Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الروم 30:1 – لقمان 31:32

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الروم 30:1
  2. الروم 30:2
  3. الروم 30:3
  4. الروم 30:4
  5. الروم 30:5
  6. الروم 30:6
  7. الروم 30:7
  8. الروم 30:8
  9. الروم 30:9
  10. الروم 30:10
  11. الروم 30:11
  12. الروم 30:12
  13. الروم 30:13
  14. الروم 30:14
  15. الروم 30:15
  16. الروم 30:16
  17. الروم 30:17
  18. الروم 30:18
  19. الروم 30:19
  20. الروم 30:20
  21. الروم 30:21
  22. الروم 30:22
  23. الروم 30:23
  24. الروم 30:24
  25. الروم 30:25
  26. الروم 30:26
  27. الروم 30:27
  28. الروم 30:28
  29. الروم 30:29
  30. الروم 30:30
  31. الروم 30:31
  32. الروم 30:32
  33. الروم 30:33
  34. الروم 30:34
  35. الروم 30:35
  36. الروم 30:36
  37. الروم 30:37
  38. الروم 30:38
  39. الروم 30:39
  40. الروم 30:40
  41. الروم 30:41
  42. الروم 30:42
  43. الروم 30:43
  44. الروم 30:44
  45. الروم 30:45
  46. الروم 30:46
  47. الروم 30:47
  48. الروم 30:48
  49. الروم 30:49
  50. الروم 30:50
  51. الروم 30:51
  52. الروم 30:52
  53. الروم 30:53
  54. الروم 30:54
  55. الروم 30:55
  56. الروم 30:56
  57. الروم 30:57
  58. الروم 30:58
  59. الروم 30:59
  60. الروم 30:60
  61. لقمان 31:1
  62. لقمان 31:2
  63. لقمان 31:3
  64. لقمان 31:4
  65. لقمان 31:5
  66. لقمان 31:6
  67. لقمان 31:7
  68. لقمان 31:8
  69. لقمان 31:9
  70. لقمان 31:10
  71. لقمان 31:11
  72. لقمان 31:12
  73. لقمان 31:13
  74. لقمان 31:14
  75. لقمان 31:15
  76. لقمان 31:16
  77. لقمان 31:17
  78. لقمان 31:18
  79. لقمان 31:19
  80. لقمان 31:20
  81. لقمان 31:21
  82. لقمان 31:22
  83. لقمان 31:23
  84. لقمان 31:24
  85. لقمان 31:25
  86. لقمان 31:26
  87. لقمان 31:27
  88. لقمان 31:28
  89. لقمان 31:29
  90. لقمان 31:30
  91. لقمان 31:31
  92. لقمان 31:32

الروم 30:1

سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ: لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها ولَمْ يَسْتَثْنُوا مِنها شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الرُّومُ: 17]، الآيَةَ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، والتَّفْسِيرِ المَرْضِيِّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ، وآيُها سِتُّونَ، وعِنْدَ بَعْضٍ تِسْعٌ وخَمْسُونَ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِالسُّورَةِ السّابِقَةِ عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: أنَّها خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صفحة 17 جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتُ: 69]، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَعْدِ مَن غَلَبَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ وفَرَحِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وأنَّ الدَّوْلَةَ لِأهْلِ الجِهادِ فِيهِ، ولا يَضُرُّهم ما وقَعَ لَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن هَزِيمَةٍ، هَذا مَعَ تَواخِيها لِما قَبْلَها في الِافْتِتاحِ – بِــ(الم) - ولا يَخْفى أنَّ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ المُجاهَدَةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِذَلِكَ تَضْعُفُ المُناسَبَةُ، ومَن وقَفَ عَلى أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ ما افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنًا نُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ بِدَفْعِ شَماتَةِ أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ، وهم لَمْ يَزالُوا مُجاهِدِينَ في اللَّهِ تَعالى، ولِأجْلِهِ، ولِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَضُرُّ عَدَمُ جِهادِهِمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ النُّزُولِ، وهَذا في المُناسَبَةِ أوْجَهُ فِيما أرى مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الجَلالُ، فَتَأمَّلْ. ﷽ ﴿الم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في أمْثالِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هي قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن ولَدِ رُومِيِّ بْنِ يُونانَ بْنِ عِلْجانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن ولَدِ يافانَ بْنِ يافِثَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ رَعُوِيلَ بْنِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مِن ولَدِ رُومِ بْنِ عِيصٍ المَذْكُورِ، صارَتْ لَها وقْعَةٌ مَعَ فارِسَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَغَلَبَتْها، وقَهَرَتْها فارِسُ.

الروم 30:2

سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ: لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها ولَمْ يَسْتَثْنُوا مِنها شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الرُّومُ: 17]، الآيَةَ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، والتَّفْسِيرِ المَرْضِيِّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ، وآيُها سِتُّونَ، وعِنْدَ بَعْضٍ تِسْعٌ وخَمْسُونَ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِالسُّورَةِ السّابِقَةِ عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: أنَّها خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صفحة 17 جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتُ: 69]، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَعْدِ مَن غَلَبَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ وفَرَحِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وأنَّ الدَّوْلَةَ لِأهْلِ الجِهادِ فِيهِ، ولا يَضُرُّهم ما وقَعَ لَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن هَزِيمَةٍ، هَذا مَعَ تَواخِيها لِما قَبْلَها في الِافْتِتاحِ – بِــ(الم) - ولا يَخْفى أنَّ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ المُجاهَدَةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِذَلِكَ تَضْعُفُ المُناسَبَةُ، ومَن وقَفَ عَلى أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ ما افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنًا نُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ بِدَفْعِ شَماتَةِ أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ، وهم لَمْ يَزالُوا مُجاهِدِينَ في اللَّهِ تَعالى، ولِأجْلِهِ، ولِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَضُرُّ عَدَمُ جِهادِهِمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ النُّزُولِ، وهَذا في المُناسَبَةِ أوْجَهُ فِيما أرى مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الجَلالُ، فَتَأمَّلْ. ﷽ ﴿الم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في أمْثالِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هي قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن ولَدِ رُومِيِّ بْنِ يُونانَ بْنِ عِلْجانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن ولَدِ يافانَ بْنِ يافِثَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ رَعُوِيلَ بْنِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مِن ولَدِ رُومِ بْنِ عِيصٍ المَذْكُورِ، صارَتْ لَها وقْعَةٌ مَعَ فارِسَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَغَلَبَتْها، وقَهَرَتْها فارِسُ.

الروم 30:3

﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ أقْرَبِها. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الرُّومِ عَلى أنَّ (ألْ) نائِبَةٌ مَنابَ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، والأقْرَبِيَّةُ بِالنَّظَرِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُمْ، أوِ المُرادُ بِها أرْضُ مَكَّةَ ونَواحِيها، لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ، والأقْرَبِيَّةُ بِالنَّظَرِ إلى الرُّومِ، أوِ المُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الرُّومِ لِذِكْرِهِمْ، والأقْرَبِيَّةُ بِالنَّظَرِ إلى عَدُوِّهِمْ أعْنِي فارِسَ لِحَدِيثِ المَغْلُوبِيَّةِ، وقَدْ جاءَ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ أنَّ الحَرْبَ وقَعَ بَيْنَ أذْرُعاتٍ وبُصْرى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: بِالأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَزِيرَةِ يَعْنِي الجَزِيرَةَ العُمَرِيَّةَ لا جَزِيرَةَ العَرَبِ، وجُعِلَ كُلُّ قَوْلٍ مُوافِقًا لِوَجْهٍ مِنَ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّرْتِيبِ، وصَحَّحَ ابْنُ حَجَرٍ القَوْلَ الأوَّلَ. وقَرَأ الكَلْبِيُّ «فِي أدانِي الأرْضِ»، ﴿وهُمْ﴾ أيِ الرُّومُ ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيْ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، أوْ إلى نائِبِ فاعِلِهِ إنْ كانَ مَصْدَرًا لِمَجْهُولٍ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِمُوافَقَتِهِ لِلنَّظْمِ الجَلِيلِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ «غَلْبِهِمْ» بِسُكُونِ اللّامِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ «غِلابِهِمْ» عَلى وزْنِ كِتابٍ، والكُلُّ مَصادِرُ غَلَبَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ السِّينِ، ولِكَوْنِ مَغْلُوبِهِمْ مَن كانَ غالِبَهُمْ، وفي بِناءِ الجُمْلَةِ عَلى الضَّمِيرِ تَقْوِيَةٌ لِلْحُكْمِ أيْ سَيَغْلِبُونَ فارِسَ البَتَّةَ.

الروم 30:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(سَيَغْلِبُونَ) أيْضًا. والبِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وفي المُجْمَلِ ما بَيْنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ، وقِيلَ: «هُوَ ما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشْرِ»، وقالَ المُبَرِّدُ: ما بَيْنَ العَقْدَيْنِ في جَمِيعِ الأعْدادِ. رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ، فَوافَوْهم بِأذْرُعاتٍ وبُصْرى فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ، وهم بِمَكَّةَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ أنْ يَظْهَرَ الأُمِّيُّونَ مِنَ المَجُوسِ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ الرُّومِ، وفَرِحَ الكُفّارُ بِمَكَّةَ وشَمِتُوا، فَلَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا مِن أهْلِ فارِسَ عَلى إخْوانِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنَّكم إنْ قاتَلْتُمُونا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآياتِ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الكُفّارِ فَقالَ: أفَرِحْتُمْ بِظُهُورِ إخْوانِكم صفحة 18 عَلى إخْوانِنا، فَلا تَفْرَحُوا، ولا يُقِرَّنَّ اللَّهُ تَعالى عَيْنَكُمْ، فَواللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ، أخْبَرَنا بِذَلِكَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: كَذَبْتَ، فَقالَ لَهُ: أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنْتَ أكْذَبُ يا عَدُوَّ اللَّهِ، تَعالى، تَعالَ أُناحِبُكَ، عَشْرُ قَلائِصَ مِنِّي وعَشْرُ قَلائِصَ مِنكَ، فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فارِسُ غَرِمْتُ إلى ثَلاثِ سِنِينَ، فَناحَبَهُ، ثُمَّ جاءَ أبُو بَكْرٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأخْبَرَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما هَكَذا ذَكَرْتُ، إنَّما البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَزايِدْهُ في الخَطَرِ، ومادِّهِ في الأجَلِ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيًّا، فَقالَ: لَعَلَّكَ نَدِمْتَ؟ قالَ: لا، تَعالَ أُزايِدُكَ في الخَطَرِ، وأُمادُّكَ في الأجَلِ، فاجْعَلْها مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَلَمّا أرادَ أبُو بَكْرٍ الهِجْرَةَ طَلَبَ مِنهُ أُبَيٌّ كَفِيلًا بِالخَطَرِ، إنْ غَلَبَ، فَكَفَلَ بِهِ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَلَمّا أرادَ أُبَيٌّ الخُرُوجَ إلى أُحُدٍ طَلَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالكَفِيلِ، فَأعْطاهُ كَفِيلًا، وماتَ أُبَيٌّ مِن جُرْحٍ جَرَحَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ لَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ». وجاءَ في الرِّواياتِ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ «أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَصَدَّقْ بِهِ». وفِي رِوايَةِ أبِي يَعْلى، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ، وابْنِ عَساكِرَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««هَذا السُّحْتُ تَصَدَّقْ بِهِ»». واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ، والتِّرْمِذِيِّ، وصَحَّحَهُ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ السُّلَمِيِّ، وهو الظّاهِرُ، لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، فَما وجْهُ كَوْنِهِ سُحْتًا؟ وإنْ كانَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِالحَرامِ الغَيْرِ المُخْتَلِطِ بِغَيْرِهِ، وصاحِبُهُ مَعْلُومٌ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ يَجِبُ رَدُّ المالِ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ مالٌ حَرْبِيٌّ والحادِثَةُ وقَعَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَبْلَ الفَتْحِ دارُ حَرْبٍ، والعُقُودُ الفاسِدَةُ تَجُوزُ فِيها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ لَمْ يَظْهَرْ قَوْلُهُ سُحْتًا، وكَأنِّي بِكَ تَمْنَعُ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّوايَةِ وإذا لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُها يَبْقى الأمْرُ بِالتَّصَدُّقِ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو تَصَدُّقٌ بِحَلالٍ، أمّا إذا كانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ كَما هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ فَلِأنَّ أبا حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدًا قالا بِجَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، واحْتَجّا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِما وقَعَ مِن أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ تَظافَرَتِ الرِّواياتُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ المُناحَبَةَ، وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِ التَّأْجِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ، وأرْشَدَهُ إلى أنْ يُزايِدَهُمْ، ورُبَّما يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ: إنَّ السُّحْتَ لَيْسَ بِمَعْنى الحَرامِ، بَلْ بِمَعْنى ما يَكُونُ سَبَبًا لِلْعارِ والنَّقْصِ في المُرُوءَةِ حَتّى كَأنَّهُ يُسْحِتُها أيْ يَسْتَأْصِلُها كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««كَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ»» فَقَدْ قالَ الرّاغِبُ: إنَّ هَذا لِكَوْنِهِ ساحِتًا لِلْمُرُوءَةِ لا لِلدِّينِ، فَكَأنَّهُ ﷺ رَأى أنَّ تَمَوُّلَ ذَلِكَ وإنْ كانَ حَلالًا مُخِلٌّ بِمُرُوءَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَأطْلَقَ عَلَيْهِ السُّحْتَ، ولا يَأْبى ذَلِكَ إذْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المُناحَبَةِ، لِما أنَّها لا تَضُرُّ بِالمُرُوءَةِ أصْلًا، وفِيها مِن إظْهارِ اليَقِينِ بِصِدْقِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ما فِيها، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ثِقَةٍ مِن صَلاحِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأنَّهُ إذا أمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِما يَأْخُذُهُ ونَهاهُ عَنْ تَمَوُّلِهِ لَمْ يُخالِفْهُ، وقِيلَ: السُّحْتُ هُنا بِمَعْنى ما لا شَيْءَ عَلى مَنِ اسْتَهْلَكَهُ، وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ كَما في النِّهايَةِ، والمُرادُ: هَذا الَّذِي لا شَيْءَ عَلَيْكَ إذا اسْتَهْلَكْتَهُ، وتَصَرَّفْتَ فِيهِ حَسْبَما تَشاءُ تَصَدَّقْ بِهِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة 19 بَعْدَ أنْ أخْبَرَ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ حَسْبَما يُرِيدُ، أرْشَدَهُ إلى ما هو الأوْلى والأحْرى، فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهِ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ السُّحْتَ كَما في النِّهايَةِ يَرِدُ في الكَلامِ بِمَعْنى الحَرامِ مَرَّةً، وبِمَعْنى المَكْرُوهِ أُخْرى، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِالقَرائِنِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الخَبَرِ إذا صَحَّ فِيهِ بِمَعْنى المَكْرُوهِ، إذِ الأمْرُ بِالتَّصَدُّقِ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحَرامِ، فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ بِمَعْنى المَكْرُوهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وأمّا تَفْسِيرُ السُّحْتِ بِالحَرامِ، والتِزامُ القَوْلِ بِجَوازِ التَّصَدُّقِ بِالحَرامِ لِهَذا الخَبَرِ فَمِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَتَأمَّلْ. وكانَتْ كِلْتا الغَلَبَتَيْنِ في سَلْطَنَةِ خَسِرُو بَرْوِيزَ، قالَ في رَوْضَةِ الصَّفا ما تَرْجَمَتُهُ: إنَّهُ لَمّا مَضى مِن سَلْطَنَةِ خَسِرُو أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً غَدَرَ الرُّومِيُّونَ بِمَلِكِهِمْ، وقَتَلُوهُ مَعَ ابْنِهِ بِناطُوسَ وهَرَبَ ابْنُهُ الآخَرُ إلى خِسْرُو فَجَهَّزَ مَعَهُ ثَلاثَةَ رُؤَساءَ أُولِي قَدْرٍ رَفِيعٍ مَعَ عَسْكَرٍ عَظِيمٍ، فَدَخَلُوا بِلادَ الشّامِ وفِلَسْطِينَ وبَيْتَ المَقْدِسِ، وأسَرُوا مَن فِيها مِنَ الأساقِفَةِ وغَيْرِهِمْ، وأرْسَلُوا إلى خِسْرُو الصَّلِيبَ الَّذِي كانَ مَدْفُونًا عِنْدَهم في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ، وكَذَلِكَ اسْتَوْلَوْا عَلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ وبِلادِ النُّوبَةِ إلى أنْ وصَلُوا إلى نَواحِي القُسْطَنْطِينِيَّةِ، وأكْثَرُوا الخَرابَ وجَهِدُوا عَلى إطاعَةِ الرُّومِيِّينَ لِابْنِ قَيْصَرَ، فَلَمْ تَحْصُلْ، قِيلَ: إنَّ الرُّومِيِّينَ جَعَلُوا عَلَيْهِمْ حاكِمًا شَخْصًا اسْمُهُ هِرَقْلُ وكانَ سُلْطانًا عادِلًا يَخافُ اللَّهَ تَعالى، فَلَمّا رَأى تَخْرِيبَ فارِسَ قَدْ شاعَ في بِلادِ الرُّومِ مِنَ النَّهْبِ والقَتْلِ، تَضَرَّعَ، وبَكى، وسَألَ اللَّهَ تَعالى تَخْلِيصَ الرُّومِيِّينَ، فَصادَفَ دُعاؤُهُ هَدَفَ الإجابَةِ، فَرَأى في لَيالِيَ مُتَعَدِّدَةٍ في مَنامِهِ أنَّهُ قَدْ جِيءَ إلَيْهِ بِخِسْرُو في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ، وقِيلَ لَهُ: عَجِّلْ بِمُحارَبَةِ بِرْوِيزَ لِأنَّهُ يَكُونُ لَكَ الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ، فَجَمَعَ هِرَقْلُ عَسْكَرَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وتَوَجَّهَ مِن قُسْطَنْطِينِيَّةَ إلى نُصَيْبِينَ، فَسَمِعَ خَسِرُو فَجَهَّزَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مَعَ أمِيرٍ مِن أُمَرائِهِ، فَقابَلَهم هِرَقْلُ فَكَسَرَهُمْ، وقَتَلَ مِنهم تِسْعَةَ آلافٍ مَعَ رُؤَسائِهِمْ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهم رَبَطُوا خُيُولَهم بِالمَدائِنِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ سَبَبَ ظُهُورِ الرُّومِ عَلى فارِسَ أنَّ كِسْرى بَعَثَ إلى أمِيرِهِ شَهْرَيارَ وهو الَّذِي ولّاهُ عَلى مُحارَبَةِ الرُّومِ: أنِ اقْتُلْ أخاكَ فَرْخانَ لِمَقالَةٍ قالَها، وهو قَوْلُهُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي جالِسًا عَلى سَرِيرِ كِسْرى، فَلَمْ يَقْتُلْهُ، فَبَعَثَ إلى فارِسَ: إنِّي قَدْ عَزَلْتُ شَهْرَيارَ ووَلَّيْتُ أخاهُ فَرْخانَ، فاطَّلَعَ فَرْخانُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَرَدَّ المُلْكَ إلى أخِيهِ، وكَتَبَ شَهْرَيارُ إلى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَتَعاوَنا عَلى كِسْرى، فَغَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ، وجاءَ الخَبَرُ، فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ الباهِرَةِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وكَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى العَلِيمُ الخَبِيرُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ أسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ «غَلَبَتِ الرُّومُ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، (وسَيُغْلَبُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: إنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ، وسَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ، وقَدْ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِ الآيَةِ، فَفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ، وإضافَةُ «غَلَبٍ» عَلَيْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، ووُفِّقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةًبِمَكَّةَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ومَرَّةً يَوْمَ بَدْرٍ كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الصَّوابُ أنْ يَبْقى نُزُولُها عَلى ظاهِرِهِ، ويُرادَ بِغَلَبِ المُسْلِمِينَ إيّاهم ما كانَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وكانَتْ في جُمادى الأُولى سَنَةَ ثَمانٍ، وذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ التّارِيخِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لِنُزُولِ الآيَةِ أوَّلًا، ولا حاجَةَ إلى تَعَدُّدِ النُّزُولِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَخالُفُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ، إذا لَمْ يَتَناقَضا، وكَوْنُ فَرِيقٍ غالِبًا ومَغْلُوبًا في زَمانَيْنِ غَيْرُ مُتَدافِعٍ، فَتَأمَّلِ، انْتَهى. ولا يَخْفى عَلى مَن سَبَرَ السِّيَرَ أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى، لِأنَّ الرُّومَ لَمْ يَغْلِبْهُمُ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، بَلِ انْصَرَفُوا عَنْهم بَعْدَ أنْ أُصِيبُوا بِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وعَبّادِ بْنِ قَيْسٍ في صفحة 20 آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، كالمَغْلُوبِينَ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ أنَّهم «لَمّا أتَوُا المَدِينَةَ جَعَلَ النّاسُ يَحْثُونَ عَلى الجَيْشِ التُّرابَ ويَقُولُونَ: يا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسُوا بِالفُرّارِ، ولَكِنَّهُمُ الكُرّارُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى»» ورُوِيَ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ لِامْرَأةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشامِ بْنِ العاصِ بْنِ المُغِيرَةِ: ما لِي لا أرى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعَ المُسْلِمِينَ؟ فَقالَتْ: واللَّهِ ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَخْرُجَ كُلَّما خَرَجَ صاحَ بِهِ النّاسُ: يا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى قَعَدَ في بَيْتِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ، وذَكَرَ أبْياتًا لِقَيْسٍ اليَعْمُرِيِّ يَعْتَذِرُ فِيها مِمّا صَنَعَ يَوْمَئِذٍ، وصَنَعَ النّاسُ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ كَما قالَ بَيانٌ أنَّ القَوْمَ حاجَزُوا، وكَرِهُوا المَوْتَ، وأنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ انْحازَ بِمَن مَعَهُ،» عَلى أنَّ فِيما ذُكِرَ أنَّهُ الصَّوابُ بَحْثًا بَعْدُ، فَلَعَلَّ الأوَّلَ في التَّوْفِيقِ إذا صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، فَتَأمَّلْ. وفِي البَحْرِ: كانَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَحْكِي عَنْ أبِي الحَكَمِ بْنِ بَرَّجانَ أنَّهُ اسْتَخْرَجَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ - إلى- ﴿سِنِينَ﴾ افْتِتاحَ المُسْلِمِينَ بَيْتَ المَقْدِسِ مُعَيِّنًا زَمانَهُ ويَوْمَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ بَيْتُ المَقْدِسِ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ النَّصارى، وإنَّ ابْنَ بَرَّجانَ ماتَ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِلْفَتْحِ، وإنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِزَمانٍ افْتَتَحَهُ المُسْلِمُونَ في الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ أبُو الحَكَمِ، وكانَ أبُو جَعْفَرٍ يَعْتَقِدُ في أبِي الحَكَمِ هَذا أنَّهُ كانَ يَتَطَلَّعُ عَلى أشْياءَ مِنَ المُغَيَّباتِ يَسْتَخْرِجُها مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى، واسْتِخْراجُ بَعْضِ العارِفِينَ كَمُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ، والعِراقِيِّ، وغَيْرِهِمُ المُغَيَّباتِ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ أمْرٌ شَهِيرٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدَ حِسابِيَّةٍ، وأعْمالٍ حَرْفِيَّةٍ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنها عَنْ سَلَفِ الأُمَّةِ، ولا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكِتابُ اللَّهِ تَعالى فَوْقَ ما يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ، وقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: هَلْ أسَرَّ إلَيْكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا كَتَمَهُ عَنْ غَيْرِكم فَقالَ: لا، إلّا أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ تَعالى عَبْدًا فَهْمًا في كِتابِهِ. هَذا، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يُوَفِّقَنا لِفَهْمِ أسْرارِ كِتابِهِ، بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحالَةِ، ومِن بَعْدِها، وهو حاصِلُ ما قِيلَ، أيْ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ، وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ، والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا وغالِبِينَ آخِرًا لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 140]، وقَرَأ أبُو السِّمالِ، والجَحْدَرِيُّ عَنِ العُقَيْلِيِّ «مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ» بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ فِيهِما، فَلَيْسَ هُناكَ مُضافٌ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ أصْلًا عَلى المَشْهُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِلَّهِ الأمْرُ قَبْلًا وبَعْدًا، أيْ في زَمانٍ مُتَقَدِّمٍ، وفي زَمانٍ مُتَأخِّرٍ، وحَذَفَ بَعْضُهُمُ المَوْصُوفَ، وذَكَرَ السَّكّاكِيُّ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في مِثْلِ ذَلِكَ أيْضًا، والتَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنْهُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ الكَسْرَ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّهُ إمّا أنْ لا يُقَدَّرَ فِيهِ الإضافَةُ، فَيُنَوَّنُ أوْ يُقَدَّرُ فَيُبْنى عَلى الضَّمِّ، وأمّا تَقْدِيرُ لَفْظِهِ قِياسًا عَلى قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ، فَقِياسٌ مَعَ الفارِقِ، لِذِكْرِهِ فِيهِ بُعْدٌ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ النَّحّاسُ لِلْفَرّاءِ في كِتابِهِ: في القُرْآنِ أشْياءُ كَثِيرَةُ الغَلَطِ، مِنها أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ يَجُوزُ «مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ» بِالكَسْرِ بِلا تَنْوِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ «مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ» عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ أيْ مِن مُتَقَدِّمٍ، ومِن مُتَأخِّرٍ، وذَهَبَ إلى قَوْلِ الفَرّاءِ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ كُتُبِهِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ بَعْضِ بَنِي أسَدٍ: «لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ» عَلى أنَّ الأوَّلَ مَخْفُوضٌ مُنَوَّنٌ، والثّانِي مَضْمُومٌ بِلا تَنْوِينٍ. ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ أيْ ويَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ فارِسَ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ صفحة 21 وغِيظَ مَن شَمِتَهم مِن كُفّارِ مَكَّةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا يُتَفاءَلُ بِهِ لِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفّارِ، وقِيلَ: نَصَرَ اللَّهُ تَعالى صِدْقَ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وقِيلَ: نَصْرُهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ولّى بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا، وفَرَّقَ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ حَتّى تَناقَضُوا وتَحارَبُوا، وقَلَّلَ كُلٌّ مِنهُما شَوْكَةَ الآخَرِ، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ وافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفِيهِ مِن نَصْرِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفَرَحِهِمْ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى، والأوَّلُ أنْسَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى:

الروم 30:5

﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ، ويُغَلِّبُهُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ (يَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ بِيَفْرَحُ، وكَذا بِـ ( نَصْرِ ) وجُوِّزَ تَعَلُّقُ (يَوْمَ) بِهِ، وكَذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ بِـ ( نَصْرِ ) بِالمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ( يَوْمَئِذٍ ) عَطْفٌ عَلى قَبْلُ أوْ بَعْدُ، كَأنَّهُ حَصَرَ الأزْمِنَةَ الثَّلاثَةَ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ والحالَ ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِفَرَحِ المُؤْمِنِينَ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ المُبالِغُ في العِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَلا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ أنْ يَنْصُرَ عَلَيْهِ كائِنًا مَن كانَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ فَيَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ أيَّ فَرِيقٍ كانَ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا هي الدُّنْيَوِيَّةُ، أمّا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَظاهِرٌ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا يَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ وإنْ كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لَها، لَكِنَّ المُرادَ ها هُنا نَصْرُهُمُ الَّذِي هو مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وتَقْدِيمُ وصْفِ ( العَزِيزُ ) لِتَقَدُّمِهِ في الِاعْتِبارِ.

الروم 30:6

﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ويُقالُ لَهُ المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْنى الوَعْدِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وعْدًا، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيَّ وعْدٍ كانَ، مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، لِما في خَلْقِهِ مِنَ النَّقْصِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّعْلِيلِ الحُكْمِيِّ وتَفْخِيمِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَعْنى المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ فَيَكُونُ كالمَصْدَرِ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: وعْدَ اللَّهُ تَعالى وعْدًا غَيْرَ مُخْلَفٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ لِجَهْلِهِمْ بِشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيما يَجِبُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، أوْ لا يَعْلَمُونَ ما سَبَقَ مِن شُؤُونِهِ جَلَّ وعَلا، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أوْ لَيْسُوا مِن أُولِي العِلْمِ حَتّى يَعْلَمُوا ذَلِكَ

الروم 30:7

﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما يُحِسُّونَ بِهِ مِن زَخارِفِها ومَلاذِّها، وسائِرِ أحْوالِها المُوافِقَةِ لِشَهَواتِهِمُ المُلائِمَةِ لِأهْوائِهِمُ المُسْتَدْعِيَةِ لِانْهِماكِهِمْ فِيها، وعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يَعْلَمُونَ مَنافِعَها ومَضارَّها، ومَتى يَزْرَعُونَ ومَتى يَحْصُدُونَ، وكَيْفَ يَجْمَعُونَ، وكَيْفَ يَبْنُونَ، أيْ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ لَهم مِنهُ أثَرٌ في الآخِرَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَلَغَ مِن حِذْقِ أحَدِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهُ أنَّهُ يَقْلِبُ الدِّرْهَمَ عَلى ظُفْرِهِ، فَيُخْبِرُكُ بِوَزْنِهِ، وما يُحْسِنُ يُصَلِّي، وقالَ الكِرْمانِيُّ: كُلُّ ما يُعْلَمُ بِأوائِلِ الرَّوِيَّةِ فَهو الظّاهِرُ، وما يُعْلَمُ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَهو الباطِنُ، وقِيلَ: هو هُنا التَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها والتَّنَعُّمُ بِمَلاذِّها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُما لَيْسا مِمّا عَلِمُوهُ مِنها، بَلْ مِن أفْعالِهِمُ المُرَتَّبَةِ عَلى عِلْمِهِمْ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الظّاهِرَ هو ما عَلِمُوهُ مِن قِبَلِ الكَهَنَةِ، مِمّا تَسْتَرِقُهُ الشَّياطِينُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأيًّا ما كانَ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالظّاهِرِ مُقابِلُ الباطِنِ، وتَنْوِيهٌ لِلتَّحْقِيرِ والتَّخْسِيسِ، أيْ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا حَقِيرًا خَسِيسًا، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الزّائِلِ الذّاهِبِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: صفحة 22 وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها أيْ يَعْلَمُونَ أمْرًا زائِلًا لا بَقاءَ لَهُ، ولا عاقِبَةَ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى والمَطْلَبُ الأسْنى ﴿هم غافِلُونَ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها، وفِيما يُؤَدِّي إلى مَعْرِفَتِها مِنَ الدُّنْيا وأحْوالِها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( يَعْلَمُونَ ) وإيرادُها اسْمِيَّةً لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ غَفْلَتِهِمْ ودَوامِها، ( وهُمُ ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى، وتَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لَها دافِعٌ لِلتَّجَوُّزِ وعَدَمِ الشُّمُولِ، والفَصْلُ بِمَعْمُولِ الخَبَرِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لَكِنْ حَسَّنَهُ وُقُوعُ الفَصْلِ في التَّلَفُّظِ، والِاعْتِناءُ بِالآخِرَةِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ( وغافِلُونَ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ( هُمُ ) الأُولى، وجُمْلَةُ ( يَعْلَمُونَ ) إلَخْ، بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ( لا يَعْلَمُونَ ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، فَإنَّ الجاهِلَ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أوْ لا يَعْلَمُ شُؤُونَهُ تَعالى السّابِقَةَ، ولا يَتَفَكَّرُ في ذَلِكَ هو الَّذِي قَصُرَ نَظَرُهُ عَلى ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، والمُصَحِّحُ لِلْبَدَلِيَّةِ اتِّحادُ ما صَدَقا عَلَيْهِ، والنُّكْتَةُ المُرَجِّحَةُ لَهُ جَعْلُ عِلْمِهِمْ والجَهْلِ سَواءً، بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ إلَخْ، مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالبَهائِمِ المَقْصُورِ إدْراكُها عَلى ظَواهِرِ الدُّنْيا الخَسِيسَةِ دُونَ أحْوالِها الَّتِي هي مِن مَبادِئِ العِلْمِ بِأُمُورِ الآخِرَةِ. واخْتارَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ جُمْلَةَ ( يَعْلَمُونَ ) إلَخِ، اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ جَهْلِهِمْ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى حَقٌّ، وأنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الأمْرَ مِن قَبْلُ، ومِن بَعْدُ، وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ.

الروم 30:8

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِقِصَرِ نَظَرِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ، وذَكَرَهُ مَعَ أنَّ التَّفَكُّرَ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ لِتَحْقِيقِ أمْرِهِ وزِيادَةِ تَصْوِيرِ حالِ المُتَفَكِّرِينَ، كَما فِي: اعْتَقِدْهُ في قَلْبِكَ وأبْصِرْهُ بِعَيْنِكَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالعِلْمِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ بِالقَوْلِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ [آلُ عِمْرانَ: 191]، أيِ اعْلَمُوا ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا فَقَطْ، أوِ اقْصُرُوا النَّظَرَ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في قُلُوبِهِمْ، فَيَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هم مِن جُمْلَتِها مُلْتَبِسَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، أوْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ مُعْتَرِفِينَ بِمَضْمُونِهِ إثْرَ ما عَلِمُوهُ، والمُرادُ بِالحَقِّ هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَثْبُتَ لا مَحالَةَ لِابْتِنائِهِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِشْهادُ المُكَلَّفِينَ بِذَواتِها وصِفاتِها وأحْوالِها عَلى وُجُودِ صانِعِها ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِيَّةِ، وصِحَّةِ أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم بَعْدَ الفَناءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، ومُجازاتُهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ عَمّا يَتَبَيَّنُ المُحْسِنُ مِنَ المُسِيءِ، ويَمْتازُ دَرَجاتُ أفْرادِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ امْتِيازِ طَبَقاتِ عُلُومِهِمْ، واعْتِقاداتِهِمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أنْظارِهِمْ فِيما نُصِبَ في المَصْنُوعاتِ مِنَ الآياتِ والدَّلائِلِ والأماراتِ والمَخايِلِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [المُلْكُ: 2]، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ««أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» . وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ، أيْ وبِأجَلٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَقائِها، لا بُدَّ لَها مِن أنْ صفحة 23 تَنْتَهِيَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهو وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وتَبَدُّلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتِ، هَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ( في أنْفُسِهِمْ ) مُتَعَلِّقًا بِـ(يَتَفَكَّرُوا)، ومَفْعُولًا لَهُ بِالواسِطَةِ عَلى مَعْنى: أوْلَمْ يَتَفَكَّرُوا في ذَواتِهِمْ وأنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِمْ، وهم أعْلَمُ بِشُؤُونِها، وأخْبَرُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها، فَيَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى ظاهِرًا وباطِنًا مِن غَرائِبِ الحِكَمِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ انْتِهاءٍ إلى وقْتٍ يُجازِيها الحَكِيمُ الَّذِي دَبَّرَ أمْرَها عَلى الإحْسانِ إحْسانًا، وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ أمْرَ مَعادِ الإنْسانِ ومُجازاتِهِ بِما عَمِلَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، والمُحْتاجُ إلى الإثْباتِ، فَجَعَلَهُ ذَرِيعَةً إلى إثْباتِ مَعادِ ما عَداهُ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأجْزاءِ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ، فَتَدَبَّرْ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ( ما خَلَقَ ) إلَخْ، مَفْعُولَ ( يَتَفَكَّرُوا ) مُعَلِّقًا عَنْهُ بِالنَّفْيِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّعْلِيقَ في مِثْلِهِ مَمْنُوعٌ أوْ قَلِيلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ أكْثَرَهم غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ عَلى ما ذَكَرَهُ مِنَ الغَفْلَةِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ والإعْراضِ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما مِنَ المَصْنُوعاتِ، بَلْ هم مُنْكِرُونَ جاحِدُونَ لِقاءَ حِسابِهِ تَعالى وجَزائِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالبَعْثِ، وهُمُ القائِلُونَ بِأبَدِيَّةِ الدُّنْيا كالفَلاسِفَةِ عَلى المَشْهُورِ.

الروم 30:9

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم بِعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِمُشاهَدَةِ أحْوالِ أمْثالِهِمُ الدّالَّةُ عَلى عاقِبَتِهِمْ، ومَآلِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، أوِ الإبْطالِيِّ، وحَيْثُ دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ، وإنْكارُ النَّفْيِ إثْباتٌ، قِيلَ: إنَّها لِتَقْرِيرِ المَنفِيِّ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيِ اقْعُدُوا في أماكِنِهِمْ، ولَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ في حُكْمِهِ، والمَعْنى أنَّهم قَدْ سارُوا في أقْطارِ الأرْضِ، وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَعادٍ، وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ إلَخْ، بَيانٌ لِمَبْدَإ أحْوالِهِمْ ومَآلِها يَعْنِي أنَّهم كانُوا أقْدَرَ مِنهم عَلى التَّمَتُّعِ بِالحَياةِ الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ قَلَبُوها لِلْحَرْثِ، والزِّراعَةِ كَما قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ: لِاسْتِنْباطِ المِياهِ واسْتِخْراجِ المَعادِنِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «وآثارُوا» بِمَدَّةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ عَلى الإشْباعِ كَقَوْلِهِ: ومَن ذَمَّ الزَّمانَ بِمُنْتَزاحِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَجِيءُ في القُرْآنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (وأثَرُوا) مِنَ الأثَرَةِ، وهو الِاسْتِبْدادُ بِالشَّيْءِ، وآثَرُوا الأرْضَ أيْ أبْقَوْا فِيها آثارًا ﴿وعَمَرُوها﴾ أيْ وعَمَّرَها أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم بِفُنُونِ العِماراتِ مِنَ الزِّراعَةِ والغَرْسِ والبِناءِ وغَيْرِها، وقِيلَ: أيْ أقامُوا بِها، يُقالُ: عَمَّرْتُ بِمَكانِ كَذا، وعَمَرْتُهُ أيْ أقَمْتُ بِهِ ﴿أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ عِمارَةً أكْثَرَ مِن عِمارَةِ هَؤُلاءِ إيّاها، والظّاهِرُ أنَّ الأكْثَرِيَّةَ اعْتِبارًا لَكُمْ، وعَمَّمَهُ بَعْضُهم فَقالَ: أكْثَرُ كَمًّا وكَيْفًا وزَمانًا، وإذا أُرِيدَ العِمارَةُ بِمَعْنى الإقامَةِ، فالمَعْنى أقامُوا بِها إقامَةً أكْثَرَ زَمانًا مِن إقامَةِ هَؤُلاءِ بِها، وفي ذِكْرِ أفْعَلَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ كُفّارِ مَكَّةَ، وأُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، فَإنَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ بِالنِّهايَةِ في القُوَّةِ، وكَثْرَةِ العِمارَةِ، وأهْلُ مَكَّةَ ضُعَفاءُ مُلْجَؤُونَ إلى وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ إذا سَرَتِ العِمارَةُ بِالإقامَةِ، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مَشْهُورِينَ بِطُولِ الأعْمارِ جِدًّا، وأعْمارُ أهْلِ مَكَّةَ قَلِيلَةٌ بِحَيْثُ لا مُناسَبَةَ يُعْتَدُّ بِها بَيْنَها وبَيْنَ أعْمالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ. ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ صفحة 24 بِالمُعْجِزاتِ، أوِ الآياتِ الواضِحاتِ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهم فَما كانَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ يَسْتَدْعِيهِ مِن قِبَلِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالظُّلْمِ إظْهارٌ لِكَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ، وإلّا فَقَدْ قالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ إهْلاكَهُ تَعالى مِن غَيْرِ جُرْمٍ لَيْسَ مِنَ الظُّلْمِ في شَيْءٍ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مالِكٌ، والمالِكُ يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ ما يَشاءُ، والنِّزاعُ في المَسْألَةِ شَهِيرٌ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ ارْتَكَبُوا بِاخْتِيارِهِمْ مِنَ المَعاصِي ما أوْجَبَ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ ( أنْفُسَهم ) عَلى ( يَظْلِمُونَ ) لِلْفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّسُلِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم.

الروم 30:10

﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإساءَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ، أوْ لِلِاسْتِبْعادِ، والتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ ﴿السُّوأى﴾ أيِ العُقُوبَةَ السُّوأى، وهي العُقُوبَةُ بِالنّارِ، فَإنَّها تَأْنِيثُ الأسْوَإ كالحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، أوْ مَصْدَرٌ كالبُشْرى، وصَفَ بِهِ العُقُوبَةَ مُبالَغَةٌ كَأنَّها نَفْسُ السُّوءِ، وهي مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها اسْمٌ، وكانَ خَبَرُها ( عاقِبَةَ ) . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو «عاقِبَةُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، و«السُّوأى» بِالنَّصْبِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ «السُّوى» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا وإدْغامِ الواوِ فِيها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «السُّوءَ» بِالتَّذْكِيرِ ﴿أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ أيْ لِأنْ أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، وهو في الحَقِيقَةِ مُبَيِّنٌ لِما أشْعَرَ بِهِ وضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ مُجْمَلٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( كَذَّبُوا ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِّيَّةِ، وإيرادُ الِاسْتِهْزاءِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِ وتَجَدُّدِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( السُّوأى ) مَفْعُولًا مُطْلَقًا (لِأساؤُوا) مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ لِأنَّ أساؤُوا بِمَعْنى اقْتَرَفُوا واكْتَسَبُوا، والسُّوأى بِمَعْنى الخَطِيئَةِ، لِأنَّهُ صِفَةٌ، أوْ مَصْدَرُهُ مُؤَوَّلٌ بِها، وكَوْنُهُ صِفَةَ مَصْدَرِ أساؤُوا مِن لَفْظِهِ، أيِ الإساءَةَ السُّوأى بَعِيدٌ لَفْظًا مُسْتَدْرَكٌ مَعْنًى ( وأنْ كَذَّبُوا ) اسْمُ كانَ. وكَوْنُ التَّكْذِيبِ عاقِبَتَهم مَعَ أنَّهم لَمْ يَخْلُوا عَنْهُ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الطَّبْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أنْ كَذَّبُوا) بَدَلًا مِنَ ( السُّوأى ) الواقِعِ اسْمًا لِكانَ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَها، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ كَذَّبُوا، وأنْ تَكُونَ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةً بِمَعْنى أيْ، والمُفَسَّرُ إمّا أساؤُوا أوِ ( السُّوأى )، فَإنَّ الإساءَةَ تَكُونُ قَوْلِيَّةً كَما تَكُونُ فِعْلِيَّةً، فَإذَنْ قَبْلَها مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ التَّضَمُّنُ بِالتَّفْسِيرِ، وإذا جازَ ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] فَهَذا أجْوَزُ، فَلَيْسَ هَذا الوَجْهُ مُتَكَلَّفًا خِلافًا لِأبِي حَيّانَ. وجُوِّزَ في قِراءَةِ الحَرَمِيَّيْنِ، وأبِي عَمْرٍو، وأنْ تَكُونَ ( السُّوأى ) صِلَةَ الفِعْلِ، ( وأنْ كَذَّبُوا ) تابِعًا لَهُ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، وخَبَرِ كانَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وخِيمَةٌ، ونَحْوُهُ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ فَقالَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ في غايَةِ الحُسْنِ بِلا حَذْفٍ، وقَدْ تُكُلِّفَ لَهُ مَحْذُوفٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وأصْحابُنا لا يُجِيزُونَ حَذْفَ خَبَرِ كانَ.

الروم 30:11

﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ يُنْشِئُهم. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ «يُبْدِئُ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بِالبَعْثِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلتَّخْصِيصِ، وكانَ الظّاهِرُ يَرْجِعُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ لِمُكافَحَتِهِمْ بِالوَعِيدِ ومُواجَهَتِهِمْ بِالتَّهْدِيدِ، وإيهامِ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ، فَهو التِفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ورَوْحٌ «يَرْجِعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ كَما هو الظّاهِرُ.

الروم 30:12

صفحة 25 ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ الَّتِي هي وقْتُ إعادَةِ الخَلْقِ ومَرْجِعُهم إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ يَسْكُتُونَ وتَنْقَطِعُ حُجَّتُهُمْ، قالَ الرّاغِبُ: الإبْلاسُ الحُزْنُ المُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اليَأْسِ، ومِنهُ اشْتُقَّ إبْلِيسُ فِيما قِيلَ، ولَمّا كانَ المُبْلِسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ السُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ: أبْلَسَ فُلانٌ إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، وأبْلَسَتِ النّاقَةُ فَهي مِبْلاسٌ إذا لَمْ تَرْغُ مِن شِدَّةِ الضُّبَعَةِ، وقالَ ابْنُ ثابِتٍ: يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ إذا يَئِسَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وفي الحَدِيثِ ««وأنا مُبَشِّرُهم إذا أبْلَسُوا»» والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ عَلى ما أفادَهُ الطِّيبِيُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أساؤُوا السُّوأى، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِهَذا الوَصْفِ الشَّنِيعِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والسُّلَمِيُّ «يَبْلَسُ» بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مِن أبْلَسَهُ إذا أسْكَتَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وقَدْ أنْكَرَهُ أبُو البَقاءِ، والسَّمِينُ، وغَيْرُهُما حَتّى تَكَلَّفُوا وقالُوا: أصْلُهُ يُبْلِسُ إبْلاسَ المُجْرِمِينَ عَلى إقامَةِ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ، ثُمَّ حَذَفَهُ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: لا يَخْفى عَدَمُ صِحَّتِهِ، لِأنَّ إبْلاسَ المُجْرِمِينَ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وفاعِلُهُ هو فاعِلُ الفِعْلِ بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ نائِبَ الفاعِلِ؟ فَتَأمَّلْ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَتى صَحَّتِ القِراءَةُ لا تَسْمَعُ دَعْوى عَدَمِ سَماعِ اسْتِعْمالِ أبْلَسَ مُتَعَدِّيًا.

الروم 30:13

﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ مِمَّنْ أشْرَكُوهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ، ولِذا أُضِيفُوا إلَيْهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِإشْراكِهِمْ إيّاهم بِاللَّهِ تَعالى في أمْوالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ الأوْثانُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: رُؤَساؤُهم ﴿شُفَعاءُ﴾ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى كَما كانُوا يَزْعُمُونَ، وجِيءَ بِالمُضارِعِ مَنفِيًّا بِلَمِ الَّتِي تَقْلِبُهُ ماضِيًا لِلتَّحَقُّقِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ الجَمْعِ، أيْ لَمْ يَكُنْ لِواحِدٍ مِنهم شَفِيعٌ أصْلًا. وقَرَأ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وابْنُ سِنانٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، والأنْطاكِيُّ عَنْ شَيْبَةَ «ولَمْ تَكُنْ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ. ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ العُدُولُ عَنْ وكانُوا بِهِمْ ﴿كافِرِينَ﴾ حَيْثُ يَئِسُوا مِنهُمْ، ووَقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ، ( وكانُوا ) لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ لا لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الفَواصِلِ كَما تُوُهِّمَ. وقِيلَ: إنَّها لِلْمُضِيِّ كَما هو الظّاهِرُ، والباءُ في ( بِشُرَكائِهِمْ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ وكانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِاللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِمْ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، إذْ لَيْسَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها، ولِأنَّ المُتَبادِرَ أنَّ ( يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ) ظَرْفٌ لِلْإبْلاسِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذا قِيلَ: إنَّ المُناسِبَ عَلَيْهِ جَعْلُ الواوِ حالِيَّةً لِيَكُونَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَشْفَعُوا لَهم مَعَ أنَّهم سَبَبُ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، وهو أحْسَنُ مِن جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مَعَ الظَّرْفِ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي القَطْعُ لِلِاحْتِياطِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تُرِكَ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وكُتِبَ «شُفَعَواءُ» في المُصْحَفِ بِواوٍ بَعْدَها ألِفٌ، وهو خِلافُ القِياسِ، والقِياسُ تَرْكُ الواوِ أوْ تَأْخِيرُها عَنِ الألِفِ لَكِنَّ الأوَّلَ أحْسَنُ كَما ذُكِرَ في الرَّسْمِ، وكَذا خُولِفَ القِياسُ في كِتابَةِ ( السُّوأى ) حَيْثُ كُتِبَتْ بِالألِفِ قَبْلَ الياءِ، والقِياسُ كَما في الكَشْفِ الحَذْفُ، لِأنَّ الهَمْزَ يُكْتَبُ عَلى نَحْوِ ما يُسَهَّلُ.

الروم 30:14

﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أُعِيدَ لِتَهْوِيلِهِ، وتَفْظِيعِ ما يَقَعُ فِيهِ، وهو ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَدَلٌ مِنهُ. صفحة 26 وفِي البَحْرِ التَّنْوِينُ في «يَوْمَئِذٍ» تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، أيْ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ إذٍ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ وظاهِرُهُ أنَّ «يَوْمَئِذٍ» ظَرْفٌ (لِتَقُومُ)، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ الجُمْلَةِ المُعَوِّضِ عَنْها التَّنْوِينُ حِينَئِذٍ ما ذَكَرَهُ مِنَ النَّظَرِ. وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تَهْوِيلٌ لِيَوْمِ قِيامِ السّاعَةِ إثْرَ تَهْوِيلٍ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ يَقَعُ في بَعْضٍ مِنهُ، وفي وجْهِ الرَّمْزِ إلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ خَفاءٌ، وضَمِيرُ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ لِلْمُسْلِمِينَ والكافِرِينَ الدّالُ عَلَيْهِما ما قَبْلُ مِن عُمُومِ الخَلْقِ، وما بَعْدُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وذَهَبَ إلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَماعَةٌ. وقالَ في الإرْشادِ: هو لِجَمِيعِ الخَلْقِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن مَبْدَئِهِمْ ومَرْجِعِهِمْ وإعادَتِهِمْ، لا المُجْرِمُونَ خاصَّةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ قَبْلَهُ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمُ اخْتِلافُهم في المَحالِّ والأحْوالِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّفْصِيلُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ بَلْ بِاعْتِبارِ كُلِّ فَرِيقٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: هَؤُلاءِ في عِلِّيِّينَ وهَؤُلاءِ في أسْفَلِ سافِلِينَ، والتَّفْصِيلُ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ أيْضًا، وهَذا التَّفَرُّقُ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ.

الروم 30:15

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الرَّوْضَةُ الأرْضُ ذاتُ النَّباتِ والماءِ، وفي المَثَلِ: أحْسَنُ مِن بَيْضَةٍ في رَوْضَةٍ، يُرِيدُونَ بَيْضَةَ النَّعامَةِ، وبِاعْتِبارِ الماءِ قِيلَ: أرْضُ الوادِي، واسْتَراضَ أيْ كَثُرَ ماؤُهُ، وأراضَهم أرْواهم بَعْضَ الرِّيِّ مِن أراضَ الحَوْضَ إذا صَبَّ فِيهِ مِنَ الماءِ ما يُوارِي أرْضَهُ، ويُقالُ: شَرِبُوا حَتّى أراضُوا، أيْ شَرِبُوا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ. وقِيلَ: مَعْنى أراضُوا صَبُّوا اللَّبَنَ عَلى اللَّبَنِ، وظاهِرُ تَفْسِيرِ الكَثِيرِ لِلرَّوْضَةِ اعْتِبارُ النَّباتِ والماءِ فِيها، وأظُنُّ أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يُقالُ: الأرْضُ ذاتُ نَباتٍ بِلا ماءٍ رَوْضَةٌ. وقِيلَ: هي البُسْتانُ الحَسَنُ، وقِيلَ: مَوْضِعُ الخُضْرَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الرَّوْضَةُ البُسْتانُ وتَخْصِيصُها بِذاتِ الأنْهارِ بِناءً عَلى العُرْفِ، وأيًّا ما كانَ فَتَنْوِينُها هُنا لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ، والحَبَرُ السُّرُورُ يُقالُ: حَبَرَهُ يَحْبُرُهُ بِالضَّمِّ حَبَرًا وحَبَرَةً وحُبُورًا إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ، وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ، وفي المَثَلِ: امْتَلَأتْ بُيُوتُهم حَبَرَةٌ فَهم يَنْتَظِرُونَ العِبْرَةَ، وحَكى الكِسائِيُّ: حَبَرْتُهُ، أكْرَمْتَهُ ونَعَّمْتَهُ، وقِيلَ: الحَبَرَةُ كُلُّ نِعْمَةٍ حَسَنَةٍ، والتَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ، ويُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الحَبَرِ والسَّبَرِ بِالفَتْحِ، إذا كانَ جَمِيلًا حَسَنَ الهَيْئَةِ، واخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِهِ هُنا فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُما قالا: يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ (يُحْبَرُونَ) يُنَعَّمُونَ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ: يُتَوَّجُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يُحَلَّوْنَ، وقالَ الأوْزاعِيُّ، ووَكِيعٌ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: يَسْمَعُونَ الأغانِيَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأخِيرِ أنَّهُ قالَ: «(قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الحَبَرُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّذَّةُ والسَّماعُ)». وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ يُسَرُّونَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يُسَرُّونَ بِهِ، إيذانًا بِكَثْرَةِ المَسارِّ، وما جاءَ في الخَبَرِ فَمِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى البَعْضِ، ولَعَلَّ السّائِلَ كانَ يُحِبُّ السَّماعَ، فَذَكَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ لِذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْإيذانِ بِتَجَدُّدِ السُّرُورِ لَهُمْ، فَفي كُلِّ ساعَةٍ يَأْتِيهِمْ ما يُسَرُّونَ بِهِ مِن مُتَجَدِّداتِ المَلاذِّ وأنْواعِها المُخْتَلِفَةِ.

الروم 30:16

﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ، ﴿ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ وكَذَّبُوا بِالبَعْثِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ في تَكْذِيبِ الآياتِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ صفحة 27 إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ تَعالى، وبِلِقاءِ الآخِرَةِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ المُشاهَداتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ، أيْ فَأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿فِي العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ عَلى الدَّوامِ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ أبَدًا، والظّاهِرُ أنَّ الفَسَقَةَ مِن أهْلِ الإيمانِ غَيْرُ داخِلِينَ في أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِالآياتِ والبَعْثِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَإمّا لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ في العُرْفِ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ المُجْتَنِبِينَ المُفَسِّقاتِ عَلى ما قِيلَ، وإمّا لِأنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ يَصْدُقُ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ أصْلًا، فَهم غَيْرُ داخِلِينَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ جَمِيعِ الأفْرادِ، وحُكْمُهم مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخَرَ، فَلا تَغْفُلْ.

الروم 30:17

﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أثَرُ ما بَيْنَ حالِ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصّالِحاتِ والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ وما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ما يُنَجِّي مِنَ الثّانِي، ويُفْضِي إلى الأوَّلِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن حَمْدِهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ ووَصْفِهِ بِما هو أهْلُهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ والشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما يُدْعى إلَيْهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورُونَ قَبْلُ بِلا فَصْلٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ (سُبْحانَ) هُنا مَنصُوبٌ بِفِعْلِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، أوْ إذا صَحَّ واتَّضَحَ حالُ الفَرِيقَيْنِ، ومَآلُهُما، فَسَبِّحُوا سُبْحانَ اللَّهِ إلَخْ، أيْ نَزِّهُوهُ تَعالى تَنْزِيهَهُ اللّائِقَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الأوْقاتِ، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ سُبْحانَ اللَّهِ لَزِمَ طَرِيقَةً واحِدَةً لا يَنْصِبُهُ فِعْلُ الأمْرِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مِن نَوْعٍ آخَرَ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ تَوْضِيحٌ لِلْمَعْنى، وأنَّ وُقُوعَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مِنوالِ: إنْ فَعَلْتَ كَذا، فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، فَإنَّهُ إنْشاءٌ أيْضًا، لَكِنَّهُ نابَ مَنابَ الخَبَرِ، وأبْلَغَ، كَذَلِكَ هو لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ تَعالى في الأوْقاتِ هَرَبًا مِن وبِيلِ عِقابِهِ، وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ، والشَّرْطُ والجَوابُ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ انْتَهى، وفي حَواشِي شَيْخِ زادَهْ أنَّ الأمْرَ بَلِ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ مُطْلَقًا لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها بِالشَّرْطِ، لِأنَّ الإنْشاءَ إيقاعُ المَعْنى بِلَفْظٍ يُقارِنُهُ، ولَوْ جازَ تَعْلِيقُهُ لَلَزِمَ تَأخُّرُهُ عَنْ زَمانِ التَّلَفُّظِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ هو الإخْبارُ عَنْ إنْشاءِ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وإنْشاءُ المَدْحِ والذَّمِّ والِاسْتِفْهامِ ونَحْوِها، فَإذا قُلْتَ: إنْ فَعَلْتُ كَذا غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، أوْ فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، كانَ المَعْنى: فَقَدْ فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ أوْ أنْ تُمْدَحَ بِسَبَبِهِ إلّا أنَّ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْمُبالَغَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا كانَ الأمْرُ كَما تَقَرَّرَ فَأنْتُمْ تُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وهو في مَعْنى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ فِيها انْتَهى. ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِمّا في الكَشْفِ، بَلْ لا يَظْهَرُ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن دَعْوى أنَّ الشَّرْطَ والجَوابَ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ. ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ حَيْثُ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ، والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا في الأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنِّي بِكَ تَمْنَعُ لُزُومَ سُبْحانَ طَرِيقَةً واحِدَةً، وهي الَّتِي ذُكِرَتْ أوَّلًا، ويَجُوزُ نَصْبُ فِعْلِ الأمْرِ لَها إذا اقْتَضاهُ المَقامُ وأشْعَرَ بِهِ الكَلامُ، ولَكِنْ كَأنَّكَ تَمِيلُ إلى اعْتِبارِ كَوْنِ الجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إنْشائِيَّةً مَعْنًى، بِأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ لِتَوافُقِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ فَإنَّها وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً إلّا أنَّ الإخْبارَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما يُشْعِرُ بِهِ اتِّباعُ ذَلِكَ. صفحة 28 ذِكْرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ بِالفاءِ في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، فَكَأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ قِيلَ: فَسَبِّحُوا اللَّهَ تَعالى تَسْبِيحَهُ اللّائِقَ بِهِ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأوْقاتِ واحْمَدُوهُ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفٌ عَلى ( حِينَ تُمْسُونَ ) بَلْ هم صَرَّحُوا بِهَذا، وعَلى ما ذُكِرَ يَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ فاصِلَةً بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وما أشْبَهَ الآيَةَ حِينَئِذٍ بِآيَةِ الوُضُوءِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ. وفي الكَشّافِ أنَّ ( عَشِيًّا ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ .

