Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — يس 36:41 – الصافات 37:88

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. يس 36:41
  2. يس 36:42
  3. يس 36:43
  4. يس 36:44
  5. يس 36:45
  6. يس 36:46
  7. يس 36:47
  8. يس 36:48
  9. يس 36:49
  10. يس 36:50
  11. يس 36:51
  12. يس 36:52
  13. يس 36:53
  14. يس 36:54
  15. يس 36:55
  16. يس 36:56
  17. يس 36:57
  18. يس 36:58
  19. يس 36:59
  20. يس 36:60
  21. يس 36:61
  22. يس 36:62
  23. يس 36:63
  24. يس 36:64
  25. يس 36:65
  26. يس 36:66
  27. يس 36:67
  28. يس 36:68
  29. يس 36:69
  30. يس 36:70
  31. يس 36:71
  32. يس 36:72
  33. يس 36:73
  34. يس 36:74
  35. يس 36:75
  36. يس 36:76
  37. يس 36:77
  38. يس 36:78
  39. يس 36:79
  40. يس 36:80
  41. يس 36:81
  42. يس 36:82
  43. يس 36:83
  44. الصافات 37:1
  45. الصافات 37:2
  46. الصافات 37:3
  47. الصافات 37:4
  48. الصافات 37:5
  49. الصافات 37:6
  50. الصافات 37:7
  51. الصافات 37:8
  52. الصافات 37:9
  53. الصافات 37:10
  54. الصافات 37:11
  55. الصافات 37:12
  56. الصافات 37:13
  57. الصافات 37:14
  58. الصافات 37:15
  59. الصافات 37:16
  60. الصافات 37:17
  61. الصافات 37:18
  62. الصافات 37:19
  63. الصافات 37:20
  64. الصافات 37:21
  65. الصافات 37:22
  66. الصافات 37:23
  67. الصافات 37:24
  68. الصافات 37:25
  69. الصافات 37:26
  70. الصافات 37:27
  71. الصافات 37:28
  72. الصافات 37:29
  73. الصافات 37:30
  74. الصافات 37:31
  75. الصافات 37:32
  76. الصافات 37:33
  77. الصافات 37:34
  78. الصافات 37:35
  79. الصافات 37:36
  80. الصافات 37:37
  81. الصافات 37:38
  82. الصافات 37:39
  83. الصافات 37:40
  84. الصافات 37:41
  85. الصافات 37:42
  86. الصافات 37:43
  87. الصافات 37:44
  88. الصافات 37:45
  89. الصافات 37:46
  90. الصافات 37:47
  91. الصافات 37:48
  92. الصافات 37:49
  93. الصافات 37:50
  94. الصافات 37:51
  95. الصافات 37:52
  96. الصافات 37:53
  97. الصافات 37:54
  98. الصافات 37:55
  99. الصافات 37:56
  100. الصافات 37:57
  101. الصافات 37:58
  102. الصافات 37:59
  103. الصافات 37:60
  104. الصافات 37:61
  105. الصافات 37:62
  106. الصافات 37:63
  107. الصافات 37:64
  108. الصافات 37:65
  109. الصافات 37:66
  110. الصافات 37:67
  111. الصافات 37:68
  112. الصافات 37:69
  113. الصافات 37:70
  114. الصافات 37:71
  115. الصافات 37:72
  116. الصافات 37:73
  117. الصافات 37:74
  118. الصافات 37:75
  119. الصافات 37:76
  120. الصافات 37:77
  121. الصافات 37:78
  122. الصافات 37:79
  123. الصافات 37:80
  124. الصافات 37:81
  125. الصافات 37:82
  126. الصافات 37:83
  127. الصافات 37:84
  128. الصافات 37:85
  129. الصافات 37:86
  130. الصافات 37:87
  131. الصافات 37:88

يس 36:41

﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ أوْلادَهُمْ، قالَ الرّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ أصْلُها الصِّغارُ مِنَ الأوْلادِ ويَقَعُ في التَّعارُفِ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ مَعًا ويُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وأصْلُهُ لِلْجَمْعِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، فَقِيلَ: هو مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ فَتُرِكَ هَمْزَتُهُ نَحْوُ بَرِيَّةٍ ورَوِيَّةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ ذُرْوِيَّةٌ، وقِيلَ: هو فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ نَحْوُ قُمْرِيَّةٍ، واسْتَظْهَرَ حَمْلَهُ عَلى الأوْلادِ مُطْلَقًا أبُو حَيّانَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُحْمَلَ عَلى الكِبارِ لِأنَّهُمُ المَبْعُوثُونَ لِلتِّجارَةِ أيْ حَمَلْناهم حِينَ يَبْعَثُونَهم لِلتِّجارَةِ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ لِأنَّها تَدُورُ في الماءِ ﴿المَشْحُونِ﴾ أيِ المَمْلُوءِ، وقِيلَ: هو مُسْتَعْمَلٌ عَلى أصْلِهِ وهُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُونَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النِّساءُ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِنَّ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «نَهى عَنْ قَتْلِ الذَّرارِيِّ،» وفُسِّرَ بِالنِّساءِ. وفِي الفائِقِ «قالَ حَنْظَلَةُ الكاتِبُ: كُنّا في غَزاةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأى امْرَأةً مَقْتُولَةً فَقالَ: هاهَ ما كانَتْ هَذِهِ تُقاتِلُ الحَقْ خالِدًا وقُلْ لا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفًا،» وهي نَسْلُ الرَّجُلِ وأُوقِعَتْ عَلى النِّساءِ كَقَوْلِهِمْ لِلْمَطَرِ سَماءٌ ويُرادُ بِالنِّساءِ اللّاتِي يَسْتَصْحِبُونَهُنَّ وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ اسْتِقْرارَهم صفحة 27 وتَماسُكَهم في الفُلْكِ أعْجَبُ، وقِيلَ: تُطْلَقُ الذُّرِّيَّةُ عَلى الآباءِ وعَلى الأبْناءِ قالَهُ أبُو عُثْمانَ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ تَخْلِيطٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ والفُلْكُ المَشْحُونُ بُطُونُ النِّساءِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ ونُسِبَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي الآيَةِ ما يُبْعِدُهُ وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِتَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ، والمُرادُ بِالفُلْكِ جِنْسُهُ والوَصْفُ بِالمَشْحُونِ أقْوى في الِامْتِنانِ بِسَلامَتِهِمْ فِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الخَطَرِ، وإرادَةُ الجِنْسِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ،

يس 36:42

وفُسِّرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ عَلَيْهِ بِالإبِلِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ لِكَثْرَةِ ما تَحْمِلُ وقِلَّةِ كَلالِها في المَسِيرِ، وإطْلاقُ السَّفائِنِ عَلَيْها شائِعٌ كَما قِيلَ: سَفائِنُ بَرٍّ والسَّرابُ بِحارُها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ بِالأنْعامِ الإبِلِ وغَيْرِها، وعَنْ أبِي مالِكٍ وأبِي صالِحٍ وغَيْرِهِما - وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا - أنَّ المُرادَ بِالفُلْكِ سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ فَما عِبارَةٌ عَمّا سَمِعْتَ أيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ وعِنْدَ آخَرِينَ هي السُّفُنُ والزَّوارِقُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ تِلْكَ السَّفِينَةِ. واسْتَشْكَلَ حَمْلَ ذُرِّيَّتَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ بِحَمْلِ آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ وفي أصْلابِهِمْ هَؤُلاءِ وذُرِّيَّتُهُمْ، وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ مَعَ أنَّهم مَحْمُولُونَ بِالتَّبَعِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ حَيْثُ تَضَمَّنَ بَقاءَ عَقِبِهِمْ، وأدْخَلُ في التَّعَجُّبِ ظاهِرًا حَيْثُ تَضَمَّنَ حَمْلَ ما لا يَكادُ يُحْصى كَثْرَةً في سَفِينَةٍ واحِدَةٍ مَعَ الإيجازِ؛ لِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ حَمَلْناهم ومَن مَعَهم لِيَبْقى نَسْلُهم. فَذِكْرُ الذُّرِّيَّةِ يَدُلُّ عَلى بَقاءِ النَّسْلِ وهو يَسْتَلْزِمُ سَلامَةَ أُصُولِهِمْ، فَدَلَّ بِلَفْظٍ قَلِيلٍ عَلى مَعْنًى كَثِيرٍ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ التَّخْصِيصَ لِأنَّ المَوْجُودِينَ كانُوا كُفّارًا لا فائِدَةَ في وُجُودِهِمْ أيْ لَمْ يَكُنِ الحَمْلُ حَمْلًا لَهم وإنَّما كانَ حَمْلًا لِما في أصْلابِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ جِنْسِهِمْ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: ضَمِيرُ ”لهم“ لِأهْلِ مَكَّةَ وضَمِيرُ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ الَّذِينَ هم مِنهم وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الضَّمِيرَيْنِ لِلْعِبادِ في قَوْلِهِ تَعالى يا ﴿حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ ولا يَكُونُ المُرادُ في كُلٍّ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ بَلْ ذَلِكَ عَلى نَحْوِ هَؤُلاءِ القَوْمِ هم قَتَلُوا أنْفُسَهم عَلى مَعْنى قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَعْنى: آيَةٌ لِكُلِّ بَعْضٍ مِنهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّةَ كُلِّ بَعْضٍ مِنهم أوْ ذَرِّيَّةَ بَعْضٍ مِنهم. وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، ورَجَّحَ تَفْسِيرَ ما بِالإبِلِ ونَحْوِها مِنَ الأنْعامِ دُونَ السُّفُنِ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الخَلْقِ الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ فَيَبْعُدُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما هو مَصْنُوعُ العِبادِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وتَبادُرَ الإنْشاءِ مَمْنُوعٌ وعَلَيْهِ يَكُونُ في الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ”ما“ مَوْصُولَةً، ”ومن“ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ وأنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وجُوِّزَ زِيادَتُها عَلى نَظَرِ الأخْفَشِ ورَأْيِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ”لهم الثّانِي عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الأوَّلِ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وجُوِّزَ أيْضًا عَوْدُ ضَمِيرِ“ مثله”عَلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ مِن مِثْلِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَخْلُوقاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ وهو أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَخْفى مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِها عَلى أُسْلُوبِ أخَواتِها بِأنْ يُقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الفُلْكُ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم فِيهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾، ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ الفُلْكُ نَفْسُهُ عَجَبًا وإنَّما حَمْلُهم فِيهِ هو العَجَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ“ذُرِّيّاتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وكَسَرَ زَيْدٌ وأبانٌ الذّالَ

يس 36:43

﴿وإنْ نَشَأْ﴾ إغْراقَهم ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ في الماءِ مَعَ ما حَمَلْناهم فِيهِ مِنَ الفُلْكِ وما يَرْكَبُونَ صفحة 28 مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ، فالكَلامُ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِما هُناكَ السُّفُنَ والزَّوارِقَ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها الإبِلَ ونَحْوَها كانَ الكَلامُ مِن تَمامِ صَدْرِ الآيَةِ، أيْ: نُغْرِقْهم مَعَ ما حَمَلْناهم فِيهِ مِنَ الفُلْكِ، وكانَ حَدِيثُ خَلْقِ الإبِلِ ونَحْوِها في البَيْنِ اسْتِطْرادًا لِلتَّماثُلِ، ولِما في ذَلِكَ مِن نَوْعِ بُعْدٍ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وإنْ نَشَأْ﴾ ... إلَخْ يُرَجِّحُ حَمْلَ ﴿الفُلْكِ﴾ عَلى الجِنْسِ وما عَلى السُّفُنِ والزَّوارِقِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي تَعْلِيقِ الإغْراقِ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَدْ تَكامَلَ ما يَسْتَدْعِي إهْلاكَهم مِن مَعاصِيهِمْ ولَمْ يَبْقَ إلّا تَعَلُّقُ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ حَمْلَ الفُلْكِ الذُّرِّيَّةَ مِن غَيْرِ أنْ يَغْرِقَ أمْرٌ تَقْتَضِيهِ الطَّبِيعَةُ ويَسْتَدْعِيهِ امْتِناعُ الخَلاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”نُغَرِّقْهُمْ“ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ فَلا مُغِيثَ لَهم يَحْفَظُهم مِنَ الغَرَقِ، وتَفْسِيرُ الصَّرِيخِ بِالمُغِيثِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ويَكُونُ بِمَعْنى الصّارِخِ وهو المُسْتَغِيثُ ولا يُرادُ هُنا، ويَكُونُ مَصْدَرًا كالصُّراخِ ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الإغاثَةِ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يُنادِي مَن يَسْتَغِيثُ بِهِ فَيَصْرُخُ لَهُ ويَقُولُ: جاءَكَ العَوْنُ والنَّصْرُ. قالَ المُبَرِّدُ في أوَّلِ الكامِلِ: قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ فَزَعُ المَطانِيبِ يَقُولُ إذا أتانا مُسْتَغِيثٌ كانَتْ إغاثَتُهُ الجِدَّ في نُصْرَتِهِ، وجُوِّزَ إرادَتُهُ هُنا أيْ فَلا إغاثَةَ لَهم ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ أيْ يَنْجُونَ مِنَ المَوْتِ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ

يس 36:44

﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ الشّامِلَةِ لِلْباعِثِ المُتَقَدِّمِ والغايَةِ المُتَأخِّرَةِ أيْ لا يُغاثُونَ ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قِبَلِنا داعِيَةٍ إلى الإغاثَةِ والإنْقاذِ وتَمْتِيعٍ بِالحَياةِ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما يُقارِنُ التَّمْتِيعَ بِالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَيَكُونُ كِلاهُما غايَةً لِلْإغاثَةِ والإنْقاذِ أيْ لِنَوْعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وتَمْتِيعٍ، وإلى كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُفَرِّغًا مِمّا يَكُونُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى مَعْنًى: ولَكِنْ رَحْمَةٌ مِنّا ومَتاعٌ يَكُونانِ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ. ولَيْسَ بِذاكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ الباءِ أيْ إلّا بِرَحْمَةٍ ومَتاعٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُنْقَذُونَ“ ولَمّا حُذِفَ انْتَصَبَ مَجْرُورُهُ بِنَزْعِ الخافِضِ. وقِيلَ: هو عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ إلّا أنْ نَرْحَمَهم رَحْمَةً ونُمَتِّعَهم تَمْتِيعًا، ولا يَخْفى حالُهُ وكَذا حالُ ما قَبْلُهُ. ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ إلى زَمانٍ قُدِّرَ فِيهِ - حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ - آجالُهُمْ، ومِن هُنا أخَذَ أبُو الطَّيِّبِ قَوْلَهُ: ولَمْ أسْلَمْ لِكَيْ أبْقى ولَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الحِمامِ إلى الحِمامِ والظّاهِرُ أنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إغْراقَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ ناجِينَ كانُوا أوْ مُغْرَقِينَ أيْ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْهُ اهـ، وقَدْ تَأمَّلْناهُ فَوَجَدْناهُ لا حُسْنَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أحْسَنَ. والفاءُ ظاهِرَةٌ في تَعَلُّقِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها

يس 36:45

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كانُوا يُشاهِدُونَها وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ فِيها أيْ: إذا قِيلَ لِأهْلِ مَكَّةَ بِطَرِيقِ الإنْذارِ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ أوْ بِغَيْرِهِ ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: أيْ عَذابَ الأُمَمِ الَّتِي قَبِلَكُمْ، والمُرادُ صفحة 29 اتَّقُوا مِثْلَ عَذابِهِمْ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ أيْ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَكْسِ ذَلِكَ، وجاءَ عَنْهُ في رِوايَةٍ أُخْرى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما خَلْفَهم ما يَأْتِي مِنها، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وقِيلَ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَوازِلُ السَّماءِ وما خَلْفَهم نَوائِبُ الأرْضِ، وقِيلَ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ المَكارِهُ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُونَ وما خَلْفَهُمُ المَكارِهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وحاصِلُ الأمْرِ عَلى ما قِيلَ اتَّقُوا العَذابَ أوِ اتَّقُوا ما يَتَرَتَّبُ العَذابُ عَلَيْهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ حالٌ مِن واوِ اتَّقُوا أوْ غايَةٌ لَهُ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، وفُسِّرَتِ الرَّحْمَةُ بِالإنْجاءِ مِنَ العَذابِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى

يس 36:46

﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ انْفِهامًا بَيِّنًا، أمّا إذا كانَ الإنْذارُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ فَبِعِبارَةِ النَّصِّ، وأمّا إذا كانَ بِغَيْرِها فَبِدَلالَتِهِ لِأنَّهم حِينَ أعْرَضُوا عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ فَلِأنَّ يُعْرِضُوا عَنْ غَيْرِها بِطَرِيقِ الأوْلى كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا العَذابَ أوِ اتَّقُوا ما يُوجِبُهُ أعْرَضُوا لِأنَّهُمُ اعْتادُوهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ، وما نافِيَةٌ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، ومِنَ الأوْلى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ ”آيَةٍ“، وإضافَةُ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبَعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها، والمُرادُ بِها إمّا هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وسَوابِغِ آلائِهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ. وإيتاؤُها نُزُولُ الوَحْيِ بِها، أيْ ما نَزَلَ الوَحْيُ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وأمّا ”ما“ يَعُمُّها والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الشّامِلَةَ لِلْمُعْجِزاتِ وتَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الثَّلاثُ المَعْدُودَةُ آنِفًا. وإيتاؤُها ظُهُورُها لَهم أيْ ما ظَهَرَتْ لَهم آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ تَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَفَرُّدِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ إلّا كانُوا عَنْها مَعْرَضَيْنِ تارِكَيْنِ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِي الكَلامِ إشارَةٌ إلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (مُعْرِضِينَ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ الِادِّعائِي مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وقِيلَ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ أيْ مُعْرِضِينَ عَنْها لا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وقِيلَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ ”تَأْتِي“ أوْ مِن فاعِلِهِ المُتَخَصِّصِ بِالوَصْفِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِن آياتِ رَبِّهِمْ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها أوْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنها في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها. وجُمْلَةُ ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ- عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ- تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ ما سَبَقَ مِن حَدِيثِ الإعْراضِ، وإلى كَوْنِهِ تَذْيِيلًا ذَهَبَ الخَفاجِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً أوْ حالًا مَسُوقَةً لِتَأْكِيدٍ ما قَبْلَها لِشُمُولِها لِما تَضْمَنُهُ مَعَ زِيادَةِ إفادَةِ التَّعْلِيلِ الدّالِّ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ المُعَلَّلِ بِهِ، فَلَيْسَ مِن حَقِّها الفَصْلُ لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَوَهَّمَ فَتَأمَّلْ.

يس 36:47

﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أعْطاكم سُبْحانَهُ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ مِن أنْواعِ الأمْوالِ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في تَرْكِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وكَذَلِكَ الإتْيانُ بِـ ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ، والكَلامُ عَلى ما قِيلَ لِذَمِّهِمْ عَلى تَرْكِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أثَرَ ذَمِّهِمْ عَلى تَرْكِ تَعْظِيمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَرْكِ التَّقْوى، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم أخَلُّوا بِجَمِيعِ التَّكالِيفِ لِأنَّها كُلَّها تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ هو لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِنُصْحِ النّاصِحِ وإرْشادِهِ إيّاهم إلى ما يَدْفَعُ صفحة 30 البَلاءَ عَنْهم نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ إلَخْ والمَعْنى عَلَيْهِ؛ إذا قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ إلى ما فِيهِ نَفْعُهم أنْفَقُوا بَعْضَ ما آتاكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى المُحْتاجِينَ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَرُدُّ البَلاءَ ويَدْفَعُ المَكارِهَ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهم أنْفَقُوا، وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الظّاهِرِ إيماءً إلى عِلَّةِ القَوْلِ المَذْكُورِ، وفي كَوْنِ القَوْلِ لِلَّذِينِ آمَنُوا إيماءً إلى أنَّهُمُ القائِلُونَ، قِيلَ: لَمّا أسْلَمَ حَواشِي الكُفّارِ مِن أقْرِبائِهِمْ ومَوالِيهِمْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ قَطَعُوا عَنْهم ما كانُوا يُواسُونَهم بِهِ وكانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ نُزُولِ آياتِ القِتالِ، فَنَدَبَهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى صِلَةِ حَواشِيهِمْ، فَقالُوا: ﴿أنُطْعِمُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: شَحَّتْ قُرَيْشٌ بِسَبَبِ أزْمَةٍ عَلى المَساكِينِ مِن مُؤْمِنٍ وغَيْرِهِ فَنَدَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ فَقالُوا هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: قالَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ أعْطُونا ما زَعَمْتُمْ مِن أمْوالِكم أنَّها لِلَّهِ تَعالى فَحَرَمُوا وقالُوا ذَلِكَ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بِمَكَّةَ زَنادِقَةٌ إذا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ قالُوا لا واللَّهِ أيُفْقِرُهُ اللَّهُ تَعالى ونُطْعِمُهُ نَحْنُ؟ وكانُوا يَسْمَعُونَ المُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ الأفْعالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَأغْنى فُلانًا ولَوْ شاءَ لَأعَزَّهُ ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ لَكانَ كَذا فَأخْرَجُوا هَذا الجَوابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِما كانُوا يَقُولُونَ. وقالَ القُشَيْرِيُّ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ لا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ وأنْكَرُوا وُجُودَهُ، فَقَوْلُهم ”لَوْ يَشاءُ اللَّهُ“ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ الزِّنْدِيقَ مَن يُنْكِرُ الصّانِعَ، وقَدْ حَقَّقَ الأمْرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ ابْنُ الكَمالِ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فارْجِعْ إلَيْها إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ. وعَنِ الحَسَنِ، وأبِي خالِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ أُمِرُوا بِالإنْفاقِ عَلى الفُقَراءِ فَقالُوا ذَلِكَ. وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ مَكَّةَ أُمِرُوا بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وهو عامٌّ في الإطْعامِ وغَيْرِهِ فَأجابُوا بِنَفْيِ الإطْعامِ الَّذِي لَمْ يَزالُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ دَلالَةً عَلى نَفْيِ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ولِذا لَمْ يَقُلْ أنُنْفِقُ. وقِيلَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ الإطْعامَ هو المُرادُ مِنَ الإنْفاقِ أوْ لِأنَّ ﴿نُطْعِمُ﴾ بِمَعْنى نُعْطِي ولَيْسَ بِذاكَ، و﴿أطْعَمَهُ﴾ جَوابُ ﴿لَوْ﴾ ووُرُودُ المُوجِبِ جَوابًا بِغَيْرِ لامٍ فَصِيحٌ ومِنهُ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾، ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ نَعَمِ الأكْثَرُ مَجِيئُهُ بِاللّامِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيْ ما أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ ظاهِرٍ حَيْثُ طَلَبْتُمْ مِنّا ما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَمْرِي إنَّ الإناءَ يَنْضَحُ بِما فِيهِ فَإنَّ جَوابَهم يَدُلُّ عَلى غايَةِ ضَلالِهِمْ وفَرْطِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى يُطْعِمُ بِأسْبابٍ مِنها حَثِّ الأغْنِياءِ عَلى إطْعامِ الفُقَراءِ وتَوْفِيقِهِمْ سُبْحانَهُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا مِن جِهَتِهِ تَعالى زَجَرَ بِهِ الكَفَرَةَ وجَهْلَهم بِهِ أوْ حِكايَةً لِجَوابِ المُؤْمِنِينَ لَهم فَيَكُونُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِما عَسى أنْ يُقالَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما قالَ المُؤْمِنُونَ في جَوابِهِمْ؟

يس 36:48

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ويَقُولُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ مُفِيدٌ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ الَّذِي هو مَبْدَأُ كُلِّ قَبِيحٍ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَعِدُهم بِذَلِكَ، ومِمّا يَسْتَحْضِرُ في أذْهانِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ فَلِذا أتَوْا بِالإشارَةِ إلى القَرِيبِ في قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ وعْدَ البَعْثِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ وأرادُوا مَتى يَكُونُ ذَلِكَ ويَتَحَقَّقُ في الخارِجِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَ وتَعِدُونَ فَأخْبَرُونا بِذَلِكَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صفحة 31 والمُؤْمِنِينَ لِما أنَّهم أيْضًا كانُوا يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ والآمِرَةَ بِالإيمانِ بِهِ وكَأنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُهُ شَرًّا لَهم ولِذا عَبَّرُوا بِالوَعْدِ دُونَ الوَعِيدِ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ لَهُمُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إنْ تَحَقَّقَ البَعْثُ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في غَيْرِ المُعَطِّلَةِ.

يس 36:49

﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى أيْ ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا صَيْحَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿واحِدَةً﴾ وهي النَّفْخَةُ الأوْلى في الصُّورِ الَّتِي يَمُوتُ بِها أهْلُ الأرْضِ. وعَبَّرَ بِالإنْظارِ نَظَرًا إلى ظاهِرِ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أوْ لِأنَّ الصَّيْحَةَ لَمّا كانَتْ لا بُدَّ مِن وُقُوعِها جُعِلُوا كَأنَّهم مُنْتَظِرُوها ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ تَقْهَرُهم وتَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ فَيَهْلِكُونَ ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ يَتَخاصَمُونَ ويَتَنازَعُونَ في مُعامَلاتِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَخايِلِها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَلا يَغْتَرُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِ عَلائِمِها حَسَبَما يُرِيدُونَ ولا يَزْعُمُونَ أنَّها لا تَأْتِي، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَيُنَفَخَنَّ في الصُّورِ والنّاسُ في طُرُقِهِمْ وأسْواقِهِمْ ومَجالِسِهِمْ حَتّى أنَّ الثَّوْبَ لَيَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَتَساوَمانِ فَما يُرْسِلُهُ أحَدُهُما مِن يَدِهِ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ فَيُصْعَقُ بِهِ» وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ إلَخْ، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بَيْنَهُما فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ ولَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ والرَّجُلُ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يُسْقى مِنهُ ولَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ نَعْجَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ ولَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فَمِهِ فَلا يَطْعَمُها» وأصْلُ ”يَخِصِّمُونَ“ يَخْتَصِمُونَ وبِهِ قَرَأ أُبِيٌّ فَسُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ في الصّادِ بَعْدَ قَلْبِها صادًا ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَسْرُ لِاتِّباعِ حَرَكَةِ الصّادِ الثّانِيَةِ والسّاكِنُ لا يَضُرُّ حاجِزًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والأعْرَجُ وشِبْلٌ وابْنُ قُسْطَنْطِينَ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ ونَقْلِ حَرَكَتِها وهي الفَتْحَةُ إلى الخاءِ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا وقالُونُ بِخَلَفٍ بِاخْتِلاسِ حَرَكَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وعَنْهُما إسْكانُ الخاءِ وتَخْفِيفُ الصّادِ مِن خَصَمَهُ إذا جادَلَهُ، والمَفْعُولُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ أيْ يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ ”يَخِصِّمُونَ“ مُجادَلَتُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ ياءَ المُضارَعَةِ اتِّباعًا لِكَسْرَةِ الخاءِ وشَدِّ الصّادِ، وكَسْرُ ياءِ المُضارَعَةِ لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ في مَواضِعَ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ المَكْسُورَةِ، وفِيها الجَمْعُ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى حَدِّهِ المَعْرُوفِ، وكَأنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما إذا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ أيْضًا أمْ لا، وهَذا ما اخْتَرْناهُ في نَقْلِ القِراءاتِ تَبَعًا لِبَعْضِ الأجِلَّةِ، والرُّواةُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ.

يس 36:50

﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ إذا كانُوا فِيما بَيْنَ أهْلِيهِمْ، ونَصْبُ ﴿تَوْصِيَةً﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَـ”يَسْتَطِيعُونَ“، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمُقَدَّرٍ. ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا كانُوا في خارِجِ أبْوابِهِمْ بَلْ تَبْغَتُهُمُ الصَّيْحَةُ فَيَمُوتُونَ حَيْثُما كانُوا ويَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”يُرْجَعُونَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والضَّمائِرُ لِلْقائِلِينَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ لا مِن حَيْثُ أعْيانُهم أعْنِي أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ كانُوا وقْتَ النُّزُولِ بَلْ لِمُنْكِرِي البَعْثِ مُطْلَقًا

يس 36:51

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الأُولى أرْبَعُونَ، أيْ يُنْفَخُ فِيهِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ. وقَرَأ الأعْرَجُ ”الصُّوَرِ“ بِفَتْحِ الواوِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ. ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ، جَمْعُ صفحة 32 جَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ بِالفاءِ بَدَلَ الثّاءِ والمَعْنى واحِدٌ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يُسْرِعُونَ بِطَرِيقِ الإجْبارِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ قِيلَ: وذِكْرُ (الرَّبِّ) لِلْإشارَةِ إلى إسْراعِهِمْ بَعْدَ الإساءَةِ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ حِينَ اضْطُرُّوا إلَيْهِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ لِجَوازِ اجْتِماعِ القِيامِ والنَّظَرِ والمَشْيِ أوْ لِتَقارُبِ زَمانِ القِيامِ ناظِرِينَ وزَمانِ الإسْراعِ في المَشْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ السِّينِ

يس 36:52

﴿قالُوا﴾ أيْ في ابْتِداءِ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ: هَلاكَنا احْضُرْ فَهَذا أوانُكَ، وقِيلَ أيْ يا قَوْمَنا انْظُرُوا ويْلَنا وتَعَجَّبُوا مِنهُ، وعَلى حَذْفِ المُنادِي قِيلَ (ويْ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، و(لَنا) بَيانٌ، ونُسِبَ لِلْكُوفِيِّينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى ”يا ويْلَتَنا“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وعَنْهُ أيْضًا ”يا ويْلَتى“ بِتاءٍ بَعْدَها ألِفٌ بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، والمُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ يا ويْلَتى ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ أيْ رُقادِنا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوْ مَحَلِّ رُقادِنا عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ ويُرادُ بِالمُفْرِدِ الجَمْعُ أيْ مَراقِدِنا، وفِيهِ تَشْبِيهُ المَوْتِ بِالرُّقادِ مِن حَيْثُ عَدَمُ ظُهُورِ الفِعْلِ والِاسْتِراحَةُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرْقَدُ عَلى حَقِيقَتِهِ والقَوْمُ لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ ظَنُّوا أنَّهم كانُوا نِيامًا ولَمْ يَكُنْ لَهم إدْراكٌ لِعَذابِ القَبْرِ لِذَلِكَ فاسْتَفْهَمُوا عَنْ مُوقِظِهِمْ، وقِيلَ سَمَّوْا ذَلِكَ مَرْقَدًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِما كانُوا يُقاسُونَ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِعِظَمِ ما شاهَدُوهُ فَكَأنَّ ذَلِكَ مَرْقَدٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ وما فِيها مِن ألْوانِ العَذابِ يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِثْلَ النَّوْمِ في جَنْبِها فَيَقُولُونَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً، وأخْرَجَ هَؤُلاءِ ما عَدا ابْنَ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْكُفّارِ هَجْعَةٌ يَجِدُونَ فِيها طَعْمَ النَّوْمِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ فَإذا صِيحَ بِأهْلِ القُبُورِ يَقُولُونَ يا ﴿ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ فَيَرْقُدُونَ فَإذا بُعِثُوا بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وشاهَدُوا الأهْوالَ قالُوا: ذَلِكَ. وفِي البَحْرِ أنَّ هَذا غَيْرُ صَحِيحِ الإسْنادِ واخْتارَ أنَّ المَرْقَدَ اسْتِعارَةٌ عَنْ مَضْجَعِ المَوْتِ. وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو نَهِيكٍ ”مِن بَعْثِنا“ بِمِنِ الجارَّةِ والمَصْدَرِ المَجْرُورِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِوَيْلٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، ونَحْوُهُ في الخَبَرِ: ويْلِي عَلَيْكَ ووَيْلِي مِنكَ يا رَجُلُ. ومِنَ الثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(بَعْثٍ). وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”مَن أهَبَّنا“ بِـ”مَنِ“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وأهَبَّ بِالهَمْزِ مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ إذا انْتَبَهَ وأهْبَبْتُهُ أنا أيْ أنْبَهْتُهُ. وعَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ ”هَبَّنا“ بِلا هَمْزٍ قالَ ابْنُ جِنِّي: وقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أقْيَسُ فَهَبَّنِي بِمَعْنى أيْقَظَنِي لَمْ أرَ لَها أصْلًا ولا مَرَّ بِنا في اللُّغَةِ مَهْبُوبٌ بِمَعْنى مُوقَظٍ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ حَرْفُ الجَرِّ مَحْذُوفًا أيْ هَبَّ بِنا أيْ أيْقَظْنا ثُمَّ حُذِفَ وأُوصِلَ الفِعْلُ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى مَن هَبَّ فَهَبَبْنا مَعَهُ وإنَّما مَعْناهُ مَن أيْقَظْنا. وقالَ البَيْضاوِيُّ: هَبَّنا بِدُونِ الهَمْزِ بِمَعْنى أهَبَّنا بِالهَمْزِ، وقُرِئَ ”مِن هَبِّنا“ بِمِنِ الجارَّةِ والمَصْدَرُ مِن هَبَّ يَهُبُّ. ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ ﴿وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما في حَيِّزِ ما، وعَطْفُهُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوْ جَعْلُهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ بِدُونِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وما مَوْصُولَةٌ مَحْذُوفَةُ العائِدِ أيْ هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ والَّذِي صَدَقَهُ المُرْسَلُونَ أيْ صَدَقَ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ أيْ صَدَقْتَهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ”صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ“ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ هَذا وعْدُ الرَّحْمَنِ وصِدْقُ المُرْسَلِينَ عَلى تَسْمِيَةِ المَوْعُودِ والمَصْدُوقِ فِيهِ بِالوَعْدِ والصِّدْقِ، وهو عَلى ما قِيلَ جَوابٌ صفحة 33 مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى ما قالَ الفَرّاءُ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ، وعَلى ما قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ مِن قِبَلِ المُؤْمِنِينَ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُجابُوا بِالفاعِلِ لِأنَّهُ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ بِأنْ يُقالَ: الرَّحْمَنُ أوِ اللَّهُ بَعَثَكُمْ، لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذُكِرَ تَذْكِيرًا لِكُفْرِهِمْ وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْهِ مَعَ تَضَمُّنِهِ الإشارَةَ إلى الفاعِلِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ عَلى أنَّ المَعْنى: لا تَسْألُوا عَنِ الباعِثِ، فَإنَّ هَذا البَعْثَ لَيْسَ كَبَعْثِ النّائِمِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُهِمُّكُمُ الآنَ، وإنَّما الَّذِي يُهِمُّكم أنْ تَسْألُوا ما هَذا البَعْثُ ذُو الأهْوالِ والأفْزاعِ، وفِيهِ مِن تَقْرِيعِهِمْ ما فِيهِ. وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذِكْرَ الفاعِلِ لَيْسَ بِكافٍ في الجَوابِ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِمْ ”متى هذا الوعد إن كنتم صادقين“ فَلا بُدَّ في الجَوابِ مِن قَوْلٍ مُضَمَّنٍ مَعْنَيَيْنِ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: بَعَثَكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي وعَدَكُمُ البَعْثَ وأنْبَأكم بِهِ الرُّسُلُ، لَكِنْ عَدَلَ إلى ما يُشْعِرُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِيَكُونَ أهْوَلَ وفي التَّقْرِيعِ أدْخَلَ، وهو وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفي دَعْوى عَدَمِ كِفايَةِ ذِكْرِ الفاعِلِ في الجَوابِ نَظَرٌ، وفي إيثارِهِمُ اسْمَ الرَّحْمَنِ قِيلَ إشارَةٌ إلى زِيادَةِ التَّقْرِيعِ مِن حَيْثُ إنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ وهم لَمْ يُلْقُوا لَهُ بالًا ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وكَذَّبُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَعِدُّوا لِما يَقْتَضِيهِ، وقِيلَ آثَرَهُ المُجِيبُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا أنَّ الرَّحْمَةَ قَدْ غَمَرَتْهم فَهي نُصْبُ أعْيُنِهِمْ، واخْتِصاصُ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ بِما يَكُونُ في الدُّنْيا ورَحْمَةِ الرَّحِيمِ بِما يَكُونُ في الأُخْرى مَمْنُوعٌ، فَقَدْ ورَدَ يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا الجَوابُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ عَلى أنَّهم أجابُوا أنْفُسَهم حَيْثُ تَذَكَّرُوا ما سَمِعُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ أجابَ بَعْضُهم بَعْضًا، وآثَرُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ طَمَعًا في أنْ يَرْحَمَهم وهَيْهاتَ لَيْسَ لِكافِرٍ نَصِيبٌ يَوْمَئِذٍ مِن رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ ”هَذا“ صِفَةً لِـ”مَرْقَدِنا“ لِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ فَيَصِحُّ الوَقْفُ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ حَفْصٍ أنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ وسَكَتَ سَكْتَةً خَفِيفَةً فَحِكايَةُ إجْماعِ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ﴿مَرْقَدِنا﴾ غَيْرُ تامَّةٍ، وما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: حَقٌّ، أوْ خَبَرٌ مُبْتَدَأُهُ مَحْذُوفٌ أيْ هو أوْ هَذا ما وعَدَ، وفِيهِ مِنَ البَدِيعِ صَنْعَةُ التَّجاذُبِ وهو أنْ تَكُونَ كَلِمَةٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ تَكُونَ مِنَ السّابِقِ وأنْ تَكُونَ مِنَ اللّاحِقِ، ومِثْلُهُ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى بِإيجازِ البَيانِ في التَّرْجَمَةِ عَنِ القُرْآنِ ومِن خَطِّهِ الشَّرِيفِ نَقَلْتُ”الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه“ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقَوْلُهُ - تَعالى -: ”فيه هدى“ بَعْدَ”لا ريب“ فَلْيُحْفَظْ!

يس 36:53

﴿إنْ كانَتْ﴾ أيْ ما كانَتِ الفِعْلَةُ أوِ النَّفْخَةُ الَّتِي حُكِيَتْ آنِفًا ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ حَصَلَتْ مِن نَفْخِ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الصُّورِ، وقِيلَ: هي قَوْلُ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والأوْصالُ المُتَقَطِّعَةُ والشُّعُورُ المُتَمَزِّقَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ”صَيْحَةٌ“ ومَرَّ تَوْجِيهُها ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ﴾ مَجْمُوعٌ ﴿لَدَيْنا﴾ عِنْدَنا وفي مَحَلِّ حُكْمِنا وانْقِطاعِ التَّصَرُّفِ الظّاهِرِيِّ مِن غَيْرِنا ﴿مُحْضَرُونَ﴾ لِفَصْلِ الحِسابِ مِن غَيْرِ لُبْثٍ ما طَرْفَةُ عَيْنٍ، وفِيهِ مِن تَهْوِينِ أمْرِ البَعْثِ والحَشْرِ والإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِما عَنِ الأسْبابِ ما لا يَخْفى.

يس 36:54

﴿فاليَوْمَ﴾ الحاضِرُ أوِ المَعْهُودُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الدّالُّ نَفْخُ الصُّورِ عَلَيْهِ وانْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ بَرَّةً كانَتْ أوْ فاجِرَةً ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الظُّلْمِ فَهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ شَيْئًا صفحة 34 مِنَ الأشْياءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيِ إلّا جْزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فالكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ التَّلازُمِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ بِمُقابَلَتِهِ أوْ بِسَبَبِهِ، وقِيلَ: لا تَجْزُونَ إلّا نَفْسَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بِأنْ يَظْهَرَ بِصُورَةِ العَذابِ، وهَذا حِكايَةٌ عَمّا يُقالُ لِلْكافِرِينَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ المُعَدَّ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَقْرِيعًا لَهُمْ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الخِطابَ يَعُمُّ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونَ الكَلامُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَمّا لِأهْلِ المَحْشَرِ عَلى العُمُومِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ تَنْكِيرُ نفس واخْتارَهُ السَّكّاكِيُّ، وقِيلَ: عَلَيْهِ يَأْباهُ الحَصْرُ لِأنَّهُ تَعالى يُوَفِّي المُؤْمِنِينَ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً. ورُدَّ بِأنَّ المَعْنى أنَّ الصّالِحَ لا يَنْقُصُ ثَوابُهُ والطّالِحَ لا يُزادُ عِقابُهُ، لِأنَّ الحِكْمَةَ تَأْبى ما هو عَلى صُورَةِ الظُّلْمِ أمّا زِيادَةُ الثَّوابِ ونَقْصُ العِقابِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ أوِ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنَّكم لا تَجْزُونَ إلّا مِن جِنْسِ عَمَلِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

يس 36:55

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ السّابِقِ خاصًّا بِالكَفَرَةِ مِن جُمْلَةِ ما سَيُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ زِيادَةً لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ فَإنَّ الإخْبارَ بِحُسْنِ حالِ أعْدائِهِمْ أثَرَ بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مِمّا يَزِيدُهم مَساءَةً عَلى مَساءَةٍ وفي حِكايَةِ ذَلِكَ مَزْجَرَةٌ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ عَمّا هم عَلَيْهِ ومَدْعاةٌ إلى الِاقْتِداءِ بِسِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عامًّا ابْتِداءُ كَلامٍ وأخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ إذا صارَ كُلٌّ إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، والشُّغْلِ هو الشَّأْنُ الَّذِي يَصُدُّ المَرْءَ ويَشْغَلُهُ عَمّا سِواهُ مِن شُؤُونِهِ لِكَوْنِهِ أهَمَّ عِنْدِهِ مِنَ الكُلِّ إمّا لِإيجابِهِ كَمالَ المَسَرَّةِ أوْ كَمالَ المُساءَةِ والمُرادُ هاهُنا هو الأوَّلُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ شُغْلٌ لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، والمُرادُ بِهِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ هو افْتِضاضُ الأبْكارِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ضَرْبُ الأوْتارِ، وقِيلَ السَّماعُ، ورُوِيَ عَنْ وكِيعٍ وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ التَّزاوُرُ، وقِيلَ ضِيافَةُ اللَّهِ تَعالى وهي يَوْمُ الجُمْعَةِ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى عِنْدَ كَثِيبِ المِسْكِ وهُناكَ يَتَجَلّى سُبْحانَهُ لَهم فَيَرَوْنَهُ جَلَّ شَأْنُهُ جَمِيعًا، وعَنِ الحَسَنِ نَعِيمٌ شَغَلَهم عَمّا فِيهِ أهْلُ النّارِ مِنَ العَذابِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ شَغَلَهم عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُوا، ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ أوْلى. ولَيْسَ مُرادَ أهْلِ هَذِهِ الأقْوالِ بِذَلِكَ حَصْرُ شُغْلِهِمْ فِيما ذَكَرُوهُ فَقَطْ بَلْ بَيانُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أشْغالِهِمْ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهم كُلًّا مِن تِلْكَ الأُمُورِ بِالذِّكْرِ مَحْمُولٌ عَلى اقْتِضاءِ مَقامِ البَيانِ إيّاهُ، وأفْرَدَ الشُّغْلَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَعِيمٌ وهو واحِدٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، والجارُّ مَعَ مَجْرُورِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِأنَّ ”وفاكهون“ خَبَرٌ ثانٍ لَها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ و﴿فِي شُغُلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ والمُرادُ بِـ ”فاكِهُونَ“ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرِحُونَ، وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يَتَعَجَّبُونَ بِما هم فِيهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: الفاكِهُ الطَّيِّبُ النَّفْسِ الضَّحُوكُ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ بِالضَّمِّ وهي التَّحَدُّثُ بِما يَسُرُّ، وقِيلَ: التَّمَتُّعُ والتَّلَذُّذُ قِيلَ: ﴿فاكِهُونَ﴾ ذَوُو فاكِهَةٍ نَحْوُ لِابْنٍ وتامِرٍ. وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ حالِهِمْ هَذِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قَبْلَ تَحَقُّقِها لِتَنْزِيلِ المُتَرَقَّبِ المُتَرَفَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِها ووُقُوعِها، وفِيهِ عَلى تَقْدِيرِ خُصُوصِ الخِطابِ زِيادَةٌ لِمَساءَةِ المُخاطَبِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو ”شُغْلٌ“ بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ وهي لُغَةٌ في شُغُلٍ بِضَمَّتَيْنِ لِلْحِجازِيِّينَ كَما قالَ الفَرّاءَ. صفحة 35 وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو السِّمالِ وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ بِفَتْحَتَيْنِ، ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ وابْنُ هُبَيْرَةَ أيْضًا فِيما نَقَلَ عَنْهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ وهُما لُغَتانِ أيْضًا فِيهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ ومُجاهِدٌ وشَيْبَةُ وأبُو رَجاءٍ ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ ونافِعٌ في رِوايَةٍ ”فَكِهُونَ“ جَمْعُ فَكِهٍ كَحَذِرٍ وحَذِرُونَ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والثُّبُوتِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ ”فاكِهِينَ“ بِالألْفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ ”وفي شغل“ هو الخَبَرُ، وقُرِئَ ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألْفٍ وبِالياءِ كَذَلِكَ، وقُرِئَ ”فَكُهُونَ“ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ وفَعُلٌ بِضَمِّ العَيْنِ مِن أوْزانِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ كَنَطُسٍ وهو الحاذِقُ الدَّقِيقُ النَّظَرِ الصّادِقُ الفِراسَةِ،

يس 36:56

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ شُغْلِهِمْ وتَفَكُّهِهِمْ وتَكْمِيلِها بِما يَزِيدُهم بَهْجَةً وسُرُورًا مِن شَرِكَةِ أزْواجِهِمْ، فَـ (هُمْ) مُبْتَدَأٌ (وأزْواجُهُمْ) عَطْفٌ عَلَيْهِ و(مُتَّكِئُونَ) خَبَرٌ والجارّانِ صِلَةٌ لَهُ قِيلَ: قُدِّما عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ أوْ هو والجارّانِ بِما تَعَلَّقا بِهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ أخْبارٌ مُتَرَتِّبَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ هو الظَّرْفَ الأوَّلَ، والظَّرْفُ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مُتَّكِئُونَ“ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم مُتَّكِئُونَ عَلى الأرائِكِ أوِ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، و(مُتَّكِئُونَ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وقِيلَ (هُمْ) تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في خَبَرِ إنَّ أعْنِي ”فاكِهُونَ“ أوْ ”فِي شُغُلٍ“. ومَنَعَهُ بَعْضُهم زَعْمًا مِنهُ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والمُؤَكَّدِ بِأجْنَبِيٍّ و(مُتَّكِئُونَ) خَبَرٌ آخَرُ لَها ”وعلى الأرائك“ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وكَذا ﴿فِي ظِلالٍ﴾ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ جَوَّزَ هَذا الِاحْتِمالَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ (هُمْ) مُبْتَدَأً أيْضًا، والظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ وجَمْعُ فِعْلٍ عَلى فِعالٍ كَثِيرٌ كَشِعْبٍ وشِعابٍ وذِئْبٍ وذِئابٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ ظُلَّةٍ بِالضَّمِّ كَقُبَّةٍ وقِبابٍ وبُرْمَةٍ وبِرامٍ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ والسَّلَمِيِّ وطَلْحَةَ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”فِي ظُلَلٍ“ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَإنَّهُ جَمْعُ ظُلَّةٍ لا ظِلٍّ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ: جَمْعُ ظِلَّةٍ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ بِالضَّمِّ فَيَكُونُ كَلِقْحَةٍ ولِقاحٍ وهو قَلِيلٌ. وفَسَّرَ الإمامُ الظِّلَّ بِالوِقايَةِ عَنْ مَظانَّ الألَمِ ولِأهْلِ الجَنَّةِ مِن ظِلِّ اللَّهِ تَعالى ما يَقِيهِمُ الأسْواءَ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ أوْ هو مُتَعَدِّدٌ لِلشَّخْصِ الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما مِنهُ الوِقايَةُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جُمِعَ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَظِيمَ الشَّأْنِ جَلِيلَ القَدْرِ كَجَمْعِ اليَدِ بِمَعْنى القُدْرَةِ عَلى قَوْلٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ . وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الظِّلالَ جَمْعَ ظُلَّةٍ بِالمَلابِسِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَظَلُّ كالسُّتُورِ، وأقُولُ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الظِّلُّ الفَيْءُ الحاصِلُ مِنَ الحاجِزِ بَيْنَكَ وبَيْنَ الشَّمْسِ أيَّ شَيْءٍ كانَ، وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِما كانَ مِنهُ إلى زَوالِ الشَّمْسِ وما كانَ بَعْدُ فَهو الفَيْءُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظِّلَّ بِالمَعْنى الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّمْسُ لا يُتَصَوَّرُ في الجَنَّةِ إذْ لا شَمْسَ فِيها، ومِن هُنا قالَ الرّاغِبُ: الظِّلُّ ضِدُّ الضِّحِّ وهو أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ فَإنَّهُ يُقالُ ظَلُّ اللَّيْلِ وظِلُّ الجَنَّةِ، وجاءَ في ظِلِّها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كالظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ رَوى ابْنُ القَيِّمِ في حادِي الأرْواحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ ما أرْضُ الجَنَّةِ؟ قالَ: مَرْمَرَةٌ بَيْضاءُ مِن فِضَّةٍ كَأنَّها مِرْآةٌ قِيلَ: ما نُورُها؟ قالَ: ما رَأيْتَ السّاعَةَ الَّتِي قَبِلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَذَلِكَ نُورُها إلّا أنَّها لَيْسَ فِيها شَمْسٌ ولا زَمْهَرِيرٌ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَ هَذا لَكِنْ لَمْ يَعْزُهُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ صفحة 36 لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا أوْ نَحْوٌ مِن هَذا، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ المُرادَ تَقْرِيبُ الأمْرِ لَفَهْمِ السّائِلِ وإيضاحُ الحالِ بِما يَفْهَمُهُ أوْ بَيانُ نُورِها في نَفْسِها لا الأعَمِّ مِنهُ ومِمّا يَحْصُلُ فِيها مِن أنْوارِ سُكّانِها الحُورِ العِينِ وغَيْرِهِمْ. نَعَمْ نُورُها في نَفْسِها أتَمُّ مِن نُورِ الدُّنْيا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَما يُومِئُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أُسامَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا هَلْ مُشِمَّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ لَها أيْ لا عِدْلَ ولا مِثْلَ وهي ورَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ» الحَدِيثَ، ويَجُوزُ حَمْلُ الظِّلالِ - جَمْعُ ظِلٍّ - هُنا عَلى هَذا المَعْنى، وجَمْعُهُ لِلتَّعَدُّدِ الِاعْتِبارِيِّ، ويَجُوزُ حَمْلُ الظِّلِّ عَلى العِزَّةِ والمَناعَةِ فَإنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ وبِهَذا فَسَّرَ الرّاغِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ وهو غَيْرُ مَعْنى الوِقايَةِ عَنْ مَظانِّ الألَمِ الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ ظُلَّةٍ عَلى السُّتُورِ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ الرَّأْسِ مِن سَقْفٍ وشَجَرٍ ونَحْوِهِما ووُجُودُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ فَقَدْ جاءَ في الكِتابِ وصَحَّ في السُّنَّةِ أنَّ فِيها غُرَفًا وهي ظاهِرَةٌ فِيما كانَ ذا سَقْفٍ بَلْ صَرَّحَ في بَعْضِ الأخْبارِ بِالسَّقْفِ وجاءَ فِيها أيْضًا ما هو ظاهِرٌ في أنَّ فِيها شَجَرًا مُرْتَفِعًا يُظِلُّ مَن تَحْتَهُ، وقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها فاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ عَلى ساقٍ، قَدْرُ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةُ عامٍ في كُلِّ نَواحِيها يَخْرُجُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ أهْلُ الغُرُفِ وغَيْرُهم فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها الخَبَرَ، وابْنُ الأثِيرِ يَقُولُ: مَعْنى في ظِلِّها في ذُراها وناحِيَتِها، وكانَ هَذا لِدَفْعِ أنَّها تُظِلُّ مِنَ الشَّمْسِ أوْ نَحْوِها، ”والأرائك“ جَمْعُ أرِيكَةٍ وهو السَّرِيرُ في قَوْلٍ، وقِيلَ: الوِسادَةُ، حَكاهُ الطَّبْرَسِيُّ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ فَهو أرِيكَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَكُونُ أرِيكَةٌ حَتّى يَكُونَ السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ؛ فَإنَّ كانَ سَرِيرٌ بِغَيْرِ حَجْلَةٍ لا تَكُونُ أرِيكَةٌ، وإنْ كانَتْ حَجْلَةٌ بِغَيْرِ سَرِيرٍ لَمْ تَكُنْ أرِيكَةٌ، فالسَّرِيرُ والحَجْلَةُ أرِيكَةٌ وفي حادِي الأرْواحِ: لا تَكُونُ أرِيكَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ وأنْ يَكُونَ عَلى السَّرِيرِ فِراشٌ، وفي الصِّحاحِ الأرِيكَةُ سَرِيرٌ مُنَجَّدٌ مُزَيَّنٌ في قُبَّةٍ أوْ بَيْتٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الأرِيكَةُ حَجْلَةٌ عَلى سَرِيرٍ والجَمْعُ آرائِكُ، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ إمّا لَكَوْنِها في الأرْضِ مُتَّخَذَةً مِن أراكٍ وهو شَجَرٌ مَعْرُوفٌ أوْ لِكَوْنِها مِكانا لِلْإقامَةِ مِن قَوْلِهِمْ أرَكَ بِالمَكانِ أُرُوكًا، وأصْلُ الأُرُوكِ الإقامَةِ عَلى رَعْيِ الأراكِ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ في غَيْرِهِ مِنَ الإقاماتِ. وبِالجُمْلَةِ إنَّ كَلامَ الأكْثَرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّرِيرَ وحْدَهُ لا يُسَمّى أرِيكَةً نَعَمْ يُقالُ لِلْمُتَّكِئِ عَلى أرِيكَةٍ مُتَّكِئٌ عَلى سَرِيرٍ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ السُّرُرُ في الحِجالِ فَتَكُونُ أرائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تارَةٌ يَتَّكِئُونَ عَلى الأرائِكِ وأُخْرى يَتَّكِئُونَ عَلى السُّرُرِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأرائِكَ، وسَيْأتِي إنَّ شاءَ تَعالى ما ورَدَ في وصْفِ سُرُرِهِمْ رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكُمُ الجُلُوسَ عَلى هاتِيكَ السُّرُرِ والِاتِّكاءَ مَعَ الأزْواجِ عَلى الأرائِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأزْواجِ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ اللّاتِي كُنَّ لَهم في الدُّنْيا، وقِيلَ: أزْواجُهُمُ اللّاتِي زَوَّجَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُنَّ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويَجُوزُ فِيما يَظْهَرُ أنْ يُرادَ الأعَمَّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ومِنَ المُؤْمِناتِ اللّاتِي مِتْنَ ولَمْ يَتَزَوَّجْنَ في الدُّنْيا فَزَوَّجَهُنَّ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، بَلِ الأعَمُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ومِنَ المُؤْمِناتِ اللّاتِي تَزَوَّجْنَ في الدُّنْيا بَأزْواجٍ ماتُوا كُفّارًا فَأُدْخِلُوا النّارَ مُخَلَّدِينَ فِيها وأُدْخِلْنَ الجَنَّةَ كامْرَأةِ فِرْعَوْنَ فَقَدْ جاءَ في الأخْبارِ أنَّها تَكُونُ زَوْجَةَ نَبِيِّنا ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَأزْواجِهِمْ أشْكالَهم في الإحْسانِ وأمْثالَهم في الإيمانِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ صفحة 37 المُرادُ بِهِ أخِلّاؤُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الأشْكالَ والأخِلّاءِ ومَن سَمِعْتَ أوَّلًا، وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ إرادَةِ ذَلِكَ وكَذا إرادَةُ الأشْكالِ أوِ الأخِلّاءُ بِالخُصُوصِ

يس 36:57

﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ بَيانٌ لِما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ وما يَتَلَذَّذُونَ بِهِ مِنَ المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ ما لَهم فِيها مِن مَجالِسِ الأُنْسِ ومَحافِلِ القُدْسِ تَكْمِيلًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ والبَهْجَةِ كَذا قِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنِ اشْتَغالِهِمْ بِالأُنْسِ واتِّكائِهِمْ عَلى الأرائِكِ عَدَمُ تَعاطِيهِمْ أسْبابَ المَأْكَلِ والمَشْرِبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ في أمْرِ مَأْكَلِهِمْ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ وهو مُشِيرٌ إلى أنَّ لَهم مِنَ المَأْكَلِ ما لَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأُفِيدَ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا جُوعَ هُناكَ ولَيْسَ الأكْلُ لِدَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، وإنَّما مَأْكُولُهم فاكِهَةٌ ولَوْ كانَ لَحْمًا، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ فاكِهَةٌ جَلِيلَةُ الشَّأْنِ، وِفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ دُونَ يَأْكُلُونَ فِيها فاكِهَةً إشارَةٌ إلى كَوْنِ زِمامِ الِاخْتِيارِ بِأيْدِيهِمْ وكَوْنِهِمْ مالِكِينَ قادِرِينَ فَإنْ شاؤُوا أكَلُوا وإنْ شاؤُوا أمْسَكُوا. ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ أيْ ما يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ أيْ لَهم كُلُّ ما يَطْلُبُهُ أحَدٌ لِنَفْسِهِ لا أنَّهم يَطْلُبُونَ، فَإنَّهُ حاصِلٌ كَما إذا سَألَكَ أحَدٌ فَقُلْتَ: لِكَ ذَلِكَ تَعْنِي فَلِمَ تَطْلُبُ؟ أوْ لَهم ما يَطْلُبُونَ بِالفِعْلِ عَلى أنَّ هُناكَ طَلَبًا وإجابَةً؛ لِأنَّ الغِبْطَةَ بِالإجابَةِ تُوجِبُ اللَّذَّةَ بِالطَّلَبِ فَإنَّهُ مَرْتَبَةٌ سَنِيَّةٌ لا سِيَّما والمَطْلُوبُ مِنهُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى المَلِكُ الجَلِيلُ جِلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ، فَيَدْعُونَ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ، وأصْلُهُ يَدْتَعِيُونَ عَلى وزْنِ يَفْتَعِلُونَ سُكِّنْتِ الياءُ بَعْدَ أنْ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى ما قَبْلَها وحُذِفَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، وقِيلَ: بَلْ ضُمَّتِ العَيْنُ لِأجْلِ واوِ الجَمْعِ ولَمْ يُلْقَ حَرَكَةُ الياءِ عَلَيْها وإنَّما حُذِفَتِ اسْتِثْقالًا ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَصارَ يَدْتَعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتْ، وافْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ الثُّلاثِيِّ كَثِيرٌ ومِنهُ اشْتَوى بِمَعْنى شَوى واجْتَمَلَ بِمَعْنى جَمَلَ أيْ أذابَ الشَّحْمَ. قالَ لَبِيدٌ: فاشْتَوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ (ولَهُمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهي مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهو إمّا ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ أوْ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ فالمَصْدَرُ حِينْئِذٍ مُبْتَدَأٌ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ ما عَلى (فاكِهَةٌ) لِئَلّا يُتَوَهَّمَ كَوْنُها عِبارَةً عَنْ تَوابِعِ الفاكِهَةِ ومُتَمِّماتِها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (يَدَّعُونَ) مِنَ الِافْتِعالِ بِمَعْنى التَّفاعُلِ كارْتَمَوْهُ بِمَعْنى تَرامَوْهُ أيْ لَهم ما يَتَداعَوْنَ، والمَعْنى كُلُّ ما يَصِحُّ أنْ يَطْلُبَهُ أحَدٌ مِن صاحِبِهِ فَهو حاصِلٌ لَهم أوْ ما يَطْلُبَهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالفِعْلِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّحابِّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الِافْتِعالِ عَلى ما سَمِعْتِ أوَّلًا إلّا أنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى التَّمَنِّي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ، وتَقُولُ: فُلانٌ في خَيْرِ ما ادَّعى أيْ تَمَنّى أيْ لَهم ما يَتَمَنَّوْنَ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعاءِ أيْ كُلُّ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ، قِيلَ: افْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ فَيَدَّعُونَ بِمَعْنى يَدْعُونَ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ أيْ لَهم ما كانَ يَدْعُونَ بِهِ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - في الدُّنْيا مِنَ الجَنَّةِ ودَرَجاتِها.

