Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الصافات 37:89 – الصافات 37:182

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الصافات 37:89
  2. الصافات 37:90
  3. الصافات 37:91
  4. الصافات 37:92
  5. الصافات 37:93
  6. الصافات 37:94
  7. الصافات 37:95
  8. الصافات 37:96
  9. الصافات 37:97
  10. الصافات 37:98
  11. الصافات 37:99
  12. الصافات 37:100
  13. الصافات 37:101
  14. الصافات 37:102
  15. الصافات 37:103
  16. الصافات 37:104
  17. الصافات 37:105
  18. الصافات 37:106
  19. الصافات 37:107
  20. الصافات 37:108
  21. الصافات 37:109
  22. الصافات 37:110
  23. الصافات 37:111
  24. الصافات 37:112
  25. الصافات 37:113
  26. الصافات 37:114
  27. الصافات 37:115
  28. الصافات 37:116
  29. الصافات 37:117
  30. الصافات 37:118
  31. الصافات 37:119
  32. الصافات 37:120
  33. الصافات 37:121
  34. الصافات 37:122
  35. الصافات 37:123
  36. الصافات 37:124
  37. الصافات 37:125
  38. الصافات 37:126
  39. الصافات 37:127
  40. الصافات 37:128
  41. الصافات 37:129
  42. الصافات 37:130
  43. الصافات 37:131
  44. الصافات 37:132
  45. الصافات 37:133
  46. الصافات 37:134
  47. الصافات 37:135
  48. الصافات 37:136
  49. الصافات 37:137
  50. الصافات 37:138
  51. الصافات 37:139
  52. الصافات 37:140
  53. الصافات 37:141
  54. الصافات 37:142
  55. الصافات 37:143
  56. الصافات 37:144
  57. الصافات 37:145
  58. الصافات 37:146
  59. الصافات 37:147
  60. الصافات 37:148
  61. الصافات 37:149
  62. الصافات 37:150
  63. الصافات 37:151
  64. الصافات 37:152
  65. الصافات 37:153
  66. الصافات 37:154
  67. الصافات 37:155
  68. الصافات 37:156
  69. الصافات 37:157
  70. الصافات 37:158
  71. الصافات 37:159
  72. الصافات 37:160
  73. الصافات 37:161
  74. الصافات 37:162
  75. الصافات 37:163
  76. الصافات 37:164
  77. الصافات 37:165
  78. الصافات 37:166
  79. الصافات 37:167
  80. الصافات 37:168
  81. الصافات 37:169
  82. الصافات 37:170
  83. الصافات 37:171
  84. الصافات 37:172
  85. الصافات 37:173
  86. الصافات 37:174
  87. الصافات 37:175
  88. الصافات 37:176
  89. الصافات 37:177
  90. الصافات 37:178
  91. الصافات 37:179
  92. الصافات 37:180
  93. الصافات 37:181
  94. الصافات 37:182

