Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — القصص 28:47 – العنكبوت 29:69

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. القصص 28:47
  2. القصص 28:48
  3. القصص 28:49
  4. القصص 28:50
  5. القصص 28:51
  6. القصص 28:52
  7. القصص 28:53
  8. القصص 28:54
  9. القصص 28:55
  10. القصص 28:56
  11. القصص 28:57
  12. القصص 28:58
  13. القصص 28:59
  14. القصص 28:60
  15. القصص 28:61
  16. القصص 28:62
  17. القصص 28:63
  18. القصص 28:64
  19. القصص 28:65
  20. القصص 28:66
  21. القصص 28:67
  22. القصص 28:68
  23. القصص 28:69
  24. القصص 28:70
  25. القصص 28:71
  26. القصص 28:72
  27. القصص 28:73
  28. القصص 28:74
  29. القصص 28:75
  30. القصص 28:76
  31. القصص 28:77
  32. القصص 28:78
  33. القصص 28:79
  34. القصص 28:80
  35. القصص 28:81
  36. القصص 28:82
  37. القصص 28:83
  38. القصص 28:84
  39. القصص 28:85
  40. القصص 28:86
  41. القصص 28:87
  42. القصص 28:88
  43. العنكبوت 29:1
  44. العنكبوت 29:2
  45. العنكبوت 29:3
  46. العنكبوت 29:4
  47. العنكبوت 29:5
  48. العنكبوت 29:6
  49. العنكبوت 29:7
  50. العنكبوت 29:8
  51. العنكبوت 29:9
  52. العنكبوت 29:10
  53. العنكبوت 29:11
  54. العنكبوت 29:12
  55. العنكبوت 29:13
  56. العنكبوت 29:14
  57. العنكبوت 29:15
  58. العنكبوت 29:16
  59. العنكبوت 29:17
  60. العنكبوت 29:18
  61. العنكبوت 29:19
  62. العنكبوت 29:20
  63. العنكبوت 29:21
  64. العنكبوت 29:22
  65. العنكبوت 29:23
  66. العنكبوت 29:24
  67. العنكبوت 29:25
  68. العنكبوت 29:26
  69. العنكبوت 29:27
  70. العنكبوت 29:28
  71. العنكبوت 29:29
  72. العنكبوت 29:30
  73. العنكبوت 29:31
  74. العنكبوت 29:32
  75. العنكبوت 29:33
  76. العنكبوت 29:34
  77. العنكبوت 29:35
  78. العنكبوت 29:36
  79. العنكبوت 29:37
  80. العنكبوت 29:38
  81. العنكبوت 29:39
  82. العنكبوت 29:40
  83. العنكبوت 29:41
  84. العنكبوت 29:42
  85. العنكبوت 29:43
  86. العنكبوت 29:44
  87. العنكبوت 29:45
  88. العنكبوت 29:46
  89. العنكبوت 29:47
  90. العنكبوت 29:48
  91. العنكبوت 29:49
  92. العنكبوت 29:50
  93. العنكبوت 29:51
  94. العنكبوت 29:52
  95. العنكبوت 29:53
  96. العنكبوت 29:54
  97. العنكبوت 29:55
  98. العنكبوت 29:56
  99. العنكبوت 29:57
  100. العنكبوت 29:58
  101. العنكبوت 29:59
  102. العنكبوت 29:60
  103. العنكبوت 29:61
  104. العنكبوت 29:62
  105. العنكبوت 29:63
  106. العنكبوت 29:64
  107. العنكبوت 29:65
  108. العنكبوت 29:66
  109. العنكبوت 29:67
  110. العنكبوت 29:68
  111. العنكبوت 29:69

القصص 28:47

﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ وهي عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ويُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ الأعْمالِ وإنْ لَمْ تَصْدُرْ عَنِ الأيْدِي بِاجْتِراحِ الأيْدِي وتَقْدِيمِ الأيْدِي لِما أنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِها ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا﴾ أيْ هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِكَ بِالآياتِ ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الظّاهِرَةَ عَلى يَدِهِ ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ 47) بِما جاءَ بِهِ، ولَوْلا الثّانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ جَوابُها ولِكَوْنِ التَّحْضِيضِ طَلَبًا كالأمْرِ أُجِيبَتْ عَلى نَحْوِ ما يُجابُ، وأمّا الأوْلى فامْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لِما أرْسَلْناكَ، والفاءُ في ﴿فَيَقُولُوا﴾ عاطِفَةٌ لِيَقُولَ عَلى تُصِيبُهُمْ، والمَقْصُودُ بِالسَّبَبِيَّةِ لِانْتِفاءِ الجَوابِ والرُّكْنُ الأصِيلُ فِيها قَوْلُهم ذَلِكَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ، فالمَعْنى لَوْلا قَوْلُهم إذا عُوقِبُوا بِما اقْتَرَفُوا هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَهُ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِما أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ، وحاصِلُهُ سَبَبِيَّةُ القَوْلِ المَذْكُورِ لِإرْسالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ ولَكِنَّ العُقُوبَةَ لَمّا كانَتْ هي السَّبَبَ لِلْقَوْلِ وكانَ وُجُودُهُ بِوُجُودِها جُعِلَتْ كَأنَّها سَبَبُ الإرْسالِ بِواسِطَةِ القَوْلِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لَوْلا وجِيءَ بِالقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلَيْها بِالفاءِ المُعْطِيَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، ونُكْتَةُ إيثارِ هَذا الأُسْلُوبِ وعَدَمِ جَعْلِ العُقُوبَةِ قَيْدًا مُجَرَّدًا أنَّهم لَوْ لَمْ يُعاقَبُوا مَثَلًا عَلى كُفْرِهِمْ وقَدْ عايَنُوا ما أُلْجِئُوا بِهِ إلى العِلْمِ اليَقِينِ لَمْ يَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، وإنَّما السَّبَبُ في قَوْلِهِمْ هَذا هو العِقابُ لا غَيْرُ لا التَّأسُّفُ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ بِخالِقِهِمْ، وفي هَذا مِنِ الشَّهادَةِ القَوِيَّةِ عَلى اسْتِحْكامِ كُفْرِهِمْ ورُسُوخِهِ فِيهِمْ ما لا يَخْفى كَقَوْلِهِ تَعالى: صفحة 91 ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: 28] هَذا ما أرادَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ولَيْسَ في الكَلامِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ كَما هو الظّاهِرُ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ أنْ تُصِيبَهم إلَخْ، فالسَّبَبُ لِلْإرْسالِ إنَّما هو كَراهَةُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إلْزامِ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ، وهَذِهِ الكَراهَةُ مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِها الَّذِي تَقْتَضِيهِ لَوْلا ودَفَعُوا بِهَذا التَّقْدِيرِ لُزُومَ تَحَقُّقِ الإصابَةِ والقَوْلِ المَذْكُورِ وانْتِفاءَ عَدَمِ الإرْسالِ كَما هو مُقْتَضى لَوْلا، وفي ذَلِكَ ما فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ لَوْلا لَيْسَتْ كَما قالَ النُّحاةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مَوْجُودٌ أوْ أنَّ جَوابَها مُمْتَنِعٌ والتَّحْرِيرَ في مَعْناها أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مانِعٌ مِن جَوابِها عَكْسَ لَوْ، ثُمَّ المانِعُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا وقَدْ يَكُونُ مَفْرُوضًا وما في الآيَةِ مِنَ الثّانِي فَلا إشْكالَ فِيها، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَ مَن لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ رَسُولٌ أنْ عُذِّبَ: رَبِّي لَوْلا أرْسَلْتَ (إلَيَّ) رَسُولًا مِمّا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ وإلّا لَما صَلُحَ لِأنْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإرْسالِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَقْلَ لا يُغْنِي عَنِ الرَّسُولِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، والكَلامُ فِيهِ كَثِيرٌ

القصص 28:48

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أيْ أُولَئِكَ القَوْمَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا أهْلُ مَكَّةَ المَوْجُودُونَ عِنْدَ البَعْثَةِ وضَمائِرُ الجَمْعِ الآتِيَةُ كُلُّها راجِعَةٌ إلَيْهِمْ. ﴿الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ أيِ الأمْرُ الحَقُّ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قالُوا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ يَعْنُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ يَكْفُرُوا وتَعَلُّقُهُ بِـ أُوتِيَ لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ لائِحٌ إذْ هو تَقْيِيدٌ بِلا فائِدَةٍ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ ما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ. نَعَمْ أمْرُ الرَّدِّ عَلَيْهِ عَلى حالِهِ أيْ ألَمْ يَكْفُرُوا مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ بِما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كَفَرُوا بِهَذا الحَقِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ كُفْرِهِمُ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ السّابِقِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِحْرانِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُما يَعْنُونَ ما أُوتِيَ نَبِيُّنا وما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ سِحْرانِ ﴿تَظاهَرا﴾ أيْ تَعاوَنا بِتَصْدِيقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ وتَأْيِيدِهِ إيّاهُ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا رَهْطًا مِنهم إلى رُؤَساءِ اليَهُودِ في عِيدٍ لَهم فَسَألُوهم عَنْ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالُوا: إنّا نَجِدُهُ في التَّوْراةِ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ فَلَمّا رَجَعَ الرَّهْطُ وأخْبَرُوهم بِما قالَتِ اليَهُودُ قالُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ﴾ أيْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿كافِرُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِكُفْرِهِمْ بِهِما وتَأْكِيدٌ لِكُفْرِهِمُ المَفْهُومِ مِن تَسْمِيَتِهِما سِحْرًا وذَلِكَ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ وقَرَأ الأكْثَرُونَ «ساحِرانِ» وأرادَ الكَفَرَةُ بِهِما نَبِيَّنا ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ «(أظّاهَرا)» بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وشَدِّ الظّاءِ وكَذا هي في حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وأصْلُهُ تَظاهَرا فَلَمّا قُلِبَتِ التّاءُ ظاءً وأُدْغِمَتْ سُكِّنَتْ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِيُبْتَدَأ بِالسّاكِنِ، وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ، ويَحْيى بْنُ الحارِثِ الذِّمارِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو خَلّادٍ عَنِ اليَزِيدِيِّ تَظّاهَرا بِالتّاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وتَشْدِيدُهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وإنَّما يُشَدَّدُ في المُضارِعِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ. وقالَ صاحِبُ الكامِلِ في القِراءاتِ لا مَعْنى لَهُ. وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ حُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ بِدُونِ ناصِبٍ صفحة 92 أوْ جازِمٍ، وجاءَ حَذْفُها كَذَلِكَ في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ وفي الشِّعْرِ، و«ساحِرانِ» خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ الكَلامِ أنْتُما ساحِرانِ تَتَظاهَرانِ فَحُذِفَ أنْتُما وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ وحُذِفَتِ النُّونُ ورُوعِيَ الخِطابُ ولَوْ قُرِئَ يُظاهِرا بِالياءِ حَمَلا عَلى مُراعاةِ ساحِرانِ أوْ عَلى تَقْدِيرِهِما لَكانَ لَهُ وجْهٌ وكَأنَّهم خاطَبُوا النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ وأرادُوهُ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْتُما عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، هَذا وتَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذُكِرَ مِمّا لا تَكَلُّفَ فِيهِ ولَعَلَّهُ هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءُ ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى:

القصص 28:49

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ مِمّا أُوتِياهُ مِنَ القُرْآنِ والتَّوْراةِ ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ فالفِعْلُ مَجْزُومٌ بِجَوابِ الأمْرِ ومِثْلُ هَذا الشَّرْطِ يَأْتِي بِهِ مَن يَدُلُّ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ وإيرادُ كَلِمَةِ (إنْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلَقانِ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ أتَّبِعُهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ أنا أتَّبِعُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحَقُّ الرَّسُولُ المُصَدَّقُ بِالكِتابِ المُعْجِزِ مَعَ سائِرِ المُعْجِزاتِ يَعْنِي أنَّ المَقامَ مَقامُ أنْ يُقالَ فَلَمّا جاءَهم أيِ الرَّسُولُ أوْ فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ لَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِإفادَةِ تِلْكَ المَعانِي وما أُوتِيَ مُوسى بِما هو أعَمُّ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً واحِدَةً واليَدُ والعَصا وغَيْرُهُما مِن آياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِلْمُعْجِزاتِ مِنَ اليَدِ ونَحْوِها بِالمَقامِ وكَذا لا تَعَلُّقَ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِن مُعْجِزاتِ نَبِيِّنا ﷺ بِهِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ إلَخْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرا (جاءَهُمُ وقالُوا) راجِعَيْنِ إلى أهْلِ مَكَّةَ المَوْجُودِينَ وضَمِيرُ (يَكْفُرُوا) وكَذا ضَمِيرُ (قالُوا) في المَوْضِعَيْنِ راجِعٌ إلى جِنْسِ الكَفَرَةِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ والمُرادُ بِهِمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ يَكْفُرُوا لا بِـ أُوتِيَ لِعَدَمِ ظُهُورِ الفائِدَةِ والمُرادُ بِسِحْرَيْنِ أوْ ساحِرانِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وإطْلاقُ سِحْرَيْنِ عَلَيْهِما لِلْمُبالَغَةِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ ذَوا سِحْرَيْنِ، والمَعْنى أوَ لَمْ يَكْفُرْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ مِن قَبْلِهِمْ بِما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كَفَرُوا هم بِما أُوتِيتَهُ وقالَ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ هُما أيْ مُوسى وهارُونُ سِحْرانِ أوْ ساحِرانِ تَظاهَرا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ راجِعَةً إلى المَوْجُودِينَ والكُفْرُ والقَوْلُ المَذْكُورُ لِأُولَئِكَ السّابِقِينَ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُما إلى المَوْجُودِينَ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُلابَسَةِ. وقِيلَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: مِن أنَّهُ كانَ لِلْعَرَبِ أصْلٌ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ المَعْنى أوَ لَمْ يَكْفُرْ آباؤُهم مِن قَبْلِ أنْ يُرْسَلَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما أُوتِيَ مُوسى قالُوا هُما أيْ مُوسى وهارُونُ سِحْرانِ أوْ ساحِرانِ تَظاهَرا فَهو عَلى أُسْلُوبِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البَقَرَةِ: 49] ونَحْوِهِ ويُفِيدُ الكَلامُ عَلَيْهِ أنَّ قَدَمَهم في الكُفْرِ مِنَ الرُّسُوخِ بِمَكانٍ، ولَهم في العِنادِ عِرْقٌ أصِيلٌ وكَوْنُ العَرَبِ لَهم أصْلٌ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ حَتّى قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَرَبِيًّا مِن أوْلادِ عادٍ لَكِنْ في حُسْنِ تَخْرِيجِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ كَلامٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأوْجُهِ لَيْسَتْ مِمّا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ وفِيها مِنَ التَّكَلُّفِ ما فِيها. وادَّعى أبُو حَيّانَ ظُهُورَ رُجُوعِ ضَمِيرِ يَكْفُرُوا وكَذا ضَمِيرُ قالُوا إلى قُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى وأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِما أنَّ تَكْذِيبَهم لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَكْذِيبٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتَهُمُ السِّحْرَ لِلرَّسُولِ نِسْبَتُهم إيّاهُ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إذِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن صفحة 93 وادٍ واحِدٍ فَمَن نَسَبَ إلى أحَدٍ مِنهم ما لا يَلِيقُ كانَ ناسِبًا ذَلِكَ إلى جَمِيعِهِمْ فَلا يُحْتاجُ إلى تَوْسِيطِ حِكايَةِ الرَّهْطِ في أمْرِ النِّسْبَةِ، وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلٍّ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ادَّعاهُ مِن ظُهُورِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما ذَكَرَ أمْرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ مُنْصِفِي ذَوِي العُقُولِ، لَكِنَّ تَوْجِيهَ نِسْبَةِ الكُفْرِ والقَوْلِ المُبَيِّنِ لِكَيْفِيَّتِهِ مِمّا ذُكِرَ مِمّا يَبْعُدُ قَبُولُهُ، وكَأنَّهُ إنَّما احْتاجَ إلَيْهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ حِكايَةِ الرَّهْطِ عِنْدَهُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَسَّرَ السِّحْرانِ بِالقُرْآنِ والإنْجِيلِ والسّاحِرانِ بِمُحَمَّدٍ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعَلَ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى اليَهُودِ، وتَفْسِيرُ السّاحِرَيْنِ بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِالحَسَنِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَهُما بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ والكُلُّ كَما تَرى، وتَفْسِيرُهُما بِمُحَمَّدٍ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا رَواهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ سِحْرانِ ويَقُولُ هُما كِتابانِ الفُرْقانُ والتَّوْراةُ ألا تَراهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾

القصص 28:50

﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كَلَّفْتَهم بِهِ مِنَ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنهُما، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ إيذانًا بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ، كانَ أمْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم بِالإتْيانِ بِما ذَكَرَ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ. وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا دُعاءَكَ إيّاهم إلى الإيمانِ بَعْدَ ما وضَحَ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَضَمَّنَها كِتابُكَ الَّذِي جاءَهم فالِاسْتِجابَةُ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ الإيمانَ أمْرٌ يُرِيدُ ﷺ حَقِيقَةَ وُقُوعِهِ مِنهم وهي كَما في البَحْرِ بِمَعْنى الإجابَةِ وتَتَعَدّى إلى الدّاعِي بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يُوسُفَ: 34]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (فاسْتَجَبْنا لَهُ) [الأنْبِياءِ: 76، 84، 88، 90] وبِنَفْسِها كَما في بَيْتِ الكِتابِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا الفِعْلُ يَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ وإلى الدّاعِي بِاللّامِ وبِحَذْفِ الدُّعاءِ إذا عُدِّيَ إلى الدّاعِي في الغالِبِ فَيُقالُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ أوِ اسْتَجابَ لَهُ ولا يَكادُ يُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، وقَوْلُهُ في البَيْتِ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَلَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ انْتَهى، ولَوْ جَعَلَ ضَمِيرَ يَسْتَجِبْهُ لِلدُّعاءِ المَفْهُومِ مِن داعٍ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وجَعَلَ المَفْعُولَ هُنا مَحْذُوفًا لِذِكْرِ الدّاعِي، ووَجَّهَهُ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مَعَ ذِكْرِ الدّاعِي والِاسْتِجابَةِ يَتَعَيَّنُ أنَّ المَفْعُولَ الدُّعاءُ فَيَصِيرُ ذِكْرُهُ عَبَثًا، وجَوَّزَ كَوْنَ الحَذْفِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن فِعْلِهِ لا لِأنَّهُ ذَكَرَ الدّاعِيَ، وهَذا حُكْمُ الِاسْتِجابَةِ دُونَ الإجابَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: 31] ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مُتَمَسَّكٌ ما أصْلًا إذْ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ لَأتَوْا بِهِ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ أيْ لا أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ هو أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ لِنَفْيِ الأضَلِّ لا لِنَفْيِ المُساوِي كَما مَرَّ في نَظائِرِهِ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ اتَّبَعَ، وتَقْيِيدُ الِاتِّباعِ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْباعِ في التَّشْنِيعِ والتَّضْلِيلِ وإلّا فَمُقارَنَتُهُ لِهِدايَتِهِ تَعالى بَيِّنَةُ الِاسْتِحالَةِ، وقِيلَ: لِلِاحْتِرازِ عَمّا يَكُونُ فِيهِ هُدًى مِنهُ تَعالى فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَّبِعُ هَواهُ ويُوافِقُ الحَقَّ، وفِيهِ بَحْثٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فانْهَمَكُوا في اتِّباعِ الهَوى والإعْراضِ صفحة 94 عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ

القصص 28:51

﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وأصْلُ التَّوْصِيلِ ضَمُّ قِطَعَ الحَبْلِ بَعْضِها بِبَعْضٍ قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْ لِبَنِي مَرْوانَ ما نالَ ذِمَّتِي بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ لا يَزالُ يُوصَلُ والمَعْنى ولَقَدْ أنْزَلَنا القُرْآنَ عَلَيْهِمْ مُتَواصِلًا بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ أوْ مُتَتابِعًا وعْدًا ووَعِيدًا وقَصَصًا وعِبَرًا ومَواعِظَ ونَصائِحَ، وقِيلَ: جَعَلْناهُ أوْصالًا أيْ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً وعْدًا ووَعِيدًا إلَخْ، وقِيلَ: المَعْنى وصَّلْنا لَهم خَبَرَ الآخِرَةِ بِخَبَرِ الدُّنْيا حَتّى كَأنَّهم عايَنُوا الآخِرَةَ وعَنِ الأخْفَشِ أتْمَمْنا لَهُمُ القَوْلَ، وقَرَأ الحَسَنُ (وصَلْنا) بِتَخْفِيفِ الصّادِ والتَّضْعِيفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِلتَّكْثِيرِ ومِن هُنا قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِ ما في الآيَةِ عَلَيْها أيْ أكْثَرْنا لَهُمُ القَوْلَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَيُؤْمِنُونَ بِما فِيهِ.

القصص 28:52

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ قَبْلَ القُرْآنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْلِ مُرادًا بِهِ القُرْآنُ أوْ لِلْقُرْآنِ المَفْهُومِ مِنهُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِن قَبْلِ إيتائِهِ ﴿هُمْ﴾ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أحْوالُهم ﴿بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هم أبُو رِفاعَةَ في عَشَرَةٍ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا فَأُوذُوا، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وجَماعَةٌ عَنْ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ ما يُؤَيِّدُهُ وقِيلَ: أرْبَعُونَ مِن أهْلِ الإنْجِيلِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ اثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وثَمانِيَةٌ قَدِمُوا مِنَ الشّامِ بَحِيرا وأبْرَهَةُ وأشْرَفُ وعامِرٌ وأيْمَنُ وإدْرِيسُ ونافِعٌ وتَمِيمٌ، وقِيلَ: ابْنُ سَلامٍ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ والجارُودُ العَبْدِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ونُسِبَ إلى قَتادَةَ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الإطْلاقَ وأنَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

القصص 28:53

﴿وإذا يُتْلى﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أيْ بِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ أيِ الحَقُّ الَّذِي كُنّا نَعْرِفُ حَقِّيَّتَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أوْجَبَ إيمانَهم بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ إيمانِهِمْ بِهِ أمْرًا مُتَقادِمَ العَهْدِ لِما شاهَدُوا ذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وأنَّهم عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ ويَكْفِي في كَوْنِهِمْ عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِهِ إيمانُهم بِهِ إجْمالًا. وفي الكَشّافِ والبَحْرِ أنَّ الإسْلامَ صِفَةُ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُصَدِّقٍ بِالوَحْيِ والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ مِن خُصُوصِيّاتِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَيْنِ الأُمَمِ، وذَهَبَ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلى كَوْنِهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ وألَّفَ في ذَلِكَ كُرّاسَةً وقالَ في ذَيْلِها: لَمّا فَرَغْتُ مِن تَأْلِيفِ هَذِهِ الكُرّاسَةِ واضْطَجَعْتُ عَلى الفِراشِ لِلنَّوْمِ ورَدَ (عَلَيَّ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ فَكَأنَّما أُلْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ لِما أنَّ ظاهِرَها الدَّلالَةُ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ الخُصُوصِيَّةِ وقَدْ فَكَّرْتُ فِيها ساعَةً ولَمْ يَتَّجِهْ لِي فِيها شَيْءٌ فَلَجَأْتُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَجَوْتُ أنْ يَفْتَحَ بِالجَوابِ عَنْها فَلَمّا اسْتَيْقَظْتُ وقْتَ السَّحَرِ إذا بِالجَوابِ قَدْ فُتِحَ فَظَهَرَ عَنْها ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ أنَّ مُسْلِمِينَ اسْمُ فاعِلٍ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِقْبالُ كَما هو حَقِيقَةٌ فِيهِ دُونَ الحالِ والماضِي والتَّمَسُّكُ بِالحَقِيقَةِ هو الأصْلُ وتَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ عازِمِينَ عَلى الإسْلامِ بِهِ إذا جاءَ لِما كُنّا نَجِدُهُ في كُتُبِنا مِن بَعْثِهِ ووَصْفِهِ ويُرَشِّحُ هَذا أنَّ السِّياقَ يُرْشِدُ إلى أنَّ قَصْدَهُمُ الإخْبارُ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهم كانُوا عَلى قَصْدِ الإسْلامِ بِهِ إذا جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ولَيْسَ صفحة 95 قَصْدُهُمُ الثَّناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ في حَدِّ ذاتِهِمْ بِأنَّهم كانُوا بِصِفَةِ الإسْلامِ أوَّلًا لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْهُ كَما لا يَخْفى، الثّانِي أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ بِهِ فَوَصْفُ الإسْلامِ سَبَبُهُ القُرْآنُ لا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ويُرَشِّحُ ذَلِكَ ذِكْرُ الصِّلَةِ فِيما قَبْلُ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مُرادَةٌ هُنا أيْضًا إلّا أنَّها حُذِفَتْ كَراهَةَ التَّكْرارِ. الثّالِثُ أنَّ هَذا الوَصْفَ مِنهم بِناءً عَلى ما هو مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمُوتَ مُؤْمِنًا فَهو يُسَمّى عِنْدَهُ تَعالى مُؤْمِنًا ولَوْ كانَ في حالِ الكُفْرِ وإنَّما لَمْ نُطْلِقْ نَحْنُ هَذا الوَصْفَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ عِلْمِنا بِما عِنْدَهُ تَعالى، فَهَؤُلاءِ لَمّا خَتَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلُ لِأنَّ العِبْرَةَ في هَذا الوَصْفِ بِالخاتِمَةِ ووَصْفُهم بِذَلِكَ أوْلى مِن وصْفِ الكافِرِ الَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الإسْلامِ بِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ حَقٍّ وهَذا مَعْنًى دَقِيقٌ اسْتَفَدْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَواعِدِ عِلْمِ الكَلامِ انْتَهى. ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا الجَوابِ وكَذا الجَوابُ الأوَّلُ وأمّا الجَوابُ الثّانِي فَهو بِمَعْنى ما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ وقَدْ ذَكَرَهُالبَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالإسْلامِ الِانْقِيادُ أيْ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ نُزُولِهِ مُنْقادِينَ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقِ بِها كِتابُهُ المُنَزَّلُ إلَيْنا ومِنها وُجُوبُ الإيمانِ بِهِ فَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ

القصص 28:54

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ أوْ عَلى أذى مَن هاجَرَهم وعاداهم مِن أهْلِ دِينِهِمْ ومِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ بِالطّاعَةِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أيِ المَعْصِيَةَ فَإنَّ الحَسَنَةَ تَمْحُو السَّيِّئَةَ «قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ: أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها». وقِيلَ: أيْ يَدْفَعُونَ بِالحِلْمِ الأذى وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِالخَيْرِ الشَّرَّ وقالَ ابْنُ سَلامٍ: بِالعِلْمِ الجَهْلَ وبِالكَظْمِ الغَيْظَ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الشِّرْكَ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ في سَبِيلِ الخَيْرِ كَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ المَدْحِ

القصص 28:55

﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ سَقَطَ القَوْلِ وقالَ مُجاهِدٌ: الأذى والسَّبُّ وقالَ الضَّحّاكُ: الشِّرْكُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما غَيَّرَتْهُ اليَهُودُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ اللَّغْوِ تَكَرُّمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: 72] ﴿وقالُوا﴾ لَهم أيْ لِلّاغِينَ المَفْهُومَ مِن ذِكْرِ اللَّغْوِ ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ مُتارَكَةً لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافِرُونَ: 6] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالُوهُ تَوْدِيعًا لَهم لا تَحِيَّةً أوْ هو لِلْمُتارَكَةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفُرْقانِ: 63] وأيًّا ما كانَ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ ابْتِداءِ الكافِرِ بِالسَّلامِ كَما زَعَمَ الجَصّاصُ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ إلّا المُتارَكَةَ أوِ التَّوْدِيعَ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الكُفّارِ: ««لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ وإذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ»». نَعَمْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ ابْتِداءُ السَّلامِ عَلَيْكَ عَلى مَعْنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَيَكُونُ دُعاءً عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ بَيانٌ لِلدّاعِي لِلْمُتارَكَةِ والتَّوْدِيعِ أيْ لا نَطْلُبُ صُحْبَةَ الجاهِلِينَ ولا نُرِيدُ مُخالَطَتَهُمْ

القصص 28:56

﴿إنَّكَ لا تَهْدِي﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى صفحة 96 البُغْيَةِ لا مَحالَةَ ﴿مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ كُلَّ مَن أحْبَبْتَهُ طَبْعًا مِنَ النّاسِ قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ ولا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَهُ في الإسْلامِ وإنْ بَذَلْتَ فِيهِ غايَةَ المَجْهُودِ وجاوَزْتَ في السَّعْيِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، وقِيلَ: مَن أحْبَبْتَ هِدايَتَهُ. ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ فَيُدْخِلُهُ في الإسْلامِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ بِالمُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ وهُمُ الَّذِينَ يَشاءُ سُبْحانَهُ هِدايَتَهم ومِنهُمُ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أوْصافُهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وأفْعَلُ لِلْمُبالَغَةِ في عِلْمِهِ تَعالى. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، وأفادَ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي دُونَ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وحَيْثُ قُرِنَتْ هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالمُهْتَدِي وأنَّهُ جَلَّ وعَلا العالِمُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُهْتَدِي المُسْتَعِدُّ دُونَ المُتَّصِفِ بِالفِعْلِ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هِدايَتُهُ إيّاهُ بِمَعْنى القُدْرَةِ عَلَيْها، وحَيْثُ كانَتْ هِدايَتُهُ تَعالى لِذَلِكَ بِهَذا المَعْنى، وجِيءَ بِـ لَكِنَّ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَها وبَيْنَ الهِدايَةِ المَنفِيَّةِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَزِمَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الهِدايَةُ أيْضًا بِمَعْنى القُدْرَةِ عَلَيْها لِتَقَعَ لَكِنَّ في مَوْضِعِها، ولِذا قِيلَ: المَعْنى إنَّكَ لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ لِأنَّكَ عَبْدٌ لا تَعْلَمُ المَطْبُوعَ عَلى قَلْبِهِ مِن غَيْرِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْدِرُ عَلى أنْ يُدْخِلَ مَن يَشاءُ إدْخالَهُ وهو الَّذِي عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ غَيْرُ مَطْبُوعٍ عَلى قَلْبِهِ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ حَمْلُ نَفْيِ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَلى الإدْخالِ في الإسْلامِ وإثْباتِها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى وُقُوعِ الإدْخالِ في الإسْلامِ بِالفِعْلِ، وهَذا ما اعْتَمَدْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ووَجْهُهُ أنَّ مَساقَ الآيَةِ لِتَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ لَمْ يَنْجَعْ في قَوْمِهِ الَّذِينَ يُحِبُّهم ويَحْرِصُ عَلَيْهِمْ أشَدَّ الحِرْصِ إنْذارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم وما جاءَ بِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ بَلْ أصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ، وقالُوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القَصَصِ: 48] ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ وبِمُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانُوا عَلى عَكْسِ قَوْمٍ هم أجانِبُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ آمَنُوا بِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ وقالُوا: إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا ثُمَّ صَرَّحُوا بِتَقادُمِ إيمانِهِمْ بِهِ وأشارُوا بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ وبِما جاءَهم بِهِ أيْضًا فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَلى إدْخالِ مَن أحَبَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإسْلامِ بَلْ حُمِلَ عَلى نَفْيِ وُقُوعِ إدْخالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ فِيهِ لِبُعْدِ الكَلامِ عَنِ التَّسْلِيَةِ وقُرْبٍ إلى العِتابِ فَإنَّهُ عَلى طَرْزِ قَوْلِكَ لِمَن لَهُ أحْبابٌ لا يَنْفَعُهم إنَّكَ لا تَنْفَعُ أحْبابَكَ وهو إذًا لَمْ يُؤَوَّلْ بِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعِ أحْبابِكَ فَإنَّما يُقالُ عَلى سَبِيلِ العِتابِ أوِ التَّوْبِيخِ أوْ نَحْوِهِ دُونَ سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ، ولَمّا كانَ لِهِدايَتِهِ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مَدْخَلًا فِيما يَسْتَدْعِي التَّسْلِيَةَ كانَ المُناسِبُ إبْقاءَ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى ظاهِرِهِ مِن وُقُوعِ الهِدايَةِ بِالفِعْلِ دُونَ القُدْرَةِ عَلى الهِدايَةِ، وإثْباتِ ذَلِكَ لَهُ تَعالى فَرْعُ إثْباتِ القُدْرَةِ فَفي إثْباتِهِ إثْباتُها لا مَحالَةَ فَيُصادِفُ الِاسْتِدْراكُ المَحَزَّ، وحَمْلُ المُهْتَدِينَ عَلى المُسْتَعِدِّينَ لِلْهِدايَةِ لا يَسْتَدْعِي حَمْلَ يَهْدِي عَلى يَقْدِرُ عَلى الهِدايَةِ فَما ذُكِرَ مِنِ اللُّزُومِ مَمْنُوعٌ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُهْتَدِينَ المُتَّصِفُونَ بِالهِدايَةِ بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِعِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ مُجازاتُهُ سُبْحانَهُ عَلى اهْتِدائِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ فَيُجازِيهِمْ عَلى اهْتِدائِهِمْ بِأجْرٍ أوْ بِأجْرَيْنِ فَتَأمَّلْ، والآيَةُ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ أتاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا عَمّاهُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ صفحة 97 أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَقالَ: لَوْلا أنْ يُعَيِّرُونِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: ما حَمَلَهُ عَلَيْها إلّا جَزَعُهُ مِنَ المَوْتِ لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ الآيَةَ». وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ أبُو سَهْلٍ السَّرِيُّ بْنُ سَهْلٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ القُدُّوسِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ ألَحَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُسْلِمَ فَأبى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وقَدْ رَوى نُزُولَها فِيهِ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَسْألَةُ إسْلامِهِ خِلافِيَّةٌ، وحِكايَةُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ أوِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لا تَصِحُّ فَقَدْ ذَهَبالشِّيعَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن مُفَسِّرِيهِمْ إلى إسْلامِهِ وادَّعَوْا إجْماعَ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ عَلى ذَلِكَ وأنَّ أكْثَرَ قَصائِدِهِ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ وكَأنَّ مَن يَدَّعِي إجْماعَ المُسْلِمِينَ لا يَعْتَدُّ بِخِلافِ الشِّيعَةِ ولا يُعَوِّلُ عَلى رِواياتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ إسْلامِهِ لا يَنْبَغِي سَبُّهُ والتَّكَلُّمُ فِيهِ بِفُضُولِ الكَلامِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَأذّى بِهِ العَلَوِيُّونَ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَأذّى بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي نَطَقَتِ الآيَةُ بِناءً عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ بِحُبِّهِ إيّاهُ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى عَلى ذِي فَهْمٍ. ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ

القصص 28:57

﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ أيْ نُخْرَجْ مِن بِلادِنا ومَقَرِّنا، وأصْلُ الخَطْفِ الِاخْتِلاسُ بِسُرْعَةٍ فاسْتُعِيرَ لِما ذُكِرَ، «والآيَةُ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ حَيْثُ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ عَلى الحَقِّ ولَكُنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْناكَ وخالَفْنا العَرَبَ وإنَّما نَحْنُ أكَلَةُ رَأسٍ أنْ يَتَخَطَّفُونا مِن أرْضِنا فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ خَوْفَ التَّخَطُّفِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾» أيْ ألَمْ نَعْصِمْهم ونَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ بِحُرْمَةِ البَيْتِ الَّذِي فِيهِ تُتاجِرُ العَرَبُ حَوْلَهُ وهم آمِنُونَ فِيهِ، فالعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ (ونُمَكِّنْ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَعْلِ، ولِذا نَصَبَ حَرَمًا وآمِنًا لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ الإسْنادَ فِيهِ مَجازِيًّا لِأنَّ الآمِنَ حَقِيقَةً ساكِنُوهُ فَيُسْتَغْنى عَنْ جَعْلِهِ لِلنَّسَبِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ ﴿يُجْبى إلَيْهِ﴾ أيْ يُحْمَلُ إلَيْهِ ويُجْمَعُ فِيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ وجِهَةٍ ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ ثَمَراتُ أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَلى أنَّ كُلَّ لِلتَّكْثِيرِ وأصْلُ مَعْناهُ الإحاطَةُ ولَيْسَتْ بِمُرادَّةٍ قَطْعًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِحَرَمًا دافِعَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن تَضَرُّرِهِمْ إنِ اتَّبَعُوا الهُدى بِانْقِطاعِ المِيرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ نُصِبَ عَنِ المَصْدَرِ مِن مَعْنى يُجْبى لِأنَّ مَآلَهُ يُرْزَقُونَ، أوِ الحالِ مِن ثَمَراتٍ بِمَعْنى مَرْزُوقًا وصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ عِنْدَ مَن لا يَراهُ لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ هُنا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ نَسُوقُ إلَيْهِ ذَلِكَ رِزْقًا. وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّهُ لا وجْهَ لِخَوْفٍ مِنَ التَّخَطُّفِ إنْ أمِنُوا فَإنَّهم لا يَخافُونَ مِنهُ وهم عَبَدَةُ أصْنامٍ فَكَيْفَ يَخافُونَ إذا أمِنُوا وضَمُّوا حُرْمَةَ الإيمانِ إلى حُرْمَةِ المَقامِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ جَهَلَةٌ لا يَتَفَطَّنُونَ ولا يَتَفَكَّرُونَ لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ إلَخْ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: مِن لَدُنّا أيْ قَلِيلٌ مِنهم يَتَدَبَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لَوْ عَلِمُوا لَما خافُوا غَيْرَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والكَلامُ عَلَيْهِ أبْلَغُ في الذَّمِّ، وقَرَأ المُنْقُرِيُّ «نُتَخَطَّفُ» بِالرَّفْعِ كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ [النِّساءِ: 78] بِرَفْعِ يُدْرِكُ وخُرِّجَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ فَنَحْنُ نُتَخَطَّفُ وهو تَخْرِيجُ شُذُوذٍ. صفحة 98 وقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ عَنْ يَعْقُوبَ وأبُو حاتِمٍ عَنْ عاصِمٍ «تُجْبى» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وقُرِئَ «تَجْنِي» بِالنُّونِ مِنَ الجَنْيِ وهو قَطْعُ الثَّمَرَةِ وتَعْدِيَتُهُ بِـ إلى كَقَوْلِكَ يَجْنِي إلَيَّ فِيهِ ويَجْنِي إلى الخافَّةِ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغِلِبَ عَنْ عاصِمٍ «ثُمُراتُ» بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ بَعْضُهم «ثَمْراتُ» بِفَتْحِ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ،

القصص 28:58

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ بَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِالخَوْفِ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ وكَثِيرًا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانَتْ حالُهم كَحالِ هَؤُلاءِ في الأمْنِ وخَفْضِ العَيْشِ والدَّعَةِ حَتّى بَطِرُوا واغْتَرُّوا ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ النِّعْمَةِ فَدَمَّرْنا عَلَيْهِمْ وخَرَّبْنا دِيارَهم ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ الَّتِي تَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِكم كَحِجْرِ ثَمُودَ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا حالَ كَوْنِها. ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ تَدْمِيرِهِمْ ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا زَمانًا قَلِيلًا إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ أوْ إلّا سَكَنًا قَلِيلًا وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ قِلَّةِ السّاكِنِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَسْكُنْها مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَساكِنِ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنها سُكِنَ وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ مِنهم إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم في دِيارِهِمْ وسائِرِ ذاتِ أيْدِيهِمْ، وفي الكَشّافِ أيْ تَرَكْناها عَلى حالٍ لا يَسْكُنُها أحَدٌ أوْ خَرَّبْناها وسَوَّيْناها بِالأرْضِ وهو مُشِيرٌ إلى أنَّ الوِراثَةَ إمّا مُجَرَّدُ انْتِقالِها مِن أصْحابِها وإمّا إلْحاقُها بِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في البَدْءِ فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أصْلِهِ ودَخَلَ في عِدادِ خالِصِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما كانَ أوَّلًا وهَذا مَعْنى الإرْثِ، وانْتِصابُ مَعِيشَتَها عَلى التَّمْيِيزِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أوْ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ بَطِرَتْ مَعْنى فِعْلَ مُتَعَدٍّ أيْ كَفَرَتْ مَعِيشَتَها ولَمْ تَرْعَ حَقَّها عَلى مَذْهَبِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ أوْ عَلى إسْقاطِ (فِي أيْ في مَعِيشَتِها عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ نَحْوَ: جِئْتُ خُفُوقَ النَّجْمِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ:

القصص 28:59

﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ إهْلاكِ القُرى المَذْكُورَةِ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أوْ ما كانَ في حُكْمِهِ الماضِي وقَضائِهِ السّابِقِ أنْ يُهْلِكَ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ بَلْ كانَتْ سُنَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُهْلِكَها ﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ أيْ في أصْلِها وكَبِيرَتِها الَّتِي تَرْجِعُ تِلْكَ القُرى إلَيْها ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِالحَقِّ ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وإنَّما لَمْ يُهْلِكْهم سُبْحانَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ بِأنْ يَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، وإنَّما كانَ البَعْثُ في أُمِّ القُرى لِأنَّ في أهْلِ البَلْدَةِ الكَبِيرَةِ وكُرْسِيِّ المَمْلَكَةِ ومَحَلِّ الأحْكامِ فِطْنَةً وكَيْسًا فَهم أقْبَلُ لِلدَّعْوَةِ وأشْرَفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ أُمَّ القُرى مَكَّةُ والرَّسُولَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فالمُرادُ بِالقُرى القُرى الَّتِي كانَتْ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والأُولى أوْلى، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في آياتِنا لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ وقُرِئَ «فِي إمِّها» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اتِّباعًا لِلْمِيمِ ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ ﴿إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما كُنّا مُهْلِكِينَ لِأهْلِ القُرى بَعْدَ ما بَعَثْنا في أُمِّها رَسُولًا يَدْعُوهم إلى الحَقِّ ويُرْشِدُهم إلَيْهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ بِتَكْذِيبِ رَسُولِنا والكَفْرِ بِآياتِنا فالبَعْثُ غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الإهْلاكِ بِمُوجِبِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَحَقُّقُ الإهْلاكِ عَقِيبَ البَعْثِ

القصص 28:60

﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ أيِّ شَيْءٍ أصَبْتُمُوهُ مِن صفحة 99 أُمُورِ الدُّنْيا وأسْبابِها ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ فَهو شَيْءٌ شَأْنُهُ أنْ يُتَمَتَّعَ بِهِ ويُتَزَيَّنَ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ ويُشْعِرُ بِالقِلَّةِ لَفْظُ المَتاعِ وكَذا ذَكَرَ ﴿أبْقى﴾ في المُقابِلِ وفي لَفْظِ الدُّنْيا إشارَةٌ إلى القِلَّةِ والخِسَّةِ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الجَنَّةِ وهو الثَّوابُ ﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ لَذَّةٌ خالِصَةٌ وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ ﴿وأبْقى﴾ لِأنَّهُ أبْدى وأيْنَ المُتَناهِي مِن غَيْرِ المُتَناهِي ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَفْعَلُونَ هَذا الأمْرَ الواضِحَ فَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ وتَخافُونَ عَلى ذَهابِ ما أصَبْتُمُوهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا وتَمْتَنِعُونَ عَنِ اتِّباعِ الهُدى المُفْضِي إلى ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِذَلِكَ فَكَأنَّ هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في مَنعِ خَوْفِ التَّخَطُّفِ إيّاهم مِنِ اتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) عَلى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ وُقُوعٍ ما يَخافُونَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ وهو أبْلَغُ في المَوْعِظَةِ لِإشْعارِهِ بِأنَّهم لِعَدَمِ عَقْلِهِمْ لا يَصْلُحُونَ لِلْخِطابِ، فالِالتِفاتُ هُنا لِعَدَمِ الِالتِفاتِ زَجْرًا لَهم وقُرِئَ «فَمَتاعًا الحَياةَ الدُّنْيا» أيْ فَتَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا فَنَصَبَ مَتاعًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ والحَياةَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ

القصص 28:61

﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ وعْدًا بِالجَنَّةِ وما فِيها مِنِ النَّعِيمِ الصِّرْفِ الدّائِمِ فَإنَّ حُسْنَ الوَعْدِ بِحُسْنِ المَوْعُودِ ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ أيْ مُدْرِكُهُ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى ولِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ وعُطِفَتْ بِالفاءِ المُنْبِئَةِ عَنِ السَّبَبِيَّةِ ﴿كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّذِي هو مَشُوبٌ بِالآلامِ مُنَغَّصٌ بِالأكْدارِ مُسْتَتْبَعٌ بِالتَّحَسُّرِ عَلى الِانْقِطاعِ، ومَعْنى الفاءِ الأُولى تَرْتِيبُ إنْكارِ التَّشابُهِ بَيْنَ أهْلِ الدُّنْيا وأهْلِ الآخِرَةِ عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ التَّفاوُتِ بَيْنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أيْ أبَعْدَ هَذا التَّفاوُتِ الظّاهِرِ يُسَوّى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَتَّعْناهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مُؤَكِّدٌ لِإنْكارِ التَّشابُهِ مَقُولَهُ كَأنَّهُ قِيلَ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ نُحْضِرُهُ أوْ أحْضَرْناهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّارِ أوِ العَذابِ وغَلَبَ لَفْظُ المُحْضَرِ في المُحْضَرِ لِذَلِكَ والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ حَتْمًا ولا يَضُرُّ كَوْنُ خَبَرِها ظَرْفًا مَعَ العُدُولِ وحُصُولُ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ لَوْ قِيلَ أحْضَرْناهُ لا يُنافِي ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ فِيما ذُكِرَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ لَيْسَ في قَوْلِكَ ثُمَّ أحْضَرْناهُ يَوْمَ القِيامَةِ كالدَّلالَةِ عَلى التَّقْوى أوِ الحَصْرِ والدَّلالَةِ عَلى التَّهْوِيلِ والإيقاعِ في حَيْرَةٍ، ولِمَجْمُوعِ ذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ويَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْضَرِينَ المَذْكُورِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ دُونَ الزَّمانِ وإنْ صَحَّ وكانَ فِيهِ إبْقاءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ وهو أبْلَغُ وأكْثَرُ إفادَةً وأرْبابُ البَلاغَةِ يَعْدِلُونَ إلى المَجازِ ما أمْكَنَ لِتَضَمُّنِهِ لَطائِفَ النِّكاتِ. وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن وعَدْناهُ» بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ قالُونُ والكِسائِيُّ «ثُمَّ هْوَ» بِسُكُونِ الهاءِ كَما قِيلَ: عَضُدٌ وعَضْدٌ تَشْبِيهًا لِلْمُنْفَصِلِ وهو المِيمُ الأخِيرُ مِن ثُمَّ بِالمُتَّصِلِ، والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ وأخْرَجَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي جَهْلٍ ونُسِبَ إلى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: في عَمّارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، صفحة 100 وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُؤْمِنِ والكافِرِ

القصص 28:62

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لِاخْتِلافِهِما عُنْوانًا وإنِ اتَّحَدا ذاتًا أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ ونِداؤُهُ تَعالى إيّاهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ وأنْ يَكُونَ بِدُونِها وهو نِداءُ إهانَةٍ وتَوْبِيخٍ ﴿فَيَقُولُ﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي فَإنَّ زَعَمَ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: وأنَّ الَّذِي قَدْ عاشَ يا أُمَّ مالِكٍ يَمُوتُ ولَمْ أزْعُمْكِ عَنْ ذاكَ مَعْزِلًا وحُذِفَ هُنا المَفْعُولانِ مَعًا ثِقَةً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما نَحْوَ مَن يَسْمَعْ يُخِلَّ. وفي الكَشّافِ يَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في بابِ ظَنَنْتُ ولا يَصِحُّ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الِاقْتِصارِ هو الأصَحُّ وأنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وقالَ الأخْفَشُ: إذا دَخَلَتْ هَذِهِ الأفْعالُ ظَنَّ وأخَواتُها عَلى أنَّ نَحْوَ ظَنَنْتُ أنَّكَ قائِمٌ فالمَفْعُولُ الثّانِي مِنهُما مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ظَنَنْتُ قِيامَكَ كائِنًا لِأنَّ المَفْتُوحَةَ بِتَأْوِيلِ المُفْرَدِ وسِيبَوَيْهِ يَرى في ذَلِكَ أنَّ أنَّ مَعَ ما بَعْدَها سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ الِاقْتِصارَ عَلى الأوَّلِ إذا سَدَّ شَيْءٌ مَسَدَّ الثّانِي كَما في بابِ المُبْتَدَأِ نَحْوُ أقائِمٌ أخَواكَ فَيَقُولُونَ: هَلْ ظَنَنْتَ قائِمًا أخَواكَ؟ وقالَ أبُو حَيّانِ: إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى أحَدِهِما جازَ حَذْفُهُ كَقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنٌ إذا كانَ بَعْدَهُ ∗∗∗ تَلاقٍ ولَكِنْ لا أخالُ تَلاقِيا أيْ لا أخالُ بَعْدَ البَيْنِ تَلاقِيًا وقالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ: يَجُوزُ الِاقْتِصارُ في بابِ كَسَوْتُ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بِدَلِيلٍ وبِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأنَّ الأوَّلَ فِيهِما غَيْرُ الثّانِي وأجازَ بَعْضُهم حَذْفَ الأوَّلِ إذا كانَ هو الفاعِلَ مَعْنًى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾ [النُّورِ: 57] أيْ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهم أيْ أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: في عَدَمِ الحَذْفِ فِيما عَدا ما ذُكِرَ. وجَوازُ الحَذْفِ فِيهِ لَعَلَّ السِّرَّ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ قُيُودٌ لِلْمَضامِينِ تَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ لِبَيانِ ما هي عَلَيْهِ لِأنَّ النِّسْبَةَ قَدْ تَكُونُ عَنْ عِلْمٍ وقَدْ تَكُونُ عَنْ ظَنٍّ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى أحَدِ طَرَفَيِ الجُمْلَةِ لِقِيامِ قَرِينَةٍ تُوُهِّمَ أنَّ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ والَّذِي هو مُهْتَمٌّ بِشَأْنِهِ الطَّرَفُ المَذْكُورُ ولَيْسَ غَيْرَ المَذْكُورِ مِمّا يُعْتَنى بِهِ، نَعَمْ إذا كانَ الفاعِلُ والمَفْعُولُ لِشَيْءٍ واحِدٍ يَهُونُ الخَطْبُ، وذُكِرَ عَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ ما يُؤَيِّدُهُ وقَدْ أطالَ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ هُنا الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكائِي لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ الزَّعْمُ في التَّنْزِيلِ عَلى المَفْعُولَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ بَلْ عَلى أنَّ وُصْلَتَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنْعامِ: 94] وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن مَلَكٍ أوْ جِنٍّ أوْ إنْسٍ أوْ كَوْكَبٍ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ

القصص 28:63

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى حِكايَةِ السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ هَذا السُّؤالِ فَقِيلَ قالَ: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ مُقْتَضى القَوْلِ وتَحَقَّقَ مُؤَدّاهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هُودٍ: 119] وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ مِنَ الشَّياطِينِ ورُؤَساءِ الكَفْرِ، وتَخْصِيصُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مَعَ شُمُولِ مَضْمُونِها الِاتِّباعَ أيْضًا لِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ الَّذِينَ زَعَمُوهم شُرَكاءَ لِإخْراجِ مِثْلِ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِشُمُولِ الشُّرَكاءِ عَلى ما سُمِعَتْ لَهُ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى الجَوابِ مَعَ كَوْنِ السُّؤالِ لِلْعَبَدَةِ لِتَفَطُّنِهِمْ إنَّ السُّؤالَ مِنهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ صفحة 101 وإهانَةٍ وهو يَسْتَدْعِي اسْتِحْضارَهم وتَوْبِيخَهم بِالإضْلالِ وجَزْمِهِمْ بِأنَّ العَبَدَةَ سَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَبَدَةُ قَدْ أجابُوا مُعْتَذِرِينَ بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ أضَلُّونا ثُمَّ قالَ الشُّرَكاءُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَحْكِ إيجازًا لِظُهُورِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ والإشارَةِ إلى العَبَدَةِ لِبَيانِ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ (وهَؤُلاءِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، وجُمْلَةُ أغْوَيْنا صِلَةُ المَوْصُولِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِيما بَعْدُ أيِ الَّذِينَ أغْوَيْناهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ هو الجَوابُ حَقِيقَةً أيْ ما أكْرَهْناهم عَلى الغَيِّ وإنَّما أغْوَيْناهم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ لا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ غَيًّا مِثْلَ غَيِّنا بِاخْتِيارِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ اسْمِ الإشارَةِ والخَبَرُ جُمْلَةَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ الخَبَرَ لا يَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ لِأنَّ إغْواءَهم إيّاهم قَدْ عُلِمَ مِنَ الوَصْفِ. ورُدَّ بِأنَّ التَّشْبِيهَ دَلَّ عَلى أنَّهم غَوَوْا بِاخْتِيارٍ لا أنَّ الإغْواءَ إلْجاءٌ وقَوْلُهُ: إنَّ كَما غَوِينا فَضْلَةٌ فَلا تَصِيرُ ذاكَ أصْلًا في الجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الفَضَلاتِ قَدْ تَلْزَمُ في بَعْضِ المَواضِعِ نَحْوَ زَيْدٌ عَمْرٌو قائِمٌ في دارِهِ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ وبَعْضُ الشّامِيِّينَ «كَما غَوِينا» بِكَسْرِ الواوِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتارًا لِأنَّ كَلامَ العَرَبِ غَوَيْتُ مِنَ الضَّلالَةِ وغَوِيتُ بِالكَسْرِ مِنَ البَشَمِ ﴿تَبَرَّأْنا﴾ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَوًى مِن أنْفُسِهِمْ مُوَجِّهِينَ التَّبَرُّؤَ ومُهَيَّئِينَ لَهُ ﴿إلَيْكَ﴾ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الإقْرارَ بِالغَوايَةِ تَبَرُّؤٌ في الحَقِيقَةِ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما (كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ ما كانُوا يَعْبُدُونَنا وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ في نَفْسِ الأمْرِ والمَآلِ أهْواءَهُمْ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا﴾ وهُناكَ جارٌّ مُقَدَّرٌ أيْ تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا وجَعْلُها نافِيَةً عَلى أنَّ المَعْنى ما كانُوا يَعْبُدُونَنا بِاسْتِحْقاقٍ وحُجَّةٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَإيّانا مَفْعُولُ يَعْبُدُونَ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ

القصص 28:64

﴿وقِيلَ﴾ تَقْرِيعًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ وإلّا فَلَيْسَ هُناكَ طَلَبُ حَقِيقَةٍ لِلدُّعاءِ، وقِيلَ: دَعَوْهم لِضَرُورَةِ الِامْتِثالِ عَلى أنَّ هُناكَ طَلَبًا، والغَرَضُ مِن طَلَبِ ذَلِكَ مِنهم تَفْضِيحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِدُعاءِ مَن لا نَفْعَ لَهُ لِنَفْسِهِ قِيلَ: والظّاهِرُ مِن تَعْقِيبِ صِيغَةِ الأمْرِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أنَّها لِطَلَبِ الدُّعاءِ وإيجابِهِ والأوَّلُ أبْلَغُ في تَهْوِيلِ أمْرِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ والإشارَةِ إلى سُوءِ حالِهِمْ وأمْرُ التَّعْقِيبِ بِالفاءِ سَهَّلَ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ضَرُورَةَ عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ والنُّصْرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَلَمْ يُجِيبُوهم لِأنَّهم في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْهم ولَعَلَّهم خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ إذْ ذاكَ ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ لِلدّاعِينَ وقالَ الضَّحّاكُ: هو لِلدّاعِينَ والمَدْعُوِّينَ جَمِيعًا، وقِيلَ: هو لِلْمَدْعُوِّينَ فَقَطْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ ورُؤْيَةَ العَذابِ إمّا عَلى مَعْنى رُؤْيَةِ مُبادِيهِ أوْ عَلى مَعْنى رُؤْيَتِهِ نَفْسَهُ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُشاهِدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ رَأوُا العَذابَ مُتَّصِلًا بِهِمْ أوْ غاشِيًا لَهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ أحَدِ مَفْعُولَيْ أفْعالِ القُلُوبِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِهِ وتَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ البَعْضِ أنَّ الأكْثَرِينَ عَلى المَنعِ فَمَن مَنَعَ وقالَ في بَيانِ المَعْنى ورَأوُا العَذابَ مُتَّصِلًا بِهِمْ جَعَلَ مُتَّصِلًا حالًا مِنَ العَذابِ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ لَوْ شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ يَدْفَعُونَ بِهِ العَذابَ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ أوْ لَوْ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُهْتَدِينَ مُؤْمِنِينَ لَما رَأوُا العَذابَ. صفحة 102 واعْتُرِضَ بِأنَّ الدّالَّ عَلى المَحْذُوفِ رَأوُا العَذابَ وهو مُثْبَتٌ فَلا يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ مَنفِيًّا وهو غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ الِالتِفاتَ إلى المَعْنى وإذا جازَ الحَذْفُ لِمُجَرَّدِ دَلالَةِ الحالِ فَإذا انْضَمَّ إلَيْها شَهادَةُ المُقالِ كانَ أوْلى وأوْلى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي أيْ تَمَنَّوْا لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ فَلا تَحْتاجُ إلى الجَوابِ وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: فِيهِ نَظَرٌ إذْ حَقُّهُ أنْ يُقالَ لَوْ كُنّا إلّا أنْ يَكُونَ عَلى الحِكايَةِ كَأقْسَمَ لَيَضْرِبَنَّ أوْ عَلى تَأْوِيلِ رَأوْا مُتَمَنِّينَ هِدايَتَهم. وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها لِلتَّمَنِّي أنْ يَكُونَ قَدْ وُضِعَ لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ مَوْضِعَ تَحَيَّرُوا لِرُؤْيَتِهِ كانَ كُلُّ أحَدٍ يَتَمَنّى لَهُمُ الهِدايَةَ عِنْدَ ذَلِكَ الهَوْلِ والتَّحَيُّرِ تَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ أوْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى المَجازِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البَقَرَةِ: 103]، وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ وضْعَهُ مَوْضِعَهُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ لِأنَّ تَحَيُّرَهم سَبَبٌ حامِلٌ عَلى هَذا القَوْلِ. وقالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّ النَّظْمَ عَلى هَذا الوَجْهِ يَنْطَبِقُ، واخْتارَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّها شَرْطِيَّةٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ ما قالُوهُ في تَقْدِيرِ الجَوابِ فَقالَ بَعْدَ نَقْلِ ما قالُوهُ: وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ أحَدُها أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهُناكَ يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسِّدْرِ والدُّوارِ فَيَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، فَقالَ سُبْحانَهُ: ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يُبْصِرُونَ شَيْئًا عَلى مَعْنى أنَّهم لَمْ يَرَوُا العَذابَ لِأنَّهم صارُوا بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، وثانِيها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ والإتْيانُ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ بِهِمْ، وثالِثُها أنَّ يَكُونَ المُرادُ مِنِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِّيَّةَ هَذا العَذابِ لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ نَظْمِ الآيَةِ اهـ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ وما يَرُدُّ عَلَيْهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ بَيْنَ الحَيِّ واللَّيِّ.