يس 36:58

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ ولُزُومُ الضَّمِيرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: صفحة 38 (قَوْلًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ صِفَةُ ”سَلامًا“، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ صِفَةُ (قَوْلًا) أيْ سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ أيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ تَعْظِيمًا لَهُمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهم فَإذا الرَّبُّ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ فَقالَ السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قالَ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونُ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم ويَبْقى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ» وقِيلَ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى الأوَّلِ الأكْثَرُونَ، وأمّا ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ سَلامُ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ عِنْدَ المَوْتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، والبَدَلِيَّةُ المَذْكُورَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ما عامَّةٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِها خاصٌّ أوْ عَلى ادِّعاءِ الِاتِّحادِ تَعْظِيمًا، ولا بَأْسَ في إبْدالِ هَذِهِ النَّكِرَةِ مِنها عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُولِيِّتَها لِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُلْتَزَمَ جَوازُ إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ قُبْحٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَلامٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَتُهُ أيْ هو أوْ ذَلِكَ سَلامٌ يُقالُ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، والضَّمِيرُ لِـ ”ما“ وكَذا الإشارَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ”ما“ أيْ لَهم ما يَدَّعُونَ سالِمٌ أوْ ذُو سَلامَةٍ مِمّا يُكْرَهُ، ”وقولا“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ سَلامٌ أيْ عِدَةٌ مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، وهَذِهِ الوَصْفِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ولا يَصِحُّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً لِلتَّخالُفِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا وأنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ ”ما“، و(لَهُمْ) مُتَعِلِّقٌ بِهِ لِبَيانِ الجِهَةِ كَما يُقالُ لِزَيْدٍ الشَّرَفُ مُتَوَفِّرٌ أيْ ما يَدَّعُونَ سالِمٌ لَهم خالِصٌ لا شَوْبَ فِيهِ، ونَصْبُ (قَوْلًا) عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وفِي الكَشّافِ الأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ وهو مِن مَجازِهِ فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَفْصُولَةً عَمّا سَبَقَ ولا ضَيْرَ في نَصْبِ النَّكِرَةِ عَلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَهم سَلامٌ يُقالُ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، وقُدِّرَ الخَبَرُ مُقَدَّمًا لِتَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى أُسْلُوبِ أخَواتِها لا لِيَسُوغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ فَإنَّ النَّكِرَةَ مَوْصُوفَةٌ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها، وظاهِرُ كَلامِهِمْ تَقْدِيرُ العاطِفِ أيْضًا ويُمْكِنُ أنَّ لا يُقَدَّرَ، وفَصْلُ الجُمْلَةِ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها كالتَّعْلِيلِ لِما تَضَمَّنَتْهُ لِآيٍ قَبْلَها فَإنَّ سَلامَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ مَنشَأُ كُلِّ تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ، وجُوِّزَ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً - تَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ عَلَيْهِمْ، قالَ الإمامُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا كَأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى لَنا وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ﴾ ثُمَّ لَمّا كَمُلَ بَيانُ حالِهِمْ قالَ ﴿سَلامٌ﴾ عَلَيْهِمْ وهَذا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾، ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾، فَيَكُونُ - جَلَّ وعَلا - قَدْ أحْسَنَ إلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ كَما أحْسَنَ إلى عِبادِهِ المُرْسَلِينَ ثُمَّ قالَ: وهَذا وجْهٌ مُبْتَكَرٌ جَيِّدٌ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: أوْ نَقُولُ تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْكم ويَكُونُ هَذا نَوْعًا مِنَ الِالتِفاتِ حَيْثُ قالَ تَعالى لَهم كَذا وكَذا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ اهـ. ووَجْهُ الِابْتِداءِ بِـ ”سَلامٌ“ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَوْصُوفًا كانَ أمْ لا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أصاغِرِ الطَّلَبَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ”سِلْمٌ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ ولَيْسَ بِذاكَ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وعِيسى والغَنَوِيُّ ”سَلامًا“ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ سَلامًا أوْ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”ما“ في الخَبَرِ أوْ مِنها عَلى القَوْلِ بِجَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ أيْ ولَهم مُرادُهم خالِصًا.

يس 36:59

صفحة 39 ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ أيِ انْفَرِدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ إلى مَصِيرِكم مِنَ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أيِ اعْتَزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى أيْ عَلى خِلافِ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الِاجْتِماعِ مَعَ مَن يُحِبُّونَ، ولَعَلَّ هَذا بَعْدَ زَمانٍ مِن أوَّلِ دُخُولِهِمْ فَلا يُنافِي عَتابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا الوارِدَ في آياتٍ أُخُرَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ لِكُلِّ صِنْفٍ كافِرٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الأمْرِ أمْرَ تَكْوِينٍ كَما فِي”كن فيكون“ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ سِيماءٌ يُعْرَفُونَ بِها كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والجُمْلَةُ عَطْفًا إمّا عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ المَسُوقَةِ لِبَيانِ أحْوالِ أصْحابِ الجَنَّةِ مِن عِطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يَضُرُّ التَّخالُفُ إنْشائِيَّةً وخَبَرِيَّةً، وكَأنَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وحالَيْهِما، وإمّا عَلى مُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ حِكايَةُ حالِ أصْحابِ الجَنَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِمْ في شُغْلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وفَوْزِهِمْ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ فَلْيَقَرُّوا بِذَلِكَ عَيْنًا وامْتازُوا عَنْهم أيُّها المُجْرِمُونَ. قالَ أبُو السُّعُودِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ ”ويُقالُ امْتازُوا“ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُقالُ“ المُقَدَّرِ العامِلِ في ”قَوْلًا“ وهو أقْرَبُ وأقَلُّ تَكَلُّفًا؛ لِأنَّ حَذْفَ القَوْلِ وقِيامِ مَعْمُولِهِ مَقامَهُ كَثِيرٌ حَتّى قِيلَ فِيهِ هو البَحْرُ حَدِّثْ عَنْهُ ولا حَرَجَ، وفِيهِ بَحْثٌ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ إلى هُنا تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبُنِيَ عَلَيْهِ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الطَّلَبِ عَلى مَعْنى فَلْيَمْتَزِ المُؤْمِنُونَ عَنْكم يا أهْلَ المَحْشَرِ إلى الجَنَّةِ وامْتازُوا عَنْهم إلى النّارِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ غُنْيَةٌ عَنِ الآخَرِ ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ جُمْلَةِ قِصَّةِ أصْحابِ النّارِ عَلى جُمْلَةِ قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ وأوْثَرَها هُنا الطَّلَبُ زِيادَةً لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْنِيفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ وإنْ كانَ لا بُدَّ مِنَ التَّضْمِينِ فالمَعْطُوفُ أوْلى بِأنْ يُجْعَلَ في مَعْنى الخَبَرِ عَلى مَعْنى وأنَّ المُجْرِمِينَ مُمْتازُونَ مُنْفَرِدُونَ. وفائِدَةُ العُدُولِ ما في الخِطابِ والطَّلَبِ مِنَ النُّكْتَةِ اهـ، وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثٍ أغْناهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرَ سَهْلٌ لِكَوْنِ الأمْرِ تَقْدِيرِيًّا مَعَ أنَّ الِامْتِيازَ الأوَّلَ عَلى وجْهِ الإكْرامِ وتَحْقِيقِ الوَعْدِ، والآخَرَ عَلى وجْهِ الإهانَةِ وتَعْجِيلِ الوَعِيدِ فَيُفِيدُ كُلٌّ مِنهُما ما لا يُفِيدُهُ الآخَرُ، نَعَمْ قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ في ذَلِكَ: إنَّ اعْتِبارَ فَلْيَمْتَزِ المُؤْمِنُونُ وإضْمارَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّدادِ لِما أنَّ المَحْكِيَّ عَنْهم لَيْسَ مَصِيرَهم إلى ما ذَكَرَ مِنَ الحالِ المَرْضِيَّةَ حَتّى يَتَسَنّى تَرْتِيبُ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ بَلْ إنَّما هو اسْتِقْرارُهم عَلَيْها بِالفِعْلِ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَنْزِيلَ المُتَرَقَّبِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لا يُجْدِي نَفْعًا لِأنَّ مَناطَ الِاعْتِبارِ والإضْمارِ انْسِياقُ الأفْهامِ إلَيْهِ وانْصِبابُ نَظْمِ الكَلامِ عَلَيْهِ فَبَعْدَ التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ وإسْقاطِ التَّرَقُّبِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ يَكُونُ التَّصَدِّي لِإضْمارِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ إخْراجًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الجَزالَةِ بِالمَرَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ التَّضْمِينِ والإضْمارِ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ ما ذُكِرَ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن أوْلَوِيَّةِ تَقْدِيرِ ”فَلْيَقَرُّوا عَيْنًا“ عَلى تَقْدِيرِ ”فَلْيَمْتازُوا“ فَلْيُفْهَمْ. وقالَ بَعْضُ الأذْكِياءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ امتازوا فِعْلًا ماضِيًا والضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أيِ انْفَرَدَ المُؤْمِنُونَ عَنْكم بِالفَوْزِ بِالجَنَّةِ ونَعِيمِها أيُّها المُجْرِمُونَ فَفِيهِ تَحْسِيرٌ لَهم والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ ولا مَنعَ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأُسْلُوبِ المَعْرُوفِ مِن وُقُوعِ النِّداءِ مَعَ الأمْرِ - نَحْوُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ - قَلِيلُ الجَدْوى وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْسِيرِ يَكْفِي فِيهِ ما قَبْلُ مِن ذِكْرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ صفحة 40 التَّنَعُّمِ وأيْضًا المَأْثُورُ يَأْبى عَنْهُ غايَةَ الإباءِ وهو كالنَّصِّ في أنَّ امتازوا فِعْلُ أمْرٍ ولا يَكادُ يَخْطُرُ لِقارِئٍ ذَلِكَ.

يس 36:60

﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهم بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِامْتِيازِ والأمْرِ بِمَقاساةِ حَرِّ جَهَنَّمَ، والعَهْدُ الوَصِيَّةُ والتَّقَدُّمُ بِأمْرٍ فِيهِ خَيْرٌ ومَنفَعَةٌ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا ما كانَ مِنهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِنَ الأوامِرَ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ - تَعالى - يا ﴿بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وغَيْرُهُما مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، وقِيلَ: هو المِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ في عالَمِ الذَّرِّ إذْ قالَ سُبْحانَهُ لَهم ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وقِيلَ: هو ما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الآمِرَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الزّاجِرَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَكَأنَّهُ اسْتِعارَةٌ لِإقامَةِ البَراهِينِ والمُرادُ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ طاعَتُهُ فِيما يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِمْ ويُزَيِّنُهُ لَهم عَبَّرَ عَنْها بِالعِبادَةِ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والتَّنْفِيرِ عَنْها ولِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ عِبادِتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الآلِهَةِ الباطِلِ، وإضافَتُها إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ الآمِرُ بِها والمُزَيِّنُ لَها فالتَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ ”إعْهَدْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وقالَ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ أحْرُفِ المُضارَعَةِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَرَأ الهُذَيْلِ وابْنُ وثّابٍ ”ألَمِ إعْهَدْ“ بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ وهي مِن كَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ سِوى الياءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ ”ألَمْ أعْهِدْ“ بِكَسْرِ الهاءِ ويُقالَ عَهَدَ وعَهِدَ اهـ. ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ كَسْرَ المِيمَ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ لِأنَّ حَرَكَةَ المِيمِ هي الحَرَكَةُ الَّتِي نُقِلَتْ إلَيْها مِنَ الهَمْزَةِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها لا أنَّ المِيمَ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةَ بَعْدَها مَكْسُورَةٌ أيْضًا فَتُلْفَظُ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ ”إعْهَدْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرَ إلّا في الياءِ و”أعْهِدْ“ بِكَسْرِ الهاءِ وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ و”أحْهَدْ“ بَإبْدالِ العَيْنِ وحْدَها حاءً مُهْمَلَةً و”أحَّدْ“ بِإبْدالِها مَعَ إبْدالِ الهاءِ وإدْغامِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم دَحّا مَحّا أيْ دَعْها مَعْها، وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: إلّا في الياءِ مَبْنِيٌّ عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ وعَنْ بَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ الياءَ أيْضًا فَيَقُولُونَ يِعْلَمُ مَثَلًا وقَوْلُهُ في أحْهَدْ وأحَّدْ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: أحْهَدْ لُغَةُ هُذَيْلٍ وأحَّدْ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وقَوْلُهم دَحّا مَحّا إمّا يُرِيدُونَ بِهِ دَعْ هَذِهِ القِرْبَةَ مَعَ هَذِهِ المَرْأةِ أوْ دَعْ هَذِهِ المَرْأةَ مَعَ هَذِهِ القِرْبَةِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ وهو تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وعَداوَةُ اللَّعِينِ جاءَتْ مِن قَبْلِ عَداوَتِهِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والنِّداءُ بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ لِآدَمَ كالتَّمْهِيدِ لِهَذا التَّعْلِيلِ والتَّأْكِيدِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ فَهم والمُنْكِرُونَ سَواءٌ

يس 36:61

﴿وأنِ اعْبُدُونِي﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ عَلى أنَّ ﴿أنْ﴾ فِيها مُفَسِّرَةٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ أيْ ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم في تَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ وفي عِبادَتِي، وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِما أنَّ حَقَّ التَّخْلِيَةِ التَّقَدُّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ قِيلَ: ولِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى عِبادَتِهِ تَعالى لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإشارَةَ إلى ما عُهِدَ إلَيْهِمْ مِن تَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ وفِعْلِ عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُجِّحَ بِأنَّ عِبادَتَهُ تَعالى إذا لَمْ تَنْفَرِدْ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا تُسَمّى صِراطًا مُسْتَقِيمًا فَتَأمَّلْ! والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ المُقْتَضِي لِلْعَهْدِ بِعِبادَتِهِ تَعالى أوْ لِلْعَهْدِ بِشِقَّيْهِ، والتَّنْكِيرُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ أيْ هَذا صِراطٌ بَلِيغٌ صفحة 41 فِي اسْتِقامَتِهِ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ واصِلٌ لِمَرْتَبَةٍ يَقْصُرُ عَنْها التَّوْصِيفُ والتَّعْرِيفُ ولِذا لَمْ يَقُلْ هَذا الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ أوْ هَذا هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلْحَصْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِلتَّبْعِيضِ عَلى مَعْنى هَذا بَعْضُ الصُّرُطِ المُسْتَقِيمَةِ وهو لِلْهَضْمِ مِن حِقِّهِ عَلى الكَلامِ المُنْصِفِ، وفِيهِ إدْماجُ التَّوْبِيخِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضَ الصُّرُطِ المَوْصُوفَةِ بِالِاسْتِقامَةِ لَكَفى ذَلِكَ في انْتِهاجِهِ كَيْفَ وهو الأصْلُ والعِدَّةُ كَما قِيلَ: وأقُولُ بَعْضُ النّاسِ عَنْكِ كِنايَةً خَوْفَ الوُشاةِ وأنْتِ كُلُّ النّاسِ وفِيهِ أنَّ المَطْلُوبَ الِاسْتِقامَةُ، والأمْرُ دائِرٌ مَعَها، وقَلِيلُها كَثِيرٌ.

يس 36:62

﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وتَأْكِيدِ التَّقْرِيعِ بِبَيانِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِغَيْرِهِمْ أثَرَ بَيانِ نَقْضِهِمُ العَهْدَ، فالخِطابُ لِمُتَأخِّرِيهِمُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ كُفّارٌ خُصُّوا بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِتُضاعُفِ جِناياتِهِمْ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلى ضَمِيرِ الشَّيْطانِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لِلْإغْواءِ. والجِبِلُّ- قالَ الرّاغِبُ - الجَماعَةُ العَظِيمَةُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ تَشْبِيهًا بِالجَبَلِ في العِظَمِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أقَلُّ الجِبِلِّ وهي الأُمَّةُ العَظِيمَةُ عَشْرَةُ آلافٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالجَماعَةِ وبَعْضٌ بِالأُمَّةِ بِدُونِ الوَصْفِ، وقِيلَ هو الطَّبْعُ المَخْلُوقُ عَلَيْهِ الَّذِي لا يَنْتَقِلُ كَأنَّهُ جَبَلٌ وهو هُنا خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ ”جُبْلًا“ بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمَّتَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ اللّامِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والزُّهْرِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ واليَمانِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، والأعْمَشُ بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ نَحْوَ فِطْرَةٌ وفِطَرٌ، وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ ”جِيلًا“ بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءٌ آخِرُ الحُرُوفِ واحِدُ الأجْيالِ وهو الصِّنْفُ مِنَ النّاسِ كالعَرَبِ والرُّومِ. ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ أكُنْتُمْ تُشاهِدُونَ آثارَ عُقُوباتِهِمْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أنَّها لِضَلالِهِمْ، أوْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا حَتّى تَرْتَدِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ كَيْلا يَحِيقَ بِكُمُ العَذابُ الألِيمُ. وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى وعاصِمٌ في رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِياءِ الغَيْبَةِ فالضَّمِيرُ لِلْجِبِلِّ.

يس 36:63

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ يُخاطِبُونَ بِهِ بَعْدَ تَمامِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ عِنْدَ إشْرافِهِمْ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ أيْ هَذِهِ الَّتِي تَرَوْنَها جَهَنَّمُ الَّتِي لَمْ تَزالُوا تُوعَدُونَ بِدُخُولِها عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمُبَلِّغِينَ عَنْهم بِمُقابَلَةِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ

يس 36:64

﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ أمْرُ تَحْقِيرٍ وإهانَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ﴾ إلَخْ أيْ قاسُوا حَرَّها في هَذا اليَوْمِ الَّذِي لَمْ تَسْتَعِدُّوا لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ صِيرُوا صَلاها أوْ وقُودَها. وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الزَمُوا العَذابَ بِها وأصْلُ الصَّلا اللُّزُومُ ومِنهُ المُصْلى الَّذِي يَجِيءُ في أثَرِ السّابِقِ لِلُزُومِهِ أثَرَهُ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ كُفْرِكُمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ واحْتِمالُ كَوْنِها مَوْصُولَةً بَعِيدٌ.

يس 36:65

﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنَ التَّكَلُّمِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ خَتْمٌ عَلى أفْواهِهِمْ حَقِيقَةً. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ مُسْتَعارًا لِمَعْنى المَنعِ بِأنْ يُشَبِّهَ إحْداثَ حالَةٍ في أفْواهِهِمْ مانِعَةٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالخَتْمِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَهُ الخَتْمُ ويُشْتَقُّ مِنهُ نَخْتِمُ فالِاسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةٌ أيِ اليَوْمَ نَمْنَعُ أفْواهَهم مِنَ الكَلامِ مَنعًا شَبِيهًا بِالخَتْمِ، والأوَّلُ صفحة 42 أوْلى في نَظَرِي ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى كَسْبِهِ في الدُّنْيا وكَأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ ”تُكَلِّمُ وتَشْهَدُ“، ولَعَلَّ المَعْنى - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - تُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ وتُخْبِرُنا بِهِ وتَقُولُ فَعَلُوا بِنا وبِواسِطَتِنا كَذا وكَذا وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أرْجُلُهم بِذَلِكَ. ونِسْبَةُ التَّكْلِيمِ إلى الأيْدِي دُونَ الشَّهادَةِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِها بِمُباشَرَةِ الأعْمالِ حَتّى أنَّها كَثُرَ نِسْبَةُ العَمَلِ إلَيْها بِطَرِيقِ الفاعِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأرْجُلُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ أنْسَبَ بِها لِما أنَّها لَمْ تُضَفْ إلَيْها الأعْمالُ فَكانَتْ كالأجْنَبِيَّةِ، وكانَ التَّكْلِيمُ أنْسَبَ بِالأيْدِي لِكَثْرَةِ مُباشَرَتِها الأعْمالَ وإضافَتِها إلَيْها فَكَأنَّها هي العامِلَةُ، هَذا مَعَ ما في جَمْعِ التَّكْلِيمِ مَعَ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ التَّكَلُّمِ - مِنَ الحُسْنِ. وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا صَدَّرَ آيَةَ النُّورِ وهي قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِالشَّهادَةِ وذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - الأعْضاءَ مِنَ الأعالِي إلى الأسافِلِ أسْنَدَها إلى الجَمِيعِ، ولَمْ يَخُصَّ سُبْحانَهُ الأيْدِيَ بِالتَّكْلِيمِ لِوُقُوعِها بَيْنَ الشُّهُودِ مَعَ أنَّ ما يَصْدُرُ مِنها شَهادَةٌ أيْضًا في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ كَوْنَها عامِلَةً لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هي آلَةٌ والعامِلُ هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وكانَ اعْتِبارُ الشَّهادَةِ مِنَ المَصْدَرِ هُناكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ لِسَبْقِ قِصَّةِ الإفْكِ، وما يَتَعَلَّقُ لَها ولِذا نَصَّ فِيها عَلى الألْسِنَةِ ولَمْ يَنُصَّ هاهُنا عَلَيْها بَلِ الآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ الإفْصاحِ بِأمْرِها مِنَ الشَّهادَةِ وعَدَمِها، والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ لَيْسَ بِعَدَمِ شَهادَتِها إذِ المُرادُ مِنهُ مَنعُ المُحَدَّثِ عَنْهم عَنِ التَّكَلُّمِ بِألْسِنَتِهِمْ وهو أمْرٌ وراءَ تَكَلُّمِ الألْسِنَةِ أنْفُسِها وشَهادَتِها بِأنْ يُجْعَلَ فِيها عِلْمٌ وإرادَةٌ وقُدْرَةٌ عَلى التَّكَلُّمِ فَتَتَكَلَّمُ هي وتَشْهَدُ بِما تَشْهَدُ وأصْحابُها مَخْتُومٌ عَلى أفْواهِهِمْ لا يَتَكَلَّمُونَ. ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّ آيَةَ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما هو نَصٌّ في عَدَمِ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ، نَعَمِ الظّاهِرُ هُناكَ أنْ لا خَتْمَ، وهُنا أنْ لا شَهادَةَ مِنَ الألْسِنَةِ، وعَلى هَذا الظّاهِرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في الآيَتَيْنِ واحِدًا بِأنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتُنْطَقُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم أوَّلًا ثُمَّ يُرْفَعُ الخَتْمُ وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهم إمّا مَعَ تَجَدُّدِ ما يَكُونُ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ أوْ مَعَ عَدَمِهِ والِاكْتِفاءِ بِما كانَ قَبْلُ مِنهُما، وذَلِكَ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ مِن مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في مَقامَيْنِ، ولَيْسَ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ ونَفْيِ شَهادَةِ غَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْضاءِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَهادَةُ السَّمْعِ والأبْصارِ والألْسِنَةِ والأيْدِي والأرْجُلِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما يُشْعِرُ بِهَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ”والجُلُودُ“ في آيَةِ السَّجْدَةِ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ في بَعْضٍ مِنَ الآياتِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في البَعْضِ الآخَرِ مِنها، أوْ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ المُحَدَّثَ عَنْهُ في آيَةِ السَّجْدَةِ قَوْمَ ثَمُودٍ، وحَمْلُ أعْداءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في آيَةِ النُّورِ أصْحابَ الإفْكِ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ إنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ الشَّهادَةَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ، وآيَةُ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَيُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ بِأنَّ الخَتْمَ والشَّهادَةَ فِيها بَعْدَ خِطابِ المُحَدَّثِ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ أيْضًا، قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ﴾ ... إلَخِ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذِكْرَ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ اسْتَدْعى أنْ يُعْرَضَ عَنْهم وتُحْكى أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ صفحة 43 ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الخَتْمِ لِأنَّ الخِطابَ لِتَلَقِّي الجَوابِ، وقَدِ انْقَطَعَ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ الشَّهادَةَ تَتَحَقَّقُ في مَوْقِفِ الحِسابِ لا بَعْدَ تَمامِ السُّؤالِ والجَوابِ وسَوْقِهِمْ إلى النّارِ، والأخْبارُ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن حَدِيثِ «يُدَعى الكافِرُ والمُنافِقُ لِلْحِسابِ فَيَعْرِضُ رَبُّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ فَيَجْحَدُ ويَقُولُ أيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذا المَلَكُ ما لَمْ أعْمَلْ فَيَقُولُ لَهُ المَلَكُ أما عَمِلْتَ كَذا في يَوْمِ كَذا في مَكانِ كَذا فَيَقُولُ لا وعِزَّتِكَ أيْ رَبِّ ما عَمِلْتُهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ خَتَمَ عَلى فِيهِ فَإنِّي أحْسَبُ أوَّلَ ما تَنْطِقُ مِنهُ فَخِذُهُ اليُمْنى ثُمَّ تَلا ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ» وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّهُ يَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ فُلُ ألَمْ أُكْرِمْكَ إلى أنْ قالَ ﷺ فَيَقُولُ آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِرَسُولِكَ وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ ويُثْنِي بِخَيْرِ ما اسْتَطاعَ فَيَقُولُ: ألا نَبْعَثُ شاهِدَنا عَلَيْكَ فَيُفَكِّرُ في نَفْسِهِ مِنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامَهُ بِعَمَلِهِ» . وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَطْلُبُ شاهِدًا مِنهُ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي الدُّنْيا - واللَّفْظُ لَهُ - «عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ قالَ كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحَكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ قالَ: أتُدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلى فَيَقُولُ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي! فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ”» . والجَمْعُ بِالتِزامِ القَوْلِ بِالتَّعَدُّدِ فَتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ وأُخْرى عِنْدَ النّارِ، والقَوْلُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ فِيما ذَكَرَ. وما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي مُوسى مِن أنَّ الفَخِذَ اليُمْنى أوَّلُ ما تَنْطِقُ عَلى ما يَحْسَبُ، جَزَمَ بِهِ الحَسَنُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“إنَّ أوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ الشِّمالِ”». ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ التَّكَلُّمَ والشَّهادَةَ بِنُطْقٍ حَقِيقَةٌ وذَلِكَ بَعْدَ إعْطاءِ اللَّهِ تَعالى الأعْضاءَ حَياةً وعِلْمًا وقُدْرَةً فَيُرَدُّ بِذَلِكَ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ شَرْطٌ فِيما ذُكِرَ، وإسْنادُ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ ما بَعْدُ قِيلَ لِئَلّا يُحْتَمَلَ الجَبْرُ عَلى الشَّهادَةِ والكَلامِ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِاخْتِيارِ الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ إقْدارِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَفْضِيحِ المُحَدَّثِ عَنْهم. وهَلْ يَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ بِما فُعِلَ بِهِ أوْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وبِما فُعِلَ بِغَيْرِهِ؟ فِيهِ خِلافٌ والثّانِي أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ، والعِلْمُ بِالمَشْهُودِ بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا يَكُونُ حاصِلًا في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في الدُّنْيا بِأنْ تَكُونَ الأعْضاءُ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيها الإدْراكَ فَهي تُدْرِكُ الأفْعالَ كَما يُدْرِكُها الفاعِلُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى لَها ما كانَ وجَعَلَها مُسْتَحْضِرَةً لِما عَمِلَتْهُ أوَّلًا وأنْطَقَها نُطْقًا يَفْقَهُهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وهَذا نَحْوُ ما قالُوا مِن تَسْبِيحِ جَمِيعِ الأشْياءِ بِلِسانِ القالِ واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والعَقْلُ لا يُحِيلُ ذَلِكَ، ولَيْسَ هو بِأبْعَدَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها العِلْمَ والإرادَةَ والقُدْرَةَ حَتّى تَنْطِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن يُؤْمِن بِهَذا فَلْيُؤْمِن بِذَلِكَ، والتَّشَبُّثُ بِذَيْلِ الِاسْتِبْعادِ يَجُرُّ إلى إنْكارِ الحَشْرِ بِالكُلِّيَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ تَأْوِيلِهِ بِما أوَّلَهُ بِهِ الباطِنِيَّةُ الَّذِينَ قَتْلُ واحِدٍ مِنهُمْ- قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ- أفْضَلُ مِن قَتْلِ مِائَةٍ كافِرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِن مُؤَيِّداتِ القَوْلِ بِالتَّسْبِيحِ القالِيِّ لِلْجَماداتِ ونَحْوِها، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يُؤَيَّدُ القَوْلُ بِجَوازِ شَهادَةِ الشّاهِدِ إذا حَصَلَ عِنْدَهُ العِلْمُ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ بِأيِّ وجْهٍ حَصَلَ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ ولا حَضَرَهُ، وقَدْ أفادَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ صفحة 44 قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى بِإيجازِ البَيانِ في تَرْجَمَةِ القُرْآنِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ يُفِيدُ جَوازَ ذَلِكَ، وذِكَرَ فِيهِ أنَّ الشّاهِدَ يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ بِعِلْمِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما لِلْفُقَهاءِ في المَسْألَةِ مِنَ الكَلامِ، وكَأنَّ الشَّهادَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي بَعْدَ الِاسْتِشْهادِ بِأنْ يُقالَ لِلْأرْكانِ: ألَمْ يَفْعَلْ كَذا؟ فَتَقُولُ: بَلى فَعَلَ. ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ أنْ تُؤْمَرَ الأرْكانُ بِالشَّهادَةِ بِأنْ يُقالَ لَها: اشْهَدِي بِما فَعَلُوا فَتَشْهَدُ مُعَدِّدَةً أفْعالَهُمْ، وهَذا إمّا بِأنْ تَذْكُرَ جَمِيعَ أفْعالِهِمْ مِنَ المَعاصِي وغَيْرِها غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ المَعْصِيَةَ عَنْ غَيْرِها، وكَوْنُ ذَلِكَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الواقِعِ لِتَضَمُّنِها ضَرَرَهم بِذِكْرِ ما هو مَعْصِيَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا بِأنْ تَذْكُرَ المَعاصِيَ فَقَطْ، وهَذا يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ الأرْكانَ تُمَيِّزَ في الدُّنْيا ما كانَ مَعْصِيَةً مِنَ الأفْعالِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ ولَمْ أسْمَعْ أنَّ أحَدًا يَدَّعِيهِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَكْلِيمَ الأرْكانِ وشَهادَتَها دَلالَتُها عَلى أفْعالِها وظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها بِأنْ يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى هَيْئاتِها بِأُخْرى يَفْهَمُ مِنها أهْلُ الحَشْرِ ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى ما صَدَرَ مِنهم فَجُعِلَتِ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ بِمَنزِلَةِ المَقالِيَّةِ مَجازًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يُصارُ إلى المَجازِ مَعَ إمْكانِ الحَقِيقَةِ لا سِيَّما وما يَأْتِي في سُورَةِ السَّجْدَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا في النُّطْقِ القالِيِّ والإخْبارُ أظْهَرُ وأظْهَرُ، نَعَمْ يَهُونُ عَلى هَذا القَوْلِ أمْرُ الِاسْتِبْعادِ ولا يَكادُ يَتْرُكُ لِأجْلِهِ الظَّواهِرَ العُلَماءُ الأمْجادُ، وهَذا والآيَةُ كالظّاهِرَةِ في تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِالفُرُوعِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِها لا فائِدَةَ في شَهادَةِ الأعْضاءِ بِما كَسَبُوا، وإتْمامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِها وتَخْصِيصُ ما كَسَبُوا بِالكُفْرِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَقُولُ بِهِ بَلْ رُبَّما يَدَّعِي تَخْصِيصَهُ بِما سِوى الكُفْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ مِن أفْعالِ القَلْبِ دُونَ الأعْضاءِ الَّتِي تَشْهَدُ لَكِنِ الَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي العُمُومِ. وشَهادَتُها بِهِ إمّا بِشَهادَتِها بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ والأقْوالِ اللِّسانِيَّةِ أوْ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى لَها ذَلِكَ اليَوْمَ أوْ بِالعِلْمِ الحاصِلِ لَها بِخَلْقٍ لِلَّهِ تَعالى في الدُّنْيا فَتَعْلَمُهُ بِواسِطَةِ الأفْعالِ والأقْوالِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، وهي ظاهِرَةٌ في أنَّ الحَشْرَ يَكُونُ بِأجْزاءِ البَدَنِ الأصْلِيَّةِ لا بِبَدَنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ لِلْبَدَنِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا؛ إذْ أرْكانُ ذَلِكَ البَدَنِ لَمْ تَكُنِ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ مَعْمُولَةً بِها فَلا يَحْسُنُ الشَّهادَةُ بِها مِنها فَلْيُحْفَظْ. وقُرِئَ“يُخْتَمُ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ“وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ”بِتاءَيْنِ، وقُرِئَ“ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدْ أرْجُلُهُمْ”بِلامِ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ“ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ" بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى لِتَكْلِيمِ الأيْدِي إيّانا ولِشَهادَةِ الأرْجُلِ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ

يس 36:66

﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ بَيانُ أنَّهُمُ اليَوْمَ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ ومُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ إلّا أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِحِكْمَتِهِ - جَلَّ وعَلا - الباهِرَةِ، والطَّمْسُ إزالَةُ الأثَرِ بِالمَحْوِ، والمَعْنى لَوْ نَشاءُ الطَّمْسَ عَلى أعْيُنِهِمْ وإزالَةَ ضَوْئِها وصُورَتِها بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ تَعُودُ مَمْسُوحَةً لَطَمَسْنا عَلَيْها وأذْهَبْنا أثَرَها. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ إذْهابُ الضَّوْءِ مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ أيْ ولَوْ نَشاءُ لَأعْمَيْناهُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ الطَّمْسِ عَلى أعْيُنِهِمْ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ المُضِيِّ لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾ عَلى الفَرْضِ و”الصِّراطَ“ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ فَأرادُوا الِاسْتِباقَ إلى الطَّرِيقِ الواضِحِ المَأْلُوفِ لَهم. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ صفحة 45 وجِهَةَ السُّلُوكِ، والمَقْصُودُ إنْكارُ إبْصارِهِمْ، وحاصِلُهُ: لَوْ نَشاءُ لَأذْهَبْنا أحْداقَهم وأبْصارَهم فَلَوْ أرادُوا الِاسْتِباقَ وسُلُوكَ الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ولا يُبْصِرُونَهُ، وتَأْوِيلُ ”اسْتَبَقُوا“ بِـ ”أرادُوا الِاسْتِباقَ“ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وقِيلَ لا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ فَإنَّ الأعْمى يَجُوزُ شُرُوعَهُ في السِّباقِ، ونُصِبَ ﴿الصِّراطَ﴾ بِنَزْعِ الخافِضِ ولَمْ يُنْصَبْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ كالطَّرِيقِ مَكانٌ مُخْتَصٌّ، ومَثَلُهُ لا يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ لِتَضْمِينِ ”اسْتَبَقُوا“ مَعْنى ابْتَدَرُوا، ونُقِلَ عَنِ الأساسِ في قِسْمِ الحَقِيقَةِ ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ ابْتَدَرُوهُ، قالَ في الكَشْفِ: فَعَلَيْهِ لا تَضْمِينَ، وادَّعى بَعْضُهم تَوَهُّمَ دَعْوى أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، وصاحِبُ الأساسِ إنَّما ذَكَرَهُ في آخِرِ قَسَمِ المَجازِ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ أرادُوا الِاسْتِباقَ مُتْبَدِرِينَ الطَّرِيقَ لا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّ ”اسْتَبَقُوا“ بِمَعْنى سَبَقُوا ويَجْعَلُ الطَّرِيقَ مَسْبُوقًا عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ أوِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى جاوَزُوا، قالَ في القامُوسِ: اسْتَبَقَ الصِّراطَ جاوَزَهُ وظاهَرَهُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مَجازٌ والعَلاقَةُ اللُّزُومُ، والمَعْنى ولَوْ نَشاءُ لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ طالَبُوا أنْ يُخْلَفُوا الصِّراطَ الَّذِي اعْتادُوا المَشْيَ فِيهِ لَعَجَزُوا ولَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، يَعْنِي أنَّهم لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ دُونَ ما وراءَهُ مِن سائِرِ الطُّرُقِ والمَسالِكِ كَما تَرى العُمْيانَ يَهْتَدُونَ فِيما ألِفُوا وضَرَبُوا بِهِ مِنَ المَقاصِدِ دُونَ غَيْرِها. وذَهَبَ ابْنُ الطَّراوَةِ إلى أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ وما أشْبَهَهُما مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً فَيَجُوزُ انْتِصابُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهَذا خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وجَعَلَ انْتِصابَها عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِنَ الشُّذُوذِ وأنْشَدَ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ والمَعْنى في الآيَةِ لَوِ انْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لَوْ نَشاءُ لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ أرادُوا أنْ يَمْشُوا مُسْتَبِقِينَ في الطَّرِيقِ المَأْلُوفِ كَما كانَ ذَلِكَ هِجِّيراهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وحَمْلُ الأعْيُنِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنها - أعْنِي الأعْضاءَ المَعْرُوفَةَ - والصِّراطِ عَلى الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ حَمْلُ الأعْيُنِ عَلى البَصائِرِ والصِّراطَ عَلى الطَّرِيقِ المَعْقُولِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ أعْمَيْناهم وأضْلَلْناهم عَنِ الهُدى ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَهْتَدُونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ عِيسى ”فاسْتَبِقُوا“ عَلى الأمْرِ وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ: اسْتِبَقُوا، وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ

يس 36:67

﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ أيْ لَحَوَّلْنا صُوَرَهم إلى صُوَرٍ أُخْرى قَبِيحَةٍ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ لَمَسَخْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: لَمَسَخْناهم حِجارَةً ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ، ويُعْلَمُ مِن هَذا الخِلافِ أنَّ في مَسْخِ الحَيَوانِ المَخْصُوصِ لا يُشْتَرَطُ بَقاءُ الصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ، وسَمّى بَعْضُهم قَلْبَ الحَيَوانِ جَمادًا رَسْخًا وقَلْبَهُ نَباتًا فَسْخًا، وخُصَّ المَسْخُ بِقَلْبِهِ حَيَوانًا آخَرَ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ عَلى قِياسِ السّابِقِ أيْ ولَوْ نَشاءُ مَسْخَهم عَلى مَكانَتِهِمْ لَمَسَخْناهم ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أيْ مَكانِهِمْ كالمَقامَةِ والمَقامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ لَوْ نَشاءُ لَأهْلَكْناهم في مَساكِنِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ المَعْنى لَوْ نَشاءُ لَأقْعَدْناهم وأزْمَنّاهم وجَعَلْناهم كُسْحًا لا يَقُومُونَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو بَكْرٍ ”مَكاناتِهِمْ“ بِالجَمْعِ لِتَعَدُّدِهِمْ ﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾ لِذَلِكَ ﴿مُضِيًّا﴾ أيْ ذَهابًا إلى مَقاصِدِهِمْ ﴿ولا يَرْجِعُونَ﴾ صفحة 46 قِيلَ هو عَطْفٌ عَلى ﴿مُضِيًّا﴾ المَفْعُولِ بِهِ لِـ”اسْتَطاعُوا“ وهو مِن بابِ- تَسْمَعَ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا رُجُوعًا وإلّا فَمَفْعُولُ ”اسْتَطاعُوا“ لا يَكُونُ جُمْلَةً، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ قِيلَ لِلْفَواصِلِ مَعَ الإيماءِ إلى مُغايَرَةِ الرُّجُوعِ لِلْمُضِيِّ بِناءً عَلى ما قالَ الإمامُ مِن أنَّهُ أهْوَنُ مِنَ المُضِيِّ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مِن قَبْلُ والمُضِيُّ لا يُنْبِئُ عَنْهُ، وقِيلَ لِذَلِكَ مَعَ الإيماءِ إلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، ويَكُونُ هُناكَ تَرَقٍّ مِن جِهَتَيْنِ إذا لُوحِظَ ما أوْمَأ إلَيْهِ الإمامُ، وقِيلَ لَهُ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الرُّجُوعَ المَنفِيَّ ما كانَ عَنْ إرادَةٍ واخْتِيارٍ فَإنَّ اعْتِبارَهُما في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الفاعِلِ أقْرَبُ إلى التَّبادُرِ مِنِ اعْتِبارِهِما في المَصْدَرِ. واقْتَصَرَ بَعْضُهم في النُّكْتَةِ عَلى رِعايَةِ الفَواصِلِ، والإمامُ يَعُدُّ الِاقْتِصارَ عَلى رِعايَةِ الفَواصِلِ في بَيانِ نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ تَقْصِيرًا، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ما اسْتَطاعُوا، والمُرادُ ولا يَرْجِعُونَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لِما أنَّهُ قَدْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما ذُكِرَ إلّا أنَّ المَعْنى ولا يَرْجِعُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ المَسْخِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ. وعَلى القَوْلَيْنِ المُرادُ بِالمُضِيِّ الذَّهابُ عَنِ المَكانِ، ونَفْيُ اسْتِطاعَتِهِ مُغْنٍ عَنْ نَفْيِ اسْتِطاعَةِ الرُّجُوعِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ هَذا وكَذا ما قَبْلُهُ لَوْ كانَ لَكانَ في الدُّنْيا، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا يَكادُ يَصِحُّ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. وأصْلُ ﴿مُضِيًّا﴾ مُضُويٌ اجْتَمَعَتِ الواوُ ساكِنَةً مَعَ الياءِ فَقُلِبَتْ ياءً كَما هو القاعِدَةُ، وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وقُلِبَتْ ضَمَّةُ الضّادِ كَسْرَةً لِتَخِفَّ وتُناسِبَ الياءَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ ”مِضِيًّا“ بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ كالعُتِيِّ بِضَمِّ العَيْنِ والعِتِيِّ بِكَسْرِها. وقُرِئَ ”مَضِيًّا“ بِفَتْحِ المِيمِ فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ والصَّئِيِّ بِفَتْحِ الصّادِ المُهْمَلَةِ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ مَصْدَرُ صَأى الدِّيكُ أوِ الفَرْخُ إذا صاحَ

يس 36:68

﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾ أيْ نُطِلْ عُمْرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ نُقَلِّبُهُ فِيهِ فَلا يَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُهُ وانْتِقاصُ بَنَيْتِهِ وقُواهُ عَكْسَ ما كانَ عَلَيْهِ بَدْءُ أمْرِهِ، وفِيهِ تَشْبِيهُ التَّنْكِيسِ المَعْنَوِيُّ بِالتَّنْكِيسِ الحِسِّيِّ واسْتِعارَةِ الحِسِّيِّ لَهُ، وعَنْ سُفْيانَ أنَّ التَّنْكِيسَ في سَنِّ ثَمانِينَ سَنَةً، والحَقُّ أنَّ زَمانَ ابْتِداءِ الضَّعْفِ وانْتِقاصِ البِنْيَةِ مُخْتَلِفٌ لِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والعَوارِضِ كَما لا يَخْفى. والكَلامُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا﴾ إلَخْ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ لِأنَّهُ كالشّاهِدِ لِذَلِكَ. وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ”نُنْكِسْهُ“ مُخَفَّفًا مِنَ الإنْكاسِ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أيَرُونَ ذَلِكَ فَلا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الطَّمْسِ والمَسْخِ وأنَّ عَدَمَ إيقاعِهِما لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِما. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَيّاشٍ ”تَعْقِلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ لِجِرْيِ الخِطابِ قَبْلَهُ.

يس 36:69

﴿وما عَلَّمْناهُ﴾ بِتَعْلِيمِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذا البَيانِ والتَّلْخِيصِ في أمْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿الشِّعْرَ﴾ إذْ لا يَخْفى عَلى مَن بِهِ أدْنى مُسْكَةٍ أنَّ هَذا الكِتابَ الحَكِيمَ المُتَضَمِّنَ لِجَمِيعِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلى أُسْلُوبٍ أفْحَمَ كُلَّ مِنطِيقٍ - يُبايِنُ الشِّعْرَ، ولا مِثْلٌ الثُّرَيّا لِلثَّرى، أمّا لَفْظًا فَلِعَدَمِ وزْنِهِ وتَقْفِيَتِهِ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الشِّعْرَ تَخَيُّلاتٌ مُرَغِّبَةٌ أوْ مُنَفِّرَةٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وهو مَقَرُّ الأكاذِيبِ، ولِذا قِيلَ أعْذَبُهُ أكْذَبُهُ، والقُرْآنُ حِكَمٌ وعَقائِدُ وشَرائِعُ. والمُرادُ مِن نَفْيِ تَعْلِيمِهِ ﷺ بِتَعْلِيمِ الكِتابِ الشِّعْرَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ شِعْرًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ لِأنَّ صفحة 47 ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى هو القُرْآنُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المُعَلَّمُ شِعْرًا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ شِعْرًا البَتَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ بِشاعِرٍ إدْماجًا ولَيْسَ هُناكَ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ كَما قِيلَ، وهَذا رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ والنَّبِيَّ ﷺ شاعِرٌ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ أنَّ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القُرْآنِ افْتِراءٌ وتَخَيُّلٌ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ مِن ذَلِكَ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ ما أُدْمِجَ أيْ لا يَلِيقُ ولا يَصْلُحُ لَهُ ﷺ الشِّعْرُ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى تَغْيِيرِ المَعْنى لِمُراعاةِ اللَّفْظِ والوَزْنِ ولِأنَّ أحْسَنَهُ المُبالَغَةُ والمُجازَفَةُ والإغْراقُ في الوَصْفِ وأكْثَرُهُ تَحْسِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ وتَقْبِيحُ ما لَيْسَ بِقَبِيحٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الكَذِبَ أوْ يُحاكِيهِ الكَذِبُ وجَلَّ جَنابُ الشّارِعِ عَنْ ذَلِكَ كَذا قِيلَ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: أيْ لا يَسْتَقِيمُ عَقْلًا أنْ يَقُولَ ﷺ الشِّعْرَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَقُولُهُ لَتَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في أنَّ ما جاءَ بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن تِلْكَ القُوَّةِ الشِّعْرِيَّةِ ولِذا عَقَّبَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ لِأنَّهُ إذا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ لَمْ يَبْقِ إلّا المُعانَدَةُ فَيَحِقُّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإيجازَ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ وإلّا فَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ في النَّثْرِ لَيْسَ بِأضْعَفَ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ في كَوْنِهِ مَظِنَّةَ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ بَلْ رُبَّما يُتَخَيَّلُ أنَّهُ أعْظَمُ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ في ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ عِلَّةُ مَنعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الشِّعْرِ ما ذُكِرَ لَزِمَ أنْ يُمْنَعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ البَلِيغِ سَدًّا لِبابِ الرِّيبَةِ ودَحْضًا لِلشُّبْهَةِ وإعْظامًا لِلْحُجَّةِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِالإعْجازِ وأنَّ التُّهْمَةَ والرَّيْبَ مَعَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن عاقِلٍ ولِذا نُفِيَ الرَّيْبُ مَعَ أنَّهُ وقَعَ عِلْمٌ أنَّ العِلَّةَ في أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَنْبَغِي لَهُ الشِّعْرُ شَيْءٌ آخَرُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وجَعَلَ العِلَّةَ ما في قَوْلِ الشِّعْرِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتَ أوَّلًا، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ وهي ظاهِرَةٌ في أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يُعْطَ طَبِيعَةً شِعْرِيَّةً اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ورَفْعًا لِقَدْرِهِ وتَبْعِيدًا لَهُ ﷺ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ مَبْدَأٌ لِما يُخِلُّ بِمَنصِبِهِ في الجُمْلَةِ. وإنَّما لَمْ يُعْطَ ﷺ القُدْرَةَ عَلى الشِّعْرِ مَعَ حِفْظِهِ عَنْ إنْشائِهِ لِأنَّ ذَلِكَ سَلَبَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ في الإبْعادِ عَمّا يُخِلُّ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ ﷺ، ونَظِيرُ ما ذَكَرْنا العِصْمَةُ والحِفْظُ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ المَواهِبِ اللَّدُنْيَّةِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الشِّعْرِ إلّا أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُشْعِرَ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمِ القَوْلُ بِحُرْمَةِ إنْشاءِ الشَّعْرِ مَقْبُولٌ ومَعْناهُ - عَلى القَوْلِ السّابِقِ عَلى ما قِيلَ - حُرْمَةُ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وحُرْمَةُ الشَّيْءِ تُجامِعُ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وهَلْ عَدَمُ الشِّعْرِ خاصٌّ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ عامٌّ لِنَوْعِ الأنْبِياءِ؟ قالَ بَعْضُهُمْ: هو عامٌّ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ لا يَظْهَرُ لِلْخُصُوصِ نُكْتَةٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خاصًّا والنُّكْتَةُ زِيادَةُ التَّكْرِيمِ لِما أنَّ مَقامَهُ ﷺ فَوْقَ مَقامِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَكُونُ الثّابِتُ لَهُمُ الحِفْظَ عَنِ الإنْشاءِ مَعَ ثُبُوتِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ وإنْ صَحَّ خَبَرُ إنْشاءِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ قُتِلَ ولَدُهُ: تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ووَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ الصَّبِيحْ اِتَّضَحَ أمْرُ الخُصُوصُ وعُلِمَ أنْ لا حِفْظَ مِنَ الإنْشاءِ أيْضًا، ولَعَلَّ الحِفْظَ حِينَئِذٍ مِمّا فِيهِ ما يَشِينَ ويُخِلُّ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا، والنُّكْتَةُ في الخُصُوصِ ظاهِرَةٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ لِأنَّ أعْظَمَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ صفحة 48 والسَّلامُ القُرْآنُ، فَرُبَّما تَحْصُلُ التُّهْمَةُ فِيهِ لَوْ قالَ ﷺ الشِّعْرُ وكَذَلِكَ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ. ”وأيا“ ما كانَ لا يَرِدُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخُذٌ بِزِمامِها ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ النّاسِ إلّا قَلِيلٌ: - أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ-» لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ شِعْرٌ فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأنَّهُ الكَلامُ المُقَفّى المَوْزُونُ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ وهَذا مِمّا اتَّفَقَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِوَزْنِهِ، ومِثْلُهُ يَقَعُ كَثِيرًا في الكَلامِ المَنثُورِ ولا يُسَمّى شِعْرًا ولا قائِلُهُ شاعِرًا، ولا يُتَوَهَّمُ مِنِ انْتِسابِهِ ﷺ فِيهِ إلى جِدِّهِ دُونَ أبِيهِ دَلِيلُ القَصْدِ لِأنَّ النِّسْبَةَ إلى الجِدِّ شائِعَةٌ ولِأنَّهُ هو الَّذِي قامَ بِتَرْبِيَتِهِ حَيْثُ تُوُفِّيَ أبُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو حَمْلٌ، فَحِينَ وُلِدَ قامَ بِأمْرِهِ فَوْقَ ما يَقُومُ الوالِدُ بِأمْرِ الوَلَدِ؛ ولِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا بَيْنَهم بِالصِّدْقِ والشَّرَفِ والعِزَّةِ؛ فَلِذا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلُ أوْ كَمانِعٍ آخَرَ مِنَ الِانْهِزامِ ولِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ كانُوا يَدْعُونَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. ومِنهُ حَدِيثُ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: ”أيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟“ عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَعُدَّ الرَّجَزَ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ ما كانَ عَلى مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مَرّاتٍ شِعْرًا ولِذا يُسَمّى قائِلُهُ راجِزًا لا شاعِرًا، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ المَشْطُورَ مِنهُ وهو ما حُذِفَ نِصْفُهُ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والمَنهُوكَ وهو ما حُذِفَ ثُلْثاهُ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ مَرَّتَيْنِ لَيْسا بِشِعْرٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ المَجْزُوءَ وهو ما حُذِفَ مِن كُلِّ مِصْراعٍ مِنهُ جُزْءٌ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ أرْبَعَ مَرّاتٍ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﷺ أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ إنْ كانَ نِصْفَ بَيْتٍ فَهو مَجْزُوءٌ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، وإنْ فُرِضَ أنَّ هُناكَ قَصْدًا وإنْ كانَ بَيْتًا تامًّا فَهو لَيْسَ بِشِعْرٍ أيْضًا عَلى الرِّوايَةِ الأوْلى، وكَوْنُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ عَلى قَوْلِ مَن لا يَرى الرَّجَزَ مُطْلَقًا شِعْرًا ظاهِرٌ. وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَرَّكَ الباءَ مِن (كَذِبَ) و(المُطَّلِبِ) فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْزُونًا فَكَوْنُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ أظْهَرُ وأظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّ ضَمِيرَ (لَهُ) لِلْقُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ أيْ وما يَصِحُّ لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا فَيَجُوزَ صُدُورُ الشِّعْرِ عَنْهُ ﷺ، ولا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ يَكْفِي في نَفْيِ الشِّعْرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوْلى التَّوْجِيهاتِ إخْراجُ ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ بِانْتِفاءِ القَصْدِ وبِذَلِكَ يَخْرُجُ ما وقَعَ في القُرْآنِ مِن نَظائِرِهِ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ فِيما مَرَّ كَثِيرًا مِنها، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَنْبَغِي لَهُ التَّكَلُّمُ بِشِعْرٍ قالَهُ بَعْضُ الشُّعَراءِ والمُتَمَثَّلِ بِهِ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ التَّكَلُّمِ بِالبَيْتِ مُتَّزِنًا نادِرًا كَما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ وإنْشادُهُ إيّاهُ كَذَلِكَ مَذْكُورٌ في البَحْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ أصابَ أُصْبُعَهُ الشَّرِيفَةَ حَجَرٌ في بَعْضِ غَزَواتِهِ فَدَمِيَتْ فَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: عَلى ما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ أوِ ابْنُ رَواحَةَ عَلى ما صَحَّحَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: صفحة 49 ما أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتْ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيَتْ قِيلَ: هو لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ ﷺ أنا النَّبِيُّ إلَخْ، إلّا أنَّ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَشْطُورًا إذا كانَ كُلٌّ مِن شَطْرَيْهِ بَيْتًا وعَلى وُقُوعِ التَّكَلُّمِ بِالبَيْتِ غَيْرَ مُتَّزِنٍ مَعَ إحْرازِ المَعْنى كَثِيرًا كَما رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْشَدَ: سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ هَكَذا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”إنِّي واللَّهِ ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“،» وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اسْتَراثَ الخَبَرَ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ طَرَفَةَ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ.» وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ: كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما عَلَّمَكَ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَكَ،» وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي الزِّنادِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَكَ: أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيدِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ما أنْتَ بِشاعِرٍ ولا راوِيَةٍ ولا يَنْبَغِي لَكَ إنَّما قالَ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ،» ورُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن أشْعَرُ النّاسِ؟ فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ: ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبًا » وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ ما جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ شِعْرٍ قَطُّ إلّا بَيْتًا واحِدًا: تَفاءَلْ بِما تَهْوى يَكُنْ فَلَقَلَّما يُقالُ لِشَيْءٍ كانَ إلّا تَحَقَّقْ قالَتْ عائِشَةُ: ولَمْ يُقَلْ تَحَقَّقا لِئَلّا يُعْرِبَهُ فَيَصِيرَ شِعْرًا، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ هَذا لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ الشِّعْرَ فَفي مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ أبْغَضُ الحَدِيثِ إلَيْهِ ﷺ الشِّعْرَ،» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» وهَذا ظاهِرٌ في ذَمِّ الإكْثارِ مِنهُ، وما رُوِيُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كانَ الشِّعْرُ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ - مُنافٍ لِما سَمِعْتَ عَنِ المُسْنَدِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ شِعْرٍ وشِعْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الشِّعْرِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَتَذْكَّرْ. ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإرْشادٌ لِلثِّقْلَيْنِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، ﴿وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ ظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ الَّذِي ألْقَمَ مَن تَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ الحَجَرَ

يس 36:70

﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ ”لِتُنْذِرَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ”لِيُنْذَرَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ وقالَ: عَنْ أبِي السِّمالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَءا ”لِيَنْذَرَ“ بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعُ نَذِرَ بِالشَّيْءِ بِكَسْرِ الذّالِ إذا عَلِمَ بِهِ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ عاقِلًا كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الضَّحّاكِ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ صفحة 50 مُصَرِّحَةٌ بِتَشْبِيهِ العَقْلِ بِالحَياةِ، أوْ مُؤْمِنًا بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالكافِرِينَ، وفِيهِ أيْضًا اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ لِتَشْبِيهِ الإيمانِ بِالحَياةِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ الأبَدِيَّةِ، والمُضِيُّ في ”كانَ“ بِاعْتِبارِ ما في عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ كانَ بِمَعْنى يَكُونُ، وقِيلَ في الكَلامِ مَجازُ المُشارَفَةِ ونَزَلَتْ مَنزِلَةَ المُضِيِّ وهو كَما تَرى، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِهِ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ﴾ أيْ تَجِبُ كَلِمَةُ العَذابِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَوْسُومِينَ بِهَذا الوَسْمِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وفي إيرادِهِمْ بِمُقابَلَةِ مَن كانَ حَيًّا إشْعارٌ بِأنَّهم لِخُلُوِّهِمْ عَنْ آثارِ الحَياةِ وأحْكامِها كالمَعْرِفَةِ أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ قَرِينَتُها اسْتِعارَةٌ أُخْرى. وكَأنَّهُ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ إلَخْ رُجُوعًا إلى ما بُدِئَ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ . ولَوْ نَظَرَتْ إلى هَذا التَّخَلُّصِ مِن حَدِيثِ المَعادِ إلى حَدِيثِ القُرْآنِ والإنْذارِ لَقَضَيْتَ العَجَبَ مِن حُسْنِ مَوْقِعِهِ.