الروم 30:18

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ إلَخِ، اعْتِراضٌ بَيْنَهُما، ومَعْناهُ أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ أنْ يَحْمَدُوهُ. وإلى كَوْنِ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً ذَهَبَ أبُو البَقاءِ أيْضًا، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ حالًا مِنَ الحَمْدِ، وفي جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنهُ عَلى احْتِمالِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً، وهو الظّاهِرُ خِلافٌ، ولَعَلَّ مَن لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ يَجْعَلُ الجارَّ مُتَعَلِّقًا بِالثُّبُوتِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ النِّسْبَةُ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ ظاهِرُهُما عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ، ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ﴿وعَشِيًّا﴾ صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ ﴿وعَشِيًّا﴾ العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ، وذَهَبَ الحَسَنُ إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، لِما أنَّهُ يَرى فَرْضِيَّةَ الخَمْسِ بِالمَدِينَةِ، وأنَّهُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتِ الصَّلاةُ فِيهِ، والصَّحِيحُ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ المِعْراجِ دِلالَةً بَيِّنَةً. واخْتارَ الإمامُ الرّازِيُّ حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى التَّنْزِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ أقْوى والمَصِيرُ إلَيْهِ أوْلى، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الصَّلاةَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْزِيهَ المَأْمُورَ بِهِ يَتَناوَلُ التَّنْزِيهَ بِالقَلْبِ، وهو الِاعْتِقادُ الجازِمُ، وبِاللِّسانِ مَعَ ذَلِكَ وهو الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبِالأرْكانِ مَعَهُما جَمِيعًا، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والأوَّلُ هو الأصْلُ، والثّانِي ثَمَرَةُ الأوَّلِ، والثّالِثُ ثَمَرَةُ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ شَيْئًا ظَهَرَ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ، وإذا قالَ ظَهَرَ صِدْقُهُ في مَقالِهِ مِن أحْوالِ أفْعالِهِ، واللِّسانُ تُرْجُمانُ الجَنانِ، والأرْكانُ بُرْهانُ اللِّسانِ، لَكِنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ أعْمالِ الأرْكانِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، والقَصْدِ بِالجَنانِ، فَهو تَنْزِيهٌ في التَّحْقِيقِ، فَإذا قالَ سُبْحانَهُ: نَزِّهُونِي، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّنْزِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما هو تَنْزِيهٌ، فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالصَّلاةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا يُناسِبُهُ ما تَقَدَّمَ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقامَ الأعْلى والجَزاءَ الأوْفى لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ سُبْحانَهُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ذَلِكَ المَقامَ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، والإيمانُ تَنْزِيهٌ بِالجَنانِ، وتَوْحِيدٌ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ الصّالِحُ اسْتِعْمالُ الأرْكانِ، فالكُلُّ تَنْزِيهاتٌ وتَحْمِيداتٌ فَسُبْحانَ اللَّهِ، أيْ فَأْتُوا بِذَلِكَ الَّذِي هو المُوَصِّلُ إلى الحُبُورِ في الرِّياضِ والحُضُورِ عَلى الحِياضِ اهـ، وأنا بِالإمامِ أقْتَدِي في دَعْوى أوْلَوِيَّةِ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ، وأخْتارُ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ومَعْناهُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الكَشّافِ أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ أنْ يَحْمَدُوهُ، فَإنَّ حُمِلَ التَّسْبِيحُ عَلى الصَّلاةِ، فَهو كَلامٌ يُؤَكِّدُ الوُجُوبَ لِأنَّ الحَمْدَ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الصَّلاةِ كالتَّسْبِيحِ، ووَجْهُ التَّأْكِيدِ دِلالَتُهُ عَلى صفحة 29 أنَّهُ أمْرٌ عَمَّ المُكَلَّفِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْ حُمِلَ عَلى الظّاهِرِ فَوَجْهُهُ أنَّ ذَلِكَ جارٍ مَجْرى الِاسْتِدْراكِ لِلْأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، ولَمّا كانَ مِن وادٍ واحِدٍ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُؤَكِّدًا لِلْآخَرِ، فَدَلَّ عَلى دَوامِ وُجُوبِ الحَمْدِ في الأوْقاتِ، ووُجُوبِ التَّسْبِيحِ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأمّا الدِّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَمِنَ اتِّباعِ (سُبْحانَ اللَّهِ) إلَخْ، ذُكِرَ الوَعْدُ والوَعِيدُ بِالفاءِ فَإنَّهُ يُفْهِمُ تَعَيُّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْخَلاصِ عَنِ الدَّرَكاتِ، والوُصُولِ إلى الدَّرَجاتِ، وما يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِذَلِكَ كانَ واجِبًا كَذا في الكَشْفِ. وذَكَرَ الإمامُ أنَّ في هَذا الِاعْتِراضِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ العِبادَ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ قالَ جَلَّ وعَلا: بَيِّنْ لَهم أنَّ تَسْبِيحَهُمُ اللَّهَ تَعالى لِنَفْعِهِمْ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى إذا سَبَّحُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ [الحُجُراتُ: 17]. وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( في السَّماواتِ ) ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُعْطَفُ ظَرْفُ الزَّمانِ عَلى المَكانِ ولا عَكْسُهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ دائِمًا وعَشِيًّا، عَلى أنَّهُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وهو كَما تَرى، وتَخْصِيصُ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ آثارِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ والرَّحْمَةِ فِيها، وقَدَّمَ الإمْساءَ عَلى الإصْباحِ لِتَقَدُّمِ اللَّيْلِ والظُّلْمَةِ، وقَدَّمَ العَشِيَّ عَلى الإظْهارِ لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإظْهارِ كالإمْساءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإصْباحِ. وفي البَحْرِ: قُوبِلَ بِالعَشِيِّ الإمْساءُ، وبِالإظْهارِ الإصْباحُ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُعْقَبُ بِما قابَلَهُ، فالعَشِيُّ يَعْقُبُهُ الإمْساءُ، والإصْباحُ يَعْقُبُهُ الإظْهارُ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: إنَّ تَقْدِيمَ ( عَشِيًّا ) عَلى ( حِينَ تُظْهِرُونَ ) لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ قُدِّمَ الإمْساءُ عَلى الإصْباحِ ها هُنا، وأُخِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحْزابُ: 42]، لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ ها هُنا ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةُ، وكَذا آخِرُهُ، والإمْساءُ آخِرٌ، فَذُكِرَ الآخِرُ أوَّلًا لِتَذَكُّرِ الآخِرَةِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ( عَشِيًّا ) لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحِّحًا لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ. وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ في سُورَةِ النُّورِ، هَذا وفَضْلُ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ أظْهَرُ مِن أنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ، وذَكَرُوا في فَضْلِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ عِدَّةَ أخْبارٍ. فَأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى، لِأنَّهُ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَشِيًّا، وحِينَ تُظْهِرُونَ»». وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )، أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن لَيْلَتِهِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ فِيهِ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ ( فَسُبْحانَ ) إلَخْ، مَقُولًا عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ «حِينَ تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ» بِتَنْوِينِ حِينٍ، فالجُمْلَةُ صِفَةٌ حُذِفَ مِنها العائِدُ، والتَّقْدِيرُ تُمْسُونَ فِيهِ، وتُصْبِحُونَ فِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: الجُمْلَةُ مُضافٌ إلَيْها صفحة 30 ولا تَقْدِيرَ لِلضَّمِيرِ أصْلًا.

الروم 30:19

﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُما التَّمْثِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقِيلَ: أيْ يُعْقِبُ الحَياةَ بِالمَوْتِ وبِالعَكْسِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها، فالإحْياءُ والمَوْتُ مَجازانِ، ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ البَدِيعِ الشَّأْنِ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ «تَخْرُجُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الرّاءِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ نَوْعُ تَفْصِيلٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الرُّومُ: 11].

الروم 30:20

﴿ومِن آياتِهِ﴾ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكم تُبْعَثُونَ دِلالَةٌ أوْضَحُ مِن دِلالَةِ ما سَبَقَ، فَإنَّ دِلالَةَ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى إعادَتِهِمْ أظْهَرُ مِن دِلالَةِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، وإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، ومِن دِلالَةِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها عَلَيْها، ﴿أنْ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ خَلْقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْطَوٍ عَلى خَلْقِ ذُرِّيّاتِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا ﴿مِن تُرابٍ﴾ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، ولا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكم وصِفاتِكُمْ، وقِيلَ: خَلَقَهم مِن تُرابٍ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ مادَّتَهم مِنهُ، فَهو مَجازٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ أيْ في الأرْضِ تَتَصَرَّفُونَ في أغْراضِكم وأسْفارِكُمْ، ( وإذا ) فُجائِيَّةٌ، ( وثُمَّ ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ، لِما بَيْنَ الخَلْقِ والِانْتِشارِ مِنَ المُدَّةِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّها لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، لِأنَّ المُفاجَأةَ تَأْبى الحَقِيقِيَّ. ورُدَّ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُفاجِئَ أحَدًا أمْرٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِن أمْرٍ آخَرَ، أوْ أحَدُهُما حَقِيقِيٌّ، والآخَرُ عُرْفِيٌّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ يَأْباهُ الذَّوْقُ، فَإنَّهُ كالجَمْعِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أنْسَبُ بِالنَّظْمِ القُرْآنِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى المُبْتَدَإ قَبْلَها، وهي بِتَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ خَلْقُكم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مُفاجَأتُكم وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ، كَذا قِيلَ، وفي وُقُوعِ الجُمْلَةِ مُبْتَدَأً بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ويُتَخَيَّلُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى ( خَلَقَكم ) بِحَسَبِ المَعْنى حَيْثُ قالَ: أيْ ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشْفِ في نَظِيرِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أنَّهُ أُقِيمَتِ الجُمْلَةُ مَقامَ المُفْرَدِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّها تُفِيدُ فائِدَتَهُ، والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آلُ عِمْرانَ: 97]، لِأنَّهُ في مَعْنى: وأمِّنْ داخِلَهُ، وأمّا مِن حَيْثُ الصُّورَةُ فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ﴾ وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ الإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ آيَةٌ خارِجَةٌ مِن جِنْسِ الآياتِ مُسْتَقِلَّةٌ بِشَأْنِها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها، فَتَأمَّلْ.

الروم 30:21

﴿ومِن آياتِهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أيْضًا ﴿أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِكم ﴿مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فَإنَّ خَلْقَ أصْلِ أزْواجِكم حَوّاءَ مِن ضِلَعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَضَمِّنٌ لِخَلْقِهِنَّ مِن أنْفُسِكم عَلى ما عَرَفْتَ مِنَ التَّحْقِيقِ – فَمِن - تَبْعِيضِيَّةٌ، والأنْفُسُ بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ، والأنْفُسُ مَجازٌ عَنِ الجِنْسِ، أيْ خَلَقَ لَكم مِن جِنْسِكم لا مِن جِنْسٍ آخَرَ، قِيلَ: وهو الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ لِتَمِيلُوا إلَيْها، يُقالُ: سَكَنَ إلَيْهِ إذا مالَ، فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي النِّظامِ والتَّعارُفِ، كَما أنَّ صفحة 31 المُخالَفَةَ مِن أسْبابِ التَّفَرُّقِ والتَّنافُرِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الأزْواجِ إمّا عَلى تَغْلِيبِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ في الخِطابِ، أوْ عَلى حَذْفِ ظَرْفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أيْ جَعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةُ: 285]، وقِيلَ: بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ، أوْ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما ما كانَ مِنهُما بِعِصْمَةِ الزَّواجِ قَطْعًا، أيْ جَعَلَ بَيْنَكم بِالزَّواجِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكم تَوادًّا وتَرَحُّمًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم سابِقَةُ مَعْرِفَةٍ، ولا مُرابَطَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلتَّعاطُفِ مِن قَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ. قِيلَ: المَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والفَرَكُ وهو بُغْضُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ مِنَ الشَّيْطانِ. وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ، والرَّحْمَةُ كِنايَةٌ عَنِ الوَلَدِ، وكَوْنُ المَوَدَّةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ كِنايَةً عَنِ النِّكاحِ أيِ الجِماعِ لِلُزُومِها لَهُ ظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُ الرَّحْمَةِ كِنايَةً عَنِ الوَلَدِ لِلُزُومِها لَهُ، فَلا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: مَوَدَّةٌ لِلشّابَّةِ، ورَحْمَةٌ لِلْعَجُوزِ، وقِيلَ: مَوَدَّةٌ لِلْكَبِيرِ ورَحْمَةٌ لِلصَّغِيرِ، وقِيلَ: هُما اشْتِباكُ الرَّحِمِ، والكُلُّ كَما تَرى، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ، وخَلْقِ أزْواجِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وإلْقاءِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ، فَهو إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إلى ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ بِذاكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الأفاعِيلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ بِآيَةٍ فَذَّةٍ، بَلْ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ شَتّى، وإنَّها تَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ كَما تُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاصِلَةُ. وذَكَرالطِّيبِيُّ أنَّهُ لَمّا كانَ القَصْدُ مِن خَلْقِ الأزْواجِ والسُّكُونِ إلَيْها وإلْقاءِ المَحَبَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ بِها البَهائِمُ، بَلْ تَكْثِيرُ النَّسْلِ وبَقاءُ نَوْعِ المُتَفَكِّرِينَ الَّذِينَ يُؤَدِّيهِمُ الفِكْرُ إلى المَعْرِفَةِ والعِبادَةِ الَّتِي ما خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا لَها، ناسَبَ كَوْنُ المُتَفَكِّرِينَ فاصِلَةً هُنا.

الروم 30:22

﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ لُغاتِكُمْ، بِأنْ عَلَّمَ سُبْحانَهُ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ أوْ ألْهَمَهُ جَلَّ وعَلا وضْعَها وأقْدَرَهُ عَلَيْها، فَصارَ بَعْضٌ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ وبَعْضٌ بِالفارِسِيَّةِ، وبَعْضٌ بِالرُّومِيَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكَمِّيَّتِهِ. وعَنْ وهَبٍ: أنَّ الألْسِنَةَ اثْنانِ وسَبْعُونَ لِسانًا، في ولَدِ حامٍ سَبْعَةَ عَشَرَ، وفي ولَدِ سامٍ تِسْعَةَ عَشَرَ، وفي ولَدِ يافِثَ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالألْسِنَةِ أجْناسُ النُّطْقِ وأشْكالُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَلا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ. والإمامُ حَكى الوَجْهَ الأوَّلَ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالألْسِنَةِ الأصْواتُ والنَّغَمُ، ونَصَّ عَلى أنَّهُ أصَحُّ مِنَ المَحْكِيِّ، ﴿وألْوانِكُمْ﴾ بَياضُ الجِلْدِ وسَوادُهُ، وتَوَسُّطٌ فِيما بَيْنَهُما، أوْ تَصْوِيرُ الأعْضاءِ وهَيْئاتِها وألْوانِها، وحَلّاها بِحَيْثُ وقَعَ التَّمايُزُ بَيْنَ الأشْخاصِ حَتّى أنَّ التَّوْأمَيْنِ مَعَ تَوافُقِ مَوادِّهِما، وأسْبابِهِما، والأُمُورِ المُلاقِيَةِ لَهُما في التَّخْلِيقِ يَخْتَلِفانِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وإنْ كانا في غايَةِ التَّشابُهِ، فالألْوانُ بِمَعْنى الضُّرُوبِ والأنْواعِ كَما يُقالُ: ألْوانُ الحَدِيثِ، وألْوانُ الطَّعامِ، وهَذا التَّفْسِيرُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّما نَظَمَ اخْتِلافَ الألْسِنَةِ والألْوانِ في سِلْكِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ الحَقِيقَةِ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ ما سَبَقَ مِن خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وأزْواجِهِمْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِهِ مِن مُتَمِّماتِ خَلْقِهِمْ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ الألْسِنَةِ والألْوانِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً كَثِيرَةً ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ صفحة 32 أيِ المُتَّصِفِينَ بِالعِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 43]، وقَرَأ الكَثِيرُ «العالَمِينَ» بِفَتْحِ اللّامِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى وُضُوحِ الآياتِ، وعَدَمِ خَفائِها عَلى أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ كافَّةً.

الروم 30:23

﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكُمْ﴾ أيْ نَوْمُكم ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لِاسْتِراحَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ، وتَقَوِّي القُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿وابْتِغاؤُكُمْ﴾ أيْ طَلَبُكم ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِدِلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: عَجِبْتُ لَهم إذْ يَقْتُلُونَ نُفُوسَهم ومَقْتَلُهم عِنْدَ الوَغى كانَ أغْدَرا فَإنَّهُ أرادَ: يَقْتُلُونَ نُفُوسَهم عِنْدَ السِّلْمِ، وحُذِفَ لِدِلالَةِ الوَغى في الشَّطْرِ الثّانِي عَلَيْهِ، والنَّوْمُ بِاللَّيْلِ، والِابْتِغاءُ مِنَ الفَضْلِ أيِ الكَسْبُ بِالنَّهارِ أمْرانِ مُعْتادانِ، وأمّا النَّوْمُ بِالنَّهارِ فَكَنَوْمِ القَيْلُولَةِ، وأمّا الكَسْبُ بِاللَّيْلِ فَكَما يَقَعُ مِن بَعْضِ المُكْتَسِبِينَ، وأهْلِ الحِرَفِ مِنَ السَّعْيِ والعَمَلِ لَيْلًا، لا سِيَّما في أطْوَلِ اللَّيالِي، وعَدَمِ وفاءِ نَهارِهِمْ بِأغْراضِهِمْ، ومِن ذَلِكَ حِراسَةُ الحَوانِيتِ بِالأُجْرَةِ، وكَذا قَطْعُ البَرارِي في الأسْفارِ لَيْلًا لِلتِّجارَةِ ونَحْوِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن بابِ اللَّفِّ، وتَرْتِيبُهُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ الأوَّلَيْنِ، أعْنِي مَنامَكُمْ، وابْتِغاءَكُمْ، بِالقَرِينَيْنِ الآخَرَيْنِ، أعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ، لِأنَّهُما ظَرْفانِ، والظَّرْفُ والواقِعُ فِيهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، مَعَ إعانَةِ اللَّفِّ عَلى الِاتِّحادِ، وهو الوَجْهُ الظّاهِرُ لِتَكَرُّرِهِ في القُرْآنِ، وأسَدُّ المَعانِي ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِاللَّفِّ الِاصْطِلاحِيَّ، ولا يَأْبى ذَلِكَ تَوْسِيطُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِأنَّهُما في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وإنَّما وُسِّطا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِما، لِأنَّهُما مِنَ الآياتِ في الحَقِيقَةِ لا المَنامُ والِابْتِغاءُ، عَلى ما حَقَّقَهُ في الكَشْفِ مَعَ تَضَمُّنِ تَوْسِيطِهِما مُجاوَرَةَ كُلٍّ لِما وقَعَ فِيهِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ حالٌ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، أيْ كائِنَيْنِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والجُمْلَةُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُعْتَرِضَةٌ، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ لا يَرُدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لُزُومُ كَوْنِ النَّهارِ مَعْمُولًا لِلِابْتِغاءِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وعَطْفِهِ عَلى مَعْمُولِ ﴿مَنامُكُمْ﴾ وفي اقْتِرانِ الفَضْلِ بِالِابْتِغاءِ إشارَةٌ إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَرى الرِّزْقَ مِن نَفْسِهِ، وبِحِذْقِهِ، بَلْ يَرى كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ شَأْنُهم أنْ يَسْمَعُوا الكَلامَ سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ الأمْرِ بِحَيْثُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ السَّماعِ لِمَن لَهُ فَهْمٌ، وبَصِيرَةٌ، ولا يَحْتاجُ إلى مُشاهَدَةٍ، وإنْ كانَ مُشاهَدًا. وقالَ الطِّيبِيُّ: جِيءَ بِالفاصِلَةِ هَكَذا لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ مُنْسَدِحُونَ بِاللَّيْلِ كالأمْواتِ ومُتَرَدِّدُونَ بِالنَّهارِ كالبَهائِمِ، لا يَدْرُونَ فِيمَ هُمْ، ولِمَ ذَلِكَ، لَكِنْ مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ يَتَنَبَّهُ لِوَعْظِ اللَّهِ تَعالى، ويُصْغِي إلَيْهِ، لِأنَّ مَرَّ اللَّيالِي وكَرَّ النَّهارِ يُنادِيانِ بِلِسانِ الحالِ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ مِن دارِ الغُرُورِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفُرْقانُ: 62]، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَحْتاجُ في مَعْرِفَتِهِ إلى مَوْقِفٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ، فَيَفْهَمُ إذا سَمِعَ مِن ذَلِكَ المُرْشِدِ، ولَمّا كانَ المَنامُ والِابْتِغاءُ قَدْ يَقَعُ لِكَثِيرٍ أنَّهُما مِن أفْعالِ العِبادِ فَيَحْتاجُ مَعْرِفَةَ أنَّهُما مِن آياتِهِ تَعالى إلى مُرْشِدٍ يُعِينُ الفِكْرَ، قِيلَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ويَجْعَلُونَ بالَهم إلى كَلامِ المُرْشِدِ، انْتَهى، ولَعَلَّ الِاحْتِياجَ إلى مُرْشِدٍ يُعِينُ الفِكْرَ في أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ مِنَ الآياتِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ في بَيانِ نُكْتَةِ التَّوْسِيطِ أظْهَرُ، فَتَأمَّلْ.

الروم 30:24

﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ، والأصْلُ أنْ يُرِيَكُمْ، فَحُذِفَ أنْ، وارْتَفَعَ الفِعْلُ، وهو الشّائِعُ بَعْدَ الحَذْفِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وشَذَّ بَقاؤُهُ مَنصُوبًا بَعْدَهُ، وقَدْ رُوِيَ بِالوَجْهَيْنِ قَوْلُ طَرَفَةَ: صفحة 33 ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي وجُوِّزَ كَوْنُهُ مِمّا نُزِّلَ فِيهِ الفِعْلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ، فَلا تُقَدَّرُ أنْ، بَلِ الفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في جُزْءِ مَعْناهُ، وهو الحَدَثُ مَقْطُوعٌ فِيهِ النَّظَرُ عَنِ الزَّمانِ، فَيَكُونُ اسْمًا في صُورَةِ الفِعْلِ، (فَيُرِيكُمْ) بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ في المَشْهُورِ قَوْلُهُمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ أنْ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ رُوِيَ فِيهِ: تَسْمَعَ، بِالنَّصْبِ أيْضًا، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وأمّا أنْ تَراهُ، فالِاسْتِقْبالُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماعِ فَلا يُنافِيهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: فَقالُوا ما تَشاءُ فَقُلْتُ ألْهُو ∗∗∗ إلى الإصْباحِ آثِرَ ذِي أثِيرِ ورُجِّحَ الحَمْلُ عَلى التَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ دِلالَةً عَلى أنَّهُ كالحالِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المُرادِ لِقَوْلِهِ: آثِرَ ذِي أثِيرِ، والتَّعْلِيلُ بِأنَّ ما تَشاءُ، سُؤالٌ عَمّا يَشاؤُوهُ في الحالِ، وأنْ لِلِاسْتِقْبالِ، لَيْسَ بِالوَجْهِ، لِأنَّ المَشِيئَةَ تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ أبَدًا، وقالَ الجامِعُ الأصْفَهانِيُّ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكُمُ البَرْقَ، عَلى أنَّ ( يُرِيكُمُ ) صِفَةٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ كَما في قَوْلِهِ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ أيْ فَمِنهُما تارَةٌ أمُوتُ، قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن راجِعٍ، فَقُدِّرَ فِيها أوْ بِها، ونَصَّ عَلى الثّانِي الرُّمّانِيُّ، كَما في البَحْرِ، وكِلاهُما لا يَسُدُّ - كَما في الكَشْفِ- عَلَيْهِ المَعْنى، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ البَرْقُ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ يُرِيكُمُ البَرْقَ، وقِيلَ: ﴿مِن آياتِهِ﴾ حالٌ مِنَ البَرْقِ، أيْ يُرِيكُمُ البَرْقَ حالَ كَوْنِهِ مِن آياتِهِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَهُ بِيُرِيكُمْ، ( ومِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِنُظَرائِهِ. وفِي الكَشْفِ: لَعَلَّ الأوْجَهَ أنْ يَكُونَ (مِن آياتِهِ) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن آياتِهِ ما يُذْكَرُ، أوْ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أقَلُّ تَكَلُّفًا مِنَ الكُلِّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْجَهَ ما تُوافِقُ الآيَةُ بِهِ نَظائِرَها. ﴿خَوْفًا﴾ أيْ مِنَ الصَّواعِقِ ﴿وطَمَعًا﴾ في المَطَرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وقالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ، لِأنَّهُ عَلامَةُ المَطَرِ، وهو يَضُرُّهُ لِعَدَمِ ما يُكِنُّهُ، ولا نَفْعَ لَهُ فِيهِ، وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ، وقِيلَ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ خَلَبًا وطَمَعًا أنْ يَكُونَ ماطِرًا، وقالَ ابْنُ ٍسَلّامٍ: خَوْفًا مِنَ البَرَدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ، ونَصْبُهُما عَلى العِلَّةِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، وهو عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَشْتَرِطُ في نَصْبِ المَفْعُولِ لَهُ اتِّحادَ المَصْدَرِ، والفِعْلُ المُعَلَّلُ في الفاعِلِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأكْثَرِينَ المُشْتَرِطِينَ لِذَلِكَ فَقِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ إرادَةُ خَوْفٍ وطَمَعٍ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، إمّا بِأنْ يُجْعَلَ أصْلُهُما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، أوْ بِأنْ يُجْعَلا مَجازَيْنِ عَنْ سَبَبَيْهِما. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ إراءَتَهم تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُمْ، فالمَفْعُولُونَ فاعِلُونَ في المَعْنى فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَجَعَلَكم رائِينَ خَوْفًا وطَمَعًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ الخَوْفَ والطَّمَعَ لَيْسا غَرَضَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ، ولا داعِيَيْنِ لَها، بَلْ يَتْبَعانِها، فَكَيْفَ يَكُونانِ عِلَّةً عَلى فَرْضِ الِاكْتِفاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ المُشْتَرِطِينَ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالرُّؤْيَةِ مُجَرَّدُ وُقُوعِ البَصَرِ، بَلِ الرُّؤْيَةُ القَصْدِيَّةُ بِالتَّوَجُّهِ والِالتِفاتِ، فَهو مِثْلُ: قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: لَوْ قِيلَ عَلى مَذْهَبِ المُشْتَرِطِينَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يُرِيكُمُ البَرْقَ فَتَرَوْنَهُ خَوْفًا وطَمَعًا، فَحُذِفَ العامِلُ لِلدِّلالَةِ عَلَيْهِ، لَكانَ إعْرابًا سائِغًا، وقِيلَ: لَعَلَّ الأظْهَرَ صفحة 34 نَصْبُهُما عَلى العِلَّةِ لِلْإراءَةِ لِوُجُودِ المُقارَنَةِ والِاتِّحادِ في الفاعِلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو خالِقُ الخَوْفِ والطَّمَعِ، وكَوْنُ مَعْنى قَوْلِ النُّحاةِ: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ لَهُ فِعْلَ الفاعِلِ، أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِهِ كالإكْرامِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ إكْرامًا لَكَ، إنْ سُلِّمَ فَلا حَجْرَ مِنَ الِانْتِصابِ عَلى التَّشْبِيهِ في المُقارَنَةِ والِاتِّحادِ المَذْكُورِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ المَعْنى ما ذُكِرَ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرَهُ صاحِبُ الِانْتِصافِ وغَيْرُهُ، فَإنَّ الفاعِلَ اللُّغَوِيَّ غَيْرُ الفاعِلِ الحَقِيقِيِّ، فالتَّوَقُّفُ فِيهِ وادِّعاءُ أنَّهُ لا حَجْرَ مِنَ الِانْتِصابِ عَلى التَّشْبِيهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وأنا أمِيلُ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ الِاتِّحادِ في الفاعِلِ، لِكَثْرَةِ النَّصْبِ مَعَ عَدَمِ الِاتِّحادِ، كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ التَّتَبُّعُ والرُّجُوعُ إلى شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ، والتَّأْوِيلُ مَعَ الكَثْرَةِ مِمّا لا مُوجِبَ لَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ هُنا عَلى المَصْدَرِ، أيْ تَخافُونَ خَوْفًا، وتَطْمَعُونَ طَمَعًا، عَلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، وأوْلى مِنهُ أنْ يَكُونا نَصْبًا عَلى الحالِ، أيْ خائِفِينَ وطامِعِينَ. ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ بِالتَّخْفِيفِ، ﴿فَيُحْيِي بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الماءِ ﴿الأرْضَ﴾ بِأنْ يُخْرِجَ سُبْحانَهُ بِهِ النَّباتَ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في اسْتِنْباطِ أسْبابِها، وكَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِها، لِيَظْهَرَ لَهم كَمالُ قُدْرَةِ الصّانِعِ جَلَّ شَأْنُهُ وحِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: لَمّا كانَ ما ذُكِرَ تَمْثِيلًا لِإحْياءِ النّاسِ، وإخْراجِ المَوْتى، وكانَ التَّمْثِيلُ لِإدْناءِ المُتَوَهَّمِ المَعْقُولِ، وإراءَةِ المُتَخَيَّلِ في صُورَةِ المُحَقَّقِ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ الفاصِلَةُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

الروم 30:25

﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾، أيْ بِقَوْلِهِ تَعالى: قُوما، أوْ بِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما، لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولا إقامَتَهُما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، كَما قِيلَ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لُقْمانُ: 10] الآيَةَ، بَلْ قِيامُهُما وبَقاؤُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إلى أجَلِهِما الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما قَبْلُ: ما ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرُّومُ: 8] . ولَمّا كانَ البَقاءُ مُسْتَقْبَلًا بِاعْتِبارِ أواخِرِهِ وما بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، أُظْهِرَتْ هُنا كَلِمَةُ ( أنِ ) الَّتِي هي عَلَمٌ في الِاسْتِقْبالِ. والإمامُ ذَهَبَ إلى أنَّ القِيامَ بِمَعْنى الوُقُوفِ، وعَدَمِ النُّزُولِ، ثُمَّ قالَ عَلى ما لَخَّصَهُ بَعْضُهُمْ: ذُكِرَتْ ( أنْ ) ها هُنا دُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ لِأنَّ القِيامَ لَمّا كانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أُخْرِجَ الفِعْلُ – بِأنَّ - العِلْمَ في الِاسْتِقْبالِ، وجُعِلَ مَصْدَرًا لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ، وإراءَةُ البَرْقِ لَمّا كانَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَجَدِّدَةِ جِيءَ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، اهـ، ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (إذا) الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ نائِبَةٌ مَنابَ الفاءِ في الجَزاءِ لِاشْتِراكِهِما في التَّعْقِيبِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، ثُمَّ خُرُوجُكم مِن قُبُورِكم بِسُرْعَةٍ إذا دَعاكُمْ، وصاحِبُ الكَشْفِ يَقُولُ: إنَّها أُقِيمَتْ مَقامَ المُفْرَدِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا مِن حَيْثُ الصُّورَةُ فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ وذَلِكَ عَلى أُسْلُوبِ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آلُ عِمْرانَ: 97]، وفائِدَتُهُ ما سَمِعْتَهُ قَرِيبًا، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ في عَدَمِ قَصْدِ عَدِّ ما ذُكِرَ آيَةً. واخْتارَ أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ العَطْفِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، وأنَّ المَذْكُورَ لَيْسَ مِنَ الآياتِ، قالَ: حَيْثُ كانَتْ آيَةُ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِهِ تَعالى مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ مُتَّصِلَةً صفحة 35 بِالبَعْثِ في الوُجُودِ أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ، وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا فَقِيلَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ الآيَةَ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، ووُجُودُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِ قِيامِهِما مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعَدُّدِ آياتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماءِ والأرْضِ عَلى هَيْئَتِهِما بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما، ثُمَّ إذا دَعاكم أيْ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ في الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكم دَعْوَةً واحِدَةً بِأنْ قالَ سُبْحانَهُ: أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا فَجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، ولَعَلَّ ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ أدَقُّ وأبْعَدُ مَغْزًى فَتَأمَّلْ، ( ومِنَ الأرْضِ ) مُتَعَلِّقٌ بِدَعا، ( ومِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ إذا كانَ الدّاعِي هو اللَّهُ تَعالى نَفْسُهُ، لا المَلَكُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ كَوْنُ المَدْعُوِّ فِيها، يُقالُ دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي، فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِدَعْوَةٍ فَإنَّهُ إذا جاءَ نَهَرُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بَطَلَ نَهَرُ مَعْقِلِ. نَعَمْ جُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ صِفَةً لَها وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ ولا يَتَخَرَّجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ( مِن ) عِنْدِي لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وأثْبَتَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ أصْحابِنا، وظَواهِرُ الأخْبارِ أنَّ المَوْتى يُدْعَوْنَ حَقِيقَةً لِلْخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ تَشْبِيهُ تَرَتُّبِ حُصُولِ الخُرُوجِ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ ومَكْنِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَوْتى بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ الذَّهابَ إلى مَحَلِّ مَلِكٍ عَظِيمٍ مُتَهَيِّئِينَ لِذَلِكَ، وإثْباتُ الدَّعْوَةِ لَهم قَرِينَتُها أوْ هي تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ( دَعاكم ) إلى آخِرِها، وثُمَّ إمّا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، أوْ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، والمُرادُ عِظَمُ ما في المَعْطُوفِ مِن إحْياءِ المَوْتى في نَفْسِهِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وكَوْنُهُ أعْظَمَ مِن قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الإيجادِ والإنْشاءِ، وبِهِ اسْتِقْرارُ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ، وهو المَقْصُودُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ، فانْدَفَعَ ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ مِن أنَّ مَرْتَبَةَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ هُنا هي العُلْيا، مَعَ أنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ في مِثْلِهِ أرْفَعَ دَرَجَةً أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ، فَلا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ لَوْ لَمْ يَكُنِ المَعْطُوفُ أرْفَعَ دَرَجَةً، ويَجُوزُ حَمْلُ التَّراخِي عَلى مُطْلَقِ البُعْدِ الشّامِلِ لِلزَّمانِيِّ والرُّتَبِيِّ. وقَرَأ السَّبْعَةُ ما عَدا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ «تُخْرَجُونَ» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ، وهَذِهِ الآيَةُ ذُكِرَ أنَّها مِمّا تُقْرَأُ عَلى المُصابِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأزْهَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجَرازِيِّ قالَ: يُقْرَأُ عَلى المُصابِ إذا أُخِذَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وذَكَرَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ في وجْهِ تَرْتِيبِ الآياتِ وتَذْيِيلِ كُلٍّ مِنهُما بِما ذُيِّلَ كَلامًا طَوِيلًا إنِ احْتَجْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ.

الروم 30:26

﴿ولَهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً كُلَّ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ شَرِكَةٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ لا لِغَيْرِهِ جَلَّ وعَلا ﴿قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، وإنْ لَمْ يَنْقَدْ بَعْضُهم لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، فالمُرادُ طاعَةُ الإرادَةِ لا طاعَةُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وهَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: ( قانِتُونَ ) قائِمُونَ بِالشَّهادَةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى كَما قالَ الشّاعِرُ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ صفحة 36 وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ( قانِتُونَ ) مُخْلِصُونَ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وعَلَيْهِما لَيْسَ العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ.

الروم 30:27

﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، والتَّكْرِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ لِشِدَّةِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْإعادَةِ، وتَذْكِيرُهُ لِرِعايَةِ الخَبَرِ، أوْ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِأنْ والفِعْلِ، وهو في حُكْمِ المَصْدَرِ المُذَكَّرِ، أوْ لِتَأْوِيلِها بِالبَعْثِ ونَحْوِهِ، وكَوْنُهُ راجِعًا إلى مَصْدَرٍ مَفْهُومٍ مِن ( يُعِيدُهُ )، وهو لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِ الإعادَةِ لا يُفِيدُ عَلى ما قِيلَ، لِأنَّهُ اشْتُهِرَ بِهِ، فَكَأنَّهُ إذا فُهِمَ مِنهُ يُلاحَظُ فِيهِ خُصُوصُ لَفْظِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ( وأهْوَنُ ) لِلتَّفْضِيلِ، أيْ والإعادَةُ أسْهَلُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المَبْدَإ، والأسْهَلِيَّةُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِالنِّسْبَةِ لِما يَفْعَلُهُ البَشَرُ مِمّا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإنَّ إعادَةَ شَيْءٍ مِن مادَّتِهِ الأُولى أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن إيجادِهِ ابْتِداءً، والمُرادُ التَّقْرِيبُ لِعُقُولِ الجَهَلَةِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، وإلّا فَكُلُّ المُمْكِناتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ سَواءٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالإضافَةِ إلى قَدْرِكُمْ، والقِياسِ عَلى أُصُولِكم. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا آخَرَ لِلتَّفْضِيلِ وهو أنَّ الإنْشاءَ مِن قَبِيلِ التَّفَضُّلِ الَّذِي يَتَخَيَّرُ فِيهِ الفاعِلُ بَيْنَ أنْ يَفْعَلَهُ، وأنْ لا يَفْعَلَهُ، والإعادَةُ مِن قَبِيلِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ، لِأنَّها لِجَزاءِ الأعْمالِ، وجَزاؤُها واجِبٌ، والأفْعالُ إمّا مُحالٌ والمُحالُ مُمْتَنِعٌ أصْلًا خارِجٌ عَنِ المَقْدُورِ، وإمّا ما يَصْرِفُ الحَكِيمَ عَنْ فِعْلِهِ صارِفٌ وهو القَبِيحُ، وهو رَدِيفُ المُحالِ، لِأنَّ الصّارِفَ يَمْنَعُ وُجُودَ الفِعْلِ، كَما تَمْنَعُهُ الإحالَةُ، وإمّا تَفَضُّلٌ، والتَّفَضُّلُ حالُهُ بَيْنَ بَيْنَ لِلْفاعِلِ أنْ يَفْعَلَهُ، وأنْ لا يَفْعَلَهُ، وإمّا واجِبٌ لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ، ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، فَكانَ الواجِبُ أبْعَدَ الأفْعالِ مِنَ الِامْتِناعِ، وأقْرَبَها مِنَ الحُصُولِ، فَلَمّا كانَتِ الإعادَةُ مِن قَبِيلِ الواجِبِ كانَتْ أبْعَدَ الأفْعالِ مِنَ الِامْتِناعِ، وإذا كانَتْ أبْعَدَها مِنهُ كانَتْ أدْخَلَها في التَّأتِّي والتَّسَهُّلِ، فَكانَتْ أهْوَنَ مِنها، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ أهْوَنَ مِنَ الإنْشاءِ اهـ. قالَ في التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الوُجُوبِ العَقْلِيِّ، ولِأنَّ الوُجُوبَ إذا كانَ بِالذّاتِ نافى القُدْرَةَ كالِامْتِناعِ، وإلّا كانَ مُمْكِنًا، فَتَساوى الفِعْلانِ لِاشْتِراكِهِما في مُصَحِّحِ المَقْدُورِيَّةِ، وهو الإمْكانُ. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: أقُولُ: إنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ بِالذّاتِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ المُساواةُ مَعَ التَّفَضُّلِ في سُهُولَةِ التَّأتِّي، وأمّا المُساواةُ في مُصَحِّحِ المَقْدُورِيَّةِ فَلا مَدْخَلَ لَها فِيما نَحْنُ فِيهِ، والحاصِلُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ مِنهُ أنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِهِ أقْوى فَلا شَكَّ أنَّهُ أقْرَبُ إلى الوُجُودِ مِمّا لا يَكُونُ الدّاعِي كَذَلِكَ. نَعَمْ إذا خَلَصَ الدّاعِي إلى القِسْمَيْنِ صارا سَواءً، ولَيْسَ البَحْثُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ اهـ. والحَقُّ ما قالَهُ أبُو السُّعُودِ مِن أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِأهْوَنِيَّةِ الفِعْلِ أقْرَبِيَّتِهِ إلى الوُجُودِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ لِلْفاعِلِ إلى إيجادِهِ، وقُوَّةِ اقْتِضائِها لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِهِ، بَلْ أسَهْلِيَّةِ تَأْتِّيهِ، وصُدُورِهِ عَنْهُ عِنْدَ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِوُجُودِهِ، وكَوْنِهِ واجِبًا بِالغَيْرِ، ولا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِطَرِيقِ الإيجابِ أوْ بِطَرِيقِ الِاخْتِيارِ. ورَوى الزَّجّاجُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ ( أهْوَنَ ) ها هُنا بِمَعْنى هَيِّنٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وهَذا كَما يُقالُ: اللَّهُ تَعالى أكْبَرُ، أيْ كَبِيرٌ، وأنْتَ أوْحَدُ النّاسِ، أيْ واحِدُهُمْ، وإنِّي لِأوْجَلُ أيْ وجِلٌ. وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّهُ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ، وإنَّما قِيلَ بِمَعْنى الهَيِّنِ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ، وقِيلَ: أفْعَلُ عَلى ظاهِرِهِ، وضَمِيرُ عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ، عَلى مَعْنى أنَّ الإعادَةَ أيْسَرُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّ البُداءَةَ فِيها تَدْرِيجٌ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا، والإعادَةُ لا تَحْتاجُ إلى التَّدْرِيجاتِ في الأطْوارِ، إنَّما يَدْعُوهُ اللَّهُ تَعالى فَيَخْرُجُ صفحة 37 وأمّا عَلى مَعْنى أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ عَلى المَخْلُوقِ، أيْ أنْ يُعِيدُوا شَيْئًا، ويَفْعَلُوهُ ثانِيًا بَعْدَ ما زاوَلُوا فِعْلَهُ، وعَرَفُوهُ أوَّلًا أسْهَلُ مِن أنْ يَفْعَلُوهُ أوَّلًا قَبْلَ المُزاوَلَةِ، وإذا كانَ هَذا حالَ المَخْلُوقِ، فَما بالُكَ بِالخالِقِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ صِلَةُ ( أهْوَنُ )، وقُدِّمَتِ الصِّلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ) [مَرْيَمُ: 9، 21] وأُخِّرَتْ هُنا لِأنَّهُ قَصَدَ هُنالِكَ الِاخْتِصاصَ، وهو مَحَزُّهُ، فَقِيلَ ( هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ) وإنْ كانَ صَعْبًا عِنْدَكم أنْ يُولَدَ بَيْنَ هم وعاقِرٍ، وأمّا ها هُنا فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ، كَيْفَ والأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يَعْقِلُونَ مِن أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ مِنَ الِابْتِداءِ، فَلَوْ قُدِّمَتِ الصِّلَةُ لَتَغَيَّرَ المَعْنى، ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ﴾ تَعالى شَأْنُهُ خاصَّةً ﴿المَثَلُ﴾ أيِ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ، كالقُدْرَةِ العامَّةِ، والحِكْمَةِ التّامَّةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، ﴿الأعْلى﴾ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيهِ فَضْلًا عَمّا يُساوِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ هَذا لِتَفْهِيمِ العُقُولِ القاصِرَةِ، إذْ صِفاتُهُ تَعالى عَجِيبَةٌ، وقُدْرَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عامَّةٌ، وحِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ تامَّةٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ بَدْأً، وإعادَةً، وإيجادًا، وإعْدامًا عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا مِثْلَ لَهُ تَعالى ولا نِدَّ، وعَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أنَّ ( المَثَلَ الأعْلى ) لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَعَلَّهُما أرادا بِذَلِكَ الوَحْدانِيَّةَ في ذاتِهِ تَعالى، وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ عَلَيْهِ مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذُكِرَ لِتَفْهِيمِ العُقُولِ القاصِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مُرْتَبِطٌ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: المَثَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( هو أهْوَنُ عَلَيْهِ ) قَدْ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا فِيما يَسْهُلُ ويَصْعُبُ عِنْدَكُمْ، ويَنْقاسُ عَلى أُصُولِكُمْ، فاللّامُ في المَثَلِ لِلْعَهْدِ وهو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ غَيْرُ مُسْتَعارٍ لِلْوَصْفِ العَجِيبِ الشَّأْنِ، ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ وُصِفَ بِذَلِكَ، وعُرِفَ بِهِ فِيهِما عَلى ألْسِنَةِ الخَلائِقِ، وألْسِنَةِ الدَّلائِلِ، وقِيلَ: بِالأعْلى، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ ( المَثَلِ )، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( الأعْلى )، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَهُ ) أيْ لَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ المَثَلُ الأعْلى، والمُرادُ أنَّ دِلالَةَ خَلْقِهِما عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ أتَمُّ مِن دِلالَةِ الإنْشاءِ، فَهو أدَلُّ عَلى جَوازِ الإعادَةِ، ولِهَذا جُعِلَ أعْلى مِنَ الإنْشاءِ، فَتَأمَّلْ، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجِزُ عَنْ بَدْءٍ مُمْكِنٍ وإعادَتِهِ، ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُجْرِي الأفْعالَ عَلى سُنَنِ الحِكْمَةِ، والمَصْلَحَةِ.

الروم 30:28

﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا﴾ يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلانُ الشِّرْكِ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكُمْ، وأعْرَفُها عِنْدَكُمْ، وأظْهَرُها دِلالَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن بُطْلانِ الشِّرْكِ لِكَوْنِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، ( ومِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ تَصْوِيرٌ لِلْمَثَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ ( ولَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿مِن شُرَكاءَ )،﴾ بَعْدُ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها، والعامِلُ فِيها كَما في البَحْرِ هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا، ( ومِن ) لِلتَّبْعِيضِ، وما واقِعَةٌ عَلى النَّوْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شُرَكاءَ﴾ مُبْتَدَأٌ ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، أيْ هَلْ شُرَكاءُ فِيما رَزَقْناكم مِنَ الأمْوالِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِمّا تَنْصَرِفُونَ فِيهِ كائِنُونَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكم مِن نَوْعِ العَبِيدِ والإماءِ كائِنُونَ لَكم. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لَكم ) مُتَعَلِّقًا بِشُرَكاءَ، ويَكُونَ ﴿فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَما تَقُولُ: لِزَيْدٍ في المَدِينَةِ صفحة 38 مُبْغِضٌ، فَلِزَيْدٍ مُتَعَلِّقٌ بِــ(مُبْغِضٌ)، الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ، وفي المَدِينَةِ الخَبَرُ، أيْ هَلْ شُرَكاءُ لَكم كائِنُونَ مِمّا مَلَكَتْهُ أيْمانُكم كائِنُونَ فِيما رَزَقْناكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الجَوابِ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ( وفِيهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(سَواءٌ)، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْطُوفٌ عَلى (أنْتُمْ) أيْ فَأنْتُمْ وهُمْ، أيِ المَمالِيكُ مُسْتَوُونَ فِيهِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهم في التَّصَرُّفِ فِيهِ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، و(أنْتُمْ) شامِلٌ لِلْمَمالِيكِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِـ(أنْتُمْ)، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (أنْتُمُ) الفاعِلِ في ( سَواءٌ )، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَخافُونَهم أنْ تَسْتَبِدُّوا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ خِيفَةً كائِنَةً مِثْلَ خِيفَتِكم مَن هو مِن نَوْعِكم يَعْنِي الأحْرارَ المُساهِمِينَ لَكُمْ، والمَقْصُودُ نَفْيُ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ أيْ لا تَرْضَوْنَ بِأنْ يُشارِكَكم فِيما رَزَقْناكم مِنَ الأمْوالِ ونَحْوِها مَمالِيكُكُمْ، وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ غَيْرُ مَخْلُوقِينَ لَكُمْ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِ تَعالى الذّاتِيَّةِ مَخْلُوقَهُ سُبْحانَهُ، بَلْ مَصْنُوعَ مَخْلُوقِهِ جَلَّ وعَلا، حَيْثُ تَصْنَعُونَهُ بِأيْدِيكُمْ، ثُمَّ تَعْبُدُونَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أنْفُسُكُمْ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ ( وأنْفُسُكم ) فاعِلُهُ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ ولا قُبْحَ في إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ مَعَ وُجُودِ الفاعِلِ، ( كَذَلِكَ ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الواضِحِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها لا تَفْصِيلًا أدْنى مِنهُ، فَإنَّ التَّمْثِيلَ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي المَعْقُولَةِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ وإبْرازٌ لِأوابِدِ المُدْرَكاتِ عَلى هَيْئَةِ المَأْنُوسِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الإيضاحِ والبَيانِ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدْبِيرِ الأمْثالِ، وقِيلَ: في تَدْبِيرِ الأُمُورِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْثالُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ تَفْصِيلِ الآياتِ لِلْكُلِّ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ لَمّا كانَ ضَرْبُ الأمْثالِ لِإدْناءِ المُتَوَهَّمِ إلى المَعْقُولِ، وإراءَةِ المُتَخَيَّلِ في صُورَةِ المُحَقَّقِ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ الفاصِلَةُ ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وهَذِهِ النُّكْتَةُ هُنا أظْهَرُ مِنها فِيما تَقَدَّمَ، فَتَذَكَّرْ. وقَرَأ عَبّاسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «يُفَصِّلُ» بِياءِ الغَيْبَةِ رَعْيًا (لِضَرَبَ) إذْ هو مُسْنَدٌ لِما يَعُودُ لِلْغائِبِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ لِلْحَمْلِ عَلى ( رَزَقْناكم )، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ أصْلِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ المَخْلُوقِينَ لِافْتِقارِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: المُمْتَنِعُ المُسْتَقْبَحُ شَرِكَةُ العَبِيدِ لِساداتِهِمْ، أمّا شَرِكَةُ السّاداتِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَلا تَمْتَنِعُ ولا تُسْتَقْبَحُ.

الروم 30:29

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، ومُحاوَلَةُ إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ بِضَرْبِ المَثَلِ، وتَفْصِيلِ الآياتِ، واسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ الحَقَّةِ المَعْقُولَةِ وبَيانٍ لِاسْتِحالَةِ تَبَعِيَّتِهِمْ لِلْحَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَعْقِلُوا شَيْئًا مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ، بَلِ اتَّبَعُوا ﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ، ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في ذَلِكَ الِاتِّباعِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ جاهِلِينَ بِبُطْلانِ ما أتَوْا مُنْكَبِّينَ عَلَيْهِ لا يَصْرِفُهم عَنْهُ صارِفٌ حَسْبَما يَصْرِفُ العالِمَ إذا اتَّبَعَ الباطِلَ عِلْمُهُ بِبُطْلانِهِ، ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أيْ خَلَقَ فِيهِ الضَّلالَ وجَعَلَهُ كاسِبًا لَهُ بِاخْتِيارِهِ، ﴿وما لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالِ صفحة 39 ويَحْفَظُونَهم مِن تَبِعاتِهِ وآفاتِهِ عَلى مَعْنى: لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ، عَلى ما هو المَشْهُورُ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَوْطِئَةً لِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

الروم 30:30

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ تَعالى عَقِيبَ ما عَدَّدَ الآياتِ البَيِّناتِ والشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الشِّرْكِ وإثْباتِ القَوْلِ بِالمَعادِ وضَرَبَ سُبْحانَهُ المَثَلَ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يُسَلِّيَ حَبِيبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ويُوَطِّنَهُ عَلى اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ، فَأضْرَبَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ وجَعَلَ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما أرادَ هِدايَتَهُمْ، وأنَّهُ مَخْتُومٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ عَلى التَّقْرِيعِ والإنْكارِ، ثُمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الكُلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَعْنِي إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهم ذَلِكَ فَلا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، ولا أحَدَ يُنْقِذُهم لا أنْتَ، ولا غَيْرُكَ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فاهْتَمَّ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ ومَن تَبِعَكَ، وأقِمْ وجْهَكَ إلَخْ، اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ حالُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَمَن ) وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَأقِمْ ) وقَدَّرَ النَّيْسابُورِيُّ لِلثّانِيَةِ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وظَهَرَتِ الوَحْدانِيَّةُ فَأقِمْ إلَخْ، ولَعَلَّ ما أشارَ إلَيْهِ الطِّيبِيُّ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ يَلُوحُ مِن كَلامِهِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) فَتَدَبَّرْ. و«أقِمْ» مِن أقامَ العُودَ، ويُقالُ: قَوَّمَ العُودَ أيْضًا، إذا عَدَلَهُ، والمُرادُ الأمْرُ بِالإقْبالِ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلَيْهِ، والِاهْتِمامُ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ عَلى أنَّ الكَلامَ تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ، فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِالبَصَرِ عَقَدَ إلَيْهِ طَرْفَهُ، وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ غَيْرِ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَعَدِّلْ وجْهَكَ لِلدِّينِ وأقْبِلْ عَلَيْهِ إقْبالًا كامِلًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ إقامَةَ الوَجْهِ لِلشَّيْءِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الِاهْتِمامِ بِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالكِنايَةِ المَجازَ المُتَفَرِّعَ عَلى الكِنايَةِ، فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ إمْكانُ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، ونُصِبَ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، أوْ مِنَ (الدِّينِ)، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الوَجْهِ، وأصْلُ الحَنَفِ المَيْلُ مِنَ الضَّلالِ إلى الِاسْتِقامَةِ، وضِدُّهُ الجَنَفُ بِالجِيمِ، ( فِطْرَةَ اللَّهِ ) نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ومَن أجازَ إضْمارَ أسْماءِ الأفْعالِ جَوَّزَ أنْ يُقَدَّرَ هُنا (عَلَيْكُمُ) اسْمُ فِعْلٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: هو نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ ) لِأنَّ مَعْناهُ اتَّبِعِ الدِّينَ، واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ في تَأْلِيفِ النَّظْمِ، لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ ولِتَرَتُّبِ قَوْلِهِ تَعالى: ( فَأقِمْ وجْهَكَ ) عَلَيْهِ بِالفاءِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، أيْ فَطَرَكم فِطْرَةَ اللَّهِ، ولا يَصِحُّ عَمَلُ فَطَرَ المَذْكُورِ بَعْدُ فِيهِ، لِأنَّهُ مِن صِفَتِهِ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ. وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( حَنِيفًا )، والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ النَّصْبُ عَلى الإغْراءِ، وإضْمارُ الفِعْلِ عَلى خِطابِ الجَماعَةِ مَعَ أنَّ المُتَقَدِّمَ ( فَأقِمْ ) هو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى:

الروم 30:31

﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ وجَعَلَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الفِعْلُ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( واتَّقُوهُ وأقِيمُوا ولا تَكُونُوا ) مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: بَعْدَ ما اخْتارَ تَقْدِيرَ اتَّبِعْ، ورَجَّحَهُ بِما سَمِعْتَ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ( مُنِيبِينَ ) فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ مُرَدَّدٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو خِطابٌ لِأُمَّتِهِ صفحة 40 فَكَأنَّهُ قِيلَ: أقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ أقِمْ وجْهَكَ، ومَن تَبِعَكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾ [هُودٌ: 112]، فَلِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ( مُنِيبِينَ ) وفي المُرْشِدِ أنَّ ( مُنِيبِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ كُونُوا مُنِيبِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اهـ. ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ حُسْنُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ خِطابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خِطابُ الأُمَّةِ يُؤَكِّدُ الدِّلالَةَ، وعَلى ذَلِكَ المُضْمَرُ لا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مُنِيبِينَ ) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، وظاهِرُ كَلامِ الفَرّاءِ يَقْتَضِي كَوْنَ الحالِ مِن مَذْكُورٍ، ومَحْذُوفٍ، وهو قَلِيلٌ في الكَلامِ، وإضْمارُ (كُونُوا) مَعَ إضْمارِ فِعْلٍ ناصِبٍ لِـ(فِطْرَةَ اللَّهِ) مُوجِبٌ لِكَثْرَةِ الإضْمارِ، وإضْمارُهُ دُونَ إضْمارٍ فِيما قِيلَ مُوجِبٌ لِارْتِكابِ خِلافِ المُتَبادِرِ هُناكَ، والفِطْرَةُ عَلى ما قالَ ابْنُ الأثِيرِ لِلْحالَةِ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ مِنَ الفَطْرِ، بِمَعْنى الِابْتِداءِ، والِاخْتِراعِ، وفَسَّرَها الكَثِيرُ هُنا بِقابِلِيَّةِ الحَقِّ والتَّهَيُّؤِ لِإدْراكِهِ، وقالُوا: مَعْنًى لُزُومُها الجَرَيانَ عَلى مُوجَبِها، وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ بِاتِّباعِ الهَوى، وتَسْوِيلِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، ووَصَفَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: تَفْسِيرُها بِدِينِ الإسْلامِ. وفِي الخَبَرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ حَمّادِ بْنِ عُمَرَ الصَّفّارِ قالَ: سَألْتُ قَتادَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها دِينُ اللَّهِ تَعالى»» والمُرادُ بِفَطْرِهِمْ عَلى دِينِ الإسْلامِ خَلْقُهم قابِلِينَ لَهُ غَيْرَ نابِينَ عَنْهُ، ولا مُنْكِرِينَ لَهُ، مُجاوِبًا لِلْعَقْلِ مُساوِقًا لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ، حَتّى لَوْ تُرِكُوا لَما اخْتارُوا عَلَيْهِ دِينًا آخَرَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ»» والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ جَمِيعُهم. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِهِمْ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي المُؤْمِنُونَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. واسْتُشْكِلَ الِاسْتِغْراقُ بِأنَّهُ ورَدَ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طُبِعَ عَلى الكُفْرِ. وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ قُدِّرَ أنَّهُ لَوْ عاشَ يَصِيرُ كافِرًا بِإضْلالِ غَيْرِهِ لَهُ، أوْ بِآفَةٍ مِنَ الآفاتِ البَشَرِيَّةِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««الشَّقِيُّ شَقِيٌّ في بَطْنِ أُمِّهِ»» وذَلِكَ لا يُنافِي الفَطْرَ عَلى دِينِ الإسْلامِ بِمَعْنى خَلْقِهِ مُتَهَيِّئًا لَهُ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِهِ، فَتَأمَّلْ، فالمَقامُ مُحْتاجٌ بَعْدُ إلى تَحْقِيقٍ، وقِيلَ: فِطْرَةُ اللَّهِ العَهْدُ المَأْخُوذُ عَلى بَنِي آدَمَ، ومَعْنى فَطَرَهم عَلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ خَلَقَهم مَرْكُوزًا فِيهِمْ مَعْرِفَتُهُ تَعالى، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [لُقْمانُ: 25، الزُّمَرُ: 38]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِلُزُومِ فِطْرَتِهِ تَعالى، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، فالمُرادُ بِخَلْقِ اللَّهِ فِطْرَتُهُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا، فَفِيهِ إقامَةُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ السّابِقِ، والمَعْنى لا صِحَّةَ ولا اسْتِقامَةَ لِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلالِ بِمُوجَبِها، وعَدَمِ تَرْتِيبِ مُقْتَضاها عَلَيْها بِاتِّباعِ الهَوى، وقَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُغَيِّرَ خَلْقَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وفِطْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ التَّبْدِيلِ عَلى تَبْدِيلِ نَفْسِ الفِطْرَةِ بِإزالَتِها رَأْسًا، ووَضْعِ فِطْرَةٍ أُخْرى مَكانَها غَيْرَ مُصَحِّحَةٍ لِقَبُولِ الحَقِّ والتَّمَكُّنِ مِن إدْراكِهِ ضَرُورَةً، فَإنَّ التَّبْدِيلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ مَقْدُورٌ، بَلْ واقِعٌ قَطْعًا، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ أنَّ سَلامَةَ الفِطْرَةِ مُتَحَقِّقَةٌ صفحة 41 فِي كُلِّ أحَدٍ، فَلا بُدَّ مِن لُزُومِها بِتَرْتِيبِ مُقْتَضاها عَلَيْها، وعَدَمِ الإخْلالِ بِهِ بِما ذُكِرَ مِنَ اتِّباعِ الهَوى ووَسْوَسَةِ الشَّياطِينِ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقَهُ لِلْعِبادَةِ، وهم كُلُّهم عَبِيدُهُ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ كَوْنُهم عَبِيدًا مِثْلَ كَوْنٍ المَمْلُوكِ عَبْدًا لِلْإنْسانِ، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، ويَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ بِالعِتْقِ، بَلْ لا خُرُوجَ لِلْخَلْقِ عَنِ العِبادَةِ والعُبُودِيَّةِ، وهَذا لِبَيانِ فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: العِبادَةُ لِتَحْصِيلِ الكَمالِ، وإذا كَمُلَ لِلْعَبْدِ بِها لا يَبْقى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ. وقَوْلُ المُشْرِكِينَ: إنَّ النّاقِصَ لا يَصْلُحُ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يَعْبُدُ نَحْوَ الكَواكِبِ، وهي عَبِيدُ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ النَّصارى: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَمُلَ بِحُلُولِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وصارَ إلَهًا اهـ، وفِيهِ ما فِيهِ، ومِمّا يُسْتَغْرَبُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ مَعْنى ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ النَّهْيُ عَنْ خِصاءِ الفُحُولِ مِنَ الحَيَوانِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِالكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، والزَمْ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، فَإنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، لَهُمُ الكُفْرُ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أيْ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى نَحْوِ هَذا، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوْ إلى لُزُومِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى المُسْتَفادِ مِنَ الإغْراءِ، أوْ إلى الفِطْرَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِمُذَكَّرٍ، ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَوِي الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، ولا انْحِرافَ عَنِ الحَقِّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ، وأصْلُهُ قَيُّومٌ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ فِيها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَصُدُّونَ عَنْهُ صُدُودًا. وقِيلَ: أيْ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا، ولَوْ عَلِمُوا لَعَلِمُوا ذَلِكَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ راجِعِينَ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ وإخْلاصِ العَمَلِ، مِن نابَ نَوْبَةً ونَوْبًا، إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ومِنَ النَّوّابِ أيِ النَّحْلِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِها إلى مَقَرِّها، وقِيلَ: أيْ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ تَعالى مِنَ النّابِ السِّنِّ خَلْفَ الرَّباعِيَةِ لِما يَكُونُ بِها مِنَ الِانْقِطاعِ ما لا يَكُونُ بِغَيْرِها. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ، لِأنَّ النّابَ يائِيٌّ، وهَذا واوِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ عِدَّةُ أقْوالٍ في وجْهِ نَصْبِهِ، وزادَ عَلَيْها في البَحْرِ القَوْلُ بِكَوْنِهِ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ ( النّاسِ )، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَرَ النّاسَ﴾ وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الأقْوالِ، وهو كَما تَرى، وتَقَدَّمَ أيْضًا ما قِيلَ في عَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المُبَدِّلِينَ لِفِطْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَبْدِيلًا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ كُلُّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والنَّهْيُ مُتَّصِلٌ بِالأوامِرِ قَبْلَهُ، وقِيلَ: بِأقِيمُوا الصَّلاةَ، والمَعْنى: ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ بِتَرْكِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أسْلَمَ الطُّوسِيُّ، وهو كَما تَرى.