القصص 28:65

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ ماذا ﴿أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ سُئِلُوا أوَّلًا عَنْ إشْراكِهِمْ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وثانِيًا عَنْ جَوابِهِمْ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ.

القصص 28:66

﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ أيْ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْها، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ وضَمَّنَ العَمى مَعْنى الخَفاءِ فَعُدِّيَ بِعَلى ولَوْلاهُ لَتَعَدّى بِعْنَ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِالأنْباءِ لِأنَّها مَسْمُوعَةٌ لا مُبْصَرَةٌ، وفي هَذا القَلْبِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يَحْضُرُ الذِّهْنَ يَفِيضُ عَلَيْهِ ويَصِلُ إلَيْهِ مِنَ الخارِجِ ونَفْسُ الأمْرِ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةِ تَذَكُّرِ الصُّورَةِ الوارِدَةِ مِنهُ بِأماراتِها الخارِجِيَّةِ فَإذا أخْطَأ الذِّهْنُ الخارِجُ بِأنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِانْسِدادِ الطَّرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِعَمًى ونَحْوِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ إحْضارٌ ولا اسْتِحْضارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ الأنْباءُ الوارِدَةُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخارِجِ عُمْيًا لا تَهْتَدِي دَلَّ عَلى أنَّهم عُمْيٌ لا يَهْتَدُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى لِأنَّ اهْتِداءَهم بِها فَإذا كانَتْ هي في نَفْسِها لا تَهْتَدِي فَما بالُكَ بِمَن يَهْتَدِي بِها كَذا قِيلَ: فَلْيُتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخَيُّلِيَّةٌ أيْ فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالأنْباءِ إمّا ما طُلِبَ مِنهم مِمّا أجابُوا بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ ما يَعُمُّها وكُلُّ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ، وإذا كانَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَتَعْتَعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ في ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ ويُفَوِّضُونَ العِلْمَ إلى صفحة 103 عَلّامِ الغُيُوبِ مَعَ نَزاهَتِهِمْ عَنْ غائِلَةِ المَسْؤُولِ فَما ظَنُّكَ بِأُولَئِكَ الضُّلّالِ مِنَ الأُمَمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وجَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ «(فَعُمِّيَتْ)» بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ. ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ أوِ العِلْمِ بِأنَّ الكُلَّ سَواءٌ في الجَهْلِ، والفاءُ إمّا تَفْصِيلِيَّةٌ أوْ تَفْرِيعِيَّةٌ لِأنَّ سَبَبَ العَمى فَرْطُ الدَّهْشَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ «لا يَسّاءَلُونَ» بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ

القصص 28:67

﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيِ الفائِزِينَ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ النّاجِينَ عَنِ المَهْرُوبِ و(عَسى لِلتَّحْقِيقِ عَلى عادَةِ الكِرامِ أوْ لِلتَّرَجِّي مِن قِبَلِ التّائِبِ المَذْكُورِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعْ أنْ يُفْلِحَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأمّا) قِيلَ لِتَفْصِيلِ المُجْمَلِ الواقِعِ في ذِهْنِ السّامِعِ مِن بَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ المُشْرِكِينَ، وهو أنَّ حالَ مَن تابَ مِنهم كَيْفَ يَكُونُ، والدَّلالَةَ عَلى تَرَتُّبِ الإخْبارِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ فالآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها. وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القَصَصِ: 61] والحَدِيثُ عَنِ الشُّرَكاءِ مُسْتَطْرَدٌ لِذِكْرِ الإحْضارِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بَلْ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ قالَ تَعالى شَأْنُهُ حَثًّا لَهم عَلى الإقْلاعِ: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما ذُكِرَ لِمَصِيرِهِمْ فَأمّا مَن تابَ فَكَلّا.

القصص 28:68

﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ خَلْقَهُ مِنَ الأعْيانِ والأعْراضِ ﴿ويَخْتارُ﴾ عَطْفٌ عَلى يَخْلُقُ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ يَخْلُقُ ما يَشاؤُهُ بِاخْتِيارِهِ فَلا يَخْلُقُ شَيْئًا بِلا اخْتِيارٍ، وهَذا مِمّا لَمْ يُفْهَمْ مِمّا يَشاءُ فَلَيْسَ في الآيَةِ شائِبَةُ تَكْرارٍ، وقِيلَ في دَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِمّا نَقَلَهُ ورَدَّهُ الخَفاجِيُّ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَدْحِ في هَذا الوَجْهِ، وأراهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ولِي وجْهٌ في الآيَةِ سَأذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما ﴿كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيِ التَّخَيُّرُ كالطِّيَرَةِ بِمَعْنى التَّطَيُّرِ وهُما والِاخْتِيارُ بِمَعْنى، وظاهِرُ الآيَةِ نَفْيُ الِاخْتِيارِ عَنِ العَبْدِ رَأْسًا كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ، ومَن أثْبَتَ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا قالَ: إنَّهُ لِكَوْنِهِ بِالدَّواعِي الَّتِي لَوْ لَمْ يَخْلُقْها اللَّهُ تَعالى فِيهِ لَمْ يَكُنْ كانَ في حَيِّزِ العَدَمِ، وهَذا مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ عَلى ما حَقَّقَهُ العَلّامَةُ الدَّوانِيُّ قالَ: الَّذِي أثْبَتَهُ الأشْعَرِيُّ هو تَعَلُّقُ قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ الَّذِي هو سَبَبٌ عادِيٌّ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ فِيهِ، وإذا فَتَّشْنا عَنْ مَبادِئِ الفِعْلِ وجَدْنا الإرادَةَ مُنْبَعِثَةً عَنْ شَوْقٍ لَهُ وتَصَوُّرِ أنَّهُ مُلائِمٌ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَةِ العَبْدِ واخْتِيارِهِ، وحَقَّقَ العَلّامَةُ الكُورانِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ المُؤَلَّفَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ لَهُ اخْتِيارًا لَكِنَّهُ مَجْبُورٌ بِاخْتِيارِهِ وادَّعى أنَّ ذَلِكَ هو مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ دُونَ ما شاعَ مِن أنَّ لَهُ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ أصْلًا بَلْ هي كاليَدِ الشَّلّاءِ ونَفْيُ الِاخْتِيارِ عَنْهُ عَلى هَذا نَحْوُهُ عَلى ما مَرَّ فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ مَجْبُورًا بِهِ كانَ وُجُودُهُ كالعَدَمِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ أفادَتْ نَفْيَ مِلْكِهِمْ لِلِاخْتِيارِ ويُصَدِّقُ عَلى المَجْبُورِ بِاخْتِيارِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مالِكٍ لِلِاخْتِيارِ إذْ لا يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَشاءُ تَصَرُّفَ المالِكِ في مِلْكِهِ، وقِيلَ: المُرادُ لا يَلِيقُ ولا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلَيْهِ تَعالى أيْ لا يَنْبَغِي لَهُمُ التَّحَكُّمُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولُوا لِمَ لَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ تَعالى كَذا. ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أوْ حِينَ قالَ اليَهُودُ لَوْ كانَ الرَّسُولُ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَآمَنّا بِهِ عَلى ما قِيلَ، والجُمْلَةُ صفحة 104 عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُفَسِّرَةٌ لَهُ إذْ مَعْنى ذَلِكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما يَشاءُ أنْ يَخْتارَهُ لا ما يَخْتارُهُ العِبادُ عَلَيْهِ ولِذا خَلَتْ عَنِ العاطِفِ وهي عَلى ما تَقَدَّمَ مُسْتَأْنِفَةٌ في جَوابِ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ فَما حالُ العِبادِ أوْ هَلْ لَهُمُ اخْتِيارٌ أوْ نَحْوُهُ؟ فَقِيلَ: إنَّهم لَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى هَذا المَعْنى في النَّظْمِ الجَلِيلِ وفِيهِ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، وكَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ ما ذُكِرَ مَمْنُوعٌ، والقَوْلُ الثّانِي فِيهِ يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لَهم لِلْيَهُودِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ مَفْعُولُ يَخْتارُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والوَقْفُ عَلى يَشاءُ لا نافِيَةٌ، والوَقْفُ عَلى يَخْتارُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ والنَّحّاسُ كَما في الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ أيْ ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ، واخْتِيارُهُ تَعالى ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والكَرَمِ عِنْدَنا وبِطْرِيقِ الوُجُوبِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وإلى مَوْصُولِيَّةُ ما وكَوْنُها مَفْعُولَ يَخْتارُ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلّا أنَّهُ قالَ في بَيانِ المَعْنى عَلَيْهِ: أيْ ويَخْتارُ مِنَ الرُّسُلِ والشَّرائِعِ ما كانَ خِيَرَةً لِلنّاسِ، وأنْكَرُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً لِئَلّا يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيما مَضى وهي لَهم فِيما يُسْتَقْبَلُ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَعْنى ما ذَهَبَ إلَيْهِ، واعْتَرَضَ بِأنَّ اللُّغَةَ لا تُساعِدُهُ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيها أنَّ الخِيرَةَ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ لا بِمَعْنى الخَيْرِ وبِأنَّهُ لا يُناسِبُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ إلَخْ، وكَذا لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾، وضَعَّفَهُ بَعْضُهم بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ العائِدِ ولا يَخْفى أنْ حَذَفَهُ كَثِيرٌ. وأُجِيبُ عَمّا اعْتَرَضَ بِهِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَعُونَةِ المَقامِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ أوْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ، وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ لُزُومِ كَوْنِ المَعْنى ما ذَكَرَهُ لَوْ أبْقى الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ما مَفْعُولَ يَخْتارُ إذا قَدَّرْنا كانَ تامَّةً أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَعْناها تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا اهـ. يَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمَ أنَّ المُرادَ خِيَرَةُ اللَّهِ تَعالى لَهم أيِ اخْتِيارُهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ. ولِلْفاضِلِ سَعْدِيِّ جَلْبِيٍّ نَحْوُ هَذا إلّا أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ إنَّهُ في مَعْنى ألْهُمُ الخِيَرَةُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وذَكَرَ أنَّ هَذا المَعْنى يُناسِبُهُ ما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ إمّا تَعْجِيبٌ عَنْ إثْباتِ الِاخْتِيارِ لِغَيْرِهِ تَعالى أوْ تَنْزِيهٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ، ولا يَخْفى ضَعْفُ ما قالاهُ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ مِن وُجُوهٍ، ويَظْهَرُ لِي في الآيَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِنَ الأوْجُهِ، وهو أنْ يَكُونَ يَخْتارُ مَعْطُوفًا عَلى يَخْلُقُ والوَقْفُ عَلَيْهِ تامٌّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ وهو مِنَ الِاخْتِيارِ بِمَعْنى الِانْتِقاءِ والِاصْطِفاءِ وكَذا الخِيَرَةُ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ بِهَذا المَعْنى والفِعْلُ مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ ويَخْتارُ ما يَشاءُ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في كُلٍّ مِن جانِبَيِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وجُمْلَةُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها حَيْثُ تَكَفَّلَ الحَصْرُ بِإفادَةِ النَّفْيِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ في اخْتِيارِهِمْ ما أشْرَكُوهُ واصْطِفائِهِمْ إيّاهُ لِلْعِبادَةِ والشَّفاعَةِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ ولِلتَّعْبِيرِ- بِما - وجْهٌ ظاهِرٌ، والمَعْنى ورَبُّكَ لا غَيْرُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ خَلْقَهُ وهو سُبْحانُهُ دُونَ غَيْرِهِ يَنْتَقِي ويَصْطَفِي ما يَشاءُ انْتِقاءَهُ واصْطِفاءَهُ فَيَصْطَفِي مِمّا يَخْلُقُهُ شُفَعاءَ ويَخْتارُهم لِلشَّفاعَةِ ويُمَيِّزُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ عَلى بَعْضٍ ويُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ بِما شاءَ ما كانَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أنْ يَنْتَقُوا ويَصْطَفُوا ما شاءُوا ويُمَيِّزُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى عَلى بَعْضٍ ويَجْعَلُوهُ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي القُدْرَةَ صفحة 105 الكامِلَةَ وعَدَمَ كَوْنِ فاعِلِهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أصْلًا وأنّى لَهم ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهم إلّا اتِّباعُ اصْطِفاءِ اللَّهِ تَعالى وهو جَلَّ وعَلا لَمْ يَصْطَفِ شُرَكاءَهُمُ الَّذِينَ اصْطَفَوْهم لِلْعِبادَةِ والشَّفاعَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اصْطَفَوْهم عَلَيْهِ فَما هم إلّا جُهّالٌ ضَلالٌ صَدُّوا عَمّا يَلْزُمُهم وتَصَدَّوْا لِما لَيْسَ لَهم بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ شِئْتَ فَنَزِّلِ الفِعْلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ وقُلِ المَعْنى ورَبُّكَ لا غَيْرُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ خَلْقَهُ وهو سُبْحانُهُ لا غَيْرُهُ يَفْعَلُ الِاخْتِيارَ والِاصْطِفاءَ فَيَصْطَفِي بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ لِكَذا وبَعْضًا آخَرَ لِكَذا ويُمَيِّزُ بَعْضًا مِنها عَلى بَعْضٍ ويَجْعَلُهُ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ تَعالى عَلَيْهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ حَكِيمٌ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهو جَلَّ وعَلا أعْظَمُ مِن أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ وأجَلُّ، ويَدْخُلُ في الغَيْرِ المَنفِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَيَصْطَفُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ لِلشَّفاعَةِ ويَخْتارُوهم لِلْعِبادَةِ ويَجْعَلُوهم شُرَكاءَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَدْخُلُ في الِاخْتِيارِ المَنفِيِّ عَنْهم ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ فَإنَّ فِيهِ انْتِقاءَ غَيْرِهِ ﷺ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أوْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ وتَمْيِيزَهُ بِأهْلِيَّةِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ عَلَيْهِ فَإنْ صَحَّ ما قِيلَ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُ القَوْلُ المَذْكُورُ كانَ فِيها رَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أيْضًا إلّا أنَّها لِتَضَمُّنِها تَجْهِيلَهم بِاخْتِيارِهِمُ الشُّرَكاءَ واصْطِفائِهِمْ إيّاهم آلِهَةً وشُفَعاءَ كَتَضَمُّنِها الرَّدَّ المَذْكُورَ جِيءَ بِها هُنا مُتَعَلِّقَةً بِذِكْرِ الشُّرَكاءِ وتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّها لَمّا تَضَمَّنَتْ تَجْهِيلَهم فِيما لَهُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِهِ تَعالى كاتِّخاذِ الشُّرَكاءِ لَهُ سُبْحانَهُ وفِيما لَهُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِخاتَمِ رُسُلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَمْيِيزِهِمْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأهْلِيَّةِ الإرْسالِ إلَيْهِ وتَنْزِيلِ القُرْآنِ عَلَيْهِ جِيءَ بِها بَعْدَ ذِكْرِ سُؤالِ المُشْرِكِينَ عَنْ إشْراكِهِمْ وسُؤالِهِمْ عَنْ جَوابِهِمْ لِلْمُرْسَلِينَ النّاهِينَ لَهم عَنْهُ الَّذِينَ عَيْنُ أعْيانِهم وقَلْبُ صَدْرِ دِيوانِهِمْ رَسُولُهُ الخاتَمُ لَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَها تَعَلُّقٌ بِكِلا الأمْرَيْنِ إلّا أنَّ تَعَلُّقَها بِالأمْرِ الأوَّلِ أظْهَرُ وأتَمُّ وخاتِمَتُها تَقْتَضِيهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأحْكَمَ. ورُبَّما يُقالُ أيْضًا: إنَّ لَها تَعَلُّقًا بِجَمِيعِ ما قَبْلَها، أمّا تَعَلُّقُها بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَكَما سَمِعْتَ، وأمّا تَعَلُّقُها بِذِكْرِ حالِ التّائِبِ فَمِن حَيْثُ إنَّ انْتِظامَهُ في سِلْكِ المُفْلِحِينَ يَسْتَدْعِي اخْتِيارَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ واصْطِفاءَهُ لَهُ وتَمْيِيزَهُ عَلى مَن عَداهُ، ولِذا جِيءَ بِها بَعْدَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وذِكْرِ انْحِصارِ الخَلْقِ فِيهِ تَعالى وتَقْدِيمِهِ عَلى انْحِصارِ الِاخْتِيارِ والِاصْطِفاءِ مَعَ أنَّ مَبْنى التَّجْهِيلِ والرَّدِّ إنَّما هو الثّانِي لِلْإشارَةِ إلى أنَّ انْحِصارَ الِاخْتِيارِ مِن تَوابِعِ انْحِصارِ الخَلْقِ، وفي ذِكْرِهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ خَلْقَهُ عَزَّ وجَلَّ ما شاءَ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ وإضافَةَ الرَّبِّ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي في غايَةِ الحُسْنِ إنْ صَحَّ ما تَقَدَّمَ عَنِ الوَلِيدِ سَبَبًا لِلنُّزُولِ، ويَخْطِرُ في البابِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ في الآيَةِ فَتَأمَّلْ فَإنِّي لا أقُولُ ما أبْدَيْتُهُ هو المُخْتارُ كَيْفَ ورَبُّكَ جَلَّ شَأْنُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ تَنَزَّهَ تَعالى بِذاتِهِ تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ مِن أنْ يُنازِعَهُ أحَدٌ أوْ يُزاحِمَ اخْتِيارَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَنْ مُشارَكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ كَذا قِيلَ، وجَعَلَ بَعْضُهم ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبًا مِن إشْراكِهِمْ مَن يَضُرُّهم بِمَن يُرِيدُ لَهم كُلَّ خَيْرٍ تَبارَكَ وتَعالى وهو عَلى احْتِمالِ كَوْنِ ما فِيما تَقَدَّمَ مَوْصُولَةً مَفْعُولُ يَخْتارُ، والمَعْنى ويَخْتارُ ما كانَ لَهم فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْجِيبًا أيْضًا مِنِ اخْتِيارِهِمْ شُرَكاءَهُمُ الَّذِينَ أعَدُّوهم لِلشَّفاعَةِ وإقْدامِهِمْ عَلى ما لَمْ يَكُنْ لَهم وذَلِكَ بِناءً عَلى ما ظَهَرَ لَنا وظاهِرُ كَلامٍ كَثِيرٍ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن بابِ الإعْمالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنهُ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ مِن سُبْحانَ وتَعالى طالِبًا عَمّا يُشْرِكُونَ والأفْيَدُ عَلى ما قِيلَ أنْ لا تَكُونَ مِنهُ.

القصص 28:69

صفحة 106 ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ ما يُكِنُّونَ ويُخْفُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ ومِن عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الأفْعالِ الشَّنِيعَةِ والطَّعْنِ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ لِلْمُبالَغَةِ في خَباثَةِ باطِنِهِمْ لِأنَّ ما فِيهِ مَبْدَأٌ لِما يَكُونُ في الظّاهِرِ مِنَ القَبائِحِ لَمْ يَقُلْ ما يُكِنُّونُ كَما قِيلَ: ما يُعْلِنُونَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «تَكُنُّ» بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ

القصص 28:70

﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيْ وهو تَعالى المُسْتَأْثِرُ بِالأُلُوهِيَّةِ المُخْتَصُّ بِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا (إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: الكَعْبَةُ القِبْلَةُ لا قِبْلَةَ إلّا هي. ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ أيْ لَهُ تَعالى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ المُعْطِي لِجَمِيعِ النِّعَمِ بِالذّاتِ وما سِواهُ وسائِطُ، والمُرادُ بِالحَمْدِ هُنا ما وقَعَ في مُقابَلَةِ النِّعَمِ بِقَرِينَةٍ ذَكَرَها بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ إلَخْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الحَمْدَ هُنا أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، واعْتَبَرَ الحَصْرَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ حَمْدَيِ الدّارَيْنِ زاعِمًا أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا وإنْ شارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ تَعالى لَكِنَّ الحَمْدَ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا لَهُ تَعالى، وفِيهِ أنَّ الحَمْدَ مُطْلَقًا مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى لِأنَّ الفَضائِلَ والأوْصافَ الجَمِيلَةَ كُلَّها بِخَلْقِهِ تَعالى فَيَرْجِعُ الحَمْدُ عَلَيْها في الآخِرَةِ لَهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا مُبْدِيها ومُبْدِعُها، ولَوْ نَظَرَ إلى الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ حَمْدُ الآخِرَةِ مُخْتَصًّا بِهِ سُبْحانَهُ أيْضًا فَإنَّ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَحْمَدُهُ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ عِنْدَ الشَّفاعَةِ الكُبْرى، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْدَهُ تَعالى في الآخِرَةِ بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزُّمَرِ: 74]، وقَوْلِهِمْ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطِرٍ: 34]، وقَوْلِهِمْ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتِحَةِ: 2]، وقالُوا: التَّحْمِيدُ هُناكَ عَلى وجْهِ اللَّذَّةِ لا الكُلْفَةِ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ في وصْفِ أهْلِ الجَنَّةِ «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّهْلِيلَ كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن غَيْرِ مُشارَكَةٍ فِيهِ لِغَيْرِهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْ لَهُ الحُكْمُ بَيْنَ عِبادِهِ تَعالى فَيَحْكُمُ لِأهْلِ طاعَتِهِ بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ ولِأهْلِ مَعْصِيَتِهِ بِالشَّقاءِ والوَيْلِ ﴿وإلَيْهِ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ ﴿قُلْ﴾ تَقْرِيرًا لِما ذَكَرَ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي، وقَرَأ الكِسائِيُّ «أرَيْتُمْ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ أيْ دائِمًا وهو عِنْدَ البَعْضِ مِنَ السَّرْدِ وهو المُتابَعَةُ والِاطِّرادُ والمِيمُ مَزِيدَةٌ لِدَلالَةِ الِاشْتِقاقِ عَلَيْهِ فَوَزْنُهُ فَعْمَلٌ ونَظِيرُهُ دُلامِصٌ مِنَ الدِّلاصِ، يُقالُ: دِرْعٌ دِلاصٌ أيْ مَلْساءُ لَيِّنَةٌ. واخْتارَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّ المِيمَ أصْلِيَّةٌ فَوَزْنُهُ فَعْلَلٌ لِأنَّ المِيمَ لا تَنْقاسُ زِيادَتُها في الوَسَطِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِسَرْمَدًا أوْ بِجَعَلَ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِسَرْمَدًا وجَعَلَهُ تَعالى كَذَلِكَ بِإسْكانِ الشَّمْسِ تَحْتَ الأرْضِ مَثَلًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن إلَهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِـ إلَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ [سَبَأٍ: 24]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكِ: 30] ونَظائِرُهُما خَلا إنَّهُ قَصَدَ بَيانَ انْتِفاءِ المَوْصُوفِ بِانْتِفاءِ الصِّفَةِ، ولَمْ صفحة 107 يُؤْتَ بِهَلِ الَّتِي هي لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ المُناسِبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِلْمَقامِ، وأتى بِمَنِ الَّتِي هي لِطَلَبِ التَّعْيِينِ المُقْتَضِي لِأصْلِ الوُجُودِ لِإيرادِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ عَلى زَعْمِهِمْ فَإنَّهُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، وجُمْلَةُ ﴿مَن إلَهٌ﴾ إلَخْ قالَ أبُو حَيّانَ: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ أرَأيْتُمْ وجَعَلَ اللَّيْلَ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ أرَأيْتُمْ وجَعَلَ وقالَ: إنَّهُ أعْمَلَ فِيهِ الثّانِيَ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ مَحْذُوفًا، وحَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ العائِدِ فِيها أيْ مَن إلَهٌ غَيْرُهُ يَأْتِيكم بِضِياءٍ بَدَلِهِ مَثَلًا، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وكَذا يُقالُ في الآيَةِ بَعْدُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ «بِضَآءٍ» بِهَمْزَتَيْنِ ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والنُّصُوصِ المُتَظاهِرَةِ لِتَعْرِفُوا أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ

القصص 28:71

﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيْ وهو تَعالى المُسْتَأْثِرُ بِالأُلُوهِيَّةِ المُخْتَصُّ بِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا (إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: الكَعْبَةُ القِبْلَةُ لا قِبْلَةَ إلّا هي. ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ أيْ لَهُ تَعالى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ المُعْطِي لِجَمِيعِ النِّعَمِ بِالذّاتِ وما سِواهُ وسائِطُ، والمُرادُ بِالحَمْدِ هُنا ما وقَعَ في مُقابَلَةِ النِّعَمِ بِقَرِينَةٍ ذَكَرَها بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ إلَخْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الحَمْدَ هُنا أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، واعْتَبَرَ الحَصْرَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ حَمْدَيِ الدّارَيْنِ زاعِمًا أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا وإنْ شارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ تَعالى لَكِنَّ الحَمْدَ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا لَهُ تَعالى، وفِيهِ أنَّ الحَمْدَ مُطْلَقًا مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى لِأنَّ الفَضائِلَ والأوْصافَ الجَمِيلَةَ كُلَّها بِخَلْقِهِ تَعالى فَيَرْجِعُ الحَمْدُ عَلَيْها في الآخِرَةِ لَهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا مُبْدِيها ومُبْدِعُها، ولَوْ نَظَرَ إلى الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ حَمْدُ الآخِرَةِ مُخْتَصًّا بِهِ سُبْحانَهُ أيْضًا فَإنَّ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَحْمَدُهُ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ عِنْدَ الشَّفاعَةِ الكُبْرى، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْدَهُ تَعالى في الآخِرَةِ بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزُّمَرِ: 74]، وقَوْلِهِمْ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطِرٍ: 34]، وقَوْلِهِمْ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتِحَةِ: 2]، وقالُوا: التَّحْمِيدُ هُناكَ عَلى وجْهِ اللَّذَّةِ لا الكُلْفَةِ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ في وصْفِ أهْلِ الجَنَّةِ «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والتَّهْلِيلَ كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ القَضاءُ النّافِذُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن غَيْرِ مُشارَكَةٍ فِيهِ لِغَيْرِهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْ لَهُ الحُكْمُ بَيْنَ عِبادِهِ تَعالى فَيَحْكُمُ لِأهْلِ طاعَتِهِ بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ ولِأهْلِ مَعْصِيَتِهِ بِالشَّقاءِ والوَيْلِ ﴿وإلَيْهِ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ ﴿قُلْ﴾ تَقْرِيرًا لِما ذَكَرَ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي، وقَرَأ الكِسائِيُّ «أرَيْتُمْ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ أيْ دائِمًا وهو عِنْدَ البَعْضِ مِنَ السَّرْدِ وهو المُتابَعَةُ والِاطِّرادُ والمِيمُ مَزِيدَةٌ لِدَلالَةِ الِاشْتِقاقِ عَلَيْهِ فَوَزْنُهُ فَعْمَلٌ ونَظِيرُهُ دُلامِصٌ مِنَ الدِّلاصِ، يُقالُ: دِرْعٌ دِلاصٌ أيْ مَلْساءُ لَيِّنَةٌ. واخْتارَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّ المِيمَ أصْلِيَّةٌ فَوَزْنُهُ فَعْلَلٌ لِأنَّ المِيمَ لا تَنْقاسُ زِيادَتُها في الوَسَطِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِسَرْمَدًا أوْ بِجَعَلَ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِسَرْمَدًا وجَعَلَهُ تَعالى كَذَلِكَ بِإسْكانِ الشَّمْسِ تَحْتَ الأرْضِ مَثَلًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن إلَهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِـ إلَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ [سَبَأٍ: 24]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكِ: 30] ونَظائِرُهُما خَلا إنَّهُ قَصَدَ بَيانَ انْتِفاءِ المَوْصُوفِ بِانْتِفاءِ الصِّفَةِ، ولَمْ صفحة 107 يُؤْتَ بِهَلِ الَّتِي هي لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ المُناسِبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِلْمَقامِ، وأتى بِمَنِ الَّتِي هي لِطَلَبِ التَّعْيِينِ المُقْتَضِي لِأصْلِ الوُجُودِ لِإيرادِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ عَلى زَعْمِهِمْ فَإنَّهُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، وجُمْلَةُ ﴿مَن إلَهٌ﴾ إلَخْ قالَ أبُو حَيّانَ: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ أرَأيْتُمْ وجَعَلَ اللَّيْلَ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ أرَأيْتُمْ وجَعَلَ وقالَ: إنَّهُ أعْمَلَ فِيهِ الثّانِيَ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ مَحْذُوفًا، وحَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ العائِدِ فِيها أيْ مَن إلَهٌ غَيْرُهُ يَأْتِيكم بِضِياءٍ بَدَلِهِ مَثَلًا، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وكَذا يُقالُ في الآيَةِ بَعْدُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ «بِضَآءٍ» بِهَمْزَتَيْنِ ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والنُّصُوصِ المُتَظاهِرَةِ لِتَعْرِفُوا أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ

القصص 28:72

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإسْكانِ الشَّمْسِ في وسَطِ السَّماءِ مَثَلًا ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ اسْتِراحَةً مِن مَتاعِبِ الأشْغالِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الشَّواهِدَ المَنصُوبَةَ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ لِتَقِفُوا عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ كُلًّا مِن جُمْلَتَيْ أفَلا تَسْمَعُونَ وأفَلا تُبْصِرُونَ تَذْيِيلٌ لِلتَّوْبِيخِ الَّذِي يُعْطِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ﴾ إلَخْ قَبْلَهُ، وأفادَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ظاهِرَ التَّقابُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ النَّهارِ والتَّصَرُّفَ فِيهِ إلّا أنَّ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ إلى الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَنافِعَ كَثِيرَةً مِنها التَّصَرُّفُ فَلَوْ أتى بِالنَّهارِ لاسْتَدْعى القَصْرَ عَلى تِلْكَ المَنفَعَةِ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ ولِأنَّ المَنافِعَ لِلضِّياءِ لا لِلنَّهارِ عَلى أنَّ النَّهارَ أيْضًا مِن مَنافِعِهِ، ثُمَّ اسْتَشْعَرَ أنْ يُقالَ: فَلِمَ لَمْ يُؤْتِ بِالظَّلامِ بَدَلَ اللَّيْلِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لِتَتِمَّ المُقابَلَةُ مِن هَذا الوَجْهِ؟ وأجابَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا هو مَقْصُودٌ في ذاتِهِ كالضِّياءِ ولا أنَّ المَنافِعَ مِن رَوادِفِهِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ الِاسْتِئْناسِ والِاشْمِئْزازِ، بَلْ لَوْ تَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدَّ حَكَمَ بِأنَّ اللَّيْلَ مِن مَنافِعِ الضِّياءِ أيْضًا والظَّلامَ مِن ضَرُوراتِ كَوْنِ الشَّمْسِ المُضِيئَةِ تَحْتَ الأرْضِ وإلْقاءِ ظَلِّ اللَّيْلِ، ثُمَّ أفادَ أنَّ التَّفْصِلَةَ وهو التَّذْيِيلُ المَذْكُورُ فِيها إرْشادٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبِيخَ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ في الضِّياءِ أكْثَرُ مِن حَيْثُ إنَّ مُدْرِكَ السَّمْعِ أكْثَرُ. والمُرادُ ما يُدْرِكُهُ العَقْلُ بِواسِطَةِ السَّمْعِ فَلا يَرِدُ أنَّ مُدْرِكَهُ الأصْواتُ وحْدَها ومُدْرِكَ البَصَرِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ ما لا يُدْرَكُ بِحِسٍّ أصْلًا يُدْرَكُ بِواسِطَةِ السَّمْعِ إذا عَبَّرَ عَنْهُ المُعَبِّرُ بِعِبارَةٍ مُفْهِمَةٍ، وأمّا ما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ فَمِن مُشاهَدَةِ المُبْصِراتِ وهي قَلِيلَةٌ، وأمّا المُطالَعَةُ مِنَ الكُتُبِ فَإنَّها أضْيَقُ مَجالًا مِنَ السَّمْعِ وقَرَعَهُ كَذا في الكَشْفِ، والعَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ قَرَّرَ عِبارَةَ الكَشّافِ بِما قَرَّرَ ثُمَّ قالَ: الأبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ أنْ يَجْعَلَ أفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا لِلتَّوْبِيخِ المُسْتَفادِ مِن أرَأيْتُمْ إلَخْ قَبْلَهُ وكَذا ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ عَلى ما في المَعالِمِ أفَلا تَسْمَعُونَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ لِيَجْتَمِعَ لَهُمُ الصَّمَمُ والعَمى مِنَ الإعْراضِ عَنْ سَماعِ البَراهِينِ والإغْماضِ عَنْ رُؤْيَةِ الشَّواهِدِ. ولَمّا كانَتِ اسْتِدامَةُ اللَّيْلِ أشَقَّ مِنِ اسْتِدامَةِ النَّهارِ لِأنَّ النَّوْمَ الَّذِي هو أجَلُّ الغَرَضِ فِيهِ شَبِيهُ المَوْتِ، والِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو بَعْضُ فَوائِدِ النَّهارِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ قِيلَ في الأوَّلِ أفَلا تَسْمَعُونَ أيْ سَماعَ فَهِمٍ وفي الثّانِي أفَلا تُبْصِرُونَ أيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ لِيُطابِقَ كُلٌّ مِنَ التَّذْيِيلَيْنِ الكَلامَ السّابِقَ مِنِ التَّشْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، وذَكَرَ في حاصِلِ المَعْنى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: وفِيهِ أنَّ دَلالَةَ النَّصِّ أُولى وأقْدَمُ مِنَ العَقْلِ، وصاحِبُ الكَشْفِ قَرَّرَ صفحة 108 العِبارَةَ بِما سَمِعْتَ وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي ما في المَعالِمِ بَلْ يُؤَكِّدُهُ ويُبَيِّنُ فائِدَةَ التَّوْبِيخَيْنِ، ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنِ الرّاغِبِ في غُرَّةِ التَّنْزِيلِ أنَّهُ قالَ: إنَّ نَسْخَ اللَّيْلِ بِالنَّيِّرِ الأعْظَمِ أبْلَغُ في المَنافِعِ وأضْمَنُ لِلْمَصالِحِ مِن نَسْخِ النَّهارِ بِاللَّيْلِ، ألا تَرى أنَّ الجَنَّةَ نَهارُها دائِمٌ لا لَيْلَ مَعَهُ لِاسْتِغْناءِ أهْلِها عَنِ الِاسْتِراحَةِ فَتَقْدِيمُ ذِكْرِ اللَّيْلِ لِانْكِشافِهِ عَنِ النَّهارِ الَّذِي هو أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا ومَنافِعُ ضَوْءِ شَمْسِهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى أحَقُّ وأوْلى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أفَلا تَسْمَعُونَ سَماعَ مَن يَتَدَبَّرُ المَسْمُوعَ لِيَسْتَدْرِكَ مِنهُ قَصْدَ القائِلِ ويُحِيطَ بِأكْثَرَ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في النَّهارِ مِنَ المَنافِعِ فَإنَّ عَقِيبَ السَّماعِ اسْتِدْراكُ المُرادِ بِالمَسْمُوعِ إذا كانَ هُناكَ تَدَبُّرٌ وتَفَكُّرٌ فِيهِ ومَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أتَسْتَدْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ اسْتِدْراكُهُ انْتَهى. وفِي الكَشْفِ أنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ورُبَّما يُقالُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا فَرْضِيَّةَ جَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا وثانِيًا فَرْضِيَّةَ جَعْلِ النَّهارِ كَذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ كَما قالُوا مُقَدَّمٌ عَلى النَّهارِ شَرْعًا وعُرْفًا وأيْضًا ذَلِكَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القَصَصِ: 69] فَفي المَثَلِ اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ وكَذا بِقَوْلِهِ تَعالى سُبْحانَهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ فَفي الأثَرِ كانَ الخَلْقُ في ظُلْمَةِ فَرْشِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، ولَعَلَّهُ لِاعْتِبارِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ ذُيِّلَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى أفَلا تَسْمَعُونَ مِمَّنْ سَلَفَ مِن آبائِكم أوْ مِمّا سَلَفَ مِنّا أنَّ آلِهَتَكم لا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ والثّانِيَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى أفَلا تُبْصِرُونَ أنْتُمْ عَجْزَها عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وجِيءَ بِالضِّياءِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ في الآيَةِ الأُولى وبِاللَّيْلِ مَوْصُوفًا في الثّانِيَةِ لِما أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقِيلَ في وجْهِ تَذْيِيلِ الآيَةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ دُونَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أنَّ المَفْرُوضَ لَوْ تَحَقَّقَ بَقِيَ مَعَهُ السَّمْعُ دُونَ الإبْصارِ إذْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لا تَحْجُبُ السَّمْعَ وتَحْجُبُ البَصَرَ، وفي وجْهِ تَذْيِيلِ الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ دُونَ ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أنَّ تَحَقُّقَ المَفْرُوضِ وعَدَمَهُ سِيّانِ في أمْرِ السَّمْعِ دُونَ الإبْصارِ إذْ لِضِياءِ النَّهارِ مَدْخَلٌ في الإبْصارِ ولَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ في السَّمْعِ أصْلًا وهو كَما تَرى (واعْلَمْ أنَّ هاهُنا إشْكالًا وهو أنَّ جَعْلَ اللَّيْلِ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ تَحَقَّقَ لَمْ يُتَصَوَّرِ الإتْيانُ بِضِياءٍ أصْلًا وكَذا جَعْلُ النَّهارِ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ تَحَقَّقَ لَمْ يُتَصَوَّرِ الإتْيانُ بِلَيْلٍ كَذَلِكَ، أمّا مِن غَيْرِهِ تَعالى فَظاهِرٌ لِأنَّهُ مَعْدِنُ العَجْزِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ فَلِاسْتِلْزامِهِ اجْتِماعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ لَوْ لَمْ يَجْتَمِعا لَمْ يَتَحَقَّقِ اللَّيْلُ مُسْتَمِرًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ وكَذا جَعْلُ النَّهارِ كَذَلِكَ وهو خِلافُ المَفْرُوضِ واجْتِماعُهُما مُحالٌ والمُحالُ لا صَلاحِيَةَ لَهُ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ فَلا يُرادُ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ إنْ أرادَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَمَن إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى يَأْتِيكم بِخِلافِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقْطَعَ الِاسْتِمْرارَ فَيَأْتِيَ بِنَهارٍ بَعْدَ لَيْلٍ ولَيْلٍ بَعْدَ نَهارٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ حِينَئِذٍ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو الَّذِي إنْ أرادَ ذَلِكَ يَأْتِيهِمْ بِخِلافِ مُرادِهِ تَعالى فَيَقْطَعُ الِاسْتِمْرارَ وهو مُشْكِلٌ أيْضًا لِأنَّ إتْيانَهُ تَعالى بِخِلافِ مُرادِهِ جَلَّ وعَلا مُسْتَلْزِمٌ لِتَخَلُّفِ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ وهو مُحالٌ فَإذا أرادَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى شَيْئًا عَلى وجْهِ إرادَةٍ لا تَعْلِيقٍ فِيها لا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ الوَجْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ غَيْرَ مُعَلِّقٍ لَهُ عَلى إرادَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ خِلافَهُ لا يَأْتِيكم بِخِلافِهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالقَيْدِ لِدَلالَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ عَلى أنَّ الإرادَةَ غَيْرَ المُعَلَّقَةِ لا يُمْكِنُ الإتْيانُ بِخِلافِ مُوجِبِها أصْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَبُتُّ إرادَتَهُ فَجَمِيعُ ما يُرِيدُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُعَلَّقٌ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُقالَ: لَيْسَ المُرادُ سِوى أنَّ آلِهَتَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِنَهارٍ صفحة 109 بَعْدَ لَيْلٍ ولَيْلٍ بَعْدَ نَهارٍ إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِمْرارَ أحَدِهِما، وإنَّما القادِرُ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ ذَلِكَ الإتْيانِ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الإرادَةِ فَتَدَبَّرْ

القصص 28:73

﴿ومِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ في النَّهارِ بِالسَّعْيِ بِأنْواعِ المَكاسِبِ فَفي الآيَةِ ما يُقالُ لَهُ اللَّفُّ والنَّشْرُ ويُسَمّى أيْضًا التَّفْسِيرَ كَقَوْلِ ابْنِ حَيُّوشٍ: ومُقَرْطَقٍ يُغْنِي النَّدِيمَ بِوَجْهِهِ عَنْ كَأْسِهِ المَلْأى وعَنْ إبْرِيقِهِ فِعْلُ المُدامِ ولَوْنُها ومَذاقُها ∗∗∗ في مُقْلَتَيْهِ ووَجْنَتَيْهِ ورِيقِهِ وضَمِيرُ فَضْلِهِ لِلَّهِ تَعالى وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ لِلنَّهارِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وفِيها إشارَةٌ إلى مَدْحِ السَّعْيِ في طَلَبِ الرِّزْقِ وقَدْ ورَدَ «الكاسِبُ حَبِيبُ اللَّهِ». وهُوَ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ وأنَّ ما يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ بِواسِطَتِهِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى فَعَلَ ما فَعَلَ أوْ لِتَعْرِفُوا نِعْمَتَهُ تَعالى وتَشْكُرُوهُ عَلَيْها

القصص 28:74

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ. ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ إثْرَ تَقْرِيعٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ أجْلَبُ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الإشْراكِ كَما لا شَيْءَ أدْخَلُ في مَرْضاتِهِ مِن تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ أنَّ الأوَّلَ لِبَيانِ فَسادِ رَأْيِهِمْ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى هُناكَ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ [القَصَصِ: 63]، وهَذا لِبَيانِ أنَّ إشْراكَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ سَنَدٍ بَلْ عَنْ مَحْضِ هَوًى كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أوِ الأوَّلُ إحْضارٌ لِلشُّرَكاءِ بِعَدَمِ الصُّلُوحِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهُمْ﴾ وهَذا تَحْسِيرٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنِ اتِّخاذِهِمْ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

القصص 28:75

﴿ونَزَعْنا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِيهِمْ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ النَّزْعِ وتَهْوِيلِهِ أيْ أخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿شَهِيدًا﴾ شاهِدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: 41] وهَذا في مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ يَوْمِ القِيامَةِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ الشَّهِيدِ في مَوْقِفٍ آخَرَ غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزُّمَرِ: 69] فَإنَّهُ دالٌّ في الظّاهِرِ عَلى مُغايَرَةِ الشُّهَداءِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقِيلَ: يَجُوزُ اتِّحادُ المَوْقِفِ والدَّلالَةُ عَلى المُغايَرَةِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ ولَوْ سُلِّمَتْ فَشَهادَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تُنافِي شَهادَةَ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ وإفْرادُ شَهِيدٍ ظاهِرٌ فِيما تَقَدَّمَ، ومِن هُنا قالَ في البَحْرِ قِيلَ: أيْ عُدُولًا وخِيارًا، والشَّهِيدُ عَلَيْهِ اسْمُ جِنْسٍ ﴿فَقُلْنا﴾ لِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأُمَمِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى صِحَّةِ ما كُنْتُمْ تَدِينُونَ بِهِ ﴿فَعَلِمُوا﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ سُبْحانَهُ فِيها أحَدٌ. ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ فَضَلَّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى غابَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً. ما ﴿كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الباطِلِ

القصص 28:76

﴿إنَّ قارُونَ﴾ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ صفحة 110 ﴿كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ أيْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما هو الظّاهِرُ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ الإجْماعَ عَلَيْهِ، واخْتُلِفَ في جِهَةِ قَرابَتِهِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنِ جُرَيْجٍ وقَتادَةَ وإبْراهِيمَ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَمُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهَثَ بِقافٍ وهاءٍ مَفْتُوحَةٍ وثاءٍ مُثَلَّثَةٍ ابْنِ لاوى بِالقَصْرِ ابْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ يَصْهُرَ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وصادٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ وهاءٍ مَضْمُومَةٍ ابْنُ قاهَثَ إلَخْ. وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ خالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقُ أنَّهُ عَمُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهَثَ وهو ابْنُ يَصْهُرَ بْنِ قاهَثَ وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ وكانَ أحْفَظَ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ وأقْرَأهم لَكِنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وقالَ: إذا كانَتِ النُّبُوَّةُ لِمُوسى والمَذْبَحُ والقُرْبانُ لِهارُونَ فَما لِي؟ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا جاوَزَ بِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ وصارَتِ الرِّسالَةُ والحُبُورَةُ لِهارُونَ يُقَرِّبُ القُرْبانَ ويَكُونُ رَأْسًا فِيهِمْ وكانَ القُرْبانُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَهُ لِأخِيهِ هارُونَ وجَدَ قارُونُ في نَفْسِهِ فَحَسَدَهُما فَقالَ لِمُوسى الأمْرُ لَكُما ولَسْتُ عَلى شَيْءٍ إلى مَتى أصْبِرُ؟ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا صُنْعُ اللَّهِ تَعالى قالَ واللَّهِ تَعالى لا أصْدُقُكَ حَتّى تَأْتِيَ بِآيَةٍ فَأمَرَ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ واحِدٍ بِعَصاهُ فَحَزَمَها وألْقاها في القُبَّةِ الَّتِي كانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِيها وكانُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم بِاللَّيْلِ فَأصْبَحُوا وإذا بِعَصا هارُونَ تَهْتَزُّ ولَها ورَقٌ أخْضَرُ وكانَتْ مِن شَجَرِ اللَّوْزِ فَقالَ قارُونُ: ما هو بِأعْجَبِ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السِّحْرِ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ فَطَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ أوْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وعَدَّ مِن تَكَبُّرِهِ أنَّهُ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا أوْ ظَلَمَهم وطَلَبَ ما لَيْسَ حَقَّهُ قِيلَ: وذَلِكَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: حَسَدَهم وطَلَبَ زَوالَ نِعَمِهِمْ، وذَلِكَ ما ذُكِرَ مِنهُ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ ضَلَّ فَبَغى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ القَرابَةُ كَثِيرًا ما تَدْعُو إلى البَغْيِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ أيِ الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ فَهو مَجازٌ بِجَعْلِ المُدَّخَرِ كالمَدْفُونِ إنْ كانَ الكَنْزُ مَخْصُوصًا بِهِ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ سُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا لِأنَّها لَمْ تُؤَدَّ مِنها الزَّكاةُ وقَدْ أمَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأدائِها فَأبى وهو مِن أسْبابِ عَداوَتِهِ إيّاهُ، وقِيلَ: الكُنُوزُ هُنا الأمْوالُ المَدْفُونَةُ وكانَ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ قَدْ أظْفَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِكَنْزٍ عَظِيمٍ مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما (إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أيْ مَفاتِحَ صَنادِيقِهِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وهو جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ خَزائِنَهُ وفي مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ أيْ ظُرُوفَهُ وأوْعِيَتَهُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ وقِياسُ واحِدِهِ عَلى هَذا المَفْتَحِ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ اسْمُ مَكانٍ، ويُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ قِراءَةُ الأعْمَشِ مَفاتِيحَهُ بِياءٍ جَمْعَ مِفْتاحٍ وما مَوْصُولَةٌ ثانِي مَفْعُولَيْ آتى ومَفاتِحَهُ اسْمُ إنَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ خَبَرُها والجُمْلَةُ صِلَةُ ما والعائِدُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ جَوازَ كَوْنِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأنَّ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ - يَعْنِي الأخْفَشَ الصَّغِيرَ – يَقُولُ: ما أقْبَحَ ما يَقُولُهُ الكُوفِيُّونَ في الصِّلاتِ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةُ صفحة 111 الَّذِي إنَّ وما عَمِلَتْ فِيهِ وفي القُرْآنِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ المانِعَ مِن ذَلِكَ إنْ كانَ عَدَمُ السَّماعِ فالرَّدُّ عَلَيْهِمْ لا يَتِمُّ إلّا بِشاهِدٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ و(ما) في الآيَةِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وإنْ كانَ المانِعُ كَوْنَ إنْ تَقَعُ في ابْتِداءِ الكَلامِ فَلا تَرْتَبِطُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِها بِما قَبْلَها فالرَّدُّ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِمْ تامٌّ لِأنَّ المانِعَ المَذْكُورَ كَما يَمْنَعُ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِلَةً يَمْنَعُ كَوْنَها صِفَةً فَتَدَبَّرْ، و(تَنُوءُ) مِن ناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما في ذَهَبَتْ بِهِ، والعُصْبَةُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِعَدَدٍ خاصٍّ عَلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن عَيَّنَ لَها مِقْدارًا واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ وهو مَرْوِيٌّ هُنا عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الخَمْسَةَ عَشَرَ إلى الأرْبَعِينَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ وقالَ الخَفاجِيُّ: قَدْ يُقالُ إنَّ أصْلَ مَعْناها الجَماعَةُ مُطْلَقًا كَما هو مُقْتَضى الِاشْتِقاقِ ثُمَّ إنَّ العُرْفَ خَصَّها بِعَدَدٍ واخْتُلِفَ فِيهِ أوِ اخْتُلِفَ بِحَسَبِ مَوارِدِهِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: تَنُوءُ مَن نُؤْتُ بِالحِمْلِ إذا نَهَضْتَ بِهِ قالَ الشّاعِرُ: تَنُوءُ بِأُخْراها فَلَأْيًا قِيامُها وتَمْشِي الهُوَيْنا عَنْ قَرِيبٍ فَتُبْهِرُ وفِي الآيَةِ عَلى هَذا قَلْبٌ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ ومَن تَبِعَهُ والأصْلُ تَنُوءُ العُصْبَةُ بِها أيْ تَنْهَضُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ قَلْبٌ لِأنَّ المَفاتِحَ تَنْهَضُ مُلابِسَةً لِلْعُصْبَةِ إذا نَهَضَتِ العُصْبَةُ بِها، والأوْلى ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا وهو مَنقُولٌ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ، وقَرَأ بَدِيلُ بْنُ مَيْسَرَةَ «لِيَنُوءَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مُذَكَّرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ أيْ ما إنْ حَمَلَ مَفاتِحَهُ أوْ مِقْدارَها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ذَهَبَ بِالتَّذْكِيرِ إلى ذَلِكَ القَدْرِ والمَبْلَغِ فَلاحَظَ مَعْنى الواحِدِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ ونَحْوَهُ، قَوْلَ الرّاجِزِ: مِثْلَ الفِراخِ نَتَفَتْ حَواصِلَهُ أيْ حَواصِلَ ذَلِكَ أوْ حَواصِلَ ما ذَكَرْنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُهُ أنْ يُفَسِّرَ المَفاتِحَ بِالخَزائِنِ ويُعْطِيَها حُكْمَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ والِاتِّصالِ كَقَوْلِكَ: ذَهَبَتْ أهْلُ اليَمامَةِ انْتَهى، وإنَّما فَسَّرَ المَفاتِحَ بِالخَزائِنِ دُونَ ما يُفْتَحُ بِهِ لِيَتِمَّ الِاتِّصالُ فَإنَّ اتِّصالَ الخَزائِنِ بِالمَخْزُونِ فَوْقَ اتِّصالِ المَفاتِيحِ بِهِ بَلْ لا اتِّصالَ لِلثّانِي وحِينَئِذٍ يَكْتَسِي التَّذْكِيرُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما اكْتَسى التَّأْنِيثُ مَن عَكْسِهِ كالمِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وما تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِهِ أوْلى. قالَ في الكَشْفِ لِأنَّ تَفْسِيرَ المَفاتِحِ بِالخَزائِنِ ضَعِيفٌ جِدًّا لِفَواتِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَفاتِحَ بِذَلِكَ المَعْنى غَيْرُ مَعْرُوفٍ وقَدْ سَمِعْتُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَأْثُورٌ فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فَلا يُلْتَفَتُ إلى ما ذُكِرَ مِن هَذا وكَلامِ الكَشْفِ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ بَدِيلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ «ما إنَّ مِفْتاحَهُ» عَلى الإفْرادِ فَلا تَحْتاجُ قِراءَتُهُ «لَيَنُوءُ» بِالياءِ إلى تَأْوِيلٍ، وقَدْ بُولِغَ في كَثْرَةِ مَفاتِيحِهِ فَرُوِيَ عَنْ خَيْثَمَةَ أنَّها كانَتْ وقْرَ سِتِّينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا ما يَزِيدُ مِنها مِفْتاحٌ عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودِ كُلِّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا. وفِي البَحْرِ ذَكَرُوا مِن كَثْرَةِ مَفاتِحِهِ ما هو كَذِبٌ أوْ يُقارِبُ الكَذِبَ فَلَمْ أكْتُبْهُ، ومِمّا لا مُبالَغَةَ فِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ وكانَتْ خَزائِنُهُ يَحْمِلُها أرْبَعُونَ رَجُلًا أقْوِياءَ وكانَتْ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ وعَلَيْهِ فَأمْثالُ قارُونَ في النّاسِ أكْثَرُ مِن خَزائِنِهِ، ولَعَلَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما أُوتِيَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، ولا أظُنُّ الأمْرَ كَما رُوِيَ عَنْ خَيْثَمَةَ، وأبْعَدَ أبُو مُسْلِمٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَقالَ: المُرادُ مِنَ المَفاتِحِ العِلْمُ والإحاطَةُ صفحة 112 كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنْعامِ: 59] والمُرادُ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ أيْ هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها تُتْعِبُ حَفَظَتَها القائِمِينَ عَلى حِفْظِها ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ تُنُوءُ وضَعُفَ بِأنَّ إثْقالَ المَفاتِحِ العُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِبَغى، وضُعِّفَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: بِآتَيْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ بَغى عَلَيْهِمْ إذْ قالَ، وفي كُلٍّ مِنهُما ما سَبَقَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ مَحْذُوفًا، وجَوَّزَ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِبَغْيهِ ورَجَّحَ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أظْهَرَ التَّفاخُرَ والفَرَحَ بِما أُوتِيَ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا (تَفْرَحْ﴾ لا تَبْطَرْ والفَرَحُ بِالدُّنْيا لِذاتِها مَذْمُومٌ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ حُبِّها والرِّضا بِها والذُّهُولِ عَنْ ذَهابِها فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ ما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مُفارَقَةٌ لا مَحالَةَ يُوجِبُ التَّرَحَ حَتْمًا كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا وقالَ ابْنُ شَمْسِ الخِلافَةِ: وإذا نَظَرْتَ فَإنَّ بُؤْسًا زائِلًا ∗∗∗ لِلْمَرْءِ خَيْرٌ مِن نَعِيمٍ زائِلٍ ولِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: 23] والعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الفَرَحِ عِنْدَ إقْبالِ الخَيْرِ قالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذِ الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَقَلِّبِ وقالَ آخَرُ: إنْ تُلاقِ مَنفَسًا لا تَلْقَنا ∗∗∗ فَرَحَ الخَيْرِ ولا نَكْبُو لِضُرٍّ وعَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ هاهُنا بِكَوْنِ الفَرَحِ مانِعًا مِن مَحَبَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَوْنَ الفَرَحِ بِالدُّنْيا مَذْمُومًا شَرْعًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفَرَحَ بِها لِذاتِها مَذْمُومٌ لِأنَّ الفَرَحَ بِها لِكَوْنِها وسِيلَةً إلى أمْرٍ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ غَيْرُ مَذْمُومٍ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ كَثِيرٍ صِفَةُ فِعْلٍ أيْ أنَّهُ تَعالى لا يُكْرِمُ الفَرِحِينَ بِزَخارِفِ الدُّنْيا ولا يُنْعِمُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ ولا يُقَرِّبُهم عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُبْغِضُهم ويُهِينُهم ويُبْعِدُهم عَنْ حَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ في نَفْيِ مَحَبَّتِهِ تَعالى إيّاهم تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ مَحَبَّتِهِ تَعالى كافٍ في الزَّجْرِ عَمّا نَهى عَنْهُ فَما بالُكَ بِالبُغْضِ والعِقابِ وهو حَسَنٌ، وحَكى عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ أنَّهُ قُرِئَ «الفارِحِينَ».

