ كَذَلِكَ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ سَقْيُ غَيْرِ مَواشِيهِمْ وذَوْدُ غَيْرِ غَنَمِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّرَحُّمِ فَتَدَبَّرْ، فَإنَّ مَنشَأ ما ذَكَرَهُ السَّكّاكِيُّ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الإطْلاقِ والعُمُومِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُضُمَّ إلى طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ بَعْضُ الحَيْثِيّاتِ كَحَيْثِيَّةِ تَحَقُّقِ طَبِيعَةِ السَّقْيِ مِن أقْوِياءَ مُتَغَلِّبِينَ. وتَحَقُّقُ طَبِيعَةِ الذَّوْدِ مِنِ امْرَأتَيْنِ ضَعِيفَتَيْنِ مَسْتُورَتَيْنِ في مَوْضِعٍ هو مُجْتَمَعُ النّاسِ لِلسَّقْيِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّ مُجَرَّدَ طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ لا تَصْلُحُ مَنشَأ التَّرَحُّمِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: تَرْكُ المَفْعُولِ في يَسْقُونَ ويَذُودانِ لِأنَّ الغَرَضَ هو الفِعْلُ لا المَفْعُولُ إذْ هو يَكْفِي في البَعْثِ عَلى سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما زادَ عَلى المَقْصُودِ لُكْنَةٌ وفُضُولٌ، وأمّا البَعْثُ عَلى المَرْحَمَةِ فَلَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ فَإنَّ لَهُ قَوْلَهُما: لا ﴿نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ومَن لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ البَعْثَيْنِ قالَ ما قالَ ورَدَّ بِأنَّ مَنشَأ السُّؤالِ هو المَرْحَمَةُ لِحالِهِما كَما صَرَّحُوا بِهِ فَسُؤالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوَسُّلِ إلى إعانَتِهِما وبِرِّهِما لَتَفَرَّسَ ضَعْفَهُما وعَجْزَهُما ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّكَلُّمِ مَعَ الأجْنَبِيَّةِ داعٍ، وقَوْلُهُما: لا ﴿نَسْقِي﴾ إلَخْ باعِثٌ لِمَزِيدِ المَرْحَمَةِ لِقَبُولِها لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ سُلِّمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّسَ ضَعْفَهُما وعَجْزَهُما لِأُمُورٍ شاهَدَها، صفحة 63 وإلّا فالذَّوْدُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إذْ يَتَحَقَّقُ لِلضَّعْفِ ولِغَيْرِهِ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ كَلامَ جَمْعٍ مِنَ الفُضَلاءِ في هَذا المَقامِ مِنهُ ما ذَكَرْنا عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ ورَدَّهُ واعْتَرَضَ بِما اعْتَرَضَ، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ عَلى المَرْحَمَةِ فَخَيالٌ فاسِدٌ ومَحَطُّ كَلامِهِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الِانْتِصارُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخانِ وقَدِ انْتَصَرَ لَهُما، وقالَ بِقَوْلِهِما غَيْرُ واحِدٍ. واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ مُضافًا بِأنَّ الإضافَةَ تُشْعِرُ بِالمِلْكِ ولا مِلْكَ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ والِامْرَأتَيْنِ فَإنَّ الظّاهِرَ في الأُمَّةِ أنَّهم كانُوا رِعاءً والأغْلَبُ أنَّ الرِّعاءَ لا يَمْلِكُونَ، والظّاهِرُ أنَّ ما في يَدِ الِامْرَأتَيْنِ كانَ مِلْكًا لِأبِيهِما، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، هَذا والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقى لَهُما مِنَ البِئْرِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَهم عَنِ الماءِ إلى أنْ سَقى لَهُما وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْها أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ قالَ ما خَطْبُكُما فَحَدَّثْناهُ فَأتى الصَّخْرَةَ فَرَفَعَها وحْدَهُ ثُمَّ اسْتَسْقى فَلَمْ يَسْتَسْقِ إلّا دَلْوًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ لَكِنَّ هَذا مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ الأُمَّةَ يَسْقُونَ ووَجَدَ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ وهَذا ظاهِرٌ في مُقارَنَةِ وِجْدانِهِما لِوِجْدانِهِمْ وذَوْدِهِما لِسَقْيِهِمْ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ وِجْدانَهُما بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ السَّقْيِ كَما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ وكَأنَّ مَن يَقُولُ بِصِحَّتِهِ يَمْنَعُ اقْتِضاءَ الآيَةِ كَوْنَ وِجْدانِ الأُمَّةِ يَسْقُونَ ووِجْدانِ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ في أوَّلِ وقْتِ الوُرُودِ فَإنَّهُ يُقالُ: لَمّا ورَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وجَبَ الصِّيامُ ووَجَبَتِ الزَّكاةُ مَثَلًا مَعَ أنَّ وُجُوبَ كُلٍّ لَيْسَ في أوَّلِ وقْتِ الوُرُودِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وجَدَ أُمَّةً يَسْقُونَ أوَّلَ وقْتِ وُرُودِهِ وبَعْدَ أنْ فَرَغُوا مِنَ السَّقْيِ ووَضَعُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ وجَدَ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ فَخاطَبَهُما بِما خَطَبَكُما فَكانَ ما كانَ ويُحْمَلُ ذَوْدُهُما عَلى مَنعِ غَنَمِهِما عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ لِعِلْمِهِما أنَّها قَدْ أطْبَقَ عَلَيْها صَخْرَةً لا يَقْدِرُونَ عَلى رَفْعِها ويَتَكَلَّفُ في تَوْجِيهِ الجَوابِ ما يَتَكَلَّفُ أوْ يَقُولُ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها ويُسَلِّمُ اقْتِضاءَهُ اتِّحادَ الوِجْدانَيْنِ والذَّوْدِ والسَّقْيِ بِالزَّمانِ ويَمْنَعُ أنْ يَكُونَ في الخَبَرِ ما يُنافِي ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ فَإذا بِالِامْرَأتَيْنِ حاضِرَتانِ عِنْدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَألَهُما فَحَدَّثْناهُ إلَخْ فَما بَعْدَ الفَراغِ مِنَ السَّقْيِ لَيْسَ وِجْدانُ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ وإنَّما هو حُضُورُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والكُلُّ كَما تَرى وكَأنِّي بِكَ تَعْتَمِدُ عَدَمَ صِحَّةِ الخَبَرِ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقى لَهُما مِن بِئْرٍ أُخْرى، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في خَبَرٍ طَوِيلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَ الِامْرَأتَيْنِ وأجابَتا قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ؟ قالَتا: لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ. قالَ: فانْطَلِقا فَأرَيانِيها. فانْطَلَقا مَعَهُ فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سِجِلًّا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ الَّذِي كانَ هُناكَ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ظِلُّ شَجَرَةٍ قِيلَ: كانَتْ سُمْرَةً، وقِيلَ: هو ظِلُّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ صفحة 64 وهُوَ كَما تَرى ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ﴾ أيْ لِأيِّ شَيْءٍ تُنْزِلُهُ مِن خَزائِنِ كَرَمِكَ إلَيَّ. ﴿مِن خَيْرٍ﴾ جَلَّ أوْ قَلَّ ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ مُحْتاجٌ وهو خَبَرُ إنَّ وبِهِ يَتَعَلَّقُ لِما، ولَمّا أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاحْتِياجِ عُدِّيَ بِاللّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى الطَّلَبِ واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ فَتَتَعَلَّقُ بِأعْنِي مَحْذُوفًا، و(ما عَلى جَمِيعِ الأوْجَهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِفَتُها، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومِن خَيْرٌ بَيانٍ لَها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ، والكَلامُ تَعْرِيضٌ لِما يُطْعِمُهُ لِما نالَهُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي بَدَلُ المُضارِعِ في أنْزَلْتَ لِلِاسْتِعْطافِ كالِافْتِتاحِ بِرَبٍّ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ الكَلامِ تَعْرِيضًا لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا سَقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْجارِيَتَيْنِ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ إنَّهُ يَوْمَئِذٍ فَقِيرٌ إلى كَفٍّ مِن تَمْرٍ»». وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَقَدْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنَهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةٍ الجُوعِ». وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ فَلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ» وأنَّهُ كَما رَوى أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَبْرِ لِيَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ مِن بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ وإلى كَوْنِ الكَلامِ تَعْرِيضًا لِذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما سَألَ إلّا خُبْزًا يَأْكُلُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وما مَوْصُولَةً، ومِن لِلْبَيانِ والتَّنْكِيرِ في خَيْرٍ لِإفادَةِ النَّوْعِ والتَّعْظِيمِ، وصِلَةُ فَقِيرٍ مُقَدَّرَةٌ أيْ إنِّي فَقِيرٌ إلى الطَّعامِ أوْ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ الَّذِي أنْزَلْتَهُ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ ولَيْسَ الغَرَضُ عَلَيْهِ التَّعْرِيضَ لِما يُطْعَمُهُ ولا التَّشَكِّي والتَّضَجُّرِ بَلْ إظْهارُ التَّبَجُّحِ والشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَلَيْهِ ظاهِرٌ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خِلافُ المَأْثُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ ولا يَخْلُو أيْضًا عَنْ بُعْدٍ. وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الِامْرَأتَيْنِ سَمِعَتا ما قالَ فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ

القصص 28:25

﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ قِيلَ هي الكُبْرى مِنهُما وقِيلَ الصُّغْرى وكانَتا عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ تَوْأمَتَيْنِ وُلِدَتْ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ «حِداهُما» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ مِثْلَ: ويْلُمِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ ﴿تَمْشِي﴾ حالٌ مِن فاعِلِ جاءَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ تَمْشِي أيْ جاءَتْهُ ماشِيَةً كائِنَةً عَلى اسْتِحْياءٍ فَمَعْناهُ أنَّها كانَتْ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ مَعًا لا عِنْدَ المَجِيءِ فَقَطْ، وتَنْكِيرُ اسْتِحْياءٍ لِلتَّفْخِيمِ. ومِن هُنا قِيلَ جاءَتْ مُتَخَفِّرَةً أيْ شَدِيدَةَ الحَياءِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وفي رَفْعِهِ إلى عُمَرَ رِوايَةً أُخْرى صَحَّحَها الحاكِمُ بِلَفْظِ ”واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها“ ﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيئِها إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ صفحة 65 فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ جَزاءَ سَقْيِكَ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لِأنَّ ما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الأجْرُ فِعْلُهُ لا ما سَقاهُ إذْ هو الماءُ المُباحُ وأسْنَدَتِ الدَّعْوَةُ إلى أبِيها وعَلَّلَتْها بِالجَزاءِ لِئَلّا يُوهِمَ كَلامُها رِيبَةً. وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العَقْلِ والحَياءِ والعِفَّةِ ما لا يَخْفى. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَها فَقامَ مَعَها فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعُتِي لِي الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفَ لِي جَسَدَكِ فَفَعَلَتْ. وفِي رِوايَةٍ أنْ قالَ لَها: كُونِي ورائِي فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِمْ أنَّها مَشَتْ أوَّلًا أمامَهُ فَألْزَقَتِ الرِّيحُ ثَوْبَها بِجَسَدِها فَوَصَفَتْهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعُتِي لِي الطَّرِيقَ فَفَعَلَتْ حَتّى أتَيا دارَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ المَقْصُوصِ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالعِلَلِ ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يُرِيدُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وقالَ ذَلِكَ لِما أنَّهُ لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ عَنْ إلْهامٍ أوْ نَحْوِهِ، واخْتُلِفَ في الدّاعِي لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإجابَةِ فَقِيلَ الَّذِي يَلُوحُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أجابَ المُسْتَدْعِيَةَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ لِيَتَبَرَّكَ بِرُؤْيَةِ الشَّيْخِ ويَسْتَظْهِرَ بِرَأْيِهِ لا طَمَعًا بِما صَرَّحَتْ بِهِ مِنَ الأجْرِ، ألا تَرى إلى ما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ إذا هو بِالعَشاءِ فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ. قالَ مُوسى. أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى. قالَ: ولِمَ ألَسْتَ بِجائِعٍ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا لِما سَقَيْتُ لَهُما وإنّا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا قالَ: لا واللَّهِ، ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ فَجَلَسَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأكَلَ، وقِيلَ: الدّاعِي لَهُ ما بِهِ مِنَ الحاجَةِ ولَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقْبَلَ الأجْرَ لِإضْرارِ الفَقْرِ والفاقَةِ. فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مِطْرَفِ بْنِ الشَّخِيرِ قالَ: أما واللَّهِ لَوْ كانَ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ما تَبِعَ مَذْقَتَها ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الجَهْدُ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَهابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغْبَةٌ بِالجَزاءِ بِما رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ لِيَسْمَعَهُما، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ لِيَجْزِيَكَ إلَخْ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ لِاحْتِمالِ أنَّهُ إنَّما فَعَلَهُ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى اسْتِدْعائِهِ لا إلى اسْتِيفاءِ الأجْرِ، ولا ضَيْرَ فِيما أرى أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ذَهَبَ رَغْبَةً في سَدِّ جَوْعَتِهِ وفي الِاسْتِظْهارِ بِرَأْيِ الشَّيْخِ ومَعْرِفَتِهِ، ولا أقُولُ إنَّ الرَّغْبَةَ في سَدِّ الجَوْعَةِ رَغْبَةٌ في اسْتِيفاءِ الأجْرِ عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ أوْ مُسْتَلْزِمَةٌ لَها، ودَعْوى أنَّ الَّذِي يَلُوحُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أجابَ لِلتَّبَرُّكِ والِاسْتِظْهارِ بِالرَّأْيِ لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ، وعَمَلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِ امْرَأةٍ لِأنَّهُ مِن بابِ الرِّوايَةِ، ويَعْمَلُ بِقَوْلِ الواحِدِ حُرًّا كانَ أوْ عَبْدًا ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى إذا كانَ كَذَلِكَ، ومُماشاتُهُ امْرَأةً أجْنَبِيَّةً مِمّا لا بَأْسَ بِهِ في نَظائِرِ تِلْكَ الحالِ مَعَ ذَلِكَ الِاحْتِياطِ والتَّوَرُّعِ