الروم 30:32

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإعادَةِ الجارِّ، وتَفْرِيقُهم لِدِينِهِمُ اخْتِلافُهم فِيما يَعْبُدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في اعْتِقاداتِهِمْ مَعَ اتِّحادِ مَعْبُودِهِمْ، وفائِدَةُ الإبْدالِ التَّحْذِيرُ عَنِ الِانْتِماءِ إلى حِزْبٍ مِن أحْزابِ المُشْرِكِينَ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ عَلى الضَّلالِ المُبِينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «فارَقُوا» أيْ تَرَكُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، أوِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ فِطْرَتُهم ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ صفحة 42 أيْ فَرِقًا تُشايِعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامَها الَّذِي مَهَّدَ لَها دِينَها، وقَرَّرَهُ، ووَضَعَ أُصُولَهُ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الدِّينِ المُعْوَجِّ المُؤَسَّسِ عَلى الرَّأْيِ الزّائِغِ، والزَّعْمِ الباطِلِ ﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ حَقٌّ، والجُمْلَةُ قِيلَ: اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن تَفْرِيقِ دِينِهِمْ، وكَوْنِهِمْ شِيَعًا، وقِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةُ ( شِيَعًا ) بِتَقْدِيرِ العائِدِ، أيْ كُلُّ حِزْبٍ مِنهُمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم كَوْنَها حالًا. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ( فَرِحُونَ ) صِفَةً لِكُلٍّ، كَقَوْلِ الشَّمّاخِ: وكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هاضِمٍ نَفْسَهُ لِوَصْلِ خَلِيلٍ صارِمٍ أوْ مُعارِزِ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ يُوصَفُ المُضافُ إلَيْهِ في نَحْوِهِ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ في قَوْلِهِ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وفِي البَحْرِ: أنَّ وصْفَ المُضافِ إلَيْهِ في نَحْوِهِ هو الأكْثَرُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ تِرَةً ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ وما قِيلَ: إنَّهُ إذا وُصِفَ بِهِ كُلٌّ، دَلَّ عَلى أنَّ الفَرَحَ شامِلٌ لِلْكُلِّ، وهو أبْلَغُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ العَكْسُ أبْلَغُ لَوْ تُؤُمِّلَ أدْنى تَأمُّلٍ.

الروم 30:33

﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ شِدَّةٌ ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ تَعالى مِن دُعاءِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ، ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا دَعَوْهُ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أيْ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإشْراكَ، وذَلِكَ بِنِسْبَةِ خَلاصِهِمْ إلى غَيْرِهِ تَعالى مِن صَنَمٍ، أوْ كَوْكَبٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وتَخْصِيصُ هَذا الفِعْلِ بِبَعْضِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وتَنْكِيرُ ( ضُرٌّ، ورَحْمَةً ) لِلتَّعْلِيلِ إشارَةً إلى أنَّهم لِعَدَمِ صَبْرِهِمْ يَجْزَعُونَ لِأدْنى مُصِيبَةٍ، ويَطْغَوْنَ لِأدْنى نِعْمَةٍ، و«ثُمَّ» لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ أوِ الزَّمانِيِّ.

الروم 30:34

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، وكَوْنِها تَقْتَضِي المُهْلَةَ، ولِذا سُمِّيَتْ لامَ المَآلِ، والشِّرْكُ والكُفْرُ مُتَقارِبانِ، لا مُهْلَةَ بَيْنَهُما كَما قِيلَ: لا وجْهَ لَهُ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ، وهو لِلتَّهْدِيدِ كَما يُقالُ عِنْدَ الغَضَبِ: اعْصِنِي ما اسْتَطَعْتَ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا )،﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ تَهْدِيدِيٌّ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ( يُشْرِكُونَ ) لا يَخْفى حالُهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والتَّمَتُّعُ التَّلَذُّذُ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ تَمَتُّعِكم. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ «فَيُمَتَّعُوا» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (يَكْفُرُوا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْضًا، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أيْضًا «فَيَتَمَتَّعُوا» بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ قَبْلَ التّاءِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (يَكْفُرُوا) أيْضًا، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ولْيَتَمَتَّعُوا» بِاللّامِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ، وهو عَطْفٌ عَلى «لِيَكْفُرُوا» .

الروم 30:35

﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إيذانًا بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدًا لِجِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ( وأمْ ) مُنْقَطِعَةٌ، والسُّلْطانُ الحُجَّةُ، فالإنْزالُ مَجازٌ عَنِ التَّعْلِيمِ أوِ الإعْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ بِمَعْنى فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مَجازٌ عَنِ الدِّلالَةِ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ هُنا جَمِيعَ ما اعْتَبَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: نَطَقَتِ الحالُ مِنَ الِاحْتِمالاتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ(سُلْطانًا) ذا سُلْطانٍ أيْ مَلِكًا مَعَهُ بُرْهانٌ، فَلا مَجازَ أوَّلًا وآخِرًا. وجُمْلَةُ ( هو يَتَكَلَّمُ ) جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ( أمْ )، إذِ المَعْنى: بَلْ أأنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ صفحة 43 ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أيْ بِإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِحَّتُهُ عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرَ ( بِهِ ) لَهُ تَعالى، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي يُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرَ ( بِهِ ) لَها، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم مُسْتَمْسَكٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في شِرْكِهِمْ.

الروم 30:36

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسَعَةٍ ونَحْوِهِما ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرًا وأشَرًا، فَإنَّهُ الفَرَحُ المَذْمُومُ دُونَ الفَرَحِ حَمْدًا وشُكْرًا، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وقالَ الإمامُ: المَذْمُومُ الفَرَحُ بِنَفْسِ الرَّحْمَةِ، والمَمْدُوحُ الفَرَحُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّها مُضافَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ أيْ فاجَؤُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعْبِيرُ بِإذا أوَّلًا لِتَحَقُّقِ الرَّحْمَةِ وكَثْرَتِها دُونَ المُقابِلِ، وفي نِسْبَةِ الرَّحْمَةِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ السَّيِّئَةِ تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ أنْ لا يُضافَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الشَّرُّ، وهو كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ،﴾ و﴿المَغْضُوبِ﴾ ) في [الفاتِحَةِ: 7]، وعَدَمُ بَيانِ سَبَبُ إذاقَةِ الرَّحْمَةِ وبَيانُ سَبَبِ إصابَةِ السَّيِّئَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوَّلَ تَفَضُّلٌ والثّانِيَ عَدْلٌ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ والدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ في القُنُوطِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إمّا فَرِيقٌ آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، وإمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ، لَكِنَّ الحُكْمَ الأوَّلَ ثابِتٌ لَهم في حالِ تَدَهُّشِهِمْ كَمُشاهَدَةِ الغَرَقِ، وهَذا الحُكْمُ في حالٍ آخَرَ لَهُمْ، فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ التَّوْفِيقِ بِأنَّ الدُّعاءَ اللِّسانِيَّ جارٍ عَلى العادَةِ، فَلا يُنافِي القُنُوطَ القَلْبِيَّ، ولِذا سُمِعَ بَعْضُ الخائِضِينَ في دَمِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَدْعُو في طَوافِهِ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولا أظُنُّكَ تَفْعَلُ، أوِ المُرادُ يَفْعَلُونَ فِعْلَ القانِطِينَ كالِاهْتِمامِ بِجَمْعِ الذَّخائِرِ أيّامَ الغَلاءِ، ولا يَخْفى أنَّ في المُفاجَأةِ نَبْوَةً ما عَنْ هَذا فَتَأمَّلْ. وقُرِئَ «يَقْنِطُونَ» بِكَسْرِ النُّونِ.

الروم 30:37

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا، ولَمْ يُشاهِدُوا، ﴿أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ تَعالى لَهُ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ أنْ يُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ، وهَذا إمّا بِاعْتِبارِ شَخْصَيْنِ، أوْ بِاعْتِبارِ شَخْصٍ واحِدٍ في زَمانَيْنِ، والمُرادُ إنْكارُ فَرَحِهِمْ وقُنُوطِهِمْ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أيْ أوَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا، ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ، أيِ البَسْطِ وضِدِّهِ، أوْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: نَكَدُ الأرِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الجاهِلِ قَدْ أرْشَداكَ إلى حَكِيمٍ كامِلِ قالَ الطِّيبِيُّ: كانَتِ الفاصِلَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ الغِنى بِفِعْلِ العَبْدِ وجَهْدِهِ، ولا العَدَمُ بِعَجْزِهِ وتَقاعُدِهِ، ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا مَن آمَنَ بِأنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ كَما قالَ: كَمْ مِن أرِيبٍ فَهِمٌ قَلْبُهُ ∗∗∗ مُسْتَكْمِلُ العَقْلِ مُقِلٌّ عَدِيمِ ومِن جَهُولٍ مُكْثِرٍ مالُهُ ∗∗∗ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ

الروم 30:38

﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مِنَ الصِّلَةِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ المَبَرّاتِ، ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ ما يَسْتَحِقّانِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَقْصُودُ أصالَةً، وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا، وقالَ الحَسَنُ: صفحة 44 هُوَ خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ لِمَن بُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الأمْرِ بِما قَبْلَهُ واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ السَّيِّئَةَ أصابَتْهم بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، وما يَجِبُ أنْ يُتْرَكَ، وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ امْتِثالَ أوامِرِهِ تَعالى مَجْلَبَةُ رِضاهُ، والحَياةَ الطَّيِّبَةَ تَتْبَعُهُ، كَما أنَّ عِصْيانَهُ سُبْحانَهُ مَجْلَبَةُ سُخْطِهِ، والجَدْبَ والضِّيقَةَ مِن رَوادِفِهِ، فَإذا اسْتَبانَ ذَلِكَ فَآتِ يا مُحَمَّدُ ومَن تَبِعَهُ، أوْ فَآتِ يا مَن بُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ ذا القُرْبى حَقَّهُ إلَخْ، وذَكَرَ الإمامُ وجْهًا آخَرَ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَفَرِّعٌ عَلى حَدِيثِ البَسْطِ والقَدْرِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْسُطُ ويَقْدِرُ أمَرَ جَلَّ وعَلا بِالإنْفاقِ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ الإنْسانُ في الإحْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا بَسَطَ الرِّزْقَ لا يَنْقُصُ بِالإنْفاقِ، وإذا قَدَرَ لا يَزْدادُ بِالإمْساكِ، كَما قِيلَ: إذْ جادَتِ الدُّنْيا عَلَيْكَ فَجُدْ بِها عَلى النّاسِ طُرًّا إنَّها تَتَقَلَّبُ فَلا الجُودُ يُفْنِيها إذا هي أقْبَلَتْ ∗∗∗ ولا البُخْلُ يُبْقِيها إذا هي تَذْهَبُ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ لِتَتْمِيمِ الإنْكارِ عَلى مَن فَرِحَ بِالنِّعْمَةِ عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ، ويَئِسَ عِنْدَ زَوالِها عَنْهُ، والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ الحَقُّ المالِيُّ، وكَذا المُرادُ بِهِ في جانِبِ المِسْكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ، وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والزَّكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، واسْتِثْناءُ هَذِهِ الآيَةِ ودَعْوى أنَّها مَدَنِيَّةٌ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وسَبْقُ النُّزُولِ عَلى الحُكْمِ بَعِيدٌ، ولِذا لَمْ يُذْكَرْ هُنا بَقِيَّةُ الأصْنافِ، وحُكِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إذا كانَ فَقِيرًا أوْ عاجِزًا عَنِ الكَسْبِ، ووُجِّهَ بِأنَّ (آتِ) أمْرٌ لِلْوُجُوبِ، والظّاهِرُ مِنَ الحَقِّ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ أنَّهُ مالِيٌّ، ولَوْ كانَ المُرادُ الزَّكاةَ لَمْ يُقَدِّمْ حَقَّ ذَوِي القُرْبى، إذِ الظّاهِرُ مِن تَقْدِيمِهِ المُغايَرَةُ، والشّافِعِيَّةُ أنْكَرُوا وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلى مَن ذُكِرَ، وقالُوا: لا نَفَقَةَ بِالقَرابَةِ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ عَلى ما بُيِّنَ في الفِقْهِ، والمُرادُ بِالحَقِّ المُصَرَّحِ بِهِ في ذِي القُرْبى صِلَةُ الرَّحِمِ بِأنْواعِها، وبِالحَقِّ المُعْتَبَرِ في جانِبِ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةٌ كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، أوِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ أوْ مَكِّيَّةٌ، والنُّزُولُ سابِقٌ عَلى الحُكْمِ. واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّهُ إذا فُسِّرَ حَقُّ الأخِيرَيْنِ بِالزَّكاةِ وجَبَ تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِالنَّفَقَةِ الواجِبَةِ لِئَلّا يَكُونَ لَفْظُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ والنَّدْبِ، ولِذا اسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِالآيَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وفِيهِ بَحْثٌ. وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ رادًّا عَلى الِاسْتِدْلالِ: إنَّهُ كَيْفَ يَتِمُّ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِإيتاءِ الصَّدَقَةِ أيْضًا بِدَلِيلِ ما تَلاهُ، ثُمَّ إنَّ ( ذا القُرْبى ) مُجْمَلٌ عِنْدَ المُسْتَدِلِّ، ومِن أيْنَ لَهُ أنَّهُ بُيِّنَ بِذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَقَّهُ )، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ أنَّهُ أمَرَ بِتَوْفِيرِ حَقِّهِ مِنَ الصِّلَةِ لا خُصُوصِ النَّفَقَةِ، وصِلَةُ الرَّحِمِ مِنَ الواجِباتِ المُؤَكَّدَةِ انْتَهى، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، ودَلِيلُ الإمامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَ هَذا وحْدَهُ كَما لا يَخْفى عَلى عُلَماءِ مَذْهَبِهِ. وخَصَّ بَعْضٌ الخِطابَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: المُرادُ بِذِي القُرْبى بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُؤْتِيَهم حَقَّهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرْسِيِّ مِنَ الشِّيعَةِ: المَعْنى: وآتِ يا مُحَمَّدُ ذَوِي قَرابَتِكَ حُقُوقَهُمُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الأخْماسِ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أعْطى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَدَكًا، وسَلَّمَهُ إلَيْها،» وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ، انْتَهى. وفِيهِ أنَّ هَذا يُنافِي ما اشْتُهِرَ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ مِن أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها صفحة 45 ادَّعَتْ فَدَكًا بِطَرِيقِ الإرْثِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها ادَّعَتِ الهِبَةَ، وأتَتْ عَلى ذَلِكَ بِعَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبِأُمِّ أيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنها لِمَكانِ الزَّوْجِيَّةِ والبُنُوَّةِ، وعَدَمِ كِفايَةِ المَرْأةِ الواحِدَةِ في الشَّهادَةِ في هَذا البابِ، فادَّعَتِ الإرْثَ، فَكانَ ما كانَ، وهَذا البَحْثُ مَذْكُورٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في التُّحْفَةِ، إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ ( ابْنَ السَّبِيلِ ) بِالضَّيْفِ وحَقِّهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِ إلى أنْ يَرْتَحِلَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، وقُدِّمَ ذُو القُرْبى اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى العَطْفِ، والعُدُولِ عَنْ: وآتِ ذا القُرْبى والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ حَقَّهُمْ، وعَبَّرَ عَنِ القَرِيبِ بِذِي القُرْبى في جَمِيعِ المَواضِعِ، ولَمْ يُعَبِّرْ عَنِ المِسْكِينِ بِذِي المَسْكَنَةِ، لِأنَّ القَرابَةَ ثابِتَةٌ لا تَتَجَدَّدُ، وذُو كَذا، لا يُقالُ في الأغْلَبِ إلّا في الثّابِتِ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ لِمَن تَكَرَّرَ مِنهُ الرَّأْيُ الصّائِبُ: فُلانٌ ذُو رَأْيٍ، ويَكادُ لا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ لِمَن أصابَ مَرَّةً في رَأْيِهِ كَذَلِكَ، وكَذا نَظائِرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ذُو جاهٍ وفُلانٌ ذُو إقْدامٍ، والمَسْكَنَةُ لِكَوْنِها مِمّا تَطْرَأُ وتَزُولُ لَمْ يُقَلْ في المِسْكِينِ ذُو مَسْكَنَةٍ، كَذا قالَ الإمامُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإيتاءُ المَفْهُومُ مِنَ الأمْرِ ﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ أوْ خَيْرٌ مَن غَيْرِهِ، ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ ذاتَهُ سُبْحانَهُ، أيْ يَقْصِدُونَهُ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْرُوفِهِمْ خالِصًا، أوْ جِهَتَهُ تَعالى، أيْ يَقْصِدُونَ جِهَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا جِهَةً أُخْرى، والمَعْنَيانِ كَما في الكَشْفِ مُتَقارِبانِ، ولَكِنَّ الطَّرِيقَةَ مُخْتَلِفَةٌ. ﴿وأُولَئِكَ﴾ المُتَّصِفُونَ بِالإيتاءِ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حَيْثُ حَصَّلُوا بِإنْفاقِ ما يَفْنى النَّعِيمَ المُقِيمَ، والحَصْرُ إضافِيٌّ عَلى ما قِيلَ: أيْ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، لا الَّذِينَ بَخِلُوا بِما لَهُمْ، ولَمْ يُنْفِقُوا مِنهُ شَيْئًا. وقِيلَ: هو حَقِيقِيٌّ عَلى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِالإيتاءِ المَذْكُورِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وأنابُوا إلَيْهِ تَعالى، واتَّقَوْهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا الحَصْرِ والحَصْرِ المَذْكُورِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَتَأمَّلْ.

الروم 30:39

﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الزِّيادَةُ المَعْرُوفَةُ في المُعامَلَةِ الَّتِي حَرَّمَها الشّارِعُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ويَشْهَدُ لَهُ ما رُوِيَ عَنُ السُّدِّيِّ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يُرْبُونَ، وكَذا كانَتْ قُرَيْشٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وطاوُسٍ، وغَيْرِهِمْ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ العَطِيَّةُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ، وعَلَيْهِ فَتَسْمِيَتُها رِبًا مَجازٌ، لِأنَّها سَبَبٌ لِلزِّيادَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها فَضْلٌ لا يَجِبُ عَلى المُعْطِي. وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ، والتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ لَهُمْ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالمُرادُ بِالرِّبا العَطِيَّةُ الَّتِي تُعْطى لِلْأقارِبِ لِلزِّيادَةِ في أمْوالِهِمْ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِما ذُكِرَ مَعْلُومٌ مِمّا ذَكَرْنا، وأيًّا ما كانَ (فَمِن) بَيانٌ لِما، لا لِلتَّعْلِيلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أتَيْتُمْ» بِالقَصْرِ، ومَعْناهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْطَيْتُمْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ جِئْتُمْ، أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عَطاءٍ رَبًا، ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ أيْ لِيَزِيدَ ذَلِكَ الرِّبا ويَزْكُوَ في أمْوالِ النّاسِ الَّذِينَ آتَيْتُمُوهم إيّاهُ، وقالَ ابْنُ الشَّيْخِ: المَعْنى عَلى تَفْسِيرِ الرِّبا بِالعَطِيَّةِ لِيَزِيدَ ذَلِكَ الرِّبا في جَذْبِ أمْوالِ النّاسِ وجَلْبِها، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: لِيَزِيدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أمْوالِ النّاسِ، وحُصُولِ شَيْءٍ مِنها لَكم بِواسِطَةِ العَطِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والشَّعْبِيِّ، ونافِعٍ، ويَعْقُوبَ، وأبِي حَيْوَةَ «لِتَرْبُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وهو بابُ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ لِتُرْبُوهُ وتَزِيدُوهُ في أمْوالِ النّاسِ، أوْ هو مِن صفحة 46 قَبِيلِ: يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي، أيْ لِتُرْبُوا وتَزِيدُوا أمْوالَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا في أمْوالِ النّاسِ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ «لِتُرْبُوها» بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ، وكانَ الضَّمِيرُ لِلرِّبا عَلى تَأْوِيلِهِ بِالعَطِيَّةِ، أوْ نَحْوِها، ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ فَلا يُبارِكُ فِيهِ في تَقْدِيرِهِ تَعالى وحُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ أيْ مِن صَدَقَةٍ، ﴿تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ تَعالى خالِصًا، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ ذَوُو الأضْعافِ عَلى أنَّ مُضْعِفًا اسْمُ فاعِلٍ مِن أضْعَفَ، أيْ صارَ ذا ضِعْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، بِأنْ يُضاعَفَ لَهُ ثَوابُ ما أعْطاهُ، كَأقْوى وأيْسَرَ إذا صارَ ذا قُوَّةٍ ويَسارٍ، فَهو لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ، ذا أصْلُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أضْعَفَ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ الزَّكاةِ. ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «المُضْعَفُونَ» اسْمُ مَفْعُولٍ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: فَهو يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ في العِبارَةِ إذْ أثْبَتَ غَيْرَ ما قَبْلَهُ، وفي النَّظْمِ، إذا أتى فِيما قَبْلُ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهُنا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ مُصَدَّرَةٍ بِاسْمِ الإشارَةِ مَعَ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، فَأثْبَتَ لَهُمُ المُضاعَفَةَ الَّتِي هي أبْلَغُ مِن مُطْلَقِ الزِّيادَةِ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ بِالِاسْمِيَّةِ والضَّمِيرِ، وحَصَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِالِاسْتِحْقاقِ مَعَ ما في الإشارَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِدِلالَتِهِ عَلى عُلُوِّ المَرْتَبَةِ، وتَرَكَ ما أتَوْا، وذَكَرَ المُؤْتى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والِالتِفاتُ عَنِ الخِطابِ حَيْثُ قِيلَ: فَأُولَئِكَ دُونَ فَأنْتُمْ لِلتَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ خاطَبَ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَواصَّ الخَلْقِ تَعْرِيفًا لِحالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِما ذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ بِأنْ يَقْصِدَ بِأُولَئِكَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهُمْ، والرّاجِعُ في الكَلامِ إلى (ما) مَحْذُوفٌ، إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً عَلى الأصَحِّ، لِأنَّهُ خَبَرٌ عَلى كُلِّ حالٍ، أيْ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ بِهِ، أوْ فَمُؤْتُو عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أُولَئِكَ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ مُؤْتُوهُ العامِّ لا يَكُونُ هُناكَ التِفاتٌ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ، واعْتِبارُ الِالتِفاتِ أوْلى، وفي الكَشّافِ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِمَدْحِ المُؤْتِينَ حَثًّا في الفِعْلِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ الِالتِفاتِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها الإشارَةُ بِأُولَئِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ، والثّانِي تَقْرِيعُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمَدْحِهِمْ. والثّالِثُ ما في نَفْسِ الِالتِفاتِ مِنَ الحُسْنِ. والرّابِعُ ما في أُولَئِكَ عَلى هَذا مِنَ الفائِدَةِ المُقَرَّرَةِ في نَحْوِ: فَذَلِكَ أنْ يَهْلِكَ فَحَسْبِي ثَناؤُهُ بِخِلافِهِ إذا جُعِلَ وصْفًا لِلْمُؤْتِينَ، وعَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، وإنْ لَزِمَ بِالعَرْضِ فَلا يُعارِضُ ما يُفِيدُهُ بِالأصالَةِ، فَتَأمَّلْ، والآيَةُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِلرِّبا في مَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البَقَرَةُ: 276]، سَواءٌ بِسَواءٍ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ أنَّها تُشْعِرُ بِالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا بِذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّها لَوْ أشْعَرَتْ بِذَلِكَ لَأشْعَرَتْ بِحُرْمَةِ الرِّبا، بِمَعْنى العَطِيَّةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الرِّبا بِها، مَعَ أنَّهم صَرَّحُوا بِعَدَمِ حُرْمَةِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُرْمَتِها عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المُدَّثِّرُ: 6]، وكَذا صَرَّحُوا بِأنَّ ما يَأْخُذُهُ المُعْطِي لِتِلْكَ العَطِيَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما أعْطاهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، ودافِعُهُ لَيْسَ بِآثِمٍ، لَكِنَّهُ لا يُثابُ عَلى دَفْعِ الزِّيادَةِ، لِأنَّها لَيْسَتْ صِلَةً مُبْتَدَأةً، بَلْ بِمُقابَلَةِ ما أُعْطِي أوَّلًا، ولا ثَوابَ فِيما يُدْفَعُ عِوَضًا، وكَذا لا ثَوابَ في إعْطاءِ تِلْكَ العَطِيَّةِ أوَّلًا، لِأنَّها شَبَكَةُ صَيْدٍ، ومَعْنى قَوْلِ بَعْضِ التّابِعِينَ: الجانِبُ المُسْتَغْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ، أنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ إذا أهْدى إلَيْكَ شَيْئًا لِتُكافِئَهُ وتَزِيدَهُ شَيْئًا فَأثِبْهُ مِن هَدِيَّتِهِ وزِدْهُ.

الروم 30:40

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الِاسْمَ صفحة 47 الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ ( والَّذِي ) خَبَرُهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ ( ومِن شُرَكائِكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( ومَن ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ( ومِن ) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، ( ومِن ذَلِكم ) صِفَةُ ( شَيْءٍ ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَأُعْرِبَتْ حالًا، ( ومِن ) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أيْضًا، ( وشَيْءٍ ) مَفْعُولُ يَفْعَلُ، ( ومِنَ ) الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأً، ( والَّذِي ) صِفَتَهُ، والخَبَرُ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ إلَخْ، والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ المُشارُ بِهِ إلى أفْعالِهِ تَعالى السّابِقَةِ - فَمِن ذَلِكم - بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ، ووَقَعَتِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ خَبَرًا لِأنَّها خَبَرٌ مَنفِيٌّ مَعْنًى، وإنْ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً ظاهِرًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ المُمِيتُ المُحْيِي لا يُشارِكُهُ شَيْءٌ مِمَّنْ لا يَفْعَلُ أفْعالَهُ هَذِهِ، وبَعْضُهم جَعَلَها خَبَرًا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ المَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ خالِقًا ورازِقًا ومُمِيتًا ومُحْيِيًا مَقُولٌ في حَقِّهِ: هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن هو مَوْصُوفٌ بِما هو مَوْصُوفٌ بِهِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَكُونُ رابِطًا إلّا إذا أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَإ، وهو هُنا لَيْسَ إشارَةً إلَيْهِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البَقَرَةُ: 234]، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهُمْ، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ ( الَّذِينَ )، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ. وكَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكُمْ) بِمِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُبْتَدَإ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ الإضافَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وعَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِها يَلْزَمُ تَقْدِيرُ مُضافٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) الأُولى لِبَيانِ مَن يَفْعَلُ، ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ، ( ومَن يَفْعَلُ ) فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَلْ حَصَلَ واسْتَقَرَّ مَن يَفْعَلُ كائِنًا مِن شُرَكائِكُمْ، وكَذا جُوِّزَ في ( مِنَ ) الثّانِيَةِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ المُسْتَغْرَقِ، وقِيلَ: إنَّ (مِنَ) الأُولى (ومِنَ) الثّانِيَةَ زائِدَتانِ كالثّالِثَةِ، وهو كَما تَرى، والآيَةُ عَلى ما قُلْناهُ أوَّلًا مُتَضَمِّنَةٌ جُمْلَتَيْنِ دَلَّتِ الأُولى عَلى إثْباتِ ما هو مِنَ اللَّوازِمِ المُساوِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وأفادَتِ الثّانِيَةُ بِواسِطَةٍ عَكْسَ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ نَفْيَها رَأْسًا عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مُؤَكَّدًا بِالإنْكارِ، والعَقْلُ حاكِمٌ بِأنَّ ما يُتَّخَذُ شَرِيكًا كالَّذِي اتُّخِذَ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، أعْنِي نَفْيَ تِلْكَ الأفْعالِ مِنهُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( شُرَكائِكم ) شامِلًا لِلصِّنْفَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ، إذْ لا يُعْقَلُ شَرِكَةُ ما لَيْسَ بِإلَهٍ لِعَدَمِ وُجُودِ لازِمِ الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ لِمَن هو إلَهٌ في الأُلُوهِيَّةِ، ولِتَأْكِيدِ ذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِما في الشِّرْكِ مِنَ الغَرابَةِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِاسْتِمْرارِهِ وتَجَدُّدِهِ مِنهُمْ، وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ يُؤْخَذُ مِنهُما مُقَدِّمَتانِ مُوجَبَةٌ وسالِبَةٌ كُلِّيَّةً، مُرَتَّبَتانِ عَلى هَيْئَةِ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( سُبْحانَهُ ) إلَخْ، يُؤْخَذُ مِنهُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةً، هي نَتِيجَةُ ذَلِكَ القِياسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَتانِ المَذْكُورَتانِ في حُكْمِ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ( سُبْحانَهُ ) إلَخْ، في حُكْمِ النَّتِيجَةِ لَهُ، ولا يَخْفى احْتِياجُ ذَلِكَ إلى تَكَلُّفٍ فَتَأمَّلْ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ «تُشْرِكُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.

الروم 30:41

﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ، والمُوْتانِ، وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ، وإخْفاقِ الصَّيّادِينَ والغاصَّةِ ومَحْقِّ البَرَكاتِ مِن كُلِّ شَيْءٍ وقِلَّةِ المَنافِعِ في الجُمْلَةِ، وكَثْرَةِ المَضارِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أجْدَبَتِ الأرْضُ، وانْقَطَعَتْ مادَّةُ البَحْرِ، وقالُوا: إذا انْقَطَعَ القَطْرُ عَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ بِقَتْلِ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وفي البَحْرِ بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِأخْذِ جُلَنْدى كُلِّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، ولَعَلَّ المُرادَ التَّمْثِيلُ، وكَذا يُقالُ في قَتْلِ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وكانَ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ ظَهَرَتْ في البَرِّ، قالَ الضَّحّاكُ: كانَتِ الأرْضُ خَضِرَةً مُونِقَةً لا يَأْتِي ابْنُ آدَمَ شَجَرَةً إلّا وجَدَ عَلَيْها ثَمَرَةً، وكانَ ماءُ البَحْرِ عَذْبًا، وكانَ لا يَفْتَرِسُ الأسَدُ البَقَرَ ولا الذِّئْبُ صفحة 48 الغَنَمَ، فَلَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ اقْشَعَرَّ ما في الأرْضِ، وشاكَتِ الأشْجارُ وصارَ ماءُ البَحْرِ مِلْحًا زُعافًا، وقَصَدَ الحَيَوانُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وذُكِرَ أنَّ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ في البَحْرِ غَصْبُ جُلَنْدى كُلِّ سَفِينَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَكَأنَّ تَخْصِيصَ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالبَرُّ والبَحْرُ عَلى ظاهِرِهِما، وعَنْ مُجاهِدٍ: البَرُّ البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ السَّواحِلُ والمُدُنُ الَّتِي عِنْدَ البَحْرِ والأنْهارِ، وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ، وأهْلُ الصَّحارى والعَمُودِ، والبَحْرُ المُدُنُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الأمْصارَ بِحارًا لِسَعَتِها، ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ، يَعْنِي المَدِينَةَ، لِيُتَوِّجُوهُ. قالَ أبُو حَيّانَ: ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ «والبُحُورِ» بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَوَّزَ النَّحّاسُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ عَلى ظاهِرِهِ، إلّا أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مُدُنِ البَحْرِ، فَهو مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفُ: 82]، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَسادِ المَعاصِي مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ والظُّلْمِ وغَيْرِهِما، و(ألْ) في ( البَرِّ والبَحْرِ ) لِلْجِنْسِ، وكَذا في ( الفَسادُ )، أيْ ظَهَرَ جِنْسُ الفَسادِ مِنَ الجَدْبِ، والمُوْتانِ، ونَحْوِهِما في جِنْسِ البَرِّ وجِنْسِ البَحْرِ، ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ النّاسُ مِنَ المَعاصِي والذُّنُوبِ، وشُؤْمِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشُّورى: 30]، وهو عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْفَسادِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِهِ بِالمَعاصِي فالمَعْنى: ظَهَرَتِ المَعاصِي في البَرِّ والبَحْرِ بِكَسْبِ النّاسِ إيّاها وفِعْلِهِمْ لَها، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَها وبالُ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فاللّامُ مَجازٌ عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ المَعاصِي بِسَبَبِهِمْ مِمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ أنْ يُذِيقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبالَ أعْمالِهِمْ إرادَةَ الرُّجُوعِ، فَكَأنَّهم إنَّما فَسَدُوا وتَسَبَّبُوا لِفُشُوِّ المَعاصِي في الأرْضِ لِأجْلِ ذَلِكَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّبّاحِ، وأبِي الفَضْلِ الواسِطِيِّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «لِنُذِيقَهُمْ» بِالنُّونِ، وظُهُورُ الفَسادِ المَذْكُورِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ كانَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَمّا بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ مَن رَجَعَ مِنَ النّاسِ عَنِ الضَّلالِ والظُّلْمِ، وقِيلَ: كانَ أوائِلَ البَعْثَةِ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ وإيذاءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَدَعا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَأقْحَطُوا، وحَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ ما حَلَّ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ، لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ. وفَسَّرَ هَذا القائِلُ: ( النّاسِ ) بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: كانَ في زَمانٍ سابِقٍ عَلى زَمانِ النُّزُولِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ الزَّمانُ الَّذِي قُبَيْلَ البَعْثَةِ أوْ بُعَيْدِها، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وحُكْمُ الآيَةِ عامٌّ في كُلِّ فَسادٍ يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا يَكُونُ جَمِيعُ الخَلائِقِ مِنَ الإنْسِ والدَّوابِّ والوُحُوشِ والطُّيُورِ والذَّرِّ خُصَماءَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ تَعالى يَمْنَعُ المَطَرَ بِشُؤْمِ المَعْصِيَةِ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ أهْلُ البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا، ورُوِيَ عَنْ شَقِيقٍ الزّاهِدِ أنَّهُ قالَ: مَن أكَلَ الحَرامَ فَقَدْ خانَ جَمِيعَ النّاسِ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ فِيها نَعْيَ ما يَعُمُّ الشِّرْكَ وغَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي صفحة 49 وفِيما قَبْلُ نَعْيَ الشِّرْكَ، وفِيها مِن تَخْوِيفِ المُشْرِكِينَ ما فِيها. وقالَ الإمامُ في وجْهِ التَّعَلُّقِ: هو أنَّ الشِّرْكَ سَبَبُ الفَسادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءُ: 22]، وإذا كانَ الشِّرْكُ سَبَبَهُ، جَعَلَ اللَّهُ تَعالى إظْهارَهُمُ الشِّرْكَ مُوَرِّثًا لِظُهُورِ الفَسادِ، ولَوْ فَعَلَ بِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مَرْيَمُ: 90]، وإلى هَذا أشارَ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ انْتَهى، فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ.

الروم 30:42

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ تَسَبُّبِ المَعاصِي لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى، ونَكالِهِ، حَيْثُ أُمِرُوا بِأنْ يَسِيرُوا فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى الأُمَمَ، وأذاقَهم سُوءَ العاقِبَةِ بِمَعاصِيهِمْ، ويَتَحَقَّقُوا صِدْقَ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الشِّرْكَ وحْدَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ تَدْمِيرِ جَمِيعِهِمْ، بَلْ هو سَبَبٌ لِلتَّدْمِيرِ في أكْثَرِهِمْ، وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي سَبَبٌ لَهُ في قَلِيلٍ مِنهم. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ لِفُشُوِّ الشِّرْكِ وغَلَبَتِهِ فِيهِمْ، فَفِيهِ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ الشِّرْكِ بِأنَّهُ فِتْنَةٌ لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً.

الروم 30:43

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأقِمْ، وتَمامُ الكَلامِ فِيما هُنا يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ﴾ جُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَرَدٍّ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّدِّ، والمَعْنى لا يَرُدُّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيُفِيدُ انْتِفاءَ رَدِّ غَيْرِهِ تَعالى لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ تَنْوِينُ ( يَوْمٌ ) لِمُشابَهَتِهِ لِلْمُضافِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ قَدْ يُعامَلُ الشَّبِيهُ بِالمُضافِ مُعامَلَتَهُ فَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ، وحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ»» وتَفْصِيلُهُ في شَرْحِهِ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( مَرَدَّ )، أيْ لا يُرَدُّ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أيْ لا يَرُدُّهُ هو عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ هو أيِ الرَّدُّ المَنفِيُّ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابُ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ: مِمَّنْ ذَلِكَ الرَّدُّ المَنفِيُّ؟ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لِلا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ اليَوْمِ، وجَوَّزَ كَثِيرٌ تَعَلُّقَهُ بِيَأْتِي، أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَرُدَّهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُتَبادِرِ مِنَ اللَّفْظِ والمَعْنى، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلُ الفائِدَةِ، وارْتَضاهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الوَجْهُ أبْلَغُ لِإطْلاقِ الرَّدِّ وتَفْخِيمِ اليَوْمِ، وإنَّ إتْيانَهُ مِن جِهَةِ عَظِيمٍ قادِرٍ ذِي سُلْطانٍ قاهِرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَلِيلَ الفائِدَةِ. نَعَمْ، إنَّ فِيهِ الفَصْلَ المُلْبِسَ، وحالُ سائِرِ الأوْجُهِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَأْتِي ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ فَقُلِبَتْ تاؤُهُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، والتَّصَدُّعُ في الأصْلِ تَفَرُّقُ أجْزاءِ الأوانِي، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ التَّفَرُّقِ، أيْ يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وقِيلَ: يَتَفَرَّقُونَ تَفَرُّقَ الأشْخاصِ عَلى ما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارِعَةُ: 4]، لا تَفَرُّقَ الفَرِيقَيْنِ، فَإنَّ المُبالَغَةَ في التَّفَرُّقِ المُسْتَفادَةَ مِن ( يَصَّدَّعُونَ ) إنَّما تُناسِبُ الأوَّلَ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذِ الكَلامُ في المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَما ذُكِرَ بَيانٌ صفحة 50 لِتَبايُنِهِمْ في الدّارَيْنِ، ويَكْفِي لِلْمُبالَغَةِ شِدَّةُ بُعْدِ ما بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ حِسًّا ومَعْنًى، وهو تَفْسِيرٌ رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ.

الروم 30:44

﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ وبالُ كُفْرِهِ، وهي النّارُ المُؤَبَّدَةُ، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أوِ الكُفْرُ مَجازٌ عَنْ جَزائِهِ، بَلْ عَنْ جَمِيعِ المَضارِّ الَّتِي لا ضَرَرَ وراءَها، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ قَدْرِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَقارَتِهِمْ مَعَ ما عُلِمَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وجَمَعَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وفِيهِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ قَدْرِهِمْ وعِظَمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ( ويَمْهَدُونَ ) مِن مَهَدَ فِراشَهُ وطَّأهُ، أيْ يُوَطِّؤُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَما يُوَطِّئُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ فِراشَهُ لِئَلّا يُصِيبَهُ في مَضْجَعِهِ ما يُنْبِيهِ ويُنَغِّصَ عَلَيْهِ مَرْقَدَهُ مِن نُتُوءٍ أوْ قَضَضٍ، أوْ بَعْضِ ما يُؤْذِي الرّاقِدَ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ حالَةَ المُكَلَّفِ مَعَ عَمَلِهِ الصّالِحِ وما يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ ويَتَخَلَّصُ مِنَ العِقابِ بِحالَةِ مَن يُمَهِّدُ فِراشَهُ ويُوَطِّؤُهُ لِيَسْتَرِيحَ عَلَيْهِ، ولا يُصِيبَهُ في مَضْجَعِهِ ما يُنَغِّصُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَعَلى أنْفُسِهِمْ يُشْفِقُونَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ في المَثَلِ لِلْمُشْفِقِ: أمْ فَرَشَتْ فَأنامَتْ، فَيَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً إيمائِيَّةً عَنِ الشَّفَقَةِ والمَرْحَمَةِ، والأُولى أظْهَرُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّوْطِئَةَ لِما بَعْدَ المَوْتِ مِنَ القَبْرِ وغَيْرِهِ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أيْ يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القَبْرِ، ولَيْسَ بِذاكَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: لِلِاهْتِمامِ، ومُقابَلَةُ مَن ( كَفَرَ) بِمَن عَمِلَ صالِحًا، لا بِمَن آمَنَ، إمّا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الإيمانِ بِناءً عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وإمّا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِ العامِلِ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ القَلْبِيَّ والقالَبِيَّ، ويُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ بِمَن عَمِلَ صالِحًا المُؤْمِنُ العالِمُ، قَوْلُهُ تَعالى:

الروم 30:45

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّهُ عِلَّةٌ (لِيَمْهَدُونَ)، وأُقِيمَ فِيهِ المَوْصُولُ مَقامَ الضَّمِيرِ تَعْلِيلًا لِلْجَزاءِ لِما أنَّ المَوْصُولَ في مَعْنى المُشْتَقِّ، والتَّعْلِيقُ بِهِ يُفِيدُ عِلِّيَّةِ مَبْدَإ الِاشْتِقاقِ، وذُكِرَ ( مِن فَضْلِهِ ) لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّ مِنَ الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلَّةً (لِيَصَّدَّعُونَ)، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، والِاكْتِفاءِ بِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ في العُرْفِ. وهو يَقْتَضِي الجَزاءَ بِمُوجَبِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولِيُعاقِبَ الكافِرِينَ. وفي الكَشّافِ: أنَّ تَكْرِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وتَرْكَ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْرِيرِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ تَعالى إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّهُ ) إلَخْ، تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ، عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ، ويَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِالعَكْسِ، سَواءٌ كانَ صَرِيحًا، وإشارَةً، أوْ مَفْهُومًا، ومَنطُوقًا، وذَلِكَ كَقَوْلِ ابْنِ هانِئٍ: فَما جازَهُ جُودٌ ولا حَلَّ دُونَهُ ولَكِنْ يَصِيرُ الجُودُ حَيْثُ يَصِيرُ وبَيانُهُ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى ما قُرِّرَ عَلى اخْتِصاصِهِمْ بِالجَزاءِ التَّكْرِيمِيِّ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ والزُّلْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لِتَعْلِيلِ الِاخْتِصاصِ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى أنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ يَقْتَضِي حِرْمانَهُمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ الجَزاءَ لِأضْدادِهِمْ مُوَفَّرٌ، فَهو جَلَّ وعَلا مُحِبٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ الآيَةَ بِتَمامِها، كالمُورِدِ لِلسُّؤالِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ الآيَةَ، وارِدٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ مُنْطَوٍ عَلى صفحة 51 الجَوابِ، فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: أقِيمُوا عَلى الدِّينِ القَيِّمِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمٍ يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ، فَقِيلَ: ما لِلْمُقِيمِينَ عَلى الدِّينِ، وما عَلى المُنْحَرِفِينَ عَنْهُ، وكَيْفَ يَتَفَرَّقُونَ؟ فَأُجِيبَ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، الآيَةَ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) الآيَةَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْكُلِّ لِيَفْصِلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى ما لَهم وعَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِيَمْهَدُونَ وحْدَهُ لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وعَدَمِ الإعْباءِ بِعَمَلِ الكافِرِ، ولِذَلِكَ وضَعَ مَوْضِعَهُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ، وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ نَبَّهَ عَلَيْها الإمامُ قُدِّسَ سِرُّهُ، وهي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ما أسْنَدَ الكُفْرَ والإيمانَ إلى العَبِيدِ قَدَّمَ الكافِرَ، وعِنْدَ ما أسْنَدَ الجَزاءَ إلى نَفْسِهِ قَدَّمَ المُؤْمِنَ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( مَن كَفَرَ ) وعِيدٌ لِلْمُكَلَّفِ لِيَمْتَنِعَ عَمّا يَضُرُّهُ لِيُنْقِذَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشَّرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تَحْرِيضٌ لَهُ، وتَرْغِيبٌ في الخَيْرِ لِيُوصِلَهُ إلى الثَّوابِ، والإنْقاذُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وأمّا عِنْدَ الجَزاءِ فابْتَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ بِالإحْسانِ إظْهارًا لِلْكَرَمِ والرَّحْمَةِ. هَذا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ المَعاصِي ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ بِسَبَبِ العَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ الكَرِيمَ يَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِنهُ الظُّلْمُ، ولا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:

الروم 30:46

﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ﴾ الجَنُوبَ ومَهَبُّها مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الثُّرَيّا، والصَّبا ومَهَبُّها مِن مَطْلَعِ الثُّرَيّا إلى بَناتِ نَعْشٍ، والشَّمالَ، ومَهَبُّها مِن بَناتِ نَعْشٍ إلى مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ، فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الدَّبُورُ، ومَهَبُّها مِن مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ فَرِيحُ العَذابِ، وذُكِرَ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ تُلَقِّحُ السَّحابَ الماطِرَ وتَجْمَعُهُ، فَلِذا كانَتْ رَحْمَةً، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الشَّمالُ عِنْدَ العَرَبِ لِلرَّوْحِ، والجَنُوبُ لِلْأمْطارِ، والأنْداءِ، والصَّبا لِإلْقاحِ الأشْجارِ، والدَّبُورُ لِلْبَلاءِ، وأهْوَنُهُ أنْ تُثِيرَ غُبارًا عاصِفًا يُقْذِي العَيْنَ، وهي أقَلُّهُنَّ هُبُوبًا، ورَوى الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ ما كانَ يَفْعَلُهُ، ويَقُولُهُ ﷺ إذا هاجَتْ رِيحٌ: ««اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرِّياحَ لِلرَّحْمَةِ، والرِّيحَ لِلْعَذابِ، وفي النِّهايَةِ العَرَبُ تَقُولُ: لا تُلَقَّحُ السَّحابُ إلّا مِن رِياحٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها لِقاحًا لِلسَّحابِ، ولا تَجْعَلْها عَذابًا، ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ مَجِيءُ الجَمْعِ في آياتِ الرَّحْمَةِ، والواحِدِ في قِصَصِ العَذابِ كالرِّيحِ العَقِيمِ، (ورِيحًا صَرْصَرًا)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذاكَ لِأنَّ الرِّيحَ إذا كانَتْ واحِدَةً جاءَتْ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ فَصَدَمَتْ جِسْمَ الحَيَوانِ والنَّباتِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، فَتُؤَثِّرُ فِيهِ أثَرًا أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ، فَتَضُرُّهُ ويَتَضَرَّرُ الجانِبُ المُقابِلُ لِعَكْسِ مَمَرِّها، ويَفُوتُهُ حَظُّهُ مِنَ الهَواءِ، فَيَكُونُ داعِيًا إلى فَسادِهِ، بِخِلافِ ما إذا كانَتْ رِياحًا، فَإنَّها تَعُمُّ جَوانِبَ الجِسْمِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ جانِبٍ حَظَّهُ، فَيَحْدُثُ الِاعْتِدالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ تُفْرَدُ الرِّيحُ حَيْثُ لا عَذابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يُوسُفُ: 22]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [الأنْبِياءُ: 81]، والحَدِيثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَرَمَزَ السُّيُوطِيُّ لِحُسْنِهِ، وقالَ الحافِظُ الهَيْثَمِيُّ: في سَنَدِهِ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وهو مَتْرُوكٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ، ورَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ مِن هَذا الوَجْهِ، وأعَلَّهُ بِحُسَيْنٍ المَذْكُورِ، ونُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ أحْمَدَ، والنَّسائِيِّ. نَعَمْ إنَّ الحافِظَ عَزاهُ في الفَتْحِ لِأبِي يَعْلى وحْدَهُ عَنْ أنَسٍ رَفَعَهُ، وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ «الرِّيحَ» مُفْرَدًا عَلى إرادَةِ مَعْنى الجَمْعِ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ بِالمَطَرِ ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ يَعْنِي المَنافِعَ التّابِعَةَ لَها كَتَذْرِيَةِ الحُبُوبِ، وتَخْفِيفِ العُفُونَةِ، وسَقْيِ الأشْجارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ والنِّعَمِ، وقِيلَ: الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها، أوِ الرَّوْحُ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، والواوُ لِلْعَطْفِ، والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ( مُبَشِّراتٍ )، أيْ لِيُبَشِّرَكُمْ، ولِيُذِيقَكُمْ، أوْ عَلى ( مُبَشِّراتٍ ) صفحة 52 بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ الحالَ قَدْ يُقْصَدُ بِها التَّعْلِيلُ نَحْوُ: أهِنْ زَيْدًا مُسِيئًا، أيْ لِإساءَتِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِتُبَشِّرَكُمْ، ولِيُذِيقَكُمْ، وكَوْنُهُ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ تَوَهُّمٌ، أوْ عَلى ( يُرْسِلَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلِّلٍ، والتَّقْدِيرُ: ويُرْسِلَها لِيُذِيقَكُمْ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ: ويُجْرِيَ الرِّياحَ لِيُذِيقَكم بَعِيدٌ، قِيلَ: أوْ عَلى جُمْلَةِ (ومِن آياتِهِ) إلَخْ، بِتَقْدِيرِ: ولِيُذِيقَكم أرْسَلَها أوْ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْهُ بَعْضُهُمْ، لِأنَّ المَقْصُودَ انْدِراجُ الإذاقَةِ في الآياتِ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، ﴿ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما جِيءَ بِهَذا القَيْدِ، لِأنَّ الرِّيحَ قَدْ تَهُبُّ، ولا تَكُونُ مُواتِيَةً، فَلا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ إرادَتِهِ تَعالى، وأمْرِهِ سُبْحانَهُ لِلرِّيحِ حَتّى يَتَأتّى المَطْلُوبُ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هُبُوبَها مُواتِيَةً أمْرٌ مِن أُمُورِهِ تَعالى الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِتِجارَةِ البَحْرِ، ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ.

الروم 30:47

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِمَن قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والوَعِيدَ لِمَن عَصاهُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَحْذِيرٌ عَنِ الإخْلالِ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ. والمُرادُ بِقَوْمِهِمْ أقْوامَهُمْ، والإفْرادُ لِلِاخْتِصارِ، حَيْثُ لا لَبْسَ، والمَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى أقْوامِهِمْ، كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ، ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ جاءَ كُلَّ قَوْمٍ رَسُولُهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ البَيِّناتِ، كَما جِئْتَ قَوْمَكَ بِبَيِّناتِكَ، ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَآمَنَ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ فانْتَقَمْنا، وقِيلَ: أيْ فَكَذَّبُوهم فانْتَقَمْنا مِنهُمْ، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَفْصِيلًا لِلْعُمُومِ بِأنَّ فِيهِمْ مُجْرِمًا مَقْهُورًا، ومُؤْمِنًا مَنصُورًا، ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ جُعِلُوا مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهُمْ، وإشْعارٌ بِأنَّ الِانْتِقامَ لِأجْلِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجُوِّزَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالرُّسُلِ بِجَعْلِ التَّعْرِيفِ عَهْدِيًّا، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذا النَّصْرَ في الدُّنْيا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ اخْتِصاصِهِ بِها، وأنَّهُ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَيَشْمَلُ مَن بَعْدَ الرُّسُلِ مِنَ الأُمَّةِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾» وفِي هَذا إشْعارٌ بِأنَّ ( حَقًّا ) خَبَرُ كانَ، ( ونَصْرُ المُؤْمِنِينَ ) الِاسْمُ كَما هو الظّاهِرُ، وإنَّما أُخِّرَ الِاسْمُ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً، ولِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ عَلى ما في البَحْرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى ( حَقًّا ) عَلى أنَّ اسْمَ كانَ ضَمِيرُ الِانْتِقامِ أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا وعَدْلًا لا ظُلْمًا، ورُجُوعُهُ إلَيْهِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائِدَةُ: 8]، و( ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ المُؤَيَّدِ بِالخَبَرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ مِن حَيْثُ المَعْنى.

الروم 30:48

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ فِيما سِيقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ تُحَرِّكُهُ، وتَنْشُرُهُ ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ بَسْطًا تامًّا مُتَّصِلًا تارَةً ﴿فِي السَّماءِ﴾ في سِمَتِها لا في نَفْسِ السَّماءِ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ، ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ سائِرًا، وواقِفًا، مُطْبِقًا، وغَيْرَ مُطْبِقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ حالٌ بِالتَّأْوِيلِ، ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ قِطَعًا تارَةً أُخْرى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِسُكُونِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ، أوْ جَمْعُ كِسْفَةٍ، أيْ قِطْعَةٍ، أوْ مَصْدَرٌ كَعِلْمٍ، وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِالمَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ ذا كِسَفٍ، ﴿فَتَرى﴾ يا مَن يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ ﴿الوَدْقَ﴾ أيِ المَطَرَ صفحة 53 ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُرَجِهِ جَمْعُ خَلَلٍ، في التّارَتَيْنِ الِاتِّصالُ والتَّقَطُّعُ، فالضَّمِيرُ لِلسَّحابِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ «كِسْفًا» بِالسُّكُونِ أنْ يَكُونَ لَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ بِلادَهم وأراضِيَهُمْ، والباءُ في ( بِهِ ) لِلتَّعْدِيَةِ، ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجَؤُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ الخِصْبِ.

الروم 30:49

﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ ) الوَدْقُ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ التَّنْزِيلِ، ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ آيِسِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وأفادَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ فَجاءَ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاتِّصالِ، ودَفْعِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُكِّدَ لِيَدُلَّ عَلى بُعْدِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ اسْتِحْكامُ يَأْسِهِمْ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أقْرَبُ، لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَبْلِيَّةِ الِاتِّصالُ، وتَأْكِيدٌ دالٌّ عَلى شِدَّتِهِ. وأبُو حَيّانَ أنْكَرَ عَلى كِلا الشَّيْخَيْنِ، وقالَ: ما ذَكَراهُ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدِي لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ، وقالَ قُطْرُبٌ: ضَمِيرُ ( قَبْلِهِ ) لِلْمَطَرِ، فَلا تَأْكِيدَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ المَطَرِ مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهو تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلزَّرْعِ الدّالِّ عَلَيْهِ المَطَرُ أيْ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ المَطَرِ مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، وفِيهِ أنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُبْلِسِينَ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ ( ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ ) بِهِ أيْضًا، لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا أنْ يَكُونَ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ، ولا عاطِفَ هُنا، ولا يَصِحُّ البَدَلُ ظاهِرًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم فِيهِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ مُكْتَفِيًا فِيهِ بِكَوْنِ الزَّرْعِ ناشِئًا عَنِ التَّنْزِيلِ، فَكانَ التَّنْزِيلُ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ وهو كَما تَرى. وقالَ المُبَرِّدُ: الضَّمِيرُ لِلسَّحابِ، لِأنَّهم لَمّا رَأوُا السَّحابَ كانُوا راجِينَ المَطَرَ، والمُرادُ مِن قَبْلِ رُؤْيَةِ السَّحابِ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يَصِحَّ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ (بِمُبْلِسِينَ)، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ لِلْإرْسالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: لِلِاسْتِبْشارِ، لِأنَّهُ قُرِنَ بِالإبْلاسِ ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِما أمْرُ التَّعَلُّقِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ كَما أُورِدَ عَلى مَن قَبْلَهُما، فَإنْ قالُوا بِحَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ فَفي جَوازِهِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ قِياسًا خِلافٌ. واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ لِلِاسْتِبْشارِ عَلى أنَّ ( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ (بِيُنَزَّلَ)، ( ومِنَ ) الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ (بِمُبْلِسِينَ) لِأنَّهُ يُفِيدُ سُرْعَةَ تَقَلُّبِ قُلُوبِهِمْ مِنَ اليَأْسِ إلى الِاسْتِبْشارِ بِالإشارَةِ إلى غايَةِ تَقارُبِ زَمانَيْهِما بِبَيانِ اتِّصالِ اليَأْسِ بِالتَّنْزِيلِ المُتَّصِلِ بِالِاسْتِبْشارِ بِشَهادَةِ إذا الفُجائِيَّةِ فَتَأمَّلْ، ( وإنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمُبْلِسِينَ) هي الفارِقَةُ، ولا ضَمِيرَ شَأْنٍ مُقَدَّرًا لِإنْ، لِأنَّهُ إنَّما يُقَدَّرُ لِلْمَفْتُوحَةِ وأمّا المَكْسُورَةُ فَيَجِبُ إهْمالُها، كَما فَصَّلَهُ في المُغْنِي، وبَعْضُ الأجِلَّةِ قالَ بِالتَّقْدِيرِ.

الروم 30:50

﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ المُتَرَتِّبَةِ عَلى تَنْزِيلِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ وأنْواعِ الثِّمارِ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ تَرَتُّبِها عَلَيْهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ «أثَرِ» بِالإفْرادِ، وفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ، وقَرَأ سَلّامٌ «إثْرَ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ ( وكَيْفَ ) مُعَلَّقٌ لِانْظُرْ، أيْ فانْظُرْ لِإحْيائِهِ تَعالى البَدِيعِ لِلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، وقالَ ابْنُ جِنِّي: عَلى الحالِيَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، أيْ مُحْيِيًا، وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ التَّنْبِيهُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ صفحة 54 وجَلَّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن أمْرِ البَعْثِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ «تُحْيِي» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ، وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ الحَرَمِيَّيْنِ ومَن مَعَهُما أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأثَرِ عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ، فَإنَّهُ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ في مَوادِّ أبْدانِهِمْ مِنَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ، كَما أنَّ إحْياءَ الأرْضِ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ القُوى النَّباتِيَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّباتُ الحادِثُ مِن أجْزاءٍ نَباتِيَّةٍ تَفَتَّتَتْ، وتَبَدَّدَتْ، واخْتَلَطَتْ بِالتُّرابِ الَّذِي فِيهِ عُرُوقُها في بَعْضِ الأعْوامِ السّالِفَةِ، فَيَكُونُ كالإحْياءِ بِعَيْنِهِ بِإعادَةِ المَوادِّ والقُوى لا بِإعادَةِ القُوى فَقَطْ، وهو احْتِمالٌ واهِي القُوى بَعِيدٌ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ المُسْلِمَ المُسْتَرْشِدَ يَعْلَمُ وُقُوعَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم لِما أنَّ نِسْبَةَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلى الكُلِّ سَواءٌ.