يس 36:71

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِلْمَعْطُوفِ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ ألَمْ يُلاحِظُوا أوْ ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا مُشابِهًا لِلْمُعايَنَةِ. زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى:”ألم يروا كم أهلكنا“ إلَخْ والأوَّلُ لِلْحَثِّ عَلى التَّوْحِيدِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ النِّقَمِ وهَذا بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ أيْ مِمّا تَوَلَّيْنا إحْداثَهُ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِغَيْرِنا فِيهِ لا خَلْقًا ولا كَسْبًا. والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ فِيما ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ كُنِّيَ عَنِ الإيجادِ بِعَمَلِ الأيْدِي فِيمَن لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ الشُّيُوعِ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدُ مَجازًا مُتَفَرِّعًا عَلى الكِنايَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالعَمَلِ الإحْداثُ وبِالأيْدِي القُدْرَةُ مَجازًا، وأُوثِرَتْ صِيغَةُ التَّعْظِيمِ، والأيْدِي مَجْمُوعَةٌ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الأثَرِ، وإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ وصُنْعٌ غَرِيبٌ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: الأيْدِي مَجازٌ عَنِ المَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِمُباشَرَةِ الأعْمالِ حَسْبَما يُرِيدُهُ - عَزَّ وجَلَّ - في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ كَمَلائِكَةِ التَّصْوِيرِ ومَلائِكَةِ نَفْخِ الأرْواحِ في الأبْدانِ بَعْدَ إكْمالِ تَصْوِيرِها ونَحْوِهِمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ونَحْوُهُ ما قِيلَ: الأيْدِي مَجازٌ عَنِ الأسْماءِ فَإنَّ كُلَّ أثَرٍ في العالَمِ بِواسِطَةِ اسْمٍ خاصٍّ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ السَّلَفِ وهم لا يَجْعَلُونَ اليَدَ مُضافَةً إلَيْهِ تَعالى بِمَعْنى القُدْرَةِ أُفْرِدَتْ- كَـ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ - أوْ ثُنِّيَتْ - كَـ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ - أوْ جُمِعَتْ كَما هُنا؛ بَلْ يُثْبِتُونَ اليَدَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَما أثْبَتَها لِنَفْسِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ النّاطِقِ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَلْقِ، ولا أرى الطّاعِنِينَ عَلَيْهِمْ إلّا جَهَلَةً ﴿أنْعامًا﴾ مَفْعُولُ ﴿خَلَقْنا﴾ وأُخِّرَ عَنِ الجارَّيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ؛ اعْتِناءً بِالمُقَدَّمِ، وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ، وجَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن أحْكامِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأنْعامِ الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ وخَصَّها بِالذِّكْرِ لِما فِيها مِن بَدائِعِ الفِطْرَةِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ . ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ أيْ مُتَمَلِّكُونَ لَها بِتَمْلِيكِنا إيّاها لَهُمْ، والفاءُ قِيلَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ خَلَقْنا لَهم أنْعامًا ومَلَّكْناها لَهم فَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مالِكُونَ لَها، وقِيلَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى خَلْقِها لَهم وفِيهِ خَفاءٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُلْكُ بِمَعْنى القُدْرَةِ والقَهْرِ مَن مَلَكْتُ العَجِينَ إذا أجَدْتَ عَجْنَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ مَنِيعٍ الفَزارِيَّ وقَدْ سُئِلَ عَنْ حالِهِ بَعْدَ إذْ كَبُرَ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكَ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا صفحة 51 والأوَّلُ أظْهَرُ لِيَكُونَ ما بَعْدُ تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا، وأيًّا ما كانَ فَـ ”لَها“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مالِكُونَ“ واللّامُ مُقَوِّيَةٌ لِلْعَمَلِ وقُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِ مالِكِيَّتِهِمْ لَها واسْتِمْرارِها.

يس 36:72

﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أيْ وصَيَّرْناها سَهْلَةً غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِها حَتّى الذَّبْحُ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَفْرِيعِ أحْكامِ التَّذْلِيلِ عَلَيْهِ وتَفْصِيلِها أيْ فَبَعْضٌ مِنها مَرْكُوبُهُمْ، فَرُكُوبٌ فُعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَحَصُورٍ وحَلُوبٍ وقَزُوعٍ وهو مِمّا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعائِشَةُ ”رَكُوبَتُهُمْ“ بِالتّاءِ وهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ كَحَلُوبَةٍ، وقِيلَ جَمْعُ رَكُوبٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فَعُولَةٌ بِفَتْحِ الفاءِ في الجُمُوعِ ولا في أسْمائِها. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وأبُو البَرَهْسَمِ ”رُكُوبُهُمْ“ بِضَمِّ الرّاءِ وبِغَيْرِ تاءٍ وهو مَصْدَرٌ كالقُعُودِ والدُّخُولِ، فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ بِالمَفْعُولِ أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ في الكَلامِ إمّا في جانِبِ المُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ أوْ في جانِبِ المُسْنَدِ أيْ فَمِن مَنافِعِها رُكُوبُهم ﴿ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ وبَعْضٌ مِنها يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، والتَّبْعِيضُ هُنا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ وفِيما قِيلَ بِاعْتِبارِ الجُزْئِيّاتِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وغُيِّرَ الأُسْلُوبُ لِأنَّ الأكْلَ عامٌّ في الأنْعامِ جَمِيعِها وكَثِيرٌ مُسْتَمِرٌّ بِخِلافِ الرُّكُوبِ، كَذا قِيلَ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْفاصِلَةِ.

يس 36:73

﴿ولَهم فِيها﴾ أيْ في الأنْعامِ بِكِلا قِسْمَيْها ﴿مَنافِعُ﴾ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كالجُلُودِ والأصْوافِ والأوْبارِ وغَيْرِها وكالحِراثَةِ بِالثِّيرانِ ﴿ومَشارِبُ﴾ جَمْعُ مَشْرَبٍ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ والمُرادُ بِهِ اللَّبَنُ، وخُصَّ مَعَ دُخُولِهِ في المَنافِعِ لِشَرَفِهِ واعْتِناءِ العَرَبِ بِهِ، وجُمِعَ بِاعْتِبارِ أصْنافِهِ ولا رَيْبَ في تَعَدُّدِها، وتَعْمِيمُ المَشارِبِ لِلزُّبْدِ والسَّمْنِ والجُبْنِ والأقِطِ لا يَصِحُّ إلّا بِالتَّغْلِيبِ أوِ التَّجَوُّزِ لِأنَّها غَيْرُ مَشْرُوبَةٍ ولا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ دُخُولِها في المَنافِعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المُشارِبُ جَمْعَ مَشْرَبٍ مَوْضِعِ الشُّرْبِ. قالَ الإمامُ: وهو الآنِيَةُ فَإنَّ مِنَ الجُلُودِ يُتَّخَذُ أوانِي الشُّرْبِ مِنَ القِرَبِ ونَحْوِها، وقالَ الخَفاجِيُّ: إذا كانَ مَوْضِعًا فالمَشارِبُ هي نَفْسُها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فِيها) فَإنَّها مَقَرُّهُ، ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِن قَوْلِ الإمامِ. ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ يُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها ويَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ

يس 36:74

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي رَأوْا مِنهُ تِلْكَ القُدْرَةَ الباهِرَةَ والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ وعَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَفَرِّدُ بِها ﴿آلِهَةً﴾ مِنَ الأصْنامِ وأشْرَكُوها بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في العِبادَةِ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يُنْصَرُوا أوْ لِأجْلِ أنْ يُنْصَرُوا مِن جِهَتِهِمْ فِيما نَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ أوْ يَشْفَعُوا لَهم في الآخِرَةِ،

يس 36:75

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، وانْعِكاسِ تَدْبِيرِهِمْ، أيْ لا تَقْدِرُ آلِهَتُهم عَلى نَصْرِهِمْ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ﴿نَصْرَهُمْ﴾ لِلْأصْنامِ“ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿وهُمْ﴾ أيْ أُولَئِكَ المُتَّخِذُونَ المُشْرِكُونَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمْ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أيْ مُعَدُّونَ لِحِفْظِهِمْ والذَّبِّ عَنْهم في الدُّنْيا. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ جُنْدٌ لِآلِهَتِهِمْ في الدُّنْيا مُحْضَرُونَ لِلنّارِ في الآخِرَةِ، وجاءَ بِذَلِكَ في رِوايَةٍ أخْرَجَهاابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ صفحة 52 أنَّ المَعْنى: والمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إثْرَهم في النّارِ، وجَعْلُهم جُنْدًا مِن بابِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ، وكَذَلِكَ لامُ ”لَهُمْ“ الدّالَّةَ عَلى النَّفْعِ، وقِيلَ ”هم“ لِلْآلِهَةِ وضَمِيرُ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ أيْ: وإنَّ الآلِهَةَ مُعَدُّونَ مُحْضَرُونَ لِعَذابِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهم يُجْعَلُونَ وقُودَ النّارِ، أوْ مُحْضَرُونَ عِنْدَ حِسابِ الكَفَرَةِ إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ وإقْناطًا لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ شَفاعَتِهِمْ وجَعْلِهِمْ جُنْدًا، والتَّعْبِيرُ بِاللّامِ في الوَجْهَيْنِ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، واخْتِلافُ مَراجِعِ الضَّمائِرِ في الآيَةِ لَيْسَ مِنَ التَّفْكِيكِ المَحْظُورِ، والواوُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُمْ﴾ إلَخْ عَلى جَمِيعِ ما مَرَّ إمّا عاطِفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ؛ إلّا أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ في بَعْضِ الأوْجُهِ كَما لا يَخْفى.

يس 36:76

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ هَذا حالُهم مَعَ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلَيْكَ: هو شاعِرٌ، أوْ إذا كانَ حالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ما سَمِعْتَ فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: إنَّ لَهُ شُرَكاءَ! تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، أوْ عَلَيْكَ هو شاعِرٌ أوْ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلَيْكَ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وشَأْنِكَ، والِاقْتِصارُ في بَيانِ قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ بِأنَّهُ وحاشاهُ شاعِرٌ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِما تَقَدَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وقَدْ يُعَمَّمُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الأقْوالِ، وتَفْسِيرُ الشَّرْطِ الَّذِي أفْصَحَتْ عَنْهُ الفاءُ بِما ذَكَرْنا أوَّلًا هو المُناسِبُ لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ وبِما ذَكَرْنا ثانِيًا هو المُناسِبُ لِما ذُكِرَ بَعْدُ في مَعْنى ذَلِكَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى الأوَّلِ إذا كانُوا في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ حَيْثُ اتَّخَذُوا رَجاءَ النَّصْرِ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، بَلْ هم يَذُبُّونَ عَنْ تِلْكَ الآلِهَةِ فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلَيْكَ ما قالُوا، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وأيًّا ما كانَ فالنَّهْيُ - وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْلِهِمْ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ - مُتَوَجِّهٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِنَ الحُزْنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ نافِعٌ ”فَلا يُحْزِنْكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ وجاءَ حَزَنَهُ وأحْزَنَهُ. ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدِ تَعْلِيلِهِ بِطَرِيقِ الإشْعارِ بِناءً عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي في الشَّرْطِ فَإنَّ العِلْمَ بِما ذُكِرَ مَجازٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ أوْ كِنايَةٌ عَنْها لِلُزُومِها إيّاهُ؛ إذْ عِلْمُ المَلِكِ القادِرِ الحَكِيمِ بِما جَرى مِن عَدُوِّهِ الَّذِي تَقْتَضِي الحِكْمَةُ الِانْتِقامَ مِنهُ مُقْتَضٍ لِمُجازاتِهِ والِانْتِقامِ مِنهُ، وهو عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ قِيلَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يا رَبِّ فَإذا كانَ حالُهم مَعَكَ ومَعَ نَبِيِّكَ ذَلِكَ فَماذا تَصْنَعُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿إنّا نَعْلَمُ﴾ إلَخْ أيْ نُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ جِناياتِهِمْ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الشَّرْطِ فَتَأمَّلْ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ نَعْلَمُ الَّذِي يُسِرُّونَهُ مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والعَداوَةِ لَكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، والَّذِي يُعْلِنُونَهُ مِن كَلِماتِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ ونَحْوِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: نَعْلَمُ إسْرارَهم وإعْلانَهُمْ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أوِ الفِعْلانِ مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، والمُتَبادِرُ الأوَّلُ، وهو الأوْلى. وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلَنِ لِبَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ إنَّ عِلْمَ السِّرِّ عِنْدَهُ تَعالى كَأنَّهُ أقْدَمُ مِن عِلْمِ العَلَنِ، وقِيلَ: لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ مُضْمَرٌ في القَلْبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ الباطِنِ فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ ولِأنَّهُ مَحَلُّ الِاشْتِباهِ المُحْتاجِ لِلْبَيانِ، وشاعَ أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿قَوْلُهُمْ﴾ مُتَعَيِّنٌ، وقِيلَ: لَيْسَ بِهِ؛ صفحة 53 لِأنَّهُ جُوِّزَ في ﴿إنّا نَعْلَمُ﴾ إلَخْ كَوْنُهُ مَقُولَ القَوْلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ إنّا نَعْلَمُ إلَخْ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَوْ قَرَأ قارِئٌ أنّا نَعْلَمُ بِالفَتْحِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَدَلًا مِن ﴿قَوْلُهُمْ﴾ لا تَنْتَقِضُ صِلاتُهُ، ولا يُكَفَّرُ لَوِ اعْتَقَدَ ما يُعْطِيهِ مِنَ المَعْنى كَما لَوْ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، والحَقُّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّوْجِيهِ لا بَأْسَ بِقَبُولِهِ في دَرْءِ الكُفْرِ، وأمّا أمْرُ الوَقْفِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِ أنَّهُ عَلى قَوْلِهِمْ كالمُتَعَيِّنِ.

يس 36:77

﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ ما شاهَدُوا في أنْفُسِهِمْ ما يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِهِ، كَما أنَّ ما سَبَقَ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْدَ ما عايَنُوا فِيما بِأيْدِيهِمْ ما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ وذَلِكَ بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الحَشْرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ هي مُسْتَتْبَعَةٌ لِلْمَعْطُوفِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلَخْ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرِ الإنْسانُ ولَمْ يَعْلَمْ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ، أوْ هي عَيْنُ تِلْكَ الجُمْلَةِ أُعِيدَتْ تَأْكِيدًا لِلنَّكِيرِ السّابِقِ وتَمْهِيدًا لِإنْكارِ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِالإنْكارِ؛ لِمّا أنَّ المُنْكَرَ عَيْنُ عِلْمِهِمْ بِما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ أنْفُسِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ عِلْمَ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أهَمُّ وإحاطَتَهُ بِها أسْهَلُ وأتَمُّ، فالإنْكارُ والتَّعْجِيبُ مِنَ الإخْلالِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأسْبابِ مَعايِشِهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا مَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ ونِهايَةِ الأهَمِّيَّةِ؟ ويُشِيرُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ إلى أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ السّابِقِ، والجامِعُ ابْتِناءُ كُلٍّ مِنهُما عَلى التَّعْكِيسِ فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ ما خَلَقَ لِيَشْكُرَ فَكَفَرَ وجَحَدَ المُنْعِمَ والنِّعَمَ! وخَلَقَهُ - سُبْحانَهُ - مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لِيَكُونَ مُنْقادًا مُتَذَلِّلًا فَطَغى وتَكَبَّرَ وخاصَمَ، وإيرادُ الإنْسانِ مَوْرِدَ الضَّمِيرِ لِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ مُتَعَلِّقٌ بِأحْوالِهِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ. وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ﴾ أيْ مُبالِغٌ في الخُصُومَةِ والجِدالِ الباطِلِ ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ مُتَجاهِرٌ في ذَلِكَ - عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَرَ أنّا خَلَقْناهُ مِن أخَسِّ الأشْياءِ وأمْهِنْها فَفاجَأ خُصُومَتَنا في أمْرٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ مَبْدَأُ فِطْرَتِهِ شَهادَةً بَيِّنَةً، وإيرادُ الجُمَلِ اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِ في الخُصُومَةِ واسْتِمْرارِهِ عَلَيْها. وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ تَعْقِيبَ الإنْكارِ بِالفاءِ وإذا الفُجائِيَّةِ عَلى ما يَقْتَضِي خِلافُهُ مُقَوٍّ لِلتَّعْجِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والخَصِيمُ إنَّما هو الكافِرُ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ مُطْلَقًا، نَعَمْ نَزَلَتِ الآيَةُ في كافِرٍ مَخْصُوصٍ، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ العاصِ بْنُ وائِلٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ حائِلٍ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أيُحْيِي اللَّهُ تَعالى هَذا بَعْدَ ما أرَمَّ؟ قالَ: نَعِمَ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى هَذا ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنَّمَ» فَنَزَلَتِ الآياتُ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّ الجائِيَ القائِلَ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وهو الَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مالِكٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ، كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهْمٌ؛ لِأنَّ السُّورَةَ والآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبِيٍّ لَمْ يُجاهِرْ قَطُّ هَذِهِ المُجاهَرَةَ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهُ أُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والَّذِي اخْتارَهُ وادَّعى أنَّهُ أصَحُّ الأقْوالِ أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ، وقِيلَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فَإذا هو بَعْدَ ما كانَ ماءً مَهِينًا رَجُلٌ مُمَيِّزٌ صفحة 54 مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في ضَمِيرِهِ فَصِيحٌ فَهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى ”خَلَقْناهُ“ والتَّعْقِيبُ والمُفاجَأةُ ناظِرانِ إلى خَلْقِهِ، ومبين مُتَعَدٍّ، والكَلامُ مِن مُتَمِّماتِ شَواهِدِ صِحَّةِ البَعْثِ،

يس 36:78

فَقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ مَعْطُوفٌ حِينَئِذٍ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، والمَعْنى فَفاجَأ خُصُومَتَنا وضَرَبَ لَنا مَثَلًا أيْ أوْرَدَ في شَأْنِنا قِصَّةً عَجِيبَةً في نَفْسِ الأمْرِ هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ وهي إنْكارُ إحْيائِنا العِظامَ، أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً في زَعْمِهِ واسْتَبْعَدَها وعَدَّها مِن قَبِيلِ المَثَلِ وأنْكَرَها أشَدَّ الإنْكارِ وهي إحْياؤُنا إيّاها، أوْ جَعَلَ لَنا مَثَلًا ونَظِيرًا مِنَ الخَلَقِ وقاسَ قُدْرَتَنا عَلى قُدْرَتِهِمْ ونَفى الكُلَّ عَلى العُمُومِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ خَلْقَنا إيّاهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الدّالِّ عَلى بُطْلانِ ما ضَرَبَهُ - إمّا عَطْفٌ عَلى ”ضَرَبَ“ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ، ونِسْيانُ خَلْقِهِ بِأنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ عَلى ما قِيلَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، أوْ تَرَكَ تَذَكُّرَهُ لِكُفْرِهِ وعِنادِهِ، أوْ هو كالنّاسِي لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُقْتَضى التَّذَكُّرِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ ضَرْبِهِ المَثَلَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ مَثَلٍ ضَرَبَ؟ أوْ: ماذا قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ مُنْكِرًا ذَلِكَ ناكِرًا مِن أحْوالِ العِظامِ ما تَبْعُدُ مَعَهُ مِنَ الحَياةِ غايَةَ البُعْدِ وهو كَوْنُها رَمِيمًا أيْ بالِيَةً أشَدَّ البِلى، والظّاهِرُ أنَّ (رَمِيمٌ) صِفَةٌ لا اسْمٌ جامِدٌ؛ فَإنْ كانَ مِن رَمَّ اللّازِمِ بِمَعْنى بَلِيَ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ، وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثْ لِأنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ غَيْرَ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ فَأُلْحِقَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ، أوْ حُمِلَ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: لَمْ يَقُلْ ”رَمِيمَةٌ“ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ مِن فاعِلَةٍ فَكُلُّ ما كانَ مَعْدُولًا عَنْ وجْهِهِ ووَزْنِهِ كانَ مَصْرُوفًا عَنْ أخَواتِهِ، ومِثْلُهُ ”بَغِيًّا“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أسْقَطَ الهاءَ مِنها لِأنَّها كانَتْ مَصْرُوفَةً عَنْ باغِيَةٍ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ عِظامًا لِكَوْنِهِ بِوَزْنِ المُفْرَدِ كَكِتابٍ وقِرابٍ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ فَقِيلَ ”رَمِيمٌ“ دُونَ ”رَمِيمَةٌ“ وذُكِّرَ لَهُ شَواهِدُ، وهو غَرِيبٌ. وإنْ كانَ مِن رَمَّ المُتَعَدِّي بِمَعْنى أبْلى يُقالُ: رَمَّهُ أيْ أبْلاهُ، وأصْلُ مَعْناهُ الأكْلُ كَما ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ مِن رَمَّتِ الإبِلُ الحَشِيشَ فَكانَ ما بَلِيَ أكَلَتْهُ الأرْضُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَذْكِيرُهُ عَلى هَذا ظاهِرٌ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وفي المُطْلِعِ: الرَّمِيمُ اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ كالرُّمَّةِ والرُّفاتِ لا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ ولِإجْلِ أنَّهُ اسْمٌ لا صِفَةٌ لا يُقالُ: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ وقَدْ وقَعَ خَبَرًا لِمُؤَنَّثٍ؟ ولا يَخْفى أنَّ لَهُ فِعْلًا وهو رَمَّ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وهو وزْنٌ مِن أوْزانِ الصِّفَةِ فَكَوْنُهُ جامِدًا غَيْرُ ظاهِرٍ.

يس 36:79

﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِ ما نَسِيَهُ مِن فِطْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وإرْشادِهِ إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِها ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها﴾ أيْ أوْجَدَها ورَبّاها ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ في أوَّلِ مَرَّةٍ إذْ لَمْ يَسْبِقُ لَها إيجادٌ، ولا شَكَّ أنَّ الإحْياءَ بَعْدُ أهْوَنُ مِنَ الإنْشاءِ قَبْلُ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ عَلى الإحْياءِ أقْدَرَ وأقْدَرَ، ولا احْتِمالَ لِعُرُوضِ العَجْزِ فَإنَّ قُدْرَتَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذاتِيَّةٌ أزَلِيَّةٌ لا تَقْبَلُ الزَّوالَ ولا التَّغَيُّرَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ كانَ الفارابِيُّ يَقُولُ ودِدْتُ لَوْ أنَّ أرِسْطُو وقَفَ عَلى القِياسِ الجَلِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ إلَخْ. وهو اللَّهُ تَعالى أنْشَأ العِظامَ وأحْياها أوَّلَ مَرَّةٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ شَيْئًا أوَّلًا قادِرٌ عَلى إنْشائِهِ وإحْيائِهِ ثانِيًا، فَيَلْزَمُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قادِرٌ عَلى إنْشائِها وإحْيائِها بِقُواها ثانِيًا، والآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ قِيلَ ومالِكٌ وأحْمَدُ مِن أنَّ العَظْمَ تَحُلُّهُ الحَياةُ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ المَوْتُ كَسائِرِ الأعْضاءِ وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ الحُكْمَ بِنَجاسَةِ عَظْمِ المَيْتَةِ، ومَسْألَةُ حُلُولِ الحَياةِ صفحة 55 فِي العَظْمِ وعَدَمِهِ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ والحُكَماءُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ مِنهُما بِعَدَمِ حُلُولِها فِيهِ بِأنَّ الحَياةَ تَسْتَلْزِمُ الحِسَّ، والعَظْمُ لا إحْساسَ لَهُ، فَإنَّهُ لا يَتَألَّمُ بِقَطْعَهِ كَما يُشاهَدُ في القَرْنِ، وما قَدْ يَحْصُلُ في قَطْعِ العَظْمِ مِنَ التَّألُّمِ إنَّما هو لِما يُجاوِرْهُ، وقالَ ابْنُ زُهْرٍ في كِتابِ التَّيْسِيرِ: اضْطَرَبَ كَلامُ جالِينُوسَ في العِظامِ هَلْ لَها إحْساسٌ أمْ لا؟ والَّذِي ظَهَرَ لِي أنَّ لَها حِسًّا بَطِيئًا، ولَيْتَ شِعْرِي ما يَمْنَعُها مِنَ التَّعَفُّنِ والتَّفَتُّتِ في الحَياةِ غَيْرُ حُلُولِ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ فِيها! انْتَهى. وبَعْضُ مَن ذَهَبَ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ العِظامَ لا حَياةَ فِيها بَنى عَلَيْهِ الحُكْمَ بِطَهارَتِها مِنَ المِيتَةِ؛ إذِ المَوْتُ زَوالُ الحَياةِ فَحَيْثُ لَمْ تَحُلَّها الحَياةُ لَمْ يَحُلَّها المَوْتُ فَلَمْ تَكُنْ نَجِسَةً. وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ المُرادُ بِالعِظامِ فِيها صاحِبُها بِتَقْدِيرٍ أوْ تَجَوُّزٍ، أوِ المُرادُ بِإحْيائِها رَدُّها لِما كانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً في بَدَنٍ حَيٍّ حَسّاسٍ، ورُجِّحَ هَذا عَلى إرادَةِ صاحِبِها بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لا بُدَّ مِن دُخُولِهِ، وعَلى تِلْكَ الإرادَةِ لا يَدْخُلُ، ويَدْخُلُ عَلى تَأْوِيلِ إحْيائِها بِإعادَتِها لِما كانَتْ عَلَيْهِ. ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيَّةِ ومِنَ الفُقَهاءِ القائِلِينَ بِعَدَمِ نَجاسَةِ عِظامِ المَيْتَةِ مَن رَأى قُوَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العِظامَ تَحُلُّها الحَياةُ فَعَلَّلَ الطِّهارَةَ بِغَيْرِ ما سَمِعْتَ، فَقالَ: إنَّ نَجاسَةَ المَيْتَةِ لَيْسَتْ لِعَيْنِها بَلْ لِما فِيها مِنَ الرُّطُوبَةِ والدَّمِ السّائِلِ والعَظْمُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلِذا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا، ومَنَعَ الشّافِعِيَّةُ كَوْنَ النَّجاسَةِ لِلرُّطُوبَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في الفُرُوعِ. ﴿وهُوَ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ أيْ مَخْلُوقٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ - جَلَّ وعَلا - بِجَمِيعِ الأجْزاءِ المُتَفَتِّتَةِ المُتَبَدِّدَةِ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الأشْخاصِ أُصُولِها وفُرُوعِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ مِنَ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ، فَيُعِيدُ كُلًّا مِن ذَلِكَ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ مَعَ القُوى الَّتِي كانَتْ قَبْلُ، والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، والعُدُولُ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ لَيْسَ كَإنْشائِهِ لِلْمُنْشَآتِ.

يس 36:80

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ صِلَتِهِ عَلى صِلَتِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولِتَفاوُتِهِما في كَيْفِيَّةِ الدَّلالَةِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِـ ”جَعَلَ“ قُدَّما عَلى ”نارًا“ مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والأخضر صِفَةُ ”الشَّجَرِ“ وقُرِئَ ”الخَضْراءِ“، وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزُ واحِدُهُ بِالتّاءِ مِثْلَ الشَّجَرِ إذْ يُقالُ في واحِدِهِ شَجَرَةٌ، وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَهُ إلّا ألْفاظًا اسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّذْكِيرَ لِرِعايَةِ اللَّفْظِ والتَّأْنِيثَ لِرِعايَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الأشْجارِ، والجَمْعُ تُؤَنَّثُ صِفَتُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّجَرَةِ وكَما يُؤَنَّثُ صِفَتُهُ يُؤَنَّثُ ضَمِيرَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الشَّجَرِ المَرْخُ والعَفارُ يُتَّخَذُ مِنَ المَرْخِ وهو ذَكَرُ الزَّنْدِ الأعْلى ومِنَ العَفارِ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو أُنْثى الزَّنْدَةِ السُّفْلى ويُسْحَقُ الأوَّلُ عَلى الثّانِي وهُما خَضْراوانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ فَتَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُ المَرْخِ بِمَنزِلَةِ الذَّكَرِ والعَفارِ بِمَنزِلَةِ الأُنْثى هو ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ واللَّفْظُ كالشّاهِدِ لَهُ، وعَكَسَ الجَوْهَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِي في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ إلّا العُنّابِ، قِيلَ: ولِذا يُتَّخَذُ مِنهُ مِدَقُّ القَصّارِينَ، وأنْشَدَ الخَفاجِيُّ لِنَفْسِهِ: أيا شَجَرَ العُنّابِ نارُكَ أوْقَدَتْ بِقَلْبِي وما العُنّابُ مِن شَجَرِ النّارِ واشْتَهَرَ العُمُومُ وعَدَمُ الِاسْتِثْناءِ فَفي المَثَلِ: ”فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ“ أيِ اسْتَكْثَرا مِنَ صفحة 56 النّارِ مِن مَجَدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى واسِعٍ كَثِيرٍ، ومِنهُ رَجُلٌ ماجِدٌ أيْ مِفْضالٌ، واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ عَلى الجِنْسِ وما يُذْكَرُ مِنَ المَرْخِ والعَفارِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وخُصّا لِكَوْنِهِما أسْرَعَ ورْيًا وأكْثَرَ نارًا كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ المَثَلُ، ومِن إرْسالِ المَثَلِ: المَرْخُ والعَفارُ لا يَلِدانِ غَيْرَ النّارِ. ﴿فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ والتَّحْقِيقِ لَهُ أيْ فَإذا أنْتُمْ مِن ذَلِكَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ تُوقِدُونَ النّارَ لا تَشُكُّونَ في أنَّها نارٌ حَقِيقَةٌ تَخْرُجُ مِنهُ ولَيْسَتْ كَنارِ الحُباحِبِ، وأشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي﴾ إلَخْ إلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْداثِ النّارِ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّ الماءَ بارِدٌ رَطْبٌ والنّارَ حارَةٌ يابِسَةٌ كانَ - جَلَّ وعَلا - أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا فَيَبِسَ وبَلِيَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النّارَ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى عِنْدَ سَحْقِ إحْدى الشَّجَرَتَيْنِ عَلى الأُخْرى لا أنَّ هُناكَ نارًا كامِنَةً تَخْرُجُ بِالسَّحْقِ ومن الشجر لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِذَلِكَ، وفي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ مِن مُسامِحاتِ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، وإيّاكَ واعْتِقادَ الكُمُونِ.

يس 36:81

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجَوابِ الَّذِي أمَرَ ﷺ أنْ يُخاطِبَهم بِهِ ويُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألَيْسَ الَّذِي أنْشاها أوَّلَ مَرَّةٍ ولَيْسَ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِما وعِظَمِ شَأْنِهِما ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما عَلى أنَّ المُرادَ بِمَثَلِهِمْ هم وأمْثالُهم أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ هم أنْفُسُهم بِطَرِيقِ الكِنايَةِ كَما في مِثْلُكَ يَفْعَلُ كَذا، وقالَ بَعْضُهُمْ: مِثْلُهم في أُصُولِ الذّاتِ وصِفاتِها وهو المَعادُ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وزَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَوْدَ ضَمِيرِ ﴿مِثْلَهُمْ﴾ لِلسَّماواتِ والأرْضِ لِشُمُولِهِما لِمَن فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ؛ فَلِذا كانَ ضَمِيرُ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا والمَقْصُودُ بِالكَلامِ دَفْعُ تَوَهُّمِ قِدَمِ العالَمِ المُقْتَضِي لِعَدَمِ إمْكانِ إعادَتِهِ، وهو تُكَلِّفٌ ومُخالِفٌ لِلظّاهِرِ، والمُشْرِكُونَ لا يَقُولُونَ بِقِدَمِ العالَمِ فِيما يَظْهَرُ. وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّ قِدَمَ العالَمِ لَوْ فُرِضَ مَعَ قِدَمِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وعَدَمِ تَناهِي أفْرادِهِ في جانِبِ المَبْدَأِ لا يَأْبى الحَشْرَ الجُسْمانِيَّ؛ إذْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَلَّفِينَ وهم مُتَناهُونَ. وزَعْمُ أنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ غَيْرُ تامٍّ كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ فَلا تَغْفُلْ! وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ ”يَقْدِرُ“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ القافِ فِعْلًا مُضارِعًا. ﴿بَلى﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن تَقْرِيرِ ما بَعْدَ النَّفْيِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الخَلْقِ وإيذانٌ بِتَعْيِينِهِ لِلْجَوابِ نَطَقُوا بِهِ أوْ تَلَعْثَمُوا فِيهِ مَخافَةَ الِالتِزامِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وهُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفِيدُهُ الإيجابُ أيْ بَلى هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وهو - جَلَّ وعَلا - المُبالِغُ في الخَلْقِ والعِلْمِ كَيْفًا وكَمًّا. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ”الخالِقُ“ بِزِنَةِ الفاعِلِ

يس 36:82

﴿إنَّما أمْرُهُ﴾ أيْ شَأْنُهُ تَعالى شَأْنُهُ في الإيجادِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يُرادَ الأمْرُ القَوْلِيُّ فَيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ﴾ ويُرادُ بِهِ القَوْلُ النّافِذُ. ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ أيْ إيجادَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أُوجَدْ ﴿فَيَكُونُ﴾ أيْ فَهو يَكُونُ ويُوجَدُ، والظّاهِرُ أنَّ هُناكَ قَوْلًا لَفْظِيًّا هو لَفْظُ ”كُنْ“ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ السَّلَفِ، وشُؤُونُ اللَّهِ تَعالى وراءَ ما تَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ فَدَعْ عَنْكَ الكَلامَ والخِصامَ، وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ لَفْظِيٌّ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صفحة 57 هُناكَ قَوْلٌ نَفْسِيٌّ وقَوْلُهُ لِلشَّيْءِ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وفِيهِ ما يَأْباهُ السَّلَفُ غايَةَ الإباءِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ لا قَوْلَ أصْلًا وإنَّما المُرادُ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى في مُرادِهِ بِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ لِلْمَأْمُورِ المُطِيعِ في سُرْعَةِ حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ”فَيَكُونَ“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿يَقُولَ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَنصُوبًا في جَوابِ الأمْرِ، وأباهُ بَعْضُهم لِعَدَمِ كَوْنِهِ أمْرًا حَقِيقَةً، وفِيهِ بَحْثٌ.

