Tafsir Al-Alusi — فاطر 35:1 – يس 36:40
المحتويات
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
فاطر 35:1
صفحة 161
سُورَةُ فاطِرٍ
وتُسَمّى سُورَةَ المَلائِكَةِ، وهي مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) قالَ الحَسَنُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ [فاطِرٍ: 29] الآيَةَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ [فاطِرٍ: 32] الآيَةَ، وآيُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في المَدَنِيِّ الأخِيرِ والشّامِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في الباقِينَ، والمُناسَبَةُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ هَلاكَ المُشْرِكِينَ أعْداءِ المُؤْمِنِينَ وإنْزالَهم مَنازِلَ العَذابِ تَعَيَّنَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَمْدُهُ تَعالى وشُكْرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [اَلْأنْعامِ: 45] ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ تَواخِي السُّورَتَيْنِ في الِافْتِتاحِ بِالحَمْدِ وتَقارُبُهُما في المِقْدارِ وغَيْرُ ذَلِكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُوجِدِهِما مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ، فالفَطْرُ الإبْداعُ، وقالَ الرّاغِبُ: هو إيجادُهُ تَعالى الشَّيْءَ وإبْداعُهُ عَلى هَيْئَةٍ مُتَرَشِّحَةٍ لِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ فِي(شُعَبِ الإيمانِ) وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها يَعْنِي اِبْتَدَأْتُها، وأصْلُ الفَطْرِ الشِّقُّ، وقالَ الرّاغِبُ: الشِّقُّ طُولًا ثُمَّ تُجُوِّزَ فِيهِ عَمّا تَقَدَّمَ وشاعَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً أيْضًا، ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والمُرادُ بِهِما العالَمُ بِأسْرِهِ لِكَوْنِهِما مُمْكِنَيْنِ والأصْلُ في المُمْكِنِ العَدَمُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [اَلْقَصَصِ: 88] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ»» وصَرَّحَ بِذَلِكَ فَلاسِفَةُ الإسْلامِ، قالَ رَئِيسُهُمُ: المُمْكِنُ في نَفْسِهِ لَيْسَ وهو عَنْ عِلَّتِهِ آيِسٌ كَأنَّ العَدَمَ كامِنٌ فِيهِما وبِإيجادِهِما يُشَقّانِ ويَخْرُجُ العَدَمُ مِنهُما.
وقِيلَ في ذَلِكَ: كَأنَّهُ تَعالى شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن حَمْلِهِ عَلى أصْلِهِ هُنا ويَكُونُ إشارَةً إلى الأمْطارِ والنَّباتِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ بِالأمْطارِ وفاطِرِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وفِيهِ نَظَرٌ سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ قَرِيبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ عَلى القَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ جاعِلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ يُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ سُبْحانَهُ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والرُّؤْيا الصّادِقَةِ أوْ جاعِلَهم وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ يُوصِلُونَ إلَيْهِمْ آثارَ قُدْرَتِهِ وصُنْعِهِ كالأمْطارِ والرِّياحِ وغَيْرِهِما وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِأُمُورِ العالَمِ، وهَذا أنْسَبُ بِالقَوْلِ الثّانِي لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِ الأمْطارِ شاقَّةً لِلسَّماواتِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلى النِّعَمِ ونِعَمُهُ تَعالى عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ، وهو في سُورَةِ سَبَأٍ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ والحَشْرِ ودَلِيلُهُ: ( يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ) [سَبَأٍ: 2، الحَدِيدِ: 4] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سَبَأٍ: 3] والحَمْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ البَقاءِ في الآخِرَةِ ودَلِيلُهُ جاعِلُ المَلائِكَةِ رُسُلًا أيْ يَجْعَلُهم سُبْحانَهُ رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبادَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الحَمْدَ لِلَّهِ شاقِّ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ لِنُزُولِ الأرْواحِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ وجاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَلَقَّوْنَ عِبادَهُ، وعَلَيْهِ فَأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ ما مَضى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ﴾ [سَبَأٍ: 54] بَيانٌ لِانْقِطاعِ رَجاءِ مَن كانَ في شَكٍّ مُرِيبٍ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَهم ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وبَشَّرَهم بِإرْسالِ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ وأنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ أبْوابَ الرَّحْمَةِ لَهُمُ اِنْتَهى، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
و﴿فاطِرِ﴾ صِفَةٌ لِلَّهِ وإضافَتُهُ
صفحة 162
مَحْضَةٌ قالَ أبُو البَقاءِ: لِأنَّهُ لِلْماضِي لا غَيْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَعْرُوفٌ بِالإضافَةِ إذْ لَمْ يَجْرِ عَلى الفِعْلِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والثَّباتُ، كَما يُقالُ زَيْدٌ مالِكُ العَبِيدِ جاءَ، أيْ زَيْدٌ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَمْلِكَ العَبِيدَ جاءَ، ومَن جَعَلَ الإضافَةَ غَيْرَ مَحْضَةٍ جَعْلَهُ بَدَلًا وهو قَلِيلٌ في المُشْتَقّاتِ، وكَذا الكَلامُ في ﴿جاعِلِ﴾ و﴿رُسُلا﴾ عَلى القَوْلِ بِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ مَنصُوبٌ بِهِ بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، لِأنَّ اِسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الماضِي لا يَعْمَلُ عِنْدَهُ كَسائِرِ البَصْرِيِّينَ إلّا مُعَرَّفًا بِاللّامِ، وقالَ أبُو سَعِيدِ السِّيرافِيُّ: اِسْمُ الفاعِلِ المُتَعَدِّي إلى اِثْنَيْنِ يَعْمَلُ بِالثّانِي لِأنَّهُ بِإضافَتِهِ إلى الأوَّلِ تَعَذَّرَتْ إضافَتُهُ إلى الثّانِي فَتَعَيَّنَ نَصْبُهُ لَهُ.
وعَلَّلَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّهُ بِالإضافَةِ أشْبَهُ المُعَرَّفَ بِاللّامِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجَعْلِ تَصْيِيرِيًّا أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إبْداعِيًّا فَرُسُلًا حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقَرَأ الضَّحّاكُ والزُّهْرِيُّ (فَطَرَ) و(جَعَلَ) فِعْلًا ماضِيًا ونَصَبا ما بَعْدَهُ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ الَّذِي نَعْتًا لِلَّهِ تَعالى أوْ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ إلى إجازَتِهِ وتَبِعَهُمُ اِبْنُ مالِكٍ وشَرَطَ في بَعْضِ كُتُبِهِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَوْصُولٍ آخَرَ ومِن حُجَّتِهِمْ «آمِنُوا بِاَلَّذِي أنْزَلَ إلَيْنا وأنْزَلَ إلَيْكُمْ» وقَوْلُ حَسّانَ:
أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَنْصُرُهُ ويَمْدَحُهُ سَواءُ
وقَوْلُ آخَرَ:
ما الَّذِي دَأْبُهُ اِحْتِياطٌ وحَزْمٌ ∗∗∗ وهَواهُ أطاعَ يَسْتَوِيانِ
واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجُمْلَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فَطَرَ. وقَرَأ الحَسَنُ «جاعِلُ» بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ وجَرِّ ( المَلائِكَةِ ) وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «جاعِلُ» بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ ونَصْبِ «اَلْمَلائِكَةَ» وخَرَّجَ حَذْفَ التَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ونَصْبِ المَلائِكَةِ إذا كانَ جاعِلُ لِلْمُضِيِّ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وهِشامٍ في جَوازِ إعْمالِ الوَصْفِ الماضِي النَّصْبَ. وقَرَأ اِبْنُ يَعْمُرَ وخُلَيْدٌ «جَعَلَ» فِعْلًا ماضِيًا «اَلْمَلائِكَةَ» بِالنَّصْبِ وذَلِكَ بَعْدَ قِراءَتِهِ ( فاطِرِ ) كالجُمْهُورِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [اَلْأنْعامِ: 96] وفي الكَشّافِ قُرِئَ «فَطَرَ» و«جَعَلَ» كِلاهُما بِلَفْظِ الفِعْلِ الماضِي. وقَرَأ الحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «رُسْلًا» بِسُكُونِ السِّينِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ﴾ صِفَةٌ لِ رُسُلًا، وأُولُو اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذُو كَما أنَّ أُولاهُ اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذا، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخاضُ قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي الحَوامِلُ مِنَ النُّوقِ واحِدَتُها خِلْفَةٌ. و﴿أجْنِحَةٍ﴾ جَمْعُ جَناحٍ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ ومُقْتَضى المَقامِ أنَّ المُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ.
وفِي البَحْرِ قِياسُ جَمْعِ الكَثْرَةِ فِيهِ جُنُحٍ فَإنْ كانَ لَمْ يُسْمَعْ كانَ أجْنِحَةً مُسْتَعْمَلًا في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الجَناحَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بَيْدَ أنّا لا نَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ ولا نَقُولُ إنَّهُ مِن رِيشٍ كَرِيشِ الطّائِرِ.
نَعَمْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أنَّ أجْنِحَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ زَغَبَةٌ، ورَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ الإمامِيَّةِ أنَّ المَلائِكَةَ تَزْدَحِمُ في مَجالِسِ الأئِمَّةِ فَيَقَعُ مِن رِيشِها ما يَقَعُ وأنَّهم يَلْتَقِطُونَهُ ويَجْعَلُونَ مِنهُ ثِيابًا لِأوْلادِهِمْ. وهَذا عِنْدِي حَدِيثُ خُرافَةٍ، والكَشْفِيَّةُ مِنهم يُؤَوِّلُونَهُ بِما لا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ لِأجْنِحَةٍ، والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى المَشْهُورِ لِلصِّفَةِ والعَدْلِ عَنِ
صفحة 163
اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ وثَلاثَةً ثَلاثَةً وأرْبَعَةً أرْبَعَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ هَذِهِ الألْفاظُ لِتَكْرارِ العَدْلِ فِيها وذَلِكَ أنَّها عَدَلَتْ عَنْ ألْفاظِ الأعْدادِ مِن صِيَغٍ إلى صِيَغٍ أُخَرَ كَما عَدَلَ عُمَرَ عَنْ عامِرٍ وحِزامُ عَنْ حازِمَةَ وعَنْ تَكْرِيرٍ إلى غَيْرِ تَكْرِيرٍ فَفِيها عَدْلانِ، وأمّا الوَصْفِيَّةُ فَلا يَفْتَرِقُ الحالُ فِيها بَيْنَ المَعْدُولَةِ والمَعْدُولِ عَنْها ألا تَراكَ تَقُولُ مَرَرْتُ بِنِسْوَةٍ أرْبَعٍ وبِرِجالٍ ثَلاثَةٍ فَلا يُعَرَّجُ عَلَيْها. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قاسَ الصِّفَةَ في هَذا المَعْدُولِ عَلى الصِّفَةِ في أرْبَعٍ وثَلاثَةٍ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ مُطْلَقَ الصِّفَةِ لَمْ يَعُدُّوهُ عِلَّةً بَلِ اِشْتَرَطُوا أنْ تَكُونَ الوَصْفِيَّةُ غَيْرَ عارِضَةٍ كَما في أرْبَعٍ وأنْ لا يَقْبَلَ تاءَ التَّأْنِيثِ أوْ تَكُونُ فِيهِ كَثَلاثٍ وثَلاثَةٍ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ فِيهِ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّكَرُّرِ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ لِلصِّيغَةِ واعْتُبِرَ في تَحَقُّقِ العَدْلِ ذَلِكَ ثُمَّ العُدُولُ عَنِ الصِّيغَةِ الأصْلِيَّةِ لِإفادَةِ التَّكَرُّرِ فَلا عُدُولَيْنِ بِوَجْهٍ، وبَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ المُعْتَبَرَ في الوَصْفِ مُقارَنَتُهُ لِوَضْعِ المَعْدُولِ فَلا يَضُرُّ عُرُوضَهُ في المَعْدُولِ عَنْهُ لا اِتِّجاهَ لِلْمَنعِ ولا مُعَوَّلَ عَلى السَّنَدِ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عَلى ما نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ وهو المَنصُورُ عَلى ما نَبَّهْتُ إلَيْهِ اِنْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أيْضًا صاحِبُ الفَرائِدِ وصاحِبُ التَّقْرِيبِ بِعَرُوضِ الوَصْفِيَّةِ في المَعْدُولِ عَنْهُ وعَدَمِهِ في المَعْدُولِ، لَكِنْ قالَ الطِّيبِيُّ: وجَدْتُ لِبَعْضِ المَغارِبَةِ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْهُ وهو أنَّ ثَلاثَ مَثَلًا لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلصِّفَةِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ العَدَدِ أوْ لا يَكُونُ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ العَدَدُ والمُقَدَّرُ خِلافُهُ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ الوَصْفُ عارِضًا لِثَلاثٍ كَما كانَ عارِضًا لِثَلاثَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الأعْدادَ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِلْعَدْلِ المُكَرَّرِ كالجَمْعِ وألِفَيِ التَّأْنِيثِ اِنْتَهى، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ عَدَلَتْ في حالِ التَّنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَّعْرِيفِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ ذُكِرَ في البَحْرِ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ وفي الكَشّافِ هي نَكِراتٌ يُعَرَّفْنَ بِلامِ التَّعْرِيفِ، تَقُولُ فُلانٌ يَنْكِحُ المُثَنّى والثُّلاثَ والرُّباعَ، وقِيلَ ﴿مَثْنى﴾ إلخ حالٌ مِن مَحْذُوفٍ والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿رُسُلا﴾ أيْ يُرْسَلُونَ مُثَنّى وثُلاثَ ورُباعَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في العَدَدِ حَسَبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ المَراتِبِ يَنْزِلُونَ بِها ويَعْرُجُونَ أوْ يُسْرِعُونَ بِها حِينَ يُؤْمَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُلًّا أوْ بَعْضًا لِأُمُورٍ أُخَرَ كالزِّينَةِ فِيما بَيْنَهم وكالإرْخاءِ عَلى الوَجْهِ حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ خَلْقًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَناحانِ وخَلْقًا لِكُلٍّ مِنهم ثَلاثَةُ أجْنِحَةٍ وخَلْقًا لِكُلٍّ مِنهم أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العَدَدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ والتَّفاوُتِ لا لِلتَّعْيِينِ ولا لِنَفْيِ النُّقْصانِ عَنِ اِثْنَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ واَلتِّرْمِذِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [اَلنَّجْمِ: 18] رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى ومَرَّةً في جِيادٍ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ،» وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَرَّ بِي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم سِتَّةُ أجْنِحَةٍ فَجَناحانِ يَلُفُّونَ بِهِما أجْسادُهم وجَناحانِ يَطِيرُونَ بِهِما في أمْرٍ مِن أُمُورِ اللَّهِ تَعالى وجَناحانِ مَرْخِيّانِ عَلى وُجُوهِهِمْ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وضْعِ الأجْنِحَةِ شَفْعًا كانَتْ أوْ وِتْرًا فِيما أرى مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي في ذَلِكَ شَيْءٌ
صفحة 164
ولِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى إنَّ في كُلِّ جانِبٍ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَناحَيْنِ ولِبَعْضِهِمْ ثَلاثَةٌ ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِواحِدٍ لَما اِعْتَدَلَتْ، وهو كَما تَرى.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الجَناحَ إشارَةٌ إلى الجِهَةِ، وبَيانُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ وكُلُّ شَيْءٍ سِواهُ فَهو تَحْتُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم وجْهٌ إلى اللَّهِ تَعالى يَأْخُذُونَ مِنهُ نِعَمَهُ ويُعْطُونَ مَن دُونَهم مِمّا أخَذُوهُ بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [اَلشُّعَراءِ: 193، 194] وقالَ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [اَلنَّجْمِ: 5] وقالَ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [اَلنّازِعاتِ: 5] وهُما جَناحانِ وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِواسِطَةٍ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُهُ لا بِواسِطَةٍ فالفاعِلُ بِواسِطَةٍ مِنهم مَن لَهُ ثَلاثُ جِهاتٍ، ومِنهم مَن لَهُ أرْبَعُ جِهاتٍ وأكْثَرُ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ السُّنِّيُّ القائِلُ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورِيَّةٌ يَقْدِرُونَ عَلى التَّشَكُّلِ بِالصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ وعَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ، وإنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ أوْ إلى نَحْوِهِ الفَلاسِفَةُ وأتْباعُهم فَإنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَهم هي العُقُولُ المُجَرَّدَةُ ويُسَمِّيها أهْلُ الإشْراقِ بِالأنْوارِ الظّاهِرَةِ وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ بِالسُّرادِقاتِ النُّورِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ أنَّ لَها ذَواتٍ حَقِيقِيَّةً وذَواتٍ إضافِيَّةً مُضافَةً إلى ما دَوْنَها إضافَةَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ فَأمّا ذَواتُها الحَقِيقَةُ فَإنَّما هي أمْرِيَّةٌ قَضائِيَّةٌ قَوْلِيَّةٌ، وأمّا ذَواتُها الإضافِيَّةُ فَإنَّما هي خَلْقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَنْشَأُ مِنها المَلائِكَةُ اللَّوْحِيَّةُ وأعْظَمُهم إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُطْلَقُ المَلائِكَةُ عِنْدَهم عَلى غَيْرِ العُقُولِ كالمُدَبِّراتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ والطَّبائِعِ، وأطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ وظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُمْ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن تَفاوُتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عَدَدِ الأجْنِحَةِ ومُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى ذَواتِهِمْ بِبَيانِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ ناطِقٍ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَزِيدُ في أيِّ خَلْقٍ كانَ كُلَّ ما يَشاءُ أنْ يَزِيدَهُ بِمُوجِبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا في الأجْنِحَةِ الَّتِي لِلْمَلائِكَةِ أيْ يَزِيدُ في خَلْقِ الأجْنِحَةِ لِلْمَلائِكَةِ ما يَشاءُ فَيَجْعَلُ لِكُلِّ سِتَّةِ أجْنِحَةٍ أوْ أكْثَرَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعَةِ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ يَزِيدُ في خَلْقِ المَلائِكَةِ والأجْنِحَةِ ما يَشاءُ، وقِيلَ ﴿الخَلْقِ﴾ خَلْقُ الإنْسانِ و( ما يَشاءُ ) الخَلْقُ الحَسَنُ، أوِ الصَّوْتُ الحَسَنُ، أوِ الحَظُّ الحَسَنُ، أوِ المَلاحَةُ في العَيْنَيْنِ أوْ في الأنْفِ أوْ في الوَجْهِ، أوْ خِفَّةُ الرُّوحِ، أوْ جُعُودَةُ الشِّعْرِ وحُسْنُهُ، أوِ العَقْلُ، أوِ العِلْمُ، أوِ الصَّنْعَةُ، أوِ العِفَّةُ في الفَقْرِ، أوْ حَلاوَةُ النُّطْقِ، وذَكَرُوا في بَعْضِ ذَلِكَ أخْبارًا مَرْفُوعَةً، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، والآيَةُ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ بَلْ شامِلَةٌ لِما يُسْتَحْسَنُ ظاهِرًا ولِما لا يُسْتَحْسَنُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَسَنٌ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ فَإنَّ شُمُولَ قُدْرَتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يُوجِبُ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ يَزِيدَ في كُلِّ خَلْقٍ كُلَّ ما يَشاؤُوهُ تَعالى إيجابًا بَيِّنًا.
فاطر 35:2
﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ أيْ ما يُطْلِقُها ويُرْسِلُها فالفَتْحُ مَجازٌ عَنِ الإرْسالِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّ فَتْحَ المُغْلَقِ سَبَبٌ لِإطْلاقِ ما فِيهِ وإرْسالِهِ، ولِذا قُوبِلَ بِالإمْساكِ والإطْلاقِ كِنايَةً عَنِ الإعْطاءِ، كَما قِيلَ أطْلَقَ السُّلْطانُ لِلْجُنْدِ أرْزاقَهم فَهو كِنايَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى المَجازِ.
وفِي اِخْتِيارِ لَفْظِ الفَتْحِ رَمْزٌ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ مِن أنْفَسِ الخَزائِنِ وأعَزِّها مَنالًا، وتَنْكِيرُها لِلْإشاعَةِ والإبْهامِ، أيْ أيَّ شَيْءٍ يَفْتَحُ اللَّهُ تَعالى مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ أيِّ رَحْمَةٍ كانَتْ مِن نِعْمَةٍ وصِحَّةٍ وأمْنٍ وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا
صفحة 165
لا يُحاطُ بِهِ حَتّى أنَّ عُرْوَةَ كانَ يَقُولُ كَما أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهُ في رُكُوبِ المَحْمِلِ هي واَللَّهِ رَحْمَةٌ فُتِحَتْ لِلنّاسِ ثُمَّ يَقُولُ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ الخ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ الرَّحْمَةُ المَطَرُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ التَّوْبَةُ والمُرادُ التَّمْثِيلُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأنَّ اِسْمَ الشَّرْطِ لا يُوصَفُ.
﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ أيْ فَلا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها ﴿وما يُمْسِكْ﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يُمْسِكُ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أيْ فَلا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إرْسالِهِ، واخْتِلافُ الضَّمِيرَيْنِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الأوَّلِ مُبَيَّنٌ بِالرَّحْمَةِ ومَرْجِعَ الثّانِي مُطْلَقٌ يَتَناوَلُها وغَيْرُها، وفي ذَلِكَ مَعَ تَقْدِيمِ أمْرِ فَتْحِ الرَّحْمَةِ إشْعارٌ بِأنَّ رَحْمَتَهُ تَعالى سَبَقَتْ غَضَبَهُ عَزَّ وجَلَّ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقِيلَ المُرادُ وما يُمْسِكُ مِن رَحْمَةٍ إلّا أنَّهُ حَذَفَ المُبَيِّنَ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وعَدَمِ ما يُقَوِّي اِعْتِبارَ المَعْنى في التَّلَفُّظِ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ قُرِئَ «فَلا مُرْسِلَ لَها» بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ.
﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إمْساكِهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الفَتْحُ والإمْساكُ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها ومُعْرِبٌ عَنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الفَتْحِ والإمْساكِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّكْوِينِ، وما أدْعى هَذِهِ الآيَةِ إلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وإراحَةِ البالِ عَنِ التَّخَيُّلاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّهْوِيشِ وسَهَرِ اللِّيالِ.
وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ: قالَ أرْبَعُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى إذا قَرَأْتُهُنَّ فَما أُبالِي ما أُصْبِحُ عَلَيْهِ وأُمْسِي ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾، ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يُونُسَ: 107] و﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [اَلطَّلاقِ: 7] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: 6]
فاطر 35:3
وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُلْكِ والمَلَكُوتِ والمُتَصَرِّفُ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ أمَرَ النّاسَ قاطِبَةً أوْ أهْلَ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنْهُ اِبْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ بِشُكْرِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ إنْعامَهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ النِّعْمَةُ مَصْدَرًا أوْ كائِنَةً عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ اِسْمًا، أيْ راعُوها واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها والِاعْتِرافِ بِها وتَخْصِيصِ العِبادَةِ والطّاعَةِ بِمُوَلِّيها، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ بَلْ هو كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ لِمَن سَمِعْتَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم حَيْثُ أسْكَنَكم حَرَمَهُ ومَنَعَكم مِن جَمِيعِ العالَمِ والنّاسُ يَتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِكُمْ، وعَنْهُ أيْضًا نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى العافِيَةُ، والأوْلى عَدَمُ التَّخْصِيصِ، ولَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى مَعَ تَشَعُّبٍ فُنُونِها مُنْحَصِرَةً في نِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإبْقاءِ نَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ شَيْءٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَصْدُرُ عَنْهُ إحْدى النِّعْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو لِإنْكارِ التَّصْدِيقِ وتَكْذِيبِ الحُكْمِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وهَلْ تَأْتِي لِذَلِكَ كَما في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ، وقَوْلُ الرَّضِىِّ: إنَّ هَلْ لا تُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ، أرادَ بِهِ الإنْكارَ عَلى مُدَّعِي الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [اَلْإسْراءِ: 40] ويَلْزَمُهُ النَّفْيُ والإنْكارُ عَلى مَن أوْقَعَ الشَّيْءَ، كَما في قَوْلِكَ أتَضْرِبُ زَيْدًا وهو أخُوكَ أيْ هَلْ خالِقٌ مُغايِرٌ لَهُ تَعالى مَوْجُودٌ لَكم أوْ لِلْعالَمِ عَلى أنَّ ﴿خالِقٍ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ زِيدَتْ عَلَيْهِ مِن لِتَأْكِيدِ العُمُومِ و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وصَحَّتِ الوَصْفِيَّةُ بِهِ مَعَ إضافَتِهِ إلى أعْرَفِ المَعارِفِ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ فَلا يَكْتَسِبُ تَعْرِيفًا في
صفحة 166
مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿خالِقٍ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ ويُعْتَبَرُ الإنْكارُ في حُكْمِ النَّفْيِ لِيَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ هو الخالِقَ المَنفِيَّ ولِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ أيْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى والبَدَلِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرٍ إنَّما تَكُونُ في الكَلامِ المَنفِيِّ وبِهَذا الِاعْتِبارِ زِيدَتْ مِن عِنْدَ الجُمْهُورِ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ.
وكَذا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِخالِقٍ لِاعْتِمادِهِ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوَ أقائِمٌ زَيْدٌ في أحَدِ وجْهَيْهِ وهو حِينَئِذٍ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ وهو أنَّ اِسْمَ الفاعِلِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ إذا اِعْتَمَدَ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ وأُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ فَرَفَعَ ما بَعْدَهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنَ الَّتِي لِلِاسْتِغْراقِ، فَيُقالُ هَلْ مِن قائِمٍ الزَّيْدُونَ، كَما تَقُولُ هَلْ قائِمٌ الزَّيْدُونَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ ألا تَرى أنَّهُ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ بِخِلافِهِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِن، ولا أحْفَظُ مِثْلَهُ في لِسانِ العَرَبِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يُقْدَمُ عَلى إجازَةِ مِثْلِ هَذا إلّا بِسَماعٍ مِن كَلامِهِمْ، وفِيهِ أنَّ شَرْطَ الزِّيادَةِ والإعْمالِ مَوْجُودٌ، ولَمْ يُبْدِ مانِعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ تَعَنُّتٌ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.
وفِي الكَشْفِ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ( غَيْرُ ) خَبَرًا، ومَنَعَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ، وقَرَأ اِبْنُ وثّابٍ وشَقِيقٌ وأبُو جَعْفَرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «غَيْرِ» بِالخَفْضِ صِفَةً لِخالِقٍ عَلى اللَّفْظِ، وهَذا مُتَعَيَّنٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، ولِأنَّ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما كانَ الأظْهَرُ في القِراءَةِ الأُولى كَوْنَهُ وصْفًا لِخالِقٍ أيْضًا، وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّحْوِيُّ «غَيْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لا صِفَةُ ﴿خالِقٍ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ أوْ مَحَلِّهِ، قالَ في الكَشْفِ: لِأنَّ المَعْنى عَلى التَّقْرِيعِ والتَّذْكِيرِ بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مِن خالِقٍ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِذِكْرِها أوْ مُطْلَقًا، وهو أوْلى، وتَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ تَمَّمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي اِخْتِصاصَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ كَما أنَّ الخالِقِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الخالِقَ لا يَكُونُ إلّا رازِقًا ولَوْ قِيلَ هَلْ مِن خالِقٍ رازِقٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرُ اللَّهِ يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ سَنَنِهِ المَقْصُودِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿خالِقٍ﴾ فاعِلًا لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والأصْلُ هَلْ يَرْزُقُكم خالِقٌ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إنْ كانَ مِن بابِ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ السَّكّاكِيُّ بِقُبْحِ هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّ هَلْ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ فَلا بُدَّ مِن صِحَّتِها قَبْلَ دُخُولِ هَلْ ورَجُلٌ عُرِفَ لا يَصِحُّ بِدُونِ اِعْتِبارِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِعَدَمِ مُصَحِّحِ الِابْتِدائِيَّةِ سِواهُ، وإذا اُعْتُبِرَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِنَفْسِ الفِعْلِ فَلا يَصِحُّ دُخُولُ هَلْ عَلَيْهِ لِأنَّها لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ وما حَصَلَ لا يُطْلَبُ لِئَلّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ ولِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ بِالقُبْحِ دُونَ الِامْتِناعِ، وإنْ كانَ مِن بابِ: هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ العَلّامَةُ الثّانِي السَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ قَبِيحٌ بِاتِّفاقِ النُّحاةِ وأنَّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المُفَصَّلِ مِن أنَّ نَحْوَ هَلْ زَيْدٌ خَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ تَصْحِيحٌ لِلْوَجْهِ القَبِيحِ البَعِيدِ لا أنَّهُ شائِعٌ حَسَنٌ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ سَبَبَ قُبْحِهِ لَيْسَ ما ذُكِرَ في قُبْحِ هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ لِعَدَمِ تَأتِّيهِ فِيهِ بَلِ السَّبَبُ أنَّ هَلْ بِمَعْنى قَدْ في الأصْلِ وأصْلُهُ أهَلْ كَقَوْلِهِ:
أهَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بِالغُرَّتَيْنِ
وتَرْكُ الهَمْزَةِ قَبْلَها لِكَثْرَةِ وُقُوعِها في الِاسْتِفْهامِ فَأُقِيمَتْ هي مَقامَ الهَمْزَةِ وتَطَفَّلَتْ عَلَيْها في الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ مِن لَوازِمِ الأفْعالِ فَكَذا ما هي بِمَعْناها، ولَمْ يُقَبَّحْ دُخُولُها عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ الفِعْلَ في حَيِّزِها تَتَسَلّى عَنْهُ ذاهِلَةً، وهَذا بِخِلافِ ما إذا رَأتْهُ فَإنَّها حِينَئِذٍ تَتَذَكَّرُ
صفحة 167
عُهُودًا بِالحُمّى وتَحِنُّ إلى الألْفِ المَأْلُوفِ وتَطْلُبُ مُعانَقَتَهُ ولَمْ تَرْضَ بِافْتِراقِ الِاسْمِ بَيْنَهُما، ويُعْلَمْ مِن هَذا أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ النُّحاةِ بَيْنَ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ وهَلْ زَيْدٌ تَعْرِفُ في القُبْحِ لِذَلِكَ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ مُجَوِّزَ هَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ وهو لا يُسَلِّمُ ما ذَكَرَ لِأنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ كانَ مَثَلًا أُلْزِمَ لِلْفِعْلِ مِن هَلْ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ كَما دَخَلَتْ عَلَيْها هَلْ، وقَدْ جازَ بِلا قُبْحٍ عَمَلُ الفِعْلِ بَعْدَهُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ فَيَجُوزُ في هَلْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ إلخ مُسْتَأْنَفًا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيُّ خالِقٍ يَسْألُ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ لِخالِقٍ، ولا يَخْفى عَلى مُتَأمِّلٍ أنَّ ما نُقِلَ عَنِ الكَشْفِ قاضٍ بِمَرْجُوحِيَّةِ هَذِهِ الأوْجُهِ جَمِيعِها، فَتَأمَّلْ.
وفِي الآيَةِ عَلى ما هو الأوْلى في تَفْسِيرِها وإعْرابِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمُ: العَبْدُ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، ونُصْرَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِمْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ قَصْدًا، ولَمْ يُجَوِّزْ جارَ اللَّهِ أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِخالِقٍ كَما جُعِلَ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ صِفَةً لَهُ، حَيْثُ قالَ: ولَوْ وصَلَتْ جُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كَما وصَلَتْ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ لا إلَهَ إلّا ذَلِكَ الخالِقُ - غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى فَلَوْ ذَهَبْتَ تَقُولُ ذَلِكَ كُنْتَ مُناقِضًا بِالنَّفْيِ بَعْدَ الإثْباتِ اه، وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ وجْهَ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ صِفَةً بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِنَفْيِ المُشارَكَةِ في الصِّفَةِ المُحَقَّقَةِ، أعْنِي الخَلْقَ فَقَوْلُكُ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى ونَفْيُ المُشارِكِ لَهُ فِيها، ثُمَّ وصْفُ الآخَرِ بِانْحِصارِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ يَكُونُ لِنَفْيِ خالِقِيَّتِهِ دُونَ تَفَرُّدٍ بِالإلَهِيَّةِ، والتَّفَرُّدُ بِالإلَهِيَّةِ مَعَ مُغايَرَتِهِ لِلَّهِ تَعالى مُتَناقِضانِ لِأنَّ الأوَّلَ يَنْفِيهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا والثّانِي يُثْبِتُهُ مَعَ الغَيْرِ جُلَّ عَنْ كُلِّ شَرِيكٍ ونَقْصٍ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ في هَذا أنَّ هَلْ لِإنْكارِ ما يَلِيها وما تَلاهُ إنْ كانَ مِن تَتِمَّتِهِ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الإنْكارِ بِالبَقِيَّةِ، وإلّا كانَ مُبْقًى عَلى حالِهِ نَفْيًا وإثْباتًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في الخالِقِيَّةِ عَلى ما مَرَّ لَمْ يَكُنِ الوَصْفانِ، أعْنِي تَفَرُّدَ الآخَرِ بِالإلَهِيَّةِ ومُغايَرَتَهُ لِلْقَيُّومِ الحَقِّ مَصَبًّا لَهُ، وهُما مُتَناقِضانِ في أنْفُسِهِما عَلى ما بَيَّنَ، فَيَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ لُزُومًا بَيِّنًا اه.
وقَدْ دُفِعَ بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ القالِ والقِيلِ بَيْدَ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ويُمْكِنُ تَقْرِيرُ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ بِوَجْهٍ أظْهَرَ لَعَلَّهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المانِعُ مِنَ الوَصْفِيَّةِ النَّظْمُ المُعْجِزُ وحاكِمُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، فَتَأمَّلْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ عُدُولِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الإشْراكِ عَلى ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا تَبَيَّنَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ.
فاطر 35:4
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ إلخ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُمُومِ البَلِيَّةِ والوَعْدِ لَهُ ﷺ والوَعِيدِ لِأعْدائِهِ، والمَعْنى وإنِ اِسْتَمَرُّوا عَلى أنْ يُكَذِّبُوكَ فِيما بَلَّغْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ بَعْدَ ما أقَمْتَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وألْقَمْتَهُمِ الحَجَرَ فَتَأسَّ بِأُولَئِكَ الرُّسُلِ في الصَّبْرِ فَقَدْ كَذَّبَهم قَوْمُهم وصَبَرُوا، فَجُمْلَةُ قَدْ ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ والجَوابُ في الحَقِيقَةِ تَأسَّ، وأُقِيمَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ مَقامَهُ اِكْتِفاءً بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وجُوِّزَ أنْ تُجْعَلَ هي الجَوابَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ويَكُونُ المُتَرَتِّبُ عَلى الشَّرْطِ الإعْلامُ والإخْبارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [اَلنَّحْلِ: 53].
وتَنْكِيرُ رُسُلٍ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ المُوجِبَيْنِ لِمَزِيدِ التَّسْلِيَةِ والحَثِّ عَلى التَّأسِّي والصَّبْرِ عَلى ما أصابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن
صفحة 168
قَوْمِهِ أيْ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ.
﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُجازِي سُبْحانَهُ كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِما يَلِيقُ بِهِ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ اِخْتِصاصِ المَرْجِعِ بِهِ تَعالى مَعَ إبْهامِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ «تَرْجِعُ» بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ.
فاطر 35:5
﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿حَقٌّ﴾ ثابِتٌ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ بِأنْ يُذْهِلَكُمُ التَّمَتُّعُ بِمَتاعِها ويُلْهِيَكُمُ التَّلَهِّي بِزَخارِفِها عَنْ تَدارُكِ ما يَنْفَعُكم يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِها وإنْ تَوَجَّهَ النَّهْيُ صُورَةً إلَيْها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ [هُودٍ: 89] وقَوْلُكَ لا أرَيَنَّكَ هُنا ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ حَيْثُ إنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَفُوٌّ كَرِيمٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴿الغَرُورُ﴾ أيِ المَبالِغُ في الغُرُورِ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ الشَّيْطانُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ التَّعْمِيمُ أيْ لا يَغُرُّنَّكم كُلُّ مَن شَأْنُهُ المُبالَغَةُ في الغَرُورِ بِأنْ يُمَنِّيَكُمُ المَغْفِرَةَ مَعَ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ قائِلًا إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَإنَّ ذَلِكَ وإنْ أمْكَنَ لَكِنْ تَعاطِي الذُّنُوبِ بِهَذا التَّوَقُّعِ مِن قَبِيلِ تَناوُلِ السُّمِّ تَعْوِيلًا عَلى دَفْعِ الطَّبِيعَةِ، وتَكْرِيرُ فِعْلِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ ولِاخْتِلافِ الغَرُورَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ «اَلْغُرُورُ» بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ وإنْ قَلَّ في المُتَعَدِّي، أوْ جَمْعُ غارٍّ كَقُعُودٍ وسُجُودٍ مَصْدَرَيْنِ وجَمْعَيْنِ، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ.
فاطر 35:6
﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ عَداوَةً عامَّةً قَدِيمَةً لا تَكادُ تَزُولُ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ و«لَكُمْ» وتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمامِ ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بِمُخالَفَتِكم إيّاهُ في عَقائِدِكم وأفْعالِكم وكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في مَجامِعِ أحْوالِكم.
﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَداوَتِهِ وتَحْذِيرٌ مِن طاعَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَرَضَهُ في دَعْوَةِ شِيعَتِهِ إلى اِتِّباعِ الهَوى والرُّكُونِ إلى مَلاذِ الدُّنْيا لَيْسَ إلّا تَوْرِيطَهم وإلْقاءَهم في العَذابِ المُخَلَّدِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فاللّامُ لَيْسَتْ لِلْعاقِبَةِ، وزَعَماِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّها لَها.
فاطر 35:7
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإجابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِهِمْ لِخُطُواتِهِ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ عَذابٍ لِتَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ المُدَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم عَذابٌ دائِمٌ شَدِيدٌ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا غايَةَ لَهُما بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
( والَّذِينَ كَفَرُوا ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ وكَذا ( الَّذِينَ آمَنُوا ) و﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ الخ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن ﴿أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ﴿حِزْبَهُ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( لِيَكُونُوا ) والكُلُّ مُفَوَّتٌ لِجَزالَةِ التَّرْكِيبِ كَما لا يَخْفى عَلى الأرِيبِ.
فاطر 35:8
﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ أيْ حَسَنُ لَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ ﴿فَرَآهُ﴾ فاعْتَقَدَهُ بِسَبَبِ التَّزْيِينِ ﴿حَسَنًا﴾ فَهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، فَإنْ كانَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ في نَظِيرِ ذَلِكَ فالمُرادُ تَفْرِيعُ إنْكارِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ، أيْ إذا كانَتْ عاقِبَةُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ فَلَيْسَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ
صفحة 169
حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وإنْ كانَتْ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ وكانَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ تَكُونُ هي داخِلَةٌ إلَيْهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، فالمُرادُ ما في حَيِّزِها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أهُما أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مُتَساوِيانِ فاَلَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أيْ ما هُما مُتَساوِيانِ لِيَكُونَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ، وحُذِفَ هَذا الخَبَرُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ النَّظْمِ الجَلِيلِ إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالجُزْءَيْنِ في نَظِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: 14] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [اَلرَّعْدِ: 19] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [اَلْأنْعامِ: 122] وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الكافِرِ بِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا إشارَةٌ إلى غايَةِ ضَلالِهِ حَتّى كَأنَّهُ غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ وسَلَبَ تَمْيِيزَهُ فَشَأْنُ المَغْلُوبِ عَلى عَقْلِهِ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ أبِي نُواسٍ:
اِسْقِنِي حَتّى تَرانِي حَسَنًا عِنْدِي القَبِيحُ
وظاهِرُ كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ قالَ: الجَوابُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وثانِيهِما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ مالِكٍ أيْضًا، واعْتَرَضَ اِبْنُ هِشامٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي بِأنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ جَوابًا وإنْ قُلْنا إنَّهُ جُمْلَةٌ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا في غَيْرِ الخَبَرِ والصِّفَةِ والصِّلَةِ والحالِ ولَمْ يُذْكَرِ الجَوابُ لا أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفاءِ، وتَقْدِيرُها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ يَكُونُ الظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بِتَمامِها جَزاءٌ غَيْرُ جائِزٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قِيلَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّجّاجُ قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وأُطْلِقَ عَلى خَبَرِها الجَوابُ لِشَبَهِهِ بِهِ في المَعْنى، ألا تَراهم يُدْخِلُونَ الفاءَ في خَبَرِ المَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَما يُدْخِلُونَها في جَوابِ الشَّرْطِ فَيَقُولُونَ الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولا قَرِينَةَ عَلى إرادَتِهِ سِوى عَدَمِ صِحَّةِ الجَزائِيَّةِ، وضُعِّفَ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ بِالفَصْلِ بَيْنَ ما فِيهِ الحَذْفُ ودَلِيلِ المَحْذُوفِ مَعَ خَفاءِ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً جَوابُها فَرَآهُ لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ الصِّناعِيَّةِ، فَإنَّ الماضِيَ في الجَوابِ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ بِدُونِ قَدْ مَعَ خَفاءِ أمْرِ إنْكارِ رُؤْيَةِ سُوءِ العَمَلِ حَسَنًا بَعْدَ التَّزْيِينِ وتَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمَيْنِ، وكَوْنُ الإنْكارِ لِما أنَّ المُزَيِّنَ هو الشَّيْطانُ العَدُوُّ، والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لا يَخْفى حالُهُ فالوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ جُعِلَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ تَعْلِيلًا لِسَبَبِيَّةِ التَّزْيِينِ لِرُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، وفِيهِ دَفْعُ اِسْتِبْعادِ أنْ يَرى الشَّخْصُ القَبِيحَ حَسَنًا بِتَزْيِينِ العَدُوِّ إيّاهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وإيذانٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأوْهُ حَسَنًا مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ضَلالَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ الخ، وذَكَرَ المَوْلى سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ أنَّ الهَمْزَةَ في ﴿أفَمَن﴾ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ
صفحة 170
نُقِلا عَنِ الزَّجّاجِ لِإنْكارِ ذَهابِ نَفْسِهِ ﷺ عَلَيْهِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إلخ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن أنَّهُ لا جَدْوى لِلتَّحَسُّرِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا قالَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يَعْنِي أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَكَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لا فَقالَ تَعالى ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ ويُفْهَمْ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ أنَّ فاءَ ﴿فَلا تَذْهَبْ﴾ جَزائِيَّةٌ وفاءَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، فَقَدْ قالَ: إنَّهُ ﷺ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ القَوْمِ وأنْ يَسْلُكَ الضّالِّينَ في زُمْرَةِ المُهْتَدِي، فَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِذَلِكَ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِرَّ ﷺ بِالنَّفْيِ ويَقُولُ لا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَقَدَّمَ وأخَّرَ اِنْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ، وفي الآياتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا في حُكْمِ نِداءِ النّاسِ وجَمَعَ ما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في حُكْمِ الوَعْدِ، وحَذَّرَهُما مَعًا عَنِ الغُرُورِ بِالدُّنْيا والشَّيْطانِ، وأمّا التَّقْسِيمُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وأمّا التَّفْرِيقُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ وبَيَّنَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ ظُهُورَ أنَّ الفاءَ في ﴿أفَمَن﴾ لِلتَّعْقِيبِ والهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإنْكارِ المُساواةِ وتَقْرِيرِ البَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وأنَّ المُخْتارَ مِن أوْجُهٍ ذَكَرَها السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ تَقْدِيرُ كَمَن هَدّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ ولَهم في نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ، مَن أرادَهُ فَلْيَتْبَعْ كُتُبَ التَّفاسِيرِ والعَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ مَقْنَعًا لِمَن أُوتِيَ ذِهْنًا سَلِيمًا وفَهْمًا مُسْتَقِيمًا.
والحَسَراتُ جَمْعُ حَسْرَةٍ وهي الغَمُّ عَلى ما فاتَهُ والنَّدَمُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ اِنْحَسَرَ عَنْهُ ما حَمَلَهُ عَلى ما اِرْتَكَبَهُ أوِ اِنْحَسَرَ قُواهُ مِن فَرْطِ غَمٍّ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وانْتَصَبَتْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أيْ فَلا تَهْلِكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اِغْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، ﴿وعَلَيْهِمْ﴾ صِلَةُ ﴿تَذْهَبْ﴾ كَما يُقالُ هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى مَن تَذْهَبُ؟ فَقِيلَ: عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَسَراتٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ إذا كانَ ظَرْفًا وهو الَّذِي أخْتارُهُ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَسَراتٌ حالًا مِن ﴿نَفْسُكَ﴾ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ كَما قالَ جَرِيرٌ:
مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرى ∗∗∗ حَتّى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورا
يُرِيدُ رَجَعْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا، أيْ لَمْ يَبْقَ إلّا كَلاكِلُها وصُدُورُها، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في البَيْتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: كَلاكِلًا وصُدُورًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ حَتّى ذَهَبَ كَلاكِلُها وصُدُورُها، ومِن هَذا قَوْلُهُ:
فَعَلى إثْرِهِمْ تَساقَطُ نَفْسِي ∗∗∗ حَسَراتٍ وذِكْرُهم لِي سَقامُ
صفحة 171
وفِيهِ مُبالَغاتٌ ثَلاثٌ، وقَرَأ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ «زَيَّنَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصَبَ «سُوأ» وعَنْهُ أيْضًا «أسْوَأ» عَلى وزْنِ أفْعَلَ وأُرِيدَ بِأسْوَأ عَمَلُهُ الشِّرْكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن» بِغَيْرِ فاءٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِخْبارِ والتَّقْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنِّداءِ وحُذِفَ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ، أيْ تَفَكَّرْ وارْجِعْ إلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ الخ، والظّاهِرُ أنَّها لِلْإنْكارِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقَتادَةُ وعِيسى والأشْهَبُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «تُذْهِبُ» مِن أذْهَبُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ أيْ إنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ القَبائِحِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ حَيْثُ هَدى اللَّهُ تَعالى عُمَرَ وأضَلَّ أبا جَهْلٍ.
فاطر 35:9
﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ «اَلرِّيحَ» وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اِسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمَيُّزٍ وخُصُوصِيَّةٍ بِحالٍ تُسْتَغْرَبُ أوْ تُهِمُّ المُخاطَبَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:
ألا مَن مُبْلِغٌ فِتْيانَ فَهْمٍ بِما لاقَيْتُ عِنْدَ رَحى بِطانِ
بِأنِّي قَدْ رَأيْتُ الغُولَ تَهْوِي ∗∗∗ بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ
فَقُلْتُ لَها كِلانا نِضْوُ أرْضٍ ∗∗∗ أخُو سَفَرٍ فَخَلِّي لِي مَكانِي
فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوِي فَأهْوَتْ ∗∗∗ لَها كَفِّي بِمَصْقُولٍ يَمانِي
فَأضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ
ولِأنَّ الإثارَةَ خاصِّيَّةٌ لِلرِّياحِ وأثَرٌ لا يَنْفَكُّ في الغالِبِ عَنْها فَلا يُوجِدُ إلّا بَعْدَ إيجادِها فَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإرْسالِ، وعَلى هَذا يَكُونُ اِسْتِعْمالُ المُضارِعِ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ لِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانُ التَّكَلُّمِ، والفاءُ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ تَراخِي ذَلِكَ وهو شَيْءٌ آخَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى الماضِي ثُمَّ بِما يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى اِسْتِمْرارِ الأمْرِ وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ إذْ لا يَصِحُّ المُضِيُّ والِاسْتِقْبالُ في شَيْءٍ واحِدٍ إلّا إذا قُصِدَ ذَلِكَ، وقالَ الإمامُ: اِخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ لِأنَّهُ لَمّا أُسْنِدَ فِعْلُ الإرْسالِ إلى اللَّهِ تَعالى وما يَفْعَلُ سُبْحانَهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( كُنْ ) [اَلْبَقَرَةِ: 117 وغَيْرِها] فَلا يَبْقى في العَدَمِ زَمانًا ولا جُزْءَ زَمانٍ جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِ وُقُوعِهِ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ كَأنَّهُ كانَ، ولِأنَّهُ تَعالى فَرَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو سُبْحانُهُ قَدَّرَ الإرْسالَ في الأوْقاتِ المَعْلُومَةِ وإلى المَواضِعِ المُعَيَّنَةِ، والتَّقْدِيرُ كالإرْسالِ، ولَمّا أُسْنِدَ فِعْلُ الإثارَةِ إلى الرِّياحِ وهي تُؤْلَفُ في زَمانٍ قالَ سُبْحانَهُ (تُثِيرُ) بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ اه.
وأُورِدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: في سُورَةِ الرُّومِ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [اَلْأعْرافِ: 57] حَيْثُ جِيءَ في الإرْسالِ فِيها بِالمُضارِعِ، فَتَأمَّلْ.
﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ قِطْعَةً مِنَ الأرْضِ لا نَباتَ فِيها، وقُرِئَ «مَيْتٍ» بِالتَّخْفِيفِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المَشْهُورِ
صفحة 172
وفِي كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ الكُفُوِيِّ المَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي ماتَ والمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ والمائِتُ هو الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وأنْشَدَ:
ومَن يَكُ ذا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ∗∗∗ وما المَيْتُ إلّا مَن إلى القَبْرِ يُحْمَلُ
والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو المَشْهُورُ.
﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾ أيْ بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالسَّحابِ، فَإنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ كَما في الخارِجِ، أوْ بِالسَّحابِ فَإنَّهُ سَبَبُ السَّبَبِ، وإحْياءُ الأرْضِ إنْباتُ الشَّجَرِ والكَلَأِ فِيها ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها وخُلُوِّها عَنْ ذَلِكَ، وإيرادُ الفِعْلَيْنِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإسْنادُهُما إلى نُونِ العَظَمَةِ المُنْبِئِ عَنِ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى لِما فِيهِما مِن مَزِيدِ الصُّنْعِ ولِتَكْمِيلِ المُماثَلَةِ بَيْنَ إحْياءِ الأرْضِ وبَيْنَ البَعْثِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ في كَمالِ الِاخْتِصاصِ بِالقُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ.
وقالَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: أسْنَدَ ﴿أرْسَلَ﴾ إلى الغائِبِ وساقَ «وأُحْيِي» إلى المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ في الأوَّلِ عَرَّفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو الإرْسالُ ثُمَّ لَمّا عُرِفَ قالَ تَعالى: أنا الَّذِي عَرَفْتَنِي سُقْتُ السَّحابَ وأحْيَيْتُ الأرْضَ، فَفي الأوَّلِ كانَ تَعْرِيفًا بِالفِعْلِ العَجِيبِ وفي الثّانِي كانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، فَإنَّ كَمالَ نِعْمَتِي الرِّياحُ والسُّحُبُ بِالسَّوْقِ والإحْياءِ، وهو كَما تَرى.
وقالَ سُبْحانَهُ: فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ دُونَ فَأحْيَيْناهُ، أيِ البَلَدَ المَيِّتَ بِهِ تَعْلِيقًا لِلْإحْياءِ بِالجِنْسِ المَعْلُومِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ وهو الأرْضُ ولِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِأمْرِ البَعْثِ، وقالَ تَعالى: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ مَعَ أنَّ الإحْياءَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ لِلْأرْضِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِها الإحْياءُ مَعْلُومٌ لَهم وبِذَلِكَ يَقْوى أمْرُ التَّشْبِيهِ، فَلْيُتَأمَّلْ.
والنُّشُورُ عَلى ما في البَحْرِ مَصْدَرُ نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ قالَ الأعْشى:
حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ
وفِي نِهايَةِ اِبْنِ الأثِيرِ يُقالُ نَشَرَ المَيِّتُ يَنْشُرُ نُشُورًا إذا عاشَ بَعْدَ المَوْتِ وأنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى أحْياهُ، وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ نَشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ وأنْشَرَهُ بِمَعْنًى، والحَقِيقَةُ أنَّ نَشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ مُسْتَعارٌ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، أيْ بَسَطَهُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بَعْدَ نَشْرٍ ∗∗∗ كَذاكَ خُطُوبُهُ طَيًّا ونَشْرا
والمُرادُ بِالنُّشُورِ هُنا إحْياءُ الأمْواتِ في يَوْمِ الحِسابِ، وهو مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ وقِيلَ الكافُ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الأحْياءِ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ إحْياءُ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صِحَّةِ المَقْدُورِيَّةِ وسُهُولَةِ التَّأتِّي مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنِهِما أصْلًا سِوى الألِفِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وقالَ أبُو حَيّانَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بِجِهاتٍ لَمّا قَبِلَتِ الأرْضُ المَيِّتَةُ الحَياةَ اللّائِقَةَ بِها كَذَلِكَ الأعْضاءُ تَقْبَلُ الحَياةَ أوْ كَما أنَّ الرِّيحَ تَجْمَعُ قِطَعَ السَّحابِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى أجْزاءَ الأعْضاءِ وأبْعاضَ المَوْتى، أوْ كَما يَسُوقُ سُبْحانَهُ الحِسابَ إلى البَلَدِ المَيِّتِ يَسُوقُ عَزَّ وجَلَّ الرُّوحَ والحَياةَ إلى البَدَنِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: يَقُومُ مَلَكٌ بِالصُّورِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَلا يَبْقى خَلْقٌ لِلَّهِ في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى إلّا ماتَ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى مِن تَحْتِ العَرْشِ ماءً كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ أجْسامُهم مِن ذَلِكَ الماءِ، وقَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْسٍ إلى جَسَدِها. وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «يُنْزِلُ اللَّهُ تَعالى مَطَرًا كَأنَّهُ الطَّلُّ فَيُنْبِتُ أجْسادَ النّاسِ».
صفحة 173
ونَباتُ الأجْسادِ مِن عَجَبِ الذَّنْبِ عَلى ما ورَدَ في الآثارِ وقَدْ جاءَ أنَّهُ لا يَبْلى، وهو العَظَمُ الَّذِي في أسْفَلِ الصُّلْبِ عِنْدَ العَجُزِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ الوَقْواقِيُّ: هو جَوْهَرُ فَرْدٍ يَبْقى مِن هَذِهِ النَّشْأةِ لا يَتَغَيَّرُ، ولا حاجَةَ إلى اِلْتِزامِ أنَّهُ جَوْهَرُ فَرْدٍ.
ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ عَجِيبَةٌ في هَذا العَجَبِ، فَقِيلَ: هو العَقْلُ الهَيُولانِيُّ، وقِيلَ: بَلِ الهَيُولِيُّ، وعَنِ الغَزالِيِّ: إنَّما هو النَّفْسُ وعَلَيْها تَنْشَأُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ: أنَّهُ العَيْنُ الثّابِتُ مِنَ الإنْسانِ، وعَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ: أنَّهُ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ، وقالَ المُلّا صَدْرا الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ: هو عِنْدَنا القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ لِأنَّها آخِرُ الأكْوانِ الحاصِلَةِ في الإنْسانِ مِنَ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والنَّباتِيَّةِ المُتَعاقِبَةِ في الحُدُوثِ لِلْمادَّةِ الإنْسانِيَّةِ في هَذا العالَمِ، وهي أوَّلُ الأكْوانِ الحاصِلَةِ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ، وإنَّهُ لَأضْعَفُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وأوْهَنُ. والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما يُوافِقُ فَهْمَ أهْلِ اللِّسانِ، وأيُّ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ.
فاطر 35:10
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ الشَّرَفَ والمَنَعَةَ مِن قَوْلِهِمْ أرْضٌ عِزازٌ أيْ صُلْبَةٌ وتَعْرِيفُها لِلْجِنْسِ، والآيَةُ في الكافِرِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالأصْنامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مَرْيَمَ: 81] واَلَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُواطَأةِ قُلُوبِهِمْ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالمُشْرِكِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ [اَلنِّساءِ: 139] و(مَن) اِسْمُ شَرْطٍ وما بَعْدَهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، والجَمْعُ بَيْنَ كانَ ويُرِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ دَلِيلُ الجَوابِ ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ لِخُلُوِّهِ عَنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى مَن، وقَدْ قالُوا: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اِسْمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا، والتَّقْدِيرُ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلِلَّهِ وحْدِهِ لا لِغَيْرِهِ العِزَّةُ، فَهو سُبْحانُهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَما يُرِيدُ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ لِأنَّ الطَّلَبَ مِمَّنْ هي لَهُ وفي مُلْكِهِ جَمِيعِها مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وتَعْرِيفُ العِزَّةِ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ ﴿جَمِيعًا﴾ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمُرادُ عَزَّةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاخْتِصاصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [اَلْمُنافِقُونَ: 8] لِأنَّ ما لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ العِزَّةُ بِالذّاتِ ولِلرَّسُولِ ﷺ العِزَّةُ بِواسِطَةِ قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما لِلْمُؤْمِنِينَ العِزَّةُ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ أُعِيدَ الجارُّ.
وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ فَلْيُطِعِ اللَّهَ تَعالى، وأُيِّدَ بِما رَواهُ أنَسٌ كَما في (مَجْمَعِ البَيانِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ أنا العَزِيزُ فَمَن أرادَ عِزَّ الدّارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ»». ومَن قَدَّرَ فَلْيَطْلُبْها مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ: إنَّ الطَّلَبَ مِنهُ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ.
وعَنِ الفَرّاءِ المَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ أيِ القُدْرَةِ عَلى القَهْرِ لِمَن هي فَلْيَنْسُبْها إلى اللَّهِ تَعالى فَهي لَهُ تَعالى وحْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ أيِ الغَلَبَةَ فَهو مَغْلُوبٌ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ ولا تَتِمُّ إلّا بِهِ عَزَّ وجَلَّ ونُسِبَ هَذا إلى مُجاهِدٍ، وقِيلَ: تَعْرِيفُ العِزَّةِ الأُولى لِلِاسْتِغْراقِ أيْضًا أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الفَرْدُ الكامِلُ، والمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ جَمِيعَها أوِ الفَرْدَ الكامِلَ مِنها وهي العِزَّةُ الَّتِي لا يَشُوبُها ذِلَّةٌ مِن وجْهٍ، فَهو لا يَنالُها فَإنَّها لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وهَذا القَوْلُ أحْسَنُ مِنَ القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي الأوَّلُ وهو مَنسُوبٌ إلى قَتادَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ إلى آخِرِهِ كالبَيانِ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ العِزَّةِ وسُلُوكِ السَّبِيلِ إلى نَيْلِها وهو الطّاعَةُ القَوْلِيَّةُ والفِعْلِيَّةُ، وقِيلَ: بَيانٌ لِكَوْنِ
صفحة 174
العِزَّةِ كُلِّها لِلَّهِ تَعالى وبِيَدِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّها بِالطّاعَةِ وهي لا يُعْتَدُّ بِها ما لَمْ تُقْبَلْ، وقِيلَ: اِسْتِئْنافُ كَلامٍ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ.
و﴿الكَلِمُ﴾ اِسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ عِنْدَ جَمْعٍ واحِدُهُ كَلِمَةٌ، والمُرادُ بِالكَلِمِ الطَّيِّبِ عَلى ما في الكَشّافِ والبَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ طَيِّبًا عَلى ما قِيلَ إنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مَدارُ النَّجاةِ والوَسِيلَةُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ أوْ يَسْتَلِذُّهُ الشَّرْعُ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ حَسَنٌ يَقْبَلْهُ العَقْلُ ولا يَرُدُّهُ، وإطْلاقُ الكَلِمِ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ واحِدُهُ الكَلِمَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ ظاهِرٌ لِتَضَمُّنِهِ عِدَّةَ كَلِماتٍ لَكِنْ في وصْفِهِ بِالطَّيِّبِ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ خَفاءٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ التَّرْكِيبِ، وإنْ كانَ واحِدُهُ هُنا الكَلِمَةَ بِالمَعْنى المَجازِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [اَلْأنْعامِ: 115، الأعْرافِ: 137] و﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [اَلْمُؤْمِنُونَ: 100] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لُبَيْدٍ»» وقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً.
فَإطْلاقُ الكَلِمِ عَلى ذَلِكَ لِتَعَدُّدِهِ بِتَعَدُّدِ القائِلِ: وكَأنَّ القَرِينَةَ عَلى إرادَةِ المَعْنى المَجازِيِّ لِلْكَلِمَةِ الصّادِقِ عَلى الكَلامِ الوَصْفُ بِالطَّيِّبِ بِناءً عَلى أنَّ ما يُسْتَطْيَبُ ويُسْتَلَذُّ هو الكَلامُ دُونَ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ إفادَةِ حُكْمٍ تَنْبَسِطُ مِنهُ النَّفْسُ أوْ تَنْقَبِضُ، أوْ يُقالُ: إنَّ كَثْرَةَ إطْلاقِ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ وشُيُوعَهُ فِيما بَيْنَهم حَتّى قالَ بَعْضُهم كَمْ نَقَلَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ عَنْ بَعْضِ شُرّاحِ الأجُرُّومِيَّةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تُغْنِي عَنِ القَرِينَةِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ فَسَّرَ الكَلِمَ الطَّيِّبَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: هو سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، وهو ظاهِرُ أثَرٍ أخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
وقِيلَ: هو سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ وتَبارَكَ اللَّهُ، وهو ظاهِرُ أثَرٍ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: هو الثَّناءُ بِالخَيْرِ عَلى صالِحِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو الدُّعاءُ الَّذِي لا ظُلْمَ فِيهِ، وقالَ الإمامُ وبِهِ أقْتَدِي: المُخْتارُ أنَّهُ كُلُّ كَلامٍ هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى أوْ هو لِلَّهِ سُبْحانَهُ كالنَّصِيحَةِ والعِلْمِ، وأمّا ما أفادَهُ كَلامُ المُلّا صَدْرا في أسْفارِهِ مِن أنَّهُ النُّفُوسُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ فَإنَّهُ تُطْلَقُ الكَلِمَةُ عَلى النَّفْسِ إذا كانَتْ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [اَلنِّساءِ: 171] فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ في عِدادِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ كَما لا يَخْفى.
وصُعُودُ الكَلِمِ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ قَبُولِهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ واسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ القَبُولِ بِالصُّعُودِ، وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ الكَلِمُ مَجازًا عَمّا كُتِبَ فِيهِ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، أوْ يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ إلَيْهِ يَصْعَدُ صَحِيفَةُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، أوْ يُشَبَّهُ وُجُودُهُ الخارِجِيُّ هُنا ثُمَّ الكِتابِيُّ في السَّماءِ بِالصُّعُودِ ثُمَّ يُطْلَقُ المُشَبَّهُ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ويُشْتَقُّ مِنهُ الفِعْلُ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ اِعْتِبارِ حَقِيقَةِ الصُّعُودِ لِلْكَلِمِ فَلِلَّهِ تَعالى تَجْسِيدُ المَعانِي، وكَوْنُ الصُّعُودِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المُتَشابِهِ والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، والكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِهِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِ صاحِبِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والسُّلْمِيُّ وإبْراهِيمُ «يُصْعِدُ» مِن أصْعَدَ «اَلْكَلامَ الطَّيِّبَ» بِالنَّصْبِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الضَّحّاكُ «يُصْعِدُ» بِضَمِّ الياءِ ولَمْ يَذْكُرْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ولا إعْرابَ ما بَعْدَهُ، وفي الكَشّافِ وقُرِئَ «إلَيْهِ يُصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و«إلَيْهِ يُصْعِدُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ» مِن أصْعَدَ والمُصْعِدُ هو الرَّجُلُ أيْ يُصْعِدُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ مِن صَعِدَ الكَلامُ بِالرَّفْعِ.
﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى المَشْهُورِ، واخْتُلِفَ في فاعِلِ (يَرْفَعُ) فَقِيلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى العَمَلِ
صفحة 175
الصّالِحِ، وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى ﴿الكَلِمُ﴾ أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (اَلْأسْماءِ والصِّفاتِ) عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ العَمَلُ الصّالِحَ بِأداءِ الفَرائِضِ ثُمَّ قالَ: فَمَن ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى وأدّى فَرائِضَهُ حَمَلَ عَمَلُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى فَصَعِدَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومَن ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ رُدَّ كَلامُهُ عَلى عَمَلِهِ وكانَ عَمَلُهُ أوْلى بِهِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ اِبْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: هَذا قَوْلٌ يَرُدُّ مُعْتَقَدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَصِحُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، والحَقُّ أنَّ العاصِيَ بِتَرْكِ فَرائِضِهِ إذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى وقالَ كَلامًا طَيِّبًا كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ وتُقُبِّلَ مِنهُ، وعَلَيْهِ وِزْرُ تَرْكِ الفَرائِضِ، واَللَّهُ تَعالى يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اِتَّقى الشِّرْكَ، اِنْتَهى.