القصص 28:77

﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ مِنَ الكُنُوزِ والغِنى ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ ثَوابَها أيْ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى فِيها بِصَرْفِ ذَلِكَ إلى ما يَكُونُ وسِيلَةً إلَيْهِ و(فِي) إمّا ظَرْفِيَّةٌ عَلى مَعْنى ابْتَغِ مُتَقَلَّبًا ومُتَصَرَّفًا فِيهِ أوْ سَبَبِيَّةٌ عَلى مَعْنى ابْتَغِ بِصَرْفِ ما آتاكَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وقُرِئَ «اتَّبِعْ» ﴿ولا تَنْسَ﴾ أيْ ولا تَتْرُكْ تَرْكَ المَنسِيِّ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أيْ حَظَّكَ مِنها وهو كَما أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ قَتادَةَ هو أنْ تَأْخُذَ مِنَ الدُّنْيا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكَ، وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: لَيْسَ هو عَرَضٌ مِن عَرَضِ الدُّنْيا ولَكِنَّ نَصِيبَكَ عُمْرُكَ أنْ تُقَدِّمَ فِيهِ لِآخِرَتِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما يُبَلِّغُكَ، وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ، وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيا الكَفَنَ كَما قالَ الشّاعِرُ: نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ صفحة 113 وفِي نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ نِسْيانِ ذَلِكَ حَضٌّ عَظِيمٌ لَهُ عَلى التَّزَوُّدِ مِن مالِهِ لِلْآخِرَةِ فَإنَّ مَن يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن دُنْياهُ وجَمِيعِ ما يَمْلِكُهُ الكَفَنَ لا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ (التَّزَوُّدِ) مِن مالِهِ وتَقْدِيمُ ما يَنْفَعُهُ في آخِرَتِهِ ﴿وأحْسِنْ﴾ إلى عِبادِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ مِثْلَ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْكَ فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، والتَّشْبِيهُ في مُطْلَقِ الإحْسانِ أوْ لِأجْلِ إحْسانِهِ سُبْحانَهُ إلَيْكَ عَلى أنَّ الكافَ لِلتَّعْلِيلِ. وقِيلَ: المَعْنى وأحْسِنْ بِالشُّكْرِ الطّاعَةَ كَما أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ بِالإنْعامِ، والكافُ عَلَيْهِ أيْضًا تَحْتَمِلِ التَّشْبِيهَ والتَّعْلِيلَ ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ وهَذِهِ المَوْعِظَةُ بِأسْرِها كانَتْ مِن مُؤْمِنِي قَوْمِهِ كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ

القصص 28:78

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لِمَن نَصَحَهُ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ لِإنْبائِهِ عَنْ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ واسْتِحْقاقٍ مِن قِبَلِهِ، وحاصِلُهُ دَعْوى اسْتِحْقاقِهِ لِما أُوتِيَهُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ المُعْرِبِينَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَرْفُوعِ أُوتِيتُهُ قُيِّدَ بِهِ العامِلُ إشارَةً إلى عِلَّةِ الإيتاءِ ووَجْهِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ أيْ إنَّما أُوتِيتُهُ كائِنًا عَلى عِلْمٍ، وجُوِّزَ كَوْنُ عَلى تَعْلِيلِيَّةً والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُوتِيتُ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ كَأنَّهُ قِيلَ أُوتِيتُهُ لِأجْلِ عِلْمٍ، (وعِنْدِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِعِلْمٍ والمُرادُ لِعِلْمٍ مُخْتَصٍّ بِي دُونَكُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِـ أُوتِيتُ، ومَعْناهُ في ظَنِّي ورَأْيِي كَما في قَوْلِكَ: حُكْمُ كَذا الحَلِّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وفي الكَشّافِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ عِنْدِي إذا كانَ بِمَعْنى في ظَنِّي ورَأْيِي كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو في ظَنِّي ورَأْيِي هَكَذا، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُسْتَأْنِفَةٌ تُقَرِّرُ أنَّ ما ذَكَرَهُ رَأْيٌ مُسْتَقِرٌّ هو عَلَيْهِ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا هو الوَجْهُ، والمُرادُ بِهَذا العِلْمِ قِيلَ عِلْمُ التَّوْراةِ فَإنَّهُ كانَ أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بِها، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهُ المَكاسِبِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَأفادَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ثُلُثَهُ وكالَبُ بْنُ يُوفِنا ثُلُثَهُ وقارُونُ ثُلُثَهُ فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُما ذَهَبًا، وقِيلَ: عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَ الكِيمْياءِ فَعَلَّمَهُ مُوسى أُخْتَهُ فَعَلَّمَتْهُ أُخْتُهُ قارُونَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِعِلْمِ صَنْعَةِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: عِلْمُ اسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وأنَّ المَعْنى أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ سُبْحانَهُ قَصَدَنِي بِهِ، (وعِنْدِي) عَلَيْهِ بِمَعْنى في ظَنِّي ورَأْيِي، وقِيلَ: العِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البَقَرَةِ: 255] وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: أيْ عَلى خَيْرٍ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدِي وتَفْسِيرُهُ بِعِلْمِ الكِيمْياءِ شائِعٌ فِيما بَيْنَ أهْلِها، وفي مَجْمَعِ البَيانِ حِكايَتُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أيْضًا، وأنْكَرَهُ الزَّجّاجُ وقالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ عِلْمَ الكِيمْياءِ باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ مِن قَبِيلِ المُعْجِزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ وإلّا لَما تَمَكَّنَ قارُونُ مِنهُ، وإنْكارُ الكِيمْياءِ وهو لَفْظٌ يُونانِيٌّ مَعْناهُ الحِيلَةُ أوْ عِبْرانِيٌّ وأصْلُهُ كِيمْ يَهْ بِمَعْنى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ فارِسِيٌّ وأصْلُهُ كِي مِيا بِمَعْنى مَتى يَجِيءُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ غَلَبَ عَلى تَحْصِيلِ النَّقْدَيْنِ صفحة 114 بِطَرِيقٍ مَخْصُوصٍ مِمّا لَمْ يَخْتَصَّ بِالزَّجّاجِ بَلْ أنْكَرَها جَماعَةٌ أجِلَّةٌ وقالُوا بِعَدَمِ إمْكانِها، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى خِلافِ ذَلِكَ. وإذا أرَدْتَ نُبْذَةً مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ فاسْتَمِعْ لِما يُتْلى عَلَيْكَ. ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَبْنى الكَلامِ في هَذِهِ الصِّناعَةِ عِنْدَ الحُكَماءِ عَلى حالِ المَعادِنِ السَّبْعَةِ المُنْطَرِقَةِ وهي الذَّهَبُ والفِضَّةُ والرَّصاصُ والقَزْدِيرُ والنُّحاسُ والحَدِيدُ والخارْصِينِيُّ هَلْ هي مُخْتَلِفاتٌ بِالفُصُولِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنها نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الآخَرِ أوْ هي مُخْتَلِفاتٌ بِالخَواصِّ والكَيْفِيّاتِ فَقَطْ فَتَكُونُ كُلُّها أصْنافًا لِنَوْعٍ واحِدٍ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعَلِّمُ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ وتابَعُهُ عَلَيْهِ حُكَماءُ الأنْدَلُسِ أنَّها نَوْعٌ واحِدٌ وأنَّ اخْتِلافَها بِالكَيْفِيّاتِ مِنَ الرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ واللِّينِ والصَّلابَةِ والألْوانِ نَحْوَ الصُّفْرَةِ والبَياضِ والسَّوادِ وهي كُلُّها أصْنافٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ الواحِدِ وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ إمْكانُ انْقِلابِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِتَبَدُّلِ الأعْراضِ بِفِعْلِ الطَّبِيعَةِ أوْ بِالصَّنْعَةِ. وقَدْ حَكى أبُو بَكْرِ بْنُ الصّائِغِ المَعْرُوفُ بِابْنِ باجَةَ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ عَنِ المُعَلِّمِ المَذْكُورِ أنَّهُ قالَ: قَدْ بَيَّنَ أرِسْطُو في كُتُبِهِ في المَعادِنِ أنَّ صِناعَةَ الكِيمْياءِ داخِلَةٌ تَحْتَ الإمْكانِ إلّا أنَّها مِنَ المُمْكِنِ الَّذِي يَعْسُرُ وجُودُهُ بِالفِعْلِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَتَّفِقَ قَرائِنُ يَسْهُلُ بِها الوُجُودُ وذَلِكَ أنَّهُ فَحَصَ عَنْها أوَّلًا عَلى طَرِيقِ الجَدَلِ فَأثْبَتَها بِقِياسٍ وأبْطَلَها بِقِياسٍ عَلى عادَتِهِ فِيما يَكْثُرُ عِنادُهُ مِنَ الأوْضاعِ ثُمَّ أثْبَتَها أخِيرًا بِقِياسٍ ألَّفَهُ مِن مُقَدِّمَتَيْنِ بَيْنَهُما في أوَّلِ الكِتابِ، الأُولى أنَّ الفِلِزّاتِ واحِدَةٌ بِالنَّوْعِ والِاخْتِلافَ الَّذِي بَيْنَها لَيْسَ في ماهِيّاتِها وإنَّما هو في أعْراضِها فَبَعْضُهُ في أعْراضِها الذّاتِيَّةِ وبَعْضُهُ في أعْراضِها العَرَضِيَّةِ، والثّانِيَةُ أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ تَحْتَ نَوْعٍ واحِدٍ اخْتَلَفا بِعَرَضٍ فَإنَّهُ يُمْكِنُ انْتِقالُ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ فَإنْ كانَ العَرَضُ ذاتِيًّا عَسُرَ الِانْتِقالُ وإنْ كانَ مُفارِقًا سَهُلَ الِانْتِقالُ والعُسْرُ في هَذِهِ الصِّناعَةِ إنَّما هو لِاخْتِلافِ أكْثَرِ هَذِهِ الجَواهِرِ في أعْراضِها الذّاتِيَّةِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ الَّذِي بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ يَسِيرًا جِدًّا اهـ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا وتابَعُهُ عَلَيْهِ حُكَماءُ المَشْرِقِ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ بِالفُصُولِ وأنَّها أنْواعٌ مُتَبايِنَةٌ وبَنى عَلى ذَلِكَ إنْكارَ هَذِهِ الصِّناعَةِ واسْتِحالَةَ وُجُودِها لِأنَّ الفَصْلَ لا سَبِيلَ بِالصِّناعَةِ إلَيْهِ وإنَّما يَخْلُقُهُ خالِقُ الأشْياءِ ومُقَدِّرُها وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا ما حَكاهُ ابْنُ خَلْدُونٍ عَنْهُ، وقالَ الإمامُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ في الفَصْلِ الثّامِنِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِنها: الشَّيْخُ سَلَّمَ إمْكانَ أنْ يُصْبَغَ النُّحاسُ بِصَبْغِ الفِضَّةِ والفِضَّةُ بِصَبْغِ الذَّهَبِ وأنْ يُزالَ عَنِ الرَّصاصِ أكْثَرُ ما فِيهِ مِنَ النَّقْصِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الفَصْلُ المُنَوَّعُ يُسْلَبُ أوْ يُكْسى، قالَ: فَلَمْ يَظْهَرْ لِي إمْكانُهُ بَعْدُ، إذْ هَذِهِ الأُمُورُ المَحْسُوسَةُ تُشْبِهُ أنْ لا تَكُونَ الفُصُولَ الَّتِي بِها تَصِيرُ هَذِهِ الأجْسادُ أنْواعًا بَلْ هي أعْراضٌ ولَوازِمُ وفُصُولُها مَجْهُولَةٌ وإذا كانَ الشَّيْءُ مَجْهُولًا كَيْفَ يُمْكِنُ قَصْدُ إيجادِهِ وإفْنائِهِ اهـ. وغَلَّطَهُ الطُّغْرائِيُّ وهو مِن أكابِرِ أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ ولَهُ فِيها عِدَّةُ كُتُبٍ ورَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ التَّدْبِيرَ والعِلاجَ لَيْسَ في تَخْلِيقِ الفَصْلِ وإبْداعِهِ وإنَّما هو في إعْدادِ المادَّةِ لِقَبُولِ خاصَّةٍ والفَصْلُ يَأْتِي مِن بَعْدِ الإعْدادِ مِن لَدُنْ خالِقِهِ وبارِئِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ كَما يَفِيضُ سُبْحانَهُ النُّورَ عَلى الأجْسامِ بِالصَّقْلِ ولا حاجَةَ بِنا في ذَلِكَ إلى تَصَوُّرِهِ ومَعْرِفَتِهِ، وإذا كُنّا قَدْ عَثَرْنا عَلى تَخْلِيقِ بَعْضِ الحَيَواناتِ مِثْلَ العَقْرَبِ مِنِ التُّرابِ والتِّبْنِ، والحَيَّةِ مِنَ الشَّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَما المانِعُ مِنَ العُثُورِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في المَعادِنِ وهَذا كُلُّهُ بِالصِّناعَةِ وهي إنَّما مَوْضُوعُها المادَّةُ فَيُعِدُّها التَّدْبِيرُ صفحة 115 والعِلاجُ إلى قَبُولِ تِلْكَ الفُصُولِ لا أكْثَرَ، فَنَحْنُ نُحاوِلُ مِثْلَ ذَلِكَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَنَتَّخِذُ مادَّةً نَصِفُها لِلتَّدْبِيرِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ فِيها اسْتِعْدادٌ أوَّلُ لِقَبُولِ صُورَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ثُمَّ نُحاوِلُها بِالعِلاجِ إلى أنْ يَتِمَّ فِيها الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ فَصِلْهِما اهـ بِمَعْناهُ وهو رَدٌّ صَحِيحٌ فِيما يَظْهَرُ، وقالَ الإمامُ بَعْدَ ذِكْرِهِ ما سَمِعْتَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ: هو لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنّا نُشاهِدُ مِنَ التِّرْياقِ آثارًا وأفْعالًا مَخْصُوصَةً فَإمّا أنْ لا نُثْبِتَ لَهُ صُورَةً تِرْياقِيَّةً بَلْ نَقُولُ إنَّ الأفْعالَ التِّرْياقِيَّةَ حاصِلَةٌ مِن ذَلِكَ المِزاجِ لا مِن صُورَةٍ أُخْرى جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: صُفْرَةُ الذَّهَبِ ورَزانَتُهُ حاصِلَتانِ مِمّا فِيهِ مِنَ المِزاجِ لا مِن صُورَةٍ مُقَوَّمَةٍ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلذَّهَبِ فَصْلٌ مُنَوَّعٌ إلّا مُجَرَّدَ الصُّفْرَةِ والرَّزانَةِ ولَكِنَّهُما مَعْلُومَتانِ فَأمْكَنَ أنْ تَقْصِدَ إزالَتَهُما واتِّخاذَهُما فَبَطَلَ ما قالَهُ الشَّيْخُ. وأمّا إذا أثْبَتْنا صُورَةً مُقَوَّمَةً لَهُ فَنَقُولُ: لا شَكَّ بِأنّا لا نَعْقِلُ مِن تِلْكَ الصُّورَةِ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ تَقْتَضِي الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ الصّادِرَةَ عَنِ التِّرْياقِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمُ يَكْفِي في قَصْدِ الإيجادِ والإبْطالِ أوْ لا يَكْفِي فَإنْ لَمْ يَكْفِ وجَبَ أنْ لا يُمْكِنَنا اتِّخاذُ التِّرْياقِ وإنْ كَفى فَهو في مَسْألَتِنا أيْضًا حاصِلٌ لِأنّا نَعْلَمُ مِنَ الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أنَّها ماهِيَّةٌ تَقْتَضِي الذَّوْبَ والصُّفْرَةَ والرَّزانَةَ ويُجابُ أيْضًا بِأنّا وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ الصُّورَةَ المُقَوَّمَةَ عَلى التَّفْصِيلِ إلّا أنا نَعْلَمُ الأعْراضَ الَّتِي تُلائِمُها والَّتِي لا تُلائِمُها ونَعْلَمُ أنَّ العَرْضَ الغَيْرُ المُلائِمِ إذا اشْتَدَّ في المادَّةِ بَطَلَتِ الصُّورَةُ مِثْلَ الصُّورَةِ المائِيَّةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ الحَرارَةَ لا تُلائِمُها وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ ماهِيَّتَها عَلى التَّفْصِيلِ فَلِذَلِكَ يُمْكِنُنا أنْ نُبْطِلَ الصُّورَةَ المائِيَّةَ وأنْ نَكْسِبَها، أمّا الإبْطالُ فَبِتَسْخِينِ الماءِ وأمّا الِاكْتِسابُ فَبِتَبْرِيدِ الهَواءِ فَكَذَلِكَ في مَسْألَتِنا واحْتَجَّ قَوْمٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ عَلى امْتِناعِها بِأُمُورٍ: أوَّلُها، أنَّ الطَّبِيعَةَ إنَّما تَعْمَلُ هَذِهِ الأجْسادُ مِن عَناصِرَ مَجْهُولَةٍ عِنْدَنا ولِتِلْكَ العَناصِرِ مَقادِيرُ مُعَيَّنَةٌ مَجْهُولَةٌ عِنْدَنا أيْضًا ولِكَيْفِيّاتِ تِلْكَ العَناصِرِ مَراتِبُ مَعْلُومَةٌ وهي مَجْهُولَةٌ عِنْدَنا ولِتَمامِ الفِعْلِ والِانْفِعالِ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مَجْهُولٌ عِنْدَنا، ومَعَ الجَهْلِ بِكُلِّ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُنا عَمَلُ هَذِهِ الأجْسادِ، وثانِيها: أنَّ الجَوْهَرَ الصّابِغَ إمّا أنْ يَكُونَ أصْبَرَ عَلى النّارِ مِنَ المَصْبُوغِ أوْ يَكُونَ المَصْبُوغُ أصْبَرَ أوْ يَتَساوَيانِ فَإنْ كانَ الصّابِغُ أصْبَرَ وجَبَ أنْ يَفْنى المَصْبُوغُ ويَبْقى الصّابِغُ بَعْدَ فِنائِهِ وإنْ كانَ المَصْبُوغُ أصْبَرَ وجَبَ أنْ يَبْقى بَعْدَ فَناءِ الصّابِغِ وإنْ تَساوَيا في الصَّبْرِ عَلى النّارِ فَهُما مِن نَوْعٍ واحِدٍ لِاسْتِوائِهِما في الصَّبْرِ عَلى النّارِ فَلَيْسَ أحَدُهُما بِالصّابِغِيَّةِ والآخَرُ بِالمَصْبُوغِيَّةِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ بِالصِّناعَةِ مَثَلًا لَما كانَ بِالطَّبِيعَةِ لَكِنَّ التّالِيَ باطِلٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنّا لَمْ نَجِدْ لَهُ شَبِيهًا، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يُوجَدَ بِالصِّناعَةِ ما يَحْصُلُ بِالطَّبِيعَةِ لَجازَ أنْ يَحْصُلَ بِالطَّبِيعَةِ ما يَحْصُلُ بِالصِّناعَةِ حَتّى يُوجَدَ سَيْفٌ أوْ سَرِيرٌ بِالطَّبِيعَةِ، ولَمّا ثَبَتَ امْتِناعُ التّالِي ثَبَتَ امْتِناعُ المُقَدَّمِ، ورابِعُها: أنَّ لِهَذِهِ الأجْسادِ أماكِنَ طَبِيعِيَّةً هي مَعادِنُها وهي لَها بِمَنزِلَةِ الأرْحامِ لِلْحَيَوانِ فَمَن جَوَّزَ تَوَلُّدَها في غَيْرِ تِلْكَ المَعادِنِ كانَ كَمَن جَوَّزَ تَوَلُّدَ الحَيَواناتِ في غَيْرِ الأرْحامِ. وأجابَ الإمامُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِصِناعَةِ الطِّبِّ. وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِواءِ الصّابِغِ والمَصْبُوغِ في الصَّبْرِ عَلى النّارِ اسْتِواؤُهُما في الماهِيَّةِ لِأنَّ المُخْتَلِفَيْنِ قَدْ يَشْتَرِكانِ في بَعْضِ الصِّفاتِ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِالصِّناعَةِ مِثْلَ ما يُوجَدُ بِالطَّبِيعَةِ مِثْلَ النّارِ الحاصِلَةِ بِالقَدَحِ، والنُّوشادِرُ قَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الشَّعِيرِ وكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الزّاجّاتِ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا نَجِدَ لَهُ مِثالًا لا يَلْزَمُ الجَزْمُ بِنَفْيهِ ولا يَلْزَمُ مِن إمْكانِ حُصُولِ الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ بِالصِّناعَةِ إمْكانُ عَكْسِهِ بَلِ الأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ. وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَقْلِبَ النُّحاسَ فِضَّةً فَهو لا يَكُونُ كالمُحْدِثِ لِلشَّيْءِ بَلْ كالمُعالِجِ لِلْمَرِيضِ، فَإنَّ صفحة 116 النُّحاسَ مِن جَوْهَرِ الفِضَّةِ إلّا أنَّ فِيهِ عِلَلًا وأمْراضًا وكَما يُمْكِنُ المُعالَجَةُ لا في مَوْضِعِ التَّكَوُّنِ فَكَذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ، عَلى أنَّ حاصِلَ الدَّلِيلِ أنَّ الَّذِي يَتَكَوَّنُ في الجِبالِ لا يُمْكِنُ تَكَوُّنُهُ بِالصِّناعَةِ، وفِيهِ وقَعَ النِّزاعُ، وابْنُ خَلْدُونٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ ابْنِ سِينا ورَدَّ الطُّغْرائِيُّ عَلَيْهِ قالَ: لَنا في الرَّدِّ عَلى أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ مَأْخَذٌ آخَرُ يَتَبَيَّنُ مِنهُ اسْتِحالَةُ وجُودِها وبُطْلانُ زَعْمِهِمْ أجْمَعِينَ، وذَلِكَ أنَّ حاصِلَ عِلاجِهِمْ أنَّهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى المادَّةِ المُسْتَعِدَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ الأوَّلِ يَجْعَلُونَها مَوْضُوعًا ويُحاذُونَ في تَدْبِيرِها وعِلاجِها تَدْبِيرَ الطَّبِيعَةِ لِلْجِسْمِ في المَعْدِنِ حَتّى أحالَتْهُ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً ويُضاعِفُونَ القُوى الفاعِلَةَ والمُنْفَعِلَةَ لِيَتِمَّ في زَمانٍ أقْصَرَ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ مُضاعَفَةَ قُوَّةِ الفاعِلِ تَنْقُصُ مِن زَمَنِ فِعْلِهِ وتَبَيَّنَ أنَّ الذَّهَبَ إنَّما يَتِمُّ كَوْنُهُ في مَعْدِنِهِ بَعْدَ ألْفٍ وثَمانِينَ مِنَ السِّنِينَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ الكُبْرى فَإذا تَضاعَفَتِ القُوى والكَيْفِيّاتُ في العِلاجِ كانَ زَمانُ كَوْنِهِ أقْصَرَ مِن ذَلِكَ ضَرُورَةً عَلى ما قُلْناهُ أوْ يَتَحَرَّوْنَ بِعِلاجِهِمْ ذَلِكَ حُصُولَ صُورَةٍ مِزاجِيَّةٍ لِتِلْكَ المادَّةِ تُصَيِّرُها كالخَمِيرَةِ لِلْخُبْزِ تَقْلِبُ العَجِينَ إلى ذاتِها وتَعْمَلُ فِيهِ ما حَصَلَ لَها مِنَ الِانْتِفاشِ والهَشاشَةِ لِيَحْسُنَ هَضْمُهُ في المَعِدَةِ ويَسْتَحِيلَ سَرِيعًا إلى الغِذاءِ فَتَفْعَلَ تِلْكَ الصُّورَةُ الأفاعِيلَ المَطْلُوبَةَ، وذَلِكَ هو الإكْسِيرُ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مُتَكَوِّنٍ مِنَ المُوَلِّداتِ العُنْصُرِيَّةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ عَلى نِسْبَةٍ مُتَفاوِتَةٍ إذْ لَوْ كانَتْ مُتَكافِئَةً في النِّسْبَةِ لَما حَصَلَ امْتِزاجُها فَلا بُدَّ مِنَ الجُزْءِ الغالِبِ عَلى الكُلِّ، ولا بُدَّ في كُلِّ مُمْتَزِجٍ مِنَ المُوَلِّداتِ مِن حَرارَةٍ غَرِيزِيَّةٍ هي الفاعِلَةُ لِكَوْنِها الحافِظَةَ لِصُورَتِهِ ثُمَّ كُلُّ مُتَكَوِّنٍ في زَمانٍ لا بُدَّ مِنِ اخْتِلافِ أطْوارِهِ وانْتِقالِهِ في زَمَنِ التَّكْوِينِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى غايَتِهِ، وانْظُرْ شَأْنَ الإنْسانِ في تَطَوُّرِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ وثُمَّ إلى نِهايَتِهِ ونِسَبُ الأجْزاءِ في كُلِّ طَوْرٍ مُخْتَلِفٌ مَقادِيرُها وكَيْفِيّاتُها وإلّا لَكانَ الطَّوْرُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ هو الآخَرَ، وكَذا الحَرارَةُ المُقَدَّرَةُ الغَرِيزِيَّةُ في كُلِّ طَوْرٍ مُخالِفَةٌ لِما في الطَّوْرِ الآخَرِ، فانْظُرْ إلى الذَّهَبِ ما يَكُونُ في مَعْدِنِهِ مِنَ الأطْوارِ مُنْذُ ألْفِ سَنَةٍ وثَمانِينَ، وما يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ فَيَحْتاجُ صاحِبُ الكِيمْياءِ أنْ يُساوِقَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ في المَعْدِنِ ويُحاذِيهِ بِتَدْبِيرِهِ وعِلاجِهِ إلى أنْ يَتِمَّ، ومِن شَرْطِ الصِّناعَةِ مُطْلَقًا تَصَوُّرُ ما يُقْصَدُ إلَيْهِ بِها، فَمِنَ الأمْثالِ السّائِرَةِ في ذَلِكَ لِلْحُكَماءِ أوَّلُ العَمَلِ آخِرُ الفِكْرَةِ وآخِرُ الفِكْرَةِ أوَّلُ العَمَلِ فَلا بُدَّ مِن تَصَوُّرِ هَذِهِ الحالاتِ لِلذَّهَبِ في أحْوالِهِ المُتَعَدِّدَةِ ونِسَبِها المُتَفاوِتَةِ في كُلِّ طَوْرٍ وما يَنُوبُ عَنْهُ مِن مِقْدارِ القُوى المُتَضاعِفَةِ ويَقُومُ مَقامَهُ حَتّى يُحاذِيَ بِذَلِكَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ في المَعْدِنِ أوْ يُعِدَّ لِبَعْضِ المَوادِّ صُورَةً مِزاجِيَّةً تَكُونُ كَصُورَةِ الخَمِيرَةِ لِلْخُبْزِ وتَفْعَلُ في هَذِهِ المادَّةِ بِالمُناسِبَةِ لِقُواها ومَقادِيرِها. وهَذِهِ كُلُّها إنَّما يَحْصُرُها العِلْمُ المُحِيطُ وهو عِلْمُهُ عَزَّ وجَلَّ، والعُلُومُ البَشَرِيَّةُ قاصِرَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما حالُ مَن يَدَّعِي حُصُولَهُ عَلى الذَّهَبِ بِهَذِهِ الصِّناعَةِ بِمَثابَةِ مَن يَدَّعِي صَنْعَةَ تَخْلِيقِ الإنْسانِ مِنَ المَنِيِّ ونَحْنُ إذا سَلَّمْنا الإحاطَةَ بِأجْزائِهِ ونِسَبِهِ وأطْوارِهِ وكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِهِ في رَحِمِهِ وعُلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا مُحَصِّلًا لِتَفاصِيلِهِ حَتّى لا يَشِذَّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ سَلَّمْنا لَهُ تَخْلِيقَ هَذا الإنْسانِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ. والحاصِلُ أنَّ الفِعْلَ الصِّناعِيَّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّراتِ أحْوالِ الطَّبِيعَةِ المَعْدِنِيَّةِ الَّتِي تُقْصَدُ مُساواتُها ومُحاذاتُها، وفِعْلُ المادَّةِ ذاتِ القُوى فِيها عَلى التَّفْصِيلِ وتِلْكَ الأحْوالُ لا نِهايَةَ لَها والعِلْمُ البَشَرِيُّ عاجِزٌ عَمّا دُونَها، فَقَصْدُ تَصْيِيرِ النُّحاسِ ذَهَبًا كَقَصْدِ تَخْلِيقِ إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ، وهَذا أوْثَقُ ما عَلِمْتُهُ مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِحالَةِ، ولَيْسَتِ صفحة 117 الِاسْتِحالَةُ فِيهِ مِن جِهَةِ الفُصُولِ ولا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ وإنَّما هي مِن تَعَذُّرِ الإحاطَةِ وقُصُورِ البَشَرِ عَنْها، وما ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ وجْهٌ آخَرُ في الِاسْتِحالَةِ مِن جِهَةِ غايَتِهِ وهو أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في الحَجَرَيْنِ ونُدْرَتَهُما أنَّهُما عُمْدَتا مَكاسِبِ النّاسِ ومُتَمَوِّلاتِهِمْ فَلَوْ حَصَلَ عَلَيْها بِالصَّنْعَةِ لَبَطَلَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ إذْ يَكْثُرُ وُجُودُهُما حَتّى لا يَحْصُلَ أحَدٌ مِنِ اقْتِنائِهِما عَلى شَيْءٍ، وآخَرُ أيْضًا وهو أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تَتْرُكُ أقْرَبَ الطُّرُقِ في أفْعالِها وتَرْتَكِبُ الأبْعَدَ فَلَوْ كانَ هَذا الطَّرِيقَ الصِّناعِيَّ الَّذِي يَزْعُمُونَ صِحَّتَهُ وأنَّهُ أقْرَبُ مِن طَرِيقِ الطَّبِيعَةِ في مَعْدِنِها وأقَلُّ زَمانًا صَحِيحًا لَما تَرَكَتْهُ الطَّبِيعَةُ إلى طَرِيقِها الَّذِي سَلَكَتْهُ في تَكْوِينِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وتَخْلِيصِهِما، وأمّا تَشْبِيهُ الطُّغْرائِيِّ هَذا التَّدْبِيرَ بِما عَثَرَ عَلَيْهِ مِن مُفْرَداتٍ لِأمْثالِهِ في الطَّبِيعَةِ كالعَقْرَبِ والحَيَّةِ وتَخْلِيقِهِما فَأمْرٌ صَحِيحٌ في ذَلِكَ أدّى عَلَيْهِ العُثُورُ كَما زَعَمَ، وأمّا الكِيمْياءُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ عَثَرَ عَلَيْها ولا عَلى طَرِيقِها وما زالَ مُنْتَحِلُوها يَخْبِطُونَ فِيها خَبْطَ عَشْواءَ ولا يَظْفَرُونَ إلّا بِالحِكاياتِ الكاذِبَةِ ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنهم لَحَفِظَهُ عَنْهُ ولَدُهُ أوْ تِلْمِيذُهُ وأصْحابُهُ وتُنُوقِلَ في الأصْدِقاءِ وضَمِنَ تَصْدِيقُهُ صِحَّةَ العَمَلِ بَعْدَهُ إلى أنْ يَنْتَشِرَ ويَبْلُغَ إلَيْنا أوْ إلى غَيْرِنا، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الإكْسِيرَ بِمَثابَةِ الخَمِيرَةِ وإنَّهُ مُرَكَّبٌ يُحِيلُ ما حَصَلَ فِيهِ ويُقَلِّبُهُ إلى ذاتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الخَمِيرَةَ إنَّما تَقْلِبُ العَجِينَ وتُعِدُّهُ لِلْهَضْمِ وهو فَسادٌ والفَسادُ في المَوادِّ سَهْلٌ يَقَعُ بِأيْسَرِ شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ والطَّبائِعِ، والمَطْلُوبُ مِنَ الإكْسِيرِ قَلْبُ المَعْدِنِ إلى ما هو أشْرَفُ مِنهُ وأعْلى فَهو تَكْوِينٌ والتَّكْوِينُ أصْعَبُ مِنَ الفَسادِ فَلا يُقاسُ الإكْسِيرُ عَلى الخَمِيرَةِ ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُ الأمْرِ في ذَلِكَ أنَّ الكِيمْياءَ إنْ صَحَّ وُجُودُها كَما يَزْعُمُ الحُكَماءُ المُتَكَلِّمُونَ فِيها فَلَيْسَ مِن بابِ الصَّنائِعِ الطَّبِيعِيَّةِ ولا يَتِمُّ بِأمْرٍ صِناعِيٍّ ولَيْسَ كَلامُهم فِيها مِن مَنحى الطَّبِيعِيّاتِ إنَّما هو مِن مَنحى كَلامِهِمْ في الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ وسائِرِ الخَوارِقِ، وقَدْ ذَكَرَ مَسْلَمَةُ المَجْرِيطِيُّ في كِتابِهِ (الغايَةُ) ما يُشْبِهُ ذَلِكَ وكَلامُهُ فِيها في كِتابِ رُتْبَةِ الحَكِيمِ مِن هَذا المَنحى، وكَذا كَلامُ جابِرٍ في رَسائِلِهِ. وبِالجُمْلَةِ أنَّ نَيْلَها إنْ كانَ صَحِيحًا فَهو واقِعٌ مِمّا وراءَ الصَّنائِعِ والطَّبائِعِ فَهي إنَّما تَكُونُ بِتَأْثِيراتِ النَّفْسِ وخَوارِقِ العادَةِ كالمَشْيِ عَلى الماءِ وتَخْلِيقِ الطَّيْرِ فَلَيْسَتْ إلّا مُعْجِزَةً أوْ كَرامَةً أوْ سِحْرًا، ولِهَذا كانَ كَلامُ الحُكَماءِ فِيها ألْغازًا لا يَظْفَرُ بِتَحْقِيقِهِ إلّا مَن خاضَ لُجَّةً مِن عُلُومِ السِّحْرِ واطَّلَعَ عَلى تَصَرُّفاتِ النَّفْسِ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ، وأُمُورُ خَرْقِ العادَةِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ ولا يَقْصِدُ أحَدٌ إلى تَحْصِيلِها اهـ. وإلى إمْكانِها ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ فَقالَ: الحَقُّ إمْكانُها لِأنَّ الأجْسادَ السَّبْعَةَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسادٌ ذائِبَةٌ صابِرَةٌ عَلى النّارِ مُنْطَرِقَةٌ وأنَّ الذَّهَبَ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ غَيْرِهِ إلّا بِالصُّفْرَةِ والرَّزانَةِ أوِ الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ المُفِيدَةِ لِهَذَيْنِ العَرَضَيْنِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، وما بِهِ الِاخْتِلافُ لا يَكُونُ لازِمًا لِما بِهِ الِاشْتِراكُ، فَإذَنْ يُمْكِنُ أنْ تَتَّصِفَ جِسْمِيَّةُ النُّحاسِ بِصُفْرَةِ الذَّهَبِ ورَزانَتِهِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، والحَقُّ أنَّ الكِيمْياءَ مُمْكِنَةٌ وأنَّها مِنَ الصَّنائِعِ الطَّبِيعِيَّةِ لَكِنَّ العِلْمَ بِها مِن أقاصِي العُلُومِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا مَن أهَّلَهُ اللَّهُ تَعالى لَها واخْتَصَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِبادِهِ وأوْلِيائِهِ بِها وهو عِلْمٌ تاهَتْ في طَلَبِهِ العُقُولُ وطاشَتِ الأحْلامُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ وحَصَلَ لِبَعْضٍ بِالتَّصْفِيَةِ وكَثْرَةِ النَّظَرِ مَعَ التَّجْرِبَةِ ووَصَلَ إلى مَن لَيْسَ أهْلًا لِلْوَحْيِ ولَمْ يَتَعاطَ ما تَعاطاهُ البَعْضُ بِالتَّعَلُّمِ مِمَّنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ، وقالَ أرْسٌ: وهو مِن أجِلَّةِ أهْلِ هَذا العِلْمِ كانَ أوَّلُهُ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ دَرَسَ وبادَ فاسْتَخْرَجَهُ مَنِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الكُتُبِ وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيمَن ظَفِرَ بِهِ بِكَتْمِهِ إلّا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَواصَتِ الحُكَماءُ عَلى كَتْمِهِ عَنْ غَيْرِ أهْلِهِ بَلْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى العُقُولِ في فِطْرَتِها المَواثِيقَ صفحة 118 بِكِتْمانِهِ وصِيانَتِهِ والِاحْتِراسِ مِن إذاعَتِهِ وإضاعَتِهِ ولِذا تَرى الحُكَماءَ قَدْ ألْغَزُوهُ نِهايَةَ الألْغازِ وأغْمَضُوهُ غايَةَ الإغْماضِ حَتّى عَدَّ كَلامَهم مَن لَمْ يَعْرِفْ مَرامَهم حَدِيثَ خُرافَةٍ وحَكَمَ عَلى قائِلِهِ بِالسَّفَهِ والسَّخافَةِ وبِهَذا الكَتْمِ حَفِظَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي زَعَمَها ابْنُ خَلْدُونٍ في النَّقْدَيْنِ وسَقَطَ اسْتِدْلالُهُ الَّذِي سَمِعْتَهُ فِيما مَرَّ. وقَدْ نَصَّ جابِرُ بْنُ حَيّانَ وهو إمامٌ في هَذِهِ الصَّنْعَةِ وإنْكارُ أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا حُمْقٌ في كِتابِهِ سِرُّ الأسْرارِ عَلى ما قُلْنا حَيْثُ قالَ: كُلُّ حَكِيمٍ وضَعَ رَمْزَهُ وكِتابَهُ عَلى مَعْنًى مُبْهَمٍ مِن وضْعِ الحَلِّ والإصْعادِ والغَسْلِ عَلى أرْبَعِ طَبائِعَ وسَمّاها الأجْسادَ الثِّقالَ ووَصَفَ التَّدابِيرَ عَلى لَفْظٍ ومَعْنًى مُشْتَبِهٍ، فَهو عِنْدَ الحَكِيمِ مَفْتُوحٌ، وعِنْدَ الجَهَلَةِ مُغْلَقٌ، ورُبَّما تَعَدَّوْا إلى أخْذِ تِلْكَ الأجْسادِ بِعَيْنِها واخْتَبَرُوها ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وشَتَمُوا الحُكَماءَ عَلى كِتْمانِهِمْ هَذا العَمَلَ وإنَّما عِمارَةُ الدُّنْيا بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ وإنَّ النّاسَ الصُّنّاعَ والمُقاتِلَةَ لا يَعْمَلُونَ إلّا لِرَغْبَةٍ أوْ رَهْبَةٍ فَعَلِمُوا أنَّهم إنْ أفْشَوْا هَذا السِّرَّ حَتّى يَعْلَمَهُ كُلُّ أحَدٍ لَمْ يَتِمَّ أمْرُ الدُّنْيا وخَرِبَتْ، ولَمْ يَعْمَلْ أحَدٌ لِأحَدٍ فَخَرَجُوا مِن ذَلِكَ وكَتَمُوهُ اهـ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ما ذَكَّرَهُ ابْنُ خَلْدُونٍ أوَّلًا مِن أنَّ الِاسْتِحالَةَ لِعَدَمِ الإحاطَةِ إذا ثَبَتَ أنَّها كانَتْ عَنْ وحْيٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ عَلى أنَّ فِيهِ ما فِيهِ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، ومِثْلُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تَتْرُكُ أقْرَبَ الطُّرُقِ في أفْعالِها وتَرْتَكِبُ الأبْعَدَ، لِأنّا نَقُولُ ما يَحْصُلُ مِنَ الطَّبائِعِ أيْضًا، فَيَكُونُ لَها طَرِيقانِ بِعِيدٌ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ تَسْلُكَهُ غالِبًا وقَرِيبٌ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أيْضًا أنْ تَسْلُكَهُ نادِرًا بِواسِطَةِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ، وكَوْنُ المُنْتَحِلِينَ لَمْ يَزالُوا يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ إنْ أرادَ بِهِمْ أئِمَّةُ هَذِهِ الصِّناعَةَ كَهُرْمُسَ وسُقْراطَ وأفْلاطُونَ وأغارِيمُونَ وفِيثاغُورْسَ، وهِرَقْلَ، وفَرْفُورِيُوسَ، ومارِيَةَ، وذُوسِيمُوسَ، وأرْسٍ، وذُو مِقْراطَ، وسَفِيدُوسَ، وبَلِيناسَ، ومَهْرارِيسَ، وجابِرِ بْنِ حَيّانَ، والمَجْرِيطِيِّ، وأبُو بَكْرِ بْنُ وحْشِيَّةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيّا الرّازِيِّ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً فَهم لَمْ يَخْبِطُوا، ودُونَ إثْباتِ خَبْطِهِمْ خَرْطَ القَتادِ، وإلْغازِهِمْ لِنُكْتَةٍ صَرَّحُوا بِها لا يَدُلُّ عَلى خَبْطِهِمْ، وإنْ أرادَ بِهِمْ مَن يَتَعاطاها مِنَ المَشّاقِينَ في عَصْرِهِ وفي هَذِهِ الأعْصارِ فَما ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في أكْثَرِهِمْ وهو لا يَطْعَنُ في إمْكانِها. وقَدْ ذَمَّ الطُّغْرائِيُّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ فَقالَ في كِتابِهِ تَراكِيبُ الأنْوارِ: إنَّ المُعَلِّمَ النّاصِحَ مَوْجُودٌ في كُلِّ صَنْعَةٍ إلّا في هَذا الفَنِّ، وكَيْفَ يُرْجى النُّصْحُ عِنْدَ قَوْمٍ يُسَمَّوْنَ فِيما بَيْنَهم بِالحَسَدَةِ وتَحالَفُوا فِيما بَيْنَهم أنْ لا يُوَضِّحُوا هَذِهِ السَّرائِرَ أبَدًا لا سِيَّما في هَذا الزَّمانِ الَّذِي قَدْ بادَ فِيهِ هَذا العِلْمُ جُمْلَةً وصارَ المُتَعَرِّضُ لَهُ والباحِثُ عَنْهُ عِنْدَ النّاسِ مَسْخَرَةً وقَدْ عُنِيتُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ أبْحَثُ عَنْ كُلِّ مَن يَظُنُّ أنَّ عِنْدَهُ طَرَفًا مِن هَذا العِلْمِ فَما وجَدْتُ أحَدًا شُمَّ لَهُ رائِحَةٌ ولا عُرِفَ مِنهُ شَطْرُ كَلِمَةٍ، ووَجَدْتُ مُنْتَحِلِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ الشَّرِيفَةِ بَيْنَ خادِعٍ يَبِيعُ دِينَهُ ومُرُوءَتُهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا قَلِيلٍ ويُتْلِفُ أمْوالَ النّاسِ بِالتَّجارِبِ الصّادِرَةِ عَنِ الجَهْلِ، وبَيْنَ مَخْدُوعٍ مَأْخُوذٍ عَنْ رُشْدِهِ بِالأمَلِ الخائِبِ والطَّمَعِ الكاذِبِ والتَّشاغُلِ بِالباطِلِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ الجَمِيلِ والتَّعْوِيلِ عَلى الأمانِيِّ والأكاذِيبِ. قُصارى أحَدِهِمْ أنْ يَنْظُرَ في كُتُبِ جابِرٍ وأضْرابِهِ فَيَأْخُذُ بِظَواهِرِ كَلامِهِمْ، ويَغْتَرُّ بِجَلايا دَعاوِيهِمْ دُونَ حَقائِقِ مَعانِيهِمْ وهم وجَمِيعُ مَن مَضى مِن حُكَماءِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ يُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ كُتُبِهِمْ، ويُنادُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم يَرْمُزُونَ ويُلْغِزُونَ ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِهِمْ ولا يُصَدَّقُونَ إلى آخِرِ ما قالَ. وقَدْ تَفاقَمَ الأمْرُ في زَمانِنا إلى ما لا تَتَّسِعُ العِبارَةُ لِشَرْحِهِ، وكَوْنُ الكِيمْياءِ مِن تَأْثِيراتِ النُّفُوسِ وخَوارِقِ العاداتِ فَلا تَكُونُ إلّا مُعْجِزَةً أوْ صفحة 119 كَرامَةً أوْ سِحْرًا لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هي بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ لَكِنَّها خَفِيَّةٌ عَلى أكْثَرِ النّاسِ لا دَخْلَ لِتَأْثِيرِ النُّفُوسِ فِيها أصْلًا. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ أوِ الوَلِيِّ ما يَكُونُ مِنَ الكِيماوِيِّ مِن غَيْرِ مُعاطاةِ تِلْكَ الأسْبابِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَرامَةً أوْ مُعْجِزَةً، وكَوْنُ مَنحى كَلامِ بَعْضِ الحُكَماءِ فِيها مَنحى كَلامِهِمْ في الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن أنْواعِ السِّحْرِ أوْ تَوابِعِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن إلْغازِهِمْ لِأمْرِها، وقَدْ تَفَنَّنُوا في الإلْغازِ لَها وسَلَكُوا في ذَلِكَ كُلَّ مَسْلَكٍ، فَوَضَعَ بَلِيناسُ كِتابَهُ فِيها عَلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها بِالأمْثالِ ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها بِالحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ هي صَنْعَةٌ قَلَّ مَن يَعْرِفُها جِدًّا، وأعَدَّ الِاشْتِغالَ بِها والتَّصَدِّيَ لِمَعْرِفَتِها مَن كَتَبَها مِن غَيْرِ حَكِيمٍ عارِفٍ بِرُمُوزِها كَما يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ المُنْتَحِلِينَ لَها اليَوْمَ مَحْضُ جُنُونٍ، وكَوْنُ أصْلِها الوَحْيَ الإلَهِيَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ هو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ، وقَدْ أوْرَدَ الطُّغْرائِيُّ في كُتُبِهِ كَجامِعِ الأسْرارِ وغَيْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ هُرْمُسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى شَيْثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنِ ازْرَعِ الذَّهَبَ في الأرْضِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ واسْقِهِ ماءَ الحَياةِ، وقالَتْ مارِيَةُ: إنِّي لَسْتُ أقُولُ لَكم مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولَكِنِّي أقُولُ لَكم ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأعْلَمَهُ أنَّ الحَجَرَ النَّسْطَرِيسَ هو الَّذِي يُمْسِكُ الصَّبْغَ وقالَ بِنِسْبَتِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذُوسِيمُوسُ وأرْسٌ، وذَكَرَ أرْسٌ أنَّ العَمَلَ بِها كانَ طَوْعَ اليَهُودِ بِمِصْرَ، وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن دَخَلَ مِصْرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَأكْرَمَهُ فِرْعَوْنُ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاها، وذَكَرَ أيْضًا فَصْلًا مَرْمُوزًا فِيها نَسَبَهُ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الطَّرَسُوسِيُّ في كِتابِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْبَطَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ عَوَّضَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وكانَ عِلْمُ الصَّنْعَةِ مِمّا عَلَّمَهُ، وانْتَقَلَ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ كَما انْتَقَلَتِ العُلُومُ الأُخَرُ إلى أيّامِ هُرْمُسَ الأوَّلِ، وقالَ أيْضًا: حَدَّثُونا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ بِإسْنادٍ لَهُ مُتَّصِلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««زُوِيَتْ لِي الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأُعْطِيتُ الكِبْرِيتُ الأبْيَضُ والأحْمَرُ»». ورَوى جابِرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ رِواياتٍ كَثِيرَةً حَتّى أنَّهُ أسْنَدَ إلَيْهِ عِدَّةً مَن كُتُبِهِ ولا أُحَقِّقُ قَوْلَهُ ولا أُكَذِّبُهُ وأُجِلُّهُ لِمَوْضِعِهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ عَنِ الِافْتِراءِ عَلى الأئِمَّةِ، ورُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ فِيما خاضَ النّاسُ فِيهِ مِن عِلْمِ الكِيمْياءِ؟ فَأطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قالَ: سَألْتُمُونِي عَنْ أُخْتِ النُّبُوَّةِ وتَوْأمِ المُرُوَّةِ لَقَدْ كانَ وإنَّهُ لَكائِنٌ وما مِن شَجَرَةٍ ولا مَدَرَةٍ ولا شَيْءٍ إلّا وفِيهِ أصْلٌ وفَرْعٌ أوْ أصْلٌ أوْ فَرْعٌ قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أما تَعْلَمُهُ؟ قالَ: واللَّهِ تَعالى أنا أعْلَمُ بِهِ مِنَ العالِمِينَ لَهُ لِأنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِالعِلْمِ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ باطِنِهِ وأنا أعْلَمُ العِلْمَ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، قِيلَ: فاذْكُرْ لَنا مِنهُ شَيْئًا نَأْخُذْهُ مِنكَ، قالَ: واللَّهِ تَعالى لَوْلا أنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ لَقُلْتُ: قِيلَ: فَما كانَ تَقُولُ؟ قالَ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ في الزِّئْبَقِ الرَّجْراجِ والذَّهَبِ الوَهّاجِ والحَدِيدِ المُزَعْفَرِ وزِنْجارِ النُّحاسِ الأخْضَرِ لَكُنُوزًا لا يُؤْتى عَلى آخِرِها يُلَقَّحُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَتَفْتَرُّ عَنْ ذَهَبٍ كامِنٍ، قِيلَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما نَعْلَمُ هَذا، قالَ: هو ماءٌ جامِدٌ وهَواءٌ راكِدٌ ونارٌ حائِلَةٌ وأرْضٌ سائِلَةٌ قالُوا: ما نَفْقَهُ هَذا، قالَ: لَوْ حَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ أنْ يُكَلِّمُوا النّاسَ عَلى غَيْرِ هَذا لَعَلِمَهُ الصِّبْيانُ في المَكاتِبِ اهـ كَلامُ الطُّغْرائِيِّ بِاخْتِصارٍ. صفحة 120 وذَكَرَ في كِتابِهِ مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ ومَصابِيحُ الحِكْمَةِ عَنْ سِتِّينَ نَبِيًّا وحَكِيمًا أنَّهم قالُوا بِحَقِّيَّةِ هَذا العِلْمِ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ شَيْءٌ، والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ لَوْ كانَ في الكِيمْياءِ خَبَرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ المُحْدَثِينَ لَشاعَ ولَمّا أنْكَرَها مَن هو مِن أجِلَّتِهِمْ كَشَيْخِ الإسْلامِ تَقِيِّ الدِّينِ أحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ فَإنَّهُ كانَ يُنْكِرُ ثُبُوتَها وألَّفَ رِسالَةً في إنْكارِها، ولَعَلَّ رَدَّ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ ابْنِ أبِي الذَّرِّ البَغْدادِيِّ وتَزْيِيفَهُ ما قالَهُ فِيها كَما زَعَمَ الصَّفَدِيُّ إنَّما كانَ فِيما هو مِن بابِ الِاسْتِدْلالاتِ العَقْلِيَّةِ فَإنَّ الرَّجُلَ في بابِ النَّقْلِيّاتِ مِمّا لا يُجارِيهِ نَجْمُ الدِّينِ المَذْكُورُ وأمْثالُهُ وهو في بابِ العَقْلِيّاتِ وإنْ كانَ جَلِيلًا أيْضًا إلّا أنَّهُ دُونَهُ في النَّقْلِيّاتِ، والمَطْلَبُ دَقِيقٌ حَتّى أنَّ بَعْضَ مَن تُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ اضْطَرَبَ في أمْرِها فَأنْكَرَها تارَةً وأقَرَّ بِها أُخْرى، فَهَذا شَيْخُ الحُكَماءِ ورَئِيسُهم أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا سَمِعْتَ ما نُقِلَ عَنْهُ أوَّلًا، وحُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وعَلى جَوْدَةِ ذِهْنِهِ وعُلُوِّ كَعْبِهِ في الحِكْمَةِ بِأقْسامِها لَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ عَمَلِها حَتّى قالَ الطُّغْرائِيُّ في تَراكِيبُ الأنْوارِ ما يَنْقَضِي عَجَبِي مِن أبِي عَلِيِّ بْنِ سِينا كَيْفَ اسْتَجازَ وضْعَ رِسالَةٍ في هَذا الفَنِّ فَضَحَ بِها نَفْسَهُ وخالَفَ الأُصُولَ الَّتِي عِنْدَهُ وقَصَّرَ فِيها عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الحَشْوِيَّةِ الطَّغامِ المُظْلِمَةِ الأذْهانِ الكَلِيلَةِ الأفْهامِ. وقالَ في جامِعِ الأسْرارِ: إنَّ الشَّيْخَ أبا عَلِيِّ بْنَ سِينا لِفَرْطِ شَغَفِهِ بِهَذا العِلْمِ وحَدْسِهِ القَوِيِّ بِأنَّهُ حَقٌّ صَنَّفَ رِسالَةً فِيهِ فَأحْسَنَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الطَّبِيعِيّاتِ ولِخَفاءِ طَرِيقِ القَوْمِ واسْتِعْمائِها دُونَهُ لَمْ يَذْكُرْ في التَّدابِيرِ المُخْتَصَّةِ بِعِلْمِنا لَفْظَةً صَحِيحَةً ولا أشارَ إلى ذِكْرِ المِزاجِ الحَقِّ والأوْزانِ والتَّراكِيبِ المَكْتُومَةِ والنَّيِّرانِ وطَبَقاتِها والآلَةِ الَّتِي لا يَتِمُّ العَمَلُ إلّا بِها وهي أحَدُ الشَّرائِطِ العَشَرَةِ، ولَمْ يَتَجاوَزْ ما عِنْدَ الحَشْوِيَّةِ مِن تَدابِيرِ الزَّوابِقِ والكَبارِيتِ والدَّفْنِ في زَبْلِ الخَيْلِ والتَّشاغُلِ بِهَذِهِ القاذُوراتِ ولَوْلا آفَةُ الإعْجابِ وحُسْنُ ظَنِّ الإنْسانِ بِعِلْمِهِ وحِرْصُهُ عَلى أنْ لا يَشِذَّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المَعارِفِ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلى مِثْلِهِ مَعَ غَزارَةِ عِلْمِهِ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ في الأبْحاثِ الحَقِيقِيَّةِ أنْ يَكْتَفِيَ بِما عِنْدَهُ، ولا يَتَعَرَّضَ لِما لا يَعْلَمُهُ، وقَدْ تَأدّى إلَيْنا مِن تَدابِيرِهِ عَنْ أصْحابِهِ الَّذِينَ شاهَدُوها أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ عِلْمِنا، وقَدْ رَأيْنا بِخَطِّهِ مِنِ التَّعالِيقِ المُلْتَقَطَةِ مِن كَلامِ جابِرِ بْنِ حَيّانَ، وخالِدِ بْنِ يَزِيدَ ما يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، والكَلامُ في هَذا المَطْلَبِ طَوِيلٌ وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن أحَبَّ الِاطِّلاعَ عَلى شَيْءٍ مِمّا قِيلَ في ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ في الآيَةِ عِلْمُ اسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ هَذا العِلْمِ، وأهْلُ عِلْمِ الحِرَفِ وعِلْمِ الطَّلْسَماتِ يَقُولُونَ بِهِ ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ والعَقْلُ يُجَوِّزُ ثُبُوتَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِثُبُوتِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ وعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ أوْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كُتُبِ التَّوارِيخِ أوْ مِن (القُصّاصِ)، والقُوَّةُ تَحْتَمِلُ القُوَّةَ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ، والجَمْعُ يَحْتَمِلُ جَمْعَ المالِ وجَمْعَ الرِّجالِ، والمَعْنى ألَمْ يَقِفْ عَلى ما يُفِيدُهُ العِلْمَ ولَمْ يَعْلَمْ ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِمَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً حِسًّا أوْ مَعْنًى وأكْثَرَ مالًا أوْ جَماعَةً يَحُوطُونَهُ ويَخْدُمُونَهُ حَتّى لا يَغْتَرَّ بِما اغْتَرَّ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةً عَلى مُقَدَّرٍ، وجُمْلَةُ أوَلَمْ يَعْلَمْ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ ودالَّةٌ عَلى انْتِفاءِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِكَ: أتَدَّعِي الفِقْهَ وأنْتَ لا تَعْرِفُ شُرُوطَ الصَّلاةِ، والمُرادُ رَدُّ ادِّعائِهِ العِلْمَ والتَّعَظُّمُ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ عَنْهُ أيْ أعَلِمَ ما ادَّعاهُ ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ (لَمْ صفحة 121 يَعْلَمْ) عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ ونَفْيُ العِلْمِ عَنْهُ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِهِ ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ وأنَّ ضَمِيرَ ذُنُوبِهِمْ لِلْمُجْرِمِينَ، وفاعِلُ السُّؤالِ إمّا اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالسُّؤالِ المَنفِيِّ هُنا، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: 39] عَلى ما قِيلَ: سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ، ونَفْيُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ظاهِرٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم مُطَّلِعُونَ عَلى صَحائِفِهِمْ أوْ عارِفُونَ إيّاهم بِسِيماهم كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 41]. والمُرادُ بِالسُّؤالِ المُثْبَتِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: 92] سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى والنَّفْيُ والإثْباتُ بِاعْتِبارِ مَوْضِعَيْنِ أوْ زَمانَيْنِ، والمَواقِفُ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ واليَوْمُ طَوِيلٌ فَلا تَناقُضَ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ العِلْمِ، ولَعَلَّ وجْهَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ قارُونَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِن أضْرابِهِ في الدُّنْيا أرْدَفَ ذَلِكَ بِما فِيهِ تَهْدِيدُ كافَّةِ المُجْرِمِينَ بِما هو أشْنَعُ وأشْنَعُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَإنَّ عَدَمَ سُؤالِ المُذْنِبِ مَعَ شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِ يُؤْذِنُ بِالإيقاعِ بِهِ لا مَحالَةَ، وجَعْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ عَنْ عِلْمٍ مِنهُ سُبْحانَهُ بِذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَحْتَجْ عَزَّ وجَلَّ إلى مَسْألَتِهِمْ عَنْها، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ ذُنُوبِهِمْ لِمَن هو أشَدُّ قُوَّةً وهو المُهْلَكُ مِنَ القُرُونِ، والإفْرادُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، والمَعْنى ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ، ويُعْلَمُ أنَّهُ لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ مَن لَمْ يُجْرِمْ بِالأُولى لِما بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ العَداوَةِ فَمَآلُ المَعْنى لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ المُهْلَكِينَ غَيْرُهم مِمَّنْ أجْرَمَ ومِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، ورُبَّما يَخْتَلِجُ في ذِهْنِكَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ أوْ جَعْلُها حالًا مِن فاعِلِ أهْلَكَ أوْ مِن مَفْعُولِهِ لَكِنْ إذا تَأمَّلْتَ أدْنى تَأمُّلٍ أخْرَجْتَهُ مِن ذِهْنِكَ وأبَيْتَ حَمْلَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ «ولا تَسْألْ» بِتاءِ الخِطابِ والجَزْمِ «المُجْرِمِينَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ سِيرِينَ (ولا تَسْئَلْ) كَذَلِكَ ولَمْ نَدْرِ أنَصَبا المُجْرِمِينَ كَأبِي جَعْفَرٍ أمْ رَفَعاهُ كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وجَوَّزَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الثّانِيَ، وذَكَرَ لَهُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ذُنُوبِهِمْ لِلْمُهْلَكِينَ مِنَ القُرُونِ وارْتِفاعُ المُجْرِمِينَ بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هُمُ المُجْرِمُونَ، والثّانِي أنْ يَكُونَ المُجْرِمُونَ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ذُنُوبِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ أصْلَهُ الرَّفْعُ لِأنَّ إضافَةَ ذُنُوبِ إلَيْهِ بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ الفاعِلِ وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ ذُنُوبَ جَمْعٌ فَإنْ كانَ جَمْعٌ مَصْدَرٌ فَفي إعْمالِهِ خِلافٌ.