الروم 30:51

﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أيِ النَّباتَ المَفْهُومَ مِنَ السِّياقِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أوِ الأثَرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآثارِ، أوِ النَّباتَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِها عَلى ما قالَهُ بَعْضُهُمْ، والنَّباتُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ، وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ لِلسَّحابِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، وقِيلَ: لِلرِّيحِ، وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفانِ، كَما في البَحْرِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «مُصْفارًّا» بِألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، واللّامُ في ( لَئِنْ ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ، والفاءُ في ( فَرَأوْهُ ) فَصِيحَةٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَظَلُّوا﴾ لامُ جَوابِ القَسَمِ السّادِّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، والماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، ومَكِّيٌّ، وأبُو حَيّانَ، وغَيْرُهُمْ، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ في المَعْنى جَوابُ (إنْ)، وهو لا يَكُونُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّما قَدَّرُوا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الماضِيَ إذا كانَ مُتَمَكِّنًا مُتَصَرِّفًا ووَقَعَ جَوابًا لِلْقَسَمِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن قَدْ واللّامِ مَعًا، فالقَصْرُ عَلى اللّامِ، لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى، وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدَّرُوهُ بِمُضارِعٍ مُؤَكَّدٍ بِالنُّونِ، أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصَّفارِ، فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لَيَظَلَّنَّ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ الإرْسالِ، أوْ مِن بَعْدِ اصْفِرارِ زَرْعِهِمْ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ راجِينَ مُسْتَبْشِرِينَ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى، وفِيما ذَكَرَ مِن ذَمِّهِمْ بِعَدَمِ تَثَبُّتِهِمْ وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهم بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ما لا يَخْفى، حَيْثُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في كُلِّ حالٍ، ويَلْجَؤُوا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِغْفارِ، إذا احْتَبَسَ عَنْهُمُ المَطَرُ، ولا يَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى، ويُبادِرُوا إلى الشُّكْرِ بِالطّاعَةِ، إذا أصابَهم جَلَّ وعَلا بِرَحْمَتِهِ، ولا يُفْرِطُوا في الِاسْتِبْشارِ، وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ تَعالى إذا اعْتَرى زَرْعَهم آفَةٌ، ولا يَكْفُرُوا بِنَعْمائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَعَكَسُوا الأمْرَ، وأبَوْا ما يُجْدِيهِمْ، وأتَوْا بِما يُؤْذِيهِمْ، ولا يَخْفى ما في الآياتِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ عَلى جانِبِ العَذابِ، فَلا تَغْفُلْ.

الروم 30:52

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ لِعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ بِتَذْكِيرِكَ فَإنَّكَ إلَخْ، وفي الكَشْفِ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ كَلامٌ سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِما فُهِمَ صفحة 55 مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ [الرُّومُ: 47] الآيَةَ، لِدِلالَتِهِ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَنْتَقِمُ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَنْصُرُ مُتابِعِيهِ، فَذَكَرَ فِيهِ مِنَ البَيِّناتِ ما أُجْمِلَ هُنالِكَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، واخْتِيرَ مِنَ الأدِلَّةِ ما يَجْمَعُ الثَّلاثَةَ، وفِيهِ ما يُرْشِدُ إلى تَحْقِيقِ طَرَفَيِ الإيمانِ أعْنِي المَبْدَأ والمَعادَ، وصَرَّحَ بِكُفْرانِهِمْ بِالنِّعْمَةِ وذَمِّهِمْ في الحالاتِ الثَّلاثِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِفُهُ أهْلُ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، ويَتَخَلَّقُ بِهِ، وأُدْمِجَ فِيهِ دِلالَتُهُ عَلى المَعادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ولَمّا فَرَغَ مِن حَدِيثِ ذَمِّهِمْ بَنى عَلى هَذا المُدْمَجِ، وما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ مِن تَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ مِثْلَ هَذِهِ البَيِّناتِ الَّتِي لا أتَمَّ مِنها في الدِّلالَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ وفِيهِ أنَّهم إذًا لا مَحالَةَ مِنَ الَّذِينَ يَنْتَقِمُ مِنهُمْ، وأنَّكَ وأشْياعَكَ مِنَ المَنصُورِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اهـ، فَتَأمَّلْهُ مَعَ ما ذَكَرْنا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ خالِيَةً عَنِ الفاءِ في سُورَةِ النَّمْلِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ بَيْدَ أنّا نَذْكُرُ هُنا ما ذَكَرَهُ الأجِلَّةُ في سَماعِ المَوْتى وفاءً بِما وعَدْنا هُنالِكَ، فَنَقُولُ ومِنَ اللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ: نُقِلَ عَنِ العَلّامَةِ ابْنِ الهُمامِ أنَّهُ قالَ: أكْثَرُ مَشايِخِنا عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ اسْتِدْلالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ونَحْوِها، يَعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطِرٌ: 22]، ولِذا لَمْ يَقُولُوا بِتَلْقِينِ القَبْرِ، وقالُوا: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لا يَحْنَثُ، وحَكى السَّفارِينِيُّ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ أنَّ عائِشَةَ ذَهَبَتْ إلى نَفْيِ سَماعِ المَوْتى، ووافَقَها طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ القاضِي أبُو يَعْلى مِن أكابِرِ أصْحابِنا - يَعْنِي الحَنابِلَةَ - في كِتابِهِ الجامِعِ الكَبِيرِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ونَحْوِهِ، وذَهَبَتْ طَوائِفُ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى سَماعِهِمْ في الجُمْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّ الأكْثَرِينَ عَلى ذَلِكَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرِيِّ، وكَذا ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وغَيْرُهُ، واحْتَجُّوا بِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وظَهَرَ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ - رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِبِضْعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا، وفي رِوايَةٍ: أرْبَعٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَأُلْقُوا في طَوًى أيْ بِئْرٍ مِن أطْواءِ بَدْرٍ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ناداهُمْ: يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ألَيْسَ قَدْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا، فَإنِّي قَدْ وجَدْتُ ما وعَدَ رَبِّي حَقًّا؟ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لَها، فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ،» زادَ في رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ ««ولَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُجِيبُوا»» وبِما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ مِن مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ مَرْزُوقٍ قالَ: ««كانَتِ امْرَأةٌ بِالمَدِينَةِ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَماتَتْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَمَرَّ عَلى قَبْرِها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما هَذا القَبْرُ؟ فَقالُوا: أُمُّ مِحْجَنٍ، قالَ: الَّتِي كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَصَفَّ النّاسَ فَصَلّى عَلَيْها، فَقالَ ﷺ: أيُّ العَمَلِ وجَدْتِ أفْضَلَ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَسْمَعُ؟ قالَ: ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنها، فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها أجابَتْهُ، قَمُّ المَسْجِدِ»» وبِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَفَ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وعَلى أصْحابِهِ حِينَ رَجَعَ مِن أُحُدٍ فَقالَ: «أشْهَدُ أنَّكم أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَزُورُوهُمْ، وسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ إلّا رَدُّوا عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» وبِما أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وقالَ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُؤْمِنِ صفحة 56 كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَرَفَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ»» وبِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: ««الرُّوحُ بِيَدِ مَلَكٍ يَمْشِي بِهِ مَعَ الجِنازَةِ، يَقُولُ لَهُ: أتَسْمَعُ ما يُقالُ لَكَ؟ فَإذا بَلَغَ حُفْرَتَهُ دَفَنَهُ مَعَهُ»» وبِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عَنْهُ أصْحابُهُ أنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ»» وأجابُوا عَنِ الآيَةِ فَقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يُسْمِعُ ويَهْدِي. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ مَعْناها لا تُسْمِعُهم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى، أوْ لا تُسْمِعُهم سَماعًا يَنْفَعُهُمْ، وقَدْ يُنْفى الشَّيْءُ لِانْتِفاءِ فائِدَتِهِ وثَمَرَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ [الأعْرافُ: 279] الآيَةَ، وهَذا التَّأْوِيلُ يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ويَكُونُ نُكْتَةُ العُدُولِ عَنْ - فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا الصُّمَّ - إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ العِنايَةُ بِنَفْيِ الإسْماعِ، ويَجُوزُ أنْ لا يُعْتَبَرَ فِيهِ، ويَبْقى الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ نُكْتَةُ العُدُولِ الإشارَةَ إلى أنْ لا ( تُسْمِعُ ) في كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِمَعْنًى. وقالَ الذّاهِبُونَ إلى عَدَمِ سَماعِهِمُ: الأصْلُ عَدَمُ التَّأْوِيلِ، والتَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ إلى أنْ يَتَحَقَّقَ ما يَقْتَضِي خِلافَهُ، وأجابُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ الآخَرُونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهي مِن خَوارِقِ العادَةِ، والكَلامُ في مُوافِقِها وهو الَّذِي نُفِيَ في آيَةِ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ونَحْوِها. وفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ»» دُونَ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما يُقالُ ونَحْوِهِ مِنهُمْ، تَأْيِيدُ ما لِذَلِكَ، وحَدِيثُ أبِي الشَّيْخِ مُرْسَلٌ وحُكْمُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ مَعْرُوفٌ، عَلى أنَّ احْتِمالَ الخُصُوصِيَّةِ قائِمٌ فِيهِ أيْضًا: وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى يَعْنِي أهْلَ الطَّوى، حَتّى أسْمَعَهم قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوْبِيخًا وتَصْغِيرًا ونِقْمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا، ويُؤَيِّدُ ما أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««وقَفَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقالَ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا؟ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ ما أقُولُ»» حَيْثُ قَيَّدَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَماعَهم بِالآنَ، وإذا قُلْنا بِأنَّ المَيِّتَ يُسْألُ سَبْعَةَ أيّامٍ في قَبْرِهِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ مُنافِقًا أوْ كافِرًا، وإنَّهُ حِينَ السُّؤالِ تُعادُ إلَيْهِ رُوحُهُ، كانَ لَكَ أنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابُ أهْلِ القَلِيبِ حِينَ إعادَةِ أرْواحِهِمْ إلى أبْدانِهِمْ لِلسُّؤالِ، فَإنَّهُ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ مِن قَتْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمِّ مِحْجَنٍ كانَ وقْتَ السُّؤالِ، بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ مُضِيِّ سَبْعَةِ أيّامٍ عَلَيْها، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ سَماعُهم مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ، لِأنَّهم حِينَ سَمِعُوا أحْياءً لا مَوْتى، ويَرُدُّ عَلى هَذا «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لَها؟ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلْ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ»» ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ قَتادَةُ، لَكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أحْياهم لِي، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنْكَرَتْ ما وقَعَ في الحَدِيثِ مِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى المَقْصُودِ. فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ عائِشَةَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ: صفحة 57 وهِمَ ابْنُ عُمَرَ، إنَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وذَنْبِهِ، وإنَّ أهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ» قالَتْ: وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ عَلى القَلِيبِ، وفِيهِ قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ لَهم ما قالَ، إنَّهم لَيَسْمَعُونَ ما أقُولُ إنَّما قالَ: «إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لَهم حَقٌّ» ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ فَقالَ: عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَحْضُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَغَيْرُها مِمَّنْ حَضَرَ أحْفَظُ لِلَفْظِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ قالُوا لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُخاطِبُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا؟ فَقالَ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم». قالُوا: وإذا جازَ أنْ يَكُونُوا في تِلْكَ الحالَةِ عالِمِينَ، يَعْنِي كَما تَقُولُ عائِشَةُ جازَ أنْ يَكُونُوا سامِعِينَ اهـ، هو كَلامٌ قَوِيٌّ، ولا يَقْدَحُ عَدَمُ حُضُورِها في رِوايَتِها، لِأنَّهُ مُرْسَلُ صَحابِيٍّ، وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِمَّنْ حَضَرَهُ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ قادِحًا في رِوايَتِها لَقَدَحَ في رِوايَةِ ابْنِ عُمَرَ السّابِقَةِ، فَإنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ أيْضًا، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، فَإنَّهُ كَما عُلِمَ مِن كَلامِ السُّهَيْلِيِّ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما، وقالَ بَعْضُهم فِيما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهُما: إنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ، وإنْ سَلَّمْنا صِحَّتَهُ نَلْتَزِمُ القَوْلَ بِأنَّ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ هم مَن عَدا الشُّهَداءِ، أمّا الشُّهَداءُ فَيَسْمَعُونَ في الجُمْلَةِ لِامْتِيازِهِمْ عَلى سائِرِ المَوْتى بِما أُخْبِرَ عَنْهم مِن أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ: إنَّ عَبْدَ الحَقِّ، وإنْ قالَ إسْنادُهُ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الحافِظَ ابْنَ رَجَبٍ تَعَقَّبَهُ، وقالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ مُنْكَرٌ، وفي حَدِيثِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا: إنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ لا يَثْبُتُ المَطْلُوبُ، لِأنَّ خِطابَ المَلَكِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلرُّوحِ الَّذِي بِيَدِهِ، وهو لَيْسَ بِمَيِّتٍ، وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مِن سَماعِ العَبْدِ قَرْعَ نِعالِ أصْحابِهِ إذا دَفَنُوهُ وانْصَرَفُوا عَنْهُ، إنَّهُ إذْ ذاكَ تَعُودُ إلَيْهِ رُوحُهُ لِلسُّؤالِ، فَيَسْمَعُ، وهو حَيٌّ، والجُمْهُورُ عَلى عَوْدِ الرُّوحِ إلى الجَسَدِ، أوْ بَعْضِهِ وقْتَ السُّؤالِ، عَلى وجْهٍ لا يُحِسُّ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، ووَراءَ ذَلِكَ مَذاهِبُ، فَمَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ، وجَماعَةٍ مِنَ الكَرامِيَّةِ أنَّ السُّؤالَ في القَبْرِ عَلى البَدَنِ فَقَطْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ إدْراكًا بِحَيْثُ يَسْمَعُ ويَعْلَمُ ويَلَذُّ ويَأْلَمُ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ نَحْوُ ما قِيلَ عَلى الأوَّلِ، ومَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ، وابْنِ مَيْسَرَةَ: إنَّهُ عَلى الرُّوحِ فَقَطْ، ومَذْهَبُ أبِي الهُذَيْلِ وأتْباعِهِ أنَّ المَيِّتَ لا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ أصْلًا إلّا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، والحَقُّ أنَّ المَوْتى يَسْمَعُونَ في الجُمْلَةِ، وهَذا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، أوَّلُهُما أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في بَعْضِ أجْزاءِ المَيِّتِ قُوَّةً يَسْمَعُ بِها مَتى شاءَ اللَّهُ تَعالى السَّلامَ ونَحْوَهُ مِمّا يَشاءُ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَماعَهُ إيّاهُ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُهُ تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، وقَدِ انْحَلَّتْ مِنهُ هاتِيكَ البِنْيَةُ وانْفَصَمَتِ العُرى، ولا يَكادُ يَتَوَقَّفُ في قَبُولِ ذَلِكَ مَن يُجَوِّزُ أنْ يَرى أعْمى الصِّينِ بَقَّةَ أنْدَلُسَ، وثانِيهِما أنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّماعُ لِلرُّوحِ بِلا وساطَةِ قُوَّةٍ في البَدَنِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَسْمَعَ بَلْ أنْ تُحِسَّ وتُدْرِكَ مُطْلَقًا بَعْدَ مُفارَقَتِها البَدَنَ بِدُونِ وساطَةِ قُوًى فِيهِ، وحَيْثُ كانَ لَها عَلى الصَّحِيحِ تَعَلُّقٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالبَدَنِ كُلِّهِ أوْ بَعْضِهِ بَعْدَ المَوْتِ، وهو غَيْرُ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ الَّذِي كانَ لَها قَبْلَهُ، أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ عادَتَهُ بِتَمْكِينِها مِنَ السَّمْعِ، وخَلَقَهُ لَها عِنْدَ زِيارَةِ القَبْرِ، وكَذا عِنْدَ حَمْلِ البَدَنِ إلَيْهِ، وعِنْدَ الغُسْلِ مَثَلًا، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ والقَوْلِ بِوُجُودِ قُوَّةِ السَّمْعِ ونَحْوِهِ فِيها نَفْسِها أنْ تَسْمَعَ كُلَّ مَسْمُوعٍ لِما أنَّ السَّماعَ مُطْلَقًا، وكَذا سائِرُ صفحة 58 الإحْساساتِ، لَيْسَ إلّا تابِعًا لِلْمَشِيئَةِ، فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَيَقْتَصِرُ عَلى القَوْلِ بِسَماعِ ما ورَدَ السَّمْعُ بِسَماعِهِ مِنَ السَّلامِ ونَحْوِهِ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التِزامُ القَوْلِ بِأنَّ أرْواحَ المَوْتى مُطْلَقًا في أفْنِيَةِ القُبُورِ، لِما أنَّ مَدارَ السَّماعِ عَلَيْهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى، والتَّعَلُّقُ الَّذِي لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ وحَقِيقَتَهُ إلّا هو عَزَّ وجَلَّ، فَلْتَكُنِ الرُّوحُ حَيْثُ شاءَتْ، أوْ لا تَكُنْ في مَكانٍ كَما هو رَأْيُ مَن يَقُولُ بِتَجَرُّدِها. ويُؤْخَذُ مِن كَلامٍ ذَكَرَهُ العارِفُ ابْنُ مَرْجانَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى تَحْقِيقٌ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ لِلشَّخْصِ نَفْسًا مُبَرَّأةً مِن باطِنِ ما خُلِقَ مِنهُ الجِسْمُ، وهي رُوحُ الجِسْمِ، ورُوحًا أوْجَدَها اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن باطِنِ ما بَرَأ مِنهُ النَّفْسَ، وهي لِلنَّفْسِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ لِلْجِسْمِ، فالنَّفْسُ حِجابُها، وبَعْدَ المُفارَقَةِ في العَبْدِ المُؤْمِنِ تُجْعَلُ الحَقِيقَةُ الرُّوحانِيَّةُ عامِرَةَ العُلُوِّ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، بَلْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ العُلُوِّ في سُرُورٍ ونَعِيمٍ، وتُجْعَلُ الحَقِيقَةُ النَّفْسانِيَّةُ عامِرَةَ السُّفْلِ مِن قَبْرِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَوِّ، ولِذَلِكَ «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوسى قائِمًا يُصَلِّي في قَبْرِهِ، وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَبْلَ صُعُودِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى السَّماءِ، ولَقِيَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْدَ الصُّعُودِ في السَّماواتِ العُلا،» فَتِلْكَ أرْواحُهُما، وهَذِهِ نُفُوسُهُما، وأجْسادُهُما في قُبُورِهِما، وكَذا يُقالُ في الكافِرِ، إلّا أنَّ الحَقِيقَةَ الرُّوحانِيَّةَ لَهُ لا تَكُونُ عامِرَةَ العُلُوِّ، فَلا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ، بَلْ تَكُونُ عامِرَةَ دارِ شَقائِها، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وبَيْنَ الحَقِيقَتَيْنِ اتِّصالٌ وبِوَساطَةِ ذَلِكَ، ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ يُسْمِعُ مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ السَّلامَ، ولا يَخْتَصُّ السَّماعُ في السَّلامِ عِنْدَ الزِّيارَةِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ويَوْمَها، وبُكْرَةَ السَّبْتِ، أوْ يَوْمَ الجُمُعَةِ ويَوْمًا قَبْلَها، ويَوْمًا بَعْدَها، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ في السَّلامِ عِنْدَ الزِّيارَةِ مُطْلَقًا، فالمَيِّتُ يُسْمِعُ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ السَّلامَ عَلَيْهِ مِن زائِرِهِ في أيِّ وقْتٍ كانَ، ويُقْدِرُهُ سُبْحانَهُ عَلى رَدِّ السَّلامِ كَما صُرِّحَ في بَعْضِ الآثارِ. وما أخْرَجَهُ العُقَيْلِيُّ مِن أنَّهم يَسْمَعُونَ السَّلامَ ولا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ اسْتِطاعَةِ الرَّدِّ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأحْياءُ، وقِيلَ: رَدُّ السَّلامِ وعَدَمُهُ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ يُقْدِرُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الرَّدِّ ولا يُثابُ عَلَيْهِ لِانْقِطاعِ العَمَلِ، وشَخْصٍ آخَرَ لا يُقْدِرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وعِنْدِي أنَّ التَّعَلُّقَ أيْضًا مِمّا يَتَفاوَتُ قُوَّةً وضَعْفًا بِحَسَبِ الأشْخاصِ، بَلْ وبِحَسَبِ الأزْمانِ أيْضًا، وبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الأخْبارِ والآثارِ المُخْتَلِفَةِ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الآيَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها ونَحْوُها مِمّا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى نَفْيِ السَّماعِ، فَيُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ، فَلْيُفْهَمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الروم 30:53

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ لِعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ بِتَذْكِيرِكَ فَإنَّكَ إلَخْ، وفي الكَشْفِ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ كَلامٌ سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِما فُهِمَ صفحة 55 مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ [الرُّومُ: 47] الآيَةَ، لِدِلالَتِهِ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَنْتَقِمُ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَنْصُرُ مُتابِعِيهِ، فَذَكَرَ فِيهِ مِنَ البَيِّناتِ ما أُجْمِلَ هُنالِكَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، واخْتِيرَ مِنَ الأدِلَّةِ ما يَجْمَعُ الثَّلاثَةَ، وفِيهِ ما يُرْشِدُ إلى تَحْقِيقِ طَرَفَيِ الإيمانِ أعْنِي المَبْدَأ والمَعادَ، وصَرَّحَ بِكُفْرانِهِمْ بِالنِّعْمَةِ وذَمِّهِمْ في الحالاتِ الثَّلاثِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِفُهُ أهْلُ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، ويَتَخَلَّقُ بِهِ، وأُدْمِجَ فِيهِ دِلالَتُهُ عَلى المَعادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ولَمّا فَرَغَ مِن حَدِيثِ ذَمِّهِمْ بَنى عَلى هَذا المُدْمَجِ، وما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ مِن تَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ مِثْلَ هَذِهِ البَيِّناتِ الَّتِي لا أتَمَّ مِنها في الدِّلالَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ وفِيهِ أنَّهم إذًا لا مَحالَةَ مِنَ الَّذِينَ يَنْتَقِمُ مِنهُمْ، وأنَّكَ وأشْياعَكَ مِنَ المَنصُورِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اهـ، فَتَأمَّلْهُ مَعَ ما ذَكَرْنا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ خالِيَةً عَنِ الفاءِ في سُورَةِ النَّمْلِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ بَيْدَ أنّا نَذْكُرُ هُنا ما ذَكَرَهُ الأجِلَّةُ في سَماعِ المَوْتى وفاءً بِما وعَدْنا هُنالِكَ، فَنَقُولُ ومِنَ اللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ: نُقِلَ عَنِ العَلّامَةِ ابْنِ الهُمامِ أنَّهُ قالَ: أكْثَرُ مَشايِخِنا عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ اسْتِدْلالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ونَحْوِها، يَعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطِرٌ: 22]، ولِذا لَمْ يَقُولُوا بِتَلْقِينِ القَبْرِ، وقالُوا: لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لا يَحْنَثُ، وحَكى السَّفارِينِيُّ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ أنَّ عائِشَةَ ذَهَبَتْ إلى نَفْيِ سَماعِ المَوْتى، ووافَقَها طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ القاضِي أبُو يَعْلى مِن أكابِرِ أصْحابِنا - يَعْنِي الحَنابِلَةَ - في كِتابِهِ الجامِعِ الكَبِيرِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ونَحْوِهِ، وذَهَبَتْ طَوائِفُ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى سَماعِهِمْ في الجُمْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّ الأكْثَرِينَ عَلى ذَلِكَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرِيِّ، وكَذا ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وغَيْرُهُ، واحْتَجُّوا بِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وظَهَرَ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ - رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِبِضْعَةٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا، وفي رِوايَةٍ: أرْبَعٍ وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، فَأُلْقُوا في طَوًى أيْ بِئْرٍ مِن أطْواءِ بَدْرٍ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ناداهُمْ: يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ألَيْسَ قَدْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا، فَإنِّي قَدْ وجَدْتُ ما وعَدَ رَبِّي حَقًّا؟ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لَها، فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ،» زادَ في رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ ««ولَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُجِيبُوا»» وبِما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ مِن مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ مَرْزُوقٍ قالَ: ««كانَتِ امْرَأةٌ بِالمَدِينَةِ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَماتَتْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَمَرَّ عَلى قَبْرِها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما هَذا القَبْرُ؟ فَقالُوا: أُمُّ مِحْجَنٍ، قالَ: الَّتِي كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَصَفَّ النّاسَ فَصَلّى عَلَيْها، فَقالَ ﷺ: أيُّ العَمَلِ وجَدْتِ أفْضَلَ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَسْمَعُ؟ قالَ: ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنها، فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها أجابَتْهُ، قَمُّ المَسْجِدِ»» وبِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَفَ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وعَلى أصْحابِهِ حِينَ رَجَعَ مِن أُحُدٍ فَقالَ: «أشْهَدُ أنَّكم أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَزُورُوهُمْ، وسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ إلّا رَدُّوا عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» وبِما أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وقالَ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُؤْمِنِ صفحة 56 كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلّا عَرَفَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ»» وبِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: ««الرُّوحُ بِيَدِ مَلَكٍ يَمْشِي بِهِ مَعَ الجِنازَةِ، يَقُولُ لَهُ: أتَسْمَعُ ما يُقالُ لَكَ؟ فَإذا بَلَغَ حُفْرَتَهُ دَفَنَهُ مَعَهُ»» وبِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلّى عَنْهُ أصْحابُهُ أنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ»» وأجابُوا عَنِ الآيَةِ فَقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يُسْمِعُ ويَهْدِي. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ مَعْناها لا تُسْمِعُهم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى، أوْ لا تُسْمِعُهم سَماعًا يَنْفَعُهُمْ، وقَدْ يُنْفى الشَّيْءُ لِانْتِفاءِ فائِدَتِهِ وثَمَرَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ [الأعْرافُ: 279] الآيَةَ، وهَذا التَّأْوِيلُ يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ويَكُونُ نُكْتَةُ العُدُولِ عَنْ - فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا الصُّمَّ - إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ العِنايَةُ بِنَفْيِ الإسْماعِ، ويَجُوزُ أنْ لا يُعْتَبَرَ فِيهِ، ويَبْقى الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، ويَكُونُ نُكْتَةُ العُدُولِ الإشارَةَ إلى أنْ لا ( تُسْمِعُ ) في كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِمَعْنًى. وقالَ الذّاهِبُونَ إلى عَدَمِ سَماعِهِمُ: الأصْلُ عَدَمُ التَّأْوِيلِ، والتَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ إلى أنْ يَتَحَقَّقَ ما يَقْتَضِي خِلافَهُ، وأجابُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ الآخَرُونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهي مِن خَوارِقِ العادَةِ، والكَلامُ في مُوافِقِها وهو الَّذِي نُفِيَ في آيَةِ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ونَحْوِها. وفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ»» دُونَ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما يُقالُ ونَحْوِهِ مِنهُمْ، تَأْيِيدُ ما لِذَلِكَ، وحَدِيثُ أبِي الشَّيْخِ مُرْسَلٌ وحُكْمُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ مَعْرُوفٌ، عَلى أنَّ احْتِمالَ الخُصُوصِيَّةِ قائِمٌ فِيهِ أيْضًا: وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ قَتادَةُ: أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى يَعْنِي أهْلَ الطَّوى، حَتّى أسْمَعَهم قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوْبِيخًا وتَصْغِيرًا ونِقْمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا، ويُؤَيِّدُ ما أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««وقَفَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقالَ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا؟ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ ما أقُولُ»» حَيْثُ قَيَّدَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَماعَهم بِالآنَ، وإذا قُلْنا بِأنَّ المَيِّتَ يُسْألُ سَبْعَةَ أيّامٍ في قَبْرِهِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ مُنافِقًا أوْ كافِرًا، وإنَّهُ حِينَ السُّؤالِ تُعادُ إلَيْهِ رُوحُهُ، كانَ لَكَ أنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابُ أهْلِ القَلِيبِ حِينَ إعادَةِ أرْواحِهِمْ إلى أبْدانِهِمْ لِلسُّؤالِ، فَإنَّهُ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ مِن قَتْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمِّ مِحْجَنٍ كانَ وقْتَ السُّؤالِ، بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ مُضِيِّ سَبْعَةِ أيّامٍ عَلَيْها، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ سَماعُهم مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ، لِأنَّهم حِينَ سَمِعُوا أحْياءً لا مَوْتى، ويَرُدُّ عَلى هَذا «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما تُكَلِّمُ مِن أجْسادٍ لا أرْواحَ لَها؟ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلْ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ»» ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ قَتادَةُ، لَكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أحْياهم لِي، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنْكَرَتْ ما وقَعَ في الحَدِيثِ مِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى المَقْصُودِ. فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ عائِشَةَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ: صفحة 57 وهِمَ ابْنُ عُمَرَ، إنَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وذَنْبِهِ، وإنَّ أهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ» قالَتْ: وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ عَلى القَلِيبِ، وفِيهِ قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ لَهم ما قالَ، إنَّهم لَيَسْمَعُونَ ما أقُولُ إنَّما قالَ: «إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لَهم حَقٌّ» ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ فَقالَ: عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَحْضُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَغَيْرُها مِمَّنْ حَضَرَ أحْفَظُ لِلَفْظِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ قالُوا لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُخاطِبُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا؟ فَقالَ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم». قالُوا: وإذا جازَ أنْ يَكُونُوا في تِلْكَ الحالَةِ عالِمِينَ، يَعْنِي كَما تَقُولُ عائِشَةُ جازَ أنْ يَكُونُوا سامِعِينَ اهـ، هو كَلامٌ قَوِيٌّ، ولا يَقْدَحُ عَدَمُ حُضُورِها في رِوايَتِها، لِأنَّهُ مُرْسَلُ صَحابِيٍّ، وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِمَّنْ حَضَرَهُ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ قادِحًا في رِوايَتِها لَقَدَحَ في رِوايَةِ ابْنِ عُمَرَ السّابِقَةِ، فَإنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ أيْضًا، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، فَإنَّهُ كَما عُلِمَ مِن كَلامِ السُّهَيْلِيِّ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما، وقالَ بَعْضُهم فِيما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهُما: إنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ، وإنْ سَلَّمْنا صِحَّتَهُ نَلْتَزِمُ القَوْلَ بِأنَّ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ هم مَن عَدا الشُّهَداءِ، أمّا الشُّهَداءُ فَيَسْمَعُونَ في الجُمْلَةِ لِامْتِيازِهِمْ عَلى سائِرِ المَوْتى بِما أُخْبِرَ عَنْهم مِن أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ: إنَّ عَبْدَ الحَقِّ، وإنْ قالَ إسْنادُهُ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الحافِظَ ابْنَ رَجَبٍ تَعَقَّبَهُ، وقالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ مُنْكَرٌ، وفي حَدِيثِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا: إنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ لا يَثْبُتُ المَطْلُوبُ، لِأنَّ خِطابَ المَلَكِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلرُّوحِ الَّذِي بِيَدِهِ، وهو لَيْسَ بِمَيِّتٍ، وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مِن سَماعِ العَبْدِ قَرْعَ نِعالِ أصْحابِهِ إذا دَفَنُوهُ وانْصَرَفُوا عَنْهُ، إنَّهُ إذْ ذاكَ تَعُودُ إلَيْهِ رُوحُهُ لِلسُّؤالِ، فَيَسْمَعُ، وهو حَيٌّ، والجُمْهُورُ عَلى عَوْدِ الرُّوحِ إلى الجَسَدِ، أوْ بَعْضِهِ وقْتَ السُّؤالِ، عَلى وجْهٍ لا يُحِسُّ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، ووَراءَ ذَلِكَ مَذاهِبُ، فَمَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ، وجَماعَةٍ مِنَ الكَرامِيَّةِ أنَّ السُّؤالَ في القَبْرِ عَلى البَدَنِ فَقَطْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ إدْراكًا بِحَيْثُ يَسْمَعُ ويَعْلَمُ ويَلَذُّ ويَأْلَمُ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ نَحْوُ ما قِيلَ عَلى الأوَّلِ، ومَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ، وابْنِ مَيْسَرَةَ: إنَّهُ عَلى الرُّوحِ فَقَطْ، ومَذْهَبُ أبِي الهُذَيْلِ وأتْباعِهِ أنَّ المَيِّتَ لا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ أصْلًا إلّا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، والحَقُّ أنَّ المَوْتى يَسْمَعُونَ في الجُمْلَةِ، وهَذا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، أوَّلُهُما أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في بَعْضِ أجْزاءِ المَيِّتِ قُوَّةً يَسْمَعُ بِها مَتى شاءَ اللَّهُ تَعالى السَّلامَ ونَحْوَهُ مِمّا يَشاءُ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَماعَهُ إيّاهُ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُهُ تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، وقَدِ انْحَلَّتْ مِنهُ هاتِيكَ البِنْيَةُ وانْفَصَمَتِ العُرى، ولا يَكادُ يَتَوَقَّفُ في قَبُولِ ذَلِكَ مَن يُجَوِّزُ أنْ يَرى أعْمى الصِّينِ بَقَّةَ أنْدَلُسَ، وثانِيهِما أنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّماعُ لِلرُّوحِ بِلا وساطَةِ قُوَّةٍ في البَدَنِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَسْمَعَ بَلْ أنْ تُحِسَّ وتُدْرِكَ مُطْلَقًا بَعْدَ مُفارَقَتِها البَدَنَ بِدُونِ وساطَةِ قُوًى فِيهِ، وحَيْثُ كانَ لَها عَلى الصَّحِيحِ تَعَلُّقٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالبَدَنِ كُلِّهِ أوْ بَعْضِهِ بَعْدَ المَوْتِ، وهو غَيْرُ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ الَّذِي كانَ لَها قَبْلَهُ، أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ عادَتَهُ بِتَمْكِينِها مِنَ السَّمْعِ، وخَلَقَهُ لَها عِنْدَ زِيارَةِ القَبْرِ، وكَذا عِنْدَ حَمْلِ البَدَنِ إلَيْهِ، وعِنْدَ الغُسْلِ مَثَلًا، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ والقَوْلِ بِوُجُودِ قُوَّةِ السَّمْعِ ونَحْوِهِ فِيها نَفْسِها أنْ تَسْمَعَ كُلَّ مَسْمُوعٍ لِما أنَّ السَّماعَ مُطْلَقًا، وكَذا سائِرُ صفحة 58 الإحْساساتِ، لَيْسَ إلّا تابِعًا لِلْمَشِيئَةِ، فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَيَقْتَصِرُ عَلى القَوْلِ بِسَماعِ ما ورَدَ السَّمْعُ بِسَماعِهِ مِنَ السَّلامِ ونَحْوِهِ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التِزامُ القَوْلِ بِأنَّ أرْواحَ المَوْتى مُطْلَقًا في أفْنِيَةِ القُبُورِ، لِما أنَّ مَدارَ السَّماعِ عَلَيْهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى، والتَّعَلُّقُ الَّذِي لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ وحَقِيقَتَهُ إلّا هو عَزَّ وجَلَّ، فَلْتَكُنِ الرُّوحُ حَيْثُ شاءَتْ، أوْ لا تَكُنْ في مَكانٍ كَما هو رَأْيُ مَن يَقُولُ بِتَجَرُّدِها. ويُؤْخَذُ مِن كَلامٍ ذَكَرَهُ العارِفُ ابْنُ مَرْجانَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى تَحْقِيقٌ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ لِلشَّخْصِ نَفْسًا مُبَرَّأةً مِن باطِنِ ما خُلِقَ مِنهُ الجِسْمُ، وهي رُوحُ الجِسْمِ، ورُوحًا أوْجَدَها اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن باطِنِ ما بَرَأ مِنهُ النَّفْسَ، وهي لِلنَّفْسِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ لِلْجِسْمِ، فالنَّفْسُ حِجابُها، وبَعْدَ المُفارَقَةِ في العَبْدِ المُؤْمِنِ تُجْعَلُ الحَقِيقَةُ الرُّوحانِيَّةُ عامِرَةَ العُلُوِّ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، بَلْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ العُلُوِّ في سُرُورٍ ونَعِيمٍ، وتُجْعَلُ الحَقِيقَةُ النَّفْسانِيَّةُ عامِرَةَ السُّفْلِ مِن قَبْرِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَوِّ، ولِذَلِكَ «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوسى قائِمًا يُصَلِّي في قَبْرِهِ، وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَبْلَ صُعُودِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى السَّماءِ، ولَقِيَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْدَ الصُّعُودِ في السَّماواتِ العُلا،» فَتِلْكَ أرْواحُهُما، وهَذِهِ نُفُوسُهُما، وأجْسادُهُما في قُبُورِهِما، وكَذا يُقالُ في الكافِرِ، إلّا أنَّ الحَقِيقَةَ الرُّوحانِيَّةَ لَهُ لا تَكُونُ عامِرَةَ العُلُوِّ، فَلا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ، بَلْ تَكُونُ عامِرَةَ دارِ شَقائِها، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وبَيْنَ الحَقِيقَتَيْنِ اتِّصالٌ وبِوَساطَةِ ذَلِكَ، ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ يُسْمِعُ مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ السَّلامَ، ولا يَخْتَصُّ السَّماعُ في السَّلامِ عِنْدَ الزِّيارَةِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ويَوْمَها، وبُكْرَةَ السَّبْتِ، أوْ يَوْمَ الجُمُعَةِ ويَوْمًا قَبْلَها، ويَوْمًا بَعْدَها، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ في السَّلامِ عِنْدَ الزِّيارَةِ مُطْلَقًا، فالمَيِّتُ يُسْمِعُ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ السَّلامَ عَلَيْهِ مِن زائِرِهِ في أيِّ وقْتٍ كانَ، ويُقْدِرُهُ سُبْحانَهُ عَلى رَدِّ السَّلامِ كَما صُرِّحَ في بَعْضِ الآثارِ. وما أخْرَجَهُ العُقَيْلِيُّ مِن أنَّهم يَسْمَعُونَ السَّلامَ ولا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ اسْتِطاعَةِ الرَّدِّ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأحْياءُ، وقِيلَ: رَدُّ السَّلامِ وعَدَمُهُ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ يُقْدِرُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الرَّدِّ ولا يُثابُ عَلَيْهِ لِانْقِطاعِ العَمَلِ، وشَخْصٍ آخَرَ لا يُقْدِرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وعِنْدِي أنَّ التَّعَلُّقَ أيْضًا مِمّا يَتَفاوَتُ قُوَّةً وضَعْفًا بِحَسَبِ الأشْخاصِ، بَلْ وبِحَسَبِ الأزْمانِ أيْضًا، وبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الأخْبارِ والآثارِ المُخْتَلِفَةِ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الآيَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها ونَحْوُها مِمّا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى نَفْيِ السَّماعِ، فَيُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ، فَلْيُفْهَمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الروم 30:54

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيِ ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ، وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّساءُ: 28]، فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الضَّعْفِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَ بِالأساسِ والمادَّةِ، وفي إدْخالِ (مِن) عَلَيْهِ تَخْيِيلٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الضَّعْفِ الضَّعِيفُ بِإطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً، أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِهِ، أوْ يُرادُ مِن ذِي ضَعْفٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ النُّطْفَةُ أيِ اللَّهُ تَعالى الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ، وهو النُّطْفَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ( مِن ماءٍ مَهِينٍ ) [السَّجْدَةُ: 8، المُرْسَلاتُ: 20]، وهَذا التَّفْسِيرُ وإنْ كانَ مَأْثُورًا عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى وأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِكُمُ الحُلُمَ، أوْ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِأبْدانِكُمْ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنَّ، والمُرادُ بِالضَّعْفِ هُنا ابْتِداؤُهُ، ولِذا أخَّرَ الشَّيْبَ عَنْهُ، أوِ الأعَمُّ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( شَيْبَةً ) لِلْبَيانِ، أوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ تَغْيِيرِ قُواهم وظَواهِرِهِمْ، وفَتَحَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ضادَ «ضَعْفٍ» في الجَمْعِ وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبِي رَجاءٍ. صفحة 59 وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّها فِيهِ، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ في ذَلِكَ، كَما في الفَقْرِ والفُقْرِ، الفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ، ولِذا اخْتارَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِراءَةَ الضَّمِّ، كَما ورَدَ حَدِيثٌ رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، وغَيْرُهم «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: (قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ )، أيْ بِالفَتْحِ، فَقالَ: ( مِن ضُعْفٍ )، يا بُنَيَّ)، أيْ بِالضَّمِّ». لِأنَّها لُغَةُ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يَقْصِدْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ رَدَّ القِراءَةِ الأُخْرى، لِأنَّها ثابِتَةٌ بِالوَحْيِ أيْضًا، كالقِراءَةِ الَّتِي اخْتارَها، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ الضَّمُّ أيْضًا، وعَنْهُ أيْضًا الضَّمُّ في الأوَّلَيْنِ، والفَتْحُ في الأخِيرِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والجَحْدَرِيِّ، والضَّحّاكِ الضَّمُّ في الأوَّلِ، والفَتْحُ فِيما بَعْدُ. وقَرَأ عِيسى بِضَمِّ الضّادِ والعَيْنِ، وهي لُغَةٌ أيْضًا فِيهِ. وحُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ الضُّعْفَ بِالضَّمِّ ما كانَ في البَدَنِ، والضَّعْفَ بِالفَتْحِ ما كانَ في العَقْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَضْمُومِ والمَفْتُوحِ، وكَوْنِهُما مِمّا يُوصَفُ بِهِ البَدَنُ والعَقْلُ، والمُرادُ بِضَعْفِ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ، ونُكِّرَ لِمُشاكَلَةِ ( قُوَّةٍ )، وبِالأخِيرِ غَيْرُهُ، فَإنَّهُ ضَعْفُ الشَّيْخُوخَةِ، وذاكَ ضَعْفُ الطُّفُولِيَّةِ، والمُرادُ (بِقُوَّةٍ) الثّانِيَةِ عَيْنُ الأُولى، ونُكِّرَتْ لِمُشاكَلَةِ ( ضَعْفًا )، وحَدِيثُ النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَتْ كانَتْ غَيْرَ أغْلَبِيٌّ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَحْصِيلِ المُغايَرَةِ فِيما نُكِّرَ وكُرِّرَ في الآيَةِ فَتَدَبَّرْ، ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ خَلْقَهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الضَّعْفِ والقُوَّةِ والشَّيْبَةِ، وخَلْقُها إمّا بِمَعْنى خَلْقِ أسْبابِها أوْ مَحالِّها، وإمّا إيجادُها أنْفُسِها، وهو الظّاهِرُ، ولا داعِيَ لِلتَّأْوِيلِ، فَإنَّها لَيْسَتْ بِعَدَمِ صَرْفٍ، ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَإنَّ التَّرْدِيدَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ مِن أوْضَحِ دَلائِلِ العِلْمِ والقُدْرَةِ.

الروم 30:55

﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً، وصارَتْ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، والكَوْكَبِ لِلزُّهَرَةِ، والمُرادُ بِقِيامِها وُجُودُها، أوْ قِيامُ الخَلائِقِ فِيها، ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا﴾ أيْ ما أقامُوا في القُبُورِ كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، والمُرادُ بِهِ ما أقامُوا بَعْدَ المَوْتِ ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ قِطْعَةٍ مِنَ الزَّمانِ قَلِيلَةٍ، ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم يَعْنُونَ: ما لَبِثُوا في الدُّنْيا كَذَلِكَ، وقِيلَ: يَعْنُونَ ما لَبِثُوا فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ، وهو ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قِيلَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قالَ: أبَيْتُ، قِيلَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ، قِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قالَ: أبَيْتُ»» وعَنى بِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أبَيْتُ: امْتَنَعْتُ مِن بَيانِ ذَلِكَ لَكُمْ، أوْ أبَيْتُ أنْ أسْألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، ولِهَذا الحَدِيثِ قِيلَ: لا يُعْلَمُ أهِيَ أرْبَعُونَ سَنَةً؟ أمْ أرْبَعُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟ وحَكى السَّفارِينِيُّ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ دَعْوى اتِّفاقِ الرِّواياتِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ عامًا، وأنا أقُولُ: الحَقُّ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ودَعْوى الِاتِّفاقِ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَيْها. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ذَلِكَ وقْتٌ يَنْقَطِعُ عَذابُهم فِيهِ، واسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَذِبًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أوْ نِسْيانًا لِما عَراهم مِن هَوْلِ المَطْلَعِ عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِقْلالُهم تِلْكَ المُدَّةَ بِالإضافَةِ إلى مُدَّةِ عَذابِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ولا يَبْعُدُ عِلْمُهم بِها سَواءٌ كانَ هَذا القَوْلُ في أوَّلِ وقْتِ الحَشْرِ، أوْ في أثْنائِهِ، أوْ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا عَدُّوا مُدَّةَ بَقائِهِمْ في الدُّنْيا ساعَةً لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها، والكَثِيرُ بِلا نَفْعٍ قَلِيلٌ، كَما أنَّ القَلِيلَ مَعَ النَّفْعِ كَثِيرٌ صفحة 60 فالكَلامُ تَأسُّفٌ وتَحَسُّرٌ عَلى إضاعَتِهِمْ أيّامَ حَياتِهِمْ، وبَيْنَ (السّاعَةُ)، (وساعَةٍ) جِناسٌ تامٌّ مُماثِلٌ، كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ البُلَغاءُ إلّا مَن لا يَعْتَدُّ بِهِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ اخْتِلافَ الحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ، ولا وُجُودُ (ألْ) في إحْدى الكَلِمَتَيْنِ لِزِيادَتِها عَلى الكَلِمَةِ، وكَذا لا يَضُرُّ اتِّحادُ مَدْلُولِهِما في الأصْلِ لِأنَّ المُعَرَّفَ فِيهِ كالمُنَكَّرِ بِمَعْنى القِطْعَةِ مِنَ الزَّمانِ لِمَكانِ النَّقْلِ في المُعَرَّفِ وصَيْرُورَتِهِ عَلَمًا عَلى القِيامَةِ، كَسائِرِ الأعْلامِ المَنقُولَةِ، وأخْذُ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ لا يَضُرُّ أيْضًا، كَما يُوَضِّحُ ذَلِكَ ما قَرَّرُوهُ في جِناسِ الِاشْتِقاقِ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّ السّاعَةَ في القِيامَةِ مَجازٌ، ولِذا أُنْكِرَ التَّجْنِيسُ هُنا، إذِ التَّجْنِيسُ المَذْكُورُ لا يَكُونُ بَيْنَ حَقِيقَةٍ ومَجازٍ، فَلا تَجْنِيسَ في نَحْوِ: رَكِبْتُ حِمارًا، ولَقِيتُ حِمارًا مَعَهُما، تَعْنِي رَجُلًا بَلِيدًا، واشْتُهِرَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ هَذا النَّوْعُ مِنَ الجِناسِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، واسْتَنْبَطَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مَوْضِعًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ [النُّورُ: 43، 44]، لِأنَّ الأبْصارَ الأوَّلَ جَمْعُ بَصَرٍ، والأبْصارَ الثّانِيَ مُرادٌ بِهِ ما هو جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ الأبْصارُ الثّانِي مُرادٌ بِهِ ما هو جَمْعُ بَصِيرَةٍ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ الحَقِيقَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ البَصِيرَةَ ما تُجْمَعُ عَلى أبْصارٍ، بَلْ عَلى بَصائِرَ، فَقَدْ قالَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ صِيغَةَ أفْعالٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، لا تَطَّرِدُ إلّا في اسْمٍ ثُلاثِيٍّ مَفْتُوحِ الفاءِ كَبَصَرٍ وأبْصارٍ، أوْ مَكْسُورِها كَعِنَبٍ وأعْنابٍ، أوْ مَضْمُومِها كَرُطَبٍ وأرْطابٍ، ساكِنِ العَيْنِ، كَثَوْبٍ وأثْوابٍ، أوْ مُحَرَّكِها، كَما تَقَدَّمَ، وكَعَضُدٍ وأعْضادٍ وفَخِذٍ وأفْخاذٍ، وصِيغَةُ فَعائِلَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ لا تَطَّرِدُ إلّا في اسْمٍ رُباعِيٍّ مُؤَنَّثٍ بِالتّاءِ، أوْ بِالمَعْنى ثالِثُهُ مَدَّةٌ كَسَحابَةٍ وسَحائِبَ، وبَصِيرَةٍ وبَصائِرَ، وحَلُوبَةٍ وحَلائِبَ، وشِمالٍ وشَمائِلَ، وعَجُوزٍ وعَجائِزَ، وسَعِيدٍ عَلَمِ امْرَأةٍ وسَعائِدَ، فاسْتُعِيرَتِ الأبْصارُ لِلْبَصائِرِ بِجامِعِ ما بَيْنَهُما مِنَ الإدْراكِ، والتَّمْيِيزِ، وقَدْ سَمِعْتُ أنَّ هَذا النَّوْعَ لا يَكُونُ بَيْنَ حَقِيقَةٍ ومَجازٍ، فَلْيُحْفَظْ، ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ، ﴿كانُوا﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يُصْرَفُونَ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ، والغَرَضُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الإغْراقُ في وصْفِ المُجْرِمِينَ بِالتَّمادِي في التَّكْذِيبِ والإصْرارِ عَلى الباطِلِ، أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ كانُوا يُؤْفَكُونَ في الِاغْتِرارِ بِما تَبَيَّنَ لَهُمُ الآنَ أنَّهُ ما كانَ إلّا ساعَةً، فَسَوْقُ الكَلامِ لِلتَّعَجُّبِ مِنِ اغْتِرارِهِمْ بِلامِعِ السَّرابِ، والغَرَضُ أنْ يُحَقِّرَ عِنْدَهم ما فِيهِ مِنَ التَّمَتُّعاتِ وزَخارِفِ الدُّنْيا كَيْ يُقْلِعُوا عَنِ العِنادِ ويَرْجِعُوا إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فَكَأنَّهُ: قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الشَّأْنِ كانُوا يُؤْفَكُونَ في الدُّنْيا اغْتِرارًا بِما عَدَّدَهُ ساعَةً اسْتِقْصارًا، والصّارِفُ لَهم هو اللَّهُ تَعالى أوِ الشَّيْطانُ أوِ الهَوى، وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ ذاكَ إلّا لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وخَباثَةِ اسْتِعْدادِهِمْ، وفي الآيَةِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الكَذِبِ في الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ. واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

الروم 30:56

﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَلائِكَةِ أوِ الإنْسِ أوْ مِنهُما جَمِيعًا، ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ ما كَتَبَهُ وعَيَّنَهُ سُبْحانَهُ أوِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 100]، وأيًّا ما كانَ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، إنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والأصْلُ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ في كِتابِ اللَّهِ لَقَدْ لَبِثْتُمْ، ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ والكَلامُ رَدٌّ لِما قالُوهُ، مُؤَكَّدٌ بِاليَمِينِ، أوْ تَوْبِيخٌ، وتَفْضِيحٌ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ فَتَأمَّلْ، ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدُّنْيا، والفاءُ فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُنْكِرِينَ البَعْثَ فَهَذا يَوْمُهُ، أيْ فَنُخْبِرُكم أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ إنْكارِكم صفحة 61 وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً، والتَّعْقِيبُ ذِكْرى أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، ﴿ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ لِتَفْرِيطِكم في النَّظَرِ، فَتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، وقِيلَ: لا تَعْلَمُونَ البَعْثَ ولا تَعْتَرِفُونَ بِهِ، فَلِذا صارَ مَصِيرُكم إلى النّارِ. وقَرَأ الحَسَنُ «البَعَثِ» بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، وقُرِئَ بِكَسْرِهِما، وهو اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ، وفي الآيَةِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى فَضْلِ العُلَماءِ ما لا يَخْفى.

الروم 30:57

﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ مِن إقْسامِ الكُفّارِ وقَوْلِ أُولِي العِلْمِ لَهم لا ﴿يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ عُذْرُهم. وقَرَأ الأكْثَرُ «تَنْفَعُ» بِالتّاءِ مُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ الأمْرِ لِلَّفْظِ، وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما فاصِلٌ، ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الِاسْتِعْتابُ طَلَبُ العُتْبى، وهي الِاسْمُ مِنَ الإعْتابِ، بِمَعْنى إزالَةِ العَتَبِ كالعَطاءِ والِاسْتِعْطاءِ، أيْ لا يُطْلَبُ مِنهم إزالَةُ عَتَبِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ بِهِ غَضَبُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ والطّاعَةِ، فَإنَّهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: أيْ لا يُقالُ: أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ وطاعَةٍ كَما كانَ يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الدُّنْيا، وقِيلَ: أيْ لا يَسْتَقِيلُونَ فَيُسْتَقالُونَ بِرَدِّهِمْ إلى الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ بِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ ولا يُعْطَوْنَ عُتْبى وهي الرِّضا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ بِمَعْنى يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويَسْتَمْلِكُ، والبابُ في اسْتَفْعَلَ أنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ، ولَيْسَ هَذا مِنهُ، لِأنَّ المَعْنى يَفْسَدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ ولا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى انْتَهى، فَجَعَلَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ. وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ عَلى ما في البَحْرِ: هم مِنَ الإهْمالِ، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَهَّلُ لِلْعَتَبِ، وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ: هم لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ بَلْ يُعاقَبُونَ، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، ويا لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ ما ادَّعاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ الفَسادِ، إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ لا يُطْلَبُ مِنهم عُتْبى عَلى ما سَمِعْتَ.

الروم 30:58

﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ وصَفْنا لِلنّاسِ مِن كُلِّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها، وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ صِفَةٍ عَجِيبَةِ الشَّأْنِ، كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهُمْ، وما لا يَنْفَعُ مِنَ اعْتِذارِهِمْ، ولا يُسْمَعُ مِنَ اسْتِعْتابِهِمْ، فَضَرْبُ المَثَلِ اتِّخاذُهُ وصُنْعُهُ مِن ضَرْبِ الخاتَمِ واللَّبِنِ. والمَثَلُ مَجازٌ عَنِ الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ، والمُرادُ بِهَذا القُرْآنِ إمّا هَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ أوِ المَجْمُوعُ، وهو الظّاهِرُ، ( ومِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ، وجُوِّزَتِ الزِّيادَةُ وقِيلَ: المَعْنى وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ بَيَّنّا لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ يُنَبِّؤُهم عَنِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، وصِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَضَرَبَ بِمَعْنى بَيَّنَ والمَثَلُ عَلى أصْلِهِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الدَّلِيلِ العَجِيبِ، والقُرْآنُ بِمَعْنى المَجْمُوعِ، ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ مَعَ ضَرْبِنا لَهم مِن كُلِّ مَثَلٍ في هَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ، لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِهِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِفَرْطِ عُتُوِّهِمْ، وعِنادِهِمْ، وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ مُخاطِبِينَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ مُزَوِّرُونَ، وجُوِّزَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المُعْجِزَةِ، أيْ لَئِنْ جِئْتَهم بِمُعْجِزَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ دُونَ الضَّمِيرِ لِبَيانِ السَّبَبِ الحامِلِ عَلى القَوْلِ المَذْكُورِ، وإذا أُرِيدَ بِالنّاسِ ما يَعُمُّ الكَفَرَةَ وغَيْرَهُمْ، فَوَجْهُ الإظْهارِ ظاهِرٌ، وتَوْحِيدُ الخِطابِ في ( جِئْتَهم ) عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وأمّا جَمْعُهُ في قَوْلِهِمْ: ( إنْ أنْتُمْ )، فَلِئَلّا يَبْقى بِزَعْمِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ صفحة 62 والسَّلامُ شاهِدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ جَعَلُوا الكُلَّ مُدَّعِينَ، وقالَ الإمامُ: في تَوْحِيدِ الخِطابِ في ( جِئْتَهم ) وجَمْعِهِ في ( أنْتُمْ ) لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: إنْ جِئْتَهم بِكُلِّ آيَةٍ جاءَتْ بِها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُمْكِنُ أنْ يُجاءَ بِها يَقُولُوا: أنْتُمْ كُلُّكم أيُّها المُدَّعُونَ لِلرِّسالَةِ مُبْطِلُونَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرْناهُ أحْسَنُ وألْطَفُ.

الروم 30:59

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ ﴿يَطْبَعُ﴾ أيْ يَخْتِمُ، ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، وعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ ﴿عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ، ولا يَتَحَرَّوْنَ الحَقَّ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها، وتُرَّهاتٍ ابْتَدَعُوها، فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ، ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ، ومِن هُنا قالُوا: هو شَرٌّ مِنَ الجَهْلِ البَسِيطِ، وما ألْطَفَ ما قِيلَ: قالَ حِمارُ الحَكِيمِ تُوما لَوْ أنْصَفُونِي لَكُنْتُ أرْكَبُ لِأنَّنِي جاهِلٌ بَسِيطٌ ∗∗∗ وصاحِبِي جاهِلٌ مُرَكَّبُ وإطْلاقُ العِلْمِ عَلى الطَّلَبِ مَجازٌ لِما أنَّهُ لازِمٌ لَهُ عادَةً، وقِيلَ: المَعْنى يَطْبَعُ اللَّهُ تَعالى عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِن أُولِي العِلْمِ، ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَكُونُ قَدْ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا، ويَدْخُلُ فِيهِ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ يَمِيلُ إلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في طَبْعِهِ وخَتْمِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى القَلْبِ.