ولَعَلَّ المُرادَ بِرَفْعِ العَمَلِ الصّالِحِ الكَلِمَ الطَّيِّبَ رَفْعُ قَدْرِهِ وجَعْلُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ ما لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إذا كانَ بِلا عَمَلٍ، وحَدِيثُ «لا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا وعَمَلًا إلّا بِنِيَّةٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا وعَمَلًا ونِيَّةً إلّا بِإصابَةِ السُّنَّةِ،» المَذْكُورُ في الكَشّافِ لا أظُنُّ صِحَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فالمُرادُ نَفْيُ القَبُولِ التّامِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِرَفْعِهِ إيّاهُ تَحْقِيقَهُ وتَقْوِيَتَهُ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الكَلامَ الطَّيِّبَ هو الإيمانُ، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُثْبِتُ الإيمانَ ويُحَقِّقُهُ بِإظْهارِ آثارِهِ إذْ بِهِ يُعْلَمُ التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، أيْ يَرْفَعُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ العَمَلَ الصّالِحَ.
ونَسَبَ أبُو حَيّانَ هَذا القَوْلَ إلى أبِي صالِحٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِيسى وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «والعَمَلَ الصّالِحَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وفِيهِ بَحْثٌ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ ضَمِيرِ ﴿الكَلِمُ﴾ لِلْفاعِلِيَّةِ عَلَيْها، ومَعْنى رَفْعِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ العَمَلَ الصّالِحَ قِيلَ إنَّ يَزِيدُهُ بَهْجَةً وحُسْنًا.
ومَن فَسَّرَ الكَلِمَ الطَّيِّبَ بِالتَّوْحِيدِ قالَ: مَعْنى ذَلِكَ جَعْلُهُ مَقْبُولًا فَإنَّ العَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ اِبْنُ المُبارَكِ عَنْ قَتادَةَ، أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ اللَّهُ تَعالى ويَقْبَلُهُ، قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي، وقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ، وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ عامِلَهُ ويُشَرِّفُهُ، ونَسَبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ( العَمَلُ ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿الكَلِمُ﴾ ويَرْفَعُهُ اِسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ يَرْفَعُهُما اللَّهُ تَعالى، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ لِاشْتِراكِهِما في الصُّعُودِ، والضَّمِيرُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى اِسْمِ الإشارَةِ فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُفْرَدًا والمُرادُ بِهِ التَّثْنِيَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ صُعُودُهُما مِن ذاتِهِما بَلْ ذَلِكَ بِرَفْعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُما اه، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ومِثْلُهُ ما نَسَبَهُ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنا لا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ، وعَلى التَّسْلِيمِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرادَ بِقَوْلِهِ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ عامِلَهُ ويُشَرِّفُهُ بَيانَ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ في الجُمْلَةِ. واَلَّذِي يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِي مِنَ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ واخْتارَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ.
وتَخْصِيصُ العَمَلِ الصّالِحِ بِرَفْعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ قِيلَ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ إذْ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ العَمَلَ أشْرَفُ مِنَ الكَلامِ ولا كَلامَ في ذَلِكَ إذا أُرِيدَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ القَلْبِيَّ كالتَّصْدِيقِ، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [اَلْأعْرافِ: 143] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [اَلْإسْراءِ: 1] وكَلامُ الإمامِ صَرِيحٌ في أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ المُفَسَّرَ بِالذِّكْرِ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ حَيْثُ جَعَلَ صُعُودُ الكَلِمَ بِنَفْسِهِ دَلِيلَ تَرْجِيحِهِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَرْفَعُهُ غَيْرُهُ، وقالَ في وجْهِ ذَلِكَ: الكَلامُ شَرِيفٌ فَإنَّ اِمْتِيازَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ بِالنُّطْقِ والعَمَلِ حَرَكَةً وسُكُونًا يَشْتَرِكُ فِيهِ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، والشَّرِيفُ إذا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ لا يُمْنَعُ ومَن دُونَهُ لا يَجِدُ الطَّرِيقَ إلّا عِنْدَ الطَّلَبِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الكافِرَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ
صفحة 176
أمِنَ مِن عَذابِ الدّارَيْنِ إنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ صِدْقٍ، وأمِنَ في نَفْسِهِ ودَمِهِ وحَرَمِهِ في الدُّنْيا إنْ كانَ ظاهِرًا ولا كَذَلِكَ العَمَلُ بِالجَوارِحِ، وأيْضًا أنَّ القَلْبَ هو الأصْلُ وما فِيهِ لا يَظْهَرُ إلّا بِاللِّسانِ وما في اللِّسانِ لا يَبِينُ صِدْقُهُ إلّا بِالفِعْلِ، فالقَوْلُ أقْرَبُ إلى القَلْبِ مِنَ الفِعْلِ فَيَكُونُ أشْرَفَ مِنهُ، اه، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ فَتَدَبَّرْ.
﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ أوْ أصْنافَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ عَلى أنَّ ( السَّيِّئاتِ ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ لِ يَمْكُرُونَ لِأنَّ مَكَرَ لازِمٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى تَضْمِينِ يَقْصِدُونَ أوْ يَكْسِبُونَ، وعَلى الأوَّلِ فِيهِ مُبالَغَةٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى قَصْدِ المَكْرِ أوْ هو إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَأْثِيرِ مَكْرِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ خَبَرُهُ، أيْ لَهم بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُعْبَأُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِما يَمْكُرُونَ.
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [اَلْأنْفالِ: 30] والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ووَضْعُ اِسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ﴾ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ عَنْ سائِرِ المُفْسِدِينَ واشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الطُّغْيانِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في العُدْوانِ أيْ ومَكْرُ أُولَئِكَ المُفْسِدِينَ المَشْهُورِينَ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أيْ يَفْسُدُ، وأصْلُ البَوارِ فَرْطُ الكَسادِ أوِ الهَلاكِ، فاسْتُعِيرَ هُنا لِلْفَسادِ عَدَمُ التَّأْثِيرِ لِأنَّ فَرْطَ الكَسادِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما قِيلَ كَسَدَ حَتّى فَسَدَ، أوْ لِأنَّ الكاسِدَ يَكْسُدُ في الغالِبِ لِفَسادِهِ ولِأنَّ الهالِكَ فاسِدٌ لا أثَرَ لَهُ.
﴿ومَكْرُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلتَّقْوى أوِ الِاخْتِصاصِ، أيْ مَكْرُهم هو يَفْسُدُ خاصَّةً لا مَكْرُنا بِهِمْ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَ الخَبَرِ جُمْلَةَ ﴿يَبُورُ﴾ وهو ضَمِيرُ فَصْلٍ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَكُونُ ما بَعْدَهُ فِعْلًا ولَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ أحَدٌ فِيما عَلِمْنا إلّا عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في شَرْحِ الإيضاحِ لَهُ فَإنَّهُ أجازَ في كانَ زَيْدٌ هو يَقُومُ أنْ يَكُونَ هو فَصْلًا، ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا كَوْنَ ( هو ) تَأْكِيدًا لِلْمُبْتَدَأِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْناهُ، وقَدْ أبارَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الماكِرِينَ بَعْدَ إبارَةِ مَكْرِهِمْ حَيْثُ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ وقَتَلَهم وأثْبَتَهم في قَلِيبِ بَدْرٍ فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مَكَراتِهِمْ الثَّلاثَ الَّتِي اِكْتَفَوْا في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ وحَقَّقَ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 54] وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: 43].
ووَجْهُ اِرْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها بَيانٌ لِحالِ الكَلِمِ الخَبِيثِ والعَمَلِ السَّيِّئِ وأهْلِهِما بَعْدَ بَيانِ حالِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وقالَ في الكَشْفِ: كَأنَّهُ لَمّا حَصَرَ سُبْحانَهُ العِزَّةَ وخَصَّها بِهِ تَعالى يُعْطِيها مَن يَشاءُ وأرْشَدَ إلى نَيْلِ ما بِهِ يُنالُ ذَلِكَ المَطْلُوبُ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ حالَ مَن أرادَ العِزَّةَ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وأخَذَ في إهانَةِ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ السِّماكَيْنِ قَدْرًا وما رَجَعَ إلَيْهِمْ مِن وبالِ ذَلِكَ كالِاسْتِشْهادِ لِتِلْكَ الدَّعْوى وهو خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ في وجْهِ الِانْتِظامِ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّ الآيَةَ في أصْحابِ الرِّياءِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِما عِنْدَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ شَهْرٍ حَيْثُ قالَ: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ يُراؤُونَ.
﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ هم أصْحابُ الرِّياءِ عَمَلُهم لا يَصْعَدُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ إلخ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ مُراعاةُ التَّطابُقِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ والتَّقابُلِ بَيْنَ الفِقْرَتَيْنِ بِحَسْبِ الإمْكانِ بِأنْ يُقَدَّرَ في كُلٍّ مِنهُما ما يَحْصُلُ بِهِ التَّقابُلُ بِدَلالَةِ المَذْكُورِ في الأُولى عَلى المَتْرُوكِ في الأُخْرى وبِالعَكْسِ اه.
صفحة 177
ولا يَخْفى بَعْدُهُ، وأيًّا ما كانَ فالمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ
فاطر 35:11
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ دَلِيلٌ آخَرُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أيْ خَلَقَكُمُ اِبْتِداءً مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا إجْمالِيًّا ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ ثُمَّ خَلَقَكم مِنها خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا ذُكْرانًا وإناثًا، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [اَلشُّورى: 50] وأخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ قَدَّرَ بَيْنَكُمُ الزَّوْجِيَّةَ وزَوَّجَ بَعْضَكم بَعْضًا.
﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ ومِن زائِدَةٍ أيْ إلّا مُلْتَبِسَةً بِعِلْمِهِ تَعالى، ومَعْلُومِيَّةُ الفاعِلِ راجِعَةٌ إلى مَعْلُومِيَّةِ أحْوالِهِ مُفَصَّلَةٌ ومِنها حالُ ما حَمَلَتْهُ الأُنْثى ووَضَعَتْهُ، فَجَعْلُهُ مِن ذَلِكَ أبْلَغُ مَعْنًى وأحْسَنُ لَفْظًا مِن جَعْلِهِ مِنَ المَفْعُولِ، أعْنِي المَحْمُولَ والمَوْضُوعَ لِأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ مَتْرُوكٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في حم السَّجْدَةِ، وجَعُلُهُ حالًا مِنَ الحَمْلِ والوَضْعِ أنْفُسَهُما خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ مِن أحَدٍ، أيْ وما يُمَدُّ في عُمْرِ أحَدٍ وسُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ الأوَّلِ نَحْوَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يُوسُفَ: 36] ومَن قَتَلَ قَتِيلًا عَلى ما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا لِئَلّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ لِأنَّ ﴿يُعَمَّرُ﴾ مُضارِعٌ فَيَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مُعَمَّرًا بَعْدُ ولا ضَرُورَةَ لِلْحَمْلِ عَلى الماضِي.
﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مُعَمَّرٍ آخَرَ نَظِيرِ ما قالَ اِبْنُ مالِكٍ في عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ اِحْتِمالُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَ نِصْفِهِ، لِأنَّهُ مِثالٌ وهو اِسْتِخْدامٌ أوْ شَبِيهٌ بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وفَسَّرُوا المُعَمَّرَ بِالمُزادِ عُمْرُهُ بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُنْقَصُ﴾ إلخ وهو الَّذِي دَعاهم إلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى نَظِيرِ المَذْكُورِ دُونَ عَيْنِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَكُونُ المَزِيدُ في عُمْرِهِ مَنقُوصًا مِن عُمْرِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: هَبْ أنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ مُعَمَّرٌ آخَرُ ألَيْسَ قَدْ نُسِبَ النَّقْصُ في العُمْرِ إلى مُعَمَّرٍ، وقَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ المُزادُ عُمْرُهُ، أُجِيبَ بِأنَّ الأصْلَ وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ فَسُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، وعادَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُحَوَّلِ عَنْهُ، فَمَآلُ ذَلِكَ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ أحَدٍ، أيْ ولا يُجْعَلُ مِنَ اِبْتِداءِ الأمْرِ ناقِصًا، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ ضِيقُ فَمِ الرَّكِيَّةِ، وقالَ آخَرُونَ:
الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُعَمَّرِ الأوَّلِ بِعَيْنِهِ، والمُعَمَّرُ هو الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عُمْرًا طالَ أوْ قَصُرَ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ المُعَمَّرُ ومَن يُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ شَخْصًا واحِدًا، والمُرادُ بِنَقْصِ عُمْرِهِ ما يَمُرُّ مِنهُ ويَنْقَضِي مَثَلًا يُكْتَبُ عُمْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَهُ مَضى يَوْمٌ مَضى يَوْمانِ وهَكَذا حَتّى يَأْتِيَ الخ، ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مالِكٍ وحَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ، وقِيلَ بِمَعْناهُ:
حَياتُكَ أنْفاسٌ تُعَدُّ فَكُلَّما مَضى نَفَسٌ مِنها اِنْتَقَصَتْ بِهِ جُزْءًا
وقِيلَ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ في عُمْرٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ أُثْبِتَتْ في اللَّوْحِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ الصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مُعَمَّرًا أيْ مُزادًا في عُمْرِهِ إذا عَمِلَ عَمَلًا ويُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ إذا لَمْ يَعْمَلْهُ، وهَذا لا يَلْزَمُ مِنهُ تَغْيِيرُ التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِهِ تَعالى مُعَلَّقٌ أيْضًا، وإنْ كانَ ما في عِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ وقَضائِهِ المُبْرَمِ لا يَعْتَرِيهِ مَحْوٌ عَلى ما عُرِفَ عَنِ السَّلَفِ، ولِذا جازَ الدُّعاءُ بِطُولِ العُمْرِ.
وقالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دَعا اللَّهَ تَعالى أُخِّرَ أجْلُهُ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَ اِبْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قَوْلٌ
صفحة 178
ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ يَقْتَضِي القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ اِبْنِ كَمالٍ: النَّظَرُ الدَّقِيقُ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ أنَّ المُعَمَّرَ أيِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ عُمْرٌ طَوِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ العُمْرَ وأنْ لا يَبْلُغَ فَيَزِيدُ عُمْرُهُ عَلى الأوَّلِ ويُنْقَصُ عَلى الثّانِي، ومَعَ ذَلِكَ لا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ في التَّقْدِيرِ لِأنَّ المُقَدَّرَ في كُلِّ شَخْصٍ هو الأنْفاسُ المَعْدُودَةُ لا الأيّامُ المَحْدُودَةُ والأعْوامُ المَمْدُودَةُ ثُمَّ قالَ: فافْهَمْ هَذا السِّرَّ العَجِيبَ، وكَتَبَ في الهامِشِ حَتّى يَنْكَشِفَ لَكَ سِرُّ اِخْتِيارِ حَبْسِ النَّفْسِ ويَتَّضِحُ وجْهَ صِحَّةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّ الصَّدَقَةَ والصِّلَةَ تُعَمِّرانِ الدِّيارَ وتَزِيدانِ في الأعْمارِ»» اه.
وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ مِمّا لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ عاقِلٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ غَيْرُ بَعْضِ جَهَلَةِ الهُنُودِ مَعَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِن «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةَ وقَدْ قالَتِ: اللَّهُمَّ أمْتِعْنِي بِزَوْجَيِ النَّبِيِّ ﷺ وبِأبِي أبِي سُفْيانَ وبِأخِي مُعاوِيَةَ، سَألَتِ اللَّهَ تَعالى لِآجالٍ مَضْرُوبَةٍ وأيّامٍ مَعْدُودَةٍ،» الحَدِيثَ. وأطالَ الجَلَبِيُّ في رَدِّهِ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ اه.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ لا يَبْلُغَ مَن قُدِّرَ لَهُ عُمْرٌ طَوِيلٌ ما قُدِّرَ لَهُ بِأنْ يُغَيَّرَ ما قُدِّرَ أوَّلًا بِتَقْدِيرٍ آخَرَ، ولا حَجَرَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ التَّراوِيحِ ««خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»» وقَوْلُهُ ﷺ في دُعاءِ القُنُوتِ ««وقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ»» وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى آلافُ آلافِ صَلاةٍ وسَلامٍ مِن قِيامِ السّاعَةِ إذا اِشْتَدَّتِ الرِّيحُ مَعَ إخْبارِهِ بِأنَّ بَيْنَ يَدَيْها خُرُوجَ المَهْدِيِّ والدَّجّالِ والدّابَّةِ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَغَيُّرُ المَعْلُومِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَغَيُّرُ العِلْمِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ وعَلى هَذا لا إشْكالَ في خَبَرِ ««اَلصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ»».
ويَتَّضِحُ أمْرُ فائِدَةِ الدُّعاءِ، وما يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ مِن نَفْيِ القَضاءِ المُبْرَمِ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وقَدْ رَأيْتُ كُرّاسَةً لِبَعْضِ الأفاضِلِ أطالَ الكَلامَ فِيها لِتَشْيِيدِ هَذا القَوْلِ وتَثْبِيتِ أرْكانِهِ، والحَقُّ عِنْدِي أنَّ ما في العِلْمِ الأزَلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَتَغَيَّرُ ويَجِبُ أنْ يَقَعَ كَما عُلِمَ وإلّا يَلْزَمُ الِانْقِلابُ، وما يَتَبادَرُ مِنهُ خِلافُ ذَلِكَ إذا صَحَّ مُؤَوَّلٌ.
وخَبَرُ ««اَلصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ»» قِيلَ إنَّهُ خَبَرُ آحادٍ فَلا يُعارِضُ القَطْعِيّاتِ، وقِيلَ المُرادُ أنَّ الصَّدَقَةَ وكَذا غَيْرُها مِنَ الطّاعاتِ تَزِيدُ فِيما هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ العُمْرِ وهو اِكْتِسابُ الخَيْرِ والكَمالِ والبَرَكَةِ الَّتِي بِها تُسْتَكْمَلُ النُّفُوسُ الإنْسانِيَّةُ فَتَفُوزُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والدُّعاءُ حُكْمُهُ حُكْمُ سائِرِ الأسْبابِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والتَّحَفُّظِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ مَثَلًا فَفائِدَتُهُ كَفائِدَتِها، وقِيلَ هو لِمُجَرَّدِ إظْهارِ الِاحْتِياجِ والعُبُودِيَّةِ، فَلْيُتَدَبَّرْ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُعَمَّرِ والنَّقْصُ لِغَيْرِهِ، أيْ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ المُعَمَّرِ لِغَيْرِهِ بِأنْ يُعْطى لَهُ عُمْرٌ ناقِصٌ مِن عُمْرِهِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَنقُوصِ مِن عُمْرِهِ، وهو وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في حُكْمِ المَذْكُورِ كَما قِيلَ:
وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ
فَيَكُونُ عائِدًا عَلى ما عُلِمَ مِنَ السِّياقِ، أيْ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ المَنقُوصِ مِن عُمْرِهِ بِجَعْلِهِ ناقِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وعِيسى «ولا يَنْقُصُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ المُعَمَّرِ أوْ ﴿عُمُرِهِ﴾ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا جازَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الأعْرَجُ «مِن عُمْرِهِ» بِسُكُونِ المِيمِ.
﴿إلا في كِتابٍ﴾ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ صَحِيفَةُ الإنْسانِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الغِفارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَدْخُلُ المَلَكُ عَلى النُّطْفَةِ بَعْدَ ما تَسْتَقِرُّ في الرَّحِمِ بِأرْبَعِينَ أوْ بِخَمْسٍ وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ يا رَبِّ، أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى ويَكْتُبُ ثُمَّ يَكْتُبُ عَمَلَهُ
صفحة 179
ورِزْقَهُ وأجَلَهُ وأثَرَهُ ومُصِيبَتَهُ، ثُمَّ تُطْوى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ مِنها»».
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وذُكِرَ في رَبْطِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ إلخ مُساقٌ لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى﴾ [فُصِّلَتْ: 47] إلخ لِلْعِلْمِ الشّامِلِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ إلخ لِإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمَعْنى وما يُعَمَّرُ مِنكم خِطابًا لِأفْرادِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وأُيِّدَ بِذَلِكَ الوَجْهِ الأوَّلِ مِن أوْجُهِ ﴿وما يُعَمَّرُ﴾ إلخ.
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ وما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحارًا لِلْعُقُولِ والأفْهامِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ تَعالى عَنِ الأسْبابِ فَكَذَلِكَ البَعْثُ والنُّشُورُ.
فاطر 35:12
﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ هَذا ﴿عَذْبٌ﴾ طَيِّبٌ ﴿فُراتٌ﴾ كاسِرُ العَطَشِ ومُزِيلُهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى هَذا عَلى طُرُزِ: أسْوَدُ حالِكٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ.
﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ سَهْلٌ اِنْحِدارُهُ لِخُلُوِّهِ مِمّا تَعافُهُ النَّفْسُ. وقَرَأ عِيسى «سَيِّغٌ» كَمَيِّتٍ بِالتَّشْدِيدِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، وقَرَأ عِيسى أيْضًا «سَيْغٌ» كَمَيْتٍ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وهَذا مِلْحٌ﴾ مُتَغَيِّرٌ طَعْمُهُ التَّغَيُّرَ المَعْرُوفَ، وقَرَأ أبُو نَهِيكَ وطَلْحَةُ «مَلِحٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ الرّازِيُّ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا مِن مالِحٍ لِلتَّخْفِيفِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى وُرُودِ مالِحٍ والحَقُّ وُرُودُهُ بِقِلَّةٍ، ولَيْسَ بِلُغَةٍ رَدِيئَةٍ كَما قِيلَ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ المَلِحِ والمالِحِ بِأنَّ المَلِحَ الماءُ الَّذِي فِيهِ الطَّعْمُ المَعْرُوفُ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ كَماءِ البَحْرِ، والمالِحَ الماءُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ مِلْحٌ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ ولا يُقالُ فِيهِ إلّا مالِحٌ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَرِدْ مالِحٌ أصْلًا، وهو قَوْلٌ لَيْسَ بِالمَلِيحِ.
﴿أُجاجٌ﴾ شَدِيدُ المُلُوحَةِ والحَرارَةِ مِن قَوْلِهِمْ أجِيجُ النّارِ وأجَّتُها، ومِن هُنا قِيلَ هو الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ، وهَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن كُلٍّ﴾ أيْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أيْ غَضًّا جَدِيدًا وهو السَّمَكُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ الطَّيْرُ والسَّمَكُ، واخْتارَ كَثِيرٌ الأوَّلَ، والتَّعْبِيرُ عَنِ السَّمَكِ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا قِيلَ لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ، ووَصْفُهُ بِالطَّراوَةِ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى المُسارَعَةِ إلى أكْلِهِ لِئَلّا يَتَسارَعُ إلَيْهِ الفَسادُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَعْلُ كُلٍّ مِنَ البَحْرِينِ مَبْدَأ أكْلِهِ.
واسْتَدَلَّ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ بِالآيَةِ - حَيْثُ سُمِّيَ فِيها السَّمَكُ لَحْمًا - عَلى حِنْثِ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وأكَلَ سَمَكًا، وقالَ غَيْرُهُما: لا يَحْنَثُ لِأنَّ مَبْنى الأيْمانِ عَلى العُرْفِ، وهو فِيهِ لا يُسَمّى لَحْمًا، ولِذَلِكَ لا يَحْنَثُ مَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً فَرَكِبَ كافِرًا مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ دابَّةً في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [اَلْأنْفالِ: 55] ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِ ﴿لَحْمًا﴾ لَحْمُ السَّمَكِ ودَعْوى التَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِالسَّمَكِ في الأكْلِ لا أظُنُّها تامَّةً.
﴿وتَسْتَخْرِجُونَ﴾ ظاهِرُهُ ومِن كُلٍّ تَسْتَخْرِجُونَ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ والحِلْيَةُ الَّتِي تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ويَلْبَسُ ذَلِكَ الرِّجالُ والنِّساءُ وإنِ اِخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ اللُّبْسِ، أوْ يُقالُ: عَبَّرَ عَنْ لُبْسِ نِسائِهِمْ بِلُبْسِهِمْ لِكَوْنِهِنَّ مِنهم أوْ لِكَوْنِ لُبْسِهِنَّ لِأجْلِهِمْ، ولا نَعْلَمُ حِلْيَةً تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ، ولا يَظْهَرُ هُنا اِعْتِبارُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ كَما اُعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [اَلرَّحْمَنِ: 22] وكَوْنُ بَعْضِ الصُّخُورِ الَّتِي في مَجارِي السُّيُولِ قَدْ تُكْسَرُ فَيُوجَدُ فِيها ماسٌ وهو حِلْيَةٌ تُلْبَسُ إنْ صَحَّ لا يَنْفَعُ اِعْتِبارُهُ هُنا، إذْ لَيْسَ فِيهِ اِسْتِخْراجُ الحِلْيَةِ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ ظاهِرًا، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِلْيَةُ المُسْتَخْرَجَةُ مِن ذَلِكَ عِظامَ السَّمَكِ الَّتِي يُصْنَعُ مِنها قَبَضاتٌ لِلسُّيُوفِ
صفحة 180
والخَناجِرِ مَثَلًا فَتُحْمَلُ ويُتَحَلّى بِها، وفِيهِ ما فِيهِ لا سِيَّما إذا كانَتِ الحِلْيَةُ كالحُلِيِّ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَصْنُوعِ المَعْدِنِيّاتِ أوِ الحِجارَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يَخْرُجَ اللُّؤْلُؤُ مِنَ المِياهِ العَذْبَةِ وإنْ لَمْ نَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ.
وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِلْخَلاصِ مِنَ القِيلِ والقالِ أنَّ المُرادَ وتَسْتَخْرِجُونَ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ خاصَّةً حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ويُشْعِرُ بِهِ كَلامُ السُّدِّيِّ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اِسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَتْمِيمٌ وتَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ولَيْسَ مِن تَرْشِيحِ الِاسْتِعارَةِ كَما زَعَمَ الطِّيبِيُّ في شَيْءٍ، بَلْ إنَّما هو اِسْتِدْراكٌ لِدَعْوى الِاشْتِراكِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ أقْوى، وهَذا الِاسْتِدْراكُ مَخْصُوصٌ بِالمِلْحِ، وإيضاحُهُ أنَّهُ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ بِالبَحْرَيْنِ ثُمَّ فَضَّلَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ بِأنَّهُ قَدْ شارَكَ الفُراتَ في مَنافِعَ، والكافِرُ يَخْلُو مِنَ النَّفْعِ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 74] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِنَ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 74].
والثّالِثُ: أنَّهُ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ البَحْرَيْنِ وإنِ اِشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ تَفاوَتا فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ لِأنَّ أحَدَهُما خالَطَهُ ما لَمْ يُبْقِهِ عَلى صَفاءِ فِطْرَتِهِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإنِ اِتَّفَقَ اِتِّفاقُهُما في بَعْضِ المَكارِمِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ مُتَفاوِتانِ فِيما هو الأصْلُ لِبَقاءِ أحَدِهِما عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ دُونَ الآخَرِ، فَجُمْلَةُ ﴿ومِن كُلٍّ﴾ إلخ حالِيَّةٌ.
وعِنْدِي خَيْرُ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ أوْسَطُها، وعَلى كُلٍّ يَحْصُلُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ كَيْفَ يُناسِبُ ذِكْرُ مَنافِعِ البَحْرِ المِلْحِ وقَدْ شُبِّهَ بِهِ الكافِرُ؟ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ إلخ لِبَيانِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ كُلُّ عاقِلٍ عَلى أنَّهُ مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ.
وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما ذَكَرْنا أوَّلًا مِن أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ هو المَشْهُورُ رِوايَةً ودِرايَةً وفِيهِ مِن مَحاسِنِ البَلاغَةِ ما فِيهِ.
﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ السُّفُنَ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في كُلٍّ مِنهُما، وانْظُرْ هَلْ يَحْسُنُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْبَحْرِ المِلْحِ لِانْسِياقِ الذِّهْنِ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْرُوفَ اِسْتِخْراجُها مِنهُ خاصَّةً، وأمْرُ الفُلْكِ فِيهِ أعْظَمُ مِن أمْرِها في البَحْرِ العَذْبِ، ولِذا اِقْتَصَرَ عَلى رُؤْيَةِ الفُلْكِ فِيهِ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وأُفْرِدَ ضَمِيرُ الخِطابِ مَعَ جَمْعِهِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، لِأنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ دُونَ المُنْتَفِعِينَ بِالبَحْرَيْنِ فَقَطْ.
﴿مَواخِرَ﴾ شَواقَّ لِلْماءِ يُجْرِيها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ فالمَخْرُ الشِّقُّ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ مَخَرَتُ السَّفِينَةُ مَخْرًا ومُخُورًا إذا شَقَّتِ الماءَ بِجُؤْجُئِها، وفي الكَشّافِ يُقالُ: مَخَرَتِ السَّفِينَةُ الماءَ، ويُقالُ لِلسَّحابِ بَناتُ مَخْرٍ لِأنَّها تَمْخُرُ الهَواءَ، والسَّفْنُ الَّذِي اُشْتُقَّتْ مِنهُ السَّفِينَةُ قَرِيبٌ مِنَ المَخْرِ لِأنَّها تَسْفِنُ الماءَ كَأنَّها تُقَشِّرُهُ كَما تَمْخُرُهُ، وقِيلَ المَخْرُ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ، وجاءَ في سُورَةِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [اَلنَّحْلِ: 14] بِتَقْدِيمِ ﴿مَواخِرَ﴾ وتَأْخِيرِ ( فِيهِ ) وعُكِسَ هاهُنا فَقِيلَ في وجْهِهِ لِأنَّهُ عُلِّقَ ( فِيهِ ) هُنا بِ تَرى وثَمَّتْ بِمَواخِرَ، ولا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ.
واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّ آيَةَ النَّحْلِ سِيقَتْ لِتَعْدادِ النِّعَمِ كَما يُؤْذِنُ بِذاكَ سَوابِقُها ولَواحِقُها، وتَعْقِيبُ الآياتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: 34، النَّحْلِ: 18] فَكانَ الأهَمُّ هُناكَ تَقْدِيمَ ما هو نِعْمَةٌ وهو مَخْرُ الفُلْكِ لِلْماءِ بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّهُ إنَّما سِيقَ اِسْتِطْرادًا أوْ تَتِمَّةً لِلتَّمْثِيلِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَقُدِّمَ فِيهِ ( فِيهِ ) إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الِاهْتِمامَ بِما هُناكَ اِقْتَضى أنْ يُقالَ في تِلْكَ الآيَةِ ( ولِتَبْتَغُوا ) بِالواوِ، ومُخالَفَةُ ما هُنا لِذَلِكَ
صفحة 181
اِقْتَضَتْ تَرْكَ الواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّقْلَةِ فِيها، وهو سُبْحانُهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ فَقَدْ جَرى لَهُ تَعالى ذِكْرٌ فِيما قَبْلَها ولَوْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يُشْكِلْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَواخِرَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ كَ سَخَّرَ البَحْرَيْنِ وهَيَّأهُما أوْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تَعْرِفُونَ حُقُوقَهُ تَعالى فَتَقُومُونَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ.
ولَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ: هي لِلتَّرَجِّي، ولَمّا كانَ مُحالًا عَلَيْهِ تَعالى كانَ المُرادُ اِقْتِضاءَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ لِلشُّكْرِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَرَجّاهُ مِنَ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها فَهو تَمْثِيلٌ يَؤُولُ إلى أمْرِهِ تَعالى بِالشُّكْرِ لِلْمُخاطَبِينَ.
فاطر 35:13
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ بِزِيادَةِ أحَدِهِما ونَقْصِ الآخَرِ بِإضافَةِ بَعْضِ أجْزاءِ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُولِجُ﴾ واخْتِلافُهُما صِيغَةً لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِهِما في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ حِينًا فَحِينًا، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ وإنَّما المُتَعَدِّدُ والمُتَجَدِّدُ آثارُهُ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿يَجْرِي﴾ أيْ بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ أيّامِ السَّنَةِ أوْ بِحَسَبِ حَرَكَتَيْهِ الخاصَّةِ وهي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، والقَسْرِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ جَرَيانًا مُسْتَمِرًّا ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرَيانِهِما وهو يَوْمُ القِيامَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
وقِيلَ جَرَيانُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتَيْهِما الخاصَّتَيْنِ بِهِما، والأجَلُ المُسَمّى عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ مُدَّةِ دَوْرَتَيْهِما أوْ مُنْتَهاها وهي لِلشَّمْسِ سَنَةٌ ولِلْقَمَرِ شَهْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ مُفَصَّلًا.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى فاعِلِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ العَظَمَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أبْدَعَ هَذِهِ الصَّنائِعَ البَدِيعَةَ ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْداعَهُ تَعالى لِتِلْكَ البَدائِعِ مِمّا يُوجِبُ ثُبُوتَ تِلْكَ الأخْبارِ لَهُ تَعالى.
وفِي الكَشّافِ: ويَجُوزُ في حُكْمِ الإعْرابِ إيقاعُ اِسْمِ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ أوْ عَطْفَ بَيانٍ ورَبُّكم خَبَرًا لَوْلا أنَّ المَعْنى يَأْباهُ اه.
قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ جارٍ مَجْرى العِلْمِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ وصْفًا لِاسْمِ الإشارَةِ البَتَّةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى، وكَأنَّهُ فَرَضَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الغَلَبَةِ، وأمّا إباءُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تَجْوِيزِ الوَصْفِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ تَعالى المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ لا أنَّ المُنْفَرِدَ بِالإلَهِيَّةِ هو رَبُّكم لِأنَّ المُشْرِكِينَ ما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالمُنْفَرِدِ عَلى الإطْلاقِ، وأمّا عَطْفُ البَيانِ فَقِيلَ لِأنَّهُ يُوهِمُ تَخْيِيلَ الشَّرِكَةِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ سَيِّدُكَ عِنْدِي فَفِيهِ نَوْعُ شَرِكَةٍ لِأنَّ ذا اِسْمٌ مُبْهَمٌ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ البَيانَ حَيْثُ يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ ويَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ مُناسِبٌ لا في مِثْلِ هَذا المَقامِ.
وأفادَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى ما سَبَقَ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ ما بَعْدَهُ بِسَبَبِ الأوْصافِ السّابِقَةِ ولَوْ كانَ وصْفًا أوْ بَيانًا لَكانَ المُشارُ إلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وهَذا في الأوَّلِ حَسَنٌ دُونَ الثّانِي، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أوْ عَطْفَ بَيانٍ إشارَةٌ إلى المَذْهَبِ الَّذِي يَجْعَلُ الجِنْسَ الجارِيَ عَلى المُبْهَمِ غَيْرَ وصْفٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَصْفِ إذْ ذاكَ، وبَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ أنَّ المَقامَ لِلْإشارَةِ إلى السّابِقِ فاسْمُ الإشارَةِ قَدْ يُجاءُ بِهِ لِأغْراضٍ أُخَرَ، اه.
وأبُو حَيّانَ مَنَعَ صِحَّةَ الوَصْفِيَّةِ لِلْعَلَمِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: لا يُظْهِرُ إباءُ المَعْنى ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ﴾
صفحة 182
جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ واقِعَةٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، إذْ حاصِلُهُ جَمِيعُ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ في المَبْدَأِ والمُنْتَهى لَهُ تَعالى ولَيْسَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِنهُ شَيْءٌ، ولِذا قِيلَ إنَّ فِيهِ قِياسًا مَنطِقِيًّا مَطْوِيًّا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُقَرِّرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ إلخ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ﴾ إلخ فَجُمْلَةُ ( الَّذِينَ تَدْعُونَ ) إلخ عَلَيْهِ إمّا اِسْتِئْنافِيَّةٌ أيْضًا وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الظَّرْفِ أعْنِي لَهُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إلخ أوْ حالٌ أيْضًا.
والقِطْمِيرُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ لِفافَةُ النَّواةِ وهي القِشْرُ الأبْيَضُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ التَّمْرِ والنَّواةِ، وهو المَعْنى المَشْهُورُ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ القِمْعُ الَّذِي هو عَلى رَأْسِ التَّمْرَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ القِشْرَةُ عَلى رَأْسِ النَّواةِ وهو ما بَيْنَ القِمْعِ والنَّواةِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّهُ الأثَرُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ هو قِشْرُ الثُّومِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَثَلٌ لِلشَّيْءِ الدَّنِيءِ الطَّفِيفِ، قالَ الشّاعِرُ:
وأبُوكَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ مُتَوَرِّكًا ما يَمْلِكُ المِسْكِينُ مِن قِطْمِيرِ
وقَرَأ عِيسى وسَلامٌ ويَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
فاطر 35:14
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ، هَذا إذا كانَ الكَلامُ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عَبَدَتِها وعَبَدَةِ المَلائِكَةِ وعِيسى وغَيْرِهِمْ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وعَدَمُ السَّماعِ حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّ المَعْبُودَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كالأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ وبُعْدٍ بَعِيدٍ عَنْ عابِدِهِ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ البَلْخِيِّ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ سَمْعَهُ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ لِغايَةِ قُبْحِهِ وثِقَلِهِ عَلى سَمْعِ مَن هو في غايَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُرَدُّ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَسْمَعُونَ، وهم في السَّماءِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ دُعاءُ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم سُبْحانَهُ، وفي نَظْمِ ذِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ في سِلْكِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثِيَّةِ السَّماعِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ تَوَقُّفٌ عِنْدِي، بَلْ في سَماعِ كُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم في السَّماءِ وذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ نِداءَ مَن ناداهم غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ تَوَقُّفٌ عِنْدِي أيْضًا، إذْ لَمْ أظْفَرْ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ عَلى ذَلِكَ، والعَقْلُ يُجَوِّزُهُ لَكِنْ لا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِهِ في القَوْلِ بِهِ.
﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُرْزَقُوا قُوَّةَ التَّكَلُّمِ، والسَّماعُ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ الِاسْتِجابَةُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِجابَةُ بِالفِعْلِ، أيْ ولَوْ سَمِعُوا ما نَفَعُوكم لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، هَذا إذا كانَ المُدَّعُونَ الأصْنامَ وأمّا إذا كانُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ نَحْوَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ فَعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ القَوْلِيَّةِ لِأنَّ دُعاءَهم مِن حَيْثُ زَعَمَ أنَّهم آلِهَةٌ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَكَيْفَ يُجِيبُونَ زاعِمَ ذَلِكَ فِيهِمْ وفِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما فِيهِ، وعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ الفِعْلِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِهَذا أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ نَفْعَ مَن دَعاهم لَيْسَ مِن وظائِفِهِمْ، وقِيلَ لِأنَّهم يَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا في العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِلْأوَّلِ أيْضًا فَتَأمَّلْ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إذا دَعَوْتُمُوهُمْ، وشِرْكٌ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ إشْراكَكم إيّاهم
صفحة 183
وعِبادَتَكم إيّاهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعالى الأصْنامَ عَلى الكَلامِ فَيَقُولُونَ لَهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، أوْ يَظْهَرُ مِن حالِها ظُهُورُ نارِ القُرى لَيْلًا عَلى عِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولِسانُ الحالِ أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ يُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ
وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وإنْ كانَ المَدْعُوُّونَ المَلائِكَةَ ونَحْوَهم فَأمْرُ التَّكَلُّمِ ظاهِرٌ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المَلائِكَةِ لِلْمُشْرِكِينَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: 40، 41].
﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ مُخْبِرٍ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ، أيْ لا يُخْبِرُكَ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ مُخْبِرٌ هو مِثْلُ الخَبِيرِ العالَمِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُخْبِرُكَ مُخْبِرٌ مِثْلُ مَن يُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أنْفُسِها بِأنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
فاطر 35:15
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ في أنْفُسِكم وفِيما يَعِنُّ لَكم مِن أمْرٍ مُهِمٍّ أوْ خَطْبٍ مُلِمٍّ، وتَعْرِيفُ ﴿الفُقَراءُ﴾ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا عَهْدَ، وعُرِّفَ كَذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في فَقْرِهِمْ كَأنَّهم لِكَثْرَةِ اِفْتِقارِهِمْ وشِدَّةِ اِحْتِياجِهِمْ هُمُ الفُقَراءُ فَحَسْبُ وأنَّ اِفْتِقارَ سائِرِ الخَلائِقِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَقْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [اَلنِّساءِ: 28] ولا يَرِدُ الجِنُّ إذْ هم لا يَحْتاجُونَ في المَطْعَمِ والمَلْبَسِ وغَيْرِهِما كَما يَحْتاجُ الإنْسانُ، وضَعْفُهم لَيْسَ كَضَعْفِهِ فَلا حاجَةَ إلى إدْخالِهِمْ في النّاسِ تَغْلِيبًا عَلى أنَّهُ قِيلَ لا يَضُرُّ ذَلِكَ إذِ الكَلامُ مَعَ مَن يُظْهِرُ القُوَّةَ والعِنادَ مِنَ النّاسِ، والقَوْلُ إنَّ القَصْرَ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: الوَجْهُ أنْ يُقالَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ المُرادُ النّاسُ وغَيْرُهم وهو عَلى طَرِيقَةِ تَغْلِيبِ الحاضِرِ عَلى الغائِبِ وأُولِي العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا.
وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ أنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ عَلى العَهْدِ وفي الفُقَراءِ عَلى الجِنْسِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الَّذِي خُوطِبُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ الآيَةَ، أيْ ذَلِكُمُ المَعْبُودُ هو الَّذِي وُصِفَ بِصِفاتِ الجَلالِ لا الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، وأنْتُمْ أشَدُّ الخَلائِقِ اِحْتِياجًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.
﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لا غَيْرُهُ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُنْعِمُ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُسْتَحِقُّ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ لِلْحَمْدِ، وأصْلُهُ المَحْمُودُ وأُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِيُناسِبَ ذِكْرَهُ بَعْدَ فَقْرِهِمْ، إذِ الغَنِيُّ لا يَنْفَعُ الفَقِيرَ إلّا إذا كانَ جَوادًا مُنْعِمًا، ومِثْلُهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، وهَذا كالتَّكْمِيلِ لِما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ الغَنَوِيِّ:
حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ مَعَ الحِلْمِ في عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبُ
ويَدْخُلُ في عُمُومِ المُسْتَغْنى عَنْهُ المُخاطَبُونَ وعِبادَتُهُمْ، وفي كَلامِ الطِّيبِيِّ رائِحَةُ التَّخْصِيصِ حَيْثُ قالَ: ما سَمِعْتُ
صفحة 184
نَقْلَهُ وهو سُبْحانُهُ غَنِيٌّ عَنْكم وعَنْ عِبادَتِكم لِأنَّهُ تَعالى حَمِيدٌ لَهُ عِبادٌ يَحْمَدُونَهُ وإنْ لَمْ تَحْمَدُوهُ أنْتُمْ، والأوْلى التَّعْمِيمُ.
وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن أنَّهُ لَمّا كَثُرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعاءُ وكَثُرَ الإصْرارُ مِنَ الكُفّارِ قالُوا لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى مُحْتاجٌ لِعِبادَتِنا فَنَزَلَتْ لا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ التَّخْصِيصِ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى.
فاطر 35:16
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ إنْ يَشَأْ سُبْحانَهُ إذْهابَكم أيُّها النّاسُ والإتْيانَ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يُذْهِبْكم ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بِعالَمٍ غَيْرِ النّاسِ لا تَعْرِفُونَهُ، هَذا إذا كانَ الخِطابُ عامًّا، أوْ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها المُشْرِكُونَ أوِ العَرَبُ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ لَيْسُوا عَلى صِفَتِكم بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا إذا كانَ الخِطابُ خاصًّا، وتَفْسِيرُ الجَدِيدِ بِما سَمِعْتَ مَرْوِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِاسْتِغْنائِهِ عَزَّ وجَلَّ.
فاطر 35:17
﴿وما ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن إذْهابِهِمْ والإتْيانِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ بِصَعْبٍ فَإنَّ أمْرَهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وإنْ كانَ في النّاسِ تَغْلِيبُ الحاضِرِ عَلى الغائِبِ وأُولِي العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ، وكانَ الخِطابُ هُنا عَلى ذَلِكَ الطُّرُزِ، وقُلْنا إنَّ الآيَةَ تُشْعِرُ بِأنَّ ما يَأْتِي بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ العالَمِ أبْدَعُ، أُشْكِلَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ قَوْلُ حُجَّةِ الإسْلامِ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ داخِلًا في حَيِّزِ ما كانَ، وهو مَعَ هَذا العالَمِ كَبَعْضِ أجْزاءِ هَذا العالَمِ مَعَ بَعْضٍ أوْ بِأنَّ الأبْدَعِيَّةَ المَشْعُورَ بِها بِمَعْنًى والأبْدَعِيَّةَ في كَلامِ حُجَّةِ الإسْلامِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَتَدَبَّرْ.
فاطر 35:18
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ تَحْمِلُ كُلُّ نَفْسٍ وِزْرَها، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ﴾ [اَلْعَنْكَبُوتِ: 13] فَإنَّهُ في الضّالِّينَ المُضِلِّينَ وهم يَحْمِلُونَ إثْمَ إضْلالِهِمْ مَعَ إثْمِ ضَلالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ آثامُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن آثامِ غَيْرِهِمْ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِأثْقالِهِمْ ما كانَ بِمُباشَرَتِهِمْ وبِما مَعَها ما كانَ بِسَوْقِهِمْ وتَسَبُّبِهِمْ، فَهو لِلْمُضِلِّينَ مِن وجْهٍ ولِلْآخَرِينَ مِن آخَرَ.
﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ أثْقَلَتْها الأوْزارُ ﴿إلى حِمْلِها﴾ الَّذِي أثْقَلَها ووِزْرِها الَّذِي بَهَظَها لِيُحْمَلَ شَيْءٌ مِنهُ ويُخَفَّفَ عَنْها، وقِيلَ: أيْ إلى حَمْلِ حَمْلِها ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ لَمْ تُجِبْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ولا تَزِرُ﴾ إلخ نَفْيٌ لِلْحَمْلِ الِاخْتِيارِيِّ تَكَرُّمًا مِن نَفْسِ الحامِلِ رَدًّا لِقَوْلِ المُضِلِّينَ ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اُكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَنَزَلَتْ.
وهَذا نَفْيٌ لِلْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنَ الوازِرَةِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ اِخْتِيارًا أوْ جَبْرًا، وإذا لَمْ يُجْبَرْ أحَدٌ عَلى الحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ والِاسْتِعانَةِ عُلِمَ عَدَمُ الجَبْرِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَيَعُمُّ النَّفْيُ أقْسامَ الحَمْلِ كُلَّها، وكَذا الحامِلُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ وازِرًا أمْ لا، وجاءَ العُمُومُ مِن عَدَمِ ذِكْرِ المَدْعُوِّ ظاهِرًا، وقَدْ يُقالُ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ في الأُولى نَفْيَ حَمْلِ جَمِيعِ الوِزْرِ بِحَيْثُ يَتَعَرّى مِنهُ المَحْمُولُ عَنْهُ، وفي الثّانِي نَفْيَ التَّخْفِيفِ فَلا اِتِّخاذَ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما: إنَّ الأوَّلَ نَفْيُ الحَمْلِ إجْبارًا، والثّانِيَ نَفْيٌ لَهُ اِخْتِيارًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُناسِبَ عَلى هَذا ولا يُوزَرُ عَلى وازِرَةٍ وِزْرُ أُخْرى، وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حَمْلِها أحَدًا لا يَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا، وأيْضًا حَقُّ نَفْيِ الإجْبارِ أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بَعْدَ نَفْيِ الِاخْتِيارِ.
وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى كَما دَلَّتْ عَلى أنَّ المُثْقَلَ بِالذُّنُوبِ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن ذُنُوبِهِ شَيْئًا دَلَّتْ عَلى عَدْلِهِ تَعالى الكامِلِ، والجُمْلَةَ الثّانِيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا مُسْتَغاثَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أيْضًا، وهُما المَقْصُودانِ مِنَ الآيَتَيْنِ
صفحة 185
فالفَرْقُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أوْلى.
وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ في الجُمْلَةِ الأُولى ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ، قالَ في الأخِيرَيْنِ مِنها: لَمْ أرَ مَن تَفْطَنُ لَهُما، وقَدْ أجابَ عَنْ كُلٍّ:
الأوَّلُ: أنَّ عَدَمَ حَمْلِ الغَيْرِ عَلى الغَيْرِ عامٌّ في النَّفْسِ الآثِمَةِ وغَيْرِ الآثِمَةِ، فَلِمَ خُصَّ بِالآثِمَةِ مَعَ أنَّ التَّصْرِيحَ بِالعُمُومِ أتَمُّ في العَدْلِ وأبْلَغُ في البِشارَةِ وأخْصَرُ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِمْلَ أُخْرى؟ وجَوابُهُ: أنَّ الكَلامَ في أرْبابِ الأوْزارِ المُعَذَّبِينَ لِبَيانِ أنَّ عَذابَهم إنَّما هو بِما اِقْتَرَفُوهُ مِنَ الأوْزارِ لا بِما اِقْتَرَفَهُ غَيْرُهم.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى وِزْرٍ حَمْلُ الوِزْرِ لا مُطْلَقُ الحَمْلِ، عَلى ما في النِّهايَةِ الأثِيرِيَّةِ حَيْثُ قالَ: يُقالُ: وزَرَ يَزِرُ فَهو وازِرٌ إذا حَمَلَ ما يُثْقِلُ ظَهْرَهُ مِنَ الأشْياءِ المُثْقَلَةِ ومِنَ الذُّنُوبِ، فَكَيْفَ صَحَّ ذِكْرُ وِزْرٍ مَعَ يَزَرُ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ.
الثّالِثُ: أنَّ وازِرَةً يُفْهَمُ مِن تَزِرُ كَما يُفْهَمُ ضارِبٌ مِن يَضْرِبُ مَثَلًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ إذا قِيلَ ضَرَبَ ضارِبٌ زَيْدًا، فاَلَّذِي يُسْتَفادُ مِن ضَرَبَ إنَّما هو ذاتٌ قامَ بِها ضَرْبُ حَدَثٍ مِن تَعَلُّقِ هَذا الفِعْلِ بِتِلْكَ الذّاتِ، ولِما عَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ بِما فِيهِ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ وعُلِّقَ بِهِ مَعْنًى مَصْدَرِيٌّ في صِيغَةِ فَعَلَ أوْ غَيْرِها فُهِمَ مِنهُ في عُرْفِ اللُّغَةِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ حالَ تَعَلُّقِ ذَلِكَ المَعْنى بِهِ لا بِسَبَبِهِ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ شُرّاحِ الكَشّافِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ضارِبٍ في المِثالِ مُتَّصِفًا بِضَرْبٍ سابِقٍ عَلى تَعَلُّقِ ضَرَبَ بِهِ، وكَذا يُقالُ في ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ .
وهَذِهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ ويَزِيدُها جَلالَةً اِسْتِفادَةُ العُمُومِ إذا أُورِدَ اِسْمُ الفاعِلِ نَكِرَةً في حَيِّزِ نَفْيٍ، وبِذَلِكَ يَسْقُطُ قَوْلُ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ إنَّ ذِكْرَ فاعِلِ الفِعْلِ بِلَفْظِ اِسْمِ فاعِلِهِ نَكِرَةً قَلِيلُ الجَدْوى جِدًّا، اِنْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ يُسْتَفادُ ما ذَكَرَهُ في السُّؤالِ الأوَّلِ مِنَ العُمُومِ، وفي خُصُوصِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ وذِكْرِهِما مَعًا ما لا يَخْفى مِنَ الفائِدَةِ، وفي القامُوسِ وزَرَهُ كَوَعَدَهُ وِزْرًا بِالكَسْرِ حَمَلَهُ، وفي الكَشّافِ وزَرَ الشَّيْءَ إذا حَمَلَهُ، ونَحْوُهُ في البَحْرِ، وعَلى ذَلِكَ لا حاجَةَ إلى التَّجْرِيدِ فَلا تَغْفُلْ.
وأصْلُ الحَمْلِ ما كانَ عَلى الظَّهْرِ مِن ثَقِيلٍ فاسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي مِنَ الذُّنُوبِ والآثامِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ عَنْ طَلْحَةَ وإبْراهِيمَ عَنِ الكِسائِيِّ «لا تَحْمِلْ» بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ المِيمِ، وتَقْتَضِي هَذِهِ القِراءَةُ نَصْبَ شَيْءٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (تَحْمِلْ) وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ تَدْعُو المَحْذُوفِ، أيْ وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ نَفْسًا إلى حِمْلِها لَمْ تَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ المَدْعُوُّ المَفْهُومُ مِنَ الدَّعْوَةِ ﴿ذا قُرْبى﴾ ذا قَرابَةٍ مِنَ الدّاعِي، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اِسْمُ كانَ ضَمِيرُ الدّاعِي، أيْ ولَوْ كانَ الدّاعِي ذا قَرابَةٍ مِنَ المَدْعُوِّ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّ الدّاعِيَ هو المُثْقَلَةُ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ الظّاهِرُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ وتَأْنِيثُهُ.
وقَوْلُ أبِي حَيّانَ ذُكِرَ الضَّمِيرُ حَمْلًا عَلى المَعْنى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ لا يُرادُ بِها مُؤَنَّثُ المَعْنى فَقَطْ بَلْ كُلُّ شَخْصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ يَدْعُ شَخْصٌ مُثْقَلٌ، لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقُرِئَ ولَوْ كانَ «ذُو قُرْبى» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ ( كانَ ) ناقِصَةٌ أيْضًا و«ذُو قُرْبى» اِسْمُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ كانَ ذُو قُرْبى مَدْعُوًّا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تامَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَها النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في أنَّ لا غِياثَ أصْلًا فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حَمْلِها لا يُجِبْها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ ولَوْ كانَ ذُو القُرْبى مَدْعُوًّا، ولَوْ قُلْنا إنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حِمْلِها لا يَحْمِلْ مَدْعُوُّها شَيْئًا ولَوْ حَضَرَ ذُو قُرْبى لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ الحُسْنُ، ومُلاحَظَةُ كَوْنِ ذِي القُرْبى مَدْعُوًّا بِقَرِينَةِ السِّياقَ أوْ تَقْدِيرِ فَدَعَتْهُ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ خِلافُ الظّاهِرِ، فَيَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ الِانْتِظامِ.
﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ إلخ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن يَتَّعِظُ بِما ذُكِرَ، أيْ إنَّما تُنْذِرُ بِهَذِهِ الإنْذاراتِ ونَحْوِها ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ يَخْشَوْنَهُ
صفحة 186
تَعالى غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ غائِبًا عَنْهم فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ.
﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ راعَوْها كَما يَنْبَغِي وجَعَلُوها مَنارًا مَنصُوبًا وعَلَمًا مَرْفُوعًا، أيْ إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ وتَحْذِيرُكَ هَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن أهْلِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ونُكْتَةُ اِخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ فَتَذَكَّرْ ما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
﴿ومَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الأوْزارِ والمَعاصِي بِالتَّأثُّرِ مِن هَذا الإنْذاراتِ ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ لِاقْتِصارِ نَفْعِهِ عَلَيْها كَما أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِها لا يَتَدَنَّسُ إلّا عَلَيْها، والتَّزَكِّي شامِلٌ لِلْخَشْيَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، فَهَذا تَقْرِيرٌ وحَثٌّ عَلَيْهِما.
وقَرَأ العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ومَن يَزَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى» بِالياءِ مِن تَحْتٍ وشَدِّ الزّايِ فِيهِما وهُما مُضارِعانِ أصْلُهُما ومَن يَتَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ كَما أُدْغِمَتْ في يَذَّكَّرُونَ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ «ومَن اِزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في الِابْتِداءِ، وطَلْحَةُ أيْضًا «فَإنَّما تَزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ.
﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرَهُ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.
فاطر 35:19
﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ والأعْمى والبَصِيرُ مَثَلانِ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ كَما قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هُما مَثَلانِ لِلصَّنَمِ ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهو مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ والمَعْنى لا يَسْتَوِي اللَّهُ تَعالى مَعَ ما عَبَدْتُمْ.
فاطر 35:20
﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ أيْ ولا الباطِلُ ولا الحَقُّ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ولا الثَّوابُ ولا العِقابُ، وقِيلَ: ولا الجَنَّةُ ولا النّارُ، والحَرُورُ فَعُولٌ مِنَ الحَرِّ، وأُطْلَقَ كَما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ لَيْلًا أوْ نَهارًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو شِدَّةُ حَرِّ الشَّمْسِ، وفي الكَشّافِ الحَرُورُ السَّمُومُ إلّا أنَّ السَّمُومَ يَكُونُ بِالنَّهارِ والحَرُورَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وقِيلَ: بِاللَّيْلِ.
فاطر 35:21
﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ أيْ ولا الباطِلُ ولا الحَقُّ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ولا الثَّوابُ ولا العِقابُ، وقِيلَ: ولا الجَنَّةُ ولا النّارُ، والحَرُورُ فَعُولٌ مِنَ الحَرِّ، وأُطْلَقَ كَما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ لَيْلًا أوْ نَهارًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو شِدَّةُ حَرِّ الشَّمْسِ، وفي الكَشّافِ الحَرُورُ السَّمُومُ إلّا أنَّ السَّمُومَ يَكُونُ بِالنَّهارِ والحَرُورَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وقِيلَ: بِاللَّيْلِ.
فاطر 35:22
﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الدِّينِ بَعْدَ البَعْثَةِ والكافِرِينَ الَّذِينَ أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا، فالتَّعْرِيفُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: لِلْعُلَماءِ والجُهَلاءِ. والثَّعالِبِيُّ جَعَلَ الأعْمى والبَصِيرَ مَثَلَيْنِ لَهُما ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ يُسْمِعُهُ ويَجْعَلُهُ مُدْرِكًا لِلْأصْواتِ، وقالَ الخَفاجِيُّ وغَيْرُهُ: ولَعَلَّ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ سَماعَ تَدَبُّرٍ وقَبُولٍ لِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِالأمْواتِ وإشْباعٌ في إقْناطِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إيمانِهِمْ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ وما أنْتَ مُسْمِعٌ، والمُرادُ بِالسَّماعِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِ في سابِقِهِ، ولا يَأْبى إرادَةُ السَّماعِ المَعْرُوفِ ما ورَدَ في حَدِيثِ القَلِيبِ لِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإسْماعِ بِطَرِيقِ العادَةِ، وما في الحَدِيثِ مِن بابِ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [اَلْأنْفالِ: 17] وإلى هَذا ذَهَبَ البَعْضُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَلا تَغْفُلْ.
وما ألْطَفَ نَظْمَ هَذِهِ التَّمْثِيلاتِ فَقَدْ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ أوَّلًا بِالبَحْرَيْنِ وفَضَّلَ البَحْرَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ لِخُلُوِّهِ مِنَ النَّفْعِ، ثُمَّ بِالأعْمى والبَصِيرِ مُسْتَتْبِعًا بِالظُّلُماتِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِفِقْدانِ نُورِ البَصَرِ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ فِقْدانَ ما يَمُدُّهُ مِنَ النُّورِ الخارِجِيِّ، وقَرَنَ إلَيْهِ نَتِيجَةَ ذَلِكَ العَمى والفِقْدانِ فَكانَ فِيهِ تَرَقٍّ مِنَ التَّشْبِيهِ الأوَّلِ إلَيْهِ ثُمَّ بِالأحْياءِ والأمْواتِ تَرَقِّيًا ثانِيًا، وأرْدَفَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ .
وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ إخْلاءَ الثّانِي مِن لا المُؤَكِّدَةِ لِأنَّهُ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾
صفحة 187
ولِهَذا كَرَّرَ ( وما يَسْتَوِي ) وأمّا ذِكْرُها في التَّمْثِيلَيْنِ بَعْدَهُ فَلِأنَّهُما مَقْصُودانِ في أنْفُسِهِما إذْ ما فِيهِما مَثَلانِ لِلْحَقِّ والباطِلِ وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ دُونَ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَما في غَيْرِهِما، وإنَّما حُمِلَتْ عَلى أنَّها زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الظُّلُماتِ في نَفْسِها لا تَسْتَوِي بَلْ تَتَفاوَتُ فَمِن ظُلْمَةٍ هي أشَدُّ مِن أُخْرى مَثَلًا، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ بَلِ المُرادُ أنَّ الظُّلُماتِ لا تُساوِي النُّورَ والظِّلَّ لا يُساوِي الحَرُورَ والأحْياءَ لا تُساوِي الأمْواتَ.
وزَعَمَ اِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّ دُخُولَ لا عَلى نِيَّةِ التَّكْرارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا النُّورُ والظُّلُماتُ، وهَكَذا فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الأوائِلِ عَنِ الثَّوانِي، ودَلَّ مَذْكُورُ الكَلامِ عَلى مَتْرُوكِهِ، والقَوْلُ بِأنَّها مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ يُغْنِي عَنِ اِعْتِبارِ هَذا الحَذْفِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ.
وقالَ الإمامُ: كُرِّرَتْ لا فِيما كُرِّرَتْ لِتَأْكِيدِ المُنافاةِ فالظُّلُماتُ تُنافِي النُّورَ وتُضادُّهُ والظِّلُّ والحَرُورُ كَذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الظِّلِّ عَدَمُ الحَرِّ والبَرْدِ، بِخِلافِ الأعْمى والبَصِيرِ فَإنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ بَصِيرًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ العَمى، فَلا مُنافاةَ إلّا مِن حَيْثُ الوَصْفُ، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ فِيهِما وإنْ كانا كالأعْمى والبَصِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الجِسْمَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ حَيًّا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ المَوْتُ، لَكِنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَيِّ والمَيِّتِ أتَمُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ فَإنَّهُما قَدْ يَشْتَرِكانِ في إدْراكِ أشْياءَ ولا كَذَلِكَ الحَيُّ والمَيِّتُ كَيْفَ والمَيِّتُ مُخالِفُ الحَيِّ في الحَقِيقَةِ عَلى ما تَبَيَّنَ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
وقِيلَ: لَمْ تُكَرَّرْ، قِيلَ: وكُرِّرَتْ بَعْدُ لِأنَّ المُخاطَبَ في أوَّلِ الكَلامِ لا يُقَصِّرُ في فَهْمِ المُرادِ، وقِيلَ: كُرِّرَتْ فِيما عَدا الأخِيرَ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ والنُّورُ مَثَلًا لَتُوُهِّمَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ بَيْنَ مَجْمُوعِ الأعْمى والبَصِيرِ ومَجْمُوعِ الظُّلُماتِ والنُّورِ، وفي الأخِيرِ لِلِاعْتِناءِ، وإدْخالُ (لا) عَلى المُتَقابِلَيْنِ لِتَذْكِيرِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ.
وقُدِّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ مَعَ أنَّ البَصِيرَ أشْرَفُ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى الكافِرِ وهو مَوْجُودٌ قَبْلَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، ولِنَحْوِ هَذا قُدِّمَ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ، فَإنَّ الباطِلَ كانَ مَوْجُودًا فَدَمَغَهُ الحَقُّ بِبَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يُقَدَّمِ الحَرُورُ عَلى الظِّلِّ لِيَكُونَ عَلى طُرُزِ ما سَبَقَ مِن تَقْدِيمِ غَيْرِ الأشْرَفِ بَلْ قُدِّمَ الظِّلُّ رِعايَةً لِمُناسَبَتِهِ لِلْعَمى والظُّلْمَةِ مِن وجْهٍ أوْ لِسَبْقِ الرَّحْمَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقُدِّمَ الأحْياءُ عَلى الأمْواتِ ولَمْ يُعْكَسِ الأمْرُ لِيُوافِقَ الأوَّلَيْنِ في تَقْدِيمِ غَيْرِ الأشْرَفِ لِأنَّ الأحْياءَ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ والأمْواتَ إشارَةٌ إلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَها ولِذا قِيلَ بَعْدُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ الخ، ووُجُودُ المُصِرِّينَ بِوَصْفِ الإصْرارِ بَعْدَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ قُدِّمَ ما قُدِّمَ فِيما عَدا الأخِيرَ لِأنَّهُ عَدَمٌ ولَهُ مَرْتَبَةُ السَّبْقِ، وفي الأخِيرِ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْواتِ فاقِدُو الحَياةِ بَعْدَ الِاتِّصافِ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ أرْدافُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ فَيَكُونُ لِلْحَياةِ مَعَ أنَّها وُجُودِيَّةُ رُتْبَةِ السَّبْقِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ تَقْدِيمَ غَيْرِ الأشْرَفِ مَعَ اِنْفِهامِ أنَّهُ غَيْرُ أشْرَفَ عَلى الأشْرَفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّقْدِيمَ صُورَةٌ لا يُخِلُّ بِشَرَفِ الأشْرَفِ:
فالنّارُ يَعْلُوها الدُّخانُ ورُبَّما يَعْلُو الغُبارُ عَمائِمَ الفُرْسانِ
وجَمْعُ الظُّلُماتِ مَعَ إفْرادِ النُّورِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الباطِلِ واتِّحادِ الحَقِّ، وقِيلَ لِأنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ تَتَعَدَّدُ فَتَكُونُ في مَحالَّ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُما نُورٌ، والنُّورُ في هَذا العالَمِ وإنْ تَعَدَّدَ إلّا أنَّهُ يَتَّحِدُ وراءَ مَحَلِّ تَعَدُّدِهِ، وجُمِعَ الأحْياءُ والأمْواتُ عَلى بابِهِ لِتَعَدُّدِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَمْ يُجْمَعِ الأعْمى والبَصِيرُ لِذَلِكَ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، والمُفْرَدُ أظْهَرُ فِيهِ مَعَ أنَّ في البُصَراءِ تَرْكَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وهو عَلى الذَّوْقِ السَّلِيمِ دُونَ البَصِيرِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ.