القصص 28:26

﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ وهي الَّتِي اسْتَدْعَتْهُ إلى أبِيها وهي الَّتِي زَوَّجَها مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ يا ﴿أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الأغْنامِ والقِيامِ بِأمْرِها، وأصْلُ الِاسْتِئْجارِ كَما قالَ الرّاغِبُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالأُجْرَةِ ثُمَّ عَبَّرَ بِهِ عَنْ تَناوُلِهِ بِها وهو المُرادُ هُنا. وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ وهو تَعْلِيلٌ جارٍ مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ صفحة 66 السَّلامُ حَقِيقٌ بِالِاسْتِئْجارِ المَفْهُومِ مِن طَلَبِ اسْتِئْجارِهِ، وبَعْضُهم رَتَّبَ مِنَ الآيَةِ قِياسًا مِنَ الشَّكْلِ الأوَّلِ هَكَذا هو قَوِيٌّ أمِينٌ وكُلُّ قَوِيٍّ أمِينٍ لائِقٌ بِالِاسْتِئْجارِ يَنْتِجُ هو لائِقٌ بِالِاسْتِئْجارِ وهو المُدَّعى المَفْهُومُ مِنَ الطَّلَبِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا ظاهِرٌ لَوْ كانَ خَيْرٌ خَبَرًا ولَيْسَ هو كَذَلِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الخَيْرِيَّةِ لِأنَّها أُمُّ الكَمالِ المَبْنِيِّ عَلَيْها غَيْرُها. وفي الكَشّافِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جُعِلَ خَيْرُ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ اسْمًا لَإنَّ والقَوِيُّ الأمِينُ خَبَرًا؟ قُلْتُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ (حَيًّا) وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ فِي أنَّ العِنايَةَ هي سَبَبُ التَّقْدِيمِ وقَدْ صَدَقَتْ حَتّى جُعِلَ لَها ما هو أحَقُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا اسْمًا وأرادَ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: أحَقِّيَّةَ كَوْنِ خَيْرَ خَبَرًا مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ، ووُجِّهَ بِأنَّ خَيْرًا مُضافٌ إلى مَن وهي نَكِرَةٌ فَكَذا هو والإخْبارُ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ جَوَّزُوهُ في اسْمِي التَّفْضِيلِ والِاسْتِفْهامِ، ولَوْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَإضافَةُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَفْظِيَّةً لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا كَما هو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلنُّحاةِ فِيها، وعَلى القَوْلِ بِإفادَتِها التَّعْرِيفَ يُقالُ: المُعَرَّفُ بِاللّامِ أعْرَفُ مِنَ المَوْصُولِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَعْرِيفَ القَوِيِّ الأمِينِ لِلْجِنْسِ وما فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ قَدْ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ النَّكِرَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المَوْصُولَ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ كَذَلِكَ وهُنا تَصِحُّ هَذِهِ الإرادَةُ لِيَجِيءَ التَّعَدُّدُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (خَيْرَ)، وحَيْثُ كانَ المُضافُ إلى شَيْءٍ دُونَهُ يَكُونُ القَوِيُّ الأمِينُ أحَقَّ بِالِاسْمِيَّةِ وخَيْرُ أحَقَّ بِالخَبَرِيَّةِ. وإذْ قُلْتَ بِأنَّ أحَقِّيَّةَ الخَبَرِيَّةِ لِأنَّ سَوْقَ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِيها إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلِاهْتِمامِ خَلُصْتُ مِن كَثِيرٍ مِنَ المُناقَشاتِ. وقالَ لِي الشَّيْخُ خَلِيلُ أفَنْدِيٍّ الآمِدِيُّ يَوْمَ اجْتَمَعْتُ بِهِ وأنا شابٌّ عِنْدَ وُرُودِهِ إلى بَغْدادَ فَجَرى بَحْثٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّ القِياسَ المَأْخُوذَ مِنها مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي هَكَذا مُوسى القَوِيُّ الأمِينُ وخَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ يَنْتِجُ مُوسى خَيْرُ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ. فَقُلْتُ: أظْهَرَ ما يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّ شَرْطَ إنْتاجِ الشَّكْلِ الثّانِي بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ اخْتِلافُ مُقَدِّمَتَيْهِ بِالإيجابِ والسَّلْبِ بِأنْ تَكُونَ إحْداهُما مُوجَبَةً والأُخْرى سالِبَةً وهو مُنْتَفٍ فِيما ذَكَرْتُ فَسَكَتَ وأعْرَضَ عَنِ البَحْثِ حَذَرًا مِنَ الفَضِيحَةِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أدِلَّةَ القُرْآنِ لا يَلْزَمُ فِيها التَّرْتِيبُ الَّذِي وضَعَهُ المَنطِقِيُّونَ فَذَلِكَ صِناعَةُ أغْنى اللَّهُ تَعالى العَرَبَ عَنْها، وما ذَكَرَ مِن أنَّ جَعْلَ (خَيْرَ) اسْمًا لِلِاهْتِمامِ هو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ وجَعْلُهُ اسْمًا مِن بابِ القَلْبِ لِلْمُبالَغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ألْ في القَوِيِّ الأمِينِ لِلْجِنْسِ فَيَنْدَرِجُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ. وذَكَرَ الِاسْتِئْجارَ بِلَفْظِ الماضِي مَعَ أنَّ الظّاهِرَ ذِكْرُهُ بِلَفْظِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ قَدْ جُرِّبَ وعُرِفَ. وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَوِيِّ الأمِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّها قالَتْ: إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ مُوسى، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ إنَّ كَلامَها هَذا كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الخَصْلَتانِ أعْنِي الكِفايَةَ والأمانَةَ في القائِمِ بِأمْرِكَ فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ. وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِإرْسالِ هَذا الكَلامِ الَّذِي سِياقُهُ سِياقُ المَثَلِ والحِكْمَةِ أنْ تَقُولَ: اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ مِثْلَ هَذا المَدْحِ مِنَ المَرْأةِ لِلرَّجُلِ أجْمَلُ مِنَ المَدْحِ الخاصِّ وأبْقى لِلْحِشْمَةِ وخُصُوصًا إنْ كانَتْ فَهِمَتْ أنَّ غَرَضَ أبِيها أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ، ومَعْرِفَتُها قُوَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما رَأتْ مِن دَفْعِهِ النّاسَ عَنِ الماءِ وحْدَهُ حَتّى سَقى لَهُما، ومَعْرِفَتُها أمانَتَهُ مِن عَدَمِ تَعَرُّضِهِ لَها بِقَبِيحٍ ما مَعَ وحْدَتِها وضَعْفِها. ورُوِيَ أنَّها لَمّا قالَتْ ما قالَتْ قالَ لَها أبُوها: ما أعْلَمَكِ بِقُوَّتِهِ؟ صفحة 67 فَذَكَرَتْ لَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَلَّ صَخْرَةً عَلى البِئْرِ لا يُقِلُّها كَذا وكَذا وقَدْ مَرَّ في حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ والنَّقْلُ في عَدَدِ مَن يُقِلُّها مُضْطَرِبٌ فَأقَلُّ ما قالُوا فِيهِ سَبْعَةٌ وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، وقَدْ مَرَّ ما يُعْلَمُ مِنهُ حالُ الخَبَرِ في أصْلِ الإقْلالِ، وذَكَرَتْ أنَّهُ نَزَعَ وحْدَهُ بِدَلْوٍ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ. وقالَ: ما أعْلَمَكِ بِأمانَتِهِ؟ فَذَكَرَتْ ما كانَ مِن أمْرِهِ إيّاها بِالمَشْيِ وراءَهُ وأنَّهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ حَتّى بَلَّغَتْهُ الرِّسالَةَ، وقَدَّمَتْ وصْفَ القُوَّةِ مَعَ أنَّ أمانَةَ الأجِيرِ لِحِفْظِ المالِ أهَمُّ في نَظَرِ المُسْتَأْجِرِ لِتَقَدُّمِ عِلْمِها بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى عِلْمِها بِأمانَتِهِ أوْ لِيَكُونَ ذِكْرُ وصْفِ الأمانَةِ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ المُهِمِّ إلى الأهَمِّ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِها اسْتَأْجِرْهُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ وهي مِن ضَرُورِيّاتِ النّاسِ ومَصْلَحَةِ الخُلْطَةِ خِلافًا لِابْنِ عَلِيَّةَ والأصَمِّ حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها وهَذا ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ وخِلافُهُما خَرْقٌ لَهُ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وهَذا لَعَمْرِي غَرِيبٌ مِنهُما إنْ كانا لا يُجِيزانِ الإجارَةَ مُطْلَقًا، ورَأيْتُ في الإكْلِيلِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ إلَخْ رَدًّا عَلى مَن مَنَعَ الإجارَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِالحَيَوانِ عَشْرَ سِنِينَ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ غالِبًا فَلَعَلَّ الإجارَةَ الَّتِي لا يُجِيزانِها نَحْوَ هَذِهِ الإجارَةِ والأمْرُ في ذَلِكَ أهْوَنُ مِن عَدَمِ إجارَةِ الإجارَةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى.

القصص 28:27

﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ أبُوها بَعْدَ أنْ سَمِعَ كَلامَها؟ فَقِيلَ: قالَ إنِّي. وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ إظْهارٌ لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿هاتَيْنِ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ بَناتٌ أُخَرُ غَيْرُهُما، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ لَهُما أرْبَعَ أخَواتٍ صِغارٍ، وقالَ البِقاعِيُّ: إنَّ لَهُ سَبْعَ بَناتٍ كَما في التَّوْراةِ وقَدْ قَدَّمْنا نَقْلَ ذَلِكَ. وفي الكَشّافِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذُكِرَ إذْ يَكْفِي في الحاجَةِ إلى الإشارَةِ عَدَمُ عِلْمِ المُخاطَبِ بِأنَّهُ ما كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا تَكْفِي الإضافَةُ العَهْدِيَّةُ ولا يُحْتاجُ إلى الإشارَةِ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِ عِلْمٌ بِغَيْرِهِما مَعْهُودٌ عِنْدَهُ أيْضًا، وإنَّما الإشارَةُ لِدَفْعِ إرادَةِ غَيْرِهِما مِنِ ابْنَتَيْهِ الأُخْرَيَيْنِ المَعْلُومَتَيْنِ لَهُ مِن بَيْنِهِنَّ ونَعَمْ ما قالَ الخَفاجِيُّ لا وجْهَ لِلْمُشاحَّةِ في ذَلِكَ فَإنَّ مِثْلَهُ زَهْرَةٌ لا يَحْتَمِلُ الفَرْكَ. وقَرَأ ورْشٌ وأحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو «أنْكِحُكَ احْدى» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿أُنْكِحَكَ﴾ أيْ مَشْرُوطًا عَلَيْكَ أوْ واجِبًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ قالَهُ أبُو البَقاءِ، وتَأْجُرُنِي مِن أجَرْتُهُ كُنْتُ لَهُ أجِيرًا كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ كُنْتَ لَهُ أبًا، وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْجُرُنِي بِمَعْنى تُثِيبُنِي مِن أجَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما فَعَلَ أيْ أثابَهُ فَيَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما هُنا ثَمانِيَ حِجَجٍ. والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ تُثِيبُنِي رَعِيَّةَ ثَمانِي حِجَجٍ أيْ تَجْعَلُها ثَوابِي وأجْرِي عَلى الإنْكاحِ ويَعْنِي بِذَلِكَ المَهْرَ. وجُوِّزَ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتَأْجُرَنِي أيْضًا بِحَذْفِ المَفْعُولِ أيْ تُعَوِّضُنِي خِدْمَتَكَ أوْ عَمَلَكَ في ثَمانِي حِجَجٍ، ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ يُقالُ: أجَّرَتْ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرُ مَمْدُودٍ وآجَرْتُ مَمْدُودًا، والأوَّلُ أكْثَرُ فَعَلى هَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والمَعْنى عَلى أنْ تَأْجُرَنِي نَفْسَكَ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، والثّانِي بِمَن فَيُقالُ: أجَّرْتُ الدّارَ مِن عَمْرٍو، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ آجَرَ بِالمَدِّ صفحة 68 وأجَّرَ بِدُونِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ أجَّرْتُ زَيْدًا إذا اعْتُبِرَ فِعْلُ أحَدِهِما، ويُقالُ: آجَرْتُهُ إذا اعْتُبِرَ فِعْلاهُما وكِلاهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى، ويُقالُ كَما في القامُوسِ أجَرْتُهُ أجْرًا وآجَرْتُهُ إيجارًا ومُؤاجَرَةً. وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ آجَرَهُ بِالمَدِّ إيجارًا وبِالقَصْرِ يَأْجِرُهُ بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّها أجْرًا، وفِيها أنَّ الإجارَةَ بِتَثْلِيثِ الهَمْزَةِ والكَسْرُ أفْصَحُ لُغَةً اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتْ في العَقْدِ، والحِجَجُ جَمْعُ حِجَّةٍ بِالكَسْرِ السَّنَةُ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ فَهو مِن عِنْدِكَ مِن طَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا مِن عِنْدِي بِطَرِيقِ الإلْزامِ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ إتْمامِ العَشْرِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ واسْتِيفاءِ الأعْمالِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةِ وهي ما يَصْعُبُ تَحَمُّلُهُ مِنَ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو فَصْلُ الشَّيْءِ إلى شَقَّيْنِ فَإنَّ ما يَصْعُبُ عَلَيْكَ يَشُقُّ عَلَيْكَ رَأْيُكَ في أمْرِهِ لِتَرَدُّدِهِ في تَحَمُّلِهِ وعَدَمِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ومُرادُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِثْناءِ التَّبَرُّكُ بِهِ وتَفْوِيضُ أمْرِهِ إلى تَوْفِيقِهِ تَعالى لا تَعْلِيقُ صَلاحِهِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى أنَّهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اسْتَعْمَلَ الصَّلاحَ وإنْ شاءَ عَزَّ وجَلَّ اسْتَعْمَلَ خِلافَهُ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ. وقِيلَ: لِأنَّ صَلاحَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَحَقِّقٌ فَلا مَعْنى لِلتَّعْلِيقِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّافِعِيِّ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