الروم 30:60

﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ إذا عَلِمْتَ حالَهُمْ، وطَبَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى قُلُوبِهِمْ فاصْبِرْ عَلى مَكارِهِهِمْ مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ والأفْعالِ السَّيِّئَةِ، ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وقَدْ وعَدَكَ عَزَّ وجَلَّ بِالنُّصْرَةِ وإظْهارِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، ولا بُدَّ مِن إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ لا مَحالَةَ، ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ، ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بِما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّنَةِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاها، وإيذائِهِمْ لَكَ بِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ فَإنَّهم شاكُّونَ ضالُّونَ ولا يُسْتَبْدَعُ أمْثالُ ذَلِكَ مِنهُمْ، وقِيلَ: أيْ لا يُوقِنُونَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وهو كَما تَرى، والحَمْلُ وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكِنَّ النَّهْيَ راجِعٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَهو مِن بابِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَخِفَّ لَهم جَزَعًا، وفي الآيَةِ مِن إرْشادِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْلِيمِهِ سُبْحانَهُ لَهُ كَيْفَ يَتَلَقّى المَكارِهَ بِصَدْرٍ رَحِيبٍ ما لا يَخْفى. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: «ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ» بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والمَعْنى لا يَفْتِنَنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ، ويَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مَن فَتَنَ أحَدًا اسْتَمالَهُ إلَيْهِ حَتّى يَكُونَ أحَقَّ بِهِ مِن غَيْرِهِ، والنَّهْيُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ راجِعٌ إلى أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَكانِ العِصْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُ ذَلِكَ، وما لِلْعُلَماءِ مِنَ الكَلامِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وخَفَّفَها ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، ومِن لَطِيفِ ما يُرْوى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ الخَوارِجِ ناداهُ وهو في صَلاةِ الفَجْرِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِن الخاسِرِينَ﴾ فَأجابَهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو في الصَّلاةِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ صفحة 63 حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ولا بِدْعَ في هَذا الجَوابِ مِن بابِ مَدِينَةِ العِلْمِ وأخِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى آخِرِهِ، قِيلَ: الألِفُ إشارَةٌ إلى أُلْفَةِ طَبْعِ المُؤْمِنِينَ، واللّامُ إلى لُؤْمِ طَبْعِ الكافِرِينَ، والمِيمُ إلى مَغْفِرَةِ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ شَأْنُهُ، والرُّومُ إشارَةٌ إلى القَلْبِ، وفارِسُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالضَّمِيرِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ إشارَةٌ إلى النَّفْسِ، والمُؤْمِنُونَ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ والسِّرِّ والعَقْلِ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حالَ أهْلِ الطَّلَبِ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأوْقاتِ فَيَغْلِبُ فارِسُ النَّفْسُ رُومَ القَلْبِ تارَةً، ويَغْلِبُ رُومُ القَلْبُ فارِسَ النَّفْسَ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَصْرِهِ سُبْحانَهُ تارَةً أُخْرى، وذَلِكَ في بِضْعِ سِنِينَ أيّامِ الطَّلَبِ، ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ الرُّوحُ والسِّرُّ والعَقْلُ، وعَلى هَذا المِنهاجِ سَلَكَ النَّيْسابُورِيُّ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى حالِ المَحْجُوبِينَ ووُقُوفِهِمْ عَلى ظَواهِرِ الأشْياءِ، وما مِن شَيْءٍ إلّا لَهُ ظاهِرٌ، وهو ما تُدْرِكُهُ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ مِنهُ، وباطِنٌ وهو ما يُدْرِكُهُ العَقْلُ بِإحْدى طُرُقِ الإدْراكِ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ فِيهِ، ومِنهُ ما هو وراءَ طَوْرِ العَقْلِ، وهو ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ الفَيْضِ الإلَهِيِّ وتَهْذِيبِ النَّفْسِ أتَمَّ تَهْذِيبٍ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُسْتَنْبَطاتِ العَقْلِ إلّا أنَّ العَقْلَ يَقْبَلُهُ، ولَيْسَ مَعْنى أنَّهُ ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ أنَّ العَقْلَ يُحِيلُهُ ولا يَقْبَلُهُ كَما يُتَوَهَّمُ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّ الباطِنَ لا يَجِبُ أنْ يُتَوَصَّلَ إلَيْهِ بِالظّاهِرِ، بَلْ قَدْ يُحَصَّلُ لا بِواسِطَتِهِ، وذَلِكَ أعْلى قَدْرًا مِن حُصُولِهِ بِها، فَقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلى الباطِنِ إلّا بِالعُبُورِ عَلى الظّاهِرِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أيْ يُسَرُّونَ بِالسَّماعِ في رَوْضَةِ الشُّهُودِ، وذَلِكَ غِذاءُ أرْواحِهِمْ ونَعِيمُها، وأعْلى أنْواعِ السَّماعِ في هَذِهِ النَّشْأةِ عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ ما يَكُونُ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِالأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، والأسْماعِ المَلَكُوتِيَّةِ، وهَذِهِ الأسْماعُ لَمْ يُفارِقْها سَماعُ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعْرافُ: 172]، واشْتُهِرَ عِنْدَهُمُ السَّماعُ في سَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ، وسَماعِ الأشْياءِ المُحَرِّكَةِ لِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ مِنَ الخَوْفِ، والرَّجاءِ، والحُبِّ، والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ كَسَماعِ القُرْآنِ، والوَعْظِ، والدُّفِّ، والشَّبّابَةِ، والأوْتارِ، والمِزْمارِ، والحُداءِ، والنَّشِيدِ، وفي ذَلِكَ المَمْدُوحُ والمَذْمُومُ. وفي قَواعِدِ عِزِّ الدِّينِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ الكُبْرى تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلَخْ، فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي اسْتِغْراقُ الأوْقاتِ في تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والثَّناءِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا بِما هو سُبْحانَهُ وتَعالى أهْلُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ رَوْضَةُ هَذِهِ النَّشْأةِ، وفي الأثَرِ: «(أنَّ حِلَقَ الذِّكْرِ رِياضُ الجَنَّةِ)،» ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفَرْعَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كَأصْلِهِ: إنَّما الوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ ولا يَنْبُتُ النَّرْجِسُ إلّا مِن بَصَلِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الجِنْسِيَّةِ مِن أسْبابِ الأُلْفَةِ، إنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُكْرِهْ أحَدًا عَلى ما هو عَلَيْهِ، إنْ حَقًّا، وإنْ باطِلًا، وإنَّما وقَعَ التَّعاشُقُ بَيْنَ النُّفُوسِ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِها، وما هي عَلَيْهِ، فَأعْطى سُبْحانَهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ كُلَّ عاشِقٍ مَعْشُوقَهُ الَّذِي هامَ بِهِ قَلْبُ اسْتِعْدادِهِ، وصارَ حُبُّهُ مِلْءَ فُؤادِهِ، وهَذا صفحة 64 سِرُّ الفَرَحِ، وما ألْطَفَ ما قالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَها قَبْلَ خَلْقِنا ∗∗∗ ومِن قَبْلِ ما كُنّا نِطافًا وفي المَهْدِ فَزادَ كَما زِدْنا فَأصْبَحَ نامِيًا ∗∗∗ ولَيْسَ إذا مُتْنا بِمُنْفَصِمِ العِقْدِ ولَكِنَّهُ باقٍ عَلى كُلِّ حادِثٍ ∗∗∗ وزائِرُنا في ظُلْمَةِ القَبْرِ واللَّحْدِ ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ الآيَةُ فِيها إشارَةٌ إلى أنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ مَمْزُوجَةٌ مِن هِدايَةِ الرُّوحِ وإطاعَتِها، ومِن ضَلالِ النَّفْسِ وعِصْيانِها، فالنّاسُ إذا أظَلَّتْهُمُ المِحْنَةُ ونالَتْهُمُ الفِتْنَةُ ومَسَّتْهُمُ البَلِيَّةُ وانْكَسَرَتْ نُفُوسُهم وسَكَنَتْ دَواعِيها وتَخَصَّلَتْ أرْواحُهم عَنْ أسْرِ ظُلْمَةِ شَهَواتِها رَجَعَتْ أرْواحُهم إلى الحَضْرَةِ ووافَقَتْها النُّفُوسُ عَلى خِلافِ طِباعِها، فَدَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَإذا جادَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِكَشْفِ ما نالَهُمْ، ونَظَرَ جَلَّ وعَلا بِاللُّطْفِ فِيما أصابَهُمْ، عادَ مِنهم مَن تَمَرَّدَ إلى عادَتِهِ المَذْمُومَةِ وطَبِيعَتِهِ الدَّنِيَّةِ المَشْئُومَةِ، ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ إلَخْ، فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الشُّرُورَ لَيْسَتْ مُرادَّةً لِذاتِها، بَلْ هي كَبَطِّ الجُرْحِ وقَطْعِ الأُصْبُعِ الَّتِي فِيها آكِلَةٌ، ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ لِأهْلِ الوِراثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ أهْلِ الإرْشادِ بِأنْ يَصْبِرُوا عَلى مَكارِهِ المُنْكِرِينَ المَحْجُوبِينَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِصِدْقِ أحْوالِهِمْ، ولِذا يَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ، ويَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ بِنَظَرِ الحَقارَةِ، ويُعَيِّرُونَهم ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ، فِيما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا مِنَ المُوقِنِينَ، وأنْ يَحْفَظَنا وأوْلادَنا وإخْوانَنا مِنَ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ الأمِينِ صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

لقمان 31:1

سُورَةُ لُقْمانَ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لُقْمانَ بِمَكَّةَ، ولا اسْتِثْناءَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ. وفي رِوايَةِ النَّحّاسِ في تارِيخِهِ عَنْهُ اسْتِثْناءُ ثَلاثِ آياتٍ مِنها، وهِيَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لُقْمانُ: 27]، إلى تَمامِ الثَّلاثِ، فَإنَّها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا هاجَرَ قالَ لَهُ أحْبارُ اليَهُودِ: بَلَغَنا أنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسْراءُ: 85]، أعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟ قالَ: كَلّا عَنَيْتُ، فَقالُوا: إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّنا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، فَأنْزَلَ الآياتِ». ونَقَلَ الدّانِيُّ عَنْ عَطاءٍ، وأبُو حَيّانَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ هُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، وقِيلَ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [لُقْمانُ: 4]، فَإنَّ إيجابَهُما بِالمَدِينَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، فَما ذُكِرَ مِن أنَّ إيجابَها بِالمَدِينَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي كَوْنُهم مَأْمُورِينَ بِها بِمَكَّةَ، ولَوْ نَدْبًا فَلا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فِيها، نَعَمِ المَشْهُورُ أنَّ الزَّكاةَ إيجابُها بِالمَدِينَةِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ القائِلَ أرادَ أنَّ إيجابَهُما مَعًا تَحَقَّقَ بِالمَدِينَةِ لا أنَّ إيجابَ كُلٍّ مِنهُما تَحَقَّقَ فِيها، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّكاةَ إيجابُها كانَ بِمَكَّةَ كالصَّلاةِ، وتَقْدِيرُ الأنْصِباءِ هو الَّذِي كانَ بِالمَدِينَةِ، وعَلَيْهِ لا تَقْرِيبَ فِيهِما، وآيُها ثَلاثٌ وثَلاثُونَ في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ في عَدَدِ الباقِينَ. صفحة 65 وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما في البَحْرِ: أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ عَنْ قِصَّةِ لُقْمانَ مَعَ ابْنِهِ وعَنْ بِرِّ والِدَيْهِ، فَنَزَلَتْ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما فِيهِ أيْضًا أنَّهُ قالَ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الرُّومُ: 58]، وأشارَ إلى ذَلِكَ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ كانَ في آخِرِ ما قَبْلَها ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ )،﴾ [الرُّومُ: 58]، وفِيها: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لُقْمانُ: 7]، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ظَهَرَ لِي في اتِّصالِها بِما قَبْلَها مَعَ المُؤاخاةِ في الِافْتِتاحِ – بِـ (الم ) إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لُقْمانُ: 3-4] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومُ: 56]، الآيَةَ، فَهَذا عَيْنُ إيقانِهِمْ بِالآخِرَةِ، وهُمُ المُحْسِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ، وأيْضًا فَفي كِلْتا السُّورَتَيْنِ جُمْلَةٌ مِنَ الآياتِ وابْتِداءِ الخَلْقِ. وذَكَرَ في السّابِقَةِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الرُّومُ: 15]، وقَدْ فُسِّرَ بِالسَّماعِ، وذَكَرَ هُنا: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لُقْمانُ: 6]، وقَدْ فُسِّرَ بِالغِناءِ وآلاتِ المَلاهِي اهـ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ، وأقُولُ في الِاتِّصالِ أيْضًا: إنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومُ: 27]، وهُنا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لُقْمانُ: 28]، وكِلاهُما يُفِيدُ سُهُولَةَ البَعْثِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الرُّومُ: 33]، وقالَ عَزَّ وجَلَّ هُنا: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لُقْمانُ: 32]، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ قِسْمًا لَمْ يَذْكُرْهُ في الأُخْرى إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وما ألْطَفَ هَذا الِاتِّصالَ مِن حَيْثُ إنَّ السُّورَةَ الأُولى ذَكَرَ فِيها مَغْلُوبِيَّةَ الرُّومِ وغَلَبَتَهُمُ المَبْنِيَّتَيْنِ عَلى المُحارَبَةِ بَيْنَ مَلِكَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا تَحارَبا عَلَيْها، وخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ مُقْتَضى الحِكْمَةِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يُحارِبُ عَلى دُنْيا دَنِيَّةٍ لا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ، وهَذِهِ ذُكِرَ فِيها قِصَّةُ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ حَكِيمٍ زاهِدٍ في الدُّنْيا غَيْرِ مُكْتَرِثٍ بِها، ولا مُلْتَفِتٍ إلَيْها، أوْصى ابْنَهُ بِما يَأْبى المُحارَبَةَ، ويَقْتَضِي الصَّبْرَ والمُسالَمَةَ، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّقابُلِ ما لا يَخْفى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )، ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ أيْ ذِي الحِكْمَةِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المَغارِبَةِ مَجازٌ، لِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ لِلتَّمَلُّكِ، وهو لا يَمْلِكُ الحِكْمَةَ بَلْ يَشْتَمِلُ عَلَيْها، ويَتَضَمَّنُها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ وُصِفَ بِالحَكِيمِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، واسْتَظْهَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. والحَقُّ أنَّهُ مِن بابِ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةُ: 21]، عَلى حَدِّ لابِنٍ وتامِرٍ. نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ أيِ النّاطِقُ بِالحِكْمَةِ كالحَيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ مِن صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ووَصْفُ الكِتابِ بِهِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، فَإنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ بَدا، وقَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ بِصِفَةِ مَبْدَئِهِ كَما في قَوْلِ الأعْشى: وغَرِيبَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها وأنْ يَكُونَ الأصْلُ الحَكِيمُ مُنَزِّلَهُ أوْ قائِلَهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ صفحة 66 فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ اسْتَسْكَنَ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وأنْ يَكُونَ ( الحَكِيمُ ) فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعَلٍ كَما قالُوا: عَقَدْتُ العَسَلَ فَهو عَقِيدٌ أيْ مُعْقَدٍ، وهَذا قَلِيلٌ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى حاكِمٍ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى نَظِيرِها.

لقمان 31:2

سُورَةُ لُقْمانَ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لُقْمانَ بِمَكَّةَ، ولا اسْتِثْناءَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ. وفي رِوايَةِ النَّحّاسِ في تارِيخِهِ عَنْهُ اسْتِثْناءُ ثَلاثِ آياتٍ مِنها، وهِيَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لُقْمانُ: 27]، إلى تَمامِ الثَّلاثِ، فَإنَّها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا هاجَرَ قالَ لَهُ أحْبارُ اليَهُودِ: بَلَغَنا أنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسْراءُ: 85]، أعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟ قالَ: كَلّا عَنَيْتُ، فَقالُوا: إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّنا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، فَأنْزَلَ الآياتِ». ونَقَلَ الدّانِيُّ عَنْ عَطاءٍ، وأبُو حَيّانَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ هُما ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، وقِيلَ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [لُقْمانُ: 4]، فَإنَّ إيجابَهُما بِالمَدِينَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، فَما ذُكِرَ مِن أنَّ إيجابَها بِالمَدِينَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي كَوْنُهم مَأْمُورِينَ بِها بِمَكَّةَ، ولَوْ نَدْبًا فَلا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فِيها، نَعَمِ المَشْهُورُ أنَّ الزَّكاةَ إيجابُها بِالمَدِينَةِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ القائِلَ أرادَ أنَّ إيجابَهُما مَعًا تَحَقَّقَ بِالمَدِينَةِ لا أنَّ إيجابَ كُلٍّ مِنهُما تَحَقَّقَ فِيها، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّكاةَ إيجابُها كانَ بِمَكَّةَ كالصَّلاةِ، وتَقْدِيرُ الأنْصِباءِ هو الَّذِي كانَ بِالمَدِينَةِ، وعَلَيْهِ لا تَقْرِيبَ فِيهِما، وآيُها ثَلاثٌ وثَلاثُونَ في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ في عَدَدِ الباقِينَ. صفحة 65 وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما في البَحْرِ: أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ عَنْ قِصَّةِ لُقْمانَ مَعَ ابْنِهِ وعَنْ بِرِّ والِدَيْهِ، فَنَزَلَتْ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما فِيهِ أيْضًا أنَّهُ قالَ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الرُّومُ: 58]، وأشارَ إلى ذَلِكَ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ كانَ في آخِرِ ما قَبْلَها ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ )،﴾ [الرُّومُ: 58]، وفِيها: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لُقْمانُ: 7]، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ظَهَرَ لِي في اتِّصالِها بِما قَبْلَها مَعَ المُؤاخاةِ في الِافْتِتاحِ – بِـ (الم ) إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لُقْمانُ: 3-4] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومُ: 56]، الآيَةَ، فَهَذا عَيْنُ إيقانِهِمْ بِالآخِرَةِ، وهُمُ المُحْسِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ، وأيْضًا فَفي كِلْتا السُّورَتَيْنِ جُمْلَةٌ مِنَ الآياتِ وابْتِداءِ الخَلْقِ. وذَكَرَ في السّابِقَةِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الرُّومُ: 15]، وقَدْ فُسِّرَ بِالسَّماعِ، وذَكَرَ هُنا: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لُقْمانُ: 6]، وقَدْ فُسِّرَ بِالغِناءِ وآلاتِ المَلاهِي اهـ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ، وأقُولُ في الِاتِّصالِ أيْضًا: إنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومُ: 27]، وهُنا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لُقْمانُ: 28]، وكِلاهُما يُفِيدُ سُهُولَةَ البَعْثِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الرُّومُ: 33]، وقالَ عَزَّ وجَلَّ هُنا: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لُقْمانُ: 32]، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ قِسْمًا لَمْ يَذْكُرْهُ في الأُخْرى إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وما ألْطَفَ هَذا الِاتِّصالَ مِن حَيْثُ إنَّ السُّورَةَ الأُولى ذَكَرَ فِيها مَغْلُوبِيَّةَ الرُّومِ وغَلَبَتَهُمُ المَبْنِيَّتَيْنِ عَلى المُحارَبَةِ بَيْنَ مَلِكَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا تَحارَبا عَلَيْها، وخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ مُقْتَضى الحِكْمَةِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يُحارِبُ عَلى دُنْيا دَنِيَّةٍ لا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ، وهَذِهِ ذُكِرَ فِيها قِصَّةُ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ حَكِيمٍ زاهِدٍ في الدُّنْيا غَيْرِ مُكْتَرِثٍ بِها، ولا مُلْتَفِتٍ إلَيْها، أوْصى ابْنَهُ بِما يَأْبى المُحارَبَةَ، ويَقْتَضِي الصَّبْرَ والمُسالَمَةَ، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّقابُلِ ما لا يَخْفى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )، ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ أيْ ذِي الحِكْمَةِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المَغارِبَةِ مَجازٌ، لِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ لِلتَّمَلُّكِ، وهو لا يَمْلِكُ الحِكْمَةَ بَلْ يَشْتَمِلُ عَلَيْها، ويَتَضَمَّنُها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ وُصِفَ بِالحَكِيمِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، واسْتَظْهَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. والحَقُّ أنَّهُ مِن بابِ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةُ: 21]، عَلى حَدِّ لابِنٍ وتامِرٍ. نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ أيِ النّاطِقُ بِالحِكْمَةِ كالحَيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ مِن صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ووَصْفُ الكِتابِ بِهِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، فَإنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ بَدا، وقَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ بِصِفَةِ مَبْدَئِهِ كَما في قَوْلِ الأعْشى: وغَرِيبَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها وأنْ يَكُونَ الأصْلُ الحَكِيمُ مُنَزِّلَهُ أوْ قائِلَهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ صفحة 66 فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ اسْتَسْكَنَ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وأنْ يَكُونَ ( الحَكِيمُ ) فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعَلٍ كَما قالُوا: عَقَدْتُ العَسَلَ فَهو عَقِيدٌ أيْ مُعْقَدٍ، وهَذا قَلِيلٌ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى حاكِمٍ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى نَظِيرِها.

لقمان 31:3

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن (آياتُ)، والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ وبَحَثَ فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، والزَّعْفَرانِيُّ، وطَلْحَةُ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ أبِي الفَضْلِ الواسِطِيِّ، ونَظِيفٍ بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ – لِتِلْكَ - عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هِيَ، أوْ هو هُدًى ورَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ )،﴾ أيِ العامِلِينَ الحَسَناتِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمُتَعاطِفَيْنِ.

لقمان 31:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كاشِفَةٌ، أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ، وإمّا مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى القَطْعِ، وعَلى كُلٍّ فَهو تَفْسِيرٌ (لِلْمُحْسِنِينَ) عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ سَألَ عَنِ الألْمَعِيِّ فَأنْشَدَهُ، ولَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالحَسَناتِ مَشاهِيرُها المَعْهُودَةُ في الدِّينِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ ما يَحْسُنُ مِنَ الأعْمالِ، فَلا يَظْهَرُ إلّا بِاعْتِبارِ جَعْلِ المَذْكُوراتِ بِمَنزِلَةِ الجَمِيعِ مِن بابِ «كُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفِرا»، وقِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالحَسَناتِ المَذْكُوراتُ يَكُونُ المَوْصُولُ صِفَةً كاشِفَةً.

لقمان 31:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ اسْتِئْنافًا، وإذا أُرِيدَ بِها جَمِيعُ ما يَحْسُنُ مِنَ الأعْمالِ، وكانَ تَخْصِيصُ المَذْكُوراتِ بِالذِّكْرِ لِفَضْلِ اعْتِدادٍ بِها يَكُونُ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ( أُولَئِكَ عَلى هُدىً ) إلَخْ، خَبَرَهُ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ الصِّفَةِ المُوجِبَةِ لِلِاسْتِهْلالِ. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ صِفَةٌ إلّا أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ كاشِفَةٌ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْوَصْفِ لا لِلْمَوْصُوفِ، وبِناءُ ( يُوقِنُونَ ) عَلى ( هم ) لِلتَّقْوى، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ كَوْنِ ( بِالآخِرَةِ ) خَبَرًا وجَبْرًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهِ، ولَمْ يُؤَخَّرِ الفاصِلُ لِلْفاصِلَةِ. وذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى أوَّلَ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إنَّ بِناءَ ( يُوقِنُونَ ) عَلى ( هم ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُقابِلِيهِمْ لَيْسُوا مِنَ اليَقِينِ في ظِلٍّ ولا فَيْءٍ، وأنَّ تَقْدِيمَ «فِي الآخِرَةِ» يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَلَيْهِ مُقابِلُوهم لَيْسَ مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ، وذَلِكَ لِإفادَةِ تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ وتَقْدِيمِ الجارِّ عَلى مُتَعَلِّقِهِ الِاخْتِصاصَ، فانْظُرْ هَلْ يَتَسَنّى نَحْوُ ذَلِكَ هُنا، وقَدْ مَرَّ أوَّلَ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ اخْتِيارِ اسْمِ الإشارَةِ، ووَجْهُ تَكْرارِهِ، وفي الآيَةِ كَلامٌ بَعْدُ لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الكَلامِ عَلى ما يُشْبِهُها هُناكَ وتَأمَّلَ فَراجِعْ وتَأمَّلْ.