صفحة 188
وقَرَأ الأشْهَبُ والحَسَنُ «بِمُسْمِعِ مَن» بِالإضافَةِ.
فاطر 35:23
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تَبْلُغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ المُنْذِرُ مِمَّنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ سَمِعَ واهْتَدى، وإنْ كانَ مِمَّنْ أرادَ سُبْحانَهُ ضَلالَهُ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَما عَلَيْكَ مِنهُ تَبِعَةٌ.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ مُحِقِّينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوْ مُحِقًّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿بَشِيرًا﴾ ومُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَذِيرًا﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المُقابِلِ عَلى مُقابِلِهِ، أيْ بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.
﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ ما مِن جَماعَةٍ كَثِيرَةِ أهْلِ عَصْرٍ وأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ ﴿إلا خَلا﴾ مَضى ﴿فِيها نَذِيرٌ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُها، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النِّذارَةَ قَرِيبَةُ البِشارَةِ لا سِيَّما وقَدِ اِقْتَرَنا آنِفًا مَعَ أنَّ الإنْذارَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وقِيلَ خَصَّ النَّذِيرَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالسَّمْعِ فَهو مِن خَصائِصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالبَشِيرُ نَبِيٌّ أوْ ناقِلٌ عَنْهُ بِخِلافِ النِّذارَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلِذا وُجِّهَ النَّذِيرُ في كُلِّ أُمَّةٍ، وفِيهِ بَحْثٌ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [اَلْأنْعامِ: 38] عَلى في البَهائِمِ وسائِرِ الحَيَواناتِ أنْبِياءُ أوْ عُلَماءُ يُنْذِرُونَ، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ باطِلٌ لا يَكادُ نَفْيُ بُطْلانِهِ عَلى أحَدٍ حَتّى عَلى البَهائِمِ، ولَمْ نَسْمَعِ القَوْلَ بِنُبُوَّةٍ فَرْدٍ مِنَ البَهائِمِ ونَحْوِها إلّا عَنِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ومَن تابَعَهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ كُفْرٌ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى.
فاطر 35:24
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تَبْلُغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ المُنْذِرُ مِمَّنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ سَمِعَ واهْتَدى، وإنْ كانَ مِمَّنْ أرادَ سُبْحانَهُ ضَلالَهُ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَما عَلَيْكَ مِنهُ تَبِعَةٌ.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ مُحِقِّينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوْ مُحِقًّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿بَشِيرًا﴾ ومُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَذِيرًا﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المُقابِلِ عَلى مُقابِلِهِ، أيْ بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.
﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ ما مِن جَماعَةٍ كَثِيرَةِ أهْلِ عَصْرٍ وأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ ﴿إلا خَلا﴾ مَضى ﴿فِيها نَذِيرٌ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُها، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النِّذارَةَ قَرِيبَةُ البِشارَةِ لا سِيَّما وقَدِ اِقْتَرَنا آنِفًا مَعَ أنَّ الإنْذارَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وقِيلَ خَصَّ النَّذِيرَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالسَّمْعِ فَهو مِن خَصائِصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالبَشِيرُ نَبِيٌّ أوْ ناقِلٌ عَنْهُ بِخِلافِ النِّذارَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلِذا وُجِّهَ النَّذِيرُ في كُلِّ أُمَّةٍ، وفِيهِ بَحْثٌ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [اَلْأنْعامِ: 38] عَلى في البَهائِمِ وسائِرِ الحَيَواناتِ أنْبِياءُ أوْ عُلَماءُ يُنْذِرُونَ، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ باطِلٌ لا يَكادُ نَفْيُ بُطْلانِهِ عَلى أحَدٍ حَتّى عَلى البَهائِمِ، ولَمْ نَسْمَعِ القَوْلَ بِنُبُوَّةٍ فَرْدٍ مِنَ البَهائِمِ ونَحْوِها إلّا عَنِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ومَن تابَعَهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ كُفْرٌ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى.
فاطر 35:25
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ فَلا تَحْزَنْ مِن تَكْذِيبِ هَؤُلاءِ إيّاكَ.
﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا بِدُونِ تَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِتَقْدِيرِها، أيْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيما يَدَّعُونَ ﴿وبِالزُّبُرِ﴾ كَصُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم جاءَ بِهَذا وبَعْضَهم جاءَ بِهَذا لا عَلى إرادَةِ الجَمْعِ، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ كِتابٌ، وعَدَدُ الرُّسُلِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن عَدَدِ الكُتُبِ كَما هو مَعْرُوفٌ، ومَآلُ هَذا إلى مَنعِ الخُلُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزُّبُرِ والكِتابِ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتُغايِرِ العُنْوانَيْنِ لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ.
فاطر 35:26
﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما حَيِّزُ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأخْذِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا في سَبَأٍ، فَتَذَكَّرْ.
وفِي الآيَةِ مِن تَسْلِيَتِهِ ﷺ ما فِيها
فاطر 35:27
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ ماءً إلخ، اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما يَخْطُرُ بِالبالِ لِتَقْرِيرِ ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ اِخْتِلافِ النّاسِ بِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والحَيَوانِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: تَقْرِيرٌ لِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى بِأدِلَّةٍ سَماوِيَّةٍ وأرْضِيَّةٍ إثْرَ تَقْرِيرِها بِأمْثالٍ ضَرَبَها جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا
صفحة 189
كَما تَرى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ لِأنَّ إنْزالَ المَطَرِ وإنْ كانَ مُدْرَكًا بِالبَصَرِ لَكِنَّ إنْزالَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والخِطابُ عامٌّ، أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ مِن جِهَةِ العُلُوِّ ماءً ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ عَلى أنَّهُ سَبَبٌ عادِيٌّ لِلْإخْراجِ، وقِيلَ: أيْ أخْرَجْنا عِنْدَهُ، والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالفِعْلِ لِما فِيهِ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ أيْ أنْواعُها مِنَ التُّفّاحِ والرُّمّانِ والعِنَبِ والتِّينِ وغَيْرِها مِمّا لا يُحْصَرُ، وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ أتى بِألْوانٍ مِنَ الأحادِيثِ وقَدَّمَ كَذا لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ، واخْتِلافُ كُلِّ نَوْعٍ بِتَعَدُّدِ أصْنافِهِ كَما في التُّفّاحِ فَإنَّ لَهُ أصْنافًا مُتَغايِرَةً لَذَّةً وهَيْئَةً، وكَذا في سائِرِ الثَّمَراتِ ولا يَكادُ يُوجَدُ نَوْعٌ مِنها إلّا وهو ذُو أصْنافٍ مُتَغايِرَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ اِخْتِلافُ كُلِّ نَوْعٍ بِاخْتِلافِ أفْرادِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ حَمْلُ الألْوانِ عَلى مَعْناها المَعْرُوفِ واخْتِلافُها بِالصُّفْرَةِ والحُمْرَةِ والخُضْرَةِ وغَيْرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وهو الأوْفَقُ لِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ﴾ وهو إمّا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى أوْ حالٌ وكَوْنُهُ اِسْتِئْنافًا مَعَ اِرْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ غَيْرُ ظاهِرٍ، و﴿جُدَدٌ﴾ جُمَعُ جُدَّةٍ بِالضَّمِّ وهي الطَّرِيقَةُ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ، وقالَ أبُو الفَضْلِ: هي مِنَ الطَّرائِقِ ما يُخالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ ما يَلِيهِ ومِنهُ جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخَطِّ الَّذِي في وسَطِ ظَهْرِهِ يُخالِفُ لَوْنَهُ، وسَألَ اِبْنُ الأزْرَقِ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الجُدَدِ فَقالَ: طَرائِقُ طَرِيقَةٌ بَيْضاءُ وطَرِيقَةٌ خَضْراءُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
قَدْ غادَرَ السَّبُعُ في صَفَحاتِها جُدَدًا كَأنَّها طُرُقٌ لاحَتْ عَلى أكَمِ
والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إنْ لَمْ تُقْصَدِ المُبالَغَةُ، لِأنَّ الجِبالَ لَيْسَتْ نَفْسَ الطَّرائِقِ، أيْ ذُو جُدَدٍ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «جُدُدٌ» بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَدِيدَةٍ كَسَفِينَةٍ وسُفُنٍ وهي بِمَعْنى جِدَّةٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ هو جَمْعُ جَدِيدٍ بِمَعْنى آثارٍ جَدِيدَةٍ واضِحَةِ الألْوانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِتَجَدُّدِ حُدُوثِ الجِبالِ وتَكَوُّنِها مِن مِياهٍ تَنْبُعُ مِنَ الأرْضِ وتَتَحَجَّرُ أوَّلًا فَأوَّلًا ثُمَّ تَنْبُعُ مِن مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِمّا تَحَجَّرَ فَتَتَحَجَّرُ أيْضًا، وهَكَذا حَتّى يَحْصُلَ جَبَلٌ لا يَأْبى حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ما ذُكِرَ.
والظّاهِرُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الجِبالَ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ خَلْقِ الأرْضِ لِئَلّا تَمِيدُ بِسُكّانِها، والفَلاسِفَةُ يَزْعُمُونَ أنَّها كانَتْ طِينًا في بِحارٍ اِنْحَسَرَتْ ثُمَّ تَحَجَّرَتْ، وقَدْ أطالَ الإمامُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ (اَلْمَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ) واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ، بِوُجُودِ أشْياءَ بَحْرِيَّةٍ كالصَّدَفِ بَيْنَ أجْزائِها، وهَذا عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ هَباءٌ وأكْثَرُ الأدِلَّةِ مُثْلَةً، ومَن أرادَ الِاطِّلاعَ عَلى ما قالُوا فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ «جَدَدٌ» بِفَتْحَتَيْنِ ولَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى وصَحَّحَها غَيْرُهُ وقالَ: الجَدَدُ الطَّرِيقُ الواضِحُ المُبِينُ، إلّا أنَّهُ وُضِعَ المُفْرِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ، ولِذا وُصِفَ بِالجَمْعِ، وقِيلَ هو مِن بابِ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ وثَوْبٍ أخْلاقٍ لِاشْتِمالِ الطَّرِيقِ عَلى قَطْعٍ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا مُناسِبٍ لِجَمْعِ الجِبالِ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾ أيْ أصْنافُها بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِأنَّها مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ، فَمُخْتَلِفٌ صِفَةُ بَيْضٍ وحُمْرٍ، و﴿ألْوانُها﴾ فاعِلُ لَهُ ولَيْسَ بِمُبْتَدَأٍ، و﴿مُخْتَلِفٌ﴾ خَبَرُهُ لِوُجُوبِ مُخْتَلِفَةٍ حِينَئِذٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةُ ﴿جُدَدٌ﴾ و( غَرابِيبُ ) عَطْفٌ عَلى ﴿بِيضٌ﴾ فَهو مِن تَفاصِيلِ الجُدُدِ والصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، أيْ ومِنَ
صفحة 190
الجِبالِ ذُو جُدُدٍ بِيضٍ وحُمْرٍ، وغَرابِيبُ والغِرْبِيبُ هو الَّذِي أبْعَدَ في السَّوادِ وأغْرَبَ فِيهِ ومِنهُ الغُرابُ، وكَثُرَ في كَلامِهِمُ إتْباعُهُ لِلْأسْوَدِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ أوْ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ فَقالُوا أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما قالُوا: أبْيَضُ يَقَقٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ وأحْمَرُ قانٍ.
وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ( غَرابِيبُ ) هُنا تَأْكِيدٌ لِمَحْذُوفٍ والأصْلُ وسُودٌ غَرابِيبُ أيْ شَدِيدَةُ السَّوادِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المُؤَكَّدِ، ومِنَ النُّحاةِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ وهو اِخْتِيارُ اِبْنِ مالِكٍ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والتَّقْوِيَةَ وقَصْدَ التَّطْوِيلِ والحَذْفَ يَقْتَضِي خِلافَهُ، ورَدَّهُ الصَّفّارُ كَما في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) لِأنَّ المَحْذُوفَ لِدَلِيلٍ كالمَذْكُورِ فَلا يُنافِي تَأْكِيدَهُ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ (اَلْمُفَصَّلِ) أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُودٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وهو مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ النّابِغَةِ:
والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُها ∗∗∗ رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّنَدِ
وفِيهِ التَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ ومَزِيدُ الِاعْتِناءِ بِوَصْفِ السَّوادِ حَيْثُ دَلَّ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ الإضْمارِ والإظْهارِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿جُدَدٌ﴾ عَلى مَعْنى: ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدُدٍ مُخْتَلِفِ اللَّوْنِ ومِنها غَرابِيبُ مُتَّحِدَةُ اللَّوْنِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُقابَلَةُ، وإخْراجُ التَّرْكِيبِ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وكَأنَّهُ لَمّا اِعْتَنى بِأمْرِ السَّوادِ بِإفادَةِ أنَّهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ الِاخْتِلافَ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ سُودٌ غَرابِيبُ، وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ مُؤَكَّدٌ ولا مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّما ( غَرابِيبُ ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿جُدَدٌ﴾ أوْ عَلى ﴿بِيضٌ﴾ مِن أوَّلِ الأمْرِ و﴿سُودٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ.
قالَ في البَحْرِ: وهَذا حَسَنٌ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُ غِرْبِيبٍ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ أنْ يُسْتَعْمَلَ تَأْكِيدًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ وهو الَّذِي يُخَضِّبُ بِالسَّوادِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ الأثِيرِ بِاَلَّذِي لا يَشِيبُ أيْ لِسَفاهَتِهِ أوْ لِعَدَمِ اِهْتِمامِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، وحُكِيَ ما في البَحْرِ بِصِيغَةِ قِيلَ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
العَيْنُ طامِحَةٌ واليَدُ شامِخَةٌ ∗∗∗ والرِّجْلُ لائِحَةٌ والوَجْهُ غِرْبِيبُ
فاطر 35:28
﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ أيْ ومِنهم بَعْضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ أوْ بَعْضُهم مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ عَلى ما ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 8] والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وحُكْمُها حُكْمُها.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ إيرادَ الجُمْلَتَيْنِ اِسْمِيَّتَيْنِ مَعَ مُشارَكَتِهِما لِما قَبْلَهُما مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في الِاسْتِشْهادِ بِمَضْمُونِها عَلى تَبايُنِ النّاسِ في الأحْوالِ الباطِنَةِ لِما أنَّ اِخْتِلافَ الجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الألْوانِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا إخْراجُ الثَّمَراتِ المُخْتَلِفَةِ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا حادِثًا عُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، ثُمَّ لَمّا كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ عُلِّقَ بِهِ الرُّؤْيَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُنْبِئِ عَنِ الحَمْلِ عَلَيْها والتَّرْغِيبِ فِيها بِخِلافِ أحْوالِ الجِبالِ والنّاسِ وغَيْرِهِما فَإنَّها مُشاهَدَةٌ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّأمُّلِ، فَلِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالرُّؤْيَةِ، فَتَدَبَّرْ اه.
وما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ تَعْلِيقِ الرُّؤْيَةِ مُخالِفٌ لِما في البَحْرِ حَيْثُ قالَ: وهَذا اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولا يَكُونُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «والدَّوابُ» بِتَخْفِيفِ الباءِ مُبالَغَةً في الهَرَبِ مِنَ اِلْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما هَمَزَ بَعْضُهم ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ لِذَلِكَ.
صفحة 191
وقَرَأ اِبْنُ السَّمَيْقَعِ «ألْوانُها»، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ مُخْتَلِفٍ المُؤَكَّدِ والتَّقْدِيرُ مُخْتَلِفٌ اِخْتِلافًا كائِنًا كَذَلِكَ، أيْ كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ والجِبالِ فَهو مِن تَمامِ الكَلامِ قَبْلَهُ والوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنٌ بِإجْماعِ أهْلِ الأداءِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطِرٍ: 18] بِتَعْيِينِ مَن يَخْشاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النّاسِ بَعْدَ الإيماءِ إلى بَيانِ شَرَفِ الخَشْيَةِ ورَداءَةِ ضِدِّها وتَوَعُّدِ المُتَّصِفِينَ بِهِ وتَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَدْعِي لِلْخَشْيَةِ عَلى ما نَقُولُ أوْ بَعْدَ بَيانِ اِخْتِلافِ طَبَقاتِ النّاسِ وتَبايُنِ مَراتِبِهِمْ، إمّا في الأوْصافِ المَعْنَوِيَّةِ فَبِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ وإمّا في الأوْصافِ الصُّورِيَّةِ فَبِطْرِيقِ التَّصْرِيحِ تَوْفِيَةً لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حَقَّها اللّائِقَ بِها مِنَ البَيانِ، وقِيلَ ﴿كَذَلِكَ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما بُيِّنَ ولُخِّصَ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ﴾ إلخ وسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ مِن بابِ العَرَبِ لا تَخْفِرُ الذِّمَمَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي الخَشْيَةَ ويُناسِبُها، وهو تَخَلُّصٌ إلى ذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى مَعَ إفادَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ نَفَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ وأنَّ لَكَ بِهِمْ غُنْيَةٌ عَنْ هَؤُلاءِ المُصِرِّينَ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والرَّفْعُ أظْهَرُ لِيَكُونَ مِن فَصْلِ الخِطابِ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ خارِجًا مَخْرَجَ السَّبَبِ، أيْ كَذَلِكَ الِاعْتِبارُ والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى واخْتِلافِ ألْوانِها يَخْشى اللَّهَ العُلَماءُ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ إنَّما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وبِأنَّ الوَقْفَ عَلى كَذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ الأداءِ جَمِيعًا، وارْتَضاهُ الخَفاجِيُّ وقالَ: وبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ كَما بُيِّنَ ولُخِّصَ عَلى أنَّهُ تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى عَمَلُ ما بَعْدَ إنَّما فِيما قَبْلَها وإجْماعُ أهْلِ الأداءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ﴿كَذَلِكَ﴾ إنْ سُلِّمَ لا يَظْهَرُ بِهِ ضَعْفُ ذَلِكَ، وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ ما يُشْعِرُ بِتَعَلُّقِ ﴿كَذَلِكَ﴾ بِما بَعْدَهُ.
أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ كَما اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأنْعامُ تَخْتَلِفُ النّاسُ في خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ والأظْهَرُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وما قِيلَ أدَقُّ وألْطَفُ.
والمُرادُ بِالعُلَماءِ العالِمُونَ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما يَلِيقُ بِهِ مِن صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الحَمِيدَةِ وسائِرِ شُؤُونِهِ الجَمِيلَةِ لا العارِفُونَ بِالنَّحْوِ والصَّرْفِ مَثَلًا، فَمَدارُ الخَشْيَةِ ذَلِكَ العِلْمُ لا هَذِهِ المَعْرِفَةُ فَكُلُّ مَن كانَ أعْلَمَ بِهِ تَعالى كانَ أخْشى.
رَوى الدّارِمِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يا رَبِّ أيُّ عِبادِكَ أحْكَمُ؟ قالَ الَّذِي يَحْكُمُ لِلنّاسِ كَما يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، قالَ: يا رَبِّ أيُّ عِبادِكَ أغْنى؟ قالَ: أرْضاهم بِما قَسَّمْتُ لَهُ، قالَ: يا رَبِّ أيْ عِبادِكَ أخْشى؟ قالَ: أعْلَمَهم بِي، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««أنا أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ»».
ولِكَوْنِهِ المَدارَ ذُكِرَتِ الخَشْيَةُ بَعْدَ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، ولِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَسَّرَ اِبْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ ﴿العُلَماءُ﴾ في الآيَةِ بِاَلَّذِينِ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الخاشِينَ والإخْبارُ بِأنَّهُمُ العُلَماءُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ المَخْشِيِّ والإخْبارَ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ [اَلْأحْزابِ: 39] والمَقامُ لا يَقْتَضِيهِ بَلْ يَقْتَضِي الأوَّلَ لِيَكُونَ تَعْرِيضًا بِالمُنْذِرِينَ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ وأنَّهم جُهَلاءُ بِاَللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ ولِذَلِكَ لا يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى ولا يَخافُونَ عِقابَهُ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم إفادَةَ ( إنَّما ) هُنا لِلْحَصْرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قُرِآ «إنَّما يَخْشى اللَّهُ» بِالرَّفْعِ «اَلْعُلَماءَ» بِالنَّصْبِ وطَعَنَ صاحِبُ النَّشْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ:
صفحة 192
لَعَلَّها لا تَصِحُّ عَنْهُما، وقَدْ رَأيْنا كُتُبًا في الشَّواذِّ ولَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ القِراءَةَ وإنَّما ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ وذَكَرَها عَنْ أبِي حَيْوَةَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُنادَةَ في كِتابِهِ الكامِلِ وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ التَّعْظِيمِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ فَإنَّ المُعَظَّمَ يَكُونُ مَهِيبًا، وقِيلَ الخَشْيَةُ تَرِدُ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ كَقَوْلِهِ:
خَشِيتُ بَنِي عَمِّي فَلَمْ أرَ مِثْلَهُمْ
﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِأنَّ العِزَّةَ دالَّةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ، ولا يُوصَفُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إلّا القادِرُ عَلى العُقُوبَةِ، وقِيلَ ذُكِرَ ( غَفُورٌ ) مِن بابِ التَّكْمِيلِ نَظِيرَ ما في بَيْتِ الغَنَوِيِّ المَذْكُورِ آنِفًا.
والآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ حَتّى عُرِفَتْ فِيهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ حَتّى صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا كَما يُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ المُضارِعِ ووُقُوعُهُ صِلَةً واخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ القُرْآنُ فَقَدْ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في حُصَيْنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ القُرَشِيِّ، ثُمَّ إنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَلِذا قالَ السُّدِّيُّ في التّالِينَ: هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ أيْ عامَّةً وهو الأرْجَحُ، ويَدْخُلُ الأصْحابُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: مَعْنى يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يَتَّبِعُونَهُ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ يَتْلُو مِن تَلاهُ إذا تَبِعَهُ أوْ حَمَلَ التِّلاوَةَ المَعْرُوفَةَ عَلى العَمَلِ لِأنَّها لَيْسَ فِيها كَثِيرُ نَفْعٍ دُونَهُ، وقَدْ ورَدَ: ««رُبَّ قارِئٍ لِلْقُرْآنِ والقُرْآنُ يَلْعَنَهُ»».
ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِاخْتِيارِ المَعْنى المُتَبادَرِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الخَشْيَةَ وهي عَمَلُ القَلْبِ ذَكَرَ بَعْدَها عِلْمَ اللِّسانِ والجَوارِحِ والعِبادَةِ المالِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى جِنْسُ كُتُبِهِ عَزَّ وجَلَّ الصّادِقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اِقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلخ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبَيانِ ما لَهم حَثُّ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى اِتِّباعِهِمْ وأنْ يَفْعَلُوا نَحْوَ ما فَعَلُوا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْجَهُ كَما لا يَخْفى، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
فاطر 35:29
﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ أيْ مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ أوْ في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والمُرادُ يُنْفِقُونَ كَيْفَما اِتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما، وقِيلَ السِّرُّ في الإنْفاقِ المَسْنُونِ والعَلانِيَةُ في الإنْفاقِ المَفْرُوضِ، وفي كَوْنِ الإنْفاقِ مِمّا رُزِقُوا إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَبْسُطُوا أيْدِيَهم كُلَّ البَسْطِ، ومَقامُ التَّمَدُّحِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم تَحَرَّوُا الحَلالَ الطَّيِّبَ، وقِيلَ جِيءَ بِمِن لِذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ يَخُصُّونَ الرِّزْقَ بِالحَلالِ وهو أنْسَبُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، ومَن لا يَخُصُّهُ بِالحَلالِ يَقُولُ هو التَّعْظِيمُ والحَثُّ عَلى الإنْفاقِ.
﴿يَرْجُونَ﴾ بِما آتَوْا مِنَ الطّاعاتِ ﴿تِجارَةً﴾ أيْ مُعامَلَةً مَعَ اللَّهِ تَعالى لِنَيْلِ رِبْحِ الثَّوابِ عَلى أنَّ التِّجارَةَ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أيْ لَنْ تَكْسُدَ، وقِيلَ لَنْ تَهْلَكَ بِالخُسْرانِ صِفَةُ تِجارَةٍ وتَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ، وجُمْلَةُ ﴿يَرْجُونَ﴾ إلخ عَلى ما قالَ الفَّرّاءُ وأبُو البَقاءِ خَبَرُ إنَّ، وفي إخْبارِهِ تَعالى عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَقْطَعُونَ بِنِفاقِ تِجارَتِهِمْ بَلْ يَأْتُونَ ما آتَوْا مِنَ الطّاعاتِ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التِّجارَةَ مَجازًا عَنْ تَحْصِيلِ الثَّوابِ بِالطّاعَةِ وأمْرُ التَّرْشِيحِ عَلى حالِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو السُّعُودِ، ثُمَّ قالَ: والإخْبارُ بِرَجائِهِمْ مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ عِدَّةٌ
صفحة 193
قَطْعِيَّةٌ بِحُصُولِ مَرْجُوِّهِمْ.
وظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن تَفْسِيرِهِ التِّجارَةَ بِالجَنَّةِ أنَّها مَجازٌ عَنِ الرِّبْحِ، وفَسَّرَ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ بِلَنْ تَبِيدَ وهو كَما تَرى.
فاطر 35:30
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ بَعْضٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ لَنْ تُعَلَّقَ ( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [اَلْقَلَمِ: 2] بِما دَلَّ عَلَيْهِ (ما) لا بِالحَرْفِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الجارُّ بِهِ عَلى المَشْهُورِ أيْ يَنْتَفِي الكَسادُ عَنْها وتُنْفَقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِيُوَفِّيَهم أُجُورَ أعْمالِهِمْ.
﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَشاءُ، وعَنْ أبِي وائِلٍ زِيادَتُهُ تَعالى إيّاهم بِتَشْفِيعِهِمْ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِتَفْسِيحِ القُلُوبِ، وفي الحَدِيثِ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ، وقِيلَ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ تَعالى الكَرِيمِ.
والظّاهِرُ أنَّ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ راجِعٌ لِما عِنْدَهُ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَوْفِيَةَ أُجُورِهِمْ كالواجِبِ لِكَوْنِهِ جَزاءً لَهم بِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِما أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ وهو ما عُدَّ مِن أفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم الخ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ عَلى التَّنازُعِ، وصَنِيعُ أبِي البَقاءِ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ بِ (يَرْجُونَ) وجَعْلِ اللّامِ عَلَيْهِ لامَ الصَّيْرُورَةِ، ويُعَقَّبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن جَعْلِها لامَ العِلَّةِ كَما هو الشّائِعُ الكَثِيرُ ولا يَظْهَرُ لِلْعُدُولِ عَنْهُ وجْهٌ.
ووَجَّهَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِأنَّ غَرَضَهم فِيما فَعَلُوا لَمْ يَكُنْ سِوى تِجارَةٍ غَيْرِ كاسِدَةٍ لِأنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ هُنا عِلَّةٌ وإيذانٌ بِتَحَقُّقِ الخَبَرِ، ولَمّا أدّى ذَلِكَ إلى أنْ وفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى أُجُورَهم أتى بِاللّامِ، وإنَّما لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ كاَلزَّمَخْشَرِيِّ لِأنَّ هَذِهِ اللّامَ لا تُوجَدُ إلّا فِيما يَتَرَتَّبُ الثّانِي الَّذِي هو مُدْخُولُها عَلى الأوَّلِ ولا يَكُونُ مَطْلُوبًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [اَلْقَصَصِ: 8].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ أيْ غَفُورٌ لِفُرُطاتِ المُطِيعِينَ شَكُورٌ لِطاعاتِهِمْ، أيْ مُجازِيهِمْ عَلَيْها أكْمَلَ الجَزاءِ فَيُوَفِّي هَؤُلاءِ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ بِتَقْدِيرِ العائِدِ وجُمْلَةُ ( يَرْجُونَ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( أنْفَقُوا ) بِناءً عَلى أنَّ القَيْدَ المُتَعَقَّبَ لِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَخْتَصُّ بِالأخِيرِ كَما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ عَلى أنَّ رَجاءَ التِّجارَةِ النّافِقَةِ أوْفَقُ بِالإنْفاقِ أوْ مِن مُقَدَّرٍ أيْ فَعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ راجِينَ.
واسْتَظْهَرَهُ الطِّيبِيُّ، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضَةٌ فَلا يَرِدُ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ بِأجْنَبِيٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ ) عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، ولَمْ يَشْتَهِرِ التَّنازُعُ في الحالِ وأنا لا أرى فِيهِ بَأْسًا، واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ جَعْلَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ ( أنْفَقُوا ) لِقُرْبِهِ وشَدَّةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ الإنْفاقِ ورَجاءِ تِجارَةٍ لَها نِفاقٌ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَدْ حُذِفَ فِيما تَقَدَّمَ نَظِيرُها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ، وجَعْلَ ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ مُتَنازِعًا فِيهِ لِلْأفْعالِ الثَّلاثَةِ المُتَعاطِفَةِ أوْ جَعْلَ الجُمْلَةِ حالًا مِن مُقَدَّرٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا ﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِ (يَرْجُونَ)، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والرَّبْطُ مَحْذُوفٌ، وفي جُمْلَةِ ﴿يَرْجُونَ﴾ إلخ اِحْتِمالُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولَوْ عَلى بُعْدٍ ولَمْ أرَ مَن أشارَ إلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ.
فاطر 35:31
﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ وهو القُرْآنُ، ومِن لِلتَّبْيِينِ إذِ القُرْآنُ أخَصُّ مِنَ الَّذِي أوْحَيْنا مَفْهُومًا وإنِ اِتَّحَدا ذاتًا أوْ، جِنْسُ الكِتابِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ إذِ المُرادُ مِن ( الَّذِي أوْحَيْنا ) هو القُرْآنُ وهو بَعْضُ جِنْسِ الكِتابِ، وقِيلَ هو اللَّوْحُ ومِن لِلِابْتِداءِ.
﴿هُوَ الحَقُّ﴾ إذا كانَ المُرادُ الحَصْرَ فَهو مِن قَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ
صفحة 194
لا العَكْسُ لِعَدَمِ اِسْتِقامَةِ المَعْنى إلّا أنْ يُقْصَدَ المُبالَغَةَ، قالَهُ الخَفاجِيُّ، والمُتَبادِرُ الشّائِعُ في أمْثالِهِ قَصْرُ المُسْنَدُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو هاهُنا إنْ لَمْ تُقْصَدِ المُبالَغَةُ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَفْتَرِيهِ أهْلُ الكِتابِ ويَنْسُبُونَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ونَصْبُ ﴿مُصَدِّقًا﴾ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ أيْ أُحَقِّقُهُ مُصَدِّقًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَسْتَلْزِمُ مُوافَقَتَهُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ بِالزَّمانِ في العَقائِدِ وأُصُولِ الأحْكامِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مُحِيطٌ بِبَواطِنِ أُمُورِهِمْ وظَواهِرِها فَلَوْ كانَ في أحْوالِكَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ لَمْ يُوحَ إلَيْكَ مِثْلُ هَذا الحَقِّ المُعْجِزِ الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وتَقْدِيمُ ﴿لَخَبِيرٌ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي الأُمُورُ الرُّوحانِيَّةُ، وإلى ذَلِكَ أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أعْمالِكم وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ»».
فاطر 35:32
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، والعَطْفُ قِيلَ عَلى ( الَّذِي أوْحَيْنا ) وقِيلَ عَلى ( أوْحَيْنا ) بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، واسْتُظْهِرَ ذَلِكَ بِالقُرْبِ وتَوافُقِ الجُمْلَتَيْنِ، أيْ ثُمَّ أعْطَيْناهُ مِن غَيْرِ كَدٍّ وتَعَبٍ في طَلَبِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وهم كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى اِصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ وجَعَلَهم أُمَّةً وسَطًا لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وخَصَّهم بِالِانْتِماءِ إلى أكْرَمِ رُسُلِهِ وأفْضَلِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ إيحاءَ الكِتابِ إلَيْهِ ﷺ أشْرَفُ مِنَ الإيراثِ المَذْكُورِ كَأنَّهُ كالعِلَّةِ لَهُ، وبِهِ تَحَقَّقَتْ نُبُوَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي هي مَنبَعُ كُلِّ خَيْرٍ ولَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ إذْ زَمانُ إيحائِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو زَمانُ إيراثِهِ، وإعْطاؤُهُ أُمَّتَهُ بِمَعْنى تَخْصِيصِهِ بِهِمْ وجَعْلِهِ كِتابَهُمُ الَّذِي إلَيْهِ يَرْجِعُونَ وبِالعَمَلِ بِما فِيهِ يَنْتَفِعُونَ، وإذا أُرِيدَ بِإيراثِهِ إيّاهم إيراثُهُ مِنهُ ﷺ وجَعْلُهم مُنْتَفِعِينَ بِهِ فاهِمِينَ ما فِيهِ بِالذّاتِ كالعُلَماءِ أوْ بِالواسِطَةِ كَغَيْرِهِمْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهي لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ حَكَمْنا بِإيراثِهِ وقَدَّرْناهُ عَلى أنَّهُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ فَتَكُونُ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وإلّا فَزَمانُ الحُكْمِ سابِقٌ عَلى زَمانِ الإيحاءِ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَلَيْهِ ظاهِرٌ.
وفِي شَرْحِ الرَّضِيِّ أنَّ ثُمَّ قَدْ تَجِيءُ في عَطْفِ الجُمَلِ خاصَّةً لِاسْتِبْعادِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَنْ مَضْمُونِ ما قَبْلَها وعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ) [هُودٍ: 3، 90] فَإنَّ بَيْنَ تَوْبَةِ العِبادِ وهي اِنْقِطاعُ العَبْدِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ وبَيْنَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بَوْنًا بَعِيدًا، وهَذا المَعْنى فَرْعُ التَّراخِي ومَجازُهُ اه.
وابْنُ الشَّيْخِ جَعَلَ ما هُنا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا﴾ إلخ مُتَّصِلًا بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 119] ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطِرٍ: 24] والمُرادُ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ بَعْدَهُمُ الَّذِينَ اِصْطَفَيْناهم مِنَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، والكِتابُ القُرْآنُ كَما قِيلَ.
﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [اَلشُّعَراءِ: 196] وقِيلَ لا يُحْتاجُ إلى اِعْتِبارِ ذَلِكَ ويُجْعَلُ المَعْنى ثُمَّ أخَّرْنا القُرْآنَ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ إرْسالَهُ في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا وعَقَّبَهُ بِما يُنْبِئُ أنَّ تِلْكَ الأُمَمَ تَفَرَّقَتْ حِزْبَيْنِ، حِزْبٌ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما أُنْزِلَ مَعَهم وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ [فاطِرٍ: 25] وحِزْبٌ صَدَّقُوهم وتَلَوْا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعَمِلُوا بِمُقْتَضاهُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 195
﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ إلخ وبَعْدَ أنْ أثْنى سُبْحانَهُ عَلى التّالِينَ لِكُتُبِهِ العامِلِينَ بِشَرائِعِهِ مِن بَيْنِ المُكَذِّبِينَ بِها مِن سائِرِ الأُمَمِ جاءَ بِما يَخْتَصُّ بِرَسُولِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ إلخ اِسْتِطْرادًا مُعْتَرِضًا ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإيراثِهِ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ هَذِهِ الأُمَّةَ بَعْدَ إعْطاءِ تِلْكَ الأُمَمِ الزُّبُرَ والكِتابَ المُنِيرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى في ﴿أوْرَثْنا﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ أوْ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ إيذانًا بِفَضْلِ هَذا الكِتابِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وفَضْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وفي هَذا الوَجْهِ حَمْلُ الكِتابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ عَلى الجِنْسِ وجَعْلُ الآيَةِ ثَناءً عَلى الأُمَمِ المُصَدِّقِينَ بَعْدَ اِقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ مِنهُمْ، فَإنْ دُفِعَ ما فِيهِ فَهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ وإذا كانَ إيراثُ الكِتابِ سابِقًا عَلى تِلاوَتِهِ فالمَعْنى عَلى ظاهِرِهِ وثُمَّ لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ أوْ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ.
﴿والَّذِي أوْحَيْنا﴾ إلخ اِعْتِراضٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإيراثِ لِأنَّهُ إذا صَدَّقَها بِمُطابَقَتِهِ لَها في العَقائِدِ والأُصُولِ كانَ كَأنَّهُ هي وكَأنَّهُ اِنْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ، وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ عَلى هَذا وما قَبْلَهُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ، ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ القُرْآنِ هو الظّاهِرُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالمُصْطَفَيْنَ عُلَماءُ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِمْ وِإيراثُهُمُ القُرْآنَ جَعَلَهم فاهِمِينَ مَعْناهُ واقِفِينَ عَلى حَقائِقِهِ ودَقائِقِهِ أُمَناءَ عَلى أسْرارِهِ.
ورَوى الإمامِيَّةُ عَنِ الصّادِقِ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قالا: هي لَنا خاصَّةً وإيّانا عَنى، أرادا أنَّ أهْلَ البَيْتِ أوِ الأئِمَّةَ مِنهم هُمُ المُصْطَفَوْنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ، واخْتارَ هَذا الطَّبَرْسِيُّ الإمامِيُّ قالَ في تَفْسِيرِهِ (مَجْمَعِ البَيانِ): وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ لِأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِوَصْفِ الِاصْطِفاءِ والِاجْتِباءِ وإيراثِ عِلْمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ورُبَّما يُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي، لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»».
وحَمْلُهم عَلى عُلَماءِ الأُمَّةِ أوْلى مِن هَذا التَّخْصِيصِ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ عُلَماءُ أهْلِ البَيْتِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَفي بَيْتِهِمْ نَزَلَ الكِتابُ ولَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا الحَوْضَ يَوْمَ الحِسابِ، وإذا كانَتِ الإضافَةُ في ﴿عِبادِنا﴾ لِلتَّشْرِيفِ واخْتُصَّ العِبادُ بِمُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ وكانَتْ مِن لِلتَّبْعِيضِ كانَ حَمْلُ المُصْطَفَيْنَ عَلى العُلَماءِ كالمُتَعَيِّنِ.
وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اِخْتارَهُمُ اللَّهُ تَعالى وحَباهم رِسالَتَهُ وكُتُبَهُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَعْرِيفُ الكِتابِ لِلْجِنْسِ، والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ وثُمَّ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا عَمّا أُوتِيَهُ نَبِيُّنا ﷺ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلْأخْبارِ بِإيتائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكِتابَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِتَوْرِيثِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإيتائِهِمُ الكُتُبَ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ إيتاءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الكُتُبَ قَدْ عُلِمَ قَبْلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ [فاطِرٍ: 25] .
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُمُ المُصْطَفَوْنَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 33] وهو دُونُ ما قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ ﴿أوْرَثْنا﴾، والكِتابَ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ قُدِّمَ لِشَرَفِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ وعَدَمِ اللَّبْسِ، ومِن لِلْبَيانِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الفاءُ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلتَّعْلِيلِ كَما قِيلَ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ لِلْمَوْصُولِ، والظّالِمُ لِنَفْسِهِ مَن قَصَّرَ في العَمَلِ بِالكِتابِ وأسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ وهو صادِقٌ عَلى مَن ظَلَمَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ بِذَلِكَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، والمَشْهُورُ مُقابَلَتُهُ بِالظّالِمِ لِغَيْرِهِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.
﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ العَمَلِ بِهِ ومُخالَفَتِهِ فَيَعْمَلُ تارَةً ويُخالِفُ أُخْرى، وأصْلُ مَعْنى الِاقْتِصادِ التَّوَسُّطُ
صفحة 196
فِي الأمْرِ.
﴿ومِنهم سابِقٌ﴾ مُتَقَدِّمٌ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وجَنَّتِهِ ﴿بِالخَيْراتِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الخَيْراتِ أيِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: سابِقٌ عَلى الظّالِمِ لِنَفْسِهِ والمُقْتَصِدِ في الدَّرَجاتِ بِسَبَبِ الخَيْراتِ، وقِيلَ: أيْ مُحْرِزُ الفَضْلِ بِسَبَبِها ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عَزَّةِ مَنالِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ وصُعُوبَةِ مَأْخَذِها، وفُسِّرَ بِمَن غَلَبَتْ طاعَتُهُ مَعاصِيَهُ وكَثُرَ عَمَلُهُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، وما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ الثَّلاثَةِ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الحَسَنِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الظّالِمُ مَن خَفَّتْ حَسَناتُهُ والمُقْتَصِدُ مَنِ اِسْتَوَتْ والسّابِقُ مَن رَجَحَتْ.
ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ:
فَقالَ مُعاذٌ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ الَّذِي ماتَ عَلى كَبِيرَةٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، والمُقْتَصِدُ مَن ماتَ عَلى صَغِيرَةٍ ولَمْ يُصِبْ كَبِيرَةً لَمْ يَتُبْ مِنها، والسّابِقُ مَن ماتَ تائِبًا مِن كَبِيرَةٍ أوْ صَغِيرَةٍ أوْ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ العاصِي المُسْرِفُ، والمُقْتَصِدُ مُتَّقِي الكَبائِرِ، والسّابِقُ المُتَّقِي عَلى الإطْلاقِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ المُقَصِّرُ في العَمَلِ، والثّانِي العامِلُ بِالكِتابِ في أغْلَبِ الأوْقاتِ ولَمْ يَخْلُ عَنْ تَخْلِيطٍ، والثّالِثُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.
وقِيلَ: الأوَّلانِ كَما ذُكِرَ، والثّالِثُ المُداوِمُ عَلى إقامَةِ مَواجِبِ الكِتابِ عِلْمًا وعَمَلًا وتَعْلِيمًا، وقِيلَ: الأوَّلُ مَن أسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ والثّانِي مَن أسْلَمَ قَبْلَهُ والثّالِثُ مَن أسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وقِيلَ: هم مَن لا يُبالِي مِن أيْنَ يَنالُ، ومَن قُوتُهُ مِنَ الحَلالِ، ومَن يَكْتَفِي مِنَ الدُّنْيا بِالبَلاغِ.
وقِيلَ: مَن هَمُّهُ الدُّنْيا، ومَن هَمُّهُ العُقْبى، ومَن هَمُّهُ المَوْلى.
وقِيلَ: طالِبُ النَّجاةِ، وطالِبُ الدَّرَجاتِ، وطالِبُ المُناجاةِ.
وقِيلَ: تارِكُ الزَّلَّةِ، وتارِكُ الغَفْلَةِ، وتارِكُ العَلاقَةِ.
وقِيلَ: مَن شَغَلَهُ مَعاشُهُ عَنْ مَعادِهِ، ومَن شَغَلَهُ بِهِما، ومَن شَغَلَهُ مَعادُهُ عَنْ مَعاشِهِ.
وقِيلَ: مَن يَأْتِي بِالفَرائِضِ خَوْفًا مِنَ النّارِ، ومَن يَأْتِي بِها خَوْفًا مِنها ورِضًا واحْتِسابًا، ومَن يَأْتِي بِها رِضًا واحْتِسابًا فَقَطْ.
وقِيلَ: الغافِلُ عَنِ الوَقْتِ والجَماعَةِ، والمُحافِظُ عَلى الوَقْتِ دُونَ الجَماعَةِ، والمُحافِظُ عَلَيْهِما.
وقِيلَ: مَن غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ، ومَن تَساوَيا، ومَن غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ.
وقِيلَ: مَن لا يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ويَأْتِيهِ، ومَن يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ويَأْتِيهِ، ومَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَأْتِيهِ.
وقِيلَ: ذُو الجَوْرِ، وذُو العَدْلِ، وذُو الفَضْلِ.
وقِيلَ: ساكِنُ البادِيَةِ، والحاضِرَةِ، والمُجاهِدُ.
وقِيلَ: مَن كانَ ظاهِرُهُ خَيْرًا مِن باطِنِهِ، ومَنِ اِسْتَوى باطِنُهُ وظاهِرُهُ، ومَن باطِنُهُ خَيْرٌ مِن ظاهِرِهُ.
وقِيلَ: التّالِي لِلْقُرْآنِ غَيْرُ العالِمِ بِهِ ولا العامِلِ بِمُوجِبِهِ، والتّالِي العالِمُ غَيْرُ العامِلِ، والتّالِي العالِمُ العامِلُ.
وقِيلَ: الجاهِلُ، والمُتَعَلِّمُ، والعالِمُ.
وقِيلَ: مَن خالَفَ الأوامِرَ وارْتَكَبَ المَناهِيَ، ومَنِ اِجْتَهَدَ في أداءِ التَّكالِيفِ وإنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِذَلِكَ، ومَن لَمْ يُخالِفْ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى.
ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ مُيَسِّرِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنّا مَن لا يَعْرِفُ حَقَّ الإمامِ، والمُقْتَصِدُ العارِفُ بِحَقِّ الإمامِ، والسّابِقُ هو الإمامُ.
وعَنْ زِيادِ بْنِ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنّا مَن عَمِلَ صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، والمُقْتَصِدُ المُتَعَبِّدُ المُجْتَهِدُ، والسّابِقُ بِالخَيْراتِ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومَن قُتِلَ مِن آلِ مُحَمَّدٍ شَهِيدًا.
وقِيلَ: هُمُ المُوَحِّدُ بِلِسانِهِ الَّذِي تُخالِفُهُ جَوارِحُهُ، والمُوَحِّدُ الَّذِي يَمْنَعُ جَوارِحَهُ بِالتَّكْلِيفِ، والمُوَحِّدُ الَّذِي يُنْسِيهِ التَّوْحِيدُ غَيْرَ التَّوْحِيدِ.
وقِيلَ: مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِالشَّفاعَةِ، ومَن يَدْخُلُها بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ومَن يَدْخُلُها بِغَيْرِ حِسابٍ.
وقِيلَ: مَن أُوتِيَ كِتابَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.
وقِيلَ: الكافِرُ مُطْلَقًا، والفاسِقُ، والمُؤْمِنُ التَّقِيُّ.
وفِي مَعْناهُ ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والمُقْتَصِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ، والسّابِقُ بِالخَيْراتِ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ.
والظّاهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ ومَن قالَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ ( مِنهم ) لِلْعِبادِ لا لِلْمَوْصُولِ ولا شَكَّ
صفحة 197
أنَّ مِنهُمُ الكافِرَ وغَيْرَهُ، وكَوْنُ العِبادِ المُضافِ إلى اللَّهِ تَعالى مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا قُصِدَ بِالإضافَةِ التَّشْرِيفُ، والقَوْلُ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْمَوْصُولِ والتِزامِ كَوْنِ الِاصْطِفاءِ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ تَعَسُّفٌ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ في تَفْسِيرِ الثَّلاثَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ، وذَكَرَ في التَّحْرِيرِ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ قَوْلًا في ذَلِكَ، ومَن تَتَبَّعَ التَّفاسِيرَ وجَدَها أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لَكِنْ لا يَجِدُ في أكْثَرِها كَثِيرَ تَفاوُتٍ، واَلَّذِي يُعَضِّدُهُ مُعْظَمُ الرِّواياتِ والآثارِ أنَّ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلى تَفْسِيرِ الظّالِمِ بِالكافِرِ إلّا بِتَأْوِيلِ كافِرِ النِّعْمَةِ وإرادَةِ العاصِي مِنهُ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ إلى ﴿بِالخَيْراتِ﴾ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ وكُلُّهم في الجَنَّةِ». وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكُلُّهم إلخ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في البَعْثِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وكُلُّهم في الجَنَّةِ»».
وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ««سابِقُنا سابِقٌ ومُقْتَصَدُنا ناجٍ وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ»».
وأخْرَجَ العُقَيْلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَأمّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الَّذِينَ اِقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ في طُولِ المَحْشَرِ ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبُ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ»» الآيَةَ.
قالَ البَيْهَقِيُّ: إذا كَثُرَتِ الرِّواياتُ في حَدِيثٍ ظَهَرَ أنَّ لِلْحَدِيثِ أصْلًا، والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ.
وقُدِّمَ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ وعُقِّبَ بِالمُقْتَصِدِ لِقِلَّةِ المُقْتَصِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وأُخِّرَ السّابِقُ لِأنَّ السّابِقِينَ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ عَلى مَقاماتِ النّاسِ فَإنَّ أحْوالَ العِبادِ ثَلاثٌ؛ مَعْصِيَةٌ ثُمَّ تَوْبَةٌ ثُمَّ قُرْبَةٌ، فَإذا عَصى العَبْدُ فَهو ظالِمٌ فَإذا تابَ فَهو مُقْتَصِدٌ فَإذا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ وكَثُرَتْ مُجاهَدَتُهُ فَهو سابِقٌ، وقِيلَ: قُدِّمَ الظّالِمُ لِئَلّا يَيْأسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وأُخِّرَ السّابِقُ لِئَلّا يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ فَتَعَيَّنَ تَوْسِيطُ المُقْتَصِدِ، وقالَ قُطْبُ الدِّينِ: النُّكْتَةُ في تَقْدِيمِ الظّالِمِ أنَّهُ أقْرَبُ الثَّلاثَةِ إلى بِدايَةِ حالِ العَبْدِ قَبْلَ اِصْطِفائِهِ بِإيراثِ الكِتابِ فَإذا باشَرَهُ الِاصْطِفاءُ فَمِنَ العِبادِ مَن يَتَأثَّرُ قَلِيلًا وهو الظّالِمُ لِنَفْسِهِ ومِنهم مَن يَتَأثَّرُ تَأثُّرًا وسَطًا وهو المُقْتَصِدُ ومِنهم مَن يَتَأثَّرُ تَأثُّرًا تامًّا وهو السّابِقُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ الِاصْطِفاءَ مُشَكَّكٌ تَتَفاوَتُ مَراتِبُهُ وأوَّلُها ما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ وفَوْقَهُ ما يَكُونُ لِلْمُقْتَصِدِ وفَوْقَ الفَوْقِ ما يَكُونُ لِلسّابِقِ بِالخَيْراتِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ كالتَّرَقِّي في المَراتِبِ، وقِيلَ: أُخِّرَ السّابِقُ لِتَعَدُّدِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَوْ قُدِّمَ أوْ وُسِّطَ لِبُعْدٍ في الجُمْلَةِ ما بَيْنَ الأقْسامِ المُتَعاطِفَةِ ولَمّا كانَ الِاقْتِصادُ كالنِّسْبَةِ بَيْنَ الظُّلْمِ والسَّبْقِ اِقْتَضى ذَلِكَ تَقْدِيمَ الظّالِمِ وتَأْخِيرَ المُقْتَصِدِ لِيَكُونَ المُقْتَصِدُ بَيْنَ الظّالِمِ والسّابِقِ لَفْظًا كَما هو بَيْنَهُما مَعْنًى.
وقَدْ يُقالُ: رُتِّبَ هَذِهِ الثَّلاثَةُ هَذا التَّرْتِيبَ لِيُوافِقَ حالُهم في الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الجَنّاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ الآيَةَ - حالَهم في الحَشْرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الوَعْدِ فَأُخِّرَ السّابِقُ الدّاخِلُ في الجِنانِ أوَّلًا لِيَتَّصِلَ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ الجَنّاتِ المَوْعُودِ بِها، وذُكِرَ قَبْلَهُ المُقْتَصِدُ
صفحة 198
وجُعِلَ السّابِقُ فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنّاتِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُها بَعْدَهُ فَيَكُونُ فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَها في الدُّخُولِ، وذُكِرَ قَبْلَهُما الظّالِمُ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُها ويَتَّصِلُ بِها بَعْدَ دُخُولِهِما، فَتَأْخِيرُ السّابِقِ في المَعْنى تَقْدِيمٌ، وتَقْدِيمُ الظّالِمِ في المَعْنى تَأْخِيرٌ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ أوْجُهًا أُخْرى تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعُمَرُ بْنُ أبِي شُجاعٍ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ والقَزّازُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «سَبّاقٌ» بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإيراثِ والِاصْطِفاءِ ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا دَخْلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ.
فاطر 35:33
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ وهارُونَ عَنْ عاصِمٍ «جَنّاتِ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ أيْ يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، واحْتِمالُ جَرِّهِ بَدَلًا مِنَ الخَيْراتِ بِعِيدٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِأجْنَبِيٍّ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا أوْ لِلثَّلاثَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى السَّبْقِ بِالخَيْراتِ و﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي هو السَّبْقُ، ولَمّا كانَ السَّبْقُ بِالخَيْراتِ سَبَبًا لِنَيْلِ الثَّوابِ جُعِلَ نَفْسُ الثَّوابِ إقامَةً لِلسَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلسّابِقِ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، فَخُصَّ الوَعْدُ بِالقِسْمِ الأخِيرِ مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، وهو عَلى ما سَمِعْتَ لِلْأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ هو الأظْهَرُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِيُطابِقَهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ ولِيُناسِبَ حَدِيثَ التَّعْظِيمِ والِاخْتِصاصَ المُدْمَجَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ وإلّا فَأيُّ تَعْظِيمٍ في ذَلِكَ الذِّكْرِ بَعْدَ أنْ لَزِمَ أكْثَرُ المُصْطَفَيْنَ في قِرْنِ الكافِرِينَ ولِيُناسِبَ ذِكْرُ الغَفُورِ بَعْدَ حالِ الظّالِمِ والمُقْتَصِدِ والشَّكُورِ حالَ السّابِقِ، ولِتَعَسُّفِ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإعْرابِ وبُعْدِهِ عَنِ الذَّوْقِ وكَيْفَ لا يَكُونُ الأظْهَرَ وقَدْ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ أفْضَلُ الرُّسُلِ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الكِتابُ المُبِينُ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أصْحابِهِ الفِخامِ ونُجُومِ الهِدايَةِ بَيْنَ الأنامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعَدَّ مِنهم في البَحْرِ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنَ مَسْعُودٍ وأبا الدَّرْداءِ وأبا سَعِيدٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ قَرَأ الآيَةَ: أشْهَدُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ جَمِيعًا، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ إلى ﴿لُغُوبٌ﴾ فَقالَ دَخَلُوها ورَبِّ الكَعْبَةِ، وفي لَفْظٍ: كُلُّهم في الجَنَّةِ، ألا تَرى عَلى أثَرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ نَعَمْ إنْ أُرِيدَ بِالظّالِمِ لِنَفَسِهِ الكافِرُ يَتَعَذَّرُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى ما ذُكِرَ ويَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ إلى السّابِقِ وإلَيْهِ وإلى المُقْتَصِدِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِما الجِنْسُ لَكِنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بَعْدَ هاتِيكَ الأخْبارِ.
وقَرَأ زَرُّ بْنُ حُبَيْشٍ والزُّهْرِيُّ «جَنَّةُ عَدْنٍ» بِالأفْرادِ والرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يُدْخَلُونَها» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِجَنّاتٍ أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِقُرْبِ الوُقُوعِ بَعْدَ الدُّخُولِ تُعَدُّ مُقارَنَةً، وقُرِئَ «يَحْلُوْنَ» بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ إذا لَبِسَتِ الحُلِيَّ، ويُقالُ جِيدٌ حالٍ إذا كانَ عَلَيْهِ الحُلِيُّ.
﴿مِن أساوِرَ﴾ جَمْعُ سِوارٍ عَلى ما في الإرْشادِ، وفي القامُوسِ السِّوارُ كَكِتابٍ وغُرابٍ القَلْبُ كالأسْوارِ بِالضَّمِّ جَمْعُهُ أسْوِرَةٌ وأساوِرُ وأساوِرَةُ وسُورٌ وسُؤُورٌ اه، وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى جَمْعِ الجَمْعِ كَثِيرٌ فَلا مُخالَفَةَ، وسِوارُ المَرْأةِ مُعَرَّبٌ كَما قالَ الرّاغِبُ وأصْلُهُ دستواره، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ يُحَلَّوْنَ بَعْضَ أساوِرَ كَأنَّهُ بَعْضٌ لَهُ اِمْتِيازٌ وتَفَوُّقٌ عَلى سائِرِ الأبْعاضِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ لِما أنَّ ذِكْرَ التَّحْلِيَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الحُلِيِّ المُبْهَمِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ بِناءً عَلى ما يَرى الأخْفَشُ مِن جَوازِ زِيادَتِها في الإثْباتِ، وقِيلَ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ وأنَّهُ بِمَعْنى يَلْبَسُونَ ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ذَهَبٍ﴾
صفحة 199
بَيانِيَّةٌ ﴿ولُؤْلُؤًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن أساوِرَ﴾ أيْ ويُحَلَّوْنَ فِيها لُؤْلُؤًا.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا الآيَةَ فَقالَ: إنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجانَ إنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ مِنها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ».
وقِيلَ: عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أيْ ويُؤْتَوْنَ لُؤْلُؤًا.
وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ «لُؤْلُؤٍ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ذَهَبٍ﴾ أيْ يُحَلَّوْنَ فِيها بَعْضَ أساوِرَ مِن مَجْمُوعِ ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ بِأنْ تُنَظَّمَ حَبّاتِ ذَهَبٍ مَعَ حَبّاتِ لُؤْلُؤٍ ويُتَّخَذَ مِن ذَلِكَ سِوارٌ كَما هو مَعْهُودٌ اليَوْمَ في بِلادِنا أوْ بِأنْ يُرَصَّعَ الذَّهَبُ بِاللُّؤْلُؤِ كَما يُرَصَّعُ بِبَعْضِ الأحْجارِ، وقِيلَ: أيْ مِن ذَهَبٍ في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ، وفِيهِ ما فِيهِ مِنَ الكَدَرِ.
ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِأنَّهُ لا اِشْتِراكَ بَيْنَ ذَهَبِ الدُّنْيا ولُؤْلُؤِها وذَهَبِ الآخِرَةِ ولُؤْلُؤِها إلّا بِالِاسْمِ لا يَلْتَزِمُ النَّظْمَ ولا التَّرْصِيعَ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ «لُؤْلُؤًا» بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ الأُولى.
﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ إبْرَيْسِمٌ مَحْضٌ كَما في (مَجْمَعِ البَيانِ)، وقالَ الرّاغِبُ: مارِقٌ مِنَ الثِّيابِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ويَلْبَسُونَ فِيها حَرِيرًا قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ اللِّباسِ لَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ عَراؤُهم عَنْهُ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ أنْ لِباسَهم ماذا بِخِلافِ الأساوِرِ واللُّؤْلُؤِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اللَّوازِمِ الضَّرُورِيَّةِ، ولِذا لا يَلْزَمُ العَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجاتِ فِيها، فَجُعِلَ بَيانُ تَحْلِيَتِهِمْ مَقْصُورًا بِالذّاتِ، ولَعَلَّ هَذا هو الباعِثُ عَلى تَقْدِيمِ التَّحْلِيَةِ عَلى بَيانِ حالِ اللِّباسِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمِ المُعْتادَةُ مَعَ المُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ، ولَيْسَ بِذاكَ.
فاطر 35:34
﴿وقالُوا﴾ أيْ ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ حَزَنَ تَقَلُّبِ القَلْبِ وخَوْفِ العاقِبَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: حَزَنُ أهْوالِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ مِن ظُلْمِ نَفْسِهِ هُنالِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: حَزَنُ المَوْتِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا ذَبَحَ المَوْتُ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَزَنُ الِانْتِقالِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا اِسْتَقَرُّوا فِيها، وقالَ قَتادَةُ: حَزَنُ أنْ لا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَوْفُ الشَّيْطانِ، وقالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: حَزَنُ مَعِيشَةِ الدُّنْيا الخُبْزِ ونَحْوِهِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ الآفاتِ والأعْراضِ، وقِيلَ: حَزَنُ كِراءِ الدّارِ، والأوْلى أنْ يُرادَ جِنْسُ الحَزَنِ المُنْتَظِمِ لِجَمِيعِ أحْزانِ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ ما سَمِعْتَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ: «إنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ» أيْ بَعْدَ أنْ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ الخ، فَلا تَغْفُلْ.
وقُرِئَ «اَلْحُزْنَ» بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، ذَكَرَهُ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ.
﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ لِلْمُذْنِبِينَ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْمُطِيعِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: غَفَرَ لَنا العَظِيمَ مِن ذُنُوبِنا وشَكَرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ الشَّكُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كَثِيرُو الحَسَناتِ، وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: وذِكْرُ الغَفُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كَثِيرُو الفُرُطاتِ، فَيَنْطَبِقُ عَلى الفَرْقِ ولا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، ولَكِنْ مَنعَهُ المَذْهَبُ
فاطر 35:35
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ الَّتِي لا اِنْتِقالَ عَنْها أبَدًا وهي الجَنَّةُ.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن إنْعامِهِ سُبْحانَهُ وتَفَضُّلِهِ وكَرَمِهِ، فَإنَّ العَمَلَ وإنْ كانَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ لَكِنَّ سَبَبِيَّتَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا إذْ لَيْسَ هُناكَ اِسْتِحْقاقٌ ذاتِيٌّ، ومَن عَلِمَ أنَّ العَمَلَ مُتَناهٍ زائِلٌ وثَوابَ الجَنَّةِ دائِمٌ لا يَزُولُ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أحَلَّ مَن أحَلَّ دارَ الإقامَةِ إلّا مِن مَحْضِ فَضْلِهِ سُبْحانَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِن إعْطائِهِ تَعالى وإفْضالِهِ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ فُضُولٌ عَلى قَوْمِهِ
صفحة 200
وفَواضِلُ، ولَيْسَ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي هو التَّفَضُّلُ لِأنَّ الثَّوابَ بِمَنزِلَةِ الأجْرِ المُسْتَحَقِّ، والتَّفَضُّلُ كالتَّبَرُّعِ وفِيهِ مِنَ الِاعْتِزالِ ما فِيهِ.
﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ كَلالٌ وفُتُورٌ وهو نَتِيجَةُ النَّصَبِ، وضَمُّهُ إلَيْهِ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ اِنْتِفاءِ كُلٍّ مِنهُما، كَذا قالَ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: النَّصَبُ التَّعَبُ الجُسْمانِيُّ واللُّغُوبُ التَّعَبُ النَّفْسانِيُّ، وأخْرُجُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَسَّرَ النَّصَبَ بِالوَجَعِ والكَلامُ مِن بابِ:
لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
والجُمْلَةُ حالٌ مِن أحَدِ مَفْعُولَيْ أحَلَّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسَّلَمِيُّ «لَغُوبٌ» بِفَتْحِ اللّامِ، قالَ الفَرّاءُ: هو ما يُغَبُّ بِهِ كالفَطُورِ والسَّحُورِ، وجازَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ لَغُوبٍ نَحْوَ شِعْرِ شاعِرٍ، كَأنَّهُ وصَفَ اللَّغُوبَ بِأنَّهُ قَدْ لَغَبَ أيْ أُعْيِيَ وتَعِبَ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً لِمُضْمَرٍ أيْ أمْرٌ لَغُوبٌ.
فاطر 35:36
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ لِيَسْتَرِيحُوا بِذَلِكَ مِن عَذابِها بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما فُسِّرَ لا يُقْضى بِما ذُكِرَ دُونَ لا يَمُوتُونَ لِئَلّا يَلْغُوا فَيَمُوتُوا، ويُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِهِ بِ يَسْتَرِيحُوا.
ونَصْبُ يَمُوتُوا في جَوابِ النَّفْيِ بِإضْمارِ أنْ، والمُرادُ اِنْتِفاءُ المُسَبَّبِ لِانْتِفاءِ السَّبَبِ أيْ ما يَكُونُ حُكْمٌ بِالمَوْتِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَوْتُ.