القصص 28:28

﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ ذَلِكَ الَّذِي قُلْتَ وعاهَدْتَنِي فِيهِ وشارَطْتَنِي عَلَيْهِ قائِمٌ وثابِتٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا يَخْرُجُ عَنْهُ واحِدٌ مِنّا لا أنا عَمّا شَرَطْتَ (عَلَيَّ) ولا أنْتَ عَمّا شَرَطْتَ عَلى نَفْسِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيْ أطْوَلَهُما أوْ أقْصَرَهُما ﴿قَضَيْتُ﴾ أيْ وفَّيْتُكَ بِأداءِ الخِدْمَةِ فِيهِ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُرادِ وتَقْرِيرٌ لِأمْرِ الخِيارِ أيْ لا عُدْوانَ كائِنٌ (عَلَيَّ) بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ وتَعْمِيمُ انْتِفاءِ العُدْوانِ بِكِلا الأجَلَيْنِ بِصَدَدِ المُشارَطَةِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ العُدْوانِ في أطْوَلِهِما رَأْسًا لِلْقَصْدِ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الِانْتِفاءِ أيْ كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِ أوْ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا إثْمَ كائِنٌ (عَلَيَّ) كَما لا إثْمَ (عَلَيَّ) في قَضاءِ الأطْوَلِ لا إثْمَ (عَلَيَّ) في قَضاءِ الأقْصَرِ فَقَطْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «أيُّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ» فَما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القَضاءِ أيْ أيُّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ كَما أنَّها في القِراءَةِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ إبْهامِ أيْ وشِياعُها، وجَعْلُها نافِيَةً لا يَخْفى ما فِيهِ وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «أيْما» بِتَسْكِينِ الياءِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقَ: تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُما (عَلَيَّ) مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وأصْلُها المُشَدَّدَةُ وحُذِفَتِ الياءَ تَخْفِيفًا وهي مِمّا عَيْنُهُ واوٌ ولامُهُ ياءٌ، ونَصَّ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّها مِن بابِ أوَيْتُ قِياسًا واشْتِقاقًا وقَدْ نَقَلَ كَلامَهُ في بَيانِ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن شاءَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ قَطِيبٍ «فَلا عِدْوانَ» بِكَسْرِ العَيْنِ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِنَ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شَهِيدٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ، وفي البَحْرِ الوَكِيلِ الَّذِي وكَلَ إلَيْهِ الأمْرَ ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٌ ونَحْوِهِ عُدِّيَّ بِعَلى ومِن هُنا قِيلَ: أيْ شاهِدٌ حَفِيظٌ، والمُرادُ تَوْثِيقُ العَهْدِ وأنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنهُما إلى الخُرُوجِ عَنْهُ أصْلًا، وهَذا بَيانٌ لِما عَزَما عَلَيْهِ واتَّفَقا عَلى إيقاعِهِ إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ صفحة 69 لِبَيانِ مَواجِبِ عَقْدَيِ النِّكاحِ والإجارَةِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ تَفْصِيلًا، وقَوْلُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ﴾ إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَرْضٌ لِرَأْيِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِدْعاءٌ مِنهُ لِلْعَقْدِ لا إنْشاءٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ بِالفِعْلِ، ولَمْ يَجْزِمِ القائِلُونَ بِاتِّفاقِ الشَّرِيعَتَيْنِ في ذَلِكَ بِكَيْفِيَّةِ ما وقَعَ، فَقِيلَ: لَعَلَّ النِّكاحَ جَرى عَلى مُعَيَّنَةٍ بِمَهْرٍ غَيْرِ الخِدْمَةِ المَذْكُورَةِ وهي إنَّما ذُكِرَتْ عَلى طَرِيقِ المُعاهَدَةِ لا المُعاقَدَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ بِمَهْرٍ مُعَيَّنٍ إذا أجَرْتَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَما تَقُولُ في ذَلِكَ فَرَضِيَ فَعَقَدَ لَهُ عَلى مُعَيَّنَةٍ مِنهُما، فَلا يَرِدُ أنَّ الإبْهامَ في المَرْأةِ المُزَوَّجَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وعَلى الخِدْمَةِ ومَنافِعِ الحُرِّ عِنْدَنا أيْضًا خُصُوصًا إذا قِيلَ: إنْ مُدَّتَها غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ وهي أيْضًا لَيْسَتْ لِلزَّوْجَةِ بَلْ لِأبِيها فَكَيْفَ صَحَّ كَوْنُها مَهْرًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرى عَلى مُعَيَّنَةٍ بِمَهْرِ الخِدْمَةِ المَذْكُورَةِ ولا فَسادَ في جَعْلِ الرَّعِيَّةِ مَهْرًا فَإنَّهُ جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وكَذا عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الهِدايَةِ ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ المَدارِكِ أنَّهُ قالَ: التَّزَوُّجُ عَلى رَعْيِ الغَنَمِ جائِزٌ بِالإجْماعِ لِأنَّهُ قِيامٌ بِأمْرِ الزَّوْجِيَّةِ لا خِدْمَةٌ صِرْفَةٌ، وفي دَعْوى الإجْماعِ إنْ أُرِيدَ بِهِ إجْماعُ الأئِمَّةِ مُطْلَقًا بُحِثَ، فَفي المُحِيطِ البُرْهانِيِّ لَوْ تَزَوَّجَها عَلى أنْ يَرْعى غَنَمَها سَنَةً لَمْ يَجُزْ عَلى رِوايَةِ الأصْلِ، ورَوىابْنُ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ يَجُوزُ في الرَّعْيِ، وفي الِانْتِصافِ مَذْهَبُ مالِكٍ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالِ المَنعُ والكَراهَةُ والجَوازُ، ويُقالُ عَلى الجَوازِ كانَتِ الغَنَمُ لِلْمُزَوَّجَةِ لا لِأبِيها ولَيْسَ في المُدَّةِ إبْهامٌ إذْ هي الحِجَجُ الثَّمانِ والزّائِدَةُ قَدْ وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاءَ بِهِ إنْ تَيَسَّرَ لَهُ عَلى أنَّ الإبْهامَ في المَهْرِ يَجُوزُ كَما هو مُبَيَّنٌ في الفُرُوعِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّرائِعُ مُخْتَلِفَةً في أمْرِ الإنْكاحِ فَلَعَلَّ إنْكاحَ المُبْهَمَةِ جائِزٌ في شَرِيعَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَكُونُ التَّعْيِينُ لِلْوَلِيِّ أوْ لِلزَّوْجِ، وكَذا جَعَلَ خِدْمَةَ الوَلِيِّ صَداقًا ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في شَرِيعَتِنا. ولا يَرِدُ أنَّ ما قَصَّ مِنَ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِن غَيْرِ إنْكارٍ فَهو شَرْعٌ لَنا لِأنَّهُ عَلى الإطْلاقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وفي الإكْلِيلِ عَنْ مَكِّيٍّ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ خَصائِصُ في النِّكاحِ. مِنها أنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الزَّوْجَةَ، ولا حَدَّ أوَّلَ المُدَّةِ، وجَعَلَ المَهْرَ إجارَةً، ودَخَلَ ولَمْ يُنَفِّذْ شَيْئًا. والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ اخْتِلافُ الشَّرائِعِ في مَواجِبِ النِّكاحِ ورُبَّما يُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما في الفَصْلِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَضى إلى بَلَدِ أهْلِ الشَّرْقِ فَإذا بِئْرٌ في الصَّحْراءِ عَلى فَمِها صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ وعِنْدَها ثَلاثَةُ قُطْعانٍ مِنَ الغَنَمِ فَقالَ لِرُعاتِها: مَن أيْنَ أنْتُمْ يا إخْوَةُ؟ قالُوا مِن حَرّانَ. فَقالَ لَهُمْ: أتَعْرِفُونَ لابانَ بْنَ ناحُورَ؟ فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ: أحَيٌّ هُوَ؟ قالُوا: نَعَمْ وهَذِهِ راحِيلُ ابْنَتُهُ مَعَ الغَنَمِ. ثُمَّ قالَ: لَيْسَ هَذا وقْتَ انْضِمامِ الماشِيَةِ فاسْقُوا الغَنَمَ وامْضُوا بِها فارْعَوْها. قالُوا: لا نُطِيقُ ذَلِكَ إلى أنْ تَجْتَمِعَ الرُّعاةُ ويُدَحْرِجُوا الصَّخْرَةَ عَنْ فَمِ البِئْرِ فَبَيْنَما هو يُخاطِبُهم جاءَتْ راحِيلُ مَعَ غَنَمِ أبِيها فَلَمّا رَأى ذَلِكَ تَقَدَّمَ ودَحْرَجَ الصَّخْرَةَ وسَقى غَنَمَ خالِهِ لابانَ ثُمَّ قَبَّلَ راحِيلَ وبَكّى وأخْبَرَها أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِها رَبْقا فَأخْبَرَتْ أباها فَخَرَجَ لِلِقائِهِ فَعانَقَهُ وقَبَّلَهُ وأدْخَلَهُ إلى مَنزِلِهِ ثُمَّ قالَ لابانُ لَهُ: أمّا أنْتَ فَعَظْمِي ولَحْمِي ومَكَثَ عِنْدَهُ شَهْرًا فَقالَ لَهُ لابانُ: أنْتَ وإنْ كُنْتَ ذا قَرابَةٍ مِنِّي لا أسْتَحْسِنُ أنْ تَخْدُمَنِي مَجّانًا فَأخْبِرْنِي بِما تُرِيدُ مِنَ الأُجْرَةِ؟ وكانَ لَهُ ابْنَتانِ اسْمُ الكُبْرى لَيا واسْمُ الصُّغْرى راحِيلُ وعَيْنا لَيا حَسَنَتانِ وراحِيلُ حَسَنَةُ الحِلْيَةِ والمَنظَرِ فَأحَبَّها يَعْقُوبُ فَقالَ: أخْدُمُكَ سَبْعَ سِنِينَ بِراحِيلَ فَقالَ: لابانُ: إعْطائِي إيّاها لَكَ أصْلَحُ مِن إعْطائِي إيّاها لِرَجُلٍ آخَرَ فَأقِمْ عِنْدِي فَخَدَمَهُ بِراحِيلَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ قالَ: أعْطِنِي زَوْجَتِي فَقَدْ كَمَّلْتُ أيّامِي فَجَمَعَ صفحة 70 لابانُ أهْلَ المَوْضِعِ وصَنَعَ لَهم مَجْلِسًا فَلَمّا كانَ العَشاءُ أخَذَ لَيا بِنْتَهُ فَزَفَّها إلَيْهِ ودَخَلَ عَلَيْها فَأعْطاها لابانُ أمَتَهُ زَلْفا لِتَكُونَ لَها أمَةً فَلَمّا كانَتِ الغَداةُ فَإذا هي لَيا فَقالَ لِلابانَ: ماذا صَنَعْتَ بِي ألَيْسَ بِراحِيلَ خَدَمْتُكَ؟ قالَ: نَعَمْ لَكِنْ لا تُزَوَّجُ الصُّغْرى قَبْلَ الكُبْرى في بَلَدِنا فَأكْمِلْ أُسْبُوعَ هَذِهِ وأُعْطِيكَ أُخْتَها راحِيلَ أيْضًا بِالخِدْمَةِ الَّتِي تَخْدُمُها عِنْدِي سَبْعَ سِنِينَ أُخَرَ فَكَمَّلَ يَعْقُوبُ أُسْبُوعَ لَيا ثُمَّ أعْطاهُ ابْنَتَهُ راحِيلَ زَوْجَةً وأعْطاها أمَتَهُ بَلْها لِتَكُونَ لَها أمَةً، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها يَعْقُوبُ أحَبَّها أكْثَرَ مِن حُبِّهِ لَيا ثُمَّ خَدَمَهُ سَبْعَ سِنِينَ أُخَرَ اهـ. وأخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِدْمَةُ الأبِ مَهْرًا لِابْنَتِهِ ويَلْزَمُ الأبَ إرْضاؤُها بِشَيْءٍ إذا كانَتْ كَبِيرَةً وأنَّ ما التَزَمَ مِنَ الخِدْمَةِ لا يَجِبُ فِعْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ويَكْفِي الِالتِزامُ والتَّعَهُّدُ، وأنَّ المَهْرَ عِنْدَهم كُلُّ شَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ أوْ ما في حُكْمِها، وأنَّ تَسْلِيمَ المَرْأةِ نَفْسَها لِلزَّوْجِ راضِيَةً بِما يَحْصُلُ لَها مِنهُ مِن قَضاءِ الوَطَرِ والِانْتِفاعِ بَدَلًا عَنِ المَهْرِ قَدْ يَقُومُ مَقامَ المَهْرِ، وأنَّ حِلَّ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ كانَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً، وهَذا الأخِيرُ مِمّا ذَكَرَهُ عُلَماءُ الإسْلامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ غَيْرِهِ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الكَلامِ، هَذا ولِلْعُلَماءِ في الآيَةِ اسْتِدْلالاتٌ. قالَ في الإكْلِيلِ: فِيها اسْتِحْبابُ عَرْضِ الرَّجُلِ مُوَلِّيَتَهُ عَلى أهْلِ الخَيْرِ والفَضْلِ أنْ يَنْكِحُوها، واعْتِبارُ الوَلِيِّ في النِّكاحِ، وأنَّ العَمى لا يَقْدَحُ في الوِلايَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْمى، واعْتِبارُ الإيجابِ والقَبُولِ في النِّكاحِ وقالَ ابْنُ الغَرْسِ: اسْتَدَلَّ مالِكٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إنْكاحِ الأبِ البِكْرَ البالِغَةَ بِغَيْرِ اسْتِئْمارٍ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيها اسْتِئْمارٌ. قالَ: واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى جَوازِ أنْ يُكْتَبَ في الصَّداقِ أُنْكِحُهُ إيّاها خِلافًا لِمَنِ اخْتارَ أُنْكِحُها إيّاهُ قائِلًا لِأنَّهُ إنَّما يَمْلِكُ النِّكاحَ عَلَيْها لا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: اسْتَدَلَّ بِها أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى أنَّ النِّكاحَ مَوْقُوفٌ عَلى لَفْظِ الإنْكاحِ والتَّزْوِيجِ. قالَ: واسْتَدَلَّ بِها قَوْمٌ عَلى جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ نِكاحٍ وإجارَةٍ في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ فَعَدُّوهُ إلى كُلِّ صَفْقَةٍ تَجْمَعُ عَقْدَيْنِ وقالُوا بِصِحَّتِها. قالَ: واسْتَدَلَّ بِها عُلَماؤُنا عَلى أنَّ اليَسارَ لا يُعْتَبَرُ في الكَفاءَةِ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُوسِرًا. قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ اكْتِفاءً بِشَهادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لَمْ يُشْهِدْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ الإشْهادِ في النِّكاحِ اهـ. واسْتَدَلَّ بِها الأوْزاعِيَّةُ عَلى صِحَّةِ البَيْعِ فِيما إذا قالَ: بِعْتُكَ بِألْفٍ نَقْدًا أوْ ألْفَيْنِ نَسِيئَةً اهـ ما في الإكْلِيلِ مَعَ حَذْفِ قَلِيلٍ. ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الِاسْتِدْلالاتِ مِنَ المَقالاتِ والمُنازَعاتِ. ثُمَّ إنَّ ما تَقَدَّمَ عَنْ مَكِّيٍّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ ولَمْ يُنَفِّذْ شَيْئًا مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ أيْضًا. وقَدْ رُوِيَ أيْضًا مِن طَرِيقِ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْخُلْ حَتّى أتَمَّ الأجَلَ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُما لَمّا أتَمّا العَقْدَ قالَ شُعَيْبٌ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ادْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ فَخُذْ عَصًا مِنَ العِصِيِّ الَّتِي فِيهِ وكانَ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَدَخَلَ وأخَذَ العَصا الَّتِي هَبَطَ بِها آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَوارَثُونَها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: خُذْ غَيْرَ هَذِهِ فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ فَعَلِمَ أنَّ لَهُ شَأْنًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ. خَرَجَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَصا مِنَ الجَنَّةِ فَأخَذَها جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ مَوْتِهِ وكانَتْ مَعَهُ حَتّى لَقِيَ بِها مُوسى لَيْلًا فَدَفَعَها إلَيْهِ. وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كانَتْ عَصا مُوسى قَضِيبَ آسٍ مِنَ الجَنَّةِ أتاهُ بِها جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ تِلْكَ العَصا قَدْ أوْدَعَها شُعَيْبًا مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ فَأمَرَ ابْنَتَهُ أنْ تَأْتِيَ بِعَصًا فَدَخَلَتْ وأخَذَتِ العَصا فَأتَتْهُ بِها فَلَمّا رَآها الشَّيْخُ قالَ: ائْتِيهِ بِغَيْرِها فَرَدَّها سَبْعَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَقَعْ في صفحة 71 يَدِها غَيْرُها فَدَفَعَها إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمَ لِأنَّها ودِيعَةٌ فَتَبِعَهُ فاخْتَصَما فِيها ورَضِيا أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما أوَّلُ طالِعٍ: فَأتاهُما المَلَكُ فَقالَ: ألْقِياها فَمَن رَفَعَها فَهي لَهُ فَعالَجَها الشَّيْخُ فَلَمْ يُطِقْها ورَفَعَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ . وعَنِ الحَسَنِ ما كانَتْ إلّا عَصًا مِنَ الشَّجَرِ اعْتَرَضَها اعْتِراضًا، وعَنِ الكَلْبِيِّ الشَّجَرَةُ الَّتِي نُودِيَ مِنها شَجَرَةُ العَوْسَجِ ومِنها كانَتْ عَصاهُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا شَرَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخِدْمَةِ والرَّعْيِ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: إذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ فَلا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ فَإنَّ الكَلَأ وإنْ كانَ بِها أكْثَرَ إلّا أنْ فِيها تِنِّينًا أخْشاهُ عَلَيْكَ وعَلى الغَنَمِ، فَلَمّا بَلَغَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ أخَذَتِ الغَنَمُ ذاتَ اليَمِينِ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى كَفِّها ومَشى عَلى أثَرِها فَإذا عُشْبٌ ورِيفٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ فَنامَ فَإذا بِالتِّنِّينِ قَدْ أقْبَلَ فَحارَبَتْهُ العَصا حَتّى قَتَلَتْهُ وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دامِيَةً فَلَمّا أبْصَرَها دامِيَةً والتِّنِّينُ مَقْتُولًا ارْتاحَ لِذَلِكَ ولَمّا رَجَعَ إلى شُعَيْبٍ وجَدَ الغَنَمَ مَلْأى البُطُونِ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَأخْبَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما كانَ فَفَرِحَ وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى والعَصا شَأْنًا وقالَ لَهُ: إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِن نِتاجِ غَنَمِي هَذا العامَ كُلَّ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ مُسْتَقى الغَنَمِ فَفَعَلَ ثُمَّ سَقى فَما أخْطَأتْ واحِدَةٌ إلّا وضَعَتْ أدْرَعَ أوْ دَرْعاءَ فَوَفى لَهُ شُعَيْبٌ بِما قالَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ أنَّهُ جَعَلَ لَهُ كُلَّ سَخْلَةٍ تُولَدُ عَلى خِلافِ شِيَةِ أُمِّها فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَنامِ أنْ ألْقِ عَصاكَ في الماءِ الَّذِي تَسْقِي مِنهُ الغَنَمَ فَفَعَلَ فَوَلَدَتْ كُلُّها عَلى خِلافِ شِيَتِها، وأخْرَجَ ابْنُ ماجَةَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ عُتْبَةَ السُّلَمِيِّ مَرْفُوعًا ««أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ مِن قالَبِ لَوْنٍ مِن ذَلِكَ العامِ وكانَتْ غَنَمُهُ سَوْداءَ حَسْناءَ فانْطَلَقَ مُوسى إلى عَصاهُ فَسَمّاها مِن طَرَفِها ثُمَّ وضَعَها في أدْنى الحَوْضِ ثُمَّ أوْرَدَها فَسَقاها ووَقَفَ بِإزاءِ الحَوْضِ فَلَمْ يَصْدُرْ مِنها شاةٌ إلّا ضَرَبَ جَنْبَها شاةً شاةً فَأنْمَتْ وانْثَنَتْ ووَضَعَتْ كُلُّها قَوالِبَ ألْوانٍ إلّا شاةً أوْ شاتَيْنِ لَيْسَ فِيها فَشُوشٌ أيْ واسِعَةُ الشَّخْبِ ولا ضَبُوبٌ أيْ طَوِيلَةُ الضَّرْعِ تَجُرُّهُ ولا غَزُورٌ أيْ ضَيِّقَةُ الشَّخْبِ ولا ثَعُولٌ أيْ لا ضَرْعَ لَها إلّا كَهَيْئَةِ حَلَمَتَيْنِ ولا كَمْشَةٌ تَفُوتُ الكَفَّ أيْ صَغِيرَةُ الضَّرْعِ لا يُدْرِكُ الكَفُّ»» وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِزَوْجَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ كانَ ذَلِكَ لَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما تَقَدَّمَ

القصص 28:29

﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ أيْ أتَمَّ المُدَّةَ المَضْرُوبَةَ لَمّا أرادَ شُعَيْبٌ مِنهُ والمُرادُ بِهِ الأجَلُ الآخَرُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عاصِمٍ عَنْ أبِي هارُونَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ رَجُلًا سَألَهُ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى؟ فَقالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألَ جِبْرِيلَ فَقالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألَ مِيكائِيلَ فَقالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ الرَّفِيعَ فَسَألَ الرَّفِيعَ فَقالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألَ إسْرافِيلَ فَقالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ ذا العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ فَنادى إسْرافِيلُ بِصَوْتِهِ الأشَدِّ يا ذا العِزَّةِ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى؟ قالَ: «أتَمَّ الأجَلَيْنِ وأطْيَبَهُما عَشْرَ سِنِينَ». قالَ عَلِيُّ بْنُ عاصِمٍ: فَكانَ أبُو هارُونَ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ مِيكائِيلَ عَنِ صفحة 72 الرَّفِيعِ عَنْ إسْرافِيلَ عَنْ ذِي العِزَّةِ تَبارَكَ وتَعالى «أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ وأطْيَبَهُما عَشْرَ سِنِينَ»» والفاءُ قِيلَ: فَصِيحَةٌ أيْ فَعَقَدَ العَقْدَيْنِ وباشَرَ مُوسى ما أُرِيدَ مِنهُ فَلَمّا أتَمَّ الأجَلَ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ قِيلَ: نَحْوَ مِصْرَ بِإذْنٍ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِزِيارَةِ والِدَتِهِ وأخِيهِ وأُخْتِهِ وذَوِي قَرابَتِهِ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَهُ عَلى ذَلِكَ طُولُ مُدَّةِ الجِنايَةِ وغَلَبَةُ ظَنِّهِ خَفاءَ أمْرِهِ، وقِيلَ: سارَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ وهَذا أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ. ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ﴾ أيْ أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ لا مِن بَعْضِهِ كَما هو المُتَبادَرُ، وأصْلُ الإيناسِ عَلى ما قِيلَ الإحْساسُ فَيَكُونُ أعَمَّ مِنَ الإبْصارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ لِأنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ: الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ: هو إبْصارُ ما يُؤْنَسُ بِهِ، نارًا اسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّ المُبْصَرَ كانَ نُورًا حَقِيقَةً إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنّارِ اعْتِبارًا لِاعْتِقادِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: كانَ المُبْصَرُ في صُورَةِ النّارِ الحَقِيقِيَّةِ وأمّا حَقِيقَتُهُ فَوَراءَ طَوْرِ العَقْلِ إلّا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّهُ النّارَ المَعْرُوفَةَ ﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أيْ أقِيمُوا مَكانَكم وكانَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَوْلٍ امْرَأتُهُ وخادِمٌ ويُخاطَبُ الِاثْنانِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وعَلى قَوْلٍ آخَرَ كانَ مَعَهُ ولَدانِ لَهُ أيْضًا اسْمُ الأكْبَرِ جِيرَشُومُ واسْمُ الأصْغَرِ ألِيعازِرُ وُلِدا لَهُ زَمانَ إقامَتِهِ عِنْدَ شُعَيْبٍ وهَذا مِمّا يَتَسَنّى عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى زَوْجَتِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيما أُرِيدَ مِنهُ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها حَتّى أتَمَّ الأجَلَ فَلا يَتَسَنّى إلّا بِالتِزامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ، وقَدْ قِيلَ بِهِ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَضى مُوسى عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرًا أُخْرى، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ لَهُ ولَدٌ في الطَّرِيقِ لَيْلَةَ إيناسِ النّارِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ بِأهْلِهِ ومالِهِ في فَصْلِ الشِّتاءِ وأخَذَ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ مُلُوكِ الشّامِ وامْرَأتُهُ حامِلٌ لا يَدْرِي ألَيْلًا تَضَعُ أمْ نَهارًا فَسارَ في البَرِّيَّةِ لا يَعْرِفُ طُرُقَها فَألْجَأهُ السَّيْرُ إلى جانِبِ الطُّورِ الغَرْبِيِّ الأيْمَنِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مُثْلِجَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، وقِيلَ: كانَ لِغَيْرَتِهِ عَلى حَرَمِهِ يَصْحَبُ الرُّفْقَةَ لَيْلًا ويُفارِقُهم نَهارًا فَأضَلَّ الطَّرِيقَ يَوْمًا حَتّى أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَأخَذَ امْرَأتَهُ الطَّلْقُ فَقَدَحَ زَنْدَهُ فَأصْلَدَ فَنَظَرَ فَإذا نارٌ تَلُوحُ مِن بُعْدٍ فَقالَ امْكُثُوا ﴿إنِّي آنَسْتُ) نارًا (لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ بِخَبَرِ الطَّرِيقِ بِأنْ أجِدَ عِنْدَها مَن يُخْبِرُنِي بِهِ وقَدْ كانُوا كَما سَمِعْتَ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ أيْ عُودٍ غَلِيظٍ سَواءٌ كانَ في رَأْسِهِ نارٌ كَما في قَوْلِهِ: وألْقى عَلى قَيْسٍ مِنَ النّارِ جَذْوَةً شَدِيدًا عَلَيْها حَرُّها والتِهابُها أوْ لَمْ تَكُنْ كَما في قَوْلِهِ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجِذا غَيْرَ خُوارٍ ولا دَعْرِ ولِذا بُيِّنَتْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النّارِ﴾ وجَعَلَها نَفْسَ النّارِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها لِتَشَبُّثِ النّارِ بِها اسْتَحالَتْ نارًا، وقالَ الرّاغِبُ: الجَذْوَةُ ما يَبْقى مِنَ الحَطَبِ بَعْدَ الِالتِهابِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ أبِي حَيّانَ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هي عُودٌ مِن حَطَبٍ فِيهِ النّارُ. صفحة 73 وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّها أصْلُ شَجَرَةٍ في طَرَفِها النّارُ، قِيلَ: فَتَكُونُ (مِن) عَلى هَذا لِلِابْتِداءِ، والمُرادُ بِالنّارِ هي الَّتِي آنَسَها. وقَرَأ الأكْثَرُ «جِذْوَةً» بِكَسْرِ الجِيمِ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحَمْزَةُ بِضَمِّها ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ تَسْتَدْفِئُونَ وتَتَسَخَّنُونَ بِها، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أصابَهم بَرْدٌ.