يس 36:83

﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا وصَفُوهُ بِهِ تَعالى وتَعْجِيبٌ عَمّا قالُوا في شَأْنِهِ عِزَّ شَأْنُهُ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ أيْ إذا عُلِمَ ذَلِكَ فَسُبْحانَ، أوْ سَبَبِيَّةٌ، لِأنَّ ما قَبْلُ سَبَبٌ لِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ، والمَلَكُوتُ مُبالَغَةٌ في المُلْكِ كالرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ فَهو المُلْكُ التّامُّ، وفي تَعْلِيقِ ”سُبْحانَ“ بِما في حَيِّزِهِ إيماءٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى مالِكًا لِلْمُلْكِ كُلِّهِ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَضٍ لِلتَّسْبِيحِ، وفُسِّرَ المَلَكُوتُ أيْضًا بِعالَمِ الأمْرِ والغَيْبِ، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِاخْتِصاصِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بِخِلافِ عالَمِ الشَّهادَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ ”مَلَكَةُ“ عَلى وزْنِ شَجَرَةٍ أيْ بِيَدِهِ ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ، وقُرِئَ ”مَمْلَكَةُ“ عَلى وزْنِ مَفْعَلَةٍ، وقُرِئَ ”مُلْكُ“. ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى وهَذا وعْدٌ لِلْمُقِرِّينَ ووَعِيدٌ لِلْمُنْكِرِينَ فالخِطابُ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ هو وعِيدٌ فَقَطْ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ لا غَيْرَ تَوْبِيخًا لَهم ولِذا عَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وهو وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا غَضَبًا عَظِيمًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”تَرْجِعُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. هَذا ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِمْ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ وفِيها دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى المَعادِ الجُسْمانِيِّ وإيماءٌ إلى دَفْعِ بَعْضِ الشُّبَهِ عَنْهُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن مُهِمّاتِ مَسائِلِ الدِّينِ وحَيْثُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ مِن أمْرِهِ ما لَهُ كانَتْ عِنْدَ أجِلَّةِ العُلَماءِ الصُّدُورِ قَلْبَ القُرْآنِ لا بَأْسَ بِأنْ يُذْكَرَ في إتْمامِ الكَلامِ فِيها ما لِلْعُلَماءِ في تَحْقِيقِ أمْرِ ذَلِكَ، فَأقُولُ طالِبًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - التَّوْفِيقَ إلى القَوْلِ المَقْبُولِ: اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الإنْسانَ ما هُوَ؟ فَقِيلَ: هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ مَعَ أجْزاءٍ سارِيَةٍ فِيهِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ، وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ نُورانِيٌّ مُخالِفٌ بِالحَقِيقَةِ والماهِيَّةِ لِلْأجْسامِ الَّتِي مِنها ائْتَلَفَ هَذا الهَيْكَلُ، وإنْ كانَ لِسَرَيانِهِ فِيهِ بِشِبْهِهِ صُورَةٌ، ولا نَعْلَمُ حَقِيقَةَ هَذا الجِسْمِ وهو الرُّوحُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ عِنْدَ مُعْظَمِ السَّلَفِ الصّالِحِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ البَدَنِ عَلاقَةٌ يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ وهو بُخارٌ لَطِيفٌ، إذا فَسَدَ وخَرَجَ عَنِ الصَّلاحِيَّةِ لِأنْ يَكُونُ عَلاقَةً تَخْرُجُ الرُّوحُ عَنِ البَدَنِ خُرُوجًا اضْطِرارِيًّا وتَزُولُ الحَياةُ، وما دامَ باقِيًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ لِأنْ يَكُونُ عَلاقَةً تَبْقى الرُّوحُ والحَياةُ، وهَذا الجِسْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ عَلى ما قالَ الإمامُ القُرْطُبِيُّ في التَّذْكِرَةِ مِمّا لَهُ أوَّلٌ ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ؛، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَفْنى وإنْ فارَقَ البَدَنَ المَحْسُوسَ، وذَكَرَ فِيها أنَّ مَن قالَ إنَّهُ يَفْنى فَهو مُلْحِدٌ، وقِيلَ هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ مَعَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي هي جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هو الإنْسانُ حَقِيقَةً عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وإلى إثْباتٍ هَذا الجَوْهَرِ ذَهَبَ الحَلِيمِيُّ والغَزالِيُّ والرّاغِبُ وأبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ ومَعْمَرٌ مِن قُدَماءِ المُعْتَزِلَةِ وجُمْهُورُ مُتَأخَّرِي الإمامِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وهو الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ ولَيْسَتْ داخِلَةً البَدَنَ ولا خارِجَةً عَنْهُ فَنِسْبَتُها إلَيْهِ نِسْبَةُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى العالَمِ وهي بَعْدَ حُدُوثِها الزَّمانِيِّ عِنْدَهم لا تَفْنى أيْضًا. ورَدَّ هَذا المَذْهَبَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وكَما اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أنَّ البَدَنَ هَلْ يَتَفَرَّقُ بَعْدَ المَوْتِ فَقَطْ أمْ يَتَفَرَّقُ وتُعْدَمُ ذاتُهُ؟ بِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ، ولَعَلَّ مَن قالَ بِالثّانِي اسْتَثْنى عَجْبَ الذَّنَبَ لِصِحَّةِ خَبَرِ صفحة 58 اسْتِثْنائِهِ مِنَ البِلى، وكُلُّ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ اتَّفَقُوا عَلى القَوْلِ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ فَقَطْ بِمَعْنى أنَّهُ لا يُحْشَرُ إلّا جِسْمٌ؛ إذْ لَيْسَ وراءَ الجِسْمِ عِنْدَهم جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ يُسَمّى بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والحَشْرِ الرُّوحانِيِّ مَعًا بِمَعْنى أنَّهُ يُحْشَرُ الجِسْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أمْرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ وكُلٌّ مِن أصْحابِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنهم مَن يَقُولُ بِأنَّ البَدَنَ إذا تَفَرَّقَ تُجْمَعُ أجْزاؤُهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحَشْرِ، وتَقُومُ فِيها الرُّوحُ أوْ تَتَعَلَّقُ كَما في الدُّنْيا، بَلِ القِيامُ أوِ التَّعَلُّقُ هُناكَ أتَمُّ إذْ لا انْقِطاعَ لَهُ أصْلًا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ، فالحَشْرُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ وعُودِ قِيامِ الرُّوحِ أوْ تُعَلِّقِها إلَيْها، والمُرادُ بِالأجْزاءِ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ وهي أجْزاءُ البَدَنِ حالَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ في الدُّنْيا لا الذَّرَّةُ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْها العَهْدُ يَوْمَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ كَما قِيلَ: واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى حِفْظِها مِنَ التَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ وكَذا عَلى حِفْظِها مِن أنْ تَكُونَ أجْزاءَ بَدَنٍ آخَرَ وإنْ تَفَرَّقَتْ في أقْطارِ الأرْضِ واخْتَلَطَتْ بِالعَناصِرِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ يَقْبِضُها المَلَكُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها الأكْلُ، ولا تَخْتَلِطُ بِالتُّرابِ، ولا يَحْصُلُ مِنها نَماءُ نَباتٍ أوْ حَيَوانٍ، وهو مُجَرَّدُ احْتِمالٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المَحْشُورَ أجْزاءٌ رَمِيمَةٌ مَخْلُوطَةٌ بِالتُّرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ هي الأجْزاءُ التُّرابِيَّةُ الَّتِي يَنْثُرُها المَلَكُ في الرَّحِمِ عَلى المَنِيِّ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وهو لا يَنْثُرُ تُرابًا واحِدًا مَرَّتَيْنِ ويَحْشُرُ البَدَنُ بَعْدَ الجَمْعِ عَلى أكْمَلِ حالاتِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”يُحْشَرُ النّاسُ حُفاةً عُراةً غُرْلًا“، ثُمَّ يُزادُ في أجْسادِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَكُونُ أحَدُهم كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طُولًا وعَرْضًا، وكَذا يُزادُ في أجْسادِ أهْلِ النّارِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَتّى أنَّ سِنَّ أحَدِهِمْ لَتَكُونُ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وجاءَ كُلٌّ مِنَ الزِّيادَتَيْنِ في الحَدِيثِ، فالمَقْطُوعُ أوِ المَجْذُوعُ مَثَلًا لا يُحْشَرُ إلّا كامِلًا كَما كانَ قَبْلَ القَطْعِ أوِ الجَذْعِ، ومَن خُلِقَ في الدُّنْيا بِأرْبَعِ أيْدٍ مَثَلًا يُحْشَرُ عَلى ما هو المُعْتادُ المَعْرُوفُ في بَنِي نَوْعِهِ، وكَذا مَن خُلِقَ بِلا يَدٍ أوْ رِجْلٍ مَثَلًا، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَعْذِيبُ جَسَدٍ لَمْ يَعْصِ وتَرْكُ تَعْذِيبِ جَسَدٍ عَصى ناشِئٌ عَنْ غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ؛ إذِ المُعَذَّبُ إنَّما هو الرُّوحُ وهو الَّذِي عَصى، ولا يُعْقَلُ العِصْيانُ والتَّعْذِيبُ لِنَفْسِ الجَسَدِ، وحَرْقُهُ بِالنّارِ لَيْسَ تَعْذِيبًا لَهُ نَفْسِهِ، وإلّا لَكانَ حَرْقُ الخَشَبِ تَعْذِيبًا لَهُ؛ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى تَعْذِيبِ الرُّوحِ، وهَذا كَما لَوْ جُعِلَ شَخْصٌ في صُنْدُوقٍ حَدِيدٍ - مَثَلًا - ووُضِعَ في النّارِ، أوْ لُفَّ في ثَوْبٍ وضُرِبَ بِالسِّياطِ حَتّى تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، فالرُّوحُ بِمَنزِلَةِ هَذا الشَّخْصِ والجَسَدُ بِمَنزِلَةِ الصُّنْدُوقِ أوِ الثَّوْبِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَياةً لائِقَةً بِهِ لا يَلْزَمُ التَّعْذِيبُ أيْضًا إذْ لَيْسَ كُلُّ حَيٍّ تُؤْلِمُهُ النّارُ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالسَّمَندِ وبِالنَّعامَةِ وكَذا بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ وحَيّاتِها وعَقارِبِها والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ البَدَنَ يُعْدَمُ لا أنَّهُ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ فَقَطْ ثُمَّ يُعادُ لِلْحَشْرِ بِعَيْنِهِ، ومِنهم مَن يَقُولُ يُعْدَمُ ثُمَّ يُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُهُ فَتَقُومُ فِيهِ الرُّوحُ أوْ تَتَعَلَّقُ بِهِ. واسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ العِظامَ لا تُعْدَمُ ذَواتُها في الخارِجِ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الرَّمِيمِ أكْثَرُ مِن تَفَرُّقِ الأجْزاءِ، وكَأنَّ المُنْكِرِينَ اسْتَبْعَدُوا جَمْعَها فَأُشِيرُ إلى دَفْعِ اسْتِبْعادِهِمْ بِأنَّ الإنْشاءَ أبْعَدُ، وقَدْ وقَعَ ثُمَّ دُفِعَ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ اخْتِلاطَ الأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها وُعَوْدِها إلى عَناصِرِها يُوجِبُ عَدَمَ تَمَيُّزِها فَلا يَتَيَسَّرُ جَمْعُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ أُشِيرَ إلى دَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الإنْشاءَ كانَ تَدْرِيجِيًّا نُقِلَتْ فِيهِ الأجْزاءُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ حَتّى حَصَلَ اسْتِعْدادُها لِلْحَياةِ ومُناسَبَتُها لِلرُّوحِ، ولا كَذَلِكَ ما يَكُونُ صفحة 59 يَوْمَ القِيامَةِ فَلا مُناسَبَةَ بَيْنَ الأجْزاءِ الَّتِي تُجْمَعُ وبَيْنَ الرُّوحِ والحَياةِ، فَلا يَلْزَمُ مِن صِحَّةِ الإنْشاءِ صِحَّةُ الحَشْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ وحَيْثُ كانَ هَذا مَعْرُوفًا بَيْنَهم يُشاهِدُهُ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ مِنهم أشارَ سُبْحانَهُ إلى الدَّفْعِ بِهِ؛ وإلّا فَإنْشاؤُهُ تَعالى لِما يَكُونُ بِالتَّوَلُّدِ مِنَ الحَيَوانِ كالفَأْرِ والذُّبابِ دافِعٌ لِذَلِكَ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ما يَكُونُ قُبَيْلَ السّاعَةِ مِنَ الزَّلازِلِ وإنْزالِ مَطَرٍ كَمَنِيِّ الرِّجالِ ونَحْوِ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ اسْتِعْدادٍ لِلرُّوحِ في تِلْكَ الأجْزاءِ، وهو مِمّا لا يُحْتاجُ إلى التِزامِهِ، وكَذا اسْتُدِلَّ لِذَلِكَ القَوْلِ بِما أُرْشِدَ إلَيْهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وفي الأخْبارِ ما يَقْتَضِيهِ أيْضًا، واسْتُدِلَّ لِدَعْوى أنَّ البَدَنَ يُعْدَمُ ذاتًا في القَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ورُدَّ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ هَلاكًا، بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الحالِ في حَدِّ نَفْسِهِ إلّا ذاتَ الواجِبِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ وُجُودَ المُمْكِنِ مُسْتَفادٌ مِنَ الغَيْرِ فَلا وُجُودَ فِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الغَيْرِ بِخِلافِ وُجُودِ الواجِبِ تَعالى فَإنَّهُ مِن ذاتِهِ سُبْحانَهُ بَلْ عَيْنُ ذاتِهِ، ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لَوْ سَلِمَ دُخُولُ البَدَنِ في عُمُومِ ”مَن“، واسْتُدِلَّ لِدَعْوى أنَّهُ يُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُهُ في القَوْلِ الثّالِثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ مِثْلُهم في الصِّغَرِ والقَماةِ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، ولا يُرادُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلَ أبْدانِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا ويُعِيدُ أرْواحَهم إلَيْها إذْ لا يَكادُ يَفْهَمُ هَذا مِنَ الآيَةِ، ولا داعِيَ لِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ الحَشْرَ بِخَلْقٍ مِثْلِ البَدَنِ السّابِقِ، وإنْ قِيلَ بِأنَّ ذَلِكَ البَدَنَ تُعْدَمُ ذاتُهُ في الخارِجِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَوَهَّمَ وُجُوبَ التِزامِهِ إنْ قِيلَ بِذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ. واسْتُدِلَّ عَلى الِاسْتِحالَةِ بِأنَّهُ لَوْ أُعِيدَ لَزِمَ تَخَلُّلُ العَدَمِ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ وهو مُحالٌ. ورُدَّ بِناءً عَلى أنَّ الوَقْتَ لَيْسَ مِنَ المُشَخَّصاتِ المُعْتَبَرَةِ في الوُجُودِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التَّخَلُّلَ هاهُنا مُحالٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا زَمانًا ثُمَّ زالَ عَنْهُ الوُجُودُ في زَمانٍ آخَرَ، ثُمَّ اتَّصَفَ بِالوُجُودِ في الزَّمانِ الثّالِثِ، وهو في الحَقِيقَةِ تَخَلُّلُ العَدَمِ وقَطْعُ الِاتِّصالِ بَيْنَ زَمانَيِ الوُجُودِ، ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ لِوُجُودِ الطَّرَفَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ بِالذّاتِ إنَّما المُحالُ تَخَلُّلُ العَدَمِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ بِمَعْنى قَطْعِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ بِأنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا ولَمْ يَكُنْ نَفْسُهُ مَوْجُودًا ثُمَّ يُوجِدُ نَفْسَهُ، وهاهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ الشَّيْءَ وُجِدَ مَعَ نَفْسِهِ في الزَّمانِ الأوَّلِ، ثُمَّ اتَّصَفَ مَعَ نَفْسِهِ بِالعَدَمِ في الزَّمانِ الآخَرِ، ثُمَّ اتَّصَفَ بِالوُجُودِ مَعَ نَفْسِهِ في الزَّمانِ الثّالِثِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَطْعُ الِاتِّصالِ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ في زَمانٍ مِنَ الأزْمِنَةِ وهَلْ هَذا إلّا كَلُبْسِ شَخْصٍ ثَوْبًا مُعَيَّنًا ثُمَّ خَلَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ. واسْتُدِلَّ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ جازَ إعادَةُ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ لَجازَ إعادَتُهُ مَعَ مِثْلِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، واللّازِمُ باطِلٌ لَأنَّ المُتَماثِلَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مُعادًا دُونَ الآخَرِ وذَلِكَ باطِلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّحَكُّمِ والتَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحِ. وإمّا أنْ يَكُونا مُعادَيْنِ وهو أيْضًا باطِلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِاتِّحادِ الِاثْنَيْنِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما مُعادًا وهو أيْضًا باطِلٌ مُسْتَلْزَمٌ خِلافَ المَفْرُوضِ إذْ قَدْ فُرِضَ كَوْنُ أحَدِهِما مُعادًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ فِقْدانِ الذّاتِ وبُطْلانِ الهُوِيَّةِ فِيما بَيْنَ الوُجُودَيْنِ السّابِقِ واللّاحِقِ فَإنَّهُ مَدارُ لُزُومِ التَّحَكُّمِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: الشَّيْءُ إذا عُدِمَ في الخارِجِ بَقِيَ في نَفْسِ الأمْرِ بِحَسَبِ وجُودِهِ الذِّهْنِيِّ فَيَحْفَظُ وحْدَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ بِحَسَبِ ذَلِكَ الوُجُودِ كَما لَوْ كانَ مُتَمَيِّزًا ثابِتًا في العَدَمِ ثُبُوتًا مُنْفَكًّا عَنِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ كَما صفحة 60 ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ ومُوافِقُوهُمْ، وزَعَمَ أنَّ وحْدَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ في الذِّهْنِ إذْ لا وحْدَةَ بِدُونِ الوُجُودِ ولا وُجُودَ بِدُونِ التَّشَخُّصِ سَواءٌ كانَ وُجُودًا خارِجِيًّا أوْ ذِهْنِيًّا، والهُوِيَّةُ الذِّهْنِيَّةُ إنَّما تَكُونُ مَوْجُودَةً في الذِّهْنِ بِمُشَخَّصاتِها الذِّهْنِيَّةِ وهي بِتِلْكَ المُشَخَّصاتِ لَيْسَتْ هُوِيَّةً خارِجِيَّةً وإلّا لَزِمَ اتِّصافُ الهُوِيَّةِ الخارِجِيَّةِ بِالعَوارِضِ المُخْتَصَّةِ بِالوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وهو ضَرُورِيُّ البُطْلانِ بَلْ بِشَرْطِ تَجْرِيدِها عَنْها، وقَوْلُهم بِاتِّحادِها مَعَها بِمَعْنى أنَّها بَعْدَ التَّجْرِيدِ عَيْنُها فَلَيْسَتْ إيّاها مُطْلَقًا بِالفِعْلِ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى تَجْرِيدِ الهُوِيَّةِ عَنْ مُشَخَّصاتِها جَعْلَها خالِيَةً عَنْها في الواقِعِ بَلْ مَعْناهُ قَطْعُ النَّظَرِ عَنْها وعَدَمُ اعْتِبارِها، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اعْتِبارِها اعْتِبارُ عَدَمِها فَضْلًا عَنْ عَدَمِها في الواقِعِ، وقَطْعُ النَّظَرِ لا يَمْنَعُ مِنَ الِاتِّحادِ في الواقِعِ، والقَوْلُ بِأنَّ قَوْلَنا: هَذا مُعادٌ وهَذا مَبْدَأُ قَضِيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ خارِجِيَّةٍ يَتَوَقَّفُ صِدْقُها عَلى وُجُودِ المَوْضُوعِ في الخارِجِ لا ذِهْنِيَّةٍ يَكْفِي في صِدْقِها وُجُودُ المَوْضُوعِ في الذِّهْنِ فَقَطْ، فَلا بُدَّ مِنَ انْحِفاظِ الوَحْدَةِ في الخارِجِ ولا يَكْفِي انْحِفاظُها في الذِّهْنِ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّ صِدْقَ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ كافٍ في انْدِفاعِ التَّحَكُّمِ. فَتَدَبَّرْ! وقِيلَ: كَما أنَّ المَعْدُومَ مَوْجُودٌ في الذِّهْنِ كَذَلِكَ المُبْتَدَأُ المَفْرُوضُ مَوْجُودٌ فِيهِ أيْضًا فَلَيْسَتْ نِسْبَةُ المَوْجُودِ الثّانِي إلى المَعْدُومِ السّابِقِ أوْلى مِن نِسْبَتِهِ إلى المُبْتَدَأِ المَفْرُوضِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا، أمّا عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ فَلِأنَّ صُورَةَ المَعْدُومِ السّابِقِ مُرْتَسِمَةٌ في القُوى المُنْطَبِعَةِ لِلْأفْلاكِ عِنْدَهم بِناءً عَلى أنَّ صُوَرَ جَمِيعِ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ مُنْطَبِعَةٌ فِيها بِزَعْمِهِمْ فَلَهُ صُورَةٌ خَيالِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ مَحْفُوظَةُ الوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ بَعْدَ عَدَمِهِ بِخِلافِ المُسْتَأْنَفِ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الصُّورَةُ قَبْلَ وُجُودِهِ بِصُورَتِهِ الجُزْئِيَّةِ، فَإذا وُجِدَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ كانَ مُعادًا وإذا وُجِدَ بِالصُّورَةِ الكُلِّيَّةِ كانَ مُسْتَأْنَفًا، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ فَلِأنَّ لِلْمَعْدُومِ أيْضًا صُورَةٌ جُزْئِيَّةٌ حاصِلَةٌ بِتَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ مِنَ المُوجِدِ تَعالى شَأْنُهُ ولَيْسَ تِلْكَ الصُّورَةُ لِلْمُسْتَأْنَفِ وُجُودُهُ فَإنَّها - وإنْ كانَتْ جُزْئِيَّةً - حَقِيقِيَّةٌ أيْضًا، إلّا أنَّها لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ، ولا شَكَّ أنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى تَعَلُّقِ صِفَةِ البَصَرِ أكْمَلُ مِن غَيْرِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ تَمايُزٌ واضِحٌ، وإذا انْحَفَظَ وحْدَةُ المَوْجُودِ الخارِجِيِّ بِالصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ الخَيالِيَّةِ لَنا فانْحِفاظُها بِالصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ الحاصِلَةِ لَهُ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ البَصَرِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، والقَوْلِ بِأنَّ نِسْبَةَ الصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ وما هو بِمَنزِلَتِها إلى كُلٍّ مِنَ المُعادِ والمُسْتَأْنَفِ سَواءٌ أيْضًا فَتَكُونُ الوَحْدَةُ المَحْفُوظَةُ نَوْعِيَّةً لا شَخْصِيَّةً يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا تَكُونَ الصُّورَةُ الخَيالِيَّةُ جُزْئِيَّةً بَلْ كُلِّيَّةً، وهو خِلافُ ما صَرَّحُوا. واسْتُدِلَّ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ جازَ إعادَةُ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ لَما حَصَلَ القَطْعُ بِحُدُوثِ شَيْءٍ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ ما نَعْتَقِدُهُ حادِثًا وُجُودٌ سابِقٌ يُعْدَمُ تارَةً ويُعادُ أُخْرى، واللّازِمُ باطِلٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّجْوِيزَ العَقْلِيَّ لا يُنْكَرُ، إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُودِ السّابِقِ، وبِهِ يَحْصُلُ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ عِلْمِنا بِأنَّ جَبَلَ أُحُدٍ لا يَنْقَلِبُ ذَهَبًا مَعَ تَجْوِيزِ العَقْلِ انْقِلابَهُ، وبِالجُمْلَةِ أدِلَّةُ اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ غَيْرُ سَلِيمَةٍ مِنَ القَوادِحِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ المُطَوَّلاتِ مِن كُتُبِ الكَلامِ، وقَدْ أُشِيرَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ إلى دَفْعِ شُبْهَةِ عَدَمِ انْحِفاظِ الوَحْدَةِ الشَّخْصِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، والَّذِي يَتَرَجَّحُ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ أنَّ الحَشْرَ بِجَمْعِ الأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ الباقِيَةِ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى آخِرِهِ، وهي إمّا أجْزاءٌ عُنْصُرِيَّةٌ أكْثَرُها تَرْجِعُ إلى التُّرابِ وتَخْتَلِطُ بِهِ كَما تَخْتَلِطُ سائِرُ الأجْزاءِ بِعَناصِرِهِ، أوْ أجْزاءٌ تُرابِيَّةٌ فَقَطْ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ إذْ حَدِيثُ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وتَرَكُّبِ البَدَنِ مِنها - لا سِيَّما حَدِيثَ عُنْصُرِ النّارِ - لَمْ يَصِحَّ صفحة 61 فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشّارِعِ ﷺ ولَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ السَّلَفِ بَلْ هو شَيْءٌ ولِعَ فِيهِ الفَلاسِفَةُ، عَلى أنَّ أصْحابَ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ نَسْمَعُهم يُنْكِرُونَ كُرَةَ النّارِ الَّتِي قالَ بِها المُتَقَدِّمُونَ، فالأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ بَعْدَ أنْ تَتَفَرَّقَ وتَصِيرُ تُرابًا يَجْمَعُها اللَّهُ تَعالى حَيْثُ كانَتْ وهو سُبْحانَهُ بِها عَلِيمٌ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، وهَذا إنْ ضُمَّ إلَيْهِ القَوْلُ بِإعادَةِ الصُّورَةِ الَّتِي هي جُزْءٌ جَوْهَرِيٌّ مِنَ الجِسْمِ عِنْدَ القائِلِينَ بِتَرَكُّبِهِ مِنها ومِنَ الهَيُولى أوِ العَوارِضِ المُخْتَصَّةِ بِالأنْواعِ الَّتِي هي جُزْءٌ مِن أفْرادِ النَّوْعِ كالصُّورَةِ النَّوْعِيَّةِ الجَوْهَرِيَّةِ كَما هو مَذْهَبُ النّافِينَ لِتَرَكُّبِ الجِسْمِ مِنَ الهَيُولى والصُّورَةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ - يَتَوَقَّفُ القَوْلُ بِهِ عَلى جَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ، وإذا لَمْ يُضَمَّ إلَيْهِ ذَلِكَ بَلِ اكْتُفِيَ بِالقَوْلِ بِجَمْعِ الأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ العُنْصُرِيَّةِ وتَشْكِيلِها بِشَكْلٍ مِثْلِ الشَّكْلِ الأوَّلِ وتَحْلِيَتِها بِعَوارِضَ مُشابِهَةٍ لِلْعَوارِضِ السّابِقَةِ - لَمْ يَتَوَقَّفِ القَوْلُ بِهِ عَلى ذَلِكَ أصْلًا، والمُغايَرَةُ في الشَّكْلِ وعَدَمُ اتِّحادِ العَوارِضِ بِالذّاتِ مِمّا لا يَضُرُّ في كَوْنِ المَحْشُورِ هو المُبْدَأُ شَرْعًا وعُرْفًا، ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ التَّناسُخُ المُصْطَلَحُ كَما لا يَخْفى. وفي أبْكارِ الأفْكارِ لِلْآمِدِيِّ بَعْدَ التَّفْصِيلِ المُشَبَّعُ بِذِكْرِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ المَعادِ الجُسْمانِيِّ: ”والأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ في ذَلِكَ لا يَحْوِيها كِتابٌ، ولا يَحْصُرُها خِطابٌ، وكُلُّها ظاهِرَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى حَشْرِ الأجْسادِ ونَشْرِها، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلا يَجُوزُ تَرْكُها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، لَكِنْ هَلِ الإعادَةُ لِلْأجْسامِ بِإيجادِها بَعْدَ عَدَمِها؟ أوْ بِتَأْلِيفِ أجْزائِها بَعْدَ تَفَرُّقِها؟ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، والحَقُّ إمْكانُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، والسَّمْعُ مُوجِبٌ لِأحَدِهِما مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الإعادَةُ لِلْأجْسامِ بِتَأْلِيفِ أجْزائِها بَعْدَ تَفَرُّقِها، فَهَلْ تَجِبُ إعادَةُ عَيْنِ ما تَقَضّى ومَضى مِنَ التَّأْلِيفاتِ في الدُّنْيا؟ أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجُوزُ أنْ يُؤَلِّفَها بِتَأْلِيفٍ آخَرَ؟ فَذَهَبَ أبُو هاشِمٍ إلى المَنعِ مِن إعادَتِها بِتَأْلِيفٍ آخَرَ مَصِيرًا مِنهُ إلى أنَّ جَواهِرَ الأشْخاصِ مُتَماثِلَةٌ؛ وإنَّما يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ بِتَعْيِينِهِ وتَأْلِيفِهِ الخاصِّ، فَإذا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ التَّأْلِيفُ الخاصُّ بِهِ فَذَلِكَ الشَّخْصُ لا يَكُونُ هو العائِدُ بَلْ غَيْرُهُ، وهو مُخالِفٌ حِينَئِذٍ لِما ورَدَ بِهِ السَّمْعُ مِن حَشْرِ أجْسادِ النّاسِ عَلى صُوَرِهِمْ، ومَذْهَبُ مَن عَداهُ مِن أهْلِ الحَقِّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ جائِزٌ عَقْلًا ولا دَلِيلَ عَلى التَّعْيِينِ مِن سَمْعٍ وغَيْرِهِ، وما قِيلَ مِن أنَّ تَعَيُّنَ كُلِّ شَخْصٍ إنَّما هو بِخُصُوصِ تَأْلِيفِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ جازَ أنْ يَكُونَ بِلَوْنِهِ أوْ بَعْضٍ آخَرَ مَعَ التَّأْلِيفِ. ومَذْهَبُ أبِي هاشِمٍ أنَّهُ لا تَجِبُ إعادَةٌ غَيْرُ التَّأْلِيفِ مِنَ الأعْراضِ، فَما هو جَوابُهُ عَنْ غَيْرِ التَّأْلِيفِ فَهو جَوابُ لَنا في التَّأْلِيفِ، وما ورَدَ مِن حَشْرِ النّاسِ عَلى صُوَرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى إعادَةِ عَيْنِ ما تَقَضّى مِنَ التَّأْلِيفِ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ الإعادَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّأْلِيفِ لا عَيْنِهِ“ اهـ. وزَعَمَ الإمامُ إجْماعَ المُسْلِمِينَ عَلى المَعادِ بِجَمْعِ الَأْجْزائِيَّةِ بَعْدَ افْتِراقِها ولَيْسَ بِذاكَ لِما سَمِعْتَ مِنَ الخِلافِ في كَيْفِيَّتِهِ، وهو مَذْكُورٌ في المَواقِفِ وغَيْرِهِ. ومَسْألَةُ إعادَةِ الأعْراضِ أكْثَرُ خِلافًا مِن مَسْألَةِ إعادَةِ الجَواهِرِ؛ فَذَهَبَ مُعْظَمُ أهْلِ الحَقِّ إلى جَوازِ إعادَتِها مُطْلَقًا حَتّى أنَّ مِنهم مَن جَوَّزَ إعادَتَها في غَيْرِ مَحالِّها. والمُعْتَزِلَةُ اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ إعادَةِ ما كانَ مِنها عَلى أُصُولِهِمْ باقِيًا غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ، واخْتَلَفُوا في جَوازِ إعادَةِ ما لا بَقاءَ لَهُ كالحَرارَةِ والأصْواتِ والإراداتِ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ مِنهم إلى المَنعِ مِن إعادَتِها وجَوَّزَها الأقَلُّونَ كالبَلْخِيِّ وغَيْرِهِ. وذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ مُطْلَقًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبُو الحَسَنِ البِصْرِيُّ وبَعْضُ الكَرّامِيَّةِ. ومِنَ النّاسِ مِن خَصَّ المَنعَ فِيما عُدِمَ ذاتًا ووُجُودًا، وجَوَّزَ فِيما عُدِمَ وُجُودًا. وإلى القَوْلِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ ذَهَبَ اليَهُودُ والنَّصارى عَلى ما نَصَّ صفحة 62 عَلَيْهِ الدَّوّانِيُّ؛ لَكِنْ ذَكَرَ الإمامُ في المُحَصَّلِ أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ سِوى نَبِيِّنا ﷺ لَمْ يَقُولُوا إلّا بِالمَعادِ الرُّوحانِيِّ. وقالَ المُحَقِّقُ الطُّوسِيُّ في تَلْخِيصِهِ: أمّا الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى نَبِيِّنا ﷺ فالظّاهِرُ مِن كَلامِ أُمَمِهِمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَذْكُرِ المَعادَ البَدَنِيَّ، ولا أُنْزِلُ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، لَكِنْ جاءَ ذَلِكَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَهُ كَحِزْقِيلَ وشَعْيا عَلَيْهِما السَّلامُ ولِذا أقَرَّ اليَهُودُ بِهِ، وأمّا الإنْجِيلُ فالأظْهَرُ أنَّ المَذْكُورَ فِيهِ المَعادُ الرُّوحانِيُّ وهو مُخالِفٌ لِما سَمِعْتَ عَنِ الإمامِ، ويُخالِفُهُما ما قالَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِالمَضْنُونِ بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ مِن أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَمْكُثُونَ في النَّعِيمِ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يَصِيرُونَ مَلائِكَةً وأنَّ أهْلَ النّارِ يَمْكُثُونَ بِها كَذا وأزْيَدَ ثُمَّ يَصِيرُونَ شَياطِينَ، فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ المَعادَ الجُسْمانِيَّ ونَزَلَ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، والحَقُّ أنَّ الأناجِيلَ مَمْلُوءَةٌ مِمّا يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّ الإنْسانَ يُحْشَرُ نَفْسًا وجِسْمًا وأمّا التَّوْراةُ فَلَيْسَ ما ذُكِرَ فِيها عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ عَلى ما نَقَلَ لِي بَعْضُ المُطَّلِعِينَ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ عَلى ذَلِكَ وأنْكَرَهُ الفَلاسِفَةُ الإلَهِيُّونَ وقالُوا بِالمَعادِ الرُّوحانِيِّ فَقَطْ، وهَذا الإنْكارُ مَبْنِيٌّ إمّا عَلى زَعْمِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ فِيهِ ما فِيهِ أوْ عَلى اسْتِحالَةِ عَدَمِ تَناهِي الأبْعادِ، فَإنَّ مِنهم مَن قالَ: الإنْسانُ قَدِيمٌ بِالنَّوْعِ، والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ كالأبْدانِ فَلَوْ قِيلَ بِالحَشْرِ الجُسْمانِيِّ يَلْزَمُ اجْتِماعُ الأبْدانِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ في الوُجُودِ إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِن بَدَنٍ مُسْتَقِلٍّ فَيَلْزَمُ بُعْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ لِتَجْتَمِعَ فِيهِ تِلْكَ الأبْدانُ غَيْرُ المُتَناهِيَةِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الإنْسانَ أفْرادُهُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والعَناصِرَ مُتَناهِيَةٌ، فَأجْزاؤُها لا تَفِي بِتِلْكَ الأبْدانِ، فَكَيْفَ تُحْشَرُ؟ وتُعُقِّبَ بِأنَّ القِدَمَ النَّوْعِيَّ لِلْإنْسانِ وعَدَمَ التَّناهِي لِأفْرادِهِ مِمّا لا يَتِمُّ لَهم عَلَيْهِ بُرْهانٌ. وقالَ ابْنُ الكَمالِ: بِناءُ اسْتِحالَةِ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ عَدَمِ تَناهِي الأبْعادِ وهْمٌ سَبَقَ إلَيْهِ وهْمُ بَعْضُ أجِلَّةِ النّاظِرِينَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما تُوَهِّمَ، فَإنَّ حَشْرَ الأجْسادِ اللّازِمَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ المَعادِ الجُسْمانِيِّ هو حَشْرُ المُكَلَّفِينَ مِنَ المُطِيعِ المُسْتَحِقِّ لِلثَّوابِ، والعاصِي المُسْتَحِقِّ لِلْعِقابِ، لا حَشْرُ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ مُكَلَّفًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، لِأنَّ الأخْبارُ فِيهِ لَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، ولَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ الإجْماعُ وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُ الطُّوسِيُّ في التَّجْرِيدِ حَيْثُ قالَ: والسَّمْعُ دَلَّ عَلَيْهِ ويُتَأوَّلُ في المُكَلَّفِ بِالتَّفْرِيقِ، وقالَ الشّارِحُ: يَعْنِي لا إشْكالَ في غَيْرِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْعَدِمَ بِالكُلِّيَّةِ ولا يُعادُ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَلَّفِينَ فَإنَّهُ يُتَأوَّلُ العَدَمُ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ. وفِي تَلْخِيصِ المُحَصَّلِ أيْضًا حَيْثُ قالَ: وقالَ القائِلُونَ بِإمْكانِ إعادَةِ المَعْدُومِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ المُكَلَّفِينَ ثُمَّ يُعِيدُهُمْ، ونَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أيْضًا الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ حَيْثُ قَرَّرَ الخِلافَ في إعادَةِ المُكَلَّفِ، ولا خَفاءَ في أنَّ عَدَمَ تَناهِي جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَناهِي المُكَلَّفِينَ مِنهم لِيَحْتاجَ أمْرُ حَشْرِهم إلى الأبْعادِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ اهـ. والحَقُّ الطَّعْنُ في قَوْلِهِمْ بِالقِدَمِ النَّوْعِيِّ وعَدَمِ تَناهِي أفْرادِ الإنْسانِ، وبُرْهانُ التَّطْبِيقِ مُتَكَفِّلٌ عِنْدَنا بِإبْطالِ غَيْرِ المُتَناهِي اجْتَمَعَتْ أجْزاؤُهُ في الوُجُودِ أمْ لَمْ تَجْتَمِعْ، تَرَتَّبَتْ أمْ لَمْ تَتَرَتَّبْ، وأمّا قَصْرُ الحَشْرِ عَلى المُكَلَّفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَجانِينِ والصِّغارِ والَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ونَحْوِهم فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ولَعَلَّها مِن قَبِيلِ المُتَواتِرِ المَعْنَوِيِّ عَلى أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لا داعِيَ إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والقَوْلِ بِخِلافِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى. وذَهَبَ القُدَماءُ مِنَ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ إلى عَدَمِ ثُبُوتِ شَيْءٍ مِنَ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والحَشْرِ الرُّوحانِيِّ، ويُحْكى ذَلِكَ عَنِ التَّناسُخِيَّةِ ما عَدا اليَهُودَ والتَّناسُخُ عِنْدَهم غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ بَلْ يَقَعُ لِلنَّفْسِ الواحِدَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى ما قِيلَ. صفحة 63 وحُكِيَ عَنْ جالِينُوسَ التَّوَقُّفُ في أمْرِ الحَشْرِ فَإنَّهُ قالَ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أنَّ النَّفْسَ هَلْ هي المِزاجُ الَّذِي يَنْعَدِمُ عِنْدَ المَوْتِ فَيَسْتَحِيلُ إعادَتُها أوْ هي جَوْهَرٌ باقٍ بَعْدِ فَسادِ البِنْيَةِ فَيُمْكِنُ المَعادُ، والمُشْرِكُونَ في شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ لِذا تَرى كَلامَهم مُضْطَرِبًا فِيهِ، والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى وُقُوعِهِ إلّا أنَّهم مُخْتَلِفُونَ كَما سَمِعْتَ في كَيْفِيَّتِهِ وكَذا هم مُخْتَلِفُونَ في وُجُوبِهِ سَمِعًا أوْ عَقْلًا، فَأهْلُ السُّنَّةِ عَلى وُجُوبِهِ سَمْعًا مُطْلَقًا، والمُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّهُ لِلْمُكَلَّفِينَ واجِبٌ عَقْلًا لِوُجُوبِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ عِنْدَهم وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلى الحَشْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ عَلى تَقْرِيرِ مِطالِبَ عِلْيَةٍ وتَضَمَّنَتْ أدِلَّةً جَلِيلَةً جَلِيَّةً؛ ألّا تَرى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ عَلى كَوْنِهِ ﷺ أكْمَلَ الرُّسُلِ وأنَّ طَرِيقَهُ أوْضَحُ السُّبُلِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ المَقْصُودَ ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِ تَعالى”لتنذر“ إلَخْ ثُمَّ بَيَّنَهُ إجْمالًا أنَّهُ اتِّباعُ الذِّكْرِ وخَشْيَةُ الرَّحْمَنِ بِالغَيْبِ، وتَمَّمَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ مُدْمَجًا فِيهِ التَّحْرِيضُ عَلى التَّمَسُّكِ بِحَبَلِ الكِتابِ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وتَفْضِيلِهِما عَلى الكُتُبِ والرُّسُلِ، والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِأنَّهُ عِبادَةُ مَن إلَيْهِ الرُّجْعى وحْدَهُ، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ المُقَدِّماتِ بِذِكْرِ الآياتِ وأوْثَرَ مِنها الواضِحاتِ الدّالَّةَ عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، وضَمَّنَ فِيهِ أنَّ العِبادَةَ شُكْرُ المُنْعِمِ وتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالصَّرْفِ في رِضاهُ، والحَذَرُ مِنَ الرُّكُونِ إلى مَن سِواهُ، ثُمَّ في بَيانِ المُتَمِّمِ بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِما يُنالُ في المَعادِ، وأدْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ مَن سَلَكَ ومَن تَرَكَ وذَكَرَ غايَتَهُما، ولَخَّصَ فِيهِ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ عَنْ شائِبَتَيِ الهَوى والرِّياءِ حَيْثُ قَدَّمَ عَلى الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى التَّجَنُّبَ عَنْ عِبادَةِ الشَّيْطانِ، وضَمَّنَ فِيهِ أنَّ أساسَها التَّوْحِيدُ وكَما أنَّهُ ذَكَرَ الآياتِ لِئَلّا يَكُونَ الكَلامُ خَطابِيًّا في المُقَدِّماتِ خَتَمَ بِالبُرْهانِ عَلى الإعادَةِ لِيَكُونَ عَلى مِنوالِهِ في المُتَمِّماتِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ خِتامَ الخاتِمَةِ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ، ولا يَنْقُصُ خَزائِنَهُ عَطاءٌ، وأنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكَتِهِ مَن قُرْبُهُ قَبُولٌ أوْ بُعْدُهُ إباءٌ تَحْقِيقًا لِكُلِّ ما سَلَفَ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، ولَمّا كانَ كَلامًا صادِرًا عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ والجَلالِ وجَبَ أنْ يُراعى فِيهِ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِيَكُونَ إجْمالًا لِتَوْضِيحِ التَّفْصِيلِ كَذا قَرَّرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ. * * * ”ومِن بابِ الإشارَةِ“ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ”يس“ إشارَةٌ إلى سِيادَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فالسَّيِّدُ المُتَوَلِّي لِلسَّوادِ أيِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، وهي هاهُنا جَمِيعُ الخَلْقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا سَيِّدَ الخَلْقِ، وتَوْلِيَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ الواسِطَةُ العُظْمى في الإفاضَةِ والإمْدادِ، وفي الخَبَرِ: اللَّهُ تَعالى المُعْطِي وأنا القاسِمُ، فَمَنزِلَتُهُ ﷺ مِنَ العالَمِ بِأسْرِهِ بِمَنزِلَةِ القَلْبِ مِنَ البَدَنِ، فَما ألْطَفَ افْتِتاحَ قَلْبِ القُرْآنِ بِقَلْبِ الأكْوانِ! وفي السِّينِ بَيِّناتُها وزُبُرُها أسْرارٌ لا تُحْصى، وكَذا في مَجْمُوعِ ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ قَدْ يَكُونُ إشارَةً إلَيْهِ ﷺ فَقَدْ ذَكَرَ الصُّوفِيَّةُ أنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الإنْسانِ الكامِلِ، وكَذا الكِتابُ المُبِينُ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ: أنا القُرْآنُ والسَّبْعُ المَثانِي ورُوحُ الرُّوحِ لا رُوحَ الأوانِي ولا أحَدَ أكْمَلَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وطَبَّقَ بَعْضُهم قِصَّةَ أهْلِ أنْطاكِيَةَ عَلى ما في الأنْفُسِ بِجَعْلِ القَرْيَةِ إشارَةً إلى القَلْبِ، وأصْحابِها إشارَةً إلى النَّفْسِ وصِفاتِها، والِاثْنَيْنِ إشارَةً إلى الخاطِرِ الرَّحْمانِيِّ والإلْهامِ الرَّبّانِيِّ، والثّالِثِ المُعَزَّزِ بِهِ إشارَةً إلى الجَذْبَةِ، والرَّجُلِ الجائِي مِن أقْصى المَدِينَةِ إشارَةً إلى الرُّوحِ، وطُبِّقَ كَثِيرٌ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ صفحة 64 عَلى هَذا الطِّرْزِ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى اسْتِعْدادِهِمُ السَّيِّءِ الَّذِي طارَ بِهِمْ عَنْقاءُ مُغْرِبَةٌ: إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها أمُّ قَشْعَمِ وقِيلَ: في ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا طَلَبَ الجَنَّةِ؛ ولِذا أضِيفُوا إلَيْها وهم دُونَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتِهِ الَّذِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى شَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، فَأُولَئِكَ مَشْغُولُونَ بِلَذائِذِ ما طَلَبُوهُ، وهَؤُلاءِ جُلَساءُ الحَضْرَةِ المَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم جَلَّ شَأْنُهُ المُتَنَعِّمُونَ بِوِصالِهِ ومُشاهَدَةِ جَمالِهِ، وفَرِّقِ بَيْنَ الحالَيْنِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ولِذا قِيلَ: أكْثُرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ فافْهَمِ الإشارَةَ. والشَّيْطانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما يُطاعُ ويُذَلُّ لَهُ غَيْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كائِنًا ما كانَ وعَداوَتُهُ لِما أنَّهُ سَبَبُ الحِجابِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاكْتِراثُ بِأذى الأعْداءِ والِالتِفاتُ إلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، إذا أوْقَفَهم بَيْنَ يَدَيْهِ. هَذا، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْفَظَنا مِن شَرِّ الأشْرارِ، وأنْ يُنَوِّرَ قُلُوبَنا بِمَعْرِفَتِهِ كَما نَوَّرَ قُلُوبَ عِبادِهِ الأبْرارِ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ عَلى حَبِيبِهِ قَلْبِ جَسَدِ الأعْيانِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ ما دامَتْ سُورَةُ يس قَلْبَ القُرْآنِ.

الصافات 37:1

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَحْكُوا في ذَلِكَ خِلافًا وهي مِائَةٌ وإحْدى وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وفِيها تَفْصِيلُ أحْوالِ القُرُونِ المُشارِ إلى إهْلاكِها في قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، وفِيها مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ما هو كالإيضاحِ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَواكِبِ لَمْ يُذْكَرْ فِيما تَقَدَّمَ، ولِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ ذُكِرَتْ بَعْدَها. وفي البَحْرِ مُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ سُورَةِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهُمْ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - هُنا وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ إيجادًا وإعْدامًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وأبى أبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ وقالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ - وكَذا ما بَعْدُ - عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّأُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ أنَّ هَذا في مَعْنى جَمْعِ الجَمْعِ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ أيْ طائِفَةٍ أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثَ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ، والتَّأْنِيثُ المَعْنَوِيُّ هو الَّذِي لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمْ، وأمّا اللَّفْظِيُّ فَلا مانِعَ مِنهُ، كَيْفَ وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ! والوَصْفُ المَذْكُورُ مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ أيِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ الصّافّاتِ أنْفُسَها أيِ النّاظِماتِ لَها في سَلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تُقَدُّمِ الرُّتْبَةِ والقُرْبِ صفحة 65 مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أجْنِحَتَها في الهَواءِ مُنْتَظَراتٍ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ، و﴿صَفًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا ﴿زَجْرًا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ وقِيلَ: صَفًّا مَفْعُولٌ بِهِ وهو مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أيِ الصّافّاتِ صُفُوفَها ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالزّاجِراتِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، والزَّجْرُ في الأصْلِ الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسَلُّطٍ وصِياحٍ وأنْشَدُوا: زَجَرَ أبِي عُرْوَةَ السُّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّوْقُ والحَثِّ وبِمَعْنى المَنعِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِياحٌ، والوَصْفُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ ما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ عَنِ المَعاصِي بِإلْهامِ الخَيْرِ وزَجْرِ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ وعَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ قَتادَةَ المُرادُ بِالزّاجِراتِ آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِها النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعُوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا المُرادُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. و(ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو بِمَعْنى المَذْكُورِ المَتْلُوِّ، وفُسِّرَ بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ أبُو صالِحٍ: هُمُ المَلائِكَةُ يَجِيئُونَ بِالكِتابِ والقُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى النّاسِ فالمُرادُ بِتِلاوَتِهِ تِلاوَتُهُ عَلى الغَيْرِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالآياتِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمَلائِكَةُ يَتْلُونَهُما عَلى الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِتِلاوَةِ المَلائِكَةِ ذَلِكَ عَلى الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وكُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وغَيْرَها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ، ولَعَلَّ التِّلاوَةَ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ التِّلاوَةِ عَلى الغَيْرِ وغَيْرِها، وقِيلَ (ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ لِتَكُونَ المَنصُوباتُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كِتابَهُ تَعالى المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتِ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ أوْ أقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتِ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتِ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، أوْ بِطَوائِفِ قُوّادِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَصُفُّ الصُّفُوفَ في مُواطِنِ الحُرُوبِ، الزّاجِراتِ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا أوِ العَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ المُرَتَّبَةِ كالصُّفُوفِ المَرْصُوصَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والنُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِتِلْكَ الأجْرامِ بِالتَّحْرِيكِ ونَحْوِهِ، والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ في بِحارِ القُدْسِ يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ ونَحْوُهُمْ، وهَذا بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِ بَلْ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى، والفاءُ العاطِفَةُ لِلصِّفاتِ قَدْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها الوَصْفِيَّةِ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها واحِدَةً كَما في قَوْلِهِ: يا لَهَفَ زَيابَةَ لِلْحادِثِ السْـ ∗∗∗ سابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ صفحة 66 أيِ الَّذِي سَبَحَ فَغَنِمَ فَآبَ ورَجَعَ، أوْ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها في الرُّتْبَةِ إذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً أيْضًا كَما في قَوْلِكَ: أتَمُّ العَقْلِ فِيكَ إذا كُنْتَ شابًّا فَكَهْلًا، أوْ لِتَرْتِيبِ المَوْصُوفاتِ بِها في الوُجُودِ كَما في قَوْلِكَ: وقَفْتُ كَذا عَلى بَنِيَّ بَطْنًا فَبَطْنًا، أوْ في الرُّتْبَةِ نَحْوُ رَحِمَ اللَّهُ تَعالى المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، وكِلاهُما مَعَ تَعَدُّدِ المَوْصُوفِ، والتَّرْتِيبُ الرُّتْبِيُّ إمّا بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي أوْ بِاعْتِبارِ التَّدَلِّي، وهي إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِالصِّفاتِ هُنا واحِدَةً وهُمُ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأسْرِهِمْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي؛ فالصَّفُّ في الرُّتْبَةِ الأُولى لِأنَّهُ عَمَلٌ قاصِرٌ، والزَّجْرُ أعْلى مِنهُ لِما فِيهِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ، والتِّلاوَةِ أعْلى وأعْلى لِما فِيها مِن نَفْعِ الخاصَّةِ السّارِي إلى نَفْعِ العامَّةِ بِما فِيهِ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ، أوْ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ مِن حَيْثُ وُجُودُ ذَواتِ الصِّفاتِ؛ فالصَّفُّ يُوجَدُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كَمالٌ لِلْمَلائِكَةِ في نَفْسِها، ثُمَّ يُوجَدُ بَعْدَهُ الزَّجْرُ لِلْغَيْرِ لِأنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلْغَيْرِ يَسْتَعِدُّ بِهِ الشَّخْصُ ما لَمْ يَكْمُلْ في نَفْسِهِ لا يَتَأهَّلُ لِأنْ يُكْمِلَ غَيْرَهُ، ثُمَّ تُوجَدُ التِّلاوَةُ بِناءً عَلى أنَّها إفاضَةٌ عَلى الغَيْرِ المُسْتَعِدِّ لَها وذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي هو مِن آثارِ الزَّجْرِ، وإذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَعَدِّدَةً بِمَعْنى أنَّ صِنْفًا مِنهم كَذا وصِنْفًا آخَرَ كَذا، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي كَما في الشِّقِّ الأوَّلِ، فالجَماعاتُ الصّافّاتُ كامِلُونَ، والزّاجِراتُ أكْمَلُ مِنها، والتّالِياتُ أكْمَلُ وأكْمَلُ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِعَكْسِ ذَلِكَ بِأنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ صافّاتٌ مِن حَوْلِ العَرْشِ قائِماتٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ المُقَرَّبُونَ أوْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ يُقالُ لَهم كَما ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ المُهَيَّمُونَ مُسْتَغْرِقُونَ بِحُبِّهِ تَعالى لا يَدْرِي أحَدُهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ غَيْرَهُ، وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِهِ تَعالى وأنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالعالِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾، وبِالزّاجِراتِ جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتَسْخِيرِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِياتِ وتَدْبِيرِها لِما خُلِقَتْ لَهُ وهي في الفَضْلِ عَلى ما لَها مِنَ النَّفْعِ لِلْعِبادِ دُونَ الصّافّاتِ، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتِلاوَةِ المَعارِفِ عَلى خَواصِّ الخَلْقِ وهي لِخُصُوصِ نَفْعِها دُونَ الزّاجِراتِ، أوِ المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزّاجِراتُ النّاسَ عَنِ القَبِيحِ بِإلْهامِ جِهَةِ قُبْحِهِ وما يُنَفِّرُ عَنِ ارْتِكابِهِ وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا المُلْهِماتِ لِلْخَيْرِ والجِهاتِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، ولِكَوْنَ دَفْعِ الضُّرِّ أوْلى مِن جَلْبِ الخَيْرِ ودَرْأِ المَفاسِدِ أهَمَّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ ولِذا قِيلَ التَّخْلِيَةُ بِالخاءِ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ - كانَتِ التّالِياتُ دُونَ الزّاجِراتِ، وحالُ الفاءِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الصِّفاتِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ المُصْطَفُّونَ لِلْعِبادَةِ مِن صَلاةٍ ومُحارَبَةِ كَفَرَةٍ - مَثَلًا - مَلائِكَةً كانُوا أمْ أناسِيَّ أمْ غَيْرَهُما، وبِالزّاجِراتِ الزّاجِرُونَ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي بِأقْوالِهِمْ أوْ أفْعالِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا التّالُونَ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الغَيْرِ لِلتَّعْلِيمِ أوْ نَحْوِهِ كَذَلِكَ، ولا عِنادَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ فَتَجْتَمِعُ في بَعْضِ الأشْخاصِ، ولَعَلَّ التَّرْتِيبَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي بِاعْتِبارِ نَفْسِ الصِّفاتِ فالِاصْطِفافُ لِلْعِبادَةِ كَمالٌ، والزَّجْرُ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي أكْمَلُ، والتِّلاوَةُ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْلِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الأمْرَ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والتَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ أكْمَلُ وأكْمَلُ، وجَعْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما مَرَّ بِأنَّ تَكُونَ جَماعاتٌ مِنهم صافّاتٍ بِمَعْنى صافّاتٍ أنْفُسَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِالقِيامِ في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ أوِ القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ وتالِياتٍ ذِكْرًا بِمَعْنى تالِياتٍ الآياتِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ فِيما أرى، عَلى صفحة 67 أنَّ تَعَدُّدَ المَلائِكَةِ التّالِينَ لِلْوَحْيِ سَواءٌ كانَ صِنْفًا مُسْتَقِلًّا أمْ لا مِمّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الأمِينَ عَلى الوَحْيِ التّالِي لِلذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا غَيْرَ، نَعَمْ مِنَ الآياتِ ما يَنْزِلُ مُشَيَّعًا بِجَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَطَقَ الكِتابُ الكَرِيمُ بِالرَّصْدِ عِنْدَ إبْلاغِ الوَحْيِ، وهَذا أمْرٌ والتِّلاوَةُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمْرٌ آخَرُ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وفي المُرادِ بِالصِّفاتِ المُتَناسِقَةِ احْتِمالاتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ فَلا تَغْفُلْ. وأيًّا ما كانَ فالقَسَمُ بِتِلْكَ الجَماعاتِ أنْفُسِها ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ورَبِّ الصّافّاتِ مَثَلًا، والآيَةُ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في مِثْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ مِن أنَّ الواوَ الثّانِيَةَ وما بَعْدَها لِلْعِطْفِ خِلافًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِما مِن أنَّها لِلْقَسَمِ لِوُقُوعِ الفاءِ فِيها مَوْقِعَ الواوِ إلّا أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَ فِيما يَلِيها لِلتَّقارُبِ فَإنَّها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا.

الصافات 37:2

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَحْكُوا في ذَلِكَ خِلافًا وهي مِائَةٌ وإحْدى وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وفِيها تَفْصِيلُ أحْوالِ القُرُونِ المُشارِ إلى إهْلاكِها في قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، وفِيها مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ما هو كالإيضاحِ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَواكِبِ لَمْ يُذْكَرْ فِيما تَقَدَّمَ، ولِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ ذُكِرَتْ بَعْدَها. وفي البَحْرِ مُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ سُورَةِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهُمْ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - هُنا وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ إيجادًا وإعْدامًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وأبى أبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ وقالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ - وكَذا ما بَعْدُ - عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّأُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ أنَّ هَذا في مَعْنى جَمْعِ الجَمْعِ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ أيْ طائِفَةٍ أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثَ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ، والتَّأْنِيثُ المَعْنَوِيُّ هو الَّذِي لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمْ، وأمّا اللَّفْظِيُّ فَلا مانِعَ مِنهُ، كَيْفَ وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ! والوَصْفُ المَذْكُورُ مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ أيِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ الصّافّاتِ أنْفُسَها أيِ النّاظِماتِ لَها في سَلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تُقَدُّمِ الرُّتْبَةِ والقُرْبِ صفحة 65 مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أجْنِحَتَها في الهَواءِ مُنْتَظَراتٍ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ، و﴿صَفًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا ﴿زَجْرًا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ وقِيلَ: صَفًّا مَفْعُولٌ بِهِ وهو مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أيِ الصّافّاتِ صُفُوفَها ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالزّاجِراتِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، والزَّجْرُ في الأصْلِ الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسَلُّطٍ وصِياحٍ وأنْشَدُوا: زَجَرَ أبِي عُرْوَةَ السُّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّوْقُ والحَثِّ وبِمَعْنى المَنعِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِياحٌ، والوَصْفُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ ما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ عَنِ المَعاصِي بِإلْهامِ الخَيْرِ وزَجْرِ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ وعَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ قَتادَةَ المُرادُ بِالزّاجِراتِ آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِها النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعُوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا المُرادُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. و(ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو بِمَعْنى المَذْكُورِ المَتْلُوِّ، وفُسِّرَ بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ أبُو صالِحٍ: هُمُ المَلائِكَةُ يَجِيئُونَ بِالكِتابِ والقُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى النّاسِ فالمُرادُ بِتِلاوَتِهِ تِلاوَتُهُ عَلى الغَيْرِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالآياتِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمَلائِكَةُ يَتْلُونَهُما عَلى الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِتِلاوَةِ المَلائِكَةِ ذَلِكَ عَلى الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وكُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وغَيْرَها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ، ولَعَلَّ التِّلاوَةَ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ التِّلاوَةِ عَلى الغَيْرِ وغَيْرِها، وقِيلَ (ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ لِتَكُونَ المَنصُوباتُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كِتابَهُ تَعالى المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتِ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ أوْ أقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتِ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتِ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، أوْ بِطَوائِفِ قُوّادِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَصُفُّ الصُّفُوفَ في مُواطِنِ الحُرُوبِ، الزّاجِراتِ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا أوِ العَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ المُرَتَّبَةِ كالصُّفُوفِ المَرْصُوصَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والنُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِتِلْكَ الأجْرامِ بِالتَّحْرِيكِ ونَحْوِهِ، والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ في بِحارِ القُدْسِ يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ ونَحْوُهُمْ، وهَذا بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِ بَلْ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى، والفاءُ العاطِفَةُ لِلصِّفاتِ قَدْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها الوَصْفِيَّةِ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها واحِدَةً كَما في قَوْلِهِ: يا لَهَفَ زَيابَةَ لِلْحادِثِ السْـ ∗∗∗ سابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ صفحة 66 أيِ الَّذِي سَبَحَ فَغَنِمَ فَآبَ ورَجَعَ، أوْ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها في الرُّتْبَةِ إذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً أيْضًا كَما في قَوْلِكَ: أتَمُّ العَقْلِ فِيكَ إذا كُنْتَ شابًّا فَكَهْلًا، أوْ لِتَرْتِيبِ المَوْصُوفاتِ بِها في الوُجُودِ كَما في قَوْلِكَ: وقَفْتُ كَذا عَلى بَنِيَّ بَطْنًا فَبَطْنًا، أوْ في الرُّتْبَةِ نَحْوُ رَحِمَ اللَّهُ تَعالى المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، وكِلاهُما مَعَ تَعَدُّدِ المَوْصُوفِ، والتَّرْتِيبُ الرُّتْبِيُّ إمّا بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي أوْ بِاعْتِبارِ التَّدَلِّي، وهي إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِالصِّفاتِ هُنا واحِدَةً وهُمُ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأسْرِهِمْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي؛ فالصَّفُّ في الرُّتْبَةِ الأُولى لِأنَّهُ عَمَلٌ قاصِرٌ، والزَّجْرُ أعْلى مِنهُ لِما فِيهِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ، والتِّلاوَةِ أعْلى وأعْلى لِما فِيها مِن نَفْعِ الخاصَّةِ السّارِي إلى نَفْعِ العامَّةِ بِما فِيهِ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ، أوْ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ مِن حَيْثُ وُجُودُ ذَواتِ الصِّفاتِ؛ فالصَّفُّ يُوجَدُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كَمالٌ لِلْمَلائِكَةِ في نَفْسِها، ثُمَّ يُوجَدُ بَعْدَهُ الزَّجْرُ لِلْغَيْرِ لِأنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلْغَيْرِ يَسْتَعِدُّ بِهِ الشَّخْصُ ما لَمْ يَكْمُلْ في نَفْسِهِ لا يَتَأهَّلُ لِأنْ يُكْمِلَ غَيْرَهُ، ثُمَّ تُوجَدُ التِّلاوَةُ بِناءً عَلى أنَّها إفاضَةٌ عَلى الغَيْرِ المُسْتَعِدِّ لَها وذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي هو مِن آثارِ الزَّجْرِ، وإذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَعَدِّدَةً بِمَعْنى أنَّ صِنْفًا مِنهم كَذا وصِنْفًا آخَرَ كَذا، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي كَما في الشِّقِّ الأوَّلِ، فالجَماعاتُ الصّافّاتُ كامِلُونَ، والزّاجِراتُ أكْمَلُ مِنها، والتّالِياتُ أكْمَلُ وأكْمَلُ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِعَكْسِ ذَلِكَ بِأنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ صافّاتٌ مِن حَوْلِ العَرْشِ قائِماتٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ المُقَرَّبُونَ أوْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ يُقالُ لَهم كَما ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ المُهَيَّمُونَ مُسْتَغْرِقُونَ بِحُبِّهِ تَعالى لا يَدْرِي أحَدُهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ غَيْرَهُ، وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِهِ تَعالى وأنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالعالِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾، وبِالزّاجِراتِ جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتَسْخِيرِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِياتِ وتَدْبِيرِها لِما خُلِقَتْ لَهُ وهي في الفَضْلِ عَلى ما لَها مِنَ النَّفْعِ لِلْعِبادِ دُونَ الصّافّاتِ، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتِلاوَةِ المَعارِفِ عَلى خَواصِّ الخَلْقِ وهي لِخُصُوصِ نَفْعِها دُونَ الزّاجِراتِ، أوِ المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزّاجِراتُ النّاسَ عَنِ القَبِيحِ بِإلْهامِ جِهَةِ قُبْحِهِ وما يُنَفِّرُ عَنِ ارْتِكابِهِ وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا المُلْهِماتِ لِلْخَيْرِ والجِهاتِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، ولِكَوْنَ دَفْعِ الضُّرِّ أوْلى مِن جَلْبِ الخَيْرِ ودَرْأِ المَفاسِدِ أهَمَّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ ولِذا قِيلَ التَّخْلِيَةُ بِالخاءِ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ - كانَتِ التّالِياتُ دُونَ الزّاجِراتِ، وحالُ الفاءِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الصِّفاتِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ المُصْطَفُّونَ لِلْعِبادَةِ مِن صَلاةٍ ومُحارَبَةِ كَفَرَةٍ - مَثَلًا - مَلائِكَةً كانُوا أمْ أناسِيَّ أمْ غَيْرَهُما، وبِالزّاجِراتِ الزّاجِرُونَ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي بِأقْوالِهِمْ أوْ أفْعالِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا التّالُونَ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الغَيْرِ لِلتَّعْلِيمِ أوْ نَحْوِهِ كَذَلِكَ، ولا عِنادَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ فَتَجْتَمِعُ في بَعْضِ الأشْخاصِ، ولَعَلَّ التَّرْتِيبَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي بِاعْتِبارِ نَفْسِ الصِّفاتِ فالِاصْطِفافُ لِلْعِبادَةِ كَمالٌ، والزَّجْرُ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي أكْمَلُ، والتِّلاوَةُ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْلِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الأمْرَ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والتَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ أكْمَلُ وأكْمَلُ، وجَعْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما مَرَّ بِأنَّ تَكُونَ جَماعاتٌ مِنهم صافّاتٍ بِمَعْنى صافّاتٍ أنْفُسَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِالقِيامِ في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ أوِ القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ وتالِياتٍ ذِكْرًا بِمَعْنى تالِياتٍ الآياتِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ فِيما أرى، عَلى صفحة 67 أنَّ تَعَدُّدَ المَلائِكَةِ التّالِينَ لِلْوَحْيِ سَواءٌ كانَ صِنْفًا مُسْتَقِلًّا أمْ لا مِمّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الأمِينَ عَلى الوَحْيِ التّالِي لِلذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا غَيْرَ، نَعَمْ مِنَ الآياتِ ما يَنْزِلُ مُشَيَّعًا بِجَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَطَقَ الكِتابُ الكَرِيمُ بِالرَّصْدِ عِنْدَ إبْلاغِ الوَحْيِ، وهَذا أمْرٌ والتِّلاوَةُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمْرٌ آخَرُ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وفي المُرادِ بِالصِّفاتِ المُتَناسِقَةِ احْتِمالاتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ فَلا تَغْفُلْ. وأيًّا ما كانَ فالقَسَمُ بِتِلْكَ الجَماعاتِ أنْفُسِها ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ورَبِّ الصّافّاتِ مَثَلًا، والآيَةُ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في مِثْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ مِن أنَّ الواوَ الثّانِيَةَ وما بَعْدَها لِلْعِطْفِ خِلافًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِما مِن أنَّها لِلْقَسَمِ لِوُقُوعِ الفاءِ فِيها مَوْقِعَ الواوِ إلّا أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَ فِيما يَلِيها لِلتَّقارُبِ فَإنَّها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا.

الصافات 37:3

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَحْكُوا في ذَلِكَ خِلافًا وهي مِائَةٌ وإحْدى وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وفِيها تَفْصِيلُ أحْوالِ القُرُونِ المُشارِ إلى إهْلاكِها في قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، وفِيها مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ما هو كالإيضاحِ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَواكِبِ لَمْ يُذْكَرْ فِيما تَقَدَّمَ، ولِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ ذُكِرَتْ بَعْدَها. وفي البَحْرِ مُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ سُورَةِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهُمْ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - هُنا وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ إيجادًا وإعْدامًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وأبى أبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ وقالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ - وكَذا ما بَعْدُ - عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّأُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ أنَّ هَذا في مَعْنى جَمْعِ الجَمْعِ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ أيْ طائِفَةٍ أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثَ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ، والتَّأْنِيثُ المَعْنَوِيُّ هو الَّذِي لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمْ، وأمّا اللَّفْظِيُّ فَلا مانِعَ مِنهُ، كَيْفَ وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ! والوَصْفُ المَذْكُورُ مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ أيِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ الصّافّاتِ أنْفُسَها أيِ النّاظِماتِ لَها في سَلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تُقَدُّمِ الرُّتْبَةِ والقُرْبِ صفحة 65 مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أجْنِحَتَها في الهَواءِ مُنْتَظَراتٍ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ، و﴿صَفًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا ﴿زَجْرًا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ وقِيلَ: صَفًّا مَفْعُولٌ بِهِ وهو مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أيِ الصّافّاتِ صُفُوفَها ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالزّاجِراتِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، والزَّجْرُ في الأصْلِ الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسَلُّطٍ وصِياحٍ وأنْشَدُوا: زَجَرَ أبِي عُرْوَةَ السُّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّوْقُ والحَثِّ وبِمَعْنى المَنعِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِياحٌ، والوَصْفُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ ما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ عَنِ المَعاصِي بِإلْهامِ الخَيْرِ وزَجْرِ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ وعَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ قَتادَةَ المُرادُ بِالزّاجِراتِ آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِها النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعُوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا المُرادُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. و(ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو بِمَعْنى المَذْكُورِ المَتْلُوِّ، وفُسِّرَ بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ أبُو صالِحٍ: هُمُ المَلائِكَةُ يَجِيئُونَ بِالكِتابِ والقُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى النّاسِ فالمُرادُ بِتِلاوَتِهِ تِلاوَتُهُ عَلى الغَيْرِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالآياتِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمَلائِكَةُ يَتْلُونَهُما عَلى الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِتِلاوَةِ المَلائِكَةِ ذَلِكَ عَلى الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وكُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وغَيْرَها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ، ولَعَلَّ التِّلاوَةَ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ التِّلاوَةِ عَلى الغَيْرِ وغَيْرِها، وقِيلَ (ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ لِتَكُونَ المَنصُوباتُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كِتابَهُ تَعالى المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتِ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ أوْ أقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتِ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتِ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، أوْ بِطَوائِفِ قُوّادِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَصُفُّ الصُّفُوفَ في مُواطِنِ الحُرُوبِ، الزّاجِراتِ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا أوِ العَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ المُرَتَّبَةِ كالصُّفُوفِ المَرْصُوصَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والنُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِتِلْكَ الأجْرامِ بِالتَّحْرِيكِ ونَحْوِهِ، والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ في بِحارِ القُدْسِ يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ ونَحْوُهُمْ، وهَذا بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِ بَلْ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى، والفاءُ العاطِفَةُ لِلصِّفاتِ قَدْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها الوَصْفِيَّةِ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها واحِدَةً كَما في قَوْلِهِ: يا لَهَفَ زَيابَةَ لِلْحادِثِ السْـ ∗∗∗ سابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ صفحة 66 أيِ الَّذِي سَبَحَ فَغَنِمَ فَآبَ ورَجَعَ، أوْ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها في الرُّتْبَةِ إذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً أيْضًا كَما في قَوْلِكَ: أتَمُّ العَقْلِ فِيكَ إذا كُنْتَ شابًّا فَكَهْلًا، أوْ لِتَرْتِيبِ المَوْصُوفاتِ بِها في الوُجُودِ كَما في قَوْلِكَ: وقَفْتُ كَذا عَلى بَنِيَّ بَطْنًا فَبَطْنًا، أوْ في الرُّتْبَةِ نَحْوُ رَحِمَ اللَّهُ تَعالى المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، وكِلاهُما مَعَ تَعَدُّدِ المَوْصُوفِ، والتَّرْتِيبُ الرُّتْبِيُّ إمّا بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي أوْ بِاعْتِبارِ التَّدَلِّي، وهي إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِالصِّفاتِ هُنا واحِدَةً وهُمُ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأسْرِهِمْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي؛ فالصَّفُّ في الرُّتْبَةِ الأُولى لِأنَّهُ عَمَلٌ قاصِرٌ، والزَّجْرُ أعْلى مِنهُ لِما فِيهِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ، والتِّلاوَةِ أعْلى وأعْلى لِما فِيها مِن نَفْعِ الخاصَّةِ السّارِي إلى نَفْعِ العامَّةِ بِما فِيهِ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ، أوْ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ مِن حَيْثُ وُجُودُ ذَواتِ الصِّفاتِ؛ فالصَّفُّ يُوجَدُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كَمالٌ لِلْمَلائِكَةِ في نَفْسِها، ثُمَّ يُوجَدُ بَعْدَهُ الزَّجْرُ لِلْغَيْرِ لِأنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلْغَيْرِ يَسْتَعِدُّ بِهِ الشَّخْصُ ما لَمْ يَكْمُلْ في نَفْسِهِ لا يَتَأهَّلُ لِأنْ يُكْمِلَ غَيْرَهُ، ثُمَّ تُوجَدُ التِّلاوَةُ بِناءً عَلى أنَّها إفاضَةٌ عَلى الغَيْرِ المُسْتَعِدِّ لَها وذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي هو مِن آثارِ الزَّجْرِ، وإذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَعَدِّدَةً بِمَعْنى أنَّ صِنْفًا مِنهم كَذا وصِنْفًا آخَرَ كَذا، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي كَما في الشِّقِّ الأوَّلِ، فالجَماعاتُ الصّافّاتُ كامِلُونَ، والزّاجِراتُ أكْمَلُ مِنها، والتّالِياتُ أكْمَلُ وأكْمَلُ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِعَكْسِ ذَلِكَ بِأنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ صافّاتٌ مِن حَوْلِ العَرْشِ قائِماتٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ المُقَرَّبُونَ أوْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ يُقالُ لَهم كَما ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ المُهَيَّمُونَ مُسْتَغْرِقُونَ بِحُبِّهِ تَعالى لا يَدْرِي أحَدُهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ غَيْرَهُ، وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِهِ تَعالى وأنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالعالِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾، وبِالزّاجِراتِ جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتَسْخِيرِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِياتِ وتَدْبِيرِها لِما خُلِقَتْ لَهُ وهي في الفَضْلِ عَلى ما لَها مِنَ النَّفْعِ لِلْعِبادِ دُونَ الصّافّاتِ، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتِلاوَةِ المَعارِفِ عَلى خَواصِّ الخَلْقِ وهي لِخُصُوصِ نَفْعِها دُونَ الزّاجِراتِ، أوِ المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزّاجِراتُ النّاسَ عَنِ القَبِيحِ بِإلْهامِ جِهَةِ قُبْحِهِ وما يُنَفِّرُ عَنِ ارْتِكابِهِ وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا المُلْهِماتِ لِلْخَيْرِ والجِهاتِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، ولِكَوْنَ دَفْعِ الضُّرِّ أوْلى مِن جَلْبِ الخَيْرِ ودَرْأِ المَفاسِدِ أهَمَّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ ولِذا قِيلَ التَّخْلِيَةُ بِالخاءِ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ - كانَتِ التّالِياتُ دُونَ الزّاجِراتِ، وحالُ الفاءِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الصِّفاتِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ المُصْطَفُّونَ لِلْعِبادَةِ مِن صَلاةٍ ومُحارَبَةِ كَفَرَةٍ - مَثَلًا - مَلائِكَةً كانُوا أمْ أناسِيَّ أمْ غَيْرَهُما، وبِالزّاجِراتِ الزّاجِرُونَ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي بِأقْوالِهِمْ أوْ أفْعالِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا التّالُونَ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الغَيْرِ لِلتَّعْلِيمِ أوْ نَحْوِهِ كَذَلِكَ، ولا عِنادَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ فَتَجْتَمِعُ في بَعْضِ الأشْخاصِ، ولَعَلَّ التَّرْتِيبَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي بِاعْتِبارِ نَفْسِ الصِّفاتِ فالِاصْطِفافُ لِلْعِبادَةِ كَمالٌ، والزَّجْرُ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي أكْمَلُ، والتِّلاوَةُ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْلِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الأمْرَ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والتَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ أكْمَلُ وأكْمَلُ، وجَعْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما مَرَّ بِأنَّ تَكُونَ جَماعاتٌ مِنهم صافّاتٍ بِمَعْنى صافّاتٍ أنْفُسَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِالقِيامِ في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ أوِ القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ وتالِياتٍ ذِكْرًا بِمَعْنى تالِياتٍ الآياتِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ فِيما أرى، عَلى صفحة 67 أنَّ تَعَدُّدَ المَلائِكَةِ التّالِينَ لِلْوَحْيِ سَواءٌ كانَ صِنْفًا مُسْتَقِلًّا أمْ لا مِمّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الأمِينَ عَلى الوَحْيِ التّالِي لِلذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا غَيْرَ، نَعَمْ مِنَ الآياتِ ما يَنْزِلُ مُشَيَّعًا بِجَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَطَقَ الكِتابُ الكَرِيمُ بِالرَّصْدِ عِنْدَ إبْلاغِ الوَحْيِ، وهَذا أمْرٌ والتِّلاوَةُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمْرٌ آخَرُ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وفي المُرادِ بِالصِّفاتِ المُتَناسِقَةِ احْتِمالاتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ فَلا تَغْفُلْ. وأيًّا ما كانَ فالقَسَمُ بِتِلْكَ الجَماعاتِ أنْفُسِها ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ورَبِّ الصّافّاتِ مَثَلًا، والآيَةُ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في مِثْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ مِن أنَّ الواوَ الثّانِيَةَ وما بَعْدَها لِلْعِطْفِ خِلافًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِما مِن أنَّها لِلْقَسَمِ لِوُقُوعِ الفاءِ فِيها مَوْقِعَ الواوِ إلّا أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَ فِيما يَلِيها لِلتَّقارُبِ فَإنَّها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا.