وقَرَأ عِيسى والحَسَنُ «فَيَمُوتُونَ» بِالنُّونِ عَطْفًا كَما قالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ عَلى ﴿يُقْضى﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أيْ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ولا يَمُوتُونَ ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ المَعْهُودِ لَهم بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارُها، والمُرادُ دَوامُ العَذابِ فَلا يُنافِي تَعْذِيبَهم بِالزَّمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ، ونائِبُ فاعِلِ يُخَفَّفُ ﴿عَنْهُمْ﴾ و﴿مِن عَذابِها﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ويَجُوزُ العَكْسُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً فَيَتَعَيَّنُ رَفْعُ مَجْرُورِها عَلى أنَّهُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولا يُخَفَّفْ» بِإسْكانِ الفاءِ، شَبَّهَ المُنْفَصِلَ بِالمُتَّصِلِ كَقَوْلِهِ:
فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ أوِ الكُفْرانِ لا جَزاءَ أخَفُّ وأدْنى مِنهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو حاتِمٍ عَنِ نافِعٍ «يُجْزى» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و«كُلُّ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وقُرِئَ «نُجازِي» بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ.
فاطر 35:37
﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ اِفْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ وهو شَدَّةُ الصِّياحِ والأصْلُ يَصْتَرِخُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يَصِيحُ غالِبًا، وبِهِ فَسَّرَهُ هُنا قَتادَةُ فَقالَ: يَسْتَغِيثُونَ فِيها، واسْتِغاثَتُهم بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وقِيلَ بِبَعْضِهِمْ لِحَيْرَتِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ ويَقُولُونَ بِالعَطْفِ أوْ يَقُولُونَ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ أوْ قائِلِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِهِ والأشْعارِ بِأنَّ اِسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ فَهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ، ولِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا فَكَأنَّهم قالُوا: نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَحْسَبُهُ صالِحًا فَنَعْمَلْهُ، فالوَصْفُ مُقَيَّدٌ.
وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ ﴿صالِحًا﴾ و﴿غَيْرَ الَّذِي﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وأنْ يَكُونَ ﴿صالِحًا﴾ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ و﴿غَيْرَ الَّذِي﴾ مَفْعُولُ ﴿نَعْمَلْ﴾ .
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أخْرِجْنا مِنَ النّارِ ورُدَّنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلْ
صفحة 201
صالِحًا، وكَأنَّهم أرادُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ التَّوْحِيدَ وامْتِثالَ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والِانْقِيادَ لَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ نَقُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَوْبِيخٌ لَهم في الآخِرَةِ حِينَ يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا﴾ إلخ فَهو بِتَقْدِيرِ فَنَقُولُ لَهم أوْ فَيُقالُ لَهم ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ الخ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يُجابُونَ بِذَلِكَ بَعْدَ مِقْدارِ الدُّنْيا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ألَمْ نُمْهِلْكم ونُعَمِّرْكُمُ الَّذِي أيِ العُمْرَ الَّذِي أوْ عُمْرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أيْ يَتَمَكَّنَ فِيهِ مَن أرادَ التَّذَكُّرَ وتَحَقَّقَتْ مِنهُ تِلْكَ الإرادَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ ألَمْ نُعَمِّرْكم في مُدَّةِ تَذَكُّرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ضَمِيرَ (فِيهِ) يَأْباهُ لِأنَّها لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ إلّا عَلى نَظَرِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ يَرى اِسْمِيَّتَها وهو ضَعِيفٌ، ولَعَلَّهُ يَجْعَلُ الضَّمِيرَ لِلْعُمْرِ المَفْهُومِ مِن (نُعَمِّرُ) وفِيهِ بُعْدٌ.
وجَعْلُ ما نافِيَةً لا يَصِحُّ كَما قالَ اِبْنُ الحاجِبِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذا العُمْرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ سِتُّونَ سَنَةً. وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلى اِمْرِئٍ أخَّرَ عُمْرَهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً»».
وقِيلَ: هو خَمْسُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سِنُّ البُلُوغِ، وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عِشْرُونَ سَنَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ ما بَيْنَ العِشْرِينَ إلى السِّتِّينَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: «ما يَذَّكَّرُ فِيهِ» مِنِ اِذَّكَّرَ بِالإدْغامِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ مَلْفُوظًا بِها في الدَّرَجِ.
﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَمَّرْناكم وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [اَلشَّرْحِ: 1، 2] وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾ ودُخُولُ الهَمْزَةِ عَلَيْهِما فَلا تَغْفُلْ.
والمُرادُ بِالنَّذِيرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ جِنْسُ النَّذِيرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكُلُّ نَبِيٍّ نَذِيرُ أُمَّتِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «اَلنُّذُرُ» جَمْعًا، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ووَكِيعٍ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ والفَرّاءِ والطَّبَرِيِّ هو الشَّيْبُ وفي الأثَرِ ما مِن شَعْرَةٍ تَبِيضُ إلّا قالَتْ لِأُخْتِها اِسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ المَوْتُ، ومِن هُنا قِيلَ:
رَأيْتُ الشَّيْبَ مِن نُذُرِ المَنايا لِصاحِبِهِ وحَسْبُكَ مِن نَذِيرِ
وقائِلَةً تَخَضَّبْ يا حَبِيبِي ∗∗∗ وسَوِّدْ شَعْرَ شَيْبِكَ بِالعَبِيرِ
فَقُلْتُ لَها المَشِيبُ نَذِيرُ عُمْرِي ∗∗∗ ولَسْتُ مُسَوِّدًا وجْهَ النَّذِيرِ
وقِيلَ: الحُمّى، وقِيلَ: مَوْتُ الأهْلِ والأقارِبِ، وقِيلَ: كَمالُ العَقْلِ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّعْمِيرِ ومَجِيءِ النَّذِيرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا الكُفْرُ، قِيلَ كانَ الظّاهِرُ فَما لَكَمَ، لَكِنْ عَدَلَ إلى المُظْهَرِ لِتَقْرِيعِهِمْ، والمُرادُ اِسْتِمْرارُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.
فاطر 35:38
﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ كُلَّ غَيْبٍ فِيهِما أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ خافِيَةٌ فِيهِما، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ أحْوالُهُمُ الَّتِي اِقْتَضَتِ الحِكْمَةَ
صفحة 202
أنْ يُعامَلُوا بِها هَذِهِ المُعامَلَةَ ولا يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «عالِمٌ» بِالتَّنْوِينِ «غَيْبَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِعالِمٍ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ مُضْمَراتِ الصُّدُورِ وهي أخْفى ما يَكُونُ كانَ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمَ بِغَيْرِها، وفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ إلخ تَقْرِيرٌ لِدَوامِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً فَكَأنَّ سائِلًا يَسْألُ عَنْ وجْهِ ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، فَكانَ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ مِنَ الكافِرِ أنَّ الكُفْرَ قَدْ تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ بِحَيْثُ لَوْ دامَ إلى الأبَدِ لَما أطاعَ اللَّهَ تَعالى ولا عَبَدَهُ اِنْتَهى.
وظاهِرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى تَعْلِيلٌ لِلثّانِيَةِ عَلى عَكْسِ ما قِيلَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ مُتَضَمِّنٌ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ومُسْتَدْعٍ خُلُودَهم في العَذابِ، فَكانَ مَظِنَّةً أنْ يُقالَ: كَيْفَ يُنْفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ والعادَةُ في الشّاهِدِ قاضِيَةٌ بِوُجُودِ نَصِيرٍ لِمَن تَطُولُ أيّامِ عَذابِهِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيرٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لَعَلِمَهُ ولَما نَفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وكَذا مَظِنَّةُ أنْ يُقالَ: كَيْفَ يُخَلَّدُونَ في العَذابِ وهم قَدْ ظَلَمُوا في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما اِنْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم فَيَعْلَمُ أنَّهم صَمَّمُوا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والكُفْرِ إلى الأبَدِ، فَكُلٌّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، فَتَأمَّلْ.
فاطر 35:39
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ مُلْقًى إلَيْكم مَقالِيدُ التَّصَرُّفِ والِانْتِفاعِ بِما فِيها أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ وأوْرَثَكم ما بِأيْدِيكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ أوْ جَعَلَكم بَدَلَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهَلَكُوا فَلَمْ تَتَّعِظُوا بِحالِهِمْ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ.
والخِطابُ قِيلَ عامٌّ، واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وقَدِ اِطَّرَدَ جَمْعُ فَعِيلَةٍ عَلى فَعائِلَ، وأمّا الخُلَفاءُ فَجَمْعُ خَلِيفٍ كَكَرِيمٍ وكُرَماءَ، وجَوَّزَ الواحِدِيُّ كَوْنَهُ جَمْعَ خَلِيفَةٍ أيْضًا وهو خِلافُ المَشْهُورِ.
﴿فَمَن كَفَرَ﴾ مِنكم مِثْلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ السَّنِيَّةِ وغَمَطَها أوْ فَمَنِ اِسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ وتَرَكَ الإيمانَ بَعْدَ أنْ لَطَفَ بِهِ وجَعَلَ لَهُ ما يُنَبِّهُهُ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ وبالُ كُفْرِهِ وجَزاؤُهُ لا عَلى غَيْرِهِ.
﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾ أشَدَّ الِاحْتِقارِ والبُغْضِ والغَضَبِ.
﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾ في الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يَزِيدُ﴾ إلخ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ولِزِيادَةِ تَفْصِيلِهِ نَزَلَ مَنزِلَةَ المُغايِرِ لَهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَفُصِلَ عَنْهُ، والتَّكْرِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اِقْتِضاءَ الكُفْرِ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الأمَرَّيْنِ المَقْتِ والخَسارَةِ مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ قُبْحِهِ ووُجُوبِ التَّجَنُّبِ عَنْهُ، بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الكُفْرُ مُسْتَوْجِبًا لِشَيْءٍ سِوى مَقْتِ اللَّهِ تَعالى لَكَفى ذَلِكَ في قُبْحِهِ، وكَذا لَوْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ شَيْئًا سِوى الخَسارِ لَكَفى.
فاطر 35:40
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ آلِهَتَكُمْ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى واعْتَقَدُوهم كَذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ما أصْلًا.
وقِيلَ: الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ أوْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ لَهم في النّارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ والصِّفَةُ عَلَيْهِما مُقَيِّدَةٌ لا مُؤَكِّدَةٌ، وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ظاهِرانِ فِيما تَقَدَّمَ.
﴿أرُونِي﴾ ماذا ﴿خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى
صفحة 203
أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكُمْ، أرُونِي أيَّ جُزْءٍ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا الإلَهِيَّةَ والشَّرِكَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ لِأنَّهُ إذا أُبْدِلَ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَلا بُدَّ مِن دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ، وأيْضًا إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِهِمْ ثُمَّ البَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هاهُنا لِأنَّهُ لا عامِلَ لِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: واَلَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهي تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما مَنصُوبٌ والآخِرُ مُشْتَمِلٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِ العَرَبِ أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ، فالأوَّلُ هُنا ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ والثّانِي ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ و﴿أرُونِي﴾ جُمْلَةٌ اِعْتِراضِيَّةٌ فِيها تَأْكِيدٌ لِلْكَلامِ وتَسْدِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّهُ تَوارَدَ عَلى﴿ماذا خَلَقُوا﴾ أرَأيْتُمْ وأرُونِي، لِأنَّ أرُونِي قَدْ تَعَلَّقَ عَنْ مَفْعُولِها الثّانِي كَما عُلِّقَتْ رَأى الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ عَنْ مَفْعُولِها في قَوْلِهِمْ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، ويَكُونُ قَدْ أُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فانْتَهى، وما ذَكَرَهُ اِحْتِمالٌ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا اِحْتِمالٌ، وما قالَهُ في رَدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ لُزُومَ دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ فِيما إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ باقٍ عَلى مَعْناهُ، أمّا إذا نُسِخَ عَنْهُ كَما هُنا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أهْلَ العَرَبِيَّةِ والمَعانِي نَصُّوا عَلى خِلافِهِ وقَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:
أقُولُ لَهُ اِرْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا وإلّا فَكُنْ في السِّرِّ والجَهْرِ مُسْلِمًا
وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ إنَّما هو كَما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْهم في بَدَلِ المُفْرَداتِ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ العامِلُ هُنا مَوْجُودٌ، وهو ﴿قُلْ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالمَقُولِ ولا عامِلَ فِيهِ إذْ يُقالُ وهو ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي بَلِ المُرادُ حَقِيقَةُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وأرُونِي أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، أيْ أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها ما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها أوْ كُنْتُمْ تَوَهَّمْتُمْ فِيها قُدْرَةً فَأرُونِي أثَرَها، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.
﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ السَّماواتِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا ما زَعَمْتُمْ فِيهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ عَلى أنَّ المَعْنى أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ خَلْقًا وإبْقاءً وتَصَرُّفًا لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ آياتِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشُّرَكاءِ ولَيْسَتْ مَحْصُورَةً في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ التَّدَرُّجِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ إلى الشَّرِكَةِ ثُمَّ مِنها إلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالشَّرِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ هَلِ اِسْتَبَدُّوا بِخَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَكُونُوا مَعْبُودِينَ مِثْلَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ.
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا يَنْطِقُ بِأنّا اِتَّخَذْناهم شُرَكاءَ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً مَعَنا.
وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّرَقِّي في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِخَلْقِ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ شَرِكَةُ ما مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ، والِاشْتِراكُ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ أدَلُّ عَلى إثْباتِها، ثُمَّ إيتاءُ كِتابٍ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّهم شُرَكاؤُهُ أدَلُّ وأدَلُّ، وقِيلَ: هم في ﴿آتَيْناهُمْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في (فَهُمْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [اَلرُّومِ: 35] إلخ فَفي الكَلامِ اِلْتِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنِ المُشْرِكِينَ وتَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الغَيْبِ.
والمَعْنى أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ ولا عَقْلَ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ عِبادَةِ مَن لا يَخْلُقُ جُزْءًا ما مِنَ الأرْضِ دَلالَةُ شِرْكٍ في السَّماءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ولَمْ نُؤْتِ المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ الأمْرُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ، وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ضَمِيرُ
صفحة 204
﴿آتَيْناهُمْ﴾ لِلشُّرَكاءِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ وضَمِيرُ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، وزَعَمَ أنْ لا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ ولا تَفْكِيكَ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «عَلى بَيِّناتٍ» بِالجَمْعِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ.
﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ لَمّا نَفِي سُبْحانَهُ ما نَفى مِنَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلى الشِّرْكِ وهو تَقْرِيرُ الأسْلافِ لِلْأخْلافِ وإضْلالُ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ الكَثِيرِ في عَبَدَةِ الأصْنامِ وحُكْمُها عامٌّ، وقِيلَ: في عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صَنَمًا كانَ أوْ مَلِكًا أوْ غَيْرَهُما.
فاطر 35:41
﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِغايَةِ قُبْحِ الشِّرْكِ وهو لَهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ كَراهَةَ زَوالِهِما أوْ لِئَلّا تَزُولا وتَضْمَحِلّا فَإنَّ المُمْكِنَ كَما يُحْتاجُ إلى الواجِبِ سُبْحانَهُ حالَ إيجادِهِ يُحْتاجُ إلَيْهِ حالَ بَقائِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿يُمْسِكُ﴾ بِمَعْنى يَمْنَعُ و﴿أنْ تَزُولا﴾ مَفْعُولُهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِمِن أيْ يَمْنَعُهُما مِن ﴿أنْ تَزُولا﴾، وفي البَحْرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ تَزُولا﴾ بَدَلَ اِشْتِمالٍ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ يَمْنَعُ سُبْحانَهُ زَوالَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزَّوالَ بِالِانْتِقالِ عَنِ المَكانِ، أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُ السَّماواتِ مِن أنْ تَنْتَقِلَ عَنْ مَكانِها فَتَرْتَفِعُ أوْ تَنْخَفِضُ ويَمْنَعُ الأرْضَ أيْضًا مِن أنْ تَنْتَقِلَ كَذَلِكَ، وفي أثَرٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ.
وقِيلَ: زَوالُهُما دَوَرانُهُما فَهُما ساكِنَتانِ والدّائِرَةُ بِالنُّجُومِ أفْلاكُها وهي غَيْرُ السَّماواتِ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَقِيقٍ قالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ كَعْبًا يَقُولُ: إنَّ السَّماءَ تَدُورُ في قُطْبَةٍ مِثْلَ قُطْبَةِ الرَّحى في عَمُودٍ عَلى مَنكِبِ مَلِكٍ، فَقالَ: كَذَبَ كَعْبٌ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ وكَفى بِها زَوالًا أنْ تَدُورَ، والمَنصُورُ عِنْدَ السَّلَفِ أنَّ السَّماواتِ لا تَدُورُ وأنَّها غَيْرُ الأفْلاكِ، وكَثِيرٌ مِنَ الإسْلامِيِّينَ ذَهَبُوا إلى أنَّها تَدُورُ وأنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ الأفْلاكِ، وأمّا الأرْضُ فَلا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في سُكُونِها، والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ والمُعْظَمُ عَلى السُّكُونِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ وأنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ بِحَرَكَتِها، ورُدَّ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، والأوْلى في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما سَمِعْتَ أوَّلًا وكَذا كَوْنُها مَسُوقَةً لِما ذَكَرْنا، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ أمْرِ الشُّرَكاءِ ووَقَفَ عَلى الحُجَّةِ في بُطْلانِها عَقَّبَ بِذَلِكَ عَظَمَتَهُ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ لِيَتَبَيَّنَ الشَّيْءُ بِضِدِّهِ وتَتَأكَّدَ حَقارَةُ الأصْنامِ بِذِكْرِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ولَئِنْ زالَتا﴾ أيْ إنْ أشْرَفَتا عَلى الزَّوالِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «ولَوْ زالَتا» وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن طَيِّ السَّماواتِ ونَسْفِ الجِبالِ.
﴿إنْ أمْسَكَهُما﴾ أيْ ما أمْسَكَهُما ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إمْساكِهِ تَعالى أوْ مِن بَعْدِ الزَّوالِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القِسْمِ المُقَدَّرِ قَبْلَ لامِ التَّوْطِئَةِ في «لَئِنْ» وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وأمْسَكَ بِمَعْنى يُمْسِكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 145] ومِنَ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ.
﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فَلِذا حَلَمَ عَلى المُشْرِكِينَ وغَفَرَ لِمَن تابَ مِنهم مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِمِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ وتَخْرِيبِ العالَمِ الَّذِي هم فِيهِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ
صفحة 205
المَقامَ يَقْتَضِي ذِكْرَ القُدْرَةِ لا الحِلْمَ والمَغْفِرَةَ
فاطر 35:42
﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ.
﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ الضَّمائِرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم بَلَغَهم قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَقالُوا: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ والنَّصارى أتَتْهُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبُوهم فَواَللَّهِ لَئِنْ جاءَنا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَكانَ مِنهم بَعْدَ ما كانَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ﴾ جاءَ عَلى المَعْنى وإلّا فَهم قالُوا: «جاءَنا» وكَذا «لَيَكُونُنَّ» وإحْدى بِمَعْنى واحِدَةٍ، والظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ العُمُومَ، وتَعْرِيفُ ﴿الأُمَمِ﴾ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم أيْ لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مَن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ فَنُؤْمِنُ جَمِيعًا ولا يُكَذِّبُ أحَدٌ مِنّا، أوِ المَعْنى لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن أُمَّةٍ يُقالُ فِيها إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ كَما يُقالُ هو واحِدُ القَوْمِ وواحِدُ عَصْرِهِ، وكَما قالُوا هو أحَدُ الأحَدَيْنِ وهي إحْدى الإحَدِ يُرِيدُونَ التَّفْضِيلَ في الدُّعاءِ والعَقْلِ، قالَ الشّاعِرُ:
حَتّى اِسْتَشارُوا بِي إحْدى الإحَدِ لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدٍ
وقَدْ نَصَّ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لِما يُسْتَعْظَمُ مِمّا لا نَظِيرَ لَهُ هو إحْدى الإحَدِ، لَكِنْ قالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ: إنَّما ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ في إحْدى ونَحْوِهِ المُضافِ إلى جَمْعٍ مَأْخُوذٍ مِن لَفْظِهِ كَإحْدى الإحَدِ وأحَدِ الأحَدَيْنِ أوِ المُضافِ إلى وصْفٍ كَأحَدِ العُلَماءِ وإحْدى الكِبَرِ، أمّا في المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ كالأُمَمِ فَيَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اِسْتِعْمالُ إحْدى في الِاسْتِعْظامِ مِن دُونِ إضافَةٍ أصْلًا فَإنَّهم يَقُولُونَ لِلدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ هي إحْدى مِن سَبْعٍ أيْ إحْدى اللَّيالِي عادَ في الشِّدَّةِ وشاعَ واحِدُ قَوْمِهِ وأوْحَدُهم وأوْحَدُ أُمِّهِ، ولَمْ يَظْهَرْ فارِقٌ بَيْنَ المُضافِ إلى الجَمْعِ المَأْخُوذِ مِنَ اللَّفْظِ والمُضافِ إلى الوَصْفِ وبَيْنَ المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ ولا أظُنُّ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ دَلالَةَ ﴿إحْدى الأُمَمِ﴾ عَلى التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ بِخِلافِ واحِدِ القَوْمِ ونَحْوِهِ ثُمَّ وجَّهَها أنَّهُ عَلى أُسْلُوبِ:
أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يَعْنِي أنَّ البَعْضَ المُبْهَمَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ كالتَّنْكِيرِ فَإحْدى مِثْلُهُ، وفِيهِ أنَّهُ مَتى ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ لِلِاسْتِعْظامِ كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى التَّفْضِيلِ في غايَةِ الوُضُوحِ.
﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾ وأيُّ نَذِيرٍ وهو أشْرَفُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو الظّاهِرُ، وعَنْ مُقاتِلٍ هو اِنْشِقاقُ القَمَرِ وهو أخْفى مِنَ السُّها والمَقامُ عَنْهُ يَأْبى ﴿ما زادَهُمْ﴾ أيِ النَّذِيرُ أوْ مَجِيئُهُ ﴿إلا نُفُورًا﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ وهَرَبًا مِنهُ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى ذَلِكَ مَجازٌ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لَها، والجُمْلَةُ جَوابٌ لَها.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حَرْفِيَّتِها لِمَكانِ النَّفْيِ المانِعِ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيها، وفِيهِ بَحْثٌ.
فاطر 35:43
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿نُفُورًا﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ونُقِلَ الأوَّلُ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ مُسْتَكْبِرِينَ.
﴿ومَكْرَ السَّيِّئِ﴾ هو الخِداعُ الَّذِي يَرُومُونَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والكَيْدُ لَهُ، وقالَ قَتادَةُ هو الشِّرْكُ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتِكْبارًا﴾ وأصْلُ التَّرْكِيبِ وإنْ مَكَرُوا السَّيِّئَ عَلى أنَّ ﴿السَّيِّئِ﴾ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيِ المَكْرِ المُسِيءِ، ثُمَّ أُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَ أنْ والفِعْلِ وأُضِيفَ إلى ما كانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ
صفحة 206
عَطْفًا عَلى ﴿نُفُورًا﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ «اَلسَّيِّئ» بِإسْكانِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإجْراءِ المُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنٌ لِما فِيها مِن حَذْفِ الإعْرابِ كَما قالَ أبُو جَعْفَرٍ، وزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أنَّ الحَذْفَ لا يَجُوزُ في نَثْرٍ ولا شِعْرٍ لِأنَّ حَرَكاتِ الإعْرابِ دَخَلَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعانِي، وقَدْ أعْظَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ الأعْمَشُ قَرَأ بِها، وقالَ: إنَّما كانَ يَقِفُ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَغَلِطَ مَن أدّى عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّها تَمامُ الكَلامِ ولِذا لَمْ يَقْرَأْ في نَظِيرِها كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الحَرَكَةَ فِيهِ أثْقَلُ لِأنَّها ضَمَّةٌ بَيْنَ كَسْرَتَيْنِ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ بِلَحْنٍ، وقَدْ أكْثَرَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ مِنَ الِاسْتِشْهادِ والِاحْتِجاجِ لِلْإسْكانِ مِن أجْلِ تَوالِي الحَرَكاتِ والوَصْلِ بِنِيَّةِ الوَقْفِ، وقالَ اِبْنُ القُشَيْرِيِّ: ما ثَبَتَ بِالِاسْتِفاضَةِ أوِ التَّواتُرِ أنَّهُ قُرِئَ بِهِ فَلا بُدَّ مِن جَوازِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَحْنٌ، ولَعَمْرِي أنَّ الإسْكانَ هاهُنا أحْسَنُ مِنَ الإسْكانِ في ﴿بارِئِكُمْ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 54] كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ «ومَكْرُ السَّأْيِ» بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ وياءٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ وهو مَقْلُوبُ (اَلسَّيْئِ) المُخَفَّفِ مِن ﴿السَّيِّئِ﴾ كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولا يَجْزُونَ مِن حَسَنٍ بِسَيْءٍ ولا يَجْزُونَ مِن غِلَظٍ بِلِينِ
وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ «مَكْرًا سَيِّئًا» عَطَفَ نَكِرَةً عَلى نَكِرَةٍ.
﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ﴾ أيْ لا يُحِيطُ ﴿إلا بِأهْلِهِ﴾ وقالَ الرّاغِبُ: أيْ لا يُصِيبُ ولا يَنْزِلُ، وأيًّا ما كانَ فَهو إنَّما ورَدَ فِيما يُكْرَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ حاقَ حَقَّ فَجِيءَ بَدَلَ أحَدِ المِثْلَيْنِ بِالألِفِ نَحْوَ ذَمَّ وذامَ وزَلَّ وزالَ، وهَذا مِن إرْسالِ المَثَلِ ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ مَن حَفَرَ مُغَوّاةً وقَعَ فِيها، قالَ: أنا وجَدْتُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ: ««لا تَمْكُرُوا ولا تُعِينُوا ماكِرًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ ولا تَبْغُوا ولا تُعِينُوا باغِيًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾»» وقَدْ حاقَ مَكْرُ هَؤُلاءِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والآيَةُ عامَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ والأُمُورُ بِعَواقِبِها، واَللَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ووَراءَ الدُّنْيا الآخِرَةُ، وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيْ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وبِالجُمْلَةِ مَن مَكَرَ بِهِ غَيْرُهُ ونَفَذَ فِيهِ المَكْرُ عاجِلًا في الظّاهِرِ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الفائِزُ والماكِرُ هو الهالِكُ، أسْألُ اللَّهَ تَعالى بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأعْظَمِ ﷺ أنْ يَدْفَعَ ويَرْفَعَ عَنّا مَكْرَ الماكِرِينَ وأنْ يُعامِلَهم في الدّارَيْنِ بِعَدْلِهِ إنَّهُ سُبْحانَهُ القَوِيُّ المَتِينُ.
وقُرِئَ «ولا يُحِيقُ» بِضَمِّ الياءِ «اَلْمَكْرَ السَّيِّئَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ يُحِيقُ مِن أحاقَ المُتَعَدِّي وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى والمَكْرُ مَفْعُولُهُ.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ، وهو مَجازٌ بِجَعْلِ ما يُسْتَقْبَلُ بِمَنزِلَةِ ما يُنْتَظَرُ ويُتَوَقَّعُ ﴿إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ إلّا سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ بِأنْ يَضَعَ سُبْحانَهُ مَوْضِعَ العَذابِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ بِأنْ يَنْقُلَ عَذابَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ، والفاءُ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُهُ الحُكْمُ بِانْتِظارِهِمُ العَذابَ مِن مَجِيئِهِ، ونَفْيُ وِجْدانِ التَّبْدِيلِ والتَّحْوِيلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ وجُودِهِما بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيٍ مُسْتَقِلٍّ لِتَأْكِيدِ اِنْتِفائِهِما، والخِطابُ عامٌّ أوْ خاصٌّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فاطر 35:44
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اِسْتِشْهادٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن جَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى تَعْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِما يُشاهِدُونَهُ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ في رِحْلَتِهِمْ إلى الشّامِ واليَمَنِ والعِراقِ
صفحة 207
مِن آثارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وعَلاماتِ هَلاكِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ عَلى رَأْيٍ، أيْ أُقْعِدُوا ولَمْ يَسِيرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيِّ شَيْءٍ، ومِن لِاسْتِغْراقِ الأشْياءِ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ هو نَظِيرُ ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [اَلْكَهْفِ: 49] والواوُ حالِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ، وفي الإرْشادِ الجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ اِسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ الواوَ اِعْتِراضِيَّةٌ.
﴿إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الإعْجازِ
فاطر 35:45
﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ جَمِيعًا ﴿بِما كَسَبُوا﴾ فَعَلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَما وأخَذَ أُولَئِكَ ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ أيْ ظَهْرِ الأرْضِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فَلَيْسَ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ كَما زَعَمَهُ الرَّضِيُّ، وظَهْرُ الأرْضِ مَجازٌ عَنْ ظاهِرِها كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والمُرادُ ما تَرَكَ عَلَيْها ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ مِن حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِشُؤْمِ المَعاصِي، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [اَلْأنْفالِ: 25] وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّابَّةِ الإنْسُ وحْدَهم وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ نَوْعِهِمْ، وقِيلَ: هو لِجَمِيعِ مَن ذُكِرَ تَغْلِيبًا ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ جِنْسِ المَخْلُوقاتِ.
﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ فَيُجازِي المُكَلَّفِينَ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ بِأعْمالِهِمْ إنْ شَرًّا فَشَرٌّ وإنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إلخ مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ الجَزاءِ، والجَزاءُ في الحَقِيقَةِ يُجازى كَما أشَرْنا إلَيْهِ، هَذا واَللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلْخَيْرِ ولا اِعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى إيجادِ عالَمَيِ اللَّطافَةِ والكَثافَةِ، وإلى أنَّ إيجادَ عالَمِ اللَّطافَةِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ عالَمِ الكَثافَةِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما شاعَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْواحَ قَبْلَ الأبْدانَ بِأرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ.
﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ في إيصالِ أوامِرِهِ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، أوْ وسائِطَ تَجْرِي إرادَتُهُ سُبْحانَهُ في مَخْلُوقاتِهِ عَلى أيْدِيهِمْ.
﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ إشارَةٌ إلى اِخْتِلافِهِمْ في الِاسْتِعْدادِ.
﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ عامٌّ في المُلْكِ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَتِ الزِّيادَةُ بِهِبَةِ اِسْتِعْدادِ رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ.
﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ الزِّيادَةُ المُشارُ إلَيْها وغَيْرُها.
﴿فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِحَبِيبِهِ ﷺ وإرْشادٌ لِوَرَثَتِهِ إلى الصَّبْرِ عَلى إيذاءِ أعْدائِهِمْ لَهم وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم وإنْكارِهِمْ عَلَيْهِمْ.
﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى في إحْياءِ الأرْضِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كَذَلِكَ إذا أرادَ سُبْحانَهُ إحْياءَ أرْضِ القَلْبِ فَيُرْسِلُ أوَّلًا رِياحَ الإرادَةِ فَتُثِيرُ سَحابَ المُحِبَّةِ ثُمَّ يَأْتِي مَطَرُ الجُودِ والعِنايَةِ فَيُنْبِتُ في القَلْبِ رَياحِينَ الرُّوحِ وأزْهارَ البَسْطِ ونُوارَ الأنْوارِ ويَطِيبُ العَيْشُ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِزَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَحْصُلُ بِدُونِ الفَناءِ، ولا تَغْفُلْ عَنْ حَدِيثِ: ««لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» الخ.
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ وهو أبْعَدُ المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَضْرَةِ وأسْفَلُها
صفحة 208
وأكْثَفُها.
﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ وفِيها نَوْعٌ ما مِنَ اللَّطافَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ لَهم مِنَ اِزْدِواجِ الرُّوحِ اللَّطِيفِ العُلْوِيِّ والقالَبِ الكَثِيفِ السُّفْلِيِّ وهو مَبْدَأُ اِسْتِعْدادٍ لِوُقُوفٍ عَلى عَوالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.
﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ قِيلَ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ وبَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ هَذا أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ ﴿عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ﴾ لِخُلُوِّهِ عَنْ عَوارِضِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ ﴿وهَذا﴾ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ ﴿مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ لِما فِيهِ مِن مَشَقَّةِ الفِكْرِ ومَرارَةِ الكَسْبِ وعُرُوضِ الشُّكُوكِ والتَّرَدُّدِ والِاضْطِرابِ.
﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ إشاراتٌ لَطِيفَةٌ تَتَغَذَّوْنَ بِها وتَتَقَوَّوْنَ عَلى الأعْمالِ ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ وهي الأخْلاقُ الفاضِلَةُ والآدابُ الجَمِيلَةُ والأحْوالُ المُسْتَحْسَنَةُ الَّتِي تُكْسِبُ صاحِبَها زِينَةً.
﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ سُفُنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ ﴿فِيهِ مَواخِرَ﴾ جارِيَةً.
﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فِعْلُ ذَلِكَ.
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ في سائِرِ شُؤُونِكُمْ، ومَراتِبُ الفَقْرِ مُتَفاوِتَةٌ، وكُلَّما اِزْدادَ الإنْسانُ قُرْبًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ اِزْدادَ فَقْرُهُ إلَيْهِ لِازْدِيادِ المَحَبَّةِ حِينَئِذٍ، وكُلَّما زادَ العِشْقُ زادَ فَقْرُ العاشِقِ إلى المَعْشُوقِ حَتّى يَفْنى.
﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فِيهِ مِنَ البِشارَةِ ما فِيهِ.
﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ أيِ العُلَماءُ بِهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ فَهم كُلَّما اِزْدادُوا عِلْمًا اِزْدادُوا خَشْيَةً لِما يَظْهَرْ لَهم مِن عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ لا شَيْءَ.
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ السّالِكُ، والمُقْتَصِدُ السّالِكُ المَجْذُوبُ، والسّابِقُ المَجْذُوبُ السّالِكُ، والسّالِكُ هو المُتَقَرِّبُ، والمَجْذُوبُ هو المُقَرَّبُ، والمَجْذُوبُ السّالِكُ هو المُسْتَهْلَكُ في كِمالاتِ القُرْبِ الفانِي عَنْ نَفْسِهِ الباقِي بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ حَزَنَ تَخَيُّلِ الهَجْرِ فَلا حُزْنَ لِلْعاشِقِ أعْظَمَ مِن حُزْنِ تَخَيُّلِ هَجْرِ مَعْشُوقِهِ لَهُ وجَفْوَتِهِ إيّاهُ.
﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فَلا بِدَعَ إذا أذْهَبَ عَنّا ذَلِكَ وآمَنَنا مِنَ القَطِيعَةِ والهِجْرانِ.
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ هو نَصَبُ الأبْدانِ وتَعَبُها مِن أعْمالِ الطّاعَةِ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.
﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ هو لُغُوبُ القُلُوبِ واضْطِرابُها مِن تَخَيُّلِ القَطِيعَةِ والرَّدِّ وهَجْرِ الحَبِيبِ، وقِيلَ: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبُ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ أيْ أمْرٍ أرَدْناهُ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ تَخَيُّلِ ذَهابِ أيِّ مَطْلُوبٍ حَصَّلْناهُ.
وقَدْ أشارُوا إلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ الحُلْوِ ما تَنْشَقُّ مِنهُ مَرارَةُ الحَسُودِ ويَنْفَطِرُ بِهِ قَلْبُ كُلِّ عَدُوٍّ ويَنْتَعِشُ فُؤادُ كُلِّ مُحِبٍّ ودُودٍ.
يس 36:1
سُورَةُ (يس)
صَحَّ مِن حَدِيثِ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ والطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِمْ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يس قَلْبُ القُرْآنِ،» وعَدَّ ذَلِكَ أحَدَ أسْمائِها، وبَيَّنَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وجْهَ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْها بِأنَّ المَدارَ عَلى الإيمانِ وصِحَّتِهِ بِالِاعْتِرافِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ وهو مُقَرَّرٌ فِيها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، ولِذا شُبِّهَتْ بِالقَلْبِ الَّذِي بِهِ صِحَّةُ البَدَنِ وقِوامُهُ، واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ الرّازِيُّ، وأوْرَدَهُ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ كُلَّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لا يَصِحُّ الإيمانُ بِدُونِهِ، فَلا وجْهَ لِاخْتِصاصِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالصِّحَّةِ في كَلامِ الحُجَّةِ ما يُقابِلُ السَّقَمَ والمَرَضَ ولا شَكَّ أنَّ مَن صَحَّ إيمانُهُ بِالحَشْرِ يَخافُ مِنَ النّارِ ويَرْغَبُ في الجَنَّةِ دارِ الأبْرارِ، فَيَرْتَدِعُ عَنِ المَعاصِي الَّتِي هي كَأسْقامِ الإيمانِ إذْ بِها يَخْتَلُّ ويَضْعُفُ ويَشْتَغِلُ بِالطّاعاتِ الَّتِي هي
صفحة 209
كَحِفْظِ الصِّحَّةِ ومَن لَمْ يَقْوَ إيمانُهُ بِهِ كانَ حالُهُ عَلى العَكْسِ فَشابَهَ الِاعْتِرافُ بِهِ بِالقَلْبِ الَّذِي بِصَلاحِهِ يَصْلُحُ البَدَنُ وبِفَسادِهِ يَفْسُدُ.
وجُوِّزَ أنْ يُقالَ وجْهُ الشَّبَهِ بِالقَلْبِ أنَّ بِهِ صَلاحَ البَدَنِ وفَسادُهُ، وهو غَيْرُ مُشاهَدٍ في الحِسِّ، وهو مَحَلٌّ لِانْكِشافِ الحَقائِقِ والأُمُورِ الخَفِيَّةِ، وكَذا الحَشْرُ مِنَ المُغَيَّباتِ، وفِيهِ يَكُونُ اِنْكِشافُ الأُمُورِ والوُقُوفُ عَلى حَقائِقِ المَقْدُورِ، وبِمُلاحَظَتِهِ وإصْلاحِ أسْبابِهِ تَكُونُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، وبِالإعْراضِ عَنْهُ وإفْسادِ أسْبابِهِ يُبْتَلى بِالشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ.
وفِي الكَشْفِ لَعَلَّ الإشارَةَ النُّبُوَّةُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ قَلْبًا، وقَلْبُ كُلِّ شَيْءٍ لُبُّهُ وأصْلُهُ الَّذِي ما سِواهُ إمّا مِن مُقَدِّماتِهِ وإمّا مِن مُتَمِّماتِهِ إلى ما أسْفَلْناهُ في تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ بِأُمِّ القُرْآنِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ إرْشادُ العِبادِ إلى غايَتِهِمُ الكَمالِيَّةِ في المَعادِ، وذَلِكَ بِالتَّحَقُّقِ والتَّخَلُّقِ المَذْكُورَيْنِ هُنالِكَ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِسُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ومَدارُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى بَيانِ ذَلِكَ أتَمَّ بَيانٍ اه.
ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ اِخْتِصاصِ الحَشْرِ بِما ذُكِرَ في كَلامِ الحُجَّةِ فَلا وجْهَ لِقَوْلِ البَعْضِ في الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ فَلا وجْهَ الخ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آخِرَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ السُّورَةِ الإشارَةُ إلى ما اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أُمَّهاتِ عِلْمِ الأُصُولِ والمَسائِلِ المُعْتَبَرَةِ بَيْنَ الفُحُولِ وتَقْرِيرُها إيّاها بِأبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في الأمْرِ الوارِدِ في صَحِيحِ الأخْبارِ بِقِراءَتِها عَلى المَوْتى، أيِ المُحْتَضَرِينَ.
وتُسَمّى أيْضًا العَظِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإبانَةِ وحَسَّنَهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ في القُرْآنِ لَسُورَةً تُدْعى العَظِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُدْعى صاحِبُها الشَّرِيفُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يُشَفِّعُ صاحِبُها يَوْمَ القِيامَةِ في أكْثَرَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ وهي سُورَةُ يس وذَكَرَ أنَّها تُسَمّى أيْضًا المُعِمَّةَ والمُدافِعَةَ القاضِيَةَ»».
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««سُورَةُ يس تُدْعى في التَّوْراةِ المُعِمَّةَ تَعُمُّ صاحِبَها بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وتُكابِدُ عَنْهُ بَلْوى الدُّنْيا والآخِرَةِ وتَدْفَعُ عَنْهُ أهاوِيلَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتُدْعى المُدافِعَةَ القاضِيَةَ تَدْفَعُ عَنْ صاحِبِها كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي لَهُ كُلَّ حاجَةٍ»» الخَبَرَ. وتَعَقَّبَهُ البَيْهَقِيُّ فَقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الجَدْعانِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ دِفاعٍ وهو مُنْكَرٌ.
وهِيَ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَكِّيَّةٌ، واسْتَثْنى مِنها بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ الآيَةَ، مُدَّعِيًا أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ «لَمّا أرادَ بَنُو سَلَمَةَ النَّقْلَةَ إلى قُرْبِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وكانُوا في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ آثارَكم تُكْتَبُ» فَلَمْ يَنْتَقِلُوا،» وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ، لِأنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ.
وآيُها ثَلاثٌ وثَمانُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ واثْنَتانِ وثَمانُونَ في غَيْرِهِ.
وجاءَ مِمّا يَشْهَدُ بِفَضْلِها وعُلُوِّ شَأْنِها عِدَّةُ أخْبارٍ وآثارٍ وقَدْ مَرَّ آنِفًا بَعْضُ ذَلِكَ، وصَحَّ مِن حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ: «لا يَقْرَؤُوها عَبْدٌ يُرِيدُ اللَّهَ تَعالى والدّارَ الآخِرَةَ إلّا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والدّارِمِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ««مَن قَرَأ يس كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِقِراءَتِها قِراءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرّاتٍ»،» ولا يَلْزَمُ مِن هَذا تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، إذِ المُرادُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ قِراءَتُهُ دُونَ يس، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذْ يَكْفِي في صِحَّةِ التَّفْضِيلِ المَذْكُورِ التَّغايُرُ الِاعْتِبارِيُّ فَإنَّ يس مِن حَيْثُ تِلاوَتُها فَرْدَةً غَيْرُ كَوْنِها
صفحة 210
مَقْرُوءَةً في جُمْلَتِهِ، كَما إذا قُلْتَ: الحَسْناءُ في الحُلَّةِ الحَمْراءِ أحْسَنُ مِنها في البَيْضاءِ، وقَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ مُفْرَدًا ما لَيْسَ لَهُ مَجْمُوعًا مَعَ غَيْرِهِ، كَما يُشاهَدُ في بَعْضِ الأدْوِيَةِ، ورَجا أنْ يَكُونَ أقْرَبَ مِمّا قَدَّمْنا وأنا لا أرْجُو ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ الثَّوابُ المَذْكُورُ مُضاعَفًا، أيْ كُلُّ حَرْفٍ بِعَشَرَةِ حَسَناتٍ ولا بِدَعَ في تَفْضِيلِ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَمُنَّ بِما شاءَ عَلى مَن شاءَ، ألا تَرى ما صَحَّ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أقْصَرُ الأُمَمِ أعْمارًا وأكْثَرُها ثَوابًا وأنْكَرُ الخُصُوصِيّاتِ مُكابَرَةً، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَن قَرَأها أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَن قَرَأ القُرْآنَ اِثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ مَرَّةً.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي قِلابَةَ - وهو مِن كِبارِ التّابِعِينَ- أنَّ مَن قَرَأها فَكَأنَّما قَرَأ القُرْآنَ إحْدى عَشْرَةَ مَرَّةً.
وعَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّهُ قالَ مَن قَرَأ يس مَرَّةً فَكَأنَّما قَرَأ القُرْآنَ مَرَّتَيْنِ.
وحَدِيثُ العَشْرِ مَرْفُوعٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ، ووَجْهُ اِتِّصالِها بِما قَبْلَها عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ [فاطِرٍ: 37، 42] قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾ وأُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَذَّبُوهُ اِفْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالإقْسامِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِيُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، وقالَ سُبْحانَهُ في [فاطِرٍ: 13] ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ﴾ وفي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾، ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: 38] إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ المُناسَبَةِ يَتِمُّ عَلى تَفْسِيرِ النَّذِيرِ بِغَيْرِهِ ﷺ أيْضًا، فَتَأمَّلْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يس﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في ( الم ) ونَحْوِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورِ إعْرابًا ومَعْنًى عِنْدَ كَثِيرٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يس يا إنْسانُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ زِيادَةٌ بِالحَبَشِيَّةِ وفي أُخْرى عَنْهُ أيْضًا في لُغَةِ طَيِّئٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ هَذا فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ يا أُنَيْسِينُ فَكَثُرَ النِّداءُ بِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ حَتّى اِقْتَصَرُوا عَلى شَطْرِهِ، كَما في القَسَمِ م اللَّهِ في اَيْمُنِ اللَّهِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَنقُولَ عَنِ العَرَبِ في تَصْغِيرِ إنْسانٍ أُنَيْسِيانٌ بِياءٍ قَبْلَ الألْفِ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ مِنَ النِّسْيانِ، وأصْلُهُ أُنْسِيانٌ فَلَمّا صُغِّرَ رَدَّهُ التَّصْغِيرُ إلى أصْلِهِ ولا نَعْلَمُهم قالُوا في تَصْغِيرِهِ أُنَيْسِينٌ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ بَقِيَّةُ أُنَيْسِينٍ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يُبْنى عَلى الضَّمِّ ولا يَبْقى مَوْقُوفًا لِأنَّهُ مُنادى مُقْبَلٌ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ التَّصْغِيرُ في أسْماءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما لا يَجُوزُ في أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما ذَكَرَهُ في (م) مِن أنَّهُ شَطْرُ اَيْمُنِ قَوْلٌ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَقُولُ (م) حَرْفُ قَسَمٍ ولَيْسَ شَطْرُ اَيْمُنِ، اِنْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ: لُزُومُ البِناءِ عَلى الضَّمِّ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ فَلَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ يَقْرَؤُهُ بِالضَّمِّ عَلى الأوْجَهِ فِيهِ، وأمّا الِاعْتِراضانِ الآخَرانِ فَلا وُرُودَ لَهُما أصْلًا، فَأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مَن يَقُولُ أُنَيْسِيانٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، وهو الأصَحُّ لا يَلْزَمُهُ فِيما غُيِّرَ مِنهُ أنْ يُقَدِّرَهُ كَذَلِكَ وهو لَمْ يَلْفِظْ بِهِ حَتّى يُقالَ لَهُ: إنَّكَ نَطَقْتَ بِما لَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ بَلْ هو أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ، فَإذا قالَ: المُقَدَّرُ مَفْرُوضٌ عِنْدِي عَلى القِياسِ هَلْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ، وأمّا الأخِيرُ فَلِأنَّ
صفحة 211
التَّصْغِيرَ في نَحْوِ ذَلِكَ إنَّما يَمْتَنِعُ مِنّا، وأمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ سُبْحانُهُ أنْ يُطْلِقَ عَلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ وعُظَماءِ خَلْقِهِ ما أرادَ ويُحْمَلُ حِينَئِذٍ عَلى ما يَلِيقُ كالتَّعْظِيمِ والتَّحْبِيبِ ونَحْوِهِ مِن مَعانِي التَّصْغِيرِ، كَما قالَ اِبْنُ الفارِضِ:
ما قُلْتُ حُبَيِّبِي مِنَ التَّحْقِيرِ ∗∗∗ بَلْ يَعْذُبُ اِسْمُ الشَّيْءِ بِالتَّصْغِيرِ
واَلَّذِي قالَهُ أبُو حَيّانَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ إيسانٌ بِمَعْنى إنْسانٍ ويَجْمَعُونَ عَلى أياسِينُ فَهَذا مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى إثْباتٍ، وبُعْدُهُ لا يَخْفى ما في التَّخْرِيجِ عَلَيْهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يا حَرْفُ نِداءٍ، والسِّينُ مُقامَةٌ مَقامَ إنْسانٍ اُنْتُزِعَ مِنهُ حَرْفٌ فَأُقِيمُ مَقامَهُ، ونَظِيرُهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «كَفى بِالسَّيْفِ شا» أيْ شاهِدًا، وأُيِّدَ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ في (حم)، (عسق) ونَحْوِهِ مِن أنَّها حُرُوفٌ مِن جُمْلَةِ أسْماءٍ لَهُ تَعالى وهي رَحِيمٌ وعَلِيمٌ وسَمِيعٌ وقَدِيرٌ ونَحْوَ ذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ (يس) بِمَجْمُوعِهِ اِسْمٌ مِن أسْمائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ظاهِرُ قَوْلِ السَّيِّدِ الحِمْيَرِيِّ:
يا نَفْسُ لا تَمَحَّضِي بِالوِدِّ جاهِدَةً ∗∗∗ عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِينا
ولِتَسْمِيَتِهِ ﷺ بِهَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ سِرٌّ جَلِيلٌ عِنْدَ الواقِفِينَ عَلى أسْرارِ الحُرُوفِ، وقَدْ تَكَلَّمْتُ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ فِيما تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّرِيفَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ أشْرَعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنها بَعْدَ العَصْرِ وأخْتِمُ قُبَيْلَ المَغْرِبِ، وذَلِكَ في مَجْلِسٍ وعْظِيٍّ في المَسْجِدِ الجامِعِ الدّاوُدِيِّ، واليَوْمَ لا أسْتَطِيعُ أنْ أذْكُرَ مِن ذاكَ بِنْتَ شَفَةٍ بَلْ لا أتَذَكَّرُ مِنهُ إلّا رَسْمًا هَبَّ عَلَيْهِ عاصِفُ الزَّمانِ الغَشُومُ فَنَسَفَهُ فَحَسْبِي اللَّهُ عَمَّنْ سِواهُ فَلا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.
وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وإمالَتِها مَحْضًا وبَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ جَمْعٌ بِسُكُونِ النُّونِ مُدْغَمَةً في الواوِ، وآخِرُونَ بِسُكُونِها مُظْهَرَةً والقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِفَتْحِ النُّونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ قِياسُ قَوْلِ قَتادَةَ أنَّهُ قَسَمٌ أنْ يَكُونَ عَلى حَدِّ (اَللَّهِ لَأفْعَلَنَّ) بِالنَّصْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ، وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ اُتْلُ يس، وهَذا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ اِسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ والتَّحْرِيكُ لِلْجِدِّ في الهَرَبِ مِنَ اِلْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والفَتْحُ لِلْخِفَّةِ كَما في أيْنَ، وسَبَبُ البِناءِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ إذا أحَطْتَ خَبَرًا بِما قَرَّرُوا في «الم» أوَّلَ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا تَغْفُلْ عَمّا قالُوا في النَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلِ القَسَمِ مِن أنَّهُ لا يُسَوَّغُ لِما فِيهِ مِن جَمْعِ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ عَلَيْهِ واحِدٍ وهو مُسْتَكْرَهٌ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِ الواوِ بَعْدُ لِلْعَطْفِ لا لِلْقَسَمِ لِمَكانِ الِاخْتِلافِ إعْرابًا.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ بِضَمِّ النُّونِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مُنادًى مَقْصُودٌ بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى إنْسانٍ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، ويُقَدَّرُ هَذِهِ إذا كانَ اِسْمًا لِلسُّورَةِ وهَذا إنْ كانَ اِسْمًا لِلْقُرْآنِ، وهو يُطْلَقُ عَلى البَعْضِ كَما يُطْلَقُ عَلى الكُلِّ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ وهو قَسَمٌ، أيْ يس قَسَمِي نَحْوَ أمانَةُ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ بِالرَّفْعِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ الضَّمَّةُ فِيهِ ضَمَّةُ بِناءٍ كَما في حَيْثُ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا بِكَسْرِها، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ لِلْجِدِّ في الهَرَبِ عَنِ السّاكِنَيْنِ بِما هو الأصْلِيُّ، فَتَأمَّلْ وتَذَكَّرْ.
يس 36:2
﴿والقُرْآنِ﴾ اِبْتِداءُ قَسَمٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى يس عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ لا أنَّهُ قَسَمٌ بَعْدَ قَسَمٍ لِما سَمِعْتَ مِن كَلامِهِمْ.
﴿الحَكِيمِ﴾ أيْ ذِي حِكْمَةٍ عَلى أنَّهُ صِيغَةُ نِسْبَةٍ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ مُتَضَمِّنٌ إيّاها، أوِ النّاطِقُ بِالحِكْمَةِ كالحَيِّ عَلى أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، أوِ المُتَّصِفُ
صفحة 212
بِالحِكْمَةِ عَلى أنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ وحَقِيقَتُهُ الإسْنادُ إلى اللَّهِ تَعالى المُتَكَلِّمُ بِهِ.
وفِي البَحْرِ هو إمّا فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ كَ أعْقَدْتُ العَسَلَ فَهو عَقِيدٌ أيْ مُعْقَدٌ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ مِن حاكِمٍ.
يس 36:3
﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، والجُمْلَةُ لِرَدِّ إنْكارِ الكَفَرَةِ رِسالَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ قالُوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلا﴾ [اَلرَّعْدِ: 43] وتَقَدَّمَ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم عَلى جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الإنْكارِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: 42] اِسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى في جَوابِهِمْ عَنْ إنْكارِهِمْ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [اَلرَّعْدِ: 43].
وتَخْصِيصُ القُرْآنِ بِالإقْسامِ بِهِ أوَّلًا وبِوَصْفِهِ بِالحَكِيمِ ثانِيًا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ.
يس 36:4
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ قائِلًا: إنَّهُ الأحْسَنُ في العَرَبِيَّةِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ أوِ الواقِعِ اِسْمَ إنَّ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ الحالَ مِنَ المُبْتَدَأِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمُرْسَلِينَ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الحالَ أوِ الِاسْتِقْبالَ، أيْ لَمِنَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن عائِدِ المَوْصُولِ المُسْتَتِرِ في اِسْمِ الفاعِلِ، أوْ حالًا مِن نَفْسِ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ .
واَلزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ سِوى كَوْنِهِ خَبَرًا وكَوْنِهِ صِلَةً لِلْمُرْسَلِينَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ما يَعُمُّ العَقائِدَ والشَّرائِعَ الحَقَّةَ ولَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإخْبارِ الإعْلامَ بِتَمْيِيزِ مَن أُرْسِلَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ عَلى صِفَتِهِ لِيُقالَ إنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَهُ لِما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ المُرْسَلِينَ لا يَكُونُونَ إلّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بَلِ الغَرَضُ الإعْلامُ بِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَذا وأنَّ ما جاءَ بِهِ المَوْصُوفُ بِكَذا تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِما فَسَلَكا في مَسْلَكٍ سُلُوكًا لِطَرِيقِ الِاخْتِصارِ.
وأيْضًا التَّنْكِيرُ في ﴿صِراطٍ﴾ لِلتَّفْخِيمِ فَهو دالٌّ عَلى أنَّهُ أُرْسِلَ مِن بَيْنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمَةِ عَلى صِراطٍ لا يُكْتَنَهُ وصَفُهُ وهَذا شَيْءٌ لَمْ يُعْلَمْ قَبْلُ، ولا يَرِدُ أنَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ لَيْسَ إلّا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ لِأنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ شارِعٍ مِنهاجًا هو مُسْتَقِيمٌ وبِاعْتِبارِ الرُّجُوعِ إلى المُرْسِلِ تَعالى شَأْنُهُ الكُلُّ مُتَّحِدٌ وبِاعْتِبارِ الِاخْتِصاصِ بِالمُرْسَلِ والشَّرائِعِ، مُخْتَلِفٌ فَصَحَّ أنَّهُ أُرْسِلَ مِن بَيْنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمَةِ الخ، وأيْضًا هو فَرْضٌ والفَرْضُ تَعْظِيمُ هَذا الصِّراطِ بِأنَّهُ لا صِراطَ أقْوَمُ مِنهُ واقِعًا أوْ مَفْرُوضًا ولا نَظَرَ إلى أنْ هُنالِكَ آخَرُ أوَّلًا، وهَذا قَرِيبٌ مِن أُسْلُوبِ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
يس 36:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُزِّلَ تَنْزِيلَ.
وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ وأبُو بَكْرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والحَسَنُ والأعْرَجُ والأعْمَشُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ هو تَنْزِيلٌ أيْ مُنَزَّلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ ويَجُوزُ إبْقاؤُهُ عَلى أصْلِهِ بِجَعْلِهِ عَيْنَ التَّنْزِيلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ (يس) إنْ كانَ المُرادُ بِها السُّورَةَ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ، والقَسَمُ لِتَأْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ والمُقْسَمِ بِهِ اِهْتِمامًا فَلا يُقالُ: إنَّ الكُفّارَ يُنْكِرُونَ القُرْآنَ فَكَيْفَ يُقْسَمُ بِهِ لِإلْزامِهِمْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ واليَزِيدِيُّ والقُورَضِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ( القُرْآنِ ) أوِ الوَصْفِيَّةِ لَهُ.
وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إظْهارٌ لِفَخامَةِ القُرْآنِ الإضافِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِوَصْفِهِ بِالحِكْمَةِ، وفي تَخْصِيصِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ المُعْرَبَيْنِ عَنِ الغَلَبَةِ الكامِلَةِ والرَّحْمَةِ الفاضِلَةِ حَثٌّ عَلى الإيمانِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا وإشْعارًا بِأنَّ
صفحة 213
تَنْزِيلَهُ ناشِئٌ عَنْ غايَةِ الرَّحْمَةِ حَسْبَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [اَلْأنْبِياءِ: 107].
يس 36:6
﴿لِتُنْذِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٍ أوْ بِفِعْلِهِ المُضْمَرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في إعْرابِهِ أيْ نُزِّلَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ بِهِ أوْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ أُرْسِلْتَ أوْ إنَّكَ مُرْسَلٌ لِتُنْذِرَ ﴿قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ أيْ لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ فَما نافِيَةٌ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿قَوْمًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِغايَةِ اِحْتِياجِهِمْ إلى الإنْذارِ، والمُرادُ بِالإنْذارِ الإعْلامُ أوِ التَّخْوِيفُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ عَذابًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ [اَلنَّبَأِ: 40] والمُرادُ بِآبائِهِمْ آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ وإلّا فالأبْعَدُونَ قَدْ أنْذَرَهم إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَلَّغَهم شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدْ كانَ مِنهم مَن تَمَسَّكَ بِشَرْعِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ثُمَّ تَراخى الأمْرُ وتَطاوَلَ المُدَدُ، فَلَمْ يَبْقَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا الِاسْمُ، وفي البَحْرِ الدُّعاءُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ إمّا بِمُباشَرَةٍ مِن أنْبِيائِهِمْ وإمّا بِنَقْلٍ إلى وقْتِ بَعْثَةِ نَبِيِّنا ﷺ، والآياتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ قُرَيْشًا ما جاءَهم نَذِيرٌ مَعْناها لَمْ يُباشِرْهم ولا آباءَهُمُ القَرِيبِينَ. وأمّا أنَّ النِّذارَةَ اِنْقَطَعَتْ فَلا، ولَمّا شُرِعَتْ آثارُها نَدْرُسُ بَعْثَ النَّبِيِّ ﷺ وما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن حالِ أهْلِ الفَتَراتِ فَهو عَلى حَسَبِ الفَرْضِ اه.
وعَلَيْهِ فالمَعْنى ما أنْذَرَ آباءَهم رَسُولٌ، أيْ لَمْ يُباشِرْهم بِالإنْذارِ لا أنَّهُ لَمْ يُنْذِرْهم مُنْذِرٌ أصْلًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أنْذَرَهم مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطِرٍ: 24] ولَيْسَ في ذَلِكَ إنْكارُ الفَتْرَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 19] لِأنَّها فَتْرَةُ إرْسالٍ وانْقِطاعُها زَمانًا لا فَتْرَةَ إنْذارٍ مُطْلَقًا.
وعَنْ عِكْرِمَةَ ما بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً وهي عَلى الوَجْهَيْنِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تُنْذِرَ) أيْ لِتُنْذَرَ قَوْمًا الَّذِي أنْذَرَهُ أوْ شَيْئًا أنْذَرَهُ الرُّسُلُ آباءَهُمُ الأبْعَدِينَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَتَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا إنْذارًا مِثْلَ إنْذارِ الرُّسُلِ آباءَهُمُ الأبْعَدِينَ، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَهم غافِلُونَ﴾ هو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى نَفْيِ الإنْذارِ ومُتَسَبِّبٌ عَنْهُ والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ لَمْ يُنْذَرْ آباؤُهم فَهم جَمِيعًا لِأجْلِ ذَلِكَ غافِلُونَ، وعَلى الأوْجُهِ الباقِيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أوْ بِما يُفِيدُهُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ إنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ إرْسالِهِ بِغَفْلَتِهِمُ المَحُوجَةِ إلَيْهِ نَحْوَ اِسْقِهِ فَإنَّهُ عَطْشانُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْمِ خاصَّةً، فالمَعْنى فَهم غافِلُونَ عَنْهُ أيْ عَمّا أُنْذِرَ آباؤُهم.
وقالَ الخَفاجِيُّ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهَذا عَلى الأوَّلِ أيْضًا وتَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ عَلى الوُجُوهِ، وجَعْلُ الفاءِ تَعْلِيلِيَّةً والضَّمِيرُ لَهم أوْ لِآبائِهِمُ اه، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ ما قُرِّرَ أوَّلًا.
يس 36:7
﴿لَقَدْ حَقَّ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ واَللَّهِ لَقَدْ ثَبَتَ ووَجَبَ ﴿القَوْلُ﴾ الَّذِي قُلْتُهُ لِإبْلِيسَ يَوْمٍ قالَ: ( لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ) [اَلْحِجْرِ: 39، ص: 82] وهو ( لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ) [هُودٍ: 119، السَّجْدَةِ: 13] ﴿عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (حَقَّ)، والمُرادُ سَبَقَ في عِلْمِي دُخُولُ أكْثَرِهِمْ فِيمَن أمْلَأُ مِنهم جَهَنَّمَ وهم تَبَعَةُ إبْلِيسَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ تَقْدِيمُ الجَنَّةِ عَلى النّاسِ، وصَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] .
ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَوْلِ لَكِنَّ المَشْهُورَ ما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ ولا حاجَةَ إلى اِلْتِزامٍ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ ويُقالُ قالَ عَلَيْهِ إذا تَكَلَّمَ فِيهِ بِالشَّرِّ، والمُرادُ لَقَدْ ثَبَتَ في الأزَلِ عَذابِي لَهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ، ويُؤَيِّدُ تَعَلُّقَهُ بِ (حَقَّ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يُونُسَ: 96]، ونَقَلَ
صفحة 214
أبُو حَيّانَ أنَّ المَعْنى حَقَّ القَوْلُ الَّذِي قالَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ وبِأنَّ بُرْهانَهُ وهو كَما تَرى.
﴿فَهُمْ﴾ أيِ الأكْثَرُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِإنْذارِكَ إيّاهُمْ، والفاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى الحُكْمِ المُسَبَّبِ عَمّا قَبْلَهُ، فَيُفِيدُ أنَّ ثُبُوتَ القَوْلِ عَلَيْهِمْ عِلَّةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ وهو عِلَّةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ سَبْقِ العِلْمِ بِسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ وما هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنْ عِلْمَهُ تَعالى لا يَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ إلّا عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها، ومَآلُهُ إلى أنَّ سُوءَ اِخْتِيارِهِمْ وما هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ عِلَّةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ الإنْذارِ، فَلَيْسَ هُناكَ جَبْرٌ مَحْضٌ ولا أنَّ المَعْلُومَ تابِعٌ لِلْعِلْمِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاءُ إمّا تَفْرِيعِيَّةٌ وكَوْنُ ثُبُوتِ القَوْلِ عِلَّةً لِعَدَمِ إيمانِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَعْلُومَ تابِعٌ لِلْعِلْمِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ مُفِيدَةٌ أنَّ عَدَمَ الإيمانِ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ القَوْلِ بِناءً عَلى أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ ولا يَلْزَمُ الجَبْرُ عَلى الوَجْهَيْنِ، أمّا عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ العِلْمَ لَيْسَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ القائِلِ بِذَلِكَ بَلْ لِاخْتِيارِهِمْ وكَسْبِهِمْ مُدْخَلٌ فِيهِ، فَتَأمَّلْ، والتَّفْرِيعُ هو الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ.
يس 36:8
﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ﴾ جَمْعُ عُنُقٍ بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ، وهو الجِيدُ، ويُقالُ عَنِيقٌ كَأمِيرٍ وعُنَقٌ كَصُرَدٍ.