القصص 28:79

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قالَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ خَرَجَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ كائِنًا في زِينَتِهِ. قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ خَرَجَ هو وحَشَمُهُ عَلى أرْبَعَةِ آلافِ دابَّةٍ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ حُمْرٌ مِنها ألْفُ بَغْلَةٍ بَيْضاءَ وعَلى دَوابِّهِمْ قَطائِفُ الأُرْجُوانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَ في جَوارٍ بِيضٍ عَلى سُرُوجٍ مِن ذَهَبٍ عَلى قَطْفِ أُرْجُوانٍ وهُنَّ عَلى بِغالٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ ثِيابٌ حُمْرٌ وحُلِيٌّ ذَهَبٌ، وقِيلَ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ وعَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ خادِمٍ عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ وعَلى يَمِينِهِ ثَلاثُمِائَةِ غُلامٍ وعَلى يَسارِهِ ثَلاثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والدِّيباجُ. صفحة 122 وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ خَرَجَ في سَبْعِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ المُعَصْفَراتُ، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ في الأرْضِ رُئِيَتِ المُعَصْفَراتُ فِيهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ، وكانَ ذَلِكَ الخُرُوجُ عَلى ما قِيلَ يَوْمَ السَّبْتَ ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ قِيلَ: كانُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا ذَلِكَ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الرَّغْبَةِ في السَّعَةِ واليَسارِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ويُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ولَعَلَّ إرادَتَهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا لِيَتَوَصَّلُوا بِها لِلْآخِرَةِ لا لِذاتِها فَإنَّ إرادَتَها لِذاتِها لَيْسَتْ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: كانُوا كُفّارًا ومُنافِقِينَ، وتَمَنِّيهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ دُونَهُ نَفْسِهِ مِن بابِ الغَبْطِ ولا ضَرَرَ فِيهِ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: ضَرَرُهُ دُونَ ضَرَرِ الحَسَدِ ««فَقَدْ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ يَضُرُّ الغَبْطُ؟ فَقالَ: لا إلّا كَما يَضُرُّ العِضاهَ الخَبْطُ»» وفِي الكَشْفِ الظّاهِرِ أنَّهُ نَفْيٌ لِلضَّرَرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ الشَّجَرَ رُبَّما يَنْتَفِعُ بِالخَبْطِ فَضْلًا عَنِ التَّضَرُّرِ، وفِيهِ أنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلى الضَّرَرِ إشارَةً إلى مُتَعَلِّقِ الغَبْطِ مِن دِينِيٍّ أوْ دُنْيَوِيٍّ، وقائِلُ ذَلِكَ إنْ كانَ الكَفَرَةُ فَفِيهِ مِن ذَمِّ الحَسَدِ ما فِيهِ ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أيُّ دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، وقِيلَ نَصِيبٌ كَثِيرٌ مِنَ الدُّنْيا، والحَظُّ البَخْتُ والسَّعْدُ، ويُقالُ: فُلانٌ ذُو حَظٍّ وحَظِيظٌ ومَحْظُوظٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِمْ وتَأْكِيدٌ لَهُ

القصص 28:80

﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ بِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما يَنْبَغِي ومِنهم يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِإرادَةِ ثَوابِ الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمَ بِأحْوالِ النَّشْأتَيْنِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الأُولى والإقْبالَ عَلى الأُخْرى حَتْمًا، وأنَّ تَمَنِّيَ المُتَمَنِّينَ لَيْسَ إلّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِما كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ مَعْرِفَةُ الثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ التَّوَكُّلِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الأخْبارِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ويْلَكُمْ﴾ دُعاءٌ بِالهَلاكِ بِحَسَبِ الأصْلِ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في الزَّجْرِ عَمّا لا يُرْتَضى، والمُرادُ بِهِ هُنا الزَّجْرُ عَنِ التَّمَنِّي وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مِن مَعْناهُ ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ في الآخِرَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا تَتَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا يَلِيقُ بِكم أنْ تَتَمَنَّوْهُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِثَوابِهِ عَزَّ وجَلَّ، هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُتَمَنِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ أوْ فَآمِنُوا لِتَفُوزُوا بِثَوابِهِ تَعالى الَّذِي هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، وتَقْدِيرُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ ما تَتَمَنَّوْهُ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا ويَدْخُلَ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ خَيْرٌ مِنِ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ هَذِهِ المَقالَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها العُلَماءُ، والمُرادُ بِها المَعْنى اللُّغَوِيُّ أوِ الثَّوابُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِمَعْنى المَثُوبَةِ أوِ الجَنَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الثَّوابِ، وقِيلَ: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، والتَّأْنِيثُ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ أنَّهُما بِمَعْنى السِّيرَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ، ومَعْنى تَلَقِّيها إمّا فَهْمُها أوِ التَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ بِها ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَّهَواتِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالصّابِرِينَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ المُتَّصِفُونَ بِالصَّبْرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَتَدَبَّرْ

القصص 28:81

﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ قارُونَ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحَسَدَهُ، فَقالَ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ فَأبى صفحة 123 فَقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُوهُ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكُمْ؟ قالُوا: لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى؟ فَقالَ لَهُمْ: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى (بَغِيٍّ) مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلَها إلَيْهِ فَتَرْمِيَهُ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ. قالَتْ: نَعَمْ. فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ. قالَ: نَعَمْ فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: بِما أمَرَكَ رَبُّكَ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ وكَذا وكَذا، وقَدْ أمَرَنِي في الزّانِي إذا زَنى وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ. قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ. قالَ: أنا؟ فَأرْسَلُوا إلى المَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقالَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ما صَدَقْتِ، فَقالَتْ: أمّا إذْ أنْشَدْتَنِي بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جَعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِيءٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَخَرَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا يَبْكِي فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها تُطِعْكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى رُكَبِهِمْ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى فَقالَ: خُذِيهِمْ فَغَيَّبَتْهم فَأوْحى اللَّهُ تَعالى يا مُوسى سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ جَعَلَ (لِلْبَغِيِّ) ألْفَ دِينارٍ، وقِيلَ: طَسْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا، وفِي بَعْضٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في سُجُودِهِ: يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ ومَن كانَ مَعِي فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ. ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرَّكْبِ ثُمَّ إلى الأوْساطِ ثُمَّ إلى الأعْناقِ وهم يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُناشِدُونَهُ الرَّحِمَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ ويَقُولُ: خُذِيهِمْ حَتّى انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى يا مُوسى ما أفَظَّكَ! اسْتَغاثُوا بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهم أما وعِزَّتِي لَوْ إيّايَ دَعَوْا مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا. وفِي رِوايَةٍ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلَيْهِ ما أشَدَّ قَلْبَكَ وعِزَّتِي وجَلالِي لَوْ بِي اسْتَغاثَ لَأغَثْتُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ غَضَبًا لَكَ فَعَلْتُ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: إنَّما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ ذَلِكَ لِيَرِثَهُ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ. وفِي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ في زَمانٍ واحِدٍ، وكانَتْ دارُهُ فِيما قِيلَ: مِن صَفائِحِ الذَّهَبِ وجاءَ في عِدَّةِ آثارٍ أنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قامَةً وأنَّهُ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ لا يَبْلُغُ قَعْرَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، بَلْ هو مُشْكِلٌ إنْ صَحَّ ما قالَهُ الفَلاسِفَةُ في مِقْدارِ قُطْرِ الأرْضِ ولَمْ يَقُلْ بِأنَّ لَها حَرَكَةً أصْلًا، وأمّا الخَسْفُ فَلا شَكَّ في إمْكانِهِ الذّاتِيِّ والوُقُوعِيِّ وسَبَبُهُ العادِيُّ مُبَيَّنٌ في مَحَلِّهِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ﴾ أيْ جَماعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُشْتَقَّةٍ مِن فَأوْتُ قَلْبَهُ إذا مَيَّلْتَهُ، وسُمِّيَتِ الجَماعَةُ بِذَلِكَ لِمَيْلِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وهو مَحْذُوفُ اللّامِ ووَزْنُهُ فِعَةٌ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّهُ مَحْذُوفُ العَيْنِ فَوَزْنُهُ فِلَةٌ وأنَّهُ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ لِأنَّ بَعْضَ الجَماعَةِ يَرْجِعُ إلى بَعْضٍ (ومِن) صِلَةٌ أيْ فَما كانَ لَهُ فِئَةٌ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهُ ﴿وما كانَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أيِ المُمْتَنِعِينَ عَنْ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ، يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ أيْ مَنَعَهُ فامْتَنَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ بِأعْوانِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ

القصص 28:82

﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ﴾ أيْ مِثْلَ صفحة 124 مَكانِهِ ومَنزِلَتِهِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ، وجَوَّزَ كَوْنَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ (ومِثْلَ) هُناكَ مُقْحَمَةٌ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿بِالأمْسِ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ وهو مَجازٌ شائِعٌ، وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنَّوْا أوْ بِمَكانِهِ، قِيلَ: والعَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في ﴿فَخَسَفْنا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وفِي البَحْرِ دَلَّ أصْبَحَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ عَلى أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا وهو أفْظَعُ العَذابِ إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي بِمَعْنى صارَ أيْ صارَ المُتَمَنُّونَ. ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ يَفْعَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ أيِ التَّضْيِيقِ والقَتْرِ لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ ولا لِهَوانٍ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ، ووَيْ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ اسْمُ فِعْلٍ ومَعْناها أعْجَبُ وتَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ أيْضًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم «ويْ» وكُلُّ مَن نَدِمَ وأرادَ إظْهارَ نَدَمِهِ قالَ «ويْ» ولَعَلَّ الأظْهَرَ إرادَةُ التَّعَجُّبِ بِأنْ يَكُونُوا تَعَجَّبُوا أوَّلًا مِمّا وقَعَ وقالُوا ثانِيًا كَأنَّ إلَخْ وكَأنَّ فِيهِ عارِيَةٌ عَنْ مَعْنى التَّشْبِيهِ جِيءَ بِها لِلتَّحْقِيقِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هِشامٌ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّنِي حِينَ أُمْسِي لا تُكَلِّمُنِي ∗∗∗ مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي ما لَيْسَ مَوْجُودًا وقِيلَ: هي غَيْرُ عارِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ، والمُرادُ تَشْبِيهُ الحالِ المُطْلَقُ بِما في حَيِّزِها إشارَةً إلى أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وهو كَما تَرى وزَعَمَ الهَمْدانِيُّ أنَّ الخَلِيلَ ذَهَبَ إلى أنَّ «ويْ» لِلتَّنَدُّمِ وكَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ والمَعْنى نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْسُطُ إلَخْ، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ كَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ، وأيًّا ما كانَ فالوَقْفُ كَما في البَحْرِ عَلى (ويْ والقِياسُ كِتابَتُها مَفْصُولَةً وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِالكافِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وقَدْ كُتِبَتْ عَلى القِياسِ في قَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضَرِّ وقالَ الأخْفَشُ: الكافُ مُتَّصِلَةٌ بِها وهي اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أعْجَبُ والكافُ حَرْفُ خِطابٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما قالُوا في ذَلِكَ ونَحْوِهِ، والوَقْفُ عَلى ويْكَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ و(أنْ عِنْدَهُ مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ أيْ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ إلَخْ، وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ فَبَقِيَ ويْكَ، وهي لِلرَّدْعِ والزَّجْرِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يَرْضى، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي كَلِمَةُ تَحَزُّنٍ وأنْشَدَ في التَّحْقِيقِ قَوْلَهُ: ألا ويْكَ المَضَرَّةُ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يَبْقى عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ والكافُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ، والعامِلُ في أنَّ فِعْلُ العِلْمِ المُقَدَّرِ كَما سَمِعْتَ أوْ هو بِتَقْدِيرٍ لِأنَّ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي قِيلَ لِأجْلِهِ ويْكَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَعْنى ويْكَ رَحْمَةٌ لَكَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: ألا تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ صفحة 125 مَعَهُ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويْكَأنَّ حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ وهو بِمَعْنى ألَمْ تَرَ. ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِعَدَمِ إعْطائِهِ تَعالى ما تَمَنَّيْناهُ مِن إعْطائِنا مِثْلَ ما أعْطاهُ قارُونَ ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ أيِ الأرْضَ كَما خُسِفَ بِهِ أوْ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالتَّجاوُزِ عَنْ تَقْصِيرِنا في تَمَنِّينا ذَلِكَ لَخَسَفَ بِنا جَزاءَ ذَلِكَ كَما خَسَفَ بِهِ جَزاءَ ما كانَ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «لَوْلا (مَنَّ)» بِحَذْفِ (أنْ) وهي مُرادَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ مَنُّ اللَّهِ بِرَفْعِ مَنُّ والإضافَةِ. وقَرَأ الأكْثَرُ «لَخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وبِنا) هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لَخَسَفَ هو أيِ الخَسْفَ بِنا عَلى مَعْنى لَفَعَلَ الخَسْفَ بِنا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «لانْخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا (وبِنا) أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ، وعَنْهُ أيْضًا «(لَتُخُسِّفَ)» بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ (مَبْنِيًّا) لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبِما وُعِدُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، والكَلامُ فِي- ويْكَأنَّ- هُنا كَما تَقَدَّمَ بَيْدَ أنَّهُ جَوَّزَ هُنا أنْ يَكُونَ لِأنَّ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ أيْ لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ فِعْلَ ذَلِكَ أيِ الخَسْفَ بِقارُونَ، واعْتِبارُ نَظِيرِهِ فِيما سَبَقَ دُونَ اعْتِبارِ هَذا هُنا، وضَمِيرُ ويْكَأنَّهُ لِلشَّأْنِ. هَذا وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ قِصَّةَ قارُونَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ [القَصَصِ: 3] عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾، وقِيلَ: لَمّا تَقَدَّمَ خِزْيُ الكُفّارِ وافْتِضاحُهم يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ تَعالى عَقِيبَهُ أنَّ قارُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ وأنَّهُ يَفْتَضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما افْتَضَحَ في الدُّنْيا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ العِلْمِ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾

القصص 28:83

ذَكَرَ مَحَلَّ ذَلِكَ الثَّوابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ مُشِيرًا إشارَةَ تَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ إلى ما نَزَلَ لِشُهْرَتِهِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها وبَلَغَكَ وصْفُها، (والدّارُ) صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الواقِعِ مُبْتَدَأً وهو يُوصَفُ بِالجامِدِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَعِيمُ الدّارِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ البَحْرِ، (والآخِرَةُ) صِفَةٌ لِلدّارِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ غَلَبَةً وتَسَلُّطًا ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا عَلى العِبادِ كَدَأْبِ فِرْعَوْنَ وقارُونَ، ولَيْسَ المَوْصُولُ مَخْصُوصًا بِهِما، وفي إعادَةِ لا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ بِالنَّفْيِ، وفي تَعْلِيقِ المَوْعِدِ بِتَرْكِ إرادَتِهِما لا بِتَرْكِ أنْفُسِهِما مِن مَزِيدِ تَحْذِيرٍ مِنهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: العُلُوُّ في الأرْضِ التَّكَبُّرُ وطَلَبُ الشَّرَفِ والمَنزِلَةِ عِنْدَ سَلاطِينِها ومُلُوكِها والفَسادُ العَمَلُ بِالمَعاصِي وأخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ العُلُوُّ الِاسْتِكْبارُ عَنِ الإيمانِ والفَسادُ الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ تَفْسِيرُ العُلُوِّ بِما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، صفحة 126 وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَمْشِي في الأسْواقِ وحْدَهُ وهو والٍ يُرْشِدُ الضّالَّ ويُعِينُ الضَّعِيفَ ويَمُرُّ بِالبَقّالِ والبَيّاعِ فَيَفْتَتِحُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَقْرَأُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ إلى آخِرِها، ويَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ، في أهْلِ العَدْنِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ،» وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ هاهُنا، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ هَذا إذا أحَبَّ ذَلِكَ لِيَفْتَخِرَ عَلى صاحِبِهِ ويَسْتَهِينَهُ وإلّا فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ جَمِيلًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ (إلَيَّ) الجَمالُ وأُعْطِيتُ مِنهُ ما تَرى حَتّى ما أُحِبُّ أنْ يَفُوقَنِي أحَدٌ إمّا قالَ بِشِراكِ نَعْلٍ وإمّا قالَ بِشِسْعِ نَعْلٍ أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ؟ قالَ لا ولَكِنَّ الكِبْرَ مَن بَطَرَ الحَقَّ وغَمَطَ النّاسَ». ورَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبِرٍ. فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنًا. قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ»». واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ بِناءً عَلى عُمُومِ العُلُوِّ والفَسادِ فِيها عَلى تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ في النّارِ، وفي الكَشّافِ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، والتَزَمَ بَعْضُهم في الجَوابِ تَفْسِيرَ العُلُوِّ والفَسادِ بِما فَسَّرَهُما بِهِ الكَلْبِيُّ وآخَرُ أنَّ المُرادَ بِهِما ما يَكُونُ مِثْلَ العُلُوِّ والفَسادِ اللَّذَيْنِ كانا مِن فِرْعَوْنَ وقارُونَ. ورُدَّ بِأنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي التَّقْوى ولا يَكْفِي تَرْكُ العُلُوِّ والفَسادِ المُقَيَّدَيْنِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُتَّقِيَ هاهُنا هو المُتَّقِي مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وفَسادِ قارُونَ أوْ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَ فِرْعَوْنَ في الِاسْتِكْبارِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ امْتِثالِ أوامِرِهِ والِارْتِداعِ عَنْ زَواجِرِهِ ولَمْ يَكُنْ مِثْلَ قارُونَ في إرادَةِ الفَسادِ في الأرْضِ وإخْراجِ كُلِّ شَيْءٍ مِن كَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ لا سِيَّما نَفْسَهُ فَإنَّ غايَةَ إفْسادِها الِامْتِناعُ مِن عِبادَةِ رَبِّها لِأنَّها خُلِقَتْ لِلْعِبادَةِ فَإذا امْتَنَعَ عَنْها خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِها مُنْتَفِعًا بِها ولَيْسَ مَعْنى المُتَّقِي إلّا ذَلِكَ. وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الأوَّلَ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ والثّانِي هو الَّذِي يَسْعى لَهُ المُعْتَزِلِيُّ، وقالَ الفاضِلُ الخَفاجِيُّ: إمّا أنْ يُرادَ بِالعاقِبَةِ المَحْمُودَةِ عَلى وجْهِ الكَمالِ أوْ يُرادُ بِالمُتَّقِي المُتَّقِي ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ حالِ قارُونَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ غَيْرَ الكُفّارِ لا يَخْلُدُ في النّارِ فَلا وجْهَ لِلْقَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّخْصِيصِ وهو مَمْنُوعٌ، وقالَ بَعْضٌ في الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ العُمُومِ في عُلُوًّا وفَسادًا: إنَّ المُرادَ مِن جَعْلِ الجَنَّةِ لِلَّذِينِ لا يُرِيدُونَ شَيْئًا مِنهُما تَمْكِينُهم مِنها أتَمَّ تَمْكِينٍ نَحْوَ قَوْلِكَ: جَعَلَ السُّلْطانُ بَلَدَ كَذا لِفُلانٍ وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَدْخُلَها غَيْرُهم مِن مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ ويَكُونُ فِيها بِمَنزِلَةٍ دُونَ مَنزِلَتِهِمْ، ولَعَلَّهُ إنَّما دَخَلَها بِشَفاعَةِ بَعْضٍ مِنهُمْ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ جَعْلَها لَهم بِاعْتِبارِ أنَّهم أهْلُها الأوَّلُونَ ومُلُوكُها السّابِقُونَ وغَيْرُهم إنَّما يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ويَنْزِلُ بِهِمْ ويُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ نَحْوَ ما مَرَّ آنِفًا عَنِ الخَفاجِيِّ. بَقِيَ في الآيَةِ كَلامٌ آخَرُ، وهو أنْ بَعْضَهُمُ اسْتَدَلَّ بِها عَلى عَدَمِ وُجُودِ الجَنَّةِ اليَوْمَ بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ﴾ إلَخْ نَخْلُقُها في المُسْتَقْبَلِ لِأجْلِهِمْ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ﴾ إلَخْ فَيَصِيرُ المَعْنى نَجْعَلُها كائِنَةً وحاصِلَةً لَهم في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ جَعْلَها كائِنَةً لَهم غَيْرُ حاصِلٍ الآنَ لا جَعْلُها نَفْسِها صفحة 127 وهُوَ مَحَلُّ النِّزاعِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِن جَعْلِ الدّارِ كائِنَةً لِزَيْدٍ تَمْكِينُهُ وعَدَمُ مَنعِهِ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها سَواءٌ حَصَلَ لَهُ التَّمَكُّنُ فِيها أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَمَعْنى ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ تَمَكُّنُهم في الِاسْتِقْبالِ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها، ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ لِأنَّ التَّمْكِينَ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها لازِمٌ لِوُجُودِها غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَفْسُ الجَنَّةِ الآنَ ويَكُونُ جَعَلَها كائِنَةً لَهم في الِاسْتِقْبالِ، وحَمَلَ الجَعْلَ عَلى التَّمَكُّنِ بِالفِعْلِ والتَّمْكِينِ مِنَ التَّمَكُّنِ وإنْ كانَ لازِمًا لِوُجُودِ الجَنَّةِ لَكِنَّ التَّمَكُّنَ فِيها بِالفِعْلِ غَيْرُ لازِمٍ بَلْ يَكُونُ فِيما سَيَجِيءُ عُدُولٌ عَنِ المُتَبادَرِ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِن قَوْلِكَ: جَعْلُكَ الدّارَ لِزَيْدٍ تَمْكِينُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها لا جُعِلَ زَيْدٌ مُتَمَكِّنًا فِيها بِالفِعْلِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ

القصص 28:84

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ بِمُقابَلَتِها ﴿خَيْرٌ مِنها﴾ ذاتًا ووَصْفًا وقَدْرًا عَلى ما قِيلَ، وجَوَّزَ كَوْنَ (خَيْرٌ) واحِدَ الخُيُورِ ولَيْسَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ (ومِن) سَبَبِيَّةٌ أيْ فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ وضَعَ فِيهِ المَوْصُولَ والظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَهْجِينِ حالِ المُسِيئِينَ بِتَكْرِيرِ إسْنادِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ، وفي جَمْعِ السَّيِّئاتِ دُونَ الحَسَنَةِ قِيلَ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ المُحْسِنِينَ وكَثْرَةِ المُسِيئِينَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ ضَمَّ السَّيِّئَةِ إلى السَّيِّئَةِ لا يَزِيدُ جَزاءَها بَلْ جَزاؤُها إذا انْفَرَدَتْ مِثْلُ جَزائِها إذا انْضَمَّ إلَيْها غَيْرُها وأنَّ عَدَمَ ضَمِّ الحَسَنَةِ إلى الحَسَنَةِ لا يُؤَثِّرُ في مُقابَلَتِها بِما هو خَيْرٌ مِنها، ولَعَلَّ قِلَّةَ المُحْسِنِينَ تُفْهَمُ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ في (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وكَثْرَةُ المُسِيئِينَ تُفْهَمُ مِنِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ فِيها إذِ المَوْصُولُ قائِمٌ مَقامَ ضَمِيرِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المِثْلُ وأُقِيمَ مَقامَهُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مُبالَغَةً في المُماثَلَةِ، وهَذا لُطْفٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إذْ ضاعَفَ الحَسَنَةَ ولَمْ يَرْضَ بِزِيادَةِ جَزاءِ السَّيِّئَةِ مِقْدارَ ذَرَّةٍ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ المُضافِ فَإنَّ أعْمالَهم أنْفُسَها تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وفي ذِكْرِ عَمِلُوا ثانِيًا دُونَ جاؤُوا إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُجْزَوْنَ عَلَيْهِ ما كانَ عَنْ قَصْدٍ لِأنَّ العَمَلَ يَخُصُّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ [الكَهْفِ : 9] الآيَةَ أنَّ في التَّعْبِيرِ بِـ جاءَ دُونَ عَمِلَ بِأنْ يُقالَ: مَن عَمِلَ الحَسَنَةَ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن عَمِلَ السَّيِّئَةَ إلَخْ دَلالَةً عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ أيْ والعِقابُ مُسْتَفادٌ مِنَ الخاتِمَةِ لا مِن أوَّلِ العَمَلِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ مَضى عُمْرُهُ في الكُفْرِ ثُمَّ أسْلَمَ في آخِرِ الأمْرِ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ وبِالضِّدِّ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِـ عَمِلُوا ثانِيًا تَتَأتّى عَلَيْهِ أيْضًا. وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُجْزى﴾ إلَخْ دُونَ فَلِلَّذِينِ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أوْ فَما لِلَّذِينِ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ العَفْوُ عَنِ العِقابِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ ما أكْثَرَ أسْرارَهُ، واسْتَشْكَلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ مِثْلُها بِأنَّ مَن كَفَرَ فَماتَ عَلى الكُفْرِ يُعَذَّبُ عَذابَ الأبَدِ، وأيْنَ هو مِن كُفْرِ ساعَةٍ؟ وأُجِيبُ بِأنَّ أمْرَ المُماثَلَةِ مَجْهُولٌ لَنا لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ لِلْأفْعالِ، وقُصارى ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ ذَنْبٍ جَزاءً أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ مُماثِلٌ لَهُ، وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ جَزاءَ الكُفْرِ عَذابُ الأبَدِ فَنُؤْمِنُ بِهِ وبِأنَّهُ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وما عَلَيْنا إذا لَمْ نَعْلَمْ جِهَةَ المُماثَلَةِ ووَجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ، وكَذا يُقالُ في الذُّنُوبِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ تَعالى لَها حُدُودًا في الدُّنْيا كالزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ وقَذْفِ المُحْصَنِ وحُدُودَها الَّتِي شَرَعَها جَلَّ شَأْنُهُ لَها صفحة 128 فَإنّا لا نَعْلَمُ وجْهَ تَخْصِيصِ كُلِّ ذَنْبٍ مِنها بِحَدٍّ مَخْصُوصٍ مِن تِلْكَ الحُدُودِ المُخْتَلِفَةِ لَكِنّا نُجْزِمُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنِ الحِكْمَةِ، وأجابَ الإمامُ عَنْ مَسْألَةِ الكُفْرِ وعَذابِ الأبَدِ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ كانَ عازِمًا أنَّهُ لَوْ عاشَ إلى الأبَدِ لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، وقِيلَ: في وجْهِ تَعْذِيبِ الكافِرِ أبَدَ الآبادِ إنَّ جَزاءَ المَعْصِيَةِ يَتَفاوَتُ حَسَبَ تَفاوُتِ عَظَمَةِ المَعْصِيِّ فَكُلَّما كانَ المَعْصِيُّ أعْظَمَ كانَ الجَزاءُ أعْظَمَ، فَحَيْثُ كانَ الكُفْرُ مَعْصِيَةَ مَن لا تَتَناهى عَظَمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ كانَ جَزاؤُهُ غَيْرَ مُتَناهٍ، وقِياسُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ جَزاءُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِيما عَدا الكُفْرَ فَضْلًا مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ لِمَكانِ الإيمانِ، وقِيلَ أيْضًا: إنْ كُلَّ كُفْرٍ قَوْلًا كانَ أوْ فِعْلًا يَعُودُ إلى نِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ المُنافِي لِوُجُوبِ الوُجُودِ المُقْتَضِي لِوُجُودِهِ سُبْحانَهُ أزَلًا وأبَدًا وإذا تُوُهِّمَ هُناكَ زَمانٌ مُمْتَدٌّ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فَحَيْثُ كانَ الكُفْرُ مُسْتَلْزِمًا نَفْيَ وُجُودِهِ تَعالى شَأْنُهُ فِيما لا يَتَناهى كانَ جَزاؤُهُ غَيْرَ مُتَناهٍ ولا كَذَلِكَ سائِرُ المَعاصِي فَتَدَبَّرْ.

القصص 28:85

﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ أيْ أوْجَبَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِهِ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وعَنْ مُجاهِدٍ أيْ أعْطاكَهُ، وعَنْ مُقاتِلٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ أيْ أنْزَلَهُ عَلَيْكَ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ أيْ إلى مَحَلٍّ عَظِيمِ القَدْرِ اعْتَدْتَ بِهِ وألِفْتَهُ عَلى أنَّهُ مِنَ العادَةِ لا مِنَ العَوْدِ، وهو كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَكَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ العَوْدِ، والمُرادُ بِهِ مَكَّةُ أيْضًا بِناءً عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ القُتَيْبِيِّ أنَّ مَعادَ الرَّجُلِ بَلَدُهُ لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في البِلادِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: أطْلَقَ المَعادَ عَلى مَكَّةَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَعُودُ إلَيْها في كُلِّ سَنَةٍ لِمَكانِ البَيْتِ فِيها، وهَذا وعْدٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها، ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ بَعْدَ أنْ خَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا واشْتاقَ إلَيْها، ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما تَقَدَّمَها تَضَمُّنُها الوَعْدَ بِالعاقِبَةِ الحُسْنى في الدُّنْيا كَما تَضَمَّنَ ما قَبْلَها الوَعْدَ بِالعاقِبَةِ الحُسْنى في الآخِرَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ مَعَ قارُونَ وبَغْيِهِ واسْتِطالَتِهِ عَلَيْهِمْ وهَلاكِهِ ونُصْرَةِ أهْلِ الحَقِّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا ما يَتَضَمَّنُ قِصَّةَ سَيِّدِنا صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وأصْحابِهِ مَعَ قَوْمِهِ واسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ وإخْراجِهِمْ إيّاهُ مِن مَسْقَطِ رَأْسِهِ ثُمَّ إعْزازِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ وفَتْحِهِ إيّاها مَنصُورًا مُكَرَّمًا ووَسَّطَ سُبْحانَهُ بَيْنَهُما ما هو كالتَّخَلُّصِ مِنَ الأوَّلِ إلى الثّانِي. وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ (عَلِيٍّ كَرَّمَ) اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ فَسَّرَ المَعادَ بِالجَنَّةِ، وأخْرَجَ تَفْسِيرَهُ بِها ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتَّنْكِيرُ عَلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ أيْضًا، ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّصْرِيحِ بِبَعْضِ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ. واسْتَشْكَلَ رَدُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الجَنَّةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي سابِقِيَّةِ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ فِيها. صفحة 129 وأُجِيبُ بِالتِزامِ السّابِقِيَّةِ المَذْكُورَةِ ويَكْفِي فِيها كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها بِالقُوَّةِ إذْ كانَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ كانَ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا كانَ مُسْتَعِدًّا لَها مِن قَبْلُ كانَ كَأنَّهُ كانَ فِيها فالسّابِقِيَّةُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: 68] ولا يَخْفى ما في كِلا القَوْلَيْنِ مِنَ البُعْدِ، وقَرِيبٌ مِنهُما ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ، وقَدْ يُقالُ: إنْ تَفْسِيرَهُ بِالجَنَّةِ بَيانٌ لِبَعْضِ ما يُشْعِرُ بِهِ المَعادُ بِأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَحْشَرِ فَقَدْ صارَ كالحَقِيقَةِ فِيهِ لِأنَّهُ ابْتِداءُ العَوْدِ إلى الحَياةِ الَّتِي كانَ المَعادُ عَلَيْها وجَعْلُهُ عَظِيمًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْوِينُ لِعَظَمَةِ ما لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ ومِنهُ الجَنَّةُ، فالمَعادُ بِواسِطَةِ تَنْوِينِهِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ يُشْعِرُ بِالجَنَّةِ لِأنَّها الحاوِيَةُ مِمّا أُعِدَّ لَهُ ﷺ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وقَرِيبٌ مِن تَفْسِيرِهِ بِالمَحْشَرِ تَفْسِيرُهُ بِالآخِرَةِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وتَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ إلّا أنَّهُ عَلى ما ذُكِرَ اسْمُ زَمانٍ، وعَلى ما تَقَدَّمَ اسْمُ مَكانٍ. ومِمّا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الرَّدِّ إلى المَحْشَرِ أوِ الآخِرَةِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ما أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ لَهُ مَعادًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ويَتَخَرَّجُ عَلى نَحْوِ ما قُلْنا تَفْسِيرُهُ بِالمَقامِ المَحْمُودِ وهو مَقامُ الشَّفاعَةِ العُظْمى يَوْمَ القِيامَةِ. وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى رَواها عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ، ورَواها مَعَهُما عَنِ الحَبْرِ الفِرْيابِيِّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وكَوْنُهُ مَعادًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: 28] ولَعَلَّ تَعْظِيمَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بابٌ لِوُصُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ مِنَ المَقامِ المَحْمُودِ والمَنزِلَةِ العُلْيا في الجَنَّةِ إلى ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وجُلُّ المَقْصُودِ ما أشْعَرَ بِهِ التَّعْظِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ نُعَيْمٍ القارِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ. وكَأنَّ إطْلاقَ المَعادِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْرِيَ بِهِ إلَيْهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ، والوَعْدُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ وعْدٌ لَهُ بِالإسْراءِ إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ أرْضَهُ أرْضُ المَحْشَرِ فالمُرادُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ الرَّدُّ إلى المَحْشَرِ، وهَذا غايَةُ ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ. فَإنَّ قُبِلَ فَذاكَ وإلّا فالأمْرُ إلَيْكَ وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ورَواهُ الجَماعَةُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ مَكَّةُ. ورُبَّما يَخْطِرُ بِالبالِ أنْ يُرادَ بِالمَعادِ الأمْرُ المَحْبُوبُ بِنَوْعِ تَجَوُّزٍ ويُجْعَلُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ مَكَّةَ والجَنَّةَ وغَيْرَهُما مِمّا هو مَحْبُوبٌ لَدَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُرادُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الأمْرِ المَحْبُوبِ إيصالُهُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فالرَّدُّ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبْراهِيمَ: 9] وعَلَيْهِ يَهُونُ أمْرُ اخْتِلافِ الرِّواياتِ الَّتِي سَمِعْتَها في ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَعَثَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (ومَن) مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أعْلَمُ لا بِأعْلَمُ لِأنَّ أفْعَلُ لا يَنْصِبُ المَفْعُولَ بِهِ في المَشْهُورِ أيْ يَعْلَمُ مَن جاءَ إلَخْ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ صفحة 130 مَنصُوبًا بِـ أعْلَمُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى عالِمٍ، والمُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُجازِي كُلًّا مِمَّنْ جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ عَلى عَمَلِهِ، والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ إلَخْ. وفي مَعالِمِ التَّنْزِيلِ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لِما قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) إنَّكَ في ضَلالٍ، ولَعَلَّهُ لِهَذا وكَوْنُ السَّبَبِ فِيهِ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ بِالهُدى قِيلَ في جانِبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن جاءَ بِالهُدى وفي جانِبِهِمْ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ، ولَمْ يُؤْتَ بِهِما عَلى طَرْزٍ

القصص 28:86

﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ أيْضًا أيْ سَيَرُدُّكَ إلى مَعادٍ كَما أنْزَلَ إلَيْكَ القُرْآنَ العَظِيمَ الشَّأْنِ وما كُنْتَ تَرْجُوهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ والطَّبَرْسِيُّ: هو تَذْكِيرٌ لِنِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ ألْقاهُ تَعالى إلَيْكَ رَحْمَةً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِن أعَمِّ العِلَلِ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ الإلْقاءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَيَكُونُ المَعْنى ما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ لِأجْلِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ التَّرَحُّمِ أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ التَّرَحُّمِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ مُعِينًا لَهم عَلى دِينِهِمْ، قالَ مُقاتِلٌ: إنْ كُفّارَ مَكَّةَ دَعَوْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى دِينِ آبائِهِ فَذَكَّرَهُ اللَّهُ تَعالى نِعَمَهُ ونَهاهُ عَنْ مُظاهَرَتِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ

القصص 28:87

﴿ولا يَصُدُّنَّكَ﴾ أيِ الكافِرُونَ ﴿عَنْ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ قِراءَتِها والعَمَلِ بِها. ﴿بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ بَعْدَ وقْتِ إنْزالِها وإيحائِها إلَيْكَ المُقْتَضِي لِنَبُّوتِكَ ومَزِيدِ شَرَفِكَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ «يَصُدُّنْكَ» بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وقُرِئَ «يُصِدُّنَّكَ» مُضارِعَ أصَدَّ بِمَعْنى (صَدَّ) حَكاهُ أبُو زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ قالَ: وهي لُغَةُ قَوْمِهِ وقالَ الشّاعِرُ: أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهم صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ (وادْعُ) النّاسَ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ إلى عِبادَتِهِ جَلَّ وعَلا وتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِمُظاهَرَتِهِمْ

القصص 28:88

﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أيْ ولا تَعْبُدْ مَعَهُ تَعالى غَيْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا وما قَبْلَهُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ وقَطْعِ أطْماعِ المُشْرِكِينَ عَنْ مُساعَدَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم وإظْهارِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في القُبْحِ والشَّرْيَةِ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ مِنهُ أصْلًا، ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: الخِطابُ في الظّاهِرِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهِ أهْلُ دِينِهِ وهو في مَعْنى ما حَكى عَنْهُ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِن بابِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. لا ﴿إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ أيُّ مَوْجُودٍ مُطْلَقًا ﴿هالِكٌ﴾ أيْ مَعْدُومٌ مَحْضٌ، والمُرادُ كَوْنُهُ كالمَعْدُومِ وفي حُكْمِهِ ﴿إلا وجْهَهُ﴾ أيْ إلّا ذاتَهُ عَزَّ وجَلَّ وذَلِكَ لِأنَّ وُجُودَ ما سِواهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ ذاتِيًّا بَلْ هو مُسْتَنِدٌ إلى الواجِبِ تَعالى في كُلِّ آنٍ قابِلٌ لِلْعَدَمِ وعُرْضَةٌ لَهُ فَهو كَلا وُجُودٍ وهَذا ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ مَجازٌ مُرْسَلٌ وهو مَجازٌ شائِعٌ وقَدْ يَخْتَصُّ بِما شَرُفَ مِنَ الذَّواتِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ هُنا، ويَجْعَلُ نُكْتَةً لِلْعُدُولِ عَنْ إلّا إيّاهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ. وفِي الآيَةِ بِناءً عَلى ما هو الأصْلُ مِنِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا. صفحة 131 وقَرِيبٌ مِن هَذا ما قِيلَ: المَعْنى كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ المَوْجُودُ مَعْدُومٌ في حَدِّ ذاتِهِ إلّا ذاتَهُ تَعالى، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ إلّا أنَّ المُرادَ ذاتُ الشَّيْءِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ سُبْحانَهُ نَظِيرُ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: 116] مِن أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الثّانِي نَفْسُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، والمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ قابِلٌ لِلْهَلاكِ والعَدَمِ إلّا الذّاتَ مِن حَيْثُ اسْتِقْبالُها لِرَبِّها ووُقُوفُها في مِحْرابِ قُرْبِها فَإنَّها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لا تَقْبَلُ العَدَمَ، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الجِهَةِ الَّتِي تُقْصَدُ ويُتَوَجَّهُ إلَيْها، والمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ مَعْدُومٌ في حَدِّ ذاتِهِ إلّا الجِهَةَ المَنسُوبَةَ إلَيْهِ تَعالى وهو الوُجُودُ الَّذِي صارَ بِهِ مَوْجُودًا، وحاصِلُهُ أنَّ كُلَّ جِهاتِ المَوْجُودِ مِن ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأحْوالِهِ هالِكَةٌ مَعْدُومَةٌ في حَدِّ ذاتِها إلّا الوُجُودَ الَّذِي هو النُّورُ الإلَهِيُّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ضَمِيرَ وجْهِهِ لِلشَّيْءِ وفَسَّرَ الشَّيْءَ بِالمَوْجُودِ بِمَعْنى ما لَهُ نِسْبَةٌ إلى حَضْرَةِ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ القائِمِ بِذاتِهِ وهو عَيْنُ الواجِبِ سُبْحانَهُ، وفَسَّرَ الوَجْهَ بِهَذا الوُجُودِ لِأنَّ المَوْجُودَ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ ويُنْسَبُ، والمَعْنى كُلُّ مَنسُوبٍ إلى الوُجُودِ مَعْدُومٌ إلّا وجْهَهُ الَّذِي قَصَدَهُ وتَوَجَّهَ إلَيْهِ وهو الوُجُودُ الحَقِيقِيُّ القائِمُ بِذاتِهِ الَّذِي هو عَيْنُ الواجِبِ جَلَّ وعَلا، ولا يَخْفى الغَثُّ والسَّمِينُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وعَلَيْها كُلُّها يَدْخُلُ العَرْشُ والكُرْسِيُّ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، ونَحْوُ ذَلِكَ في العُمُومِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ بِالهَلاكِ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ المَقْصُودِ مِنهُ إمّا بِتَفَرُّقِ أجْزائِهِ أوْ نَحْوِهِ، والمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ سَيَهْلَكُ ويَخْرُجُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ المَقْصُودِ مِنهُ إلّا ذاتَهُ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِالشَّيْءِ المَوْجُودِ المُطْلَقَ لا المَوْجُودَ وقْتَ النُّزُولِ فَقَطْ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى قَوْلِنا: كُلُّ مَوْجُودٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ سَيَهْلَكُ بَعْدَ وُجُودِهِ إلّا ذاتَهُ تَعالى، فَيَدُلُّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى هَلاكِ العَرْشِ والجَنَّةِ والنّارِ والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَدَمُ هَلاكِ الأخِيرَيْنِ. وجاءَ في الخَبَرِ «أنَّ الجَنَّةَ سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ،» ولِهَذا اعْتُرِضَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القائِلِينَ بِوُجُودِ الجَنَّةِ والنّارِ الآنَ والمُنْكِرِينَ لَهُ القائِلِينَ بِأنَّهُما سَيُوجَدانِ يَوْمَ الجَزاءِ ويَسْتَمِرّانِ أبَدَ الآبادِ، واخْتَلَفُوا في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ كُلًّا لَيْسَتْ لِلْإحاطَةِ بَلْ لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِكَ: كُلُّ النّاسِ جاءَ إلّا زَيْدًا إذا جاءَ أكْثَرُهم دُونَ زَيْدٍ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ والعَرْشَ والجَنَّةَ والنّارَ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالهَلاكِ المَوْتُ والعُمُومُ بِاعْتِبارِ الأحْياءِ المَوْجُودِينَ في الدُّنْيا، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ إلّا وجْهَهُ. وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ) [آلِ عِمْرانَ: 185، الأنْبِياءِ: 35، العَنْكَبُوتِ: 57] قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما بالُ المَلائِكَةِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾» فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ فَناءَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وسائِرِ عالَمِ اللَّهِ تَعالى وبَرِّيَّتِهِ مِنَ الطَّيْرِ والوُحُوشِ والسِّباعِ والأنْعامِ وكُلِّ ذِي رُوحٍ أنَّهُ هالِكٌ مَيِّتٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالحَيِّ المَوْجُودِ في الدُّنْيا لا بُدَّ لَهُ مِن قَرِينَةٍ فَإنِ اعْتُبِرَ كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالهَلاكِ حَيْثُ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في المَوْتِ وهو إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا قَرِينَةً فَذاكَ وإلّا فَهو كَما تَرى، ومِنَ النّاسِ مَنِ التَزَمَ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ العُمُومِ مِن أنَّهُ كُلُّ ما يُوجَدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في الدُّنْيا والأُخْرى يَصِيرُ هالِكًا بَعْدَ وُجُودِهِ بِناءً عَلى تَجَدُّدِ الجَواهِرِ وعَدَمِ بَقاءِ شَيْءٍ مِنها زَمانَيْنِ كالإعْراضِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، ولا يَخْفى بُطْلانُهُ، وإنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُ أكابِرِ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم. صفحة 132 وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: وجْهُهُ تَعالى العَمَلُ الصّالِحُ الَّذِي تُوُجِّهَ بِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقِيلَ: في تَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ إنَّ العَمَلَ المَذْكُورَ قَدْ كانَ في حَيِّزِ العَدَمِ فَلَمّا فَعَلَهُ العَبْدُ مُمْتَثِلًا أمْرَهُ تَعالى أبْقاهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ إلى أنْ يُجازِيَهُ عَلَيْهِ أوْ أنَّهُ بِالقَبُولِ صارَ غَيْرَ قابِلٍ لِلْفَناءِ لِما أنَّ الجَزاءَ عَلَيْهِ قامَ مَقامَهُ وهو باقٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ارْتَضى نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ المَعْنى كُلُّ شَيْءٍ مِن أعْمالِ العِبادِ هالِكٌ وباطِلٌ إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ تَعالى، وزَعَمَ الخَفاجِيُّ أنَّ هَذا كَلامٌ ظاهِرِيٌّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالوَجْهِ جاهُهُ تَعالى الَّذِي جَعَلَهُ في النّاسِ وهو كَما تَرى لا وجْهَ لَهُ، والسَّلَفُ يَقُولُونَ: الوَجْهُ صِفَةٌ نُثْبِتُها لِلَّهِ تَعالى ولا نَشْتَغِلُ بِكَيْفِيَّتِها ولا بِتَأْوِيلِها بَعْدَ تَنْزِيهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الجارِحَةِ ﴿لَهُ الحُكْمُ﴾ أيِ القَضاءُ النّافِذُ في الخَلْقِ ﴿وإلَيْهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ بِالحَقِّ والعَدْلِ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى ورُجُوعُ العِبادِ إلَيْهِ تَعالى عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ أهْلِ الوَحْدَةِ بِمَعْنى ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ إلَيْهِ لِلْحُكْمِ، وقَرَأ عِيسى «تَرْجِعُونَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، هَذا والكَلامُ مِن بابِ الإشارَةِ في آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أكْثَرُهُ فِيما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن بابِ تَطْبِيقِ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ ولَعَلَّهُ يُعْلَمُ بِأدْنى تَأمُّلٍ فِيما مَرَّ بِنا في نَظائِرِها فَتَأمَّلْ واللَّهِ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ وهو جَلَّ وعَلا حَسَبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.