لقمان 31:6

﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيْ بَعْضٍ مِنَ النّاسِ، أوْ بَعْضُ النّاسِ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ أيِ الَّذِي أوْ فَرِيقٌ يَشْتَرِي عَلى أنَّ مَناطَ الإفادَةِ والمَقْصُودَ بِالأصالَةِ هو اتِّصافُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ لا كَوْنُهم ذَواتَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: مِنَ النّاسِ هادٍ مَهْدِيٌّ، ومِنهم ضالٌّ مُضِلٌّ، أوْ عَطَفَ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ، وقِيلَ: إنَّها حالٌ مِن فاعِلِ الإشارَةِ أيْ أُشِيرَ إلى آياتِ الكِتابِ حالَ كَوْنِها هُدًى ورَحْمَةً صفحة 67 والحالُ مِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي إلَخْ، ( ولَهْوَ الحَدِيثِ ) عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ كُلُّ ما شَغَلَكَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِهِ مِنَ السَّمَرِ والأضاحِيكِ والخُرافاتِ والغِناءِ ونَحْوِها، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، إنْ أُرِيدَ بِالحَدِيثِ المُنْكَرُ، كَما في حَدِيثِ: ««الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ»» بِناءً عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ وتَبْعِيضِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ، بِناءً عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النُّحاةِ كابْنِ كَيْسانَ، والسِّيرافِيِّ قالُوا: إضافَةُ ما هو جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بِها في كَلامِهِمْ، والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ، وذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السِّراجِ، والفارِسِيُّ وهو الأصَحُّ أنَّها عَلى مَعْنى اللّامِ كَما فَصَّلَهُ أبُو حَيّانَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وذَكَرَهُ شارِحُ اللُّمَعِ. وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الشِّرْكُ، وقِيلَ: السِّحْرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي الصَّهْباءِ، قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ وبِهِ فَسَّرَ كَثِيرٌ، والأحْسَنُ تَفْسِيرُهُ بِما يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، كَما ذَكَرْناهُ عَنِ الحَسَنِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ( لَهْوُ الحَدِيثِ ) هو الغِناءُ، وأشْباهُهُ، وعَلى جَمِيعِ ذَلِكَ يَكُونُ الِاشْتِراءُ اسْتِعارَةٌ لِاخْتِيارِهِ عَلى القُرْآنِ واسْتِبْدالِهِ بِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ آدَمُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ فِيهِ: هو اشْتِراؤُهُ المُغَنِّيَ والمُغَنِّيَةَ والِاسْتِماعُ إلَيْهِ، وإلى مِثْلِهِ مِنَ الباطِلِ، وفي رِوايَةٍ ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ هو رَجُلٌ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّيهِ لَيْلًا أوْ نَهارًا، واشْتُهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَفي رِوايَةِ جُوَيْبِرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ اشْتَرى قَيْنَةً فَكانَ لا يَسْمَعُ بِأحَدٍ يُرِيدُ الإسْلامَ إلّا انْطَلَقَ بِهِ إلى قَيْنَتِهِ، فَيَقُولُ: أطْعِمِيهِ واسْقِيهِ وغَنِّيهِ، ويَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا يَدْعُوكَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وأنْ تُقاتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَزَلَتْ». وفِي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ: «أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ تاجِرًا إلى فارِسَ فَيَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: كُتُبَ الأعاجِمِ، فَيَرْوِيها، ويُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ، وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ، وإسْفَنْدَيارَ، وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ اشْتَرى جارِيَةً تُغَنِّي بِالسَّبِّ، ولا يَأْبى نُزُولَها فِيمَن ذَكَرَ الجَمْعَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ: ( أُولَئِكَ لَهم ) كَما لا يَخْفى عَلى الفَطِنِ، والِاشْتِراءُ عَلى أكْثَرِ هَذِهِ الرِّواياتِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويَحْتاجُ في بَعْضِها إلى عُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ، وجَعَلَ المُغَنِّيَةَ ونَحْوَها نَفْسَ لَهْوِ الحَدِيثِ مُبالَغَةً كَما جَعَلَ النِّساءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 14] نَفْسَ الزِّينَةِ. وفِي البَحْرِ: إنْ أُرِيدَ بِلَهْوِ الحَدِيثِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الشِّراءُ كالجَوارِي المُغَنِّياتِ وكَكُتُبِ الأعاجِمِ، فالِاشْتِراءُ حَقِيقَةٌ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَن يَشْتَرِي ذاتَ لَهْوِ الحَدِيثِ. وقالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ذاتٍ، لِأنَّهُ لَمّا اشْتُرِيَتِ المُغَنِّيَةُ لِغِنائِها، فَكَأنَّ المُشْتَرى هو الغِناءُ نَفْسُهُ، فَتَدَبَّرْهُ، وفي الآيَةِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ذَمٌّ لِلْغِناءِ بِأعْلى صَوْتٍ، وقَدْ تَضافَرَتِ الآثارُ وكَلِماتُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأخْيارِ عَلى ذَمِّهِ مُطْلَقًا، لا في مَقامٍ دُونَ مَقامٍ، فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، في شُعَبِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا رَكِبَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ ولَمْ يُسَمِّ رَدِفَهُ شَيْطانٌ، فَقالَ: تَغَنَّهْ، فَإنْ كانَ لا يُحْسِنُ، قالَ: تَمَنَّهْ، وأخْرَجا أيْضًا عَنْ صفحة 68 الشَّعْبِيِّ قالَ: عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سَألَ عَنِ الغِناءِ فَقالَ لِلسّائِلِ: أنْهاكَ عَنْهُ وأكْرَهُهُ لَكَ، فَقالَ السّائِلُ: أحَرامٌ هُوَ؟ قالَ: انْظُرْ يا ابْنَ أخِي إذا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى الحَقَّ مِنَ الباطِلِ في أيِّهِما يَجْعَلُ سُبْحانَهُ الغَناءَ؟ وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ تَعالى المُغَنِّيَ والمُغَنّى لَهُ»، وفي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ»،» وأخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، ورَواهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ، وعَنْ أنَسٍ وضَعَّفَهُ ابْنُ القَطّانِ، وقالَ النَّوَوِيُّ: لا يَصِحُّ، وقالَ العِراقِيُّ: رَفْعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ في إسْنادِهِ مَن لَمْ يُسَمَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ وقْفَهُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ صَحِيحٌ، وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ، إذْ مِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عُثْمانَ اللَّيْثِيِّ قالَ: قالَ يَزِيدُ بْنُ الوَلِيدِ النّاقِصُ: (يا بَنِي أُمَيَّةَ، إيّاكم والغِناءَ، فَإنَّهُ يَنْقُصُ الحَياءَ ويَزِيدُ في الشَّهْوَةِ، ويَهْدِمُ المُرُوءَةَ، وإنَّهُ لَيَنُوبُ عَنِ الخَمْرِ، ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ السُّكْرُ، فَإنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّساءَ فَإنَّ الغِناءَ داعِيَةُ الزِّنا)، وقالَ الضَّحّاكُ: الغِناءُ مَنفَدَةٌ لِلْمالِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ، مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»» وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها ثُمَّ قَرَأ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾» ويَعُودُ هَذا ونَحْوُهُ إلى ذَمِّ الغِناءِ. وقِيلَ: الغِناءُ جاسُوسُ القَلْبِ وسارِقُ المُرُوءَةِ والعُقُولِ، يَتَغَلْغَلُ في سُوَيْداءِ القُلُوبِ ويَطَّلِعُ عَلى سَرائِرِ الأفْئِدَةِ، ويَدِبُّ إلى بَيْتِ التَّخْيِيلِ فَيَنْشُرُ ما غُرِزَ فِيها مِنَ الهَوى، والشَّهْوَةِ، والسَّخافَةِ، والرُّعُونَةِ، فَبَيْنَما تَرى الرَّجُلَ وعَلَيْهِ سَمْتُ الوَقارِ، وبَهاءُ العَقْلِ، وبَهْجَةُ الإيمانِ، ووَقارُ العِلْمِ، كَلامُهُ حِكْمَةٌ، وسُكُوتُهُ عِبْرَةٌ فَإذا سَمِعَ الغِناءَ نَقَصَ عَقْلُهُ وحَياؤُهُ، وذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ وبَهاؤُهُ، فَيَسْتَحْسِنُ ما كانَ قَبْلَ السَّماعِ يَسْتَقْبِحُهُ، ويُبْدِي مِن أسْرارِهِ ما كانَ يَكْتُمُهُ، ويَنْتَقِلُ مِن بَهاءِ السُّكُوتِ والسُّكُونِ إلى كَثْرَةِ الكَلامِ، والهَذَيانِ، والِاهْتِزازِ، كَأنَّهُ جانٌّ، ورُبَّما صَفَّقَ بِيَدَيْهِ ودَقَّ الأرْضَ بِرِجْلَيْهِ، وهَكَذا تَفْعَلُ الخَمْرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِهِ، فَحَكى تَحْرِيمَهُ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ، والقُرْطُبِيُّ، والماوَرْدِيُّ، والقاضِي عِياضٌ. وفِي التّاتارِخانِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّ التَّغَنِّيَ حَرامٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ، وذُكِرَ في الزِّياداتِ أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْمُغَنِّينَ والمُغَنِّياتِ مِمّا هو مَعْصِيَةٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وحُكِيَ عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ المِرْغِينانِيِّ: أنَّهُ قالَ: مَن قالَ لِمُقْرِئِ زَمانِنا: أحْسَنْتَ عِنْدَ قِراءَتِهِ كَفَرَ. وصاحِبا الهِدايَةِ والذَّخِيرَةِ سَمَّياهُ كَبِيرَةً. هَذا في التَّغَنِّي لِلنّاسِ في غَيْرِ الأعْيادِ والأعْراسِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَغَنِّي صُوفِيَّةِ زَمانِنا في المَساجِدِ والدَّعَواتِ بِالأشْعارِ والأذْكارِ مَعَ اخْتِلاطِ أهْلِ الأهْواءِ، والمُرادُ بَلْ هَذا أشَدُّ مِن كُلِّ تَغَنٍّ، لِأنَّهُ مَعَ اعْتِقادِ العِبادَةِ، وأمّا التَّغَنِّي وحْدَهُ بِالأشْعارِ لِدَفْعِ الوَحْشَةِ، أوْ في الأعْيادِ والأعْراسِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، والصَّوابُ مَنعُهُ مُطْلَقًا في هَذا الزَّمانِ انْتَهى. وفِي الدُّرِّ المُخْتارِ التَّغَنِّي لِنَفْسِهِ لِدَفْعِ الوَحْشَةِ لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ العامَّةِ عَلى ما في العِنايَةِ، وصَحَّحَهُ صفحة 69 العَيْنِيُّ، وغَيْرُهُ. قالَ: ولَوْ فِيهِ وعْظٌ وحِكْمَةٌ فَجائِزٌ اتِّفاقًا، ومِنهم مَن أجازَهُ في العُرْسِ، كَما جازَ ضَرْبُ الدُّفِّ فِيهِ، ومِنهم مَن أباحَهُ مُطْلَقًا، ومِنهم مَن كَرِهَهُ مُطْلَقًا انْتَهى. وفي البَحْرِ: والمَذْهَبُ حُرْمَتُهُ مُطْلَقًا، فانْقَطَعَ الِاخْتِلافُ بَلْ ظاهِرُ الهِدايَةِ أنَّهُ كَبِيرَةٌ، ولَوْ لِنَفْسِهِ، وأقَرَّهُ المُصَنِّفُ، وقالَ: ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ مَن يَسْمَعُ الغِناءَ، أوْ يَجْلِسُ مَجْلِسَهُ انْتَهى كَلامُ الدُّرِّ. وذَكَرَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الطَّرَسُوسِيُّ في كِتابِهِ في تَحْرِيمِ السَّماعِ أنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ يَكْرَهُ الغِناءَ ويَجْعَلُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وكَذَلِكَ مَذْهَبُ أهْلِ الكُوفَةِ سُفْيانَ، وحَمّادٍ، وإبْراهِيمَ، والشَّعْبِيِّ، وغَيْرِهِمْ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ البَصْرَةِ في كَراهَةِ ذَلِكَ، والمَنعِ مِنهُ انْتَهى، وكَأنَّ مُرادَهُ بِالكَراهَةِ الحُرْمَةُ، والمُتَقَدِّمُونَ كَثِيرًا ما يُرِيدُونَ بِالمَكْرُوهِ الحَرامَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسْراءُ: 38]، ونَقَلَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِيهِ أيْضًا عَنِ الإمامِ مالِكٍ أنَّهُ نَهى عَنِ الغِناءِ، وعَنِ اسْتِماعِهِ، وقالَ: إذا اشْتَرى جارِيَةً فَوَجَدَها مُغَنِّيَةً فَلَهُ أنْ يَرُدَّها بِالعَيْبِ، وإنَّهُ سُئِلَ: ما تَرَخَّصَ فِيهِ أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الغِناءِ؟ فَقالَ: إنَّما يَفْعَلُهُ عِنْدَنا الفُسّاقُ؟ ونُقِلَ التَّحْرِيمُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الحَنابِلَةِ عَلى ما حَكاهُ شارِحُ المُقْنِعِ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِ (البُلْغَةِ) أنَّ أكْثَرَ أصْحابِهِمْ عَلى التَّحْرِيمِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبِي عَنِ الغِناءِ؟ فَقالَ: يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يُعْجِبُنِي، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مالِكٍ: إنَّما يَفْعَلُهُ عِنْدَنا الفُسّاقُ، وقالَ المُحاسِبِيُّ في رِسالَةِ الإنْشاءِ: الغِناءُ حَرامٌ كالمَيْتَةِ، ونَقَلَ الطَّرَسُوسِيُّ أيْضًا عَنْ كِتابِ أدَبِ القَضاءِ أنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ الغِناءَ لَهْوٌ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الباطِلَ، والمُحالُ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنهُ، فَهو سَفِيهٌ تُرَدُّ شَهادَتُهُ، وفِيهِ: أنَّهُ صَرَّحَ أصْحابُهُ العارِفُونَ بِمَذْهَبِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وأنْكَرُوا عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ حِلَّهُ، كالقاضِي أبِي الطَّيِّبِ، والطَّبَرِيِّ، والشَّيْخِ أبِي إسْحاقَ في التَّنْبِيهِ، وذَكَرَ بَعْضُ تَلامِذَةِ البَغَوِيِّ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ التَّقْرِيبَ: أنَّ الغِناءَ حَرامٌ فِعْلُهُ وسَماعُهُ، وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاواهُ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ: فَإذَنْ هَذا السَّماعُ حَرامٌ بِإجْماعِ أهْلِ الحِلِّ والعَقْدِ مِنَ المُسْلِمِينَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْتُهُ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ لِلْفاضِلِ المُناوِيِّ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ أنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ أمْنِ الفِتْنَةِ، وفي المِنهاجِ يُكْرَهُ الغِناءُ بِلا آلَةٍ، قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: لِما صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَكَرَ الحَدِيثَ السّابِقَ المَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وإنَّهُ جاءَ مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بَيَّنَها في كِتابِهِ (كَفُّ الرِّعاعِ عَنْ مُحَرَّماتِ اللَّهْوِ والسَّماعِ)، ثُمَّ قالَ: وزَعَمَ أنَّهُ لا دِلالَةَ فِيهِ عَلى كَراهَتِهِ، لِأنَّ بَعْضَ المُباحَ كَلُبْسِ الثِّيابِ الجَمِيلَةِ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، ولَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، يُرَدُّ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا يُنْبِتُ نِفاقًا أصْلًا، ولَئِنْ سَلَّمْناهُ فالنِّفاقُ مُخْتَلِفٌ، فالنِّفاقُ الَّذِي يُنْبِتُهُ الغِناءُ مِنَ التَّخَنُّثِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أقْبَحُ وأشْنَعُ، كَما لا يَخْفى، ثُمَّ قالَ: وقَدْ جَزَمَ الشَّيْخانِ يَعْنِي النَّوَوِيَّ والرّافِعِيَّ في مَوْضِعٍ بِأنَّهُ مَعْصِيَةٌ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلى ما فِيهِ وصْفٌ نَحْوُ خَمْرٍ، أوْ تَشَبُّبٍ بِأمْرَدَ، أوْ أجْنَبِيَّةٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ غالِبًا عَلى مَعْصِيَةٍ، قالَ الأذْرُعِيُّ: أمّا ما اعْتِيدَ عِنْدَ مُحاوَلَةِ عَمَلٍ، وحَمْلِ ثَقِيلٍ، كَحُداءِ الأعْرابِ لِإبِلِهِمْ، والنِّساءِ لِتَسْكِينِ صِغارِهِنَّ، فَلا شَكَّ في جَوازِهِ، بَلْ رُبَّما يُنْدَبُ إذا نَشَّطَ عَلى سَيْرٍ، أوْ رَغَّبَ في خَيْرٍ، كَ الحُداءِ في الحَجِّ والغَزْوِ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما جاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ انْتَهى، وقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ: بِلا آلَةٍ، حُرْمَتُهُ مَعَ الآلَةِ، قالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَكِنَّ القِياسَ تَحْرِيمُ الآلَةِ فَقَطْ، وبَقاءُ الغِناءِ عَلى الكَراهَةِ انْتَهى. صفحة 70 ومِثْلُ الِاخْتِلافِ في الغِناءِ الِاخْتِلافُ في السَّماعِ، فَأباحَهُ قَوْمٌ كَما أباحُوا الغِناءَ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ««دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بِغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ عَلى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ» - وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ - «تَسَجّى بِثَوْبِهِ، ودَخَلَ أبُو بَكْرٍ فانْتَهَرَنِي وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: دَعْهُما، فَلَمّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُما، فَخَرَجَتا، وكانَ يَوْمَ عِيدٍ»» الحَدِيثَ. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ هُناكَ غِناءً، أوْ سَماعًا، وقَدْ أنْكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْكارَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى جَوازِ سَماعِ الرَّجُلِ صَوْتَ الجارِيَةِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمِعَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلى أبِي بَكْرٍ سَماعَهُ، بَلْ أنْكَرَ إنْكارَهُ، وقَدِ اسْتَمَرَّتا تُغَنِّيانِ إلى أنْ أشارَتْ إلَيْهِما عائِشَةُ بِالخُرُوجِ. وإنْكارُ أبِي بَكْرٍ عَلى ابْنَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ لِظَنِّ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فَوَجَدَهُ مُغَطًّى بِثَوْبِهِ، فَظَنَّهُ نائِمًا. وفي فَتْحِ البارِي اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى إباحَةِ الغِناءِ وسَماعِهِ بِآلَةٍ وبِغَيْرِ آلَةٍ. ويَكْفِي في رَدِّ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا بُعَيْدَهُ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: ««دَخْلَ عَلَيَّ أبُو بَكْرٍ وعِنْدِي جارِيَتانِ مِن جَوارِي الأنْصارِ تُغَنِّيانِ بِما تَقاوَلَتِ الأنْصارُ يَوْمَ بُعاثَ، قالَتْ: ولَيْسَتا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أبِمَزامِيرِ الشَّيْطانِ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وذَلِكَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا أبا بَكْرٍ، إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهَذا عِيدُنا»» فَنَفَتْ فِيهِ عَنْهُما مِن طَرِيقِ المَعْنى ما أثْبَتَتْهُ لَهُما بِاللَّفْظِ، لِأنَّ الغِناءَ يُطْلَقُ عَلى رَفْعِ الصَّوْتِ، وعَلى التَّرَنُّمِ الَّذِي تُسَمِّيهِ العَرَبُ النَّصْبَ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُهْمَلَةِ، وعَلى الحُداءِ، ولا يُسَمّى فاعِلُهُ مُغَنِّيًا، وإنَّما يُسَمّى بِذَلِكَ مَن يُنْشِدُ بِتَمْطِيطٍ، وتَكْسِيرٍ، وتَهْيِيجٍ، وتَشْوِيقٍ بِما فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالفَواحِشِ أوْ تَصْرِيحٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَوْلُها «لَيْسَتا بِمُغَنِّيَتَيْنِ» أيْ لَيْسَتا مِمَّنْ يَعْرِفُ الغِناءَ كَما تَعْرِفُهُ المُغَنِّياتُ المَعْرُوفاتُ بِذَلِكَ، وهَذا مِنهُما تَجَوُّزٌ عَنِ الغِناءِ المُعْتادِ عِنْدَ المُشْتَهِرِينَ بِهِ، وهو الَّذِي يُحَرِّكُ السّاكِنَ، ويَبْعَثُ الكامِنَ، وهَذا النَّوْعُ إذا كانَ في شِعْرٍ فِيهِ وصْفُ مَحاسِنِ النِّساءِ والخَمْرِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمُورِ المُحَرَّمَةِ، لا يُخْتَلَفُ في تَحْرِيمِهِ، وأمّا ما ابْتَدَعَهُ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ فَمِن قَبِيلِ ما لا يُخْتَلَفُ في تَحْرِيمِهِ، لَكِنَّ النُّفُوسَ الشَّهْوانِيَّةَ غَلَبَتْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى الخَيْرِ، حَتّى لَقَدْ ظَهَرَتْ في كَثِيرٍ مِنهم فِعْلاتُ المَجانِينِ والصِّبْيانِ حَتّى رَقَصُوا بِحَرَكاتٍ مُتَطابِقَةٍ، وتَقْطِيعاتٍ مُتَلاحِقَةٍ وانْتَهى التَّواقُحُ بِقَوْمٍ مِنهم إلى أنْ جَعَلُوها مِن بابِ القُرْبِ وصالِحِ الأعْمالِ، وأنَّ ذَلِكَ يُثْمِرُ سِنِي الأحْوالِ، وهَذا عَلى التَّحْقِيقِ مِن آثارِ الزَّنْدَقَةِ، وقَوْلِ أهْلِ المَخْرَقَةِ، واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وكَذا الغَرَضُ مِن كَلامِ فَتْحِ البارِي، وهو كَلامٌ حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ قَوْلَهُ: وإنَّما يُسَمّى بِذَلِكَ مَن يُنْشِدُ إلَخْ، لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادِرَ عُمُومُ ذَلِكَ، لِما يَكُونُ في المُنْشِدِ مِنهُ تَعْرِيضٌ أوْ تَصْرِيحٌ بِالفَواحِشِ، ولِما لا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَيْسَ في الخَبَرِ الإباحَةُ مُطْلَقًا، بَلْ قُصارى ما فِيهِ إباحَتُهُ في سُرُورٍ شَرْعِيٍّ، كَما في الأعْيادِ، والأعْراسِ، فَهو دَلِيلٌ لِمَن أجازَهُ في العُرْسِ، كَما أجازَ ضَرْبَ الدُّفِّ فِيهِ، وأيْضًا إنْكارُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَمَّ الغِناءِ، والنَّهْيَ عَنْهُ، فَظَنَّ عُمُومَ الحُكْمِ فَأنْكَرَ، وبِإنْكارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ إنْكارَهُ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ العُمُومِ. وفي الخَبَرِ الآخَرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوْضَحَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحالَ مَقْرُونًا بِبَيانِ الحِكْمَةِ، وهو أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ، فَلا يُنْكَرُ فِيهِ مِثْلُ هَذا، كَما لا يُنْكَرُ في الأعْراسِ، ومَعَ هَذا أشارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتِفافِهِ بِثَوْبِهِ، وتَحْوِيلِ وجْهِهِ الشَّرِيفِ إلى أنَّ الإعْراضَ عَنْ ذَلِكَ أوْلى، وسَماعَ صفحة 71 صَوْتِ الجارِيَةِ الغَيْرِ المَمْلُوكَةِ بِمِثْلِ هَذا الغِناءِ إذا أُمِنَتِ الفِتْنَةُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَلْيَكُنِ الخَبَرُ دَلِيلًا عَلى جَوازِهِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِما جاءَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أخِيهِ البَراءِ بْنِ مالِكٍ، وكانَ مِن دُهاةِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانَ يَتَغَنّى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ هَذا التَّغَنِّيَ لَيْسَ بِالمَعْنى المَشْهُورِ، ونَحْوُهُ التَّغَنِّي في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»» وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ فَسَّرا التَّغَنِّيَ في هَذا الحَدِيثِ بِالِاسْتِغْناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَسْتَغْنِ بِالقُرْآنِ عَنْ غَيْرِهِ، وهو مَعَ هَذا تَغَنٍّ لِإزالَةِ الوَحْشَةِ عَنْ نَفْسِهِ في عُقْرِ دارِهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: أتَيْتُ بابَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَسَمِعْتُهُ يُغَنِّي: فَكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ أرادَ بِهِ جَمِيلًا الجُمَحِيَّ، وكانَ خاصًّا بِهِ، فَلَمّا اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، قالَ لِي: أسَمِعْتَ ما قُلْتُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: إنّا إذا خَلَوْنا قُلْنا ما يَقُولُ النّاسُ في بُيُوتِهِمْ. وحَرَّمَ جَماعَةٌ السَّماعَ مُطْلَقًا، وقالَ الغَزالِيُّ: السَّماعُ إمّا مَحْبُوبٌ بِأنْ غَلَبَ عَلى السّامِعِ حُبُّ اللَّهِ تَعالى، ولِقائِهِ، لِيَسْتَخْرِجَ بِهِ أحْوالًا مِنَ المُكاشَفاتِ والمُلاطَفاتِ، وإمّا مُباحٌ بِأنْ كانَ عِنْدَهُ عِشْقٌ مُباحٌ لِحَلِيلَتِهِ، أوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ حُبُّ اللَّهِ تَعالى ولا الهَوى، وإمّا مُحَرَّمٌ بِأنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوًى مُحَرَّمٌ. وسُئِلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَنِ اسْتِماعِ الإنْشادِ في المَحَبَّةِ والرَّقْصِ، فَقالَ: الرَّقْصُ بِدْعَةٌ لا يَتَعاطاهُ إلّا ناقِصُ العَقْلِ، فَلا يَصْلُحُ إلّا لِلنِّساءِ، وأمّا اسْتِماعُ الإنْشادِ المُحَرِّكِ لِلْأحْوالِ السُّنِّيَّةِ وذِكْرِ أُمُورِ الآخِرَةِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، بَلْ يُنْدَبُ عِنْدَ الفُتُورِ، وسَآمَةِ القَلْبِ، ولا يَحْضُرُ السَّماعَ مَن في قَلْبِهِ هَوًى خَبِيثٌ، فَإنَّهُ يُحَرِّكُ ما في القَلْبِ، وقالَ أيْضًا: السَّماعُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ السّامِعِينَ والمَسْمُوعِ مِنهُمْ، وهم إمّا عارِفُونَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَخْتَلِفُ سَماعُهم بِاخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الخَوْفُ أثَّرَ فِيهِ السَّماعُ عِنْدَ ذِكْرِ المُخَوِّفاتِ نَحْوِ حُزْنٍ وبُكاءٍ، وتَغَيُّرِ لَوْنٍ، وهو إمّا خَوْفُ عِقابٍ، أوْ فَواتِ ثَوابٍ، أوْ أُنْسٍ، وقُرْبٍ، وهو أفْضَلُ الخائِفِينَ والسّامِعِينَ، وتَأْثِيرُ القُرْآنِ فِيهِ أشَدُّ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجاءُ أثَّرَ فِيهِ السَّماعُ عِنْدَ ذِكْرِ المُطَمِّعاتِ والمُرَجِّياتِ، فَإنْ كانَ رَجاؤُهُ لِلْأُنْسِ والقُرْبِ كانَ سَماعُهُ أفْضَلَ سَماعِ الرّاجِينَ، وإنْ كانَ رَجاؤُهُ لِلثَّوابِ، فَهَذا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وتَأْثِيرُ السَّماعِ في الأوَّلِ أشَدُّ مِن تَأْثِيرِهِ في الثّانِي، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ اللَّهِ تَعالى لِإنْعامِهِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ سَماعُ الإنْعامِ والإكْرامِ، أوْ لِجَمالِهِ سُبْحانَهُ المُطْلَقِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ ذِكْرُ شَرَفِ الذّاتِ وكَمالِ الصِّفاتِ، وهو أفْضَلُ مِمّا قَبْلَهُ، لِأنَّ سَبَبَ حُبِّهِ أفْضَلُ الأسْبابِ، ويَشْتَدُّ التَّأْثِيرُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الإقْصاءِ والإبْعادِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ التَّعْظِيمُ والإجْلالُ وهو أفْضَلُ مِن جَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وتَخْتَلِفُ أحْوالُ هَؤُلاءِ في المَسْمُوعِ مِنهُ، فالسَّماعُ مِنَ الوَلِيِّ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ السَّماعِ مِن عامِّيٍّ، ومِن نَبِيٍّ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنهُ ومِن ولِيٍّ، ومِنَ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ السَّماعِ مِن نَبِيٍّ، لِأنَّ كَلامَ المَهِيبِ أشَدُّ تَأْثِيرًا في الهائِبِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ كَما أنَّ كَلامَ الحَبِيبِ أشَدُّ تَأْثِيرًا في المُحِبِّ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولِهَذا لَمْ يَشْتَغِلِ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ وأصْحابُهم بِسَماعِ المَلاهِي والغِناءِ، واقْتَصَرُوا عَلى كَلامِ رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ، ومَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ هَوًى مُحَرَّمٌ يَعْشَقُ حَلِيلَتَهُ فَهو يُؤَثِّرُ فِيهِ آثارُ الشَّوْقِ وخَوْفُ الفِراقِ ورَجاءُ التَّلاقِ، فَسَماعُهُ لا بَأْسَ بِهِ، ومَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ هَوًى مُحَرَّمٌ كَعِشْقِ أمْرَدَ، أوْ أجْنَبِيَّةٍ، فَهو يُؤَثِّرُ فِيهِ السَّعْيُ إلى الحَرامِ، وما أدّى إلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، وأمّا مَن لَمْ يَجِدْ في نَفْسِهِ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ السِّتَّةِ، فَيُكْرَهُ سَماعُهُ مِن جِهَةِ أنَّ الغالِبَ عَلى العامَّةِ إنَّما هي الأهْواءُ الفاسِدَةُ، فَرُبَّما هَيَّجَهُ السَّماعُ إلى صُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَيَتَعَلَّقُ بِها، ويَمِيلُ إلَيْها، ولا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنّا لا نَتَحَقَّقُ السَّبَبَ المُحَرَّمَ، وقَدْ يَحْضُرُ السَّماعَ قَوْمٌ مِنَ الفَجَرَةِ صفحة 72 فَيَبْكُونَ، ويَنْزَعِجُونَ لِأغْراضٍ خَبِيثَةٍ انْطَوَوْا عَلَيْها، ويُراؤُونَ الحاضِرِينَ بِأنَّ سَماعَهم لِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ، وهَؤُلاءِ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ إيهامِ كَوْنِهِمْ مِنَ الصّالِحِينَ، وقَدْ يَحْضُرُ السَّماعَ قَوْمٌ قَدْ فَقَدُوا أهالِيَهُمْ، ومَن يَعِزُّ عَلَيْهِمْ ويُذَكِّرُهُمُ المُنْشِدُ فِراقَ الأحِبَّةِ وعَدَمَ الأُنْسِ، فَيَبْكِي أحَدُهم ويُوهِمُ الحاضِرِينَ أنَّ بُكاءَهُ لِأجْلِ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ وعَلا، وهَذا مُراءٍ بِأمْرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، ثُمَّ قالَ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَحْصُلُ السَّماعُ المَحْمُودُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِلْأحْوالِ السُّنِّيَّةِ والأفْعالِ الرَّضِيَّةِ، ولِكُلِّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ حالٌ مُخْتَصٌّ بِها، فَمَن ذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ أوْ ذُكِّرَ بِها كانَتْ حالُهُ حالَ الرّاجِينَ وسَمْعُهُ سَماعَهُمْ، ومَن ذَكَرَ شِدَّةَ النِّقْمَةِ أوْ ذُكِّرَ بِها كانَتْ حالُهُ حالَ الخائِفِينَ وسَماعُهُ سَماعَهُمْ، وعَلى هَذا القِياسُ، وقَدْ تَغْلِبُ الأحْوالُ عَلى بَعْضِهِمْ بِحَيْثُ لا يُصْغِي إلى ما يَقُولُهُ المُنْشِدُ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لِغَلَبَةِ حالِهِ الأُولى عَلَيْهِ انْتَهى، وقَدْ نَقَلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وأقَرَّهُ، وفِيهِ ما يُخالِفُ ما نُقِلَ عَنِ الغَزالِيِّ. ونَقَلَ القاضِي حُسَيْنٌ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: النّاسُ في السَّماعِ إمّا عَوامُّ وهو حَرامٌ عَلَيْهِمْ لِبَقاءِ نُفُوسِهِمْ، وإمّا زُهّادٌ وهو مُباحٌ لَهم لِحُصُولِ مُجاهَدَتِهِمْ، وإمّا عارِفُونَ وهو مُسْتَحَبٌّ لَهم لِحَياةِ قُلُوبِهِمْ، وذَكَرَ نَحْوَهُ أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ، وصَحَّحَهُ السَّهْرَوَرْدِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في عَوارِفِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُنَيْدَ أرادَ بِالحَرامِ مَعْناهُ الِاصْطِلاحِيَّ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي، ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّماعِ فَقالَ: هو ضَلالٌ لِلْمُبْتَدِي والمُنْتَهِي، لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما سَمِعْتَ. وقالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ لِلسَّماعِ شَرائِطَ مِنها: مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ لِيَعْلَمَ صِفاتِ الذّاتِ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، وما يَمْتَنِعُ في نَعْتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وما يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِهِ، وما يَجِبُ، وما يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِنَ الأسْماءِ، وما يَمْتَنِعُ، ثُمَّ قالَ: فَهَذِهِ شَرائِطُ صِحَّةِ السَّماعِ عَلى لِسانِ أهْلِ التَّحْصِيلِ مِن ذَوِي العُقُولِ، وأمّا عِنْدَ أهْلِ الحَقائِقِ فالشَّرْطُ فَناءُ النَّفْسِ بِصِدْقِ المُجاهَدَةِ، ثُمَّ حَياةُ القَلْبِ بِرُوحِ المُشاهَدَةِ، فَمَن لَمْ تَتَقَدَّمْ بِالصِّحَّةِ مُعامَلَتُهُ ولَمْ تَحْصُلْ بِالصِّدْقِ مُنازَلَتُهُ فَسَماعُهُ ضَياعٌ وتَواجُدُهُ طِباعٌ، والسَّماعُ فِتْنَةٌ يَدْعُو إلَيْها اسْتِيلاءُ العِشْقِ إلّا عِنْدَ سُقُوطِ الشَّهْوَةِ وحُصُولِ الصَّفْوَةِ، وأطالَ بِما يَطُولُ ذِكْرُهُ، قِيلَ: وبِهِ يَتَبَيَّنُ تَحْرِيمُ السَّماعِ عَلى أكْثَرِ مُتَصَوِّفَةِ الزَّمانِ لِعَقْدِ شُرُوطِ القِيامِ بِأدائِهِ. ومِنَ العَجَبِ أنَّهم يَنْسُبُونَ السَّماعَ والتَّواجُدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ويَرْوُونَ عَنْ عَطِيَّةَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ عَلى أصْحابِ الصُّفَّةِ يَوْمًا فَجَلَسَ بَيْنَهُمْ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّحِيَّةُ: هَلْ فِيكم مَن يُنْشِدُنا أبْياتًا. فَقالَ واحِدٌ: لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوى كَبِدِي ∗∗∗ ولا طَبِيبَ لَها ولا راقِي إلّا الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفَتْ بِهِ ∗∗∗ فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وتِرْياقِي فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَمايَلَ حَتّى سَقَطَ الرِّداءُ الشَّرِيفُ عَنْ مَنكِبَيْهِ، فَأخَذَهُ أصْحابُ الصُّفَّةِ فَقَسَّمُوهُ فِيما بَيْنَهم بِأرْبَعِمِائَةِ قِطْعَةٍ». وهُوَ لَعَمْرِي كَذِبٌ صَرِيحٌ، وإفْكٌ قَبِيحٌ، لا أصْلَ لَهُ بِإجْماعِ مُحَدِّثِي أهْلِ السُّنَّةِ، وما أُراهُ إلّا مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ. فَهَذا القُرْآنُ العَظِيمُ يَتْلُوهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَتْلُوهُ هو أيْضًا ويَسْمَعُهُ مِن غَيْرِ واحِدٍ، ولا يَعْتَرِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرُوهُ في سَماعِ بَيْتَيْنِ هُما كَما سَمِعْتَ، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وأنا أقُولُ: قَدْ عَمَّتِ البَلْوى بِالغِناءِ والسَّماعِ في سائِرِ البِلادِ والبِقاعِ، ولا يُتَحاشى مِن ذَلِكَ في المَساجِدِ وغَيْرِها، بَلْ قَدْ عُيِّنَ مُغَنُّونَ يُغَنُّونَ عَلى المَنائِرِ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ شَرِيفَةٍ بِأشْعارٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى وصْفِ الخَمْرِ والخاناتِ، وسائِرِ ما يُعَدُّ مِنَ المَحْظُوراتِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ وُظِّفَ لَهم مِن غَلَّةِ الوَقْفِ ما وُظِّفَ، ويُسَمُّونَهُمُ المُمَجِّدِينَ، صفحة 73 ويَعُدُّونَ خُلُوَّ الجَوامِعِ مِن ذَلِكَ مِن قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِالدِّينِ، وأشْنَعُ مِن ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ أبالِسَةُ المُتَصَوِّفَةِ ومَرَدَتُهُمْ، ثُمَّ إنَّهم قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى إذا اعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ نَشِيدُهم مِنَ الباطِلِ يَقُولُونَ: نَعْنِي بِالخَمْرِ المَحَبَّةَ الإلَهِيَّةَ وبِالسُّكْرِ غَلَبَتَها، وبِمَيَّةَ، ولَيْلى، وسُعْدى مَثَلًا المَحْبُوبَ الأعْظَمَ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي ذَلِكَ مِن سُوءِ الأدَبِ ما فِيهِ، ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعْرافُ: 180]، وفي القَواعِدِ الكُبْرى لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ: لَيْسَ مِن أدَبِ السَّماعِ أنْ يُشَبَّهَ غَلَبَةُ المَحَبَّةِ بِالسُّكْرِ مِنَ الخَمْرِ، فَإنَّهُ سُوءُ الأدَبِ، وكَذا تَشْبِيهُ المَحَبَّةِ بِالخَمْرِ أُمِّ الخَبائِثِ، فَلا يُشَبَّهُ ما أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى بِما أبْغَضَهُ، وقَضى بِخُبْثِهِ، ونَجاسَتِهِ، فَإنَّ تَشْبِيهَ النَّفِيسِ بِالخَسِيسِ سُوءُ الأدَبِ بِلا شَكٍّ فِيهِ، وكَذا التَّشْبِيهُ بِالخَصْرِ والرِّدْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُسْتَقْبَحاتِ، ولَقَدْ كَرِهَ لِبَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: أنْتُمْ رُوحِي ومَعْلَمُ راحَتِي، ولِبَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: فَأنْتَ السَّمْعُ والبَصَرُ، لِأنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ بِرُوحِهِ الخَسِيسَةِ، وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ اللَّذَيْنِ لا قَدْرَ لَهُما، ثُمَّ إنَّهُ وإنْ أباحَ بَعْضَ أقْسامِ السَّماعِ حَطَّ عَلى مَن يَرْقُصُ ويُصَفِّقُ عِنْدَهُ، فَقالَ: أمّا الرَّقْصُ والتَّصْفِيقُ فَخِفَّةٌ ورُعُونَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِرُعُونَةِ الإناثِ، لا يَفْعَلُها إلّا أرْعَنُ، أوْ مُتَصَنِّعٌ كَذّابٌ، وكَيْفَ يَتَأتّى الرَّقْصُ المُتَّزِنُ بِأوْزانِ الغِناءِ مِمَّنْ طاشَ لُبُّهُ وذَهَبَ قَلْبُهُ. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»» ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُقْتَدى بِهِمْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإنَّما اسْتَحْوَذَ الشَّيْطانُ عَلى قَوْمٍ يَظُنُّونَ أنَّ طَرَبَهم عِنْدَ السَّماعِ إنَّما هو مُتَعَلِّقٌ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ولَقَدْ مانُوا فِيما قالُوا، وكَذَبُوا فِيما ادَّعَوْا مِن جِهَةِ أنَّهم عِنْدَ سَماعِ المُطْرِباتِ وجَدُوا لَذَّتَيْنِ. إحْداهُما لَذَّةُ قَلِيلٍ مِنَ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِي الجَلالِ. والثّانِيَةُ لَذَّةُ الأصْواتِ، والنَّغَماتِ، والكَلِماتِ المَوْزُوناتِ المُوجِباتِ لِلَّذّاتِ، لَيْسَتْ مِن آثارِ الدِّينِ، ولا مُتَعَلِّقَةً بِأُمُورِهِ، فَلَمّا عَظُمَتْ عِنْدَهُمُ اللَّذّاتُ غَلِطُوا فَظَنُّوا أنَّ مَجْمُوعَ ما حَصَلَ لَهم إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ ذَلِكَ القَلِيلِ مِنَ الأحْوالِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الأغْلَبُ عَلَيْهِمْ حُصُولُ لَذّاتِ النُّفُوسِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ. وقَدْ حَرَّمَ بَعْضُ العُلَماءِ التَّصْفِيقَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ»» «ولَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ والمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ،» ومَن هابَ الإلَهَ أدْرَكَ شَيْئًا مِن تَعْظِيمِهِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُ رَقْصٌ ولا تَصْفِيقٌ ولا يَصْدُرانِ إلّا مِن جاهِلٍ، ويَدُلُّ عَلى جَهالَةِ فاعِلِهِما أنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَرِدْ بِهِما في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ولا مُعْتَبِرٌ مِن أتْباعِهِمْ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الجَهَلَةُ السُّفَهاءُ الَّذِينَ التَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الحَقائِقُ بِالأهْواءِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلُ: 89]، ولَقَدْ مَضى السَّلَفُ وأفاضِلُ الخَلَفِ، ولَمْ يُلابِسُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَما ذاكَ إلّا غَرَضٌ مِن أغْراضِ النَّفْسِ، ولَيْسَ بِقُرْبَةٍ إلى الرَّبِّ جَلَّ وعَلا، وفاعِلُهُ إنْ كانَ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، ويُعْتَقَدُ أنَّهُ ما فَعَلَهُ إلّا لِكَوْنِهِ قُرْبَةً فَبِئْسَ ما صَنَعَ لِإيهامِهِ أنَّ هَذا مِنَ الطّاعاتِ، وإنَّما هو مِن أقْبَحِ الرُّعُوناتِ. وأمّا الصِّياحُ والتَّغاشِي ونَحْوُهُما فَتَصَنُّعٌ ورِياءٌ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ حالٍ لا يَقْتَضِيهِما فَإثْمُ الفاعِلِ مِن جِهَتَيْنِ. إحْداهُما إيهامُهُ الحالَ الثّابِتَةَ المُوجِبَةَ لَهُما. والثّانِيَةُ تَصَنُّعُهُ ورِياؤُهُ، وإنْ كانَ عَنْ مُقْتَضٍ أثِمَ إثْمَ رِياءٍ لا غَيْرَ. وكَذَلِكَ نَتْفُ الشُّعُورِ وضَرْبُ الصُّدُورِ، وتَمْزِيقُ الثِّيابِ مُحَرَّمٌ لِما فِيهِ مِن إضاعَةِ المالِ، وأيُّ ثَمَرَةٍ لِضَرْبِ الصُّدُورِ ونَتْفِ الشُّعُورِ وشَقِّ الجُيُوبِ إلّا رُعُوناتٌ صادِرَةٌ عَنِ النُّفُوسِ اهـ كَلامُهُ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في نَقْلِ الأسْنَوِيِّ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ يَرْقُصُ في السَّماعِ، والعَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ قالَ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ القِيامِ والتَّحَرُّكِ لِغَلَبَةِ وجْدٍ وشُهُودٍ وتَجَلٍّ لا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُهُ، ومِن ثَمَّ قالَ الإمامُ إسْماعِيلُ الحَضْرَمِيُّ: مَوْقِفُ الشَّمْسِ عَنْ قَوْمٍ يَتَحَرَّكُونَ في السَّماعِ هَؤُلاءِ صفحة 74 قَوْمٌ يُرَوِّحُونَ قُلُوبَهم بِالأصْواتِ الحَسَنَةِ حَتّى يَصِيرُوا رُوحانِيِّينَ، فَهم بِالقُلُوبِ مَعَ الحَقِّ، وبِالأجْسادِ مَعَ الخَلْقِ، ومَعَ هَذا فَلا يُؤْمَنُ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ فِيما فَعَلُوا، ولا يُقْتَدى بِهِمْ فِيما قالُوا اهـ، وما ذَكَرَهُ فِيمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نَحْوُ الصِّياحِ والتَّغاشِي عَنْ حالٍ يَقْتَضِيهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَقَدْ قالَ البُلْقِينِيُّ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الرَّقْصِ الَّذِي هو عِنْدَ جَمْعٍ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، ولا مَكْرُوهٍ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ حَرَكاتٍ عَلى اسْتِقامَةٍ، أوِ اعْوِجاجٍ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَرَّ الحَبَشَةَ عَلَيْهِ في مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ مَكْرُوهٌ، وعِنْدَ هَذا القائِلِ حَرامٌ إذا كَثُرَ بِحَيْثُ أسْقَطَ المُرُوءَةَ إنْ كانَ بِاخْتِيارِهِمْ، فَهم كَغَيْرِهِمْ، وإلّا فَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، واسْتَوْضَحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقالَ: يَجِبُ اطِّرادُهُ في سائِرِ ما يُحْكى عَنِ الصُّوفِيَّةِ، مِمّا يُخالِفُ ظَواهِرَ الشَّرْعِ، فَلا يُحْتَجُّ بِهِ، لِأنَّهُ إنْ صَدَرَ عَنْهم في حالِ تَكْلِيفِهِمْ فَهم كَغَيْرِهِمْ، أوْ مَعَ غَيْبَتِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِهِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ غِناءَ الرَّجُلِ بِمِثْلِ هَذِهِ الألْحانِ إنْ كانَ لِدَفْعِ الوَحْشَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَمُباحٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ شَمْسُ الأئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَسْمَعَهُ مَن يُخْشى عَلَيْهِ الفِتْنَةُ مِنِ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، ولا مَن يَسْتَخِفُّ بِهِ ويَسْتَرْذِلُهُ، وبِشَرْطِ أنْ لا يُغَيِّرَ اسْمَ مُعْظَّمٍ بِنَحْوِ زِيادَةٍ لَيْسَتْ فِيهِ في أصْلِ وضْعِهِ لِأجْلِ أنْ لا يَخْرُجَ عَنْ مُقْتَضى الصَّنْعَةِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ في اللَّهِ: إيلّاهُ، وفي مُحَمَّدٍ: مُوحامَّدٌ، هَذا مَعَ كَوْنِ ما يُتَغَنّى بِهِ مِمّا لا بَأْسَ بِإنْشادِهِ، وإنْ كانَ لِلنّاسِ لِلَّهْوِ في غَيْرِ حادِثِ سُرُورٍ كَعُرْسٍ بِأُجْرَةٍ، أوْ بِدُونِها ازْدَرى بِهِ لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَزْدَرِ كانَ ما يُتَغَنّى بِهِ مُباحُ الإنْشادِ، أوْ لَمْ يَكُنْ فَحَرامٌ، وإنْ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ، وأُراهُ مِنَ الصَّغائِرِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الماوَرْدِيُّ حَيْثُ قالَ: وإذا قُلْنا بِتَحْرِيمِ الأغانِي والمَلاهِي فَهي مِنَ الصَّغائِرِ دُونَ الكَبائِرِ، وإنْ كانَ في حادِثِ سُرُورٍ فَهو مُباحٌ، إنْ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ، وكانَ ما يُتَغَنّى بِهِ جائِزُ الإنْشادِ، ولَمْ يُغَيَّرْ فِيهِ اسْمُ مُعْظَّمٍ، ولَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلِازْدِراءِ بِهِ، وهَتْكِ مُرُوءَتِهِ، ولا لِاجْتِماعِ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى وجْهٍ مَحْظُورٍ، وإنْ كانَ سَبَبًا لِمُحَرَّمٍ فَهو حَرامٌ، وتَتَفاوَتُ مَراتِبُ حُرْمَتِهِ حَسَبَ تَفاوُتِ حُرْمَةِ ما كانَ هو سَبَبًا لَهُ، وإنْ كانَ لِلنّاسِ لا لِلَّهْوِ بَلْ لِتَنْشِيطِهِمْ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُفْعَلُ في بَعْضِ حِلَقِ التَّهْلِيلِ في بِلادِنا فَمُحْتَمَلُ الإباحَةِ، إنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَفْسَدَةً ولَعَلَّهُ إلى الكَراهَةِ أقْرَبُ. ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ حِينَئِذٍ قُرْبَةٌ كالحُداءِ، وهو ما يُقالُ خَلْفَ الإبِلِ مِن زَجْرٍ وغَيْرِهِ، إذا كانَ مُنَشِّطًا لِسَيْرٍ هو قُرْبَةٌ، لِأنَّ وسِيلَةَ القُرْبَةِ بِهِ اتِّفاقًا، فَيُقالُ: لَمْ نَقِفْ عَلى خَبَرٍ في اشْتِمالِ حِلَقِ الذِّكْرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذا عَلى عَهْدِ خُلَفائِهِ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وهم أحْرَصُ النّاسِ عَلى القُرْبِ عَلى هَذا الغِناءِ، ولا عَلى سائِرِ أنْواعِهِ، وصَحَّتْ أحادِيثُ في الحُداءِ، ولِذا أطْلَقَ جَمْعٌ القَوْلَ بِنَدْبِهِ، وكَوْنُهم نَشِطِينَ بِدُونِ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يَزِيدُهُ ذَلِكَ نَشاطًا، فَلَوْ كانَ لِذَلِكَ قُرْبَةً لَفَعَلُوهُ، ولَوْ مَرَّةً، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهم فَعَلُوهُ أصْلًا، عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُشَوِّشُ عَلى الذّاكِرِينَ، ولا يَتِمُّ لَهم مَعَهُ مَعْنى الذِّكْرِ وتَصَوُّرُهُ، وهو بِدُونِ ذَلِكَ لا ثَوابَ فِيهِ بِالإجْماعِ، ولَعَلَّ ما يُفْعَلُ عَلى المَنائِرِ مِمّا يُسَمُّونَهُ تَمْجِيدًا مُنْتَظِمٌ عِنْدَ الجَهَلَةِ في سِلْكِ وسائِلِ القُرْبِ بَلْ يَعُدُّهُ أكْثَرُهم قُرْبَةً مِن حَيْثُ ذاتُهُ، وهو لَعَمْرِي عِنْدَ العالِمِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لِحاجَةِ مَرَضٍ تَعَيَّنَ شِفاؤُهُ بِهِ فَلا شَكَّ في جَوازِهِ، والإكْبابُ عَلى المُباحِ مِنهُ يَخْرِمُ المُرُوءَةَ كاتِّخاذِهِ حِرْفَةً، وقَوْلُ الرّافِعِيِّ: لا يَخْرِمُها إذا لاقَ بِهِ رَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأنَّ الشّافِعِيَّ نَصَّ عَلى رَدِّ شَهادَتِهِ، وجَرى عَلَيْهِ أصْحابُهُ، لِأنَّها حِرْفَةٌ دَنِيَّةٌ، ويُعَدُّ فاعِلُها في العُرْفِ مِمَّنْ لا حَياءَ لَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: ما تَقُولُ في الغِناءِ؟ قالَ: نِعْمَ الشَّيْءُ الغِناءُ يُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ ويُنَفَّسُ بِهِ عَنِ المَكْرُوبِ، ويُفْعَلُ فِيهِ المَعْرُوفُ، قالَ: إنَّما أعْنِي الشَّدَّ؟ قالَ: وما الشَّدُّ، أتَعْرِفُ مِنهُ شَيْئًا؟ قالَ: صفحة 75 نَعَمْ، قالَ: فَما هُوَ؟ فانْدَفَعَ الرَّجُلُ يُغَنِّي ويَلْوِي شِدْقَيْهِ، ومُنْخَرَيْهِ، ويَكْسِرُ عَيْنَيْهِ، فَقالَ الحَسَنُ: ما كُنْتُ أرى أنَّ عاقِلًا يَبْلُغُ مِن نَفْسِهِ ما أرى، واخْتَلَفُوا في تَعاطِي خارِمِ المُرُوءَةِ عَلى أوْجُهٍ. ثالِثُها إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ شَهادَةٌ حَرُمَ وإلّا فَلا. قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: وهو الأوْجَهُ، لِأنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّسَبُّبُ في إسْقاطِ ما تَحَمَّلَهُ وصارَ أمانَةً عِنْدَهُ لِغَيْرِهِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ مِن عالِمٍ يُقْتَدى بِهِ، أوْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِازْدِراءِ حَرُمَ أيْضًا، وإنَّ سَماعَهُ أيِ اسْتِماعَهُ لا مُجَرَّدَ سَماعِهِ بِلا قَصْدٍ عِنْدَ أمْنِ الفِتْنَةِ، وكَوْنُ ما يُتَغَنّى بِهِ جائِزَ الإنْشادِ، وعَدَمُ تَسَبُّبِهِ لِمَعْصِيَةٍ كاسْتِدامَةِ مُغَنٍّ لِغَناءٍ آثِمٌ بِهِ مُباحٌ والإكْبابُ عَلَيْهِ كَما قالَ النَّوَوِيُّ: يُسْقِطُ المُرُوءَةَ كالإكْبابِ عَلى الغِناءِ المُباحِ، والِاخْتِلافُ في تَعاطِي مُسْقِطِها قَدْ ذَكَرْناهُ آنِفًا، وأمّا سَماعُهُ عِنْدَ عَدَمِ أمْنِ الفِتْنَةِ، وكَوْنُ ما يُتَغَنّى بِهِ غَيْرَ جائِزِ الإنْشادِ، وكَوْنُهُ مُتَسَبِّبًا لِمَعْصِيَةٍ فَحَرامٌ، وتَتَفاوَتُ مَراتِبُ حُرْمَتِهِ، ولَعَلَّها تَصِلُ إلى حُرْمَةٍ كَبِيرَةٍ، ومِنَ السَّماعِ المُحَرَّمِ سَماعُ مُتَصَوِّفَةِ زَمانِنا، وإنْ خَلا عَنْ رَقْصٍ، فَإنَّ مَفاسِدَهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وكَثِيرٌ مِمّا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الأشْعارِ مِن أشْنَعِ ما يُتْلى، ومَعَ هَذا يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً، ويَزْعُمُونَ أنَّ أكْثَرَهم رَغْبَةً فِيهِ أشَدُّهم رَغْبَةً أوْ رَهْبَةً، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ. ولا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خُبْرًا بِما تَقَدَّمَ عَنِ القُشَيْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ سَماعَهم مَذْمُومٌ عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُونَ انْتِصارَهُ لَهُمْ، ويَحْسَبُونَ أنَّهم وإيّاهُ مِن حِزْبٍ واحِدٍ، فَوَيْلٌ لِمَن شُفَعاؤُهُ خُصَماؤُهُ، وأحِبّاؤُهُ أعْداؤُهُ، وأمّا رَقْصُهم عَلَيْهِ فَقَدْ زادُوا بِهِ في الطُّنْبُورِ رَنَّةً، وضَمُّوا كَسَرَ اللَّهُ تَعالى شَوْكَتَهم بِذَلِكَ إلى السَّفَهِ جِنَّةً. وقَدْ أفادَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أنَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَةُ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى الدُّفِّ الَّذِي قِيلَ يُباحُ، أوْ يُسَنُّ ضَرْبُهُ لِعُرْسٍ وخِتانٍ وغَيْرِهِما مِن كُلِّ سُرُورٍ، ومِنهُ قُدُومُ عالِمٍ يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ رادًّا عَلى مَن زَعَمَ القَبُولَ، فَقالَ: وعَنْ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ شَهادَةُ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى الدُّفِّ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ كَما تُقْبَلُ شَهادَةُ حَنَفِيٍّ شَرِبَ النَّبِيذَ لِاعْتِقادِهِ إباحَتَهُ، وكَذا كُلُّ مَن فَعَلَ ما اعْتَقَدَ إباحَتَهُ اهـ، ورُدَّ بِأنَّهُ خَطَأٌ قَبِيحٌ لِأنَّ اعْتِقادَ الحَنَفِيِّ نَشَأ عَنْ تَقْلِيدٍ صَحِيحٍ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ، وإنَّما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ والتَّقْصِيرُ فَكانَ خَيالًا باطِلًا، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ اهـ. ثُمَّ إنِّي أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ صاحِبُ حالٍ يُحَرِّكُهُ السَّماعُ ويُثِيرُ مِنهُ ما يُلْجِئُهُ إلى الرَّقْصِ، أوِ التَّصْفِيقِ، أوِ الصَّعْقِ والصِّياحِ، وتَمْزِيقِ الثِّيابِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَكْرُوهٌ، أوْ حَرامٌ، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّهُ إنْ عَلِمَ مِن نَفْسِهِ صُدُورَ ما ذُكِرَ كانَ حُكْمُ الِاسْتِماعِ في حَقِّهِ حُكْمَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ، فالأحْوَطُ في حَقِّهِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِالكَراهَةِ عَدَمُ الِاسْتِماعِ. فَفِي الخَبَرِ: ««دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ»» ثُمَّ إنَّ ما حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ السَّماعِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِهِ أصْلًا، فَلا لَوْمَ، ولا عِتابَ فِيهِ عَلَيْهِ، وحُكْمُهُ في ذَلِكَ حُكْمُ مَنِ اعْتَراهُ نَحْوُ عُطاسٍ وسُعالٍ قَهْرِيَّيْنِ، ولا يُشْتَرَطُ في دَفْعِ اللَّوْمِ والعِتابِ عَنْهُ كَوْنُ ذَلِكَ مَعَ غَيْبَتِهِ، فَلا يَجِبُ عَلى مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَغِبْ إعادَةُ الوُضُوءِ لِلصَّلاةِ مَثَلًا، ولْيُنْظَرْ فِيما لَوِ اعْتَراهُ وهو في الصَّلاةِ بِدُونِ غَيْبَةٍ، هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ نَحْوِ العُطاسِ، والسُّعالِ إذا اعْتَراهُ فِيها أمْ لا؟ والَّذِي سَمِعْتُهُ عَنْ بَعْضِ الكِبارِ الثّانِي، فَتَدَبَّرْ. ومِنَ النّاسِ مَن يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، إمّا مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ بِصَوْتٍ حَسَنٍ، وقَلَّما يَقَعُ ذَلِكَ مِن سَماعِ القُرْآنِ، أوْ غَيْرِهِ لِكامِلٍ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّهُ قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ صُعِقُوا، فَقالَتِ: القُرْآنُ أكْرَمُ مِن أنْ يُسْرَقَ مِنهُ عُقُولُ الرِّجالِ، ولَكِنَّهُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرُ: 23]، وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِضَعْفِ تَحَمُّلِ الوارِدِ، وبَعْضُ المُتَصَنِّعِينَ يَفْعَلُهُ رِياءً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَسْمَعُ القُرْآنَ فَيُصْعَقُ فَقالَ: مِيعادُ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم أنْ يَجْلِسُوا عَلى حائِطٍ فَيُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ صفحة 76 فَإنْ صُعِقُوا، فَهو كَما قالُوا، ولا يَرُدُّ عَلى إباحَةِ الغِناءِ وسَماعِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ»» لا، لِأنَّ الغِناءَ فِيهِ مَقْصُورٌ، وأنَّ المُرادَ بِهِ غِنى المالِ الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ، إذْ يَرُدُّ ذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ بِزِيادَةٍ: «(والذِّكْرُ يُنْبِتُ الإيمانَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ الزَّرْعَ)،» ومُقابَلَةُ الغِناءِ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ في المُرادِ بِهِ التَّغَنِّي، عَلى أنَّ الرِّوايَةَ كَما قالَ بَعْضُ الحُفّاظِ بِالمَدِّ بَلْ لِأنَّ المُرادَ أنَّ الغِناءَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ النِّفاقُ أيِ العَمَلِيُّ بِأنْ يُحَرِّكَ إلى غَدْرٍ وخُلْفِ وعْدٍ وكَذِبٍ ونَحْوِها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اطِّرادُ التَّرَتُّبِ. ورُبَّما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: (كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ) فَإنَّ إنْباتَ الماءِ البَقْلَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ كَثِيرٌ، والقائِلُ بِإباحَتِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ إنَّما يُبِيحُهُ حَيْثُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. نَعَمْ لا شَكَّ أنَّ ما هَذا شَأْنُهُ الأحْوَطُ بَعْدَ كُلِّ قِيلٍ وقالَ عَدَمُ الرَّغْبَةِ فِيهِ، كَذا قِيلَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِالنِّفاقِ الإيمانِيَّ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَتُهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِالإيمانِ، ويَكُونُ مَساقُ الخَبَرِ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الغِناءِ، إذْ كانَ النّاسُ حَدِيثِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ كانَ يُسْتَعْمَلُ فِيها الغِناءُ لِلَّهْوِ، ويُجْتَمَعُ عَلَيْهِ في مَجالِسِ الشُّرْبِ، ووَجْهُ إنْباتِهِ لِلنِّفاقِ إذْ ذاكَ أنَّ كَثِيرًا مِنهم لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِلَذَّةِ الغِناءِ وما يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهْوِ والشُّرْبِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفِسْقِ يَتَحَرَّكُ قَلْبُهُ لِما كانَ عَلَيْهِ، ويَحِنُّ حَنِينَ العِشارِ إلَيْهِ، ويَكْرَهُ لِذَلِكَ الإيمانَ الَّذِي صَدَّهُ عَمّا هُنالِكَ، ولا يَسْتَطِيعُ لِقُوَّةِ شَوْكَةِ الإسْلامِ أنْ يُظْهِرَ ما أضْمَرَ، ويَنْبِذَ الإيمانَ وراءَ ظَهْرِهِ، ويَتَقَدَّمَ إلى ما عَنْهُ تَأخَّرَ، فَلَمْ يَسَعْهُ إلّا النِّفاقُ لِما اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَخافَةَ الرِّدَّةِ، والِاشْتِياقِ، فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وأمّا الآيَةُ فَإنْ كانَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها تَسْمِيَةُ الغِناءِ لَهْوًا، فَكَمْ لَهْوٍ هو حَلالٌ، وإنْ كانَ الوَعِيدُ عَلى اشْتِرائِهِ واخْتِيارِهِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الِاشْتِراءِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلى الِاشْتِراءِ لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ، ولا نِزاعَ لَنا فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في لَهْوِ الحَدِيثِ مُضافًا إلى الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ ألْفاظُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لِيُضِلَّ ) إلَخْ اهـ. ومِمّا ذَكَّرْنا يُعْلَمُ ما في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى حُرْمَةِ المَلاهِي كالرَّبابِ، والجَنْكِ، والسِّنْطِيرِ، والكَمَنجَةِ، والمِزْمارِ وغَيْرِها مِنَ الآلاتِ المُطْرِبَةِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّهُما فَسَّرا( لَهْوَ الحَدِيثِ ) بِها، نَعَمْ، إنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُها واسْتِماعُها لِغَيْرِ ما ذُكِرَ، فَقَدْ صَحَّ مِن طُرُقٍ خِلافًا لِما وهِمَ فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ الضّالُّ المُضِلُّ فَقَدْ عَلَّقَهُ البُخارِيُّ، ووَصَلَهُ الإسْماعِيلِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، وأبُو داوُدَ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، لا مَطْعَنَ فِيها، وصَحَّحَهُ جَماعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الأئِمَّةِ كَما قالَهُ بَعْضُ الحُفّاظِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَزَّ والخَمْرَ والمَعازِفَ»» وهُوَ صَرِيحٌ في تَحْرِيمِ جَمِيعِ آلاتِ اللَّهْوِ المُطْرِبَةِ، ومِمّا يُشْبِهُ الصَّرِيحَ في ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (ذَمِّ المَلاهِي) عَنْ أنَسٍ، وأحْمَدَ، والطَّبَرانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: ««لَيَكُونَنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وقَذْفٌ ومَسْخٌ، وذَلِكَ إذا شَرِبُوا الخُمُورَ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ»» وهِيَ المَلاهِي الَّتِي سَمِعْتَها، ومِنها الصَّنْجُ العَجَمِيُّ وهو صُفْرٌ يُجْعَلُ عَلَيْهِ أوْتارٌ يُضْرَبُ بِها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ خِلافًا لِلْماوَرْدِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ الصَّنْجَ يُكْرَهُ مَعَ الغِناءِ، ولا يُكْرَهُ مُنْفَرِدًا لِأنَّهُ بِانْفِرادِهِ غَيْرُ مُطْرِبٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ العَرَبِيَّ، وهو قِطْعَتانِ مِن صُفْرٍ تُضْرَبُ إحْداهُما بِالأُخْرى، فَإنَّهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو الَّذِي لا يُطْرِبُ مُنْفَرِدًا، لَكِنْ يَزِيدُ الغِناءَ طَرَبًا، وذُكِرَ أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ المُخَنَّثُونَ في بَعْضِ البِلادِ، ولا يَبْعُدُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالحُرْمَةِ، ومِنها اليَراعُ، وهو الشَّبّابَةُ، فَإنَّهُ مُطْرِبٌ بِانْفِرادِهِ، بَلْ قالَ بَعْضُ أهْلِ المُوسِيقى: إنَّهُ آلَةٌ كامِلَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ النَّغَماتِ إلّا يَسِيرًا، وقَدْ أطْنَبَ الإمامُ الدَّوْلَقِيُّ، وهو مِن أجِلَّةِ صفحة 77 العُلَماءِ في دَلائِلِ تَحْرِيمِهِ، ومِنها القِياسُ، وهو إمّا أوْلى أوْ مُساوٍ، وقالَ: العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ هو مِن أهْلِ العِلْمِ يَزْعُمُ أنَّ الشَّبّابَةَ حَلالٌ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ التّاجِ السُّبْكِيِّ في تَوْشِيحِهِ: لَمْ يُقَرَّ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ اليَراعِ مَعَ كَثْرَةِ التَّتَبُّعِ، والَّذِي أُراهُ الحِلَّ، فَإنِ انْضَمَّ إلَيْهِ مُحَرَّمٌ فَلِكُلٍّ مِنهُما حِكْمَةٌ، ثُمَّ الأوْلى عِنْدِي لِمَن لَيْسَ مِن أهْلِ الذَّوْقِ الإعْراضُ عَنْهُ مُطْلَقًا، لِأنَّ غايَةَ ما فِيهِ حُصُولُ لَذَّةٍ نَفْسانِيَّةٍ، وهي لَيْسَتْ مِنَ المَطالِبِ الشَّرْعِيَّةِ، وأمّا أهْلُ الذَّوْقِ فَحالُهم مُسَلَّمٌ إلَيْهِمْ، وهم عَلى حَسَبِ ما يَجِدُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ اهـ. وحُكِيَ عَنِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، وابْنِ دَقِيقِ العِيدِ أنَّهُما كانا يَسْمَعانِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ، وبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الأجِلَّةِ، ولا يَبْعُدُ حِلُّها إذا صَفَّرَ فِيها كالأطْفالِ والرِّعاءِ عَلى غَيْرِ القانُونِ المَعْرُوفِ مِنَ الإطْرابِ. ومِنها العُودُ، وهو آلَةٌ لِلَّهْوِ غَيْرُ الطُّنْبُورِ، وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلَيْهِ، وحِكايَةُ النَّجِسِ ابْنِ طاهِرٍ عَنِ الشَّيْخِ أبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ أنَّهُ كانَ يَسْمَعُ العُودَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِ وتَهَوُّرِهِ، كَدَعْواهُ إجْماعَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى إباحَةِ الغِناءِ واللَّهْوِ، ومِثْلُهُ في المُجازَفَةِ وارْتِكابِ الأباطِيلِ عَلى الجَزْمِ ابْنُ حَزْمٍ، لا الدُّفَّ، فَيَجُوزُ ضَرْبُهُ مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، لا مِنِ امْرَأةٍ فَقَطْ خِلافًا لِلْحَلِيمِيِّ، واسْتِماعُهُ لِعُرْسٍ ونِكاحٍ وكَذا غَيْرِهِما مِن كُلِّ سُرُورٍ في الأصَحِّ، وبِحِلِّ ذِي الجَلاجِلِ مِنهُ، وهي إمّا نَحْوُ حِلَقٍ يُجْعَلُ داخِلَهُ كَدُفِّ العَرَبِ، أوْ صُنُوجٍ عِراضٍ مِن صُفْرٍ تُجْعَلُ في حُرُوفِ دائِرَتِهِ كَدُفِّ العَجَمِ، جَزَمَ جَماعَةٌ وجَزَمَ آخَرُونَ بِحُرْمَتِهِ، وبِها أقُولُ، لِأنَّهُ كَما قالَ الأذْرُعِيُّ أشَدُّ إطْرابًا مِنَ أكْثَرِ المَلاهِي المُتَّفَقِ عَلى تَحْرِيمِها، وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ ألَّفُوا رَسائِلَ في حِلِّ الأوْتارِ والمَزامِيرِ وغَيْرِها مِن آلاتِ اللَّهْوِ وأتَوْا فِيها بِكَذِبٍ عَجِيبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلى أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والتّابِعِينَ والعُلَماءِ العامِلِينَ، وقَلَّدَهم في ذَلِكَ مَن لَعِبَ بِهِ الشَّيْطانُ وهَوى بِهِ الهَوى إلى هُوَّةِ الحِرْمانِ، فَهو عَنِ الحَقِّ بِمَعْزِلٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ حَقِيقَةِ التَّصَوُّفِ ألْفُ ألْفُ مَنزِلٍ، وإذا تَحَقَّقَ لَدَيْكَ قَوْلُ بَعْضِ الكِبارِ بِحِلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا تَغْتَرَّ بِهِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ أئِمَّةُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ وغَيْرُهم مِنَ الأكابِرِ المُؤَيَّدِ بِالأدِلَّةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَأْتِيها الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْها، ولا مِن خَلْفِها، وكُلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ ما عَدا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن رُزِقَ عَقْلًا مُسْتَقِيمًا وقَلْبًا مِنَ الأهْواءِ الفاسِدَةِ سَلِيمًا لا يَشُكُّ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، وأنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَقاصِدِ شَرِيعَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ الإباحَةِ عَلى حِلِّ الشَّبّابَةِ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، عَنْ نافِعٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (أنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ زُمّارَةِ راعٍ، فَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، وعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ وجَعَلَ يَقُولُ: يا نافِعُ أتَسْمَعُ، فَأقُولُ: نَعَمْ، فَلَمّا قُلْتُ: لا، رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُهُ)،» وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ أيْضًا، وسَألَ عَنْهُ الحافِظَ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ السَّلامِيَّ فَقالَ: إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرِ ابْنَ عُمَرَ وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ كَما قالَ الحافِظُ المَذْكُورُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِسَدِّ أُذُنَيْهِ، ولا نَهى الفاعِلَ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ حَرامًا لَأمَرَ ونَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَدَّ أُذُنَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ ذاكَ في حالِ ذِكْرٍ، أوْ فِكْرٍ، وكانَ السَّماعُ يَشْغَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما فَعَلَهُ ﷺ تَنْزِيهًا، وقالَ الأذْرُعِيُّ: بِهَذا الحَدِيثِ اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى تَحْرِيمِ المَزامِيرِ، وعَلَيْهِ بَنَوُا التَّحْرِيمَ في الشَّبّابَةِ اهـ. والحَقُّ عِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في حُرْمَتِها لِأنَّ سَدَّ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ السَّماعِ مِن بابِ فِعْلِهِ ﷺ، ولَيْسَ مِمّا وضُحَ فِيهِ أمْرُ الجِبِلَّةِ ولا ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا مِمّا وضَحَ أنَّهُ بَيانٌ لِنَصِّ عِلْمِ جِهَتِهِ مِنَ الوُجُوبِ صفحة 78 والنَّدْبِ والإباحَةِ، فَإنْ كانَ مِمّا عُلِمَتْ صِفَتُهُ، فَلا يَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ الوُجُوبَ أوِ النَّدْبَ، أوِ الإباحَةَ، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ الوُجُوبَ المُسْتَلْزِمَ لِحُرْمَةِ سَماعِ اليَراعِ إذْ لا قائِلَ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى أحَدٍ سَدُّ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ سَماعٍ مُحَرَّمٍ، إذْ يَأْمَنُ الإثْمَ بِعَدَمِ القَصْدِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ الحَرامَ الِاسْتِماعُ لا مُجَرَّدُ السَّماعِ بِلا قَصْدٍ، وفي الزَّواجِرِ: المَمْنُوعُ هو الِاسْتِماعُ لا السَّماعُ لا عَنْ قَصْدٍ اتِّفاقًا، ومِن ثَمَّ صَرَّحَ أصْحابُنا - يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ - أنَّ مَن بِجِوارِهِ آلاتٌ مُحَرَّمَةٌ ولا يُمْكِنُهُ إزالَتُها لا يَلْزَمُهُ النُّقْلَةُ، ولا يَأْثَمُ بِسَماعِها لا عَنْ قَصْدٍ وإصْغاءٍ اهـ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ عِنْدَ سائِرِ الأئِمَّةِ، نَعَمْ لَهم تَفْصِيلٌ في القُعُودِ في مَكانٍ فِيهِ نَحْوُ ذَلِكَ، قالَ في تَنْوِيرِ الأبْصارِ وشَرْحِهِ الدُّرِّ المُخْتارِ: دُعِيَ إلى ولِيمَةٍ وثَمَّةَ لَعِبٍ وغِناءٍ قَعَدَ، وأكَلَ، ولَوْ عَلى المائِدَةِ، لا يَنْبَغِي أنْ يَقْعُدَ بَلْ يَخْرُجَ مُعْرِضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنْعامِ: 68]، فَإنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ فَعَلَ وإلّا يَقْدِرُ صَبَرَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، فَإنْ كانَ مُقْتَدًى بِهِ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى المَنعِ خَرَجَ، ولا يَقْعُدُ، لِأنَّ فِيهِ شَيْنُ الدِّينِ، والمَحْكِيُّ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ، وإنْ عَلِمَ أوَّلًا لا يَحْضُرُ أصْلًا، سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ أوْ لا اهـ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُها النَّدْبَ أوِ الإباحَةَ وكِلا الأمْرَيْنِ لا يَسْتَلْزِمانِ الحُرْمَةَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا يُنْدَبُ سَدُّ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ سَماعِهِ احْتِياطًا مِن أنْ يَدْعُوَ إلى الِاسْتِماعِ المُحَرَّمِ أوِ المَكْرُوهِ، وإنْ كانَ مِمّا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ فَقَدْ قالُوا فِيما كانَ كَذَلِكَ المَذاهِبُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ خَمْسَةٌ، الوُجُوبُ والنَّدْبُ والإباحَةُ والوَقْفُ والتَّفْصِيلُ، وهو أنَّهُ إنْ ظَهَرَ قَصْدُ القُرْبَةِ فالنَّدْبُ، وإلّا فالإباحَةُ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا الحالُ عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الخَبَرُ إنْ كانَ الزَّمْرُ بِزُمّارَةِ الرّاعِي عَلى وجْهِ التَّأنُّقِ وإجْراءِ النَّغَماتِ الَّتِي تُحَرِّكُ الشَّهَواتِ كَما يَفْعَلُهُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ صَنْعَتَهُ اليَوْمَ، فاسْتِماعُهُ حَرامٌ، وسَدُّ الأُذُنَيْنِ المُشارُ إلَيْهِ فِيهِ لَعَلَّهُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أحَدَ طُرُقِ الِاحْتِياطِ المَعْلُومِ حالُهُ لِئَلّا يَجُرَّهم ذَلِكَ إلى الِاسْتِماعِ، وإلّا فالِاسْتِماعُ لِمَكانِ العِصْمَةِ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن عَرَفَ قَدْرَ الصَّحابَةِ، واطَّلَعَ عَلى سَبِيلِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى التَّأسِّي بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَدَّ أُذُنَيْهِ أيْضًا تَأسِّيًا، ويَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الخَبَرُ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أتَسْمَعُ؟ عَلى مَعْنى تَسَمَّعْ، أتَسْمَعُ، وإنَّما أسْقَطَ تَسَمَّعْ، لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، إذْ مَن سَدَّ أُذُنَيْهِ لا يَسْمَعُ، وإنَّما أذِنَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ لِمَوْضِعِ الحاجَةِ، وهَذا أقْرَبُ مِنَ احْتِمالِ كَوْنِ سَدِّ الأُذُنَيْنِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ كانَ في حالِ ذِكْرٍ، أوْ فِكْرٍ، وكانَ يَشْغَلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ السَّماعِ. وأمّا عَدَمُ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن كانَ يُزَمِّرُ عَنِ الزَّمْرِ، والإنْكارِ عَلَيْهِ، فَلا يُسَلَّمُ دِلالَتُهُ عَلى الجَوازِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصَّوْتُ جاءَ مِن بَعِيدٍ، وبَيْنَ الزّامِرِ وبَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، أوْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُ ﷺ لِأنَّ الصَّوْتَ قَدْ جاءَ مِن وراءِ حِجابٍ، ولا تَتَحَقَّقُ القُدْرَةُ مَعَهُ عَلى الإنْكارِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ، وعُلِمَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الإصْرارُ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ قَدْ عُلِمَ إصْرارُ ذَلِكَ الفاعِلِ عَلى فِعْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كاخْتِلافِ أهْلِ الذِّمَّةِ إلى كَنائِسِهِمْ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ لا يَدُلُّ السُّكُوتُ وعَدَمُ الإنْكارِ عَلى الجَوازِ إجْماعًا، ومَن قالَ بِأنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالفُرُوعِ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزّامِرُ كافِرًا، وأنَّ السُّكُوتَ في حَقِّهِ لَيْسَ دَلِيلَ الجَوازِ، وإنْ كانَ الزَّمْرُ بِها لا عَلى وجْهِ التَّأنُّقِ وإجْراءِ النَّغَماتِ الَّتِي تُحَرِّكُ الشَّهَواتِ فَلا بُعْدَ في صفحة 79 أنْ يُقالَ بِالجَوازِ والإباحَةِ فِعْلًا واسْتِماعًا، وسَدُّ الأُذُنَيْنِ عَلَيْهِ لِغايَةِ التَّنَزُّهِ اللّائِقِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُ الأذْرُعِيِّ في الجَوابِ: إنَّ قَوْلَهُ في الخَبَرِ: زَمّارَةُ راعٍ لا يُعَيِّنُ أنَّها الشَّبّابَةُ، فَإنَّ الرُّعاةَ يَضْرِبُونَ بِالشُّعَيْبِيَّةِ وغَيْرِها يُوهِمُ أنَّ ما يُسَمّى شُعَيْبِيَّةً مُباحٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّها عِبارَةٌ عَنْ عِدَّةِ قَصَباتٍ صِغارٍ، ولَها إطْرابٌ بِحَسَبِ حِذْقِ مُتَعاطِيها، فَهي شَبّابَةٌ، أوْ مِزْمارٌ لا مَحالَةَ، وفي إباحَةِ ذَلِكَ كَلامٌ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ نَقُولُ: إنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ رَواهُ أبُو داوُدَ، وقالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ، وعَلَيْهِ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلطَّرَفَيْنِ، وكَفى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ القِتالَ، ثُمَّ إنَّكَ إذا ابْتُلِيتَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ فِعْلَهُ أوِ اسْتِماعَهُ قُرْبَةٌ كَما يَعْتَقِدُ ذَلِكَ مَن لا خَلاقَ لَهُ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا لَما أهْمَلَ الأنْبِياءُ أنْ يَفْعَلُوهُ، ويَأْمُرُوا أتْباعَهم بِهِ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا أشارَ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّماءِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ ولَوْ كانَ اسْتِعْمالُ المَلاهِي المُطْرِباتِ أوِ اسْتِماعُها مِنَ الدِّينِ، ومِمّا يُقَرِّبُ إلى حَضْرَةِ رَبِّ العالَمِينَ لَبَيَّنَهُ ﷺ وأوْضَحَهُ كَمالَ الإيضاحِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكم مِنَ الجَنَّةِ ويُباعِدُكم عَنِ النّارِ إلّا أمَرْتُكم بِهِ، وما تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكم مِنَ النّارِ ويُباعِدُكم عَنِ الجَنَّةِ إلّا نَهَيْتُكم عَنْهُ»» وما ذُكِرَ داخِلٌ في الشِّقِّ الثّانِي كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ سَلِيمٌ، وعَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ، فَتَأمَّلْ، وأنْصِفْ، وإيّاكَ مِنَ الِاعْتِراضِ قَبْلَ أنْ تُراجِعَ تَعَرَّفْ، ولَنا عَوْدَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْكَلامِ في هَذا المَطْلَبِ، يَسَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَنا بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأعْظَمِ ﷺ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لَهْوَ الحَدِيثِ الكُتُبُ الَّتِي اشْتَراها النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى حُرْمَةِ مُطالَعَةِ كُتُبِ تَوارِيخِ الفُرْسِ القَدِيمَةِ، وسَماعِ ما فِيها وقِراءَتِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ، ولا يَخْفى أنَّ فِيها مِنَ الكَذِبِ ما فِيها، فالِاشْتِغالُ بِها لِغَيْرِ غَرَضٍ دِينِيٍّ خَوْضٌ في الباطِلِ، وعَدَّهُ ابْنُ نُجَيْمٍ في رِسالَتِهِ في بَيانِ المَعاصِي مِنَ الصَّغائِرِ، ومَثَّلَ لَهُ بِذِكْرِ تَنَعُّمِ المُلُوكِ والأغْنِياءِ فافْهَمْ هَذا، ومِنَ الغَرِيبِ البَعِيدِ وفِيهِ جَعْلُ الِاشْتِراءِ بِمَعْنى البَيْعِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّحْرِيرِ قالَ: يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أرادَ سُبْحانَهُ بِلَهْوِ الحَدِيثِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الأحادِيثِ في تَقْوِيَةِ دِينِهِمْ، والأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرِ صِفَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ التَّوْراةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن ولَدِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْصِدُونَ صَدَّ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وأُطْلِقَ اسْمُ الِاشْتِراءِ لِكَوْنِهِمْ يَأْخُذُونَ عَلى ذَلِكَ الرِّشا والجَعائِلَ مِن مُلُوكِهِمْ، وقالَ: يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِسَبِيلِهِ تَعالى دِينُهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ قِراءَةُ كِتابِهِ سُبْحانَهُ، أوْ ما يَعُمُّهُما، واللّامُ في ( لِيُضِلَّ ) لِلتَّعْلِيلِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو «لِيَضِلَّ» بِفَتْحِ الياءِ، والمُرادُ لِيَثْبُتَ عَلى ضَلالِهِ ويَزِيدَ فِيهِ، فَإنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ ضالٌّ قَبْلُ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ، وكَوْنُها عَلى أصْلِها كَما قِيلَ بَعِيدٌ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَدْ وضَعَ «لِيَضِلَّ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَوْضِعَ (لِيُضِلَّ) مِن قِبَلِ أنَّ مَن أضَلَّ كانَ ضالًّا لا مَحالَةَ، فَدَلَّ بِالرَّدِيفِ، وهو الضَّلالُ عَلى المَرْدُوفِ وهو الإضْلالُ، ووَجْهُ الدِّلالَةِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّلالِ الضَّلالُ المُضاعَفُ في شَأْنِ مَن جانَبَ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى، وتَرَكَهُ رَأْسًا، وهَذا الضَّلالُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الإضْلالِ، وبِالعَكْسِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ نَظَرُ صاحِبِ الفَرائِدِ بِأنَّ الضَّلالَ لا يَلْزَمُهُ إلّا ضَلالٌ، وفِيهِ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وبَقاءُ اللّامِ عَلى حَقِيقَتِها، وهي عَلى الوَجْهَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَشْتَرِي )،﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ أيْضًا أيْ يَشْتَرِي ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِالتِّجارَةِ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الضَّلالَ بِالهُدى والباطِلَ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا (بِيُضِلَّ) أيْ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ تَعالى جاهِلًا أنَّها سَبِيلُهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ جاهِلًا أنَّهُ يُضِلُّ، أوْ جاهِلًا الحَقَّ، ﴿ويَتَّخِذَها﴾ صفحة 80 بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى «يُضِلَّ» والضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، فَإنَّهُ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْآياتِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأحادِيثِ، لِأنَّ الحَدِيثَ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الأحادِيثِ، وهو كَما تَرى، ﴿هُزُوًا﴾ أيْ مَهْزُوءًا بِهِ. وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ( يَتَّخِذُها ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ( يَشْتَرِي )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هُوَ، ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِما اتَّصَفُوا بِهِ مِن إهانَتِهِمُ الحَقَّ بِإيثارِ الباطِلِ عَلَيْهِ، وتَرْغِيبِ النّاسِ فِيهِ، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، ( وأُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى ( مَن )، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ المَنزِلَةِ في الشَّرارَةِ، والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ والضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى:

لقمان 31:7

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ﴾ فَفي الآيَةِ مُراعاةُ اللَّفْظِ، ثُمَّ مُراعاةُ المَعْنى، ثُمَّ مُراعاةُ اللَّفْظِ، ونَظِيرُها في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [الطَّلاقِ: 2] ( ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ) الآيَةَ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولا نَعْلَمُ جاءَ في القُرْآنِ ما حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ عَلى المَعْنى ثُمَّ عَلى اللَّفْظِ غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ لَها نَظائِرَ، أيْ وإذا تُتْلى عَلى المُشْتَرِي المَذْكُورِ ﴿آياتُنا﴾ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ ﴿ولّى﴾ أعْرَضَ عَنْها غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِها، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، فالِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى التَّفَعُّلِ، ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( ولّى )، أوْ مِن ضَمِيرِ ( مُسْتَكْبِرًا )، أيْ مُشابِهًا حالُهُ في إعْراضِهِ تَكَبُّرًا، أوْ في تَكَبُّرِهِ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْها، وهو سامِعٌ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ مَن سَمِعَها لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ التَّوْلِيَةُ والِاسْتِكْبارُ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها، والخُضُوعِ لَها، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ الخَنْساءِ: أيا شَجَرَ الخابُورِ ما لَكَ مُورِقًا كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ ( وكَأنِ ) المُخَفَّفَةُ مُلْغاةٌ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ شَأْنٍ فِيها، وبَعْضُهم يُقَدِّرُهُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ أيْ صَمَمًا مانِعًا مِنَ السَّماعِ، وأصْلُ مَعْنى الوَقْرِ الحِمْلُ الثَّقِيلُ، اسْتُعِيرَ لِلصَّمَمِ، ثُمَّ غَلَبَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً فِيهِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَمْ يَسْمَعْها) أوْ هي بَدَلٌ مِنها بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَيانٌ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن أحَدِ السّابِقَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والمُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ التَّرَقِّي في الذَّمِّ، وتَثْقِيلُ ( كَأنَّ ) في الثّانِيَةِ كَأنَّهُ لِمُناسَبَتِهِ لِلثِّقَلِ في مَعْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ «فِي أُذْنَيْهِ» بِسُكُونِ الذّالِ تَخْفِيفًا، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ أعْلِمْهُ أنَّ العَذابَ المُفْرِطَ في الإيلامِ لاحِقٌ بِهِ لا مَحالَةَ، وذَكَرَ البِشارَةَ لِلتَّهَكُّمِ.

لقمان 31:8

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ بِآياتِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ بِها، أيْ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِهِ تَعالى وعَمِلُوا بِمُوجَبِها ﴿لَهُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما ذُكِرَ مِن إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيِ النَّعِيمُ الكَثِيرُ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلَيْهِ نَظِيرَ قَوْلِكَ: كُتُبُ الفِقْهِ. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ لَهم نَعِيمَها بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَهو أبْلَغُ مِن: لَهم نَعِيمُ الجَنّاتِ، إذْ لا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ نَفْسُ الجَنّاتِ مِلْكًا لَهُمْ، فَقَدْ يَتَنَعَّمُ بِالشَّيْءِ غَيْرُ مالِكِهِ، وقِيلَ: في وجْهِ الأبْلَغِيَّةِ إنَّهُ لِجَعْلِ النَّعِيمِ فِيهِ أصْلًا مُيِّزَتْ بِهِ الجَنّاتُ فَيُفِيدُ كَثْرَةَ النَّعِيمِ، وشُهْرَتَهُ، وأيًّا ما كانَ فَجَنّاتُ النَّعِيمِ هي الجَنّاتُ المَعْرُوفَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: (جَنّاتُ النَّعِيمِ بَيْنَ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ وبَيْنَ جَنّاتِ عَدْنٍ، وفِيها جَوارٍ خُلِقْنَ مِن ورْدِ الجَنَّةِ، قِيلَ: ومَن يَسْكُنُها؟ قالَ: الَّذِينَ هَمُّوا بِالمَعاصِي، فَلَمّا ذَكَرُوا عَظَمَتِي راقَبُونِي، والَّذِينَ انْثَنَتْ أصْلابُهم في خَشْيَتِي)، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، قِيلَ: والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ ( لَهم ) هو الخَبَرُ لِأنَّ صفحة 81 ( وجَنّاتُ النَّعِيمِ ) مُرْتَفِعًا بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

لقمان 31:9

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أوِ المُسْتَتِرِ في ( لَهم ) بِناءً عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، أوْ مِن ( جَنّاتُ ) بِناءً عَلى أنَّهُ فاعِلُ الظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا والعامِلُ ما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «خالِدُونَ» بِالواوِ، وهو بِتَقْدِيرِ هُوَ، ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ لِما هو كَنَفْسِهِ، وهي الجُمْلَةُ الصَّرِيحَةُ في مَعْناهُ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في الوَعْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ يُعَدُّ مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ وعْدٍ حَقًّا في نَفْسِهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِوَعْدِ اللَّهِ المُؤَكَّدِ، وأنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِتِلْكَ الجُمْلَةِ مَعْدُودًا مِنَ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ بِناءً عَلى دِلالَتِها عَلى التَّحْقِيقِ والثَّباتِ مِن أوْجُهٍ عِدَّةٍ، وهو بَعِيدٌ. وفي الكَشْفِ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ الأخْبارَ المُؤَكَّدَةَ لا تَخْرُجُ عَنِ احْتِمالِ البُطْلانِ فَتَأْمَّلْ، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ لِيُمْنَعَ مِن إنْجازِ وعْدِهِ وتَحْقِيقِ وعِيدِهِ، ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، ويُفْهَمُ هَذا الحَصْرُ مِنَ الفَحْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِحَقِّيَّةِ وعْدِهِ تَعالى المَخْصُوصِ بِمَن ذَكَرَ المُومِي إلى الوَعِيدِ لِأضْدادِهِمْ.

لقمان 31:10

﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فَصَلَ فِيهِ عَلى عِزَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ وإتْقانُ العَمَلِ، وتَمْهِيدُ قاعِدَةِ التَّوْحِيدِ وتَقْرِيرُهُ وإبْطالُ أمْرِ الإشْراكِ، وتَبْكِيتُ أهْلِهِ، والعَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ كَأهَبٍ جَمْعُ إهابٍ، وهو ما يُعْمَدُ بِهِ أيْ يُسْنَدُ، يُقالُ عَمَّدْتُ الحائِطَ إذا دَعَّمْتَهُ، أيْ خَلَقَها بِغَيْرِ دَعائِمَ عَلى أنَّ الجَمْعَ لِتَعَدُّدِ السَّماواتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَوْنَها﴾ اسْتِئْنافٌ في جَوابِ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ: ما الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ؟ فَهو مَسُوقٌ لِإثْباتِ كَوْنِها بِلا عَمَدٍ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ لَها عَمَدٌ رُؤِيَتْ، فالجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلسَّماواتِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ لا عِلْمِيَّةٌ، حَتّى يَلْزَمَ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِعَمَدٍ، فالضَّمِيرُ لَها، أيْ خَلَقَها بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ عَلى التَّقْيِيدِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّهُ تَعالى عَمَّدَها بِعَمَدٍ لا تُرى، وهي عَمَدُ القُدْرَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَوْنُ عِمادِها في كُلِّ عَصْرٍ الإنْسانَ الكامِلَ في ذَلِكَ العَصْرِ، ولِذا إذا انْقَطَعَ الإنْسانُ الكامِلُ وذَلِكَ عِنْدَ انْقِطاعِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ تُطْوى السَّماواتُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَلامٌ لا عِمادَ لَهُ مِن كِتابٍ، أوْ سُنَّةٍ، فِيما نَعْلَمُ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ بَيانٌ لِصُنْعِهِ تَعالى البَدِيعِ في قَرارِ الأرْضِ إثْرَ بَيانِ صُنْعِهِ عَزَّ وجَلَّ الحَكِيمِ في قَرارِ السَّماواتِ، أيْ ألْقى فِيها جِبالًا شَوامِخَ، أوْ ثَوابِتَ كَراهَةَ ﴿أنْ تَمِيدَ﴾ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ أيْ تَضْطَرِبَ، ﴿بِكُمْ﴾ لَوْ لَمْ يُلْقِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها رَواسِيَ لِما أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ خَلْقَها عَلى حالٍ لَوْ خَلَتْ مَعَهُ عَنِ الجِبالِ لَمادَتْ بِالمِياهِ المُحِيطَةِ بِها الغامِرَةِ لِأكْثَرِها، والرِّياحِ العَواصِفِ الَّتِي تَقْتَضِي الحِكْمَةُ هُبُوبَها، أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَدُّ مِنهُ حَرَكَةُ ثَقِيلٍ عَلَيْها، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ أنَّهُ يَلْزَمُ بِناءً عَلى كُرَيَّةِ الأرْضِ ووُجُوبِ انْطِباقِ مَرْكَزِ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ حَرَكَتُها مَعَ ما فِيها مِن الجِبالِ بِسَبَبِ حَرَكَةٍ ثَقِيلَةٍ مِن جانِبٍ مِنها إلى آخَرَ، لِتَغَيُّرِ مَرْكَزِ الثِّقَلِ حِينَئِذٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، لِكَوْنِ الأثْقالِ المُتَحَرِّكَةِ عَلَيْها كَلا شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها مَعَ ما فِيها، ولَعَلَّ مَن يَعُدُّ حَرَكَةَ الثَّقِيلِ عَلَيْها مِن أسْبابِ المَيْدِ، لَوْ خَلَتْ مِنَ الجِبالِ يَقُولُ: لا يَبْعُدُ حَرَكَةُ ثَقِيلٍ عَلَيْها كَماءٍ جَرى مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، فاجْتَمَعَ حَتّى صارَ بَحْرًا عَظِيمًا مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ مِمّا تَنْقُلُهُ الأهْوِيَةُ مِنَ الرِّمالِ الكَثِيرَةِ والتُّرابِ، يَكُونُ لَهُ مِقْدارٌ يُعْتَدُّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ خالِيَةً مِنَ الجِبالِ، فَتَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ إلى خِلافِ جِهَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المَيْدَ لَوْلا الرَّواسِي بِنَحْوِ المِياهِ والرِّياحِ مُتَصَوَّرٌ صفحة 82 عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الأرْضِ كُرِّيَّةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الغَزالِيُّ، وكَذا ذَهَبَ إلى كُرِّيَّةِ السَّماءِ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفَلاسِفَةِ مُسْتَدِلِّينَ عَلَيْهِ بِما في التَّذْكِرَةِ وشُرُوحِها وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الحِسُّ والحَدْسُ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها غَيْرَ كَرَوِيَّةٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ، واخْتَلَفُوا في شَكْلِها عَلَيْهِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ، ولا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى انْحِصارِ حِكْمَةِ إلْقاءِ الرَّواسِي فِيها بِسَلامَتِها عَنِ المَيْدِ، فَإنَّ لِذَلِكَ حِكَمًا لا تُحْصى. وكَذا لا دِلالَةَ فِيها عَلى عَدَمِ حَرَكَتِها عَلى الِاسْتِدارَةِ دائِمًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ فِيثاغُورْسَ، ووَراءَهُ مَذاهِبُ أظْهَرُ بُطْلانًا مِنهُ. نَعَمِ الأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ﴿وبَثَّ فِيها﴾ أيْ أوْجَدَ، وأظْهَرَ، وأصْلُ البَثِّ الإثارَةُ والتَّفْرِيقُ ومِنهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقِعَةُ: 6]، ( و﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ) [القارِعَةُ: 4]، وفي تَأْخِيرِهِ إشارَةٌ إلى تَوَقُّفِهِ عَلى إزالَةِ المَيْدِ، ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها، ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ ماءً هو المَطَرُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وجُوِّزَ تَفْسِيرُها بِالمِظَلَّةِ، وكَوْنُ الإنْزالِ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وتَرْكُ التَّأْوِيلِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، إلّا إذا وُجِدَ مِنَ الأدِلَّةِ ما يَضْطَرُّنا إلَيْهِ، لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُشاهَدِ، ﴿فَأنْبَتْنا فِيها﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الماءِ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ صِنْفٍ ﴿كَرِيمٍ﴾ أيْ شَرِيفٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ، والِالتِفاتُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ في الفِعْلَيْنِ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِما لِتَكَرُّرِهِما مَعَ ما فِيهِما مِنَ اسْتِقامَةِ حالِ الحَيَوانِ، وعِمارَةِ الأرْضِ ما لا يَخْفى.

لقمان 31:11

﴿هَذا﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وسائِرِ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ مَخْلُوقُهُ، ﴿فَأرُونِي﴾ أيْ أعْلِمُونِي، وأخْبِرُونِي، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَأرُونِي ماذا ﴿خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِمّا اتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ حَتّى اسْتَحَقُّوا بِهِ العُبُودِيَّةَ، وماذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا واحِدًا اسْتِفْهامِيًّا، ويَكُونُ مَفْعُولًا (لِخَلَقَ) مُقَدَّمًا لِصَدارَتِهِ، وأنْ يَكُونَ (ما) وحَدْها اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأً، (وذا) اسْمَ مَوْصُولٍ خَبَرَها، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي (لِأرُونِي)، وأنْ يَكُونَ (ماذا) كُلُّهُ اسْمًا مَوْصُولًا، فَقَدِ اسْتُعْمِلَ كَذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، ويَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ في الوَجْهَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ البَيِّنِ المُسْتَدْعِي لِلْإعْراضِ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ بِالمُقَدِّماتِ المَعْقُولَةِ الحَقَّةِ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا، فَيَهْتَدُوا بِهِ إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، أوْ يَتَأثَّرُوا مِنَ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ فَيَنْزَجِرُوا عَنْهُ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم بِإشْراكِهِمْ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومُتَعَدُّونَ عَنِ الحَدِّ وظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.