الصافات 37:4

﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهم عَلى تَأْكِيدِ ما يُهْتَمُّ بِهِ بِتَقْدِيمِ القَسَمِ ولِذا قُدِّمَ هاهُنا، فَلا يُقالُ: إنَّهُ كَلامٌ مَعَ مُنْكِرٍ مُكَذِّبٍ فَلا فائِدَةَ في القَسَمِ، وما قِيلَ مِن أنَّ وحْدَةَ الصّانِعِ قَدْ ثَبَتَتْ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بَعْدَ ثُبُوتِها بِالعَقْلِ فَفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ هُنا - غَيْرُ تامٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مَن لا يَعْتَرِفُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى البُرْهانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَإنَّ وُجُودَها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى وحْدَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بَلْ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ و”رَبُّ“ خَبَرٌ ثانٍ لِـ”إنَّ“ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الأخْبارِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ”واحِدٌ“ فَهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ، أيْ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ المَوْصُولِ أفْعالُ العِبادِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى، ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ حَتّى الأشْعَرِيُّ نَفْسُهُ في آخِرِ الأمْرِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّبَّ هُنا بِالمَلِكِ وبِالمُرَبِّي، ولَعَلَّ الأوَّلَ أظْهَرُ. وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ أفْعالِ العِبادِ مَخْلُوقَةً لَهُ عَلى ذَلِكَ بَحْثٌ، والمُرادُ بِالمَشارِقِ - عِنْدَ جَمْعٍ - مَشارِقُ الشَّمْسِ لِأنَّها المَعْرُوفَةُ الشّائِعَةُ فِيما بَيْنَهم وهي بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ فَإنَّها في كُلِّ يَوْمٍ تُشْرِقُ مِن مَشْرِقٍ وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ فالمَغارِبُ مُتَعَدِّدَةٌ تَعَدُّدَ المَشارِقِ، وكَأنَّ الِاكْتِفاءَ بِها لِاسْتِلْزامِها ذَلِكَ مَعَ أنَّ الشُّرُوقَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأبْلَغُ في النِّعْمَةِ. ولِهَذا اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ مُحاجَّةِ النُّمْرُوذِ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ مَشارِقَ الشَّمْسِ مِائَةٌ وثَمانُونَ، ووَفَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ هَذا وما يَقْتَضِيهِ ما تَقَدَّمَ مِن مُضاعَفَةِ العَدَدِ بِأنَّ مَشارِقَها مِن رَأْسِ السَّرَطانِ وهو أوَّلُ بُرُوجِ الصَّيْفِ إلى رَأْسِ الجَدْيِ وهو أوَّلُ بُرُوجِ الشِّتاءِ مُتَّحِدَةٌ مَعَها مِن رَأْسِ الجَدْيِ إلى رَأْسِ السَّرَطانِ فَإنِ اعْتُبِرَ ما كانَتْ عَلَيْهِ وما عادَتْ إلَيْهِ واحِدًا كانَتْ مِائَةً وثَمانِينَ، وإنْ نُظِرَ إلى تَغايُرِهِما كانَتْ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ، وفي هَذا إسْقاطُ الكَسْرِ فَإنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ تَزِيدُ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ بِنَحْوِ سِتَّةِ أيّامٍ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفُسِّرَتِ المَشارِقُ أيْضًا بِمَشارِقِ الكَواكِبِ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿إنّا زَيَّنّا﴾ إلَخْ، وهي لِلسَّيّاراتِ مِنها مُتَفاوِتَةٌ في العَدَدِ، وأكْثَرُها مَشارِقَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ زُحَلُ، ومَشارِقُهُ إلى أنْ يُتِمَّ دَوْرَتَهُ أكْثَرُ مِن مَشارِقِ الشَّمْسِ إلى أنْ تُتِمَّ دَوْرَتَها بِأُلُوفٍ، ومَشارِقُ الثَّوابِتِ إلى أنْ تَتِمَّ الدَّوْرَةُ أكْثَرُ وأكْثَرُ فَلا تَغْفُلْ وتَبَصَّرْ، وتَثْنِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ صفحة 68 عَلى إرادَةِ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما، وإعادَةُ ﴿رَبُّ﴾ هُنا مَعَ المَشارِقِ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيها وتَجَدُّدِها كُلَّ يَوْمٍ

الصافات 37:5

﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهم عَلى تَأْكِيدِ ما يُهْتَمُّ بِهِ بِتَقْدِيمِ القَسَمِ ولِذا قُدِّمَ هاهُنا، فَلا يُقالُ: إنَّهُ كَلامٌ مَعَ مُنْكِرٍ مُكَذِّبٍ فَلا فائِدَةَ في القَسَمِ، وما قِيلَ مِن أنَّ وحْدَةَ الصّانِعِ قَدْ ثَبَتَتْ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بَعْدَ ثُبُوتِها بِالعَقْلِ فَفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ هُنا - غَيْرُ تامٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مَن لا يَعْتَرِفُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى البُرْهانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَإنَّ وُجُودَها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى وحْدَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بَلْ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ و”رَبُّ“ خَبَرٌ ثانٍ لِـ”إنَّ“ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الأخْبارِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ”واحِدٌ“ فَهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ، أيْ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ المَوْصُولِ أفْعالُ العِبادِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى، ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ حَتّى الأشْعَرِيُّ نَفْسُهُ في آخِرِ الأمْرِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّبَّ هُنا بِالمَلِكِ وبِالمُرَبِّي، ولَعَلَّ الأوَّلَ أظْهَرُ. وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ أفْعالِ العِبادِ مَخْلُوقَةً لَهُ عَلى ذَلِكَ بَحْثٌ، والمُرادُ بِالمَشارِقِ - عِنْدَ جَمْعٍ - مَشارِقُ الشَّمْسِ لِأنَّها المَعْرُوفَةُ الشّائِعَةُ فِيما بَيْنَهم وهي بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ فَإنَّها في كُلِّ يَوْمٍ تُشْرِقُ مِن مَشْرِقٍ وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ فالمَغارِبُ مُتَعَدِّدَةٌ تَعَدُّدَ المَشارِقِ، وكَأنَّ الِاكْتِفاءَ بِها لِاسْتِلْزامِها ذَلِكَ مَعَ أنَّ الشُّرُوقَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأبْلَغُ في النِّعْمَةِ. ولِهَذا اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ مُحاجَّةِ النُّمْرُوذِ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ مَشارِقَ الشَّمْسِ مِائَةٌ وثَمانُونَ، ووَفَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ هَذا وما يَقْتَضِيهِ ما تَقَدَّمَ مِن مُضاعَفَةِ العَدَدِ بِأنَّ مَشارِقَها مِن رَأْسِ السَّرَطانِ وهو أوَّلُ بُرُوجِ الصَّيْفِ إلى رَأْسِ الجَدْيِ وهو أوَّلُ بُرُوجِ الشِّتاءِ مُتَّحِدَةٌ مَعَها مِن رَأْسِ الجَدْيِ إلى رَأْسِ السَّرَطانِ فَإنِ اعْتُبِرَ ما كانَتْ عَلَيْهِ وما عادَتْ إلَيْهِ واحِدًا كانَتْ مِائَةً وثَمانِينَ، وإنْ نُظِرَ إلى تَغايُرِهِما كانَتْ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ، وفي هَذا إسْقاطُ الكَسْرِ فَإنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ تَزِيدُ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ بِنَحْوِ سِتَّةِ أيّامٍ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفُسِّرَتِ المَشارِقُ أيْضًا بِمَشارِقِ الكَواكِبِ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿إنّا زَيَّنّا﴾ إلَخْ، وهي لِلسَّيّاراتِ مِنها مُتَفاوِتَةٌ في العَدَدِ، وأكْثَرُها مَشارِقَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ زُحَلُ، ومَشارِقُهُ إلى أنْ يُتِمَّ دَوْرَتَهُ أكْثَرُ مِن مَشارِقِ الشَّمْسِ إلى أنْ تُتِمَّ دَوْرَتَها بِأُلُوفٍ، ومَشارِقُ الثَّوابِتِ إلى أنْ تَتِمَّ الدَّوْرَةُ أكْثَرُ وأكْثَرُ فَلا تَغْفُلْ وتَبَصَّرْ، وتَثْنِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ صفحة 68 عَلى إرادَةِ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما، وإعادَةُ ﴿رَبُّ﴾ هُنا مَعَ المَشارِقِ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيها وتَجَدُّدِها كُلَّ يَوْمٍ

الصافات 37:6

﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيْ أقْرَبَ السَّماواتِ مِن أهْلِ الأرْضِ فالدُّنْيا هُنا مُؤَنَّثُ أدْنى بِمَعْنى أقْرَبَ - أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. ﴿بِزِينَةٍ﴾ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ ﴿الكَواكِبِ﴾ بِالجَرِّ بَدَلٌ مِن ”زِينَةٍ“ بَدَلُ كُلٍّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها الِاسْمُ - أيْ ما يُزانُ بِهِ - لا المَصْدَرُ، فَإنَّ الكَواكِبَ بِأنْفُسِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ زِينَةٌ وأيُّ زِينَةٍ: فَكَأنَّ أجْرامَ النُّجُومِ لَوامِعًا دُرَرٌ نُثِرْنَ عَلى بِساطٍ أزْرَقِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ. وقَرَأ الأكْثَرُونَ ”بِزِينَةِ الكَواكِبِ“ بِالإضافَةِ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ لِما أنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ صادِقَةٌ عَلى كُلِّ ما يُزانُ بِهِ فَتَقَعُ ”الكَواكِبِ“ بَيانًا لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامِيَّةً عَلى أنَّ الزِّينَةَ لِلْكَواكِبِ أضْواؤُها أوْ أوْضاعُها، وتَفْسِيرُها بِالأضْواءِ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الزِّينَةَ مَصْدَرًا كالنِّسْبَةِ وإضافَتُها مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بَتَزْيِينِنا الكَواكِبَ فِيها، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ أيْ زَيَّنّاها بِأنْ زَيَّنَتْها الكَواكِبُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ومَسْرُوقٌ بِخِلافٍ عَنْهُما والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ ”بِزِينَةٍ“ مُنَوَّنًا ”الكَواكِبَ“ نَصْبًا فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”زِينَةٍ“ مَصْدَرًا و”الكَواكِبَ“ مَفْعُولًا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ ولَيْسَ هَذا مِنَ المَصْدَرِ المَحْدُودِ كالضَّرْبَةِ حَتّى يُقالَ: لا يَصِحُّ إعْمالُهُ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ لِأنَّهُ وُضِعَ مَعَ التّاءِ كالكِتابَةِ والإصابَةِ ولَيْسَ كُلَّ تاءٍ في المَصْدَرِ لِلْوَحْدَةِ، وأيْضًا لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةَ الوَحْدَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”الكَواكِبَ“ بَدَلًا مِن ﴿السَّماءَ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ، واشْتِراطُ الضَّمِيرِ مَعَهُ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ إذا لَمْ يَظْهَرُ اتِّصالُ أحَدِهِما بِالآخَرِ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾ . وقِيلَ: اللّامُ بَدَلٌ مِنهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ أوِ المَجْرُورِ وحْدَهُ عَلى القَوْلَيْنِ، وكَوْنَهُ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرٍ أعْنِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ”بِزِينَةٍ“ مُنَوَّنًا ”الكَواكِبُ“ رَفْعًا عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي الكَواكِبُ أوْ فاعِلُ المَصْدَرِ ورَفْعُهُ الفاعِلَ قَدْ أجازَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى قِلَّةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الكَواكِبَ في السَّماءِ الدُّنْيا، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفَتْ حَرَكاتُها وتَفاوَتَتْ سُرْعَةً وبُطْأً لِجَوازِ أنْ تَكُونَ في أفْلاكِها، وأفْلاكُها في السَّماءِ الدُّنْيا وهي ساكِنَةٌ ولَها مِنَ الثِّخَنِ ما يُمْكِنُ مَعَهُ نَضْدُ تِلْكَ الأفْلاكِ المُتَحَرِّكَةِ بِالحَرَكاتِ المُتَفاوِتَةِ وارْتِفاعُ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ. وحَكى النَّيْسابُورِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّكْوِيرِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الكَواكِبَ في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ وتِلْكَ السَّلاسِلُ بِأيْدِي المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو مِمّا يُكَذِّبُهُ الظّاهِرُ ولا أُراهُ إلّا حَدِيثَ خُرافَةٍ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُلَّ الفَلاسِفَةِ مِن أنَّ القَمَرَ وحْدَهُ في السَّماءِ الدُّنْيا وعُطارِدًا في السَّماءِ الثّانِيَةِ والزَّهْرَةَ في الثّالِثَةِ والشَّمْسَ في الرّابِعَةِ والمِرِّيخَ في الخامِسَةِ والمُشْتَرِيَ في السّادِسَةِ وزُحَلَ في السّابِعَةِ والثَّوابِتَ في فَلَكٍ فَوْقَ السّابِعَةِ هو الكُرْسِيُّ بِلِسانِ الشَّرْعِ - فَمِمّا لا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرِهانٌ يُفِيدُ اليَقِينَ، وعَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ لا يَقْدَحُ في الآيَةِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ كَوْنِ السَّماءِ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ - كَوْنُها كَذَلِكَ في رَأْيِ العَيْنِ.

الصافات 37:7

﴿وحِفْظًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿زَيَّنّا﴾ أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عُطِفَ عَلى ”زِينَةٍ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّهُ مَعْنى مَفْعُولٍ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا لَها، والعَطْفُ عَلى المَعْنى كَثِيرٌ وهو غَيْرُ العَطْفِ عَلى المَوْضُوعِ وغَيْرُ عَطْفِ التَّوَهُّمِ صفحة 69 وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لَهُ بِزِيادَةِ الواوِ أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ أيْ ولِحِفْظِها زَيَّنّاها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ”حِفْظِنا“ المَحْذُوفِ أوْ بِـ ”حِفْظًا“، والمارِدُ كالمَرِيدِ المُتَعَرِّي عَنِ الخَيِّراتِ مِن قَوْلِهِمْ شَجَرٌ أمْرَدُ إذا تَعَرّى مِنَ الوَرَقِ، ومِنهُ قِيلَ رَمَلَةٌ مَرْداءُ إذا لَمْ تُنْبِتْ شَيْئًا، ومِنهُ الأمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ الشَّعْرِ، وفُسِرَ هُنا أيْضًا بِالخارِجِ عَنِ الطّاعَةِ وهو في مَعْنى التَّعَرِّي عَنْها،

الصافات 37:8

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ أيْ لا يَتَسَمَّعُونَ وهَذا أصْلُهُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكُلِّ شَيْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّياطِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا يَسْمَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، والمَلَأُ في الأصْلِ جَماعَةٌ يَجْتَمِعُونَ عَلى رَأْيٍ فَيَمْلُئُونَ العُيُونَ رِواءً والنُّفُوسَ جَلالَةً وبَهاءً، ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الجَماعَةِ وعَلى الأشْرافِ مُطْلَقًا، والمُرادُ بِالمَلَأِ الأعْلى المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ لِأنَّهم في جِهَةِ العُلُوِّ ويُقابِلُهُ المَلَأُ الأسْفَلُ وهُمُ الإنْسُ والجِنُّ لِأنَّهم في جِهَةِ السُّفْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم كُتّابُهُمْ، وفُسِّرَ العُلُوُّ عَلى الرِّوايَتَيْنِ بِالعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ. وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِـ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإصْغاءِ أيْ لا يَسْمَعُونَ مُصْغِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى، والمُرادُ نَفْيُ سَماعِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مُصْغِينَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مانِعٍ عَظِيمٍ ودَهْشَةٍ تُذْهِلُهم عَنِ الإدْراكِ، وكَذا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عَنْهُ - وابْنِ وثّابٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ وطِلْحَةَ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ التَّفَعُّلَ لا يُخالِفُ ثُلاثِيَّهُ في التَّعْدِيَةِ، واسْتِعْمالُ تَسَمَّعَ مَعَ إلى لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ مُضَمَّنٍ، وقِيلَ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ عَلَيْها، والتَّفَعُّلِ مُؤْذِنٌ بِالطَّلَبِ فَتَسَمَّعَ بِمَعْنى طَلَبَ السَّماعِ، قِيلَ: ويُشْعِرُ ذَلِكَ بِالإصْغاءِ لِأنَّ طَلَبَ السَّماعِ يَكُونُ بِالإصْغاءِ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ، وإنْ لَمْ يُقَلْ بِالتَّضْمِينِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، ولَعَلَّ الأوْلى القَوْلُ بِالتَّضْمِينِ، ونَفْيُ طَلَبِهِمُ السَّماعَ مَعَ وُقُوعِهِ مِنهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا لِذَلِكَ - إمّا ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ سَماعِهِمْ، أوْ هو عَلى ما قِيلَ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إلى مَحَلِّ الخَطَرُ لِخَوْفِهِمْ مِنَ الرَّجْمِ حَتّى يُدْهَشُوا عَنْ طَلَبِ السَّماعِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ نَفْيَ التَّسَمُّعِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ وهو السَّمْعُ. وقالَ ابْنُ كَمالٍ: عُدِّيَ الفِعْلُ في القِراءَتَيْنِ بِـ ”إلى“ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ أيْ لا يَنْتَهُونَ بِالسَّمْعِ أوِ التَّسَمُّعِ إلى المَلَأِ الأعْلى، ولَيْسَ بِذاكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ الصّادِقِ، والجُمْلَةُ في المَشْهُورِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا ولَمْ يُجَوَّزْ كَوْنُها صِفَةً لِشَيْطانٍ، قالُوا: إذْ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِن شَياطِينَ لا تَسْمَعُ أوْ لا تَسَّمَعُ مَعَ إيهامِهِ لِعَدَمِ الحِفْظِ عَمَّنْ عَداها. وكَذا لِمَ يُجَوَّزْ كَوْنُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا واقِعًا جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ إذِ المُتَبادِرُ أنْ يُؤْخَذَ السُّؤالُ مِن فَحْوى ما قَبْلُهُ فَتَقْدِيرُهُ حِينَئِذٍ لَمْ تُحْفَظْ فَيَعُودُ مَحْذُورَ الوَصْفِيَّةِ، وكَذا كَوْنُها حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ الحالَ كَذَلِكَ يُقَدِّرُها صاحِبُها والشَّياطِينُ لا يُقَدِّرُونَ عَدَمَ السَّماعِ أوْ عَدَمَ التَّسَمُّعِ ولا يُرِيدُونَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَها صِفَةً والمُرادُ حِفْظُ السَّماواتِ مِمَّنْ لا يَسْمَعُ أوْ لا يَسَّمَعُ بِسَبَبِ هَذا الحِفْظِ، وهو نَظِيرُ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾، ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾، ﴿والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ ومِن هُنا لَمْ يَجْعَلْ بَعْضُ الأجِلَّةِ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «مِن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» مِن مَجازِ الأوَّلِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُتَبادِرِ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ: ”اضْرَبِ الرَّجُلَ المَضْرُوبَ“ كَوْنُهُ مَضْرُوبًا بِهَذا الضَّرْبِ المَأْمُورِ بِهِ لا بِضَرْبٍ آخَرَ قَبْلَهُ، وكَذا جَوَّزَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَها صِفَةً وكَوْنَها مُسْتَأْنِفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أيْضًا، ودَفَعَ المَحْذُورَ وأبْعَدَ في ذَلِكَ المَغْزى كَعادَتِهِ في سائِرِ تَحْقِيقاتِهِ فَقالَ: المَعْنى لا يُمَكَّنُونَ مِنَ السَّماعِ صفحة 70 مَعَ الإصْغاءِ أوْ لا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّسَمُّعِ مُبالَغَةً في نَفْيِ السَّماعِ كَأنَّهم مَعَ مُبالَغَتِهِمْ في الطَّلَبِ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن ذَلِكَ، جُعِلَتِ الجُمْلَةُ وصْفًا أوَّلًا جَمْعًا بَيْنَ القِراءَتَيْنِ وتَوْفِيَةً لِحَقِّ الإصْغاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ”إلى“ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَصْفُ شَدِيدَ الطِّباقِ، ورَدُّ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ وارِدٌ عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ (لِمَ تُحْفَظُ؟) ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلِ السُّؤالُ عَمّا يَكُونُ عِنْدَ الحِفْظِ وعَنْ كَيْفِيَّتِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ مِمّا يُحَرِّكُ الذِّهْنَ لَهُ فَقِيلَ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ جَوابًا عَمّا يَكُونُ عِنْدَهُ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها مَبْدَأ اقْتِصاصٍ مُسْتَطْرِدٍ لِئَلّا يَنْقَطِعَ ما لَيْسَ بِمُنْقَطِعٍ مَعْنًى انْتَهى. واسْتَدَقَّهُ الخَفاجِيُّ واسْتَحْسَنَهُ وذَكَرَ أنَّ حاصِلَهُ أنَّهُ لَيْسَ المَنفِيُّ هُنا السَّماعَ المُطْلَقَ حَتّى يَلْزَمَ ما ظَنُّوهُ مِن فَسادِ المَعْنى لِأنَّهُ لَمّا تَعَدّى بِـ”إلى“ وتَضَمَّنَ مَعْنى الإصْغاءِ صارَ المَعْنى حَفِظْناها مِن شَياطِينَ لا تُنْصِتُ لِما فِيها إنْصاتًا تامًّا تَضْبِطُ بِهِ ما تَقُولُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَآلُهُ حَفِظْناها مِن شَياطِينَ مُسْتَرِقَةٍ لِلسَّمْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن خَطِفَ﴾ إلَخْ يُنادِي عَلى صِحَّتِهِ، والمُناقَشَةُ بِحَدِيثِ الأوْصافِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ إنْ جاءَتْ لا تَتِمُّ فالحَدِيثُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسْمَعُوا عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”حِفْظًا“ فَحُذِفَتِ اللّامُ كَما في جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي ثُمَّ حُذِفَتْ أنْ ورُفِعَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: ألّا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي وفِيهِ أنْ حَذَفَ (اللّامَ) وحَذَفَ (أنْ) ورَفَعَ الفِعْلَ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما واقِعًا في الفَصِيحِ إلّا أنَّ اجْتِماعَ الحَذْفَيْنِ مُنْكَرٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وأبُو البَقاءِ يُجَوِّزُ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً وكَوْنَها اسْتِئْنافًا وكَوْنَها حالًا فَلا تَغْفُلْ. ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ أيْ يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ مِن جَوانِبِ السَّماءِ إذا قَصَدُوا الصُّعُودَ إلَيْها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرْمى مِن كُلِّ جانِبٍ بَلْ هو عَلى التَّوْزِيعِ أيْ كُلُّ مَن صَعِدَ مِن جانِبٍ رُمِيَ مِنهُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”يَقْذِفُونَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ولَعَلَّ الفاعِلَ المَلائِكَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَواكِبَ، وأمْرُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ سَهْلٌ.

الصافات 37:9

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿دُحُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ وعِلَّةٌ لِلْقَذْفِ أيْ لِلدُّحُورِ وهو الطَّرْدُ والإبْعادُ، أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ”يُقْذَفُونَ“ كَقَعَدْتُ جُلُوسًا لِتَنْزِيلِ المُتَلازِمَيْنِ مَنزِلَةَ المُتَحَدَّيْنِ فَيُقامُ دُحُورًا مَقامَ قَذْفًا أوْ يقذفون مَقامَ يُدْحَرُونَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يقذفون عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِاسْمِ المَفْعُولِ عَلى القِراءَةِ الشّائِعَةِ وهو في مَعْنى الجَمْعِ لِشُمُولِهِ لِلْكَثِيرِ أيْ مَدْحُورِينَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ جَمْعَ داحِرٍ بِمَعْنى مَدْحُورٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ، وكَوْنُهُ جَمْعَ داحِرٍ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ بِناءً عَلى القِراءَةِ الأُخْرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ دَحْرٍ كَدَهْرٍ ودُهُورٍ وهو ما يُدْحَرُ بِهِ أيْ يَقْذِفُونَ بِدُحُورٍ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ ”دَحُورًا“ بِفَتْحِ الدّالِّ فاحْتُمِلَ كَوْنُهُ نَصْبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أيْضًا، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أظْهَرُ؛ لِأنَّ فَعُولًا بِالفَتْحِ بِمَعْنى ما يُفْعَلُ بِهِ كَثِيرٌ كَطَهُورٍ وغَسُولٍ لِما يُتَطَهَّرُ ويُغْسَلُ بِهِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً كَصَبُورٍ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ قَذْفًا دَحُورًا طارِدًا لَهُمْ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ، وفَعُولٌ في المَصادِرِ نادِرٌ ولَمْ يَأْتِ في كُتُبِ التَّصْرِيفِ مِنهُ إلّا خَمْسَةُ أحْرُفِ الوَضُوءُ والطَّهُورُ والوَلُوعُ والوَقُودُ والقَبُولُ كَما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وزِيدَ عَلَيْهِ الوَزُوعُ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ، والهَوِيُّ بِفَتْحِ الهاءِ بِمَعْنى السُّقُوطِ، والرَّسُولُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ. صفحة 71 ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ﴾ آخَرُ غَيْرُ ما في الدُّنْيا مِن عَذابِ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ ﴿واصِبٌ﴾ أيْ دائِمٌ كَما قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدُوا لِأبِي الأُسُودِ: لا أشْتَرِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ يَوْمًا بِذَمٍّ الدَّهْرَ أجْمَعَ واصِبًا وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالشَّدِيدِ، قِيلَ والأوَّلُ حَقِيقَةُ مَعْناهُ وهَذا تَفْسِيرٌ لَهُ بِلازِمِهِ. والآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا وهو رَجْمُهم دائِمًا وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنَ اسْتِراقِ السَّمْعِ

الصافات 37:10

﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن واوِ (يَسَّمَّعُونَ) و(مَن) بَدَلٌ مِنهُ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ: إذا فُصِلَ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ فالمُخْتارُ النَّصْبُ لِأنَّ الإبْدالَ لِلتَّشاكُلِ وقَدْ فاتَ بِالتَّراخِي، وذَكَرَهُ في البَحْرِ هُنا وجْهًا ثانِيًا، وقِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ عَلى أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ جَوابُها الجُمْلَةُ المَقْرُونَةُ بِالفاءِ بَعْدُ ولَيْسَ بِذاكَ، والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ والأخْذُ بِخِفَّةٍ وسُرْعَةٍ عَلى غَفْلَةِ المَأْخُوذِ مِنهُ، والمُرادُ اخْتِلاسُ كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً كَما يُعَرِّفُ عَنْهُ تَعْرِيفُ الخَطْفَةِ بِلامِ العَهْدِ لِأنَّ المُرادَ بِها أمْرٌ مُعَيَّنٌ مَعْهُودٌ فَهي نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى إرادَةِ الكَلِمَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ”خِطِّفَ“ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً، قالَ أبُو حاتِمٌ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرُ بْنُ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرٍّ والأصْلُ اخْتَطَفَ فَسَكَنَتِ التّاءُ لِلْإدْغامِ وقَبْلَها خاءٌ ساكِنَةٌ فالتَقى ساكِنانِ فَحُرِّكَتِ الخاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ لِلِاتِّباعِ وحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها. وقُرِئَ ”خَطِّفَ“ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، واسْتُشْكِلَتْ بِأنَّ فَتْحَ الخاءِ سَدِيدٌ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ التّاءِ عَلَيْها، وأمّا كَسْرُ الطّاءِ فَلا وجْهَ لَهُ، وقِيلَ في تَوْجِيهِها: إنَّهم نَقَلُوا حَرَكَةَ الطّاءِ إلى الخاءِ وحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ ثُمَّ قَلَبُوا التّاءَ وأدْغَمُوا وحَرَّكُوا الطّاءَ بِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو كَما تَرى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”خِطِفَ“ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفِّفَةً أتْبَعَ - عَلى ما في البَحْرِ - حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ كَما قالُوا نَعَمْ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ أيْ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ عَلى أنَّ أتْبَعَ مِنَ الأفْعالِ بِمَعْنى تَبِعَ الثُّلاثِيِّ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ ﴿شِهابٌ﴾ هو في الأصْلِ الشُّعْلَةُ السّاطِعَةُ مِنَ النّارِ المُوقَدَةِ، والمُرادُ بِهِ العارِضُ المَعْرُوفُ في الجَوِّ الَّذِي يُرى كَأنَّهُ كَوْكَبٌ مُنْقَضٌّ مِنَ السَّماءِ ﴿ثاقِبٌ﴾ مُضِيءٌ كَما قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ كَأنَّهُ ثَقَبَ الجَوَّ بِضَوْئِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدَ الرِّقاشِيِّ أنَّهُ قالَ: يَثْقُبُ الشَّيْطانُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأبِي مِجْلَزٍ فَقالَ: لَيْسَ ذاكَ ولَكِنَّ ثُقُوبَهُ ضَوْءُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ”الثّاقِبُ“ المُتَوَقِّدٌ، وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ ”الثّاقِبُ“ المُحْرِقُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ نَفْسَ الكَواكِبِ الَّتِي زُيِّنَتْ بِها السَّماءُ فَإنَّها لا تَنْقَضُّ وإلّا لانْتَقَصَتْ زِينَةُ السَّماءِ بَلْ لَمْ تَبْقَ، عَلى أنَّ المُنْقَضَّ إنْ كانَ نَفْسَ الكَواكِبِ بِمَعْنى أنَّهُ يَنْقَلِعُ عَنْ مَرْكَزِهِ ويُرْمى بِهِ الخاطِفُ فَيُرى لِسُرْعَةِ الحَرَكَةِ كَرُمْحٍ مِن نارٍ لَزِمَ أنْ يَقَعَ عَلى الأرْضِ وهو إنْ لَمْ يَكُنْ أعْظَمَ مِنها فَلا أقَلَّ مِن أنَّ ما انْقَضَّ مِنَ الكَواكِبِ مِن حِينِ حَدَثَ الرَّمْيُ إلى اليَوْمِ أعْظَمُ مِنها بِكَثِيرٍ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ اليَوْمَ مَغْشِيَّةً بِأجْرامِ الكَواكِبِ، والمُشاهَدَةُ تُكَذِّبُ ذَلِكَ بَلْ لَمْ نَسْمَعْ بِوُقُوعِ جِرْمِ كَوْكَبٍ أصْلًا. وأصْغَرُ الكَواكِبِ عِنْدَ الإسْلامِيِّينَ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وعِنْدَ الفَلاسِفَةِ أعْظَمُ وأعْظَمُ بَلْ صِغارُ الثَّوابِتِ صفحة 72 عِنْدَهم أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ، وإنِ التُزِمَ أنَّهُ يُرْمى بِهِ حَتّى إذا تَمَّ الغَرَضُ رَجَعَ إلى مَكانِهِ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُسْمَعَ لِهَوِيِّهِ صَوْتٌ هائِلٌ، فَإنَّ الشُّهُبَ تَصِلُ إلى مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنَ الأرْضِ، وأيْضًا عَدَمُ مُشاهَدَةِ جِرْمِ كَوْكَبٍ هابِطًا أوْ صاعِدًا يَأْبى احْتِمالَ انْقِلاعِ الكَوْكَبِ والرَّمْيِ بِهِ نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المُنْقَضُّ نُورَهُ فالنُّورُ لا أذى فِيهِ فالأرْضُ مَمْلُوءَةٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ وحَشْوُها الشَّياطِينُ، عَلى أنَّهُ إنْ كانَ المُنْقَضُّ جَمِيعَ نُورِهِ يَلْزَمُ انْتِقاصُ الزِّينَةِ أوْ ذَهابُها بِالكُلِّيَّةِ، وإنْ كانَ بَعْضَ نُورِهِ يَلْزَمُ أنْ تَتَغَيَّرَ أضْواءُ الكَواكِبِ ولَمْ يُشاهِدْ في شَيْءٍ مِنها ذَلِكَ، وأمْرُ انْقِضاضِهِ نَفْسِهِ أوِ انْفِصالِ ضَوْئِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ في الفَلْكِ الثّامِنِ المُسَمّى بِالكُرْسِيِّ عِنْدَ بَعْضِ الإسْلامِيِّينَ، وإنَّهُ لا شَيْءَ في السَّماءِ الدُّنْيا سِوى القَمَرِ أبْعَدُ وأبْعَدُ. والفَلاسِفَةُ يَزْعُمُونَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ عَدَمَ قَبُولِ الفَلَكِ الخَرْقَ والِالتِئامَ إلى أُمُورٍ أُخَرَ، ويَزْعُمُونَ في الشُّهُبِ أنَّها أجْزاءٌ بُخارِيَّةٌ دُخانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ وصَلَتْ كُرَةَ النّارِ فاشْتَعَلَتْ وانْقَلَبَتْ نارًا مُلْتَهِبَةً فَقَدْ تُرى مُمْتَدَّةً إلى طَرَفِ الدُّخانِ ثُمَّ تَرى كَأنَّها طُفِئَتْ، وقَدْ تَمْكُثُ زَمانًا كَذَواتِ الأذْنابِ، ورُبَّما تَتَعَلَّقُ بِها نَفْسٌ عَلى ما فَصَّلُوهُ، وهم مَعَ هَذا لا يَقُولُونَ بِكَوْنِها تُرْمى بِها الشَّياطِينُ بَلْ هم يُنْكِرُونَ حَدِيثَ الرَّمْيِ مُطْلَقًا، وفي النُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ رُجُومٌ لَهُمْ، ولَعَلَّ أقْرَبَ الِاحْتِمالاتِ فى أمْرِ الشُّهُبِ أنَّ الكَوْكَبَ يَقْذِفُ بِشُعاعٍ مِن نُورِهِ فَيَصِلُ أثَرُهُ إلى هَواءٍ مُتَكِيِّفٍ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ يَقْبَلُ بِها الِاشْتِعالَ بِما يَقَعُ عَلَيْهِ مِن شُعاعِ الكَوْكَبِ بِالخاصِّيَّةِ فَيَشْتَعِلُ فَيَحْصُلُ ما يُشاهَدُ مِنَ الشُّهُبِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ ذَلِكَ الهَواءَ المُتَكَيِّفَ بِالكَيْفِيَّةِ المَخْصُوصَةِ إذا وصَلَ إلى مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنَ الجَوِّ أثَّرَتْ فِيهِ أشِعَّةُ الكَواكِبِ بِما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ الخاصِّيَّةِ فَيَشْتَعِلُ فَيَحْصُلُ ما يَحْصُلُ، وتَأْثِيرُ الأشِعَّةِ الحَرْقُ في القابِلِ لَهُ مِمّا لا يُنْكَرُ، فَإنّا نَرى شُعاعَ الشَّمْسِ إذا قُوبِلَ بِبَعْضِ المَناظِرِ عَلى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أحْرَقَ قابِلَ الإحْراقَ ولَوْ تَوَسَّطَ بَيْنَ المَنظَرَةِ وبَيْنَ القابِلِ إناءُ بَلُّورٍ مَمْلُوءٌ ماءً، ويُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَصْرِفُ ذَلِكَ الحاصِلَ إلى الشَّيْطانِ المُسْتَرِقِ لِلسَّمْعِ وقَدْ يَحْدُثُ ذَلِكَ ولَيْسَ هُناكَ مُسْتَرِقٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ الكَيْفِيَّةَ الَّتِي بِها يَقْبَلُ الهَواءُ الإحْراقَ في الهَواءِ الَّذِي في جِهَةِ الشَّيْطانِ، ولَعَلَّ قُرْبَ الشَّيْطانِ مِن بَعْضِ أجْزاءٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الهَواءِ مُعَدٌّ بِخاصِّيَّةٍ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِخَلْقِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ في ذَلِكَ الهَواءِ القَرِيبِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ في بَعْضِ أجْزاءِ الهَواءِ الجَوِّيَّةِ حَيْثُ لا شَيْطانَ هُناكَ أيْضًا. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّهُ يَخْرُجُ شُؤْبُوبٌ مِن شُعاعِ الكَوْكَبِ فَيَتَأذّى بِهِ المارِدُ أوْ يَحْتَرِقُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قادِرٌ عَلى أنْ يُحْرِقَ بِالماءِ ويَرْوِيَ بِالنّارِ، والمُسَبِّباتُ عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، وكُلُّ الأشْياءِ مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى ابْتِداءً عِنْدَ الأشاعِرَةِ، ولا يَلْزَمُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ انْتِقاصُ ضَوْءِ الكَوْكَبِ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ يَلْزَمُ انْتِقاصٌ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ قُلْنا: إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ بِلا فَصْلٍ في الكَوْكَبِ بَدَلَ ما نَقَصَ مِنهُ، وأمْرُهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. ولا يُنافِي ما ذَكَرْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ لِأنَّ جَعْلَها رُجُومًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ؛ لِأنَّهُ بِواسِطَةِ وُقُوعِ أشِعَّةٍ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الهَواءِ تُحْدِثُ الشُّهُبَ، فَهي رُجُومٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، ولا يَتَوَقَّفُ جَعْلُها رُجُومًا عَلى أنْ تَكُونَ نَفْسُها كَذَلِكَ بِأنْ تَنْقَلِعَ عَنْ مَراكِزِها ويُرْجَمُ بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ يُحْرِقُ بِها بَعْضَ الأجْسامِ فَإنَّهُ صادِقٌ فِيما إذا أحْرَقَ بِها بِتَوْسِيطِ بَعْضِ المَناظِرِ وانْعِكاسِ شُعاعِها عَلى قابِلِ الإحْراقِ. وزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ الشُّهُبَ شُعَلٌ نارِيَّةٌ تَحْدُثُ مِن أجْزاءٍ مُتَصاعِدَةٍ صفحة 73 إلى كُرَةِ النّارِ وهي الرُّجُومُ ولِكَوْنِها بِواسِطَةِ تَسْخِينِ الكَواكِبِ لِلْأرْضِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا﴾ عَلى التَّجَوُّزِ في إسْنادِ الجَعْلِ إلَيْها أوْ في لَفْظِها، ولا يَخْفى أنَّ كُرَةَ النّارِ مِمّا لَمْ تَثْبُتْ في كَلامِ السَّلَفِ ولا ورْدَ فِيها عَنِ الصّادِقِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَبَرٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصابِيحُ هي الشُّهُبُ وهي غَيْرُ الكَواكِبِ، وزِينَةُ السَّماءِ بِالمَصابِيحِ لا يَقْتَضِي كَوْنَها فِيها حَقِيقَةً إذْ يَكْفِي كَوْنُها في رَأْيِ العَيْنِ ذَلِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةَ العُلُوِّ وهي مُزَيَّنَةٌ بِالمَصابِيحِ والشُّهُبِ كَما هي مُزَيَّنَةٌ بِالكَواكِبِ. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ وصْفَ السَّماءِ بِالدُّنْيا يُبْعِدُ إرادَةَ الجِهَةِ مِنها. وتُعُقِّبَ ما قَبْلُهُ بِأنَّ المُتَبادِرَ أنَّ المَصابِيحَ هي الكَواكِبُ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ إلّا شَيْءٌ واحِدٌ، وأنَّ كَوْنَ الشُّهُبِ المَعْرُوفَةِ زِينَةَ السَّماءِ مَعَ سُرْعَةِ تَقَضِّيها وزَوالِها، ورُبَّما دُهِشَ مِن بَعْضِها - مِمّا لا يَسْلَمُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ الكَوْكَبِ عَلى الشِّهابِ لِلْمُشابَهَةِ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَواكِبِ ما يَشْمَلُ الشُّهُبَ وزِينَةَ السَّماءِ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، زِيدَ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ما لا يَخْفى ما فِيهِ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَوْكَبَ يَنْفَصِلُ مِنهُ نُورٌ إذا وصَلَ إلى مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنَ الجَوِّ انْقَلَبَ نارًا ورُئِيَ مُنْقَضًّا ولا يُعْجِزُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - شَيْءٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في السَّماءِ كَواكِبَ صِغارًا جِدًّا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ ولَوْ بِالأرْصادِ لِغايَةِ الصِّغَرِ، وهي الَّتِي يُرْمى بِها أنْفُسِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ مِن بابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا﴾ الآيَةَ إنْ كانَ عَلى مَعْنى وحِفْظًا بِها فَهو مِن ذَلِكَ البابِ أيْضًا، وإلّا فالأمْرُ أهْوَنُ فَتَدَبَّرْ. واخْتُلِفَ في أنَّ المَرْجُومَ هَلْ يَهْلِكُ بِالشِّهابِ إذا أصابَهُ أوْ يَتَأذّى بِهِ مِن غَيْرِ هَلاكٍ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ لا تُقْتَلُ بِالشِّهابِ ولا تَمُوتُ ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتَخْبَلُ أيْ يَفْسُدُ مِنها بَعْضُ أعْضائِها، وقِيلَ تَهْلِكُ وتَمُوتُ ومَتى أصابَ الشِّهابُ مَنِ اخْتَطَفَ مِنهم كَلِمَةً قالَ لِلَّذِي يَلِيهِ كانَ كَذا وكَذا قَبْلَ أنْ يَهْلِكَ، ولا يَأْبى تَأْثِيرَ الشِّهابِ فِيهِمْ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ لِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ النّارِ الصِّرْفَةِ كَما أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ مِنَ التُّرابِ الخالِصِ مَعَ أنَّ النّارَ القَوِيَّةَ إذا اسْتَوْلَتْ عَلى الضَّعِيفَةِ اسْتَهْلَكَتْها، وأيًّا ما كانَ لا يُقالُ: إنَّ الشَّياطِينَ ذَوُو فِطْنَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ مِنهُمُ العَوْدُ إلى اسْتِراقِ السَّمْعِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ أنَّ المُسْتَرِقَ يَهْلِكُ أوْ يَتَأذّى الأذى الشَّدِيدَ واسْتِمْرارُ انْقِضاضِ الشُّهُبِ دَلِيلُ اسْتِمْرارِ هَذا الفِعْلِ مِنهم لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ اسْتِمْرارَ هَذا الفِعْلِ مِنهُمْ، واسْتِمْرارُ الِانْقِضاضِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الِانْقِضاضَ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، لِأنَّ الِانْقِضاضَ يَكُونُ لِلِاسْتِراقِ ويَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ أشَرْنا فِيما سَبَقَ أنَّ الهَواءَ قَدْ يَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَحْتَرِقُ بِسَبَبِ أشِعَّةِ الكَواكِبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسْتَرِقٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَرى الشُّهُبَ لِتَعارُضٍ في الأهْوِيَةِ واصْطِكاكٍ يَحْصُلُ مِنهُ ما تَرى؛ كَما يَحْصُلُ البَرْقُ بِاصْطِكاكِ السَّحابِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وحَوادِثُ الجَوِّ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَرَقُوا أوَّلًا فَشاهَدُوا ما شاهَدُوا فَتَرَكُوا واسْتَمَرَّتِ الشُّهُبُ تَحْدُثُ لِما ذُكِرَ لا لِاسْتِراقِ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ أحْيانًا مِمَّنْ حَدَثَ مِنهم ولَمْ يَعْلَمْ بِما جَرى عَلى رُءُوسِ المُسْتَرِقِينَ قَبْلَهُ أوْ مِمَّنْ لا يُبالِي بِالأذى ولا بِالمَوْتِ حُبًّا لِأنْ يُقالَ ما أجْسَرَهُ أوْ ما أشْجَعَهُ مَثَلًا، كَما يُشاهِدُ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ يُقْدِمُونَ في المَعارِكِ عَلى ما يَتَيَقَّنُونَ هَلاكَهم بِهِ حُبًّا لِمِثْلِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ في وصْفِ الشَّيْطانِ بِالمارِدِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ الشِّهابَ قَدْ يُصِيبُ الصّاعِدَ مَرَّةً وقَدْ لا يُصِيبُ كالمَوْجِ لِراكِبِ السَّفِينَةِ ولِذَلِكَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْهُ رَأْسًا فَخِلافُ المَأْثُورِ، فَقَدْ أخْرَجابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ صفحة 74 فِي العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إذا رُمِيَ بِالشِّهابِ لَمْ يُخْطِئْ مَن رُمِيَ بِهِ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ احْتِمالِ أنَّهم قَدْ تَرَكُوا بَعْدَ أنْ صَحَّتْ عِنْدَهُمُ التَّجْرِبَةُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِن أنَّهُ لَمْ يُقْذَفْ بِالنُّجُومِ حَتّى وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا قُذِفَ بِها جَعَلَ النّاسُ يُسَيِّبُونَ أنْعامَهم ويُعْتِقُونَ رَقِيقَهم يَظُنُّونَ أنَّهُ القِيامَةُ فَأتَوْا عَبْدَ يالِيلَ الكاهِنَ وقَدْ عَمِيَ وأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقالَ: انْظُرُوا إنْ كانَتِ النُّجُومَ المَعْرُوفَةَ مِنَ السَّيّارَةِ والثَّوابِتَ فَهو قِيامُ السّاعَةِ وإلّا فَهو أمْرٌ حادِثٌ، فَنَظَرُوا فَإذا هي غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ حَتّى أتى خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ، ووافَقَ عَلى عَدَمِ حُدُوثِهِ قَبْلُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المُنْتَظِمِ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا مِن مَبْعَثِهِ، والصَّحِيحُ أنَّ القَذْفَ كانَ قَبْلَ مِيلادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو كَثِيرٌ في أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ طارِدًا لِلشَّياطِينِ وأنْ يَكُونَ طارِدًا لَهم لَكِنْ لا بِالكُلِّيَّةِ وأنْ يَكُونَ طارِدًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى الِاحْتِمالُ السّابِقُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ يَكُونُ الحادِثُ يَوْمَ المِيلادِ طَرْدَهم بِذَلِكَ، وعَلى الثّانِي طَرْدَهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَشْدِيدَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ لِيَنْحَسِمَ أمْرُهم وتَخْلِيطُهم ويَصِحَّ الوَحْيُ فَتَكُونَ الحُجَّةُ أقْطَعَ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ المِيلادِ طارِدًا لَكِنْ لا بِالكُلِّيَّةِ فَكانَ يُوجَدُ اسْتِراقٌ عَلى النُّدْرَةِ وشُدِّدَ في بَدْءِ البَعْثَةِ، وعَلَيْهِ يُرادُ بِخَبَرِ ”لَمْ يُقْذَفْ بِالنُّجُومِ حَتّى وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ“ أنَّهُ لَمْ يَكْثُرِ القَذْفُ بِها، وعَلى هَذا يُخَرَّجُ غَيْرُهُ إذا صَحَّ. كالخَبَرِ المَنقُولِ في السِّيَرِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ يَخْتَرِقُ السَّماواتِ قَبْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا بُعِثَ أوْ وُلِدَ حُجِبَ عَنْ ثَلاثِ سَماواتٍ ولَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ حُجِبَ عَنْها كُلِّها وقُذِفَتِ الشَّياطِينُ بِالنُّجُومِ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قامَتِ السّاعَةُ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: انْظُرُوا إلى العَيُّوقِ فَإنْ كانَ رُمِيَ بِهِ فَقَدْ آنَ قِيامُ السّاعَةِ وإلّا فَلا، وقالَ بَعْضُهُمْ: اتَّفَقَ المُحَدِّثُونَ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلُ لَكِنْ كَثُرَ وشُدِّدَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ ولِذا قالَ تَعالى ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ولَمْ يَقُلْ حُرِسَتْ، وبِالجُمْلَةِ لا جَزْمَ عِنْدِنا بِأنَّ ما يَقَعُ مِنَ الشُّهُبِ في هَذِهِ الأعْصارِ ونَحْوِها رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ، والجَزْمُ بِذَلِكَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ. هَذا، وقَدِ اسْتُشْكِلَ أمْرُ الِاسْتِراقِ بِأُمُورٍ، مِنها أنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ مَشْغُولُونَ بِأنْواعِ العِبادَةِ أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ فَماذا تَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ مِنهُمْ؟ وإذا قِيلَ: إنَّ مِنهم مَن يَتَكَلَّمُ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ فَهم عَلى (مُحَدَّبِها) والشَّياطِينُ تَسْتَرِقُ تَحْتَ مُقَعِّرِها وبَيْنَهُما كَما صَحَّ في الأخْبارِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَكَيْفَ يَتَأتّى السَّماعُ؟ لا سِيَّما والظّاهِرُ أنَّهم لا يَرْفَعُونَ أصْواتَهم إذا تَكَلَّمُوا بِالحَوادِثِ إذْ لا يَظْهَرُ غَرَضٌ بِرَفْعِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ رَفْعُ صَوْتٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ فَكُرَةُ الهَواءِ تَنْقَطِعُ عِنْدَ كُرَةِ النّارِ ولا يُسْمَعُ صَوْتٌ بِدُونِ هَواءٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِراقَ مِن مَلائِكَةِ العَنانِ وهم يَتَحَدَّثُونَ فِيما بَيْنَهم بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السَّماءِ مِنَ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ، و﴿لَمَسْنا السَّماءَ﴾ طَلَبْنا خَبَرَها أوْ مِنَ المَلائِكَةِ النّازِلِينَ مِنَ السَّماءِ بِالأمْرِ فَإنَّ مَلائِكَةً عَلى أبْوابِ السَّماءِ ومِن حَيْثُ يَنْزِلُونَ يَسْألُونَهم بِماذا تَذْهَبُونَ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ، ولَيْسَ الِاسْتِراقُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى مُحَدَّبِ السَّماءِ، وأمْرُ كُرَةِ النّارِ لا يَصِحُّ، والهَواءُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ وهو كُلَّما رَقَّ ولَطُفَ كانْ أعْوَنَ عَلى السَّماعِ، عَلى أنَّ وُجُودَ الهَواءِ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ السَّماعُ عَلى أُصُولِ الأشاعِرَةِ ومِثْلُهُ عَدَمُ البُعْدِ المُفْرِطِ، وظاهِرُ خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الِاسْتِراقَ مِنَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ قالَ: «إذا قَضى اللَّهُ تَعالى أمْرًا تَكَلَّمَ - تَبارَكَ وتَعالى - فَتَخِرُّ صفحة 75 المَلائِكَةُ كُلُّهم سُجَّدًا، فَتَحْسَبُ الجِنُّ أنَّ أمْرًا يُقْضى فَتَسْتَرِقُ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ورَفَعُوا رُءُوسَهم قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا جَمِيعًا: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ» . وجاءَ في خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ «"إذا أرادَ ذُو العَرْشِ أمْرًا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفا فَيُغْشى عَلَيْهِمْ فَإذا قامُوا قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالَ مَن شاءَ اللَّهُ: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ». ولَعَلَّهُ بَعْدَ هَذا الجَوابِ يُذْكَرُ الأمْرُ بِخُصُوصِهِ فِيما بَيْنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وظاهِرُ ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِ المَلَأِ الأعْلى بِكَتَبَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا أنَّ الِاسْتِراقَ مِن مَلائِكَةٍ في السَّماءِ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ الكَتَبَةَ في السَّماءِ، ولَعَلَّهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّوْحِ ما يُتْلى فَيَكْتُبُونَهُ لِأمْرٍ ما فَتَطْمَعُ الشَّياطِينُ بِاسْتِراقٍ شَيْءٍ مِنهُ، وأمْرُ البُعْدِ كَأمْرِ الهَواءِ لا يَضُرُّ في ذَلِكَ عَلى الأُصُولِ الأشْعَرِيَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدَّعى أنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَحْجُبُ الصَّوْتَ وإنْ كَثُفَ، وكَمْ خاصِّيَّةً أثْبَتَها الفَلاسِفَةُ لِلْأفْلاكِ لَيْسَ عَدَمُ الحَجْبِ أغْرَبَ مِنها. ومِنها أنَّهُ يُغْنِي عَنِ الحِفْظِ مِنَ اسْتِراقِ الشَّياطِينِ عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الصُّعُودِ إلى حَيْثُ يُسْتَرَقُ السَّمْعُ، أوْ أمْرُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِإخْفاءِ كَلامِهِمْ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُونَهُ، أوْ جَعْلُ لُغَتِهِمْ مُخالَفَةً لِلُغَتِهِمْ بِحَيْثُ لا يَفْهَمُونَ كَلامَهم. وأُجِيبَ بِأنَّ وُقُوعَ الأمْرِ عَلى ما وقَعَ مِن بابِ الِابْتِلاءِ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ الحِكَمِ ما فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الإشْكالِ يَجْرِي في أشْياءَ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ كَوْنَ الصّانِعِ حَكِيمًا وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قَدْ راعى الحِكْمَةَ فِيما خَلَقَ وأمَرَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَتّى قِيلَ: لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ - يُحِلُّ ذَلِكَ ولا يَبْقى مَعَهُ سِوى تَطَلُّبِ وجْهِ الحِكْمَةِ، وهو مِمّا يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والكَلامُ في هَذا المَقامِ قَدْ مَرَّ شَيْءٌ مِنهُ فارْجِعْ إلَيْهِ، ومِمّا هُنا وما هُناكَ يَحْصُلُ ما يَسُرُّ النّاظِرِينَ ويُرْضِي العُلَماءَ المُحَقِّقِينَ.