القصص 28:30

﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ النّارَ الَّتِي آنَسَها. ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ أيْ أتاهُ النِّداءُ مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَسِيرِهِ فالأيْمَنُ صِفَةُ الشّاطِئِ وهو ضِدُّ الأيْسَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأيْمَنُ بِمَعْنى المُتَّصِفِ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ ضِدَّ الأشْأمِ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلشّاطِئِ أوِ الوادِي، (ومِن) عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَتِرِ في نُودِيَ أيْ نُودِيَ قَرِيبًا مِن شاطِئِ الوادِي، وجُوِّزَ عَلى الحالِيَّةِ أنْ تَكُونَ – مِن - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [الأحْقافِ: 4] أيْ نُودِيَ كائِنًا في شاطِئِ الوادِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الشّاطِئِ أوْ صِلَةٌ لِـ نُودِيَ، والبُقْعَةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ الَّتِي إلى جَنْبِها وتُفْتَحُ باؤُها كَما في القامُوسِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ. ومَسْلَمَةُ، ووُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْوارِهِ. وقِيلَ: لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ﴾ أوِ الشَّجَرَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِن شاطِئِ وأُعِيدَ الجارُّ لِأنَّ البَدَلَ عَلى تَكْرارِ العامِلِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ فَإنَّ الشّاطِئَ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الشَّجَرَةِ إذْ كانَتْ نابِتَةً فِيهِ، (ومِن) هُنا لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في كَما سَمِعْتَ في (مِن) الأُولى، نَعَمْ جُوِّزَ فِيها أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نُوحٍ: 25] مُتَعَلِّقَةً بِالمُبارَكَةِ أيِ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ لِأجْلِ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِالمُبارَكَةِ مَعَ بَقائِها لِلِابْتِداءِ عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ بَرَكَتِها مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عُنّابًا، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَمُرَةً، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والكَلْبِيِّ ووَهْبٍ عَوْسَجَةً. وعَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ عُلَّيْقَةً وهو المَذْكُورُ في التَّوْراةِ اليَوْمَ، وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يا مُوسى﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والأصْلُ بِأنَّهُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، والنِّداءُ قَدْ يُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكْدَمٍ أنَّ المُنَوِّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقِ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وفُسِّرَ الشَّأْنُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «أنِّي» بِفَتْحِ الهَمْزِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ أنْ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً يَنْبَغِي كَسْرُ إنَّ وهو ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَكَذَلِكَ إذْ عَلى الفَتْحِ تُسْبَكُ مَعَ ما بَعْدَها بِمُفْرَدٍ وهو لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وخَرَجَتْ عَلى أنَّ أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ وأنِّي إلَخْ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَعْمُولٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ أيْ يا مُوسى اعْلَمْ أنِّي أنا اللَّهُ إلَخْ، وجاءَ في سُورَةِ [طه: 11] (نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ) وفي سُورَةِ [النَّمْلِ: 8] ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ وما هُنا غَيْرُ ذَلِكَ بَلْ ما في كُلِّ غَيْرِ ما في الآخَرِ فاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ. صفحة 74 وأُجِيبُ بِأنَّ المُغايَرَةَ إنَّما هي في اللَّفْظِ، وأمّا في المَعْنى المُرادِ فَلا مُغايَرَةَ، وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ تَعالى حَكى في كُلٍّ مِن هَذِهِ السُّوَرِ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النِّداءُ لِما أنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ ما في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ تَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ ما والظّاهِرُ أنَّ النِّداءَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ مَلَكٍ، وقَدْ سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ كَلامًا لَفْظِيًّا قِيلَ: خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ بِلا اتِّحادٍ وحُلُولٍ، وقِيلَ: خَلَقَهُ في الهَواءِ كَذَلِكَ وسَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَةِ الجانِبِ الأيْمَنِ أوْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وأنا وإنْ كانَ كُلُّ أحَدٍ يُشِيرُ بِهِ إلى نَفْسِهِ فَلَيْسَ المَعْنى بِهِ مَحَلَّ لَفْظِهِ. وذَهَبَ الشَّيْخُ الأشْعَرِيُّ، والإمامُ الغَزالِيُّ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى النَّفْسِيَّ القَدِيمَ بِلا صَوْتٍ ولا حَرْفٍ، وهَذا كَما تُرى ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ بِلا كَيْفٍ ولا كَمٍّ، وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّهُ إنَّما سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى اللَّفْظِيَّ بِصَوْتٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما شاءَ مِنَ المَظاهِرِ الَّتِي تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ وهو سُبْحانَهُ مَعَ ظُهُورِهِ تَعالى كَذَلِكَ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ تَعالى يَتَجَلّى لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلّى لَهم بِأُخْرى فَيَعْرِفُونَهُ، واللَّهُ تَعالى وصِفاتُهُ مِن وراءِ حُجُبِ العِزَّةِ والعَظَمَةِ والجَلالِ فَلا يُحَدِّثَنَّ الفِكْرُ نَفْسَهُ بِأنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلى الحَقِيقَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. مَرامٌ شَطَّ مَرْمى العَقْلِ فِيهِ ∗∗∗ ودُونَ مَداهُ بِيدٌ لا تَبِيدُ وذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِيِّينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى اللَّفْظِيَّ بِصَوْتِ مُنْكِرِ الظُّهُورِ في المَظاهِرِ عادًّا القَوْلَ بِهِ مِن أعْظَمِ المَناكِرِ، ولِابْنِ القِيَمِ كَلامٌ طَوِيلٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الأفْهامِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نِداءَ الوَحْيِ لا نِداءَ الكَلامِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ العُلَماءُ الأعْلامُ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ وجْهُ اخْتِصاصِهِ باسِمِ الكَلِيمِ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ووَجْهُ الِاخْتِصاصِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى الأزَلِيَّ بِلا حَرْفٍ ولا صَوْتٍ ظاهِرٍ، وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ صَوْتًا دالًّا عَلى كَلامِهِ تَعالى بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ أوْ كِتابٍ سَواءٌ كانَ مِن جانِبٍ واحِدٍ لَكِنْ بِصَوْتٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ لِلْعِبادِ عَلى ما هو شَأْنُ سَماعِنا أوْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لِما في كُلٍّ مِن خَرْقِ العادَةِ، وأمّا وجْهُهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ السَّماعَ كانَ بَعْدَ التَّجَلِّي في المَظْهَرِ فَكَذَلِكَ أيْضًا إنْ قالُوا بِأنَّ هَذا التَّجَلِّيَ لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى مُوسى، ثُمَّ إنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الَّذِي ناداهُ هو اللَّهُ تَعالى حَصَلَ لَهُ بِالضَّرُورَةِ خَلْقًا مِنهُ سُبْحانَهُ فِيهِ وقِيلَ: بِالمُعْجِزَةِ، وأوْجَبَ المُعْتَزِلَةُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِها فَمِنهم مَن عَيَّنَها ومِنهم مَن لَمْ يُعَيِّنْها زَعْمًا مِنهم أنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وفِيهِ بَحْثٌ.

القصص 28:31

﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ يا مُوسى﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإشْعارًا بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ مَدْلُولاتِها أيْ فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً فاهْتَزَّتْ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ وتَتَحَرَّكُ ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ هي حَيَّةٌ كَحْلاءُ العَيْنِ لا تُؤْذِي كَثِيرَةٌ في الدَّوْرِ، والتَّشْبِيهُ بِها بِاعْتِبارِ سُرْعَةِ حَرَكَتِها وخِفَّتِها لا في هَيْئَتِها وجُثَّتِها. فَلا يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فَكَيْفَ يَصِحُّ تَشْبِيهُها بِالجانِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَها بِها في الهَيْئَةِ والجُثَّةِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ صفحة 75 لَها أحْوالًا مُخْتَلِفَةً تَدِقُّ فِيها وتَغْلُظُ، وقِيلَ: الجانُّ يُطْلَقُ عَلى ما عَظُمَ مِنَ الحَيّاتِ فَيُرادُ عِنْدَ تَشْبِيهِها بِها في ذَلِكَ والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ مُنْهَزِمًا مِنَ الخَوْفِ ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ ولَمْ يَرْجِعْ ﴿يا (مُوسى﴾ أيْ نُودِيَ أوْ قِيلَ: يا مُوسى ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ مِنَ المَخاوِفِ فَإنَّهُ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ:

القصص 28:32

﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ أيْ أدْخِلْها ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ هو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ الرَّأْسُ ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ عَيْبٍ ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ مِن أجْلِ المَخافَةِ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ وهو الجَناحُ إلى جَنْبِهِ لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ لِتَعُودَ إلى حالَتِها الأُولى فَيَعْلَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُوءًا بَلْ آيَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها فاضْمُمْها إلَيْكَ يَسْكُنْ خَوْفُكَ. وفي الكَشّافِ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَلَبَ اللَّهُ تَعالى العَصا حَيَّةً فَزِعَ واضْطَرَبَ فاتَّقاها بِيَدِهِ كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اتِّقاءَكَ بِيَدِكَ فِيهِ غَضاضَةٌ عِنْدَ الأعْداءِ فَإذا ألْقَيْتَها فَكَما تَنْقَلِبُ حَيَّةً فَأدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها ثُمَّ أخْرِجْها بَيْضاءَ لِيَحْصُلَ الأمْرانِ: اجْتِنابُ ما هو غَضاضَةٌ عَلَيْكَ، وإظْهارُ مُعْجِزَةٍ أُخْرى، والمُرادُ بِالجَناحِ اليَدُ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ، والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ. ومَعْنى مِنَ الرَّهْبِ مِن أجْلِ الرَّهْبِ أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أمَرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ، ومَعْنى ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ وفي الثّانِي إخْفاءُ الرُّعْبِ اهـ، وضَمُّ الجَناحِ عَلى الثّانِي كِنايَةٌ عَنِ التَّجَلُّدِ والضَّبْطِ نَحْوَ قَوْلِهِ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإنَّ المَوْتَ لاقِيكَ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ الطّائِرِ عِنْدَ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، وهو في الأصْلِ مُسْتَعارٌ مِن فِعْلِ الطّائِرِ عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في التَّجَلُّدِ وضَبْطِ النَّفْسِ حَتّى صارَ مَثَلًا فِيهِ وكِنايَةً عَنْهُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَتْمِيمًا لِمَعْنى ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ فَإنَّهُ قالَ: هَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أرادَهُ مِنهُ وحَضٌّ عَلى الجِدِّ فِيهِ لِئَلّا يَمْنَعَهُ الجِدُّ الَّذِي يَغْشاهُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَمّا أُمِرَ بِالمُضِيِّ فِيهِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّمِّ الضَّمَّ المُزِيلَ لِلْفُرْجَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو أبْعَدُ عَنِ المُناقَشَةِ مِمّا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومِثْلُهُ في البُعْدِ عَنِ المُناقَشَةِ ما قالَهُ البِقاعِيُّ: مِن أنَّهُ أُرِيدَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ عِنْدَ خُرُوجِ يَدِهِ بَيْضاءَ حَتّى لا يَحْذَرَ ولا يَضْطَرِبَ مِنَ الخَوْفِ. وأرادَ بِأحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أدْخِلْ يَدَكَ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِكَ اليُسْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى اضْمُمْ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ بِإدْخالِ اليُمْنى تَحْتَ العَضُدِ الأيْسَرِ واليُسْرى تَحْتَ الأيْمَنِ أوْ بِإدْخالِهِما في صفحة 76 الجَيْبِ. وظاهِرُهُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالجَناحِ الجَناحانِ، وقَدْ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ بِذَلِكَ في نَحْوِ ما ذَكَرَ وقالَ: إنَّهُ قَدْ جاءَ المُفْرَدُ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةُ كَما في قَوْلِهِ: يَداكَ يَدٌ إحْداهُما الجُودُ كُلُّهُ ∗∗∗ وراحَتُكَ اليُسْرى طِعانٌ تُغامِرُهُ فَإنَّ المَعْنى يَداكَ يَدانِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ إحْداهُما. وفي الكَشّافِ أيْضًا مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ بِلُغَةِ حَمِيرٍ وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهُمْ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ وكَيْفَ تَطْبِيقُهُ المُفَصَّلُ كَسائِرِ كَلِماتِ التَّنْزِيلِ؟ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةِ إلّا زُرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ لا كُمَّيْنِ لَها اهـ. وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ ذاكَ لا يُطابِقُ بَلاغَةَ التَّنْزِيلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَإنَّ الذّاهِبِينَ إلَيْهِ قالُوا: المَعْنى عَلَيْهِ واضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ مُخْرَجَةً مِنَ الكُمِّ لِأنَّ يَدَهُ كانَتْ في الكُمِّ وهو مَعْنًى كَما تَرى ولَفْظُهُ أقْصَرُ مِنهُ في الإفادَةِ. وأمّا أمْرُ سَماعِهِ عَنِ الأثْباتِ فَقَدْ تَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقالَ الطَّيِّبِيُّ: قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأعْرابِ يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ أيْ ما في كُمِّكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اسْتِعْمالَ الرَّهَبِ في الكُمِّ لُغَةُ بَنِي حَنِيفَةَ أيْضًا وهو عِنْدَهم وكَذا عِنْدَ حِمْيَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ والحُزَمِ عِنْدِي عَدَمُ الجَزْمِ بِثُبُوتِ هَذِهِ اللُّغَةِ. وعَلى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ لا يَنْبَغِي حَمْلُ ما في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّ مِنَ الرَّهْبِ مُتَعَلِّقٌ بِاضْمُمْ وقالَ أبُو البَقاءِ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ولّى، وقِيلَ بِـ مُدْبِرًا، وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ: أيْ تَسْكُنُ مِنَ الرَّهْبِ، وقِيلَ بِـ اضْمُمْ، ولا يَخْفى ما في تَعَلُّقِهِ بِـ سِوى اضْمُمْ وإنْ أشارَ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ ولّى أوْ مُدْبِرًا كَلامُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ حَيْثُ جَعَلَ الآيَةَ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. والمُرادُ ولّى مُدْبِرًا مِنَ الرَّهْبِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: «مِنَ (الرَّهَبِ)» بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، وأكْثَرُ السَّبْعَةِ بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّهِما والكُلُّ لُغاتٌ ﴿فَذانِكَ﴾ أيِ العَصا واليَدُ والتَّذْكِيرُ لِمُراعاةِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بُرْهانانِ﴾ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى انْقِلابِ العَصا حَيَّةً بَعْدَ إلْقائِها وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ بَعْدَ إدْخالِها في الجَيْبِ فَأمْرُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ، والبُرْهانُ الحُجَّةُ النَّيِّرَةُ وهو فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ: أبَرَّهُ الرَّجُلُ إذا جاءَ بِالبُرْهانِ مِن بَرَّهُ الرَّجُلُ إذا ابْيَضَّ ويُقالُ لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ: بُرْهاءُ وبُرْهَرَهَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هو فُعْلانٌ مِنَ البَرْهِ بِمَعْنى القَطْعِ فَيُفَسَّرُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وقِيلَ: هو فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ بَرْهَنَ ونُقِلَ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ بَرْهَنَ مُوَلَّدٌ بَنَوْهُ مِن لَفْظِ البُرْهانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «(فَذانِّكَ)» بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّهُ عِوَضٌ مِنَ الألِفِ المَحْذُوفَةِ مِن ذا حالَ التَّثْنِيَةِ لِألِفِها نُونٌ وأُدْغِمَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن لامِ ذَلِكَ كَأنَّهم أدْخَلُوها بَعْدَ نُونِ التَّثْنِيَةِ، ثُمَّ قُلِبَتِ اللّامُ نُونًا لِقُرْبِ المَخْرَجِ وأُدْغِمَتْ وكانَ القِياسُ قَلْبَ الأُولى لَكِنَّهُ حُوفِظَ عَلى عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ هُرْمُزَ وشِبْلٌ. «فَذانِيكَ» بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا «فَذانَيْكَ» بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ: عَلى أحْوَذِيَّيْنِ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ∗∗∗ فَما هي إلّا لَمْحَةٌ وتَغِيبُ صفحة 77 وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ، قِيلَ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها (ومِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ بُرْهانانِ أيْ كائِنانِ مِن رَبِّكَ (وإلى) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْضًا هو عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لَهُ أيْ واصِلانِ إلَيْهِمْ، وعَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ آخَرِينَ حالٌ مِنهُ أيْ مُرْسَلًا أنْتَ بِهِما إلَيْهِمْ. وفِي البَحْرِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ ﴿كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنْ حُدُودِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ فَكانُوا أحِقّاءَ بِأنْ نُرْسِلَكَ بِهاتَيْنِ المُعْجِزَتَيْنِ الباهِرَتَيْنِ إلَيْهِمْ، والكَلامُ في كانُوا يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ

القصص 28:33

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ﴾ لِذَلِكَ ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِمُقابَلَتِها، والمُرادُ بِهَذا الخَبَرِ طَلَبُ الحِفْظِ والتَّأْيِيدِ لِإبْلاغِ الرِّسالَةِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ لا الِاسْتِعْفاءُ مِنَ الإرْسالِ، وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَعْفى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمُ اليَوْمَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ابْعَثْ مَن أنْتَ باعِثُهُ وأكَّدَ طَلَبَ التَّأْيِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ عَوْنًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وقالَ: يُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ أعَنْتُهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الرِّدْءُ المُعِينُ الَّذِي يَشْتَدُّ بِهِ الأمْرُ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ورِدْئِي كُلُّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ شَدِيدِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ إذا دَعَّمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أفْصَحُ مِنِّي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصاحَةً ولَكِنَّ فَصاحَةَ أخِيهِ أزْيَدُ مِن فَصاحَتِهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والمَدَنِيّانِ رِدًا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالنَّقْلِ ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ. ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وجُوِّزَ في رِدًا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ كَوْنُهُ مَنقُوصًا بِمَعْنى زِيادَةٍ مِن رَدَيْتُ عَلَيْهِ إذا زِدْتُ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ أيْ يُلَخِّصُ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويُبَسِّطُ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلُ بِهِ الكُفّارَ، فالتَّصْدِيقُ مَجازٌ عَنِ التَّلْخِيصِ المَذْكُورِ الجالِبِ لِلتَّصْدِيقِ لِأنَّهُ كالشّاهِدِ لِقَوْلِهِ، وإسْنادُهُ إلى هارُونَ حَقِيقَةٌ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ وأخِي هارُونُ إلَخْ لِأنَّ فَضْلَ الفَصاحَةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لِمِثْلِ ما ذُكِرَ لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ أوْ أخِي مُوسى صادِقٌ فَإنَّ سَحْبانَ وباقِلًا فِيهِ سَواءٌ، أوْ يَصِلُ جَناحُ كَلامِي بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَنِي القَوْمُ الَّذِينَ أخافُ تَكْذِيبَهم فالتَّصْدِيقُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإنَّما أُسْنِدَ إلى هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ بِبَيانِهِ جَلَبَ تَصْدِيقَ القَوْمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: تَصْدِيقُ الغَيْرِ بِمَعْنى إظْهارِ صِدْقِهِ، وهو كَما يَكُونُ بِقَوْلِ: هو صادِقٌ يَكُونُ بِتَأْيِيدِهِ بِالحُجَجِ ونَحْوِها كَتَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالمُعْجِزاتِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالتَّأْيِيدِ بِالحُجَجِ، فالمَعْنى يَظْهَرُ صِدْقِي بِتَقْرِيرِ الحُجَجِ وتَزْيِيفِ الشَّبَهِ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ في الطَّرَفِ أوْ في الإسْنادِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ صِدْقَهُ مَعْناهُ إمّا قالَ: إنَّهُ صادِقٌ أوْ قالَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَإطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ الظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ، وجُمْلَةُ صفحة 78 يُصَدِّقُنِي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ رِدْءًا، وأنْ تَكُونَ حالًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «يُصَدِّقْنِي» بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجَوابَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مَحْذُوفٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الأمْرَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «يُصَدِّقُونِي» بِضَمِيرِ الجَمْعِ وهو عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ لا عَلى هارُونَ والجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما قِيلَ، والفِعْلُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَجْزُومٌ فَقَدْ جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ شاهِدًا لِمَن جَزَمَ مِنَ السَّبْعَةِ يُصَدِّقُنِي وقالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقِيلَ: يُصَدِّقُونَنِي، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِهِ أنَّ الجَزْمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ والمَعْنى في يُصَدِّقُونِ أرْجُ تَصْدِيقَهم إيّايَ فَتَأمَّلْ

القصص 28:34

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ﴾ لِذَلِكَ ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِمُقابَلَتِها، والمُرادُ بِهَذا الخَبَرِ طَلَبُ الحِفْظِ والتَّأْيِيدِ لِإبْلاغِ الرِّسالَةِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ لا الِاسْتِعْفاءُ مِنَ الإرْسالِ، وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَعْفى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمُ اليَوْمَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ابْعَثْ مَن أنْتَ باعِثُهُ وأكَّدَ طَلَبَ التَّأْيِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ عَوْنًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وقالَ: يُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ أعَنْتُهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الرِّدْءُ المُعِينُ الَّذِي يَشْتَدُّ بِهِ الأمْرُ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ورِدْئِي كُلُّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ شَدِيدِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ إذا دَعَّمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أفْصَحُ مِنِّي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصاحَةً ولَكِنَّ فَصاحَةَ أخِيهِ أزْيَدُ مِن فَصاحَتِهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والمَدَنِيّانِ رِدًا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالنَّقْلِ ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ. ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وجُوِّزَ في رِدًا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ كَوْنُهُ مَنقُوصًا بِمَعْنى زِيادَةٍ مِن رَدَيْتُ عَلَيْهِ إذا زِدْتُ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ أيْ يُلَخِّصُ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويُبَسِّطُ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلُ بِهِ الكُفّارَ، فالتَّصْدِيقُ مَجازٌ عَنِ التَّلْخِيصِ المَذْكُورِ الجالِبِ لِلتَّصْدِيقِ لِأنَّهُ كالشّاهِدِ لِقَوْلِهِ، وإسْنادُهُ إلى هارُونَ حَقِيقَةٌ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ وأخِي هارُونُ إلَخْ لِأنَّ فَضْلَ الفَصاحَةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لِمِثْلِ ما ذُكِرَ لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ أوْ أخِي مُوسى صادِقٌ فَإنَّ سَحْبانَ وباقِلًا فِيهِ سَواءٌ، أوْ يَصِلُ جَناحُ كَلامِي بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَنِي القَوْمُ الَّذِينَ أخافُ تَكْذِيبَهم فالتَّصْدِيقُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإنَّما أُسْنِدَ إلى هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ بِبَيانِهِ جَلَبَ تَصْدِيقَ القَوْمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: تَصْدِيقُ الغَيْرِ بِمَعْنى إظْهارِ صِدْقِهِ، وهو كَما يَكُونُ بِقَوْلِ: هو صادِقٌ يَكُونُ بِتَأْيِيدِهِ بِالحُجَجِ ونَحْوِها كَتَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالمُعْجِزاتِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالتَّأْيِيدِ بِالحُجَجِ، فالمَعْنى يَظْهَرُ صِدْقِي بِتَقْرِيرِ الحُجَجِ وتَزْيِيفِ الشَّبَهِ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ في الطَّرَفِ أوْ في الإسْنادِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ صِدْقَهُ مَعْناهُ إمّا قالَ: إنَّهُ صادِقٌ أوْ قالَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَإطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ الظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ، وجُمْلَةُ صفحة 78 يُصَدِّقُنِي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ رِدْءًا، وأنْ تَكُونَ حالًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «يُصَدِّقْنِي» بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجَوابَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مَحْذُوفٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الأمْرَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «يُصَدِّقُونِي» بِضَمِيرِ الجَمْعِ وهو عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ لا عَلى هارُونَ والجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما قِيلَ، والفِعْلُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَجْزُومٌ فَقَدْ جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ شاهِدًا لِمَن جَزَمَ مِنَ السَّبْعَةِ يُصَدِّقُنِي وقالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقِيلَ: يُصَدِّقُونَنِي، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِهِ أنَّ الجَزْمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ والمَعْنى في يُصَدِّقُونِ أرْجُ تَصْدِيقَهم إيّايَ فَتَأمَّلْ

القصص 28:35

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ إجابَةٌ لِمَطْلُوبِهِ وهو عَلى ما قِيلَ راجِعٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ إلَخْ والمَعْنى سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ عَلى أنَّ شَدَّ عَضُدِهِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ لِأنَّ اليَدَ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ وهو ما بَيْنَ المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ دُخُولٍ بِأخِيكَ فِيما جُعِلَ كِنايَةً أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شَبَّهَ حالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِعَضُدٍ شَدِيدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ بِمَرْتَبَتَيْنِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ سَنُقَوِّيكَ بِهِ ثُمَّ سَنُؤَيِّدُكَ ثُمَّ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ عُضُدَكَ بِضَمَّتَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى بِفَتْحِهِما، وبَعْضُهم بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ ولَمْ أعْلَمْ أحَدًا قَرَأ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أيْ تَسَلُّطًا عَظِيمًا وغَلَبَةً راجِعٌ عَلى ما قِيلَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما حَصَلَ مِن مُرادِهِ أيْ لا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِاسْتِيلاءٍ أوْ مُحاجَّةٍ ﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ قَدْ صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا أوْ بِـ نَجْعَلُ أيْ نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا أوْ بِـ سُلْطانًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّسَلُّطِ والغَلَبَةِ أوْ بِمَعْنى لا يَصِلُونَ أيْ تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها أوْ بِحَرْفِ النَّفْيِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ بِجَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ لا يَصِلُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ أوْ هو مِنَ القَسَمِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ الكَلامَ ويُقْحَمُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ فَلا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ أصْلًا، ويُرَدُّ عَلى الأوَّلِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُهُ ولا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ أيْضًا فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى الجَوابِ وأمّا هو فَمَحْذُوفٌ إلّا أنَّهُ تَساهَلَ في التَّعْبِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الغالِبُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ أوْ صِلَةٌ لَهُ واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي أوْ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ إمّا مُطْلَقًا أوْ إذا كانَ المُقَدَّمُ ظَرْفًا وتَقْدِيمُهُ إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ

القصص 28:36

﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ العَصا واليَدُ إذْ هُما اللَّتانِ أظْهَرَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ (قالُوا) ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ ﴿إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ سِحْرٌ تَخْتَلِقُهُ لَمْ يُفْعَلْ قَبْلَهُ مِثْلُهُ فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ لا بِمَعْنى الكَذِبِ أوْ سِحْرٌ تَتَعَلَّمُهُ مِن غَيْرِكَ ثُمَّ تَنْسُبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى كَذِبًا فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الكَذِبِ لا بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ والصِّفَةُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُخَصَّصَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالِافْتِراءِ صفحة 79 التَّمْوِيهُ أيْ هو سِحْرٌ مُمَوِّهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَسائِرِ أنْواعِ السِّحْرِ. وعَلَيْهِ تَكُونُ الصِّفَةُ مُؤَكِّدَةً والِافْتِراءُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. والحَقُّ أنَّ مِن أنْواعِ السِّحْرِ ما لَهُ حَقِيقَةٌ فَتَكُونُ الصِّفَةُ مُخَصَّصَةً أيْضًا ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ نَوْعِ السِّحْرِ أوْ ما صَدَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِمِثْلِ هَذا أوِ الإشارَةِ إلى ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِهِمُ السَّماعَ بِذَلِكَ تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ فَقَدْ جاءَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا نَفْيَ سَماعِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ عِنْدَهم وكانُوا يُنْكِرُونَ أصْلَ النُّبُوّاتِ ولا يَقُولُونَ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنها كالبَراهِمَةِ وكَكَثِيرٍ مِنَ الإفْرِنْجِ ومَن لَحِسَ مِن فَضَلاتِهِمُ اليَوْمَ. والباءُ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ إمّا عَلى أصْلِها أوْ زائِدَةٌ أيْ ما سَمِعْنا هَذا ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ واقِعًا في أيّامِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن هَذا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والعامِلُ فِيهِ سَمِعْنا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِهَذا عَلى تَقْدِيرٍ بِوُقُوعِ هَذا، ويَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وأشارُوا بِوَصْفِ آبائِهِمْ بِالأوَّلِينَ إلى انْتِفاءِ ذَلِكَ مُنْذُ زَمانٍ طَوِيلٍ

القصص 28:37

﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ﴾ يُرِيدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَوْصُولِ نَفْسَهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «قالَ» يُغَيِّرُوا ولِأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ سِحْرٌ والجَوابُ لا يُعْطَفُ بِواوٍ ولا غَيْرِها، ووَجْهُ العَطْفِ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ أنَّ المُرادَ حِكايَةُ القَوْلَيْنِ لِيُوازِنَ النّاظِرُ المَحْكِيُّ لَهُ بَيْنَهُما فَيُمَيِّزَ صَحِيحَهُما مِنَ الفاسِدِ ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ في الدّارِ وهي الدُّنْيا، وعاقِبَتُها أنْ يُخْتَمَ لِلْإنْسانِ بِها بِما يُفْضِي بِهِ إلى الجَنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ووَجْهُ إرادَةِ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ مِن مُطْلَقِ العاقِبَةِ أنَّها هي الَّتِي دَعا اللَّهُ تَعالى إلَيْها عِبادَهُ، ورَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولًا لا تُرْشِدُهم إلَيْها ومَكَّنَهم مِنها وأزاحَ عِلَلَهم ووَفَّرَ دَواعِيَهم وحَضَّهم عَلَيْها فَكَأنَّها لِذَلِكَ هي المُرادَّةُ مِن جَمِيعِ العِبادِ والغَرَضُ مِن خَلْقِهِمْ، وهَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ مُوافِقًا لِما عَلَيْهِ الجَماعَةُ، وحَكى أنَّ بَعْضَهم قالَ لَهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تَقُولَ فَهم عاقِبَةُ الخَيْرِ مِن إضافَةِ العاقِبَةِ إلى ذَوِيِها بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ [الرَّعْدِ: 42]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعْرافِ: 128، القَصَصِ: 83] إذْ عاقِبَةُ الخَيْرِ هي الَّتِي تَكُونُ لَهُمْ، وأمّا عاقِبَةُ السُّوءِ فَعَلَيْهِمْ لا لَهم فَقالَ لَهُ: لَقَدْ كانَ لِي في ذَلِكَ مَقالٌ لَوْلا وُرُودُهُ مِثْلَ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ، ولَمْ يَقُلْ وعَلَيْهِمْ فاسْتِعْمالُ اللّامِ مَكانٌ عَلى دَلِيلٍ عَلى إلْغاءِ الِاسْتِدْلالِ بِاللّامِ عَلى إرادَةِ عاقِبَةِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ اللّامَ ظاهِرَةٌ في النَّفْعِ ويَكْفِي ذَلِكَ في انْفِهامِ كَوْنِ المُرادِ بِالعاقِبَةِ عاقِبَةَ الخَيْرِ، ويَلْتَزِمُ في نَحْوِ الآيَةِ الَّتِي أوْرَدَها ابْنُ المُنِيرِ كَوْنُها مِن بابِ التَّهَكُّمِ، وهَذا نَظِيرُ ما قالُوا: إنَّ البِشارَةَ في الخَيْرِ، وبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مِن بابِ التَّهَكُّمِ. وقالَ الطَّيِّبِيُّ انْتِصارًا لِلْبَعْضِ أيْضًا: قُلْتُ: الآيَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّ قَرِينَةَ اللَّعْنَةِ والسُّوءِ مانِعَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ وإنَّما أتى بِلَهم لِيُؤْذِنَ بِأنَّهُما حَقّانِ ثابِتانِ لَهم لازِمانِ إيّاهُمْ، ويُعَضِّدُهُ التَّقْدِيمُ المُفِيدُ لِلِاخْتِصاصِ فَتَدَبَّرْ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ. «يَكُونُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ ومَفْصُولٌ عَنْ رافِعِهِ. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُونَ عَنْ مَحْذُورٍ، وحاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّي أعْلَمُ مِنكم بِحالِ مَن أهَّلَهُ سُبْحانَهُ لِلْفَلاحِ الأعْظَمِ حَيْثُ جَعَلَهُ نَبِيًّا وبَعَثَهُ بِالهُدى ووَعَدَهُ حُسْنَ العُقْبى، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ كاذِبًا ساحِرًا مُفْتَرِيًا لَما أهَّلَهُ لِذَلِكَ لِأنَّهُ غَنِيٌّ حَكِيمٌ لا يُرْسِلُ الكاذِبِينَ ولا يُنَبِّئُ السّاحِرِينَ صفحة 80 ولا يُفْلِحُ عِنْدَهُ الظّالِمُونَ