﴿أغْلالا﴾ جَمْعُ غُلٍّ بِالضَّمِّ وهو عَلى ما قِيلَ ما يُشَدُّ بِهِ اليَدُ إلى العُنُقِ لِلتَّعْذِيبِ والتَّشْدِيدِ، وفي البَحْرِ الغُلُّ ما أحاطَ بِالعُنُقِ عَلى مَعْنى التَّثْقِيفِ والتَّضْيِيقِ والتَّعْذِيبِ والأسْرِ ومَعَ العُنُقِ اليَدانِ أوِ اليَدُ الواحِدَةُ.
وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ ما يُقَيَّدُ بِهِ فَتُجْعَلُ الأعْضاءُ وسَطَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الغَلَلِ تَدَرُّعُ الشَّيْءِ وتَوَسُّطُهُ، ومِنهُ الغَلَلُ لِلْماءِ الجارِي بَيْنَ الشَّجَرِ، وقَدْ يُقالُ لَهُ الغَيْلُ، وكَأنَّ في الكَلامِ عَلَيْهِ قَلْبًا أيْ جَعَلْنا أعْناقَهم في أغْلالٍ كَما تَقُولُ جَعَلْتُ الخاتَمَ في إصْبَعِي أيْ جَعَلْتُ إصْبَعِي في الخاتَمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَدِّ ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ أيْ أغْلالًا عَظِيمَةً هائِلَةً، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ مِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ﴿فَهِيَ﴾ أيِ الأغْلالِ كَما هو الظّاهِرُ ﴿إلى الأذْقانِ﴾ جَمْعُ ذَقَنٍ بِالتَّحْرِيكِ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ مِن أسْفَلِهِما، وألْ لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ خَبَرُ هِيَ، أيْ فَهي واصِلَةٌ أوْ مُنْتَهِيَةٌ إلى أذْقانِهِمْ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وقِيلَ: لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ بِناءً عَلى عَدَمِ حَمْلِ التَّنْوِينِ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ نَتِيجَةٌ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ فالفاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ أيْضًا، والمُقْمَحُ عَلى ما في النِّهايَةِ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ ويَغُضُّ بَصَرَهُ وكَأنَّهُ أرادَ المَجْهُولَ بِحَيْثُ يَرْفَعُ الخ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَمَحَ البَعِيرُ قُمُوحًا إذا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ الحَوْضِ ولَمْ يَشْرَبْ، والجَمْعُ قِماحٌ، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرٍ يَصِفُ سَفِينَةً أخَذَهُمُ المَيْدُ فِيها:
ونَحْنُ عَلى جَوانِبِها قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ
وقالَ اللَّيْثُ: هو رَفْعُ البَعِيرِ رَأْسَهُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَرِيهَ ثُمَّ يَعُودُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكانُونَيْنِ شَهْرًا قُماحٍ بِضَمِّ القافِ وكَسْرِها، لِأنَّ الإبِلَ إذا ورَدَتِ الماءَ تَرْفَعُ رُؤُوسَها لِشِدَّةِ بَرْدِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: القَمْحُ رَفْعُ الرَّأْسِ لَسَفِّ الشَّيْءِ المُتَّخَذِ مِنَ القَمْحِ أيِ البُرِّ إذا جَرى في السُّنْبُلِ مِن لَدُنِ الإنْضاجِ إلى حِينِ الِاكْتِنازِ، ثُمَّ يُقالُ لِرَفْعِ الرَّأْسِ كَيْفَما كانَ قَمْحٌ، وقَمَحَ البَعِيرُ رَفَعَ رَأسَهُ وأقْمَحْتُ البَعِيرَ شَدَدْتُ رَأْسَهُ إلى خَلْفٍ، وقِيلَ: المُقْمِحُ الَّذِي يَجْذِبُ ذَقَنُهُ حَتّى يَصِيرَ في صَدْرِهِ ثُمَّ يَرْفَعُ، وقالَ مُجاهِدٌ: القامِحُ الرّافِعُ الرَّأْسِ الواضِعُ يَدَهَ عَلى فِيهِ، وقالَ الحَسَنُ: هو الطّامِحُ بِبَصَرِهِ إلى مَوْضِعِ قَدَمِهِ، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هُناكَ نَكْسٌ لِلرَّأْسِ والمَعْرُوفُ في القَمْحِ الرَّفْعُ، ووَجْهُ التَّفْرِيعِ
صفحة 215
أنَّ طَوْقَ الغُلِّ الَّذِي في عُنُقِ المَغْلُولِ يَكُونُ في مُلْتَقى طَرَفَيْهِ تَحْتَ الذَّقَنِ حَلْقَةٌ فِيها رَأْسُ العَمُودِ نادِرًا مِنَ الحَلْقَةِ إلى الذَّقَنِ فَلا يُخَلِّيهِ يُطَأْطِئُ ويُوطِئُ قَذالَهُ فَلا يَزالُ مُقْمَحًا لا سِيَّما إذا كانَ الغُلُّ عَظِيمًا، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الإغْلالَ عَرِيضَةٌ تَبْلُغُ بِحُرُوفِها الأذْقانَ أيْ فَيَحْصُلُ القَمْحُ، وكَلامُ اِبْنِ الأثِيرِ يُشْعِرُ أنَّ القَمْحَ لِضِيقِ الغُلِّ، وإنْ أُرِيدَ جَعَلْنا في كُلٍّ مِن أعْناقِهِمْ أغْلالًا كانَ أمْرُ القَمْحِ أظْهَرَ وأظْهَرَ، وقالَ البَغَوِيُّ والطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ واَلطَّبَرْسِيُّ: ضَمِيرُ هي لِلْأيْدِي وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ لِوُضُوحِ مَكانِها مِنَ المَعْنى لِأنَّ الغُلَّ يَتَضَمَّنُ العُنُقَ واليَدَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ جامِعَةً وما يَكُونُ في العُنُقِ وحْدَهُ أوْ في اليَدِ وحْدَها لا يُسَمّى غُلًّا، فَمَتى ذُكِرَ مَعَ العُنُقِ فاليَدُ مُرادَّةٌ أيْضًا ومَتى ذُكِرَ مَعَ اليَدِ كَما في قِراءَةِ اِبْنِ عَبّاسٍ «فِي أيْدِيهِمْ أغْلالًا» وفي قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ «فِي أيْمانِهِمْ أغْلالًا» فالعُنُقُ مُرادٌ أيْضًا، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ والِاخْتِصارِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا ∗∗∗ أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي
أالخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ∗∗∗ أمِ الشَّرِّ الَّذِي لا يَأْتَلِينِي
حَيْثُ ذَكَرَ الخَيْرَ وحْدَهُ وقالَ أيُّهُما أيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ يَعْرِضانِ لِلْإنْسانِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما تَقَدَّمَ ثُمَّ قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ ألا تَرى كَيْفَ جَعَلَ الإقْماحَ نَتِيجَةَ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ ولَوْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْأيْدِي لَمْ يَكُنْ مَعْنى التَّسَبُّبِ في الإقْماحِ ظاهِرًا عَلى أنَّ هَذا الإضْمارَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَسُّفِ، وتَرْكُ الظّاهِرِ الَّذِي يَدْعُوهُ المَعْنى إلى نَفْسِهِ إلى الباطِنِ الَّذِي يَجْفُو عَنْهُ تَرْكٌ لِلْحَقِّ الأبْلَجِ إلى الباطِلِ اللَّجْلَجِ اه.
وصاحِبُ الِانْتِصافِ أرادَ الِانْتِصارَ لِلْجَماعَةِ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاءُ في ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ لِلتَّعْقِيبِ كَسابِقِهِ أوْ لِلتَّسَبُّبِ فَإنَّ ضَغْطَ اليَدِ مَعَ العُنُقِ يُوجِبُ الإقْماحَ لِأنَّ اليَدَ تَبْقى مُمْسِكَةً بِالغُلِّ تَحْتَ الذَّقَنِ رافِعَةً لَها، ولِأنَّ اليَدَ إذا كانَتْ مُطْلَقَةً كانَتْ راحَةً لِلْمَغْلُولِ فَرُبَّما يَتَحَيَّلُ بِها عَلى فِكاكِ الغُلِّ فَيَكُونُ مُنَبِّهًا عَلى اِنْسِدادِ بابِ الحِيلَةِ اه.
قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والجَوابُ أنَّهُ لا فَخامَةَ لِلتَّعْقِيبِ المُجَرَّدِ، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ نَحْنُ فِيما سَبَقَ مُسْتَقِلٌّ في حُصُولِ الإقْماحِ فَأيْنَ التَّعْقِيبُ، وبِهِ خَرَجَ الجَوابُ عَنِ التَّسَبُّبِ، وقَوْلُهُ: ولِأنَّ اليَدَ إلخ لا يَسْتَقِلُّ جَوابًا دُونَ الأوَّلَيْنِ اه، وعَلى العِلّاتِ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى الإغْلالِ هو الحَرِيُّ بِالِاعْتِبارِ، وبَلاغَةُ الكِتابِ الكَرِيمِ تَقْتَضِيهِ ولا تَكادُ تَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ.
يس 36:9
﴿وجَعَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿جَعَلْنا﴾ السّابِقِ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن قُدّامِهِمْ ﴿سَدًّا﴾ عَظِيمًا، وقِيلَ نَوْعًا مِنَ السَّدِّ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن ورائِهِمْ ﴿سَدًّا﴾ كَذَلِكَ والقُدّامُ والوَراءُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ ﴿فَأغْشَيْناهُمْ﴾ فَغَطَّيْنا بِما جَعَلْناهُ مِنَ السَّدِّ أبْصارَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَأغْشَيْناهُمْ﴾ فَألْبَسْنا أبْصارَهم غِشاوَةً ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ لا يَقْدِرُونَ عَلى إبْصارِ شَيْءٍ ما أصْلًا.
وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرُهم «سُدًّا» بِضَمِّ السِّينِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ ما كانَ مِن عَمَلِ النّاسِ فَهو بِالفَتْحِ وما كانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَهو بِالضَّمِّ، وقِيلَ بِالعَكْسِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ والنَّخْعِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَنِيفَةَ ويَزِيدُ البَرْبَرِيُّ ويَزِيدُ بْنُ المُهَلَّبِ وابْنُ مُقْسِمٍ «فَأعْشَيْناهُمْ» بِالعَيْنِ مِنَ العَشا وهو ضَعْفُ البَصَرِ، ومَجْمُوعُ المُتَعاطِفَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا﴾ إلخ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ إلخ مِن
صفحة 216
سُوءِ اِخْتِيارِهِمْ وقُبْحِ حالِهِمْ، فَإنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى إيّاهم بِما أظْهَرَ فِيهِمْ مِنَ الإعْجابِ العَظِيمِ بِأنْفُسِهِمْ مُسْتَكْبِرِينَ عَنِ اِتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ شامِخِينَ بِرُؤُوسِهِمْ غَيْرَ خاضِعِينَ لِما جاؤُوا بِهِ وسَدَّ أبْوابَ النَّظَرِ فِيما يَنْفَعُهم عَلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ لَيْسَ إلّا لِأنَّهم سَيِّئُو الِاخْتِيارِ وقَبِيحُو الأحْوالِ قَدْ عَشِقَتْ ذَواتُهم ما هم عَلَيْهِ عِشْقًا ذاتِيًّا وطَلَبَتْهُ طَلَبًا اِسْتِعْدادِيًّا، فَلَمْ تَكُنْ لَها قابِلِيَّةٌ لِغَيْرِهِ، ولَمْ تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ، وإذا قايَسَتْ بَيْنَ ذَواتِهِمْ وما هم عَلَيْهِ وبَيْنَ الجِسْمِ والحَيِّزِ أوِ الثَّلاثَةِ والفَرْدِيَّةِ مَثَلًا لَمْ تَكَدْ تَجِدْ فَرْقًا ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [اَلنَّحْلِ: 33].
فَفِي الكَلامِ تَشْبِيهاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَما لَوَّحْنا إلَيْهِ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ وإنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ في الآيَةِ، وفي الِانْتِصافِ إذا فُرِّقَ التَّشْبِيهُ كانَ تَصْمِيمُهم عَلى الكُفْرِ مُشَبَّهًا بِالأغْلالِ وكانَ اِسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والتَّواضُعِ لِاسْتِماعِهِ مُشَبَّهًا بِالإقْماحِ لِأنَّ المُقْمَحَ لا يُطَأْطَأُ رَأْسُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ تَتِمَّةٌ لِلُزُومِ الإقْماحِ لَهم وكانَ عَدَمُ النَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ مُشَبَّهًا بِسَدٍّ مِن خَلْفِهِمْ، وعَدَمُ النَّظَرِ في العَواقِبِ المُسْتَقْبَلَةِ مُشَبَّهًا بِسَدٍّ مِن قُدّامِهِمْ، وفي التَّيْسِيرِ جَمْعُ الأيْدِي إلى الأذْقانِ بِالأغْلالِ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ التَّوْفِيقِ حَتّى اِسْتَكْبَرُوا عَنِ الحَقِّ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ يُوصَفُ بِرَفْعِ العُنُقِ والمُتَواضِعَ بِضِدِّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [اَلشُّعَراءِ: 4] ولَمْ يُذْكَرِ المُرادُ بِجَعْلِ السَّدِّ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ المانِعَ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ قِسْمانِ قِسْمٌ يَمْنَعُ عَنِ النَّظَرِ في الأنْفُسِ فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالغُلِّ الَّذِي يَجْعَلُ صاحِبَهُ مُقْمَحًا لا يَرى نَفْسَهُ ولا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلى بَدَنِهِ وقِسْمٌ يَمْنَعُ عَنِ النَّظَرِ في الآفاقِ فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالسَّدِّ المُحِيطِ فَإنَّ المُحاطَ بِالسَّدِّ لا يَقَعُ نَظَرُهُ عَلى الآفاقِ فَلا يَظْهَرُ لَهُ ما فِيها مِنَ الآياتِ، فَمَنِ اُبْتُلِيَ بِهِما حُرِمَ عَنِ النَّظَرِ بِالكُلِّيَّةِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿إنّا جَعَلْنا﴾ إلخ تَمْثِيلًا مَسُوقًا لِتَقْرِيرِ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ اِرْعُوائِهِمْ عَنْهُ فَيَكُونُ قَدْ مَثَّلَ حالَهم في ذَلِكَ بِحالِ الَّذِينَ غُلَّتْ أعْناقُهُمْ، وجُوِّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا﴾ إلخ أنْ يَكُونَ تَتِمَّةً لِذَلِكَ وتَكْمِيلًا لَهُ، وأنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا مُسْتَقِلًّا فَإنَّ جَعْلَهم مَحْصُورِينَ بَيْنَ سَدَّيْنِ هائِلَيْنِ قَدْ غَطَّيا أبْصارَهم بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا قِطْعًا كافٍ في الكَشْفِ عَنْ كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ في مَطْمُورَةِ الغَيِّ والجَهالاتِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا﴾ الآيَةَ عَلى حَقِيقَتِها لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا النّارَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ولا يُضَعِّفُ هَذا كَما زَعَمَ اِبْنُ عَطِيَّةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ بَصَرَ الكافِرِ يَوْمَئِذٍ حَدِيدٌ يَرى قُبْحَ حالِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [اَلْإسْراءِ: 97] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى﴾ [طه: 125] فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالَيْنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22] كِنايَةً عَنْ إدْراكِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حَتّى كَأنَّهُ يُبْصِرُهُ، واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ أجْنَبِيًّا في البَيْنِ وتَوْجِيهُهُ بِأنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ قَدْ دَغْدَغَ فِيهِ، والإنْصافُ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ اِسْتِعارَةٌ لِمَنعِهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [اَلْإسْراءِ: 29] ولَعَلَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ اِسْتِعارَةً لِمَنعِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ الخَيْرِ والسَّعْيِ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الكَلامِ عَلى هَذا أجْنَبِيًّا في البَيْنِ في غايَةِ الظُّهُورِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في المَسْجِدِ فَيَجْهَرُ بِالقِراءَةِ فَتَأذّى بِهِ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ حَتّى قامُوا لِيَأْخُذُوهُ فَإذا أيْدِيهم مَجْمُوعَةٌ إلى أعْناقِهِمْ وإذا هم لا يُبْصِرُونَ فَجاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى والرَّحِمَ يا مُحَمَّدُ، قالَ ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ قَرابَةٌ،
صفحة 217
فَدَعا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى ذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهم فَنَزَلَتْ ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن مِن ذَلِكَ النَّفَرِ أحَدٌ».
ورُوِيَ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في بَنِي مَخْزُومٍ وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ حَمَلَ حَجَرًا لِيَنالَ بِها ما يُرِيدُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي فَأثْبَتَتْ يَدَهُ إلى عُنُقِهِ حَتّى عادَ إلى أصْحابِهِ والحَجَرُ قَدْ لَزِقَ بِيَدِهِ فَما فَكُّوهُ إلّا بِجُهْدٍ فَأخَذَهُ مَخْزُومِيٌّ آخَرُ فَلَمّا دَنا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ طَمَسَ اللَّهُ تَعالى بَصَرَهُ فَعادَ إلى أصْحابِهِ فَلَمْ يُبْصِرْهم حَتّى نادَوْهُ فَقامَ ثالِثٌ فَقالَ: لَأشْدَخَنَّ أنا رَأْسَهُ ثُمَّ أخَذَ الحَجَرَ وانْطَلَقَ فَرَجَعَ القَهْقَرى يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ حَتّى خَرَّ عَلى قَفاهُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ما شَأْنُكَ؟ قالَ: عَظِيمًا رَأيْتُ الرَّجُلَ فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ فَإذا فَحْلٌ ما رَأيْتُ فَحْلًا أعْظَمَ مِنهُ حالَ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَواللّاتِ والعُزّى لَوْ دَنَوْتُ مِنهُ لَأكَلَنِي.
فَجَعْلُ الغُلِّ يَكُونُ اِسْتِعارَةً عَنْ مَنعِ مَن أرادَ أذاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعْلُ السَّدِّ اِسْتِعارَةً عَنْ سَلْبِ قُوَّةِ الأبْصارِ كَما قِيلَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: السَّدُّ ظَلَمَةٌ حالَتْ فَمَنَعَتِ الرُّؤْيَةَ، وجاءَ في الآثارِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْرَبُ مِنهُ، والرَّبْطُ عَلَيْها غَيْرُ ظاهِرٍ، ولَعَلَّهُ بِاعْتِبارِ إشارَةِ الآيَتَيْنِ إلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ وشِدَّةِ العِنادِ، ومَعَ هَذا الأرْجَحُ في نَظَرِ البَلِيغِ حَمْلُ الكَلامِ عَلى غَيْرِ ما تَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ الآثارِ مِمّا سَمِعْتَ، ولَيْسَ فِيها ما يُنافِيهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَتَأمَّلْ.
يس 36:10
﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أيْ مُسْتَوٍ عِنْدَهم إنْذارُكَ إيّاهم وعَدَمُهُ حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿إنّا جَعَلْنا﴾ وكَأنَّهُ جِيءَ بِهِ لِلتَّصْرِيحِ بِما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ بِناءً عَلى أنَّهُ مِمّا يَسْتَتْبِعُ الجَعْلَ المَذْكُورَ، وقَرِيبٌ مِنهُ القَوْلُ بِأنَّ ما تَقَدَّمَ لِبَيانِ حالِهِمُ المَجْعُولِ وهَذا لِبَيانِ حالِهِمْ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ جَعْلٍ، وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ الخ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ هو بَيانٌ لِشَأْنِهِمْ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ إثْرَ بَيانِهِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ لَمْ يُورَدْ بِالفاءِ مَعَ تَرَتُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ إمّا تَفْوِيضًا لِذِهْنِ السّامِعِ أوْ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ هُنا، اِنْتَهى، وانْظُرْ هَلْ تَجِدُ مانِعًا مِنَ العَطْفِ عَلى ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ لِيَكُونَ خَبَرًا لَهم أيْضًا داخِلًا في حَيِّزِ الفاءِ، والتَّفْرِيعُ عَلى ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ الخ، واخْتِلافُ الجُمْلَتَيْنِ بِالِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ لا أراكَ تَعُدُّهُ مانِعًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِما فِيهِ مِن إجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
يس 36:11
ولِما بَيْنَ كَوْنِ الإنْذارِ عِنْدَهم كَعَدَمِهِ عَقَّبَ بِبَيانِ مَن يَتَأثَّرُ مِنهُ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ أيْ إنْذارًا مُسْتَتْبِعًا لِلْأثَرِ.
﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أيِ القُرْآنَ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ والعَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: الوَعْظُ، واتَّبَعَ بِمَعْنى يَتَّبِعُ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أوِ المَعْنى إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا، ويَكُونُ المُرادُ بِمَنِ اِتَّبَعَ المُؤْمِنِينَ وبِالإنْذارِ الإنْذارَ عَمّا يَفْرُطُ مِنهم بَعْدَ الِاتِّباعِ فَلا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنِ اِتَّبَعَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهُمُ الأقَلُّونَ الَّذِينَ لَمْ يَحِقُّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ.
﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ أيْ عِقابَهُ ولَمْ يَغْتَرَّ بِرَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ عِظَمِ رَحْمَتِهِ ألِيمُ العَذابِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [اَلْحِجْرِ: 49] وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ، ومِمّا قُرِّرَ يُعْلَمُ سِرُّ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ مَعَ الخَشْيَةِ دُونَ القَهّارِ ونَحْوِهِ.
﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِنَ المُضافِ المُقَدَّرِ في نَظْمِ الكَلامِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، أيْ خَشِيَ عِقابَ الرَّحْمَنِ حالَ كَوْنِ العِقابِ مُلْتَبِسًا بِالغَيْبِ أيْ غائِبًا عَنْهُ، وحاصِلُهُ خَشِيَ العِقابَ قَبْلَ حُلُولِهِ ومُعايَنَةِ أهْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( خَشِيَ ) أيْ خَشِيَ عِقابَ الرَّحْمَنِ غائِبًا عَنِ
صفحة 218
العِقابِ غَيْرَ مُشاهِدٍ لَهُ، أوْ خَشِيَ غائِبًا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ غَيْرَ مُظْهِرِ الخَشْيَةِ لَهُمْ، لِأنَّها عَلانِيَةٌ قَلَّما تَسْلَمُ عَنِ الرِّياءِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الغَيْبَ بِالقَلْبِ وجَعَلَ الجارَّ مُتَعَلِّقًا بِخَشِيَ أيْ خَشِيَ في قَلْبِهِ ولَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِلْخَشْيَةِ ولَيْسَ بِخاشٍ، قِيلَ: ويَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ ( الرَّحْمَنَ ) ولا يَخْفى حالُهُ، والكَلامُ في خَشِيَ عَلى طُرُزِ الكَلامِ في ﴿اتَّبَعَ﴾ .
﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ لِما سَلَفَ، وقِيلَ: لِما يَفْرُطُ مِنهُ ﴿وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حَسَنٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِما أسْلَفَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ البِشارَةِ أوِ الأمْرِ بِها عَلى ما قَبْلَها مِنَ اِتِّباعِ الذِّكْرِ والخَشْيَةِ. وفي البَحْرِ لَمّا أجْدَتْ فِيهِ النِّذارَةُ فَبَشِّرْهُ الخ، فَلا تَغْفُلْ.
وعَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرُ الأجْرِ الكَرِيمِ بِالجَنَّةِ والمُرادُ نَعِيمُها الشّامِلُ لِما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وأجَلُّ جَمِيعِ ذَلِكَ رُؤْيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
يس 36:12
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ إلخ تَذْيِيلٌ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ المُصَمِّمَيْنِ عَلى الكُفْرِ والمُشَفَّعَيْنِ بِالإنْذارِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا ووَعِيدًا ووَعْدًا، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أوْ لِلتَّقْوِيَةِ، وما ألْطَفَ هَذا الضَّمِيرُ الَّذِي عَكْسُهُ كَطَرْدِهِ هاهُنا، وضَمِيرُ العَظَمَةِ لِلْإشارَةِ إلى جَلالَةِ الفِعْلِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الخَبَرِ أوْ لِرَدِّ الإنْكارِ فَإنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [اَلْمُؤْمِنُونَ: 37] أيْ إنّا نَحْنُ نُحْيِي الأمْواتَ جَمِيعًا بِبَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ ما أسْلَفُوهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ ﴿وآثارَهُمْ﴾ الَّتِي أبْقَوْها بَعْدَهم مِنَ الحَسَناتِ كَعِلْمٍ عَلَّمُوهُ أوْ كِتابٍ ألَّفُوهُ أوْ حَبِيسٍ وقَفُوهُ أوْ بِناءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بَنُوهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ ومِنَ السَّيِّئاتِ كَتَأْسِيسِ قَوانِينِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ الَّتِي أحْدَثُوها وسَنُّوها بَعْدَهم لِلْمُفْسِدِينَ.
أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن بَعْدِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا ثُمَّ تَلا ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾»،» وعَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا في الخَطْوِ يَوْمَ الجُمْعَةِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآثارَ بِالخَطَأِ إلى المَساجِدِ مُطْلَقًا لِما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ «كانَ بَنُو سَلَمَةَ في ناحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأرادُوا أنْ يَنْتَقِلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّهُ يَكْتُبُ آثارَكم ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمُ الآيَةَ، فَتَرَكُوا».
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ كانَتِ الأنْصارُ مَنازِلُهم بَعِيدَةٌ مِنَ المَسْجِدِ فَأرادُوا أنْ يَنْتَقِلُوا قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ فَنَزَلَتْ ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فَقالُوا بَلْ: نَمْكُثُ مَكانَنا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيما ذُكِرَ عَلى أنَّ الآثارَ هي الخُطا لا غَيْرَ وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّها مِنَ الآثارِ فَلْتُحْمَلِ الآثارُ عَلى ما يَعُمُّها وغَيْرِها. واسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الخَبِرَيْنِ ونَحْوِهِما عَلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَ ذَلِكَ زَعْمًا صَحِيحًا وشَنَّعَ عَلَيْهِ بِما ورَدَ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وانْتَصَرَ لَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ مَعارَضٌ بِما في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ لَهم هَذِهِ الآيَةَ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تُنافِي تَقَدُّمَ النُّزُولِ، ومُرادُ أبِي حَيّانَ هَذا لا أنَّهُ أنْكَرَ أصْلَ الحَدِيثِ، ولا يَخْفى أنَّ الحَدِيثَيْنِ
صفحة 219
السّابِقَيْنِ ظاهِرانِ في أنَّ الآيَةَ: نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ ولَيْسَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ما يُعارِضُ ذَلِكَ، والعَجَبُ مِنَ الخَفاجِيِّ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذا.
وقِيلَ ما قَدَّمُوا مِنَ النِّيّاتِ وآثارَهم مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابَةِ الكِتابَةُ في صُحُفِ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ ولِكَوْنِها بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأُخِّرَتْ في الذِّكْرِ عَنِ الأحْياءِ مَعَ أنَّها مُقْدَّمَةٌ عَلَيْهِ لِأنَّ أثَرَها إنَّما يَظْهَرُ بَعْدَهُ، وعَلى هَذا يَضْعُفُ تَفْسِيرُ ما قَدَّمُوا بِالنِّيّاتِ بِناءً عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ مِن أنَّ النِّيّاتِ لا تَطَّلِعُ عَلَيْها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يُؤْمَرُونَ بِكِتابَتِها.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَةَ بِالحِفْظِ أيْ نَحْفَظُ ذَلِكَ ونُثْبِتُهُ في عِلْمِنا لا نَنْساهُ ولا نُهْمِلُهُ كَما يَثْبُتُ المَكْتُوبُ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ أنَّ كِتابَةَ ما قَدَّمُوا وآثارَهم كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وحِينَئِذٍ فَوَجْهُ ذِكْرِها بَعْدَ الإحْياءِ ظاهِرٌ.
وعَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ أنَّ إحْياءَ اللَّهِ تَعالى المَوْتى أنْ يُخْرِجَهم مِنَ الشِّرْكِ إلى الإيمانِ وجَعَلا المَوْتَ مَجازًا عَنِ الجَهْلِ، وتَعْرِيفُ «اَلْمَوْتى» لِلْعَهْدِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَوْكِيدُ المَوْعِدِ المُبَشَّرِ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ في هَؤُلاءِ لِأنّا نُحَيِّيهِمْ ونَكْتُبُ صالِحَ أعْمالِهِمْ وآثارِهِمْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ، وقَرَأ زَرٌّ ومَسْرُوقٌ «ويُكْتَبُ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «وآثارُهُمْ» بِالرَّفْعِ.
﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، والنَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ أيْ وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ أيْ بَيَّنّاهُ وحَفِظْناهُ، وأصْلُ الإحْصاءِ العَدُّ ثُمَّ تُجُّوِزَ بِهِ عَمّا ذَكَرَ لِأنَّ العَدَّ لِأجْلِهِ.
﴿فِي إمامٍ﴾ أيْ أصْلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ يُؤْتَمُ ويُقْتَدى بِهِ ويُتَّبَعُ ولا يُخالَفُ ﴿مُبِينٍ﴾ مُظْهِرٌ لِما كانَ وسَيَكُونُ، وهو - عَلى ما في البَحْرِ حِكايَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ - اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وبَيانُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ إذا حُمِلَ العُمُومُ عَلى حَقِيقَتِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ حَوادِثَ الجَنَّةِ وما يَتَجَدَّدُ لِأهْلِها مِن دُونِ اِنْقِطاعٍ عَلى ما نَحْوَ ما يُحْكى مِن بَيانِ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ في الجَفْرِ الجامِعِ لَكِنَّهُ عَلى طُرُزِ أعَلا وأشْرَفَ، ونَحْوَ هَذا ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اِشْتِمالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَتّى أسْماءِ المُلُوكِ ومُدَدِ مُلْكِهِمْ، أوْ يُقالُ إنَّ بَيانَ ذَلِكَ فِيهِ لَيْسَ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ دُفُعاتٍ بِأنْ يُبَيَّنَ فِيهِ جُمْلَةٌ مِنَ الأشْياءِ كَحَوادِثِ ألْفِ سَنَةٍ مَثَلًا ثُمَّ تُمْحى عِنْدَ تَمامِ الألْفِ ويُبَيَّنُ فِيهِ جُمْلَةٌ أُخْرى كَحَوادِثِ ألْفٍ أُخْرى وهَكَذا، والدّاعِي لِما ذُكِرَ أنَّ اللَّوْحَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ جِسْمٌ وكُلُّ جِسْمٍ مُتَناهِي الأبْعادِ كَما تَشْهَدُ بِهِ الأدِلَّةُ وبَيانُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ لَنا دُفْعَةً مُقْتَضٍ لِكَوْنِ المُتَناهِي ظَرْفًا لِغَيْرِ المُتَناهِي وهو مُحالٌ بِالبَدِيهَةِ. وإذا أُرِيدَ بِكُلِّ شَيْءِ الأشْياءُ الَّتِي في هَذِهِ النَّشْأةِ وأفْعالُ العِبادِ وأحْوالُهم فِيها فَلا إشْكالَ في البَيانِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ دُفْعَةً.
واَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ ما كُتِبَ في اللَّوْحِ ما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو مُتَناهٍ وبَعْضُ الآثارِ تَشْهَدُ بِذَلِكَ والمُطْلَقُ مِنها مَحْمُولٌ عَلى المُقَيَّدِ، وحَقِيقَةُ اللَّوْحِ لَمْ يَرِدْ فِيها ما يُفِيدُ القَطْعُ ولِذا نُمْسِكُ عَنْ تَعْيِينِها، وكَوْنُ أحَدِ وجْهَيْهِ ياقُوتَةً حَمْراءَ والثّانِي زُمُرُّدَةً خَضْراءَ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ولا جَزْمَ لَنا بِصِحَّتِهِ، وكَوْنُهُ أحَدَ المُجَرَّداتِ وما مِن شَيْءٍ إلّا وهو يَعْلَمُهُ بِالفِعْلِ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما هو مِن تَخَيُّلاتِ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإمامَ المُبِينَ بِعِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ كَما فَسَّرَ أُمَّ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [اَلرَّعْدِ: 39] بِهِ، وهو أصْلٌ لا يَكُونُ في صُفُوفِ صُنُوفِ المُمْكِناتِ ما يُخالِفُهُ كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُ الشّافِعِيِّ:
خَلَقْتَ العِبادَ عَلى ما عَلِمْتَ فَفي العِلْمِ يَجْرِي الفَتى والمُسِنُّ
ووَصْفُهُ بِمُبِينٍ لِأنَّهُ مُظْهَرٌ فَقَدْ قالُوا: العِلْمُ صِفَةٌ يَتَجَلّى بِها المَذْكُورُ لِمَن قامَتْ بِهِ أوْ لِأنَّ إظْهارَ الأشْياءِ مِن
صفحة 220
خَزائِنِ العَدَمِ يَكُونُ بَعْدَ تَعَلُّقِهِ فَإنَّ القُدْرَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ العِلْمِ، فالشَّيْءُ يُعْلَمُ أوَّلًا ثُمَّ يُرادُ ثُمَّ تَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِإيجادِهِ فَيُوجِدُ، ولا يَخْفى ما في هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ اِرْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وعَلَيْهِ فَلا كَلامَ في العُمُومِ، نَعَمْ في كَيْفِيَّةِ وُجُودِ الأشْياءِ في عِلْمِهِ تَعالى كَلامٌ طَوِيلٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الكَلامِ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ صُحُفُ الأعْمالِ ولَيْسَ بِذاكَ، وحُكِيَ لِي عَنْ بَعْضِ غُلاةِ الشِّيعَةِ أنَّ المُرادَ بِالإمامِ المُبِينِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإحْصاءُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ مِن بابِ:
لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرِ ∗∗∗ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ
ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى جَعْلِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خِزانَةً لِلْمَعْلُوماتِ عَلى نَحْوِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الجَهْلِ بِالكِتابِ الجَلِيلِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ نَحْوَ ما أرادَهُ المُتَصَوِّفَةُ في إطْلاقِهِمُ الكِتابَ المُبِينَ عَلى الإنْسانِ الكامِلِ اِصْطِلاحًا مِنهم عَلى ذَلِكَ فَيَهُونُ أمْرُ الجَهْلِ، وكَمالُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا ناقِصُ العَقْلِ عَدِيمُ الدِّينِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «وكَّلِ» بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ
يس 36:13
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وإمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَأنْذِرْهم واضْرِبْ لَهم الخ، وضَرْبُ المَثَلِ يُسْتَعْمَلُ تارَةً في تَطْبِيقِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ﴾ [اَلتَّحْرِيمِ: 10] الآيَةَ، وأُخْرى في ذِكْرِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ وبَيانِها لِلنّاسِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَطْبِيقِها بِنَظِيرَةٍ لَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبْراهِيمَ: 45] في وجْهٍ، أيْ بَيَّنّا لَكم أحْوالًا بَدِيعَةً هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ اِجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ مَثَلًا لِهَؤُلاءِ في الغُلُوِّ في الكُفْرِ والإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، أيْ طَبِّقْ حالَهم بِحالِهِمْ عَلى أنَّ ﴿مَثَلا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اِضْرِبْ) و﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ أُخِّرَ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو شَرْحُهُ وبَيانُهُ، وعَلى الثّانِي اُذْكُرْ وبَيِّنْ لَهم قِصَّةً هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِثْلِ أصْحابِ القَرْيَةِ، وهَذا المُضافُ بَدَلٌ مِن ﴿مَثَلا﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ اِخْتِلافِهِما تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ مَفْعُولًا وهَذا حالًا، والقَرْيَةُ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وبُرَيْدَةَ وعِكْرِمَةَ أنْطاكِيَّةُ، وفي البَحْرِ أنَّها هي بِلا خِلافٍ.
﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِلْمُقَدَّرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن ﴿أصْحابَ﴾ مُرادًا بِهِمْ قِصَّتَهم وبِالظَّرْفِ ما فِيهِ وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إذْ جاءَها دُونَ إذْ جاءَهم إشارَةٌ إلى أنَّ المُرْسَلِينَ أتَوْهم في مَقَرِّهِمْ، والمُرْسَلُونَ عِنْدَ قَتادَةَ وغَيْرِهِ مِن أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ رُسُلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَعَثَهم حِينَ رُفِعَ إلى السَّماءِ، ونِسْبَةُ إرْسالِهِمْ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
يس 36:14
﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ كانَ بِأمْرِهِ تَعالى لِتَكْمِيلِ التَّمْثِيلِ وتَتْمِيمِ التَّسْلِيَةِ، وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ هم رُسُلُ اللَّهِ تَعالى: واخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وادَّعى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهم رِدْءًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَرِّرِينَ لِشَرِيعَتِهِ كَهارُونَ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وأُيِّدَ بِظاهِرِ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ وقَوْلِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما ﴿أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذِ البَشَرِيَّةُ تُنافِي عَلى زَعْمِهِمُ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، واسْتَدَلَّ البَعْضُ عَلى ذَلِكَ بِظُهُورِ المُعْجِزَةِ كَإبْراءِ الأكْمَهِ وإحْياءِ المَيِّتِ عَلى أيْدِيهِمْ، كَما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ، والمُعْجِزَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالنَّبِيِّ عَلى ما قُرِّرَ في
صفحة 221
الكَلامِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أجابَ عَنِ الأوَّلِ بِما سَمِعْتَ وعَنِ الثّانِي بِأنَّهم إمّا أنْ يَكُونُوا دَعُوهم عَلى وجْهٍ فَهِمُوا مِنهُ أنَّهم مُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى دُونَ واسِطَةٍ أوْ أنَّهم جَعَلُوا الرُّسُلَ بِمَنزِلَةِ مُرْسِلِهِمْ فَخاطَبُوهم بِما يُبْطِلُ رِسالَتَهُ ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ الحاضِرِ تَغْلِيبًا فَقالُوا ما قالُوهُ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ ما ظَهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ إنْ صَحَّ الأثَرُ كانَ كَرامَةً لَهم في مَعْنى المُعْجِزَةِ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مُعْجِزَةً لَهم إلّا إذا كانُوا قَدِ اِدَّعَوُا الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ واسِطَةٍ، وهو أوَّلُ المَسْألَةِ.
و«إذْ» بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والِاثْنانِ قِيلَ: يُوحَنّا وبُولِسُ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُومانُ وبُولِسُ، وقالَ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ: شَمْعُونُ ويُوحَنّا، وقالَ وهْبٌ وكَعْبٌ: صادِقٌ وصَدُوقٌ، وقِيلَ نازُوصُ ومارُوصُ.
وقِيلَ ﴿أرْسَلْنا إلَيْهِمُ﴾ دُونَ أرْسَلَنا إلَيْها لِيُطابِقَ (إذْ جاءَها) لِأنَّ الإرْسالَ حَقِيقَةً إنَّما يَكُونُ إلَيْهِمْ لا إلَيْها بِخِلافِ المَجِيءِ وأيْضًا التَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ عَلَيْهِ أظْهَرُ، وهو هَنا نَظِيرُ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ [اَلْأعْرافِ: 160] وسُمِّيَتِ الفاءَ الفَصِيحَةَ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ وكانَ أصْحابُ القَرْيَةِ إذْ ذاكَ عِبادَ أصْنامٍ.
﴿فَعَزَّزْنا﴾ أيْ قَوَّيْناهُما وشَدَدْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ يُقالُ: تَعَزَّزَ لَحْمُ النّاقَةِ إذا صَلُبَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ عَزَّزَ المَطَرُ الأرْضَ إذا لَبَّدَها وشَدَّها، ويُقالُ لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ العِزازُ ومِنهُ العِزُّ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، ومَفْعُولُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَزَزْناهُما ﴿بِثالِثٍ﴾ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ المُعَزَّزِ بِهِ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: شَمْعُونُ الصَّفا، ويُقالُ: سَمْعانُ أيْضًا، وقالَ وهْبٌ وكَعْبٌ: شَلُومُ، وعِنْدَ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ: بُولِصُ بِالصّادِ وبَعْضُهم يَحْكِيهِ بِالسِّينِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانُ «فَعَزَزْنا» بِالتَّخْفِيفِ وهو التَّشْدِيدُ لُغَتانِ كَشِدَّةٍ وشَدَّدَهُ فالمَعْنى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ المُخَفَّفُ مِن عَزَّهُ إذا غَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهم مَن عَزِيزٍ أيْ مَن غُلِبَ سُلِبَ، والمَعْنى عَلَيْهِ فَغَلَبْناهم بِحُجَّةِ ثالِثٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِالثّالِثِ».
﴿فَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ فَقالَ الثَّلاثَةُ بَعْدَ تَكْذِيبِ الِاثْنَيْنِ والتَّعْزِيزِ بِثالِثٍ ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ ولا يَضُرُّ في نِسْبَةِ القَوْلِ إلى الثَّلاثَةِ سُكُوتُ البَعْضِ إذْ يَكْفِي الِاتِّفاقُ بَلْ قالُوا طَرِيقَةُ التَّكَلُّمِ مَعَ الغَيْرِ كَوْنُ المُتَكَلِّمُ واحِدًا والغَيْرُ مُتَّفِقًا مَعَهُ.
يس 36:15
﴿قالُوا﴾ أيْ أصْحابُ القَرْيَةِ مُخاطِبِينَ لِلثَّلاثَةِ ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَكم عَلَيْنا مُوجِبَةٍ لِاخْتِصاصِكم بِما تَدْعُونَهُ، ورَفْعُ ﴿بَشَرٌ﴾ لِانْتِقاضِ النَّفْيِ بِإلّا، فَإنَّ (ما) عَمِلَتْ حَمْلًا عَلى لَيْسَ فَإذا اُنْتُقِضَ نَفْيُها بِدُخُولِ إلّا عَلى الخَبَرِ ضَعُفَ الشَّبَهُ فِيها فَبَطَلُ عَمَلُها خِلافًا لِيُونُسَ، ومِثْلُ صِفَةُ ﴿بَشَرٌ﴾ ولَمْ يَكْتَسِبْ تَعْرِيفًا بِالإضافَةِ كَما عُرِفَ في النَّحْوِ.
﴿وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا تَدَّعُونَ مِنَ الوَحْيِ عَلى أحَدٍ، وظاهِرُ هَذا القَوْلِ يَقْتَضِي إقْرارَهم بِالأُلُوهِيَّةِ لَكِنَّهم يُنْكِرُونَ الرِّسالَةَ ويَتَوَسَّلُونَ بِالأصْنامِ وكانَ تَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن بَيْنِ أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ لِزَعْمِهِمْ أنَّ الرَّحْمَةَ تَأْبى إنْزالَ الوَحْيِ لِاسْتِدْعائِهِ تَكْلِيفًا لا يَعُودُ مِنهُ نَفْعٌ لَهُ سُبْحانَهُ ولا يَتَوَقَّفُ إيصالُهُ تَعالى الثَّوابَ إلى العَبْدِ عَلَيْهِ، وقِيلَ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ في الحِكايَةِ لا في المَحْكِيِّ، وهم قالُوا لا إلَهَ ولا رِسالَةَ لِما في بَعْضِ الآثارِ أنَّهم قالُوا ألَنا إلَهٌ سِوى آلِهَتِنا، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم بِعَدَمِ تَعْجِيلِ العَذابِ آنَ إنْكارِهِمْ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى وأظْهَرَ ولا جَزْمَ بِصِحَّةِ ما يُنافِيهِ مِنَ الأثَرِ.
﴿إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ فِيما تَدَّعُونَ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما قَصَدُوهُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، واخْتِيارُ تَكْذِبُونَ
صفحة 222
عَلى كاذِبُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.
يس 36:16
﴿قالُوا﴾ أيِ المُرْسَلُونَ ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ اِسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو جارٍ مَجْرى القَسَمِ في التَّأْكِيدِ والجَوابِ بِما يُجابُ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ مَنِ اِسْتَشْهَدَ بِهِ كاذِبًا يَكْفُرُ ولا كَذَلِكَ القَسَمُ عَلى كَذِبٍ، وفِيهِ تَحْذِيرُهم مُعارَضَةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وفي اِخْتِيارِ عُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ رَمْزٌ إلى حِكْمَةِ الإرْسالِ كَما رَمَزَ الكَفَرَةُ إلى ما يُنافِيهِ بِزَعْمِهِمْ.
وإضافَةُ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ الرُّسُلِ لا يَأْبى ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اِخْتِيارُهُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالحالِ الَّتِي هم فِيها مِن إظْهارِ المُعْجِزِ عَلى أيْدِيهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا ناصِرُنا بِالمُعْجِزاتِ يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ أوْ لِلْحُصْرِ، أيْ رَبُّنا يَعْلَمُ لا أنْتُمْ لِانْتِفاءِ النَّظَرِ في الآياتِ عَنْكم.
يس 36:17
﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ إلّا بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ تَعالى تَبْلِيغًا ظاهِرًا بَيِّنًا بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى سامِعِهِ ولا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ والحَمْلَ عَلى خِلافِ المُرادِ أصْلًا وقَدْ خَرَجْنا مَن عُهْدَتِهِ فَلا مُؤاخَذَةَ عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا كَذا قِيلَ، والأوْلى أنْ يُفَسَّرَ التَّبْلِيغُ المُبِينُ بِما قُرِنَ بِالآياتِ الشّاهِدَةِ عَلى الصِّحَّةِ، وهم قَدْ بَلَغُوا كَذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهم أبْرَؤُوا الأكْمَهَ وأحْيَوُا المَيِّتَ أوْ أنَّهم فَعَلُوا خارِقًا غَيْرَ ما ذُكِرَ، ولَمْ يُنْقَلْ لَنا ولَمْ يُلْتَزَمْ في الكِتابِ الجَلِيلِ ولا في الآثارِ ذِكْرُ خارِقِ كُلِّ رَسُولٍ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ إمّا مُعْجِزَةٌ لَهم عَلى القَوْلِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ واسِطَةٍ، أوْ كَرامَةٌ لَهم مُعْجِزَةٌ لِمُرْسِلِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم رُسُلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى ما عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا إلّا التَّبْلِيغُ البَيِّنُ بِالآياتِ وقَدْ فَعَلْنا فَلا مُؤاخَذَةَ عَلَيْنا، أوْ ما عَلَيْنا شَيْءٌ نُطالِبُ بِهِ مِن جِهَتِكم إلّا تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وقَدْ بَلَّغَنا كَذَلِكَ، فَأيُّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ مِنّا حَتّى تُصَدِّقُونا بِدَعْوانا، ولِكَوْنِ تَبْلِيغِهِمْ كانَ بَيِّنًا بِهَذا المَعْنى حَسُنَ مِنهُمُ الِاسْتِشْهادُ بِالعِلْمِ فَلا تَغْفُلْ، وجاءَ كَلامُ الرُّسُلِ ثانِيًا في غايَةِ التَّأْكِيدِ لِمُبالَغَةِ الكَفَرَةِ في الإنْكارِ جِدًّا حَيْثُ أتَوْا بِثَلاثِ جُمَلٍ، وكُلٌّ مِنها دالٌّ عَلى شِدَّةِ الإنْكارِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
قالَ السَّكّاكِيُّ: أكَّدُوا في المَرَّةِ الأُولى لِأنَّ تَكْذِيبَ الِاثْنَيْنِ تَكْذِيبٌ لِلثّالِثِ لِاتِّحادِ المَقالَةِ، فَلَمّا بالَغُوا في تَكْذِيبِهِمْ زادُوا في التَّأْكِيدِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الكَلامَ الأوَّلَ اِبْتِداءُ إخْبارٍ، والثّانِي جَوابٌ عَنْ إنْكارٍ، ووَجَّهَ ذَلِكَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ الأوَّلَ اِبْتِداءُ إخْبارٍ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ لَمْ يَسْبِقْ مِنهم إخْبارٌ فَلا تَكْذِيبَ لَهم في المَرَّةِ الأُولى فَيُحْمَلُ التَّأْكِيدُ فِيها عَلى الِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ مِنهم بِشَأْنِ الخَبَرِ اِنْتَهى، وفِيهِ أنَّ الثَّلاثَةَ كانُوا عالِمِينَ بِإنْكارِهِمْ، والكَلامُ المُخْرَجِ مَعَ المُنْكَرِ لا يُقالُ لَهُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: أرادَ أنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِإخْبارٍ سابِقٍ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ كَلامٌ مَعَ خالِي الذِّهْنِ أوْ جُعِلَ الِابْتِداءُ بِاعْتِبارِ قَوْلِ الثّالِثِ أوِ المَجْمُوعِ، وقالَ الجَلْبِيُّ: لَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ اِبْتِداءِ إخْبارٍ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الثّانِي في عَدَمِ اِحْتِياجِهِ إلى مَثَلِ تِلْكَ المُؤَكِّداتِ، فَكانَ إنْكارُهُمِ الأوَّلُ لا يُعَدُّ إنْكارًا بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الثّانِي، لا أنَّهُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ حَقِيقَةً، ولا يَخْفى ضَعْفُ ذَلِكَ، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّما أُكِّدَ القَوْلُ الأوَّلُ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن أنْكَرَ إرْسالَ الثَّلاثَةِ، لِأنَّهُ قَدْ لاحَ ذَلِكَ مِن إنْكارِ الِاثْنَيْنِ فَعَلى هَذا يَكُونُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ بِالنَّظَرِ إلى إخْراجِ الكَلامِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وإنْكارِيًّا بِالنَّظَرِ إلى إخْراجِ الكَلامِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، فَنَظَرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أدَقُّ مِن نَظَرِ السَّكّاكِيِّ، وإنْ قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِالعَكْسِ، ويُعْلَمُ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ بِأدْنى نَظَرٍ.
وقالَ أجَلُّ المُتَأخِّرِينَ الفاضِلُ عَبْدُ الحَكِيمِ السّالِكُوتِيُّ: عِنْدِي أنَّ ما ذَكَرَهُ السَّكّاكِيُّ مَبْنِيٌّ عَلى عَطْفِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ عَلى ﴿فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَيَكُونُ الكَلامُ صادِرًا عَنِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ تَكْذِيبِ الِاثْنَيْنِ والتَّعْزِيزِ بِثالِثٍ، فَكانَ كَلامًا مَعَ المُنْكِرِينَ فَجاءَ مُؤَكِّدًا.
وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ
صفحة 223
مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ وأنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلْقِصَّةِ المَذْكُورَةِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ فالفاءُ لِلتَّفْصِيلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ فَيَكُونُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ صَدَرَ مِنَ الِاثْنَيْنِ، قالُوا بِصِيغَةِ الجَمْعِ تَقْرِيرًا لِشَأْنِ الخَبَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إلخ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ .
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ فَإنَّ البَلاغَ المُبِينَ هو إثْباتُهُمُ الرِّسالَةَ بِالمُعْجِزاتِ، وهو التَّعْزِيزُ والغَلَبَةُ ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى حُسْنُ هَذا التَّفْسِيرِ لِمُوافَقَتِهِ لِلْقِصَّةِ المَذْكُورَةِ في التَّفاسِيرِ ومُلاءَمَتِهِ لِسَوْقِ الآيَةِ، فَإنَّها ذُكِرَتْ أوَّلًا إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ ثُمَّ فُصِّلَتْ بَعْضَ التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ ثُمَّ فُصِّلَتْ تَفْصِيلًا تامًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خامِدُونَ﴾ وعَدَمُ اِحْتِياجِهِ إلى جَعْلِ الفاءِ في ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ فَصِيحَةٌ بِخِلافِ تَفْسِيرِ السَّكّاكِيِّ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَدَعَوا إلى التَّوْحِيدِ اه.
ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ في غايَةِ البُعْدِ، والكَلامُ عَلَيْهِ واصِلٌ إلى رُتْبَةِ الألْغازِ، ومَعَ هَذا فِيهِ ما فِيهِ، وأنا أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الزَّمَخْشَرِيُّ أرادَ بِكَلامِهِ أحَدَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في تَوْجِيهِهِ إلّا أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ أبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأسْلَمُ عَنِ القِيلِ والقالِ.
يس 36:18
﴿قالُوا﴾ لَمّا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيِيَتْ بِهِمُ العِلَلُ ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكم جَرْيًا عَلى دَيْدَنِ الجَهَلَةِ حَيْثُ يَتَيَمَّنُونَ بِكُلِّ ما يُوافِقُ شَهَواتِهِمْ وإنْ كانَ مُسْتَجْلِبًا لِكُلِّ شَرٍّ ويَتَشاءَمُونَ بِما لا يُوافِقُها، وإنْ كانَ مُسْتَتْبِعًا لِكُلِّ خَيْرٍ أوْ بِناءً عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ لا تَخْلُو عَنِ الوَعِيدِ بِما يَكْرَهُونَهُ مِن إصابَةِ ضُرٍّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَكانُوا يَنْفِرُونَ عَنْهُ، وقَدْ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ، وقالَ آخَرُ: أسْرَعَ فِيهِمُ الجُذامُ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ تَطَيُّرَ هَؤُلاءِ كانَ بِسَبَبِ ما دَخَلَ فِيهِمْ مِنَ اِخْتِلافِ الكَلِمَةِ وافْتِتانِ النّاسِ.
وأصْلُ التَّطَيُّرِ التَّفاؤُلُ بِالطَّيْرِ البارِحِ والسّانِحِ ثُمَّ عَمَّ، وكانَ مَناطَ التَّطَيُّرِ بِهِمْ مَقالَتَهم كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ عَنْ مَقالَتِكم هَذِهِ.
﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بِالحِجارَةِ، قالَهُ قَتادَةُ وذَكَرَ فِيهِ اِحْتِمالانِ اِحْتِمالَ أنْ يَكُونَ الرَّجْمُ لِلْقَتْلِ أيْ لَنَقْتُلَنَّكم بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، واحْتِمالَ أنْ يَكُونَ لِلْأذى أيْ لَنُؤْذِيَنَّكم بِذَلِكَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ لَنَشْتُمَنَّكُمْ، ثُمَّ قالَ: والرَّجْمُ في القُرْآنِ كُلُّهُ الشَّتْمُ.
﴿ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ في البَحْرِ: وهو الحَرِيقُ، وقِيلَ عَذابُ غَيْرِهِ تَبْقى مَعَهُ الحَياةُ، والمُرادُ لَنَقْتُلَنَّكم بِالحِجارَةِ أوْ لَنُعَذِّبَنَّكم إذا لَمْ نَقْتُلْكم عَذابًا ألِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ تَتَمَنَّوْنَ مَعَهُ القَتْلَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعَذابِ الألِيمِ العَذابُ الرُّوحانِيُّ وأُرِيدَ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ النَّوْعُ المَخْصُوصُ مِنَ الأذى الجُسْمانِيِّ، فَكَأنَّهم قَدْ رَدَّدُوا الأمْرَ بَيْنَ إيذاءٍ جُسْمانِيٍّ وإيذاءٍ رُوحانِيٍّ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعَذابِ الألِيمِ الجُسْمانِيُّ وبِالرَّجْمِ العَذابُ والأذى الرُّوحانِيُّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الشَّتْمُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
يس 36:19
﴿قالُوا﴾ أيِ الرُّسُلُ رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿طائِرُكُمْ﴾ أيْ سَبَبُ شُؤْمِكم ﴿مَعَكُمْ﴾ لا مِن قِبَلِنا كَما تَزْعُمُونَ وهو سُوءُ عَقِيدَتِكم وقُبْحُ أعْمالِكم.
وأخْرُجُ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ الطّائِرَ بِنَفْسِ الشُّؤْمِ، أيْ شُؤْمُكم مَعَكُمْ، وهو الإقامَةُ عَلى الكُفْرِ
صفحة 224
وأمّا نَحْنُ فَلا شُؤْمَ مَعَنا، لِأنّا نَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ وعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ غايَةُ الدِّينِ والخَيْرِ والبَرَكَةِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ ﴿طائِرُكُمْ﴾ أيْ حَظُّكم ونَصِيبُكم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مَعَكم مِن أفْعالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وزَرُّ بْنُ حُبَيْشٍ «طَيْرُكُمْ» بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الطّاءِ، قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِرُ والطَّيْرُ بِمَعْنًى، وفي القامُوسِ الطَّيْرُ جَمْعُ طائِرٍ وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وذَكَرَ أنَّ الطَّيْرَ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ إلّا جَمْعًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [اَلنُّورِ: 41] فَإذا كانَ في هَذِهِ القِراءَةِ كَذَلِكَ فَطائِرٌ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا لَكِنَّهُ بِالإضافَةِ شامِلٌ لِكُلِّ ما يُتَطَيَّرُ بِهِ فَهو في مَعْنى الجَمْعِ، فالقِراءَتانِ مُتَوافِقَتانِ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ «اِطَّيُّرُكُمْ» مَصْدَرُ اِطَّيَّرَ الَّذِي أصْلُهُ تَطَيَّرَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ في الماضِي والمَصْدَرِ.
﴿أإنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ؛ الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، والثّانِيَةُ هَمْزَةُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ حَقَّقَها الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ وسَهَّلَها باقِي السَّبْعَةِ، واخْتَلَفَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسُ فِيما إذا اِجْتَمَعَ اِسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ أيُّهُما يُجابُ فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى إجابَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ تَقْدِيرِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وكَأنَّهُ يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ تَقْدِيرِ جَوابِ الشَّرْطِ، فالمَعْنى عَلَيْهِ أئِنْ ذُكِّرْتُمْ ووَعَظْتُمْ بِما فِيهِ سَعادَتُكم تَتَطَيَّرُونَ أوْ تَتَوَعَّدُونَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويُقَدَّرُ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ ماضِيًا كَ (تَطَيَّرْتُمْ)، وذَهَبَ يُونُسُ إلى إجابَةِ الشَّرْطِ وكَأنَّهُ يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ إجابَةِ الِاسْتِفْهامِ وتَقْدِيرِ مَصَبٍّ لَهُ، فالتَّقْدِيرُ أئِنْ ذُكِّرْتُمْ تَتَطَيَّرُوا أوْ نَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ، ويُقَدَّرُ مُضارِعٌ مَجْزُومٌ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ ماضِيًا مَجْزُومَ المَحَلِّ.
وقَرَأ زَرٌّ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وطَلْحَةَ إلّا أنَّهُما لَيَّنا الثّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ، وعَلى تَحْقِيقِهِما جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
أأنْ كُنْتَ داوُدَ بْنَ أحَوى مُرَجَّلًا فَلَسْتَ بِراعٍ لِابْنِ عَمِّكَ مَحْرَما
فالهَمْزَةُ الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ والثّانِيَةُ هَمْزَةُ أنِ المَصْدَرِيَّةِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ لامِ الجَرِّ، أيْ ألَأنْ ذُكِّرْتُمْ تَطَيَّرْتُمْ.
وقَرَأ الماجِشُونُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ المَدَنِيُّ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، فَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَتَتَّحِدُ هَذِهِ القِراءَةُ واَلَّتِي قَبْلَها مَعْنًى، ويُحْتَمَلُ عَدَمُ تَقْدِيرِها فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ، وهو عَلى ما قِيلَ مَسُوقٌ لِلتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، وتَقْدِيرُ حَرْفِ الجَرِّ عَلى حالِهِ، والجَرُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ، أيْ تَطَيَّرْتُمْ لِأنْ ذُكِّرْتُمْ، وقالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ (أنْ ذُكِّرْتُمْ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَعْمُولُ ﴿طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ فَإنَّهم لَمّا قالُوا ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أُجِيبُوا بَلْ طائِرُكم مَعَكم أنْ ذُكِّرْتُمْ، أيْ هو مَعَكم لِأنْ ذُكِّرْتُمْ فَلَمْ تَذْكُرُوا ولَمْ تَنْتَهُوا، فاكْتُفِيَ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو التَّذْكِيرُ عَنِ المُسَبَّبِ الَّذِي هو الِانْتِهاءُ كَما وصَفُوا الطّائِرَ مَوْضِعَ مُسَبَّبِهِ وهو التَّشاؤُمُ لَمّا كانُوا يَأْلَفُونَهُ مِن تَكارِهِهِمْ نَعِيبَ الغُرابِ أوْ بِرُوحِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ وفي ذَلِكَ اِحْتِمالانِ: تَقْدِيرِ الهَمْزَةِ فَتَتَّحِدُ هَذِهِ القِراءَةُ وقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وعَدَمِ تَقْدِيرِها فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ كَما تَقَدَّمَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ وزَرٍ أيْضًا بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُما مَدَّةٌ كَأنَّهُ اِسْتَثْقَلَ اِجْتِماعَهُما فَفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ. وقَرَأ أيْضًا أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وكَذا قَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ وغَيْرُهُما «أيْنَ» بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وياءٍ ساكِنَةٍ وفَتْحِ النُّونِ «ذَكَرْتُمْ» بِتَخْفِيفِ الكافِ عَلى أنَّ أيْنَ ظَرْفُ أداةِ شَرْطٍ وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ طائِرِكم عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ، أيْ أيْنَ ذَكَرْتُمْ صَحِبَكم طائِرُكُمْ، والمُرادُ شُؤْمُكم مَعَكم حَيْثُ جَرى ذِكْرُكُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ بِشُؤْمِهِمْ ما لا يَخْفى.
وفِي البَحْرِ مَن جَوَّزَ تَقْدِيمَ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، وهُمُ الكُوفِيُّونَ وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ﴿طائِرُكم مَعَكُمْ﴾، وكانَ أصْلُهُ أيْنَ ذَكَرْتُمْ فَطائِرُكم مَعَكم فَلَمّا قُدِّمَ حُذِفَتِ الفاءُ.
﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أيْ: عادَتُكُمُ
صفحة 225
الإسْرافُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيانِ، مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ؛ فَمِن ثَمَّ أتاكُمُ الشُّؤْمُ لا مِن قِبَلِ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى وتَذْكِيرِهِمْ؛ فَهو إضْرابٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ مِن إنْكارِ أنْ يَكُونَ ما هو سَبَبُ السَّعاداتِ أجْمَعَ سَبَبَ الشُّؤْمِ؛ لِأنَّهُ تَنْبِيهٌ وتَعْرِيكٌ إلى البَتِّ عَلَيْهِمْ بِلِزامِ الشُّؤْمِ وإثْباتِ الإسْرافِ الَّذِي هو أبْلَغُ وهو جالِبُ الشُّؤْمِ كُلِّهِ أوْ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ في ضَلالِكم مُتَمادُونَ في غَيِّكم حَيْثُ تَتَشاءَمُونَ بِمَن يَجِبُ التَّبَرُّكُ بِهِ مِنَ الهُداةِ لِدِينِ اللَّهِ تَعالى فَهو إضْرابٌ عَنْ مَجْمُوعِ الكَلامِ أجابُوهم بِأنَّهم جَعَلُوا أسْبابًا لِلسَّعادَةِ مُدْمِجِينَ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ في الحِرْمانِ عَنْها، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْهُ إلى ما فَعَلَ القَوْمُ مِنَ التَّعْكِيسِ لِما يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ. فَتَأمَّلْ.