الصافات 37:11

﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أيْ فاسْتَخْبِرْهُمْ، وأصْلُ الِاسْتِفْتاءِ الِاسْتِخْبارُ عَنْ أمْرٍ حَدَثَ، ومِنهُ الفَتى لِحَداثَةِ سِنِّهِ، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، قِيلَ: والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ الجُمَحِيِّ وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ واسْمُهُ أسِيدٌ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ لَنا مِنَ المَخْلُوقاتِ ما سَمِعْتَ أوْ إذا عَرَفْتَ ما مَرَّ فاسْتَخْبِرْ مُشْرِكِي مَكَّةَ واسْألْهم عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ أقْوى خِلْقَةً وأمْتَنُ بِنْيَةً أوْ أصْعَبُ خَلْقًا وأشَقُّ إيجادًا ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما والمَشارِقِ والكَواكِبِ والشَّياطِينِ والشُّهُبِ الثَّواقِبِ. وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ عَهْدِيٌّ أُشِيرَ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ صَراحَةً ودَلالَةً وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”أمْ مِن عَدَدْنا“ وهو مُؤَيِّدٌ لِدَعْوى العَهْدِ بَلْ قاطِعٌ بِها. وقَرَأ الأعْمَشُ ”أمَن“ بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ ”أمْ“ جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرِيًّا فَـ”مَن“ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ خَلَقْنا أشَدُّ؟ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ مُلْتَصِقٍ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أخْرى بِلَفْظِ مُلْتَزِقٍ وبِهِ أجابَ ابْنُ الأزْرَقِ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ النّابِغَةِ: فَلا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ قِيلَ: والمُرادُ مُلْتَزِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ ويَرْجِعُ إلى حُسْنِ العَجْنِ جَيِّدِ التَّخْمِيرِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ يَلْزَقُ بِاليَدِ إذا مُسَّ بِها، وقالَ الطَّبَرَيُّ: خُلِقَ آدَمُ مِن تُرابٍ وماءٍ وهَواءٍ ونارٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ، واللّازِبُ عَلَيْهِ بِمَعْنى اللّازِمِ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وقَدْ قُرِئَ ”لازِمٍ“ بِالمِيمِ بَدَلَ الباءِ و”لاتِبٍ“ بِالتّاءِ بَدَلَ الزّايِ والمَعْنى واحِدٌ. وحُكِيَ في صفحة 76 البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ اللّازِبِ بِالحُرِّ أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: اللّازِبُ الجَيِّدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لازِبٌ أيْ لازِمٌ مُنْتِنٌ، ولَعَلَّ وصْفَهُ بِمُنْتِنٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأيًّا ما كانَ فَخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ، لِأنَّ ما يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ، أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في أمْرِ البَعْثِ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تُرابٌ، فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِنهُ مَرَّةً ثانِيَةً حَيْثُ قالُوا ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ويُعَضِّدُ هَذا - عَلى ما في الكَشّافِ - ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.

الصافات 37:12

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَقْبَلُهُ. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ إمّا عَنْ مُقَدَّرٍ يُشْعِرُ بِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ إلَخْ أيْ هم لا يُقِرُّونَ ولا يُجِيبُونَ بِما هو الحُقُّ بَلْ مِثْلُكَ مِمَّنْ يُذْعِنُ ويَتَعَجَّبُ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ أوْ عَنِ الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ أيْ لا تَسْتَفْتِهِمْ فَإنَّهم مُعانِدُونَ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الِاسْتِفْتاءُ ولا يَتَعَجَّبُونَ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ بَلْ مِثْلُكَ مِمَّنْ يَتَعَجَّبُ مِنها ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ أيْ وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ ومِمّا تُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى بَلْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ هَذِهِ الآياتِ وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ، واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ المَعْنى بَلْ عَجِبْتَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ وهم يَسْخَرُونَ مِن تَعَجُّبِكَ وتَقْرِيرِكَ لِلْبَعْثِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِـ ”مَن خَلَقْنا“ الأُمَمُ الماضِيَةُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَمْ يَسْبِقُ لِهَذِهِ الأُمَمِ ذِكْرٌ وإنَّما سَبَقَ الذِّكْرُ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ولِلسَّماواتِ والأرْضِ وما سَمِعْتَ مَعَ أنَّ حَرْفَ التَّعْقِيبِ مِمّا يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، ومَن قالَ كَصاحِبِ الفَرائِدِ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ سِوى الإمامِ ووَجَّهَهُ بِأنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما هم مُقِرُّونَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ ورَبَّ المَشارِقِ وألْزَمَهم بِذَلِكَ وقابَلُوهُ بِالعِنادِ قِيلَ لَهُمْ: فانْتَظَرُوا الإهْلاكَ كَمَن قَبْلَكم لِأنَّكم لَسْتُمْ أشَدَّ خَلْقًا مِنهم فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِأنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا، أوْ دَلِيلٌ لِاسْتِكْبارِهِمُ المُنْتِجِ لِلْعِنادِ. وأيَّدَهُ بِدَلالَةِ الإضْرابِ واسْتِبْعادِ البَعْثِ بَعْدَهُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِما قَبْلَ الإضْرابِ، فَقَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّفْظَ خَفِيُّ الدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ العِنادِ واسْتِحْقاقِ الإهْلاكِ كَسالِفِ الأُمَمِ. وتَعْلِيلُ نَفْيِ الأشَدِّيَّةِ بِما عَلَّلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوُضُوحِ أنَّ السّابِقِينَ أشَدُّ في ذَلِكَ، وكَمْ مِن ذَلِكَ في الكِتابِ العَزِيزِ، وأمّا الإضْرابُ فَعَنِ الِاسْتِفْتاءِ إلى أنَّ مِثْلَكَ مِمَّنْ يُذْعِنُ ويَتَعَجَّبُ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ وجَعَلَ ما أنْكَرُوهُ مِنَ البَعْثِ مِن بَعْضِ مَساخِرِهِمْ، قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، فَلا تَغْفُلْ! وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ مُقْسِمٍ ”عَجَبْتُ“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخْعِيِّ وابْنِ وثّابٍ وطِلْحَةَ وشَقِيقٍ والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْجَبُ مِن شَيْءٍ، وإنَّما يَعْجَبُ مَن لا يَعْلَمُ، وإنْكارُ هَذا القاضِي مِمّا أُفْتِي بِعَدَمِ قَبُولِهِ لِأنَّهُ في مُقابِلِ بَيِّنَةٍ مُتَواتِرَةٍ، وقَدْ جاءَ أيْضًا في الخَبَرِ «عَجِبَ رَبُّكم مِنَ إلِّكم وقُنُوطِكم». وأُوِّلَتِ القِراءَةُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الفَرْضِ، أيْ: لَوْ كانَ العَجَبُ مِمّا يَجُوزُ عَلَيَّ لَعَجِبْتُ مِن هَذِهِ الحالِ، أوِ التَّخْيِيلِ فَيَجْعَلُ تَعالى كَأنَّهُ لِإنْكارِهِ لِحالِهِمْ يَعُدُّها أمْرًا غَرِيبًا ثُمَّ يَثْبُتُ لَهُ سُبْحانَهُ العَجَبُ مِنها، فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الِاسْتِعارَةُ صفحة 77 تَخْيِيلِيَّةً تَمْثِيلِيَّةً كَما في قَوْلِهِمْ: قالَ الحائِطُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي؟ فَقالَ: سَلْ مِن يَدُقُّنِي!، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مُكَنِّيَةً وتَخْيِيلِيَّةً كَما في نَحْوِ: لِسانُ الحالِ ناطِقٌ بِكَذا، والمَشْهُورُ في أمْثالِهِ الحَمْلُ عَلى اللّازِمِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا فَيُحْمَلُ العَجَبُ عَلى الِاسْتِعْظامِ وهو رُؤْيَةُ الشَّيْءِ عَظِيمًا أيْ بالِغًا في الحُسْنِ أوِ القُبْحِ، والمُرادُ هُنا رُؤْيَةُ ما هم عَلَيْهِ بالِغًا الغايَةَ في القُبْحِ، ولَيْسَ اسْتِعْظامُ الشَّيْءِ مَسْبُوقًا بِانْفِعالٍ يَحْصُلُ في الرُّوعِ عَنْ مُشاهَدَةِ أمْرٍ غَرِيبٍ كَما تُوُهِّمَ لِيُقالَ: إنَّ التَّأْوِيلَ المَذْكُورَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: يُؤَوَّلُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ فالمَعْنى بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ نِحْلَتِهِمْ وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ بِها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا، وقالَ مَكِّيٌّ وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ضَمِيرُ ”عَجِبْتُ“ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قُلْ بَلْ عَجِبْتُ، وعِنْدِي لَوْ قُدِّرَ القَوْلُ بَعْدَ بَلْ كانَ أحْسَنَ، أيْ: بَلْ قُلْ عَجِبْتُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ السَّلَفِ أنَّ العَجَبَ فِينا انْفِعالٌ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ الجَهْلِ بِالسَّبَبِ ولِذا قِيلَ: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ وهو في اللَّهِ تَعالى بِمَعْنًى يَلِيقُ لِذاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِ فَلا يُعَيِّنُونَ المُرادَ والخَلَفُ يُعَيِّنُونَ.

الصافات 37:13

﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ ودَأْبُهم أنَّهم إذا وُعِظُوا بِشَيْءٍ لا يَتَّعِظُونَ بِهِ، أوْ أنَّهم إذا ذُكِرَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِبَلادَتِهِمْ وقِلَّةِ فِكْرِهِمْ، واسْتِفادَةُ الِاسْتِمْرارِ مِن مَقامِ الذَّمِّ، ولَعَلَّ في إذا والعَطْفِ عَلى الماضِي ما يُؤَيِّدُهُ، وقَرَأ ابْنُ حُبَيْشٍ ”ذُكِرُوا“ بِتَخْفِيفِ الكافِ.

الصافات 37:14

﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَن يَعِظْهم ويَدَعُوهم إلى تَرْكِ ما هم فِيهِ إلى ما هو خَيْرٌ، أوْ مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ القائِلِ بِالحَشْرِ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ ويَقُولُونَ إنَّهُ سِحْرٌ، أوْ يَطْلُبُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها، رَوِيَ «أنَّ رَكانَةَ - رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ - لَقِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ وكانَ مِن أقْوى النّاسِ فَقالَ لَهُ: يا رَكانَةُ أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْضَ الآياتِ؛ دَعا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَجَرَةً فَأقْبَلَتْ فَلَمْ يُؤْمِن وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي أضِرابِهِ». وقُرِئَ ”يَسْتَسْحِرُونَ“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ يَعُدُّونَها سِحْرًا.

الصافات 37:15

﴿وقالُوا إنْ هَذا﴾ ما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ في نَفْسِهِ. ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِنا تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِأنَّهُ مُنْقَلِبٌ عَنِ الأجْزاءِ البادِيَةِ، وإذا إمّا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ نُبْعَثُ وفي عامِلِها الكَلامُ المَشْهُورُ، وإمّا مَتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ فَلا جَوابَ لَها ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْضًا لا هو لِأنَّ ما بَعْدُ إنَّ واللّامَ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ أيْ أنُبْعَثُ إذا مِتْنا، وإنْ شِئْتَ فَقَدِّرْهُ مُؤَخَّرًا فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ غايَةَ المُنافاةِ، وكَذا تَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، وكَذا تَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِطَرْحِ الثّانِيَةِ.

الصافات 37:16

﴿وقالُوا إنْ هَذا﴾ ما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ في نَفْسِهِ. ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِنا تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِأنَّهُ مُنْقَلِبٌ عَنِ الأجْزاءِ البادِيَةِ، وإذا إمّا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ نُبْعَثُ وفي عامِلِها الكَلامُ المَشْهُورُ، وإمّا مَتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ فَلا جَوابَ لَها ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْضًا لا هو لِأنَّ ما بَعْدُ إنَّ واللّامَ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ أيْ أنُبْعَثُ إذا مِتْنا، وإنْ شِئْتَ فَقَدِّرْهُ مُؤَخَّرًا فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ غايَةَ المُنافاةِ، وكَذا تَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، وكَذا تَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِطَرْحِ الثّانِيَةِ.

الصافات 37:17

﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ خَبَرِ ”إنَّ“ عَلَيْهِ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ صفحة 78 أيْضًا؟ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها. وهَذا أحَدُ مَذاهِبَ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ. وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ حَذْفَ الخَبَرِ واجِبٌ، فَقَدْ قالَ: قالَ مَن نَحا إلى هَذا المَذْهَبِ: الأصْلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَطْفُ الجُمَلِ إلّا أنَّهم لَمّا حَذَفُوا الخَبَرَ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أنابُوا حَرْفَ العَطْفِ مَكانَهُ، ولَمْ يُقَدِّرُوا - إذْ ذاكَ - الخَبَرَ المَحْذُوفَ في اللَّفْظِ لِئَلّا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنْهُ فَأشْبَهَ عَطْفَ المُفْرَداتِ مِن جِهَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ لَيْسَ بَعْدَهُ في اللَّفْظِ إلّا مُفْرَدٌ. وثانِي المَذاهِبِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ إنْ كانَ مِمّا يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرُ وكانَ الضَّمِيرُ مُؤَكَّدًا أوْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ فاصِلٌ ما وإلّا ضَعُفَ العَطْفُ. ونَسَبَ ابْنُ هِشامٍ هَذا المَذْهَبَ والَّذِي قَبْلَهُ إلى المُحَقِّقِينَ مِنَ البَصْرِيِّينَ. وفي تَأتِّيهِ هُنا مِن غَيْرِ ضَعْفٍ لِلْفَصْلِ بِالهَمْزَةِ بَحْثٌ، فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ عَلى المَعْطُوفِ إلّا إذا كانَ جُمْلَةً لِئَلّا يَلْزَمَ عَمَلُ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها وهو غَيْرُ جائِزٍ لِصَدارَتِها. والجَوابُ بِأنَّ الهَمْزَةَ هُنا مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، فَهي في النِّيَّةِ مُقَدَّمَةٌ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ في الحَقِيقَةِ لَكِنْ فُصِلَ بَيْنِهِما بِما فُصِلَ - قَدْ بُحِثَ فِيهِ بِأنَّ الحَرْفَ لا يُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ بِدُونِ مَدْخُولِهِ، والمَذْكُورُ في النَّحْوِ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدْرُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مُؤَكِّدٍ ومُؤَسِّسٍ مَعَ أنَّ كَوْنَ الهَمْزَةِ في نِيَّةِ التَّقْدِيمِ يُضَعِّفُ أمْرَ الِاعْتِدادِ بِالفَصْلِ بِها لا سِيَّما وهي حَرْفٌ واحِدٌ فَلا يُقاسُ الفَصْلُ بِها عَلى الفَصْلِ بِـ ”لا“ في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ . وثالِثُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”إنَّ“ مَعَ ما عَمِلَتْ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الجُمَلِ في الحَقِيقَةِ، ورابِعُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الرَّفْعَ كانَ بِالِابْتِداءِ وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، وقَدْ بَطَلَ بِالعامِلِ اللَّفْظِيِّ. وأُجِيبَ بِأنَّ وُجُودَهُ كَلا وُجُودٍ لِشِبْهِهِ بِالزّائِدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُغَيِّرُ مَعْنى الجُمْلَةِ وإنَّما يُفِيدُ التَّأْكِيدَ فَقَطْ. واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ كَـ ”مَبْعُوثُونَ“ في الآيَةِ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَبَرًا عَنْهُما وخَبَرُ المُبْتَدَأِ رافِعُهُ الِابْتِداءُ أوِ المُبْتَدَأُ أوْ هُما وخَبَرُ إنَّ رافِعُهُ إنَّ فَيَتَوارَدُ عامِلانِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ: وأُجِيبَ بِأنَّ العَوامِلَ النَّحْوِيَّةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّراتٍ حَقِيقِيَّةً بَلْ هي بِمَنزِلَةِ العَلاماتِ فَلا يَضُرُّ تَوارُدُها عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ وهو كَما تَرى، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ الأوْلى ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ وقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ أرْبابَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ مُتَّفِقُونَ عَلى جَوازِ القَوْلِ الأوَّلِ وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأوْلَوِيَّتِهِ، وأيًّا ما كانَ فَمُرادُ الكَفَرَةِ زِيادَةُ اسْتِبْعادِ بَعْثِ آبائِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ عَلى عُقُولِهِمِ القاصِرَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ في رِوايَةٍ. وقالُونُ ”أوْ“ بِالسُّكُونِ عَلى أنَّها حَرْفُ عَطْفٍ وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ الأرْبَعَةُ إلّا أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الفَصْلِ بِشَيْءٍ أصْلًا.

الصافات 37:18

﴿قُلْ نَعَمْ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأوَّلُونَ والخِطابُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ لَهم ولِآبائِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿نَعَمْ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ كُلُّكم والحالُ أنَّكم صاغِرُونَ أذِلّاءُ، وهَذِهِ الحالُ زِيادَةٌ في الجَوابِ نَظِيرَ ما وقَعَ في «جَوابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ حِينَ جاءَ بِعَظْمٍ قَدْ رَمَّ وجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أتُرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما رَمَّ ؟ فَقالَ ﷺ لَهُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ ”نَعَمْ ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ“» وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَّ الزِّيادَةِ مِنهُ لا تُوافِقُ ما قُرِّرَ في المَعانِي، وإنْ كانَ ذَلِكَ اصْطِلاحًا جَدِيدًا فَلا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، واكْتَفى في الجَوابِ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ عَلى هَذا المِقْدارِ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ اكْتِفاءً بِسَبْقِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ صفحة 79 ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ إلَخْ مَعَ أنَّ المُخْبَرَ قَدْ عَلِمَ صِدْقَهُ بِمُعْجِزاتِهِ الواقِعَةِ في الخارِجِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ الآيَةَ. وهُزْؤُهم وتَسْمِيَتُهم لَها سِحْرًا لا يَضُرُّ طالِبَ الحَقِّ، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لِلِاكْتِفاءِ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ. وقُرِئَ ”قالَ“ أيِ اللَّهُ تَعالى أوْ رَسُولُهُ ﷺ

الصافات 37:19

﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى البَعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَ، وقِيلَ لِلْبَعْثِ والتَّأْنِيثٌ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ. والزَّجْرَةُ الصَّيْحَةُ مِن زَجَرَ الرّاعِي غَنَمَهُ صاحَ عَلَيْها. والمُرادُ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ في الصُّورِ ولَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِنَهْيٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما البَعْثَةُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أوْ لا تَسْتَصْعِبُوها فَإنَّما هي زَجْرَةٌ. وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ وما بَعْدَها مُفَسِّرٌ لِلْبَعْثِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَفْسِيرَ البَعْثِ الَّذِي في كَلامِهِمْ لا وجْهَ لَهُ والَّذِي في الجَوابِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ. وتَفْسِيرُ ما كُنِّيَ عَنْهُ بِنَعَمْ مِمّا لَمْ يُعْهَدُ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِنَعَمْ وهو بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ ما يُقَوِّي إحْضارَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ. وعَدَمُ عَهْدِ التَّفْسِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا جَزْمَ لِي بِهِ. وأبُو حَيّانَ نازَعَ في تَقْدِيرِ الشَّرْطِ فَقالَ: لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أمّا ابْتِداءً فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ والجُمْهُورُ عَلى خِلافٍ والحَقُّ مَعَهُمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مِن تَتِمَّةِ المَقُولِ وإمّا ابْتِداءُ كَلامٍ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ فَإذا هم قِيامٌ مِن مَراقِدِهِمْ أحْياءٌ يُبْصِرُونَ كَما كانُوا في الدُّنْيا أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ

الصافات 37:20

﴿وقالُوا﴾ أيِ المَبْعُوثُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ يا هَلاكَنا احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ اسْتِئْنافٌ مِنهم لِتَعْلِيلِ دُعائِهِمُ الوَيْلَ. والدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ كَما في ”كَما تَدِينُ تُدانُ“ أيْ هَذا اليَوْمِ الَّذِي نُجازى فِيهِ بِأعْمالِنا، وإنَّما عَلِمُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُحاسَبُونَ ويُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ فَلَمّا شاهَدُوا البَعْثَ أيْقَنُوا بِما بَعْدَهُ أيْضًا،

الصافات 37:21

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ كَلامُ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْضًا، ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى ﴿يا ويْلَنا﴾ وجَعَلَ ما بَعْدَهُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى أوْ كَلامَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَهم كَأنَّهم أجابُوهم بِأنَّهُ لا تَنْفَعُ الوَلْوَلَةُ والتَّلَهُّفُ، والفَصْلُ القَضاءُ أوِ الفَرْقُ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ وتَمْيِيزُ كُلٍّ عَنِ الآخَرِ بِدُونِ قَضاءٍ

الصافات 37:22

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلزَّبانِيَةِ: احْشَرُوا إلَخْ، وهو أمْرٌ بِحَشْرِ الظّالِمِينَ مِن أماكِنِهِمُ المُخْتَلِفَةِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ وقِيلَ مِنَ المَوْقِفِ إلى الجَحِيمِ، والسِّباقُ والسِّياقِ يُؤَيِّدانِ الأوَّلَ ﴿وأزْواجَهُمْ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَنِيعٍ في مَسْنَدِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أزْواجَهم أمْثالَهُمُ الَّذِينَ هم مِثْلُهُمْ، يُحْشَرُ أصْحابُ الرِّبا مَعَ أصْحابِ الرِّبا، وأصْحابُ الزِّنا مَعَ أصْحابِ الزِّنا، وأصْحابُ الخَمْرِ مَعَ أصْحابِ الخَمْرِ. وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في لَفْظٍ أشْباهَهم وفي آخَرَ نُظَراءَهم. ورُوِيَ تَفْسِيرُ صفحة 80 الأزْواجِ بِذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وأصْلُ الزَّوْجِ المُقارَنُ كَزَوْجَيِ النَّعْلِ فَأُطْلِقَ عَلى لازَمِهِ وهو المُماثِلُ. وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ نِساءَهُمُ الكافِراتِ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وقِيلَ قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الضَّحّاكِ. والواوُ لِلْعَطْفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ ”وأزْواجُهُمْ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ﴿ظَلَمُوا﴾ - عَلى ما في البَحْرِ - أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. وأنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في مِثْلِهِ، والقِراءَةُ شاذَّةٌ ”وما كانوا يعبدون من دون الله“ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها، وحَشْرُهم مَعَهم لِزِيادَةِ التَّحْسِيرِ والتَّخْجِيلِ، وما قِيلَ عامٌّ في كُلِّ مَعْبُودٍ حَتّى المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَكِنْ خُصَّ مِنهُ البَعْضُ بُقُولِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ. وقِيلَ ما كِنايَةٌ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ فَهي لِما لا يَعْقِلُ فَقَطْ؛ لِأنَّ الكَلامَ في المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ ما عَلى عُمُومِها والأصْنامُ ونَحْوُها غَيْرُ داخِلَةٍ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ إنَّما عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى عِبادَتِها، ولا يُناسِبُ هَذا تَفْسِيرَ ”أزواجهم“ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، ومَعَ هَذا التَّخْصِيصِ أقْرَبُ، وفي هَذا العَطْفِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا المُشْرِكُونَ وهُمُ الأحِقّاءُ بِهَذا الوَصْفِ فَإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَعَرِّفُوهم طَرِيقَها وأرُوهم إيّاهُ، والمُرادُ بِالجَحِيمِ النّارُ ويُطْلَقُ عَلى طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها وهو مِنَ الجُحْمَةِ شِدَّةِ تَأجُّجِ النّارِ، والتَّعْبِيرُ بِالصِّراطِ والهِدايَةِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ

الصافات 37:23

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلزَّبانِيَةِ: احْشَرُوا إلَخْ، وهو أمْرٌ بِحَشْرِ الظّالِمِينَ مِن أماكِنِهِمُ المُخْتَلِفَةِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ وقِيلَ مِنَ المَوْقِفِ إلى الجَحِيمِ، والسِّباقُ والسِّياقِ يُؤَيِّدانِ الأوَّلَ ﴿وأزْواجَهُمْ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَنِيعٍ في مَسْنَدِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أزْواجَهم أمْثالَهُمُ الَّذِينَ هم مِثْلُهُمْ، يُحْشَرُ أصْحابُ الرِّبا مَعَ أصْحابِ الرِّبا، وأصْحابُ الزِّنا مَعَ أصْحابِ الزِّنا، وأصْحابُ الخَمْرِ مَعَ أصْحابِ الخَمْرِ. وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في لَفْظٍ أشْباهَهم وفي آخَرَ نُظَراءَهم. ورُوِيَ تَفْسِيرُ صفحة 80 الأزْواجِ بِذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وأصْلُ الزَّوْجِ المُقارَنُ كَزَوْجَيِ النَّعْلِ فَأُطْلِقَ عَلى لازَمِهِ وهو المُماثِلُ. وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ نِساءَهُمُ الكافِراتِ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وقِيلَ قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الضَّحّاكِ. والواوُ لِلْعَطْفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ ”وأزْواجُهُمْ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ﴿ظَلَمُوا﴾ - عَلى ما في البَحْرِ - أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. وأنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في مِثْلِهِ، والقِراءَةُ شاذَّةٌ ”وما كانوا يعبدون من دون الله“ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها، وحَشْرُهم مَعَهم لِزِيادَةِ التَّحْسِيرِ والتَّخْجِيلِ، وما قِيلَ عامٌّ في كُلِّ مَعْبُودٍ حَتّى المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَكِنْ خُصَّ مِنهُ البَعْضُ بُقُولِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ. وقِيلَ ما كِنايَةٌ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ فَهي لِما لا يَعْقِلُ فَقَطْ؛ لِأنَّ الكَلامَ في المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ ما عَلى عُمُومِها والأصْنامُ ونَحْوُها غَيْرُ داخِلَةٍ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ إنَّما عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى عِبادَتِها، ولا يُناسِبُ هَذا تَفْسِيرَ ”أزواجهم“ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، ومَعَ هَذا التَّخْصِيصِ أقْرَبُ، وفي هَذا العَطْفِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا المُشْرِكُونَ وهُمُ الأحِقّاءُ بِهَذا الوَصْفِ فَإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَعَرِّفُوهم طَرِيقَها وأرُوهم إيّاهُ، والمُرادُ بِالجَحِيمِ النّارُ ويُطْلَقُ عَلى طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها وهو مِنَ الجُحْمَةِ شِدَّةِ تَأجُّجِ النّارِ، والتَّعْبِيرُ بِالصِّراطِ والهِدايَةِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ

الصافات 37:24

﴿وقِفُوهُمْ﴾ أيِ احْبِسُوهم في المَوْقِفِ ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ عَنْ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «”لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِمّا كَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ“،» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُسْألُونَ عَنْ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِهِمْ. ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُسْألُونَ عَنْ وِلايَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَوَوْهُ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ السُّؤالَ عَنِ العَقائِدِ والأعْمالِ، ورَأْسُ ذَلِكَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، ومِن أجَلِّهِ وِلايَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وكَذا وِلايَةُ إخْوانِهِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الحَبْسَ لِلسُّؤالِ بَعْدَ هِدايَتِهِمْ إلى صِراطِ الجَحِيمِ بِمَعْنى تَعْرِيفِهِمْ إيّاهُ ودَلّالَتِهِمْ عَلَيْهِ لا بِمَعْنى إدْخالِهِمْ فِيهِ وإيصالِهِمْ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِراطُ الجَحِيمِ طَرِيقَهم لَهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى مَقَرِّهِمْ وهو مُمْتَدٌّ فَيَجُوزُ كَوْنُ الوَقْفِ في بَعْضٍ مِنهُ مُؤَخَّرًا عَنْ بَعْضٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الوَقْفَ لِلسُّؤالِ قَبْلَ الأمْرِ المَذْكُورِ، والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقِيلَ الوَقْفُ بَعْدَ الأمْرِ عِنْدَ مَجِيئِهِمُ النّارَ، والسُّؤالُ عَمّا يَنْطِقُ بِهِ

الصافات 37:25

قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، والخِطابُ لَهم وآلِهَتِهِمْ أوْ لَهم فَقَطْ، أيْ: ما لَكَمَ لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدُّنْيا، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، وتَأْخِيرُ هَذا السُّؤالِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّهُ وقْتُ تَنْجِيزِ العَذابِ، وشِدَّةُ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ وحالَةُ انْقِطاعِ الرَّجاءِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ حِينَئِذٍ أشَدُّ وقْعًا وتَأْثِيرًا، وقِيلَ: السُّؤالُ عَنْ هَذا في مَوْقِفِ المُحاسَبَةِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ حِسابِهِمْ، والأمْرُ بِهِدايَتِهِمْ إلى الجَحِيمِ كَأنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا أُمِرُوا بِهِدايَتِهِمْ إلى النّارِ وتَوْجِيهِهِمْ إلَيْها سارَعُوا إلى ما أُمِرُوا بِهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: قِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ بِهِدايَتِهِمْ إلى الجَحِيمِ إنَّما هو بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعِ أعْذارِهِمْ وذَلِكَ بَعْدَ مُحاسَبَتِهِمْ، وعَطْفُ (اهْدُوهُمْ) عَلى (احْشُرُوا) بِالفاءِ صفحة 81 إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ وُقُوعِ حِسابِهِمْ، وسُؤالُهُمْ: ما لَكم لا تُناصِرُونَ؟ الألْيَقُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يَقْتَضِي التَّناصُرَ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ الحِسابِ والأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ، فَلَعَلَّ الوَقْفَ لِهَذا السُّؤالِ في ابْتِداءِ تَوَجُّهِهِمْ إلى النّارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ عِيسى ”أنَّهُمْ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ ”لِأنَّهُمْ“، وقَرَأ البَّزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”لا تَتَناصَرُونَ“ بِتاءَيْنِ بِلا إدْغامٍ، وقُرِئَ بِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى.

الصافات 37:26

﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِعَجُزِهِمْ وانْسِدادِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِسْلامِ طَلَبُ السَّلامَةِ، والِانْقِيادُ لازِمٌ لِذَلِكَ عُرْفًا؛ فَلِذا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، أوْ مُتَسالِمُونَ كَأنَّهُ يُسَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِلْهَلاكِ ويَخْذُلُهُ، وجُوِّزَ في الإضْرابِ أنْ يَكُونَ عَنْ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ لا يُنازِعُونَ في الوُقُوفِ وغَيْرِهِ بَلْ يَنْقادُونَ أوْ يُخْذَلُونَ، أوْ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ لا يَقْدِرُ بَعْضُهم عَلى نَصْرِ بَعْضٍ بَلْ هم مُنْقادُونَ لِلْعَذابِ أوْ مَخْذُولُونَ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ هُمُ الأتْباعُ والرُّؤَساءُ المُضِلُّونَ أوِ الكَفَرَةُ مِنَ الإنْسِ وقُرَناؤُهم مِنَ الجِنِّ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنُ زَيْدٍ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ تَقْرِيعٍ بِطَرِيقِ الخُصُومَةِ والجِدالِ

الصافات 37:27

﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِعَجُزِهِمْ وانْسِدادِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِسْلامِ طَلَبُ السَّلامَةِ، والِانْقِيادُ لازِمٌ لِذَلِكَ عُرْفًا؛ فَلِذا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، أوْ مُتَسالِمُونَ كَأنَّهُ يُسَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِلْهَلاكِ ويَخْذُلُهُ، وجُوِّزَ في الإضْرابِ أنْ يَكُونَ عَنْ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ لا يُنازِعُونَ في الوُقُوفِ وغَيْرِهِ بَلْ يَنْقادُونَ أوْ يُخْذَلُونَ، أوْ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ لا يَقْدِرُ بَعْضُهم عَلى نَصْرِ بَعْضٍ بَلْ هم مُنْقادُونَ لِلْعَذابِ أوْ مَخْذُولُونَ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ هُمُ الأتْباعُ والرُّؤَساءُ المُضِلُّونَ أوِ الكَفَرَةُ مِنَ الإنْسِ وقُرَناؤُهم مِنَ الجِنِّ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنُ زَيْدٍ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ تَقْرِيعٍ بِطَرِيقِ الخُصُومَةِ والجِدالِ

الصافات 37:28

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَتَساءَلُونَ؟ فَقِيلَ: قالُوا أيِ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ أوِ الكَفَرَةُ مُطْلَقًا لِلْقُرَناءِ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدُّنْيا ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن جِهَةِ الخَيْرِ وناحِيَتِهِ فَتَنْهَوْنَنا عَنْهُ وتَصُدُّونَنا قالَهُ قَتادَةُ، ولِشَرَفِ اليَمِينِ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا دُنْيا وأُخْرى اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَحْقِيقِيَّةً، وجُعِلَتِ اليَمِينُ مَجازًا عَنْ جِهَةِ الخَيْرِ مَعَ أنَّهُ مَجازٌ في نَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا عَلى المَجازِ لِأنَّ جِهَةَ الخَيْرِ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمالِهِ التَحَقَ بِالحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ فِيهِ المَجازُ عَلى المَجازِ كَما قالُوا في المَسافَةِ؛ فَإنَّها مَوْضِعُ الشَّمِّ في الأصْلِ لِأنَّهُ مِن سافَ التُّرابَ إذا شَمَّهُ فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الطَّرِيقِ أخَذَ تُرابًا فَشَمَّهُ لِيَعْرِفَ أنَّهُ مَسْلُوكٌ أوْ لا، ثُمَّ جُعِلَ عِبارَةً عَنِ البُعْدِ بَيْنَ المَكانَيْنِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِفَرْقِ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ ولا بُعْدَ هُناكَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم حَمْلَ الكَلامِ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ واعْتِبارَ التَّجَوُّزِ في مَجْمُوعِ ﴿تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ لِمَعْنى تَمْنَعُونَنا وتَصُدُّونَنا عَنِ الخَيْرِ، فَيَسْلَمُ الكَلامُ مِن دَعْوى المَجازِ عَلى المَجازِ؛ وكَأنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ الإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الخَيْرَ الَّذِي يَزْعُمُهُ المُضِلُّونَ خَيْرًا، وأنَّ المَعْنى تَأْتُونَنا مِن جِهَةِ الخَيْرِ وتَزْعُمُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ودِينَ حَقٍّ فَتَخْدَعُونَنا وتُضِلُّونَنا، وحُكِيَ هَذا عَنِ الزَّجّاجِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِن جِهَةِ النَّصِيحَةِ واليُمْنِ والبَرَكَةِ فَتُرَغِّبُونَنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتُضِلُّونَنا، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ اليَمِينُ مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ فَإنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالقُوَّةِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ فَكَأنَّهُ أطْلَقَ المَحَلَّ عَلى الحالِ أوِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ وتَشْبِيهِ القُوَّةِ بِالجانِبِ الأيْمَنِ في التَّقَدُّمِ ونَحْوِهِ، والمَعْنى إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتَقْسِرُونا عَلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْ يَكُونَ اليَمِينُ حَقِيقَةً بِمَعْنى القَسَمِ ومَعْنى إتْيانِهِمْ عَنْهُ أنَّهم يَأْتُونَهم مُقْسِمِينَ لَهم عَلى حَقِّيَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وعَنْ بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ أنْ يُفَسَّرَ اليَمِينُ بِالشَّهْوَةِ والهَوى لِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ مَوْضِعَ الكَبِدِ، وهو مُخالِفٌ لِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ مَن أتاهُ الشَّيْطانُ مِن جِهَةِ صفحة 82 اليَمِينِ أتاهُ مِن قِبَلِ الدِّينِ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ الحَقَّ، ومَن أتاهُ مِن جِهَةِ الشَّمالِ أتاهُ مِن قِبَلِ الشَّهَواتِ، ومَن أتاهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ أتاهُ مِن قِبَلِ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ والثَّوابِ والعِقابِ، ومَن أتاهُ مِن خَلْفِهِ خَوَّفَهُ الفَقْرَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى مَن يُخَلِّفُ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِلْ رَحِمًا ولَمْ يُؤَدِّ زَكاةً.

الصافات 37:29

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى طِرْزِ السّابِقِ، أيْ قالَ الرُّؤَساءُ، أوْ قالَ القُرَناءُ في جَوابِهِمْ بِطَرِيقِ الإضْرابِ عَمّا قالُوهُ لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهو إنْكارٌ لِإضْلالِهِمْ إيّاهم أيْ أنْتُمْ أضْلَلْتُمْ أنْفُسَكم بِالكُفْرِ ولَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ في حَدِّ ذاتِكم لا أنّا نَحْنُ أضْلَلْناكُمْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وتَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ اخْتِيارَكم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ مُجاوَزِينَ الحَدَّ في العِصْيانِ مُخْتارِينَ لَهُ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ - جَوابٌ آخَرُ تَسْلِيمِيٌّ عَلى فَرْضِ إضْلالِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَجْبُرُوهم عَلَيْهِ وإنَّما دَعَوْهم لَهُ فَأجابُوا بِاخْتِيارِهِمْ لِمُوافَقَةِ ما دُعُوا لَهُ هَواهُمْ، وقِيلَ: الكُلُّ جَوابٌ واحِدٌ مُحَصِّلُهُ: إنَّكُمُ اتَّصَفْتُمْ بِالكُفْرِ مِن غَيْرِ جَبْرِ عَلَيْهِ،

الصافات 37:30

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى طِرْزِ السّابِقِ، أيْ قالَ الرُّؤَساءُ، أوْ قالَ القُرَناءُ في جَوابِهِمْ بِطَرِيقِ الإضْرابِ عَمّا قالُوهُ لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهو إنْكارٌ لِإضْلالِهِمْ إيّاهم أيْ أنْتُمْ أضْلَلْتُمْ أنْفُسَكم بِالكُفْرِ ولَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ في حَدِّ ذاتِكم لا أنّا نَحْنُ أضْلَلْناكُمْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وتَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ اخْتِيارَكم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ مُجاوَزِينَ الحَدَّ في العِصْيانِ مُخْتارِينَ لَهُ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ - جَوابٌ آخَرُ تَسْلِيمِيٌّ عَلى فَرْضِ إضْلالِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَجْبُرُوهم عَلَيْهِ وإنَّما دَعَوْهم لَهُ فَأجابُوا بِاخْتِيارِهِمْ لِمُوافَقَةِ ما دُعُوا لَهُ هَواهُمْ، وقِيلَ: الكُلُّ جَوابٌ واحِدٌ مُحَصِّلُهُ: إنَّكُمُ اتَّصَفْتُمْ بِالكُفْرِ مِن غَيْرِ جَبْرِ عَلَيْهِ،

الصافات 37:31

وقَوْلُهُمْ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى صَرِيحِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ إيمانِ أُولَئِكَ المُخاصِمِينَ لَهم وكَوْنِهِمْ قَوْمًا طاغِينَ في حَدِّ ذاتِهِمْ، وعَلى ما اقْتَضاهُ وأشْعَرَ بِهِ خِصامُهم مِن كُفْرِ هَؤُلاءِ المُجِيبِينَ لِأُولَئِكَ الطّاغِينَ وغَوايَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضَمائِرُ الجَمْعِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَكَأنَّهم قالُوا: ولِأجْلِ أنّا جَمِيعًا في حَدِّ ذاتِنا لَمْ نَكُنْ مُؤْمِنِينَ وكُنّا قَوْمًا طاغِينَ لَزِمْنا قَوْلُ رَبِّنا وخالِقِنا العالِمِ بِما نَحْنُ عَلَيْهِ وبِما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُنا، وثَبَتَ عَلَيْنا وعِيدُهُ سُبْحانَهُ بِأنّا ذائِقُونَ - لا مَحالَةَ - لِعَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُرادُهم أنَّ مَنشَأ الخِصامِ في الحَقِيقَةِ الَّذِي هو العَذابُ أمْرٌ مَقْضِيٌّ لا مَحِيصَ عَنْهُ، وأنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى كُلٍّ مِنّا بِسَبَبِ أمْرٍ هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ وقَدِ اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهُ وفَعَلَهُ بِاخْتِيارِهِ فَلا يَلُومَنَّ بَعْضُنا بَعْضًا ولَكِنْ لِيَلُمْ كُلٌّ مِنّا نَفْسَهُ، ونَظَمُوا أنْفُسَهم مَعَهم في ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في سَدِّ بابِ اللَّوْمِ والخِصامِ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ،

الصافات 37:32

والفاءُ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ أيْ فَدَعَوْناكَمْ إلى الغَيِّ لِتَفْرِيعِ الدُّعاءِ المَذْكُورِ عَلى حَقِّيَةِ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ لا لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ كَما قِيلَ، وعِلِيَّةُ ذَلِكَ لِلدُّعاءِ بِاعْتِبارِ أنَّ وُجُودَهُ الخارِجِيَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لا بِاعْتِبارِ أنَّ إصْدارَهُ وإيقاعَهُ مِنهم عَلى المُخاطَبِينَ كانَ بِمُلاحَظَةِ ذَلِكَ كَما تُلاحَظُ العِلَلُ الغائِيَّةُ في الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ رُؤَساءَ الكَفْرِ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ في الدُّنْيا حَقِّيَةَ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القُرَناءُ مِنَ الشَّياطِينِ عالِمِينَ بِذَلِكَ مِن أبِيهِمْ، وكَذا تَسْمِيَةُ دُعائِهِمْ إيّاهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ إغْواءً أيْ دُعاءً إلى الغَيِّ بِناءً عَلى أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ مِنَ الرُّؤَساءِ بِاعْتِبارِ نَفْسِ الأمْرِ الَّتِي ظَهَرَتْ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ بِناءً عَلى أنَّهم إنَّما عَلِمُوا ذَلِكَ يَوْمَ التَّساؤُلِ والخِصامِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَها، وكَأنَّ ما أشْعَرَ بِهِ التَّفْرِيعُ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الإغْواءِ بِالمُخاطَبِينَ وهَذا بِاعْتِبارِ صُدُورِ الإغْواءِ نَفْسِهِ مِنهُمْ، وهو تَصْرِيحٌ بِما يُسْتَفادُ مِنَ التَّفْرِيعِ السّابِقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى وجْهِ تَرَتُّبِ إغْوائِهِمْ إيّاهم عَلى حَقِّيَةِ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ وهو حُبُّ أنْ يَتَّصِفَ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ بِنَحْوِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الغَيِّ ويَكُونُوا مِثْلَهم فِيهِ. ومُلَخَّصُ كَلامِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِنّا في حَقِّكم - عَلى الحَقِيقَةِ - سِوى حُبِّ أنْ تَكُونُوا مِثْلَنا وهو غَيْرُ ضارٍّ لَكم وإنَّما الضّارُّ سُوءُ اخْتِيارِكم وقُبْحُ اسْتِعْدادِكم فَذَلِكَ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَقِّيَةُ الوَعِيدِ عَلَيْكم وثُبُوتُ هَذا العَذابِ لَكم. وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهم نَفَوْا عَنْهُمُ الإيمانَ والِاعْتِقادَ الحَقَّ، وأثْبَتُوا لَهُمُ الطُّغْيانَ ومُجاوَزَةَ الحَدِّ في العِصْيانِ؛ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما يُوجِبُ الِاعْتِقادَ صفحة 83 الصَّحِيحِ مَعَ كَثْرَتِهِ وظُهُورِهِ، ورَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ البَحْثُ حَقِّيَةَ الوَعِيدِ، وفَرَّعُوا عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أنَّهم دَعَوْهم إلى الغَيِّ مُرادًا بِهِ الكُفْرُ لِاعْتِقادِ أمْرٍ فاسِدٍ لا مُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ أيْ عَدَمِ التَّصْدِيقِ بِما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِدُونِ اعْتِقادِ أمْرٍ آخَرَ يُكْفَرُ بِاعْتِقادِهِ، وأشارُوا إلى وجْهِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى ما ذُكِرَ وهو مَحَبَّةُ أنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْتُمْ تارِكِينَ الِاعْتِقادَ الحَقَّ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ مَعَ ظُهُورِ أدِلَّتِهِ وكَثْرَتِها، وكُنّا جَمِيعًا قَدْ حَقَّ عَلَيْنا الوَعِيدُ فَدَعَوْناكم إلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنِ الِاعْتِقادِ الفاسِدِ حُبًّا لِأنْ تَكُونُوا أُسْوَةَ أنْفُسِنا وهَذا كَقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ قالَ الرّاغِبُ: هو إعْلامٌ مِنهم أنّا قَدْ فَعَلْنا بِهِمْ غايَةَ ما كانَ في وُسْعِ الإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ بِصَدِيقِهِ ما يُرِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ أفَدْناهم ما كانَ لَنا وجَعَلْناهم أُسْوَةَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ انْتَهى. وجُوِّزَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ مُفَرَّعًا عَلى شَرْحِ حالِ المُخاطَبِينَ مِنِ انْتِفاءِ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ وثُبُوتِ كَوْنِهِمْ طاغِينَ وعَنِ الآياتِ مُعْرِضِينَ، وقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ ...إلَخِ اعْتِراضٌ لِتَعْجِيلِ بَيانِ أنَّ ما الفَرِيقانِ فِيهِ أمْرٌ مَقْضِيٌّ لا يَنْفَعُ فِيهِ القِيلُ والقالُ والخِصامُ والجِدالُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ ... إلَخِ الرُّؤَساءُ أوِ القُرَناءُ لا ما يَعُمُّهم والمُخاطَبِينَ، وأشارُوا بِذَلِكَ إلى أنَّ ما هم فِيهِ يَكْفِي عَنِ اللَّوْمِ ويُومِئُ إلى زِيادَةِ عَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَجْوِيزَ الِاعْتِراضِ لا يَخْلُو عَنِ اعْتِراضٍ، وتَجْوِيزُ كَوْنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْنا﴾ إلَخْ لِلرُّؤَساءِ أوِ القُرَناءِ يَجْرِي عَلى غَيْرِ هَذا الِاحْتِمالِ فَتَدَبَّرْ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ هو قَوْلُ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - ووَعِيدُهُ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، ولَوْ حُكِيَ كَما قِيلَ لَقِيلَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ. ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي وهَلْ لِي غَيْرُ ما أنْفَقْتُ مالُ ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ:”قَلَّ مالُكَ“ ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ احْلِفْ لَأخْرُجَنَّ ولَتَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلَّفِ عَلى المُحَلَّفِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: قَوْلُ الرَّبِّ - عَزَّ وجَلَّ - هو قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ والرَّبْطُ عَلى ما تَقَدَّمَ أظْهَرُ

الصافات 37:33

﴿”فَإنَّهُمْ“﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ المُتَسائِلَيْنِ، والكَلامُ تَفْرِيعٌ عَلى ما شُرِحَ مِن حالِهِمْ ”يَوْمَئِذٍ“ أيْ يَوْمَ إذْ يَتَساءَلُونَ والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿فِي العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ. واسْتُظْهِرَ أنَّ المُغْوِينَ أشَدُّ عَذابًا وذَلِكَ في مُقابَلَةِ أوْزارِهِمْ وأوْزارٍ مِثْلِ أوْزارِهِمْ فالشَّرِكَةُ لا تَقْتَضِي المُساواةَ ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ البَدِيعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِالمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ والتَّلْقِينِ ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ القَبُولِ. وفِي إعْرابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ اسْمِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ الأصْلِيِّ وهو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وإلّا مُغْنِيَةٌ عَنِ الرَّبْطِ بِالضَّمِيرِ. وإذا قُلْنا إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ قِسْمٌ عَلى حِدَةٍ مُغايِرٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الأبْدالِ انْدَفَعَ عَنْ هَذا الوَجْهِ كَثِيرٌ مِنَ القِيلِ والقالِ وهو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ، والخَبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مُقَدَّرٌ والمَشْهُورُ تَقْدِيرُهُ ”مَوْجُودٌ“، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ وهم إنَّما يَزْعُمُونَ وُجُودَ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ولا يَقُولُونَ بِمُجَرَّدِ الإمْكانِ عَلى أنَّ نَفْيَ الوُجُودِ في هَذا صفحة 84 المَقامِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ وكَذا نَفْيُ الإمْكانِ عَمَّنْ عَداهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لَهُ تَعالى. وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ ”مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ“، ونَفْيُ اسْتِحْقاقِها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ لَكِنْ لا يَتِمُّ هَذا التَّقْدِيرُ عَلى تَفْسِيرِ الإلَهِ بِالمُسْتَحَقِّ بِالعِبادَةِ كَما لا يَخْفى. واخْتارَ البازِلِيُّ تَقْدِيرَ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا عَنْ ”إلّا اللَّهُ“ بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ - مُقَدَّمًا - يُوهِمُ كَوْنَ الِاسْمِ مُسْتَثْنًى مُفَرَّغًا مِن ضَمِيرِ الخَبَرِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وأجازَهُ بَعْضٌ، وهو القَوْلُ الثّانِي، والثّالِثُ - ونُسِبَ إلى الكُوفِيِّينَ - أنَّ ”إلّا“ عاطِفَةٌ والِاسْمَ الجَلِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الإلَهِ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ وهي عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ لا العاطِفَةِ في أنَّ ما بَعْدَها يُخالِفُ ما قَبْلَها إلّا أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإيجابِ وإلّا لِإيجابِ النَّفْيِ، والرّابِعُ أنَّ الِاسْمَ الكَرِيمَ هو الخَبَرُ ولا عَمَلَ لَها فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ الخَبَرَ مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلَ دُخُولِها، فَلا يَلْزَمُ عَمَلُها في المَعارِفِ عَلى رَأْيِهِ وهو لازِمٌ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِهِ وكَذا بِلُزُومِ كَوْنِ الخاصِّ خَبَرًا عَنِ العامِّ. وكَوْنُ الكَلامِ مَسُوقًا لِنَفْيِ العُمُومِ والتَّخْصِيصِ بِواحِدٍ مِن أفْرادِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العامُّ لا يُجْدِي نَفْعًا ضَرُورَةَ أنَّ ”لا“ هَذِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، والخامِسُ أنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ وهي مَعَ اسْمِهِ - عَزَّ اسْمُهُ - صِفَةٌ لِاسْمِ ”لا“ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ أيْ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى في الوُجُودِ، ولا خَلَلَ فِيهِ صِناعَةً وإنَّما الخَلَلُ فِيهِ - كَما قِيلَ - مَعْنًى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ - تَعالى - وإثْباتُها لَهُ - سُبْحانَهُ - وعَلى الِاسْتِثْناءِ يُسْتَفادُ كُلٌّ مِنَ المَنطُوقِ، وعَلى هَذا لا يُفِيدُ المَنطُوقُ إلّا نَفْيَ الأُلُوهِيَّةِ مِن غَيْرِهِ - تَعالى - دُونَ إثْباتِها لَهُ - عَزَّ وجَلَّ، واعْتِبارُ المَفْهُومِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ؛ لا سِيَّما مَفْهُومَ اللَّقَبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الدَّقائِقُ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ، والسّادِسُ - ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ - أنَّ ”لا إلَهَ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ و”إلّا اللَّهُ“ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، والأصْلُ اللَّهُ إلَهٌ فَلَمّا أُرِيدُ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِـ”إلّا“ إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي ”إلّا“ والمَقْصُورُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا قُرِنَ بِـ”إلّا“ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلَيْهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ، وفِيهِ تَمَحُّلٌ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا مَعَ لا وهي لا يُبْنى مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ ”إلّا“ وجْهٌ، وقَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ في هَذا التَّرْتِيبِ وتَرْكُ كَلامِهِمْ لِواحِدٍ إنِ التَزَمْتَهُ لا تَجِدُ لَكَ ثانِيًا فِيهِ، والسّابِعُ: أنَّ الِاسْمَ المُعَظَّمَ مَرْفُوعٌ بِـ”إلَهَ“ كَما هو حالُ المُبْتَدَأِ إذا كانَ وصْفًا فَإنَّ إلَهًا بِمَعْنى مَأْلُوهٍ مِن ألَهَ إذا عَبَدَ فَيَكُونُ قائِمًا مُقامَ الفاعِلِ وسادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ كَما في ما مَضْرُوبٌ العُمُرانِ. وتُعُقِّبَ بِمَنعِ أنْ يَكُونَ ”إلَهَ“ وصْفًا وإلّا لَوَجَبَ إعْرابُهُ وتَنْوِينُهُ ولا قائِلَ بِهِ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ يَنْدَرِجُ فِيها مُعْظَمُ عَقائِدِ الإيمانِ لَكِنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنها التَّوْحِيدُ ولِذا كانَ المُشْرِكُونَ إذا لُقِّنُوها أوَّلًا يَسْتَكْبِرُونَ ويَنْفِرُونَ

الصافات 37:34

﴿”فَإنَّهُمْ“﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ المُتَسائِلَيْنِ، والكَلامُ تَفْرِيعٌ عَلى ما شُرِحَ مِن حالِهِمْ ”يَوْمَئِذٍ“ أيْ يَوْمَ إذْ يَتَساءَلُونَ والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿فِي العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ. واسْتُظْهِرَ أنَّ المُغْوِينَ أشَدُّ عَذابًا وذَلِكَ في مُقابَلَةِ أوْزارِهِمْ وأوْزارٍ مِثْلِ أوْزارِهِمْ فالشَّرِكَةُ لا تَقْتَضِي المُساواةَ ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ البَدِيعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِالمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ والتَّلْقِينِ ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ القَبُولِ. وفِي إعْرابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ اسْمِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ الأصْلِيِّ وهو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وإلّا مُغْنِيَةٌ عَنِ الرَّبْطِ بِالضَّمِيرِ. وإذا قُلْنا إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ قِسْمٌ عَلى حِدَةٍ مُغايِرٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الأبْدالِ انْدَفَعَ عَنْ هَذا الوَجْهِ كَثِيرٌ مِنَ القِيلِ والقالِ وهو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ، والخَبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مُقَدَّرٌ والمَشْهُورُ تَقْدِيرُهُ ”مَوْجُودٌ“، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ وهم إنَّما يَزْعُمُونَ وُجُودَ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ولا يَقُولُونَ بِمُجَرَّدِ الإمْكانِ عَلى أنَّ نَفْيَ الوُجُودِ في هَذا صفحة 84 المَقامِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ وكَذا نَفْيُ الإمْكانِ عَمَّنْ عَداهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لَهُ تَعالى. وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ ”مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ“، ونَفْيُ اسْتِحْقاقِها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ لَكِنْ لا يَتِمُّ هَذا التَّقْدِيرُ عَلى تَفْسِيرِ الإلَهِ بِالمُسْتَحَقِّ بِالعِبادَةِ كَما لا يَخْفى. واخْتارَ البازِلِيُّ تَقْدِيرَ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا عَنْ ”إلّا اللَّهُ“ بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ - مُقَدَّمًا - يُوهِمُ كَوْنَ الِاسْمِ مُسْتَثْنًى مُفَرَّغًا مِن ضَمِيرِ الخَبَرِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وأجازَهُ بَعْضٌ، وهو القَوْلُ الثّانِي، والثّالِثُ - ونُسِبَ إلى الكُوفِيِّينَ - أنَّ ”إلّا“ عاطِفَةٌ والِاسْمَ الجَلِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الإلَهِ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ وهي عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ لا العاطِفَةِ في أنَّ ما بَعْدَها يُخالِفُ ما قَبْلَها إلّا أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإيجابِ وإلّا لِإيجابِ النَّفْيِ، والرّابِعُ أنَّ الِاسْمَ الكَرِيمَ هو الخَبَرُ ولا عَمَلَ لَها فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ الخَبَرَ مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلَ دُخُولِها، فَلا يَلْزَمُ عَمَلُها في المَعارِفِ عَلى رَأْيِهِ وهو لازِمٌ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِهِ وكَذا بِلُزُومِ كَوْنِ الخاصِّ خَبَرًا عَنِ العامِّ. وكَوْنُ الكَلامِ مَسُوقًا لِنَفْيِ العُمُومِ والتَّخْصِيصِ بِواحِدٍ مِن أفْرادِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العامُّ لا يُجْدِي نَفْعًا ضَرُورَةَ أنَّ ”لا“ هَذِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، والخامِسُ أنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ وهي مَعَ اسْمِهِ - عَزَّ اسْمُهُ - صِفَةٌ لِاسْمِ ”لا“ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ أيْ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى في الوُجُودِ، ولا خَلَلَ فِيهِ صِناعَةً وإنَّما الخَلَلُ فِيهِ - كَما قِيلَ - مَعْنًى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ - تَعالى - وإثْباتُها لَهُ - سُبْحانَهُ - وعَلى الِاسْتِثْناءِ يُسْتَفادُ كُلٌّ مِنَ المَنطُوقِ، وعَلى هَذا لا يُفِيدُ المَنطُوقُ إلّا نَفْيَ الأُلُوهِيَّةِ مِن غَيْرِهِ - تَعالى - دُونَ إثْباتِها لَهُ - عَزَّ وجَلَّ، واعْتِبارُ المَفْهُومِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ؛ لا سِيَّما مَفْهُومَ اللَّقَبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الدَّقائِقُ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ، والسّادِسُ - ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ - أنَّ ”لا إلَهَ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ و”إلّا اللَّهُ“ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، والأصْلُ اللَّهُ إلَهٌ فَلَمّا أُرِيدُ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِـ”إلّا“ إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي ”إلّا“ والمَقْصُورُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا قُرِنَ بِـ”إلّا“ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلَيْهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ، وفِيهِ تَمَحُّلٌ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا مَعَ لا وهي لا يُبْنى مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ ”إلّا“ وجْهٌ، وقَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ في هَذا التَّرْتِيبِ وتَرْكُ كَلامِهِمْ لِواحِدٍ إنِ التَزَمْتَهُ لا تَجِدُ لَكَ ثانِيًا فِيهِ، والسّابِعُ: أنَّ الِاسْمَ المُعَظَّمَ مَرْفُوعٌ بِـ”إلَهَ“ كَما هو حالُ المُبْتَدَأِ إذا كانَ وصْفًا فَإنَّ إلَهًا بِمَعْنى مَأْلُوهٍ مِن ألَهَ إذا عَبَدَ فَيَكُونُ قائِمًا مُقامَ الفاعِلِ وسادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ كَما في ما مَضْرُوبٌ العُمُرانِ. وتُعُقِّبَ بِمَنعِ أنْ يَكُونَ ”إلَهَ“ وصْفًا وإلّا لَوَجَبَ إعْرابُهُ وتَنْوِينُهُ ولا قائِلَ بِهِ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ يَنْدَرِجُ فِيها مُعْظَمُ عَقائِدِ الإيمانِ لَكِنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنها التَّوْحِيدُ ولِذا كانَ المُشْرِكُونَ إذا لُقِّنُوها أوَّلًا يَسْتَكْبِرُونَ ويَنْفِرُونَ

الصافات 37:35

﴿”فَإنَّهُمْ“﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ المُتَسائِلَيْنِ، والكَلامُ تَفْرِيعٌ عَلى ما شُرِحَ مِن حالِهِمْ ”يَوْمَئِذٍ“ أيْ يَوْمَ إذْ يَتَساءَلُونَ والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿فِي العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ. واسْتُظْهِرَ أنَّ المُغْوِينَ أشَدُّ عَذابًا وذَلِكَ في مُقابَلَةِ أوْزارِهِمْ وأوْزارٍ مِثْلِ أوْزارِهِمْ فالشَّرِكَةُ لا تَقْتَضِي المُساواةَ ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ البَدِيعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِالمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ والتَّلْقِينِ ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ القَبُولِ. وفِي إعْرابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ اسْمِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ الأصْلِيِّ وهو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وإلّا مُغْنِيَةٌ عَنِ الرَّبْطِ بِالضَّمِيرِ. وإذا قُلْنا إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ قِسْمٌ عَلى حِدَةٍ مُغايِرٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الأبْدالِ انْدَفَعَ عَنْ هَذا الوَجْهِ كَثِيرٌ مِنَ القِيلِ والقالِ وهو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ، والخَبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مُقَدَّرٌ والمَشْهُورُ تَقْدِيرُهُ ”مَوْجُودٌ“، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ وهم إنَّما يَزْعُمُونَ وُجُودَ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ولا يَقُولُونَ بِمُجَرَّدِ الإمْكانِ عَلى أنَّ نَفْيَ الوُجُودِ في هَذا صفحة 84 المَقامِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ وكَذا نَفْيُ الإمْكانِ عَمَّنْ عَداهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لَهُ تَعالى. وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ ”مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ“، ونَفْيُ اسْتِحْقاقِها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ لَكِنْ لا يَتِمُّ هَذا التَّقْدِيرُ عَلى تَفْسِيرِ الإلَهِ بِالمُسْتَحَقِّ بِالعِبادَةِ كَما لا يَخْفى. واخْتارَ البازِلِيُّ تَقْدِيرَ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا عَنْ ”إلّا اللَّهُ“ بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ - مُقَدَّمًا - يُوهِمُ كَوْنَ الِاسْمِ مُسْتَثْنًى مُفَرَّغًا مِن ضَمِيرِ الخَبَرِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وأجازَهُ بَعْضٌ، وهو القَوْلُ الثّانِي، والثّالِثُ - ونُسِبَ إلى الكُوفِيِّينَ - أنَّ ”إلّا“ عاطِفَةٌ والِاسْمَ الجَلِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الإلَهِ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ وهي عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ لا العاطِفَةِ في أنَّ ما بَعْدَها يُخالِفُ ما قَبْلَها إلّا أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإيجابِ وإلّا لِإيجابِ النَّفْيِ، والرّابِعُ أنَّ الِاسْمَ الكَرِيمَ هو الخَبَرُ ولا عَمَلَ لَها فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ الخَبَرَ مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلَ دُخُولِها، فَلا يَلْزَمُ عَمَلُها في المَعارِفِ عَلى رَأْيِهِ وهو لازِمٌ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِهِ وكَذا بِلُزُومِ كَوْنِ الخاصِّ خَبَرًا عَنِ العامِّ. وكَوْنُ الكَلامِ مَسُوقًا لِنَفْيِ العُمُومِ والتَّخْصِيصِ بِواحِدٍ مِن أفْرادِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العامُّ لا يُجْدِي نَفْعًا ضَرُورَةَ أنَّ ”لا“ هَذِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، والخامِسُ أنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ وهي مَعَ اسْمِهِ - عَزَّ اسْمُهُ - صِفَةٌ لِاسْمِ ”لا“ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ أيْ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى في الوُجُودِ، ولا خَلَلَ فِيهِ صِناعَةً وإنَّما الخَلَلُ فِيهِ - كَما قِيلَ - مَعْنًى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ - تَعالى - وإثْباتُها لَهُ - سُبْحانَهُ - وعَلى الِاسْتِثْناءِ يُسْتَفادُ كُلٌّ مِنَ المَنطُوقِ، وعَلى هَذا لا يُفِيدُ المَنطُوقُ إلّا نَفْيَ الأُلُوهِيَّةِ مِن غَيْرِهِ - تَعالى - دُونَ إثْباتِها لَهُ - عَزَّ وجَلَّ، واعْتِبارُ المَفْهُومِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ؛ لا سِيَّما مَفْهُومَ اللَّقَبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الدَّقائِقُ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ، والسّادِسُ - ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ - أنَّ ”لا إلَهَ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ و”إلّا اللَّهُ“ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، والأصْلُ اللَّهُ إلَهٌ فَلَمّا أُرِيدُ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِـ”إلّا“ إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي ”إلّا“ والمَقْصُورُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا قُرِنَ بِـ”إلّا“ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلَيْهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ، وفِيهِ تَمَحُّلٌ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا مَعَ لا وهي لا يُبْنى مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ ”إلّا“ وجْهٌ، وقَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ في هَذا التَّرْتِيبِ وتَرْكُ كَلامِهِمْ لِواحِدٍ إنِ التَزَمْتَهُ لا تَجِدُ لَكَ ثانِيًا فِيهِ، والسّابِعُ: أنَّ الِاسْمَ المُعَظَّمَ مَرْفُوعٌ بِـ”إلَهَ“ كَما هو حالُ المُبْتَدَأِ إذا كانَ وصْفًا فَإنَّ إلَهًا بِمَعْنى مَأْلُوهٍ مِن ألَهَ إذا عَبَدَ فَيَكُونُ قائِمًا مُقامَ الفاعِلِ وسادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ كَما في ما مَضْرُوبٌ العُمُرانِ. وتُعُقِّبَ بِمَنعِ أنْ يَكُونَ ”إلَهَ“ وصْفًا وإلّا لَوَجَبَ إعْرابُهُ وتَنْوِينُهُ ولا قائِلَ بِهِ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ يَنْدَرِجُ فِيها مُعْظَمُ عَقائِدِ الإيمانِ لَكِنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنها التَّوْحِيدُ ولِذا كانَ المُشْرِكُونَ إذا لُقِّنُوها أوَّلًا يَسْتَكْبِرُونَ ويَنْفِرُونَ

الصافات 37:36

﴿ويَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يَعْنُونَ بِذَلِكَ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - النَّبِيَّ ﷺ. وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. ووَصْفُهُمُ الشّاعِرَ بِالمَجْنُونِ قِيلَ: تَخْلِيطٌ وهَذَيانٌ لِأنَّ الشِّعْرَ يَقْتَضِي عَقْلًا تامًّا بِهِ تُنَظَّمُ المَعانِي الغَرِيبَةُ وتُصاغُ في قَوالِبَ الألْفاظُ البَدِيعَةُ. وفِيهِ نَظَرٌ وكَمْ رَأيْنا شُعَراءَ ناقِصِي العُقُولِ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا يَحْسُنُ شِعْرُهُ حَتّى يَشْرَبَ المُسْكِرَ فَيَسْكَرُ ثُمَّ يَقُولُ، نَعَمْ كُلٌّ مِنَ الوَصْفَيْنِ هَذَيانٌ في حَقِّهِ ﷺ.