القصص 28:38

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قالَهُ اللَّعِينُ بَعْدَ ما جَمَعَ السَّحَرَةَ وتَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ حَقِيقَةَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُهُ وهو نَفْيُ عِلْمِهِ بِإلَهِ غَيْرِهِ دُونَ وُجُودِهِ فَإنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِالعَدَمِ بِأنْ يَقُولَ: لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرِي مَعَ أنَّ كُلًّا مِن هَذا وما قالَهُ كَذِبٌ، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّ إلَهَهم غَيْرُهُ، وما تَرَكَهُ أوْفَقُ ظاهِرًا بِما قَصَدَهُ مِن تَبْعِيدِ قَوْمِهِ عَنِ اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتِيارًا لِدَسِيسَةٍ شَيْطانِيَّةٍ وهو إظْهارٌ أنَّهُ مُنْصِفٌ في الجُمْلَةِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى قَبُولِهِمْ ما يَقُولُهُ لَهم بَعْدُ في أمْرِ الإلَهِ وتَسْلِيمِهِمْ إيّاهُ لَهُ اعْتِمادًا عَلى ما رَأوْا مِن إنْصافِهِ فَكَأنَّهُ قالَ ما عَلِمْتُ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ لَكم إلَهًا غَيْرِي كَما يَقُولُ مُوسى، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ وسَأُحَقِّقُ لَكم ذَلِكَ. ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ أيِ اصْنَعْ لِي آجُرًّا ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ مِنهُ ﴿صَرْحًا﴾ أيْ بِناءً مَكْشُوفًا عالِيًا مِن صَرَحَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ أيْ أطَّلِعُ وأصْعَدُ فافْتَعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ. ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهُ وإلَهُ العالَمِينَ، كَأنَّهُ يُوهِمُ قَوْمَهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ كَما يَقُولُ مُوسى لَكانَ جِسْمًا في السَّماءِ كَوْنَ الأجْسامِ فِيها يُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما يَذْكُرُ تَأْكِيدًا لِما أرادَ وإعْلامًا بِأنَّ تَرَجِّيَهُ الصُّعُودَ إلى إلَهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِأنَّهُ جازِمٌ بِأنَّهُ هُناكَ، والأمْرُ بِجَعْلِ الصَّرْحِ وبِنائِهِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بُنِيَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: بَناهُ وذُكِرَ مِن وصْفِهِ ما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِهِ، وقِيلَكَ لَمْ يَبْنِ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ وأمْرُهُ لِلتَّلْبِيسِ عَلى قَوْمِهِ وإيهامِهِ إيّاهم أنَّهُ بِصَدَدِ تَحْقِيقِ الأمْرِ، ويَكُونُ ما ذَكَرَ ذِكْرًا لِأحَدِ طُرُقِ التَّحْقِيقِ فَيَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَقُولَ بَعْدَهُ حَقَّقْتُ الأمْرَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَعَلِمْتُ أنْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرِي وأنَّ مُوسى كاذِبٌ فِيما يَقُولُ، وعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَعِدَ الصَّرْحَ وحْدَهُ أوْ مَعَ مَن يَأْمَنُهُ عَلى سِرِّهِ وبَقِيَ ما بَقِيَ ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِمْ فَقالَ لَهُمْ: صَعِدْتُ إلى إلَهِ مُوسى وحَقَّقْتُ أنْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ وعَلِمْتُ أنْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا بُنِيَ لَهُ الصَّرْحُ ارْتَقى فَوْقَهُ فَأمَرَ بِنَشّابَةٍ فَرَمى بِها نَحْوَ السَّماءِ فَرُدَّتْ إلَيْهِ وهي مُتَلَطِّخَةٌ دَمًا فَقالَ: قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى. وهَذا إنْ صَحَّ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِالفِعْلِ ولا أظُنُّهُ يَصِحُّ، وأيًّا ما كانَ فالقَوْمُ كانُوا في غايَةِ الغَباوَةِ والجَهْلِ وإفْراطِ العِمايَةِ والبَلادَةِ وإلّا لَما نَفَقَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ هَذا الهَذَيانِ. ولِلَّهِ تَعالى خَواصُّ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: كانَ فِيهِمْ مِن ذَوِي العُقُولِ مَن يَعْلَمُ تَمْوِيهَهُ وتَلْبِيسَهُ ويَعْتَقِدُ هَذَيانَهُ فِيما يَقُولُ إلّا أنَّهُ نَظَمَ نَفْسَهُ في سِلْكِ الجُهّالِ ولَمْ يُظْهِرْ خِلافًا لِما عَلَيْهِ اللَّعِينُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ وذَلِكَ إمّا لِلرَّغْبَةِ فِيما لَدَيْهِ أوْ لِلرَّهْبَةِ مِن سَطْوَتِهِ واعْتِدائِهِ عَلَيْهِ وكَمْ رَأيْنا عاقِلًا وعالِمًا فاضِلًا يُوافِقُ لِذَلِكَ الظَّلَمَةَ الجَبابِرَةَ ويُصَدِّقُهم فِيما يَقُولُونَ وإنْ كانَ مُسْتَحِيلًا أوْ كُفْرًا بِالآخِرَةِ. وكانَ قَوْلُ اللَّعِينِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لِأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ هاهُنا بِأنْ يَكُونَ قالَهُ وأرْدَفَهُ بِإخْبارِهِمْ عَلى البَتِّ أنْ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، ثُمَّ هَدَّدَ مُوسى بِالسَّجْنِ إنْ بَدا مِنهُ ما يُشْعِرُ بِخِلافِهِ، وهَذا وجْهٌ في الآيَةِ لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ وفِيها أوْجُهٌ أُخَرُ. الأوَّلُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ما ﴿عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ نَفْيَ العِلْمِ دُونَ الوُجُودِ كَما في ذَلِكَ الوَجْهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْفِ الوُجُودَ لِأنَّهُ لَمْ صفحة 81 يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَقْتَضِي الجَزْمَ بِالعَدَمِ وأرادَ بِقَوْلِهِ إنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ إنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأرادَ بِقَوْلِهِ: يا هامانُ أوْقِدْ لِي عَلى الطِّينِ إلَخْ إعْلامَ النّاسِ بِفَسادِ دَعْواهُ تِلْكَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِهِ أنَّهُ تَعالى إنْ كانَ كانَ في السَّماءِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا مِنهُ تَعالى فَهو مِمَّنْ يَصِلُ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ وهو مِمّا لا يَقْوى عَلَيْهِ الإنْسانُ فَيَكُونُ مِن نَوْعِ المُحالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَما بَنى عَلَيْهِ وهي الرِّسالَةُ مِنهُ تَعالى مِثْلُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ لِإظْهارِ عَدَمِ إمْكانِ الصُّعُودِ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ صِحَّةُ دَعْوى الرِّسالَةِ في زَعْمِهِ ولَعَلَّ لِلتَّهَكُّمِ. الثّانِي أنَّهُ أرادَ أيْضًا نَفْيَ العِلْمِ بِالوُجُودِ دُونَ الوُجُودِ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ كانَ في نَفْيِ العِلْمِ مُلْبِسًا عَلى قَوْمِهِ كاذِبًا فِيهِ حَيْثُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَهُ هو إلَهُ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي﴾ إلَخْ إنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ كَما في سابِقِهِ، وأرادَ بِقَوْلِهِ: يا هامانُ إلَخْ طَلَبَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ ما يُزِيلُ بِهِ شَكَّهُ في الرِّسالَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصْدًا في مَوْضِعٍ عالٍ يَرْصُدُ مِنهُ أحْوالَ الكَواكِبِ الدّالَّةِ عَلى الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ بِزَعْمِهِ فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى إرْسالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ إلّا أنْ يُرادَ فَأطَّلِعَ عَلى حُكْمِ إلَهِ مُوسى بِأوْضاعِ الكَواكِبِ والنَّظَرِ فِيها هَلْ أرْسَلَ مُوسى كَما يَقُولُ أمْ لا؟ فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ (وإلى) فِيهِ بِمَعْنى عَلى، وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ بِإلَهِ مُوسى الكَواكِبَ فَكَأنَّهُ قالَ: لَعَلِّي أصْعَدُ إلى الكَواكِبِ الَّتِي هي إلَهُ مُوسى فَأنْظُرَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى إرْسالِها إيّاهُ أوْ لَعَلِّي أطَّلِعُ عَلى حُكْمِ الكَواكِبِ الَّتِي هي إلَهُ مُوسى في أمْرِ رِسالَتِهِ وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. الثّالِثُ أنَّهُ أرادَ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِإلَهِ غَيْرِهِ نَفْيَ وُجُودِهِ وبِظَنِّهِ كاذِبًا ظَنَّهُ كاذِبًا في إثْباتِهِ إلَهًا غَيْرَهُ ويُفَسِّرُ الظَّنَّ بِاليَقِينِ كَما في قَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سُراتِهِمْ في الفارِسِيِّ المَسْرَدِ فَإثْباتُ الظَّنِّ المَذْكُورِ لا يَدْفَعُ إرادَةَ ذَلِكَ النَّفْيِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ في دَفْعِ المُنافاةِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الظّاهِرُ أنَّ كَلامَهُ الأوَّلَ كانَ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا عَلى القَوْمِ، والثّانِي كانَ مُواضَعَةً مَعَ صاحِبِ سِرِّهِ هامانَ فَإثْباتُ الظَّنِّ في الثّانِي لا يَدْفَعُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ في الأوَّلِ لِنَفْيِ المَعْلُومِ، وفِيهِ أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ سَوْقُ الآيَةِ، والفاءُ في فَأوْقِدْ لِي وطَلَبَهُ بِناءَ الصَّرْحِ راجِيًا الصُّعُودَ إلى إلَهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهِ التَّهَكُّمَ كَأنَّهُ نَسَبَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلَ بِأنَّ إلَهَهُ في السَّماءِ فَقالَ: ﴿يا (هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافِرٍ: 36] لِأصْعَدَ إلى إلَهِ مُوسى مُتَهَكِّمًا بِهِ، وهَذا نَظِيرُ ما إذا أخْبَرَكَ شَخْصٌ بِحَياةِ زَيْدٍ وأنَّهُ في دارِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ خِلافَ ذَلِكَ فَتَقُولُ لِغُلامِكَ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَ عِلْمَكَ بِما يُخالِفُ قَوْلَهُ مُتَهَكِّمًا بِهِ: يا غُلامُ أسْرِجْ لِي الدّابَّةَ لَعَلِّي أذْهَبُ إلى فُلانٍ وأسْتَأْنِسُ بِهِ بَلْ ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أظْهَرُ في التَّهَكُّمِ مِمّا ذَكَرَ فَطَلَبَهُ بِناءَ الصَّرْحِ بِناءً عَلى هَذا لا يَكُونُ مُنافِيًا لِما ادَّعاهُ أوَّلًا وآخِرًا مِنَ العِلْمِ واليَقِينِ. وقالَ بَعْضُهم في دَفْعِ ما قِيلَ: مِنَ المُنافاةِ: إنَّها إنَّما تَكُونُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: لَعَلِّي أطَّلِعُ إلَخْ عَلى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والتَّنَزُّلِ، وقالَ آخَرُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّعِينَ كانَ مُشْرِكًا يَعْتَقِدُ أنَّ مَن مَلَكَ قُطْرًا كانَ إلَهَهُ ومَعْبُودَ أهْلِهِ فَما أثْبَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ إلَخْ الإلَهَ لِغَيْرِ مَمْلَكَتِهِ وما نَفاهُ إلَهُها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: لَكم ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ. وفِي الكَشّافِ القَوْلُ بِالمُناقَضَةِ بَيْنَ بِناءِ الصَّرْحِ وما ادَّعاهُ مِنَ العِلْمِ واليَقِينِ إلّا أنَّهُ قالَ: قَدْ خَفِيَتْ عَلى قَوْمِهِ صفحة 82 لِغَباوَتِهِمْ وبَلَهِهِمْ أوْ لَمْ تَخَفْ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ كُلًّا كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ سَوْطَهُ وسَيْفَهُ وإذا فُتِحَ هَذا البابُ جازَ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى دَفْعِ التَّناقُضِ، والأوْلى عِنْدِي السَّعْيُ في دَفْعِ التَّناقُضِ فَإذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتَنَدَ في ارْتِكابِ المَخْذُولِ إيّاهُ إلى جَهْلِهِ أوْ سَفَهِهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِالقَوْمِ لِغَباوَتِهِمْ أوْ خَوْفِهِمْ مِنهُ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّهُ أرادَ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِإلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيَ وُجُودِهِ فَقالَ في التَّحْقِيقِ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ أيْضًا: إنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ فَإنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ لا سِيَّما عَدَمَ عِلْمِ شَخْصٍ واحِدٍ. وقالَ القاضِي البَيْضاوِيُّ: هَذا في العُلُومِ الفِعْلِيَّةِ صَحِيحٌ لِأنَّها لازِمَةٌ لِتَحَقُّقِ مَعْلُوماتِها فَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفائِها انْتِفاؤُها ولا كَذَلِكَ العُلُومُ الِانْفِعالِيَّةُ ورُدَّ بِأنَّ غَرَضَ قائِلِ ذَلِكَ أنَّ عَدَمَ الوُجُودِ سَبَبٌ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالوُجُودِ في الجُمْلَةِ ولا شَكَّ أنَّهُ كَذَلِكَ فَأُطْلِقَ المُسَبِّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ لا أنَّ بَيْنَهُما مُلازَمَةً كُلِّيَّةً عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مِن أقْوى أسْبابِ عَدَمِ العِلْمِ لِأنَّهُ المُطَّرِدُ جازَ أنْ يُطْلَقَ ويُرادَ بِهِ الوُجُودُ إذْ لا يُشْتَرَطُ في فَنِّ البَلاغَةِ اللُّزُومُ العَقْلِيُّ بَلِ العادِيُّ والعُرْفِيُّ كافٍ أيْضًا وقَدْ يَقُولُ أحَدٌ مِنّا: لا أعْلَمُ ذَلِكَ أيْ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعَلِمْتُهُ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ وهَذا الِاسْتِعْمالُ شائِعٌ في عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ عِنْدَ العامَّةِ والخاصَّةِ ومِنهُ قَوْلُ المُزَكِّي إذا سُئِلَ عَنْ عَدالَةِ الشُّهُودِ: لا أعْلَمُ كَيْفَ، وكانَ المَخْذُولُ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ نَفْيِ الوُجُودِ كِنايَةٌ لا مَجازٌ، وبِالجُمْلَةِ ما ذُكِرَ وجْهٌ وجِيهٌ وتَعْيِينُ الأوْجَهِ مُفَوَّضٌ إلى ذِهْنِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ. واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [المُلْكِ: 16] حَسْبَما يَقُولُ السَّلَفُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إلَهَهُ في السَّماءِ لَما قالَ: فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى. فَقَوْلُهُ ذَلِكَ دَلِيلُ السَّماعِ إلّا أنَّهُ أخْطَأ في فَهْمِ المُرادِ مِمّا سَمِعَهُ فَزَعَمَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى في السَّماءِ بِطَرِيقِ المَظْرُوفِيَّةِ والتَّمَكُّنِ ونَحْوِهِما مِمّا يَكُونُ لِلْأجْسامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ في غايَةِ الضَّعْفِ وإثْباتُ مَذْهَبِ السَّلَفِ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَمَسَّكَ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وفي قَوْلِ المَخْذُولِ: أوْقِدْ لِي عَلى الطِّينِ. والمُرادُ بِهِ اللَّبِنُ دُونَ اصْنَعْ لِي آجُرًّا إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِهامانَ عِلْمٌ بِصَنْعَةِ الآجُرِّ فَأمَرَهُ بِاتِّخاذِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيمُ، وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن أمَرَ بِصَنْعَةِ الآجُرِّ وبِنائِهِ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ أوَّلُ مَن طَبَخَ الآجُرَّ وصَنَعَ لَهُ الصَّرْحَ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ ورَأى القُصُورَ المُشَيَّدَةَ بِالآجُرِّ قالَ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا بَنى بِالآجُرِّ غَيْرَ فِرْعَوْنَ وفي أمْرِهِ إيّاهُ وهو وزِيرُهُ ورَدِيفُهُ بِعَمَلِ السَّفِلَةِ مِنَ الإيقادِ عَلى الطِّينِ مُنادِيًا لَهُ بِاسْمِهِ دُونَ تَكْنِيَةٍ وتَلْقِيبٍ بِيا دُونَ ما يَدُلُّ عَلى القُرْبِ في وسَطِ الكَلامِ دُونَ أوَّلِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَجَبُّرِهِ وتَعَظُّمِهِ ما لا يَخْفى.