العنكبوت 29:1

سُورَةُ العَنْكَبُوتِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، ورُوِيَ القَوْلُ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَنِ الحَسَنِ وجابِرٍ وعِكْرِمَةَ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. وفي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 11] وذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ولَمْ يَعْزُهُ، وأنَّهُ لَمّا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في سَبَبِ نُزُولِها ثُمَّ قالَ: قُلْتُ ويُضَمُّ إلى ذَلِكَ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 60] الآيَةَ لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في سَبَبِ نُزُولِها وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِالإجْماعِ كَما قالَ الدّانِيُّ والطَّبَرْسِيُّ، وذَكَرَ الجَلالُ في وجْهِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ السّابِقَةِ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ ﴿عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [القَصَصِ: 4] وافْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكَفّارُ وعَذَّبُوهم عَلى الإيمانِ بِعَذابٍ دُونَ ما عَذَّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ بَنِي إسْرائِيلَ بِكَثِيرٍ تَسْلِيَةً لَهم بِما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم وحَثًّا عَلى الصَّبْرِ، ولِذا قِيلَ هُنا: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 3] وأيْضًا لِما كانَ في خاتِمَةِ الأُولى الإشارَةُ إلى هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القَصَصِ: 85] عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، وفي خاتِمَةِ هَذِهِ الإشارَةِ إلى هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 56] ناسَبَ تَتالِيَهُما. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ ولَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُهم هُنا ارْتِباطَ ما بَعْدَهُ بِهِ ارْتِباطًا أعْرابِيًّا لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مانِعٌ مِنهُ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ في الِاسْتِفْهامِ تَصَدُّرُهُ في جُمْلَتِهِ وهو لا يُنافِي وُقُوعَ صفحة 133 تِلْكَ الجُمْلَةِ خَبَرًا ونَحْوَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ هَلْ قامَ أبُوهُ؟ فَلَوْ قِيلَ هُنا المَعْنى المَتْلُوُّ

العنكبوت 29:2

﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ صَحَّ فَلا يُقالُ أيْضًا إنَّ المانِعَ مِنهُ عَدَمُ صِحَّةِ ارْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ مَعْنًى. نَعَمِ الِارْتِباطُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَضامِينِ الجُمَلِ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى وجْهِ ثُبُوتِها في الذِّهْنِ أوْ في الخارِجِ مِن كَوْنِها مَظْنُونَةً أوْ مُتَيَقِّنَةً فَتَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ أوْ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُما وقَدْ سَدَّ مَسَدَّهُما هُنا عَلى ما قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ وسَدَّ أنِ المَصْدَرِيَّةُ النّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ مَعَ مَدْخُولِها مَسَدَّ الجُزْأيْنِ مِمّا قالَهُ ابْنُ مالِكٍ، ونَقَلَهُ عَنْهُ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في أنَّ المَفْتُوحَةِ مُشَدَّدَةً ومُثَقَّلَةً مَعَ مَدْخُولِها، والتَّرْكُ هُنا عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: 17] وقَوْلِ الشّاعِرِ: فَتَرَكَتْهُ جُزُرُ السِّباعِ يَنُشُّنَّهُ يَقْضِمْنَ قِلَّةَ رَأْسِهِ والمِعْصَمِ فَضَمِيرُ الجَمْعِ نائِبُ مَفْعُولٍ أوَّلَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَتْرُوكٌ بِدَلالَةِ الحالِ الآتِيَةِ أيْ كَما هم أوْ عَلى ما هم عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا﴾ [التَّوْبَةِ: 16] عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ بِمَعْنى لِأنْ يَقُولُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ يَتْرُكُوا عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَتْرُكُوا، ويَجُوزَ أنْ لا يُعْتَبَرَ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِيَ لِيَتْرُكُوا مَتْرُوكًا بَلْ تُجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ سادَّةً مَسَدَّهُ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: عَلِمْتُ ضَرْبِي زَيْدًا قائِمًا صَحَّ، عَلى أنَّ تَرْكَ لَيْسَ كَأفْعالِ القُلُوبِ في جَمِيعِ الأحْكامِ، بَلِ القِياسُ أنْ يَجُوزَ الِاكْتِفاءُ فِيهِ بِالحالِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ الثّانِي لِأنَّ قَوْلَكَ: تَرَكَتْهُ وهو جَزْرَ السِّباعِ كَلامٌ صَحِيحٌ كَما تَقُولُ أبْقَيْتُهُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وهو نَظِيرُ سَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ في أنَّهُ يَتِمُّ بِالحالِ بَعْدَهُ أوِ الوَصْفُ، وهاهُنا زادَ أنَّهُ يَتِمُّ أيْضًا بِما يَجْرِي مَجْرى الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَفْعُولَ الثّانِيَ لا سادَّةً مَسَدَّهُ وتَوَسُّطُ الواوِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: وصَيَّرَنِي هَواكِ وبِي ∗∗∗ لِحِينِي يُضْرَبُ المَثَلُ وقَدْ نَصَّ شارِحُ أبْياتِ المُفَصَّلِ عَلى أنَّهُ حُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ كانَ زَيْدٌ وأبُوهُ قائِمٌ عَلى نُقْصانِ كانَ وجَعْلِ الجُمْلَةِ خَبَرًا مَعَ الواوِ تَشْبِيهًا لِخَبَرِ كانَ بِالحالِ فَمَتى جازَ في الخَبَرِ عِنْدَهُ فَلْيَجُزْ في المَفْعُولِ الثّانِي وهو كَما نَرى، واسْتَظْهَرَ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ التَّرْكِ هُنا مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى التَّخْلِيَةِ ولَيْسَ بِذاكَ وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ بَدَلًا مِن أنْ يُتْرَكُوا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ هو المَفْعُولَ الأوَّلَ لِـ حَسِبَ ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ الضَّمِيرِ و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وكَوْنُهَ عِلَّةً لا يُنافِي ذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: حَسِبْتُ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ، والتَّقْدِيرُ أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ: آمَنّا، والمَفْعُولُ الثّانِيُ لِيُتْرَكُوا مَتْرُوكٌ بِدَلالَةِ الحالِ، واعْتَرَضَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِما حاصِلُهُ أنَّ الحُسْبانَ لِتَعَلُّقِهِ بِمَضامِينِ الجُمَلِ إذا أنْكَرَ يَكُونُ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ الثّانِي فَإذا قُلْتَ: أحَسِبْتَهُ قائِمًا فالمُنْكَرُ حُسْبانُ قِيامِهِ وكَذَلِكَ إذا قِيلَ: أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا أفادَ إنْكارَ حُسْبانِ أنَّ التَّرْكَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِهَذِهِ العِلَّةِ بَلْ إنَّما هو لِعِلَّةٍ أُخْرى ولا يُلائِمُ سَبَبَ النُّزُولِ ولا مَقْصُودَ الآيَةِ. واخْتارَ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لِلْحُسْبانِ أيْ أحَسِبُوا لِقَوْلِهِمْ آمَنّا صفحة 134 أنْ يُتْرَكُوا غَيْرَ مَفْتُونِينَ، وأُجِيبُ بِأنَّ أصْلَ الكَلامِ ألّا يُفْتَنُونَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِعَدَمِ الفِتَنِ، ثُمَّ قِيلَ: أيُتْرَكُونَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا مُبالَغَةً في إنْكارِ أنْ يَبْقَوْا مِن غَيْرِ فِتَنٍ لِذَلِكَ ثُمَّ أدْخَلَ عَلى حُسْبانِ التَّرْكِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وإنَّما يُرَدُّ ما أوْرَدَ إذا لَمْ يُلاحِظْ أصْلَ الكَلامِ ويَجْعَلْ مَصَبَّ الإنْكارِ الحُسْبانَ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وقِيلَ: إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: آمَنّا دُونَ إخْلاصٍ وعَمَلٍ صالِحٍ أمّا لَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ اسْتَقامَ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّجّاجُ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن حَيْثُ اللَّفْظُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها بِثانِي مَفْعُولَيْ حَسِبَ وهو أجْنَبِيٌّ وأُجِيبُ بِأنَّ الفَصْلَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بَلِ الأحْسَنُ أنْ لا يَقَعَ فَصْلٌ إلّا إذا اعْتَرَضَ ما يُوجِبُهُ، وهاهُنا الِاهْتِمامُ بِشَأْنِ الخَبَرِ حَسَنُ التَّقْدِيمِ لِأنَّ مَصَبَّ الإنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى مِثْلِ هَذا الجَوابِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن جَعْلِ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا أوَّلًا و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ أيْضًا مَجْرُورٍ بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّهُما لَمْ يُجْعَلا كَذَلِكَ وإنَّما جُعِلَ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ مَعْمُولًا لِيَتْرُكُوا بِتَقْدِيرِ اللّامِ وجُعِلَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ واقْتَضى المَعْنى أنْ يُقالَ أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا بِجَعْلِ تَرْكِهِمْ مَفْعُولًا أوَّلًا ولِقَوْلِهِمْ مَفْعُولًا ثانِيًا فَلا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِأنَّهُ إنْ جَرَيْنا مَعَ اللَّفْظِ كانَ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ فَلا يَكُونُ فِيهِ مَفْعُولٌ ثانٍ فاصِلٌ بَيْنَ الحالِ وذِيها وإنْ جَرَيْنا مَعَ المَعْنى واعْتَبَرْنا الكَلامَ مُجَرَّدًا عَنْ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وجِيءَ بِهِ كَما سَمِعْتَ كانَتِ الحالُ مُتَّصِلَةً بِذِيها، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ حَسِبَ مَحْذُوفًا أيْ أحَسِبَ النّاسُ أنْفُسُهم و﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى أنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وهو في تَأْوِيلِ اسْمِ المَفْعُولِ أيْ مَتْرُوكِينَ وهم لا يُفْتَنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ وأنْ يُؤْمِنُوا بِتَقْدِيرِ لِأنْ يُؤْمِنُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ يُتْرَكُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحَسِبَ النّاسُ أنْفُسَهم مَتْرُوكِينَ غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا، وقِيلَ: إنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ سَدِّ ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ فَتَأمَّلْ فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ، ولَعَلَّ الأبْعَدَ عَنِ التَّكَلُّفِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، والمُرادُ إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنْ يُتْرَكُوا غَيْرَ مَفْتُونِينَ بِمُجَرَّدِ أنْ يَقُولُوا آمَنّا واسْتِبْعادٌ لَهُ وتَحْقِيقُ أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم بِمَشاقِّ التَّكالِيفِ كالمُهاجَرَةِ والمُجاهَدَةِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ ووَظائِفِ الطّاعاتِ وفُنُونِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والرّاسِخُ في الدِّينِ مِنَ المُتَزَلْزِلِ فِيهِ فَيُعامَلُ كُلٌّ بِما يَقْتَضِيهِ ويُجازِيهِمْ سُبْحانَهُ بِحَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عَنْ خُلُوصٍ لا يَقْتَضِي غَيْرَ الخَلاصِ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ أثابَ المُؤْمِنَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَفْتِنَهُ في الدُّنْيا لَقالَ الكافِرُ المُعَذَّبُ: رَبِّي لَوْ أنَّكَ كُنْتَ فَتَنْتَهُ في الدُّنْيا لَكَفَرَ مِثْلِي فَإيمانُهُ الَّذِي تُثِيبُهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ لَهُ فَبِالفِتْنَةِ يُلْجَمُ الكافِرُ عَنْ مِثْلِ هَذا القَوْلِ ويُعَوَّضُ المُؤْمِنُ بَدَلَها ما يُعَوَّضُ بِحَيْثُ يَتَمَنّى لَوْ كانَتْ فِتْنَتُهُ أعْظَمَ مِمّا كانَتْ والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَزَلَتْ في أُناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارٌ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنْزَلَتْ فِيكم آيَةُ كَذا وكَذا؟ فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قاتَلْناهُ فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم صفحة 135 فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: 110]. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَيْرٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: كانَ أبُو جَهْلٍ يُعَذِّبُ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ وأُمَّهُ ويَجْعَلُ عَلى عَمّارٍ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ في اليَوْمِ الصّائِفِ وطَعَنَ في فَرْجِ أُمِّهِ بِرُمْحٍ فَفي ذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مَهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قُتِلَ بِبَدْرٍ فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ «وقالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سَيِّدُ الشُّهَداءِ مَهْجَعٌ وهو أوَّلُ مَن يُدْعى إلى بابِ الجَنَّةِ»،» وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَيّاشٍ أخِي أبِي جَهْلٍ غَدَرَ وعَذَّبَ لِيَرْتَدَّ كَما سَيَأْتِي خَبَرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفُسِّرَ النّاسُ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ: النّاسُ هُنا المُنافِقُونَ.

العنكبوت 29:3

﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ النّاسُ أوْ مِن ضَمِيرِ يُفْتَنُونَ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ عِلَّةً لِإنْكارِ الحُسْبانِ أيْ أحَسِبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى تَبْدِيلًا، وعَلى الثّانِي بَيانًا لِأنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِعَدَمِ الِافْتِنانِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ، وعَلى الثّانِي تَخْطِئَةٌ، والمُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصابَهم مِن ضُرُوبِ الفِتَنِ والمِحَنِ ما أصابَهم فَصَبَرُوا وعَضُّوا عَلى دِينِهِمْ بِالنَّواجِذِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: 146] الآياتِ. ورَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: ««شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لَنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فَقالَ: قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها ثُمَّ يُؤْتى بِالمِنشارِ فَيُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ ما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ في ذَلِكَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ ما قَبْلَها مِن وُقُوعِ الِامْتِحانِ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَكْرِيرُ الجَوابِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ويُتَوَهَّمُ مِنَ الآيَةِ حُدُوثُ عِلْمِهِ تَعالى بِالحَوادِثِ وهو باطِلٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ الحادِثَ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ تَعالى بِالمَعْدُومِ بَعْدَ حُدُوثِهِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الحَقُّ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى واحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِالمَوْجُودِ زَمانَ وُجُودِهِ وقَبْلَهُ وبَعْدَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ العِلْمِ هاهُنا وإنْ كانَ سابِقًا عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ التَّنْبِيهُ بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ وهو الجَزاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَواللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ بِما يُشْبِهُ الِامْتِحانَ والِاخْتِبارَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ والَّذِينَ هم كاذِبُونَ فِيهِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكَذِبِ فَلْيُجازِيَنَّ كُلًّا بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِ، وفي مَعْناهُ ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ مِن أنَّهُ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، والغَرَضُ فِيهِ لَيُكافِئَنَّ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيُكافِئَنَّ الكاذِبِينَ وذَلِكَ أنَّ المُكافَأةَ عَلى الشَّيْءِ إنَّما هي مُسَبَّبَةٌ عَنْ عِلْمٍ، وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: أيْ فَلْيُظْهِرَنَّ اللَّهُ تَعالى الصّادِقِينَ مِنَ الكاذِبِينَ حَتّى يُوجَدَ مَعْلُومًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِهِمْ قَبْلَ الِاخْتِبارِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «فَلَيُعْلِمَنَّ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ أعْلَمَ المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ وهي الَّتِي بِمَعْنى عَرَفَ فَيَكُونُ صفحة 136 الفِعْلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ والثّانِي هُنا مَحْذُوفٌ أيْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مَنازِلَهم مِنَ الثَّوابِ ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ مَنازِلَهم مِنَ العِقابِ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أوِ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ النّاسَ الَّذِينَ صَدَقُوا ولِيُعْلِمَنَّهُمُ الكاذِبِينَ أيْ يُشْهِدُهم هَؤُلاءِ في الخَيْرِ وهَؤُلاءِ في الشَّرِّ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ أيْضًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الأعْلامِ وهو وضْعُ العَلّامَةِ والسِّمَةِ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ أيْ يَسِمُهم بِعَلامَةٍ يُعْرَفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كَبَياضِ الوُجُوهِ وسَوادِها، وقِيلَ: يَسِمُهم سُبْحانَهُ بِعَلامَةٍ يُعْرَفُونَ بِها في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها»». وقَرَأ الزُّهْرِيُّ الفِعْلَ الأوَّلَ كَما قَرَأ الجَماعَةُ، والفِعْلُ الثّانِي كَما قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَعْفَرٌ والزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ

العنكبوت 29:4

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ يُعْجِزُونا فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم وأصْلُ السَّبْقِ الفَوْتُ، ثُمَّ أُرِيدَ مِنهُ ما ذُكِرَ وقِيلَ: أيْ يُعْجِلُونا مَحْتُومَ القَضاءِ، والأوَّلُ أوْلى. وفَسَّرَ قَتادَةُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ (السَّيِّئاتِ) بِالشِّرْكِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُتَّصِفِينَ بِهِ وإطْلاقِ العَمَلِ عَلى الشِّرْكِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ ما كانَ عَنْ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ كَما قِيلَ: أوْ عَنْ قَصْدٍ كَما قالَ الرّاغِبُ: أمْ لا لا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئاتِ المَعاصِي غَيْرَ الكُفْرِ فالآيَةُ في المُؤْمِنِينَ قَطْعًا، وهم وإنْ لَمْ يَحْسَبُوا أنْ يُفَوِّتُوهُ تَعالى ولَمْ تَطْمَعْ نُفُوسُهم في ذَلِكَ لَكِنْ نَزَلَ جَرْيُهم عَلى غَيْرِ مُوجِبِ العِلْمِ وهو غَفْلَتُهم وإصْرارُهم عَلى المَعاصِي مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَتَيَقَّنِ الجَزاءَ، ويَحْسَبُ أنَّهُ يَفُوتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وعَمَّمَ بَعْضُهم فَحَمَلَ السَّيِّئاتِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَعْلِيقُ العَمَلِ بِها بِناءً عَلى تَسْلِيمِ تَخْصِيصِهِ بِما سَمِعْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكَفَرَةِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلٍ والأُسُودَ والعاصِيَ بْنَ هِشامٍ وشَيْبَةَ وعَتَبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وعُتْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وحَنْظَلَةَ بْنَ وائِلٍ وأنْظارَهم مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وفي البَحْرِ أنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ مَن يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ مِن كافِرٍ ومُسْلِمٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلِ الَّتِي لِلْإضْرابِ بِمَعْنى الِانْتِقالِ وهو انْتِقالٌ مِن إنْكارِ حُسْبانِ عَدَمِ الفِتَنِ لِمُجَرَّدِ الإيمانِ إلى إنْكارِ حُسْبانِ عَدَمِ المُجازاةِ عَلى عَمَلِ السَّيِّئاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أمْ) مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحَسِبَ﴾ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ نِقْماتِ اللَّهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ انْتَهى. ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ لَكانَتْ مُتَّصِلَةً والتّالِي باطِلٌ لَأنَّ شَرْطَ المُتَّصِلَةِ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا نَحْوَ أزَيْدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو أوْ ما هو في تَقْدِيرِ المُفْرَدِ نَحْوَ أقامَ زَيْدٌ أمْ قَعَدَ وجَوابُها تَعْيِينُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ وبَعْدَها هُنا جُمْلَةٌ ولا يُمْكِنُ الجَوابُ هُنا أيْضًا بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ فالحَقُّ أنَّها مُنْقَطِعَةٌ والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ إنْكارِيٌّ لا يَحْتاجُ لِلْجَوابِ كَما لا يَخْفى، والظّاهِرُ أنَّ الحُسْبانَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ وأنْ ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ سادٌّ مَسَدَّهُما. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أنْ يَضْمَنَ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ وأنْ يَسْبِقُونا هو ذَلِكَ الواحِدُ، صفحة 137 وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ بِقِياسٍ ولا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ وهُنا لا حاجَةَ إلَيْهِ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ وما مَوْصُولَةٌ (ويَحْكُمُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهي فاعِلُ ساءَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أوْ بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ما مَوْصُوفَةٌ ويَحْكُمُونَ صِفَتُها والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وهي تَمْيِيزٌ وفاعِلُ ساءَ ضَمِيرٌ مُفَسَّرٌ بِالتَّمْيِيزِ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْضًا. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ فالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ساءَ بِمَعْنى قَبُحَ وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَأْبَهم ذَلِكَ أوْ هو واقِعٌ مَوْقِعَ الماضِي لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَكاهُما في البَحْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وعِنْدِي أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ: إلّا في حَقِّ

العنكبوت 29:5

﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: أيُّ مَن كانَ يَخْشى البَعْثَ في الآخِرَةِ فالرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ في وصْفِ عَسّالٍ: إذا لَسَعَتْهُ الدُّبُرُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَوامِلِ ولَعَلَّ إرادَةَ البَعْثِ مِن لِقائِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ مِن مَبادِيهِ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ جَعَلَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً عَنِ الوُصُولِ إلى العاقِبَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ البَعْثُ مِن أعْظَمِ ما يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وفي الكَشّافِ أنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مَثَلٌ لِلْوُصُولِ إلى العاقِبَةِ مِن تَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ والبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، مُثِّلَتْ تِلْكَ الحالُ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ عَهْدٍ طَوِيلٍ وقَدِ اطَّلَعَ مَوْلاهُ عَلى ما كانَ يَأْتِي ويَذْرُ فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ وتَرْحِيبٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ أوْ بِضِدِّ ذَلِكَ لِما سَخِطَهُ مِنها، فَمَعْنى ﴿مَن كانَ﴾ إلَخْ مَن كانَ يَأْمُلُ تِلْكَ الحالَ وأنْ يَلْقى فِيها الكَرامَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبُشْرى، فالكَلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ والتَّوَقُّعِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ذَلِكَ إلّا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَن كانَ يَتَوَقَّعُ مُلاقاةَ جَزاءِ اللَّهِ تَعالى ثَوابًا أوْ عِقابًا أوْ مُلاقاةَ حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَوْفِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ مَن كانَ يَخافُ مُلاقاةَ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى ظَنِّ حُصُولِ ما فِيهِ مَسَرَّةٌ وتَوَقُّعِهِ كَما هو المَشْهُورُ، والمُضافُ كَذَلِكَ أيْضًا، أيْ مَن كانَ يَرْجُو مُلاقاةَ ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرُ مُضافٌ، ويُجْعَلَ لِقاءُ اللَّهِ تَعالى مَجازًا عَنِ الثَّوابِ لِما أنَّهُ لازِمٌ لَهُ. واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ وأنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مُشاهَدَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إذْ لا حاجَةَ لِلْخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وما حَسِبَهُ المُعْتَزِلِيُّ مِنها فَلَيْسَ مِنها كَما بُيِّنَ في عِلْمِ الكَلامِ أيْ مَن كانَ يَتَوَقَّعُ مُشاهَدَةَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ الَّتِي لا نَعِيمَ يَعْدِلُها ويَلْزَمُها الفَوْزُ بِكُلِّ خَيْرٍ ونَعِيمٍ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ الأجَلُ غايَةٌ لِزَمانٍ مُمْتَدٍّ عُيِّنَتْ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانُ، والأوَّلُ أشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ أيْ فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِذَلِكَ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ عَلى التَّقَضِّي والتَّصَرُّمِ دائِمًا، ومَجِيءُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ إتْيانِ ما فِيهِ ووُقُوعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ وهي في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ الجَوابِ المَحْذُوفِ أيْ فَلْيُبادِرْ ما يُنْفِقُهُ مِنِ امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ المَناهِي أوْ فَلْيُبادِرْ ما يُحَقِّقُ أمَلَهُ ويُصَدِّقُ رَجاءَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُلائِمُ الشَّرْطَ فَتَدَبَّرْ. صفحة 138 وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي الجَوابَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها المَعْنى المُلائِمَ لِلشَّرْطِ كَما ذُكِرَ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ جَلَّ شَأْنُهُ لِأقْوالِ العِبادِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والعَقائِدِ والصِّفاتِ الباطِنَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ المَرْجُوِّ والمُخَوِّفِ وعْدًا ووَعِيدًا

العنكبوت 29:6

﴿ومَن جاهَدَ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لِعَوْدِ المَنفَعَةِ مِنِ الثَّوابِ المُعَدِّ لِذَلِكَ إلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا حاجَةَ لَهُ إلى طاعَتِهِمْ وإنَّما أمَرَهم سُبْحانَهُ بِها تَعْرِيضًا لَهم لِلثَّوابِ بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ.

العنكبوت 29:7

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الكُفْرُ الأصْلِيُّ أوِ العارِضِيُّ بِالإيمانِ والمَعاصِي بِما يَتْبَعُها مِنِ الطّاعاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ والجَزاءُ الحَسَنُ أنْ يُجازِيَ بِحَسَنَةٍ حَسَنَةً، وأحْسَنُ الجَزاءِ أنْ تُجازى الحَسَنَةُ الواحِدَةُ بِالعَشَرِ وزِيادَةٍ، وقِيلَ: لَوْ قُدِّرَ لَنَجْزِيَنَّهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ أوْ جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ لِإخْراجِ المُباحِ جازَ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أيْ أمَرْناهُ بِتَعَهُّدِهِما ومُراعاتِهِما، وانْتَصَبَ حُسْنًا عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إيصاءً حُسْنًا أيْ ذا حُسْنٍ أوْ هو في حَدِّ ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البَقَرَةِ: 83] وهَذا ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَسَنًا مَفْعُولٌ بِهِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُضافٍ إلى والِدَيْهِ أيْ وصَّيْناهُ بِإيتاءِ والِدَيْهِ أوْ بِإيلاءِ والِدَيْهِ حُسْنًا، وفِيهِ إعْمالُ المَصْدَرِ مَحْذُوفًا وإبْقاءُ عَمَلِهِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حُسْنًا مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أحْسَنَ حُسْنًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ وصّى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في الجُمَلِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ لِلْقَوْلِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ يُقَدَّرُ القَوْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وجُمْلَةُ القَوْلِ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّوْصِيَةِ أيْ قُلْنا أوَّلَهُما أوِ افْعَلْ بِهِما حُسْنًا، وعَلى هَذا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى بِوالِدَيْهِ لِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، ورَجَّحَ تَقْدِيرَ الأمْرِ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخِطابِ والنَّهْيِ الَّذِي هو أخُوهُ لَكِنْ ضَعَّفَ ما فِيهِ كَثْرَةُ تَقْدِيرٍ بِكَثْرَةِ التَّقْدِيرِ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم يَجْعَلُونَ حُسْنًا مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ويُقَدِّرُونَ أنْ يَفْعَلَ حُسْنًا، وفِيهِ حَذْفُ أنْ وصِلَتِها وإبْقاءُ المَعْمُولِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: إنَّ حُسْنًا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ وبِوالِدَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصَّيْنا والباءُ فِيهِ بِمَعْنى في أيْ وصَّيْنا الإنْسانَ في أمْرِ والِدَيْهِ بِحُسْنٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ «حَسَنًا» بِفَتْحَتَيْنِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ «إحْسانًا» ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ولا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ إنْ لَمْ يُضْمَرْ قَبْلَ أيْ وقُلْنا: إنْ جاهَداكَ إلَخْ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ إذا كانَ جَوابُها إنْشاءً فَهي إنْشائِيَّةٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ فَإذا لَمْ يُضْمَرِ القَوْلُ لا يَلِيقُ عَطْفُها عَلى وصَّيْنا لِما ذُكِرَ ولا عَلى ما عَمِلَ فِيهِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى القَوْلِ وهو أحْسَنُ وإنْ تَوافَقا في الإنْشائِيَّةِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالوالِدَيْنِ لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ مُطاوَعَتِهِما، وأمّا عَطْفُهُ عَلى قُلْنا المُفَسِّرِ لِلتَّوْصِيَةِ فَلا يَضُرُّ لِما فِيهِ مِن تَقْيِيدِها بِعَدَمِ الإفْضاءِ إلى المَعْصِيَةِ مَآلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحْسِنْ إلَيْهِما وأطِعْهُما ما لَمْ يَأْمُراكَ بِمَعْصِيَةٍ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ أنَّ (ما) عامٌ لِما سِواهُ تَعالى شَأْنُهُ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (بِهِ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما لَيْسَ لَكَ بِإلَهِيَّتِهِ عِلْمٌ، وتَنْكِيرُ عِلْمٌ لِلتَّحْقِيرِ. والمُرادُ لِتُشْرِكَ بِي شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا ولا يَسْتَقِيمُ، وفي العُدُولِ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إيذانٌ صفحة 139 بِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ ولَوْ إجْمالًا كَما في التَّقْلِيدِ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ فَكَيْفَ بِما عُلِمَ عَلى أتَمَّ وجْهٍ بُطْلانُهُ، وجَعَلَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ نَفْيَ العِلْمِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المَعْلُومِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذا الأُسْلُوبَ يُسْتَعْمَلُ غالِبًا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى نَحْوُ «أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ» ثُمَّ قالَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وأنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ عَلى ما ورَدَ ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»» وذَلِكَ أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

العنكبوت 29:8

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ جِنْسُ الإنْسانِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ. ومُتَعَلِّقُ تُطِعْهُما مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أيْ وإنِ اسْتَفْرَغا جَهْدَهُما في تَكْلِيفِكِ لِتُشْرِكَ بِي غَيْرِي مِمّا لا إلَهِيَّةَ لَهُ فَلا تُطِعْهُما في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، وفي تَعْلِيقِ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما بِمُجاهَدَتِهِما في التَّكْلِيفِ إشْعارٌ بِأنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ فِيما دُونَها مِنَ التَّكْلِيفِ ثابِتٌ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ وكَذا مُوجِبُهُ في مُجاهَدَةِ أحَدِهِما ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكُمْ- ومَن أشْرَكَ - ومَن بَرَّ- ومَن عَقَّ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولِذا لَمْ تُعْطَفْ ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. «والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وذَلِكَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ قالَتْ أُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: يا سَعْدُ بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَأْتَ فَواللَّهِ تَعالى لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ وأنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ (عَلَيَّ) حَرامٌ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها فَأبى سَعْدٌ وبَقِيَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ فَجاءَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَشَكا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي في لُقْمانَ والَّتِي في الأحْقافِ فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ». ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مُتَوافِقَيْنِ حَتّى نَزَلا المَدِينَةَ فَخَرَجَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والحارِثُ بْنُ هِشامٍ أخَواهُ لِأُمِّهِ أسْماءَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ امْرَأةٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ مَن بَنِي حَنْظَلَةَ فَنَزَلا بِعَيّاشٍ وقالا لَهُ: إنَّ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ صِلَةَ الأرْحامِ وبِرَّ الوالِدَيْنِ وقَدْ تَرَكْتَ أُمَّكَ لا تَطْعَمُ ولا تَشْرَبُ ولا تَأْوِي بَيْتًا حَتّى تَراكَ وهي أشَدُّ حُبًّا لَكَ مِنّا فاخْرُجْ مَعَنا وفَتْلًا مِنهُ في الذُّرْوَةِ والغارِبِ فاسْتَشارَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ هُما يَخْدَعانِكَ ولَكَ (عَلَيَّ) أنْ أقْسِمَ مالِي بَيْنِي وبَيْنَكَ فَما زالا بِهِ حَتّى أطاعَها وعَصى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أما إذْ عَصَيْتَنِي فَخُذْ ناقَتِي فَلَيْسَ في الدُّنْيا بَعِيرٌ يَلْحَقُها فَإنْ رابَكَ مِنهم رَيْبٌ فارْجِعْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى البَيْداءِ قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ ناقَتِي قَدْ كَلَّتْ فاحْمِلْنِي مَعَكَ، قالَ: نَعَمْ. فَنَزَلَ لِيُوَطِّئَ لِنَفْسِهِ ولَهُ فَأخَذاهُ فَشَدّاهُ وثاقًا وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جِلْدَةٍ وذَهَبا بِهِ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: لا تَزالُ بِعَذابٍ حَتّى تَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ.

العنكبوت 29:9

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ الكامِلِينَ فِيهِ، والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ وهو جامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، ولَهُ مَراتِبُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ومَرْتَبَةُ الكَمالِ فِيهِ مَرْتَبَةٌ عُلْيا، ولِذا طَلَبَها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النَّمْلِ: 19] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ وهي الجَنَّةُ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ ولَنُدْخِلَنَّهُمُ الخَبَرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ لَنُدْخِلَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ

العنكبوت 29:10

﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيْ بَعْضُهم ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ لِأجْلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ في لِلسَّبَبِيَّةِ، أوِ المُرادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الإيمانِ بِهِ تَعالى ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أيْ صفحة 140 نَزَّلُوا ما يُصِيبُهم مِن أذِيَّتِهِمْ ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ مَنزِلَةَ عَذابِهِ تَعالى في الآخِرَةِ فَجَزِعُوا مِن ذَلِكَ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِ وأطاعُوا النّاسَ وكَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى كَما يُطِيعُ اللَّهُ تَعالى مَن يَخافُ عَذابَهُ سُبْحانَهُ فَيُؤْمِنُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ بِأنْ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتْحٌ وغَنِيمَةٌ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بِضَمِّ اللّامِ الثّانِيَةِ وحَذْفِ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مِن والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْناها، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمائِرِ العائِدَةِ إلَيْها فِيما سَبَقَ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، وحَكى أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ أنَّهُ قُرِئَ «لَيَقُولَنَّ» بِفَتْحِ اللّامِ عَلى إفْرادِ الضَّمِيرِ كَما فِيما سَبَقَ ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ مُشايِعِينَ لَكم في الدِّينِ فَأشْرِكُونا فِيما حَصَلَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وقِيلَ: أيْ مُقاتِلِينَ مَعَكم ناصِرِينَ لَكم فالمُرادُ الصُّحْبَةُ في القِتالِ. ورُدَّ بِأنَّها غَيْرُ واقِعَةٍ، والآيَةُ نَزَلَتْ في ناسٍ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا مَسَّهم أذًى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم وكانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ وبِذَلِكَ يَكُونُونَ مُنافِقِينَ، ولِذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ: إنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ وهو في الظّاهِرِ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ أيَخْفى حالُهم ولَيْسَ إلَخْ أوْ ألَيْسَ المُتَفَرِّسُونَ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ عالِمِينَ ولَيْسَ إلَخْ، و (أعْلَمُ إمّا عَلى أصْلِهِ أيْ ألَيْسَ هو عَزَّ وجَلَّ أعْلَمَ مِنَ العالَمِينَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ مِنَ الأخْلاقِ والنِّفاقِ حَتّى يَفْعَلُوا ما يَفْعَلُونَ مِنَ الِارْتِدادِ والإخْفاءِ عَنِ المُسْلِمِينَ وادِّعاءِ كَوْنِهِمْ مِنهم لِنَيْلِ الغَنِيمَةِ أوْ هو بِمَعْنى عالِمٍ. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ فِيمَن هاجَرَ فَرَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ إلى مَكَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في ناسٍ مُؤْمِنِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ إلى بَدْرٍ فارْتَدُّوا وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النِّساءِ: 97] الآيَةَ، وما تَقَدَّمَ هو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ مِنَ الآيَةِ وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

العنكبوت 29:11

﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالإخْلاصِ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ سَواءٌ كانَ كُفْرُهم بِأذِيَّةٍ أوْ لا، والمُرادُ بِالعِلْمِ المُجازاةُ أيْ لَيَجْزِيَنَّهم بِما لَهم مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ، وكَأنَّ تَلْوِينَ الخِطابِ في الَّذِينَ آمَنُوا والمُنافِقِينَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ النِّفاقَ ظَهَرَ في المَدِينَةِ مَدَنِيَّةٌ، وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ مِن عَدِّها مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ إنَّها مَكِّيَّةٌ لِظاهِرِ إطْلاقِ جَمْعِ القَوْلِ بِمَكِّيَّةِ السُّورَةِ، وأنَّ تَعْذِيبَ الكَفَرَةِ المُسْلِمِينَ إنَّما كانَ في الأغْلَبِ بِمَكَّةَ يَمْنَعُ ذَلِكَ أوْ يَذْهَبُ إلى أنَّها مِنَ الأخْبارِ بِالغَيْبِ فَتَدَبَّرْ

العنكبوت 29:12

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ لِحَمْلِهِمُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ إيّاهم عَلَيْهِ بِالأذِيَّةِ والوَعِيدِ، ووَصْفُهم بِالكُفْرِ هاهُنا دُونَ ما سَبَقَ لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ جِنايَتِهِمْ وفِيما سَبَقَ لِبَيانِ جِنايَةِ مَن أضَلُّوهُ، واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ أيْ قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ أيِ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا الَّتِي نَسْلُكُها في الدِّينِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاتِّباعِ الَّذِي هو المَشْيُ خَلْفَ ماشٍ آخَرَ تَنْزِيلًا لِلْمَسْلَكِ مَنزِلَةَ السّالِكِ فِيهِ أوِ اتَّبِعُونا في طَرِيقَتِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ إذا كانَ ذَلِكَ الِاتِّباعُ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَقُولُونَ أوْ ولْنَحْمِلْ ما عَلَيْكم مِنَ الخَطايا إنْ كانَ بَعْثٌ ومُؤاخَذَةٌ، وإنَّما أمَرُوا أنْفُسَهم بِالحَمْلِ عاطِفِينَ لَهُ عَلى الأمْرِ بِالِاتِّباعِ لِلْمُبالَغَةِ في تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ، فَكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم بِجَزْمِ نَحْمِلْ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، فَيَكُونُ المَعْنى إنْ تَتَّبِعُوا نَحْمِلْ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ، ومَنشَؤُها الإشارَةُ إلى أنَّ الحَمْلَ لِتَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ أمْرٌ واجِبٌ أمَرُوا بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ، والتَّعْلِيقُ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي صفحة 141 تَضَمَّنَهُ الأمْرُ كَما في قَوْلِهِمْ: أكْرِمْنِي أنْفَعْكَ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، والدّاعِي لَهم إلى المُبالَغَةِ التَّشْجِيعُ عَلى الِاتِّباعِ، والحَمْلُ هُنا مَجازٌ، وفي البَحْرِ شِبْهُ القِيامِ بِما يَتَحَصَّلُ مِن عَواقِبِ الإثْمِ بِالحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ والخَطايا بِالمَحْمُولِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَمْلُ هُنا مِنَ الحَمالَةِ لا مِنَ الحَمْلِ انْتَهى. والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ قالُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ: لا نُبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فاتَّبِعُونا فَإنْ كانَ عَلَيْكم شَيْءٌ فَعَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ كانَ أبُو جَهْلٍ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ يَتَلَقَّوْنَ النّاسَ إذا جاؤُوا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُحَرِّمُ الخَمْرَ ويُحَرِّمُ الزِّنا ويُحَرِّمُ ما كانَتْ تَصْنَعُ العَرَبُ فارْجِعُوا فَنَحْنُ نَحْمِلُ أوْزارَكم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ قالا لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنْ كانَ في الإقامَةِ عَلى دِينِ الآباءِ إثْمٌ فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَنْكَ. وقِيلَ: قائِلُهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، ونِسْبَةُ ما صَدَرَ عَنِ الواحِدِ لِلْجَمْعِ شائِعَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ غَيْرَ مَرَّةٍ في وجْهِ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ونُوحٌ القارِئُ «ولِتَحْمِلْ» بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، ورُوِيَتْ عَنْ (عَلِيٍّ كَرَّمَ) اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ عَنْ سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ لِكَوْنِهِمْ حامِلِينَ شَيْئًا ما مِن خَطاياهُمُ الَّتِي التَزَمُوا حَمْلَها، فالباءُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والِاسْتِمْرارِ الَّذِي تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ النَّفْيِ، ومِنَ الأوْلى لِلْبَيانِ وهو مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، ومِنِ الثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ. وقَرَأ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ فِيما ذَكَرَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ «مِن خَطِيئَتِهِمْ» عَلى التَّوْحِيدِ قالَ: ومَعْناهُ الجِنْسُ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ اتِّصافُهُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، وذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ وأبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ داوُدَ هَذا قَرَأ «مِن خَطِيئاتِهِمْ» جَمْعَ خَطِيئَةٍ جَمْعَ السَّلامَةِ بِالألِفِ والتّاءِ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ مِن «خَطَيِهِمْ» بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الياءِ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَسْرُ الياءِ عَلى أنَّها هَمْزَةٌ سُهِّلَتْ بَيْنَ بَيْنَ فَأشْبَهَتِ الياءَ لِأنَّ قِياسَ تَسْهِيلِها هو ذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ، والكَذِبُ قِيلَ راجِعٌ إلى تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ فَإنَّهُ إخْبارٌ لا إلى الأمْرِ السّابِقِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ ولا يَجْرِي الكَذِبُ فِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّعْلِيقَ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ إخْبارٌ بَلْ هو ضَمانٌ مُعَلَّقٌ أيْ إنْشاءُ الضَّمانِ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ضامِنَ ما لا يَعْلَمُ اقْتِدارَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ لا يُسَمّى كاذِبًا لا حِينَ ضَمِنَ ولا حِينَ عَجَزَ لِأنَّهُ في الحالَيْنِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ الكاذِبِ وهو المُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ وجَعَلَ هَذا سُؤالًا عَنْ وجْهِ التَّعْبِيرِ بِكاذِبُونَ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ، ثانِيهِما عَلى ما في الكَشْفِ هو الوَجْهُ، وحاصِلُهُ أنَّ الكَذِبَ لَيْسَ راجِعًا إلى أنَّهم غَيْرُ حامِلِينَ لِيُقالَ: إنَّ الضّامِنَ لا يُسَمّى كاذِبًا بَلْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم عَجَزُوا عَمّا ضَمِنُوهُ ومَعَ ذَلِكَ هم كاذِبُونَ في وعْدِ إنْشاءِ الضَّمانِ عِنْدَ وُجُودِ الوَصْفِ، والمُحَصِّلُ أنَّ مِن وعْدِ الضَّمانِ إنْ ضَمِنَ ولَمْ يُحَقِّقْ لا يُسَمّى كاذِبًا وإنْ لَمْ يَضْمَن سُمِّيَ كاذِبًا، وأوَّلُهُما أنَّهُ شَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَهم حَيْثُ عَلِمَ أنَّ ما ضَمِنُوهُ لا طَرِيقَ لَهم إلى أنْ يَفُوا بِهِ فَكانَ ضَمانُهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ المَضْمُونُ بِالكاذِبِينَ الَّذِينَ خَبَرُهم لا عَلى ما عَلَيْهِ المُخْبَرُ عَنْهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الكَذِبُ راجِعٌ إلى الخَبَرِ الَّذِي في ضِمْنِ وعْدِهِمْ بِالحَمْلِ وهم أنَّهم قادِرُونَ عَلى إنْجازِ صفحة 142 ما وعَدُوا، والكَذِبُ كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يُتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ مَدْلُولُهُ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى صِحَّةِ مَجِيءِ الأمْرِ بِمَعْنى الخَبَرِ فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَهُ والتَزَمَ تَخْرِيجَ جَمِيعِ ما ورَدَ في ذَلِكَ عَلى أصْلِ الأمْرِ ولَمْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أرْدَفَ قَوْلَهم ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ والتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَطَرَّقُ إلى الإخْبارِ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ مَعَ إخْراجِهِمْ لَهُ مَخْرَجُ الأمْرِ إلّا أنَّ في كَوْنِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى ما ذَكَرَهُ نَظَرًا كَما لا يَخْفى.

العنكبوت 29:13

﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ بَيانٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ قَوْلُهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ المَضَرَّةِ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ مَنفَعَتِهِ لِمُخاطِبِيهِمْ أصْلًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الخَطايا بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ثِقَلِها وكَوْنِها فادِحَةً، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ وبِاللَّهِ لَيَحْمِلُنَّ أثْقالَ أنْفُسِهِمْ كامِلَةً ﴿وأثْقالا﴾ أُخَرَ ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ وهي أثْقالُ ما تَسَبَّبُوا بِالإضْلالِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أثْقالِ مَن أضَلُّوهُ شَيْءٌ ما. فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أيُّما داعٍ دَعا إلى هَدْيٍ فاتَّبَعَ عَلَيْهِ وعَمِلَ بِهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ عَلَيْها وعَمِلَ بِها فَعَلَيْهِ مِثْلُ أوْزارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا»» قالَ عَوْنٌ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَيْها ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، ولِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ أثْقالِ أنْفُسِهِمْ وأنَّها نَهَضَتْهم واسْتَفْرَغَتْ جَهْدَهم وأنَّ الأثْقالَ الأُخَرَ كالعِلاوَةِ عَلَيْها اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أنْ يُقالَ ولْيَحْمِلُنَّ أثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ. ﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَخْتَلِقُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَذِبُهم هَذا.