لقمان 31:12

﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ بِالنَّقْلِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالعَقْلِ. ولُقْمانُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّقَمِ، وهو عَلى ما قِيلَ: ابْنُ باعُوراءَ قالَ وهْبٌ: وكانَ ابْنَ أُخْتِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ خالَتِهِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّهَيْلِيُّ: هو ابْنُ عَنْقا بْنِ سَرُّونَ، وقِيلَ: كانَ مِن أوْلادِ آزَرَ، وعاشَ ألْفَ سَنَةٍ، وأدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بُعِثَ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ فَقالَ: ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ، وقِيلَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الواقِدِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ زَمانُهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ، وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ صفحة 83 كانَ نَبِيًّا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. واخْتُلِفَ فِيهِ، أكانَ حُرًّا أوْ عَبْدًا؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ عَبْدًا. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: كانَ حَبَشِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وذَكَرَ مُجاهِدٌ في وصْفِهِ أنَّهُ كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُصَفَّحَ القَدَمَيْنِ، وقِيلَ: كانَ نُوبِيًّا مُشَقَّقَ الرِّجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما انْتَهى إلَيْكم مِن شَأْنِ لُقْمانَ ؟ قالَ: كانَ قَصِيرًا أفْطَسَ مِنَ النُّوبَةِ، وأخْرَجَ هُوَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لُقْمانَ كانَ أسْوَدَ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ، ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ. واخْتُلِفَ فِيما كانَ يُعانِيهِ مِنَ الأشْغالِ، فَقالَ خالِدُ بْنُ الرَّبِيعِ: كانَ نَجّارًا بِالرّاءِ، وفي مَعانِي الزَّجّاجِ: كانَ نَجّادًا بِالدّالِ، وهو عَلى وزْنِ كَتّانٍ مَن يُعالِجُ الفَرْشَ والوَسائِدَ ويَخِيطُهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، وهو أعَمُّ مِنَ النَّجّادِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ راعِيًا، وقِيلَ: كانَ يَحْتَطِبُ لِمَوْلاهُ كُلَّ يَوْمٍ حُزْمَةً، ولا وُثُوقَ لِي بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، وإنَّما نَقَلْتُها تَأسِّيًا بِمَن نَقَلَها مِنَ المُفَسِّرِينَ الأخْيارِ، غَيْرَ أنِّي أخْتارُ أنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا حَكِيمًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. ( والحِكْمَةُ ) عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَقْلُ والفَهْمُ والفِطْنَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها العَقْلُ، والفِقْهُ، والإصابَةُ في القَوْلِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَعْرِفَةُ المَوْجُوداتِ، وفِعْلُ الخَيْراتِ، وقالَ الإمامُ: هي عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، ثُمَّ قالَ: وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدًا بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي المَنطِقُ الَّذِي يَتَّعِظُ بِهِ، ويَتَنَبَّهُ، ويَتَناقَلُهُ النّاسُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: إتْقانُ الشَّيْءِ عِلْمًا وعَمَلًا، وقِيلَ: كَمالٌ حاصِلٌ بِاسْتِكْمالِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها، وفَسَّرَها كَثِيرٌ مِنَ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ. ولَهم تَفْسِيراتٌ أُخَرُ، وما لَها وما عَلَيْها مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ مَذْكُورانِ في كُتُبِهِمْ، ومِن حِكْمَتِهِ قَوْلُهُ لِابْنِهِ: أيْ بُنَيَّ، إنَّ الدُّنْيا بَحْرٌ عَمِيقٌ، وقَدْ غَرِقَ فِيها ناسٌ كَثِيرٌ، فاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيها تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَشَوْها الإيمانَ، وشِراعَها التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، لَعَلَّكَ أنْ تَنْجُوَ، ولا أُراكَ ناجِيًا، وقَوْلُهُ: مَن كانَ لَهُ مِن نَفْسِهِ واعِظٌ كانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حافِظٌ، ومَن أنْصَفَ النّاسَ مِن نَفْسِهِ زادَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ عِزًّا، والذُّلُّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالمَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ضَرْبُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ كالسِّمادِ لِلزَّرْعِ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والدَّيْنَ، فَإنَّهُ ذُلُّ النَّهارِ، وهَمُّ اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ يا بُنَيَّ ارْجُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَجاءً لا يُجْرِيكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ تَعالى، وخِفِ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَوْفًا لا يُؤْيِسَكَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ: مَن كَذَبَ ذَهَبَ ماءُ وجْهِهِ، ومَن ساءَ خُلُقُهُ كَثُرَ غَمُّهُ، ونَقْلُ الصُّخُورِ مِن مَواضِعِها أيْسَرُ مِن إفْهامِ مَن لا يَفْهَمُ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ حَمَلْتُ الجَنْدَلَ والحَدِيدَ وكُلَّ شَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أحْمِلْ شَيْئًا هو أثْقَلُ مِن جارِ السُّوءِ، وذُقْتُ المَرارَ فَلَمْ أذُقْ شَيْئًا هو أمَرُّ مِنَ الفَقْرِ، يا بُنَيَّ لا تُرْسِلْ رَسُولَكَ جاهِلًا، فَإنْ لَمْ تَجِدْ حَكِيمًا فَكُنْ رَسُولَ نَفْسِكَ، يا بُنَيَّ إيّاكَ والكَذِبَ، فَإنَّهُ شَهِيٌّ كَلَحْمِ العُصْفُورِ عَمّا قَلِيلٍ يَغْلِي صاحِبُهُ، يا بُنَيَّ احْضُرِ الجَنائِزَ ولا تَحْضُرِ العُرْسَ، فَإنَّ الجَنائِزَ تُذَكِّرُكَ الآخِرَةَ والعُرْسَ يُشَهِّيكَ الدُّنْيا، يا بُنَيَّ لا تَأْكُلْ شِبَعًا عَلى شِبَعٍ، فَإنَّ إلْقاءَكَ إيّاهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ مِن أنْ تَأْكُلَهُ، يا بُنَيَّ لا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعَ، ولا مُرًّا فَتُلْفَظَ، وقَوْلُهُ لِابْنِهِ: لا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا الأتْقِياءُ، وشاوِرْ في أمْرِكَ العُلَماءَ، وقَوْلُهُ: لا خَيْرَ في أنْ تَتَعَلَّمَ صفحة 84 ما لَمْ تَعْلَمْ، ولَمّا تَعْمَلُ بِما قَدْ عَلِمْتَ فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ رَجُلٌ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَمَلَ حُزْمَةً وذَهَبَ يَحْمِلُها فَعَجَزَ عَنْها، فَضَمَّ إلَيْها أُخْرى، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إذا أرَدْتَ أنْ تُؤاخِيَ رَجُلًا فَأغْضِبْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنْ أنْصَفَكَ عِنْدَ غَضَبِهِ، وإلّا فاحْذَرْهُ، وقَوْلُهُ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، ولْيَكُنْ وجْهُكَ بَسْطًا تَكُنْ أحَبَّ إلى النّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ العَطاءَ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ أنْزِلْ نَفْسَكَ مِن صاحِبِكَ مَنزِلَةَ مَن لا حاجَةَ لَهُ بِكَ، ولا بُدَّ لَكَ مِنهُ، يا بُنَيَّ كُنْ كَمَن لا يَبْتَغِي مَحْمَدَةَ النّاسِ، ولا يَكْسِبُ ذَمَّهُمْ، فَنَفْسُهُ مِنهُ في عَناءٍ، والنّاسُ مِنهُ في راحَةٍ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ امْتَنِعْ بِما يَخْرُجُ مِن فِيكَ فَإنَّكَ ما سَكَتَّ سالِمٌ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ مِنَ القَوْلِ ما يَنْفَعُكَ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أيْ أيِ اشْكُرْ، عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وما بَعْدَها تَفْسِيرٌ لِإيتاءِ الحِكْمَةِ، وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، سَواءٌ كانَ بِإلْهامٍ، أوْ وحْيٍ، أوْ تَعْلِيمٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْحِكْمَةِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ، ولا يَفُوتُ مَعْنى الأمْرِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ. وحَكى سِيبَوَيْهِ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ (بِآياتِنا)، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً بِلا تَقْدِيرٍ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الحِكْمَةِ، وهو بَعِيدٌ، ﴿ومَن يَشْكُرْ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ ومَن يَشْكُرُ لَهُ تَعالى ﴿فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ مِنِ ارْتِباطِ القَيْدِ واسْتِجْلابِ المَزِيدِ والفَوْزِ بِجَنَّةِ الخُلُودِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ بِالفِعْلِ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ تَعالى جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ الحالِ، فَحَمِيدٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَحْمُودٍ عَلى الوَجْهَيْنِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَشْكُورًا لِما أنَّ الحَمْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلشُّكْرِ بَلْ هو رَأْسُهُ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ تَعالى عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ»» فَإثْباتُهُ لَهُ تَعالى إثْباتٌ لِلشُّكْرِ لَهُ قَطْعًا، وفي اخْتِيارِ صِيغَةِ المُضِيِّ في هَذا الشِّقِّ قِيلَ: إشارَةٌ إلى قُبْحِ الكُفْرانِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي إلّا أنْ يُعَدَّ في خَبَرِ كانَ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَثِيرٌ مُتَحَقِّقٌ بِخِلافِ الشُّكْرِ، ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٌ: 13]، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ قامَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَإنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، وكانَ الأصْلُ: ومَن كَفَرَ فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وحاصِلُهُ، ومَن كَفَرَ فَضَرَرُ كُفْرِهِ عائِدٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ سُبْحانَهُ بِالكُفْرِ، مَحْمُودٌ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ أوْ بِنُطْقِ ألْسِنَةِ الحالِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقاتٌ بِالشِّقِّ الثّانِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَنِيٌّ ) تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حَمِيدٌ﴾ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المُقَدَّرِ لِلشَّرْطِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ، وهُوَ: فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنهُما، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَتَدَبَّرْ.

لقمان 31:13

﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ تارانَ عَلى ما قالَ الطَّبَرِيُّ، والقُتَيْبِيُّ، وقِيلَ: ماثانُ بِالمُثَلَّثَةِ، وقِيلَ: أنْعَمُ، وقِيلَ: أشْكَمُ، وهُما بِوَزْنِ أفْعَلَ، وقِيلَ: مَشْكَمُ، بِالمِيمِ بَدَلَ الهَمْزَةِ، ( وإذْ ) مَعْمُولٌ لِـ(اذْكُرْ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لِآتَيْنا)، والتَّقْدِيرُ: وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ إذْ قالَ، واخْتُصِرَ لِدِلالَةِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والوَعْظُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ، وقالَ الخَلِيلُ: هو التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، ﴿يا بُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ ومَحَبَّةٍ لا تَصْغِيرُ تَحْقِيرٍ: صفحة 85 ولَكِنْ إذا ما حُبُّ شَيْءٍ تَوَلَّعَتْ بِهِ أحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ وقالَ آخَرُ: ما قُلْتُ حُبَيْبِي مِنَ التَّحْقِيرِ ∗∗∗ بَلْ يَعْذُبُ اسْمُ الشَّيْءِ بِالتَّصْغِيرِ وقَرَأ البَزِّيُّ هُنا «يا بُنَيْ» بِالسُّكُونِ، وفِيما بَعْدُ «يا بُنَيِّ إنَّها» بِكَسْرِ الياءِ، و﴿يا بُنَيَّ أقِمِ﴾ [لُقْمانُ: 17]، بِفَتْحِها، وقُنْبُلٌ بِالسُّكُونِ في الأُولى، والثّالِثَةِ، والكَسْرِ في الوُسْطى، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ يا بُنَيًّا، والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ فِيها، ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قِيلَ: كانَ ابْنُهُ كافِرًا ولِذا نَهاهُ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعِظُهُ حَتّى أسْلَمَ، وكَذا قِيلَ في امْرَأتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في نَعْتِ الخائِفِينَ عَنِ الفَضْلِ الرَّقاشِيِّ قالَ: ما زالَ لُقْمانُ يَعِظُ ابْنَهُ حَتّى ماتَ. وأخْرَجَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الكِنْدِيِّ قالَ: وضَعَ لُقْمانُ جِرابًا مِن خَرْدَلٍ، وجَعَلَ يَعِظُ ابْنَهُ مَوْعِظَةً، ويُخْرِجُ خَرْدَلَةً، فَنَفَدَ الخَرْدَلُ فَقالَ: يا بُنَيَّ لَقَدْ وعَظْتُكَ مَوْعِظَةً لَوْ وعَظْتُها جَبَلًا لَتَفَطَّرَ، فَتَفَطَّرَ ابْنُهُ، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا، والنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرٌ لَهُ عَنْ صُدُورِهِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ الباءَ لِلْقَسَمِ، أيْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويَقْتَضِيهِ كَلامُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، والكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوِ الِانْتِهاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: هو خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ كَلامِلُقْمانَ مُتَّصِلٌ بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، وكَوْنُ الشِّرْكِ ظُلْمًا لِما فِيهِ مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وكَوْنُهُ عَظِيمًا لِما فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ ومَن لا نِعْمَةَ لَهُ.

لقمان 31:14

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ في أثْناءِ وصِيَّةِ لُقْمانَ تَأْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ، فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقُلْهُ سُبْحانَهُ لِلُقْمانَ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِهِ تَعالى، قالَهُ جَلَّ وعَلا لَهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْنا لَهُ: اشْكُرْ، وقُلْنا لَهُ: وصَّيْنا الإنْسانَ إلَخْ، وفي البَحْرِ: لَمّا بَيَّنَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ ونَهاهُ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الطّاعَةَ أيْضًا تَكُونُ لِلْأبَوَيْنِ، وبَيَّنَ السَّبَبَ في ذَلِكَ، فَهو مِن كَلامِ لُقْمانَ مِمّا وصّى بِهِ ابْنَهُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والمَعْنى: وأمَرْنا الإنْسانَ بِرِعايَةِ والِدَيْهِ، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا﴾ أيْ ضَعْفًا ﴿عَلى وهْنٍ﴾ أيْ ضَعْفٍ، والمَصْدَرُ حالٌ مِن ( أُمُّهُ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذاتَ وهْنٍ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ نَفْسُهُ حالًا مُبالَغَةً لَكِنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، إذِ القِياسُ في الحالِ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ تَهِنُ وهْنًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( أُمُّهُ ) أيْضًا. وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ تَضْعُفُ ضَعْفًا مُتَزايِدًا بِازْدِيادِ ثِقَلِ الحَمْلِ إلى مُدَّةِ الطَّلْقِ، وقِيلَ: ضَعْفًا مُتَتابِعًا وهو ضَعْفُ الحَمْلِ، وضَعْفُ الطَّلْقِ، وضَعْفُ النِّفاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ( حَمَلَتْهُ ) العائِدِ عَلى ( الإنْسانَ )، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وهْنًا﴾ الوَلَدُ، ﴿عَلى وهْنٍ﴾ الوالِدَةُ وضَعْفُها، والمُرادُ أنَّها حَمَلَتْهُ حالَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا عَلى ضَعِيفٍ مِثْلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها حَمَلَتْهُ حالَ كَوْنِهِ مُتَزايِدَ الضَّعْفِ لِيُقالَ أنَّ ضَعْفَهُ لا يَتَزايَدُ، بَلْ يَنْقُصُ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: ( وهَنًا عَلى وهَنٍ ) بِفَتْحِ الهاءِ فِيهِما، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَحْرِيكِ العَيْنِ، إذا كانَتْ حَرْفَ حَلْقٍ كالشَّعْرِ والشَّعَرِ، عَلى القِياسِ المُطَّرِدِ عِنْدَ الكُوفِيِّ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ جِنِّي، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرَ وهِنَ بِكَسْرِ الهاءِ يُوهَنُ بِفَتْحِها، فَإنَّ مَصْدَرَهُ جاءَ كَذَلِكَ، وهَذا كَما يُقالُ: تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَبًا، كَما قِيلَ، وكَلامُ صاحِبِ القامُوسِ ظاهِرٌ في عَدَمِ صفحة 86 اخْتِصاصِ أحَدِ المَصْدَرَيْنِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ قالَ: الوَهْنُ الضَّعْفُ في العَمَلِ، ويُحَرَّكُ، والفِعْلُ كَوَعَدَ ووَرِثَ وكَرُمَ. ﴿وفِصالُهُ﴾ أيْ فِطامُهِ، وتَرْكُ إرْضاعِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ «وفَصْلُهُ» وهو أعَمُّ مِنَ الفِصالِ، والفِصالُ ها هُنا أوْقَعُ مِنَ الفَصْلِ، لِأنَّهُ مَوْقِعٌ يَخْتَصُّ بِالرَّضاعِ، وإنْ رَجَعا إلى أصْلٍ واحِدٍ عَلى ما قالَهُ الطِّيبِيُّ، ﴿فِي عامَيْنِ﴾ أيْ في انْقِضاءِ عامَيْنِ، أيْ في أوَّلِ زَمانِ انْقِضائِهِما، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ عامانِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وهو مُخْتارُ الطَّحاوِيِّ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحْقافُ: 15]، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وضَرَبَ لَهُما مُدَّةً فَكانَتْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِكَمالِها، كالأجَلِ المَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلى شَخْصَيْنِ بِأنْ قالَ: أجَّلْتُ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلى فُلانٍ والدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلى فُلانٍ سَنَةً، فَإنَّهُ يُفْهَمُ أنَّ السَّنَةَ بِكَمالِها لِكُلٍّ، أوْ عَلى شَخْصٍ بِأنْ قالَ لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ وعَشَرَةُ أقْفِزَةٍ إلى سَنَةٍ، فَصَدَّقَهُ المُقِرُّ لَهُ في الأجَلِ، فَإذا مَضَتِ السَّنَةُ يَتِمُّ أجَلُهُما جَمِيعًا، إلّا أنَّهُ قامَ النَّقْصُ في أحَدِهِما أعْنِي مُدَّةَ الحَمْلِ، لِقَوْلِ عائِشَةَ الَّذِي لا يُقالُ مِثْلُهُ إلّا سَماعًا: الوَلَدُ لا يَبْقى في بَطْنِ أُمِّهِ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ، ولَوْ بِقَدْرِ فَلَكَةِ مِغْزَلٍ، فَتَبْقى مُدَّةُ الفِصالِ عَلى ظاهِرِها، وما ذُكِرَ هُنا أقَلُّ مُدَّتِهِ وفِيهِ بَحْثٌ، ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ (لِوَصَّيْنا) كَما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، فَأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ قَبْلَها، وهو مُتَعَلِّقٌ (بِوَصَّيْنا) وبِلا تَقْدِيرٍ عَلى أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن – والِدَيْهِ - بَدَلَ الِاشْتِمالِ، وعَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ بِشُكْرِهِما، وذَكَرَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ صِحَّةَ شُكْرِهِما تَتَوَقَّفُ عَلى شُكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما قِيلَ في عَكْسِهِ: «(لا يَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ)،» ولِذا قَرَنَ بَيْنَهُما في الوَصِيَّةِ، وفي هَذا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الأمْرَ يَأْبى التَّفْسِيرَ، والتَّعْلِيلَ، والبَدَلِيَّةَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَرِيبًا، وعَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ – إلى - ﴿عامَيْنِ﴾ اعْتِراضًا مُؤَكِّدًا لِلتَّوْصِيَةِ في حَقِّ الأُمِّ خُصُوصًا، لِذِكْرِ ما قاسَتْهُ في تَرْبِيَتِهِ وحَمْلِهِ، ولِذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «لِمَن سَألَهُ عَمَّنْ يَبَرُّهُ: أُمُّكَ، وأجابَهُ عَنْ سُؤالِهِ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ». وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ حَمَلَ أُمَّهُ إلى الحَجِّ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يَقُولُ في حُدائِهِ: أحْمِلُ أُمِّي وهي الحَمّالَهْ تُرْضِعُنِي الدَّرَّةَ والعُلالَهْ ولا يُجازى والِدٌ فِعالَهْ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: لِأُمِّكَ حَقٌّ لَوْ عَلِمْتَ كَبِيرُ كَثِيرُكَ يا هَذا لَدَيْهِ يَسِيرُ ∗∗∗ فَكَمْ لَيْلَةٍ باتَتْ بِثِقْلِكَ تَشْتَكِي لَها مِن جَرّاها أنَّةٌ وزَفِيرُ ∗∗∗ وفي الوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْها مَشَقَّةٌ فَمِن غُصَصٍ لَها الفُؤادُ يَطِيرُ ∗∗∗ وكَمْ غَسَلَتْ عَنْكَ الأذى بِيَمِينِها وما حِجْرُها إلّا لَدَيْكَ سَرِيرُ ∗∗∗ وتَفْدِيكَ مِمّا تَشْتَكِيهِ بِنَفْسِها ومِن ثَدْيِها شِرْبٌ لَدَيْكَ نَمِيرُ ∗∗∗ وكَمْ مَرَّةٍ جاعَتْ وأعْطَتْكَ قُوتَها حُنُوًّا وإشْفاقًا وأنْتَ صَغِيرُ فَآهًا لِذِي عَقْلٍ ويُتَّبِعُ الهَوى ∗∗∗ وآهًا لِأعْمى القَلْبِ وهو بَصِيرُ فَدُونَكَ فارْغَبْ في عَمِيمِ دُعائِها ∗∗∗ فَأنْتَ لِما تَدْعُو بِهِ لَفَقِيرُ واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالشُّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ، فَقِيلَ هو الطّاعَةُ، وفِعْلُ ما يُرْضِي كالصَّلاةِ والصِّيامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى صفحة 87 وكالصِّلَةِ والبِرِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوالِدَيْنِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: (مَن صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى، ومَن دَعا لِوالِدَيْهِ في أدْبارِها فَقَدْ شَكَرَهُما)، ولَعَلَّ هَذا بَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ الشُّكْرِ، ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ إلى الرُّجُوعِ لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِمّا يُخالِفُ أمْرِي.

لقمان 31:15

﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ أيْ بِاسْتِحْقاقِهِ الإشْراكَ، أوْ بِشَرِكَتِهِ لَهُ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِلْمٌ﴾، (وما) مَفْعُولُ ( تُشْرِكَ ) كَما اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ جُعِلَ ( تُشْرِكَ ) بِمَعْنى تَكْفُرَ، وجُعِلَتْ (ما) نَكِرَةً، أوْ بِمَعْنى الَّذِي بِمَعْنى كُفْرًا، أوِ الكُفْرِ، وتَكُونُ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: وإنْ جاهَدَكَ الوالِدانِ عَلى أنْ تَكْفُرَ بِي كُفْرًا لَيْسَ لَكَ أوِ الكُفْرَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ بِصِحَّتِهِ، أوْ بِحَقِّيَّتِهِ عِلْمٌ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ نَفْيِ العِلْمِ لا نَفْيُ اسْتِمْرارِهِ، فَلا يَكُونُ الإشْراكُ إلّا تَقْلِيدًا. وفي الكَشّافِ أرادَ سُبْحانَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيَ ما يُشْرَكُ، أيْ لا تُشْرِكْ بِي ما لَيْسَ بِشَيْءٍ، يُرِيدُ عَزَّ وجَلَّ الأصْنامَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 42]، وجَعَلَهُ الطِّيبِيُّ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لازِمِهِ، وذَلِكَ أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ، فَإذا كانَ الشَّيْءُ مَعْدُومًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَوْجُودًا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ مِن بابِ: عَلَيَّ لاحِبٌ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ ما لَيْسَ بِإلَهٍ، فَيَكُونُ لَكَ عِلْمٌ بِإلَهِيَّتِهِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أرادَ أنَّهُ بُولِغَ في نَفْيِ الشَّرِيكِ حَتّى جُعِلَ كَلاشَيْءٍ، ثُمَّ بُولِغَ حَتّى ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ عِلْمٌ، والمَعْدُومُ يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ شَيْءٌ، فَأُدْخِلَ في سِلْكِ المَجْهُولِ مُطْلَقًا، ولَيْسَ مِن قَبِيلِ نَفْيِ العِلْمِ لِنَفْيِ وُجُودِهِ، وهَذا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهُ يَظْهَرُ تَرْجِيحُ هَذا المَسْلَكِ في هَذا المَقامِ عَلى أُسْلُوبِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ اهـ، فافْهَمْ، ولا تَغْفُلْ، ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أيْ صِحابًا مَعْرُوفًا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ، ويَقْتَضِيهِ الكَرَمُ والمُرُوءَةُ، كَإطْعامِهِما، وإكْسائِهِما وعَدَمِ جَفائِهِما، وانْتِهارِهِما، وعِيادَتِهِما إذا مَرِضا، ومُواراتِهِما إذا ماتا، وذَكَرَ ( في الدُّنْيا ) لِتَهْوِينِ أمْرِ الصُّحْبَةِ، والإشارَةِ إلى أنَّها في أيّامٍ قَلائِلَ وشِيكَةِ الِانْقِضاءِ فَلا يَضُرُّ تَحَمُّلُ مَشَقَّتِها لِقِلَّةِ أيّامِها وسُرْعَةِ انْصِرامِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّفْقَ بِهِما في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَ الدِّينِيَّةِ. وقِيلَ: ذَكَرَهُ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: «ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ»، ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ﴾ أيْ رَجَعَ ( إلَيَّ ) بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ بِالطّاعَةِ، وحاصِلُهُ: اتَّبِعْ سَبِيلَ المُخْلِصِينَ لا سَبِيلَهُما، ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكَ ورُجُوعُهُما، وزادَ بَعْضُهُما مَن أنابَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ،﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ﴾ الآيَةَ، كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ، وما هَذا الَّذِي أراكَ قَدْ أحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا، أوْ لا آكُلُ، ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي، فَيُقالُ: يا قاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمَّهْ، فَإنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ فَأصْبَحَتْ قَدْ جَهِدَتْ، فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدِ اشْتَدَّ جَهْدُها، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: يا أُمَّهْ، تَعْلَمِينَ واللَّهِ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا صفحة 88 ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَإنْ شِئْتِ فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ وما قَبْلَها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتا فِيهِ، قِيلَ: ولِكَوْنِ النُّزُولِ فِيهِ قِيلَ: (مَن أنابَ) بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ حَيْثُ أُرِيدَ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنَّ إسْلامَ سَعْدٍ كانَ بِسَبَبِ إسْلامِهِ. وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّهُ يُرِيدُ (بِمَن أنابَ) أبا بَكْرٍ وذَلِكَ أنَّهُ «حِينَ أسْلَمَ رَآهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: آمَنتَ، وصَدَّقْتَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: نَعَمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَآمَنُوا، وصَدَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ لِسَعْدٍ: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ يَعْنِي أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ،» وابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ (مَن أنابَ) مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وغَيْرُ واحِدٍ يَقُولُ: هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُؤْمِنُونَ، والظّاهِرُ هو العُمُومُ.

لقمان 31:16

﴿يا بُنَيَّ﴾ إلَخْ، رُجُوعٌ إلى القِصَّةِ بِذِكْرِ بَقِيَّةِ ما أُرِيدَ حِكايَتُهُ مِن وصايا لُقْمانَ إثْرَ تَقْرِيرِ ما في مَطْلَعِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَأْكِيدِهِ بِالِاعْتِراضِ، ﴿إنَّها﴾ أيِ الخَصْلَةُ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ لِفَهْمِها مِنَ السِّياقِ. وقِيلَ: وهو كَما تَرى، إنَّها أيِ الَّتِي سَألْتَ عَنْها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ لُقْمانَ سَألَهُ ابْنُهُ: أرَأيْتَ الحَبَّةَ تَقَعُ في مَغاصِ البَحْرِ أيَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى؟ فَقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّها أيِ الَّتِي سَألْتَ عَنْها، ﴿إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ إنْ تَكُنْ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ، والمِثْقالُ ما يُقَدَّرُ بِهِ غَيْرُهُ لِتَساوِي ثِقَلِهِما، وهو في العُرْفِ مَعْلُومٌ. وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ «مِثْقالُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقِصَّةِ، ( وتَكُ ) مُضارِعُ كانَ التّامَّةِ، والتَّأْنِيثُ لِإضافَةِ الفاعِلِ إلى المُؤَنَّثِ كَما في قَوْلِ الأعْشى: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالزِّنَةِ، أوِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِها في أقْصى غاياتِ الصِّغَرِ، والقَماءَةِ في أخْفى مَكانٍ، وأحْرَزِهِ، كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ حَيْثُ كانَتْ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أوِ السُّفْلِيِّ، وقِيلَ: في أخْفى مَكانٍ، وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ أعْلاهُ، كَمُحَدَّبِ السَّماواتِ، أوْ أسْفَلِهِ، كَمُقَعَّرِ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دِلالَةَ في النَّظْمِ عَلى تَخْصِيصِ المُحَدَّبِ والمُقَعَّرِ، ولَعَلَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ إذِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ( في السَّماواتِ ) لا يَأْبى ذَلِكَ، لِأنَّها ذُكِرَتْ بِحَسَبِ المَكانِيَّةِ أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، أوْ هي بِمَعْنى عَلى، وعَبَّرَ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ، ومَعَ هَذا الظّاهِرِ ما تَقَدَّمَ، وفي البَحْرِ: أنَّهُ بَدَأ بِما يَتَعَقَّلُهُ السّامِعُ أوَّلًا، وهو كَيْنُونَةُ الشَّيْءِ في صَخْرَةٍ، وهو ما صَلُبَ مِنَ الحَجَرِ، وعَسُرَ الإخْراجُ مِنهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ، وهو أغْرَبُ لِلسّامِعِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مَقَرَّ الأشْياءِ لِلشّاهِدِ، وهو الأرْضُ، وقِيلَ: إنَّ خَفاءَ الشَّيْءِ وصُعُوبَةَ نَيْلِهِ بِطُرُقٍ بِغايَةِ صِغَرِهِ، ويُبْعِدُهُ عَنِ الرّائِي، وبِكَوْنِهِ في ظُلْمَةٍ، وبِاحْتِجاجِهِ، فَمِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ إشارَةٌ إلى غايَةِ الصِّغَرِ، ( وفي صَخْرَةٍ ) إشارَةٌ إلى الحِجابِ، ( وفي السَّماواتِ ) إشارَةٌ إلى البُعْدِ، ( وفي الأرْضِ ) إشارَةٌ إلى الظُّلْمَةِ، فَإنَّ جَوْفَ الأرْضِ أشَدُّ الأماكِنِ ظُلْمَةً، أوْ يُقالُ: فَلَيْسَ المُرادُ بِصَخْرَةٍ صَخْرَةً مُعَيَّنَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ أنَّ هَذِهِ الصَّخْرَةَ هي الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأرْضَ عَلى نُونٍ، والنُّونُ عَلى بَحْرٍ، والبَحْرُ عَلى صَخْرَةٍ خَضْراءَ، خُضْرَةُ الماءِ مِنها، والصَّخْرَةُ عَلى قَرْنِ ثَوْرٍ، وذَلِكَ الثَّوْرُ عَلى الثَّرى، ولا يَعْلَمُ ما تَحْتَ الثَّرى إلّا اللَّهُ تَعالى. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصَّخْرَةَ بِهَذِهِ الصَّخْرَةِ، وقِيلَ: هي صَخْرَةٌ في الرِّيحِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ صفحة 89 لا يَثْبُتُ سَنَدُهُ، وإنَّما مَعْنى الكَلامِ المُبالَغَةُ، والِانْتِهاءُ في التَّفْهِيمِ، أيْ إنَّ قُدْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ تَنالُ ما يَكُونُ في تَضاعِيفِ صَخْرَةٍ، وما يَكُونُ في السَّماءِ وما يَكُونُ في الأرْضِ اهـ، والأقْوى عِنْدِي وضْعُ هَذِهِ الأخْبارِ، ونَحْوِها، فَلَيْسَتِ الأرْضُ إلّا في حِجْرِ الماءِ، ولَيْسَ الماءُ إلّا في جَوْفِ الهَواءِ، ويَنْتَهِي الأمْرُ إلى عَرْشِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلا، والكُلُّ في كَفِّ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحِيمِ الجَزَرِيُّ ( فَتَكِنَّ )، بِكَسْرِ الكافِ، وشَدِّ النُّونِ وفَتْحِها، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي فَجَّةَ البَعْلَبَكِّيُّ «فَتُكَنَّ» بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الكافِ، والنُّونِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ قَتادَةُ «فَتَكِنْ» بِفَتْحِ التّاءِ، وكَسْرِ الكافِ، وسُكُونِ النُّونِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الجَزَرِيِّ أيْضًا، والفِعْلُ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن وكَنَ الطّائِرُ إذا اسْتَقَرَّ في وكْنَتِهِ، أيْ عُشِّهِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المِشْفَرِ، والضَّمِيرُ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ فِيما سَبَقَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلِابْنِ، والمَعْنى: إنْ تَخْتَفِ، أوْ تُخْفَ وقْتَ الحِسابِ يُحْضِرْكَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْجَوابِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ يُحْضِرُها، فَيُحاسِبُ عَلَيْها، وهَذا إمّا عَلى ظاهِرِهِ، أوِ المُرادُ يَجْعَلُها كالحاضِرِ المُشاهِدِ لِذِكْرِها والِاعْتِرافِ بِها، ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ عِلْمُهُ تَعالى إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْراجِها خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّها، وقِيلَ: ذُو لُطْفٍ بِعِبادِهِ فَيَلْطُفُ بِالإتْيانِ بِها بِأحَدِ الخَصْمَيْنِ، خَبِيرٌ عالِمٌ بِخَفايا الأشْياءِ، وهو كَما تَرى، والجُمْلَةُ عِلَّةٌ مُصَحِّحَةٌ لِلْإتْيانِ بِها، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ: إنَّهُ لَمّا وعَظَ لُقْمانُ ابْنَهُ، وقالَ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ﴾ الآيَةَ، أخَذَ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ فَأتى بِها إلى اليَرْمُوكِ، وهو وادٍ في الشّامِ، فَألْقاها في عُرْضِهِ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَها، وبَسَطَ يَدَهُ فَأقْبَلَ بِها ذُبابٌ حَتّى وضَعَها في راحَتِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وبَعْدَ ما أمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أوَّلُ ما يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ في ضِمْنِ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، ونَبَّهَهُ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أمَرَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي أكْمَلُ العِباداتِ تَكْمِيلًا مِن حَيْثُ العَمَلُ بَعْدَ تَكْمِيلِهِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ، فَقالَ مُسْتَمِيلًا لَهُ:

لقمان 31:17

﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ تَكْمِيلًا لِنَفْسِكَ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُ: يا بُنَيَّ إذا جاءَ وقْتُ الصَّلاةِ فَلا تُؤَخِّرْها لِشَيْءٍ صَلِّها، واسْتَرِحْ مِنها، فَإنَّها دَيْنٌ، وصَلِّ في جَماعَةٍ، ولَوْ عَلى رَأْسِ زُجٍّ، ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَكْمِيلًا لِغَيْرِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مَعْرُوفًا ومُنْكَرًا مُعَيَّنَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ يَعْنِي التَّوْحِيدَ، وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ يَعْنِي الشِّرْكَ، ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ، لا سِيَّما فِيما أمَرْتَ بِهِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واحْتِياجُ الأخِيرَيْنِ لِلصَّبْرِ عَلى ما ذُكِرَ ظاهِرٌ، والأوَّلُ لِأنَّ إتْمامَ الصَّلاةِ والمُحافَظَةَ عَلَيْها قَدْ يَشُقُّ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البَقَرَةُ: 45]، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ في أمْرِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، يَقُولُ: إذا أمَرْتَ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهَيْتَ عَنْ مُنْكَرٍ، وأصابَكَ في ذَلِكَ أذًى وشِدَّةٌ فاصْبِرْ عَلَيْهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الصَّبْرَ عَلى ما أصابَكَ عِنْدَ ابْنِ جُبَيْرٍ، وهو يُناسِبُ إفْرادَ اسْمِ الإشارَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، أوِ الإشارَةَ إلى الصَّبْرِ، وإلى سائِرِ ما أُمِرَ بِهِ، والإفْرادُ لِلتَّأْوِيلِ بِما ذُكِرَ وأمْرِ البُعْدِ عَلى ما سَمِعْتَ، ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ صفحة 90 ابْنِ جُرَيْجٍ، والعَزْمُ بِهَذا المَعْنى مِمّا يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ ما ورَدَ مِن عَزَماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والمُرادُ بِهِ هُنا المَعْزُومُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ الأُمُورِ المَعْزُومَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَزْمُ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ عازِمِ الأُمُورِ مِن عَزْمِ الأمْرِ، أيْ جَدَّ فَعَزَمَ الأُمُورَ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَمَكْرِ اللَّيْلِ لا مِن بابِ الإضافَةِ عَلى مَعْنى فِي، وإنْ صَحَّ، وقِيلَ: يُرِيدُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ أرادَ مِن لازِماتِ الأُمُورِ الواجِبَةِ، ونَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ العَزْمَ هو الحَزْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، والحَزْمُ والعَزْمُ أصْلانِ، وما قالَهُ المُبَرِّدُ مِن أنَّ العَيْنَ قُلِبَتْ حاءً لَيْسَ بِشَيْءٍ لِاطِّرادِ تَصارِيفِ كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ، فَلَيْسَ أحَدُهُما أصْلًا لِلْآخَرِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِما سَبَقَ وفِيهِ اعْتِناءٌ بِشَأْنِهِ.

لقمان 31:18

﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ لا تُمِلْهُ عَنْهُمْ، ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ وأنْشَدُوا: وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما فَهُوَ مِنَ الصَّعَرِ بِمَعْنى الصَّيْدِ، وهو داءٌ يَعْتَرِي البَعِيرَ فَيَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ، ويُسْتَعارُ لِلتَّكَبُّرِ كالصَّعَرِ، وقالَ ابْنُ خُوَيْزِمَندادَ: نُهِيَ أنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، فَيَلْوَيَ عُنُقَهُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ، ولامُ ( لِلنّاسِ ) تَعْلِيلِيَّةٌ، والمُرادُ: ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِأجْلِ الإعْراضِ عَنِ النّاسِ أوْ صِلَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «تُصاعِرْ» بِألِفٍ بَعْدَ الصّادِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تُصْعِرْ) مُضارِعِ أصْعَرَ، والكُلُّ واحِدٌ مِثْلُ عَلاهُ، وعالاهُ، وأعْلاهُ. ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ الَّتِي هي أحَطُّ الأماكِنِ مَنزِلَةً ﴿مَرَحًا﴾ أيْ فَرَحًا وبَطَرًا، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ، أوْ تَمْرَحُ مَرَحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وقُرِئَ (مَرِحًا) بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ مُوجِبِهِ، والمُخْتالُ مِنَ الخُيَلاءِ، وهو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ كِبْرًا، وقالَ الرّاغِبُ: التَّكَبُّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَراءَتْ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ تُؤَوَّلُ لَفْظُ الخَيْلِ لِما قِيلَ: إنَّهُ لا يَرْكَبُ أحَدٌ فَرَسًا إلّا وجَدَ في نَفْسِهِ نَخْوَةً، والفَخُورُ مِنَ الفَخْرِ، وهو المُباهاةُ في الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ الإنْسانِ كالمالِ والجاهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَعْدادُ الشَّخْصِ ما أعْطاهُ لِظُهُورِ أنَّهُ مُباهاةٌ بِالمالِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: تَفْسِيرُ الفَخُورِ بِمَن يُعَدِّدُ ما أعْطى، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ مَعْكُوسٌ حَيْثُ قالَ: المُخْتالُ مُقابِلٌ لِلْماشِي مَرَحًا، وكَذَلِكَ الفَخُورُ لِلْمُصَعِّرِ خَدَّهُ كِبْرًا، وذَلِكَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَأْبى ذَلِكَ كَوْنُ الوَصِيَّةِ لَمْ تَكُنْ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، كَما لا يَخْفى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَإنَّ الِاخْتِيالَ يُناسِبُ الكِبْرَ والعَجَبَ، وكَذا الفَخْرُ يُناسِبُ المَشْيَ مَرَحًا. والكَلامُ عَلى رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ، والمُرادُ السَّلْبُ الكُلِّيُّ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ، وصِيغَةُ ( فَخُورٍ ) لِلْفاصِلَةِ، ولِأنَّ ما يُكْرَهُ مِنَ الفَخْرِ كَثْرَتُهُ، فَإنَّ القَلِيلَ مِنهُ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهُ، وهَذا كَما لَطَفَ بِإباحَةِ اخْتِيالِ المُجاهِدِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وإباحَةِ الفَخْرِ بِنَحْوِ المالِ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ.

لقمان 31:19

﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ بَعْدَ الِاجْتِنابِ عَنِ المَرَحِ فِيهِ، أيْ تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ مِنَ القَصْدِ، وهو الِاعْتِدالُ، وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ إلّا أنَّ في أكْثَرِها مَقالًا يُخْرِجُها عَنْ صَلاحِيَّةِ الِاحْتِجاجِ بِها، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ شَرْحَ الجامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُناوِيِّ صفحة 91 عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»» أيْ هَيْبَتَهُ وجَمالَهُ، أيْ تُورِثُهُ حَقارَةً في أعْيُنِ النّاسِ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الخِفَّةِ، وهَذا أقْرَبُ مِن قَوْلِالمُناوِيِّ لِأنَّها تُتْعِبُ فَتُغَيِّرُ البَدَنَ والهَيْئَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ خَبَبِ اليَهُودِ ودَبِيبِ النَّصارى، ولَكِنْ مَشْيًا بَيْنَ ذَلِكَ، وما في النِّهايَةِ مِن أنَّ عائِشَةَ نَظَرَتْ إلى رَجُلٍ كادَ يَمُوتُ تَخافُتًا، فَقالَتْ: ما لِهَذا؟ فَقِيلَ: إنَّهُ مِنَ القُرّاءِ، فَقالَتْ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَيِّدَ القُرّاءِ، وكانَ إذا مَشى أسْرَعَ، وإذا قالَ أسْمَعَ، وإذا ضَرَبَ أوْجَعَ. فالمُرادُ بِالإسْراعِ فِيهِ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وهو الَّذِي يُخْفِي صَوْتَهُ، ويُقِلُّ حَرَكاتِهِ مِمّا يَتَزَيّا بِزِيِّ العُبّادِ، كَأنَّهُ يَتَكَلَّفُ في اتِّصافِهِ بِما يُقَرِّبُهُ مِن صِفاتِ الأمْواتِ لِيُوهِمَ أنَّهُ ضَعُفَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ، فَلا يُنافِي الآيَةَ، وكَذا ما ورَدَ في صِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ يَمْشِي كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ، وكَذا لا يُنافِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفُرْقانُ: 63]، إذْ لَيْسَ الهَوْنُ فِيهِ المَشْيُ كَدَبِيبِ النَّمْلِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ المَذْمُومَ اعْتِيادُ الإسْراعِ بِالإفْراطِ فِيهِ، وقالَ السَّخاوِيُّ: مَحَلُّ ذَمِّ الإسْراعِ ما لَمْ يَخْشَ مِن بُطْءِ السَّيْرِ تَفْوِيتُ أمْرٍ دِينِيٍّ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإسْراعَ المُذْهِبَ لِلْخُشُوعِ لِإدْراكِ الرَّكْعَةِ مَعَ الإمامِ مَثَلًا مِمّا قالُوا: إنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي، فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ القَصْدَ في المَشْيِ التَّواضُعُ فِيهِ، وقِيلَ: جُعِلَ البَصَرُ مَوْضِعَ القَدَمِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: وقُرِئَ. «وأقْصِدْ» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ لِلْحِجازِيِّ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ، ووَجَّهَهُ إلَيْها لِيُصِيبَها، أيْ سَدِّدْ في مَشْيِكَ، والمُرادُ امْشِ مَشْيًا حَسَنًا، وكَأنَّهُ أُرِيدَ التَّوَسُّطُ بِهِ بَيْنَ المَشْيَيْنِ السَّرِيعِ والبَطِيءِ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ، ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ انْقُصْ مِنهُ، واقْصُرْ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَغُضُّ مِن فُلانٍ، إذا قَصَرَ بِهِ، وضَعَ مِنهُ، وحَطَّ مِن دَرَجَتِهِ. وفي البَحْرِ: الغَضُّ رَدُّ طُمُوحِ الشَّيْءِ كالصَّوْتِ، والنَّظَرِ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ ومُتَعَدِّيًا بِمِن كَما هو ظاهِرُ قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: غَضَّ مِن صَوْتِهِ. والظّاهِرُ إنَّ ما في الآيَةِ مِنَ الثّانِي، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم جَعْلَ مِن فِيها لِلتَّبْعِيضِ، وادَّعى آخَرُ كَوْنَها زائِدَةً في الإثْباتِ، وكانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِجَهارَةِ الصَّوْتِ، وتَمْدَحُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: جَهِيرُ الكَلامِ جَهِيرُ العُطاسِ ∗∗∗ جَهِيرُ الرَّواءِ جَهِيرُ النِّعَمْ ويَخْطُو عَلى العَمِّ خَطْوَ الظَّلِيمِ ∗∗∗ ويَعْلُو الرِّجالَ بِخَلْقٍ عَمَمْ والحِكْمَةُ في غَضِّ الصَّوْتِ المَأْمُورِ بِهِ أنَّهُ أوْفَرُ لِلْمُتَكَلِّمِ، وأبْسَطُ لِنَفْسِ السّامِعِ وفَهْمِهِ، ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أيْ أقْبَحَها، يُقالُ: وجْهٌ مُنْكَرٌ أيْ قَبِيحٌ قالَ في البَحْرِ: وهو أفْعَلُ بُنِيَ مِن فِعْلِ المَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ: أشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَيْنِ، وبِناؤُهُ مِن ذَلِكَ شاذٌّ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ أصْعَبَها عَلى السَّمْعِ وأوْحَشَها مِن نَكُرَ بِالضَّمِّ نَكارَةً، ومِنهُ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القَمَرُ: 6]، أيْ أمْرٍ صَعْبٍ لا يُعْرَفُ، والمُرادُ بِالأصْواتِ أصْواتُ الحَيَواناتِ، أيْ إنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الحَيَواناتِ ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ جَمْعُ حِمارٍ كَما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرُ السُّهَيْلِيِّ قالَ: إنَّهُ فَعِيلٌ اسْمُ جَمْعٍ، كالعَبِيدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى اسْمِ الجَمْعِ الجَمْعُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ شُبِّهَ الرّافِعُونَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وهم مَثَلٌ في الذَّمِّ البَلِيغِ والشَّتِيمَةِ، ومُثِّلَتْ أصْواتُهم بِالنُّهاقِ الَّذِي أوَّلُهُ زَفِيرٌ صفحة 92 وآخِرُهُ شَهِيقٌ، ثُمَّ أُخْلِيَ الكَلامُ مِن لَفْظِ التَّشْبِيهِ، وأُخْرِجَ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ والتَّهْجِينِ والإفْراطِ في التَّثْبِيطِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والتَّرْغِيبِ عَنْهُ ما فِيهِ، وإفْرادُ الصَّوْتِ مَعَ جَمْعِ ما أُضِيفَ هو إلَيْهِ لِلْإشارَةِ إلى قُوَّةِ تَشابُهِ أصْواتِ الحَمِيرِ حَتّى كَأنَّها صَوْتٌ واحِدٌ، هو أنْكَرُ الأصْواتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ بَيانَ حالِ صَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يُجْمَعَ، بَلْ بَيانَ صَوْتِ هَذا الجِنْسِ مِن بَيْنِ أصْواتِ سائِرِ الأجْناسِ. قِيلَ: فَعَلى هَذا كانَ المُناسِبُ لِصَوْتِ الحِمارِ بِتَوْحِيدِ المُضافِ إلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَمْعِ التَّتْمِيمُ والمُبالَغَةُ في التَّنْفِيرِ، فَإنَّ الصَّوْتَ إذا تَوافَقَتْ عَلَيْهِ الحَمِيرُ كانَ أنْكَرَ. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ الأنْكَرِيَّةَ في التَّوافُقِ دُونَ الِانْفِرادِ، وهو لا يُناسِبُ المَقامَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هَذا التَّوَهُّمِ، وقِيلَ: لَمْ يُجْمَعِ الصَّوْتُ المُضافُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو لا يُثَنّى، ولا يُجْمَعُ ما لَمْ تُقْصَدِ الأنْواعُ كَما في ﴿أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ مِن كَلامِ لُقْمانَ لِابْنِهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وانْتَهَتْ وصِيَّةُ لُقْمانَ بِقَوْلِهِ: ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ رَدَّ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَفاخَرُونَ بِجَهارَةِ الصَّوْتِ، ورَفْعِهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي السّامِعَ، ويَقْرَعُ الصِّماخَ بِقُوَّةٍ، ورُبَّما يَخْرُقُ الغِشاءَ الَّذِي هو داخِلَ الأُذُنِ، وبَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَثَلَهم في رَفْعِ أصْواتِهِمْ مَثَلُ الحَمِيرِ، وأنَّ مَثَلَ أصْواتِهِمُ الَّتِي يَرْفَعُونَها مَثَلُ نُهاقِها في الشِّدَّةِ مَعَ القُبْحِ المُوحِشِ، وهَذا الَّذِي يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ وجْهَ شَبَهٍ، لا الخُلُوُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُتَوَهَّمُ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، قالَ: صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحُهُ إلّا الحِمارَ لِما أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ صِفَةً ظاهِرَةً، وخُلُوُّ صَوْتِ الحِمارِ عَنِ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ هَذا الخَبَرِ، فَإنَّ فِيهِ ما فِيهِ. ومِثْلُهُ ما شاعَ بَيْنَ الجَهَلَةِ مِن أنَّ نَهِيقَ الحِمارِ لَعْنٌ لِلشِّيعَةِ الَّذِينَ لا يَزالُونَ يَنْهَقُونَ بِسَبِّ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الخُرافاتِ الَّتِي يَمُجُّها السَّمْعُ ما عَدا سَمْعَ طَوِيلِ الأُذُنَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ الغَضُّ مِنهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ والمُحاوَرَةِ، وقِيلَ: الغَضُّ مِنَ الصَّوْتِ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ الغَضَّ مِنهُ عِنْدَ العُطاسِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَهُ إنْ أمْكَنَهُ عَدَمُ الرَّفْعِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ إنَّ الغَضَّ مَمْدُوحٌ إنْ لَمْ يَدْعُ داعٍ شَرْعِيٍّ إلى خِلافِهِ، وأرْدَفَ الأمْرَ بِالقَصْدِ في المَشْيِ بِالأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ لِما أنَّهُ كَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ إلى المَطْلُوبِ بِالصَّوْتِ بَعْدَ العَجْزِ عَنِ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالمَشْيِ كَذا قِيلَ، هَذا وأبْعَدَ بَعْضُهم في الكَلامِ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّوَسُّطِ في الأفْعالِ، والثّانِيَ إشارَةٌ إلى الِاحْتِرازِ مِن فُضُولِ الكَلامِ، والتَّوَسُّطِ في الأقْوالِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ إلَخْ، إشارَةً إلى إصْلاحِ الضَّمِيرِ، وهو كَما تَرى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أصْواتُ الحَمِيرِ» بِالجَمْعِ بِغَيْرِ لامِ التَّأْكِيدِ.

لقمان 31:20

﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ رُجُوعٌ إلى سُنَنِ ما سَلَفَ قَبْلَ قِصَّةِ لُقْمانَ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والتَّسْخِيرِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: سِياقَةُ الشَّيْءِ إلى الغَرَضِ المُخْتَصِّ بِهِ قَهْرًا، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ المُرادُ بِهِ إمّا جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْفَعُ المُسَخَّرَ لَهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، ويَسْتَعْمِلُهُ كَيْفَ يُرِيدُ كَعامَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْياءِ المُسَخَّرَةِ لِلْإنْسانِ المُسْتَعْمَلَةِ لَهُ مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ مُرادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في اسْتِعْمالِهِ كَجَمِيعِ ما في السَّماواتِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُ العِبادِ مَعاشًا أوْ مَعادًا، وأمّا جَعْلُهُ مُنْقادًا لِلْأمْرِ مُذَلَّلًا عَلى أنَّ مَعْنى ( لَكم ) لِأجْلِكم صفحة 93 فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكائِناتِ مُسَخَّرَةٌ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، وما يَسْتَعْمِلُهُ الإنْسانُ حَسْبَما يَشاءُ، وإنْ كانَ مُسَخَّرًا لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وأسْبَغَ﴾ أيْ أتَمَّ، وأوْسَعَ ﴿عَلَيْكم نِعَمَهُ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ وهي في الأصْلِ الحالَةُ المُسْتَلَذَّةُ، فَإنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ لِلْهَيْئَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيما يُلائِمُ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِتِلْكَ الحالَةِ إطْلاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هي ما يُنْتَفَعُ بِهِ ويُسْتَلَذُّ، ومِنهم مَن زادَ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى هَذِهِ الزِّيادَةِ لِأنَّ اللَّذَّةَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أمْرٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كافِرٍ نِعْمَةٌ، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الإمامِ أنَّهُ قالَ: النِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المَفْعُولَةِ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ قالُوا: وإنَّما زِدْنا قَيْدَ الحَسَنَةِ، لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لا يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ الشُّكْرُ بِالإحْسانِ، وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأنَّ جِهَةَ الشُّكْرِ كَوْنُهُ إحْسانًا، وجِهَةَ اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والعِقابِ الحَظْرُ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما، ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ لِإنْعامِهِ، والذَّمَّ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ ها هُنا كَذَلِكَ، أمّا قَوْلُنا: المَنفَعَةُ، فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا، وقَصَدَ الفاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ، لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ، لا يَكُونُ نِعْمَةً، وذَلِكَ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها اهـ، ويُعْلَمُ مِنهُ حُكْمُ زِيادَةِ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، ﴿ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً مَعْرُوفَةً لَكُمْ، وغَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ ظُهُورُ الإسْلامِ، والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، والباطِنَةُ الإمْدادُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الظّاهِرَةُ حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ البَصَرُ والسَّمْعُ واللِّسانُ وسائِرُ الجَوارِحِ، والباطِنَةُ القَلْبُ والعَقْلُ والفَهْمُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نَحْوُ إرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّوْفِيقِ لِقَبُولِ الإسْلامِ، والإتْيانِ بِهِ، والثَّباتِ عَلى قَدَمِ الصِّدْقِ، ولُزُومِ العُبُودِيَّةِ، والباطِنَةُ ما أصابَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ مِن رَشاشِ نُورِ النُّورِ، وأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ، ثُمَّ يَنْسَكِبُ. ونَقَلَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الظّاهِرَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما جاءَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَوْحِيدِهِ، والباطِنَةُ وِلايَتُنا أهْلَ البَيْتِ، وعَقْدُ مَوَدَّتِنا، والتَّعْمِيمُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، لَكِنْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ قالَ: هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي، سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم». وفِي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسْبَغَ﴾ إلَخْ، قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مَساوِئِ عَمَلِكَ». فَإنْ صَحَّ ما ذُكِرَ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى التَّعْمِيمِ، إلّا أنْ يُقالَ: الغَرَضُ مِن تَفْسِيرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما فَسَّرْنا بِهِ التَّمْثِيلُ وهو الظّاهِرُ، لا التَّخْصِيصُ، وإلّا لَتَعارَضَ الخَبَرانِ. ثُمَّ إنَّ ظاهِرُ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأوَّلِ بِما سَتَرَ مِنَ العَوْرَةِ، وفي الثّانِي بِما سَتَرَ مِن مَساوِئِ العَمَلِ، نِعْمَةً، ولَمْ نَرَ في كَلامِهِمُ التَّصْرِيحَ بِإطْلاقِها عَلَيْهِ، ويَلْزَمُهُ أنَّ مَن كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ كَثُرَتْ صفحة 94 نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ النِّعْمَةَ الباطِنَةَ هي سَتْرُ ما سُتِرَ مِنَ العَوْرَةِ ومَساوِئِ العَمَلِ، ولَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى وُضُوحِ الأمْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ظاهِرَةً ) الإسْلامُ، ( وباطِنَةً ) سَتْرُهُ تَعالى عَلَيْكُمُ المَعاصِيَ، بَلْ جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ الثّانِي: وأمّا ما بَطَنَ فَسَتْرُ مَساوِئِ عَمَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ما) في ما سَتَرَ في الخَبَرَيْنِ مَصْدَرِيَّةً، ومِن صِلَةُ سَتَرَ، لا بَيانٌ لِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ عُمارَةَ (وأصْبَغَ) بِالصّادِّ، وهي لُغَةُ بَنِي كَلْبٍ، يُبْدِلُونَ مِنَ السِّينِ إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ أحَدِ الحُرُوفِ المُسْتَعْلِيَةِ الغَيْنُ والخاءُ والقافُ صادًا فَيَقُولُونَ في سَلَخَ صَلَخَ، وفي سَقَرَ صَقَرَ، وفي سائِغٍ صائِغٍ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُما فاصِلٌ وأنْ لا يَفْصِلَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ أنْ تَتَقَدَّمَ السِّينُ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأحْرُفِ وأنْ تَتَأخَّرَ، واشْتَرَطَ آخَرُ تَقَدُّمَ السِّينِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ إبْدالٌ مُطَّرِدٌ. وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نِعْمَةً» بِالإفْرادِ، وقُرِئَ «نِعْمَتَهُ» بِالإفْرادِ والإضافَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ بِإرادَةِ الجِنْسِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ «نِعْمَةً» فَعَلى مَعْنى ما أعْطاهم مِنَ التَّوْحِيدِ، ومَن قَرَأ (نِعَمَهُ) بِالجَمْعِ فَعَلى جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، ونَصْبُ ﴿ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ في قِراءَةِ التَّعْرِيفِ عَلى الحالِيَّةِ، وفي قِراءَةِ التَّنْكِيرِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ﴾ مِنَ الجِدالِ، وهو المُفاوَضَةُ عَلى سَبِيلِ المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ، وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ، أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ، كانَ المُتَجادِلَيْنِ يَفْتِلُ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ، وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِهِ تَعالى فِيما قِيلَ، أيْ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحالُ مِنَ النّاسِ مَن يُنازِعُ ويُخاصِمُ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأُبَيِّ ابْنِ خَلَفٍ كانا يُجادِلانِ النَّبِيَّ ﷺ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وحْدَتَهُ سُبْحانَهُ وعُمُومَ قُدْرَتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وشُمُولَها لِلْبَعْثِ، ولَمْ يَقُلْ فِيهِ بَدَلٌ في اللَّهِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الجِدالِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُسْتَفادٌ مِن دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ﴿ولا هُدًى﴾ راجِعٌ إلى رَسُولٍ مَأْخُوذٍ مِنهُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الهُدى نَفْسَ الرَّسُولِ مُبالَغَةً، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿ولا كِتابٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى ﴿مُنِيرٍ﴾ أيْ ذِي نُورٍ، والمُرادُ بِهِ واضِحُ الدِّلالَةِ عَلى المَقْصُودِ، وقِيلَ: مُنْقِذٌ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ بَلْ يُجادِلُونَ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ كَما قالَ سُبْحانَهُ:

لقمان 31:21

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ لِمَن يُجادِلُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، ﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يُرِيدُونَ عِبادَةَ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا ظاهِرٌ في مَنعِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ ورَجَّحَهُ الإمامُ الرّازِيُّ والآمِدِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ في الأُصُولِ، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ وجَماعَةٌ الجَوازُ، ورُبَّما قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ، وإنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ والِاجْتِهادَ فِيهِ حَرامٌ، وعَلى كُلٍّ يَصِحُّ عَقائِدُ المُقَلِّدِ المُحِقِّ، وإنْ كانَ آثِمًا بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلى الأوَّلِ، وعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُهُ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: هَذا مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ لِما يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ العَوامِّ، وهم غالِبُ المُؤْمِنِينَ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ صفحة 95 إنْ كانَ التَّقْلِيدُ أخْذًا لِقَوْلِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمالِ شَكٍّ ووَهْمٍ بِأنْ لا يَجْزِمَ المُقَلِّدُ فَلا يَكْفِي إيمانُهُ قَطْعًا، لِأنَّهُ لا إيمانَ مَعَ أدْنى تَرَدُّدٍ فِيهِ، وإنْ كانَ لَكانَ جَزْمًا، فَيَكْفِي عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وغَيْرِهِ خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ في قَوْلِهِ: لا يَكْفِي بَلْ لا بُدَّ لِصِحَّةِ الإيمانِ مِنَ النَّظَرِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ لا خِلافَ في امْتِناعِ تَقْلِيدِ مَن لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَنِدٌ الى دَلِيلٍ حَقٍّ، وظاهِرُ ذَمِّ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ، أنَّهُ يَكْفِي في النَّظَرِ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ الحَقُّ كَما يَكْفِي فِيهِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ. ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ أيْ يَدْعُو آباءَهم لا أنْفُسَهم كَما قِيلَ: فَإنَّ مَدارَ إنْكارِ الِاسْتِتْباعِ كَوْنُ المَتْبُوعِينَ تابِعِينَ لِلشَّياطِينِ، ويُنادِي عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البَقَرَةُ: 170]، بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البَقَرَةُ: 170]، ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَجْمُوعِ، أيْ أُولَئِكَ المُجادِلِينَ وآباؤُهم ﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ، أوْ يَتَسَبَّبُ مِنهُ مِنَ الإشْراكِ، وإنْكارِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْبَعْثِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ، وجُوِّزَ بَقاءُ ( عَذابِ السَّعِيرِ ) عَلى حَقِيقَتِهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، ويُفْهَمُ التَّعْجِيبُ مِنَ السِّياقِ، أوْ لِلتَّعْجِيبِ، ويُفْهَمُ الإنْكارُ مِنَ السِّياقِ، والواوُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَتْبَعُونَهُمْ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم أيْ في حالِ دُعاءِ الشَّيْطانِ إيّاهم إلى العَذابِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ أيَتْبَعُونَهم لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى العَذابِ، ولَوْ كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ، وهُما قَوْلانِ مَشْهُورانِ في الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى ( لَوِ ) الوَصْلِيَّةِ ونَحْوِها، وكَذا في احْتِياجِها إلى الجَوابِ قَوْلانِ، قَوْلٌ بِالِاحْتِياجِ، وقَوْلٌ بِعَدَمِهِ، لِانْسِلاخِها عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ قَدَّرَهُ هُنا: لا يَتْبَعُوهُمْ، وهو مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الواوِ عاطِفَةً، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها حالِيَّةً فَزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَتَسَنّى، وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَتَذَكَّرْ.