القصص 28:39

﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ﴾ أيْ رَأوْا كُلَّ مِن سِواهم حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوُا العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِأنْفُسِهِمْ فَنَظَرُوا إلى غَيْرِهِمْ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ في أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الجُرْمُ المَعْرُوفُ المُقابِلُ لِلسَّماءِ، وفي التَّقْيِيدِ بِها تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا فِيما هو أسْفَلَ الأجْرامِ وكانَ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَنْظُرُوا إلى مَحَلِّهِمْ وتَسَفُّلِهِ فَلا يَسْتَكْبِرُوا ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقاقِ لِما أنَّ رُؤْيَتَهم تِلْكَ باطِلَةٌ ولا تَكُونُ رُؤْيَةُ الكُلِّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى الرّائِي ورُؤْيَةُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ لِنَفْسِهِ عَلى الخُصُوصِ دُونَ غَيْرِهِ حَقًّا إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْتِكْبارُ بِالحَقِّ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى وكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ سِواهُ صفحة 83 عَزَّ وجَلَّ فاسْتِكْبارُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ»» ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، والظَّنُّ قِيلَ: إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ تَحْقِيرًا لَهم وتَمْهِيلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ لا (يَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

القصص 28:40

﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ ألْقَيْناهم وأغْرَقْناهم فِيهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالنَّبْذِ وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ الحَقِيرِ وطَرْحُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ: نَظَرْتُ إلى عُنْوانِهِ فَنَبَذْتُهُ كَنَبْذِكَ نَعْلًا مِن نِعالِكَ بالِيا اسْتِحْقارٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ وذَلِكَ أنَّهم شُبِّهُوا في الحَقارَةِ بِنِعالٍ بالِيَةٍ واسْتُعِيرَ لَهُمُ اسْمُ النِّعالِ ثُمَّ حُذِفَ المُسْتَعارُ وبَقِيَ المُسْتَعارُ لَهُ وجُعِلَ النَّبْذُ قَرِينَةً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ والمَجازُ في التَّعَلُّقِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في أظْفارِ المَنِيَّةِ نَشِبَتْ بِفُلانٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأخْذُ وهو حَقِيقَةٌ في التَّناوُلِ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى السَّيْرِ إلى البَحْرِ، والنَّبْذُ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى دُخُولِهِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ إدْخالِهِمْ فِيهِ والأوْلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيما فَعَلَ بِهِمْ أخَذَهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ في كَفٍّ وطَرْحَهم في اليَمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ الأُولى سَبَبِيَّةٌ ولَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ وأمّا الثّانِيَةُ فَلِلتَّعْقِيبِ إذا أبْقى الأخْذَ عَلى مَعْنى التَّناوُلِ أوْ أُرِيدَ بِهِ خَلْقُ الدّاعِيَةِ إلى السَّيْرِ أوْ نَحْوِهِ أمّا إذا أُرِيدَ بِهِ الإهْلاكُ فَهي لِلتَّفْسِيرِ كَما في فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ ونَحْوَهُ ﴿فانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ وبَيَّنَها لِلنّاسِ لِيَعْتَبِرُوا بِها

القصص 28:41

﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ خَلَقْناهم ﴿أئِمَّةً﴾ قُدْوَةً لِلضَّلالِ بِسَبَبِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلى الضَّلالِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيْ إلى مُوجِباتِها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عَلى أنَّ النّارَ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ والمُرادُ جَعْلُهم ضالِّينَ مُضِلِّينَ والجَعْلُ هُنا مَثَّلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: 1] والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ مَخْلُوقانِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ تارَةً بِأنَّ الجَعْلَ فِيها بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: 19] أيْ وسَمَّيْناهم فِيما بَيْنَ الأُمَمِ بَعْدَهم دُعاةً إلى النّارِ، وتارَةً بِأنَّ جَعْلَهم كَذَلِكَ بِمَعْنى خِذْلانِهِمْ ومَنعِهِمْ مِنَ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ لِلْهِدايَةِ والأوَّلُ مَحْكِيٌّ عَنِ الجِبائِيِّ والثّانِي عَنِ الكَعْبِيِّ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ صَيَّرْناهم بِتَعْجِيلِ العَذابِ لَهم أئِمَّةً أيْ مُتَقَدِّمِينَ لِمَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وهَذا في غايَةِ التَّعَسُّفِ كَما لا يَخْفى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ

القصص 28:42

﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي فَتَنَتْهم ﴿لَعْنَةً﴾ طَرْدًا وإبْعادًا أوْ لَعْنًا مِنَ اللّاعِنِينَ حَيْثُ لا تَزالُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَلْعَنُهم وكَذا المُؤْمِنُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وذَلِكَ إمّا بِدُخُولِهِمْ في عُمُومِ مَن يَلْعَنُونَهم مِنَ الظّالِمِينَ وإمّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ نَحْوَ لَعْنِ اللَّهِ تَعالى فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ مِنَ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ يُقالُ: قَبَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّخْفِيفِ أيْ نَحّاهُ وأبْعَدَهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ كَما قالَ اللَّيْثُ، ولا يَتَكَرَّرُ مَعَ اللَّعْنَةِ المَذْكُورَةِ قِيلَ: لِأنَّ مَعْناها الطَّرْدُ أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا وهَذا في الآخِرَةِ أوْ ذاكَ طَرْدٌ عَنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي في الدُّنْيا وهَذا طَرْدٌ عَنِ الجَنَّةِ أوْ عَلى هَذا يُرادُ بِاللَّعْنَةِ فِيما تَقَدَّمَ ما تَأخَّرَ مَعَ أنَّ مِنَ المَطْرُودِينَ مَعْناهُ أنَّهم مِنَ الزُّمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ وهو أبْلَغُ وأخَصُّ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ مِنَ المَقْبُوحِينَ أيْ مِنَ المُهْلَكِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ مِنَ المُشَوَّهِينَ في صفحة 84 الخِلْقَةِ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ وهَذا المَعْنى هو المُتَبادَرُ إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ فِعْلَ قَبَحَ عَلَيْهِ لازِمٌ فَبِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ مِنهُ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَدْ يُقالُ: إذا صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ التَزَمَ القَوْلُ بِأنَّهُ سَمِعَ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا بِما هو لازِمٌ في الجُمْلَةِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَقْبُوحِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ذَلِكَ عَلى ما عَلِمْتَ آنِفًا في نَظِيرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ ما هو ظاهِرٌ في أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى هَذِهِ الدُّنْيا وهو عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أظْهَرُ في ذَلِكَ وكِلاهُما في الدُّرِّ المَنثُورِ، والظّاهِرُ ما سَمِعْتَهُ أوَّلًا. وهَذِهِ الآيَةُ أظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ نَجاةِ فِرْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّهُ مَلْعُونٌ مُبْعَدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّ ضَمائِرَ جَمْعِ الغائِبِ فِيها راجِعَةٌ إلى فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ ويَكادُ يَنْتَظِمُ مَنِ التَزَمَ إرْجاعَها إلى الجُنُودِ في الجُنُودِ، وفِي الفَتاوى الحَدِيثِيَّةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ رَوى عَدِيٌّ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا وخَلَقَ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا»».

القصص 28:43

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ أوَّلُ كِتابٍ فُصِّلَتْ فِيهِ الأحْكامُ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ أقْوامَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ كَوْنِ إيتائِها بَعْدَ إهْلاكِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْها تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى إنْزالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ إهْلاكَ القُرُونِ الأُولى مِن مُوجِباتِ انْدِراسِ مَعالِمِ الشَّرائِعِ وانْطِماسِ آثارِها المُؤَدِّيَيْنِ إلى اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ وفَسادِ أحْوالِ الأُمَمِ المُسْتَدْعِيَيْنِ لِلتَّشْرِيعِ الجَدِيدِ بِتَقْرِيرِ الأُصُولِ الباقِيَةِ عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ وتَرْتِيبِ الفُرُوعِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ العُصُورِ وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المُوجِبَةِ لِلِاعْتِبارِ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذا قالَ: الأوْلى أنْ تُفَسَّرَ القُرُونُ الأوْلى بِمَن لَمْ يُؤْمِن بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقابِلُها الثّانِيَةُ وهي مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما يَعُمُّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِمُوسى مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ والأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِن قَبْلُ، ولَيْسَ بِذاكَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ آتَيْناهُ ذَلِكَ بَعْدَ إهْلاكِنا القُرُونَ الأُولى ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أيْ أنْوارًا لِقُلُوبِهِمْ تُبْصِرُ بِها الحَقائِقَ وتُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ حَيْثُ كانَتْ عُمْيًا عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ البَصِيرَةَ نُورُ القَلْبِ الَّذِي بِهِ يَسْتَبْصِرُ كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ العَيْنِ ويُجْمَعُ عَلى أبْصارٍ والأوَّلُ يُجْمَعُ عَلى بَصائِرَ، والمُرادُ بِالنّاسِ قِيلَ (أُمَّتُهُ) عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ ما يَعُمُّهم ومَن بَعْدَهُمْ، وكَوْنُ التَّوْراةِ بَصائِرَ لِمَن بُعِثَ إلَيْهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَضَمُّنِها ما يُرْشِدُهم إلى حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ يَزِيدُهم عِلْمًا إلى عِلْمِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الحَضُّ عَلى مُطالَعَةِ التَّوْراةِ والعِلْمِ بِما فِيها، وقَدْ صَحَّ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَوامِعَ كَتَبَها مِنَ التَّوْراةِ لِيَقْرَأها ويَزْدادَ عِلْمًا إلى عِلْمِهِ فَغَضِبَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى عُرِفَ في وجْهِهِ ثُمَّ قالَ: «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» فَرَمى بِها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن يَدِهِ ونَدِمَ عَلى ذَلِكَ». وأُجِيبُ بِأنَّ غَضَبَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ لِما أنَّ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ إذْ ذاكَ كانَتْ مُحَرَّفَةً وفِيها الزِّيادَةُ والنَّقْصُ ولَيْسَتْ عَيْنَ التَّوْراةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ النّاسُ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ فَلَوْ فُتِحَ بابُ المُراجَعَةِ إلى التَّوْراةِ ومُطالَعَتِها في ذَلِكَ الزَّمانِ لَأدّى إلى فَسادٍ عَظِيمٍ فالنَّهْيُ عَنْ قِراءَتِها حَيْثُ الإسْلامُ حَدِيثٌ والخُرُوجُ عَنِ الكُفْرِ جَدِيدٌ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ في نَفْسِها بَصائِرَ مُشْتَمِلَةً عَلى ما يُرْشِدُ إلى حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ صفحة 85 صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَزِيدُ عِلْمًا بِصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى حَلِّ الرُّجُوعِ إلَيْها في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 93] وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ يَنْقُلُونَ مِنها ما يَنْقُلُونَ مِنَ الأخْبارِ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ولا سَماعَهُ أحَدٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ ولا فَرْقَ بَيْنَ سَماعِ ما يَنْقُلُونَهُ مِنهم وبَيْنَ قِراءَتِهِ فِيها وأخْذِهِ مِنها وقَدْ رَجَعَ إلَيْها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ في إلْزامِ اليَهُودِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ عِباراتِها في إثْباتِ حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ كَوْنُ المُرادِ بِالنّاسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ. وأمّا مُطالَعَةُ التَّوْراةِ فالبَحْثُ فِيها طَوِيلٌ، وفي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لِلْمَوْلى العَلّامَةِ ابْنِ حَجْرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَحْرُمُ عَلى غَيْرِ عالِمٍ مُتَبَحِّرٍ مُطالَعَةُ نَحْوِ تَوْراةٍ عَلِمَ تَبَدُّلَها أوْ شَكَّ فِيهِ وهو أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ ومَن سَبَرَ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ رَأى أكْثَرَها مُبَدَّلًا لا تَوافُقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ أصْلًا وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿وهُدًى﴾ أيْ إلى الشَّرائِعِ الَّتِي هي الطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ورَحْمَةً﴾ حَيْثُ يَنالُ مَن عَمِلَ بِهِ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى: بِمُقْتَضى وعْدِهِ سُبْحانَهُ فَعُمُومُ رَحْمَتِهِ بِهَذا المَعْنى لا يُنافِي أنَّ مِنَ النّاسِ مَن هو كافِرٌ بِها وهو غَيْرُ مَرْحُومٍ، وانْتِصابُ المُتَعاطِفاتِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ عَلى أنَّهُ نَفْسُ البَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ ذا بَصائِرَ إلَخْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ انْتِصابَها عَلى العِلَّةِ أيْ آتَيْناهُ الكِتابَ لِبَصائِرَ وهُدًى ورَحْمَةً ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ كَيْ يَتَذَكَّرُوا بِناءً عَلى أنَّ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَعَلَّ في القُرْآنِ بِمَعْنى كَيْ غَيْرَ آيَةٍ في [الشُّعَراءِ: 129] ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ وحَكى الواقِدِيُّ عَنِ (البَغَوِيِّ) أنَّهُ قالَ: جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ إلّا ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ فَإنَّها فِيهِ لِلتَّشْبِيهِ، والمَشْهُورُ أنَّها لِلتَّرَجِّي. ولَمّا كانَ مُحالًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والمُرادُ آتَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونُوا عَلى حالَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّذَكُّرِ كَحالِ مَن يُرْجى مِنهُ الخَيْرُ، وبَعْضٌ آخَرُ صَرَفَ التَّرَجِّيَ إلى المُخاطَبِينَ فَهو مِنهم لا مِنهُ تَعالى، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَيْثُ شَبَّهَ الإرادَةَ بِالتَّرَجِّي لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما طَلَبَ الوُقُوعَ، ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ لُزُومَ تَخَلُّفِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ لِعَدَمِ تَذَكُّرِ الكُلِّ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإرادَةَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ قِسْمانِ: تَفْوِيضِيَّةٌ، وهي قَدْ يَتَخَلَّفُ المُرادُ عَنْها، وقَسْرِيَّةٌ وهي لا يَتَخَلَّفُ المُرادُ عَنْها أصْلًا، فَمَتى أُرِيدَ القِسْمُ الأوَّلُ مِنها هُنا زالَ الإشْكالُ إلّا أنَّ التَّقْسِيمَ المَذْكُورَ خِلافُ المَذْهَبِ الحَقِّ

القصص 28:44

﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ الكَرِيمِ أيْضًا واقِعٌ زَمانَ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ البَتَّةَ مُتَضَمِّنًا تَحْقِيقَ كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِبَيانِ أنَّ الوُقُوفَ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ شاهَدَها وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما تَبَيَّنَ أنَّهُ بِوَحْيٍ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ لا مَحالَةَ كَذا قِيلَ: ولا يَخْفى أنْ تَعَيُّنَ كَوْنِهِ بِوَحْيٍ لا يَتِمُّ إلّا بِنَفْيِ كَوْنِهِ بِالِاسْتِفاضَةِ وكَوْنِهِ بِالتَّعَلُّمِ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) كَما قالَ المُشْرِكُونَ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: 103] ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ ذَلِكَ وتَعَرَّضَ لِنَفْيِ ما هو أظْهَرُ انْتِفاءً مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ انْتِفاءِ ذَلِكَ والمُبالَغَةِ في دَعْوى ذَلِكَ حَيْثُ آذَنَ بِأنَّ المُحْتاجَ إلى الإخْبارِ بِانْتِفائِهِ ذانِكَ الأمْرانِ دُونَهُ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ نَفى في صفحة 86 مَوْضِعٍ آخَرَ كَوْنَهُ بِالتَّعَلُّمِ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ ولَعَلَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ انْتِفاءُ كَوْنِهِ بِالِاسْتِفاضَةِ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لا يُعْلَمُ فَدَلِيلُهُ ظاهِرٌ جِدًّا، ولِذا لَمْ يَتَشَبَّثُ بِكَوْنِ الوُقُوفِ بِها أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَتَدَبَّرْ، والمَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم وما كُنْتَ حاضِرًا بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ أوِ المَكانِ الغَرْبِيِّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المِيقاتُ وأعْطى اللَّهُ تَعالى فِيهِ ألْواحَ التَّوْراةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ عَلى هَذا مِن بابِ حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ صِفَتِهِ مَقامَهُ وهو عِنْدُ قَوْمٍ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ الَّتِي جَوَّزَها الكُوفِيُّونَ كَما في مَسْجِدِ الجامِعِ، والأصْلُ في الجانِبِ الغَرْبِيِّ فَيَتَّحِدُ الجانِبُ والغَرْبِيُّ عَلى هَذا الوَجْهِ وهو بَعْضٌ مِنَ الغَرْبِيِّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ. ﴿إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ عَهْدِنا إلَيْهِ وأحْكَمْنا أمْرَ نُبُوَّتِهِ بِالوَحْيِ وإيتاءِ التَّوْراةِ. ﴿وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ الحاضِرِينَ لِلْوَحْيِ إلَيْهِ أوِ الشّاهِدِينَ عَلى الوَحْيِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِلْمِيقاتِ حَتّى تُشاهِدَ ما جَرى مِن أمْرِ مُوسى في مِيقاتِهِ فَتُخْبِرَ بِهِ النّاسَ، فالشّاهِدُ مِنَ الشَّهادَةِ إمّا بِمَعْنى الحُضُورِ أوْ بِمَعْناها المَعْرُوفِ واسْتَشْكَلَ إرادَةُ المَعْنى الأوَّلِ بِلُزُومِ التَّكْرارِ فَإنَّهُ قَدْ نَفى الحُضُورَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ وكَذا إرادَةُ المَعْنى الثّانِي بِلُزُومِ نَحْوَ ذَلِكَ لِما أنَّ نَفْيَ الحُضُورِ يَسْتَدْعِي نَفْيَ كَوْنِهِ مِنَ الشّاهِدِينَ بِذَلِكَ المَعْنى، ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ نَفْيُ كَوْنِهِ ﷺ حاضِرًا بِنَفْسِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومِنَ الثّانِي نَفْيُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جَماعَةٍ جِيءَ بِهِمْ لِيَحْضُرُوا فَيَطَّلِعُوا عَلى ما يَقَعُ هُناكَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المُرادَ بِالشّاهِدِينَ جَماعَةٌ مَعْهُودُونَ كانَ حالُهم ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ جاءَ الشّاهِدُ اسْمًا لِلْمَلَكِ كَما في القامُوسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كُنْتَ حاضِرًا بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى أمْرَ نُبُوَّتِهِ بِالوَحْيِ وما كُنْتَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ ويَصْعَدُونَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَهم مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى الحَوادِثِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ البَشَرِ حَتّى يَكُونَ لَكَ عِلْمٌ بِما وقَعَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتُخْبِرَ بِهِ النّاسَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ كَما في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ والبَحْرِ: التَّقْدِيرُ لَمْ تَحْضُرْ ذَلِكَ المَوْضِعَ ولَوْ حَضَرَتْ لَما شاهَدْتَ تِلْكَ الوَقائِعَ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ ولا يَشْهَدُ ولا يَرى، وقِيلَ: وهو مُخْتارُ أبِي حَيّانَ إنَّ المَعْنى وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ بِجَمِيعِ ما أعْلَمْناكَ بِهِ فَهو نَفْيٌ لِشَهادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمِيعَ ما جَرى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ عُمُومًا بَعْدَ خُصُوصٍ، وقِيلَ: المُرادُ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ ذَلِكَ الزَّمانَ فَيَكُونُ نَفْيًا لِحُضُورِهِ، ومُشاهَدَتُهُ ذَلِكَ الزَّمانَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ أوْ بِغَيْرِهِ، وحاصِلُهُ نَفْيُ الوُجُودِ العَيْنِيِّ إذْ ذاكَ فَيَكُونُ تَرَقِّيًا في النَّفْيِ. وقِيلَ: المُرادُ ﴿وما كُنْتَ﴾ إذْ ذاكَ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ مَن يَتَّصِفُ بِالشَّهادَةِ وهُمُ المَوْجُودُونَ بِالوُجُودِ العَيْنِيِّ أيْنَما كانُوا ومَآلُهُ كَمَآلِ ما قَبْلَهُ وإنِ اخْتَلَفا في طَرِيقِ الإرادَةِ وتَعَيَّنَ كَوْنُ الشَّهادَةِ فِيما قَبْلَهُ بِمَعْنى الحُضُورِ، ولَعَلَّ ما قَبْلَهُ أظْهَرُ مِنهُ بَلْ إذا ادَّعى مُدَّعٍ كَوْنَهُ أظْهَرَ مِن جَمِيعِ ما قِيلَ لَمْ يَبْعُدْ هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُ تِلْكَ الأقْوالِ وما فِيها مِنَ القِيلِ والقالِ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ نِسْبَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلَيْهِ ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ

القصص 28:45

﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ أيْ ولَكِنّا خَلَقْنا بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى قُرُونًا كَثِيرَةً ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ وتَمادى الأمَدُ فَتَغَيَّرَتِ الشَّرائِعُ والأحْكامُ وعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ صفحة 87 لا سِيَّما عَلى آخِرِهِمُ الَّذِينَ أنْتِ فِيهِمْ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعَ الجَدِيدَ وقَصَّ الأنْباءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ فَأوْحَيْنا إلَيْكَ وقَصَصْنا الأنْباءَ عَلَيْكَ فَحَذَفَ المُسْتَدْرَكَ أعْنِي أوْحَيْنا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن إنْشاءِ القُرُونِ وتَطاوُلِ الأمَدِ وخُلاصَةُ المَعْنى لَمْ تَكُنْ حاضِرًا لِتَعَلُّمِ ذَلِكَ ولَكِنْ عَلِمْتَهُ بِالوَحْيِ والسَّبَبُ فِيهِ تَطاوُلُ الزَّمَنِ حَتّى تَغَيَّرَتِ الشَّرائِعُ وعَمِيَتِ الأنْباءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ أيْ مُقِيمًا ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهم شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ نَفْيٌ لِاحْتِمالِ كَوْنِ مَعْرِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ القِصَّةِ بِالسَّماعِ مِمَّنْ شاهَدَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أيْ تَقْرَأُ عَلى أهْلِ مَدْيَنَ بِطَرِيقِ التَّعَلُّمِ مِنهم كَما يَقْرَأُ المُتَعَلِّمُ الدَّرْسَ عَلى مُعَلِّمِهِ ﴿آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِما كانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَهم وبِما كانَ لَهم مَعَهُ إمّا حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ثاوِيًا أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِكُنْتَ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ لَكَ ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ ونَظائِرَها والِاسْتِدْراكُ كالِاسْتِدْراكِ السّابِقِ إلّا أنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ

القصص 28:46

﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ أيْ وقْتَ نِدائِنا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ واسْتِنْبائِنا إيّاهُ وإرْسالِنا لَهُ إلى فِرْعَوْنَ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وغَيْرِهِ لِرَحْمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ. وقِيلَ أيْ عَلَّمْناكَ رَحْمَةً ولَعَلَّ الرَّحْمَةَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِعَلَّمَ والمُرادُ بِها القُرْآنُ ولَيْسَتْ مَفْعُولًا لَهُ والمَفْعُولُ الثّانِي ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ لِما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا جَعْلُها مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَحالُهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الرَّبِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإضافَةِ وقَدِ اكْتَفى هاهُنا عَنْ ذِكْرِ المُسْتَدْرَكِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى كَما اكْتَفى في الأوَّلِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَةِ النّاسِ وصَرَّحَ بِهِ فِيما بَيْنَهُما تَنْصِيصًا عَلى ما هو المَقْصُودُ وإشْعارًا بِأنَّهُ المُرادُ فِيهِما أيْضًا ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِالرَّحْمَةِ وهو يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ الإرْسالُ بِالقُرْآنِ أوْ ما في مَعْناهُ كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ دُونَ تَعْلِيمِ ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ إذْ لا يَظْهَرُ حَسَنُ تَعْلِيلِهِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُسْتَدْرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى التَّنازُعِ. وقَرَأ عِيسى، وأبُو حَيْوَةَ «رَحْمَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ هو أوْ هَذا أوْ هي أوْ هَذِهِ رَحْمَةٌ والضَّمِيرُ أوِ الإشارَةُ قِيلَ لِلْإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ والتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَرْجِعِ والخَبَرِ والخِلافُ في الأُولى مَشْهُورٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ولَكِنْ أنْتَ رَحْمَةٌ ولِتُنْذِرَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما هو صِفَةٌ لِـ رَحْمَةً وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ما ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمًا (ومِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ 46) أيْ يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ تَعْلِيلٌ لِلْإنْذارِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها لِلتَّرَجِّي حَقِيقَةً أوْ مَجازًا فَقِيلَ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَقُولًا فِيهِمْ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ قِيلَ العَرَبُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا ولَيْسَ بِمُرادٍ لِلِاتِّفاقِ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وكَأنَّهُ لِتَطاوُلِ الأمَدِ بَيْنَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْثَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ بِكَثِيرٍ وانْدِراسِ شَرْعِهِ وعَدَمِ وُقُوفِ صفحة 88 الأكْثَرِينَ في أغْلَبِ هَذِهِ المُدَّةِ عَلى حَقِيقَتِهِ قِيلَ: ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ حُكْمَ بَعْثَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ وأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ سِوى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في المِنَحِ المَكِّيَّةِ: مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ العَرَبَ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ بَعْدَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ إسْماعِيلَ انْتَهَتْ رِسالَتُهُ بِمَوْتِهِ وادَّعى قُبَيْلَ هَذا الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن بَعْدَهُ أيْ سِوى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُرْسَلُوا لِلْعَرَبِ ورِسالَةُ إسْماعِيلَ إلَيْهِمُ انْتَهَتْ بِمَوْتِهِ اهـ، فَكَأنَّهُ لِقِلَّةِ لُبْثِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ وانْقِطاعِ حُكْمِ رِسالَتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ فِيما بَيْنَهم وبَقائِهِمُ الأمَدَ الطَّوِيلَ بِغَيْرِ رَسُولٍ مَبْعُوثٍ فِيهِمْ نُفِيَ إتْيانُ النَّذِيرِ إيّاهم مِن قَبْلِهِ ﷺ. وذَكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في المِنَحِ أيْضًا ما يُفِيدُ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ مِمَّنْ عَدا نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَنْقَطِعُ رِسالَتُهُ بِمَوْتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ خاصًّا بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيِّهِ أنَّ هَذا الِانْقِطاعَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ فَقَدْ قالَ: «فائِدَةٌ» كُلُّ نَبِيٍّ إنَّما أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ إلّا سَيِّدَنا مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلى هَذا يَكُونُ ما عَدا قَوْمَ كُلِّ نَبِيٍّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ إلّا ذُرِّيَّةَ النَّبِيِّ السّابِقِ عَلَيْهِ فَإنَّهم مُخاطَبُونَ بِبَعْثَةِ السّابِقِ إلّا أنْ تَدْرُسَ شَرِيعَةُ السّابِقِ فَيَصِيرَ الكُلُّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ اهـ. وهو وكَذا ما نَقَلْناهُ عَنِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجْرٍ عِنْدِي الآنَ عَلى أعْرافِ الرَّدِّ والقَبُولِ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَشْرَحُ صَدْرِي بَعْدُ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ كَما أُرْسِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ أُرْسِلا لِلْعَرَبِ فالمُرادُ بِنَفْيِ هَذا الإتْيانِ الفَتْرَةُ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ونَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنها عَلى ما رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وفي كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ أنَّهُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً، ونَفْيُ إتْيانِ نَبِيٍّ بَيْنَ زَمانَيْ إتْيانِ نَبِيِّنا وإتْيانِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ هو ما صَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ لِحَدِيثِ: «لا نَبِيَّ بَيْنِي وبَيْنَ عِيسى». وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ بَيْنَهُما أرْبَعَةَ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واخْتارَ البَعْضُ أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ العَرَبُ المُعاصِرُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُتَصَوَّرُ إنْذارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم دُونَ أسْلافِهِمُ الماضِينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وعَدَمُ إتْيانِ نَذِيرٍ إيّاهم مِن قَبْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى القَوْلِ بِانْتِهاءِ حُكْمِ رِسالَةِ الرَّسُولِ سِوى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَوْتِهِ ظاهِرٌ، وأمّا إذا قِيلَ: بِعَدَمِ انْتِهائِهِ بِذَلِكَ وبَقائِهِ حُكْمًا لِرِسالَةِ الرَّسُولِ يَجِبُ عَلى مَن عَلِمَهُ مِن ذَرارِيِّ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ الأخْذُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مِن أحْكامِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إلى أنْ يَأْتِيَ رَسُولٌ آخَرُ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ فِيهِ مِنَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ أوْ مِن نِسْبَتِهِ إلى مَن قَبْلَهُ أوْ يُتْرَكُ إنْ جاءَ الثّانِي ناسِخًا لَهُ فالمُرادُ بِعَدَمِ إتْيانِ النَّذِيرِ إيّاهم عَدَمُ وُصُولِ ما أتى بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ العَرَبُ مُطْلَقًا ويُقالَ بِأنَّهم لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدٌ أصْلًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ومُنافاتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطِرٍ: 24] والعَرَبُ أعْظَمُ أُمَّةٍ وكَذا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: 6] بِناءً عَلى أنَّ- ما- فِيهِ لَيْسَتْ نافِيَةً وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ ما فِيهِ نافِيَةٌ مُؤَوِّلٌ بِحَمْلِ الآباءِ عَلى الآباءِ الأقْرَبِينَ، ولا يَكادُ يَجُوزُ في ما هاهُنا ما جازَ فِيها مِنِ الِاحْتِمالِ في آيَةِ يس بَلِ المُتَعَيَّنُ فِيها النَّفْيُ لَيْسَ غَيْرُ، وتَكَلُّفُ غَيْرِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَ قَضاءِ الأمْرِ بِمَعْنى أحْكامِ أمْرِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ وإيتاءِ التَّوْراةِ وثَوائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أهْلِ مَدْيَنَ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ والنِّداءُ صفحة 89 لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ مُسْتَقِلٌّ عَلى أنَّ حِكايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقِصَّةِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيِّ، ونَفى أوَّلًا الثَّواءَ في أهْلِ مَدْيَنَ ونَفى ثانِيًا الحُضُورَ عِنْدَ النِّداءِ ونَفى ثالِثًا الحُضُورَ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الكُلَّ دَلِيلٌ واحِدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ قَضاءَ الأمْرَ بِالِاسْتِنْباءِ والنِّداءَ بِالنِّداءِ لِأخْذِ التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: 12] رِعايَةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَهُما وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَفُوتُ عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ بِهَذا القَدْرِ لا يَرْتَفِعُ تَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بِالكُلِّيَّةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ لِأنَّ الثَّواءَ في أهْلِ مَدْيَنَ مُتَقَدِّمٌ عَلى القَضاءِ والنِّداءِ في الواقِعِ، وقَدْ وسَّطَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيْنَهُما، وأيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِ كُلٍّ مِنَ القَضاءِ والنِّداءِ بِما فَسَّرَ أنْسَبُ بِما يَلِي كُلًّا مِنَ الِاسْتِدْراكِ، ومِمّا يُسْتَغْرَبُ أنَّ بَعْضَ مَن فَسَّرَ ما ذُكِرَ بِما يُوافِقُ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ فَسَّرَ الشّاهِدِينَ بِالسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ لِلْمِيقاتِ ولا يَكادُ يَتَسَنّى ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهم إنَّما كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ التَّوْراةَ فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يُفَسِّرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ عِدَّةُ تَفاسِيرَ لا يَأْبى شَيْءٌ مِنها تَفْسِيرَهُ ما ذُكِرَ بِما يُوافِقُ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ، وجُوِّزَ عَلى التَّفْسِيرِ بِما يُوافِقُ كَوْنَ المُرادِ بِالشّاهِدِينَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ النّارِ فَإنَّ الآثارَ ناطِقَةٌ بِحُضُورِهِمْ حَوْلَها عِنْدَما أتاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النَّمْلِ: 8] في قَوْلٍ، هَذا وفي الآياتِ تَفْسِيراتٌ أُخَرُ فَقالَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ إلَخْ أيْ وما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَراهُ وتَسْمَعُ كَلامَهُ وها أنْتَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ أيْ عَلى أُمَّتِكَ آياتِنا فَهو مُنْقَطِعٌ اهـ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ فِيهِ وهو أنَّ المَعْنى لَمْ تَشْهَدْ أهْلَ مَدْيَنَ فَتَقْرَأ عَلى أهْلِ مَكَّةَ خَبَرَهم ولَكِنّا أرْسَلْناكَ إلى أهْلِ مَكَّةَ وأنْزَلْنا إلَيْكَ هَذِهِ الأخْبارَ ولَوْلا ذَلِكَ ما عَلِمْتَ، وقالَ الضَّحّاكُ: يَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لَمْ تَكُنِ الرَّسُولَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ الكِتابِ وإنَّما كانَ غَيْرُكَ ولَكِنّا كُنّا مُرْسَلِينَ في كُلِّ زَمانٍ رَسُولًا فَأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ شُعَيْبًا وأرْسَلْناكَ إلى العَرَبِ لِتَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ اهـ. ولا يَخْفى أنَّ ما قَدَّمْنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ. وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ كانَ نِداءً فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ وذَكَرُوا عِدَّةَ آثارٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ في ذَلِكَ: نُودُوا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي واسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ هو أيْضًا وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ ما كانَ النِّداءُ وما كانَتِ الرَّحْمَةُ؟ قالَ: كِتابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بِألْفَيْ عامٍ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى عَرْشِهِ ثُمَّ نادى يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي وغَفَرْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي فَمَن لَقِيَنِي مِنكم يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدِي ورَسُولِي صادِقًا أدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ». وأخْرَجَ الخُتُلِّيُّ في الدِّيباجِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَمّا قَرَّبَ اللَّهُ تَعالى مُوسى إلى طُورِ سَيْناءَ نَجِيًّا قالَ: أيْ رَبِّ هَلْ أجِدُ أكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي؟ قَرَّبْتَنِي نَجِيًّا وكَلَّمْتَنِي تَكْلِيمًا. قالَ: نَعَمْ. مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ (عَلَيَّ) مِنكَ. صفحة 90 قالَ: فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي فَهَلْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أكْرَمُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَلَقْتَ البَحْرَ لَهم وأنْجَيْتَهم مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ وأطْعَمْتَهُمُ المَنَّ والسَّلْوى. قالَ: نَعَمْ. أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ (عَلَيَّ) مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: إلَهِي أرِنِيهِمْ. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَراهم وإنْ شِئْتَ أسْمَعْتُكَ صَوْتَهم. قالَ: نَعَمْ إلَهِي. فَنادى رَبُّنا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجِيبُوا رَبَّكم. قالَ: فَأجابُوا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ وأرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالُوا: لَبَّيْكَ أنْتَ رَبُّنا حَقًّا ونَحْنُ عَبِيدُكَ حَقًّا. قالَ: صَدَقْتُمْ أنا رَبُّكم حَقًّا وأنْتُمْ عَبِيدِي حَقًّا قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي وأعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي فَمَن لَقِيَنِي مِنكم بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»». . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرادَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِما أعْطاهُ وبِما أعْطى أُمَّتَهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا، واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَعْنًى لا يُناسِبُ المَقامَ ولا تَكادُ تَرْتَبِطُ الآياتُ عَلَيْهِ، ولا بُدَّ لِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ مِن دَلِيلٍ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ لا يَخْفى حالُهُ. وقالَ بَعْضٌ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الأخْبارِ إنَّ المُرادَ وما كُنْتَ حاضِرًا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِجانِبِ الطُّورِ لِتَقِفَ عَلى أحْوالِهِ فَتُخْبِرَ بِها النّاسَ ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ رَحْمَةً مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ، والتَّوْقِيتُ بِنِداءِ أُمَّتِهِ لَيْسَ لِكَوْنِ المُخْبَرِ بِهِ ما كانَ مِن ذَلِكَ بَلْ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَعُودُ إلَيْهِ وإلى أُمَّتِهِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا يَكُونُ مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإباءِ عَنْ شَرِيعَتِهِ وتَلْوِيحِ ما إلى مَضْمُونِ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنْعامِ: 89] وحِينَئِذٍ تَرْتَبِطُ الآياتُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطًا ظاهِرًا فَتَأمَّلْ