يس 36:20
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ أيْ: مِن أبْعَدِ مَواضِعِها رَجُلٌ؛ أيْ رَجُلٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى؛ فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِإفادَةِ أنَّ المُرْسَلِينَ لا يَعْرِفُونَهُ لِيَتَواطَؤُوا مَعَهُ واسْمُهُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مِجْلَزٍ وكَعْبِ الأحْبارِ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ - حَبِيبٌ وهو ابْنُ إسْرائِيلَ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: ابْنُ مِرِّي، وكانَ عَلى المَشْهُورِ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ حَرّاثًا، وقِيلَ: قَصّارًا، وقِيلَ: إسْكافًا، وقِيلَ: نَحّاتًا لِلْأصْنامِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جامِعًا لِهَذِهِ الصِّفاتِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ في غارٍ مُؤْمِنًا يَعْبُدُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَلَمّا سَمِعَ أنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوا الرُّسُلَ جاءَ يَسْعى؛ أيْ: يَعْدُو ويُسْرِعُ في مَشْيِهِ حِرْصًا عَلى نُصْحِ قَوْمِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَسْمَعُ أنَّ قَوْمَهُ عَزَمُوا عَلى قَتْلِ الرُّسُلِ فَقَصْدِي وجْهُ اللَّهِ تَعالى بِالذَّبِّ عَنْهُمْ، فَ: ”سَعى“ هُنا مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسْراءِ: 19] وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ وكَوْنُهُ في غارٍ لا يُنافِي مَجِيئَهُ مِن أقْصى المَدِينَةِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ في أقْصاها غارٌ، نَعَمْ؛ هَذا القَوْلُ ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا وهو يُنافِي أنَّهُ كانَ نَحّاتًا لِلْأصْنامِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ يَنْحِتُ التَّماثِيلَ لا لِلْعِبادَةِ وكانَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ مُباحًا، وحُكِيَ القَوْلُ بِإيمانِهِ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سُبّاقُ الأُمَمِ ثَلاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا قَطُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وصاحِبُ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ هَذا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذا ذَكَرُوا أنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما آمَنَ بِهِ تُبَّعٌ الأكْبَرُ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وغَيْرُهُما، ولَمْ يُؤْمِن أحَدٌ بِنَبِيٍّ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ ظُهُورِهِ.وقِيلَ: كانَ مَجْذُومًا، وكانَ مَنزِلُهُ أقْصى بابٍ مِن أبْوابِ المَدِينَةِ، عَبَدَ الأصْنامَ سَبْعِينَ سَنَةً يَدْعُوهم لِكَشْفِ ضُرِّهِ فَلَمْ يُكْشَفْ، فَلَمّا دَعاهُ الرُّسُلُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى قالَ: هَلْ مِن آيَةٍ؟ قالُوا: نَعَمْ. نَدْعُو رَبَّنا القادِرَ يُفَرِّجُ عَنْكَ ما بِكَ. فَقالَ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ؛ لِي سَبْعُونَ سَنَةً أدْعُو هَذِهِ الآلِهَةَ فَلَمْ تَسْتَطِعْ تَفْرِيجَهُ فَكَيْفَ يُفَرِّجُهُ رَبُّكم في غَداةٍ واحِدَةٍ؟ قالُوا: رَبُّنا عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، وهَذِهِ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تَضُرُّ. فَآمَنَ ودَعَوْا رَبَّهم سُبْحانَهُ فَكَشَفَ عَزَّ وجَلَّ ما بِهِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، فَأقْبَلَ عَلى التَّكَسُّبِ، فَإذا أمْسى تَصَدَّقَ بِنِصْفِ كَسْبِهِ، وأنْفَقَ النِّصْفَ الآخَرَ عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ، فَلَمّا هَمَّ قَوْمُهُ بِقَتْلِ الرُّسُلِ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى، وعَلى هَذا نَحْتُهُ لِلْأصْنامِ غَيْرُ مُشْكِلٍ ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ الجَوابِ البَعِيدِ، نَعَمْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ خَبَرِ: ”سُبّاقُ الأُمَمِ ثَلاثَةٌ“ وأنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما آمَنَ تُبَّعٌ مُنافاةٌ، وكَوْنُ إيمانِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما كانَ عَلى يَدِ الرُّسُلِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ دافِعٌ لِلْمُنافاةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأخِيرِ فَتَبْقى المُنافاةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ الأوَّلِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ سُبّاقُ الأُمَمِ إلى الإيمانِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ ثَلاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا بَعْدَها قَطُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ومِمّا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ مُؤْمِنًا ما حُكِيَ أنَّ المُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أُرْسِلا
صفحة 226
أوَّلًا لَمّا قَرُبا إلى المَدِينَةِ رَأياهُ يَرْعى غَنَمًا فَسَألَهُما فَأخْبَراهُ فَقالَ: أمَعَكُما آيَةٌ؟ فَقالا: نَشْفِي المَرِيضَ، ونُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وكانَ لَهُ ولَدٌ مَرِيضٌ فَمَسَحاهُ فَبَرِئَ فَآمَنَ، وحَمْلُ: ”آمَنَ“ عَلى أظْهَرِ الإيمانِ خِلافُ الظّاهِرِ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِالمُرْسَلِينَ قَبْلَ مَجِيئِهِ ونُصْحِهِ لِقَوْمِهِ ولا جَزْمَ لِي بِإيمانِهِ ولا عَدَمِهِ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ، وظَواهِرُ الأخْبارِ في ذَلِكَ مُتَعارِضَةٌ، ومَعَ هَذا لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدِي صِحَّةُ شَيْءٍ مِنها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ هُنا مُقَدَّمًا عَلى ”رَجُلٌ“ عَكْسَ ما جاءَ في القَصَصِ، وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ مِنَ التَّفَنُّنِ في البَلاغَةِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفاعِلِ الَّذِي حَقُّهُ التَّقْدِيمُ بَيانًا لِفَضْلِهِ؛ إذْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ بُعْدِهِ عَنْهم وإنَّ بُعْدَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ ذَلِكَ؛ ولِذا عَبَّرَ بِالمَدِينَةِ هُنا بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِالقَرْيَةِ إشارَةً إلى السِّعَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ سَواءٌ قَرُبَ أوْ بَعُدَ، وقِيلَ: قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ حَيْثُ تَضَمَّنَ الإشارَةَ إلى أنَّ إنْذارَهم قَدْ بَلَغَ أقْصى المَدِينَةِ؛ فَيُشْعِرُ بِأنَّهم أتَوْا بِالبَلاغِ المُبِينِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ أُخِّرَ تُوُهِّمَ تَعَلُّقُهُ بِ: ”يَسْعى“ فَلَمْ يُفِدْ أنَّهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ مَسْكَنُهُ في طَرَفِها؛ وهو المَقْصُودُ، وجُمْلَةُ: ”يَسْعى“ صِفَةُ ”رَجُلٌ“ وجَوَّزَ كَوْنَها حالًا مِنهُ مَن جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ”قالَ“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ مَجِيئِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَيانًا لِلسَّعْيِ؛ بِمَعْنى قَصَدَ وجْهَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا يَخْفى ما فِيهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ لِحَثِّهِمْ عَلى اتِّباعِهِمْ كَما أنَّ خِطابَهم بِ: ”يا قَوْمِ“ لِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ واسْتِمالَتِها نَحْوَ قَبُولِ نَصِيحَتِهِ.
يس 36:21
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما يَتَضَمَّنُ نَفْيَ المانِعِ عَنِ اتِّباعِهِمْ بَعْدَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المُقْتَضى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: ثابِتُونَ عَلى الِاهْتِداءِ بِما هم عَلَيْهِ إلى خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ فِيها ما يُؤَكِّدُ كَوْنَهم لا يَسْألُونَ الأجْرَ ولا ما يَتْبَعُهُ مِن طَلَبِ جاهٍ وعُلُوٍّ؛ ولِذا جُعِلَتْ إيغالًا حَسَنًا نَحْوَ قَوْلِ: الخَنْساءِ:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ
والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ سَبْقِ إيمانِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ جاءَ يَسْعى فَسَمِعَ كَلامَهم وفَهِمَهُ ثُمَّ قالَ لَهُمْ: أتَطْلِبُونَ أجْرًا عَلى دَعْوَتِكم هَذِهِ؟ قالُوا: لا. فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْمَهُ إلى اتِّباعِهِمْ والإيمانِ بِهِمْ قائِلًا: ”يا قَوْمِ“ إلَخْ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ”مِن“ بَدَلًا مِنَ ”المُرْسَلِينَ“ بِإعادَةِ العامِلِ كَما أُعِيدَ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم. وثانِيهِما -وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ- أنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ؛ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِما إذا كانَ العامِلُ المُعادُ حَرْفَ جَرٍّ، أمّا إذا كانَ رافِعًا أوْ ناصِبًا فَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِالتَّتْبِيعِ لا بِالبَدَلِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى نَقْصِ مَن يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ الشَّرْعِ. والبَحْثُ مُسْتَوْفًى في الفُرُوعِ.
يس 36:22
﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ تَلَطُّفٌ في إرْشادِ قَوْمِهِ بِإيرادِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وإمْحاضِ النُّصْحِ حَيْثُ أراهم أنَّهُ اخْتارَ لَهم ما يَخْتارُ لِنَفْسِهِ، والمُرادُ تَقْرِيعُهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ خالِقِهِمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مُبالَغَةً في تَهْدِيدِهِمْ بِتَخْوِيفِهِمْ بِالرُّجُوعِ إلى شَدِيدِ العِقابِ مُواجِهَةً وصَرِيحًا. ولَوْ قالَ: ”وإلَيْهِ أُرْجَعُ“ كانَ فِيهِ تَهْدِيدٌ بِطْرِيقِ التَّعْرِيضِ، وعَدَ التَّعْبِيرُ بِ: ”إلَيْهِ تُرْجَعُونَ“ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِ: ”ما لِيَ لا أعْبُدُ“ مِن بابِ الِالتِفاتِ لِمَكانِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ فِي: ”ما لِيَ لا أعْبُدُ“ إلَخْ. فَيَكُونُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَطِيبُ والسَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ مِن أنَّ التَّعْرِيضَ إمّا مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ؛ وهو هاهُنا مَجازٌ لِامْتِناعِ
صفحة 227
إرادَةِ المَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ فَيَتَّحِدُ المُعَبَّرُ عَنْهُ، وحَقَّقَ السَّيِّدُ السَّنَدُ أنَّ المَعْنى التَّعْرِيضِيَّ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّرْتِيبِ، واللَّفْظُ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ فِيهِ بَلْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ؛ وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ فِي: ”ما لِيَ“ إلَخْ. لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في المُخاطَبِينَ فَلا يَكُونُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا فَلا التِفاتَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الآيَةِ مِنَ الِاحْتِباكِ. والأصْلُ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وإلَيْهِ أُرْجَعُ، وما لَكم لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ. فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ نَظِيرَ ما ذُكِرَ في الثّانِي وبِالعَكْسِ وهو مُفَوِّتٌ لِما سَمِعْتَ، وظاهِرُ كَلامِ الواحِدِيِّ أنَّهُ لا تَعْرِيضَ في الآيَةِ؛ حَيْثُ قالَ: لَمّا قالَ الرَّجُلُ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلَخْ. رَفَعُوهُ إلى المَلِكِ فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أفَأنْتَ تَتْبَعُهُمْ؟ فَقالَ: ما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لِي إذا لَمْ أعْبُدْ خالِقِي ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تُرَدُّونَ عِنْدَ البَعْثِ فَيَجْزِيكم بِكُفْرِكُمْ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إذا رَجَعَ الإنْكارُ إلَيْهِ دُونَ القَوْمِ لَمْ يَكُنْ لِخِطابِهِمْ بِ: ”تُرْجَعُونَ“ مَعْنًى. وكانَ الظّاهِرُ ”أُرْجَعُ“.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ في غَيْظٍ شَدِيدٍ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وتَوَعُّدِهِمْ إيّاهم فانْتَهَزَ الفُرْصَةَ لِلِانْتِقامِ، فَلَمّا تَمَكَّنَ مِن تَهْدِيدِهِمْ أوْقَعَ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في البَيْنِ؛ أيْ: ما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الِانْتِقامِ مِنكم والتَّشَفِّي مِن غَيْظِكُمْ؛ إذْ تُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيَجْزِيكم بِكُفْرِكم وتَكْذِيبِكُمُ الرُّسُلَ وعِنادِكُمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ لا يُساعِدُ عَلى هَذا، وهو ظاهِرٌ فِيما تَقَدَّمَ.
يس 36:23
وقَدْ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالإرْشادِ فَقالَ: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِاتِّخاذِ جِنْسِ الآلِهَةِ عَلى الإطْلاقِ وفِيهِ مِن تَحْمِيقِ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّفْيِ المَذْكُورِ، وجَعْلُهُ صِفَةً لِ: ”آلِهَةً“ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ آلِهَةً لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ومَعْنى: ”لا تُغْنِي...“ إلَخْ: لا تَنْفَعُنِي شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ، وهو إمّا عَلى حَدِّ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ. أيْ لا شَفاعَةَ لَهم حَتّى تَنْفَعَنِي، وإمّا عَلى فَرْضِ وُقُوعِ الشَّفاعَةِ؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنِّي شَفاعَتُهم لَوْ وقَعَتْ شَيْئًا. ”ولا يُنْقِذُونِ“ يُخَلَّصُونَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ بِالنَّصْرِ والمُظاهَرَةِ، وهو تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ بَدَأ أوَّلًا بِنَفْيِ الجاهِ وذَكَرَ ثانِيًا انْتِفاءَ القُدْرَةِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِانْتِفاءِ الإنْقاذِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَتُهُ، وفَتَحَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في ”يُرِدْنِي“ طَلْحَةُ السَّمّانُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعِيسى الهَمَذانِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ”إنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ“ بِمَعْنى: إنْ يُورِدْنِي ضُرًّا؛ أيْ: يَجْعَلُنِي مَوْرِدًا لِلضُّرِّ اه.
قالَ أبُو حَيّانَ: كَأنَّهُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- رَأى في كُتُبِ القِراءاتِ: «يَرِدْنِي» بِفَتْحِ الياءِ فَتُوُهِّمَ أنَّها ياءُ المُضارَعَةِ؛ فَجَعَلَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا بِالياءِ المُعَدِّيَةِ كالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ ونَصَبَ بِهِ اثْنَيْنِ، والَّذِي في كُتُبِ الشَّواذِّ أنَّها ياءُ الإضافَةِ المَحْذُوفَةُ خَطًّا ونُطْقًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، قالَ في كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ ياءِ الإضافَةِ، وقالَ في اللَّوامِحِ: «أنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ» بِالفَتْحِ وهو أصْلُ الياءِ البَصَرِيَّةِ؛ أيْ المُثْبَتَةِ بِالخَطِّ الَّذِي يُرى بِالبَصَرِ لَكِنَّ هَذِهِ مَحْذُوفَةٌ اه كَلامُهُ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالزَّمَخْشَرِيَ يَقْتَضِي خِلافَ ما ذَكَرَهُ: ”إنِّي إذًا“ أيْ: إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ فَإنَّ إشْراكَ ما يَصْنَعُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ ولا دَفْعُ الضُّرِّ بِالخالِقِ المُقْتَدِرِ الَّذِي لا قادِرَ غَيْرُهُ ولا خَيْرَ إلّا خَيْرُهُ، ضَلالٌ وخَطَأٌ بَيِّنٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ
صفحة 228
الخِطابَ لِقَوْمِهِ شافَهَهم بِذَلِكَ وصَدَعَ بِالحَقِّ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يَصْدُرُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والتَّأْكِيدُ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا مِن كَلامِهِ أنَّهُ آمَنَ بَلْ تَرَدَّدُوا في ذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّخاذِ الأصْنامِ أرْبابًا؛ أيْ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم فاسْمَعُونِ؛ أيْ: فاسْمَعُوا قَوْلِي فَإنِّي لا أُبالِي بِما يَكُونُ مِنكم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: مُرادُهُ دَعَوْتُهم إلى الخَيْرِ الَّذِي اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِهَذا الكَلامِ إلّا أنْ يُغْضِبَهم ويَشْغَلَهم عَنِ الرُّسُلِ بِنَفْسِهِ لَمّا رَآهم لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الوَعْظُ وقَدْ عَزَمُوا عَلى الإيقاعِ بِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ المَحْذُوفَ عامًّا، وفَسَّرَ السَّماعَ بِالقَبُولِ كَما فِي: سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ. أيْ: فاسْمَعُوا جَمِيعَ ما قُلْتُهُ واقْبَلُوهُ وهو مِمّا يُسْمَعُ.
وجَعْلُ الخِطابِ لِلْقَوْمِ في الجُمْلَتَيْنِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ ووَهْبٍ وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا فالخِطابُ فِيهِما لِلرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وأكَّدَ الخَبَرَ إظْهارًا لِصُدُورِهِ عَنْهُ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِمْ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وإظْهارًا لِلِاخْتِصاصِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: بِرَبِّكُمُ الَّذِي أرْسَلَكم أوِ الَّذِي تَدْعُونَنا إلى الإيمانِ بِهِ، وطَلَبَ السَّماعَ مِنهم لِيَشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ لِقَوْمِهِ، والثّانِي لِلرُّسُلِ خاطَبَهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِشْهادِ بِهِمْ والِاسْتِحْفاظِ لِلْأمْرِ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ: الخِطابانِ لِلنّاسِ جَمِيعًا، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: «فاسْمَعُونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خَطَأٌ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ؛ فَإمّا أنْ تُحْذَفَ كَما حُذِفَتْ نُونُ الإعْرابِ ويُقالُ: فاسْمَعُوا، وإمّا أنْ تَبْقى وتُكْسَرَ، ومِنَ النّاسِ مَن وجَّهَهُ بِأنَّ الأصْلَ ”فاسْمَعُونا“ أيْ: فاسْمَعُوا كَلامَنا؛ أيْ: كَلامِي وكَلامَهم لِتَشْهَدُوا بِما كانَ مِنِّي ومِنهم.
يس 36:24
وقَدْ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالإرْشادِ فَقالَ: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِاتِّخاذِ جِنْسِ الآلِهَةِ عَلى الإطْلاقِ وفِيهِ مِن تَحْمِيقِ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّفْيِ المَذْكُورِ، وجَعْلُهُ صِفَةً لِ: ”آلِهَةً“ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ آلِهَةً لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ومَعْنى: ”لا تُغْنِي...“ إلَخْ: لا تَنْفَعُنِي شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ، وهو إمّا عَلى حَدِّ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ. أيْ لا شَفاعَةَ لَهم حَتّى تَنْفَعَنِي، وإمّا عَلى فَرْضِ وُقُوعِ الشَّفاعَةِ؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنِّي شَفاعَتُهم لَوْ وقَعَتْ شَيْئًا. ”ولا يُنْقِذُونِ“ يُخَلَّصُونَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ بِالنَّصْرِ والمُظاهَرَةِ، وهو تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ بَدَأ أوَّلًا بِنَفْيِ الجاهِ وذَكَرَ ثانِيًا انْتِفاءَ القُدْرَةِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِانْتِفاءِ الإنْقاذِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَتُهُ، وفَتَحَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في ”يُرِدْنِي“ طَلْحَةُ السَّمّانُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعِيسى الهَمَذانِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ”إنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ“ بِمَعْنى: إنْ يُورِدْنِي ضُرًّا؛ أيْ: يَجْعَلُنِي مَوْرِدًا لِلضُّرِّ اه.
قالَ أبُو حَيّانَ: كَأنَّهُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- رَأى في كُتُبِ القِراءاتِ: «يَرِدْنِي» بِفَتْحِ الياءِ فَتُوُهِّمَ أنَّها ياءُ المُضارَعَةِ؛ فَجَعَلَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا بِالياءِ المُعَدِّيَةِ كالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ ونَصَبَ بِهِ اثْنَيْنِ، والَّذِي في كُتُبِ الشَّواذِّ أنَّها ياءُ الإضافَةِ المَحْذُوفَةُ خَطًّا ونُطْقًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، قالَ في كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ ياءِ الإضافَةِ، وقالَ في اللَّوامِحِ: «أنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ» بِالفَتْحِ وهو أصْلُ الياءِ البَصَرِيَّةِ؛ أيْ المُثْبَتَةِ بِالخَطِّ الَّذِي يُرى بِالبَصَرِ لَكِنَّ هَذِهِ مَحْذُوفَةٌ اه كَلامُهُ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالزَّمَخْشَرِيَ يَقْتَضِي خِلافَ ما ذَكَرَهُ: ”إنِّي إذًا“ أيْ: إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ فَإنَّ إشْراكَ ما يَصْنَعُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ ولا دَفْعُ الضُّرِّ بِالخالِقِ المُقْتَدِرِ الَّذِي لا قادِرَ غَيْرُهُ ولا خَيْرَ إلّا خَيْرُهُ، ضَلالٌ وخَطَأٌ بَيِّنٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ
صفحة 228
الخِطابَ لِقَوْمِهِ شافَهَهم بِذَلِكَ وصَدَعَ بِالحَقِّ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يَصْدُرُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والتَّأْكِيدُ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا مِن كَلامِهِ أنَّهُ آمَنَ بَلْ تَرَدَّدُوا في ذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّخاذِ الأصْنامِ أرْبابًا؛ أيْ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم فاسْمَعُونِ؛ أيْ: فاسْمَعُوا قَوْلِي فَإنِّي لا أُبالِي بِما يَكُونُ مِنكم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: مُرادُهُ دَعَوْتُهم إلى الخَيْرِ الَّذِي اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِهَذا الكَلامِ إلّا أنْ يُغْضِبَهم ويَشْغَلَهم عَنِ الرُّسُلِ بِنَفْسِهِ لَمّا رَآهم لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الوَعْظُ وقَدْ عَزَمُوا عَلى الإيقاعِ بِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ المَحْذُوفَ عامًّا، وفَسَّرَ السَّماعَ بِالقَبُولِ كَما فِي: سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ. أيْ: فاسْمَعُوا جَمِيعَ ما قُلْتُهُ واقْبَلُوهُ وهو مِمّا يُسْمَعُ.
وجَعْلُ الخِطابِ لِلْقَوْمِ في الجُمْلَتَيْنِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ ووَهْبٍ وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا فالخِطابُ فِيهِما لِلرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وأكَّدَ الخَبَرَ إظْهارًا لِصُدُورِهِ عَنْهُ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِمْ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وإظْهارًا لِلِاخْتِصاصِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: بِرَبِّكُمُ الَّذِي أرْسَلَكم أوِ الَّذِي تَدْعُونَنا إلى الإيمانِ بِهِ، وطَلَبَ السَّماعَ مِنهم لِيَشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ لِقَوْمِهِ، والثّانِي لِلرُّسُلِ خاطَبَهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِشْهادِ بِهِمْ والِاسْتِحْفاظِ لِلْأمْرِ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ: الخِطابانِ لِلنّاسِ جَمِيعًا، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: «فاسْمَعُونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خَطَأٌ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ؛ فَإمّا أنْ تُحْذَفَ كَما حُذِفَتْ نُونُ الإعْرابِ ويُقالُ: فاسْمَعُوا، وإمّا أنْ تَبْقى وتُكْسَرَ، ومِنَ النّاسِ مَن وجَّهَهُ بِأنَّ الأصْلَ ”فاسْمَعُونا“ أيْ: فاسْمَعُوا كَلامَنا؛ أيْ: كَلامِي وكَلامَهم لِتَشْهَدُوا بِما كانَ مِنِّي ومِنهم.
يس 36:25
وقَدْ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالإرْشادِ فَقالَ: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِاتِّخاذِ جِنْسِ الآلِهَةِ عَلى الإطْلاقِ وفِيهِ مِن تَحْمِيقِ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّفْيِ المَذْكُورِ، وجَعْلُهُ صِفَةً لِ: ”آلِهَةً“ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ آلِهَةً لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ومَعْنى: ”لا تُغْنِي...“ إلَخْ: لا تَنْفَعُنِي شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ، وهو إمّا عَلى حَدِّ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ. أيْ لا شَفاعَةَ لَهم حَتّى تَنْفَعَنِي، وإمّا عَلى فَرْضِ وُقُوعِ الشَّفاعَةِ؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنِّي شَفاعَتُهم لَوْ وقَعَتْ شَيْئًا. ”ولا يُنْقِذُونِ“ يُخَلَّصُونَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ بِالنَّصْرِ والمُظاهَرَةِ، وهو تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ بَدَأ أوَّلًا بِنَفْيِ الجاهِ وذَكَرَ ثانِيًا انْتِفاءَ القُدْرَةِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِانْتِفاءِ الإنْقاذِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَتُهُ، وفَتَحَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في ”يُرِدْنِي“ طَلْحَةُ السَّمّانُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعِيسى الهَمَذانِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ”إنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ“ بِمَعْنى: إنْ يُورِدْنِي ضُرًّا؛ أيْ: يَجْعَلُنِي مَوْرِدًا لِلضُّرِّ اه.
قالَ أبُو حَيّانَ: كَأنَّهُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- رَأى في كُتُبِ القِراءاتِ: «يَرِدْنِي» بِفَتْحِ الياءِ فَتُوُهِّمَ أنَّها ياءُ المُضارَعَةِ؛ فَجَعَلَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا بِالياءِ المُعَدِّيَةِ كالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ ونَصَبَ بِهِ اثْنَيْنِ، والَّذِي في كُتُبِ الشَّواذِّ أنَّها ياءُ الإضافَةِ المَحْذُوفَةُ خَطًّا ونُطْقًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، قالَ في كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ ياءِ الإضافَةِ، وقالَ في اللَّوامِحِ: «أنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ» بِالفَتْحِ وهو أصْلُ الياءِ البَصَرِيَّةِ؛ أيْ المُثْبَتَةِ بِالخَطِّ الَّذِي يُرى بِالبَصَرِ لَكِنَّ هَذِهِ مَحْذُوفَةٌ اه كَلامُهُ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالزَّمَخْشَرِيَ يَقْتَضِي خِلافَ ما ذَكَرَهُ: ”إنِّي إذًا“ أيْ: إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ فَإنَّ إشْراكَ ما يَصْنَعُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ ولا دَفْعُ الضُّرِّ بِالخالِقِ المُقْتَدِرِ الَّذِي لا قادِرَ غَيْرُهُ ولا خَيْرَ إلّا خَيْرُهُ، ضَلالٌ وخَطَأٌ بَيِّنٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ
صفحة 228
الخِطابَ لِقَوْمِهِ شافَهَهم بِذَلِكَ وصَدَعَ بِالحَقِّ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يَصْدُرُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والتَّأْكِيدُ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا مِن كَلامِهِ أنَّهُ آمَنَ بَلْ تَرَدَّدُوا في ذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّخاذِ الأصْنامِ أرْبابًا؛ أيْ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم فاسْمَعُونِ؛ أيْ: فاسْمَعُوا قَوْلِي فَإنِّي لا أُبالِي بِما يَكُونُ مِنكم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: مُرادُهُ دَعَوْتُهم إلى الخَيْرِ الَّذِي اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِهَذا الكَلامِ إلّا أنْ يُغْضِبَهم ويَشْغَلَهم عَنِ الرُّسُلِ بِنَفْسِهِ لَمّا رَآهم لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الوَعْظُ وقَدْ عَزَمُوا عَلى الإيقاعِ بِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ المَحْذُوفَ عامًّا، وفَسَّرَ السَّماعَ بِالقَبُولِ كَما فِي: سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ. أيْ: فاسْمَعُوا جَمِيعَ ما قُلْتُهُ واقْبَلُوهُ وهو مِمّا يُسْمَعُ.
وجَعْلُ الخِطابِ لِلْقَوْمِ في الجُمْلَتَيْنِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ ووَهْبٍ وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا فالخِطابُ فِيهِما لِلرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وأكَّدَ الخَبَرَ إظْهارًا لِصُدُورِهِ عَنْهُ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِمْ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وإظْهارًا لِلِاخْتِصاصِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: بِرَبِّكُمُ الَّذِي أرْسَلَكم أوِ الَّذِي تَدْعُونَنا إلى الإيمانِ بِهِ، وطَلَبَ السَّماعَ مِنهم لِيَشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ لِقَوْمِهِ، والثّانِي لِلرُّسُلِ خاطَبَهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِشْهادِ بِهِمْ والِاسْتِحْفاظِ لِلْأمْرِ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ: الخِطابانِ لِلنّاسِ جَمِيعًا، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: «فاسْمَعُونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خَطَأٌ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ؛ فَإمّا أنْ تُحْذَفَ كَما حُذِفَتْ نُونُ الإعْرابِ ويُقالُ: فاسْمَعُوا، وإمّا أنْ تَبْقى وتُكْسَرَ، ومِنَ النّاسِ مَن وجَّهَهُ بِأنَّ الأصْلَ ”فاسْمَعُونا“ أيْ: فاسْمَعُوا كَلامَنا؛ أيْ: كَلامِي وكَلامَهم لِتَشْهَدُوا بِما كانَ مِنِّي ومِنهم.
يس 36:26
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما وقَعَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ إذْنٌ لَهُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ قَدْ فارَقَ الدُّنْيا فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَعْدَ أنْ قالَ ما قالَ قَتَلُوهُ بِوَطْءِ الأرْجُلِ حَتّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِن دُبُرِهِ وأُلْقِيَ في بِئْرٍ؛ وهي الرَّسُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: رَمَوْهُ بِالحِجارَةِ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي حَتّى ماتَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: رَمَوْهُ في حُفْرَةٍ ورَدُّوا التُّرابَ عَلَيْهِ فَماتَ، وعَنِ الحَسَنِ حَرَّقُوهُ حَتّى ماتَ وعَلَّقُوهُ في بَرِّ المَدِينَةِ وقَبْرُهُ في سُورِ أنْطاكِيَةَ، وقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنشارِ حَتّى خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْهِ.
ودُخُولُهُ الجَنَّةَ بَعْدَ المَوْتِ دُخُولُ رُوحِهِ وطَوافُها فِيها كَدُخُولِ سائِرِ الشُّهَداءِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلتَّبْشِيرِ لا لِلْإذْنِ بِالدُّخُولِ حَقِيقَةً. قالَتْ لَهُ مَلائِكَةُ المَوْتِ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُها إذا دَخَلَها المُؤْمِنُونَ بَعْدَ البَعْثِ، وحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أرادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ حَيًّا كَما رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ فَهو في الجَنَّةِ لا يَمُوتُ إلّا بِفَناءِ السَّماءِ وهَلاكِ الجَنَّةِ، فَإذا أعادَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ أُعِيدَ لَهُ دُخُولُها؛ فالأمْرُ كَما في الأوَّلِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ قُتِلَ، وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ تَواتَرَ الأخْبارُ والرِّواياتُ بِذَلِكَ، وقَوْلُ قَتادَةَ أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ وهو فِيها حَيُّ يُرْزَقُ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ القَتْلِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ أرادَ
صفحة 229
بِقَوْلِهِ وهو فِيها حَيٌّ يُرْزَقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 169] وقالَ بَعْضُهُمْ: الجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصَلُّبِ في دِينِهِ. فَقِيلَ: قِيلَ: أدَخَلَ الجَنَّةَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ولَعَلَّ الأوْلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: قِيلَ لَهُ لِأنَّ الغَرَضَ المُهِمَّ بَيانُ المَقُولِ لا القائِلِ والمَقُولِ لَهُ.
* * *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ عَنْهُ بِما أخْبَرَ: فَماذا قالَ عِنْدَ نَيْلِهِ تِلْكَ الكَرامَةَ السَّنِيَّةَ؟ قالَ إلَخْ، وإنَّما تَمَنّى عِلْمَ قَوْمِهِ بِحالِهِ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى اكْتِسابِ مِثْلِهِ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإيمانِ والطّاعَةِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأوْلِياءِ في كَظْمِ الغَيْظِ والتَّرَحُّمِ عَلى الأعْداءِ، وفي الحَدِيثِ نُصْحُ قَوْمِهِ حَيًّا ومَيِّتًا.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَنِّيهِ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أمْرِهِ، وأنَّهُ كانَ عَلى صَوابٍ ونَصِيحَةٍ وشَفَقَةٍ، وأنَّ عَداوَتَهم لَمْ تُكْسِبْهُ إلّا فَوْزًا ولَمْ تُعْقِبْهُ إلّا سَعادَةً؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ غِبْطَةٍ لَهُ وتَضاعُفَ لَذَّةٍ وسُرُورٍ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والعائِدُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِالَّذِي غَفَرَ لِي بِهِ أيْ بِسَبَبِهِ رَبِّي أوْ بِالَّذِي غَفَرَهُ؛ أيْ: بِالغُفْرانِ الَّذِي غَفَرَهُ لِي رَبِّي، والمُرادُ تَعْظِيمُ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهُ فَتَؤُولُ إلى المَصْدَرِيَّةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بِالَّذِي غَفَرَهُ لِي رَبِّي مِنَ الذُّنُوبِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ يَؤُولُ إلى تَمَنِّي عِلْمِهِمْ بِذُنُوبِهِ المَغْفُورَةِ ولا يَحْسُنُ ذَلِكَ، وكَذا عَطْفُ: ”وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ“ عَلَيْهِ لا يَنْتَظِمُ، وما قِيلَ مِن أنَّ الغَرَضَ مِنهُ الأعْلامُ بِعِظَمِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى ووُفُورِ كَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ فَلا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ إرادَةُ مَعْنى الِاطِّلاعِ عَلَيْها لِذَلِكَ، بَلْ هو أوْقَعُ في النَّفْسِ مِن ذِكْرِ المَغْفِرَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ ذِكْرِ المَغْفُورِ لِاحْتِمالِ حَقارَتِهِ تَكَلُّفٌ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً والجارُّ صِلَةُ ”غَفَرَ“ أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي. يُرِيدُ بِهِ المُهاجَرَةَ عَنْ دِينِهِمْ والمُصابَرَةَ عَلى أذِيَّتِهِمْ حَتّى قُتِلَ. وتَعَقَّبَهُ الكِسائِيُّ بِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَقِيلَ: ”بِمَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَإنَّ اللُّغَةَ الفَصِيحَةَ حَذْفُها إذا جُرَّتْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ:
عَلامَ أقُولُ الرُّمْحُ أثْقَلَ عاتِقِي إذا أنا لَمْ أطْعُنْ إذا الخَيْلُ كَرَّتِ
فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، وإثْباتُها نادِرٌ، وقِيلَ: مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ∗∗∗ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
وقَوْلُهُ:
إنّا قَتَلْنا بِقَتْلانا سَراتَكُمُ ∗∗∗ أهْلَ اللِّواءِ فَفِيما يَكْثُرُ القَتْلُ
وقِراءَةُ عِكْرِمَةَ وعِيسى: «عَمّا يَتَساءَلُونَ» وقَرَأ: «مَنِ المُكَرَّمِينَ» مُشَدَّدَ الرّاءِ، مَفْتُوحَها، مَفْتُوحَ الكافِ.تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ الجُزْءُ الثّانِي والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّالِثُ والعِشْرُونَ وأوَّلُهُ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾
يس 36:27
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما وقَعَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ إذْنٌ لَهُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ قَدْ فارَقَ الدُّنْيا فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَعْدَ أنْ قالَ ما قالَ قَتَلُوهُ بِوَطْءِ الأرْجُلِ حَتّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِن دُبُرِهِ وأُلْقِيَ في بِئْرٍ؛ وهي الرَّسُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: رَمَوْهُ بِالحِجارَةِ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي حَتّى ماتَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: رَمَوْهُ في حُفْرَةٍ ورَدُّوا التُّرابَ عَلَيْهِ فَماتَ، وعَنِ الحَسَنِ حَرَّقُوهُ حَتّى ماتَ وعَلَّقُوهُ في بَرِّ المَدِينَةِ وقَبْرُهُ في سُورِ أنْطاكِيَةَ، وقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنشارِ حَتّى خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْهِ.
ودُخُولُهُ الجَنَّةَ بَعْدَ المَوْتِ دُخُولُ رُوحِهِ وطَوافُها فِيها كَدُخُولِ سائِرِ الشُّهَداءِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلتَّبْشِيرِ لا لِلْإذْنِ بِالدُّخُولِ حَقِيقَةً. قالَتْ لَهُ مَلائِكَةُ المَوْتِ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُها إذا دَخَلَها المُؤْمِنُونَ بَعْدَ البَعْثِ، وحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أرادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ حَيًّا كَما رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ فَهو في الجَنَّةِ لا يَمُوتُ إلّا بِفَناءِ السَّماءِ وهَلاكِ الجَنَّةِ، فَإذا أعادَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ أُعِيدَ لَهُ دُخُولُها؛ فالأمْرُ كَما في الأوَّلِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ قُتِلَ، وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ تَواتَرَ الأخْبارُ والرِّواياتُ بِذَلِكَ، وقَوْلُ قَتادَةَ أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ وهو فِيها حَيُّ يُرْزَقُ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ القَتْلِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ أرادَ
صفحة 229
بِقَوْلِهِ وهو فِيها حَيٌّ يُرْزَقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 169] وقالَ بَعْضُهُمْ: الجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصَلُّبِ في دِينِهِ. فَقِيلَ: قِيلَ: أدَخَلَ الجَنَّةَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ولَعَلَّ الأوْلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: قِيلَ لَهُ لِأنَّ الغَرَضَ المُهِمَّ بَيانُ المَقُولِ لا القائِلِ والمَقُولِ لَهُ.
* * *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ عَنْهُ بِما أخْبَرَ: فَماذا قالَ عِنْدَ نَيْلِهِ تِلْكَ الكَرامَةَ السَّنِيَّةَ؟ قالَ إلَخْ، وإنَّما تَمَنّى عِلْمَ قَوْمِهِ بِحالِهِ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى اكْتِسابِ مِثْلِهِ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإيمانِ والطّاعَةِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأوْلِياءِ في كَظْمِ الغَيْظِ والتَّرَحُّمِ عَلى الأعْداءِ، وفي الحَدِيثِ نُصْحُ قَوْمِهِ حَيًّا ومَيِّتًا.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَنِّيهِ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أمْرِهِ، وأنَّهُ كانَ عَلى صَوابٍ ونَصِيحَةٍ وشَفَقَةٍ، وأنَّ عَداوَتَهم لَمْ تُكْسِبْهُ إلّا فَوْزًا ولَمْ تُعْقِبْهُ إلّا سَعادَةً؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ غِبْطَةٍ لَهُ وتَضاعُفَ لَذَّةٍ وسُرُورٍ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والعائِدُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِالَّذِي غَفَرَ لِي بِهِ أيْ بِسَبَبِهِ رَبِّي أوْ بِالَّذِي غَفَرَهُ؛ أيْ: بِالغُفْرانِ الَّذِي غَفَرَهُ لِي رَبِّي، والمُرادُ تَعْظِيمُ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهُ فَتَؤُولُ إلى المَصْدَرِيَّةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بِالَّذِي غَفَرَهُ لِي رَبِّي مِنَ الذُّنُوبِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ يَؤُولُ إلى تَمَنِّي عِلْمِهِمْ بِذُنُوبِهِ المَغْفُورَةِ ولا يَحْسُنُ ذَلِكَ، وكَذا عَطْفُ: ”وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ“ عَلَيْهِ لا يَنْتَظِمُ، وما قِيلَ مِن أنَّ الغَرَضَ مِنهُ الأعْلامُ بِعِظَمِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى ووُفُورِ كَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ فَلا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ إرادَةُ مَعْنى الِاطِّلاعِ عَلَيْها لِذَلِكَ، بَلْ هو أوْقَعُ في النَّفْسِ مِن ذِكْرِ المَغْفِرَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ ذِكْرِ المَغْفُورِ لِاحْتِمالِ حَقارَتِهِ تَكَلُّفٌ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً والجارُّ صِلَةُ ”غَفَرَ“ أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي. يُرِيدُ بِهِ المُهاجَرَةَ عَنْ دِينِهِمْ والمُصابَرَةَ عَلى أذِيَّتِهِمْ حَتّى قُتِلَ. وتَعَقَّبَهُ الكِسائِيُّ بِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَقِيلَ: ”بِمَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَإنَّ اللُّغَةَ الفَصِيحَةَ حَذْفُها إذا جُرَّتْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ:
عَلامَ أقُولُ الرُّمْحُ أثْقَلَ عاتِقِي إذا أنا لَمْ أطْعُنْ إذا الخَيْلُ كَرَّتِ
فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، وإثْباتُها نادِرٌ، وقِيلَ: مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ∗∗∗ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
وقَوْلُهُ:
إنّا قَتَلْنا بِقَتْلانا سَراتَكُمُ ∗∗∗ أهْلَ اللِّواءِ فَفِيما يَكْثُرُ القَتْلُ
وقِراءَةُ عِكْرِمَةَ وعِيسى: «عَمّا يَتَساءَلُونَ» وقَرَأ: «مَنِ المُكَرَّمِينَ» مُشَدَّدَ الرّاءِ، مَفْتُوحَها، مَفْتُوحَ الكافِ.تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ الجُزْءُ الثّانِي والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّالِثُ والعِشْرُونَ وأوَّلُهُ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾
يس 36:28
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ قَوْمِ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَيًّا ﴿مِن جُنْدٍ﴾ أيْ جُنْدًا، فَـ (مِن) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والجُنْدُ العَسْكَرُ لِما فِيهِ مِنَ الغِلْظَةِ؛ كَأنَّهُ مِنَ الجَنَدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الجُنْدِ جُنْدُ المَلائِكَةِ؛ أيْ ما أنْزَلْنا لِإهْلاكِهِمْ مَلائِكَةً ﴿مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ الجُنْدَ لِإهْلاكِهِمْ لِما أنّا قَدَّرْنا لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا؛ حَيْثُ أهْلَكْنا بَعْضَ مَن أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ بِالحاصِبِ، وبَعْضَهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضَهم بِالخَسْفِ، وبَعْضَهم بِالإغْراقِ، وجَعَلْنا إنْزالَ الجُنْدِ مِن خَصائِصِكَ في الِانْتِصارِ لَكَ مِن قَوْمِكَ، وكَفَيْنا أمْرَ هَؤُلاءِ بِصَيْحَةِ مَلَكٍ صاحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾، وفي ذَلِكَ اسْتِحْقارٌ لَهم ولِإهْلاكِهِمْ، وإيماءٌ إلى تَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الجُنْدَ بِما يَعُمُّ المَلائِكَةَ، فَقالَ: كالحِجارَةِ والرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والمُتَبادِرُ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الجُنْدُ مَلائِكَةُ الوَحْيِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْ قَطَعْنا عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ولَمْ نَعْبَأْ بِهِمْ وأهْلَكْناهُمْ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ قالا: قَطَعَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ قَتَلُوا رُسُلَهُ، وهَذا التَّفْسِيرُ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَتْلُ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ مَحْكِيٌّ في البَحْرِ بِـ (قِيلَ)، وهو ظاهِرُ هَذا المَرْوِيِّ لَكِنِ المَعْرُوفُ أنَّهم لَمْ يُقْتَلُوا وإنَّما قُتِلَ حَبِيبٌ فَقَطْ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى (جُنْدٍ) والمُرادُ ما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ وما أنْزَلْنا الَّذِي كُنّا مُنْزِلِيهِ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن حِجارَةٍ ورِيحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيادَةُ (مِن) في المَعْرِفَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْلى جَعْلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُدْفَعُ بُعْدُهُ، ومِن أبْعَدِ ما يَكُونُ قَوْلُ أبِي البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ زائِدَةً أيْ وقَدْ كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى غَيْرِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ، بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، و”إنْ“ نافِيَةٌ، وكانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها مُضْمَرٌ، و(صَيْحَةً) خَبَرُها، أيْ ما كانَتْ هي - أيِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ - إلّا صَيْحَةً واحِدَةً. رُوِيَ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَماتُوا جَمِيعًا، وإذا فُجائِيَّةٌ وفِيها إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ هَلاكِهِمْ بِحَيْثُ كانَ مَعَ الصَّيْحَةِ، وقَدْ شُبِّهُوا بِالنّارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، والخُمُودُ تَخْيِيلٌ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الحَيَّ كَشُعْلَةِ النّارِ والمَيِّتَ كالرَّمادِ كَما قالَ لَبِيدٌ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الخُمُودِ بِمَعْنى البُرُودَةِ والسُّكُونِ؛ لِأنَّ الرُّوحَ لِفَزَعِها عِنْدَ الصَّيْحَةِ تَنْدَفِعُ إلى الباطِنِ دَفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ تَنْحَصِرُ فَتَنْطَفِئُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ لِانْحِصارِها، ولَعَلَّ في العُدُولِ عَنْ
صفحة 3
”هامِدُونَ“ إلى (خامِدُونَ) رَمْزًا خَفِيًّا إلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم سِوى حَبِيبٍ وأنَّهم هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ آمَنَ المَلِكُ وآمَنَ قَوْمٌ مِن حَواشِيهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن هَلَكَ بِالصَّيْحَةِ، وهَذا بَعِيدٌ. فَإنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُظاهِرَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ الرُّسُلَ كَما فَعَلَ حَبِيبٌ، ولَكانَ لَهم في القُرْآنِ الجَلِيلِ ذِكْرٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهم آمَنُوا خُفْيَةً وكانَ لَهم ما يُعْذَرُونَ بِهِ عَنِ المُظاهَرَةِ، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو - بَعْدُ - عَنْ بُعْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ القارِئُ ”صَيْحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ أيْ ما حَدَثَتْ ووَقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ. ويَنْبَغِي أنْ لا تَلْحَقَ الفِعْلَ تاءُ التَّأْنِيثِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ فَلا يُقالُ: ما قامَتْ إلّا هِنْدُ، بَلْ ما قامَ إلّا هِنْدُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدُ، والفاعِلُ فِيهِ مُذَكَّرٌ، ولَمْ يُجَوِّزْ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ الإلْحاقَ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
طَوى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُرُوضِها ∗∗∗ وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
ما بَرِئَتْ مِن رِيبَةٍ وذَمِّ ∗∗∗ في حَرْبِنا إلّا بَناتُ العَمِّ
ومِن هُنا أنْكَرَ الكَثِيرُ - كَما قالَ أبُو حاتِمٍ - هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن أجازَ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قِلَّةٍ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي بَحْرِيَّةَ ”لا تُرى إلّا مَساكِنُهُمْ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُهُ مُراعاةُ الفاعِلِ المَذْكُورِ، وكَأنِّي بِكَ تَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”إلّا زَقْيَةً“ مِن زَقى الطّائِرُ يَزْقُو ويَزْقِي زَقْوًا وزُقاءً إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ ”أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي“ وهي الدِّيَكَةُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْمُرُونَ إلى أنْ تَزْقُوَ فَإذا صاحَتْ تَفَرَّقُوا.
يس 36:29
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ قَوْمِ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَيًّا ﴿مِن جُنْدٍ﴾ أيْ جُنْدًا، فَـ (مِن) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والجُنْدُ العَسْكَرُ لِما فِيهِ مِنَ الغِلْظَةِ؛ كَأنَّهُ مِنَ الجَنَدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الجُنْدِ جُنْدُ المَلائِكَةِ؛ أيْ ما أنْزَلْنا لِإهْلاكِهِمْ مَلائِكَةً ﴿مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ الجُنْدَ لِإهْلاكِهِمْ لِما أنّا قَدَّرْنا لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا؛ حَيْثُ أهْلَكْنا بَعْضَ مَن أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ بِالحاصِبِ، وبَعْضَهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضَهم بِالخَسْفِ، وبَعْضَهم بِالإغْراقِ، وجَعَلْنا إنْزالَ الجُنْدِ مِن خَصائِصِكَ في الِانْتِصارِ لَكَ مِن قَوْمِكَ، وكَفَيْنا أمْرَ هَؤُلاءِ بِصَيْحَةِ مَلَكٍ صاحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾، وفي ذَلِكَ اسْتِحْقارٌ لَهم ولِإهْلاكِهِمْ، وإيماءٌ إلى تَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الجُنْدَ بِما يَعُمُّ المَلائِكَةَ، فَقالَ: كالحِجارَةِ والرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والمُتَبادِرُ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الجُنْدُ مَلائِكَةُ الوَحْيِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْ قَطَعْنا عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ولَمْ نَعْبَأْ بِهِمْ وأهْلَكْناهُمْ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ قالا: قَطَعَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ قَتَلُوا رُسُلَهُ، وهَذا التَّفْسِيرُ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَتْلُ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ مَحْكِيٌّ في البَحْرِ بِـ (قِيلَ)، وهو ظاهِرُ هَذا المَرْوِيِّ لَكِنِ المَعْرُوفُ أنَّهم لَمْ يُقْتَلُوا وإنَّما قُتِلَ حَبِيبٌ فَقَطْ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى (جُنْدٍ) والمُرادُ ما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ وما أنْزَلْنا الَّذِي كُنّا مُنْزِلِيهِ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن حِجارَةٍ ورِيحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيادَةُ (مِن) في المَعْرِفَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْلى جَعْلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُدْفَعُ بُعْدُهُ، ومِن أبْعَدِ ما يَكُونُ قَوْلُ أبِي البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ زائِدَةً أيْ وقَدْ كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى غَيْرِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ، بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، و”إنْ“ نافِيَةٌ، وكانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها مُضْمَرٌ، و(صَيْحَةً) خَبَرُها، أيْ ما كانَتْ هي - أيِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ - إلّا صَيْحَةً واحِدَةً. رُوِيَ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَماتُوا جَمِيعًا، وإذا فُجائِيَّةٌ وفِيها إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ هَلاكِهِمْ بِحَيْثُ كانَ مَعَ الصَّيْحَةِ، وقَدْ شُبِّهُوا بِالنّارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، والخُمُودُ تَخْيِيلٌ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الحَيَّ كَشُعْلَةِ النّارِ والمَيِّتَ كالرَّمادِ كَما قالَ لَبِيدٌ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الخُمُودِ بِمَعْنى البُرُودَةِ والسُّكُونِ؛ لِأنَّ الرُّوحَ لِفَزَعِها عِنْدَ الصَّيْحَةِ تَنْدَفِعُ إلى الباطِنِ دَفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ تَنْحَصِرُ فَتَنْطَفِئُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ لِانْحِصارِها، ولَعَلَّ في العُدُولِ عَنْ
صفحة 3
”هامِدُونَ“ إلى (خامِدُونَ) رَمْزًا خَفِيًّا إلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم سِوى حَبِيبٍ وأنَّهم هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ آمَنَ المَلِكُ وآمَنَ قَوْمٌ مِن حَواشِيهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن هَلَكَ بِالصَّيْحَةِ، وهَذا بَعِيدٌ. فَإنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُظاهِرَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ الرُّسُلَ كَما فَعَلَ حَبِيبٌ، ولَكانَ لَهم في القُرْآنِ الجَلِيلِ ذِكْرٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهم آمَنُوا خُفْيَةً وكانَ لَهم ما يُعْذَرُونَ بِهِ عَنِ المُظاهَرَةِ، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو - بَعْدُ - عَنْ بُعْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ القارِئُ ”صَيْحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ أيْ ما حَدَثَتْ ووَقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ. ويَنْبَغِي أنْ لا تَلْحَقَ الفِعْلَ تاءُ التَّأْنِيثِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ فَلا يُقالُ: ما قامَتْ إلّا هِنْدُ، بَلْ ما قامَ إلّا هِنْدُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدُ، والفاعِلُ فِيهِ مُذَكَّرٌ، ولَمْ يُجَوِّزْ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ الإلْحاقَ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
طَوى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُرُوضِها ∗∗∗ وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
ما بَرِئَتْ مِن رِيبَةٍ وذَمِّ ∗∗∗ في حَرْبِنا إلّا بَناتُ العَمِّ
ومِن هُنا أنْكَرَ الكَثِيرُ - كَما قالَ أبُو حاتِمٍ - هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن أجازَ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قِلَّةٍ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي بَحْرِيَّةَ ”لا تُرى إلّا مَساكِنُهُمْ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُهُ مُراعاةُ الفاعِلِ المَذْكُورِ، وكَأنِّي بِكَ تَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”إلّا زَقْيَةً“ مِن زَقى الطّائِرُ يَزْقُو ويَزْقِي زَقْوًا وزُقاءً إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ ”أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي“ وهي الدِّيَكَةُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْمُرُونَ إلى أنْ تَزْقُوَ فَإذا صاحَتْ تَفَرَّقُوا.
يس 36:30
﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ الحَسْرَةُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: الغَمُّ عَلى ما فاتَ والنَّدَمُ عَلَيْهِ؛ كَأنَّ المُتَحَسِّرَ انْحَسَرَ عَنْهُ قُواهُ مِن فَرْطِ ذَلِكَ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وفي البَحْرِ هي أنْ يَرْكَبَ الإنْسانُ مِن شِدَّةِ النَّدَمِ ما لا نِهايَةَ بَعْدَهُ حَتّى يَبْقى حَسِيرًا، والظّاهِرُ أنَّ (يا) لِلنِّداءِ و(حَسْرَةً) هو المُنادى، ونِداؤُها مَجازٌ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَةُ احْضُرِي فَهَذِهِ الحالُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي مِن حَقِّها أنْ تَحْضُرِي فِيها وهي ما دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمُرادُ بِالعِبادِ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ المُهْلَكُونَ المُتَقَدِّمُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: هُمُ المُرادُ ولَيْسَ بِذاكَ، وبِالحَسْرَةِ المُناداةِ حَسْرَتُهُمْ، والمُسْتَهْزِئُونَ بِالنّاصِحِينَ المُخْلِصِينَ المَنُوطِ بِنُصْحِهِمْ خَيْرُ الدّارَيْنِ أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ حَيْثُ فَوَّتُوا عَلَيْها السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ وعَوَّضُوها العَذابَ المُقِيمَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبِيٍّ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ ”يا حَسْرَةَ العِبادِ“ بِالإضافَةِ، وكَوْنُ المُرادِ حَسْرَةَ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ خِلافُ الظّاهِرِ؛ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ القِراءاتِ: ”يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفُسِها ما يَأْتِيهِمْ“ إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حَسْرَةَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَخْصِيصُها بِحَسْرَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وزَعَمَ أنَّ المُرادَ بِالعِبادِ الرُّسُلُ الثَّلاثَةُ، وأبُو العالِيَةِ فَسَّرَ (العِبادِ) بِهَذا أيْضًا لَكِنَّهُ حَمَلَ الحَسْرَةَ عَلى حَسْرَةِ الكُفّارِ المُهْلَكِينَ، قالَ: تَحَسَّرُوا حِينَ رَأوْا عَذابَ اللَّهِ - تَعالى - وتَلَهَّفُوا عَلى ما فاتَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادِ المُهْلَكُونَ، والمُتَحَسِّرُ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ؛ تَحَسَّرَ لَمّا وثَبَ القَوْمُ لِقَتْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادِ أُولَئِكَ، والمُتَحَسِّرُ الرُّسُلُ حِينَ قَتَلُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ وحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ يُؤْمِنُوا، ولا يَخْفى حالُ هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ مُرادُ
صفحة 4
مَن قالَ: المُتَحَسِّرُ الرَّجُلُ، ومَن قالَ المُتَحَسِّرُ الرُّسُلُ عَنى أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ قَوْلُ الرَّجُلِ أوْ قَوْلُ الرُّسُلِ، وفي كَلامِ أبِي حَيّانَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، ومَعَ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّحَسُّرُ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مَجازًا عَنِ اسْتِعْظامِ ما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ قُرِئَ ”يا حَسْرَتا عَلى العِبادِ“ فَإنَّ الأصْلَ عَلَيْها يا حَسْرَتِي فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، ونَحْوُها قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ كَما قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ ”يا حَسْرَةَ عَلى العِبادِ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنَّ الأصْلَ أيْضًا يا حَسْرَتِي فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ واكْتُفِيَ عَنْها بِالفَتْحَةِ، وقَرَأ أبُو الزِّنادِ، وابْنُ هُرْمُزَ، وابْنُ جُنْدُبٍ ”يا حَسْرَهْ عَلى العِبادِ“ بِالهاءِ السّاكِنَةِ، قالَ في المُنْتَقى: وقِفْ عَلى ”حَسْرَهْ“ وقْفًا طَوِيلًا تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ! ثُمَّ قِيلَ ”عَلى العِبادِ“ .
وفِي اللَّوامِحِ وقَفُوا عَلى الهاءِ مُبالَغَةً في التَّحَسُّرِ لِما في الهاءِ مِنَ التَّأهُّهِ كالتَّأوُّهِ، ثُمَّ وصَلُوهُ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ العَرَبَ إذا أخْبَرَتْ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ أسْرَعَتْ فِيهِ ولَمْ تَأْتِ عَلى اللَّفْظِ المُعَبِّرِ عَنْهُ نَحْوُ: قُلْتَ لَها قِفِي قالَتْ لَنا قافٌ أيْ: وقَفْتُ فاقْتَصَرَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلِمَةِ عَلى حَرْفٍ مِنها تَهاوُنًا بِالحالِ وتَثاقُلًا عَنِ الإجابَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُناسِبُ المَقامَ، ويَنْبَغِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ لا يَكُونَ (عَلى العِبادِ) مُتَعَلِّقًا بِحَسْرَةٍ أوْ صِفَةً لَهُ إذْ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ حِينَئِذٍ بَلْ يُجْعَلُ مُتَعَلِّقًا بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (حَسْرَةً) نَحْوُ يَتَحَسَّرُ أوْ أتَحَسَّرُ عَلى العِبادِ، وتَقْدِيرُ انْظُرُوا لَيْسَ بِذاكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِبَيانِ المُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، أيِ الحَسْرَةُ عَلى العِبادِ. وتَخْرِيجُ قِراءَةِ ”يا حَسْرَتا“ بِالألِفِ عَلى هَذا الطِّرْزِ بِأنْ يُقالَ: قَدْرُ الوَقْفِ عَلى المَنصُوبِ المُنَوَّنِ فَإنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالألِفِ كَـ ”كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا“، وضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ سُلَّمَ أنَّهُ شَيْءٌ لا يُنافِي التَّأْيِيدَ، وقِيلَ (يا) لِلنِّداءِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ و(حَسْرَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و(عَلى العِبادِ) مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ، أيْ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً عَلى العِبادِ.
ولَعَلَّ الأوْفَقَ لِلْمَقامِ المُتَبادِرَ إلى الأفْهامِ أنَّ المُرادَ نِداءُ حَسْرَةِ كُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّحَسُّرُ فَفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ - تَعالى -: (ما يَأْتِيهِمْ) إلَخْ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يُتَحَسَّرُ مِنهُ، و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَسْتَهْزِئُونَ). وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ الِادِّعائِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
يس 36:31
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَمْ خَبَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أهْلَكْنا) و(مِنَ القُرُونِ) بَيانٌ لِـ (كَمْ)، وجَوَّزَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ كَوْنَ (كَمْ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وهو كَلامُ مَن لا خَبَرَ عِنْدَهُ، والجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِـ (يَرَوْا) نافِذٌ مَعْناها فِيها و(كَمْ) مُعَلِّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّها - وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً - لَها صَدْرُ الكَلامِ كالِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَلا يَعْمَلُ فِيها عامِلٌ مُتَقَدِّمٌ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ إلّا إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ أوِ اسْمًا مُضافًا نَحْوَ: عَلى كَمْ فَقِيرٍ تَصَدَّقْتُ أرْجُو الثَّوابَ؟ وابْنُ كَمْ رَئِيسٍ صَحِبْتُهُ؟
وحَكى الأخْفَشُ عَلى ما في البَحْرِ جَوازَ تَقَدُّمِ عامِلٍ عَلَيْها غَيْرِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ نَحْوُ: مَلَكْتُ كَمْ غُلامٍ؛ أيْ مَلَكْتُ كَثِيرًا مِنَ الغِلْمانِ، عامَلُوها مُعامَلَةَ كَثِيرٍ؛ والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ لا بَصَرِيَّةٌ خِلافًا لِابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّها لا تُعَلَّقُ عَلى المَشْهُورِ ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمْ يَحْضُرُوا إهْلاكَ مَن قَبْلَهم حَتّى يَرَوْهُ بَلْ عَلِمُوهُ بِالأخْبارِ ومُشاهَدَةِ الآثارِ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ وهُمُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمَنٍ واحِدٍ كَعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ. (أنَّهُمْ) الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَعْنى (كَمْ) وهي القُرُونُ، أيْ إنَّ القُرُونَ المُهْلَكِينَ (إلَيْهِمْ) أيْ إلى أهْلِ مَكَّةَ (لا يَرْجِعُونَ) وأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ
صفحة 5
بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (كَمْ أهْلَكْنا) عَلى المَعْنى كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وتَبِعَهُ الزَّجّاجُ أيْ ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا مَن قَبْلَهم وكَوْنَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِمْ.
وقِيلَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الكَثْرَةَ المَذْكُورَةَ وعَدَمَ الرُّجُوعِ لَيْسَ بَيْنَهُما اتِّحادٌ بِجُزْئِيَّةٍ ولا كُلِيَّةٍ ولا مُلابَسَةٍ كَما هو مُقْتَضى البَدَلِيَّةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ في مَعْنى الَّذِينَ أهْلَكْناهم ”وأنَّهم لا يَرْجِعُونَ“ بِمَعْنى ”غَيْرُ راجِعِينَ“ اتَّضَحَ فِيهِ البَدَلِيَّةُ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ قالَهُ الخَفاجِيُّ. وأفادَ صاحِبُ الكَشْفِ عَلى أنَّهُ مِن بَدَلِ الكُلِّ بِجَعْلِ كَوْنِهِمْ غَيْرَ راجِعِينَ كَثْرَةَ إهْلاكٍ تَجَوُّزًا، وعِنْدِي أنَّ هَذا الوَجْهَ - وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إبْدالُ مُفْرَدٍ مِن جُمْلَةٍ وتَحَقَّقَ فِيهِ - مُصَحَّحُ البَدَلِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتُ ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وسِيبَوَيْهِ لَيْسَ بِنَبِيِّ النَّحْوِ لِيَجِبَ اتِّباعُهُ.
وقالَ السِّيرافِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (أنَّهُمْ)... إلَخْ صِلَةَ أهْلَكْناهُمْ؛ أيْ أهْلَكْناهم بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ؛ أيْ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ الهَلاكِ، وجَوَّزَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي أنْ يَكُونَ أنَّ وصِلَتُها مَعْمُولَ (يَرَوْا)، وجُمْلَةُ (كَمْ أهْلَكْنا) مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُما، وأنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا عَنْ (كَمْ أهْلَكْنا)، و(أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) مَفْعُولًا لِأجْلِهِ، قالَ الشُّمُنِّيُّ: لِيَرَوْا، والمَعْنى: أنَّهم عَلِمُوا لِأجْلِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إهْلاكَهم. ورُدَّ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها فِيما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: لا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ وارِدٌ عَلى البَدَلِيَّةِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ إمّا التَّهَكُّمُ بِهِمْ وتَحْمِيقُهُمْ، وإمّا إفادَةُ ما يُفِيدُ تَقْدِيمَ (إلَيْهِمْ) مِنَ الحَصْرِ أيْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ بَلْ إلَيْنا فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ اهـ. وهو كَما تَرى، وقالَ الجَلَبِيُّ: لَعَلَّ الحَقَّ أنْ يُجْعَلَ أوَّلُ الضَّمِيرَيْنِ لِمَعْنى (كَمْ) وثانِيهُما لِلرُّسُلِ، وأنَّ وصِلَتُها مَفْعُولًا لِأجْلِهِ لِـ ”أهْلَكْناهُمْ“، والمَعْنى أهْلَكْناهم لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ إلى الرُّسُلِ وما دَعَوْهم إلَيْهِ فاخْتِيارُ (لا يَرْجِعُونَ) عَلى لَمْ يَرْجِعُوا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ انْتَهى. وهو عَلى بُعْدِهِ رَكِيكٌ مَعْنًى، وأرَكُّ مِنهُ ما قِيلَ: الضَّمِيرانِ عَلى ما يَتَبادَرُ فِيهِما مِن رُجُوعِ الأوَّلِ لِمَعْنى (كَمْ) والثّانِي لِمَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الرُّؤْيَةُ، و”أنَّ“ وصِلَتُها عِلَّةٌ لِـ ”أهْلَكْنا“، والمَعْنى أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ فَيُخْبِرُونَهم بِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وجَزاءُ الِاسْتِهْزاءِ حَقٌّ يَنْزَجِرُ هَؤُلاءِ فَلِذا أهْلَكْناهُمْ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يُعْمِلُ (يَرَوْا) في (كَمْ أهْلَكْنا) وفي (أنَّهُمْ) ... إلَخْ مِن غَيْرِ إبْدالٍ ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ.
وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ”أنَّ“ وصِلَتَها بَدَلٌ مِن (كَمْ) ولا يَخْفى أنَّهُ إذا جَعَلَها مَعْمُولَ (أهْلَكْنا) كَما هو المَعْرُوفُ لا يَسُوغُ ذَلِكَ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا مَعْنى لِقَوْلِكَ: أهْلَكْنا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، ولَعَلَّهُ تَسامَحَ في ذَلِكَ، والمُرادُ بَدَلٌ مِن (كَمْ أهْلَكْنا) عَلى المَعْنى كَما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وأمّا جَعْلُ (كَمْ) مَعْمُولَةً لِـ (يَرَوْا) والإبْدالُ مِنها نَفْسِها إذْ ذاكَ فَلا يَخْفى حالُهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنَّ (أنَّهُمْ)... إلَخْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ قَضَيْنا أوْ حَكَمْنا أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (أهْلَكْنا) عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ وأُراهُ أبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ بَيْدَ أنَّ في الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ خَفاءً فَإنْ لَمْ يَلْصَقْ بِقَلْبِكَ لِذَلِكَ فالأقْوالُ بَيْنَ يَدَيْكَ ولا حَجْرَ عَلَيْكَ.
وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ما نُقِلَ عَنِ السِّيرافِيِّ ولا بَأْسَ بِهِ، وجُوِّزَ - عَلى بَعْضِ الأقْوالِ - أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (أنَّهُمْ) عائِدًا عَلى مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ ”يَرَوْا“ وفي (إلَيْهِمْ) عائِدًا عَلى المُهْلَكِينَ، والمَعْنى أنَّ الباقِينَ لا يَرْجِعُونَ إلى المُهْلَكِينَ بِنَسَبٍ ولا وِلادَةٍ أيْ أهْلَكْناهم وقَطَعْنا نَسْلَهُمْ، والإهْلاكُ مَعَ قَطْعِ النَّسْلِ أتَمُّ وأعَمُّ، ويَحْسُنُ - هَذا عَلى الوَجْهِ - المَحْكِيُّ عَنِ السِّيرافِيِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ ”إنَّهُ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَطَعَ الجُمْلَةَ عَمّا قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا فَإنَّهُمْ) ... إلَخْ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، بَدَلَ اشْتِمالٍ، ورُدَّ بِالآيَةِ عَلى القائِلِينَ بِالرَّجْعَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّيعَةُ.