العنكبوت 29:14

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ﴾ عامًا شُرُوعٌ في بَيانِ افْتِتانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكَفّارِ تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ ابْتُلُوا بِما أصابَهم مِن جِهَةِ أُمَمِهِمْ مِن فُنُونِ المَكارِهِ وصَبَرُوا عَلَيْها فَلَأنْ يَصْبِرَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ أوْلى وأحْرى، والظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ وهو مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَسَمُ فِيها بَعِيدٌ يَعْنِي أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ قَدْ حُذِفَ وبَقِيَ حَرْفُهُ وجَوابُهُ فَإنَّ فِيهِ حَذْفَ المَجْرُورِ وإبْقاءَ الجارِّ، وهم قالُوا: لا بُدَّ مِن ذِكْرِ المَجْرُورِ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ فالمُتَبادَرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ في قَوْمِهِ عَقِيبَ الإرْسالِ المُدَّةَ المَذْكُورَةَ وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في بَعْضِ الآثارِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ولَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتّى كَثُرَ النّاسُ وفَشُوا، وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ عُمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْفَ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَّرَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْمِهِ وهو ابْنُ خَمْسِينَ وثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ صفحة 143 عامًا ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسِينَ وثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ فَيَكُونُ عُمْرُهُ ألْفَ سَنَةٍ وسِتَّمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى قَوْمِهِ وبَعْدَ ما بُعِثَ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وفِي جامِعِ الأُصُولِ كانَتْ مُدَّةُ نَبُّوتِهِ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَتَيْ سَنَةٍ وكانَتْ مُدَّةُ الطُّوفانِ سِتَّةَ أشْهُرٍ آخِرُها يَوْمُ عاشُوراءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُدَّةَ إقامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَمِيعَ عُمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ ما تَقَدَّمَ وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عُمْرًا، أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ذَمِّ الدُّنْيا عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: جاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: يا أطْوَلَ النَّبِيِّينَ عُمْرًا كَيْفَ وجَدْتَ الدُّنْيا ولَذَّتَها؟ قالَ: كَرَجُلٍ دَخَلَ بَيْتًا لَهُ بابانِ فَقالَ وسَطَ البابِ هُنَيْهَةً ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ الآخَرِ، ولَعَلَّ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ في بَيانِ مُدَّةِ لُبْثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العَدَدِ وكَوْنِهِ مُتَعَيَّنًا نَصًّا دُونَ تَجَوُّزٍ فَإنَّ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما يَقْرُبُ مِنهُ ولِما في ذِكْرِ الألْفِ مِن تَخْيِيلِ طُولِ المُدَّةِ لِأنَّها أوَّلُ ما تَقْرَعُ السَّمْعَ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَثْبِيتُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن مُكابَدَةِ ما يَنالُهُ مِنَ الكَفَرَةِ وإظْهارِ رَكاكَةِ رَأْيِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُتْرَكُونَ بِلا ابْتِلاءٍ، واخْتِلافُ المُمَيَّزِينَ لِما في التَّكْرِيرِ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ مِنَ البَشاعَةِ، والنُّكْتَةُ في اخْتِيارِ السَّنَةِ أوَّلًا أنَّها تُطْلَقُ عَلى الشِّدَّةِ والجَدْبِ بِخِلافِ العامِ فَناسَبَ اخْتِيارَ السَّنَةِ لِزَمانِ الدَّعْوَةِ الَّذِي قاسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ ما قاسى مِن قَوْمِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ أيْ عَقِيبَ تَمامِ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ، والطُّوفانُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يَطُوفُ بِالشَّيْءِ عَلى كَثْرَةٍ وشِدَّةٍ مِنَ السَّيْلِ والرِّيحِ والظَّلامِ قالَ العَجّاجُ: حَتّى إذا ما يَوْمُها تَصَبْصَبا وغَمَّ طُوفانُ الظَّلامِ الأثْأبا وقَدْ غَلَبَ عَلى طُوفانِ الماءِ وهو المُرادُ هُنا ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ والحالُ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الظُّلْمِ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِما سَمِعُوا مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآياتِ ولَمْ يَرْعَوُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَذِهِ المُدَّةَ

العنكبوت 29:15

﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أيْ مَن رَكِبَ فِيها مَعَهُ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ، وكانُوا ثَمانِينَ، وقِيلَ: ثَمانِيَ وسَبْعِينَ نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ مِنهم أوْلادُ نُوحٍ سامٌ وحامٌ ويافَثُ ونِساؤُهُمْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ كانُوا عَشَرَةً خَمْسَةَ رِجالٍ وخَمْسَ نِسْوَةٍ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا «كانُوا ثَمانِيَةً نُوحٌ وأهْلُهُ وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ» أيْ مَعَ أهْلِيهِمْ ﴿وجَعَلْناها﴾ أيِ السَّفِينَةَ ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ عِبْرَةً وعِظَةً لَهم لِبَقائِها زَمانًا طَوِيلًا عَلى الجُودِيِّ يُشاهِدُها المارَّةُ ولِاشْتِهارِها فِيما بَيْنَ النّاسِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْحادِثَةِ والقِصَّةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلُ وهي عِبْرَةٌ لِلْعالِمِينَ لِاشْتِهارِها فِيما بَيْنَهُمْ

العنكبوت 29:16

﴿وإبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما خَبَرًا وإنْشاءً وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها، وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ إذْ لا تَتَصَرَّفُ فَلا تَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ والبَدَلِيَّةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ إذْ إنْ كانَتْ ظَرْفًا لِما مَضى لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ اذْكُرْ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ صفحة 144 لا يَقَعُ في الماضِي فَلا يَجُوزُ قُمْ أمْسِ، وإذا خُلِعَتْ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ الماضَوِيَّةِ وتُصُرِّفَ فِيها جازَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ومَعْمُولًا لِـ اذْكُرْ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ فَإذْ حِينَئِذٍ ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ أرْسَلْناهُ حِينَ تَكامَلَ عَقْلُهُ وقَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وتَرَقّى مِن رُتْبَةِ الكَمالِ إلى دَرَجَةِ التَّكْمِيلِ حَيْثُ تَصَدّى لِإرْشادِ الخَلْقِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وهَذا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ في حَيِّزِ إذْ إنَّما كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما راهَقَ قَبْلَ الإرْسالِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 18] إلَخْ إذا كانَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ كالنَّصِّ في أنَّ القَوْلَ المَحْكِيَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ الإرْسالِ وفي الحَواشِي السَّعْدِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى دَفْعِ ما عَسى أنْ يُقالَ: الدَّعْوَةُ تَكُونُ بَعْدَ الإرْسالِ والمَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ تَقَدُّمُها عَلَيْهِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الدَّعْوَةِ ما هو نَتِيجَةُ الإرْسالِ بَلْ ما هو نَتِيجَةُ كَمالِ العَقْلِ وتَمامِ النَّظَرِ، مَعَ أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى تَقَدُّمِها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَفي الوَقْتِ سِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ هو الدَّلالَةَ عَلى مُبادَرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِامْتِثالِ اهـ فَتَدَبَّرْ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ، وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِالعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ أنْجَيْناهُ وهو كَما تَرى، والأوْفَقُ بِما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى: (وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا) [الأعْرافِ: 85، هُودٍ: 84، العَنْكَبُوتِ: 36] أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ، والنَّخَعِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وإبْراهِيمُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ومِمّا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ إبْراهِيمُ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ومِمَّنْ أنْجَيْنا إبْراهِيمُ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ، ويَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ المَحْذُوفُ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ ﴿واتَّقُوهُ﴾ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ خَيْرِيَّةٌ أوْ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ الخَيْرِيَّةِ فِيهِ عَلى زَعْمِكُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ خَيْرٌ صِفَةً لا اسْمَ تَفْضِيلٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيِ الخَيْرَ والشَّرَّ وتُمَيِّزُونَ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في الحُكْمِ بِخَيْرِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى

العنكبوت 29:17

﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ بَيانٌ لِبُطْلانِ دِينِهِمْ وشَرِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ شَرِّيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيْ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ تَعالى إلّا أوْثانًا هي في نَفْسِها تَماثِيلُ مَصْنُوعَةٌ لَكم لَيْسَ فِيها وصْفٌ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ أيْ وتَكْذِبُونَ كَذِبًا حَيْثُ تُسَمُّونَها آلِهَةً وتَدَّعُونَ أنَّها شُفَعاؤُكم عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ تَعْمَلُونَها وتَنْحِتُونَها لِلْإفْكِ والكَذِبِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ وإلّا فَهم لَمْ يَعْمَلُوها لِأجْلِ الكَذِبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ. وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: الأظْهَرُ كَوْنُ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُ الأوْثانِ وجَعْلُها كَذِبًا مُبالَغَةٌ، أوِ الإفْكُ بِمَعْنى المَأْفُوكِ وهو المَصْرُوفُ عَمّا هو عَلَيْهِ، وإطْلاقُهُ عَلى الأوْثانِ لِأنَّها مَصْنُوعَةٌ وهم يَجْعَلُونَها صانِعًا. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسُّلَمِيُّ وعَوْنٌ العَقِيلِيُّ وعُبادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «(تَخَلَّقُونَ)» بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْلُهُ تَتَخَلَّقُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ وهو مِن تَخَلَّقَ بِمَعْنى تَكْذِبُ وصِيغَةُ التَّكَلُّفِ لِلْمُبالَغَةِ. وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ أنْ يَكُونَ تَفَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا «تُخَلِّقُونَ» مَن خَلَّقَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ في الخَلْقِ بِمَعْنى الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وقَرَأابْنُ الزُّبَيْرِ صفحة 145 وفُضَيْلُ بْنُ زُرْقانَ «أفِكًا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالكَذِبِ واللَّعِبِ أوْ وصْفٌ كالحَذَرِ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ خَلْقًا أفِكًا أيْ ذا أفَكٍ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ بَيانٌ لِشَرِّيَّةِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَكادُ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، ﴿ورِزْقًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَفْعُولًا بِهِ لِيَمْلِكُونَ، والمَعْنى لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَرْزُوقِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ، إيتاءَ شَيْءٍ مِنِ الرِّزْقِ وجُوِّزَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِيَمْلِكُونَ مِن مَعْناهُ ولِمَحْذُوفٍ والأصْلُ لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوكم رِزْقًا وهو كَما تَرى ونُكِّرَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ مُبالَغَةً في النَّفْيِ، وخَصَّ الرِّزْقَ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أيْ كُلَّهُ عَلى أنَّ تَعْرِيفَ الرِّزْقِ لِلِاسْتِغْراقِ. قالَ الطَّيِّبِيُّ: هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي لَيْسَتِ المَعْرِفَةُ المُعادَةُ عَيْنَ الأوَّلِ فِيها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِ بِناءً عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَغْرَقٌ ﴿واعْبُدُوهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ عَلى نَعْمائِهِ مُتَوَسِّلِينَ إلى مَطالِبِكم بِعِبادَتِهِ مُقَيَّدِينَ بِشُكْرِهِ تَعالى لِلْعَتِيدِ ومُسْتَجْلِبِينَ بِهِ لِلْمَزِيدِ، فالجُمْلَتانِ ناظِرَتانِ لِما قَبْلَهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا ناظِرَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ والشُّكْرِ فَإنَّهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ما سَبَقَ مِمّا حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأوَّلِهِ، والمَعْنى إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ تُرْجَعُونَ بِالمَوْتِ ثُمَّ بِالبَعْثِ فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ الشَّرِّيَّةِ كَما سَمِعْتَ. وقُرِئَ «تَرْجِعُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا

العنكبوت 29:18

﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فَإنْ تُصَدِّقُونِي فَقَدْ فُزْتُمْ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ وإنْ تُكَذِّبُوا أيْ تُكَذِّبُونِي فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن أنَّكم إلَيْهِ تَعالى تَرْجِعُونَ بِالبَعْثِ ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ في الحَقِيقَةِ، والأصْلُ فَلا تَضُرُّونَنِي بِتَكْذِيبِكم فَإنَّهُ قَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ قَبْلَكم رُسُلَهم وهم شَيْثٌ وإدْرِيسُ ونُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلَمْ يَضُرَّهم تَكْذِيبُهم شَيْئًا وإنَّما ضَرَّ أنْفُسَهم حَيْثُ تُسَبِّبُ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ فَكَذا تَكْذِيبُكم إيّايَ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيِ التَّبْلِيغُ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ شَكٌّ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ البَتَّةَ وقَدْ خَرَجْتُ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا. وهَذِهِ الآيَةُ أعْنِي ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ إلَخْ عَلى ما ذَكَرْنا مِن جُمْلَةِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا ما بَعْدُ عَلى ما قِيلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: (ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) [الأعْرافِ: 82، النَّمْلِ: 56، العَنْكَبُوتِ: 24، 29] وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اعْتِراضًا بِذِكْرِ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُرَيْشٍ وهَدْمِ مَذْهَبِهِمْ والوَعِيدُ عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ تَوَسَّطَ بَيْنَ طَرَفَيِ القِصَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ مَساقَها لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والتَّنْفِيسِ عَنْهُ بِأنَّ أباهُ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ كانَ مُبْتَلًى بِنَحْوِ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن شِرْكِ القَوْمِ وتَكْذِيبِهِمْ وتَشْبِيهِ حالِهِ فِيهِمْ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالُوا: وفِي ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ اعْتِراضِيَّةٌ، والخِطابُ مِنهُ تَعالى أوْ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) عَلى مَعْنى وقُلْ لِقُرَيْشٍ (إنْ تُكَذِّبُوا) إلَخْ. وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنْ تُكَذِّبُوا) إلَخْ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ:

العنكبوت 29:19

﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْإنْكارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمُ المُوجِبِ لِتَقْرِيرِها، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى صفحة 146 مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا كَيْفِيَّةَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الخَلْقَ ابْتِداءً مِن مادَّةٍ ومِن غَيْرِ مادَّةٍ أيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ «ألَمْ تَرَوْا» بِتاءِ الخِطابِ، وهو عَلى ما قالَ هَذا البَعْضُ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ وتَأْكِيدِهِ ولا يَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ ومَن لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ كَلامًا مُسْتَأْنِفًا مَسُوقًا مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْإنْكارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ قالَ: إنَّ الخِطابَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قالَ لَهم رُسُلُهُمْ: «ألَمْ تَرَوْا». ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ لِأُمَمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَيُجْعَلُ في قِراءَةِ الخِطابِ لَهُ أيْضًا لِيَتَّحِدَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ لِتَقْدِيرِ القَوْلِ لِيَحْكِيَ خِطابَ رُسُلِهِمْ مَعَهم إذْ لا مَجالَ لِلْخِطابِ بِدُونِهِ. وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِمُنْكِرِي الإعادَةِ مِن أمَةِ إبْراهِيمَ أوْ نَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ أيْ قَدْ رَأوْا فَلا يُلائِمُ

العنكبوت 29:20

قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ إلَخْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ فِيها هُمُ المُخاطَبُونَ أوَّلًا، يَعْنِي إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً فالأمْرُ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ لا يُناسِبُ لِمَن حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ، والقَوْلُ بِأنَّ الأوَّلَ دَلِيلٌ أنْفُسِيٌّ، والثّانِي آفاقِيٌّ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ مِن وُجُوهٍ اهـ فَتَدَبَّرْ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ والأبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ في نَظْمِ الآياتِ ما نَقَلْناهُ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ. وقَرَأ الزُّبَيْرِيُّ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ كَيْفَ يَبْدَأُ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ بَدَأ الثُّلاثِيِّ مَعَ إبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا كَما ذَكَرَهُ الهَمْدانِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ لا عَلى يُبْدِئُ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَهي واقِعَةٌ عَلى الإبْداءِ دُونَ الإعادَةِ فَلَوْ عَطَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وكَذا إذا كانَتْ عِلْمِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ الِاسْتِدْلالُ بِما عَلِمُوهُ مِن أحْوالِ المَبْدَأِ عَلى المَعادِ لِإثْباتِهِ فَلَوْ كانَ مَعْلُومًا لَهم كانَ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ. وجُوِّزَ العَطْفُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلِ الإعادَةِ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ مِثْلَ ما أنْشَأهُ سُبْحانَهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ ووُقُوعِهِ عَلى ما قِيلَ مِن غَيْرِ رَيْبٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الخَلْقَ هُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الإعادَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرَيْنِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إذْ لا يَحْتاجُ فِعْلُهُ تَعالى إلى شَيْءِ خارِجٍ عَنْ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لِقَوْمِهِ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وكَذا جَعَلَهُ مَن جَعَلَ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ اعْتِراضًا جَعَلَ هَذا أمْرًا لِنَبِيِّنا ﷺ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ. وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ نَظْمُ الآياتِ السّابِقَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ ويُجْعَلَ هَذا أمْرًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهم فَإنَّهم مِثْلُ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ والإنْكارِ لَهُ، وما في حَيِّزِ هَذا القَوْلِ مُتَضَمِّنٌ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ، وعَدَمُ اتِّحادِهِ مَعَ ما سَبَقَ لا يَضُرُّ. وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِما أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى وجْهِهِ ومِثْلُهُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ، والسَّيْرُ كَما قالَ الرّاغِبُ: المُضِيُّ في الأرْضِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ في الآيَةِ تَجْرِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ المُضِيُّ بِالجِسْمِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ إجالَةُ الفِكْرِ. وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ فِيما يُرْوى في وصْفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أبْدانُهم في الأرْضِ سائِرَةٌ وقُلُوبُهم في المَلَكُوتِ جائِلَةٌ، ومِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الجِدِّ في العِبادَةِ المُتَوَصَّلِ صفحة 147 بِها إلى الثَّوابِ، والمَعْنى عَلى ما قُلْنا أوَّلًا امْضُوا في الأرْضِ وسِيحُوا فِيها ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ﴾ اللَّهُ تَعالى ﴿الخَلْقَ﴾ أيْ كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى، فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ مُؤْذِنٌ بِتَتَبُّعِ أحْوالِ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها، وعَلى هَذا تَتَغايَرُ الكَيْفِيَّةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ والكَيْفِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِما أنَّ الأوْلى كَما عَلِمْتَ بِاعْتِبارِ المادَّةِ وعَدَمِها وهَذِهِ بِاعْتِبارِ تَغايُرِ الأحْوالِ. ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ في الآيَةِ الأوْلى بِالمُضارِعِ أعْنِي ﴿يُبْدِئُ﴾ دُونَ الماضِي كَما هُنا لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِما أنَّ بَدْءَ الخَلْقِ مِن مادَّةٍ وغَيْرِها أغْرَبُ مِن بَدْءِ الخَلْقِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلى مَعْنى أنَّ خَلْقَ الأشْياءِ أغْرَبُ مِن جَعْلِ أطْوارِها مُخْتَلِفَةً، وأنْتَ إذا لاحَظْتَ أنَّ خَلْقَ الأشْياءِ يَعُودُ في الآخِرَةِ إلى إيجادِها مَن كَتْمِ العَدَمِ مِن غَيْرِ سَبْقِ مادَّةٍ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ وأنَّ جَعْلَ أطْوارِها مُخْتَلِفَةً إنَّما هو بَعْدَ سَبْقِ المادَّةِ ولَوْ سَبْقًا ذاتِيًّا وهو ما قامَ بِهِ الِاخْتِلافُ أعْنِي ذَواتِ الأشْياءِ لا تَشُكُّ في أنَّ الأوَّلَ أغْرَبُ مِنِ الثّانِي، ولِذا تَرى التَّمَدُّحَ بِأصْلِ الخَلْقِ في القُرْآنِ العَظِيمِ أكْثَرُ مِنَ التَّمَدُّحِ بِالجَعْلِ المَذْكُورِ. وقَدْ وافَقَ الصِّيغَةَ في الإشْعارِ بِالغَرابَةِ بِناءُ الفِعْلِ مِن بابِ الإفْعالِ فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ ولِذا قالُوا: إنَّهُ مُخِلٌّ بِالفَصاحَةِ لَوْلا وُقُوعُهُ مَعَ (يُعِيدُ، ومِمّا يُقَرِّبُ مِن هَذا السِّرِّ ما قِيلَ في وجْهِ حَذْفِ الياءِ مِن يَسْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفَجْرِ: 4] مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُسْرى فِيهِ لا يَسْرِي أيْ لِيَدُلَّ مُخالَفَةُ الظّاهِرِ في اللَّفْظِ عَلى مُخالَفَتِهِ في المَعْنى وهو مَعْنًى دَقِيقٌ. وقِيلَ في وجْهِ التَّعْبِيرِ بِما ذَكَرَ إفادَةَ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ وهو بِناءٌ عَلى المَعْنى الثّانِي في الآيَةِ. وقالَ بَعْضُهم في تَغايُرِ الدَّلِيلَيْنِ: إنَّ هَذا عَيْنِيٌّ وذَلِكَ عِلْمِيٌّ أوْ هَذا آفاقِيٌّ والأوَّلُ أنْفُسِيٌّ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ» بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها ألِفًا ثُمَّ حَذْفِها في الوَصْلِ. قالَ أبُو حَيّانَ: وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ كَما قالَ: فارِعَيْ فَزارَةَ لا هُناكَ المَرْتَعُ، وقِياسُ تَخْفِيفِ هَذا التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيْ بَعْدَ النَّشْأةِ الأُولى الَّتِي شاهَدْتُمُوها والنَّشْأةُ الإيجادُ والخَلْقُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإعادَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ النِّزاعِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِ البَدْءِ نَشْأةً أوْلى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما شَأْنٌ واحِدٌ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً واسْمًا مِن حَيْثُ إنَّ (كُلًّا) مِنهُما اخْتِراعٌ وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِالأوَّلِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ كَذا قِيلَ. والظّاهِرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَسَدَ يُعْدَمُ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعادُ خَلْقًا جَدِيدًا لا أنَّهُ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ ثُمَّ تُجْمَعُ بَعْدَ تَفَرُّقِها وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والأدِلَّةُ مُتَعارِضَةٌ، والمَسْألَةُ كَما قالَ ابْنُ الهُمامِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ ظَنِّيَّةٌ، وفي كِتابِ الِاقْتِصادِ في الِاعْتِقادِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ، فَإنْ قِيلَ: فَما تَقُولُونَ أتُعْدَمُ الجَواهِرُ والأعْراضُ ثُمَّ تُعادّانِ جَمِيعًا أوْ تُعْدَمُ الأعْراضُ دُونَ الجَواهِرِ وإنَّما تُعادُ الأعْراضُ؟ قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ ولَكِنْ لَيْسَ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ المُمَكَّناتِ انْتَهى، وذَهَبَ ابْنُ الهُمامِ إلى أنَّ الحَقَّ وُقُوعُ الكَيْفِيَّتَيْنِ إعادَةِ ما انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وتَأْلِيفِ ما تَفَرَّقَ مِنَ الأجْزاءِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ بَدْءَ الإنْسانِ ونَحْوِهِ لَيْسَ اخْتِراعًا مَحْضًا وإخْراجًا مِن كَتْمِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في الحَقِيقَةِ لِما أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرابِ وسائِرِ العَناصِرِ، والظّاهِرُ أنَّ فَناءَهُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ صَيْرُورَتِهِ عَدَمًا مَحْضًا بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ انْحِلالِهِ إلى ما تَرَكَّبَ مِنهُ ورُجُوعُ كُلِّ عُنْصُرٍ إلى عُنْصُرِهِ. نَعَمْ لا شَكَّ في فَناءِ بَعْضِ الأعْراضِ وانْعِدامِها بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُسْتَثْنى مِنهُ بَعْضُ الأجْزاءِ فَلا يَنْحَلُّ إلى ما مِنهُ التَّرْكِيبُ بَلْ يَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ وهو عَجَبُ الذَّنْبِ لِظاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ««لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ لا يَبْلى إلّا عَظَمًا واحِدًا وهو عَجَبُ الذَّنْبِ مِنهُ صفحة 148 يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ»» وتَأْوِيلُهُ بِما أوَّلَهُ بِهِ مُلّا صَدْرا في أسْفارِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ فالإعادَةُ تَكُونُ بِتَرْكِيبِ ما انْحَلَّ مِنَ العَناصِرِ وضَمِّهِ إلى هَذا الجُزْءِ فَلا تَكُونُ اخْتِراعًا مَحْضًا وإخْراجًا مِن كَتْمِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في الحَقِيقَةِ، لَكِنْ لِكُلٍّ مِنَ البَدْءِ والإعادَةِ شَبَهٌ تامٌّ بِالِاخْتِراعِ والإخْراجِ المَذْكُورِ، وبِهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِكُلِّ اخْتِراعٍ وإخْراجٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَلا تَغْفُلْ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سِيرُوا في الأرْضِ﴾ داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ القَوْلِ، ولا يَضُرُّ تَخالُفُهُما خَبَرًا وإنْشاءً فَإنَّهُ جائِزٌ بَعْدَ القَوْلِ وما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُها عَلى بَدَأ الخَلْقَ لِأنَّها لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مَوْقِعًا لِلنَّظَرِ أمّا إنْ كانَ بِمَعْنى الإبْصارِ فَظاهِرٌ وأمّا إنْ كانَ بِمَعْنى التَّفَكُّرِ فَلِأنَّ التَّفَكُّرَ في الدَّلِيلِ لا في النَّتِيجَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ وإيقاعُهُ مُبْتَدَأً مَعَ إضْمارِهِ في بَدَأ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ تَحَقُّقِ الإعادَةِ بِالإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّهُ الِاسْمُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ وتَكْرِيرِ الإسْنادِ ورَدِّ ما تَقَدَّمَ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ فَلا يُحْتاجُ لِلتَّوْجِيهِ وكَوْنُ المُرادِ مِنهُ لَيْسَ إثْباتَ الإعادَةِ لِمَن أنْكَرَها فَلِذا لَمْ يُنْسَجْ عَلى هَذا المِنوالِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «النَّشاءَةَ» بِالمَدِّ وهُما لُغَتانِ كالرَّأْفَةِ والرَّآفَةِ والقَصْرُ أشْهَرُ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ يُنْشِئُ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والأصْلُ الإنْشاءَةُ أوْ بِحَذْفِ العامِلِ أيْ يُنْشِئُ فَيَنْشَؤُونَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ نَحْوَ ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: 17] ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ فَإنَّ مِن عَلِمَ قُدْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإعادَةُ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَتَرَدَّدَ في قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها ولا في وُقُوعِها بَعْدَ ما أخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ لا يَقُولُونَ بِاسْتِحالَتِهِ كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ بَلْ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ اسْتِبْعادُهُ، والرَّدُّ عَلى هَؤُلاءِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها ظاهِرٌ لِما فِيها مِمّا يُزِيلُ الِاسْتِبْعادَ مِنَ الإبْداءِ الَّذِي هو في الشّاهِدِ أشَقُّ مِنَ الإعادَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ بِاسْتِحالَتِهِ عَقْلًا فَلا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ القائِلُونَ بِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن إعادَةِ المَعْدُومِ ولَيْسَ مِن جَمْعِ المُتَفَرِّقِ بِإبْطالِ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى الِاسْتِحالَةِ، وقَدْ تَكَفَّلَتِ الكُتُبُ الكَلامِيَّةُ بِذَلِكَ، وأمّا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها فَلِما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى تَزْيِيفِ أدِلَّةِ الِاسْتِحالَةِ فَتَدَبَّرْ

العنكبوت 29:21

﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ ما بَعْدَ النَّشْأةِ الآخِرَةِ أيْ يُعَذِّبُ بَعْدَ النَّشْأةِ الآخِرَةِ مَن يَشاءُ تَعْذِيبَهُ وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها ﴿ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ رَحْمَتَهُ وهُمُ المُقِرُّونَ بِها ﴿وإلَيْهِ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُقْلَبُونَ﴾ أيْ تُرَدُّونَ، والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِلْإعادَةِ وتَوْطِئَةٌ لِما بَعْدُ، وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ لِما أنَّ التَّرْهِيبَ أنْسَبُ بِالمَقامِ مِنَ التَّرْغِيبِ

العنكبوت 29:22

﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لَهُ تَعالى عَنْ إجْراءِ حُكْمِهِ وقَضائِهِ عَلَيْكم ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ بِالهَرَبِ في الأرْضِ الفَسِيحَةِ أوِ الهُبُوطِ في مَكانٍ بَعِيدِ الغَوْرِ والعُمْقِ بِحَيْثُ لا يُوصَلُ إلَيْهِ فِيها ولا بِالتَّحَصُّنِ في السَّماءِ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها أوِ الَّتِي هي أمْنَعُ لِمَن حَلَّ فِيها عَنْ أنْ تَنالَهُ أيْدِي الحَوادِثِ فِيما تَرَوْنَ لَوِ اسْتَطَعْتُمُ الرُّقِيَّ إلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرَّحْمَنِ: 33] أوِ البُرُوجِ والقِلاعِ المُرْتَفِعَةِ في جِهَتِها عَلى ما قِيلَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والفَرّاءُ: إنَّ ﴿فِي السَّماءِ﴾ صِلَةُ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ والتَّقْدِيرُ ولا مَن في السَّماءِ بِمُعْجِزٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وضَعُفَ بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ حَسّانَ: صفحة 149 أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ عَلى ما هو الظّاهِرُ فِيهِ، عَلى أنَّ ابْنَ مالِكٍ اشْتَرَطَ في جَوازِهِ عَطْفَ المَوْصُولِ المَحْذُوفِ عَلى مَوْصُولٍ آخَرَ مَذْكُورٍ كَما في هَذا البَيْتِ، وبِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الخَبَرِ أيْضًا مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولِهَذا جَعَلَ بَعْضُهُمُ المَوْصُولَ مَعْطُوفًا عَلى أنْتُمْ ولَمْ يَجْعَلْهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ لِيَكُونَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَوْصُولَ مَحْذُوفٌ في مَوْضِعَيْنِ وأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِمُعْجِزِينَ وقالَ: التَّقْدِيرُ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَن في الأرْضِ أيْ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ ولا مَن في السَّماءِ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَيْفَ تُعْجِزُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا في غايَةِ البُعْدِ ولا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ لَيْسَ في الآيَةِ حَذْفٌ أصْلًا، والسَّماءُ هي المِظَلَّةُ إلّا أنَّ (أنْتُمْ) خِطابٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المَلائِكَةُ ويَكُونُ السَّماءُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمْ والأرْضُ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ وهو كَما تَرى. ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَحْرُسُكم مِن بَلاءٍ أرْضِيٍّ أوْ سَماوِيٍّ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْكُمْ

العنكبوت 29:23

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِدَلائِلِهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها النَّشْأةُ الأُولى الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والآياتُ النّاطِقَةُ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُها بِدَلائِلَ وحْدانِيَّتِهِ تَعالى لا يُناسِبُ المَقامَ﴿ولِقائِهِ﴾ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ تِلْكَ الآياتُ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى ولِقائِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ يَيْأسُونَ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ، وإلّا فالكافِرُ لا يُوصَفُ بِاليَأْسِ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا رَجاءَ لَهُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَ مُبايَنَةِ حالِهِمْ وحالِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِ الرَّجاءُ والخَشْيَةُ وحالَ الكافِرِ الِاغْتِرارُ واليَأْسُ فَهو لا يَخْطِرُ بِبالِهِ رَجاءً ولا خَوْفًا؛ إنَّ أخْطَرَ المَخُوفِ بِبالِهِ كانَ حالُهُ اليَأْسَ بَدَلَ الخَوْفِ وإنَّ أخْطَرَ المَرْجُوِّ كانَ حالُهُ الِاغْتِرارَ بَدَلَ الرَّجاءِ، فَكَأنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلى كُفْرِهِمْ وتَعْرِيفٌ لِحالِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ. شُبِّهُوا بِالآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ ما دامَتِ الحَياةُ لا يَتَحَقَّقُ اليَأْسُ مِنِ الرَّحْمَةِ لِرَجاءِ الإيمانِ، أوْ مِن قُدِّرَ آيِسًا مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى الفَرْضِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الكُفْرِ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ وقَرَأ الذِّمارِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، «يَيْسُوا» بِغَيْرِ هَمْزٍ بَلْ بِياءٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ وتَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَنْكِيرِ العَذابِ ووَصْفُهُ بِالألِيمِ مِنِ الدَّلالَةِ عَلى فَظاعَةِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى لَكِنْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الرَّحْمَةَ إلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ دُونَ العَذابِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ رَحْمَتَهُ جَلَّ وعَلا سَبَقَتْ غَضَبَهُ سُبْحانَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلالَةً عَلى سُوءِ حالِهِمْ أيْضًا لِإفادَتِها أنَّهم حُرِمُوا تِلْكَ الرَّحْمَةَ العَظِيمَةَ بِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ العَظائِمِ

العنكبوت 29:24

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ . وقَرَأ الحَسَنُ وسالِمٌ الأفْطَسُ بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ في نَظائِرِهِ، والمُرادُ بِالقَتْلِ ما كانَ بِسَيْفٍ ونَحْوِهِ فَتَظْهَرُ مُقابَلَةُ الإحْراقِ لَهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلٍ أوْ بِمَعْنى بَلْ، والآمِرُونَ بِذَلِكَ إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ كُبَرائِهِمْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ: اقْتُلُوهُ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم إذا مَضَّتْهُ صفحة 150 النّارُ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإحْراقِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ وناسٌ بِالإحْراقِ، وفي اقْتَرَبَ قالُوا حَرِّقُوهُ اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو الَّذِي فَعَلُوهُ رَمَوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ حُجَجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الشَّنِيعَةُ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ إنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جَوابُهم بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وإلّا فَقَدَ صَدَرَ عَنْهم مِنَ الخُرافاتِ والأباطِيلِ ما لا يُحْصى ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَألْقَوْهُ في النّارِ فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنها بِأنَّ جَعَلَها سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا حَسْبَما بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها وإنْجائِهِ تَعالى إيّاهُ مِنها، وكانَ ذَلِكَ في كَوْثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وكَوْنُهُ في المَكانِ المَشْهُورِ اليَوْمَ مِن أرْضِ الرَّها وعِنْدَهُ صُورَةُ المَنجَنِيقِ وماءٌ فِيهِ سَمَكٌ لا يُصْطادُ ولا يُؤْكَلُ حُرْمَةً لَهُ لا أصْلُ لَهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في إنْجائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها ﴿لآياتٍ﴾ بَيِّنَةً عَجِيبَةً وهي حِفْظُهُ تَعالى إيّاهُ مِن حَرِّها وإخْمادِها في زَمانٍ يَسِيرٍ وإنْشاءِ رَوْضٍ في مَكانِها. وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبَلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، ولَوْلا وُقُوعُ اسْمِ الإشارَةِ في أثْناءِ القِصَّةِ لَكانَ الأوْلى كَوْنَهُ إشارَةً إلى ما تَضَمَّنَتْهُ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالفَحْصِ عَنْها، والتَّأمُّلِ فِيها.

العنكبوت 29:25

﴿وقالَ﴾ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا لَهم بَعْدَ أنْ أنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنِ النّارِ. ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها واتِّفاقِكم عَلَيْها وائْتِلافِكم كَما يَتَّفِقُ النّاسُ عَلى مَذْهَبٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ تَحابِّهِمْ وتَصادُقِهِمْ، فالمَفْعُولُ لَهُ غايَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الفِعْلِ ومَعْلُولٌ لَهُ في الخارِجِ، أوِ المَعْنى إنَّ مَوَدَّةَ بَعْضِكم بَعْضًا هي الَّتِي دَعَتْكم إلى اتِّخاذِها بِأنْ رَأيْتُمْ بَعْضَ مَن (تَوَدُّونَهُ) اتَّخَذَها فاتَّخَذْتُمُوها مُوافَقَةً لَهُ لِمَوَدَّتِكم إيّاهُ، وهَذا كَما يَرى الإنْسانُ مَن يَوَدُّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَفْعَلُهُ ﴿مَوَدَّةَ﴾ لَهُ، فالمَفْعُولُ لَهُ عَلى هَذا عِلَّةٌ باعِثَةٌ عَلى الفِعْلِ ولَيْسَ مَعْلُولًا لَهُ في الخارِجِ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ وأنَّ الدّاعِيَ لِاتِّخاذِها رَجاءُ النَّفْعِ أوْ خَوْفُ الضُّرِّ، وكَأنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ ما جَعَلُوهُ عِلَّةً لِاتِّخاذِها عِلَّةً وهو ما أشارُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما (نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: 3] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أمْرًا مَوْهُومًا لا حَقِيقَةَ لَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عِلَّةً باعِثَةً وسَبَبًا حامِلًا لِمَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أُناسًا مَخْصُوصِينَ، والقائِلُونَ: ﴿ما (نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أُناسًا غَيْرَهُمْ، وقِيلَ: (إنَّ) الأوْثانَ أوَّلُ ما اتُّخِذَتْ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أُناسٌ صالِحُونَ فَماتُوا وأسِفَ عَلَيْهِمْ أهْلُ زَمانِهِمْ فَصَوَّرُوا أحْجارًا بِصُوَرِهِمْ حُبًّا لَهم فَكانُوا يُعَظِّمُونَها في الجُمْلَةِ ولَمْ يَزَلْ تَعْظِيمُها يَزْدادُ جِيلًا فَجِيلًا حَتّى عُبِدَتْ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، والمَعْنى إنَّما اتَّخَذَ أسْلافُكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا إلَخْ، ومَثَلُهُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ، وثانِي مَفْعُولَيِ اتَّخَذْتُمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ آلِهَةً. وقالَ مَكِّيٌّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اتَّخِذْ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ [الأعْرافِ: 152] ورُدَّ بِأنَّهُ مِمّا حُذِفَ مَفْعُولُهُ الثّانِي أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَوَدَّةَ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتَ مَوَدَّةِ وكَوْنُها ذاتَ مَوَدَّةٍ بِاعْتِبارِ كَوْنِها سَبَبَ المَوَدَّةِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ المُضافَ المَحْذُوفَ صفحة 151 هُوَ لَفْظُ سَبَبٍ، وقَدْ يُسْتَغْنى عَنِ التَّقْدِيرِ بِتَأْوِيلِ مَوَدَّةٍ بِمَوْدُودَةٍ، أوْ بِجَعْلِها نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً، واعْتُرِضَ جَعْلُ مَوَدَّةِ المَفْعُولِ الثّانِي بِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِالإضافَةِ إلى المُضافِ إلى الضَّمِيرِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ نَكِرَةٌ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُما في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن غَيْرِ جَوازِ ذَلِكَ في أصْلِهِما عَدَمُ جَوازِهِ فِيهِما، وإذا سَلِمَ اللُّزُومُ فَلا يَسْلَمُ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِي هُنا مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ لِما أنَّها عَلى الِاتِّساعِ فَهي مِن قَبِيلِ الإضافَةِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا وإنَّما تُفِيدُ تَخْفِيفًا في اللَّفْظِ، كَذا قِيلَ: وهو كَما تَرى. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «مَوَدَّةً» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ بَيْنَكم بِالنَّصْبِ، والوَجْهُ أنَّ مَوَدَّةً مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ و«بَيْنَكُمْ» مَنصُوبٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ «مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ» بِرَفْعِ مَوَدَّةُ مُضافَةً إلى بَيْنِ وخَفْضِ بَيْنِ بِالإضافَةِ، وخَرَجَ الرَّفْعُ عَلى أنَّ مَوَدَّةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي مَوَدَّةٌ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ المَعْرُوفَةِ والجُمْلَةُ صِفَةُ أوْثانًا، وجُوِّزَ كَوْنُها المَفْعُولَ الثّانِيَ أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ إنَّ اتِّخاذَكُمْ، أوْ مَوْصُولَةٌ قَدْ حُذِفَ عائِدُها وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ، ويَجْرِي فِيهِ التَّأْوِيلاتُ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ «مَوَدَّةُ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ «بَيْنَكُمْ» بِالنَّصْبِ، ووَجْهُ كُلِّ مَعْلُومٍ مِمّا مَرَّ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ «مَوَدَّةُ» بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ و«بَيْنَكُمْ» بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى لازِمِ البَنّاءِ فَمَحَلُّهُ الجَرُّ بِإضافَةِ مَوَدَّةِ إلَيْهِ، ولِذا سَقَطَ التَّنْوِينُ مِنها. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ والأوْجُهُ فِيها أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ ذَكَرَها أبُو البَقاءِ. الأوَّلُ: أنْ يَتَعَلَّقَ بِاتَّخَذْتُمْ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً ونَصْبِ مَوَدَّةَ لا عَلى جَعْلِها مَوْصُولَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، ورَفَعَ مَوَدَّةُ لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. الثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ مَوَدَّةٍ إذا لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَ صِفَةٍ لَها بِناءً عَلى أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ لا يَعْمَلُ مُطْلَقًا، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّعَلُّقَ وإنْ جَعَلَ بَيْنَ صِفَةً لِما أنَّهُ يَتَّسِعُ بِالظَّرْفِ ما لَمْ يَتَّسِعْ في غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ عَمَلُ المَصْدَرِ بِهِ بَعْدَ الوَصْفِ. الثّالِثُ: أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ بَيْنَكم لِأنَّ مَعْناهُ اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. الرّابِعُ: أنْ يُجْعَلَ حالًا مِن بَيْنِكم لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بَعْدَ نَقْلِهِما عَنْ أبِي البَقاءِ كَما ذَكَرْنا بِأنَّهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. الخامِسُ: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً ثانِيَةً لِمَوَدَّةَ إذا نُوِّنَتْ وجُعِلَ بَيْنِكم صِفَةٌ لَها، وأجازَ ذَلِكَ مَكِّيٌّ وأبُو حَيّانَ أيْضًا. السّادِسُ: أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَوَدَّةَ ويَجْعَلَ بَيْنَكم ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِها أيْضًا، وعَمِلَ مَوَدَّةَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما. السّابِعُ: أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في بَيْنَكم إذا جُعِلَ وصْفًا لِمَوَدَّةً والعامِلُ الظَّرْفُ لِأنَّ العامِلَ في ذِي الحالِ هو العامِلُ في الحالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مَوَدَّةً لِذَلِكَ. وقالَ مَكِّيٌّ: لِأنَّكَ قَدْ وصَفْتَها ومَعْمُولُ المَصْدَرِ مُتَّصِلٌ بِهِ فَيَكُونُ قَدْ فَرَّقْتَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِالصِّفَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا» بِزِيادَةِ «إنَّما» بَعْدَ أوْثانًا ورَفْعِ «مَوَدَّةُ» بِلا تَنْوِينٍ وجَرِّ بَيْنِ بِالإضافَةِ وخَرَجَتْ عَلى أنَّ مَوَدَّةَ مُبْتَدَأٌ وفي الحَياةِ الدُّنْيا خَبَرُهُ، والمَعْنى إنَّما تَوادُّكم عَلَيْها أوْ مَوَدَّتُكم إيّاها كائِنٌ أوْ كائِنَةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَتَبَدَّلُ الحالُ حَيْثُ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ﴾ وهُمُ العَبَدَةُ ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهُمُ الأوْثانُ ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ يَلْعَنُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنكم ومِنَ الأوْثانِ حَيْثُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى الفَرِيقَ صفحة 152 الآخَرَ، وفِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ وضَمِيرُ العُقَلاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْعَبَدَةِ لا غَيْرَ، والمُرادُ بِكَفَرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ التَّناكُرُ أيْ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَظْهَرُ التَّناكُرُ والتَّلاعُنُ بَيْنَكم أيَّتُها العَبَدَةُ لِلْأوْثانِ. ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ هي مَنزِلُكُمُ الَّذِي تَأْوُونَ إلَيْهِ ولا تَرْجِعُونَ مِنهُ أبَدًا. ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَكم مِنها كَما خَلَّصَنِي رَبِّي مِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَيْتُمُونِي فِيها، وجَمْعُ النّاصِرِينَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ، أيْ ما لِأحَدٍ مِنكم مِن ناصِرٍ أصْلًا

العنكبوت 29:26

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَمِيعِ مَقالاتِهِ أوْ بِنُبُوَّتِهِ حِينَ ادَّعاها لا أنَّهُ صَدَّقَهُ فِيما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قَبْلُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُتَنَزِّهًا عَنِ الكُفْرِ، وما قِيلَ: إنَّهُ آمَنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تَحْرُقْهُ ضَعِيفُ رِوايَةٍ وكَذا دِرايَةٍ، لِأنَّهُ بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ إيمانِهِ قَبِلَ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الرُّتْبَةُ العالِيَةُ مِنها وهي الَّتِي لا يَرْتَقِي إلَيْها إلّا الأفْرادُ، ولُوطٌ عَلى ما في جامِعِ الأُصُولِ ابْنُ أخِيهِ هارانَ بْنِ تارَحَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ ﴿وقالَ﴾ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَما ذَهَبَ إلَيْهِ قَتادَةَ والنَّخَعِيُّ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ أيْ مِن قَوْمِي ﴿إلى رَبِّي﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها، وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي، وقِيلَ: المَعْنى مُهاجِرُ مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي ﴿إنَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿هُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ فَيَمْنَعُنِي مِن أعْدائِي ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا وفِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِما فِيهِ صَلاحِي. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هاجَرَ مِن كَوْثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ مَعَ لُوطًا وسارَّةَ ابْنَةِ عَمِّهِ إلى حَرّانَ، ثُمَّ مِنها إلى الشّامِ فَنَزَلَ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، ونَزَلَ لُوطٌ سَذُومَ وهي المُؤْتَفِكَةُ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ عَلى ما في الكَشّافِ والبَحْرِ خَمْسًا وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ تَعالى

العنكبوت 29:27

﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ ولَدًا ونافِلَةً حِينَ أيِسَ مِن عَجُوزٍ عاقِرٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ ولا حاجَةَ إلى عَطْفِها عَلى مُقَدَّرٍ كَأصْلَحْنا أمْرَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ لِأنَّ المَقامَ مَقامَ الِامْتِنانِ وذِكْرَ الإحْسانِ وذَلِكَ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ لِما أشَرْنا إلَيْهِ بِخِلافِ إسْماعِيلَ وقِيلَ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ ذِكْرَهُ هاهُنا لِأنَّهُ ابْتُلِيَ بِفِراقِهِ ووَضْعِهِ بِمَكَّةَ مَعَ أُمِّهِ دُونَ أنِيسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذُكِرَ ضِمْنًا وتَلْوِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِشُهْرَةِ أمْرِهِ وعُلُوِّ قَدْرِهِ، هَذا مَعَ أنَّ المُخاطَبَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو مِن أوْلادِهِ وأعْلَمُ بِهِ، والمُرادُ بِالكِتابِ جِنْسُهُ المُتَناوِلُ لِلْكُتُبِ الأرْبَعَةِ ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ﴾ عَلى ما عَمِلَ لَنا ﴿فِي الدُّنْيا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: بِإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ والثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وضَمَّ إلى ذَلِكَ ابْنَ جُرَيْجٍ الوَلَدَ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ. وقَدْ يُضَمُّ إلى ذَلِكَ أيْضًا اسْتِمْرارُ النُّبُوَّةِ في ذُرِّيَّتِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّ ذَلِكَ إراءَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو التَّوْفِيقُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هو الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: صفحة 153 هُوَ بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ، ولا يَخْفى حالُ بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ آتَيْناهُ أجْرَهُ بِمُقابَلَةِ هِجْرَتِهِ إلَيْنا، وعَلَيْهِ لا يَصِحُّ عَدُّ الإنْجاءِ مِنَ النّارِ مِنَ الأجْرِ بَلْ يُعَدُّ إعْطاءُ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارُ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ ونَحْوُهُ ذَلِكَ مِمّا كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِنَ الأجْرِ، وعَطْفُ هَذا وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ لَفي عِدادِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ مِنَ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، بِأنَّهُ لَمّا عَدَّدَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ قالَ سُبْحانَهُ: وجَمَعْنا لَهُ مَعَ ما ذَكَرَ خَيْرَ الدّارَيْنِ

العنكبوت 29:28

﴿ولُوطًا﴾ عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ أوْ عَلى نُوحًا والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ كالَّذِي في القِصَّةِ السّابِقَةِ. ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ الفِعْلَةَ البالِغَةَ في القُبْحِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ «أئِنَّكُمْ» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: ﴿ما (سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِكَمالِ قُبْحِها، فَإنَّ إجْماعَ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ عَلى التَّحاشِي عَنْها لَيْسَ إلّا لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ وتَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ الكَرِيمَةُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ تَأْتُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها

العنكبوت 29:29

﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ تَنْكِحُونَهم ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أيْ وتَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ بِسَبَبِ تَكْلِيفِ الغُرَباءِ والمارَّةِ تِلْكَ الفِعْلَةِ القَبِيحَةِ وإتْيانِهِمْ كُرْهًا أوْ وتَقْطَعُونَ سَبِيلَ النَّسْلِ بِالإعْراضِ عَنِ الحَرْثِ وإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ، وقِيلَ: تَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، وقِيلَ: تَقْطَعُونَهُ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ ﴿وتَأْتُونَ﴾ أيْ تَفْعَلُونَ ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ أيْ في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ إذْ أنْدِيَتُهم في مَجالِسِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا إذا كانَ فِيهِ أهْلُهُ فَإذا نامُوا عَنْهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ ﴿المُنْكَرَ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ: ««سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ فَقالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَخْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم»، وعَنْ مُجاهِدٍ ومَنصُورٍ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ هو إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا هو لَعِبُ الحَمامِ وتَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ والصَّفِيرُ والخَذْفُ ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو تَضارُطُهم وتَصافُعُهم فِيها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ هو الخَذْفُ بِالحَصى والرَّمْيُ وبِالبَنادِقِ والفَرْقَعَةُ ومَضْغُ العَلَكِ والسِّواكِ بَيْنَ النّاسِ وحَلُّ الإزارِ والسِّبابُ والفُحْشُ في المِزاحِ ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وكَذا في قِصَّةِ شُعَيْبٍ الآتِيَةِ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ وقَدْ سَبَقَهُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ واشْتَهَرَ أمْرُهُ عِنْدَ الخَلْقِ فَذَكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفاحِشَةِ وغَيْرِها، وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ عَلَيْهِما السَّلامُ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ويَدْعُو إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلِذَلِكَ دَعا كُلٌّ مِنهُما قَوْمَهُ إلى عِبادَتِهِ تَعالى كَذا في البَحْرِ. ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ فِيما تَعِدُنا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلى ما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أوْعَدَهم بِالعَذابِ، وقِيلَ: أيْ في دَعْوى اسْتِحْقاقِنا العَذابَ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ المَفْهُومَةِ مِنِ التَّوْبِيخِ المَعْلُومِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، صفحة 154 وقِيلَ: أيْ في دَعْوى اسْتِقْباحِ ذَلِكَ النّاطِقِ بِها كَلامُكَ وهَذا الجَوابُ صَدَرَ عَنْهم في المَرَّةِ الأُولى مِن مَرّاتِ مَواعِظِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما في سُورَةِ الأعْرافِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: 82] الآيَةَ وما في سُورَةِ النَّمْلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النَّمْلِ: 56] الآيَةَ فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الحَصْرِ هُنا والحَصْرِ هُناكَ، قالَهُ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ أبُو السُّعُودِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا التَّعْيِينَ يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ. وأُجِيبُ بِأنَّ مَضْمُونَيِ الجَوابَيْنِ يُشْعِرانِ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وذَلِكَ أنَّ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ مِن بابِ التَّكْذِيبِ والسُّخْرِيَةِ وهو أوْفَقُ بِأوائِلِ المَواعِظِ والتَّوْبِيخاتِ (وأخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ) ونَحْوُهُ مِن بابِ التَّعْذِيبِ والِانْتِقامِ، وهو أنْسَبُ بِأنْ يَكُونَ بَعْدَ تَكَرُّرِ الوَعْظِ والتَّوْبِيخِ المُوجِبِ لِضَجَرِهِمْ ومَزِيدِ تَألُّمِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَّشَفِّي، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي لِدَعْوى التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وقِيلَ في دَفْعِ المُنافاةِ بَيْنَ الحَصْرَيْنِ: إنَّ ما هُنا جَوابُ قَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ إذْ نَصَحَهُمْ، وما هُناكَ جَوابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إذْ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَ الجَوابَيْنِ صَدَرَ عَنْ كِبارِ قَوْمِهِ وأُمَرائِهِمْ والآخَرُ صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ الأجِلَّةِ يَقْتَضِي اخْتِيارَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الحَصْرَيْنِ بِالإضافَةِ إلى الجَوابِ الَّذِي يَرْجُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُتابَعَتِهِ فَتَأمَّلْ.

العنكبوت 29:30

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ بِإنْزالِ العَذابِ المَوْعُودِ ﴿عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِابْتِداعِ الفاحِشَةِ وسَنِّها فِيما بَعْدَهم والإصْرارِ عَلَيْها واسْتِعْجالِ العَذابِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، وإنَّما وصَفَهم بِذَلِكَ مُبالَغَةً في اسْتِنْزالِ العَذابِ

العنكبوت 29:31

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيِ البِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ ﴿قالُوا﴾ أيْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ الكَلامِ ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ قَرْيَةِ سَذُومَ وهي أكْبَرُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ وفِيها نَشَأتِ الفاحِشَةُ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ، ولِذا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ، وفي الإشارَةِ بِهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّها كانَتْ قَرِيبَةً مِن مَحَلِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإضافَةُ ﴿مُهْلِكُو﴾ إلى ﴿أهْلِ﴾ لَفْظِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَعْنَوِيَّةً لِتَنْزِيلِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ الماضِي لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ والمُبالَغَةِ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ بِإصْرارِهِمْ عَلى الظُّلْمِ وتَمادِيهِمْ في فُنُونِ الفَسادِ وأنْواعِ المَعاصِي، والتَّأْكِيدُ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أهْلَها﴾ دُونَ إنَّهم مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ وأخْصَرُ تَنْصِيصًا عَلى اتِّفاقِهِمْ عَلى الفَسادِ كَما اخْتارَهُ الخَفاجِيُّ. وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنْ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَنشَأً فَسادِ جِبِلَّتِهِمْ خُبْثُ طِينَتِهِمْ، فَفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مَن نَشَأ فِيها فَلا يَتَناوَلُ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ خَفاؤُها لَوْ كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى:

العنكبوت 29:32

﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ ما أشارُوا إلَيْهِ مِن عَدَمِ تَناوُلِ أهْلِ القَرْيَةِ إيّاهُ لَكِنَّهُ أرادَ التَّنْصِيصَ عَلى حالِهِ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ لِكَمالِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَعْلَمَ هَلْ يَبْقى في القَرْيَةِ عِنْدَ إهْلاكِهِمْ أوْ يَخْرُجَ مِنها ثُمَّ يُهْلَكُونَ، وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها﴾ دُونَ إنَّ مِنهم إشارَةً إلى ذَلِكَ، وأفْهَمَ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ اعْتِراضٌ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنَّ في القَرْيَةِ مَن لَمْ يَظْلِمْ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادَرَ مِن إضافَةِ الأهْلِ إلَيْها العُمُومُ، وحَمْلُ الأهْلِ عَلى مَن سَكَنَ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنْ تَوَلُّدُهُ بِها، أوْ مُعارَضَةٌ لِلْمُوجِبِ لِلْهَلاكِ وهو الظُّلْمُ بِالمانِعِ وهو أنَّ لُوطًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ صفحة 155 وهُوَ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَتِهِمْ، وأنَّ جَوابَ الرُّسُلِ المَحْكِيَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في لُوطٍ مَعَ ادِّعاءِ مَزِيدِ العِلْمِ بِهِ بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ وأنَّهم ما كانُوا غافِلِينَ عَنْهُ، وجَوابٌ عَنْهُ بِتَخْصِيصِ الأهْلِ بِمَن عَداهُ وأهْلَهُ عَلى الِاعْتِراضِ، أوْ بَيانُ وقْتِ إهْلاكِهِمْ بِوَقْتٍ لا يَكُونُ لُوطٌ وأهْلُهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ عَلى المُعارَضَةِ، وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ في الجُمْلَةِ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهم أرادُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ مَن نَشَأ بِها عَلى ما هو المُتَعارَفُ فَلا يَكُونُ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلًا في الأهْلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا ما قَوْلُ قَوْمِهِ ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ وفَهِمَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أرادُوهُ وعَلِمَ أنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنَ المُهْلَكِينَ إلّا أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونَ هَلاكُ قَوْمِهِ وهو بَيْنُ ظَهْرانَيْهِمْ في القَرْيَةِ فَيُوحِشُهُ ذَلِكَ ويُفْزِعُهُ. ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِإخْراجِهِ مِن قَرْيَةِ المُهْلَكِينَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقَرابَتِهِ مِنهُ ومَزِيدِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّحَزُّنِ والتَّفَجُّعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ [آلِ عِمْرانَ: 36] وجُلُّ قَصْدِهِ أنْ لا يَكُونَ فِيها حِينَ الإهْلاكِ فَأخْبَرُوهُ أوَّلًا بِمَزِيدِ عَلِمِهِمْ بِهِ وأفادُوهُ ثانِيًا بِما يَسُرُّهُ ويُسْكِنُ جَأْشَهُ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آلِ عِمْرانَ: 36] وأكَّدُوا الوَعْدَ بِالتَّنْجِيَةِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى مَزِيدِ اعْتِنائِهِمْ بِشَأْنِهِ وإمّا لِتَنْزِيلِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تَنْجِيَتَهُ لِما شاهَدُوا مِنهُ في حَقِّهِ، وتُحْمَلُ التَّنْجِيَةُ عَلى إخْراجِهِ مِن بَيْنِ القَوْمِ وفَصْلِهِ عَنْهم وحِفْظِهِ مِمّا يُصِيبُهم فَإنَّها بِهَذا المَعْنى الفَرْدُ الأكْمَلُ، ويُلائِمُ هَذا ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ وهو أحَدُ تَفْسِيرَيْنِ، ثانِيهِما ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وهو تَفْسِيرُهُ الغابِرِينَ بِالباقِينَ في العَذابِ فَتَأمَّلْ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى ذُو وُجُوهٍ، وفَسَّرَ الأهْلَ هُنا بِأتْباعِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُؤْمِنِينَ، وجُمْلَةُ ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ وكَذا في الِاسْتِثْناءِ فارْجِعْ إلَيْهِ

العنكبوت 29:33

﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيِ اعْتَراهُ المَساءَةُ والغَمُّ بِسَبَبِ الرُّسُلِ مَخافَةَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم قَوْمُهُ بِسُوءٍ كَما هو عادَتُهم مَعَ الغُرَباءِ، وقَدْ جاؤُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُوَرٍ حَسَنَةٍ إنْسانِيَّةٍ. وقِيلَ: ضَمِيرُ (بِهِمْ) لِلْقَوْمِ أيْ سِيءَ بِقَوْمِهِ لِما عَلِمَ مِن عَظِيمِ البَلاءِ النّازِلِ بِهِمْ، وكَذا ضَمِيرُ ﴿بِهِمْ﴾ الآتِي ولَيْسَ بِشَيْءٍ، (وأنْ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الكَلامِ الَّتِي زِيدَتْ فِيهِ فَتُؤَكِّدُ الفِعْلَيْنِ واتِّصالَهُما المُسْتَفادَ مِن لَمّا حَتّى كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ فاجَأتْهُ المَساءَةُ مِن غَيْرِ رَيْثٍ. ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ وضاقَ بِشَأْنِهِمْ وتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ ذَرْعُهُ أيْ طاقَتُهُ كَقَوْلِهِمْ: ضاقَتْ يَدُهُ، ويُقابِلُهُ رَحُبَ ذَرْعُهُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ قادِرًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ طَوِيلَ الذِّراعِ يَنالُ ما لا يَنالُهُ قَصِيرُ الذِّراعِ. ﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ عَطْفٌ عَلى سِيءَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ قالُوا: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هُودٍ: 81] وقالُوا إلَخْ، وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ كانَ بَعْدَ أنْ شاهَدُوا فِيهِ مَخايِلَ التَّضَجُّرِ مِن جِهَتِهِمْ وعايَنُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَجَزَ عَنْ مُدافَعَةِ قَوْمِهِ حَتّى آلَتْ بِهِ الحالُ إلى أنْ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هُودٍ: 80] والخَوْفِ لِلْمُتَوَقَّعِ والحُزْنِ لِلْواقِعِ في الأكْثَرِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى لا تَخَفْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِنّا ولا تَحْزَنْ عَلى قَصْدِهِمْ إيّانا وعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِكَ، ونَهْيِهِمْ عَنِ الخَوْفِ مِنَ التَّمَكُّنِ إنْ كانَ قَبْلَ إعْلامِهِمْ إيّاهُ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ بَعْدَ الإعْلامِ فَهو لِتَأْنِيسِهِ وتَأْكِيدِ ما أخْبَرُوهُ بِهِ. صفحة 156 وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: المَعْنى لا تَخَفْ عَلَيْنا وعَلَيْكَ ولا تَحْزَنْ بِما نَفْعَلُهُ بِقَوْمِكَ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ فَلا يُصِيبُكم ما يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ إنَّها ﴿كانَتْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ «لَنُنَجِيَنَّهُ» و«مُنْجُوكَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ في الثّانِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَدِّ نُونِ التَّوْكِيدِ، وفِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِها، وأيًّا ما كانَ فَمَحَلُّ الكافِ مِن مُنَجُّوكَ الجَرُّ بِالإضافَةِ ولِذا حُذِفَتِ النُّونُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ و«أهْلَكَ» مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ ونُنْجِي أهْلَكَ، وذَهَبَ الأخْفَشُ وهِشامٌ إلى أنَّ الكافَ في مَحَلِّ النَّصْبِ وأهْلَكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وحُذِفَتِ النُّونُ لِشِدَّةِ طَلَبِ الضَّمِيرِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ لِلْإضافَةِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ هَذا الكافِ مَحَلّانِ الجَرُّ والنَّصْبُ ويَجُوزُ العَطْفُ عَلَيْها بِالِاعْتِبارَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ «سِيءَ» بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ، وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ «سُوءَ» بِضَمِّها وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ وبَنِي دُبَيْرٍ يَقُولُونَ في نَحْوِ قِيلَ وبِيعَ قُولَ وبُوعَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: حُوكَتْ عَلى نَوْلَيْنِ إذْ تُحاكُ تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ ولا تُشاكُ