لقمان 31:22

﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ بِأنْ فَوَّضَ إلَيْهِ تَعالى جَمِيعَ أُمُورِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَلْبِهِ وقالَبِهِ، فالإسْلامُ كالتَّسْلِيمِ التَّفْوِيضُ، والوَجْهُ الذّاتُ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَمّا أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَسَلُّمِ الأُمُورِ جَمِيعِها إلَيْهِ تَعالى والإقْبالِ التّامِّ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُعَدّى الإسْلامُ بِاللّامِ قَصْدًا لِمَعْنى الإخْلاصِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ «يُسَلِّمْ» بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِنَ التَّسْلِيمِ، وهو أشْهَرُ في مَعْنى التَّفْوِيضِ مِنَ الإسْلامِ، ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ في أعْمالِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ تَعَلَّقَ أتَمَّ تَعَلُّقٍ بِأوْثَقِ ما يُتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهَذا تَشْبِيهٌ تَمْثِيلِيٌّ مُرَكَّبٌ حَيْثُ شَبَّهَ حالَ المُتَوَكِّلِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُفَوِّضِ إلَيْهِ أُمُورَهُ كُلَّها المُحْسِنِ في أعْمالِهِ بِمَن تَرَقّى في جَبَلٍ شاهِقٍ أوْ تَدَلّى مِنهُ فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرْوَةٍ مِن حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطاعُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ في المُفْرَدِ، وهو العُرْوَةُ الوُثْقى بِأنْ يُشَبِّهَ التَّوَكُّلَ النّافِعَ المَحْمُودَ عاقِبَتُهُ بِها فَتُسْتَعارُ لَهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ هي صائِرَةٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا إلى غَيْرِهِ جَلَّ جَلالُهُ، فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ سِواهُ جَلَّ وعَلا تَصَرُّفٌ فِيها بِأمْرٍ ونَهْيٍ، وثَوابٍ وعِقابٍ، فَيُجازِي سُبْحانَهُ هَذا المُتَوَكِّلَ أحْسَنَ الجَزاءِ، وقِيلَ: فَيُجازِي كُلًّا مِن هَذا المُتَوَكِّلِ، وذاكَ المُجادِلِ بِما يَلِيقُ بِهِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، (وألْ) في الأُمُورِ لِلِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: تَحْتَمِلُ العَهْدَ عَلى أنَّ المُرادَ الأُمُورُ المَذْكُورَةُ مِنَ المُجادَلَةِ، وما بَعْدَها، وتَقْدِيمُ ( إلى اللَّهِ ) لِلْحَصْرِ رَدًّا عَلى الكَفَرَةِ في زَعْمِهِمْ مَرْجِعِيَّةَ آلِهَتِهِمْ لِبَعْضِ الأُمُورِ. صفحة 96 واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ إجْلالًا لِلْجَلالَةِ ورِعايَةً لِلْفاصِلَةِ ظَنًّا مِنهُ أنَّ الِاسْتِغْراقَ مُغْنٍ عَنِ الحَصْرِ، وهو لَيْسَ كَذَلِكَ.

لقمان 31:23

﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ فَلا يُهِمَّنَّكَ ذَلِكَ ﴿إلَيْنا﴾ لا إلى غَيْرِنا ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ رُجُوعُهم بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ بِعَمَلِهِمْ، أوْ بِالَّذِي عَمِلُوهُ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالعَذابِ والعِقابِ، وقِيلَ: إلَيْنا مَرْجِعُهم في الدّارَيْنِ فَنُجازِيهِمْ بِالإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَهُمَّنَّكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ، لِأنّا نَنْتَقِمُ مِنهُ ونُعاقِبُهُ عَلى عَمَلِهِ، أوِ الَّذِي عَمِلَهُ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادَ في الأوَّلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقُرِئَ في السَّبْعِ: «ولا يُحْزِنْكَ» مُضارِعُ أحْزَنَ مَزِيدُ حَزِنَ اللّازِمِ، وقُدِّرَ اللُّزُومُ لِيَكُونَ لِلنَّقْلِ فائِدَةٌ، وحَزِنَ وأحْزَنَ لُغَتانِ، قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزِنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُسْتَفِيضَ في الِاسْتِعْمالِ ماضِي الأفْعالِ، ومُضارِعُ الثُّلاثِيِّ، والعُهْدَةُ في ذَلِكَ عَلَيْهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّنْبِئَةِ المُعَبَّرِ بِها عَنِ المُجازاةِ، أيْ يُجازِيهِمْ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلِيمٌ بِالضَّمائِرِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها.

لقمان 31:24

﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَإنَّ ما يَزُولُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَدُومُ قَلِيلٌ ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ثَقِيلٍ عَلَيْهِمْ ثِقَلَ الأجْرامِ الغِلاظِ، والمُرادُ بِالِاضْطِرارِ أيِ الإلْجاءِ إلْزامُهم ذَلِكَ العَذابَ الشَّدِيدَ إلْزامَ المُضْطَرِّ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ مِمّا أُلْجِئَ إلَيْهِ، وفي الِانْتِصافِ تَفْسِيرُ هَذا الِاضْطِرارِ ما في الحَدِيثِ مِن أنَّهم لِشِدَّةِ ما يُكابِدُونَ مِنَ النّارِ يَطْلُبُونَ البَرْدَ فَيُرْسَلُ عَلَيْهِمُ الزَّمْهَرِيرُ، فَيَكُونُ أشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهَبِ، فَيَتَمَنَّوْنَ عَوْدَ اللَّهَبِ اضْطِرارًا، فَهو اخْتِيارٌ عَنِ اضْطِرارٍ، وبِأذْيالِ هَذِهِ البَلاغَةِ تَعَلَّقَ الكِنْدِيُّ حَيْثُ قالَ: يَرَوْنَ المَوْتَ قُدّامًا وخَلْفًا فَيَخْتارُونَ والمَوْتُ اضْطِرارُ وقِيلَ: المَعْنى نَضُمُّ إلى الإحْراقِ الضَّغْطَ والتَّضْيِيقَ فَلا تَغْفُلْ.

لقمان 31:25

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ اللَّهُ خَلَقَهُنَّ، والأوَّلُ أوْلى كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ لِغايَةِ وُضُوحِ الأمْرِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى الِاعْتِرافِ بِهِ، ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى إلْزامِهِمْ، وإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما يُوجِبُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِن إشْراكِ غَيْرِهِ تَعالى بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في العِبادَةِ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّها غَيْرُ الخالِقِ والمُنْعِمِ الحَقِيقِيِّ. وجُوِّزَ جَعْلُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ جَعْلَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يُنْكِرُها المُكابِرُ أيْضًا، ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم قِيلَ: وفِيهِ إيغالٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: وإنَّ جَهْلَهُمُ انْتَهى إلى أنْ لا يَعْلَمُوا أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ ما مَوْقِعُهُ في هَذا المَقامِ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في نَظِيرِ الآيَةِ في العَنْكَبُوتِ، فَتَذَكَّرْ.

لقمان 31:26

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا، لَيْسَ لِأحَدٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ اسْتِقْلالًا، ولا شَرِكَةً، فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ مِن وجْهٍ آخَرَ، لِأنَّ المَمْلُوكَ لا يَكُونُ شَرِيكًا لِمالِكِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ ما هو حَقُّهُ مِنَ العِبادَةِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ جَلَّ وعَلا أحَدٌ، أوِ المَحْمُودُ بِالفِعْلِ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِلِسانِ الحالِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ عَمّا يُوشِكُ أنْ يَخْطُرَ بِبَعْضِ الأذْهانِ السَّقِيمَةِ مِن أنَّهُ، هَلِ اخْتِصاصُ ما في السَّماواتِ صفحة 97 والأرْضِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لِحاجَتِهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ؟ وهو جَوابٌ بِنَفْيِ الحاجَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَقَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، إلّا أنَّهُ جِيءَ بِالجُمْلَةِ مُتَضَمِّنَةً لِلْحَصْرِ لِلْمُبالَغَةِ، وجِيءَ بِالحَمِيدِ أيْضًا تَأْكِيدًا لِما تُفِيدُهُ مِن نَفْيِ الحاجَةِ، بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ تَعالى مُنْعِمٌ عَلى مَن سِواهُ سُبْحانَهُ، أوْ مُتَّصِفٌ بِسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، فَتَأمَّلْ جِدًّا، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ) تَهاوُنٌ بِهِمْ، وإبْداءُ أنَّهُ تَعالى مُسْتَغْنٍ عَنْهُمْ، وعَنْ حَمْدِهِمْ وعِبادَتِهِمْ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ، ﴿الحَمِيدُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدُوهُ عَزَّ وجَلَّ.

لقمان 31:27

﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا – فَإنَّ - وما بَعْدَها فاعِلُ ثَبَتَ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ كَوْنِ ( أنَّ ) دالَّةً عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ الخَبَرِ لِذِكْرِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: بَعْدَهُ و( ما في الأرْضِ ) اسْمُ أنَّ ( ومِن شَجَرَةٍ ) بَيانٌ – لِما - أوْ لِلضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها في الظَّرْفِ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أوْ مِنهُ، أيْ ولَوْ ثَبَتَ أنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأرْضِ كائِنًا مِن شَجَرَةٍ، ( وأقْلامٌ ) خَبَرُ أنَّ، قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ دَلِيلُ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ، وبَعْضِ العَجَمِ مِمَّنْ يَنْصُرُ قَوْلَهُ: إنَّ خَبَرَ أنَّ الجائِيَةَ بَعْدَ - لَوْ- لا يَكُونُ اسْمًا جامِدًا، ولا اسْمًا مُشْتَقًّا، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا، وهو باطِلٌ، ولِسانُ العَرَبِ طافِحٌ بِخِلافِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَوْ أنَّها عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتُها مُسَوَّمَةً تَدْعُو عَبِيدًا وأزْنَما وقالَ آخَرُ: ما أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أنَّ الفَتى حَجَرٌ ∗∗∗ تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وهو مَلْمُومُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِ خَبَرِها فِعْلًا إنَّما هو إذا كانَ مُشْتَقًّا، فَلا يَرُدُّ ﴿أقْلامٌ﴾ هُنا، ولا ما ذُكِرَ في البَيْتَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم بادُونَ﴾ [الأحْزابُ: 20]، فَلَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي، والكَلامُ في خَبَرِ أنَّ الواقِعَةِ بَعْدَ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ. والمُرادُ بِشَجَرَةٍ كُلُّ شَجَرَةٍ، والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ، إذا اقْتَضى المَقامُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرُ: 14] وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِبَعْضِ أهْلِ الشّامِ، وقَدْ سَألَهُ عَنِ المُحْرِمِ إذا قَتَلَ جَرادَةً أيَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ فِدْيَةً لَها؟ (تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ)، عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، ولا نُسَلِّمُ المُنافاةَ بَيْنَ هَذا العُمُومِ، وهَذِهِ التّاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ أنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ في الأرْضِ أقْلامٌ إلَخْ، وكَوْنُ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، أوِ الأغْصانِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لَوْ أنَّ أجْزاءَ أوْ أغْصانَ كُلِّ شَجَرَةٍ في الأرْضِ أقْلامًا إلَخْ، ويُحَسِّنُ إرادَةُ العُمُومِ في نَحْوِ ما نَحْنُ فِيهِ كَوْنُ الكَلامِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ النَّكِرَةُ شَرْطًا بِلَوْ، ولِلشَّرْطِ مُطْلَقًا قُرْبُ ما مِنَ النَّفْيِ، فَما ظَنُّكَ بِهِ، إذا كانَ شَرْطًا بِها، وإنْ كانَتْ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْناها المَشْهُورِ مِنَ انْتِفاءِ الجَوابِ لِانْتِفاءِ الشَّرْطِ، أوِ العَكْسِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى ثُبُوتِ الجَوابِ، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ في المُسْتَقْبَلِ عَلى ما فُصِّلَ في المُغْنِي، واخْتِيارُ ( شَجَرَةٍ ) عَلى أشْجارٍ، أوْ شَجَرٍ، لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أبْعَدُ عَنِ اعْتِبارِ التَّوْزِيعِ، بِأنْ تَكُونَ كُلُّ شَجَرَةٍ مِنَ الأشْجارِ، أوِ الشَّجَرِ قَلَمًا، المُخِلُّ بِمُقْتَضى المَقامِ مِنَ المُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ كَلِماتِهِ تَعالى شَأْنُهُ. وفي البَحْرِ: أنَّ هَذا مِمّا وقَعَ فِيهِ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةُ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البَقَرَةُ: 106]، ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطِرٌ: 2]، ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ [النَّحْلُ: 49]، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا أوَّلُ فارِسٍ، وهَذا أفْضَلُ عالِمٍ، يُرادُ مِنَ الآياتِ، ومِنَ الرَّحَماتِ، ومِنَ الدَّوابِّ، وأوَّلُ الفُرْسانِ وأفْضَلُ العُلَماءِ، ذُكِرَ المُفْرَدُ النَّكِرَةُ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، وهو مَهْيَعٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ هُنا مِنَ الشَّجَراتِ، أوْ مِنَ الأشْجارِ اهـ فَلا تَغْفُلْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ ( شَجَرَةٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ دُونَ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي هو شَجَرٌ، لِأنَّهُ أُرِيدَ تَفْصِيلُ صفحة 98 الشَّجَرِ شَجَرَةً شَجَرَةً، حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ ولا واحِدَةٌ، إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ إفادَةَ المُفْرَدِ التَّفْصِيلَ بِدُونِ تَكْرارٍ غَيْرُ مَعْهُودٍ، والمَعْهُودُ إفادَتُهُ ذَلِكَ بِالتَّكْرِيرِ نَحْوَ: جاؤُونِي رَجُلًا رَجُلًا، فَتَأمَّلْ، واخْتِيارُ جَمْعِ القِلَّةِ في ( أقْلامٌ ) مَعَ أنَّ الأنْسَبَ لِلْمَقامِ جَمْعُ الكَثْرَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ لِلْقَلَمِ جَمْعٌ سِواهُ، وقِلامٌ غَيْرُ مُتَداوَلٍ فَلا يَحْسُنُ اسْتِعْمالُهُ، ﴿والبَحْرُ﴾ أيِ المُحِيطُ فَألْ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ المُتَبادِرُ، ولِأنَّهُ الفَرْدُ لِلْكامِلِ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ عَلى شُعَبِهِ وعَلى الأنْهارِ العِظامِ كَدِجْلَةَ، والفُراتِ، وجُوِّزَ إرادَةُ الجِنْسِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْلَغُ ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نَفادِهِ، وقِيلَ مِن ورائِهِ ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ مَفْرُوضَةٌ، كُلٌّ مِنها مِثْلُهُ في السَّعَةِ والإحاطَةِ، وكَثْرَةِ الماءِ، والمُرادُ بِالسَّبْعَةِ الكَثْرَةُ بِحَيْثُ تَشْمَلُ المِائَةَ والألْفَ مَثَلًا لا خُصُوصَ العَدَدِ المَعْرُوفِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ»» واخْتِيرَتْ لَها لِأنَّها عَدَدٌ تامٌّ كَما عَرَفْتَ عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ وكَثِيرٌ مِنَ المَعْدُوداتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ كالسَّماواتِ والكَواكِبِ السَّيّارَةِ، والأقالِيمِ الحَقِيقِيَّةِ، وأيّامِ الأُسْبُوعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعٍ، فَلَعَلَّ في ذِكْرِها هُنا دُونَ سَبْعِينَ المُتَجَوَّزِ بِهِ عَنِ الكَثْرَةِ أيْضًا رَمْزًا إلى شَأْنِ كَوْنِ تِلْكَ الأبْحُرِ عَظِيمَةً ذاتَ شَأْنٍ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً في الأصْلِ لِذَلِكَ بَلْ لِلْعَدَدِ المَعْرُوفِ القَلِيلِ جاءَ تَمْيِيزُها (أبْحُرٍ) بِلَفْظِ القِلَّةِ دُونَ بُحُورٍ، وإنْ كانَ لا يُرادُ بِهِ إلّا الكَثْرَةُ لِيُناسِبَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَكَما تَجُوزُ في السَّبْعَةِ واسْتُعْمِلَتْ لِلتَّكْثِيرِ تَجُوزُ في أبْحُرٍ، واسْتُعْمِلَ فِيهِ أيْضًا، وكانَ الظّاهِرُ بَعْدَ جَعْلِ ما في الأرْضِ مِن شَجَرٍ أقْلامًا أنْ يُقالَ: والبَحْرُ مِدادٌ، لَكِنْ جِيءَ بِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، لِأنَّ يَمُدُّهُ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المِدادِ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ: مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها أيْ جَعَلَها ذاتَ مِدادٍ، وزادَ في مِدادِها، فَفِيهِ دِلالَةٌ عَلى المِدادِ مَعَ ما يَزِيدُ في المُبالَغَةِ، وهو تَصْوِيرُ الإمْدادِ المُسْتَمِرِّ حالًا بَعْدَ حالٍ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، فَأفادَ النَّظْمُ الجَلِيلُ جَعْلَ البَحْرِ المُحِيطِ بِمَنزِلَةِ الدَّواةِ، وجَعْلَ أبْحُرٍ سَبْعَةً مِثْلَهُ مَمْلُوءَةً مِدادًا، فَهي تَصُبُّ فِيهِ مِدادَها أبَدًا صَبًّا، لا يَنْقَطِعُ، ورَفْعُ ( البَحْرُ ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (يَمُدُّهُ) خَبَرُهُ، والواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ الضَّمِيرِ الَّذِي في صِلَتِهِ، أيْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، ولا يَضُرُّ خُلُوُّ الجُمْلَةِ عَنْ ضَمِيرِ ذِي الحالِ، فَإنَّ الواوَ يَحْصُلُ بِها مِنَ الرَّبْطِ ما لا يَتَقاعَدُ عَنِ الضَّمِيرِ لِدِلالَتِها عَلى المُقارَنَةِ، وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وما أشْبَهَها كَقَوْلِهِ: وقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ في وكَناتِها ∗∗∗ بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ وجِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ، مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حُكْمُها حُكْمُ الظُّرُوفِ، لِأنَّها في مَعْناها، إذْ مَعْنى: جِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ مَثَلًا، ومَعْنى: جِئْتُ وقْتَ اصْطِفافِ الجَيْشِ، واحِدٌ، وحَيْثُ إنَّ الظَّرْفَ يَرْبِطُهُ بِما قَبْلَهُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَمِيرٌ، وهو إذا وقَعَ حالًا اسْتَقَرَّ فِيهِ الضَّمِيرُ فَما يُشْبِهُهُ، كَأنَّهُ فِيهِ ضَمِيرٌ مُسْتَقِرٌّ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ اعْتِراضُ أبِي حَيّانَ بِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ حالًا فَفي العامِلِ فِيهِ الضَّمِيرُ يَنْتَقِلُ إلى الظَّرْفِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا كانَتْ حالًا بِالواوِ فَلَيْسَ فِيها ضَمِيرٌ مُنْتَقِلٌ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّها في حُكْمِ الظَّرْفِ. نَعَمِ الحَقُّ أنَّ الرَّبْطَ بِالواوِ كافٍ عَنِ الضَّمِيرِ، ولا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَكَلُّفِ هَذِهِ المَئُونَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الأرْضِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والرّابِطُ ما سَمِعْتَ، أوْ ألِ الَّتِي في ( البَحْرُ ) بِناءً عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ كَوْنِ ألْ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: 50] أيْ ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا حالَ كَوْنِ بَحْرِها مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ صفحة 99 قالَ في الكَشْفِ: ولا بُدَّ أنْ يُجْعَلَ ( مِن شَجَرَةٍ ) بَيانًا لِلضَّمِيرِ العائِدِ إلى ما لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ بِالأجْنَبِيِّ. ( والبَحْرُ ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ (ألْ) فِيهِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ العائِدِ إلى الأرْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْهُودُ، وأنْ يُرادَ بِهِ غَيْرُهُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ البَحْرَ عَلى ذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الأبْحُرِ لِقَرِينَةِ الإضافَةِ، ويُفِيدُ أنَّ السَّبْعَةَ خارِجَةٌ عَنْ بَحْرِ الأرْضِ، وعَلى ما سِواهُ يَحْتَمِلُ الحِصَّةَ المَعْهُودَةَ المَعْلُومَةَ عِنْدَ المُخاطَبِ. ورُدَّ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما بَلْ كَوْنُ بَحْرِها لِلْعَهْدِ أظْهَرُ، لِأنَّ العَهْدَ أصْلُ الإضافَةِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ الأرْضِ شامِلَةً لِجَمِيعِ الأقْطارِ، لِأنَّ المَعْهُودَ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو مُحِيطٌ بِها كُلِّها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ رَفْعِهِ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ أنْ ومَعْمُولِها، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) حالٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا، وثَبَتَ البَحْرُ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّالَّ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ هو أنْ وخَبَرُهُ عَلى ما قُرِّرَ في بابِهِ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ إفْضاءٌ إلى المَعْطُوفِ دُونَ مُلاحَظَةِ دالٍّ، وفي هَذا العَطْفِ إخْراجٌ عَنِ المُلاحَظَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ في التّابِعِ ما لا يُحْتَمَلُ في المَتْبُوعِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ العَطْفَ عَلى هَذا مِن عَطْفِ المُفْرَدِ لا المُفْرَدِ عَلى الجُمْلَةِ كَما قِيلَ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّما هو المَصْدَرُ الواقِعُ فاعِلًا لِثَبَتَ، وهو مُفْرَدٌ لا جُمْلَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَلِيَ لَوِ الِاسْمُ الصَّرِيحُ الواقِعُ مُبْتَدَأً إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَوِ البَحْرُ، عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقَ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، كَما في نَحْوِ: رُبَّ رَجُلٍ وأخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلى العَطْفِ السّابِقِ أنْ يَلِيَ لَوِ الِاسْمُ الصَّرِيحُ، وهو أيْضًا مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ، وأجابَ بِما أُجِيبَ وفِيهِ عِنْدِي تَأمُّلٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) خَبَرُ المُبْتَدَإ، والواوُ واوُ المَعِيَّةِ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَإ وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مَعَهُ، بِناءً عَلى أنَّهُ يَكُونُ جُمْلَةً كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عَلى ذَلِكَ لِلِاسْتِئْنافِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما المِدادُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: والبَحْرُ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اقْتِرانَ الجَوابِ بِالواوِ، وإنْ كانَتِ اسْتِئْنافِيَّةً غَيْرُ مَعْهُودٍ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَقْتَرِنُ بِها إذا كانَ جَوابًا لِلسُّؤالِ عَلى وجْهِ المُناقَشَةِ لا لِلِاسْتِعْلامِ مِمّا لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قِيلَ: الظّاهِرُ عَلى إرادَةِ الِاسْتِئْنافِ أنْ يَكُونَ نَحْوِيًّا، وجُوِّزَ في هَذا التَّرْكِيبِ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ أيْضًا. وقَرَأ البَصْرِيّانِ «والبَحْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ أنَّ، ( ويَمُدُّهُ ) خَبَرٌ لَهُ، أيْ: ولَوْ أنَّ البَحْرَ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ. قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿يَمُدُّهُ﴾ حالًا لِأنَّهُ يُؤَدِّي أيْضًا إلى تَقْيِيدِ المُبْتَدَإ الجامِدِ بِالحالِ، ولا يَجُوزُ لِأنَّها لِبَيانِ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، والمُبْتَدَأُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُؤَدِّي إلى كَوْنِ المُبْتَدَإ لا خَبَرَ لَهُ، ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿أقْلامٌ﴾ خَبَرًا لَهُ، لِأنَّهُ خَبَرُ الأوَّلِ اهـ، ولَمْ يُذْكَرِ احْتِمالُ تَقْدِيرِ الخَبَرِ لِظُهُورِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ عَطْفًا عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ أعْنِي: ثَبَتَ، ودُخُولُ لَوْ عَلى المُضارِعِ جائِزَةٌ، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) إلَخْ، حِينَئِذٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «وبَحْرٌ» بِالتَّنْكِيرِ، والرَّفْعِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّي عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ هُناكَ بَحْرٌ يَمُدُّهُ إلَخْ، والواوُ واوُ الحالِ لا مَحالَةَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ( أقْلامٌ )، لِأنَّ البَحْرَ وما فِيهِ لَيْسَ مِن حَدِيثِ الشَّجَرِ صفحة 100 والأقْلامِ، وإنَّما هو مِن حَدِيثِ المِدادِ. وفي البَحْرِ: إنَّ الواوَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ، أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وإذا كانَتْ لِلْحالِ كانَ ( البَحْرُ ) مُبْتَدَأً، وسَوَّغَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً تَقَدُّمُ تِلْكَ الواوِ فَقَدْ عُدَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا ∗∗∗ مُحَيّاكَ أخْفى ضَوْءَهُ كُلُّ شارِقِ اهـ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى فاعِلٍ ثَبَتَ، فَجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، لا حالٌ مِنهُ، وجَوَّزَ ذَلِكَ مَن جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً جَعْلُ الجُمْلَةِ خَبَرَهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ خَبَرِهِ مَحْذُوفًا كَما فَعَلَ ابْنُ جِنِّي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ «تَمُدُّهُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ مِن مَدَّ، كالَّذِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ هُرْمُزَ «يَمُدُّهُ» بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ مِنَ الإمْدادِ، وقالَ ابْنُ الشَّيْخِ: يَمُدُّ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، ويُمِدُّ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لُغَتانِ بِمَعْنًى، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «والبَحْرُ مِدادُهُ» أيْ ما يُكْتَبُ بِهِ مِنَ الحِبْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مَصْدَرٌ، ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ جَوابُ ( لَوْ )، وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ يُسَمّى حَذْفَ إيجازٍ، ويَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ السِّياقُ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ، وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللَّهِ تَعالى ما نَفِدَتْ لِعَدَمِ تَناهِيها، ونَفِدَ تِلْكَ الأقْلامُ والمِدادُ لِتَناهِيها، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاشْتِمالِ عَلى إيجازِ الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البَقَرَةُ: 196]، أيْ فَحَلَقَ رَأْسَهُ لِدَفْعِ ما بِهِ مِنَ الأذى فَفِدْيَةٌ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى كَلِماتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «سَألَ أهْلُ الكِتابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ، فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِن العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسْراءُ: 85]، فَقالُوا: تَزْعُمُ أنّا لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وهي الحِكْمَةُ، ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَنَزَلَتْ: ( ولَوْ أنَ ) إلَخْ». وظاهِرُ هَذا أنَّ اليَهُودَ قالُوا ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُشافَهَةً، وهو ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّهم أمَرُوا وفْدَ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، وهَذا القائِلُ يَقُولُ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، وحاصِلُ الجَوابِ: إنَّهُ وإنْ كانَ ما أُوتِيتُمُوهُ خَيْرًا كَثِيرًا لِكَوْنِهِ حِكْمَةً إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ أُنْزِلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى ( ويَسْألُونَكَ ) إلَخْ، فَلَمّا هاجَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتاهُ أحْبارُ اليَهُودِ فَقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ أفَعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كَلّا عَنَيْتُ» فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ: (إنّا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ)، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّحِيَّةُ: «وهِيَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكم ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ نَجَوْتُمْ»، «قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَزْعُمُ هَذا وأنْتَ تَقُولُ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةُ: 269]، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هَذا عِلْمٌ قَلِيلٌ وخَيْرٌ كَثِيرٌ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». وهَذا نَصٌّ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِها مَقْدُوراتُهُ جَلَّ وعَلا وعَجائِبُهُ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي إذا أرادَ سُبْحانَهُ شَيْئًا مِنها قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ( كُنْ فَيَكُونُ ) [البَقَرَةُ: 117 وغَيْرُها]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في عِيسى: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النِّساءُ: 171]، وإطْلاقُ الكَلِماتِ عَلى ما ذُكِرَ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وعَلى هَذا وجْهُ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أظْهَرُ عَلى ما قِيلَ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا صفحة 101 قالَ: ( لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ) وكانَ مُوهِمًا لِتَناهِي مُلْكِهِ جَلَّ جَلالُهُ أرْدَفَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِما هو ظاهِرٌ بِعَدَمِ التَّناهِي، وهَذا ما اخْتارَهُ الإمامُ في المُرادِ بِكَلِماتِهِ تَعالى إلّا أنَّ في انْطِباقِهِ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ خَفاءٌ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ: المُرادُ بِها ما وعَدَ سُبْحانَهُ بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنَ الثَّوابِ، وما أوْعَدَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ مِنَ العِقابِ، وكَأنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ بَيانٌ لِأكْثَرِيَّةِ ما لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ مِن مُلْكِهِ تَعالى بَعْدَ بَيانِ كَثْرَةِ ما ظَهَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما هو المُتَبادِرُ مِنها بِناءً عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما هَذا كَلامٌ يُوشِكُ أنْ يَنْفَدَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآيَةَ، وفي وجْهِ رَبْطِ الآيَةِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَها، وكَذا بِما بَعْدَها خَفاءٌ جِدًّا إلّا أنَّهُ لا يَقْتَضِي كَوْنَها مَدَنِيَّةً، وإيثارُ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ بِناءً عَلى أنَّهُ كَجَمْعِ المُذَكَّرِ جَمْعُ قِلَّةٍ لِإشْعارِهِ وإنِ اقْتَرَنَ بِما قَدْ يُفِيدُ مَعَهُ الِاسْتِغْراقَ والعُمُومَ مِن ألْ، أوِ الإضافَةِ نَظَرًا لِأصْلِ وضْعِهِ، وهو القِلَّةُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ، فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ. وقَرَأ الحَسَنُ «ما نَفِدَ» بِغَيْرِ تاءٍ، «كَلامُ اللَّهِ» بَدَلَ كَلِماتِ اللَّهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ نَفادِ كَلِماتِهِ تَبارَكَ وتَعالى.

لقمان 31:28

﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ )،﴾ أيْ إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها في سُهُولَةِ التَّأتِّي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، إذْ لا يَشْغَلُهُ تَعالى شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، لِأنَّ مَناطَ وُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ تَعالى الواجِبَةِ، أوْ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: كُنْ مَعَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ الذّاتِيَّةِ، وإمْكانُ المُتَعَلِّقِ، ولا تَوَقُّفَ لِذَلِكَ عَلى آلَةٍ ومُباشَرَةٍ تَقْتَضِي التَّعاقُبَ لِيَخْتَلِفَ عِنْدَهُ تَعالى الواحِدُ والكَثِيرُ كَما يَخْتَلِفُ ذَلِكَ عِنْدَ العِبادِ، ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصِرٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ لا يَشْغَلُهُ إدْراكُ بَعْضِها عَنْ إدْراكِ بَعْضٍ، فَكَذا الخَلْقُ والبَعْثُ، وحاصِلُهُ كَما أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ بِبَصَرٍ واحِدٍ يُدْرِكُ سُبْحانَهُ المُبْصَراتِ، وبِسَمْعٍ واحِدٍ يَسْمَعُ جَلَّ وعَلا المَسْمُوعاتِ، ولا يَشْغَلُهُ بَعْضُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ، كَذَلِكَ فِيما يَرْجِعُ إلى القُدْرَةِ والفِعْلِ، فَهو اسْتِشْهادٌ بِما سَلَّمُوهُ، فَشَبَّهَ المَقْدُوراتِ فِيما يُرادُ مِنها بِالمُدْرَكاتِ فِيما يُدْرَكُ مِنها، كَذا في الكَشْفِ. واسْتَشْكَلَ كَوْنُ ذَلِكَ مُسَلَّمًا بِأنَّهُ قَدْ كانَ بَعْضُهم إذا طَعَنُوا في الدِّينِ يَقُولُ: أسِرُّوا قَوْلَكم لِئَلّا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَ: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [المُلْكِ: 13]. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا اعْتِدادَ بِمِثْلِهِ مِنَ الحَماقَةِ بَعْدَ ما رَدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوا، وأُعْلِمُوا بِما أسَرُّوا، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِإثْباتِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ بِالعِلْمِ الواسِعِ، وأنَّ شَيْئًا مِنَ المَقْدُوراتِ لا يَشْغَلُهُ سُبْحانَهُ عَنْ غَيْرِهِ لِعِلْمِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِها وجُزْئِيّاتِها، فَيَتَصَرَّفُ فِيها كَما يَشاءُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يُجِيدُ عَمَلَ كَذا لِمَعْرِفَتِهِ بِدَقائِقِهِ ومُتَمِّماتِهِ، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ الوَصْفَيْنِ إثْباتُ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِأنَّهُما عُمْدَتانِ فِيهِ، ألا تَرى كَيْفَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ. وأيًّا ما كانَ يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ أنَّ المُناسِبَ لِما قَبْلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ قَدِيرٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، دُونَ ما ذُكِرَ، لِأنَّ الخَلْقَ والبَعْثَ لَيْسا مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: «إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَنا أطْوارًا نُطْفَةً عَلَقَةً مُضْغَةً لَحْمًا، فَكَيْفَ يَبْعَثُنا خَلْقًا جَدِيدًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ؟ فَنَزَلَتْ،» وذَكَرَ النَّقّاشُ: أنَّها نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وأبِي الأسْوَدِ، ونَنِيهٍ، ومُنَبِّهٍ ابْنَيِ الحَجّاجِ، وذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها فِيهِمْ نَحْوُ ما ذُكِرَ، وعَلى كَوْنِ سَبَبِ النُّزُولِ ذَلِكَ قِيلَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بَصِيرٌ بِما يُضْمِرُونَهُ وهو كَما تَرى.

لقمان 31:29

﴿ألَمْ تَرَ﴾ قِيلَ: خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، وهو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ، وما لَحِقَ، أيْ ألَمْ تَعْلَمْ. صفحة 102 ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ أيْ يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنها في الآخَرِ، ويُضِيفُهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، فَيَتَفاوَتُ بِذَلِكَ حالُهُ زِيادَةً ونُقْصانًا، وعَدَلَ عَنْ يُولِجُ أحَدَ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِعالَمِ الإمْكانِ المُظْلِمِ مِن حَيْثُ إمْكانُهُ الذّاتِيِّ، وفي بَعْضِ الآثارِ: «كانَ العالَمُ في ظُلْمَةِ فَرْشِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ،» وهَذا الإيلاجُ إنَّما هو في هَذا العالَمِ لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكَ صَباحٌ ولا مَساءٌ، وقَدَّمَ الشَّمْسَ عَلى القَمَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ مَعَ تَقْدِيمِ اللَّيْلِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ القَمَرِ عَلى النَّهارِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ الشَّمْسِ لِأنَّها كالمَبْدَإ لِلْقَمَرِ، ولِأنَّ تَسْخِيرَها لِغايَةِ عِظَمِها أعْظَمُ مِن تَسْخِيرِ القَمَرِ، وأيْضًا آثارُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ أعْظَمُ مِن آثارِ تَسْخِيرِهِ، وقالَ الإمامُ في تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ كُلٍّ عَلى ما قُدِّمَ عَلَيْهِ: لِأنَّ الأنْفُسَ تَطْلُبُ سَبَبَ المُقَدَّمِ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ المُؤَخَّرِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى لا سِيَّما إذا صَحَّ أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ، وعُطِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( سَخَّرَ ) عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( يُولِجُ )، والِاخْتِلافُ بَيْنَهُما صِيغَةٌ لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ في كُلِّ حِينٍ، وأمّا التَّسْخِيرُ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، ولا تَجَدُّدَ، وإنَّما التَّعَدُّدُ، والتَّجَدُّدُ في آثارِهِ كَما يُشِيرُ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ )،﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿يَجْرِي﴾ يَسِيرُ سَيْرًا سَرِيعًا مُسْتَمِرًّا ﴿إلى أجَلٍ﴾ أيْ مُنْتَهًى لِلْجَرْيِ ﴿مُسَمًّى﴾ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَهُ لِذَلِكَ، وهو كَما قالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهُ لا يَنْقَطِعُ جَرْيُ النَّيِّرَيْنِ وتَبْطُلُ حَرَكَتُهُما إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَرْيَ هو هَذِهِ الحَرَكَةُ الَّتِي يُشاهِدُها كُلُّ ذِي بَصَرٍ مِن أهْلِ المَعْمُورَةِ، وهي عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بِواسِطَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ، فَإنَّ حَرَكَتَهُ كَذَلِكَ، وبِها حَرَكَةُ سائِرِ الأفْلاكِ، وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، ويُسَمّى حَرَكَةَ الكُلِّ، والحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ، والحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ، والحَرَكَةَ الأُولى، والحَرَكَةَ عَلى خِلافِ التَّوالِي، والحَرَكَةَ الشَّرْقِيَّةَ، وبَعْضُهم يُسَمِّيها الحَرَكَةَ الغَرْبِيَّةَ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ هَذِهِ الحَرَكَةَ وحَرَكَتَهُما الخاصَّةَ بِهِما، وهي حَرَكَتُهُما بِواسِطَةِ فَلَكَيْهِما عَلى التَّوالِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وهي لِلْقَمَرِ أسْرَعُ مِنها لِلشَّمْسِ، ولَيْسَ في العَقْلِ الصَّرِيحِ والنَّقْلِ الصَّحِيحِ ما يَأْبى إثْباتَ هاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ لِكُلٍّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ العارِفِ، ومُنْتَهى هَذا الجَرْيِ العامِّ لِهاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ يَوْمُ القِيامَةِ أيْضًا، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الخِطابِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِبَيانِ الواقِعِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِهِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ جَرْيَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ جَرْيُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما، والأجَلُ المُسَمّى لِجَرْيِ الشَّمْسِ آخِرُ السَّنَةِ المُسَمّاةِ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، وهي زَمانُ مُفارَقَةِ الشَّمْسِ أيَّةَ نُقْطَةٍ تُفْرَضُ مِن فَلَكِ البُرُوجِ إلى عَوْدِها إلَيْها بِحَرَكَتِها الخاصَّةِ، وجَعَلُوا ابْتِداءَها مِن حِينِ حُلُولِ الشَّمْسِ رَأْسَ الحَمَلِ، ومُدَّتُها عِنْدَ بَعْضٍ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، ورُبْعُ يَوْمٍ كَذَلِكَ، وعِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وخَمْسُ ساعاتٍ وخَمْسَةٌ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً واثْنَتا عَشْرَةَ ثانِيَةً، وعِنْدَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا، وخَمْسُ ساعاتٍ وسِتٌّ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، وأرْبَعٌ وعِشْرُونَ ثانِيَةً، وعِنْدَ الحَكِيمِ مُحْيِي الدِّينِ الكَسْرُ الزّائِدُ خَمْسُ ساعاتٍ ودَقِيقَةٌ، وبِالرَّصْدِ الجَدِيدِ الَّذِي تَوَلّاهُ الطُّوسِيُّ بِمَراغَةَ خَمْسُ ساعاتٍ وتِسْعٌ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، ووُجِدَ بِرَصْدِ سَمَرْقَنْدَ أزْيَدَ مِن هَذا بِرُبْعِ دَقِيقَةٍ، وأمّا الِاصْطِلاحِيَّةُ فاعْتَبَرَها بَعْضٌ كالرُّومِ والأقْدَمِينَ مِنَ الفُرْسِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، ورُبْعَ يَوْمٍ كَذَلِكَ، وأخَذَ الكَسْرُ رُبْعًا تامًّا إلّا أنَّ الرُّومَ يَجْعَلُونَ ثَلاثَ سِنِينَ صفحة 103 ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وسِتِّينَ، ويَكْبِسُونَ في الرّابِعَةِ بِيَوْمٍ، والفُرْسُ كانُوا يَكْسِبُونَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً بِشَهْرٍ، واعْتَبَرَها بَعْضٌ آخَرُ كالقِبْطِ، والمُسْتَعْمِلِينَ لِتارِيخِ الفُرْسِ مِنَ المُحْدَثِينَ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وأُسْقِطَ الكَسْرُ رَأْسًا، ولِجَرْيِ القَمَرِ آخِرَ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ الحَقِيقِيِّ وهو زَمانُ مُفارَقَةِ القَمَرِ، أيْ وضْعٌ يُعَرَّضُ لَهُ مِنَ الشَّمْسِ إلى عَوْدِهِ إلَيْهِ، وجَعَلُوا ابْتِداءَهُ مِنَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وزَمانَ ما بَيْنَ الِاجْتِماعَيْنِ المُتَتالِيَيْنِ (كط لا ن) مِنَ الأيّامِ ودَقائِقِها وثَوانِيها تَقْرِيبًا، وأمّا الشَّهْرُ الغَيْرُ الحَقِيقِيُّ فالمُعْتَبَرُ فِيهِ الهِلالُ ويَخْتَلِفُ زَمانُ ما بَيْنَ الهِلالَيْنِ، كَما هو مَعْرُوفٌ. قِيلَ: وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ بَيانٌ لِحُكْمِ تَسْخِيرِهِما، أوْ تَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ إيلاجِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ جَرَيانِ الشَّمْسِ عَلى مَداراتِها اليَوْمِيَّةِ، فَكُلَّما كانَ جَرَيانُها مُتَوَجِّهًا إلى سَمْتِ الرَّأْسِ تَزْدادُ القَوْسُ الَّتِي فَوْقَ الأرْضِ كِبَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ طُولًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزاءِ اللَّيْلِ إلَيْهِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أقْرَبُ المَداراتِ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها إلى رَأْسِ السَّرَطانِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مُتَوَجِّهَةً إلى التَّباعُدِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، فَلا تَزالُ القِسِيُّ الَّتِي فَوْقَ الأرْضِ تَزْدادُ صِغَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ قِصَرًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى اللَّيْلِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أبْعَدُ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها رَأْسَ الجَدْيِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِجَرَيانِ القَمَرِ في الإيلاجِ، فالتَّعَرُّضُ لَهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُبْعِدُ هَذا الوَجْهَ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ جَرْيِهِما عِبارَةً عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما أنْ يُجْعَلَ الأجَلُ المُسَمّى عِبارَةً عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ يُجْعَلَ عِبارَةً عَنْ آخِرِ السَّنَةِ والشَّهْرِ المَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ العَرَبِ فَتَأمَّلْ، وجَرى يَتَعَدّى بِإلى تارَةً وبِاللّامِ أُخْرى، وتَعْدِيَتُهُ بِالأوَّلِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَجْرُورِ غايَةً، وبِالثّانِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ غَرَضًا، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ تَعْلِيلٍ، أوْ عاقِبَةٍ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِلِاخْتِصاصِ، ولِكُلٍّ وجْهٌ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ اخْتِصاصِ هَذا المَقامِ بِإلى وغَيْرِهِ بِاللّامِ. وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صُدِّرَتْ بِالتَّعْجِيبِ فَناسَبَ التَّطْوِيلُ، وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ إلَخْ، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ عَلى تَقْدِيرِي خُصُوصَ الخِطابِ وعُمُومَهُ، فَإنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ والتَّدْبِيرِ اللّائِقِ لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِجَلائِلِ أعْمالِهِ ودَقائِقِها، وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بِما يَعْمَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

لقمان 31:30

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ وأشارَتْ إلَيْهِ مِن سَعَةِ العِلْمِ، وكَمالِ القُدْرَةِ واخْتِصاصِ البارِي تَعالى شَأْنُهُ بِها ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ في ذاتِهِ أيِ الواجِبُ الوُجُودِ. ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلَهًا ﴿الباطِلُ﴾ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ، وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يُوجَدُ إلّا بِغَيْرِهِ، وهو الواجِبُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ﴾ عَلى الأشْياءِ ﴿الكَبِيرُ﴾ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ أوْ يَتَّصِفَ جَلَّ وعَلا بِنَقْصٍ لا بِشَيْءٍ أعْلى مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ شَأْنًا وأكْبَرَ سُلْطانًا، ووَجْهُ سَبَبِيَّةِ الأوَّلِ لِما ذُكِرَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ هو سُبْحانَهُ وحْدَهُ المُوجِدَ لِسائِرِ المَصْنُوعاتِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ، فَيَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ، والإيجابُ قَدْ أُبْطِلَ في الأُصُولِ، ومَن صَدَرَتْ عَنْهُ جَمِيعُ هاتِيكَ المَصْنُوعاتِ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ كامِلَ العِلْمِ عَلى ما بُيِّنَ في الكَلامِ، ووَجْهُ سَبَبِيَّةِ الثّالِثِ لِذَلِكَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُتَسَلِّطًا عَلَيْها مُتَنَزِّهًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ أوْ يَتَّصِفَ بِنَقْصٍ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَلْزِمُ صفحة 104 كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وقَدْ سَمِعْتَ الكَلامَ فِيهِ، وأمّا وجْهُ سَبَبِيَّةِ كَوْنِ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ إلَهًا باطِلًا مُمْكِنًا في ذاتِهِ لِذَلِكَ، فَهو أنَّ إمْكانَهُ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ عِنْدَهم عَلى ما عَداهُ مِمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا إلَهِيَّتَهُ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ غَيْرِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ ما فِيهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ مَوْجُودٌ في ذَلِكَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، ومَتى كانَ ما يَدْعُونَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ تَعالى وغَيْرِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُمْكِنًا انْحَصَرَ وُجُوبُ الوُجُودِ في اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ إفادَتَهُ لِلْمَطْلُوبِ، وكَأنَّهُ إنَّما قِيلَ: إنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ دُونَ أنَّ ما سِواهُ الباطِلُ مَثَلًا نَظِيرَ قَوْلِ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ تَنْصِيصًا عَلى فَظاعَةِ ما هم عَلَيْهِ، واسْتِلْزَمُ ذَلِكَ إمْكانَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِنَ المَوْجُوداتِ مِن بابِ أوْلى بِناءً عَلى ما يَزْعُمُ المُشْرِكُونَ في آلِهَتِهِمْ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ، ولَمْ يَكْتَفِ في بَيانِ السَّبَبِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ) بَلْ عَطَفَ عَلَيْهِ ما عَطَفَ مَعَ أنَّهُ مِمّا يَعُودُ إلَيْهِ، وتُشْعِرُ تِلْكَ الجُمْلَةُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِالمَطْلُوبِ، وبِما يُفِيدُهُ مَنطُوقُ المَعْطُوفِ مِن بُطْلانِ الشَّرِيكِ، وكَوْنِهِ تَعالى هو العَلِيُّ الكَبِيرُ. وقِيلَ: أيُّ ذَلِكَ الِاتِّصافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِن عَجائِبِ القُدْرَةِ، والحِكْمَةِ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الإلَهُ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ، وأنَّ مَن دُونَهُ سُبْحانَهُ باطِلُ الإلَهِيَّةِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى هو العَلِيُّ الشَّأْنِ الكَبِيرُ السُّلْطانِ، ومَدارُ أمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ هو الثّابِتُ الإلَهِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ إلَهًا كانَ قادِرًا خالِقًا عالِمًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ كالفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ إلى هَذا المَقامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِتِلْكَ الفَواصِلِ المَذْكُورَةِ هُنالِكَ كُلِّها. ولَعَلَّ ما قَدَّمْنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ في الِاعْتِراضِ عَلى ذَلِكَ: أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَعالى وعُلُوَّهُ وكِبْرِياءَهُ وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِمَناطِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، لَكِنَّ بُطْلانَ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لا دَخْلَ لَهُ في المَناطِيَّةِ قَطْعًا فَلا مَساغَ لِنَظْمِهِ في سِلْكِ الأسْبابِ بَلْ هو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ ضَرُورَةَ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ هي المُقْتَضِيَةُ لِبُطْلانِها، لا أنَّ بُطْلانَها يَقْتَضِيها انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، والعَجَبُ مِنهُ أنَّهُ ذَكَرَ مِثْلَ ما اعْتَرَضَ عَلَيْهِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ، أيْ ما تُلِيَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ بِسَبَبِ بَيانِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَهِيَّتُهُ فَقَطْ، ولِأجْلِهِ لِكَوْنِها ناطِقَةً بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، ولِأجْلِ بَيانِ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ ما يَدَّعُونَ مِن دُونِهِ لِكَوْنِها شاهِدَةً شَهادَةً بَيِّنَةً لا رَيْبَ فِيها، ولِأجْلِ بَيانِ أنَّهُ تَعالى هو المُرْتَفِعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ المُتَسَلِّطُ عَلَيْهِ فَإنَّ ما في تَضاعِيفِ تِلْكَ الآياتِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنٌ لِاخْتِصاصِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ بِهِ أيَّ بَيانٍ، وهو وجْهٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ سِوى اعْتِبارِ حَذْفِ مُضافٍ، كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ إنَّما قِيلَ هُنا: وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ بِدُونِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وفي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ،﴾ بِتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِما أنَّ الحَطَّ عَلى المُشْرِكِينَ وآلِهَتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ الحَطِّ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السُّورَةِ. وقالَ النَّيْسابُورِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ آيَةَ الحَجِّ وقَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ آياتٍ كُلُّ آيَةٍ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، فَناسَبَ ذَلِكَ تَوْسِيطُ الضَّمِيرِ بِخِلافِ ما هُنا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: تَقَدَّمَ في تِلْكَ السُّورَةِ ذِكْرُ الشَّيْطانِ مَرّاتٍ، فَلِهَذا ذُكِرَتْ تِلْكَ المُؤَكِّداتُ بِخِلافِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الشَّيْطانِ فِيها نَحْوَ ذِكْرِهِ هُناكَ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، صفحة 105 وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ «تَدْعُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.

لقمان 31:31

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا وغايَةِ حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وشُمُولِ إنْعامِهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى إحْسانُهُ سُبْحانَهُ في تَهْيِئَةِ أسْبابِ الجَرْيِ مِنَ الرِّيحِ، وتَسْخِيرِها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما فِي: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، أوْ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَجْرِي. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِنِعْمَتِهِ تَعالى ما أنْعَمَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ بِما تَحْمِلُهُ الفُلْكُ مِنَ الطَّعامِ والمَتاعِ ونَحْوِهِ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفُلْكِ، أيْ تَجْرِي مَصْحُوبَةً بِنِعْمَتِهِ تَعالى، وقَرَأ مُوسى بْنُ الزُّبَيْرِ «الفُلُكَ» بِضَمِّ اللّامِ ومِثْلُهُ مَعْرُوفٌ في فُعُلٍ مَضْمُومِ الفاءِ. حُكِيَ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما سُمِعَ فُعْلٌ بِضَمِّ الفاءِ، وسُكُونِ العَيْنِ إلّا وقَدْ سُمِعَ فِيهِ فُعُلٌ بِضَمِّ العَيْنِ. وفِي الكَشّافِ: كُلُّ فُعْلٍ يَجُوزُ فِيهِ فُعُلٌ، كَما يَجُوزُ في كُلِّ فَعْلٍ فَعَلٌ، وجُعِلَ ضَمُّ العَيْنِ لِلْإتْباعِ، وإسْكانُها لِلتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ يَعْمَرَ «بِنِعْماتِ اللَّهِ» بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ جَمْعًا بِالألِفِ والتّاءِ، وهو جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، ويَجُوزُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في كُلِّ جَمْعٍ مِثْلِهِ تَسْكِينُ العَيْنِ عَلى الأصْلِ، وكَسْرُها إتْباعًا لِلْفاءِ وفَتْحُها تَخْفِيفًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «بِنَعَماتِ اللَّهِ» بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ جَمْعًا لِنَعْمَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وهي اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ، وقِيلَ: بِمَعْنى النِّعْمَةِ بِالكَسْرِ، ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ أيْ بَعْضَ دَلائِلِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعِلْمُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ أنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةً في ذاتِها كَثِيرَةً في عَدَدِها لِكُلِّ مُبالِغٍ في الصَّبْرِ عَلى بَلائِهِ سُبْحانَهُ ومُبالِغٍ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ. ( وصَبّارٍ شَكُورٍ ) كِنايَةٌ عَنِ المُؤْمِنِ مِن بابِ: حَيٌّ مُسْتَوِي القامَةِ عَرِيضُ الأظْفارِ، فَإنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عُمْدَتا الإيمانِ، لِأنَّهُ وجَمِيعُ ما يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، إمّا تَرْكٌ لِلْمَأْلُوفِ غالِبًا، وهو بِالصَّبْرِ، أوْ فِعْلٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ، وهو شُكْرٌ لِعُمُومِهِ، فِعْلُ القَلْبِ والجَوارِحِ واللِّسانِ، ولِذا ورَدَ: «(الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ)،» وذِكْرُ الوَصْفَيْنِ بَعْدَ الفُلْكِ فِيهِ أتَمُّ مُناسَبَةٍ، لِأنَّ الرّاكِبَ فِيهِ لا يَخْلُو عَنِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّبّارِ كَثِيرُ الصَّبْرِ عَلى التَّعَبِ في كَسْبِ الأدِلَّةِ مِنَ الأنْفُسِ والآفاقِ وإلّا فَلا اخْتِصاصَ لِلْآياتِ بِمَن تَعِبَ مُطْلَقًا، وكِلا الوَصْفَيْنِ بُنِيا بِناءَ مُبالَغَةٍ، وفَعّالٌ عَلى ما في البَحْرِ أبْلَغُ مِن فَعُولٍ لِزِيادَةِ حُرُوفِهِ، قِيلَ: وإنَّما اخْتِيرَ زِيادَةُ المُبالَغَةِ في الصَّبْرِ إيماءً إلى أنَّ قَلِيلَهُ لِشِدَّةِ مَرارَتِهِ، وزِيادَةِ ثِقَلِهِ عَلى نَفْسِ كَثِيرٍ.

لقمان 31:32

﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ﴾ أيْ عَلاهم وغَطّاهم مِنَ الغِشاءِ بِمَعْنى الغِطاءِ مِن فَوْقُ، وهو المُناسِبُ هُنا، وقِيلَ: أيْ أتاهم مِنَ الغَشَيانِ بِمَعْنى الإتْيانِ، وضَمِيرُ ﴿غَشِيَهُمْ﴾ إنِ اتَّحَدَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ قَبْلَهُ فَفي الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وإلّا فَلا التِفاتَ، والمَوْجُ ما يَعْلُو مِن غَوارِبِ الماءِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ مَوْجَةٌ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، والتَّكْثِيرِ، ولِذا أُفْرِدَ مَعَ جَمْعِ المُشَبَّهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كالظُّلَلِ﴾ وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ كَغُرْفَةٍ وغُرَفٍ وقُرْبَةٍ وقُرَبٍ، والمُرادُ بِها ما أظَلَّ مِن سَحابٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما. وقالَ الرّاغِبُ: الظُّلَّةُ السَّحابَةُ تُظِلُّ، وأكْثَرَ ما يُقالُ فِيما يُسْتَوْخَمُ ويُكْرَهُ، وفَسَّرَ قَتادَةُ الظِّلَّ هُنا بِالسَّحابِ، صفحة 106 وبَعْضُهم بِالجِبالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «كالظِّلالِ» وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ أيْضًا كَعُلْبَةٍ وعِلابٍ، وجُفْرَةٍ وجِفارٍ، (وإذا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَعَوُا﴾ أيْ دَعَوُا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةِ مِنَ الهَوى، والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ. ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ سالِكُ القَصْدِ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وأصْلُهُ اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ التَّوْحِيدُ مَجازًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنهم مُقِيمٌ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُ الحَسَنِ: أيُّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ النِّعْمَةِ يَرْجِعُ إلى هَذا، وقِيلَ: مُقْتَصِدٌ مِنَ الِاقْتِصادِ بِمَعْنى التَّوَسُّطِ والِاعْتِدالِ. والمُرادُ حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى في البَحْرِ، وتَفْسِيرُهُ بِمُوفٍ بِعَهْدِهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَدْخُلُ في هَذا البَعْضِ عَلى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ. فَقَدْ رَوى السُّدِّيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا كانَ فَتْحُ مَكَّةَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النّاسَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قَتْلِ أهْلِها إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنهُمْ، قالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وقَيْسُ بْنُ ضُبابَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ. فَأمّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ البَحْرَ، فَأصابَتْهم رِيحٌ عاصِفَةٌ، فَقالَ أهْلُ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا، فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا ها هُنا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِنِي في البَرِّ غَيْرُهُ. اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى أضَعَ يَدِي في يَدِهِ فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ وأسْلَمَ،» وقِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ بِما شاهَدَهُ بَعْضَ الِانْزِجارِ. وقِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في الإخْلاصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ في البَحْرِ، فَإنَّ الإخْلاصَ الحادِثَ عِنْدَ الخَوْفِ قَلَّما يَبْقى لِأحَدٍ عِنْدَ زَوالِ الخَوْفِ. وأيًّا ما كانَ، فالظّاهِرُ أنَّ المُقابِلَ لِقَسَمِ المُقْتَصِدِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ والآيَةُ دَلِيلُ ابْنِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ عَلى جَوازِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِ لَمّا، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم جاحِدٌ، والخَتّارُ مِنَ الخَتْرِ، وهو أشَدُّ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ لا تَمُدُّ لَنا شِبْرًا مِن غَدْرٍ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن غَدْرٍ، وبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِابْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: لَقَدْ عَلِمَتْ واسْتَيْقَنَتْ ذاتُ نَفْسِها بِأنْ لا تَخافَ الدَّهْرَ صَرْمِي ولا خَتْرِي ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: الخَتْرُ غَدْرٌ يَخْتُرُ فِيهِ الإنْسانُ أيْ يَضْعُفُ، ويُكْسَرُ لِاجْتِهادِهِ فِيهِ، أيْ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا ويَكْفُرُ بِها إلّا كُلُّ غَدّارٍ أشَدَّ الغَدْرِ، لِأنَّ كُفْرَهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَقْضٌ لِما عاهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ في البَحْرِ مِنَ الإخْلاصِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿كَفُورٍ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ( وخَتّارٌ ) مُقابِلٌ لِصَبّارٍ صفحة 107 لِأنَّ مَن غَدَرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلى العَهْدِ، وكَفُورٌ مُقابِلٌ لِشَكُورٍ.