الصافات 37:37

﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الثّابِتُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ البُرْهانُ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ كافَّةُ المُرْسَلِينَ فَأيْنَ الشِّعْرُ والجُنُونُ مِن ساحَتِهِ ﷺ الرَّفِيعَةِ الشَّأْنِ. صفحة 85 وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”وصَدَقَ“ بِتَخْفِيفِ الدّالِ ”المُرْسَلُونَ“ بِالواوِ رَفْعًا أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرُهُمْ

الصافات 37:38

﴿إنَّكُمْ﴾ بِما فَعَلْتُمْ مِنَ الإشْراكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والِاسْتِكْبارِ ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِمُشافَهَتِهِمْ بِهَذا الوَعِيدِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وهو اللّائِقُ بِالمُسْتَكْبِرِينَ. وقَرَأ أبُو السِّمالِ وأبانٌ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ ”لَذائِقُو العَذابَ“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ حَذْفَ النُّونِ لِلتَّخْفِيفِ كَما حُذِفَ التَّنْوِينُ لِذَلِكَ في قَوْلِ أبِي الأسْوَدِ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا بِجَرِّ ”ذاكِرِ“ بِلا تَنْوِينٍ ونَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ. وهَذا الحَذْفُ قَلِيلٌ في غَيْرِ ما كانَ صِلَةً لِألِ. أمّا فِيما كانَ صِلَةً لَها فَكَثِيرُ الوُرُودِ لِاسْتِطالَةِ الصِّلَةِ الدّاعِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ نَحْوَ قَوْلِهِ: الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لا ∗∗∗ يَأْتِيهِمْ مِن ورائِهِمْ نُطَفُ ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السِّمالِ أنَّهُ قَرَأ ”لَذائِقٌ“ بِالإفْرادِ والتَّنْوِينِ ”العَذابَ“ بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ الإفْرادُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ لِجَمْعِ ذائِقٍ، وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ إنَّ جَمْعَكم لَذائِقٌ. وقُرِئَ ”لَذائِقُونَ“ بِالنُّونِ ”العَذابَ“ بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ

الصافات 37:39

﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنها. ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ”ذائِقُو“ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ لَيْسَ إلّا مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ أصْلًا فَـ”إلّا“ مُؤَوَّلَةٌ بِـ ”لَكِنَّ“ وما بَعْدُ كَخَبَرِها فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ وفَواكِهُ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى تَجْزُونَ بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ يَجْزُونَ أضْعافًا مُضاعَفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَمِلُوا. ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في ”تُجْزَوْنَ“ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ لِما فِيهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّكَلُّفِ الَّذِي في سابِقِهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ، و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ حَيْثُ كانَتِ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ

الصافات 37:40

﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنها. ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ”ذائِقُو“ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ لَيْسَ إلّا مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ أصْلًا فَـ”إلّا“ مُؤَوَّلَةٌ بِـ ”لَكِنَّ“ وما بَعْدُ كَخَبَرِها فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ وفَواكِهُ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى تَجْزُونَ بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ يَجْزُونَ أضْعافًا مُضاعَفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَمِلُوا. ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في ”تُجْزَوْنَ“ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ لِما فِيهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّكَلُّفِ الَّذِي في سابِقِهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ، و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ حَيْثُ كانَتِ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ

الصافات 37:41

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العِبادُ المَذْكُورُونَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُمْتازُونَ بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَتِهِ تَعالى عَمَّنْ عَداهُمُ امْتِيازًا بالِغًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ. وهُوَ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ إمّا خَبَرٌ لَهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رِزْقٌ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِلظَّرْفِ، وإمّا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ورزق مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والمَجْمُوعُ كالخَبَرِ لِلْمُسْتَثْنى المُنْقَطِعِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ إجْمالًا بَيانًا تَفْصِيلِيًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَعْلُومُ الخَصائِصِ كَكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَمْنُوعٍ، حَسَنَ المَنظَرِ، لَذِيذَ الطَّعْمِ، طَيِّبَ الرّائِحَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ المَرْغُوبَةِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ مَعْلُومًا إلّا إذا كانَ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ لا يُحَدُّ ولا يُقَدَّرُ فَلا يَكُونُ مَعْلُومًا، وقِيلَ: المُرادُ مَعْلُومُ الوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وعَنْ قَتادَةَ الرِّزْقُ المَعْلُومُ الجَنَّةُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ”في جنات“ بَعْدُ يَأْباهُ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ المَعْنى وهم مُكْرَمُونَ فِيها لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. أُجِيبَ بِأنَّ جَعْلَها مَقَرَّ المَرْزُوقِينَ لا يُلائِمُ جَعْلَها رِزْقًا صفحة 86 وأمّا إذا كانَ قَيْدًا لِلرِّزْقِ فَهو ظاهِرُ الإباءِ، وكَوْنُ المَساكِنِ رِزْقًا لِلسّاكِنِ فَإذا اخْتَلَفَ العُنْوانُ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ - لا يُدْفَعُ ما قُرِّرَ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ،

الصافات 37:42

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَواكِهُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿رِزْقٌ﴾ بَدَلُ كُلٌّ مِن كُلٌّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ - مَعَ تَمَيُّزِهِ بِخَواصِّهِ - كُلُّهُ فَواكِهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ ذَلِكَ الرِّزْقِ فَواكِهُ والمُرادُ بِها ما يُؤْكَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ دُونَ الِاقْتِياتِ وجَمِيعُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ حَتّى اللَّحْمُ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَغْنِينَ عَنِ القُوتِ لِإحْكامِ خِلْقَتِهِمْ وعَدَمِ تَحَلُّلِ شَيْءٍ مِن أبْدانِهِمْ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ لِيَحْتاجُوا إلى بَدَلٍ يَحْصُلُ مِنَ القُوتِ، فالمُرادُ بِالفاكِهَةِ هُنا غَيْرُ ما أُرِيدُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وهي هُناكَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَلا مُنافاةَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لِلرِّزْقِ المَعْلُومِ، فَوَجْهُ الِاخْتِصاصِ ما عُلِمَ بِهِ مِن بَيْنِ الأرْزاقِ أنَّهُ فَواكِهُ، وقِيلَ هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ فَتَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ غَيْرِها. ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا يَلْحَقُهم هَوانٌ، وذَلِكَ أعْظَمُ المَثُوباتِ وألْيَقُها بِأُولِي الهِمَمِ، ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ بَعْدَ النَّعِيمِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو بِواسِطَةِ الأكْلِ. وقِيلَ: مُكْرَمُونَ في نَيْلِ الرِّزْقِ حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وكَدٍّ وسُؤالٍ كَما هو شَأْنُ أرْزاقِ الدُّنْيا. وقُرِئَ ”مُكَرَّمُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ عَلى أنَّ الإضافَةَ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ المُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مُكْرَمُونَ“ أوْ بِـ ”مَعْلُومٌ“ أوْ بِمَحْذُوفِ حالٍ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ أوْ ”لَهُمْ“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ وأنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ أوْ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ أعْنِي ﴿فِي جَنّاتِ﴾ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُتَقابِلِينَ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في غَيْرِهِ. وأُشِيرَ بِتَقابُلِهِمْ إلى اسْتِئْناسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَبَعْضُهم يُقابِلُ بَعْضًا لِلِاسْتِئْناسِ والمُحادَثَةِ. وفي بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّهُ تُرْفَعُ عَنْهُمُ السُّتُورُ أحْيانًا فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ ”سُرَرٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ وكَلْبٍ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا، واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ؛ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ فَيَقُولُ ”ذُلَلٌ“ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ وهو مَوْرِدُ السَّماعِ.

الصافات 37:43

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَواكِهُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿رِزْقٌ﴾ بَدَلُ كُلٌّ مِن كُلٌّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ - مَعَ تَمَيُّزِهِ بِخَواصِّهِ - كُلُّهُ فَواكِهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ ذَلِكَ الرِّزْقِ فَواكِهُ والمُرادُ بِها ما يُؤْكَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ دُونَ الِاقْتِياتِ وجَمِيعُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ حَتّى اللَّحْمُ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَغْنِينَ عَنِ القُوتِ لِإحْكامِ خِلْقَتِهِمْ وعَدَمِ تَحَلُّلِ شَيْءٍ مِن أبْدانِهِمْ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ لِيَحْتاجُوا إلى بَدَلٍ يَحْصُلُ مِنَ القُوتِ، فالمُرادُ بِالفاكِهَةِ هُنا غَيْرُ ما أُرِيدُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وهي هُناكَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَلا مُنافاةَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لِلرِّزْقِ المَعْلُومِ، فَوَجْهُ الِاخْتِصاصِ ما عُلِمَ بِهِ مِن بَيْنِ الأرْزاقِ أنَّهُ فَواكِهُ، وقِيلَ هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ فَتَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ غَيْرِها. ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا يَلْحَقُهم هَوانٌ، وذَلِكَ أعْظَمُ المَثُوباتِ وألْيَقُها بِأُولِي الهِمَمِ، ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ بَعْدَ النَّعِيمِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو بِواسِطَةِ الأكْلِ. وقِيلَ: مُكْرَمُونَ في نَيْلِ الرِّزْقِ حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وكَدٍّ وسُؤالٍ كَما هو شَأْنُ أرْزاقِ الدُّنْيا. وقُرِئَ ”مُكَرَّمُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ عَلى أنَّ الإضافَةَ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ المُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مُكْرَمُونَ“ أوْ بِـ ”مَعْلُومٌ“ أوْ بِمَحْذُوفِ حالٍ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ أوْ ”لَهُمْ“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ وأنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ أوْ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ أعْنِي ﴿فِي جَنّاتِ﴾ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُتَقابِلِينَ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في غَيْرِهِ. وأُشِيرَ بِتَقابُلِهِمْ إلى اسْتِئْناسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَبَعْضُهم يُقابِلُ بَعْضًا لِلِاسْتِئْناسِ والمُحادَثَةِ. وفي بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّهُ تُرْفَعُ عَنْهُمُ السُّتُورُ أحْيانًا فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ ”سُرَرٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ وكَلْبٍ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا، واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ؛ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ فَيَقُولُ ”ذُلَلٌ“ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ وهو مَوْرِدُ السَّماعِ.

الصافات 37:44

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَواكِهُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿رِزْقٌ﴾ بَدَلُ كُلٌّ مِن كُلٌّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ - مَعَ تَمَيُّزِهِ بِخَواصِّهِ - كُلُّهُ فَواكِهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ ذَلِكَ الرِّزْقِ فَواكِهُ والمُرادُ بِها ما يُؤْكَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ دُونَ الِاقْتِياتِ وجَمِيعُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ حَتّى اللَّحْمُ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَغْنِينَ عَنِ القُوتِ لِإحْكامِ خِلْقَتِهِمْ وعَدَمِ تَحَلُّلِ شَيْءٍ مِن أبْدانِهِمْ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ لِيَحْتاجُوا إلى بَدَلٍ يَحْصُلُ مِنَ القُوتِ، فالمُرادُ بِالفاكِهَةِ هُنا غَيْرُ ما أُرِيدُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وهي هُناكَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَلا مُنافاةَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لِلرِّزْقِ المَعْلُومِ، فَوَجْهُ الِاخْتِصاصِ ما عُلِمَ بِهِ مِن بَيْنِ الأرْزاقِ أنَّهُ فَواكِهُ، وقِيلَ هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ فَتَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ غَيْرِها. ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا يَلْحَقُهم هَوانٌ، وذَلِكَ أعْظَمُ المَثُوباتِ وألْيَقُها بِأُولِي الهِمَمِ، ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ بَعْدَ النَّعِيمِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو بِواسِطَةِ الأكْلِ. وقِيلَ: مُكْرَمُونَ في نَيْلِ الرِّزْقِ حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وكَدٍّ وسُؤالٍ كَما هو شَأْنُ أرْزاقِ الدُّنْيا. وقُرِئَ ”مُكَرَّمُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ عَلى أنَّ الإضافَةَ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ المُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مُكْرَمُونَ“ أوْ بِـ ”مَعْلُومٌ“ أوْ بِمَحْذُوفِ حالٍ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ أوْ ”لَهُمْ“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ وأنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ أوْ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ أعْنِي ﴿فِي جَنّاتِ﴾ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُتَقابِلِينَ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في غَيْرِهِ. وأُشِيرَ بِتَقابُلِهِمْ إلى اسْتِئْناسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَبَعْضُهم يُقابِلُ بَعْضًا لِلِاسْتِئْناسِ والمُحادَثَةِ. وفي بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّهُ تُرْفَعُ عَنْهُمُ السُّتُورُ أحْيانًا فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ ”سُرَرٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ وكَلْبٍ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا، واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ؛ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ فَيَقُولُ ”ذُلَلٌ“ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ وهو مَوْرِدُ السَّماعِ.

الصافات 37:45

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَكُونُ لَهم في مَجالِسِ أُنْسِهِمْ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أوْ في أحَدِ الجارَّيْنِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لَـ ”مُكْرَمُونَ“. وفاعِلُ الطَّوافِ عَلى ما قِيلَ مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي الصَّحِيحِ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقَدْ صُرِّحَ بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ . ﴿بِكَأْسٍ﴾ أيْ بِخَمْرٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ إنَّما عَنى بِهِ الخَمْرَ. ونُقِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الحَبْرِ والأخْفَشِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الأعْشى: وكَأْسٌ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِها الخَمْرَ إطْلاقًا لِلْمَحَلِّ عَلى الحالِّ - قَوْلُهُ ”شَرِبْتُ“، وتَقْدِيرُ شَرِبْتُ ما فِيها تَكَلُّفٌ، والقَرِينَةُ هاهُنا صفحة 87 ما يَأْتِي بَعْدُ. وجُوِّزَ تَفْسِيرُهُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو إناءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وأكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّ إناءَ الخَمْرِ لا يُسَمّى كَأْسًا حَقِيقَةً إلّا وفِيهِ خَمْرٌ فَإنْ خَلا مِنهُ فَهو قَدَحٌ، والخَمْرُ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ، قالَ في البَحْرِ: الكَأْسُ ما كانَ مِنَ الزُّجاجِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا، يُقالُ: كَأْسٌ خالٍ، ويُقالُ: شَرِبْتُ كَأْسًا وكَأْسُ طَيِّبَةً، ولَعَلَّ كَلامَهُ أظْهَرُ في أنَّ تَسْمِيَةَ الخالِي كَأْسًا مَجازٌ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الكَأْسُ مِنَ الأوانِي كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لِغَيْرِهِ. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكَأْسٍ أيْ كائِنَةٍ مِن شَرابٍ مَعِينٍ أوْ نَهْرٍ مَعِينٍ أيْ ظاهِرٍ لِلْعُيُونِ جارٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما تَجْرِي الأنْهارُ أوْ خارِجٍ مِنَ العُيُونِ والمَنابِعِ. وأصْلُهُ مَعْيُونٌ مَن عانَ الماءُ إذا ظَهَرَ أوْ نَبَعَ عَلى أنَّ مِيمَهُ زائِدَةٌ أوْ هو مِن مَعَنَ فَهو فَعِيلٌ عَلى أنَّ المِيمَ أصْلِيَّةٌ. ووُصِفَ بِهِ خَمْرُ الجَنَّةِ تَشْبِيهًا لَها بِالماءِ لِكَثْرَتِها حَتّى تَكُونَ أنْهارًا جارِيَةً في الجِنانِ. ويُؤْذِنُ ذَلِكَ بِرِقَّتِها ولَطافَتِها وأنَّها لَمْ تُدَسْ بِالأقْدامِ كَخَمْرِ الدُّنْيا كَما يُنْبِئُ عَنْ دَوْسِها بِها قَوْلُهُ: بِنْتُ كَرْمٍ يَتَّمُوها أُمَّها ∗∗∗ ثُمَّ هانُوها بِدَوْسٍ بِالقَدَمْ ثُمَّ عادُوا حَكَّمُوها فِيهِمُ ∗∗∗ ويْلَهم مِن جَوْرِ مَظْلُومٍ حَكَمْ وقَوْلُهُ الآخَرُ: وشَمُولَةٍ مِن عَهْدِ عادٍ قَدْ غَدَتْ ∗∗∗ صَرْعى تُداسُ بِأرْجُلِ العُصّارِ لانَتْ لَهم حَتّى انْتَشَوْا فَتَمَكَّنَتْ ∗∗∗ مِنهم فَصاحَتْ فِيهِمُ بِالثّارِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّها خَمْرٌ في الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ماءً فِيهِ لَذَّةُ الخَمْرِ ونَشْأتُهُ، فالوَصْفُ بِذَلِكَ ظاهِرٌ، وتُفِيدُ الآيَةُ وصْفَ مائِهِمْ بِاللَّذَّةِ والنَّشْأةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الظّاهِرُ، نَعَمْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا اشْتِراكَ بَيْنَ ما في الدُّنْيا وما في الجَنَّةِ إلّا بِالأسْماءِ، فَحَقِيقَةُ خَمْرِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقَةِ خَمْرِ الدُّنْيا وكَذا سائِرُ ما فِيهِما

الصافات 37:46

﴿بَيْضاءَ﴾ وصْفٌ آخَرُ لِلْكَأْسِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ”صَفْراءُ“ وقَدْ جاءَ وصْفُ الخَمْرِ الدُّنْيا بِذَلِكَ كَما في قَوْلِ أبِي نُواسِ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ والمَشْهُورُ أنَّ هَذا بَعْدَ المَزْجِ وإلّا فَهي قَبْلَهُ حَمْراءُ كَما قالَ الشّاعِرُ: وحَمْراءُ قَبْلَ المَزْجِ صَفْراءُ بَعْدَهُ ∗∗∗ أتَتْ في ثَوْبَيْ نَرْجِسٍ وشَقائِقِ حَكَتْ وجْنَةَ المَحْبُوبِ صَرْفًا فَسَلَّطُوا ∗∗∗ عَلَيْها مِزاجًا فاكْتَسَتْ لَوْنَ عاشِقِ ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وُصِفَتْ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِها نَفْسَ اللَّذَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لَذَّةٌ تَأْنِيثَ لَذٍّ بِمَعْنى لَذِيذٍ كَطَبٍّ بِمَعْنى طَبِيبٍ حاذِقٍ، وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: ولَذٌّ كَطَعْمٍ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خِشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ وعَيْشٌ لَذِيذٌ كَطَعْمِ الخَمْرِ المَنسُوبِ لِصَرْخَدَ بَلَدٍ بِالشّامِ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالنَّوْمِ وأرادَ أنَّهُ بِمَعْنى لَذِيذٌ غَلَبَ عَلى النَّوْمِ لا أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ، وقَوْلُهُ: بِحَدِيثِكَ اللَّذِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أُسْدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعًا صفحة 88 وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ دُونَ ”لَهُمْ“ إشارَةٌ إلى أنَّها يَلْتَذُّ بِها الشّارِبُ كائِنًا مَن كانَ

الصافات 37:47

﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ غائِلَةٌ كَما في خَمْرِ الدُّنْيا مِن غالَهُ يَغُولُهُ إذا أفْسَدَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الغَوْلُ إهْلاكُ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ لا يُحِسُّ بِهِ يُقالُ غالَهُ يَغُولُهُ غَوْلًا واغْتالَهُ اغْتِيالًا، ومِنهُ سُمِّيَ السِّعْلاةُ غُولًا، والمُرادُ هُنا نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيها ضَرَرٌ أصْلًا. ورَوى البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ لَيْسَ فِيها صُداعٌ، وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ لا تَغُولَ عُقُولُهم مِنَ السُّكْرِ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ: أخْبَرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى لا ﴿فِيها غَوْلٌ﴾ فَقالَ: لَيْسَ فِيها نَتْنٌ ولا كَراهِيَةٌ كَخَمْرِ الدُّنْيا قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعِمَ أما سَمِعْتَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: رُبَّ كَأْسٍ شَرِبْتُ لا غَوْلَ فِيها وسَقَيْتُ النَّدِيمَ مِنها مِزاجًا وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِوَجَعِ البَطْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واخْتِيرَ التَّعْمِيمُ، وإنَّ التَّنْصِيصَ عَلى مَخْصُوصٍ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى ما قِيلَ لِلتَّخْصِيصِ، والمَعْنى لَيْسَ فِيها ما في خُمُورِ الدُّنْيا مِنَ الغَوْلِ، وفِيهِ كَلامٌ في كُتُبِ المَعانِي ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أيْ لا يَسْكَرُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وهو بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وأصْلُ النَّزْفِ نَزْعُ الشَّيْءِ وإذْهابُهُ بِالتَّدْرِيجِ يُقالُ نَزَفْتُ الماءَ مِنَ البِئْرِ إذا نَزَحْتَهُ ونَزَعْتَهُ كُلَّهُ مِنها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ونَزَفَ الهَمُّ دَمْعَهُ نَزْعَهُ كُلَّهُ، ويُقالُ شارِبٌ نَزِيفٌ أيْ نَزَفَتِ الخَمْرُ عَقْلَهُ بِالسُّكْرِ وأذْهَبَتْهُ كَما يَنْزِفُ الرَّجُلُ البِئْرَ ويَنْزِعُ ماءَها، فَكَأنَّ الشّارِبَ ظَرْفٌ لِلْعَقْلِ فَنُزِعَ مِنهُ، فَـ ”لا يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كَما قَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ مَعْناهُ لا تُنْزَعُ عُقُولُهم أيْ لا تَنْزِعُ الخَمْرُ عُقُولَهم ولا تُذْهِبُها، أوِ الفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِـ”عَنْ“ قِيلَ: لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَصْدُرُونَ، وقِيلَ عَنْ لِلتَّعْلِيلِ والسَّبَبِيَّةِ، وأُفْرِدَ هَذا الفَسادُ بِالنَّفْيِ وعُطِفَ عَلى ما يَعُمُّهُ؛ لِأنَّهُ مِن عِظَمِ فَسادِهِ كَأنَّهُ جَنَسَ بِرَأْسِهِ، ولَهُ سُمِّيَتِ الخَمْرُ أُمَّ الخَبائِثِ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتابَعَهُما عاصِمٌ في الواقِعَةِ عَلى أنَّهُ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا صارَ ذا نَزْفٍ أيْ عَقْلٍ أوْ شَرابٍ نافِدٍ ذاهِبٍ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ، وقِيلَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ ولِذا صارَ لازِمًا فَهو مِثْلُ كَبَّهُ فَأكَبَّ، وهو أيْضًا بِمَعْنى السُّكْرِ لِنَفادِ عَقْلِ السَّكْرانِ أوْ نَفادِ شَرابِهِ لِكَثْرَةِ شُرْبِهِ فَيَلْزَمُهُ عَلَيْهِما السُّكْرُ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، قالَ الأُبَيْرِدُ اليَرْبُوعِيُّ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا وفِي البَحْرِ أنَّ أنْزَفَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ فَيُقالُ أنْزَفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ وأنْزَفَ إذا نَفِدَ شَرابُهُ، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ لِلتَّضْمِينِ كَما سَبَقَ، وجُوِّزَ إرادَةُ مَعْنى النَّفادِ مِن غَيْرِ إرادَةِ مَعْنى السُّكْرِ أيْ لا يَنْفَدُ ولا يَفْنى شَرابُهم حَتّى يُنَغَّصَ عَيْشَهم ولَيْسَ بِذاكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ”يَنْزِفُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وطَلْحَةُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ، والمُرادُ في جَمِيعِ ذَلِكَ نَفْيُ السُّكْرِ عَلى ما هو المَأْثُورُ عَنِ الجُمْهُورِ. ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ والصُّداعُ والقَيْءُ والبَوْلُ، فَنَزَّهَ اللَّهُ تَعالى خَمْرَ الجَنَّةِ عَنْها لا فِيها غَوْلٌ لا تَغُولَ عُقُولَهم مِنَ السُّكْرِ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ لا يَقِيئُونَ عَنْها كَما يَقِيءُ صاحِبُ خَمْرِ الدُّنْيا عَنْها، وهو أقْرَبُ لِاسْتِعْمالِ النَّزْفِ في الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ كَنَزْفِ البِئْرِ والرَّكِيَّةِ وما أشْبَهَ القَيْءَ صفحة 89 وإخْراجَ الفَضَلاتِ مِنَ الجَوْفِ بِنَزْفِ البِئْرِ وإخْراجِ مائِها عِنْدَ نَزْحِها، ولَوْلا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا - حَتّى ابْنُ عَبّاسٍ في أكْثَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ - لَقُلْتَ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الأوْلى.

الصافات 37:48

﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَمْدُدْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، فَمُتَعَلِّقُ القَصْرِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والكَلامُ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ مَحَبَّتِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ وعَدَمِ مَيْلِهِنَّ إلى سِواهُمْ، وقِيلَ المُرادُ لا يَفْتَحْنَ أعْيُنَهُنَّ دَلالًا وغُنْجًا، والوَصْفُ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَدٍّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ قاصِرًا عَلى أنَّ المَعْنى ذابِلاتُ الجَفْنِ مِراضُهُ، وما أحْيَلَ ذُبُولَ الأجْفانِ في الغَوانِي الحِسانِ! ولِذا كَثُرَ التَّغَزُّلُ بِذَلِكَ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ الأزْدِيِّ: مَرِضَتْ سَلْوَتِي وصَحَّ غَرامِي مِن لِحاظٍ هي المِراضُ الصِّحاحُ والطَّرْفُ في كُلِّ ذَلِكَ طُرْفُهُنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ مُتَعَدِّيًا والطَّرْفُ طَرْفَ غَيْرِهِنَّ، والمَعْنى قاصِراتُ طَرْفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ إلى سِواهُنَّ لِغايَةِ حُسْنِهِنَّ فَلا يَتَجاوَزُهُنَّ طَرْفُ النّاظِرِ إلَيْهِنَّ كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: وخَصْرٌ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ ∗∗∗ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقا وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى أيْضًا ابْنُ رَشِيقٍ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الأنْفِ مِنها لَأثَّرا وهُوَ لَعَمْرِي رَشِيقٌ؛ بَيْدَ أنِّي أقُولُ: الظّاهِرُ هُنا أنَّ العِنْدِيَّةَ في مَجالِسِ الشُّرْبِ؛ إتْمامًا لِلَّذَّةِ، فَلَعَلَّ الأوْفَقَ لِلْغَيْرَةِ وإنْ كانَتِ الحَظِيرَةُ حَظِيرَةَ قُدْسٍ - المَعْنى الأوَّلَ، والجُمْهُورُ قَدْ قَصَرُوا الطَّرْفَ عَلَيْهِ ولا يُظَنُّ بِهِمْ أنَّهم مِنَ القاصِرِينَ، والجُمْلَةُ قِيلَ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ والحالُ عِنْدَهم نِساءٌ قاصِراتُ الطَّرْفِ ”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَقَرِ الوَحْشِيُّ عِينٌ، وقِيلَ: العَيْناءُ واسِعَةُ العَيْنِ أيْ كَثِيرَةٌ مَحاسِنُ عَيْنِها، والحَقُّ أنَّ السِّعَةَ اتِّساعُ الشَّقِّ، والتَّقْيِيدُ بِالجَمالِ يَدْفَعُ ما عَسى أنْ يُقالَ، وما ألْطَفَ وأظْرَفَ ذِكْرَ ”عِينٌ“ بَعْدَ ”قاصِراتُ الطَّرْفِ“.

الصافات 37:49

﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ البَيْضُ مَعْرُوفٌ وهو اسْمُ جِنْسٍ الواحِدَةُ بَيْضَةٌ ويُجْمَعُ عَلى بَيُوضٍ كَما في قَوْلِهِ: بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بَيُوضُها والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ الَّذِي كَنَّهُ الرِّيشُ في العُشِّ أوْ غَيْرُهُ في غَيْرِهِ، فَلَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولَمْ يُصِبْهُ الغُبارُ في الصَّفاءِ وشَوْبِ البَياضِ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ مَعَ لَمَعانٍ كَما في الدُّرِّ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِهِ بِبَيْضِ النَّعامِ في الأداحِيِّ لِكَوْنِهِ أحْسَنَ مَنظَرًا مِن سائِرِ البَيْضِ وأبْعَدَ عَنْ مَسِّ الأيْدِي ووُصُولِ ما يُغَيِّرُ لَوْنَهُ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ النِّساءَ بِالبَيْضِ ويَقُولُونَ لَهُنَّ بَيْضاتُ الخُدُورِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ والبَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ في النِّساءِ مَرْغُوبٌ فِيهِ جِدًّا، قِيلَ: وكَذا البَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ حُمْرَةٍ في الرِّجالِ وأمّا البَياضُ الصَّرْفُ فَغَيْرُ مَحْمُودٍ ولِذا ورَدَ في الحِلْيَةِ الشَّرِيفَةِ ”أبْيَضُ لَيْسَ بِالأمْهَقِ“. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ صفحة 90 أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ ما تَحْتَ القِشْرِ الصُّلْبِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللُّبابِ الأصْفَرِ، والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِذَلِكَ بَعْدَ الطَّبْخِ في النُّعُومَةِ والطَّراوَةِ، فالبَيْضَةُ إذا طُبِخَتْ وقُشِّرَتْ ظَهَرَ ما تَحْتَ القِشْرَةِ عَلى أتَمِّ نُعُومَةٍ وأكْمَلِ طَراوَةٍ، ومِن هُنا تَسْمَعُ العامَّةَ يَقُولُونَ في مَدْحِ المَرْأةِ: كَأنَّها بَيْضَةٌ مُقَشَّرَةٌ، ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ الوَصْفَ بِمَكْنُونٍ يَقْتَضِيهِ دُونَ المَشْهُورِ لِأنَّ خارِجَ قِشْرِ البَيْضَةِ لَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وفِيهِ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البَيْضِ مَجْمُوعُ القِشْرِ وما فِيهِ، وأكَلْتُ كَذا بَيْضَةٍ الأكْلُ فِيهِ قَرِينَةُ إرادَةِ ما في القِشْرِ دُونَ المَجْمُوعِ إذْ لا يُؤْكَلُ عادَةً، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ ما قالَهُ الطَّبَرَيُّ، فالأوَّلُ هو المَقْبُولُ، ومَعْنى المَكْنُونِ فِيهِ ظاهِرٌ عَلى ما سَمِعْتَ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ هَذا المَعْنى عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ مَعْرِفَةِ كَلامِ العَرَبِ وكَأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى رِوايَتِهِ عَنِ الحَبْرِ ومَن مَعَهُ وإلّا لا يَتَسَنّى لَهُ ما قالَ، ولَعَلَّ الرِّوايَةَ المَذْكُورَةَ غَيْرُ ثابِتَةٍ وكَذا ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَبْرِ مِن أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ الجَوْهَرُ المَصُونُ لِنُبُوِّ ظاهِرِ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ في تَناسُبِ الأجْزاءِ، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ والتَّناسُبُ مَمْدُوحٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ مُتَغَزِّلًا: تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ وأنْتَ تَعْلَمُ - بَعْدَ فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ تَناسُبَ الأجْزاءِ في البَيْضَةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم - أنَّ الوَصْفَ بِالمَكْنُونِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ دَخْلٌ في التَّشْبِيهِ، واسْتُشْكِلَ التَّشْبِيهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِآيَةِ عَرُوسِ القُرْآنِ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في أنَّ في ألْوانِهِنَّ حُمْرَةً، وأيْنَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ عَلى ما سَمِعْتَ قَبْلُ؟ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ النُّعُومَةُ والطَّراوَةُ كَما رُوِيَ ثانِيًا، أوْ مِن حَيْثُ تَناسُبُ الأجْزاءِ كَما قِيلَ أخِيرًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهاتُ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ غَيْرَ المُشَبَّهاتِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، وكَوْنُ البَياضِ المَشُوبِ بِالصُّفْرَةِ أحْسَنَ الألْوانِ في النِّساءِ غَيْرُ مَسَلَّمٍ بَلْ هو حَسَنٌ ومِثْلُهُ في الحُسْنِ البَياضُ المَشُوبُ بِحُمْرَةٍ عَلى أنَّ الأحْسَنِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ طِباعِ الرّائِينَ: ولِلنّاسِ فِيما يَعْشَقُونَ مَذاهِبُ والجَنَّةُ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ. وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ أبْدانِهِنَّ المَشُوبِ بِصُفْرَةٍ ما عَدا وُجُوهَهُنَّ، وتَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ وُجُوهِهِنَّ المَشُوبِ بِحُمْرَةٍ، وقِيلَ: تَشْبِيهُهُنَّ بِهَذا لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّ بَياضَهُنَّ مَشُوبٌ بِحُمْرَةٍ، بَلْ تَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ مِن حَيْثُ الصَّفاءُ وبِالمَرْجانِ مِن حَيْثُ الإمْلاسُ وجَمالُ المَنظَرِ. وإذا أُرِيدَ بِالمَرْجانِ الدُّرَرُ الصِّغارُ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ - دُونَ الخَرَزِ الأحْمَرِ المَعْرُوفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ البَياضُ المَشُوبُ بِصُفْرَةٍ فَلا إشْكالَ أصْلًا.

الصافات 37:50

﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ﴾ وما بَيْنَهُما مُعْتَرِضٌ أوْ مِن مُتَعَلِّقاتِ الأوَّلِ، أيْ: يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى الشُّرْبِ كَما هو عادَةُ المُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ: وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ ولَثْمُكَ وجْنَتَيْ قَمَرٍ مُنِيرٍ ∗∗∗ يَجُولُ بِوَجْهِهِ ماءُ الشَّبابِ وعَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُضارِعٌ لِلْإشْعارِ بِالِاعْتِناءِ بِهَذا المَعْطُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ لا يُقْبِلُونَ عَلى الحَدِيثِ وهو أعْظَمُ لَذّاتِهِمُ الَّتِي يَتَعاطَوْنَها، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَتْمًا، وتَساؤُلِهِمْ عَنِ المَعارِفِ والفَضائِلِ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وما أحْلى تَذَكُّرَ ما فاتَ عِنْدَ رَفاهِيَةِ صفحة 91 الحالِ وفَراغِ البالِ.

الصافات 37:51

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ في تَضاعِيفِ مُحاوَرَتِهِمْ ﴿إنِّي كانَ لِي﴾ في الدُّنْيا ﴿قَرِينٌ﴾ مُصاحِبٌ ﴿يَقُولُ﴾ لِي عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ المُفْضِي إلى ما أنا عَلَيْهِ اليَوْمَ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ بِالبَعْثِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمَبْعُوثُونَ ومُجازَوْنَ مِنَ الدِّينِ بِمَعْنى الجَزاءِ وقِيلَ لَمَسُوسُونَ مَرْبُوبُونَ مِن ذاتِهِ إذا ساسَهُ ومِنهُ الحَدِيثُ ”العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ“ . وقُرِئَ ”المُصَّدِّقِينَ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ واعْتُرِضَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُلائِمُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلانِ شَرِيكانِ وكانَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ فاقْتَسَماها، فَعَمَدَ أكْبَرُهُما فاشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا فَقالَ صاحِبُهُ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا في الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ ابْتَنى صاحِبُهُ دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا قَدِ ابْتَنى دارًا بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ في الجَنَّةِ دارًا بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، وإنِّي أخْطُبُ إلَيْكَ مِن نِساءِ الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ، وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ خَدَمًا ومَتاعًا في الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ فَقالَ لَوْ أتَيْتُ صاحِبِي هَذا لَعَلَّهُ يَنالُنِي مِنهُ مَعْرُوفٌ فَجَلَسَ عَلى طَرِيقِهِ حَتّى مَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ وأهْلِهِ فَقامَ إلَيْهِ فَنَظَرَ الآخَرُ فَعَرَفَهُ فَقالَ: فُلانٌ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: أصابَتْنِي بَعْدَكَ حاجَةٌ فَأتَيْتُكَ لِتُصِيبَنِي بِخَيْرٍ، قالَ: فَما فَعَلْتَ بِمالِكَ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقالَ: أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِهَذا، اذْهَبْ فَواللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا! فَرَدَّهُ فَقَضى لَهُما أنْ تَوَفَّيا فَكانَ مالُ المُتَصَدِّقِ الجَنَّةَ ومالُ الآخَرِ النّارَ، وفِيهِما نَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ هُما أخَوانِ ورِثا ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ واقْتَسَماها، فَكانَ مِن خَبَرِهِما ما كانَ، وكانَ الِاثْنانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا السَّبَبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما كانَ مُصَدِّقًا ومُتَصَدِّقًا أيْضًا، والآخَرَ - وهو القَرِينُ - أنْكَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ أنْفَقَ لِيُجازى عَلى إنْفاقِهِ بِما هو أعْظَمُ وأبْقى، فَقَدْ ضَيَّعَ - بِزَعْمِهِ - مالَهُ فِيما لا أصْلَ لَهُ وهو الجَزاءُ الأُخْرَوِيُّ ولا يَكُونُ هَذا بِدُونِ البَعْثِ فَلِذا أنْكَرَهُ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ المُلاءَمَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِتِلْكَ القِراءَةِ، وحاصِلُ المَعْنى أنْتَ المُتَصَدِّقُ طَلَبًا لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ فَهَلْ نَحْنُ بَعْدَ ما نَفْنى نُبْعَثُ ونُجازى، وذَكَرَ العِظامَ مَعَ التُّرابِ مَعَ أنَّ ذِكْرَ التُّرابِ يَكْفِي ويُغْنِي عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَصْوِيرِ حالِ ما يُشاهِدُهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنَ الأجْسادِ البالِيَةِ مِن مَصِيرِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ تُرابًا عَلَيْهِ عِظامٌ نَخِرَةٌ لِيُذَكِّرَهُ ويَخْطُرَ بِبالِهِ ما يُنافِي مُدَّعاهُ، وكَوْنُهُ لِلتَّنَزُّلِ في الإنْكارِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ لا يُرَجِّحُهُ بَلْ يُجَوِّزُهُ.

الصافات 37:52

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ في تَضاعِيفِ مُحاوَرَتِهِمْ ﴿إنِّي كانَ لِي﴾ في الدُّنْيا ﴿قَرِينٌ﴾ مُصاحِبٌ ﴿يَقُولُ﴾ لِي عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ المُفْضِي إلى ما أنا عَلَيْهِ اليَوْمَ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ بِالبَعْثِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمَبْعُوثُونَ ومُجازَوْنَ مِنَ الدِّينِ بِمَعْنى الجَزاءِ وقِيلَ لَمَسُوسُونَ مَرْبُوبُونَ مِن ذاتِهِ إذا ساسَهُ ومِنهُ الحَدِيثُ ”العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ“ . وقُرِئَ ”المُصَّدِّقِينَ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ واعْتُرِضَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُلائِمُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلانِ شَرِيكانِ وكانَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ فاقْتَسَماها، فَعَمَدَ أكْبَرُهُما فاشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا فَقالَ صاحِبُهُ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا في الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ ابْتَنى صاحِبُهُ دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا قَدِ ابْتَنى دارًا بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ في الجَنَّةِ دارًا بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، وإنِّي أخْطُبُ إلَيْكَ مِن نِساءِ الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ، وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ خَدَمًا ومَتاعًا في الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ فَقالَ لَوْ أتَيْتُ صاحِبِي هَذا لَعَلَّهُ يَنالُنِي مِنهُ مَعْرُوفٌ فَجَلَسَ عَلى طَرِيقِهِ حَتّى مَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ وأهْلِهِ فَقامَ إلَيْهِ فَنَظَرَ الآخَرُ فَعَرَفَهُ فَقالَ: فُلانٌ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: أصابَتْنِي بَعْدَكَ حاجَةٌ فَأتَيْتُكَ لِتُصِيبَنِي بِخَيْرٍ، قالَ: فَما فَعَلْتَ بِمالِكَ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقالَ: أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِهَذا، اذْهَبْ فَواللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا! فَرَدَّهُ فَقَضى لَهُما أنْ تَوَفَّيا فَكانَ مالُ المُتَصَدِّقِ الجَنَّةَ ومالُ الآخَرِ النّارَ، وفِيهِما نَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ هُما أخَوانِ ورِثا ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ واقْتَسَماها، فَكانَ مِن خَبَرِهِما ما كانَ، وكانَ الِاثْنانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا السَّبَبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما كانَ مُصَدِّقًا ومُتَصَدِّقًا أيْضًا، والآخَرَ - وهو القَرِينُ - أنْكَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ أنْفَقَ لِيُجازى عَلى إنْفاقِهِ بِما هو أعْظَمُ وأبْقى، فَقَدْ ضَيَّعَ - بِزَعْمِهِ - مالَهُ فِيما لا أصْلَ لَهُ وهو الجَزاءُ الأُخْرَوِيُّ ولا يَكُونُ هَذا بِدُونِ البَعْثِ فَلِذا أنْكَرَهُ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ المُلاءَمَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِتِلْكَ القِراءَةِ، وحاصِلُ المَعْنى أنْتَ المُتَصَدِّقُ طَلَبًا لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ فَهَلْ نَحْنُ بَعْدَ ما نَفْنى نُبْعَثُ ونُجازى، وذَكَرَ العِظامَ مَعَ التُّرابِ مَعَ أنَّ ذِكْرَ التُّرابِ يَكْفِي ويُغْنِي عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَصْوِيرِ حالِ ما يُشاهِدُهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنَ الأجْسادِ البالِيَةِ مِن مَصِيرِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ تُرابًا عَلَيْهِ عِظامٌ نَخِرَةٌ لِيُذَكِّرَهُ ويَخْطُرَ بِبالِهِ ما يُنافِي مُدَّعاهُ، وكَوْنُهُ لِلتَّنَزُّلِ في الإنْكارِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ لا يُرَجِّحُهُ بَلْ يُجَوِّزُهُ.

الصافات 37:53

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ في تَضاعِيفِ مُحاوَرَتِهِمْ ﴿إنِّي كانَ لِي﴾ في الدُّنْيا ﴿قَرِينٌ﴾ مُصاحِبٌ ﴿يَقُولُ﴾ لِي عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ المُفْضِي إلى ما أنا عَلَيْهِ اليَوْمَ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ بِالبَعْثِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمَبْعُوثُونَ ومُجازَوْنَ مِنَ الدِّينِ بِمَعْنى الجَزاءِ وقِيلَ لَمَسُوسُونَ مَرْبُوبُونَ مِن ذاتِهِ إذا ساسَهُ ومِنهُ الحَدِيثُ ”العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ“ . وقُرِئَ ”المُصَّدِّقِينَ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ واعْتُرِضَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُلائِمُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلانِ شَرِيكانِ وكانَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ فاقْتَسَماها، فَعَمَدَ أكْبَرُهُما فاشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا فَقالَ صاحِبُهُ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا في الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ ابْتَنى صاحِبُهُ دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا قَدِ ابْتَنى دارًا بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ في الجَنَّةِ دارًا بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، وإنِّي أخْطُبُ إلَيْكَ مِن نِساءِ الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ، وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ خَدَمًا ومَتاعًا في الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ فَقالَ لَوْ أتَيْتُ صاحِبِي هَذا لَعَلَّهُ يَنالُنِي مِنهُ مَعْرُوفٌ فَجَلَسَ عَلى طَرِيقِهِ حَتّى مَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ وأهْلِهِ فَقامَ إلَيْهِ فَنَظَرَ الآخَرُ فَعَرَفَهُ فَقالَ: فُلانٌ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: أصابَتْنِي بَعْدَكَ حاجَةٌ فَأتَيْتُكَ لِتُصِيبَنِي بِخَيْرٍ، قالَ: فَما فَعَلْتَ بِمالِكَ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقالَ: أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِهَذا، اذْهَبْ فَواللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا! فَرَدَّهُ فَقَضى لَهُما أنْ تَوَفَّيا فَكانَ مالُ المُتَصَدِّقِ الجَنَّةَ ومالُ الآخَرِ النّارَ، وفِيهِما نَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ هُما أخَوانِ ورِثا ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ واقْتَسَماها، فَكانَ مِن خَبَرِهِما ما كانَ، وكانَ الِاثْنانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا السَّبَبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما كانَ مُصَدِّقًا ومُتَصَدِّقًا أيْضًا، والآخَرَ - وهو القَرِينُ - أنْكَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ أنْفَقَ لِيُجازى عَلى إنْفاقِهِ بِما هو أعْظَمُ وأبْقى، فَقَدْ ضَيَّعَ - بِزَعْمِهِ - مالَهُ فِيما لا أصْلَ لَهُ وهو الجَزاءُ الأُخْرَوِيُّ ولا يَكُونُ هَذا بِدُونِ البَعْثِ فَلِذا أنْكَرَهُ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ المُلاءَمَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِتِلْكَ القِراءَةِ، وحاصِلُ المَعْنى أنْتَ المُتَصَدِّقُ طَلَبًا لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ فَهَلْ نَحْنُ بَعْدَ ما نَفْنى نُبْعَثُ ونُجازى، وذَكَرَ العِظامَ مَعَ التُّرابِ مَعَ أنَّ ذِكْرَ التُّرابِ يَكْفِي ويُغْنِي عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَصْوِيرِ حالِ ما يُشاهِدُهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنَ الأجْسادِ البالِيَةِ مِن مَصِيرِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ تُرابًا عَلَيْهِ عِظامٌ نَخِرَةٌ لِيُذَكِّرَهُ ويَخْطُرَ بِبالِهِ ما يُنافِي مُدَّعاهُ، وكَوْنُهُ لِلتَّنَزُّلِ في الإنْكارِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ لا يُرَجِّحُهُ بَلْ يُجَوِّزُهُ.