صفحة 6
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مَبْعُوثٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؟ فَسَكَتَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ نَحْنُ إنْ نَكَحْنا نِساءَهُ واقْتَسَمْنا مِيراثَهُ أما تَقْرَأُونَ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ .
يس 36:32
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بَيانٌ لِرُجُوعِ الكُلِّ إلى المَحْشَرِ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا (وإنْ) نافِيَةٌ و(كُلٌّ) مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و(لَـمّا) بِمَعْنى إلّا، ومَجِيئُها بِهَذا المَعْنى ثابِتٌ في لِسانِ العَرَبِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ فَلا يُلْتَفَتُ إلى زَعْمِ الكِسائِيِّ أنَّهُ لا يُعْرَفُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في كَوْنِها بِهَذا المَعْنى مَعْنًى مُناسِبٌ، وهو أنَّها كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ أُكِّدَ أوَّلُهُما بِثانِيهِما وهُما لَمْ وما، وكَذَلِكَ إلّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ وهُما إنِ النّافِيَةُ ولا، فاسْتُعْمِلَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ، وهو عِنْدِي ضَرْبٌ مِنَ الوَساوِسِ. و(جَمِيعٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَيُفِيدُ ما لا تُفِيدُهُ (كُلٌّ) لِأنَّها تُفِيدُ إحاطَةَ الأفْرادِ وهَذا يُفِيدُ اجْتِماعَها وانْضِمامَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ و(لَدَيْنا) ظَرْفٌ لَهُ أوْ لَـ (مُحْضَرُونَ)، و(مُحْضَرُونَ) خَبَرٌ ثانٍ أوْ نَعْتٌ وجُمِعَ عَلى المَعْنى، والمَعْنى ما كُلُّهم إلّا مَجْمُوعُونَ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
وقالَ ابْنُ سَلامٍ: مُحْضْرُونَ أيْ مُعَذَّبُونَ، فَـ (كُلٌّ) عِبارَةٌ عَنِ الكَفَرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هَذا المَعْنى عَلى الأوَّلِ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُهْلَكَ لا يُتْرَكُ. وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ (لَما) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامَ فارِقَةٌ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ كُلُّهم مَجْمُوعُونَ إلَخْ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ واللّامَ بِمَعْنى إلّا وما مَزِيدَةٌ والمَعْنى كَما في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ.
يس 36:33
﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ، (وآيَةٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمامِ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ و(لَهُمْ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِها لِأنَّها بِمَعْنى العَلامَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لَها، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ومَن يَجْرِي مَجْراهم في إنْكارِ الحَشْرِ، و(الأرْضُ) مُبْتَدَأٌ و(المَيْتَةُ) صِفَتُها، وقَوْلُهُ - تَعالى -: (أحْيَيْناها) اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها (آيَةٌ) لِما فِيها مِن مَعْنى الإعْلامِ وهو تَكَلُّفٌ رَكِيكٌ، وقِيلَ: (آيَةٌ) مُبْتَدَأٌ أوَّلٌ و(لَهُمْ) صِفَتُها أوْ مُتَعَلِّقٌ بِها وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، و(الأرْضُ المَيْتَةُ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ وصْفَةٌ، وجُمْلَةُ (أحْيَيْناها) خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ الثّانِي وخَبَرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، ولِكَوْنِها عَيْنُ المُبْتَدَأِ كَخَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لَمْ تَحْتَجْ لِرابِطٍ. قالَ الخَفاجِيُّ: وهَذا حَسَنٌ جِدًّا إلّا أنَّ النُّحاةَ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ في غَيْرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وقِيلَ: إنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِمَدْلُولِ هَذا القَوْلِ؛ فَلِذا لَمَّ يُحْتَجْ لِذَلِكَ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: (آيَةٌ) مُبْتَدَأٌ و(الأرْضُ) خَبَرُهُ، وجُمْلَةُ (أحْيَيْناها) صِفَةُ الأرْضِ؛ لِأنَّها لَمْ يُرَدْ بِها أرْضٌ مُعَيَّنَةٌ بَلِ الجِنْسُ، فَلا يَلْزَمُ تَوْصِيفُ المَعْرِفَةِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي في حُكْمِ النَّكِرَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ولِقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتْ قُلْتُ لا يَعْنِينِي
وأنْكَرَ جَوازَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ مُخالِفًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، وجَعَلَ جُمْلَةَ (يَسُبُّنِي) حالًا مِنَ اللَّئِيمِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى عَلى اسْتِمْرارِ مُرُورِهِ عَلى مَن يَسُبُّهُ وإغْماضِهِ عَنْهُ ولِهَذا قالَ: (أمُرُّ) وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَمَضَيْتُ)، والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لا يُؤَدِّي هَذا المُؤَدّى، ثُمَّ إنَّ مَدارَ الخَبَرِيَّةِ إرادَةُ الجِنْسِ، فَلَيْسَ هُناكَ إخْبارٌ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ لِيَكُونَ مُخالِفًا لِلْقَواعِدِ كَما قِيلَ. نِعَمْ، أرْجَحُ الأوْجُهِ ما قُرِّرَ أوَّلًا، وقَدْ مَرَّ المُرادُ بِمَوْتِ الأرْضِ وإحْيائِها فَتَذَكَّرْ.
﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ أيْ جِنْسَ الحَبِّ مِنَ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والأُرْزِ وغَيْرِها، والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ كَما إذا كانَتْ
صفحة 7
فِي سِياقِ الِامْتِنانِ أوْ نَحْوِهِ، وفي ذِكْرِ الإخْراجِ وكَذا الجَعْلُ الآتِي - تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ الإحْياءِ. (فَمِنهُ) أيْ مِنَ الحَبِّ بَعْدَ إخْراجِنا إيّاهُ، والفاءُ داخِلَةٌ عَلى المُسَبَّبِ ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يَأْكُلُونَ) والتَّقْدِيمُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ ويُعاشُ بِهِ لِما في ذَلِكَ مِن إيهامِ الحَصْرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ لا مَأْكُولَ غَيْرُهُ.
يس 36:34
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ﴾ جَمْعُ نَخْلٍ، كَعَبِيدٍ جَمْعِ عَبْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأئِمَّةِ وصَرَّحَ بِهِ في القامُوسِ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّخْلُ والنَّخِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ. (وأعْنابٍ) جَمْعُ عِنَبٍ، ويُقالُ عَلى الكَرْمِ نَفْسِهِ وعَلى ثَمَرَتِهِ كَما قالَ الرّاغِبُ، ولَعَلَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِما. وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في الثَّمَرَةِ مَجازٌ في الشَّجَرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ الأوَّلُ بِقَرِينَةِ العَطْفِ عَلى النَّخِيلِ، وجُمِعا دُونَ الحَبِّ قِيلَ: لِتَدُلَّ الجَمْعِيَّةُ عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ أيْ مِن أنْواعِ النَّخْلِ وأنْواعِ العِنَبِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّخْلَ والعِنَبَ اسْمانِ لِنَوْعَيْنِ، فَكُلٌّ مِنهُما مَقُولٌ عَلى أفْرادِ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ فَلا يَدُلّانِ عَلى اخْتِلافِ ما تَحْتَهُما وتَعَدُّدِ أنْواعِهِ إلّا إذا عُبِّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ بِخِلافِ الحَبِّ، فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وهو يُشْعِرُ بِاخْتِلافِ ما تَحْتَهُ لِأنَّهُ المَقُولُ عَلى كَثْرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الحَقائِقِ قَوْلًا ذاتِيًّا فَلا يَحْتاجُ في الدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِلافِ إلى الجَمْعِيَّةِ، وقَوْلُهم جَمْعُ العالَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهو اسْمُ جِنْسٍ لِيَشْمَلَ ما تَحْتَهُ مِنَ الأجْناسِ لا يُنافِي ذَلِكَ، قِيلَ: لِأنَّ المُرادَ لِيَشْمَلَ شُمُولًا ظاهِرًا مُتَعَيِّنًا وإنْ حَصَلَ الإشْعارُ بِدُونِهِ. وقِيلَ: جُمِعا لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ النِّعْمَةِ، وأمّا الحَبُّ فَفِيهِ قِوامُ البَدَنِ وهو حاصِلٌ بِالجِنْسِ.
وامْتَنَّ - عَزَّ وجَلَّ - في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أمْرِ الحَشْرِ بِجَعْلِ الجَنّاتِ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ المُرادِ بِها الأشْجارُ، ولَمْ يَمْتَنَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِجَعْلِ ثَمَراتِ تِلْكَ الأشْجارِ مِنَ التَّمْرِ والعِنَبِ، كَما امْتَنَّ - جَلَّ جَلالُهُ - بِإخْراجِ الحَبِّ إعْظامًا لِلْمِنَّةِ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ الِامْتِنانَ بِالثِّمارِ وغَيْرِها مِن مَنافِعِ تِلْكَ الأشْجارِ أنْفُسِها بِسائِرِ أجْزائِها لِلْإنْسانِ نَفْسِهِ بِلا واسِطَةٍ لا سِيَّما النَّخِيلَ، ولا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى حَصْرِ ثَمَرَةِ الجَعْلِ بِأكْلِ الثَّمَرَةِ، وثَمَرَةُ التَّنْصِيصِ عَلى ذَلِكَ مِن بَيْنِ المَنافِعِ ظاهِرَةٌ وهَذا بِخِلافِ أشْجارِ الحُبُوبِ فَإنَّها لَيْسَتْ بِهَذِهِ المَثابَةِ ولِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ ولَمْ يُعامِلْ ثَمَرَ ذَلِكَ مُعامَلَةَ الحُبُوبِ، وكَلامُ البَيْضاوِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالأعْنابِ الثِّمارُ المَعْرُوفَةُ لا الكُرُومُ، وعَلَّلَ ذِكْرَ النَّخِيلِ دُونَ ثِمارِها - مَعَ أنَّهُ الأوْفَقُ - بِما قَبْلُ وما بَعْدُ بِاخْتِصاصِها بِمَزِيدِ النَّفْعِ وآثارِ الصُّنْعِ، وتَفْسِيرُ الأعْنابِ بِالثِّمارِ دُونَ الكُرُومِ بَعِيدٌ عِنْدِي لِمَكانِ العَطْفِ مَعَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (جَنّاتٍ)، والمَعْرُوفُ كَوْنُها مِن أشْجارٍ لا مِن ثِمارٍ.
قالَ الرّاغِبُ: الجَنَّةُ كُلُّ بُسْتانٍ ذِي شَجَرٍ يَسْتُرُ بِأشْجارِهِ الأرْضَ، وقَدْ تُسَمّى الأشْجارُ السّاتِرَةُ جَنَّةً، وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ:
مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
عَلى أنَّ في الآيَةِ بَعْدُ - ما يُؤَيِّدُ إرادَةَ الثِّمارِ. فَتَدَبَّرْ!
﴿وفَجَّرْنا فِيها﴾ أيْ شَقَقْنا في الأرْضِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ ”فَجَرْنا“ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ بَيْدَ أنَّ المُشَدَّدَ دالٌّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ.
﴿مِنَ العُيُونِ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العُيُونِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَحْذُوفٍ، ومِن بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها تَبْعِيضِيَّةً ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ و(مِنَ العُيُونِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَجَّرَ) ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى: فَجَّرْنا مِنَ المَنابِعِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الماءِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى زِيادَةَ (مِن) وجَعَلَ (العُيُونِ) مَفْعُولَ (فَجَّرْنا) لِأنَّهُ يَرى جَوازَ زِيادَتِها في الإثْباتِ مَعَ تَعْرِيفِ مَجْرُورِها.
يس 36:35
﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعْلِنا)
صفحة 8
وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَفْجِيرِ العُيُونِ لِأنَّهُ مِن مَبادِئَ الثَّمَرِ أيْ وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ ورَتَّبْنا مَبادِئَ ثَمَرِها لِيَأْكُلُوا، وضَمِيرُ (ثَمَرِهِ) عائِدٌ عَلى المَجْعُولِ وهو الجَنّاتُ ولِذا أفْرَدَ وذَكَّرَ ولَمْ يَقُلْ مِن ثَمَرِها أيِ الجَنّاتِ أوْ مِن ثَمَرِهِما أيِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ والضَّمِيرُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ لِأبِي عُبَيْدَةَ وقَدْ سَألَهُ كَأنَّ ذاكَ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الماءِ لِدَلالَةِ العُيُونِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ماءِ العُيُونِ، وقِيلَ عَلى النَّخِيلِ واكْتُفِيَ بِهِ لِلْعِلْمِ بِاشْتِراكِ الأعْنابِ مَعَهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ عَلى التَّفْجِيرِ المَفْهُومِ مِن (فَجَّرْنا) والمُرادُ بِـ (ثَمَرِهِ) فَوائِدُهُ، كَما تَقُولُ: ثَمَرَةُ التِّجارَةِ الرِّبْحُ، أوْ هو ظاهِرُهُ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ والكُلُّ كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإضافَةُ الثَّمَرِ إلَيْهِ - تَعالى - لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - خالِقُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَأْكُلُوا مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ الثَّمَرِ. وكانَ الظّاهِرُ (مِن ثَمَرِنا) لِضَمِيرِ العَظَمَةِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ التَفْتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِأنَّ الأكْلَ والتَّعَيُّشَ مِمّا يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - فَيُناسِبُ الغَيْبَةَ، فالِالتِفاتُ في مَوْقِعِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَظانِّهِ لِأنَّهُ أوْلى بِضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإحْياءِ والجَعْلِ والتَّفْجِيرِ وقَدْ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ. ورُدَّ بِأنَّ ما سَبَقَ أفْخَمُ لِأنَّها أفْعالٌ عامَّةُ النَّفْعِ ظاهِرَةٌ في كَمالِ القُدْرَةِ، والثَّمَرُ أحَطُّ مَرْتَبَةً مِنَ الحَبِّ ولِذا لَمْ يُورَدْ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصاصِ فَلا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ التَّفْخِيمَ. كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الثَّمَرَ خَلْقَ اللَّهِ - تَعالى - وكَمالَهُ بِفِعْلِ الآدَمِيِّ، وبِما تَقَدَّمَ يُسْتَغْنى عَمّا ذُكِرَ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”مِن ثُمُرِهِ“ بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ أوْ هو جَمْعُ ثِمارٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ”مِن ثُمْرِهِ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ ”ما“ مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرِّ عَطْفٍ عَلى (ثَمَرِهِ) وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (مِن ثَمَرِهِ) خِلافُ الظّاهِرِ؛ أيْ ولْيَأْكُلُوا مِنَ الَّذِي عَمِلُوهُ أوْ صَنَعُوهُ بِقُواهُمْ، والمُرادُ بِهِ ما يُتَّخَذُ مِنَ الثَّمَرِ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ وغَيْرِهِما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ بِالغَرْسِ والسَّقْيِ والإبارِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً أيْ ومِن شَيْءٍ عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ، وقِيلَ: ما نافِيَةٌ وضَمِيرُ (عَمِلَتْهُ) راجِعٌ إلى الثَّمَرِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ عَمَلِ أيْدِيهِمْ إيّاهُ أنَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعالى - لا بِفِعْلِهِمْ ولا تَقُولُ المَشايِخُ بِالتَّوْلِيدِ، ورُوِيَ القَوْلُ بِأنَّها نافِيَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وظاهِرُ كَلامِ الحَبْرِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى ”شَيْئًا“ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنهُ، فَقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها وفِيهِ بُعْدٌ. وأُيِّدَ القَوْلُ بِالمَوْصُولِيَّةِ بِقِراءَةِ طَلْحَةَ، وعِيسى، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي بَكْرٍ ”وما عَمِلَتْ“ بِلا هاءٍ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ المَوْصُولَ مَعَ الصِّلَةِ كاسْمٍ واحِدٍ فَيَحْسُنُ مَعَهُ لِاسْتِطالَتِهِ ولِاقْتِضائِهِ إيّاهُ ودَلالَتِهِ عَلَيْهِ يَكُونُ كالمَذْكُورِ، وتَقْدِيرُ اسْمٍ ظاهِرٍ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: جَعْلُها نافِيَةً أوْلى مِن جَعْلِها مَوْصُولَةً لِئَلّا يُوهِمَ اسْتِقْلالَهم بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأيْدِي لِلتَّأْكِيدِ في هَذا المَقامِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مِن بابِ أخَذْتُهُ بِيَدِي ورَأيْتُهُ بِعَيْنِي وحِينَئِذٍ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - تَعالى -: (أحْيَيْناها) ... إلَخْ تَفْسِيرًا لِكَوْنِ الأرْضِ المَيْتَةِ آيَةً. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ
صفحة 9
العَمَلَ مِنَ العِبادِ بِمَعْنى الكَسْبِ وقَدْ جاءَ بِما (قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ) و(بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) فَهَذا التَّأْكِيدُ دافِعٌ لِلْإيهامِ. انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ.
وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ و(عَمَلِ أيْدِيهِمْ) ويُرادُ بِالمَصْدَرِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَعْمُولِ أيْدِيهِمْ، فَيَعُودُ إلى مَعْنى المَوْصُولَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلْمُنْعِمِ بِالنِّعَمِ المَعْدُودَةِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَرَوْنَ هَذِهِ النِّعَمَ أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها؟
يس 36:36
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ - تَعالى - عَمّا فَعَلُوهُ مِن تَرْكِ شُكْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتِعْظامِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ وأسْرارِ حِكْمَتِهِ ورَوائِعِ نَعْمائِهِ المُوجِبَةِ لِشُكْرِهِ - تَعالى - وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ - سُبْحانَهُ - والتَّعْجِيبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ والحالُ هَذِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (سُبْحانَ) . وفي الإرْشادِ هُنا أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا أيِ اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمِ بِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا بَعُدَ فِيهِما وأمْعَنَ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ أيْ أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ وجِهَةِ العُدُولِ إلى التَّفْعِيلِ وجِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ وجِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّنَزُّهُ التّامُّ والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ عَنِ السُّوءِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ إسْنادِ التَّنَزُّهِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسِ فالمَعْنى تَنَزَّهَ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ - تَعالى - تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ سُبْحانَهُ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا إخْبارٌ مِنهُ - تَعالى - بِتَنَزُّهِهِ وبَراءَتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِمّا فَعَلُوهُ وما تَرَكُوهُ؛ وعَلى الأوَّلِ حُكْمٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذَلِكَ وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوهُ ويَعْتَقِدُوا مَضْمُونَهُ ولا يُخِلُّوا بِهِ ولا يَغْفُلُوا عَنْهُ.
وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الفِعْلَ النّاصِبَ أمْرًا أيْ سَبِّحُوا سُبْحانَ، والمُرادُ بِالأزْواجِ الأنْواعُ والأصْنافُ، وقالَ الرّاغِبُ: الأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ ويُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ ولِكُلِّ ما يَقْتَرِنُ بِآخَرَ مُماثِلًا لَهُ أوْ مُضادًّا، وكُلُّ ما في العالَمِ زَوْجٌ مِن حَيْثُ إنَّ لَهُ ضِدًّا ما أوْ مَثَلًا ما أوْ تَرْكِيبًا ما، بَلْ لا يَنْفَكُّ بِوَجْهٍ مِن تَرْكِيبِ صُورَةٍ ومادَّةٍ وجَوْهَرٍ وعَرَضٍ.
﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها.
﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ وخَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، أيِ الذَّكَرَ والأُنْثى.
﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ والأزْواجَ مِمّا لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ - تَعالى - ولَمْ يَجْعَلْ لَهم طَرِيقًا إلى مَعْرِفَتِهِ بِخُصُوصِيّاتِهِ، وإنَّما أطْلَعَهم - سُبْحانَهُ - عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ عَلى مِنهاجِ ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِما نِيطَ بِهِ وُقُوفُهم عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ وجَلالَةِ سُلْطانِهِ - عَزَّ وجَلَّ. ولَعَلَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ مِن أخَصِّ صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يُثْبَتْ عَلى وجْهِ الكَمالِ والإحاطَةِ لِأحَدٍ سِواهُ - سُبْحانَهُ، ولَوْ كانَ بِطَرِيقِ الفَيْضِ مِنهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَلى أنَّ ظَرْفَ المُمْكِنِ يَضِيقُ عَنِ الإحاطَةِ، فَما يَجْهَلُهُ كُلُّ أحَدٍ أكْثَرُ مِمّا يَعْلَمُهُ بِكَثِيرٍ، وقَدْ يُقالُ عَلى بَعْضِ الِاعْتِباراتِ: إنَّ ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مُتَناهٍ وما يَجْهَلُهُ غَيْرُ مُتَناهٍ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ المُتَناهِي وغَيْرِ المُتَناهِي أصْلًا، فَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَعْلُومِ كُلِّ أحَدٍ ومَجْهُولِهِ، وتَأمَّلْ في هَذا مَعَ دَعْوى بَعْضِ الأكابِرِ الوُقُوفَ عَلى الأعْيانِ الثّابِتَةِ والِاطِّلاعِ عَلَيْها وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.
يس 36:37
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ بَيانٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ في الزَّمانِ بَعْدَ ما بَيَّنَها سُبْحانَهُ في المَكانِ، و(آيَةٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و(اللَّيْلُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِهِ آيَةً، وفي التَّرْكِيبِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ، إلّا أنَّ الأرْجَحَ ما ذُكِرَ أيْ نَكْشِفُ ونُزِيلُ الضَّوْءَ مِن مَكانِ اللَّيْلِ ومَوْضِعِ إلْقاءِ ظِلِّهِ وظُلْمَتِهِ وهو الهَواءُ،
صفحة 10
فالنَّهارُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّوْءِ إمّا عَلى التَّجَوُّزِ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: (مِنهُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ وذَلِكَ لِأنَّ النَّهارَ واللَّيْلَ عِبارَتانِ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأُفُقِ وتَحْتَهُ، ولا مَعْنى لِكَشْفِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وأصْلُ السَّلْخِ كَشْطُ الجِلْدِ عَنْ نَحْوِ الشّاةِ، فاسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ ومَلْقى ظُلْمَتِهِ وظِلِّهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مُصَرِّحَةً، والجامِعُ ما يُعْقَلُ مِن تَرَتُّبِ أمْرٍ عَلى آخَرَ، فَإنَّهُ يَتَرَتَّبُ ظُهُورُ اللَّحْمِ عَلى كَشْطِ الجِلْدِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ عَلى كَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في النَّهارِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وفي السَّلْخِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرْنا. و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَعْلُها سَبَبِيَّةً لَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا التَّفْسِيرُ مَحْكِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ، ونَحْوُهُ تَفْسِيرُ السَّلْخِ بِالنَّزْعِ، واسْتِعْمالُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ أيْ داخِلُونَ في الظَّلامِ؛ كَما يُفِيدُهُ هَمْزَةُ الإفْعالِ عَلَيْهِ - ظاهِرٌ، ووَقَعَ في عِبارَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ والإمامِ السَّكّاكِيِّ ”أنَّ المُسْتَعارَ لَهُ في الآيَةِ ظُهُورُ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، والمُسْتَعارَ مِنهُ ظُهُورُ المَسْلُوخِ مِن جِلْدِهِ“، وذَلِكَ - عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ والفاضِلُ اليَمَنِيُّ - مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ ”مَعْنى نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْئِهِ“، فالظُّهُورُ في عِبارَتِهِما بِمَعْنى الخُرُوجِ، وهو يَتَعَدّى بِـ”مِن“ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى عَنْ.
وقَدْ جاءَ بِهَذا المَعْنى كَما في قَوْلِ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: اظْهَرْ بِمَن مَعَكَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلَيْها، أيِ الأرْضِ، يَعْنِي اخْرُجُ إلى ظاهِرِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «(كانَ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ ولَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ مِنَ الحُجْرَةِ.)» أيْ لَمْ يَخْرُجْ إلى ظاهِرِها، فَسَقَطَ ما أُورِدَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الظُّهُورُ لَقِيلَ ”فَإذا هم مُبْصِرُونَ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَإذا هم مُظْلِمُونَ“؛ لَأنَّ الواقِعَ عَقِيبَ ظُهُورِ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إنَّما هو الإبْصارُ لا الإظْلامُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَمْلِ العِبارَةِ عَلى القَلْبِ؛ أيْ ظُهُورِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ، وبَعْضُهم رَفَعَ هَذا الإيرادَ بِأنَّ النَّهارَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ أوِ الشَّمْسِ إلى الغُرُوبِ لا عَنْ بَعْضِها، فالواقِعُ عَقِيبَ هَذِهِ المُدَّةِ كُلِّها الدُّخُولُ في الظَّلامِ. وتَعَقَّبَهُ السّالِكُوتِيُّ بِأنَّ الدُّخُولَ في الظَّلامِ مُتَرَتِّبٌ عَلى السَّلْخِ لا عَلى انْقِضاءِ مُدَّةِ النَّهارِ.
ولَعَلَّ مُرادَ البَعْضِ أنَّ السَّلْخَ بِمَعْنى ظُهُورِ النَّهارِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِظُهُورِ كُلِّ أجْزائِهِ ومَتى ظَهَرَتْ أجْزاءُ النَّهارِ كُلُّها انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وذَكَرَ العَلّامَةُ القُطْبُ أنَّ السَّلْخَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى النَّزْعِ نَحْوُ سَلَخْتُ الإهابَ عَنِ الشّاةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإخْراجِ نَحْوُ سَلَخْتُ الشّاةَ مِنَ الإهابِ، والشّاةُ مَسْلُوخَةٌ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ والسَّكّاكِيُّ إلى الثّانِي وغَيْرُهُما إلى الأوَّلِ، فاسْتِعْمالُ الفاءِ في (فَإذا هُمْ) ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ الغَيْرِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِما فَإنَّما يَصِحُّ مِن جِهَةِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِما يُعَدُّ في العادَةِ مُرَتَّبًا غَيْرَ مُتَراخٍ، وهَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمُورِ والعاداتِ، فَقَدْ يَطُولُ الزَّمانُ والعادَةُ في مَثَلِهِ تَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبارِ المُهْلَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالعَكْسِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَإنَّ زَمانَ النَّهارِ وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ إخْراجِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ وبَيْنَ دُخُولِ الظَّلامِ لَكِنْ لِعِظَمِ دُخُولِ الظَّلامِ بَعْدَ إضاءَةِ النَّهارِ وكَوْنِهِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يَحْصُلَ إلّا في أضْعافِ ذَلِكَ الزَّمانِ عَدَّ الزَّمانَ قَرِيبًا وجَعَلَ اللَّيْلَ كَأنَّهُ يُفاجِئُهم عَقِيبَ إخْراجِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ بِلا مُهْلَةٍ.
ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ إذا المُفاجِئَةَ إنَّما تَصِحُّ إذا جُعِلَ السَّلْخُ بِمَعْنى الإخْراجِ كَما يُقالُ: أخْرَجَ النَّهارَ مِنَ اللَّيْلِ فَفاجَأهُ دُخُولُ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بِخِلافَ ما إذا جُعِلَ بِمَعْنى النَّزْعِ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: نَزَعَ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَنِ الهَواءِ فَفاجَأهُ الظَّلامُ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: كَسَرْتُ الكُوزَ فَفاجَأهُ الِانْكِسارُ؛ لِأنَّ دُخُولَهم في الظَّلامِ عَيْنُ حُصُولِ الظَّلامِ فَيَكُونُ نِسْبَةُ دُخُولِهِمْ في الظَّلامِ إلى نَزْعِ ضَوْءِ النَّهارِ كَنِسْبَةِ الِانْكِسارِ إلى الكَسْرِ فَلِهَذا جَعَلا السَّلْخَ
صفحة 11
بِمَعْنى الإخْراجِ دُونَ النِّزاعِ اهـ كَلامُهُ، وقَوّاهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ آيَةً إذا اشْتَمَلَ عَلى نَوْعِ اسْتِغْرابٍ واسْتِعْجابٍ بِحَيْثُ يَفْتَقِرُ إلى نَوْعِ اقْتِدارٍ إنَّما هو مُفاجَأةُ الظَّلامِ عَقِيبَ ظُهُورِ النَّهارِ لا عَقِيبَ زَوالِ ضَوْءِ النَّهارِ.
وقالَ السّالِكُوتِيُّ: إنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ المُفاجَأةِ فِيما ذُكِرَ لِأنَّها إنَّما تُتَصَوَّرُ فِيما لا يَكُونُ مُتَرَقَّبًا بَلْ يَحْصُلُ بَغْتَةً وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: إنَّ نَزْعَ الضَّوْءِ عَنِ اللَّيْلِ لِكَوْنِ ظُهُورِهِ في غايَةِ الكَمالِ كانَ المُتَرَقَّبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ في مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، فَحُصُولُ الظَّلامِ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ أمْرٌ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، ثُمَّ قالَ: وبِهَذا ظَهَرَ الجَوابُ عَنِ التَّقْوِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الظُّلْمَةَ لِكَوْنِها مِمّا تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وتَكْرَهُها النُّفُوسُ يَكُونُ حُصُولُها كَأنَّهُ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ ويَكْفِي نَفْسُ السَّلْخِ في الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ ما سَبَقَ عَنِ الطِّيبِيِّ واليَمَنِيِّ أنَّ الشَّيْخَ والسَّكّاكِيَّ أرادا إخْراجَ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْئِهِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، ومَآلُهُ إزالَةُ ضَوْءِ النَّهارِ مِن مَكانِ اللَّيْلِ ومَوْضِعِ ظُلْمَتِهِ كَما قالَ الفَرّاءُ، وجاءَ في كَلامِهِمُ الظُّهُورُ بِمَعْنى الزَّوالِ كَما في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:
وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها وتِلْكَ شِكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها
وحَكى الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُهُ أيْ زائِلٌ. وقالَ المَرْزُوقِيُّ في قَوْلِ الحَماسِيِّ:
وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْضًا، كَذَلِكَ فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في كَلامِ الشَّيْخَيْنِ بِهَذا المَعْنى، ويُرادُ بِالظُّهُورِ الإظْهارُ، والتَّعْبِيرُ بِهِ مُساهَلَةٌ لِظُهُورِ أنَّ (نَسْلَخُ) مُتَعَدٍّ فَيَرْجِعُ الأمْرُ إلى الإزالَةِ فَيَتَّحِدُ كَلامِهِما بِما قالَهُ الفَرّاءُ وكَذا عَلى ما قِيلَ المُرادُ بِالظُّهُورِ الخُرُوجُ عَلى وجْهِ المُفارَقَةِ لِظُهُورِ الزَّوالِ فِيهِ حِينَئِذٍ وأمْرُ المُساهَلَةِ عَلى حالِهِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ يَجِيءُ اعْتِراضُ العَلّامَةِ والجَوابُ هو الجَوابُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى الصَّوابِ.
وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ الظُّلْمَةُ والنُّورَ طارِئٌ عَلَيْها يَسْتُرُها بِضَوْئِهِ وفي الحَدِيثِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ أيْضًا. رَوى الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِن نُورِهِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ» .
يس 36:38
﴿والشَّمْسُ﴾ عَطْفٌ عَلى (اللَّيْلُ) أيْ وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ.
وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿تَجْرِي﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ (الشَّمْسُ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (اللَّيْلُ نَسْلَخُ) وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، والجَرْيُ المَرُّ السَّرِيعُ، وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ والمَعْنى تَسِيرُ سَرِيعًا ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ لِحَدٍّ مُعَيَّنٍ تَنْتَهِي إلَيْهِ مِن فَلَكِها في آخِرِ السَّنَةِ شُبِّهَ بِمُسْتَقَرَّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ انْتِهاءً إلى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وإنْ كانَ لِلْمُسافِرِ قَرارٌ دُونَها، ورُوِيُ هَذا عَنِ الكَلْبِيِّ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ اسْمُ مَكانٍ واللّامُ بِمَعْنى إلى وقُرِئَ بِها بَدَلَ اللّامِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً أوْ لِمُنْتَهًى لَها مِنَ المَشارِقِ اليَوْمِيَّةِ والمَغارِبِ لِأنَّها تَتَقَصّاها مَشْرِقًا مَشْرِقًا ومَغْرِبًا مَغْرِبًا حَتّى تُبْلُغَ أقْصاها ثُمَّ تَرْجِعُ فَذَلِكَ حَدُّها ومُسْتَقَرُّها لِأنَّها لا تَعْدُوهُ.
ورُوِيُ هَذا عَنِ الحَسَنِ وهو مُتَّفِقٌ في أنَّ المُسْتَقِرَّ اسْمُ مَكانٍ واللّامُ عَلى ما سَمِعْتَ، ومُخْتَلِفٌ بِاعْتِبارِ أنَّ الأوَّلَ مِنَ اسْتِقْرارِ المُسافِرِ تَشْبِيهًا لِانْتِهاءِ الدَّوْرَةِ بِانْتِهاءِ السُّفْرَةِ وهَذا بِاعْتِبارِ مُقْنَطَراتِ الِارْتِفاعِ وبُلُوغِ
صفحة 12
أقْصاها ومُقَنْطَراتِ الِانْخِفاضِ كَذَلِكَ، والِاسْتِقْرارُ بِاعْتِبارِ عَدَمِ التَّجاوُزِ عَنِ الأوَّلِ في اسْتِقْصاءِ المَشارِقِ وعَنِ الثّانِي في اسْتِقْصاءِ المَغارِبِ أوْ لِحَدٍّ لَها مِن مَسِيرِها كُلَّ يَوْمٍ في رَأْيِ عُيُونِنا وهو المَغْرِبُ، والمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ اسْمُ مَكانٍ أيْضًا واللّامُ كَما سَمِعْتَ أوْ لِكَبِدِ السَّماءِ ودائِرَةِ نِصْفِ النِّهارِ فالمُسْتَقَرُّ واللّامُ عَلى نَظِيرِ ما تَقَدَّمَ. وكَوْنُ ذَلِكَ مَحَلَّ قَرارِها إمّا مَجازٌ عَنِ الحَرَكَةِ البَطِيئَةِ أوْ هو بِاعْتِبارِ ما يَتَراءى؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ فَرَسَهُ وجَرْيَهُ في الظَّهِيرَةِ وشِدَّةِ الحَرِّ:
مُعْرَوْرِيًا رَمْضَ الرَّضْراضِ تَرَكُّضُهُ والشَّمْسُ حَيْرى لَها بِالجَوِّ تَدْوِيمُ
أوْ لِاسْتِقْرارٍ لَها ومُكْثٍ في كُلِّ بُرْجٍ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَلى نَهْجٍ مَخْصُوصٍ، فالمُسْتَقَرُّ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ واللّامُ داخِلَةٌ عَلى الغايَةِ أوِ الحامِلِ، وقِيلَ تَجْرِي لِبَيْتِها وهو بُرْجُ الأسَدِ، واسْتِقْرارُها عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ حالِها فِيهِ، وهَذا غَيْرُ مَقْبُولٍ إلّا عِنْدَ أهْلِ الأحْكامِ ولا يَخْفى حُكْمُهم عَلى مُحَقِّقِي الإسْلامِ، وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى تَجْرِي إلى وقْتٍ لَها لا تَتَعَدّاهُ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا مُسْتَقَرُّها انْتِهاءُ سَيْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. كَما قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ومُسْتَقَرٌّ عَلَيْهِ اسْمُ زَمانٍ. وفي غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصِّحاحِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: تَذْهَبُ لِتَسْجُدَ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لَها. ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلا يُقْبَلَ مِنها وتَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤْذَنَ لَها، فَيُقالُ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعَ مِن مَغْرِبِها فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» وفي رِوايَةٍ «أتُدْرُونَ أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: إنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً» الحَدِيثَ. وفي ذَلِكَ عِدَّةُ رِواياتٍ وقَدْ رُوِيَ مُخْتَصَرًا جِدًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ،» فالمُسْتَقَرُّ اسْمُ مَكانٍ والظّاهِرُ أنَّ لِلشَّمْسِ فِيهِ قَرارًا حَقِيقَةً، قالَ النَّوَوِيُّ: قالَ جَماعَةٌ بِظاهِرِ الحَدِيثِ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ اسْتَقَرَّتْ تَحْتَ العَرْشِ إلى أنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ: وسُجُودُها بِتَمْيِيزٍ وإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى فِيها.
وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ في فَتاوِيهِ الحَدِيثِيَّةِ أنَّ سُجُودَها تَحْتَ العَرْشِ إنَّما هو عِنْدَ غُرُوبِها، وحَكى فِيها عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها تَطْلُعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ وتَقُولَ: يا رَبِّ إنَّ قَوْمًا يَعْصُونَكَ فَيُقالُ لَها ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَنْزِلُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَطْلُعَ مِنَ المَشْرِقِ وبِنُزُولِها إلى سَماءِ الدُّنْيا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وفِيها أيْضًا أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها إذا غَرَبَتْ دَخَلَتْ نَهْرًا تَحْتَ العَرْشِ فَتُسَّبِحُ رَبَّها حَتّى إذا أصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّها عَنِ الخُرُوجِ، فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: لِمَ؟ فَتَقُولُ: إنِّي إذا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِن دُونِكَ. والسُّجُودُ تَحْتَ العَرْشِ قَدْ جاءَ أيْضًا مِن رِواياتِ الإمامِيَّةِ ولَهم في ذَلِكَ أخْبارٌ عَجِيبَةٌ مِنها أنَّ الشَّمْسَ عَلَيْها سَبْعُونَ ألْفِ كُلّابٍ وكُلُّ كُلّابٍ يَجُرُّهُ سَبْعُونَ ألْفِ مَلَكٍ مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها ثُمَّ يَنْزِعُونَ مِنها النُّورَ فَتَخِرُّ ساجِدَةً تَحْتَ العَرْشِ ثُمَّ يَسْألُونَ
صفحة 13
رَبَّهم هَلْ نُلْبِسُها لِباسَ النُّورِ أمْ لا؟ فَيُجابُونَ بِما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ - عَزَّ وجَلَّ - هَلْ نُطْلِعُها مِن مَشْرِقِها أوْ مَغْرِبِها؟ فَيَأْتِيهِمُ النِّداءُ بِما يُرِيدُ جَلَّ شَأْنُهُ، ثُمَّ يَسْألُونَ عَنْ مِقْدارِ الضَّوْءِ، فَيَأْتِيهِمُ النِّداءُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِن قَصْرِ النَّهارِ وطُولِهِ.
وفِي الهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أخْبارٌ مِن هَذا القَبِيلِ، والصَّحِيحُ مِنَ الأخْبارِ قَلِيلٌ، ولَيْسَ لِي عَلى صِحَّةِ أخْبارِ الإمامِيَّةِ وأكْثَرَ ما في الهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ تَعْوِيلٌ. نَعَمْ، ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِمّا لا كَلامَ في صِحَّتِهِ، وماذا يُقالُ في أبِي ذَرٍّ وصِدْقِ لَهْجَتِهِ، والأمْرُ في ذَلِكَ مُشْكِلٌ إذا كانَ السُّجُودُ والِاسْتِقْرارُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ سَواءٌ قِيلَ إنَّها تَطْلُعَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَصِلَ إلَيْهِ فَتَسْجُدُ، أمْ قِيلَ: إنَّها تَسْتَقِرُّ وتَسْجُدُ تَحْتَهُ مِن غَيْرِ طُلُوعٍ، فَقَدْ صَرَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّها تَغْرُبُ عِنْدَ قَوْمٍ وتَطْلُعُ عَلى آخَرِينَ، واللَّيْلُ يَطُولُ عِنْدَ قَوْمٍ ويَقْصُرُ عِنْدَ آخَرِينَ، وبَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ اخْتِلافٌ ما في الطُّولِ والقِصَرِ عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وفي بِلادِ بِلْغارٍ قَدْ يَطْلُعُ الفَجْرُ قَبْلَ أنْ يَغِيبَ شَفَقُ الغُرُوبُ، وفي عُرْضِ تِسْعِينَ لا تَزالُ طالِعَةً ما دامَتْ في البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ وغارِبَةً ما دامَتْ في البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ، فالسَّنَةُ نَصِفُها لَيْلٌ ونِصْفُها نَهارٌ عَلى ما فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، والأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى أنَّها لا تَسْكُنُ عِنْدَ غُرُوبِها وإلّا لَكانَتْ ساكِنَةً عِنْدَ طُلُوعِها بِناءً عَلى أنَّ غُرُوبَها في أُفُقٍ طُلُوعٌ في غَيْرِهِ، وأيْضًا هي قائِمَةٌ عَلى أنَّها لا تُفارِقُ فَلَكَها فَكَيْفَ تَطْلُعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَصِلَ إلى العَرْشِ بَلْ كَوْنُ الأمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لا يَحْتاجُ إلى بَيانٍ أصْلًا، وكَذا كَوْنُها تَحْتَ العَرْشِ دائِمًا بِمَعْنى احْتِوائِهِ عَلَيْها وكَوْنُها في جَوْفِهِ كَسائِرِ الأفْلاكِ الَّتِي فَوْقَ فَلَكِها والَّتِي تَحْتَهُ، وقَدْ سَألْتُ كَثِيرًا مِن أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ عَنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ما سَمِعْتُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِي خِلافَها مِنَ العَيانِ والبُرْهانِ فَلَمْ أُوَفَّقْ لِأنْ أفُوزَ مِنهم بِما يَرْوِي الغَلِيلَ ويَشْفِي العَلِيلَ، والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ في حَلِّ ذَلِكَ الإشْكالِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ أنَّ الشَّمْسَ وكَذا سائِرُ الكَواكِبِ مُدْرِكَةٌ عاقِلَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ حَيْثُ جِيءَ بِالفِعْلِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ لِنَحْوِ ما ذُكِرَ يَدُلُّ، وعَلَيْهِ ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِن أنَّها تَسْجُدُ وتَسْتَأْذِنُ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الِاسْتِئْذانِ ما يَكُونُ بِلِسانِ القالِ دُونَ لِسانِ الحالِ.
وخَلْقُ اللَّهِ تَعالى الإدْراكَ والتَّمْيِيزَ فِيها حالَ السُّجُودِ والِاسْتِئْذانِ ثُمَّ سَلْبُهُ عَنْها مِمّا لا حاجَةَ إلى التِزامِهِ، بَلْ هو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، والشَّواهِدُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ العِتْرَةِ عَلى كَوْنِها ذاتَ إدْراكٍ وتَمْيِيزٍ مِمّا لا تَكادُ تُحْصى كَثْرَةً، وبَعْضٌ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَها بِالخُصُوصِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ لَها بِاعْتِبارِ دُخُولِها في العُمُومِ أوْ بِالمُقايَسَةِ؛ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومَتى كانَتْ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لَها نَفْسٌ ناطِقَةٌ كَنَفْسِ الإنْسانِ؛ بَلْ صَرَّحَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ بِكَوْنِها ذاتَ نَفْسٍ ناطِقَةٍ كامِلَةٍ جِدًّا، والحُكَماءُ أثْبَتُوا النَّفْسَ لِلْفَلَكِ وصَرَّحَ بَعْضُهم بِإثْباتِها لِلْكَواكِبِ أيْضًا، وقالُوا: كُلُّ ما في العالَمِ العُلْوِيِّ مِنَ الكَواكِبِ والأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والتَّداوِيرِ حَيٌّ ناطِقٌ والأنْفُسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ إذا كانَتْ قُدْسِيَّةً قَدْ تَنْسَلِخُ عَنِ الأبْدانِ وتَذْهَبُ مُتَمَثِّلَةً ظاهِرَةً بِصُوَرِ أبْدانِها أوْ بِصُوَرٍ أُخْرى كَما يَتَمَثَّلُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَظْهَرُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ أوْ بِصُورَةِ بَعْضِ الأعْرابِ كَما جاءَ في صَحِيحِ الأخْبارِ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مَعَ بَقاءِ نَوْعِ تَعَلُّقٍ لَها بِالأبْدانِ الأصْلِيَّةِ يَتَأتّى مَعَهُ صُدُورُ الأفْعالِ مِنها كَما يُحْكى عَنْ بَعْضِ الأوْلِياءِ - قُدِّسَتْ أسْرارُهم - أنَّهم يُرَوْنَ في وقْتٍ واحِدٍ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وما ذاكَ إلّا لِقُوَّةِ تَجَرُّدِ أنْفُسِهِمْ، وغايَةِ تَقَدُّسِها، فَتَمْثُلُ وتَظْهَرُ في مَوْضِعٍ وبَدَنُها الأصْلِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
صفحة 14
لا تَقُلْ دارُها بِشَرْقِيِّ نَجْدٍ ∗∗∗ كُلُّ نَجْدٍ لِلْعامِرِيَّةِ دارُ
وهَذا أمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ مَشْهُورٌ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو غَيْرُ طَيِّ المَسافَةِ، وإنْكارُ مَن يُنْكِرُ كُلًّا مِنهُما عَلَيْهِمْ مُكابَرَةٌ لا تَصْدُرُ إلّا مِن جاهِلٍ أوْ مُعانِدٍ، وقَدْ عَجِبَ العَلامَةُ التَّفْتازانِيُّ مِن بَعْضِ فُقَهاءِ أهْلِ السُّنَّةِ أيْ كابْنِ مُقاتِلٍ حَيْثُ حَكَمَ بِالكُفْرِ عَلى مُعْتَقِدِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهم رَأوْهُ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ورُئِيَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِمَكَّةَ، ومَبْناهُ زَعْمَ أنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ الكِبارِ وهو مِمّا لا يُثْبِتُ كَرامَةً لِوَلِيٍّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُعْتَمَدَ عِنْدَنا جَوازُ ثُبُوتِ الكَرامَةِ لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا إلّا فِيما يَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ عَدَمُ إمْكانِهِ؛ كالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِ إحْدى سُوَرِ القُرْآنِ، وقَدْ أثْبَتَ غَيْرُ واحِدٍ تَمَثُّلَ النَّفْسِ وتَصَوُّرِها لِنَبِيِّنا ﷺ بَعْدَ الوَفاةِ، وادَّعى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ يُرى في عِدَّةِ مَواضِعَ في وقْتٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِهِ في قَبْرِهِ الشَّرِيفِ يُصَلِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في ذَلِكَ، وصَحَّ أنَّهُ ﷺ رَأى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُصَلِّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ ورَآهُ في السَّماءِ وجَرى بَيْنَهُما ما جَرى في أمْرِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، وكَوْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَجَ إلى السَّماءِ بِجَسَدِهِ الَّذِي كانَ في القَبْرِ بَعْدَ أنْ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ جَزْمًا، والقَوْلُ بِهِ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، وقَدْ رَأى ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ جَماعَةً مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّماواتِ مَعَ أنَّ قُبُورَهم في الأرْضِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّهم نُقِلُوا مِنها إلَيْها عَلى قِياسِ ما سَمِعْتَ آنِفًا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا ادَّعى الحُكْمِيُّونَ اسْتِحالَتَهُ مِن شَغْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ أكْثَرَ مِن بَدَنٍ واحِدٍ بَلْ هو أمْرٌ وراءَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى بَصِيرَتَهُ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِلشَّمْسِ نَفَسًا مِثْلُ تِلْكَ الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ وأنَّها تَنْسَلِخُ عَنِ الجِرْمِ المُشاهَدِ المَعْرُوفِ مَعَ بَقاءِ نَوْعٍ مِنَ التَّعَلُّقِ لَها بِهِ فَتَعْرُجُ إلى العَرْشِ فَتَسْجُدُ تَحْتَهُ بِلا واسِطَةٍ وتَسْتَقِرُّ هُناكَ وتَسْتَأْذِنُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ سَيْرَ هَذا الجِرْمِ المَعْرُوفِ وعَدَمَ سُكُونِهِ حَسْبَما يَدَّعِيهِ أهْلُ الهَيْئَةِ وغَيْرُهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ إذا غَرَبَتْ وتَجاوَزَتِ الأُفُقَ الحَقِيقِيَّ وانْقَطَعَتْ رُؤْيَةُ سُكّانِ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ إيّاها، ولا يَضُرُّ فِيهِ طُلُوعُها إذْ ذاكَ في عُرْضِ تِسْعِينَ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ السُّجُودِ والسُّكُونِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ المُنْسَلِخَةِ المُتَمَثِّلَةِ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى لا يُنافِي سَيْرَ الجِرْمِ المَعْرُوفِ بَلْ لَوْ كانا نِصْفَ النَّهارِ في خَطِّ الِاسْتِواءِ لَمْ يَضُرَّ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ سُجُودُها بَعْدَ غُرُوبِها عَنْ أُفُقِ المَدِينَةِ ولا يَضُرُّ فِيهِ كَوْنُها طالِعَةً إذْ ذاكَ في أُفُقٍ آخَرَ لِما سَمِعْتَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وعَلى هَذا الطِّرْزِ يُخَرَّجُ ما يُحْكى أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ تَزُورُ واحِدًا مِنَ الأوْلِياءِ بِأنْ يُقالَ إنَّ لِلْكَعْبَةَ حَقِيقَةً غَيْرَ ما يَعْرِفُهُ العامَّةُ، وهي بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ تَزُورُ والنّاسُ يُشاهِدُونَها في مَكانِها أحْجارًا مَبْنِيَّةً.
وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفُتُوحاتِ كَلامًا طَوِيلًا ظاهِرًا في أنَّ لَها حَقِيقَةً غَيْرَ ما يَعْرِفُهُ العامَّةُ، وفِيهِ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَها زَمانَ مُجاوَرَتِهِ مُراسَلاتٌ وتَوَسُّلاتٌ ومُعاتَبَةٌ دائِمَةٌ، وأنَّهُ دَوَّنَ بَعْضَ ذَلِكَ في جُزْءٍ سَمّاهُ تاجَ الوَسائِلِ ومِنهاجَ الرَّسائِلِ، وقَدْ سُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ عُمَرُ النَّسْفِيُّ مُفْتِي الإنْسِ والجِنِّ عَمّا يُحْكى أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ تَزُورُ إلَخْ هَلْ يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ؟ فَقالَ: نَقْضُ العادَةِ عَلى سَبِيلِ الكَرامَةِ لِأهْلِ الوِلايَةِ جائِزٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وارْتَضاهُ العَلّامَةُ السَّعْدُ وغَيْرُهُ لَكِنْ لَمْ أرَ مَن خَرَّجَ زِيارَتَها عَلى هَذا الطِّرْزِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذَلِكَ بِذَهابِ الجِسْمِ المُشاهَدِ مِنها إلى المَزُورِ وانْتِقالِهِ مِن مَكانِهِ، فَفي عِدَّةِ الفَتاوى والوَلْوالَجِيَّةِ وغَيْرِهِما لَوْ ذَهَبَتِ الكَعْبَةُ لِزِيارَةِ بَعْضِ الأوْلِياءِ فالصَّلاةُ إلى هَوائِها، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُرِيدُ بِهِ غَيْرُ ما يُحْكى فَإنَّهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لَمْ يَكُنْ بِانْتِقالِ
صفحة 15
الجِسْمِ المُشاهَدِ ثُمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثِ في الشَّمْسِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ الحِسُّ وكَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ بِهَذا الوَجْهِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ بَيْدَ أنِّي رَأيْتُ في بَعْضِ مُؤَلِّفاتِ عَصْرِيِّنا الرِّشْتِيِّ رَئِيسِ الطّائِفَةِ الإمامِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ أنَّ سَجْدَةَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها تَحْتَ العَرْشِ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ الآنِيَّةِ ونَزْعِ جِلْبابِ الماهِيَّةِ، وهو عِنْدِي نَوْعٌ مِنَ الرَّطانَةِ لا يَفْهَمُهُ مَن لا خِبْرَةَ لَهُ بِاصْطِلاحاتِهِ ولَوْ كانَ ذا فَطانَةٍ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ الكَلالِيبِ السّابِقَ: إنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي كَلامَ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا بِقَدْرِ سَمِّ الخِياطِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ عَدَمِ المُنافاةِ مَعَ أنَّها أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ مُعْتَذِرًا بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ طَوِيلٌ ولا أظُنُّهُ لَوْ كانَ آتِيًا بِهِ إلّا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وهَذا ما عِنْدِي، فَلْيُتَأمَّلْ! واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ (لا مُسْتَقَرَّ لَها) بِلا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ وبِناءِ (مُسْتَقَرَّ) عَلى الفَتْحِ، فَتَقْتَضِي انْتِفاءَ كُلِّ مُسْتَقَرٍّ حَقِيقِيٍّ لِجِرْمِها المُشاهَدِ وذَلِكَ في الدُّنْيا أيْ هي تَجْرِي في الدُّنْيا دائِمًا لا تَسْتَقِرُّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِـ (لا) أيْضًا إلّا أنَّهُ رَفَعَ (مُسْتَقَرٌّ) ونَوَّنَهُ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ كَما في قَوْلِهِ:
تَعَزَّ فَلا شَيْءٌ عَلى الأرْضِ باقِيًا ∗∗∗ ولا وزَرٌ مِمّا قَضى اللَّهُ واقِيًا
(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الجَرْيِ المَفْهُومِ مِن (تَجْرِي) أيْ ذَلِكَ الجَرْيُ البَدِيعُ الشَّأْنِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الرّائِقَةِ الَّتِي تَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ والأذْهانُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الغالِبِ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ ﴿العَلِيمِ﴾ المُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم في حِكْمَةِ جَرْيِها حَتّى تَسْجُدَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ ما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ السّابِقُ تَجَدُّدُ اكْتِسابِ النُّورِ مِنَ العَرْشِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ والعَناصِرِ ما يَتَرَتَّبُ وبِاكْتِسابِها النُّورَ مِنَ العَرْشِ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ. ومِنَ العَجِيبِ ما ذَكَرَهُ الرِّشْتِيُّ أنَّها تَسْتَمِدُّ النُّورَ مِن ظاهِرِ العَرْشِ وتُمِدُّ فَلَكَ القَمَرِ، ومِن باطِنِ العَرْشِ وتُمِدُّ فَلَكَ زُحَلَ، وتَسْتَمِدُّ مِن ظاهِرِ الكُرْسِيِّ وتُمِدُّ فَلَكَ عُطارِدٍ ومِن باطِنِهِ وتُمِدُّ فَلَكَ المُشْتَرِي وتَسْتَمِدُّ مِن ظاهِرِ تَقاطُعِ نُقْطَتَيِ المِنطَقَتَيْنِ وتُمِدُّ فَلَكَ الزُّهْرَةِ ومِن باطِنِهِ وتُمِدُّ فَلَكَ المِرِّيخِ، ولَيْتَ شِعْرِي مِن أيْنَ اسْتَمَدَّ فَقالَ ما قالَ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ نَقْلًا ولا نَظُنُّ أنَّهُ مَرَّ بِخَيالٍ، وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ نُورَ الشَّمْسِ ما هو مِن حَيْثُ عَيْنُها بَلْ هو مِن تَجَلٍّ دائِمٍ لَها مِنَ اسْمِهِ تَعالى النُّورِ، ونُورُ سائِرِ السَّيّاراتِ مِن نُورِها وهو في الحَقِيقَةِ مِن تَجَلِّي اسْمِهِ سُبْحانَهُ النُّورِ فَما ثَمَّ إلّا نُورُهُ عَزَّ وجَلَّ.
وادَّعى كَثِيرٌ مِن أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّ نُورَ جَمِيعِ الكَواكِبِ ثَوابِتِها وسَيّاراتِها مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وهو مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ الفَيّاضِ المُطْلَقِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نُوالُهُ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ وهي مَرْكَزُ العالَمِ والكَواكِبُ والأرْضُ كُراتٌ دائِرَةٌ
يس 36:39
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ أيْ صَيَّرْنا مَسِيرَهُ أيْ مَحَلَّهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ ﴿مَنازِلَ﴾ فَقَدَّرَ بِمَعْنى صَيَّرَ النّاصِبِ لِمَفْعُولَيْنِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والمُضافُ المَحْذُوفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ و(مَنازِلَ) مَفْعُولُهُ الثّانِي. واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَقْدِيرَ مَصْدَرٍ مُضافٍ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ و(مَنازِلَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ قَدَّرْنا سَيْرَهُ في مَنازِلَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم (نُورًا)؛ أيْ قَدَّرْنا نُورَهُ في مَنازِلَ، فَيَزِيدُ مِقْدارُ النُّورِ كُلَّ يَوْمٍ في المَنازِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ ويَنْقُصُ في المَنازِلِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ؛ لِما أنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ
صفحة 16
بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وبِهَذا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. والحَقُّ أنَّهُ لا قَطْعَ بِذَلِكَ ولَيْسَ هُناكَ إلّا غَلَبَةُ الظَّنِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَدَّرَ) مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ و(مَنازِلَ) بِتَقْدِيرِ ذا مَنازِلَ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ وهو (مَنازِلَ)، والأصْلُ: قَدَّرْنا لَهُ مَنازِلَ، عَلى الحَذْفِ والإيصالِ. واخْتارَهُ أبُو السُّعُودِ، ونَصَبَ (القَمَرَ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ: وقَدَّرْنا القَمَرَ قَدَّرْناهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّقْدِيرِ ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِما أنَّ شَهْرَهم بِاعْتِبارِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ سِرُّ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ”والقَمَرُ“ بِالرَّفْعِ، قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ (قَدَّرْناهُ) خَبَرُهُ، ويَجُوزُ فِيما أرى أنْ يَجْرِيَ في التَّرْكِيبِ ما جَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي﴾ مِنَ الإعْرابِ. تَدَبَّرْ! والمَنازِلُ جَمْعُ مَنزِلٍ، والمُرادُ بِهِ المَسافَةُ الَّتِي يَقْطَعُها القَمَرُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وهي عِنْدَ أهْلِ الهِنْدِ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ؛ لِأنَّ القَمَرَ يَقْطَعُ فَلَكَ البُرُوجُ في سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا وثُلُثٍ فَحَذَفُوا الثُّلْثَ لِأنَّهُ ناقِصٌ عَنِ النِّصْفِ كَما هو مُصْطَلَحُ أهْلِ التَّنْجِيمِ، وعِنْدَ العَرَبِ وساكِنِي البَدْوِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ لا لِأنَّهم تَمَّمُوا الثُّلْثَ واحِدًا كَما قالَ بَعْضُهُمْ، بَلْ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ سُنُوهم بِاعْتِبارِ الأهِلَّةِ مُخْتَلِفَةَ الأوائِلِ لِوُقُوعِها في وسَطِ الصَّيْفِ تارَةً وفي وسَطِ الشِّتاءِ أُخْرى وكَذا أوْقاتُ تِجارَتِهِمْ وزَمانُ أعْيادِهِمُ احْتاجُوا إلى ضَبْطِ سَنَةِ الشَّمْسِ لِمَعْرِفَةِ فُصُولِ السَّنَةِ حَتّى يَشْتَغِلُوا في اسْتِقْبالِ كُلِّ فَصْلٍ بِما يُهِمُّهم في ذَلِكَ الفَصْلِ مِنَ الِانْتِقالِ إلى المَراعِي وغَيْرِها فاحْتالُوا في ضَبْطِها، فَنَظَرُوا أوَّلًا إلى القَمَرِ فَوَجَدُوهُ يَعُودُ إلى وضْعٍ لَهُ مِنَ الشَّمْسِ في قَرِيبٍ مِن ثَلاثِينَ يَوْمًا، ويَخْتَفِي آخِرَ الشَّهْرِ لِلَيْلَتَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ فاسْقُطُوا يَوْمَيْنِ مِن زَمانِ الشَّهْرِ فَبَقِيَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ، وهو زَمانُ ما بَيْنَ أوَّلِ ظُهُورِهِ بِالعَشِيّاتِ مُسْتَهِلًّا أوَّلَ الشَّهْرِ، وآخِرِ رُؤْيَتِهِ بِالغُدُواتِ مُسْتَتِرًا آخِرَهُ، فَقَسَّمُوا دَوْرَ الفَلَكِ عَلَيْهِ فَكانَ كُلُّ قِسْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً وإحْدى وخَمْسِينَ دَقِيقَةً تَقْرِيبًا وهو سِتَّةُ أسْباعِ دَرَجَةٍ، فَنَصِيبُ كَلِّ بُرْجٍ مِنهُ مَنزِلانِ وثُلْثٌ، ثُمَّ لَمّا انْضَبَطَ الدَّوْرُ بِهَذِهِ القِسْمَةِ احْتالُوا في ضَبْطِ سَنَةِ الشَّمْسِ بِكَيْفِيَّةِ قَطْعِها لِهَذِهِ المَنازِلِ، فَوَجَدُوها تَسْتُرُ دائِمًا ثَلاثَةَ مَنازِلَ ما هي فِيهِ بِشُعاعِها، وما قَبْلَها بِضِياءِ الفَجْرِ، وما بَعْدَها بِضِياءِ الشَّمْسِ، ورَصَدُوا ظُهُورَ المُسْتَتِرِ بِضِياءِ الفَجْرِ ثُمَّ بِشُعاعِها ثُمَّ بِضِياءِ الشَّفَقِ فَوَجَدُوا الزَّمانَ بَيْنَ كُلِّ ظُهُورَيْ مَنزِلَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَقْرِيبًا، فَأيّامُ جَمِيعِ المَنازِلِ تَكُونُ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وسِتِّينَ، لَكِنَّ الشَّمْسَ تَقْطَعُ جَمِيعَها في ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسٍ وسِتِّينَ فَزادُوا يَوْمًا في أيّامِ مَنزِلِ غَفْرٍ، وزادُوهُ هَهُنا اصْطِلاحًا مِنهم أوْ لِشَرَفِهِ عَلى ما تَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ يَحْتاجُ إلى زِيادَةِ يَوْمَيْنِ لِيَكُونَ انْقِضاءُ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ مَعَ انْقِضاءِ السَّنَةِ ويَرْجِعُ الأمْرُ إلى النَّجْمِ الأوَّلِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ جَعَلَتْ عَلاماتِ الأقْسامِ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ مِنَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ القَرِيبَةِ مِنَ المِنطَقَةِ مِمّا يُقارِبُ طَرِيقَةَ القَمَرِ في مَمَرِّهِ أوْ يُحاذِيهِ فَيُرى القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نازِلًا بِقُرْبِ أحَدِها، وأحْوالُ كَواكِبِ المَنازِلِ مَعَ المَنازِلِ كَأحْوالِ كَواكِبِ البُرُوجِ مَعَ البُرُوجِ عِنْدَ أهْلِ الهَيْئَةِ، مِن أنَّها مُسامِتَةٌ لِلْمَنازِلِ وهي في فَلَكِ الأفْلاكِ، وإذا أسْرَعَ القَمَرُ في سَيْرِهِ فَقَدْ يُخَلِّي مَنزِلًا في الوَسَطِ، وإنْ أبْطَأ فَقَدْ يَبْقى لَيْلَتَيْنِ في مَنزِلٍ أوَّلُ اللَّيْلَتَيْنِ في أوَّلِهِ وآخِرُهُما في آخِرِهِ وقَدْ يُرى في بَعْضِ اللَّيالِي بَيْنَ مَنزِلَتَيْنِ، وما يُقالُ في الشُّهُورِ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ المَنازِلِ في كُلِّ لَيْلَةٍ يَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ، وكَذا الخَفِيُّ، وأنَّهُ إذا طَلَعَ مَنزِلٌ غابَ رَقِيبُهُ وهو الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الطّالِعِ سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِرَقِيبٍ يَرْصُدُهُ لِيَسْقُطَ في المَغْرِبِ إذا ظَهَرَ ذَلِكَ في المَشْرِقِ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّها لَيْسَتْ عَلى نَفْسِ المِنطَقَةِ ولا أبْعادُ ما بَيَّنَها مُتَساوِيَةٌ ولِهَذا
صفحة 17
قَدْ يَكُونُ الظّاهِرُ سِتَّةَ عَشَرَ وسَبْعَةَ عَشَرَ وقَدْ يَكُونُ الخَفِيُّ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وهَذِهِ الكَواكِبُ المُسَمّاةُ بِالمَنازِلِ المُسامِتَةِ لِلْمَنازِلِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أوَّلُها الشَّرَطانِ بِفَتْحِ الشِّينِ والرّاءِ مَثْنى شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ وهي العَلامَةُ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ القَدْرِ الثّالِثِ عَلى قَرْنَيِ الحَمَلِ مُعْتَرِضانِ بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أشْبارٍ، وبِقُرْبِ الجَنُوبِيِّ مِنهُما كَوْكَبٌ صَغِيرٌ سَمَّتِ العَرَبُ الكُلَّ أشْراطًا؛ لِأنَّها بِسُقُوطِها عَلاماتُ المَطَرِ والرِّيحِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما، وبِقُرْبِ الشَّمالِيِّ مِنهُما كَوْكَبٌ نَيِّرٌ هو الشَّرَطانِ عِنْدَ بَعْضٍ، ويُقالُ لِلشَّرَطَيْنِ النّاطِحُ أيْضًا، ثُمَّ البُطَيْنُ تَصْغِيرُ البَطْنِ وهو ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مِنَ القَدْرِ الخامِسِ عَلى شَكْلِ مُثَلَّثٍ حادِّ الزَّوايا عَلى فَخِذَيِ الحَمَلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرَطَيْنِ قِيدُ رُمْحٍ، والقَمَرُ يَجْتازُ بِها أحْيانًا، ثُمَّ الثُّرَيّا تَصْغِيرُ ثَرْوى مِنَ الثَّراءِ وهو الكَثْرَةُ، ويُسَمّى بِالنَّجْمِ وهي عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ سِتَّةُ كَواكِبَ مُجْتَمِعَةٍ كَشَكْلِ مِرْوَحَةٍ مِقْبَضُها نَحْوَ المَشْرِقِ وفِيهِ انْحِناءٌ في جانِبِ الشَّمالِ، وقِيلَ هي شَبِيهَةٌ بِعُنْقُودِ عِنَبٍ وعَلَيْهِ قَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ أوْ قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:
وقَدْ لاحَ في الصُّبْحِ الثُّرَيّا كَما تَرى كَعُنْقُودِ مُلّاحِيَّةٍ حِينَ نَوَّرا
والمَرْصُودُ مِنها أرْبَعَةٌ كُلُّها مِنَ القَدْرِ الخامِسِ ومَوْضِعُها سَنامُ الثَّوْرِ، وفي الكَشْفِ هي ألْيَةُ الحَمَلِ، ورُبَّما يَكْسِفُها القَمَرُ، ثُمَّ الدَّبَرانُ بِفَتْحَتَيْنِ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ دُبُرَ الثُّرَيّا وخَلْفَها وهو كَوْكَبٌ أحْمَرُ نَيِّرٌ مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ عَلى طَرَفِ صُورَةِ السَّبْعَةِ مِن رُقُومِ الهِنْدِ ويُسَمّى المِجْدَحُ ومَوْقِعُهُ عَيْنُ الثَّوْرُ، والَّذِي عَلى طَرَفِهِ الآخَرِ مِنَ القَدْرِ الثّالِثِ عَلى عَيْنِهِ الأُخْرى، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ وهي مِنَ الثّالِثِ أيْضًا عَلى وجْهِهِ، وزاوِيَةُ هَذا الرَّقْمِ عَلى خَطْمِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم يُسَمِّي الدَّبَرانَ بِقَلْبِ الثَّوْرِ، وقَدْ يَكْسِفُهُ القَمَرُ، ثُمَّ الهَقْعَةُ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ القافِ وفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مُجْتَمِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِنُقَطِ الثّاءِ كَأنَّها لَطْخَةٌ سَحابِيَّةٌ، شُبِّهَتْ بِالدّائِرَةِ الَّتِي تَكُونُ في عُرْضِ زَوْرِ الفَرَسِ أوْ بِحَيْثُ تُصِيبُ رِجْلَ الفارِسِ أوْ بِلَمْعَةِ بَياضٍ تَكُونُ في جَنْبِ الفَرَسِ الأيْسَرِ تُسَمّى بِذَلِكَ، وتُسَمّى الأثافِيَّ أيْضًا، وهي عَلى رَأْسِ الجَبّارِ المُسَمّى بِالجَوْزاءِ، والقَمَرُ يُحاذِيها ولا يُقارِبُها، ثُمَّ الهَنْعَةُ بِوَزْنِ الهَقْعَةِ وثانِيهِ نُونٌ، وهي كَوْكَبانِ مِنَ القَدْرِ الرّابِعِ والثّالِثِ شُبِّهَتْ بِسِمَةٍ في مُنْخَفَضِ عُنُقِ الفَرَسِ وهُما عَلى رِجْلَيِ التَّوْأمَيْنِ مِمّا يَلِي الشَّمالَ، وفي الكَشْفِ هي مَنكِبُ الجَوْزاءِ الأيْسَرِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِما، ثُمَّ الذِّراعُ وهُما كَوْكَبانِ أزْهَرانِ مِنَ القَدْرِ الثّانِي عَلى رَأْسَيِ التَّوْأمَيْنِ يَعْنُونَ بِهِما ذِراعَ الأسَدِ المَبْسُوطَةِ إذِ المَقْبُوضَةُ هي الشِّعْرى الشّامِيَّةُ مَعَ مِرْزَمِها، والقَمَرُ يُقارِبُ المَبْسُوطَةَ، ثُمَّ النَّثْرَةُ وهي الفُرْجَةُ بَيْنَ الشّارِبَيْنِ حِيالَ وتَرَةِ الأنْفِ، وهو أنْفُ الأسَدِ، وهُما كَوْكَبانِ خَفِيّانِ مِنَ الرّابِعِ بَيْنَهُما قِيدُ ذِراعٍ ولَطْخَةٌ سَحابِيَّةٌ، وهي عَلى وسَطِ السَّرَطانِ، ويَقْرُبُها كَوْكَبانِ يُسَمَّيانِ بِالحِمارَيْنِ، واللَّطْخَةُ الَّتِي بَيْنَهُما بِالمَعْلَفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتِّبْنِ وبِمَمْحَظَةِ الأسَدِ أيْ مَوْضِعِ اسْتِتارِهِ، ويَكْسِفُ القَمَرُ كُلًّا مِنهُما، ثُمَّ الطَّرْفُ وهُما كَوْكَبانِ صَغِيرانِ مِنَ الرّابِعِ، أحَدُهُما عَلى رَأْسِ الأسَدِ قُدّامَ عَيْنَيْهِ والآخَرُ قُدّامَ يَدِهِ المُقَدَّمَةِ، والقَمَرُ يُحاذِي أشْمَلَهُما ويَكْسِفُ أجْنَبَهُما، ويَعْنُونَ بِالطَّرْفِ عَيْنَ الأسَدِ، ثُمَّ الجَبْهَةُ، ويَعْنُونَ بِها جَبْهَةَ الأسَدِ، وهي أرْبَعَةُ كَواكِبَ عَلى سَطْرٍ فِيهِ تَعْوِيجٌ آخِذٌ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ، أعْظَمُها عَلى طَرَفِ السَّطْرِ مِمّا يَلِي الجَنُوبَ يُسَمّى قَلْبُ الأسَدِ لِكَوْنِهِ في مَوْضِعِهِ، ويُسَمّى المَلَكِيَّ أيْضًا، وهو مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ وبِالَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الزُّبْرَةُ بِضَمِّ الزّايِ
صفحة 18
وسُكُونِ الباءِ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ عَلى أثَرِ الجَبْهَةِ، بَيْنَهُما أرْجَحُ مِن ذِراعٍ، وهُما عَلى زُبْرَةِ الأسَدِ أيْ كاهِلِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وعِنْدَ المُنَجِّمِينَ عِنْدَ مُؤَخَّرِهِ، فَزُبْرَةُ الأسَدِ شِعْرُهُ الَّذِي يَزْبُرُ عِنْدَ الغَضَبِ في قَفاهُ، أجْنَبُهُما مِنَ الثّالِثِ وأشْمَلُهُما مِنَ الثّانِي وتُسَمّى ظَهْرَ الأسَدِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، ثُمَّ الصَّرْفَةُ وهو كَوْكَبٌ واحِدٌ عَلى طَرَفِ ذَنَبِ الأسَدِ، ويُسَمّى ذَنَبَ الأسَدِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ البَرْدَ يَنْصَرِفُ عِنْدَ سُقُوطِهِ، ثُمَّ العَوّاءُ، يُمَدُّ ويُقْصَرُ، والقَصْرُ أجْوَدُ، وهي خَمْسَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ عَلى هَيْئَةِ لامٍ في الخَطِّ العَرَبِيِّ، ثَلاثَةٌ مِنها آخِذَةٌ مِن مَنكِبِ العَذْراءِ الأيْسَرِ إلى تَحْتِ ثَدْيِها الأيْسَرِ، وهي عَلى سَطْرٍ جَنُوبِيٍّ مِنَ الصَّرْفَةِ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ اثْنانِ عَلى سَطْرٍ يُحِيطُ مَعَ الأوَّلِ بِزاوِيَةٍ مُنْفَرِجَةٍ، زَعَمَتِ العَرَبُ أنَّها كِلابٌ تَعْوِي خَلْفَ الأسَدِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ العَوّاءَ، وقِيلَ في ذَلِكَ كَأنَّها تَعْوِي في أثَرِ البَرْدِ؛ ولِهَذا سُمِّيَتْ طارِدَةَ البَرْدِ، وقِيلَ هي مِن عَوى الشَّيْءَ عَطَفَهُ، فَلِما فِيها مِنَ الِانْعِطافِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.