العنكبوت 29:34

﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِوَعْدِ التَّنْجِيَةِ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، والرِّجْزُ العَذابُ الَّذِي يُقْلِقُ المُعَذَّبَ أيْ يُزْعِجُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ارْتَجَزَ إذا ارْتَجَسَ واضْطَرَبَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «(مُنَزِّلُونَ)» بِالتَّشْدِيدِ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ «رُجْزًا» بِضَمِّ الرّاءِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المَعْهُودِ المُسْتَمِرِّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ بِكَسْرِ السِّينِ

العنكبوت 29:35

﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي آثارُ دِيارِها الخَرِبَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وقالَ قَتادَةُ: هي الحِجارَةُ الَّتِي أمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هي أنَّ أساسَها أعْلاها وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ وأنْكَرَ ذَوُو الأبْصارِ ذَلِكَ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً كَما يُقالُ: إنَّ في السَّماءِ آيَةً ويُرادُ أنَّها آيَةٌ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ (مِن في الواجِبِ نَحْوَ قَوْلِهِ: أمَرَهْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا يُرِيدُ أمْهَرْتُها. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنهُ أسَدًا، وقِيلَ: الآيَةُ حِكايَتُها العَجِيبَةُ الشّائِعَةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿مِنها﴾ لِلْفَعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ والآيَةُ الحِجارَةُ، أوِ الماءُ الأسْوَدُ والظّاهِرُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ولا يَخْفى مَعْنى (مَن عَلى هَذِهِ الأقْوالِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ (ولِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ تَرَكْنا أوْ بِبَيِّنَةٍ، واسْتَظْهَرَ الثّانِي هَذا، وفي الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ذَمِّ اللِّواطَةِ وقُبْحِها ما لا يَخْفى، فَهي كَبِيرَةٌ بِالإجْماعِ، ونَصُّوا عَلى أنَّها أشَدُّ حُرْمَةً مِنَ الزِّنا. وفي شَرْحِ المَشارِقِ لِلْأكْمَلِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عَقْلًا وشَرْعًا وطَبْعًا، وعَدَمُ وُجُوبِ الحَدِّ فِيها عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ عَلى ذَلِكَ لا لِخِفَّتِها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الحَدِّ لِلتَّغْلِيظِ لِأنَّ الحَدَّ مُطَهِّرٌ، وفي جَوازِ وُقُوعِها في الجَنَّةِ خِلافٌ، فَفي الفَتْحِ قِيلَ: إنْ كانَتْ حُرْمَتُها عَقْلًا وسَمْعًا لا تَكُونُ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتْ سَمْعًا فَقَطْ جازَ أنْ تَكُونَ فِيها والصَّحِيحُ أنَّها لا تَكُونُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَها واسْتَقْبَحَها فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 28] وسَمّاها خَبِيثَةً فَقالَ عَزَّ وجَلَّ صفحة 157 ﴿كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ [الأنْبِياءِ: 74] والجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْها. وتَعَقَّبَ هَذا الحَمَوِيُّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ خَبِيثًا في الدُّنْيا أنْ لا يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ في الجَنَّةِ ألا تَرى أنَّ الخَمْرَ أُمُّ الخَبائِثِ في الدُّنْيا ولَها وُجُودٌ في الجَنَّةِ، وفِيهِ بَحْثٌ، لِأنَّ خُبْثَ الخَمْرِ في الدُّنْيا لِإزالَتِها العَقْلَ الَّذِي هو عِقالٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ وهَذا الوَصْفُ لا يَبْقى لَها في الجَنَّةِ ولا كَذَلِكَ اللِّواطَةُ. وفي الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم لا أدْبارَ لَهم لِأنَّ الدُّبُرَ إنَّما خُلِقَ في الدُّنْيا لِخُرُوجِ الغائِطِ ولَيْسَتِ الجَنَّةُ مَحَلًّا لِلْقاذُوراتِ، وعَلَيْهِ فَعَدَمُ وُجُودِها في الجَنَّةِ ظاهِرٌ، ولا أظُنُّ ذا غَيْرَةٍ صادِقَةٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ أنْ يُلاطَ بِهِ في الجَنَّةِ سِرًّا أوْ عَلَنًا، وجَوازُ وُقُوعِها فِيها قَدْ يَنْجَرُّ إلى أنْ تَسْمَحَ نَفْسُهُ بِذَلِكَ أوْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ وذَلِكَ إذا اشْتَهى أحَدٌ أنْ يَلُوطَ بِهِ إذْ لا بُدَّ مِن حُصُولِ ما يَشْتَهِيهِ، وهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا في عَدَمِ وُقُوعِ اللِّواطَةِ مُطْلَقًا في الجَنَّةِ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي القَوْلَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ فَتَأمَّلْ

العنكبوت 29:36

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا في قِصَّةِ نُوحٍ أيْ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ ﴿أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ﴾ لَهم ﴿يا (قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ تَوَقَّعُوهُ وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما تَأْمَنُونَ بِهِ غائِلَتَهُ، أوِ الأمْرَ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الرَّجاءُ إقامَةَ المُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ فالمَعْنى افْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ ثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ، وإرادَةُ الثَّوابِ مِن إطْلاقِ الزَّمانِ عَلى ما فِيهِ، وقِيلَ: الأمْرُ بِرَجاءِ الثَّوابِ أمْرٌ بِسَبَبِهِ اقْتِضاءٌ بِلا تَجَوُّزٍ فِيهِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ والمَعْنى وخافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنِ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنكم إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ العَثْوَ الفَسادُ

العنكبوت 29:37

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فِيما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ مِن أنَّهم إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ وقَعَ بِهِمُ العَذابُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ تَعالى مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُعْبَدُ وحْدَهُ سُبْحانَهُ وأنَّ اليَوْمَ الآخِرَ مُتَحَقِّقُ الوُقُوعِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ وفي سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هُودٍ: 94] أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها المُوجِبَةُ لِلرَّجْفَةِ بِسَبَبِ تَمْوِيجِها لِلْهَواءِ وما يُجاوِرُها مِنَ الأرْضِ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ الرَّجْفَةَ هُنا بِالصَّيْحَةِ، فَقِيلَ: لِذَلِكَ وقِيلَ: لِأنَّها رَجَفَتْ مِنها القُلُوبُ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ بَلَدِهِمْ فَإنَّ الدّارَ تُطْلَقُ عَلى البَلَدِ، ولِذا قِيلَ لِلْمَدِينَةِ: دارُ الهِجْرَةِ أوِ المُرادُ مَساكِنُهم وأُقِيمَ فِيهِ الواحِدُ مَقامَ الجَمْعِ لِأمْنِ اللَّبْسِ لِأنَّهم لا يَكُونُونَ في دارٍ واحِدَةٍ ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ الرَّجْفَةَ خَرَّبَتْ مَساكِنَهم وهَدَمَتْ ما بَيْنَها مِنَ الجُدْرانِ فَصارَتْ كَمَسْكَنٍ واحِدٍ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ بارِكِينَ عَلى الرَّكْبِ، والمُرادُ مَيِّتِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ هو اسْتِعارَةٌ لِلْمُقِيمِينَ مِن قَوْلِهِمْ: جَثَمَ الطّائِرُ إذا قَعَدَ ولَطِئَ بِالأرْضِ ويَرْجِعُ هَذا إلى مَيِّتِينَ أيْضًا

العنكبوت 29:38

﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ مَنصُوبانِ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ المُضْمَرِ أيْ وقَدْ ظَهَرَ لَكم أتَمَّ ظُهُورٍ إهْلاكُنا إيّاهم مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ أوْ بِسَبَبِها. وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَيْها عِنْدَ اجْتِيازِكم بِها ذَهابًا إلى الشّامِ وإيابًا مِنهُ، وجُوِّزَ كَوْنُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً، وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ بِإضْمارِ اذْكُرُوا أيْ واذْكُرُوا عادًا وثَمُودَ. صفحة 158 والمُرادُ ذِكْرُ قِصَّتِهِما أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ خِطابًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجُمْلَةُ (قَدْ تَبَيَّنَ) حِيالِيَّةٌ، وقِيلَ: هِيَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ وقُلْ: قَدْ تَبَيَّنَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ واقِعَةٍ في حَيِّزِ القَوْلِ أيِ اذْكُرْ عادًا وثَمُودَ قائِلًا قَدْ مَرَرْتُمْ عَلى مَساكِنِهِمْ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم إلَخْ، وفاعِلُ تَبَيَّنَ الإهْلاكُ الدّالُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ مَساكِنُهم عَلى أنَّ (مِن) زائِدَةٌ في الواجِبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الأعْمَشِ «مَساكِنُهُمْ» بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ مِن، وكَوْنُ (مِن) هي الفاعِلَ عَلى أنَّها اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ مِمّا لا يَخْفى حالُهُ. وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والمَعْنى يَأْباهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: مَنصُوبانِ بِالعَطْفِ عَلى الَّذِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهو كَما تَرى، والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ في ناصِبِهِما سِوى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «وثَمُودًا» بِالتَّنْوِينِ بِتَأْوِيلِ الحَيِّ، وهو عَلى قِراءَةِ تَرْكِ التَّنْوِينِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «وعادٍ وثَمُودٍ» بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى مَدْيَنَ عَلى ما في البَحْرِ أيْ وأرْسَلَنا إلى عادٍ وثَمُودَ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المَعْهُودِ وهو السَّوِيُّ المُوصِلُ إلى الحَقِّ، وحَمْلُهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ حَصْرًا لَهُ في المُوصِلِ إلى النَّجاةِ تَكَلُّفٌ ﴿وكانُوا﴾ أيْ عادٌ وثَمُودُ لا أهْلُ مَكَّةَ كَما تُوُهِّمَ: ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ عُقَلاءَ يُمْكِنُهُمُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ ولَكِنَّهم أغْفَلُوا ولَمْ يَتَدَبَّرُوا وقِيلَ: عُقَلاءُ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا وجُحُودًا، وقِيلَ: مُتَبَيِّنِينَ أنَّ العَذابَ لاحِقٌ بِهِمْ بِإخْبارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم ولَكِنَّهم لَجُّوا حَتّى لَقُوا ما لَقُوا. وعَنْ قَتادَةَ والكَلْبِيِّ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ المَعْنى كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ يَحْسَبُونَ أنَّهُ عَلى هُدًى وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أيْ مُعْجَبِينَ بِضَلالَتِهِمْ وهو تَفْسِيرٌ بِحاصِلِ ما ذُكِرَ، وهو مَرْوِيٌّ كَما في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها

العنكبوت 29:39

﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عادًا، وتَقْدِيمُ قارُونَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ لِحَسَدِهِمْ لَهُ، وقارُونُ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ لَقِيَ مِنهُ ما لَقِيَ، أوْ لِأنَّ حالَهُ أوْفَقُ بِحالِ عادٍ وثَمُودَ فَإنَّهُ كانَ مِن أبْصَرِ النّاسِ وأعْلَمِهِمْ بِالتَّوْراةِ ولَمْ يُفْدِهِ الِاسْتِبْصارُ شَيْئًا كَما لَمْ يَفْدِهِمْ كَوْنُهم مُسْتَبْصِرِينَ شَيْئًا، أوْ لِأنَّ هَلاكَهُ كانَ قَبْلَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وهامانَ فَتَقْدِيمُهُ عَلى وفْقِ الواقِعِ، أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ مِن فِرْعَوْنَ وهامانَ لِإيمانِهِ في الظّاهِرِ وعِلْمِهِ بِالتَّوْراةِ وكَوْنِهِ ذا قَرابَةٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ في تَقْدِيمِهِ لِذَلِكَ في مَقامِ الغَضَبِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَحْوَ هَذا الشَّرَفِ لا يُفِيدُ شَيْئًا ولا يُنْقِذُ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفْرِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ لِأنَّ مَن في الأرْضِ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَكْبِرَ. ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِمْ: سَبَقَ طالِبُهُ أيْ فاتَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، ولَقَدْ أدْرَكَهم أمْرُهُ تَعالى أيْ إدْراكٌ فَتَدارَكُوا نَحْوَ الدَّمارِ والهَلاكِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المَعْنى وما كانُوا سابِقِينَ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ أيْ تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَيْسَ بِذاكَ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ كانُوا لِقارُونَ صفحة 159 وفِرْعَوْنَ وهامانَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْنا المُقَدَّرِ سابِقًا وضَمِيرُ- كانُوا- لِجَمِيعِ المُهْلَكِينَ، وفِيهِ تِبْرٌ لِلنَّظْمِ الجَلِيلِ

العنكبوت 29:40

﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ كالفَذْلَكَةِ لِلْآياتِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ مَن كَفَرَ ولَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، وقالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا تَفْسِيرٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ سَبْقِهِمْ بِطَرِيقِ الإبْهامِ وما بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِلْأخْذِ، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ. وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ رُجُوعَ ضَمِيرِ- كانُوا- إلى المُهْلَكِينَ، وقَدْ عُلِمَتْ حالُهُ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الِاسْتِيعابِ والِاسْتِغْراقِ، وقالَ الفاضِلُ: المَذْكُورُ لِلْحَصْرِ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ عاقَبْناهُ بِجِنايَتِهِ لا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وبَحَثَ فِيهِ بِأنَّ (كُلًّا) مُتَكَفِّلَةٌ بِهَذا المَعْنى قُدِّمَتْ أوْ أُخِّرَتْ، وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَفْهَمُ مِنها لا بَعْضًا إذا أخَّرَتْ وإنَّما يَفْهَمُ مِنها بِواسِطَةِ التَّقْدِيمِ فَتَأمَّلْ، والكَلامُ في مَرْجِعِ ضَمِيرٍ بِذَنْبِهِ سُؤالًا وجَوابًا لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما قِيلَ في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ. وقَوْلُهُمْ: التَّرْتِيبُ جَعْلُ كُلِّ شَيْءٍ في مَرْتَبَتِهِ، وهو شَهِيرٌ بَيْنَ الطَّلَبَةِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ رِيحًا عاصِفًا فِيها حَصْباءُ، وقِيلَ: مَلَكًا رَماهم بِالحَصْباءِ وهم قَوْمُ لُوطٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ عادٌ في ذَلِكَ لِأنَّ ما أُهْلِكُوا بِهِ مِنَ الرِّيحِ كانَتْ شَدِيدَةً وهي لا تَخْلُو عَنِ الحَصَبِ بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هم مَدْيَنُ وثَمُودُ ولَمْ يَقُلْ أخَذْناهُ بِالصَّيْحَةِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى الأوْفَقِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ هو الصّائِحَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهو فِرْعَوْنُ ومَن مَعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا. واعْتُرِضَ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ المَذْكُورِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم أوَّلُ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولَعَلَّ المُعْتَرِضَ أرادَ بِالمَذْكُورِينَ المَذْكُورِينَ مُتَناسِقِينَ أيْ بِلا فَصْلٍ بِأُمَّةٍ لَمْ تُفِدْ قِصَّتُها إهْلاكَها، وقَوْمُ نُوحٍ وإنْ ذُكِرُوا أوَّلًا لَكِنْ فَصَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَظائِرِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ بِقِصَّةِ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي لَمْ تُفِدْ أنَّهم أُهْلِكُوا، وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا﴾ إلَخْ أمْرَ المُذْنِبِينَ بِإجْمالٍ آخَرَ يُفِيدُ أنَّهم عُذِّبُوا بِالعَناصِرِ الأرْبَعَةِ فَجَعَلَ ما مِنهُ تَرْكِيبُهم سَبَبًا لِعَدَمِهِمْ وما مِنهُ بَقاؤُهم سَبَبًا لِفَنائِهِمْ، فالحاصِبُ وهو حِجارَةٌ مُحْماةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم فَتَنْفُذُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ إشارَةً إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ النّارِ، والصَّيْحَةُ وهي تَمَوُّجٌ شَدِيدٌ في الهَواءِ إشارَةٌ إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ الهَواءِ، والخَسْفُ إشارَةٌ إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ التُّرابِ، والغَرَقُ إشارَةٌ إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ الماءِ اهـ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ ما كانَ سُبْحانَهُ مُرِيدًا لِظُلْمِهِمْ وذَلِكَ بِأنْ يُعاقِبَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ لِأنَّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أيْ ما كانَ سُبْحانَهُ لِيُعامِلَهم مُعامَلَةَ الظّالِمِ فَيُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ وقَعَ مِنهُ تَعالى تَعْذِيبُهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ لا يَكُونُ ظُلْمًا لِأنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَما يَشاءُ فَلَهُ أنْ يُثِيبَ العاصِيَ ويُعَذِّبَ المُطِيعَ، وهَذا أمْرٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الأشاعِرَةِ والكَلامُ في تَحْقِيقِهِ يُطْلَبُ مِن عِلْمِ الكَلامِ. وقَدْ أسْلَفْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: 23] ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى مُباشَرَةِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِاخْتِيارِهِمْ، وقالَ مَوْلانا الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ ما حاصِلُهُ: إنَّ ظُلْمَ الكَفَرَةِ أنْفُسَهم صفحة 160 إنَّما هو لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلْجَعْلِ فِيهِ وبِلِسانِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ طَلَبُوا مِنَ الجَوادِ المُطْلَقِ جَلَّ وعَلا ما صارَ سَبَبًا لِظُهُورِ شَقائِهِمْ اهـ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلُ الذَّيْلِ فَلْيُطْلَبْ مِن مَحَلِّهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِرِعايَةِ رُؤُوسِ الآيِ

العنكبوت 29:41

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُتَضَمِّنٌ تَقْبِيحَ حالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ وأضْرابِهِمْ مِمَّنْ تَوَلّى غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أعْظَمِ أنْواعِ ظُلْمِهِمْ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الأوْثانَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَهُ تَعالى مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا آلِهَةً كانَ ذَلِكَ أوْ غَيْرَها، ولِذا عَدَلَ إلى أوْلِياءَ مِن آلِهَةٍ أيْ صِفَتِهِمْ أوْ شَبَهِهِمْ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ أيْ كَصِفَتِها أوْ شَبَهِها. ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ بَيانٌ لِصِفَةِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّشْبِيهِ، والجُمْلَةُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ مِن لُزُومِ الوَقْفِ عَلى العَنْكَبُوتِ مُسْتَأْنِفَةٌ لِذَلِكَ ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ اتَّخَذَتِ المُسْتَكِنَّ فِيهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِهِ بِناءً عَلى جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ذِي الحالِ، والجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ الوَصْفِ. واللّامُ في البُيُوتِ لِلِاسْتِغْراقِ، والمَعْنى مَثَلُ المُتَّخِذِينَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ في اتِّخاذِهِمْ إيّاهم كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ وذَلِكَ أنَّها اتَّخَذَتْ لَها بَيْتًا والحالُ أنَّ أوْهَنَ كُلِّ البُيُوتِ وأضْعَفَها بَيْتُها، وهَؤُلاءِ اتَّخَذُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ والحالُ أنَّ أوْهَنَ كُلِّ الأوْلِياءِ وأضْعَفَها أوْلِياؤُهُمْ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّها اتَّخَذَتْ بَيْتًا في غايَةِ الضَّعْفِ وهَؤُلاءِ اتَّخَذُوا لَها أوْ مُتَّكَلًا في غايَةِ الضَّعْفِ فَهم وهي مُشْتَرِكانِ في اتِّخاذِ ما هو في غايَةِ الضَّعْفِ في بابِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ اتَّخَذَتْ حالًا مِنَ العَنْكَبُوتِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها أوْ صِفَةً لَها لِأنَّ ألْ فِيها لِلْجِنْسِ، وقَدْ جَوَّزُوا الوَجْهَيْنِ في الجُمَلِ الواقِعَةِ بَعْدَ المُعَرَّفِ بِألِ الجِنْسِيَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجُمُعَةِ: 5] وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الجُمْلَةَ صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿العَنْكَبُوتِ﴾ أيِ الَّتِي اتَّخَذَتْ، وخَرَّجَ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها عَلى هَذا واخْتارَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلِهِ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ، وعَلَيْهِ لا يُوقَفُ عَلى العَنْكَبُوتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً أظْهَرُ. والمَعْنى حِينَئِذٍ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ الوَثَنَ بِالقِياسِ إلى المُوَحِّدِ الَّذِي عَبَدَ اللَّهَ تَعالى كَمَثَلِ عَنْكَبُوتٍ اتَّخَذَتْ بَيْتًا بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ وكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا بَيْتًا بَيْتُ العَنْكَبُوتِ كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا دِينًا عِبادَةُ الأوْثانِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَةِ، وقَدِ اعْتُبِرَ فِيهِ تَفْرِيقُ التَّشْبِيهِ، والغَرَضُ إبْرازُ تَفاوُتِ المُتَّخِذِينَ والمُتَّخِذُ مَعَ تَصْوِيرِ تَوْهِينِ أمْرِ أحَدِهِما وإدْماجِ تَوْطِيدِ الآخَرِ، وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ جُمْلَةً حالِيَّةً لِأنَّهُ مِن تَتِمَّةِ التَّشْبِيهِ، وأنْ يَكُونَ اعْتِراضِيَّةً لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لَكانَ في ضِمْنِهِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا المَعْنى وإلى كَوْنِهِ جُمْلَةً حالِيَّةً ذَهَبَ الطَّيِّبِيُّ. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى كَوْنِهِ اعْتِراضِيَّةً أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: وكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ إلَخْ لَيْسَ فِيهِ إيماءٌ إلى تَقْيِيدِ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلُ اللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ، وهَذِهِ مُجازَفَةٌ عَلى صاحِبِ الكَشّافِ كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِثْلَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ فِيما اتَّخَذُوهُ مُعْتَمَدًا ومُتَّكَلًا في دِينِهِمْ وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ صفحة 161 اللَّهِ تَعالى كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ فِيما نَسَجَتْهُ واتَّخَذَتْهُ بَيْتًا، والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا مِنَ المُرَكَّبِ فَيُعْتَبَرُ في جانِبِ المُشَبَّهِ اتِّخاذٌ ومُتَّخَذٌ واتِّكالٌ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ في الجانِبِ الآخَرِ ما يُناسِبُهُ ويَعْتَبِرُ تَشْبِيهَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن هَذا بِالأسْرِ، والغَرَضُ تَقْرِيرُ وهْنِ أمْرِ دِينِهِمْ وأنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها، ومَدارُ قُطْبِ التَّشْبِيهِ أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ مَنسُوجِ العَنْكَبُوتِ ضَعْفَ حالٍ وعَدَمَ صُلُوحِ اعْتِمادٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ تَذْيِيلًا يُقَرِّرُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ ما سَمِعْتَ إلّا أنَّهُ يَجْعَلُ التَّذْيِيلَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً ويَكُونُ ما تَقَدَّمَ كالتَّوْطِئَةِ لَها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، وهي تُقَرِّرُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِتَبَعِيَّةِ تَقْرِيرِ المُشَبَّهِ، وكَأنَّ التَّقْرِيرَ في الوَجْهِ السّابِقِ بِتَبَعِيَّةِ تَقْرِيرِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ وتَرْشِيحِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: زَيْدٌ في الكَرَمِ بَحْرٌ والبَحْرُ لا يُخَيِّبُ مَن أتاهُ إذا كانَ البَحْرُ الثّانِي مُسْتَعارًا لِلْكَرِيمِ، وذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إنَّما يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ اسْتِعارَةً لَوْ كانَ في جُمْلَتِهِ، ورُجِّحَ السّابِقُ لَأنَّ عادَةَ البُلَغاءِ تَقْرِيرُ أمْرِ المُشَبَّهِ بِهِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى تَقْرِيرِ المُشَبَّهِ، ولِأنَّ هَذا إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ الألْغازِ بَعْدَ سَبْقِ التَّشْبِيهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ إلَخْ كالمُقَدِّمَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ كالثّانِيَةِ وما هو كالنَّتِيجَةِ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما بَعْدُ كَما في الكَشْفِ، والمَجْمُوعُ يَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن تَقْرِيرِ وهْنِ أمْرِ دِينِهِمْ وأنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَنْكَبُوتِ النَّوْعُ الَّذِي يَنْسِجُ بَيْتَهُ في الهَواءِ ويَصِيدُ بِهِ الذُّبابَ لا النَّوْعُ الآخَرُ الَّذِي يَحْفِرُ بَيْتَهُ في الأرْضِ ويَخْرُجُ في اللَّيْلِ كَسائِرِ الهَوامِّ، وهي عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن ذَواتِ السُّمُومِ فَيُسَنُّ قَتْلُها لِذَلِكَ، لا لِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهَ تَعالى فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها»» فَإنَّهُ كَما ذَكَرَ الدُّمَيْرِيُّ ضَعِيفٌ. وقِيلَ: لا يُسَنُّ قَتْلُها فَقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ (عَلِيٍّ كَرَّمَ) اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَخَلْتُ أنا وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ»» ذَكَرَ هَذا الخَبَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ وكَوْنِهِ مِمّا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ بِهِ، ونَصُّوا عَلى طِهارَةِ بَيْتِها لِعَدَمِ تَحَقُّقِ كَوْنِ ما تَنْسِجُ بِهِ مِن غِذائِها المُسْتَحِيلِ في جَوْفِها مَعَ أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الطَّهارَةُ، وذَكَرَ الدُّمَيْرِيُّ أنَّ ذَلِكَ لا تُخْرِجُهُ مِن جَوْفِها بَلْ مِن خارِجِ جِلْدِها، وفي هَذا بُعْدٌ. وأنا لَمْ أتَحَقَّقْ أمْرَ ذَلِكَ ولَمْ أُعَيِّنْ كَوْنَهُ مِن فَمِها أوْ دُبُرِها أوْ خارِجَ جِلْدِها لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ذَلِكَ لا لِعَدَمِ إمْكانِ الوُقُوفِ عَلى الحَقِيقَةِ، وذَكَرَ أنَّهُ يَحْسُنُ إزالَةُ بَيْتِها مِنَ البُيُوتِ لِما أسْنَدَ الثَّعْلَبِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البُيُوتِ يُورِثُ الفَقْرَ» وهَذا إنْ صَحَّ عَنِ الإمامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَذاكَ، وإلّا فَحُسْنُ الإزالَةِ لِما فِيها مِنَ النَّظافَةِ ولا شَكَّ بِنَدْبِها. والتّاءُ في العَنْكَبُوتِ زائِدَةٌ كَتاءِ طالُوتَ فَوَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ وهو يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ مُذَكَّرًا قَوْلُهُ: عَلى هِطالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها واسْتَظْهَرَ الفاضِلُ سَعْدِيِّ جَلْبِيٍّ كَوْنَ المُرادِ بِهِ هُنا الواحِدَ، وذَهَبَ إلى تَأْنِيثِهِ أيْضًا فَذَكَرَ أنَّهُ اخْتِيرَ هُنا صفحة 162 تَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِبَيانِ الخَوْرِ والضَّعْفِ فِيما يَتَّخِذُهُ، وقالَ مَوْلانا الخَفاجِيُّ مُعَرِّضًا بِهِ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ لا الواحِدُ لِقَوْلِهِ تَعالى: (الَّذِينَ) وأمّا أفْرادُ البَيْتِ فَلِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أنَّثَ ﴿اتَّخَذَتْ﴾ لا لِأنَّ المُرادَ المُؤَنَّثُ، وفي القامُوسِ العَنْكَبُوتُ مَعْرُوفٌ وهي العَنْكَباةُ والعَنْكَبُوَةُ والعَنْكَباءُ، والذَّكَرُ عَنْكَبٌ وهي عَنْكَبَةٌ، وجَمْعُهُ عَنْكَبُوتاتٌ وعَناكِبُ، والعُكابُ، والعَكَبُ والأعْكَبُ أسْماءُ الجُمُوعِ، وتُعُقِّبَ بِأنْ عُدَّ ما عَدا ما ذَكَرَهُ أوَّلًا اسْمَ جَمْعٍ لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ أعْكَبَ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، وذَكَرُوا في جَمْعِهِ أيْضًا عَناكِيبُ، واخْتُلِفَ في نُونِهِ فَقِيلَ أصْلِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ كالتّاءِ، وجَمْعُهُ عَلى عُكابٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وذَكَرَ السِّجِسْتانِيُّ في غَرِيبِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ ذَكَرَ عَناكِبَ في مَوْضِعَيْنِ فَقالَ في مَوْضِعٍ: وزْنُهُ فَناعِلُ وفي آخَرَ فَعالِلُ، فَعَلى الأوَّلِ النُّونُ زائِدَةٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العَكَبِ وهو الغِلَظُ اهـ المُرادُ مِنهُ، ولَعَلَّ الأقْرَبَ عَلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا مِنَ العَكَبِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ في السَّيْرِ فَكَأنَّهُ لِشِدَّةِ وثْبِهِ لِصَيْدِ الذُّبابِ أوْ لِشِدَّةِ حَرَكَتِهِ عِنْدَ قَرارِهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ العَنْكَبُوتِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لَعَلِمُوا أنَّ هَذا مِثْلُهم أوْ أنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ هَذِهِ الغايَةَ مِنَ الوَهْنِ، وقِيلَ: أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وهْنَ الأوْثانِ لَما اتَّخَذُوها أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ أيِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ وقَدْ ذَكَرْناها فِيما مَرَّ مِنَ الإيغالِ، جَهَّلَهم سُبْحانَهُ في الِاتِّخاذِ ثُمَّ زادَهم جَلَّ وعَلا تَجْهِيلًا أنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا الجَهْلَ البَيِّنَ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ، (ولَوْ) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها لِلتَّمَنِّي فَلا جَوابَ لَها وهو غَيْرُ ظاهِرٍ.

العنكبوت 29:42

﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قُلْ لِلْكَفَرَةِ إنَّ اللَّهَ إلَخْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ (تَدْعُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ لِلْإيذانِ بِالغَضَبِ، وفِيهِ بَحْثٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسَلامٌ «يَعْلَمُ ما» بِالإدْغامِ. وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافِ «يَدْعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ حَمْلًا عَلى ما قَبْلَهُ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِتَدْعُونَ (ويَعْلَمُ) مُعَلَّقَةٌ عَنْها فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها (ومِن) الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدْعُونَ عَلى ما هو الظّاهِرُ (ومِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ وجُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ، ويَجُوزُ كَوْنُ ما نافِيَةً ومِنِ الثّانِيَةِ مَزِيدَةً وشَيْءٌ مَفْعُولُ تَدْعُونَ، أيْ لَسْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ تَعالى شَيْئًا، كَأنَّ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ لِمَزِيدِ حَقارَتِهِ لا يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً وهي وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَفْعُولُ يَعْلَمُ عَلى أنَّها بِمَعْنى يَعْرِفُ ناصِبَةٌ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ يَعْرِفُ دُعاءَكم وعِبادَتَكم بَعْضُ شَيْءٍ مِن دُونِهِ وقِيلَ: (مِن) لِلتَّبْيِينِ (وشَيْءٍ) بِمَعْنى ذَلِكَ المَصْدَرِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّحْقِيرِ، أيْ يَعْرِفُ دَعْوَتَكم مِن دُونِهِ هي دَعْوَةٌ حَقِيرَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَوْصُولَةً مَفْعُولُ يَعْلَمُ بِمَعْنى يَعْرِفُ ومَفْعُولُ تَدْعُونَ عائِدُها المَحْذُوفُ ومِن إمّا بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وجُوِّزَ زِيادَتُها عَلى هَذا الوَجْهِ وما بَعْدَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ في ما تَجْهِيلٌ لِلْكَفَرَةِ المُتَّخِذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ لِما فِيهِما مِن نَفْيِ الشَّيْئِيَّةِ عَمّا اتَّخَذُوهُ ولِيًّا والِاسْتِفْهامُ عَنْهُ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ لِأنَّهُ إنْكارٌ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِلْمِثْلِ لِأنَّ كَوْنَ مَعْبُودِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْبَأُ بِهِ مُناسِبٌ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ فِيها وعِيدٌ لَهم لِأنَّ العِلْمَ بِدَعْوَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ عِبارَةٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها وكَذا العِلْمُ بِما يَدْعُونَهُ عِبارَةٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلى دُعائِهِمْ إيّاهُ، وتَرَكَ العَطْفَ فِيهِ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، ويَجُوزُ إرادَةُ التَّجْهِيلِ والوَعِيدِ في الوُجُوهِ كُلِّها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ويُفْهَمُ مِنهُ التَّعْلِيلُ عَلى المَعْنَيَيْنِ، صفحة 163 فَإنَّ مِن فَرْطِ الغَباوَةِ إشْراكَ ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بِمَن هَذا شَأْنُهُ، وإنَّ الجَمادَ بِالإضافَةِ إلى القادِرِ القاهِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ البالِغِ في العِلْمِ وإتْقانِ الفِعْلِ الغايَةَ القاصِيَةَ كالمَعْدُومِ البَحْتِ، وإنَّ مَن هَذا صِفَتُهُ قادِرٌ عَلى مُجازاتِهِمْ.

العنكبوت 29:43

﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيْ هَذا المَثَلُ ونَظائِرُهُ مِنَ الأمْثالِ المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ. ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ تَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ ﴿وما يَعْقِلُها﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ واسْتِتْباعِ الفَوائِدِ ﴿إلا العالِمُونَ﴾ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ في الأشْياءِ عَلى ما يَنْبَغِي. ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ بِسَنَدِهِ عَنْ جابِرٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ الآيَةَ فَقالَ: العالِمُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سَخَطَهُ»»

العنكبوت 29:44

﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ مُحِقًّا مُراعِيًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقَ أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ مُسْتَتْبِعَةٌ لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، فَإنَّها مَعَ اشْتِمالِها عَلى جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعاشُهم شَواهِدُ دالَّةٌ عَلى شُؤُونِهِ تَعالى المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ وصِفاتِهِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ دالَّةٌ لَهم عَلى ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الهِدايَةِ والإرْشادِ في خَلْقِهِما لِلْكُلِّ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ

العنكبوت 29:45

﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ دُمْ عَلى تِلاوَةِ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِتِلاوَتِهِ وتَذَكُّرًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ ومَحاسِنِ الآدابِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ داوِمْ عَلى إقامَتِها. وحَيْثُ كانَتِ الصَّلاةُ مُنْتَظِمَةً لِلصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ المُؤَدّاةِ بِالجَماعَةِ وكانَ أمْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإقامَتِها مُتَضَمِّنًا لِأمْرِ الأُمَّةِ بِها عُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَلِّ بِهِمْ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَعْنى نَهْيُها إيّاهم عَنْ ذَلِكَ أنَّها لِتَضَمُّنِها صُنُوفَ العِبادَةِ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ والقِراءَةِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ لَهُ سُبْحانَهُ الدّالِّ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ كَأنَّها تَقُولُ لِمَن يَأْتِي بِها لا تَفْعَلِ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ ولا تَعْصِ رَبًّا هو أهْلٌ لِما أتَيْتَ بِهِ، وكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ وتَعْصِيَهُ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ أتَيْتَ مِمّا يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ بِما تَكُونُ بِهِ إنْ عَصَيْتَ وفَعَلْتَ الفَحْشاءَ أوِ المُنْكَرَ كالمُتَناقِضِ في أفْعالِهِ، وبِما ذُكِرَ يَنْحَلُّ الإشْكالُ المَشْهُورُ وهو أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ المُرْتَكِبِينَ لِلْفَحْشاءِ والمُنْكَرِ يُصَلُّونَ ولا يَنْتَهُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ نَهْيَها إيّاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ بِهَذا المَعْنى لا يَسْتَلْزِمُ انْتِهاءَهم. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْهى عَنْ ذَلِكَ أيْضًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النَّحْلِ: 90] والنّاسُ لا يَنْتَهُونَ ولَيْسَ نَهْيُ الصَّلاةِ بِأعْظَمَ مِن نَهْيِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ اسْتِلْزامٌ فَكَيْفَ يَكُونُ هُنا. وما أرى هَذا الإشْكالَ إلّا مَبْنِيًّا عَلى تَوَهُّمِ اسْتِلْزامِ النَّهْيِ لِلِانْتِهاءِ، وهو تَوَهُّمٌ باطِلٌ وتَخَيُّلٌ عاطِلٌ لا يَشْهَدُ لَهُ عَقْلٌ ولا يُؤَيِّدُهُ نَقْلٌ. ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وحَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنْ ذَلِكَ ما دامَ المُصَلِّي فِيها، وكَأنَّهم أرادُوا أنَّها كالنّاهِيَةِ لِلْمُصَلِّي القائِلَةِ لَهُ لا تَفْعَلْ ذَلِكَ ما دامَ فِيها لِأنَّهُ إذا فَرَغَ مِنها فَقَدِ انْقَطَعَتِ الأقْوالُ والأفْعالُ الَّتِي كانَ النَّهْيُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ. ونُقِلَ عَنِ القُطْبِ أنَّهُ قالَ في جَوابِ الإشْكالِ: إنَّ الصَّلاةَ تُقامُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] ومَن كانَ ذاكِرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَنَعَهُ ذَلِكَ عَنِ صفحة 164 الإتْيانِ بِما يَكْرَهُهُ مِنهُ تَعالى مِمّا قَلَّ أوْ كَثُرَ وكُلُّ مَن تَراهُ يُصَلِّي ويَأْتِي الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ فَهو بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي لَكانَ أشَدَّ إتْيانًا فَقَدْ أثَّرَتِ الصَّلاةُ في تَقْلِيلِ فَحْشائِهِ ومُنْكَرِهِ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّ الصَّلاةَ سَبَبٌ لِلِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا كُلِّيًّا لِما أنَّ الصَّلاةَ في حُكْمِ النَّكِرَةِ وهي في الإثْباتِ لا يَجِبُ أنْ تَعُمَّ فَيَنْحَلُّ الإشْكالُ، وعَلى ما قُلْنا لا يَضُرُّ دَعْوى الكُلِّيَّةِ. نَعَمِ النَّهْيُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ أداءِ الصَّلاةِ فَهو في صَلاةٍ أُدِّيَتْ عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ مِنَ الخُشُوعِ والتَّدَبُّرِ لِما يُتْلى فِيها مَعَ الإتْيانِ بِفُرُوضِها وواجِباتِها وسُنَنِها وآدابِها عَلى أحْسَنِ أحْوالِها أتَمُّ، وقَدْ يَضْعُفُ النَّهْيُ فِيها حَتّى كَأنَّهُ لا تَنْهى كَما في الصَّلاةِ الَّتِي تُؤَدّى مَعَ الغَفْلَةِ التّامَّةِ والإخْلالِ بِما يَلِيقُ فِيها وهي الصَّلاةُ المَرْدُودَةُ الَّتِي تُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ ويُرْمى بِها وجْهُ صاحِبِها فَتَقُولُ لَهُ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ تَعالى كَما ضَيَّعْتَنِي، وكَأنَّ مُرادَ القائِلِ: إنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الَّتِي تَنْهى عَمّا ذُكِرَ هي الصَّلاةُ المَقْبُولَةُ هو هَذا. وقَدْ يُجْعَلُ الِانْتِهاءُ عَلامَةَ القَبُولِ. رَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ قُبِلَتْ صَلاتُهُ أمْ لَمْ تَقْبَلْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ مَنَعَتْهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَبِقَدْرِ ما مَنَعَتْهُ قُبِلَتْ مِنهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ». وفي لَفْظٍ: «لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بُعْدًا»» وأخْرَجَهُ بِهَذا اللَّفْظِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا يُطِيلُ الصَّلاةَ فَقالَ: إنَّ الصَّلاةَ لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ وقَدْ يَتَّفِقُ لِمَن يُكْثِرُ الصَّلاةَ أنْ تَقَعَ بَعْضُ صَلاتِهِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَتُقْبَلُ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا، ويَظْهَرُ أثَرُ ذَلِكَ بِالِانْتِهاءِ عَنِ المَعاصِي، ويُشِيرُ إلى هَذا ما أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حَيّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ فُلانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإذا أصْبَحَ سَرَقَ قالَ سَيَنْهاهُ ما تَقُولُ»». وأصْرَحُ مِنهُ فِيما ذَكَرْنا ما رُوِيَ «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصَّلاةَ ولا يَدْعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ إلّا رَكِبَهُ فَوُصِفَ لَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ صَلاتَهَ سَتَنْهاهُ» فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا أنْ تابَ»، إلّا أنَّ ابْنَ حَجْرِ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ في كُتُبِ الحَدِيثِ. ثُمَّ إنَّ حَمْلَ الصَّلاةِ في الآيَةِ عَلى الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ هو الظّاهِرُ المُؤَيَّدُ بِالآثارِ والأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِها هُنا القُرْآنُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ المُرادَ بِها الدُّعاءُ أيْ أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى إنَّ الدُّعاءَ إلى أمْرِهِ سُبْحانَهُ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وكُلٌّ مِنهُما عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: «إنَّ الصَّلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ» ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو قُرَّةَ ومُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ: المَعْنى لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ سُبْحانَهُ، وفي لَفْظٍ لَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: 152]. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ، فَذِكْرُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وكَذا المُفَضَّلُ عَلَيْهِ وهو خاصٌّ عَلى ما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ صفحة 165 أنْ يَكُونَ عامًّا أيْ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: المَعْنى ولَذِكْرُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ، وقِيلَ: أيْ ولَذِكْرُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِ إيّاهُ سُبْحانَهُ خارِجَ الصَّلاةِ، وقِيلَ: أيْ ولَذِكْرُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى أكْبَرُ مِن سائِرِ أعْمالِهِ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ما يَقْتَضِيهِ. أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَنْقَطِعَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ أعْمالِكم وأحَبِّها إلى مَلِيكِكم وأسْماها في دَرَجاتِكم وخَيْرٍ مِن أنْ تَغْزُوا عَدُوَّكم فَيَضْرِبُوا رِقابَكم وتَضْرِبُوا رِقابَهم وخَيْرٍ مِن إعْطاءِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ قالُوا: وما هو يا أبا الدَّرْداءِ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ سُئِلَ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ لا شَيْءَ أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، ونُسِبَ في البَحْرِ إلى أبِي الدَّرْداءِ. وسَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما القَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا عَمَّنْ سَمِعْتَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُما، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا رِوايَةٌ تُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ العَبْدِ لَهُ سُبْحانَهُ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ في الكُنى والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ وما قَعَدَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ تَعالى يَدْرُسُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَعاطَوْنَهُ بَيْنَهم إلّا أظَلَّتْهُمُ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها وكانُوا أضْيافَ اللَّهِ تَعالى ما دامُوا فِيهِ حَتّى يُفِيضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وما سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ العِلْمَ إلّا سَهَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: 9] أيْ ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما فِيها مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى هو العُمْدَةُ في كَوْنِها مُفَضَّلَةً عَلى الحَسَناتِ ناهِيَةً عَنِ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما أكْبَرُ في الزَّجْرِ مِنَ الصَّلاةِ، (فَذِكْرُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ أفْعَلُ لِلتَّفْضِيلِ سَواءٌ كانَتْ إضافَةُ المَصْدَرِ لِلْفاعِلِ أمْ لِلْمَفْعُولِ كَما في اللَّهُ أكْبَرُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والطّاعَةِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ المُجازاةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: ﴿يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ. لَكَ الحَمْدُ يا أللَّهُ عَلى ما أنْعَمْتَ عَلَيْنا بِإتْمامِ الجُزْءِ العِشْرِينَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ ووَفَّقْتَنا لِذَلِكَ نَسْألُكَ أنْ تُيَسِّرَ لَنا ما بَقِيَ مِنهُ بِعَوْنِكَ وحَوْلِكَ ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الحادِي والعِشْرُونَ أوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا﴾

العنكبوت 29:46

صفحة 2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ: مِن نَصارى نَجْرانَ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُقابَلَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ، والغَضَبِ بِالكَظْمِ، والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ، والسَّوْرَةِ بِالأناةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ) [المُؤْمِنُونَ: 96، فُصِّلَتْ: 34]، ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِالإفْرادِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ، ولَمْ يَقْبَلُوا النُّصْحَ، ولَمْ يَنْفَعْ فِيهِمُ الرِّفْقُ، فاسْتَعْمَلُوا مَعَهُمُ الغِلْظَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ والشَّرِيكَ أوْ قالُوا: يَدُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُولَةٌ، أوِ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقِيرٌ، أوْ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ الغِلْظَةُ الَّتِي تُفْهِمُ الآيَةُ الإذْنَ بِها لا تَصِلُ إلى القِتالِ لِأُولَئِكَ الظّالِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَلى أيِّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ كانَ ظُلْمُهُمْ، لِأنَّ ظاهِرَ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ في المَشْهُورِ لَمْ يُشْرَعْ بِمَكَّةَ، ولَيْسَتِ الغِلْظَةُ مَحْصُورَةً فِيهِ، كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تُجادِلُوا في الدّاخِلِينَ في الذِّمَّةِ المُؤَدِّينَ لِلْجِزْيَةِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَنَبَذُوا الذِّمَّةَ ومَنَعُوا الجِزْيَةَ، فَإنَّ أُولَئِكَ مُجادَلَتُهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ما يَقْرُبُ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والحَرْبَ والجِزْيَةَ مِمّا شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، وكَوْنُ الآيَةِ بَيانًا لِحُكْمٍ آتٍ بُعْدٌ بَعِيدٌ، وأيْضًا لا قَرِينَةَ عَلى التَّخْصِيصِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ ذاهِبًا إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ومَكِّيَّةَ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ أغْلَبِ آياتِها، أوْ مِمَّنْ يَقُولُ: بِأنَّ الحَرْبَ شُرِعَ بِمَكَّةَ في آخِرِ الأمْرِ، والسُّورَةُ آخِرُ ما نَزَلَ بِها، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وعَدَمُ الوُقُوعِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَشْرُوعِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وبِالَّتِي هي أحْسَنُ: مُوافَقَتُهم فِيما حَدَّثُوا بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ، وبِالَّذِينِ ظَلَمُوا: مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وهو كَما تَرى، واخْتُلِفَ في نَسْخِ الآيَةِ. فَأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التَّوْبَةُ: 29] الآيَةَ، ولا مُجادَلَةَ أشَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وقالَ في مَجْمَعِ البَيانِ: الصَّحِيحُ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّ المُرادَ بِالجِدالِ المُناظَرَةُ، وذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ هو الواجِبُ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ المُجادَلَةَ بِالحُسْنى في أوائِلِ الدَّعْوَةِ، لِأنَّها تَتَقَدَّمُ القِتالَ، فَلا يَلْزَمُ النَّسْخُ، ولا عَدَمُ القِتالِ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا كَوْنُ النَّهْيِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الأزْمانِ فَيَلْزَمُ النَّسْخُ، فَلا يَتِمُّ ما ذُكِرَ، فَيَدْفَعُهُ أنَّ مَن يُقاتِلُ كَمانِعِ الجِزْيَةِ داخِلٌ في المُسْتَثْنى، فَلا نَسْخَ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ بِمُتَّصِلٍ، وكَوْنُ ذَلِكَ يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةَ القِتالِ بِمَكَّةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ. صفحة 3 وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «ألا بِالَّتِي» إلَخْ، عَلى أنَّ «ألا» حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، والتَّقْدِيرُ، ألا جادِلُوهُمُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أيْ وبِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وهَذا القَوْلُ نَوْعٌ مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ مُجادَلَتُهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ الكِتابَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ، ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا، وأُنْزِلَ إلَيْكُمُ» الآيَةَ». والتَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ لَيْسا نَقِيضَيْنِ، فَيَجُوزُ ارْتِفاعُهُما. ﴿وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُطِيعُونَ خاصَّةً كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ ( لَهُ )، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

العنكبوت 29:47

﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ الشَّأْنِ المُوافِقِ لِإنْزالِ سائِرِ الكُتُبِ أنْزَلْنا إلَيْكَ القُرْآنَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ لِذِكْرِ الكِتابِ، وأهْلِهِ، أيْ وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ إلى مَن قَبْلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ. ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُهُ الشّامِلُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ آتَيْناهم عِلْمَ الكِتابِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِهِمْ في قَوْلِ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلّى تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُولَئِكَ حَيْثُ كانُوا، مُصَدِّقِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ حَسْبَما عَلِمُوا مِمّا عِنْدَهم مِنَ الكِتابِ، والمُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ في الحِكايَةِ، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بَعَدَهم مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ نُزِعَ عَنْهُمُ الكِتابُ بِالنَّسْخِ، وفي قَوْلٍ آخَرَ: مُعاصِرُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العامِلُونَ بِكِتابِهِمْ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِما أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَكَأنَّ مَن عَداهم لَمْ يُؤْتَوْهُ، قِيلَ: هَذا يُؤَيِّدُ القَوْلَ: بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ مَدَنِيَّةٌ، إذْ كَوْنُها مَكِّيَّةً، وعَبْدُ اللَّهِ مِمَّنْ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإسْلامِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، والتَّفْصِيلُ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ بَعِيدٌ جِدًّا، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ المُسْلِمُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْقُرْآنِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ كَوْنُ المُرادِ بِهِ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ الحَرِيُّونَ بِأنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ إيتاءُ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأضْرابِهِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ الآياتِ مَكِّيَّةً بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى إنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ ومِنَ العَرَبِ، أوْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ عَبْدُ اللَّهِ، وأضْرابُهُ، أوْ مِمَّنْ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، ( ومِن ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المُبْتَدَإ، ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ أيْ وما يَجْحَدُ بِهِ، وأُقِيمَ هَذا الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ دِلالَةِ الكِتابِ عَلى صفحة 4 ما فِيهِ، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والإضافَةُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِمَزِيدِ التَّفْخِيمِ، وفِيما ذُكِرَ غايَةُ التَّشْنِيعِ عَلى مَن يَجْحَدُ بِهِ. والجَحْدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: نَفْيُ ما في القَلْبِ ثَباتُهُ، وإثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ، وفُسِّرَ هُنا بِالإنْكارِ عَنْ عِلْمٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما يُنْكِرُ آياتِنا مَعَ العِلْمِ بِها ﴿إلا الكافِرُونَ﴾ أيِ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ المُصَمِّمُونَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهم عَنِ الإقْرارِ والتَّسْلِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ بِمُطْلَقِ الإنْكارِ، ويُرادَ بِالكافِرِينَ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ أيْضًا، لِدَلالَةِ فَحْوى الكَلامِ، والتَّعْبِيرِ بِآياتِنا عَلى ذَلِكَ، أيْ وما يُنْكِرُ آياتِنا مَعَ ظُهُورِها وارْتِفاعِ شَأْنِها إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَصُدُّهم عَنِ الِاعْتِناءِ بِها، والِالتِفاتِ إلَيْها، والتَّأمُّلِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِها، والمُرادُ بِهِمْ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى مُعَيَّنٍ، وقِيلَ: هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ.