الصافات 37:54

﴿قالَ﴾ أيْ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي كانَ قَرِينًا لِجُلَسائِهِ بَعْدَ ما حَكى لَهم مَقالَةَ قَرِينِهِ لَهُ في الدُّنْيا ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ عَلى أهْلِ النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ الَّذِي قالَ لِي ما حَكَيْتُ لَكُمْ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ العَرْضُ أوِ الأمْرُ عَلى ما قِيلَ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ إراءَتُهم سُوءَ حالِ القَرِينِ لِيُؤْنِسَهم نَوْعَ إيناسٍ، وقِيلَ: يُرِيدُ بِذَلِكَ بَيانَ صِدْقِهِ فِيما حَكاهُ، ولا يَخْفى أنَّ ظَنَّ الكَذِبِ في غايَةِ البُعْدِ، واطِّلاعُ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى أهْلِ النّارِ ومَعْرِفَةُ مَن فِيها مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّباعُدِ غَيْرُ بَعِيدٍ؛ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ حِدَّةَ نَظَرٍ ويُعَرِّفُهم مَن أرادُوا الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم إذا أرادُوا ذَلِكَ وقَفُوا صفحة 92 عَلى الأعْرافِ فاطَّلَعُوا عَلى مَن أرادُوا مِن أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: إنَّ لَهم طاقاتٍ في الجَنَّةِ يَنْظُرُونَ مِنها مِن عُلُوٍّ إلى أهْلِ النّارِ، وعِلْمُ القائِلِ بِأنَّ القَرِينَ مِن أهْلِ النّارِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ البَعْثَ، ومُنْكِرُهُ مِنهم قَطْعًا، والأصْلُ بَقاؤُهُ عَلى الكُفْرِ وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ بِإخْبارِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إيّاهُ، وقِيلَ: قائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ﴾ إلَخْ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَقُولُ لِلْمُتَحادِثِينَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ هَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا عَلى أهْلِ النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَتِهِمْ؟ وقِيلَ: القائِلُ مَن كانَ لَهُ قَرِينٌ والمُخاطَبُونَ بِـ”أنْتُمُ“ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وفي الكَلامِ حَذْفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ قَرِينُكَ هَذا يُعَذَّبُ في النّارِ، فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أخْبَرُوهُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

الصافات 37:55

﴿فاطَّلَعَ﴾ أيْ عَلى أهْلِ النّارِ ﴿فَرَآهُ﴾ أيْ فَرَأى قَرِينَهُ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ في وسَطِها، ومِنهُ قَوْلُ عِيسى بْنِ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ كَنْتُ أكْتُبُ حَتّى يَنْقَطِعَ سَوائِي، وسُمِّيَ الوَسَطُ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ ”فَأُطْلِعَ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ وقُرِئَ ”مُطَّلِعُونَ“ مُشَدَّدًا ”فَأطَّلِعَ“ مُشَدَّدًا أيْضًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ ”مُطْلِعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ ”فَأطْلَعَ“ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا و”فَأطْلُعَ“ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْهُ ”مُطْلِعُونِ“ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ ”فَأُطْلِعَ“ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ، والوَجْهُ مُطْلِعِيَّ كَما «قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”أوَمُخْرِجِيِّ هُمْ“» ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، فَيُقالُ عِنْدَهُ ضارِبُونَهُ مَثَلًا كَما يُقالُ يَضْرِبُونَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: هُمُ الآمِرُونَ الخَيْرَ والفاعِلُونَهُ إذا ما خَشَوْا مِن مُحْدَثِ الدَّهْرِ مُعَظَّمًا وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ: وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ الحَيِّ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامَلُنِي إلّا ابْنَ حَمّالِ وهَذِهِ النُّونُ - عِنْدَ جَمْعٍ - نُونُ الوِقايَةِ أُلْحِقَتْ مَعَ الوَصْفِ حَمْلًا لَهُ عَلى الفِعْلِ ولَيْسَتْ مِثْلَ النُّونِ في القِراءَةِ وفي البَيْتِ وإنْ كانَ إلْحاقُ كُلٍّ لِلْحَمْلِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نُونُ التَّنْوِينِ وحُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ إلْحاقُها مَعَ ”ألْ“ كَقَوْلِهِ: ”ولَيْسَ المُوافِينِي“، ومَعَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ كَما وقَعَ في الحَدِيثِ «”غَيْرُ الدَّجّالِ أخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ“». ويُعْلَمُ مِن هَذا عَدَمُ اخْتِصاصِ إلْحاقِها بِالشِّعْرِ، نَعَمْ! هو في غَيْرِهِ قَلِيلٌ، وضَعَّفَ بَعْضُهم ما وجَّهَ بِهِ أبُو الفَتْحِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. وخُرِّجَتْ أيْضًا عَلى أنَّها مِن وضْعِ المُتَّصِلِ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ أنَّ الأصْلَ مُطْلِعُونَ إيّايَ، ثُمَّ جُعِلَ المُنْفَصِلُ مُتَّصِلًا فَقِيلَ: مُطْلِعُونِي، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ واكْتُفِيَ عَنْها بِالكَسْرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ومِثْلُهُ يُقالُ في ”الفاعِلُونَهُ“ في البَيْتِ السّابِقِ، ورَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ مِن مَحالَّ المُنْفَصِلِ حَتّى يُدَّعى أنَّ المُتَّصِلَ وقَعَ مَوْقِعَهُ، وادَّعى أوْلَوِيَّةَ تَخْرِيجِ أبِي الفَتْحِ، والبَيْتُ - قِيلَ - مَصْنُوعٌ لا يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ صفحة 93 بِهِ، وقِيلَ: إنَّ الهاءَ هاءُ السَّكْتِ حُرِّكَتْ لِلضَّرُورَةِ، وهو فِرارٌ مِن ضَرُورَةٍ لِأُخْرى، إذْ تَحْرِيكُها وإثْباتُها في الوَصْلِ غَيْرُ جائِزٍ، ولِلنُّحاةِ في مَسْألَةِ إثْباتِ النُّونِ مَعَ إضافَةِ الوَصْفِ إلى الضَّمِيرِ كَلامٌ طَوِيلٌ، حاصِلُهُ أنَّ نَحْوَ:”ضارِبُكَ وضارِباكَ وضارِبُوكَ“ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ في مَحَلِّ جَرٍّ بِالإضافَةِ ولِذا حُذِفَ التَّنْوِينُ ونُونُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ وهِشامٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في مَحَلِّ نَصْبٍ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ حَتّى ورَدَتا ثابِتَتَيْنِ كَما في ”الفاعِلُونَهُ“ و”أمُسْلِمُنِي“ فالنُّونُ عِنْدَهُما في الأخِيرِ ونَحْوِهِ تَنْوِينٌ حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ، وحَدِيثُ الحَمْلِ عَلى الفِعْلِ عَلى العِلّاتِ أحْسَنُ ما قِيلَ في التَّوْجِيهِ، هَذا وطَلَعَ واطَّلَعَ بِالتَّشْدِيدِ وأطْلَعَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى واحِدٍ والكُلُّ لازِمٌ ويَجِيءُ الِاطِّلاعُ مُتَعَدِّيًا يُقالُ أطْلَعَهُ عَلى كَذا فاطَّلَعَ، و”مُطْلِعُونِ“ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِمَعْنى ”مُطَّلِعُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ونائِبُ فاعِلِ اطَّلِعَ ضَمِيرُ القائِلِ والفاعِلُ هُمُ المُخاطَبُونَ، وإطْلاعُهم إيّاهُ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ، كَأنَّهُ لَمّا أرادَ الِاطِّلاعَ وأحَبَّ أنْ لا يَسْتَبِدَّ بِهِ - أدَبًا - عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يَطَّلِعُوا، فَرَغِبُوا واطَّلَعُوا، فَكانَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى اطِّلاعِهِ، فَكَأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أطْلَعُوهُ؛ فَفاءَ (فاطَّلَعَ) فَصِيحَةٌ، والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الَّتِي بَعْدَها: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ حَتّى أطَّلِعَ أنا أيْضًا فاطَّلَعُوا واطَّلَعَ هو بَعْدَ ذَلِكَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ (اطَّلَعَ) بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِيَصْلُحَ تَرَتُّبِ (فَرَآهُ) عَلى ما قَبْلَهُ، و﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ عَلَيْهِ بِمَعْنى الأمْرِ تَأدُّبًا ومُبالَغَةً، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ وهي قِراءَةُ التَّخْفِيفِ في الكَلِمَتَيْنِ والثّانِيَةُ فِعْلٌ ماضٍ - المَعْنى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وكَذا عَلى القِراءَةِ الَّتِي بَعْدَها، وعَنْ قِراءَةِ أبِي البَرَهْسَمِ ومَن مَعَهُ هَلْ أنْتُمْ مُطْلِعِيَّ فَأطْلَعُوهُ فَرَآهُ إلَخْ، وإطْلاعُهم إيّاهُ - إذا كانَ الخِطابُ لِلْجُلَساءِ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ - كَأنَّهُ طَلَبَ أنْ يَطَّلِعُوا لِيُوافِقَهم فَيَطَّلِعَ، وهو إذا كانَ الخِطابُ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ، وعَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ أنَّ طَلَعَ واطَّلَعَ اطِّلاعًا بِمَعْنى أقْبَلَ وجاءَ والقائِمُ مَقامُ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ أُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أوْ جارٌّ ومَجْرُورٌ مَحْذُوفانِ أيْ أُطْلِعَ بِهِ لِأنَّ أطْلَعَ لازِمٌ كَأقْبَلَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أطْلَعَ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا كَأطْلَعْتُ زَيْدًا. ورَدَّ أبُو حَيّانَ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ بِأنَّ نائِبَ الفاعِلِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ كالفاعِلِ، فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما ذَكَرْنا ولا تَغْفُلْ!

الصافات 37:56

﴿قالَ﴾ أيِ القائِلُ لِقَرِينِهِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”لَتُغْوِينِ“، و”إنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وفي البَحْرِ أنَّ القَسَمَ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذْ كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عَلَيَّ وهي التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ وأضْرابُكَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ إلى مُحاوَرَةِ جُلَسائِهِ بَعْدَ إتْمامِ الكَلامِ مَعَ قَرِينِهِ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا بِما أتاحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وتَعْرِيضًا لِلْقَرِينِ بِالتَّوْبِيخِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُتَسائِلِينَ جَمِيعًا، وأنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، واخْتِيرَ الأوَّلُ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وفِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتَّبِعُوهُ أيْ أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أيْ مِمَّنْ شَأْنُهُ المَوْتُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ. وقُرِئَ ”بِمائِتِينَ“.

الصافات 37:57

﴿قالَ﴾ أيِ القائِلُ لِقَرِينِهِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”لَتُغْوِينِ“، و”إنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وفي البَحْرِ أنَّ القَسَمَ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذْ كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عَلَيَّ وهي التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ وأضْرابُكَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ إلى مُحاوَرَةِ جُلَسائِهِ بَعْدَ إتْمامِ الكَلامِ مَعَ قَرِينِهِ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا بِما أتاحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وتَعْرِيضًا لِلْقَرِينِ بِالتَّوْبِيخِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُتَسائِلِينَ جَمِيعًا، وأنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، واخْتِيرَ الأوَّلُ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وفِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتَّبِعُوهُ أيْ أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أيْ مِمَّنْ شَأْنُهُ المَوْتُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ. وقُرِئَ ”بِمائِتِينَ“.

الصافات 37:58

﴿قالَ﴾ أيِ القائِلُ لِقَرِينِهِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”لَتُغْوِينِ“، و”إنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وفي البَحْرِ أنَّ القَسَمَ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذْ كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عَلَيَّ وهي التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ وأضْرابُكَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ إلى مُحاوَرَةِ جُلَسائِهِ بَعْدَ إتْمامِ الكَلامِ مَعَ قَرِينِهِ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا بِما أتاحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وتَعْرِيضًا لِلْقَرِينِ بِالتَّوْبِيخِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُتَسائِلِينَ جَمِيعًا، وأنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، واخْتِيرَ الأوَّلُ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وفِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتَّبِعُوهُ أيْ أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أيْ مِمَّنْ شَأْنُهُ المَوْتُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ. وقُرِئَ ”بِمائِتِينَ“.

الصافات 37:59

﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا وهي مُتَناوِلَةٌ - عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ - لِما في القَبْرِ بَعْدَ الإحْياءِ لِلسُّؤالِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالحَياةِ فِيهِ لِكَوْنِها غَيْرَ تامَّةٍ ولا قارَّةٍ وزَمانُها قَلِيلٌ جِدًّا، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ صفحة 94 قِيلَ: أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ مَوْتَةً إلّا مَوْتَتَنا الأُولى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنِ المَوْتَةُ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، وعِلْمُهم بِأنَّهم لا يَمُوتُونَ ناشِئٌ مِن إخْبارِ أنْبِيائِهِمْ لَهم في الدُّنْيا وإعْلامِهِمْ إيّاهم بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ أوْ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَهم حِينَ دُخُولِ الجَنَّةِ ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وقَوْلُهم ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقِيلَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ - أوَّلَ ما دَخَلُوا - لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَنُودِيَ يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَهُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واغْتِباطًا بِها، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ هُنا عِنْدَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ المَوْتِ مِن ذَبْحِهِ بَعِيدٌ في هَذا المَقامِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا بَعْدَ الِاطِّلاعِ والكَلامِ مَعَ القَرِينِ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كَأصْحابِ النّارِ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ وكَذا فِيما تَقَدَّمَ، واسْتِمْرارُ هَذا النَّفْيِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ وهو مُتَضَمِّنٌ نَفْيَ زَوالِ نَعِيمِهِمُ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ الآياتِ، فَإنَّ زَوالَ النَّعِيمِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ، بَلْ هو مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ، بَلْ تَصَوُّرُ الزَّوالِ عَذابٌ أيْضًا لا يَلِذُّ مَعَهُ عَيْشٌ، ولِذا قِيلَ: إذا شِئْتَ أنْ تَحْيا حَياةً هَنِيَّةً فَلا تَتَّخِذْ شَيْئًا تَخافُ لَهُ فَقْدا وكَذا يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الهَرَمِ واخْتِلالِ القُوى الَّذِي يُوهِمُهُ نَفْيُ المَوْتِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ أيْضًا، وأنَّهُ إنَّما اخْتِيرَ التَّعَرُّضُ لِاسْتِمْرارِ نَفْيِ العَذابِ دُونَ إثْباتِ اسْتِمْرارِ النَّعِيمِ؛ لِأنَّ نَفْيَ العَذابِ أسْرَعُ خُطُورًا بِبالِ مَن لَمْ يُعَذَّبْ عِنْدَ مُشاهَدَةِ مَن يُعَذَّبُ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِأنَّ دَرْءَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنفَعَةِ.

الصافات 37:60

﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما أُخْبِرُوا بِهِ مِنَ اسْتِمْرارِ نَفْيِ المَوْتِ واسْتِمْرارِ نَفْيِ التَّعْذِيبِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مَعَ اسْتِمْرارِ النَّفْيَيْنِ، فَإذا كانَ الكَلامُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ فَهو مُتَضَمِّنٌ إشارَةَ ذَلِكَ القائِلِ إلى ظُهُورِ النَّعِيمِ ويَكُونُ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاسْتِغْناءِ بِذَلِكَ الظُّهُورِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَهُ تَعالى، قالَهُ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيرًا لِقَوْلِ ذَلِكَ القائِلِ وتَصْدِيقًا لَهُ، مُخاطِبًا - جَلَّ وعَلا - بِهِ حَبِيبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأمَتَّهُ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ. وقُرِئَ ”لَهُوَ الرِّزْقُ العَظِيمُ“ وهو ما رُزِقُوهُ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى. ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ لِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَلِيلِ يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ لا لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ السَّرِيعَةِ الِانْصِرامِ المَشُوبَةِ بِفُنُونِ الآلامِ، فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْحَصْرِ، وهَذا إنْ كانَ إشارَةً إلى مُشَخَّصٍ مِن حَيْثُ تَشَخُّصُهُ فَـ”مِثْلِ“ غَيْرُ مُقْحَمَةٍ، وإنْ كانَ إشارَةً إلى الجِنْسِ فَهي مُقْحَمَةٌ كَما فِي:”مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ“ والكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ الأمْرَ بِالعَمَلِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ.

الصافات 37:61

﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما أُخْبِرُوا بِهِ مِنَ اسْتِمْرارِ نَفْيِ المَوْتِ واسْتِمْرارِ نَفْيِ التَّعْذِيبِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مَعَ اسْتِمْرارِ النَّفْيَيْنِ، فَإذا كانَ الكَلامُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلَخْ فَهو مُتَضَمِّنٌ إشارَةَ ذَلِكَ القائِلِ إلى ظُهُورِ النَّعِيمِ ويَكُونُ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاسْتِغْناءِ بِذَلِكَ الظُّهُورِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَهُ تَعالى، قالَهُ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيرًا لِقَوْلِ ذَلِكَ القائِلِ وتَصْدِيقًا لَهُ، مُخاطِبًا - جَلَّ وعَلا - بِهِ حَبِيبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأمَتَّهُ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ. وقُرِئَ ”لَهُوَ الرِّزْقُ العَظِيمُ“ وهو ما رُزِقُوهُ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى. ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ لِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَلِيلِ يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ لا لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ السَّرِيعَةِ الِانْصِرامِ المَشُوبَةِ بِفُنُونِ الآلامِ، فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْحَصْرِ، وهَذا إنْ كانَ إشارَةً إلى مُشَخَّصٍ مِن حَيْثُ تَشَخُّصُهُ فَـ”مِثْلِ“ غَيْرُ مُقْحَمَةٍ، وإنْ كانَ إشارَةً إلى الجِنْسِ فَهي مُقْحَمَةٌ كَما فِي:”مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ“ والكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ القائِلِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ الأمْرَ بِالعَمَلِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ.

الصافات 37:62

وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فَمِن كَلامِهِ - جَلَّ وعَلا - عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ والقِصَّةُ بَيْنَهُما ذُكِرَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ فالإشارَةُ إلى الرِّزْقِ المَعْلُومِ. وزَعْمُ بَعْضِهِمْ جَوازَ كَوْنِهِ مِن كَلامِ القائِلِ السّابِقِ وما هو مِن كَلامِهِ - عَزَّ وجَلَّ - قَطْعًا هو ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعْمَلُ في الحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، ومِنهُ العَسَلُ لَيْسَ مِن أنْزالِ الأرْضِ صفحة 95 أيْ مِمّا يَحْصُلُ مِنها، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ لا يَجِبُ في العَسَلِ العُشْرِ لِأنَّهُ نُزُلُ طائِرٍ، ويُقالُ لِما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الرِّزْقِ. والزَّقُّومُ اسْمُ شَجَرَةٍ صَغِيرَةِ الوَرَقِ مَرَّةٍ كَرِيهَةِ الرّائِحَةِ ذاتِ لَبَنٍ إذا أصابَ جَسَدَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ، تَكُونُ في تِهامَةَ وفي البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ، سُمِّيَتْ بِها الشَّجَرَةُ المَوْصُوفَةُ بِما في الآيَةِ، وكِلا المَعْنِيِّينَ لِلنُّزُلِ مُحْتَمَلٌ هُنا؛ بَيْدَ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى الأوَّلِ انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: أذَلِكَ الرِّزْقُ المَعْلُومُ الَّذِي حاصِلُهُ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ خَيْرٌ نُزُلًا وحاصِلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي حاصِلُها الألَمُ والغَمُّ؟ ومَعْنى التَّفاضُلِ بَيْنَ النُّزُلَيْنِ التَّوْبِيخُ والتَّهَكُّمُ، وهو أُسْلُوبٌ كَثِيرُ الوُرُودِ في القُرْآنِ، والحَمْلُ عَلى المُشارَكَةِ جائِزٌ، وعَلى الثّانِي الظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ نُزُلُ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ نُزُلُهم شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَأيُّهُما خَيْرٌ حالَ كَوْنِهِ نُزُلًا؟ وفِيهِ ما مَرَّ مِنَ التَّهَكُّمِ. والحَمْلُ عَلى التَّمْيِيزِ لا مانِعَ مِنهُ لَفْظًا كَما في نَحْوِ: هم أكْفاهم ناصِرًا، ولَكِنِ المَعْنى عَلى الحالِ أسَدُّ؛ لِأنَّ المَعْنى المُفاضَلَةُ بَيْنَ تِلْكَ الفَواكِهِ وهَذا الطَّعامِ في هَذِهِ الحالِ لا التَّفاضُلُ بَيْنَهُما في الوَصْفِ، وإنَّ ذَلِكَ في النُّزُلِيَّةِ أدْخَلُ مِنَ الآخَرِ فافْهَمْ.

الصافات 37:63

﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ مِحْنَةً وعَذابًا لَهم في الآخِرَةِ وابْتِلاءً في الدُّنْيا، فَإنَّهم سَمِعُوا أنَّها في النّارِ، قالُوا: كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ والنّارُ تُحْرِقُ الشَّجَرَ؟ وكَذا قالَ أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ اسْتِخْفافًا بِأمْرِها لا إنْكارًا لِلْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ: واللَّهِ ما نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ والزُّبْدَّ. فَتَزَقَّمُوا! ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ حَيَوانٍ يَعِيشُ في النّارِ ويَتَلَذَّذُ بِها أقْدَرُ عَلى خَلْقِ الشَّجَرِ في النّارِ وحِفْظِهِ مِنَ الإحْراقِ، فالنّارُ لا تُحْرِقُ إلّا بِإذْنِهِ، أوْ أنَّ الإحْراقَ عِنْدَها لا بِها.

الصافات 37:64

﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ مَنبَتُها في قَعْرِ النّارِ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها. وقُرِئَ ”نابِتَةٌ في أصْلِ الجَحِيمِ“ ﴿طَلْعُها﴾ أيْ حَمْلُها، وأصْلُهُ طَلْعُ النَّخْلِ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ شَمارِيخُهُ، أبْيَضُ غَضٌّ مُسْتَطِيلٌ كاللَّوْزِ، سُمِّيَ بِهِ حَمْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إمّا لِأنَّهُ يُشابِهُهُ في الشَّكْلِ أوِ الطُّلُوعِ، ولَعَلَّهُ الأوْلى لِمَكانِ التَّشْبِيهِ بَعْدُ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً، أوْ لِاسْتِعْمالِهِ بِمَعْنى ما يَطْلُعُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ كالمُرْسَلِ لِلْأُنُفِ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ.

الصافات 37:65

﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ أيْ في تَناهِي الكَراهَةِ وقُبْحِ المَنظَرِ والعَرَبُ تُشَبِّهُ القَبِيحَ الصُّورَةِ بِالشَّيْطانِ فَيَقُولُونَ: كَأنَّهُ وجْهُ شَيْطانٍ أوْ رَأْسُ شَيْطانٍ وإنْ لَمْ يَرَوْهُ لِما أنَّهُ مُسْتَقْبَحٌ جِدًّا في طِباعِهِمْ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ فَيَرْتَسِمُ في خَيالِهِمْ بِأقْبَحِ صُورَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أتَقْتُلُنِي والمُشْرِفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ فَشَبَّهَ بِأنْيابِ الأغْوالِ وهي نَوْعٌ مِنَ الشَّياطِينِ ولَمْ يَرِها لِما ارْتَسَمَ في خَيالِهِ، وعَلى عَكْسِ هَذا تَشْبِيهُهُمُ الصُّورَةَ الحَسَنَةَ بِالمَلَكِ وذَلِكَ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ لا شَرَّ فِيهِ فارْتَسَمَ في خَيالِهِمْ بِأحْسَنِ صُورَةٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وبِهَذا يُرَدُّ عَلى بَعْضِ المَلاحِدَةِ حَيْثُ طَعَنَ في هَذا التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يُعْرَفُ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في الخارِجِ بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَرْكُوزًا في الذِّهْنِ والخَيالِ. وحَمْلُ التَّشْبِيهِ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وغَيْرِهِما، وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ الشَّياطِينَ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ تُشَوَّهُ صُوَرُهم جِدًّا وتُسْتَبْشَعُ أعْضاؤُهُمْ، فالمُرادُ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ صفحة 96 الَّذِينَ في النّارِ، وفِيهِ أنَّ التَّشْبِيهَ عَلَيْهِ أيْضًا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الخارِجِ عِنْدَ النُّزُولِ، وقِيلَ: رُءُوسُ الشَّياطِينِ شَجَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَكُونُ بِناحِيَةِ اليَمَنِ مُنْكَرَةُ الصُّورَةِ يُقالُ لَها الأسْتَنُ وإيّاها عَنى النّابِغَةُ بِقَوْلِهِ: تَحِيدُ عَنْ أسْتَنٍ سُودٍ أسافِلُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الإماءِ الغَوادِي تَحْمِلُ الحُزُما قالَ الأصْمَعِيُّ: ويُقالُ لَها الصَّوْمُ وأنْشُدُ: مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَّوْمِ يَرْقُبُهُ ∗∗∗ مِنَ المَغارِبِ مَهْضُومُ الحَشا زَرِمُ وقِيلَ: الشَّياطِينُ جِنْسٌ مِنَ الحَيّاتِ ذَواتِ أعْرافٍ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: عُجَيْزٌ تَحْلِفُ حِينَ أحْلِفُ ∗∗∗ كَمِثْلِ شَيْطانِ الحَماطِ أعْرَفُ أيْ لَهُ عُرْفٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ: وفِي البَقْلِ إنْ لَمْ يَدْفَعِ اللَّهُ شَرَّهُ ∗∗∗ شَياطِينُ يَعْدُو بَعْضُهُنَّ عَلى بَعْضِ

الصافات 37:66

﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَعْلِها فِتْنَةً أيْ مِحْنَةً وعَذابًا لِلظّالِمِينَ، وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ لِلشَّجَرَةِ، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وهُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ مِن طَلْعِها، وقِيلَ: مِن تَبْعِيضِيَّةٌ والضَّمِيرُ لِلطَّلْعِ وأُنِّثَ لِإضافَتِهِ إلى المُؤَنَّثِ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالثَّمَرَةِ أوْ لِلشَّجَرَةِ عَلى التَّجَوُّزِ، ولا يَخْلُو كُلٌّ عَنْ بُعْدٍ ما ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ لِغَلَبَةِ الجُوعِ وإنْ كَرِهُوها أوْ لِلْقَسْرِ عَلى أكْلِها

الصافات 37:67

﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾ أيْ عَلى الشَّجَرَةِ الَّتِي مَلَأُوا مِنها بُطُونَهم ﴿لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ لَشَرابًا مَمْزُوجًا بِماءٍ شَدِيدِ الحَرارَةِ وهَذا الشَّرابُ هو الغَسّاقُ أيْ ما يَقْطُرُ مِن جِراحِ أهْلِ النّارِ وجُلُودِهِمْ، وقِيلَ: هَذا هو الصَّدِيدُ وأمّا الغَسّاقُ فَعَيْنٌ في النّارِ تَسِيلُ إلَيْها سُمُومُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ أوْ دُمُوعُ الكَفَرَةِ فِيها، وشُرْبُهم ذَلِكَ لِغَلَبَةِ عَطَشِهِمْ بِما أكَلُوا مِنَ الشَّجَرَةِ فَإذا شَرِبُوا تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهم. وقُرِئَ ”لَشُوبًا“ بِضَمِّ الشِّينِ وهو اسْمٌ لِما يُشابُ بِهِ، وعَلى الأوَّلِ هو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ قِيلَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ يَمْلَأُوا البُطُونَ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ يَعْطُشُونَ ويُؤَخَّرُ سِقْيُهم زَمانًا لِيَزْدادَ عَطَشُهم فَيَزْدادَ عَذابُهم. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ عَطْفُ الشُّرْبِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ فَلا بُدَّ مِن عَدَمِ تَوَسُّطِ زَمانٍ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُرْبُ الشَّرابِ المَمْزُوجِ بِالحَمِيمِ مُتَأخِّرًا بِزَمانٍ عَنْ مَلْئِهِمُ البُطُونَ دُونَ شُرْبِ الحَمِيمِ وحْدَهُ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ مُخْتَلِفًا، فَتارَةً يَتَأخَّرُ الشُّرْبُ مُطْلَقًا زَمانًا، وأُخْرى لا يَتَأخَّرُ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَلْؤُهُمُ البُطُونَ أمْرٌ مُمْتَدٌّ فَبِاعْتِبارِ ابْتِدائِهِ يُعْطَفُ بِثُمَّ وبِاعْتِبارِ انْتِهائِهِ بِالفاءِ. وجُوِّزَ كَوْنُ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ شَرابَهم أشْنَعُ مِن مَأْكُولِهِمْ بِكَثِيرٍ، وعَطْفُ مَلْئِهِمُ البُطُونَ بِالفاءِ لِأنَّهُ يَعْقُبُ ما قَبْلَهُ، ولا يَحْسُنُ فِيهِ اعْتِبارُ التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ حُسْنَهُ في شُرْبِ الشَّرابِ المَشُوبِ بِالحَمِيمِ مَعَ الأكْلِ

الصافات 37:68

﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أيْ مَصِيرَهُمْ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقُرِئَ أيْضًا ”ثُمَّ إنَّ مَنفَذَهُمْ“ ﴿لإلى الجَحِيمِ﴾ أيْ إلى مَقَرِّهِمْ مِنَ النّارِ فَإنَّ في جَهَنَّمَ مَواضِعَ أُعِدَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها نَوْعٌ مِنَ البَلاءِ، فالقَوْمُ يُخْرَجُونَ مِن مَحَلِّ قَرارِهِمْ حَيْثُ تَأجُّجُ النّارِ، ويُساقُونَ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ مِمّا دارَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ، فِيهِ ذَلِكَ الشَّرابُ، لِيَرِدُوهُ، ويُسْقُوا مِنهُ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى مَحَلِّهِمْ كَما تُخْرَجُ الدَّوابُّ إلى مَواضِعِ الماءِ في البَلَدِ مَثَلًا لِتَرِدَهُ ثُمَّ تُرَدُّ إلى مَحَلِّها، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ قَتادَةُ ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: صفحة 97 ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”ثُمَّ إنَّ مُنْقَلَبَهُمْ“ إذِ الِانْقِلابُ أظْهَرُ في الرَّدِّ، أوِ المُرادُ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم إلى دَرَكاتِ الجَحِيمِ فَهم يُرَدَّدُونَ في الجَحِيمِ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ أدْنى مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ الشَّرابَ يُقَدَّمُ إلَيْهِمْ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ فَيَشْرَبُونَ ويَصِيرُونَ إلى الجَحِيمِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ وإلّا فَهو خِلافُ الظّاهِرِ، وكَأنَّ بَيْنَ خُرُوجِ القَوْمِ لِلشُّرْبِ وعَوْدِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ زَمانًا غَيْرَ يَسِيرٍ يَتَجَرَّعُونَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرابَ ولِذا جِيءَ بِثَمُّ، وهَذا الشَّرابُ في مُقابَلَةِ ما لِأهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الشَّرابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ إلَخْ كَما أنَّ الزَّقُّومَ في مُقابَلَةِ ما لَهم مِنَ الفَواكِهِ. وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَوْ أنَّ قَطْرَةً مِن زَقُّومِ جَهَنَّمَ أُنْزِلَتْ إلى الأرْضِ لَأفْسَدَتْ عَلى النّاسِ مَعايِشَهم. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ فَكَيْفَ بِمَن هو طَعامُهُ وشَرابُهُ الغَسّاقُ والصَّدِيدُ مَعَ الحَمِيمِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضاهُ والجَنَّةَ ونَعُوذُ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَضَبِهِ والنّارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

الصافات 37:69

﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ العَذابِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في أُصُولِ الدِّينِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ولا لِآبائِهِمْ شَيْءٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ أصْلًا، أيْ وجَدُوهم ضالِّينَ في نَفْسِ الأمْرِ لَيْسَ لَهم ما يَصْلُحُ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ صَلاحِيَّةِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، فَهم مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ أوَّلًا مَعَ ظُهُورِ كَوْنِهِمْ عَلى الباطِلِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، والإهْراعُ الإسْراعُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو إسْراعُ فِيهِ شِبْهُ رِعْدَةٍ. وفِي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ في الإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ كَأنَّهم يُزْعِجُونَ ويُحَثُّونَ حَثًّا عَلَيْهِ.

الصافات 37:70

﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ العَذابِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في أُصُولِ الدِّينِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ولا لِآبائِهِمْ شَيْءٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ أصْلًا، أيْ وجَدُوهم ضالِّينَ في نَفْسِ الأمْرِ لَيْسَ لَهم ما يَصْلُحُ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ صَلاحِيَّةِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، فَهم مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ أوَّلًا مَعَ ظُهُورِ كَوْنِهِمْ عَلى الباطِلِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، والإهْراعُ الإسْراعُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو إسْراعُ فِيهِ شِبْهُ رِعْدَةٍ. وفِي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ في الإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ كَأنَّهم يُزْعِجُونَ ويُحَثُّونَ حَثًّا عَلَيْهِ.

الصافات 37:71

﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ قَبْلِ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لَهم وهم قُرَيْشٌ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنْبِياءَ أنْذَرُوهم سُوءَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا. والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا إهْلاكًا فَظِيعًا اسْتَثْنى عَنْهُمُ المُخْلَصِينَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ بِمُوجِبِ الإنْذارِ. وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والِاسْتِثْناءُ عَلى القِراءَتَيْنِ إمّا مُنْقَطِعٌ إنْ خَصَّصَ المُنْذَرِينَ وإمّا مُتَّصِلٌ إنْ عَمَّمَ.

الصافات 37:72

﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ قَبْلِ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لَهم وهم قُرَيْشٌ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنْبِياءَ أنْذَرُوهم سُوءَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا. والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا إهْلاكًا فَظِيعًا اسْتَثْنى عَنْهُمُ المُخْلَصِينَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ بِمُوجِبِ الإنْذارِ. وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والِاسْتِثْناءُ عَلى القِراءَتَيْنِ إمّا مُنْقَطِعٌ إنْ خَصَّصَ المُنْذَرِينَ وإمّا مُتَّصِلٌ إنْ عَمَّمَ.

الصافات 37:73

﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ قَبْلِ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لَهم وهم قُرَيْشٌ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنْبِياءَ أنْذَرُوهم سُوءَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا. والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا إهْلاكًا فَظِيعًا اسْتَثْنى عَنْهُمُ المُخْلَصِينَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ بِمُوجِبِ الإنْذارِ. وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والِاسْتِثْناءُ عَلى القِراءَتَيْنِ إمّا مُنْقَطِعٌ إنْ خَصَّصَ المُنْذَرِينَ وإمّا مُتَّصِلٌ إنْ عَمَّمَ.

الصافات 37:74

﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ قَبْلِ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لَهم وهم قُرَيْشٌ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنْبِياءَ أنْذَرُوهم سُوءَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا. والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا إهْلاكًا فَظِيعًا اسْتَثْنى عَنْهُمُ المُخْلَصِينَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ والعَمَلِ بِمُوجِبِ الإنْذارِ. وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والِاسْتِثْناءُ عَلى القِراءَتَيْنِ إمّا مُنْقَطِعٌ إنْ خَصَّصَ المُنْذَرِينَ وإمّا مُتَّصِلٌ إنْ عَمَّمَ.

الصافات 37:75

﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ فِيما قَبْلُ بِبَيانِ أحْوالِ بَعْضِ المُرْسَلِينَ وحُسْنِ عاقِبَتِهِمْ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ بَعْضِ المُنْذَرِينَ كَقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِبَيانِ حُسْنِ عاقِبَةِ بَعْضِهِمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى أوْ أخْلَصُوا دِينَهم عَلى القِراءَتَيْنِ كَقَوْمِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْدِيمُ قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سائِرِ القِصَصِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، ونِداؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَضَمَّنُ الدُّعاءَ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ وسُؤالَهُ النَّجاةَ وطَلَبَ النُّصْرَةِ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ فِيهِ مَحْذُوفٌ والفاءُ صفحة 98 فَصِيحَةٌ، أيْ: وتاللَّهِ لَقَدْ دَعانا نُوحٌ حِينَ أيِسَ مِن إيمانِ قَوْمِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم أحْقابًا ودُهُورًا، فَلَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا ونُفُورًا، فَأجَبْناهُ أحْسَنَ الإجابَةِ فَواللَّهِ لَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، والجَمْعُ لِلْعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الإجابَةِ ما فِيهِ؛ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى في بَيْتِي فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ قالَ: صَدَقْتَ رَبَّنا أنْتَ أقْرَبُ مَن دُعِيَ وأقْرَبُ مَن بُغِيَ فَنِعْمَ المَدْعُوُّ ونِعْمَ المُعْطِي ونِعْمَ المَسْؤُولُ ونِعْمَ المَوْلى أنْتَ رَبَّنا ونِعْمَ النَّصِيرُ» .

الصافات 37:76

﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ مِنَ الغَرَقِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: أذى قَوْمِهِ ولا مانِعَ مِنَ الجَمْعِ، والكَرْبُ - عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - الغَمُّ الشَّدِيدُ، وأصْلُ ذَلِكَ مِن كَرْبِ الأرْضِ وهو قَلْبُها بِالحَفْرِ فالغَمُّ يُثِيرُ النَّفْسَ إثارَةَ ذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَرَبَتِ الشَّمْسُ إذا دَنَتْ لِلْمَغِيبِ، وقَوْلُهم إناءٌ كَرْبانٌ نَحْوَ قَرْبانٌ أيْ قَرِيبٌ مِنَ المَلْءِ أوْ مِنَ الكَرْبِ وهو عَقْدٌ غَلِيظٌ في رِشاءِ الدَّلْوِ، وقَدْ يُوصَفُ الغَمُّ بِأنَّهُ عُقْدَةٌ عَلى القَلْبِ.

الصافات 37:77

﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ فَحَسْبُ حَيْثُ أهْلَكْنا الكَفَرَةَ بِمُوجِبِ دُعائِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن في السَّفِينَةِ ولَمْ يُعْقِبُوا عَقِبًا باقِيًا غَيْرُ أبْنائِهِ الثَّلاثِ سامٍ وحامٍ ويافِثَ وأزْواجِهِمْ فَإنَّهم بَقُوا مُتَناسِلِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «سامٌ أبُو العَرَبِ وحامٌ أبُو الحَبَشِ ويافِثُ أبُو الرُّومِ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، نَعَمْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ولَدُ نُوحٍ ثَلاثَةٌ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ فَوَلَدُ سامٍ العَرَبُ وفارِسُ والرُّومُ والخَيْرُ فِيهِمْ ووَلَدُ يافِثَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ والتُّرْكُ والصَّقالِبَةُ ولا خَيْرَ فِيهِمْ ووَلَدُ حامٍ القِبْطُ والسُّودانُ» ولا أعْرِفُ حالَ الخَبَرِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ النّاسَ كُلَّهم في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِذا قِيلَ لَهُ آدَمُ الثّانِي. وإنْ صَحَّ أنَّ لِكَنْعانَ المُغْرَقِ ولَدًا في السَّفِينَةِ لا يَبْعُدُ إدْراجُهُ في الذُّرِّيَّةِ فَلا يُقْتَصَرُ عَلى الأوْلادِ الثَّلاثَةِ، وعَلى كَوْنِ النّاسِ كُلِّهِمْ مِن ذُرِّيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أبْقى اللَّهُ تَعالى ذُرِّيَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَدَّ في نَسْلِهِ ولَيْسَ النّاسُ مُنْحَصِرَيْنِ في نَسْلِهِ بَلْ مِنَ الأُمَمِ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِ حَكاهُ في البَحْرِ، وكَأنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لا تَقُولُ بِعُمُومِ الغَرَقِ، ونُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما دَعا عَلى الكُفّارِ، وهو لَمْ يُرْسِلْ إلى أهْلِ الأرْضِ كافَّةً، فَإنَّ عُمُومَ البَعْثَةِ ابْتِداءً مِن خَواصَّ خاتَمِ المُرْسَلِينَ ﷺ ووُصُولُ خَبَرِ دَعْوَتِهِ وهو في جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى جَمِيعِ الأقْطارِ كَقُطْرِ الصِّينِ وغَيْرِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ. والحَصْرُ في الآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن في السَّفِينَةِ مِمَّنْ عَدا أوْلادَهُ وأزْواجَهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ لا ذُرِّيَّةَ مَن مَعَهُ في السَّفِينَةِ، وهو لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ بَقاءِ ذُرِّيَّةِ مَن لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وكانَ في بَعْضِ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إلَيْها الدَّعْوَةُ ولَمْ يَسْتَوْجِبْ أهْلُها الغَرَقَ كَأهْلِ الصِّينِ فِيما يَزْعُمُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قائِلَةً بِالعُمُومِ وتَجْعَلُ الحَصْرَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُغْرَقِينَ وتَلْتَزِمُ القَوْلَ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَقِبٌ لِأحَدٍ مِن أهْلِ السَّفِينَةِ هو مِن ذُرِّيَّةِ أحَدٍ مِنَ المُغْرَقِينَ، أيْ: وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ لا ذُرِّيَّةَ أحَدٍ غَيْرِهِ مِنَ المُغْرَقِينَ، ووَلَدُ كَنْعانَ إنْ صَحَّ وصَحَّ بَقاءُ نَسْلِهِ دَخَلَ في ذُرِّيَّتِهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الصافات 37:78

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ في الباقِينَ غابِرَ الدَّهْرِ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ صفحة 99 وجازُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدُّعاءِ، والكَلامُ وارِدٌ عَلى الحِكايَةِ كَقَوْلِكَ: قَرَأْتُ ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ وهو عَلى ما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ مَحْكِيٌّ بِـ”تَرَكَ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها أيْ تَرَكْنا عَلَيْهِ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ. وقالَ آخَرُونَ: هو مَحْكِيٌّ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ قَوْلَهم سَلامٌ عَلى نُوحٍ، والمُرادُ أبْقَيْنا لَهُ دُعاءَ النّاسِ وتَسْلِيمَهم عَلَيْهِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وقِيلَ: هَذا سَلامٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا مِنَ الآخِرِينَ، ومَفْعُولُ ﴿تَرَكْنا﴾ مَحْذُوفٌ أيْ تَرْكِنا عَلَيْهِ الثَّناءَ الحَسَنَ وأبْقَيْناهُ لَهُ فِيمَن بَعْدَهُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وجُمْلَةُ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَكَرَ الخَفاجِيُّ، أيْ وقُلْنا: سَلامٌ إلَخْ، وقالَ أبُو حَيّانَ: مُسْتَأْنَفَةٌ سَلَّمَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَقْتَدِيَ بِذَلِكَ البَشَرُ فَلا يُذْكُرُهُ أحَدٌ بِسُوءٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”سَلامًا“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿تَرَكْنا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالظَّرْفِ لِنِيابَتِهِ عَنْ عامِلِهِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِهِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ. وأيًّا ما كانَ فَهو مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وجِيءَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ التّامِّ بِشَأْنِ السَّلامِ؛ مِن حَيْثُ أنَّهُ أفادَ الكَلامُ عَلَيْهِ ثُبُوتَهُ في العالَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، أوْ أنَّهُ - حالَ كَوْنِهِ في العالَمِينَ - عَلى نُوحٍ، وهَذا كَما تَقُولُ سَلامٌ عَلى زَيْدٍ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ وفي جَمِيعِ الأزْمِنَةِ. وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ جَعْلِهِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي الآخِرِينَ﴾ ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ غَلَطًا كَما لا يَخْفى.

الصافات 37:79

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ في الباقِينَ غابِرَ الدَّهْرِ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ صفحة 99 وجازُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدُّعاءِ، والكَلامُ وارِدٌ عَلى الحِكايَةِ كَقَوْلِكَ: قَرَأْتُ ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ وهو عَلى ما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ مَحْكِيٌّ بِـ”تَرَكَ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها أيْ تَرَكْنا عَلَيْهِ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ. وقالَ آخَرُونَ: هو مَحْكِيٌّ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ قَوْلَهم سَلامٌ عَلى نُوحٍ، والمُرادُ أبْقَيْنا لَهُ دُعاءَ النّاسِ وتَسْلِيمَهم عَلَيْهِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وقِيلَ: هَذا سَلامٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا مِنَ الآخِرِينَ، ومَفْعُولُ ﴿تَرَكْنا﴾ مَحْذُوفٌ أيْ تَرْكِنا عَلَيْهِ الثَّناءَ الحَسَنَ وأبْقَيْناهُ لَهُ فِيمَن بَعْدَهُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وجُمْلَةُ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَكَرَ الخَفاجِيُّ، أيْ وقُلْنا: سَلامٌ إلَخْ، وقالَ أبُو حَيّانَ: مُسْتَأْنَفَةٌ سَلَّمَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَقْتَدِيَ بِذَلِكَ البَشَرُ فَلا يُذْكُرُهُ أحَدٌ بِسُوءٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”سَلامًا“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿تَرَكْنا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالظَّرْفِ لِنِيابَتِهِ عَنْ عامِلِهِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِهِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ. وأيًّا ما كانَ فَهو مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وجِيءَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ التّامِّ بِشَأْنِ السَّلامِ؛ مِن حَيْثُ أنَّهُ أفادَ الكَلامُ عَلَيْهِ ثُبُوتَهُ في العالَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، أوْ أنَّهُ - حالَ كَوْنِهِ في العالَمِينَ - عَلى نُوحٍ، وهَذا كَما تَقُولُ سَلامٌ عَلى زَيْدٍ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ وفي جَمِيعِ الأزْمِنَةِ. وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ جَعْلِهِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي الآخِرِينَ﴾ ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ غَلَطًا كَما لا يَخْفى.

الصافات 37:80

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُعِلَ بِهِ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن زُمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِالإحْسانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، فَيَكُونُ ما وقَعَ مِن قَبِيلِ مُجازاةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وإحْسانُهُ مُجاهَدَتُهُ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِهِ، والصَّبْرِ الطَّوِيلِ عَلى أذاهم ونَحْوِ ما ذُكِرَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الكامِلِينَ في الإحْسانِ لا جَزاءً أدْنى مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنًا - المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ بِخُلُوصِ عُبُودِيَّتِهِ وكَمالِ إيمانِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِما ما لا يَخْفى، وإلّا فَمَنصِبُ الرِّسالَةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، والرَّسُولُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الخُلُوصِ بِالعُبُودِيَّةِ وكَمالِ الإيمانِ، فالمَقْصُودُ بِالصِّفَةِ مَدْحُها نَفْسِها لا مَدْحُ مَوْصُوفِها ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيِ المُغايِرِينَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلَهُ وهم كُفّارُ قَوْمِهِ أجْمَعِينَ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الذِّكْرِيِّ، إذْ بَقاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الإغْراقِ

الصافات 37:81

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُعِلَ بِهِ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن زُمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِالإحْسانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، فَيَكُونُ ما وقَعَ مِن قَبِيلِ مُجازاةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وإحْسانُهُ مُجاهَدَتُهُ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِهِ، والصَّبْرِ الطَّوِيلِ عَلى أذاهم ونَحْوِ ما ذُكِرَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الكامِلِينَ في الإحْسانِ لا جَزاءً أدْنى مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنًا - المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ بِخُلُوصِ عُبُودِيَّتِهِ وكَمالِ إيمانِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِما ما لا يَخْفى، وإلّا فَمَنصِبُ الرِّسالَةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، والرَّسُولُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الخُلُوصِ بِالعُبُودِيَّةِ وكَمالِ الإيمانِ، فالمَقْصُودُ بِالصِّفَةِ مَدْحُها نَفْسِها لا مَدْحُ مَوْصُوفِها ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيِ المُغايِرِينَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلَهُ وهم كُفّارُ قَوْمِهِ أجْمَعِينَ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الذِّكْرِيِّ، إذْ بَقاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الإغْراقِ

الصافات 37:82

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُعِلَ بِهِ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن زُمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِالإحْسانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، فَيَكُونُ ما وقَعَ مِن قَبِيلِ مُجازاةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وإحْسانُهُ مُجاهَدَتُهُ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِهِ، والصَّبْرِ الطَّوِيلِ عَلى أذاهم ونَحْوِ ما ذُكِرَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الكامِلِينَ في الإحْسانِ لا جَزاءً أدْنى مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنًا - المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ بِخُلُوصِ عُبُودِيَّتِهِ وكَمالِ إيمانِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِما ما لا يَخْفى، وإلّا فَمَنصِبُ الرِّسالَةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، والرَّسُولُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الخُلُوصِ بِالعُبُودِيَّةِ وكَمالِ الإيمانِ، فالمَقْصُودُ بِالصِّفَةِ مَدْحُها نَفْسِها لا مَدْحُ مَوْصُوفِها ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيِ المُغايِرِينَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلَهُ وهم كُفّارُ قَوْمِهِ أجْمَعِينَ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الذِّكْرِيِّ، إذْ بَقاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الإغْراقِ

الصافات 37:83

﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَ نُوحًا وتابَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ ﴿لإبْراهِيمَ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ شَرِيعَتَيْهِما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ، ونُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِما اتِّفاقٌ كُلِّيٌّ أوْ أكْثَرِيٌّ، ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ - ولا أدْرِي الآنَ أيَّ كِتابٍ هو - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُرْسَلْ إلّا بِالتَّوْحِيدِ ونَحْوِهِ مِن أُصُولِ العَقائِدِ، ولَمْ يُرْسَلْ بِفُرُوعٍ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وبَيْنَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ لا غَيْرَ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالنَّبِيِّ الرَّسُولُ لا ما هو أعَمُّ مِنهُ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ سامًا كانَ نَبِيًّا، وكانَ بَيْنَهُما عَلى ما في جامِعِ الأُصُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ ضَمِيرَ ﴿شِيعَتِهِ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والظّاهِرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ صفحة 100 ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وقَلَّما يُقالُ لِلْمُتَقَدِّمِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَأخِّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ الأصْغَرِ بْنِ زَيْدٍ: وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ وما لِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ وذِكْرُ قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ لِأنَّهُ كَآدَمَ الثّالِثِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ بَعْدَهُ؛ لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ إلّا لُوطًا، وهو بِمَنزِلَةِ ولَدِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ويَزِيدُ حُسْنَ الإرْدافِ أنَّ نُوحًا نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَرَقِ، وإبْراهِيمَ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَرْقِ.

الصافات 37:84

﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ كَما هو المَعْهُودُ في نَظائِرِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى شايَعَهُ؟ فَقِيلَ: شايَعَهُ إذْ جاءَ رَبَّهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِشِيعَةٍ لِما فِيهِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ. ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَمَلُ ما قَبْلَ لامِ الِابْتِداءِ فِيما بَعْدَها، وهم لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِلصَّدارَةِ، فَلا يُقالُ: إنَّ ضارِبًا لَقادِمٌ عَلَيْنا زَيْدًا، وكَذا يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو لا يَجُوزُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن كُلٍّ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ سالِمٍ مِن جَمِيعِ الآفاتِ كَفَسادِ العَقائِدِ والنِّيّاتِ السَّيِّئَةِ والصِّفاتِ القَبِيحَةِ كالحَسَدِ والغِلِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وعَنْقَتادَةَ تَخْصِيصُ السَّلامَةِ بِالسَّلامَةِ مِنَ الشِّرْكِ، والتَّعْمِيمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى، أوْ سالِمٍ مِنَ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن مَحَبَّتِها والرُّكُونِ إلَيْها وإلى أهْلِها، وقِيلَ: ”سَلِيمٍ“ أيْ حَزِينٍ وهو مَجازٌ مِنَ السَّلِيمِ بِمَعْنى اللَّدِيغِ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّيهِ سَلِيمًا تَفاؤُلًا بِسَلامَتِهِ وصارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وما تَقَدَّمَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، والباءُ - قِيلَ - لِلتَّعْدِيَةِ. والمُرادُ بِمَجِيئِهِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ إخْلاصُهُ قَلْبَهُ لَهُ - تَعالى - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، ومَبْناها تَشْبِيهُ إخْلاصِهِ قَلْبَهُ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَجِيئِهِ إلَيْهِ تَعالى بِتُحْفَةٍ في أنَّهُ سَبَبٌ لِلْفَوْزِ بِالرِّضا، ويُكْتَفى بِامْتِناعِ الحَقِيقَةِ - مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ المَدْحِ - قَرِينَةً، فَحاصِلُ مَعْنى التَّرْكِيبِ إذْ أخْلَصَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلَّهِ تَعالى قَلْبَهُ السَّلِيمَ مِنَ الآفاتِ أوِ المُنْقَطِعَ عَنِ العَلائِقِ أوِ الحَزِينَ المُنْكَسِرَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ سَلامَةَ القَلْبِ عَنِ الآفاتِ لا تَكُونُ بِدُونِ الإخْلاصِ، وكَذا الِانْقِطاعُ عَنِ العَلائِقِ لا يَكُونُ بِدُونِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُما قَدْ يَكُونانِ بِدُونِ ذَلِكَ كَما في القُلُوبِ البُلْهِ. وفي المُطْلِعِ مَعْنى مَجِيئِهِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ أنَّهُ أخْلَصَ قَلْبَهُ لِلَّهِ تَعالى وعَلِمَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِنهُ كَما يُعْلَمُ الغائِبُ وأحْوالُهُ بِمَجِيئِهِ وحُضُورِهِ، فَضُرِبَ المَجِيءُ مَثَلًا لِذَلِكَ اهـ، وجُعِلَ في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِن إخْلاصِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَلْبَهُ لِرَبِّهِ تَعالى وعَلِمِهِ سُبْحانَهُ ذَلِكَ الإخْلاصَ مِنهُ مَوْجُودًا بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ المَجِيءِ بِالغائِبِ بِمَحْضَرِ شَخْصٍ ومَعْرِفَتِهِ إيّاهُ وعِلْمِهِ بِأحْوالِهِ ثُمَّ يُسْتَعارُ ما يُسْتَعارُ، ولِتَأْدِيَةِ هَذا المَعْنى عُدِلَ عَنْ جاءَ رَبَّهُ سَلِيمَ القَلْبِ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، وقِيلَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ ولَعَلَّهُ المُتَبادِرُ، والمُرادُ بِمَجِيئِهِ رَبَّهُ حُلُولُهُ في مَقامِ الِامْتِثالِ ونَحْوِهِ، وذُكِرَ أنَّ نُكْتَةَ العُدُولِ عَمّا سَمِعْتَ إلى ما في النَّظْمِ سَلامَتُهُ مِن تَوَهُّمِ أنَّ الحالَ مُنْتَقِلَةٌ لِما أنَّ الِانْتِقالَ أغْلَبُ حالَيْها مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ في أنَّ سَلامَةَ القَلْبِ كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ المَجِيءِ أيْضًا فَلْيُتَدَبَّرْ.

الصافات 37:85

﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، أوْ ظَرْفٌ لَـ”جاءَ“ أوْ لِـ”سَلِيمٍ“ أيْ أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ؟ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إفْكًا أيْ لِلْإفْكِ، فَقُدِّمَ المَفْعُولُ بِهِ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ؛ لِأنَّ إنْكارَهُ أوِ التَّقْرِيرَ بِهِ هو المَقْصُودُ، وفِيهِ رِعايَةُ الفاصِلَةِ أيْضًا، ثُمَّ المَفْعُولُ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ مُكافَحَتُهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ. صفحة 101 ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إفْكًا) مَفْعُولًا بِهِ بِمَعْنى أتُرِيدُونَ إفْكًا، وتَكُونُ ”آلِهَةً“ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وجَعْلُها عَيْنَ الإفْكِ عَلى المُبالَغَةِ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عِبادَةِ آلِهَةٍ وهي صَرْفٌ لِلْعِبادَةِ عَنْ وجْهِها. وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ”تُرِيدُونَ“ أيْ أفّاكِينَ، أوْ مَفْعُولِهِ أيْ مَأْفُوكَةً. وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَعْلَ المَصْدَرِ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا نَحْوُ أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ

الصافات 37:86

﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، أوْ ظَرْفٌ لَـ”جاءَ“ أوْ لِـ”سَلِيمٍ“ أيْ أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ؟ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إفْكًا أيْ لِلْإفْكِ، فَقُدِّمَ المَفْعُولُ بِهِ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ؛ لِأنَّ إنْكارَهُ أوِ التَّقْرِيرَ بِهِ هو المَقْصُودُ، وفِيهِ رِعايَةُ الفاصِلَةِ أيْضًا، ثُمَّ المَفْعُولُ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ مُكافَحَتُهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ. صفحة 101 ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إفْكًا) مَفْعُولًا بِهِ بِمَعْنى أتُرِيدُونَ إفْكًا، وتَكُونُ ”آلِهَةً“ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وجَعْلُها عَيْنَ الإفْكِ عَلى المُبالَغَةِ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عِبادَةِ آلِهَةٍ وهي صَرْفٌ لِلْعِبادَةِ عَنْ وجْهِها. وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ”تُرِيدُونَ“ أيْ أفّاكِينَ، أوْ مَفْعُولِهِ أيْ مَأْفُوكَةً. وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَعْلَ المَصْدَرِ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا نَحْوُ أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ

الصافات 37:87

﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو حَقِيقٌ بِالعِبادَةِ لِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ؟ أشَكَكْتُمْ فِيهِ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ؟ أوْ أعَلِمْتُمْ أيَّ شَيْءٍ هو حَتّى جَعَلْتُمُ الأصْنامَ شُرَكاءَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ أوْ أيْ شَيْءٍ ظَنُّكم بِعِقابِهِ - عَزَّ وجَلَّ - حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى الإفْكِ عَلَيْهِ تَعالى ولَمْ تَخافُوا؟ وكانَ قَوْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُعَظِّمُونَ الكَواكِبَ المَعْرُوفَةَ ويَعْتَقِدُونَ السُّعُودَ والنُّحُوسَ والخَيْرَ والشَّرَّ في العالَمِ مِنها، ويَتَّخِذُونَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مِنها هَيْكَلًا، ويَجْعَلُونَ فِيها أصْنامًا تُناسِبُ ذَلِكَ الكَوْكَبَ بِزَعْمِهِمْ، ويَجْعَلُونَ عِبادَتَها وتَعْظِيمَها ذَرِيعَةً إلى عِبادَةِ تِلْكَ الكَواكِبِ واسْتِنْزالِ رُوحانِيّاتِها، وكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِأوْضاعِها عَلى الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ عامَّةً أوْ خاصَّةً، فاتَّفَقَ أنْ دَنا يَوْمُ عِيدٍ لَهم يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَأرْسَلَ مَلِكُهم إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ غَدًا عِيدُنا فاحْضُرْ مَعَنا، فاسْتَشْعَرَ حُصُولَ الفُرْصَةِ لِحُصُولِ ما عَسى أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوْحِيدِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَعْتَذِرَ عَنِ الحُضُورِ عَلى وجْهٍ لا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ،

الصافات 37:88

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ فَتَأمَّلَ نَوْعًا مِنَ التَّأمُّلِ في أحْوالِها، وهو في نَفْسِ الأمْرِ عَلى طِرْزِ تَأمُّلِ الكامِلِينَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وتَفَكُّرِهِمْ في ذَلِكَ؛ إذْ هو اللّائِقُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّهُ أوْهَمَهم أنَّهُ تَفَكَّرَ في أحْوالِها مِنَ الِاتِّصالِ والتَّقابُلِ ونَحْوِهِما مِنَ الأوْضاعِ الَّتِي تَدُلُّ بِزَعْمِهِمْ عَلى الحَوادِثِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى غَرَضِهِ الَّذِي يَكُونُ وسِيلَةً إلى إنْقاذِهِمْ مِمّا هم فِيهِ، والظّاهِرُ بَعْدَ اعْتِبارِ الإيهامِ أنَّهُ إيهامُ التَّفَكُّرِ في أحْكامِ طالِعِ وِلادَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ ما تَجَدَّدَ لَهُ مِنَ الأوْضاعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا مِن مَعارِيضِ الأفْعالِ نَظِيرَ ما وقَعَ في قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَفْتِيشِ أوْعِيَةِ إخْوَتِهِ بَنِي عِلّاتِهِ قَبْلَ وِعاءِ شَقِيقِهِ، فَإنَّ المُفَتِّشَ بَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ أنَّ الصّاعَ لَيْسَ فِيها وأخَّرَ تَفْتِيشَ وِعاءِ أخِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ فِيها تَعْرِيضًا بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ في أيِّ وِعاءٍ هو ونَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُ لَوْ بَدَأ بِوِعاءِ الأخِ.