وفِي الكَشْفِ العَوّا سافِلَةُ الإنْسانِ، ويُقالُ: إنَّها ورِكُ الأسَدِ، والقَمَرُ يَخْرِقُها، ثُمَّ السِّماكُ الأعْزَلُ وهو كَوْكَبٌ نَيِّرٌ مِنَ الأوَّلِ عَلى كَتِفِ العَذْراءِ اليُسْرى قَرِيبٌ مِنَ المِنطَقَةِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ ويَكْسِفُهُ، ويُقابِلُ السِّماكَ الأعْزَلَ السِّماكُ الرّامِحُ، ولَيْسَ مِنَ المَنازِلِ، وسُمِّيَ رامِحًا لِكَوْكَبٍ يَقْدُمُهُ كَأنَّهُ رُمْحُهُ، وسُمِّيَ سِماكًا لِأنَّهُ سَمَكَ أيِ ارْتَفَعَ، ثُمَّ الغَفْرُ وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ مِنَ الرّابِعِ عَلى ذَيْلِ العَذْراءِ ورِجْلِها المُؤَخَّرَةِ عَلى سَطْرٍ مُعْوَجٍّ حَدَبَتُهُ إلى الشَّمالِ، وقِيلَ كَوْكَبانِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِجَنُوبِيِّهِما وقَدْ يُحاذِي الشَّمالِيَّ وهو مَنزِلُ خَيْرٍ بَعُدَ عَنْ شَرَّيْنِ مُقَدَّمِ الأسَدِ ومُؤَخَّرِ العَقْرَبِ، ويُقالُ: إنَّهُ طالِعُ الأنْبِياءِ والصّالِحَيْنِ، وسُمِّيَتْ غَفْرًا لِسَتْرِها ونُقْصانِ نُورِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِن كَواكِبِ المِيزانِ ثُمَّ الزُّبانا بِالضَّمِّ وآخِرُهُ ألِفٌ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي مُتَباعِدانِ في الشَّمالِ والجَنُوبِ بَيْنَهُما قِيدُ رُمْحٍ عَلى كِفَّتَيِ المِيزانِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما قَرْنا العَقْرَبِ، والقَمَرُ قَدْ يَكْسِفُ جَنُوبِيَّهُما، ثُمَّ الإكْلِيلُ وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مُعْتَرِضَةٍ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ عَلى سَطْرٍ مُقَوَّسٍ، يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الغَفْرِ، الأوْسَطُ مِنها مُتَقَدِّمٌ، والِاثْنانِ تالِيانِ، وهي مِنَ الرّابِعِ والقَمَرُ يَمُرُّ بِجَمِيعِها، وقِيلَ هي أرْبَعَةُ كَواكِبَ بِرَأْسِ العَقْرَبِ ولِذا سُمِّيَتْ بِهِ وأصْلُ مَعْناهُ التّاجُ، ثُمَّ القَلْبُ وهو قَلْبُ العَقْرَبِ كَوْكَبٌ أحْمَرُ نَيِّرٌ أوْسَطُ الثَّلاثَةِ الَّتِي عَلى بَدَنِ العَقْرَبِ عَلى اسْتِقامَةٍ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وهو مِنَ الثّانِي، واللَّذانِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ - ويُسَمَّيانِ نِياطَيْنِ - مِنَ الثّالِثِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ ويَكْسِفُهُ مِنَ المِنطَقَةِ، ثُمَّ الشَّوْلَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ، وتُسَمّى إبْرَةُ العَقْرَبِ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، كَوْكَبانِ مِنَ الثّانِي أزْهَرانِ مُتَقارِبانِ عَلى طَرَفٍ ذَنَبِ العَقْرَبِ في مَوْضِعِ الحُمَةِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما، ثُمَّ النَّعائِمُ أرْبَعَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ عَلى مُنْحَرَفٍ تابِعٍ لِلشَّوْلَةِ، وتُسَمّى النَّعائِمَ الوارِدَةَ أيْ إلى المَجَرَّةِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِاثْنَيْنِ مِنها ويُحاذِي الباقِيَةَ، ويَقْرُبُ مِنها أرْبَعَةٌ أُخْرى مِنَ الثّالِثِ عَلى مُنْحَرَفٍ هي النَّعائِمُ الصّادِرَةُ أيْ مِنَ المَجَرَّةِ، وكُلُّها مِن صُورَةِ الرّامِي وسُمِّيَتْ نَعائِمَ تَشْبِيهًا بِالخَشَباتِ الَّتِي تَكُونُ عَلى البِئْرِ، ثُمَّ البَلْدَةُ وهي قِطْعَةٌ مِنَ السَّماءِ خالِيَةٌ مِنَ الكَواكِبِ مُسْتَدِيرَةٌ شُبِّهَتْ بِبَلْدَةِ الثَّعْلَبِ وهي ما يَكْنِسُهُ بِذَنَبِهِ، وتُسَمّى أيْضًا بِالمَفازَةِ والفُرْجَةِ، وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالفُرْجَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الحاجِبَيْنِ، ومَوْضِعُها خَلْفَ الكَواكِبِ الَّتِي تُسَمّى بِالقِلادَةِ وهي عِصابَةُ الرّامِي، ثُمَّ سَعْدُ الذّابِحِ كَوْكَبانِ عَلى قَرْنَيِ الجَدْيِ بَيْنَهُما قَدْرُ باعٍ، جَنُوبِيُّهُما مِنَ الثّالِثِ، والقَمَرُ يُقارِبُهُ ولا يَكْسِفُهُ، ويَقْرُبُ الشَّمالِيَّ كَوْكَبٌ صَغِيرٌ يَكادُ يَلْتَصِقُ بِهِ، يُقالُ إنَّهُ شاتُهُ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يَذْبَحَها، وقِيلَ: إنَّهُ في مَذْبَحِهِ، ولِهَذا يُسَمّى بِالذّابِحِ، ثُمَّ سَعْدُ بُلَعَ كَوْكَبانِ عَلى كَفِّ ساكِبِ
صفحة 19
الماءِ اليُسْرى فَوْقَ ظَهْرِ الجَدْيِ بَيْنَهُما قَدْرُ باعٍ، غَرْبِيُّهُما مِنَ الثّالِثِ وشَرْقِيُّهُما مِنَ الرّابِعِ ويَقْرُبُ مُتَقَدِّمَهُما كَوْكَبٌ صَغِيرٌ كَأنَّهُ ابْتَلَعَهُ فَلِهَذا سُمِّيَ بِهِ، وفي القامُوسِ سَعْدُ بُلَعَ كَزُفَرَ مَعْرِفَةٌ مُنْزِلٌ لِلْقَمَرِ طَلَعَ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ وهو نَجْمانِ مُسْتَوِيانِ في المَجْرى، أحَدُهُما خَفِيٌّ والآخَرُ مُضِيءٌ يُسَمّى بالِعًا كَأنَّهُ بَلَعَ الآخَرَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما لِسَعْدِ الذّابِحِ فَكَأنَّهُ بَلَعَ شاتَهُ، والقَمَرُ يُقارِبُ أجْنَبَهُما ولا يَكْسِفُهُ ثُمَّ سَعْدُ السُّعُودِ كَوْكَبانِ، وقِيلَ ثَلاثَةٌ، عَلى خَطٍّ مُقَوَّسٍ بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ حَدَبَتُهُ إلى المَغْرِبِ، أجْنَبُهُما - والقَمَرُ يَقْرُبُ مِنهُ - مِنَ الخامِسِ عَلى طَرَفِ ذَنَبِ الجَدْيِ، وأشْمَلُهُما مِنَ الثّالِثِ، وهو مَعَ الآخَرِ في القَوْلِ الآخَرِ مِن كَواكِبِ القَوْسِ، والقَمَرُ يُقارِبُ أجْنَبَهُما، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ في وقْتِ طُلُوعِهِ ابْتِداءُ ما بِهِ يَعِيشُونَ وتَعِيشُ مَواشِيهِمْ، ثُمَّ سَعْدُ الأخْبِيَةِ أرْبَعَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ، ومِن كَواكِبِ الرّامِي عَلى يَدِ ساكِبِ الماءِ اليُمْنى ثَلاثَةٌ مِنها عَلى شَكْلِ مُثَلَّثٍ حادِّ الزَّوايا، والرّابِعُ وسَطُهُ وهو السَّعْدُ، والثَّلاثُ خِباؤُهُ ولِذا سُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْلُعُ قَبْلَ الدِّفْءِ فَيَخْرُجُ مِنَ الهَوامِّ ما كانَ مُخْتَبِئًا، والقَمَرُ يُقارِبُها مِن ناحِيَةِ الجَنُوبِ، ثُمَّ الفَرْغُ المُقَدَّمُ، ويُقالُ الأعْلى، كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي بَيْنَهُما قِيدُ رُمْحٍ، أجَنَبُهُما عَلى مَتْنِ الفَرَسِ الأكْبَرِ المُجَنَّحِ، وأشْمَلُهُما عَلى مَنكِبِهِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِالبُعْدِ مِنهُما، ثُمَّ الفَرْغُ المُؤَخَّرُ كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي بَيْنَهُما قِيدَ رُمْحٍ أيْضًا، أجْنَبُهُما عَلى جَناحِ الفَرَسِ، وأشْمَلُهُما مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سُرَّتِهِ ورَأْسِ المُسَلْسَلَةِ، شَبَّهَتِ العَرَبُ الأرْبَعَةَ بِفَرْغِ الدَّلْوِ، وهو بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَصَبُّ الماءِ مِنها لِكَثْرَةِ الأمْطارِ في وقْتِها، ثُمَّ بَطْنُ الحُوتِ ويُقالُ لَهُ: الرِّشاءُ، بِكَسْرِ الرّاءِ، أيْ رِشاءُ الدَّلْوِ، وقَلْبُ الحُوتِ أيْضًا كَوْكَبٌ نَيِّرٌ مِنَ الثّالِثِ عَلى جَنْبِ المَرْأةِ المُسَلْسَلَةِ، يُحاذِيهِ القَمَرُ ولا يُقارِبُهُ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ في بَطْنِ سَمَكَةٍ عَظِيمَةٍ تَحْتَ نَحْرِ النّاقَةِ تُصَوِّرُها العَرَبُ مِن سَطْرَيْنِ عَلَيْهِما كَواكِبُ خَفِيَّةٌ بَعْضُها مِنَ المُسَلْسَلَةِ وبَعْضُها مِن إحْدى سَمَكَتَيِ الحُوتِ.
هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَنازِلَ الثَّمانِيَةَ والعِشْرِينَ تُسَمِّي العَرَبُ الأرْبَعَةَ عَشَرَ الشَّمالِيَّةَ مِنها الَّتِي أوَّلُها الشَّرَطانِ وآخِرُها السِّماكُ شامِيَّةً، والباقِيَةَ مِنها الَّتِي أوَّلُها الغَفْرُ وآخِرُها بَطْنُ الحُوتِ يَمانِيَّةً، وأنَّها تُسَمِّي خُرُوجَ المَنزِلِ مِن ضِياءِ الفَجْرِ طُلُوعَهُ، وغُرُوبَ رَقِيبِهِ وقْتَ الصُّبْحِ سُقُوطَهُ، والمَنازِلَ الَّتِي يَكُونُ طُلُوعُها في مَواسِمِ المَطَرِ الأنْواءَ ورُقَباءَها إذا طَلَعَتْ في غَيْرِ مَواسِمِ المَطَرِ البَوارِحَ. قالَهُ القُطْبُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنَ المَنازِلِ في المَغْرِبِ مَعَ الفَجْرِ وطُلُوعُ رَقِيبِهِ مِنَ المَشْرِقِ يُقابِلُهُ مِن ساعَتِهِ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ما خَلا الجَبْهَةَ فَإنَّ لَها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولَمْ يُسْمَعْ في النَّوْءِ أنَّهُ السُّقُوطُ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، والعَرَبُ تُضِيفُ الأمْطارَ والرِّياحَ والحَرَّ والبَرْدَ إلى السّاقِطِ مِنها، وقالَ الأصْمَعِيُّ: إلى الطّالِعِ في سُلْطانِهِ، فَتَقُولُ: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُّرَيّا مَثَلًا والجَمْعُ أنْواءٌ ونُوآنٌ مِثْلُ عَبْدٍ وعُبْدانٍ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ المَرْزُوقِيِّ أنَّ نَوْءَ الشَّرَطَيْنِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، ونَوْءَ البُطَيْنِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الثُّرَيّا خَمْسُ لَيالٍ، ونَوْءَ الدَّبَرانِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الهَقْعَةِ سِتُّ لَيالٍ، ولا يَذْكُرُونَ نَوْأها إلّا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ، ونَوْءَ الهَنْعَةِ لا يُذْكَرُ أيْضًا، وإنَّما يَكُونُ في أنْواءِ الجَوْزاءِ والذِّراعَ لا نَوْءَ لَهُ، ونَوْءَ النَّثْرَةِ سَبْعُ لَيالٍ ونَوْءَ الطَّرْفِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الجَبْهَةِ سَبْعٌ، والزُّبْرَةَ أرْبَعٌ، والصَّرْفَةَ ثَلاثٌ، والعَوّاءَ لَيْلَةٌ، والسِّماكَ أرْبَعٌ، والغَفْرَ ثَلاثٌ، وقِيلَ لَيْلَةٌ، والزُّبانا ثَلاثٌ، والإكْلِيلَ أرْبَعٌ، والقَلْبُ ثَلاثٌ، والشَّوْلَةَ كَذَلِكَ، والنَّعائِمَ لَيْلَةٌ، والبَلْدَةَ ثَلاثٌ، وقِيلَ: لَيْلَةٌ، وسَعْدَ الذّابِحِ لَيْلَةٌ، وبُلَعَ وسَعْدَ السُّعُودِ وسَعْدَ الأخْبِيَةِ والفَرْغَ المُقَدَّمَ ثَلاثٌ، والمُؤَخَّرَ أرْبَعٌ ولَمْ يَذْكُرْ في نُسْخَتِي لِلرِّشاءِ نَوْءًا. ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الإنْسانِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا إنْ أرادَ بِهِ أنَّ النَّوْءَ
صفحة 20
نَزَلَ بِالماءِ فَهو كُفْرٌ، والقائِلُ كافِرٌ حَلالٌ دَمُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وفي الرَّوْضَةِ: مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ النَّوْءَ يُمْطِرُ حَقِيقَةً كَفَرَ وصارَ مُرْتَدًّا، وإنْ أرادَ أنَّ النَّوْءَ سَبَبٌ يُنَزِّلُ اللَّهُ تَعالى بِهِ الماءَ حَسَبَما عُلِمَ وقُدِّرَ فَهو لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ مُباحٌ؛ لَكِنْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو وإنْ كانَ مُباحًا كُفْرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَهْلٌ بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ أثَرَ سَماءٍ: ”هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فَأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَهو كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ“» وظاهِرُهُ أنَّ الكُفْرَ مُقابِلُ الإيمانِ فَيُحْمَلُ عَلى ما إذا أرادَ القائِلُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا. واللَّهُ تَعالى الحافِظُ مِن كُلِّ سُوءٍ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.
والقَمَرُ في العُرْفِ العامِّ هو الكَوْكَبُ المَعْرُوفُ في جَمِيعِ لَيالِي الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ مَعَ الشَّمْسِ ومُفارَقَتِهِ إيّاها لا يُسَمّى قَمَرًا إلّا مِن ثَلاثِ لَيالٍ وسِتٍّ وعِشْرِينَ لَيْلَةً وفِيما عَدا ذَلِكَ يُسَمّى هِلالًا، ولَعَلَّ الأظْهَرَ في الآيَةِ حَمْلُهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وهو الشّائِعُ إذا ذُكِرَ مَعَ الشَّمْسِ، أيْ قَدَّرْنا هَذا الجِرْمَ المَعْرُوفَ مَنازِلَ ومَسافاتٍ مَخْصُوصَةً فَسارَ فِيها ونَزَلَها مَنزِلَةً مَنزَلَةً ﴿حَتّى عادَ﴾ أيْ صارَ في أواخِرِ سَيْرِهِ وقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ في رَأْيِ العَيْنِ ﴿كالعُرْجُونِ﴾ هو عَوْدُ عِذْقِ النَّخْلَةِ مِن بَيْنِ الشِّمْراخِ إلى مَنبَتِهِ مِنها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أصْلُ العِذْقِ، وقِيلَ: الشِّمْراخُ، وهو ما عَلَيْهِ البُسْرُ مِن عِيدانِ العِذْقِ والكِباسَةِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، ونُونُهُ - عَلى ما حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ - زائِدَةٌ فَوَزْنُهُ فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ والِانْعِطافُ، وذَهَبَ قَوْمٌ - واخْتارَهُ الرّاغِبُ، والسَّمِينُ، وصاحِبُ القامُوسِ - إلى أنَّها أصْلِيَّةٌ فَوَزْنُهُ فُعْلُولٌ. وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيِّ ”كالعِرْجَوْنِ“ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، كالبُزْيُونِ والبِزْيَوْنِ وهو بِساطٌ رُومِيٌّ أوِ السُّنْدُسُ ﴿القَدِيمِ﴾ أيِ العَتِيقِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ زَمانٌ يَبِسَ فِيهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الِاصْفِرارُ والدِّقَّةُ والِاعْوِجاجُ، وقِيلَ: أقَلُّ مُدَّةِ القِدَمِ حَوْلٌ، فَلَوْ قالَ رَجُلٌ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٌ فَهو حُرٌّ؛ عَتَقَ مِنهم مَن مَضى لَهُ حَوْلٌ وأكْثَرُ، وقِيلَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، وحَكاهُ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
يس 36:40
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ أيْ يَتَسَخَّرُ ويَتَسَهَّلُ كَما في قَوْلِكَ: النّارُ يَنْبَغِي أنْ تُحْرِقَ الثَّوْبَ، أوْ يَحْسُنَ ويَلِيقَ أيْ حِكْمَةً كَما في قَوْلِكَ: المَلِكُ يَنْبَغِي أنْ يُكْرِمَ العالِمَ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ المَعْنى الأوَّلَ، وأصْلُ ﴿يَنْبَغِي﴾ مُطاوِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ، وما طاوَعَ وقَبِلَ الفِعْلَ فَقَدْ تَسَخَّرَ وتَسَهَّلَ، والنَّفْيُ راجِعٌ في الحَقِيقَةِ إلى ﴿يَنْبَغِي﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّمْسِ ولا يَتَسَخَّرُ ﴿أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ في سُلْطانِهِ بِأنْ تَجْتَمِعَ مَعَهُ في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وجَعَلَهُ مَظْهَرًا لِسُلْطانِهِ، فَإنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ لِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ لِكُلٍّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ حَدًّا مَحْدُودًا ووَقْتًا مُعَيَّنًا يَظْهَرُ فِيهِ سُلْطانُهُ فَلا يَدْخُلُ أحَدُهُما في سُلْطانِ الآخَرِ بَلْ يَتَعاقَبانِ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لِنَفْيِ أنْ تُدْرِكَ الشَّمْسُ القَمَرَ فِيما جُعِلَ لَهُ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ لِنَفْيِ أنْ يُدْرِكَ القَمَرُ الشَّمْسَ فِيما جُعِلَ لَها أيْ ولا آيَةُ اللَّيْلِ سابِقَةُ آيَّةِ النَّهارِ، وظاهِرُ سُلْطانِها في وقْتِ ظُهُورِ سُلْطانِها، وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُناسِبَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ ولِأنَّ الكَلامَ في الآيَتَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي﴾ الآيَتانِ، وآخِرًا ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وعَبَّرَ بِالإدْراكِ أوَّلًا وبِالسَّبْقِ ثانِيًا - عَلى ما في الكَشّافِ - لِمُناسَبَةِ
صفحة 21
حالِ الشَّمْسِ مِن بُطْءِ السَّيْرِ وحالِ القَمَرِ مِن سُرْعَتِهِ، ولَمْ يَقُلْ ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ لِيُؤْذِنَ - عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ - بِالتَّعاقُبِ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وبِنُصُوصِيَّةِ التَّدْبِيرِ عَلى المُعاقَبَةِ فَإنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ الَّتِي مَدارُ تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنهُما عَلَيْها. وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ مُعاقَبَةِ كُلٍّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ في تُرَتُّبِ الإضاءَةِ، وسُلْطانِهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ وكَذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ فَقِيلَ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَبْقِ آيَتِهِ آيَتَهُ فَحَصَلَ الدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِلافِ أيْضًا إدْماجًا لِأنَّها لا تُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ، وجاءَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ هَذا المَعْنى في النَّهارِ أيْضًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ولَمّا ذُكِرَ مَعَ الشَّمْسِ الإدْراكُ المُؤْذِنُ بِأنَّها طالِبَةٌ لِلَّحاقِ قِيلَ ”لا يَنْبَغِي“ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ وجِيءَ بِالفِعْلِ المُؤْذِنِ بِالتَّجَدُّدِ، ولَمّا نُفِيَ السَّبْقُ في المُقابِلِ أُكِّدَ ذَلِكَ بِأنْ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المَحْضَةِ مِن دُونِ الِابْتِغاءِ لِأنَّهُ مَطْلُوبُ اللُّحُوقِ اهـ.
ولَمْ يَذْكُرِ السِّرَّ في إدْخالِ حَرْفِ النَّفْيِ عَلى الشَّمْسِ دُونَ الفِعْلِ المُؤْذِنِ بِصِفَتِها ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ أخْفى مِنَ السُّها وكانَ ذَلِكَ لِيُسْتَشْعَرَ مِنهُ في المَقامِ الخَطابِيِّ أنَّ الشَّمْسَ إذا خُلِّيَتْ وذاتَها تَكُونُ مَعْدُومَةً كَما هو شَأْنُ سائِرِ المُمْكِناتِ، وإنَّما يَحْصُلُ لَها ما يَحْصُلُ مِن عِلَّتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - الكامِلَةِ الَّتِي لا يَأْبى عَنْها شَيْءٌ مِن أشْياءِ عالَمِ الإمْكانِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ في غايَةِ كَوْنِها مُسَخَّرَةً في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا شَيْءَ فَوْقَ تِلْكَ المَسْخَرِيَّةِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ورَدٌّ بَلِيغٌ لِمَن إلَيْها يُسْنَدُ التَّأْثِيرَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإفادَةِ كَوْنِها مُسَخَّرَةً لا يَتَسَهَّلُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها مِن حَيْثُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الفِعْلِ وجَعْلُهُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ نَحْوُ: ما أنا قُلْتُ هَذا، وما زِيدَ سَعْيٌ في حاجَتِكَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ، أيْ ما أنا قُلْتُ هَذا بَلْ غَيْرِي، وما زِيدَ سَعْيٌ في حاجَتِكَ؛ بَلْ غَيْرُهُ عَلى ما حَقَّقَهُ عُلَماءُ البَلاغَةِ، والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ تَسَهُّلِ إدْراكِ القَمَرِ في سُلْطانِهِ عَنِ الشَّمْسِ نَفْيُ أنْ يَتَسَهَّلَ لَها أنْ تَطْمِسَ نُورَهُ وتُذْهِبَ سُلْطانَهُ، ويَرْجِعَ ذَلِكَ إلى نَفْيِ قُدْرَتِها عَلى الطَّمْسِ وإذْهابِ السُّلْطانِ فَيَكُونُ المَعْنى بِناءً عَلى قاعِدَةِ التَّقْدِيمِ أنَّ الشَّمْسَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بَلْ غَيْرُها يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا - بَعْدَ إثْباتِ الجَرَيانِ لَها بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ - مُشْعِرٌ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لا يَتَسَهَّلُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها. وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ فِيما كَتَبَهُ عَلى هامِشِ تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها. وجْهُ الدَّلالَةِ أنَّ الإيلاءَ المَذْكُورَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ والِابْتِغاءَ بِمَعْنى الصِّحَّةِ والتَّسْهِيلِ المُساوِقَيْنِ لِلِاقْتِدارِ فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَ لَها قُدْرَةٌ عَلى إدْراكِ القَمَرِ وسُرْعَةِ المَسِيرِ الَّتِي هي ضِدٌّ لِحَرَكَتِها الخاصَّةِ، بَلِ القُدْرَةُ عَلَيْهِما لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو فاعِلٌ لِحَرَكَتِها حَقِيقَةً ولَها مُجَرَّدُ المَحَلِّيَّةِ لِلْحَرَكَةِ، فَصَحَّتِ الدَّلالَةُ المَذْكُورَةُ، ثُمَّ قالَ: وتَفْصِيلُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أوَّلًا أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّ لَها إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها الخاصَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَدَّرَ القَمَرَ أيْضًا في مَنازِلِ الشَّمْسِ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ أيْ رَجَعَ إلى الشَّكْلِ الهِلالِيِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قُرْبِهِ إلى الشَّمْسِ ورُجُوعِهِ إلَيْها، ولَمّا كانَ لِلْوَهِمِ سَبِيلٌ إلى أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ جَرْيَ الشَّمْسِ وسَيْرَها وتَقْدِيرَ أنْوارِ القَمَرِ وجِرْمَهُ المَرْئِيَّ مِمّا يَسْتَنِدُ إلى إرادَتِهِما عَلى سَبِيلِ إرادَتِنا الَّتِي تَتَعَلَّقُ تارَةً بِالشَّيْءِ وأُخْرى بِضِدِّهِ فَيَصِحُّ ويَتَيَسَّرُ لِلنَّيِّرَيْنِ الأمْرانِ كَما يَصِحّانِ لَنا، وأنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ إسْنادَ أمْرِ
صفحة 22
الشَّمْسِ والقَمَرِ إلى التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ مِن قَبِيلِ إسْنادِ أفْعالِنا إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإقْدارَ والتَّمْكِينَ مِنهُ تَعالى وأنَّهُ سُبْحانَهُ المَبْدَأُ والمُنْتَهى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِباراتِ - نَبَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ بِالتَّخْصِيصِ المَذْكُورِ عَلى دَفْعٍ عَلى هَذا التَّوَهُّمِ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ مُسَخَّرًا مُضْطَرًّا في أمْرِهِ بِسَلْبِ اقْتِدارِهِ عَلى ضِدِّهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ أضْدادِهِ، فَأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ الحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ المُفْضِيَةَ إلى إدْراكِ القَمَرِ الَّتِي هي ضِدُّ الحَرَكَةِ الخاصَّةِ لِلشَّمْسِ لا يَصِحُّ اسْتِنادُها إلَيْها، والقُدْرَةُ عَلَيْها مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِها ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ حَتّى يُظْهِرَ أنَّ وُجُودَ الحَرَكَةِ الخاصَّةِ لَها مُسْتَنِدٌ إلى تَقْدِيرِهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ لِلشَّمْسِ مَعَهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِحُكْمِ القَمَرِ حَيْثُ قالَ تَعالى ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ فَإنَّ الأقْرَبَ كَوْنُ المَعْنى فِيهِ لَيْسَ لِآيَةِ اللَّيْلِ القُدْرَةُ عَلى أنْ تَسْبِقَ آيَةَ النَّهارِ بِحَيْثُ تَفُوتُها ولا تَكُونُ لَها مُراجَعَةٌ إلَيْها ولُحُوقٌ بِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَقْدِيرَ القَمَرِ في المَنازِلِ عَلى الوَجْهِ المَرْصُودِ الَّذِي يَعُودُ بِهِ إلى الشَّكْلِ الهِلالِيِّ الشَّبِيهِ بِالعُرْجُونِ ويُفْضِي إلى مُقارَبَةِ الشَّمْسِ مُسْتَنِدٌ أيْضًا إلى تَقْدِيرِهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ لِلْقَمَرِ فِيهِ، فالجُمْلَتانِ في قُوَّةِ التَّأْكِيدِ لِلْآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ ولِهَذا فُصِّلَتا اهـ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى عَلى ذَكِيٍّ، فَتَأمَّلْ!
وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ مَعْنى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أنَّ الشَّمْسَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سَيْرِهِ لِبُطْءِ حَرَكَتِها الخاصَّةِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ كَذَلِكَ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. وادَّعى النَّحّاسُ أنَّهُ أظْهَرُ ما قِيلَ في مَعْناهُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْنى قُرْبٌ ما. بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِالِاعْتِبارِ، وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ في ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ إنَّ المُرادَ أنَّ القَمَرَ لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، وهي ما تَكُونُ لَهُ وكَذا لِسائِرِ الكَواكِبِ بِواسِطَةِ فَلَكِ الأفْلاكِ، فَإنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لا يَقَعُ بِسَبَبِها تَقَدُّمٌ ولا تَأخُّرٌ وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَهُ في آثارِهِ ومَنافِعِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ كُلًّا مِنهُما بِآثارٍ ومَنافِعَ كالتَّلْوِينِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَمَرِ والنُّضْجِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّمْسِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ فِيما يُشاهَدُ مِنَ السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً أيْ لا تَبْقى الشَّمْسُ طالِعَةً إلى أنْ يَطْلُعَ القَمَرُ ولَكِنْ إذا غَرَبَتْ طَلَعَ، وقالَ يَحْيى بْنْ سَلامٍ: المُرادُ لا تُدْرِكُهُ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً لِأنَّهُ يُبادِرُ المَغِيبَ قَبْلَ طُلُوعِها وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما، وقِيلَ في مَعْنى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ: إنَّ اللَّيْلَ لا يَسْبِقُ النَّهارَ ويَتَقَدَّمُ عَلى وقْتِهِ فَيَدْخُلُ قَبْلَ مُضِيِّهِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ أيْ لا يَنْبَغِي إذا كانَ لَيْلٌ أنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتّى يَكُونَ النَّهارُ. وعَلَيْكَ بِما تَقَدَّمَ، فَهو لَعَمْرِي أقْوَمُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أنَّ النَّهارَ سابِقٌ عَلى اللَّيْلِ في الخَلْقِ. رَوى العَيّاشِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِالإسْنادِ عَنِ الأشْعَثِ بْنِ حاتِمٍ قالَ: كُنْتُ بِخُراسانَ حَيْثُ اجْتَمَعَ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَأْمُونُ والفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ في الإيوانِ بِمَرْوَ فَوُضِعَتِ المائِدَةُ فَقالَ الرِّضا: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ سَألَنِي بِالمَدِينَةِ فَقالَ: النَّهارُ خُلِقَ قَبْلُ أمِ اللَّيْلُ؟ فَما عِنْدَكُمْ؟ فَأرادُوا الكَلامَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شَيْءٌ، فَقالَ الفَضْلُ لِلرِّضا: أخْبِرْنا بِها أصْلَحَكَ اللَّهُ تَعالى! قالَ: نَعَمْ، مِنَ القُرْآنِ أمْ مِنَ الحِسابِ؟ قالَ لَهُ الفَضْلُ: مِن جِهَةِ الحِسابِ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ عَلِمْتَ يا فَضْلُ أنَّ طالِعَ الدُّنْيا السَّرَطانُ، والكَواكِبُ في مَواضِعِ شَرَفِها؛ فَزُحَلُ في المِيزانِ، والمُشْتَرِي في السَّرَطانِ، والمِرِّيخُ في الجَدْيِ، والشَّمْسُ في الحَمَلِ، والزُّهْرَةُ في الحُوتِ، وعُطارِدٌ في السُّنْبُلَةِ، والقَمَرُ في الثَّوْرِ، فَتَكُونُ الشَّمْسُ في العاشِرِ وسَطَ السَّماءِ، فالنَّهارُ قَبْلُ اللَّيْلِ، ومِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أيِ اللَّيْلَ قَدْ سَبَقَهُ النَّهارُ اهـ.
صفحة 23
وفِي الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ بَحْثٌ ظاهِرٍ وأمّا بِالحِسابِ فَلَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ. ورَأى المُنَجِّمُونَ أنَّ ابْتِداءَ الدَّوْرَةِ دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ ولَهُ مُوافَقَةٌ لِما ذُكِرَ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ مِن مُبْتَدَئِهِ، فالرِّضى أجَلُّ مِن أنْ يَسْتَدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن دَعْواهُ، وفَهِمَ الإمامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أنَّ اللَّيْلَ مَسْبُوقٌ لا سابِقٌ، ومِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أنَّ اللَّيْلَ سابِقٌ لِأنَّ النَّهارَ يَطْلُبُهُ، وأجابَ عَمّا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ اللَّيْلِ سابِقًا مَسْبُوقًا بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلِ هُنا آيَتُهُ وهو القَمَرُ وهو لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، والمُرادَ مِنَ اللَّيْلِ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ وكُلُّ واحِدٍ لَمّا كانَ في عَقِبِ الآخَرِ كانَ طالِبَهُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ الضَّمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَطْلُبُهُ﴾ عائِدًا عَلى النَّهارِ وضَمِيرِ المَفْعُولِ عائِدًا عَلى ﴿اللَّيْلُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى ما هو الفاعِلُ في المَعْنى وهو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ ”يغشي الليل النهار“ وضَمِيرَ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ﴿النَّهارِ﴾ لِأنَّهُ المَفْعُولُ قَبْلَ النَّقْلِ وبَعْدَهُ وحِينَئِذٍ كِلْتا الآيَتَيْنِ تُفِيدُ أنَّ النَّهارَ سابِقٌ فَلا سُؤالَ. انْتَهى. فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وقَرَأ عَمّارُ بْنُ عَقِيلٍ ”سابِقُ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ”النَّهارَ“ بِالنَّصْبِ قالَ المُبَرِّدُ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقُلْتُ: ما هَذا؟ قالَ: أرَدْتُ سابِقٌ النَّهارِ بِالتَّنْوِينِ فَحَذَفْتُ لِأنَّهُ أخَفُّ. وفي البَحْرِ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ”وكُلٌّ“ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إذْ هُما المَذْكُورانِ صَرِيحًا، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ لِيُوافِقَ ما بَعْدُ، أيْ كُلُّهُمْ، وقَدَّرَهُ آخَرُ اسْمَ إشارَةٍ أيْ كُلُّ ذَلِكَ أيِ المَذْكُورُ الشَّمْسُ والقَمَرُ ﴿فِي فَلَكٍ﴾ هو كَما قالَ الرّاغِبُ مَجْرى الكَوْكَبِ سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِدارَتِهِ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ وهي الخَشَبَةُ المُسْتَدِيرَةُ في وسَطِهِ وفَلْكَةِ الخَيْمَةِ وهي الخَشَبَةُ المُسْتَدِيرَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلى رَأْسِ العَمُودِ لِئَلّا تَتَمَزَّقَ الخَيْمَةُ.
﴿يَسْبَحُونَ﴾ أيْ يَسِيرُونَ فِيهِ بِانْبِساطٍ وكُلُّ مَن بَسَطَ في شَيْءٍ فَهو يَسْبَحُ فِيهِ، ومِنهُ السِّباحَةُ في الماءِ، وهَذا المَجْرى في السَّماءِ، ولا مانِعَ عِنْدَنا أنْ يَجْرِيَ الكَوْكَبُ بِنَفْسِهِ في جَوْفِ السَّماءِ وهي ساكِنَةٌ لا تَدُورُ أصْلًا وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ فِيها تَجْوِيفٌ مَمْلُوءٌ هَواءً أوْ جِسْمًا آخَرَ لَطِيفًا مِثْلَهُ يَجْرِي الكَوْكَبُ فِيهِ جَرَيانَ السَّمَكَةِ في الماءِ أوِ البُنْدُقَةِ في الأُنْبُوبِ مَثَلًا، أوْ تَجْوِيفٌ خالٍ مِن سائِرِ ما يَشْغَلُهُ مِنَ الأجْسامِ يَجْرِي الكَوْكَبُ فِيهِ أوْ بِأنْ تَكُونَ السَّماءُ بِأسْرِها لَطِيفَةً، أوْ ما هو مَجْرى الكَوْكَبِ مِنها لَطِيفًا فَيَشُقُّ الكَوْكَبُ ما يُحاذِيهِ، وتَجْرِي كَما تَجْرِي السَّمَكَةُ في البَحْرِ أوْ في ساقِيَةٍ مِنهُ وقَدِ انْجَمَدَ سائِرُهُ، وانْقِطاعُ كُرَةِ الهَواءِ عِنْدَ كُرَةِ النّارِ المُماسَّةِ لِمُقَعَّرِ فَلَكِ القَمَرِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ وانْحِصارُ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ بِالعَناصِرِ الثَّلاثَةِ وصَلابَةِ جِرْمِ السَّماءِ وتَساوِي أجْزائِها واسْتِحالَةُ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلَيْها واسْتِحالَةُ وُجُودِ الخَلاءِ لَمْ يَتِمَّ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وأقْوى ما يُذْكَرُ في ذَلِكَ شُبَهاتٌ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وإنَّهُ ورَبِّ السَّماءِ لَأوْهَنُ البُيُوتِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ عِبارَةٌ عَنْ جِسْمٍ مُسْتَدِيرٍ ويَكُونُ الكَوْكَبُ فِيهِ يَجْرِي بِجَرَيانِهِ في ثِخَنِ السَّماءِ مِن غَيْرِ دَوَرانٍ لِلسَّماءِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْتَبَرَ هَذا الفَلَكُ لِبَعْضِ الكَواكِبِ الفَلَكَ الكُلِّيَّ ويَكُونُ فِيهِ نَحْوَ ما يُثْبِتُهُ أهْلُ الهَيْئَةِ لِضَبْطِ الحَرَكاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الأفْلاكِ الجُزْئِيَّةِ لَكِنْ لا يُضْطَرُّ إلى ذَلِكَ بِناءً عَلى القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ، كَما لا يَخْفى إلّا أنَّ في نِسْبَةِ السَّبْحِ إلى الكَوْكَبِ نَوْعَ إباءٍ بِظاهِرِهِ عَنْ هَذا الِاحْتِمالِ، وفي كَلامِ الأئِمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ إيماءٌ إلى بَعْضِ ما ذَكَرْنا.
صفحة 24
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ فَلْكَةٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلْكَةُ في المِغْزَلِ. وأخْرَجَ الأخِيرانِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لا يَدُورُ المِغْزَلُ إلّا بِالفَلْكَةِ ولا تَدُورُ الفَلْكَةُ إلّا بِالمِغْزَلِ، والنُّجُومُ في فَلْكَةٍ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فَلا يَدُرْنَ إلّا بِها ولا تَدُورُ إلّا بِهِنَّ. وفي الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - جَعَلَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ ساكِنَةً وخَلَقَ فِيها سُبْحانَهُ نُجُومًا وجَعَلَ لَها في عالَمِ سَيْرِها وسِباحَتِها في هَذِهِ السَّماواتِ حَرَكاتٍ مُقَدَّرَةً لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ، وجَعَلَها عاقِلَةً سامِعَةً مُطِيعَةً وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها، ثُمَّ إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا جَعَلَ السِّباحَةَ لِلنُّجُومِ في هَذِهِ السَّماواتِ حَدَثَتْ لِسَيْرِها طَرْقٌ، لِكُلِّ كَوْكَبٍ طَرِيقٌ، وهو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الطُّرُقُ أفْلاكًا، فالأفْلاكُ تَحْدُثُ بِحُدُوثِ سَيْرِ الكَواكِبِ وهي سَرِيعَةُ السَّيْرِ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي هو مِساحَتُها فَتَخْرُقُ الهَواءَ المُماسَّ لَها فَيَحْدُثُ لِسَيْرِها أصْواتٌ ونَغَماتٌ مُطْرِبَةٌ لِكَوْنِ سَيْرِها عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ، فَتِلْكَ نَغَماتُ الأفْلاكِ الحادِثَةِ مِن قَطْعِ الكَواكِبِ المَسافاتِ السَّماوِيَّةَ، فَهي تَجْرِي في هَذِهِ الطُّرُقِ بِعادَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ قَدْ عُلِمَ بِالرَّصْدِ مَقادِيرُ ودُخُولُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في السَّيْرِ، وجَعَلَ سَيْرَها لِلنّاظِرِينَ بَيْنَ بُطْءٍ وسُرْعَةٍ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ لَها تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا في أماكِنَ مَعْلُومَةٍ مِنَ السَّماءِ تُعَيِّنُها أجْرامُ الكَواكِبِ لِإضاءَتِها دُونَها... إلى آخَرِ ما قالَ. وقالَ الإمامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ الكَوْكَبَ بِحَيْثُ يَشُقُّ السَّماءَ فَيَجْعَلُ دائِرَةً مُتَوَهَّمَةً كَما لَوْ جَرَتْ سَمَكَةٌ في الماءِ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ حَرَكَةَ الكَوْكَبِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وأرْبابُ الهَيْئَةِ أنْكَرُوا ذَلِكَ لِلُزُومِ الخَرْقِ والِالتِئامِ إنِ انْشَقَّ مَوْضِعُ الجَرْيِ والتَأمَ، أوِ الخَلاءُ إنِ انْشَقَّ ولَمْ يَلْتَئِمْ، والكُلُّ مُحالٌ عِنْدَهُمْ، وعِنْدَنا لا مُحالِيَّةَ في ذَلِكَ، وما يَلْزَمُ هُنا الخَرْقُ والِالتِئامُ لِأنَّهُ المَفْهُومُ مِن يَسْبَحُونَ، ولا دَلِيلَ لَهم عَلى الِاسْتِحالَةِ فِيما عَدا المُحَدَّدَ وهو هُناكَ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ لا دَلِيلٌ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النَّيِّرَيْنِ في فَلَكٍ أيْ في مَجْرًى خاصٍّ بِهِ، وهَذا مِمّا يَشْهَدُ بِهِ الحِسُّ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ فَلاسِفَةُ الإسْلامِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الفَلاسِفَةِ بَيْدَ أنَّهم يَقُولُونَ بِاتِّحادِ الفَلَكِ والسَّماءِ، ولَمّا سَمِعُوا عَمَّنْ قَبْلَهم أنَّ كُلًّا مِنَ السَّبْعِ السَّيّارَةِ في فَلَكٍ وكُلَّ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ في فَلَكٍ وفَوْقَ كُلِّ ذَلِكَ فَلَكٌ يُحَرِّكُ الجَمِيعَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ويُسَمّى فَلَكَ الأفْلاكِ لِتَحْرِيكِهِ إيّاها، والفَلَكَ الأعْظَمَ لِإحاطَتِهِ بِها والفَلَكَ الأطْلَسَ لِأنَّهُ كاسْمِهِ غَيْرُ مُكَوْكِبٍ، وسَمِعُوا عَنِ الشّارِعِ ذِكْرَ السَّماواتِ السَّبْعِ والكُرْسِيِّ والعَرْشِ أرادُوا أنْ يُطَبِّقُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالُوا: السَّماواتُ السَّبْعُ في كَلامِ الشّارِعِ هي الأفْلاكُ السَّبْعَةُ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ فَلِكُلٍّ مِنَ السَّيّاراتِ سَماءٌ مِنَ السَّماواتِ، والكُرْسِيُّ هو فَلَكُ الثَّوابِتِ والعَرْشُ هو الفَلَكُ المُحَرِّكُ لِلْجَمِيعِ المُسَمّى بِفَلَكِ الأفْلاكِ، وقَدْ أخْطَأُوا في ذَلِكَ وخالَفُوا سَلَفَ الأُمَّةِ فِيهِ، فالفَلَكُ غَيْرُ السَّماءِ، وقَوْلُهُ - تَعالى - مَعَ ما هُنا ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى الِاتِّحادِ لِما قُلْنا مِن أنَّ الكَوْكَبَ في الفَلَكِ والفَلَكَ في السَّماءِ فَيَكُونُ الكَوْكَبُ فِيها بِلا شُبْهَةٍ فَلا يَحُوجُ الجَمْعُ إلى القَوْلِ بِالعَيْنِيَّةِ، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى كُرَيَّةِ العَرْشِ بَلْ ظاهِرُ ما ورَدَ في الأخْبارِ مِن أنَّ لَهُ قَوائِمَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الكُرَيَّةِ. نَعَمْ، ورَدَ ما يَدُلُّ بِظاهِرِهِ أنَّهُ مُقَبَّبٌ وهَذا شَيْءٌ غَيْرُ ما يَزْعُمُونَهُ فِيهِ وكَذا الكُرْسِيُّ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى كُرَيَّتِهِ كَما يَزْعُمُونَ، ومَعَ هَذا لَيْسَ عِنْدَهم دَلِيلٌ تامٌّ عَلى كَوْنِ الثَّوابِتِ كُلِّها في فَلَكٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ في أفْلاكٍ كَمُمَثَّلاتٍ، كُلُّها فَوْقَ زُحَلَ أوْ بَعْضُها فَوْقَهُ وبَعْضُها بَيْنَ أفْلاكِ العُلْوِيَّةِ، وهي لا تَكْسِفُ
صفحة 25
الثَّوابِتَ الَّتِي عُرُوضُها أكْثَرُ مِن عُرُوضِها ولا لَها اخْتِلافُ مَنظَرٍ لِيُعْرَفَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ كَوْنَ الجَمِيعِ فَوْقَ العُلْوِيَّةِ أوْ كَتَداوِيرَ، ولا يَلْزَمُ اخْتِلافُ إبْعادِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ لِجَوازِ تَساوِيِ أجْرامِ التَّداوِيرِ وحَرَكاتِها، ولا اخْتِلافُ حَرَكاتِها بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِلْبُعْدِ والقُرْبِ، ومُوافَقَةُ المُمَثَّلِ ومُخالَفَتُهُ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ حَرَكاتِها لا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ المِقْدارِ، ولا اخْتِلافُ أبْعادِها مِنَ الأرْضِ لِأنَّها غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ كُلُّها مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبِ مُمَثَّلِ زُحَلَ عَلى أنَّهُ يَتَحَرَّكُ الحَرَكَةَ البَطِيئَةَ والمُعَدَّلُ الحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيما سَمَّوْهُ الفَلَكَ الأطْلَسَ كَواكِبُ لا تُرى لِصِغَرِها جِدًّا أوْ تُرى وهي سَرِيعَةُ الحَرَكَةِ، ولَمْ يُرْصُدْ كُلُّ كَوْكَبٍ لِيُتَحَقَّقَ بُطْءُ حَرَكَةِ الجَمِيعِ، وأيْضًا يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ السَّيّاراتُ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ فَيُحْتاجُ إلى أزْيَدَ مِن سَبْعِ سَماواتٍ، ويَقْرُبُ هَذا ظَفَرُ أهْلِ الأرْصادِ الجَدِيدَةِ بِكَوْكَبٍ سَيّارٍ غَيْرِ السَّبْعِ سَمَّوْهُ باسِمِ مَن ظَفَرَ بِهِ وأدْرَكَهُ وهو هِرْشِلُ، وبِالجُمْلَةِ لا قاطِعَ فِيما قالُوهُ، ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَذا البابِ كَلامٌ آخَرُ مَبْناهُ الكَشْفُ، وهو أنَّ العَرْشَ الَّذِي اسْتَوى الرَّحْمَنُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ سَرِيرٌ ذُو أرْكانٍ أرْبَعَةٍ ووُجُوهٍ أرْبَعَةٍ هي قَوائِمُهُ الأصْلِيَّةُ، وهي عَلى الماءِ الجامِدِ، وفي جَوْفِهِ الكُرْسِيُّ وهو عَلى شَكْلِهِ في التَّرْبِيعِ لا في القَوائِمِ، ومَقَرُّهُ عَلى الماءِ الجامِدِ أيْضًا، وبَيْنَ مُقَعَّرِ العَرْشِ وبَيْنَهُ فَضاءٌ واسِعٌ وهَواءٌ مُخْتَرِقٌ، وفي جَوْفِ الكُرْسِيِّ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الفَلَكَ الأطْلَسَ جِسْمًا شَفّافًا مُسْتَدِيرًا مُقَسَّمًا إلى اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا هي البُرُوجُ المَعْرُوفَةُ، وفي جَوْفِهِ الفَلَكُ المُكَوْكِبُ وما بَيْنَهُما الجَنّاتُ وبَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرَضِينَ واكْتَسى الهَواءُ صُورَةَ الدُّخانِ خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّماواتِ السَّبْعَ وجَعَلَ في كُلٍّ مِنها كَوْكَبًا وهي الجَوارِي، وزَعَمَ الخَفاجِيُّ أنَّ المُرادَ بِالفَلَكِ في الآيَةِ الفَلَكُ الأعْظَمُ لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ وكَذا سائِرُ الكَواكِبِ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ فالسِّباحَةُ عِنْدَهُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ القَسْرِيَّةِ، وفي القَلْبِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، ثُمَّ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ فَلَكًا يَخُصُّهُ ذَهَبُوا إلى أنَّ فَلَكَ الشَّمْسِ فَوْقَ فَلَكِ القَمَرِ لِما أنَّهُ يَكْسِفُها، والمَكْسُوفُ فَوْقَ الكاسِفِ ضَرُورَةٌ، وذَكَرَ مُعْظَمُ أهْلُ الهَيْئَةِ أنَّ الفَلَكَ الأدْنى فَلَكُ القَمَرِ وفَوْقَهُ فَلَكُ عُطارِدٍ وفَوْقَهُ فَلَكُ الزُّهْرَةِ وفَوْقَهُ فَلَكُ الشَّمْسِ وفَوْقَهُ فَلَكُ المِرِّيخُ وفَوْقَهُ فَلَكُ المُشْتَرِي وفَوْقَهُ فَلَكُ زُحَلَ واسْتَدَلُّوا عَلى بَعْضِ ذَلِكَ بِالكَسْفِ، وعَلى بَعْضِهِ الآخَرِ بِأنَّ فِيهِ حُسْنَ التَّرْتِيبِ وجَوْدَةَ النِّظامِ، ولا مانِعَ فِيما أرى مِنَ القَوْلِ بِذَلِكَ لَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي قالَ بِهِ أهْلُ الهَيْئَةِ مِن كَوْنِ السَّماواتِ هي الأفْلاكُ الدّائِرَةُ بَلْ عَلى وجْهٍ يَتَأتّى مَعَهُ القَوْلُ بِسُكُونِ السَّماواتِ ودَوَرانِ الكَواكِبِ في أفْلاكِها ومَجارِيها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ فَراجِعْهُ! وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ عائِدًا عَلى الكَواكِبِ ويُشْعِرُ بِها ذِكْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، ورَجَحَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّ الإتْيانَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ فَإنَّهُ مَحُوجٌ إلى أنْ يُقالَ: اخْتِلافُ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في المَطالِعِ وغَيْرِها نَزَلَ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ أفْرادِهِما فَكانَ المَرْجِعُ شُمُوسًا وأقْمارًا، وظَنِّي أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ الِاثْنانِ جَمْعًا، أوْ بِناءً عَلى ما قالَ الإمامُ مِن أنَّ لَفْظَ ”كُلٌّ“ يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ نَظَرًا إلى لَفْظِهِ وأنْ يُجْمَعَ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ بِمَعْنى الجَمِيعِ، وأمّا التَّثْنِيَةُ فَلا يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ ولا المَعْنى قالَ: فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ زَيْدٌ وعَمْرٌو كُلٌّ جاءُوا وكُلٌّ جاءا ولا يَحْسُنُ كُلٌّ جاءا بِالتَّثْنِيَةِ، واسْتُدِلَّ بِالإتْيانِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ مِن ذَوِي العُقُولِ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ لِما أنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِما فِعْلُ ذَوِي العُقُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ الأصْنامِ ما ﴿لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ والظَّواهِرُ غَيْرُ ما ذُكِرَ مَعَ المُسْتَدِلِّينَ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ بَعْضُ فَلاسِفَةِ الإسْلامِ القائِلِينَ بِاتِّحادِ السَّماءِ والفَلَكِ عَلى اسْتِدارَةِ السَّماءِ وجَعَلُوا مِنَ اللَّطائِفِ فِيها أنَّ ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾
صفحة 26
لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكاسِ، نَحْوُ: كَلامُكُ كَمالُكُ، وسِرْ فَلا كَبا بِكَ الفَرَسُ، وقالُوا: لا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّاها سَقْفًا في قَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ لِأنَّ السَّقْفَ المُقَبَّبَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ سَقْفًا بِالتَّقْبِيبِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّماواتِ غَيْرُ الأفْلاكِ، ومَعَ هَذا أقُولُ بِاسْتِدارَةِ السَّماواتِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وبَعْضُ ظَواهِرِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّها أنْصافُ كُراتٍ كُلُّ سَماءٍ نِصْفُ كُرَةٍ كالقُبَّةِ عَلى أرْضٍ مِنَ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ وقالَ بِالِاسْتِدارَةِ لِفَلَكِ المَنازِلِ دُونَ السَّماواتِ السَّبْعِ، وادَّعى أنَّ تَحْتَ الأرَضِينَ السَّبْعِ الَّتِي عَلى كُلٍّ مِنها سَماءٌ ماءً، وتَحْتَهُ هَواءً، وتَحْتَهُ ظُلْمَةً وعَلَيْهِ. فَلْيُتَأمَّلْ في كَيْفِيَّةِ سَيْرِ الكَوْكَبِ بَعْدَ غُرُوبِهِ حَتّى يَطْلُعَ.
ثُمَّ إنَّ الفَلاسِفَةَ الذّاهِبِينَ إلى اسْتِدارَةِ السَّماءِ تَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ أقْرَبُها عَلى ما قِيلَ دَلِيلانِ، الأوَّلُ أنّا مَتى قَصَدْنا عِدَّةَ مَساكِنَ عَلى خَطٍّ واحِدٍ مِن عُرْضِ الأرْضِ وحَصَّلْنا الكَواكِبَ المارَّةَ عَلى سَمْتِ رَأْسٍ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، ثُمَّ اعْتَبَرْنا أبْعادَ مَمَرّاتِ تِلْكَ الكَواكِبِ في دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وجَدْناها عَلى نَسَبِ المَسافاتِ الأرْضِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ المَساكِنِ، وكَذَلِكَ وجَدْنا ارْتِفاعَ القُطْبِ فِيها مُتَفاضِلًا بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسَبِ، فَتَحَدُّبُ السَّماءِ في العُرْضِ مُشابِهٌ لَتَحَدُّبِ الأرْضِ فِيهِ لَكِنَّ هَذا التَّشابُهَ مَوْجُودٌ في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ العَرْضِ وكَذا في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ الطُّولِ، فَسَطْحُ السَّماءِ بِأسْرِهِ مُوازٍ لِسَطْحِ الظّاهِرِ مِنَ الأرْضِ بِأسْرِهِ، وهَذا السَّطْحُ مُسْتَدِيرٌ حِسًّا فَكَذا سَطْحُ السَّماءِ المُوازِي لَهُ. والثّانِي أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ دَوَّنُوا في كُتُبِهِمْ مَقادِيرَ أجْرامِ الكَواكِبِ، وأبْعادَ ما بَيْنَها في الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ في وقْتٍ واحِدٍ ما في أنْصافِ نَهارِ، تِلْكَ الأماكِنُ مَثَلًا مُتَساوِيَةٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَساوِي أبْعادِ مَراكِزِ الكَواكِبِ عَنْ مَناظِرِ الأبْصارِ المُسْتَلْزِمِ لِتَساوِي أبْعادِها عَنْ مَرْكَزِ العالَمِ لِاسْتِدارَةِ الأرْضِ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِ جِرْمِ السَّماءِ كُرَيًّا، ونُوقِشَ في هَذا بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ كانَ الفَلَكُ ساكِنًا والكَوْكِبُ مُتَحَرِّكًا إذْ لَوْ كانَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا جازَ أنْ يَكُونَ مُرَبَّعًا وتَكُونُ مُساواةُ أبْعادِ مَراكِزِ الكَواكِبِ عَنْ مَناظِرِ الأبْصارِ وتَساوِي مَقادِيرِ الأجْرامِ لِلْكَواكِبِ حاصِلَةً، وفي الأوَّلِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الِاعْتِبارُ المَذْكُورُ مَوْجُودًا في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ ولا يَخْفى جَرَيانُ كُلٍّ مِنَ المُناقَشَتَيْنِ في كُلٍّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، ولَهم غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ مَذْكُورَةٌ بِما لَها وعَلَيْها في مُطَوَّلاتِ كُتُبِهِمْ.