العنكبوت 29:48

﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ وما كُنْتَ مِن قَبْلِ إنْزالِنا إلَيْكَ الكِتابَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَتْلُوَ ﴿مِن كِتابٍ﴾ أيْ كِتابًا عَلى أنَّ ( مِن ) صِلَةٌ ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ ولا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَخُطَّهُ ﴿بِيَمِينِكَ﴾ أوْ ما كانَتْ عادَتُكَ أنْ تَتْلُوَهُ ولا تَخُطَّهُ، وذِكْرُ اليَمِينِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الخَطِّ، فَهو مِثْلُ العَيْنِ في قَوْلِكَ: نَظَرْتُ بِعَيْنِي في تَحْقِيقِ الحَقِيقَةِ وتَأْكِيدِها حَتّى لا يَبْقى لِلْمَجازِ مَجازٌ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ أوْ مِمَّنْ يَعْتادُهُما لارْتابَ مُشْرِكُو مَكَّةَ وقالُوا: لَعَلَّهُ التَقَطَهُ مِن كُتُبِ الأوائِلِ، وحَيْثُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِارْتِيابِهِمْ وجْهٌ، وكَأنَّ احْتِمالَ التَّعَلُّمِ مِمّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّ مِثْلَهُ مِنَ الكِتابِ المُفَصَّلِ الطَّوِيلِ لا يُتَلَقّى ويُتَعَلَّمُ إلّا في زَمانٍ طَوِيلٍ بِمُدارَسَةٍ لا يَخْفى مِثْلُها، ووَصَفَ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِالإبْطالِ بِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيٌّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذَنْ لارْتابَ هَؤُلاءِ المُبْطِلُونَ الآنَ، وكانَ إذْ ذاكَ لِارْتِيابِهِمْ وجْهٌ، وقِيلَ: وصَفَهم بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِّيٌّ وبِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِأُمِّيٍّ، أمّا كَوْنُهم مُبْطِلِينَ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهم كَذَلِكَ بِالِاعْتِبارِ الثّانِي فَلِأنَّ غايَةَ ما يَلْزَمُ مِن عَدَمِ أُمِّيَّتِهِ ﷺ انْتِفاءُ أحَدِ وُجُوهِ الإعْجازِ، ويَكْفِي الباقِي في الغَرَضِ، فَيَكُونُ المُرْتابُ مُبْطِلًا كالمُرْتابِ في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أُمِّيِّينَ، وصِحَّةِ ما جاؤُوا بِهِ. والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَوْنُ المُرادِ بِالمُبْطِلِينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الكِتابِ، أيْ لَوْ كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلُ أوْ تَخُطُّ لارْتابَ أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّ نَعْتَكَ في كِتابِهِمْ أُمِّيٌّ، ووَصَفَهم بِالإبْطالِ قِيلَ: بِاعْتِبارِ ارْتِيابِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيٌّ كَما هو الواقِعُ، وإلّا فَهم لَيْسُوا بِمُبْطِلِينَ في ارْتِيابِهِمْ عَلى فَرْضِ عَدَمِ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِّيًّا، وفي الكَشْفِ هَذا فَرْضٌ وتَمْثِيلُ دِلالَةٍ، عَلى أنَّ مَدارَ الأمْرِ عَلى المُعْجِزِ، وأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ لَيْسَ مِمّا لا يُتِمُّ دَعْواهُ بِهِ، وتِلْكَ الدِّلالَةُ لا تَخْتَلِفُ، والمُنْكِرُ مُبْطِلٌ اهـ، فَتَأمَّلْ. هَذا واخْتُلِفَ في أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَلْ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ يَقْرَأُ ويَكْتُبُ أمْ لا؟ فَقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الكِتابَةَ، واخْتارَهُ البَغَوِيُّ في التَّهْذِيبِ، وقالَ: إنَّهُ الأصَحُّ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صارَ يَعْلَمُ الكِتابَةَ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَعْلَمُها، وعَدَمُ مَعْرِفَتِها بِسَبَبِ المُعْجِزَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ واشْتَهَرَ الإسْلامُ وظَهَرَ أمْرُ الِارْتِيابِ تَعَرَّفُ الكِتابَةَ حِينَئِذٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ: صفحة 5 ««ما ماتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى كَتَبَ وقَرَأ»». ونُقِلَ هَذا لِلشَّعْبِيِّ فَصَدَّقَهُ، وقالَ: سَمِعْتُ أقْوامًا يَقُولُونَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ. ورَوى ابْنُ ماجَّهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَكْتُوبًا عَلى بابِ الجَنَّةِ الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، والقَرْضُ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ»» والقُدْرَةُ عَلى القِراءَةِ فَرْعُ الكِتابَةِ، ورُدَّ بِاحْتِمالِ إقْدارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها بِدُونِها مُعْجِزَةً، أوْ فِيهِ مُقَدَّرٌ، وهُوَ: فَسَألْتُ عَنِ المَكْتُوبِ فَقِيلَ: إلَخْ، ويَشْهَدُ لِلْكِتابَةِ أحادِيثُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ كَما ورَدَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، «(فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكِتابَ، ولَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ )» الحَدِيثَ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو ذَرٍّ عَبْدُ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ، وأبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِنَ المَغارِبَةِ، وحَكاهُ عَنِ السِّمْنانِيِّ، وصَنَّفَ فِيهِ كِتابًا، وسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ مُنْيَةَ، ولَمّا قالَ أبُو الوَلِيدِ ذَلِكَ طُعِنَ فِيهِ، ورُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ، وسُبَّ عَلى المَنابِرِ، ثُمَّ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ، فَأقامَ الحُجَّةَ عَلى مُدَّعاهُ، وكَتَبَ بِهِ إلى عُلَماءِ الأطْرافِ، فَأجابُوا بِما يُوافِقُهُ، ومَعْرِفَةُ الكِتابَةِ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ ﷺ لا تُنافِي المُعْجِزَةَ، بَلْ هي مُعْجِزَةٌ أُخْرى لِكَوْنِها مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، ورَدَّ بَعْضُ الأجِلَّةِ كِتابَ الباجِيِّ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «(إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ)،» وقالَ: كُلُّ ما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: كَتَبَ فَمَعْناهُ أمْرٌ بِالكِتابَةِ كَما يُقالُ: كَتَبَ السُّلْطانُ بِكَذا لِفُلانٍ، وتَقْدِيمُ قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن قَبْلِهِ ) عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ كالصَّرِيحِ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكْتُبْ مُطْلَقًا، وكَوْنُ القَيْدِ المُتَوَسِّطِ راجِعًا لِما بَعْدَهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وظَنَّ بَعْضُ الأجِلَّةِ رُجُوعَهُ إلى ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ، فَقالَ: يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قادِرًا عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ بَعْدَ إنْزالِ الكِتابِ، ولَوْلا هَذا الِاعْتِبارُ لَكانَ الكَلامُ خُلُوًّا عَنِ الفائِدَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الرُّجُوعِ لا يَتِمُّ أمْرُ الإفادَةِ إلّا إذا قِيلَ بِحُجِّيَّةِ المَفْهُومِ، والظّانُّ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِحُجِّيَّتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» لَيْسَ نَصًّا في اسْتِمْرارِ نَفْيِ الكِتابَةِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَذا، وأكْثَرُ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ وهو بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمِ مِنَ العَرَبِ أُمِّيُّونَ لا يَكْتُبُونَ ولا يَحْسُبُونَ، فَلا يَضَرُّ عَدَمُ بَقاءِ وصْفِ الأُمِّيَّةِ في الأكْثَرِ بَعْدُ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن تَأْوِيلِ كَتَبَ بِأمْرٍ بِالكِتابَةِ فَخِلافُ الظّاهِرِ، وفي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِلنَّواوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ نَقْلًا عَنِ القاضِي عِياضٍ أنَّ قَوْلَهُ في الرِّوايَةِ الَّتِي ذَكَرْناها: «(ولا يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ)» كالنَّصِّ في أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتَبَ بِنَفْسِهِ، فالعُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مَجازٌ لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ طالَ كَلامُ كُلِّ فِرْقَةٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وشَنَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى الأُخْرى في هَذا، فاللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ، ولا أدْرِي الآنَ أيَّ كِتابٍ هو أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ ما يَكْتُبُ، لَكِنْ إذا نَظَرَ إلى المَكْتُوبِ عَرَفَ ما فِيهِ بِإخْبارِ الحُرُوفِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أسْمائِها، فَكُلُّ حَرْفٍ يُخْبِرُهُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ حَرْفُ كَذا، وذَلِكَ نَظِيرُ إخْبارِ الذِّراعِ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّها مَسْمُومَةٌ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقْبَلُ بِدُونِ خَبَرٍ صَحِيحٍ، ولَمْ أظْفَرْ بِهِ.

العنكبوت 29:49

﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ، وهَذا إضْرابٌ عَنِ ارْتِيابِهِمْ، أيْ لَيْسَ القُرْآنُ مِمّا يُرْتابُ فِيهِ لِوُضُوحِ أمْرِهِ بَلْ هو ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتٌ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُلْتَقَطَ مِن كِتابٍ يَحْفَظُونَهُ بِحَيْثُ لا يُقْدَرُ عَلى تَحْرِيفِهِ بِخِلافِ صفحة 6 غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، وجاءَ في وصْفِ هَذِهِ الأُمَّةِ صُدُورُهم أناجِيلَهُمْ، وكَوْنُ ضَمِيرِ هو لِلْقُرْآنِ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ»، وقالَ قَتادَةُ: الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَرَأ «بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ» عَلى التَّوْحِيدِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قِراءَةِ الجَمْعِ عَلى مَعْنى بَلِ النَّبِيُّ وأُمُورُهُ آياتٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما يُفْهَمُ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ أيْ كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ لا يَخُطُّ آياتٍ بَيِّناتٍ في صُدُورِ العُلَماءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ ذَلِكَ نَعْتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كِتابِهِمْ، والكُلُّ كَما تَرى، وفي الأخِيرِ حَمْلُ ( الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ) عَلى عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم عُلَماءُ الصَّحابَةِ أوِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعُلَماءُ أصْحابِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ الأئِمَّةُ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ كَوْنِها كَما ذُكِرَ ﴿إلا الظّالِمُونَ﴾ المُتَجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الشَّرِّ والمُكابَرَةِ والفَسادِ.

العنكبوت 29:50

﴿وقالُوا﴾ أيْ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِتَعْلِيمِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِثْلُ ناقَةِ صالِحٍ وعَصا مُوسى، وقَرَأ أكْثَرُ أهْلِ الكُوفَةِ «آيَةً» عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنَزِّلُها حَسْبَما يَشاءُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ قَطْعًا ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَ مِن شَأْنِي إلّا الإنْذارُ بِما أُوتِيتُ مِنَ الآياتِ لا الإتْيانُ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى رَدًّا عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانًا لِبُطْلانِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ أقْصُرُ، ولَمْ يَكْفِهِمْ آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ سائِرِ الآياتِ ﴿أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ النّاطِقَ بِالحَقِّ المُصَدِّقَ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وأنْتَ بِمَعْزِلٍ مِن مُدارَسَتِها ومُمارَسَتِها. ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ مُتَحَدِّينَ بِهِ، فَلا يَزالُ مَعَهم آيَةً ثابِتَةً لا تَزُولُ، ولا تَضْمَحِلُّ كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ كَوْنِها، وقِيلَ: ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أهْلِ الكِتابِ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ولَهُ وجْهٌ إنْ كانَ ضَمِيرُ (قالُوا) فِيما تَقَدَّمَ لِأهْلِ الكِتابِ، وأمّا إذا كانَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ فَلا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الباقِي عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ، وقِيلَ: الَّذِي هو حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿لَرَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً ﴿وذِكْرى﴾ أيْ تَذْكِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ هَمُّهُمُ الإيمانُ لا التَّعَنُّتُ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرى، والفِعْلُ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَحْمَةً وذِكْرى) مِمّا تَنازَعا في الجارِّ والمَجْرُورِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ لِلْحالِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والدّارِمِيُّ، وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: ««جاءَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكَتِفٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ، إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ» .

العنكبوت 29:51

﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ». وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ مْرَدُوَيْهِ، عَنْ يَحْيى هَذا، ما هو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ مَرْوِيًّا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِهِ لا غَيْرَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ والسِّباقَ مَعَ الكَفَرَةِ، وإنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الآيَةَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ﴾ إلَخْ، وفي جَعْلِ سَبَبِ النُّزُولِ ما ذُكِرَ خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ. صفحة 7 وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن مَنَعَ تَتَبُّعَ التَّوْراةِ ونَحْوِها. ورُوِيَ هَذا المَنعُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: أهْدى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرِ بْنِ رُكْنٍ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها هَدِيَّةً فَظَنَّتْ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَرَدَّتْها، وقالَتْ: يَتَتَبَّعُ الكُتُبَ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ لَها: «إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ فَقَبِلَتْها» وجاءَ في عِدَّةِ أخْبارٍ ما يَقْتَضِي المَنعَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِكِتابٍ مِن قِصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأُهُ عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ، فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا بَيْنَكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي ضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ»». وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ ««أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ كِتابًا، فاسْتَمَعَهُ ساعَةً، فاسْتَحْسَنَهُ، فَقالَ لِلرَّجُلِ: اكْتُبْ لِي مِن هَذا الكِتابِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَرى أدِيمًا فَهَيَّأهُ، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلَيْهِ، فَنَسَخَ لَهُ في ظَهْرِهِ وبَطْنِهِ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُهُ عَلَيْهِ، وجَعَلَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَلَوَّنُ فَضَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ الكِتابَ، وقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، ألا تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ اليَوْمِ، وأنْتَ تَقْرَأُ عَلَيْهِ هَذا الكِتابَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّما بُعِثْتُ فاتِحًا وخاتَمًا، وأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ وخَواتِمَهُ، واخْتُصِرَ لِي الحَدِيثُ اخْتِصارًا، فَلا يُهْلِكَنَّكُمُ المُتَهَوِّكُونَ»» أيِ الواقِعُونَ في كُلِّ أمْرٍ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ، وقِيلَ: المُتَحَيِّرُونَ إلى ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وحَقَّقَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ إنَّما هو عِنْدَ خَوْفِ فَسادٍ في الدِّينِ، وذَلِكَ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وعَلَيْهِ تُحْمَلُ الأخْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَتَذَكَّرْ.

العنكبوت 29:52

﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ عالِمًا بِما صَدَرَ عَنِّي مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، وبِما صَدَرَ عَنْكم مِن مُقابَلَتِي بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ، فَيُجازِي سُبْحانَهُ كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَأْنِي وشَأْنُكُمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن كِفايَتِهِ تَعالى شَهِيدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَفى بِهِ عَزَّ وجَلَّ شاهِدًا بِصِدْقِي أيْ مُصَدِّقًا لِي فِيما ادَّعَيْتُهُ بِالمُعْجِزاتِ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي، وجُمْلَةُ ( يَعْلَمُ ) إمّا صِفَةُ ( شَهِيدًا ) أوْ حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ كِفايَتِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ هَذا الوَجْهَ لا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( بَيْنِي وبَيْنَكم ) سَواءٌ تَعَلَّقَ بِكَفى، أوْ بِـ(شَهِيدًا)، ولا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ) إلَخْ، وفِيهِ تَأمُّلٌ. وقَدْ يُؤَيَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِيَ «أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ كَفى﴾ الآيَةَ» إلّا أنَّ في القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْئًا، لِما أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ مَعَ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ فَلا تَغْفُلْ. وأيًّا ما كانَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: 23] بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى: لا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ تَعالى، ولا تَقُولُوا اللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ما نَدَّعِيهِ حَقٌّ، كَما يَقُولُهُ العاجِزُ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ، إمّا لِأنَّ الشَّهِيدَ ها هُنا بِمَعْنى العالِمِ، والكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وإمّا بِمَعْنى المُصَدِّقِ بِالمُعْجِزاتِ ولَيْسَتِ الشَّهادَةُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ هُناكَ، والباءُ في ( بِاللَّهِ ) زائِدَةٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلُ ( كَفى )، وقالَ الزَّجّاجُ: «إنَّ الباءَ دَخَلَتْ لِتُضَمِّنَ كَفى مَعْنى اكْتَفِ، فالباءُ كَما قالَ اللَّقّانِيُّ مُعَدِّيَةٌ لا زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي: وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، ويُصَحِّحُهُ قَوْلُهُمُ: اتَّقى اللَّهَ تَعالى امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ، أيْ لِيَتَّقِ، بِدَلِيلِ جَزْمِ يُثَبْ، ويُوجِبُهُ قَوْلُهُمْ: «كَفى بِهِنْدٍ» بِتَرْكِ التّاءِ صفحة 8 فَإنِ احْتُجَّ بِالفاصِلِ، فَهو مُجَوَّزٌ لا مُوجِبٌ، بِدَلِيلِ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ فَإنْ عُورِضَ بِأحْسَنَ بِهِنْدٍ، فالتّاءُ لا تَلْحَقُ صِيَغَ الأمْرِ، وإنْ كانَ مَعْناها الخَبَرَ اهـ» . وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يس الحِمْصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ فَقالَ: «أقُولُ: تَفْسِيرُ ( كَفى ) عَلى هَذا القَوْلِ بِاكْتَفِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ فاعِلُ ( كَفى ) حِينَئِذٍ ضَمِيرُ المُخاطَبِ، ( وكَفى ) ماضٍ، وهو لا يَرْفَعُ ضَمِيرَ المُخاطَبِ المُسْتَتِرِ اهـ، وفِيهِ بُعْدُ بَحْثٍ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ» . وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ ( كَفى ) عَلى هَذا القَوْلِ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ يُخاطَبُ بِهِ المُفْرَدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ نَحْوُ: حَيَّ، في حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، فالمَعْنى هُنا اكْتَفُوا بِاللَّهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بَعِيدُ الإرادَةِ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ ويَأْباهُ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ، وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: الفاعِلُ ضَمِيرُ الِاكْتِفاءِ، قالَ ابْنُ هِشامٍ: وصِحَّةُ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلى جَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ، وهو قَوْلُ الفارِسِيِّ، والرُّمّانِيِّ أجازُوا: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَهُ في الظَّرْفِ وغَيْرِهِ، ومَنَعَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إعْمالَهُ مُطْلَقًا اهـ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الصّائِغِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ الصِّحَّةِ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَعْنى ( كَفى ) هو أيِ الِاكْتِفاءُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِاللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ ما لَمْ يَبْطُلْ هَذا القَوْلُ لا يَتِمُّ ما ادَّعاهُ ابْنُ هِشامٍ مِن أنَّ تَرْكَ التّاءِ فِي: كَفى بِهِنْدٍ، يُوجِبُ كَوْنَ (كَفى) مُضَمَّنًا مَعْنى اكْتَفِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو شامِلٌ لِنَحْوِ عِيسى والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والباطِلُ في الحَقِيقَةِ عِبادَتُهُمْ، ولَيْسَ الباطِلُ هُنا مِثْلَهُ في قَوْلِ حَسّانَ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: أيْ بِالصَّنَمِ، ﴿وكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ المَغْبُونُونَ في صَفْقَتِهِمْ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ فاسْتَوْجَبُوا العِقابَ يَوْمَ الحِسابِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ اسْتِبْدالَ الكُفْرِ بِالإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعِقابِ بِاشْتِراءِ مُسْتَلْزِمٍ لِلْخُسْرانِ، وفي الخُسْرانِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ هي قَرِينَتُها، لِأنَّ الخُسْرانَ مُتَعارَفٌ في التِّجاراتِ، وهَذا الكَلامُ ورَدَ مَوْرِدَ الإنْصافِ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ الكافِرُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَلْ أبْرَزَهُ في مَعْرِضِ العُمُومِ، لِيَهْجُمَ بِهِ التَّأمُّلُ عَلى المَطْلُوبِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٌ: 24]، وكَقَوْلِ حَسّانَ: فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وهَذا مِن قَبِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.

العنكبوت 29:53

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيْ ويَسْتَعْجِلُكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿بِالعَذابِ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ( مَتى هَذا الوَعْدُ ) وقَوْلِهِمْ: أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَذابِهِمْ وسَمّاهُ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ المُعَيَّنُ لَهم حَسْبَما اسْتَعْجَلُوا بِهِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالأجَلِ يَوْمُ القِيامَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمَهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأنْ يُؤَخِّرَ عَذابَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: المُرادُ بِهِ أجْلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ، وقِيلَ: وقْتُ فَنائِهِمْ بِآجالِهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ لِما أنَّهم ما كانُوا يُوعَدُونَ بِفَنائِهِمُ الطَّبِيعِيِّ، ولا كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴿ولَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن مَجِيءِ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ، أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَيَأْتِيَنَّهم العَذابُ الَّذِي عُيِّنَ لَهم عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ ﴿بَغْتَةً﴾ صفحة 9 أيْ فَجْأةً ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِإتْيانِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِإتْيانِهِ كَذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّعْجِيلِ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ، والإجابَةِ إلى مَسْؤُولِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ إتْيانٌ بِرَأْيِهِمْ وشُعُورِهِمْ، لا أنَّهُ يَأْتِيهِمْ وهم قارُّونَ آمِنُونَ لا يَحْظَرُونَهُ بِالبالِ كَدَأْبِ بَعْضِ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ بَياتًا، وهم نائِمُونَ، أوْ ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ، لِما أنَّ إتْيانَ عَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: إتْيانُهُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ لَهُمْ، وإتْيانُ عَذابِ الآخِرَةِ ونَحْوُهُ كَذَلِكَ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، وكَذا عَذابُ القَبْرِ أوِ اعْتِقادُهم شَفاعَةَ آلِهَتِهِمْ لَهم في دَفْعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وكَذا إتْيانُ عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ لِأنَّهم لِغُرُورِهِمْ كانُوا لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ، ولا تَخْطُرُ لَهم بِبالٍ عَلى ما بُيِّنَ في السِّيَرِ. / 50

العنكبوت 29:54

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِغايَةِ تَجْهِيلِهِمْ، ورَكاكَةِ رَأْيِهِمْ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ ما اسْتَعْجَلُوهُ عَذابُ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ جَهَنَّمَ﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ، والحالُ أنَّ مَحَلَّ العَذابِ الَّذِي لا عَذابَ فَوْقَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ، وأنَّ العَذابَ لَمُحِيطٌ بِهِمْ، أيْ سَيُحِيطُ بِهِمْ عَلى إرادَةِ المُسْتَقْبَلِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، أوْ كالمُحِيطِ بِهِمُ الآنَ لِإحاطَةِ الكُفْرِ والمَعاصِي المُوجِبَةِ إيّاهُ بِهِمْ عَلى أنَّ في الكَلامِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، أوِ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا، أوْ تَجَوُّزًا في الإسْنادِ، وقِيلَ: إنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ هي النّارُ في الحَقِيقَةِ، لَكِنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُسْتَعْجِلُونَ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أوْ جِنْسِ الكَفَرَةِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

العنكبوت 29:55

﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ إيذانًا بِغايَةِ كَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ويُجَلِّلُهُمُ العَذابُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ (لِمُحِيطَةٍ) عَلى مَعْنى: وإنَّ جَهَنَّمَ سَتُحِيطُ بِالكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ ﴿مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَما ذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ كَما في الغُدُوِّ والآصالِ، قِيلَ: وذَكَرَ الأرْجُلَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَقَرُّونَ، ولا يَجْلِسُونَ، وذَلِكَ أشَدُّ العَذابِ ﴿ويَقُولُ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والبَصْرِيُّونَ «ونَقُولُ» بِنُونِ العَظَمَةِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ «وتَقُولُ» بِالتّاءِ عَلى أنَّ القائِلَ جَهَنَّمُ، ونُسِبَ القَوْلُ إلَيْها هُنا كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: 30]، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ويُقالُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ.

العنكبوت 29:56

﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، والكَلْبِيِّ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ عَنْها، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الحُكْمَ في كُلِّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي في أرْضٍ لِمُمانَعَةٍ مِن جِهَةِ الكَفَرَةِ، أوْ غَيْرِهِمْ فَقالَ: تَلْزَمُهُ الهِجْرَةُ إلى أرْضٍ يَتَمَكَّنُ فِيها مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ، ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: إنَّ الآيَةَ عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِسَعَةِ الرِّزْقِ في جَمِيعِ الأرْضِ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالمُرادُ بِالأرْضِ صفحة 10 الأرْضُ المَعْرُوفَةُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ الآيَةَ عِدَةٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِإدْخالِ الجَنَّةِ لِمَن أخْلَصَ لَهُ سُبْحانَهُ العِبادَةَ وفَسَّرَ الأرْضَ بِأرْضِ الجَنَّةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والفاءُ في ( فَإيّايَ ) فاءُ التَّسَبُّبِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا أخُوكَ فَأكْرِمْهُ، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: إنَّهُ أخُوكَ فَإنْ أمْكَنَكَ فَأكْرِمْهُ، و(إيّايَ) مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَهُ لِاشْتِغالِهِ بِضَمِيرِهِ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ جَزاءٌ لِشَرْطٍ حُذِفَ وعَوَّضَ عَنْهُ هَذا المَعْمُولُ، والفاءُ في ( فاعْبُدُونِ ) هي الفاءُ الواقِعَةُ في الجَزاءِ، إلّا أنَّهُ لَمّا وجَبَ حَذْفُهُ جَعَلَ المُفَسِّرَ المُؤَكِّدُ لَهُ قائِمًا مَقامَهُ لَفْظًا، وأدْخَلَ الفاءَ عَلَيْهِ، إذْ لا بُدَّ مِنها لِلدِّلالَةِ عَلى الجَزاءِ، ولا تَدْخُلُ عَلى مَعْمُولِ المَحْذُوفِ، أعْنِي إيّايَ، وإنْ فُرِضَ خُلُوُّهُ عَنْ فاءٍ لِتَمَحُّضِهِ عِوَضًا عَنْ فِعْلِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ الدُّخُولُ عَلى المُفَسِّرِ، وأيْضًا لِيُطابِقَ المَذْكُورَ المَحْذُوفَ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَزِمَ أنْ يُقَدَّرَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ العامِلِ في (إيّايَ) مُؤَخَّرًا لِئَلّا يَفُوتَ التَّعْوِيضُ عَنْ فِعْلِ الشَّرْطِ مَعَ إفادَةِ ذَلِكَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ والإخْلاصِ، فالمَعْنى: إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ، فَإنْ لَمْ تُخْلِصُوا إلَيَّ العِبادَةَ في أرْضٍ فَأخْلِصُوها لِي في غَيْرِها، وجَعَلَ الشَّرْطَ إنْ لَمْ تُخْلِصُوا، لِدِلالَةِ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ولا مَنعَ مِن أنْ تَكُونَ الفاءُ الأُولى واقِعَةً في جَوابِ شَرْطٍ آخَرَ تَرْشِيحًا لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى أنَّ أرْضِي واسِعَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإنْ لَمْ تُخْلِصُوا لِي إلَخْ، وقِيلَ: الفاءُ الأُولى جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وأمّا الثّانِي فَتَكْرِيرٌ لِيُوافِقَ المُفَسِّرُ المُفَسَّرَ، فَيُقالُ حِينَئِذٍ: المَعْنى إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ إنْ لَمْ تُخْلِصُوا لِي العِبادَةَ في أرْضٍ فَأخْلِصُوها لِي في غَيْرِها، وتَكُونُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ المُقَدَّرَةُ أعْنِي إنْ لَمْ تُخْلِصُوا إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً عَرِيَّةً عَنِ الفاءِ، وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزًى. وجَعَلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الفاءَ الثّانِيَةَ لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى المُقَدَّرِ العامِلِ في (إيّايَ) قَصْدًا لِنَحْوِ الِاسْتِيعابِ كَما فِي: خُذِ الأحْسَنَ فالأحْسَنَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ المَذْكُورُ مُفَسِّرًا لِعَدَمِ جَوازِ تَخَلُّلِ العاطِفِ بَيْنَ مُفَسِّرٍ ومُفَسَّرٍ البَتَّةَ، وأمّا ما ذَكَرَهُ الإمامُ السَّكّاكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [النَّحْلُ: 51] مِن أنَّ الفاءَ عاطِفَةٌ والتَّقْدِيرُ: فَإيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُونِ، فَإنَّهُ أرادَ بِهِ أنَّها في الأصْلِ كَذَلِكَ لا في الحالِ، عَلى ما حَقَّقَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، هَذا وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وقَدْ ذَكَرْنا جُمْلَةً مِنهُ في أوائِلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَراجِعْهُ مَعَ ما هُنا، وتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

العنكبوت 29:57

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها حَثًّا عَلى إخْلاصِ العِبادَةِ والهِجْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ أفادَتْ أنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ دارَ بَقاءٍ، وأنَّ وراءَها دارَ الجَزاءِ، أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ، ومُفارِقَةٌ البَدَنَ البَتَّةَ، فَلا بُدَّ أنْ تَذُوقُوهُ، ثُمَّ تُرْجَعُونَ إلى حُكْمِنا، وجَزائِنا بِحَسَبِ أعْمالِكُمْ، فَمَن كانَتْ هَذِهِ عاقِبَتَهُ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّزَوُّدِ والِاسْتِعْدادِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ذائِقَةُ المَوْتِ ) اسْتِعارَةٌ لِتَشْبِيهِ المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ مُرِّهِ، والعُدُولُ عَنْ تَذَوُّقِ المَوْتِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتَبِيِّ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ذائِقَةٌ» بِالتَّنْوِينِ «المَوْتَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «تَرْجِعُونَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ورَوى عاصِمٌ «يَرْجِعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

العنكبوت 29:58

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أيْ لِنُنْزِلَنَّهم عَلى وجْهِ الإقامَةِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ خَبَرُ المُبْتَدَإ أعْنِي ( الَّذِينَ )، ورُدَّ بِهِ وبِأمْثالِهِ عَلى ثَعْلَبٍ المانِعِ مِن وُقُوعِ جُمْلَةِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أيْ عَلالِيَ وقُصُورًا جَلِيلَةً لا قُصُورَ فِيها، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِنَ الدُّرِّ، والزَّبَرْجَدِ، والياقُوتِ، مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّبْوِئَةِ. صفحة 11 وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَبْدُ اللَّهِ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «لَنُثَوِّيَنَّهُمْ» بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ السّاكِنَةِ بَعْدَ النُّونِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مِنَ الثَّواءِ بِمَعْنى الإقامَةِ، فانْتِصابُ ﴿غُرَفًا﴾ حِينَئِذٍ إمّا بِإجْرائِهِ مَجْرى لَنُنْزِلَنَّهُمْ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى أنَّ أصْلَهُ بِغُرَفٍ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ انْتَصَبَ، أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والظَّرْفُ المَكانِيُّ إذا كانَ مَحْدُودًا كالدّارِ والغُرْفَةِ لا يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلّا أنَّهُ أُجْرِيَ هُنا مَجْرى المُبْهَمِ تَوَسُّعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافُ: 16]، عَلى ما فُصِّلَ في النَّحْوِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ «غُرُفًا» بِضَمِّ الرّاءِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِـ ( غُرَفًا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في الغُرَفِ، وقِيلَ: في الجَنَّةِ ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الغُرَفُ أوْ أجْرُهُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ التَّمْيِيزِ مَحْذُوفًا، أيْ نِعْمَ أجْرًا أجْرُ العامِلِينَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «فَنِعْمَ» بِفاءِ التَّرْتِيبِ.

العنكبوت 29:59

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ صِفَةٌ لِلْعامِلِينَ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ صَبَرُوا عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ وشَدائِدِ المُهاجَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المِحَنِ والمَشاقِّ، ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ ولَمْ يَتَوَكَّلُوا فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى.

العنكبوت 29:60

﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ بِالمُهاجَرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالُوا: كَيْفَ نَقْدَمُ بَلْدَةً لَيْسَ لَنا فِيها مَعِيشَةٌ؟ فَنَزَلَتْ». أيْ وكَمْ مِن دابَّةٍ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقَها لِضَعْفِها، أوْ لا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما تُصْبِحُ ولا مَعِيشَةَ عِنْدَها. عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ شَيْءٌ يُخَبِّئُ إلّا الإنْسانَ والنَّمْلَةَ والفَأْرَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَدَّخِرُ إلّا الآدَمِيُّ والنَّمْلُ والفَأْرَةُ والعَقْعَقُ، ويُقالُ لِلْعَقْعَقِ مُخابِي، إلّا أنَّهُ يَنْساها، وعَنْ بَعْضِهِمْ: رَأيْتُ البُلْبُلَ يَحْتَكِرُ في حِضْنَيْهِ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ، وذَكَرَ لِي بَعْضُهم أنَّ أغْلَبَ الكَوامِنِ مِنَ الطَّيْرِ يَدَّخِرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّها مَعَ ضَعْفِها وتَوَكُّلِها، وإيّاكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم سَواءٌ في أنَّهُ لا يَرْزُقُها وإيّاكم إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ رِزْقَ الكُلِّ بِأسْبابٍ هو عَزَّ وجَلَّ المُسَبِّبُ لَها وحْدَهُ، فَلا تَخافُوا عَلى مَعاشِكم بِالمُهاجَرَةِ، ولَمّا كانَ المُرادُ إزالَةَ ما في أوْهامِهِمْ مِنَ الهِجْرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ قِيلَ: ﴿يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ دُونَ يَرْزُقُكم وإيّاها ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ البالِغُ في السَّمْعِ فَيَسْمَعُ قَوْلَكم هَذا، ﴿العَلِيمُ﴾ البالِغُ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُكم.

العنكبوت 29:61

﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، ولا التَّرَدُّدِ فِيهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِذَلِكَ أيْضًا، ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِمُوجَبِهِ، والفاءُ لِلتَّرْتِيبِ أوْ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ عَزَّ وجَلَّ في الأُلُوهِيَّةِ، مَعَ إقْرارِهِمْ بِتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْخِيرِ. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ، فَإنْ صَرَفَهُمُ الهَوى والشَّيْطانُ، لِمَكانِ بِناءِ ( يُؤْفَكُونَ ) لِلْمَفْعُولِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى.

العنكبوت 29:62

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ لا غَيْرُهُ ﴿مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ صفحة 12 عائِدٌ عَلى ( مَن يَشاءُ ) الَّذِي يَبْسُطُ لَهُ الرِّزْقَ أيْ عائِدٌ عَلَيْهِ مَعَ مُلاحَظَةِ مُتَعَلِّقِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ يُوَسِّعُ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ رِزْقَهُ تارَةً ويُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ أُخْرى، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، فَقَدْ يَتَقَدَّمُ التَّضْيِيقُ عَلى التَّوْسِيعِ، أوْ عائِدٌ عَلى ( مَن يَشاءُ ) بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ، فالمُرادُ مَن يَشاءُ آخَرُ غَيْرُ المَذْكُورِ، فَهو نَظِيرُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ يُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ النّاسِ ويُضَيِّقُ عَلى بَعْضٍ آخَرَ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ «ويُقَدِّرُ» بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ القافِ، وشَدِّ الدّالِ، ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ في أيِّ وقْتٍ يُوافِقُ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ، فَيَفْعَلُ كُلًّا مِنهُما في وقْتِهِ، أوْ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِبَسْطِ الرِّزْقِ فَيَبْسُطُهُ لَهُ، ومَن يَلِيقُ بِقَدْرِهِ لَهُ فَيَقْدُرُ لَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ إلَخْ، تَكْمِيلٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ لِأنَّ الأوَّلَ كَلامٌ في المَرْزُوقِ وعُمُومِهِ، وهَذا كَلامٌ في الرِّزْقِ وبَسْطِهِ وقَتَرَتِهِ.

العنكبوت 29:63

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ إلَخْ، مُعْتَرِضٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الآيَتَيْنِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ عَلَيْهِمْ في الرِّزْقِ مُقِرُّونَ بِقُدْرَتِنا وبِقُوَّتِنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذّارِياتُ: 58] قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اعْتُرِضَ لِيُفِيدَ أنَّ الخالِقَ هو الرَّزّاقُ، وأنَّ مَن أفاضَ ابْتِداءً وأوْجَدَ أوْلى أنْ يَقْدِرَ عَلى الإبْقاءِ، وأكَّدَ بِهِ ما ضُمِّنَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُوجِدُ لِلْمُمْكِناتِ بِأسْرِها أُصُولِها وفَرْعِها، ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى إظْهارِ الحُجَّةِ واعْتِرافِهِمْ بِما يَلْزَمُهُمْ، وقِيلَ: حَمِدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى العِصْمَةِ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ حَيْثُ أشْرَكُوا مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَهُما مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ، فَيَكُونُ كالحَمْدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُبْتَلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَمْدًا عَلى هَذا وذاكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ما يَقُولُونَ، وما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وصِحَّةِ التَّوْحِيدِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِمْ هَذا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، قِيلَ: إضْرابٌ عَنْ جَهْلِهِمُ الخاصِّ في الإتْيانِ بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم مَسْلُوبُو العُقُولِ، فَلا يَبْعُدُ عَنْهم مِثْلُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ) مُعْتَرِضٌ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ لُقْمانَ إلْزامًا وتَقْرِيرًا لِاسْتِحْقاقِهِ تَعالى العِبادَةَ، وقِيلَ: ( لا يَعْقِلُونَ ) ما تُرِيدُ بِتَحْمِيدِكَ عِنْدَ مَقالِهِمْ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِخَفائِهِ وقِلَّةِ جَدْواهُ، وتَكَلُّفِ تَوْجِيهِ الإضْرابِ فِيهِ.

العنكبوت 29:64

﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةُ تَحْقِيرٍ، وكَيْفَ لا، والدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ»» . وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: (الدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْها كَلْبٌ بِيَدِ مَجْذُومٍ)، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ حَقارَةُ ما فِيها مِنَ الحَياةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ﴿إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ أيْ إلّا كَما يَلْهُو ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَبْتَهِجُونَ بِهِ ساعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ أيْ لَهي دارُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ إذْ لا يَعْرِضُ المَوْتُ والفَناءُ لِمَن فِيها، أوْ هي ذاتُها حَياةٌ لِلْمُبالَغَةِ، ( والحَيَوانُ ) مَصْدَرُ حَيِيَ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ في غَيْرِ صفحة 13 هَذا المَحَلِّ، وأصْلُهُ حَيَيانٌ فَقُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ واوًا عَلى خِلافِ القِياسِ فَلامَهُ ياءٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ لامَهُ واوٌ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الكَلِمَةِ، وإلى حَياةٍ عَلَمِ رَجُلٍ، ولا حُجَّةَ عَلى كَوْنِهِ ياءً في حَيٍّ، لِأنَّ الواوَ في مِثْلِهِ تُبْدَلُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، نَحْوُ: شَقِيٍّ مِنَ الشِّقْوَةِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الحَياةِ لِما في بِناءِ فَعْلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ اللّازِمِ لِلْحَياةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ عَلَيْها في هَذا المَقامِ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ عَلِمْتَها في وصْفِ الحَياةِ الدُّنْيا المُقابِلَةِ لِلدّارِ الآخِرَةِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الحَياةِ، ثُمَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الحَياةِ فِيها عارِضَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ، وكَوْنُ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.

العنكبوت 29:65

﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ شَرْحُ حالِهِمْ، والرُّكُوبُ الِاسْتِعْلاءُ عَلى الشَّيْءِ المُتَحَرِّكِ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ [النَّحْلُ: 8]، واسْتِعْمالُهُ ها هُنا وفي أمْثالِهِ نَفْيٌ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ، وحَرَكَتُهُ قَسْرِيَّةٌ غَيْرُ إرادِيَّةٍ، والفاءُ لِلتَّعَقُّبِ، وفي الكَلامِ مَعْنى الغايَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هم مَصْرُوفُونَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ إقْرارِهِمْ بِما يَقْتَضِيهِ، لاهُونَ بِما هو سَرِيعُ الزَّوالِ ذاهِلُونَ عَنِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، حَتّى إذا رَكِبُوا في الفُلْكِ ولَقُوا الشَّدائِدَ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ كائِنِينَ في صُورَةِ مَن أخْلَصَ دِينَهُ ومِلَّتَهُ أوْ طاعَتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، حَيْثُ لا يَذْكُرُونَ إلّا اللَّهَ تَعالى، ولا يَدْعُونَ سِواهُ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَكْشِفُ الشَّدائِدَ إلّا هو عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالدِّينِ المِلَّةُ، أوِ الطّاعَةُ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّهم لا يَسْتَمِرُّونَ عَلى هَذِهِ الحالِ، فَهي قَبِيحَةٌ بِاعْتِبارِ المَآلِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ فاجَؤُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ولَمْ يَتَأخَّرُوا عَنْها ولا وقْتًا.

العنكبوت 29:66

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في المَوْضِعَيْنِ لامُ كَيْ، أيْ يُشْرِكُونَ لِيَكُونُوا كافِرِينَ بِما آتَيْناهم مِن نِعْمَةِ النَّجاةِ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ، ولِيَتَمَتَّعُوا بِاجْتِماعِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وتَوادِّهِمْ عَلَيْها، فالشِّرْكُ سَبَبٌ لِهَذا الكُفْرانِ، وأُدْخِلَتْ لامُ كَيْ عَلى مُسَبَّبِهِ لِجَعْلِهِ كالغَرَضِ لَهم مِنهُ، فَهي لامُ العاقِبَةِ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: اللّامُ فِيهِما لامُ الأمْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرانِ والتَّمَتُّعِ مَجازٌ في التَّخْلِيَةِ والخِذْلانِ والتَّهْدِيدِ، كَما تَقُولُ عِنْدَ الغَضَبِ عَلى مَن يُخالِفُكَ: افْعَلْ ما شِئْتَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، والأعْمَشِ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ «ولْيَتَمَتَّعُوا» بِسُكُونِ اللّامِ، فَإنَّ لامَ كَيْ لا تُسَكَّنُ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ لِذَلِكَ لامَ الأمْرِ، فالأُولى مِثْلُها لِيَتَّضِحَ العَطْفُ، وتَخالُفُهُما مُحْوِجٌ إلى التَّكَلُّفِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ عَطْفُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ، لا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عاقِبَةَ ذَلِكَ حِينَ يُعاقَبُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، مُؤَيِّدٌ لِلتَّهْدِيدِ.

العنكبوت 29:67

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُشاهِدُوا ﴿أنّا جَعَلْنا﴾ أيْ بَلَدَهم ﴿حَرَمًا﴾ مَكانًا حُرِّمَ فِيهِ كَثِيرٌ مِمّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ في غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ ﴿آمِنًا﴾ أهْلُهُ عَمّا يَسُوءُهم مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ عَلى أنَّ أمْنَهُ كِنايَةٌ عَنْ أمْنِ أهْلِهِ، أوْ عَلى أنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ أوْ عَلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا، وتَخْصِيصُ أهْلِ مَكَّةَ، وأنَّ أمْنَ كُلِّ مَن فِيهِ حَتّى الطُّيُورِ والوُحُوشِ لِأنَّ المَقْصُودَ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ في حَقِّهِمْ. وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما يَمْنَعُنا أنْ نَدْخُلَ في دِينِكَ إلّا مَخافَةُ أنْ يَتَخَطَّفَنا النّاسُ لِقِلَّتِنا، والعَرَبُ أكْثَرُ مِنّا، فَمَتى بَلَغَهم أنّا قَدْ دَخَلْنا في دِينِكَ اخْتُطِفْنا، فَكُلُّنا أكَلَةُ رَأْسٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ صفحة 14 ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾» يُخْتَلَسُونَ مِن حَوْلِهِمْ قَتْلًا وسَبْيًا، إذا كانَتِ العَرَبُ حَوْلَهُ في تَغاوُرٍ وتَناهُبٍ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ، أيْ وهم يُتَخَطَّفُ إلَخْ، ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أنَّ أبَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ أبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ المَكْشُوفَةِ وغَيْرِها بِالصَّنَمِ، وقِيلَ: بِالشَّيْطانِ يُؤْمِنُونَ، ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهي المُسْتَوْجِبَةُ لِلشُّكْرِ حَيْثُ يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِها، لِأنَّها مَصَبُّ الإنْكارِ أوْ لِلِاخْتِصاصِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، لِأنَّ الإيمانَ إذا لَمْ يَكُنْ خاصًّا لا يُعْتَدُّ بِهِ، ولِأنَّ كُفْرانَ غَيْرِ نِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِجَنْبِ كُفْرانِها لا يُعَدُّ كُفْرانًا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ «تُؤْمِنُونَ» و«تَكْفُرُونَ» بِتاءِ الخِطابِ فِيهِما.

العنكبوت 29:68

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ زَعَمَ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا، وكَوْنُهُ كَذِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ في حَقِّهِ فَهو كَقَوْلِكَ: كَذَبَ عَلى زَيْدٍ، إذا وصَفَهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ أوِ الكِتابَ ﴿لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ حِينَ مَجِيئِهِ إيّاهُ، وفِيهِ تَسْفِيهٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَتَأمَّلُوا، ولَمْ يَتَوَقَّفُوا حِينَ جاءَهُمْ، بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ. ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ ثَواءٌ وإقامَةٌ لَهُمْ، أوْ مَكانٌ يَثْوُونَ فِيهِ، ويُقِيمُونَ، والكَلامُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ تَقْرِيرٌ لِثَوائِهِمْ في جَهَنَّمَ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، وقَدْ دَخَلَ عَلى نَفْيٍ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ ألا يَسْتَوْجِبُونَ الثَّواءَ، أوِ المَكانَ الَّذِي يُثْوى فِيهِ فِيها، وقَدِ افْتَرَوْا مِثْلَ هَذا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَذَّبُوا بِالحَقِّ مِثْلَ هَذا التَّكْذِيبِ، أوْ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاجْتِرائِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ حَتّى اجْتَرَءُوا هَذِهِ الجُرْأةَ، وجَعَلَهم عالِمِينَ بِذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وظُهُورِهِ، فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ العالِمِ بِهِ، والتَّعْرِيفُ في (الكافِرِينَ) عَلى الأوَّلِ لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِهِمْ أُولَئِكَ المُحَدَّثُ عَنْهُمْ، وهم أهْلُ مَكَّةَ، وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ لِتَعْلِيلِ اسْتِيجابِهِمُ المَثْوى، ولا يُنافِي كَوْنَ ظاهِرِهِ أنَّ العِلَّةَ افْتِراؤُهم وتَكْذِيبُهُمْ، لِأنَّهُ لا يُغايِرُهُ، والتَّعْلِيلُ يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ، وعَلى الثّانِي لِلْجِنْسِ، فالمُرادُ مُطْلَقُ جِنْسِ الكَفَرَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا بُرْهانِيًّا.

العنكبوت 29:69

﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ في شَأْنِنا، ومِن أجْلِنا، ولِوَجْهِنا خالِصًا، فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ بِحَمْلِ الكَلامِ عَلى المُبالَغَةِ بِجَعْلِ ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُسْتَقِرًّا لِلْمُجاهَدَةِ، وأُطْلِقَتِ المُجاهَدَةُ لِتَعُمَّ مُجاهَدَةَ الأعادِي الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ بِأنْواعِهِما، ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا والوُصُولِ إلى جَنابِنا، والمُرادُ نَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سُبُلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقًا لِسُلُوكِها، فَإنَّ الجِهادَ هِدايَةٌ أوْ مُرَتَّبٌ عَلَيْها، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [مُحَمَّدٌ: 17]، وفي الحَدِيثِ ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ، ورَّثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»». ومِنَ النّاسِ مَن أوَّلَ ( جاهَدُوا): بِأرادُوا الجِهادَ وأبْقى ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: والَّذِينَ جاهَدُوا بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا إلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى: والَّذِينَ جاهَدُوا في الغَزْوِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الشَّهادَةِ والمَغْفِرَةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ خَبَرُهُ نَظِيرَ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: 58]. صفحة 15 ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ المُتَّصِفَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي بَلَغَتْ عَظَمَتُهُ في القُلُوبِ ما بَلَغَتْ ﴿لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ مَعِيَّةَ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وتَقَدُّمُ الجِهادِ المُحْتاجِ لَهُما قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ قَدْ طابَقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( جاهَدُوا ) لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا اللَّفْظُ فَمِن حَيْثُ الإطْلاقُ في المُجاهَدَةِ والمَعِيَّةِ، وأمّا المَعْنى فالمُجاهِدُ لِلْأعْداءِ يَفْتَقِرُ إلى ناصِرٍ ومُعِينٍ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْآيَةِ مُؤَكَّدٌ بِكَلِمَتَيِ التَّوْكِيدِ مُحَلًّى بِاسْمِ الذّاتِ، لِيُؤْذِنَ بِأنَّ مَن جاهَدَ بِكُلِّيَّتِهِ وشَراشِرِهِ في ذاتِهِ جَلَّ وعَلا تَجَلّى لَهُ الرَّبُّ عَزَّ اسْمُهُ الجامِعُ في صِفَةِ النُّصْرَةِ والإعانَةِ تَجَلِّيًا تامًّا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ خاتِمَةٌ شَرِيفَةٌ لِلسُّورَةِ، لِأنَّها مُجاوِبَةٌ لِمُفْتَتَحِها ناظِرَةٌ إلى فَرِيدَةِ قِلادَتِها ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 2]، لامِحَةٌ إلى واسِطَةِ عِقْدِها ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 56]، وهي في نَفْسِها جامِعَةٌ فاذَّةٌ اهـ. و(ألْ) في المُحْسِنِينَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا، ووَجْهُ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ ظاهِرٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ، فالمُرادُ بِهِمْ مُطْلَقُ جِنْسِ مَن أتى بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا بُرْهانِيًّا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ ( المُحْسِنِينَ ) بِالمُوَحِّدِينَ، وفِيهِ تَأْيِيدٌ ما لِلِاحْتِمالِ الثّانِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ظَنَّ الخَلْقُ أنَّهم يُتْرَكُونَ مَعَ دَعاوى المَحَبَّةِ، ولا يُطالَبُونَ بِحَقائِقِها، وهي صَبُّ البَلاءِ عَلى المُحِبِّ، وتَلَذُّذُهُ بِالبَلاءِ الظّاهِرِ والباطِنِ، وهَذا كَما قالَ العارِفُ ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ وذَكَرُوا أنَّ المَحَبَّةَ والمِحْنَةَ تَوْأمانِ، «وبِالِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ» ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى حالِ الكاذِبِينَ في دَعْوى المَحَبَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُصْرَفُونَ عَنْها بِأذى النّاسِ لَهم ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيِ اطْلُبُوا الرِّزْقَ بِالطّاعَةِ، والإقْبالِ عَلى العِبادَةِ، وقالَ سَهْلٌ: اطْلُبُوهُ في التَّوَكُّلِ لا في المَكْسَبِ، فَإنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ فِيهِ سَبِيلُ العَوامِّ ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ مُهاجِرٌ مِن نَفْسِي، ومِنَ الكَوْنِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيْ راجِعٌ إلى رَبِّي مِن جَمِيعِ ما لِي وعَلَيَّ، والرُّجُوعُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالِانْفِصالِ عَمّا دُونَهُ سُبْحانَهُ، ولا يَصِحُّ لِأحَدٍ الرُّجُوعُ إلَيْهِ تَعالى، وهو مُتَعَلِّقٌ بِشَيْءٍ مِنَ الكَوْنِ بَلْ لا بُدَّ أنْ يَنْفَصِلَ مِنَ الأكْوانِ أجْمَعَ، ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ سُئِلَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَجْتَمِعُ النّاسُ عَلَيْهِ إلّا الذِّكْرَ فَهو مُنْكَرٌ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى مَنِ اعْتَمَدَ عَلى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في أسْبابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهو مُنْقَطِعٌ عَنْ مُرادِهِ غَيْرُ واصِلٍ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: مَنِ اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوى اللَّهِ تَعالى كانَ هَلاكُهُ في نَفْسِ ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، ومَنِ اتَّخَذَ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ ظَهِيرًا قَطَعَ عَنْ نَفْسِهِ سَبِيلَ العِصْمَةِ، ورُدَّ إلى حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ. ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَقائِقَ المَعارِفِ لا يَعْرِفُها إلّا أصْحابُ الأحْوالِ العالِمُونَ بِهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ وسائِرِ شُؤُونِهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّهم عُلَماءُ المَنهَجِ، وذُكِرَ أنَّ العالِمَ عَلى الحَقِيقَةِ مَن صفحة 16 يَحْجِزُهُ عِلْمُهُ عَنْ كُلِّ ما يُبِيحُهُ العِلْمُ الظّاهِرُ، وهَذا هو المُؤَيَّدُ عَقْلُهُ بِأنْوارِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ ذَكَرَ أنَّ حَقِيقَةَ الصَّلاةِ حُضُورُ القَلْبِ بِنَعْتِ الذِّكْرِ، والمُراقَبَةُ بِنَعْتِ الفِكْرِ، فالذِّكْرُ في الصَّلاةِ يَطْرُدُ الغَفْلَةَ الَّتِي هي الفَحْشاءُ، والفِكْرُ يَطْرُدُ الخَواطِرَ المَذْمُومَةَ، وهي المُنْكَرُ، هَذا في الصَّلاةِ، وبَعْدَها تَنْهى هي إذا كانَتْ صَلاةً حَقِيقِيَّةً، وهي الَّتِي انْكَشَفَ فِيها لِصاحِبِها جَمالُ الجَبَرُوتِ وجَلالُ المَلَكُوتِ، وقَرَّتْ عَيْناهُ بِمُشاهَدَةِ أنْوارِ الحَقِّ جَلَّ وعَلا عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ والأعْواضِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الصَّلاةُ إذا كانَتْ مَقْبُولَةً تَنْهى عَنْ مُطالَعاتِ الأعْمالِ والأعْواضِ. ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيْ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لَكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ سُبْحانَهُ، لِأنَّ ذِكْرَهُ تَعالى بِلا عِلَّةٍ وذِكْرَكم مَشُوبٌ بِالعِلَلِ والأمانِي والسُّؤالِ، وأيْضًا ذِكْرُهُ تَعالى صِفَتُهُ وذِكْرُكم صِفَتُكُمْ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ صِفَةِ الخالِقِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبَيْنَ صِفَةِ المَخْلُوقِ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَرائِسَ حَقائِقِ القُرْآنِ لا تَنْكَشِفُ إلّا لِأرْواحِ المُقَرَّبِينَ مِنَ العارِفِينَ والعُلَماءِ الرَّبّانِيِّينَ، لِأنَّها أماكِنُ أسْرارِ الصِّفاتِ وأوْعِيَةُ لَطائِفِ كُشُوفِ الذّاتِ، قالَ الصّادِقُ عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ: لَقَدْ تَجَلّى اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ لِعِبادِهِ، ولَكِنْ لا يُبْصِرُونَ. ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ قالَ سَهْلٌ: إذا عُمِلَ بِالمَعاصِي والبِدَعِ في أرْضٍ فاخْرُجُوا مِنها إلى أرْضِ المُطِيعِينَ، وكَأنَّ هَذا لِئَلّا تَنْعَكِسَ ظُلْمَةُ مَعاصِي العاصِينَ عَلى قُلُوبِ الطّائِعِينَ، فَيَكْسَلُوا عَنِ الطّاعَةِ، وذَكَرُوا أنَّ سَفَرَ المُرِيدِ سَبَبٌ لِلتَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والقُضاعِيُّ، والخَطِيبُ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سافِرُوا تَصِحُّوا، وتَغْنَمُوا كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ فَلا يَمْنَعَنَّكم خَوْفُ المَوْتِ مِنَ السَّفَرِ»،» ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ فَلا يَمْنَعْنَّكم عَنْهُ فَقْدُ الزّادِ أوِ العَجْزُ عَنْ حَمْلِهِ. ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيِ الَّذِينَ جاهَدُوا في رِضانا لَنَهْدِيَنَّهم إلى مَحَلِّ الرِّضا، والمُجاهَدَةُ كَما قالَ: الِافْتِقارُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالِانْقِطاعِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أيِ الَّذِينَ شَغَلُوا ظَواهِرَهم بِالوَظائِفِ لَنُوَصِّلَنَّ أسْرارَهم إلى اللَّطائِفِ، وقِيلَ: أيِ الَّذِينَ جاهَدُوا نُفُوسَهم لِأجْلِنا وطَلَبًا لَنا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ المَعْرِفَةِ بِنا والوُصُولِ إلَيْنا، ومَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى عَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ، ومَن وصَلَ إلَيْهِ هانَ عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ، كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ يَقُولُ: مَنِ اعْتاصَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ فَلْيَسْألْ أهْلَ الثُّغُورِ عَنْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وجِهادُ النَّفْسِ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يُحِبُّ ويَرْضى، والحِفْظَ التّامَّ مِن كُلِّ شَرٍّ بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ سَيِّدِ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.