الصافات 37:89

﴿فَقالَ﴾ أيْ لَهم ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أرادَ أنَّهُ سَيَسْقَمُ، ولَقَدْ صَدَقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ كُلَّ إنْسانٍ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، وكَفى بِاعْتِلالِ المِزاجِ أوَّلَ سَرَيانِ المَوْتِ في البَدَنِ سِقامًا، وقِيلَ: أرادَ مُسْتَعِدٌّ لِلسَّقَمِ الآنَ، أوْ خارِجُ المِزاجِ عَنِ الِاعْتِدالِ خُرُوجًا قَلَّ مَن يَخْلُو عَنْهُ، أوْ سَقِيمُ القَلْبِ لِكَفْرِكُمْ، والقَوْمُ تَوَهَّمُوا أنَّهُ أرادَ قُرْبَ اتِّصافِهِ بِسَقَمٍ لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الخُرُوجَ مَعَهم إلى مَعِيدِهِمْ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ وابْنِ جُبَيْرٍ سَقَمُ الطّاعُونِ، فَإنَّهُما فَسَّرا ﴿سَقِيمٌ﴾ بِمَطْعُونٍ، وكانَ - كَما قِيلَ - أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا شَدِيدِي الخَوْفِ مِنهُ لِاعْتِقادِهِمُ العَدْوى فِيهِ، وهَذا وكَذا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلُهُ في زَوْجَتِهِ سارَّةَ هي أُخْتِي مِن مَعارِيضِ الأقْوالِ كَقَوْلِ نَبِيِّنا ﷺ لِمَن قالَ لَهُ في طَرِيقِ الهِجْرَةِ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ مِن ماءٍ، حَيْثُ أرادَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذِكْرَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ، فَفَهِمَ السّائِلُ أنَّهُ بَيانُ قَبِيلَتِهِ، وكَقَوْلِ صاحِبِهِ الصِّدِّيقِ وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في ذاكَ أيْضًا: هو هادٍ يَهْدِينِي، حَيْثُ أرادَ شَيْئًا وفَهِمَ السّائِلُ آخَرَ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كَذِبًا في الحَقِيقَةِ. وتَسْمِيَتُهُ بِهِ في بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالنَّظَرِ لِما فَهِمَ الغَيْرُ مِنهُ لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَصَدَهُ المُتَكَلِّمُ، وجَعْلُهُ ذَنْبًا في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ قِيلَ لِأنَّهُ يَنْكَشِفُ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ مِنهُ خِلافَ الأُولى لا أنَّ كَلَّ تَعْرِيضٍ هو صفحة 102 كَذَلِكَ، فَإنَّهُ قَدْ يَجِبُ والإمامُ لِضِيقِ مِحْرابِهِ ومَجالِهِ يُنْكِرُ الحَدِيثَ الوارِدَ في ذَلِكَ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ، ويَقُولُ: إسْنادُ الكَذِبِ إلى راوِيهِ أهْوَنُ مِن إسْنادِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُمّى لَها نَوْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي تِلْكَ السّاعَةُ، فَإذا هي قَدْ حَضَرَتْ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي سَقِيمٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِنَ المَعارِيضِ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: أرْسَلَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَلِكَهم فَقالَ: إنَّ غَدًا عِيدُنا فاخْرُجْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ فَقالَ: إنَّ ذا النَّجْمَ لَمْ يَطْلُعْ قَطُّ إلّا طَلَعَ بِسَقَمٍ لِي. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّظَرَ المَعْدى بِـ”فِي“ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، والنَّظَرُ المُشارُ إلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْنى نَظَرَ وتَفَكَّرَ في النُّجُومِ لِيَسْتَدِلَّ بِأحْوالِها عَلى حُدُوثِها وأنَّها لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ آلِهَةً فَقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أيْ سَقِيمُ النَّظَرِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ كَمالُ اليَقِينِ. انْتَهى. وهَذا - لَعَمْرِي - يَسْلُبُ - فِيما أرى - عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الإسْلامَ، وفِيهِ مِنَ الجَهْلِ بِمَقامِ الأنْبِياءِ - لا سِيَّما الخَلِيلَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَدُلُّ عَلى سَقَمِ نَظَرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن خِذْلانِهِ ومَكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ ”نظر نظرة في النجوم“ كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ إذا تَفَكَّرَ الشَّخْصُ: نَظَرَ في النُّجُومِ، وعَلَيْهِ فَلَيْسَ هو مِنَ المَعارِيضِ، بَلْ قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَقَطْ مِنها، وهَذا - إنْ أيَّدَهُ نَقْلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ - حَسَنٌ جِدًّا، وقِيلَ: المَعْنى نَظَرَ في أحْوالِ النُّجُومِ أوْ في عِلْمِها أوْ في كُتُبِها وأحْكامِها لِيَسْتَدِلَّ عَلى ما يَحْدُثُ لَهُ، والنَّظَرُ فِيها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى بَعْضِ الأُمُورِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ شَرْعًا إذا كانَ بِاعْتِقادِ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها عَلّامَةً عَلَيْهِ، والمَمْنُوعُ الِاسْتِدْلالُ بِاعْتِقادِ أنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها، والجَزْمُ بِكُلِّيَّةِ أحْكامِها، وقَدْ ذَكَرَ الكِرْمانِيُّ في مَناسِكِهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ أرادَ السَّفَرَ في آخِرِ الشَّهْرِ أتُرِيدُ أنْ تَخْسَرَ صَفْقَتَكَ ويَخِيبَ سَعْيُكَ؟ اصْبِرْ حَتّى يُهِلَّ الهِلالُ!» انْتَهى. وهَذا البَحْثُ مِن أهَمِّ المَباحِثِ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُعْتَرَكَ العُلَماءِ والفَلاسِفَةِ الحُكَماءِ، وقَدْ وعَدْنا بِتَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ وبَيانِ كَدِرِهِ وصافِيهِ فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ إلى سُلُوكِ أقْوَمِ طَرِيقٍ: اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ النّاسِ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ غَيْرَ وُجُودِ الضِّياءِ في المَواضِعِ الَّتِي تَطْلُعَ عَلَيْها الشَّمْسُ والقَمَرُ وعَدَمِهِ فِيما غابا عَنْهُ وما جَرى هَذا المَجْرى، وهَذا خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ وسُلُوكٌ في مَسالِكِ الجَوْرِ والِاعْتِسافِ، وبَعْضُهم قالُوا: إنَّ لَها تَأْثِيرًا ما يَجْرِي عَلى الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ مِثْلَ أنْ يَكُونَ البَلَدُ القَلِيلُ العَرَضِ ذا مِزاجٍ مائِلٍ عَنِ الِاعْتِدالِ إلى الحَرِّ واليُبْسِ وكَذا مِزاجُ أهْلِهِ، وتَكُونُ أجْسامُهم ضَعِيفَةً وألْوانُهم سُودٌ وصُفْرٌ كالنُّوبَةِ والحَبَشَةِ، وأنْ يَكُونَ البَلَدُ الكَثِيرُ العَرَضِ ذا مِزاجٍ مائِلٍ عَنِ الِاعْتِدالِ إلى البَرْدِ والرُّطُوبَةِ وكَذا مِزاجُ أهْلِهِ وتَكُونُ أجْسامُهم عَبْلَةً وألْوانُهم بِيضٌ وشُعُورُهم شُقْرٌ مِثْلُ التُّرْكِ والصَّقالِبَةِ، ومِثْلُ نُمُوِّ النَّباتِ واشْتِدادِهِ ونُضْجِ ثَمَرِهِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى الكَوْكَبِ، عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيهِ قُوَّةً مُؤَثِّرَةً فَأثَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما يُنْسَبُ الإحْراقُ إلى النّارِ والرَّيُّ إلى الماءِ - مَثَلًا - عَلى مَعْنى ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ السَّلَفِ عَلى ما قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في جَمِيعِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ وصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الماتُرِيدِيَّةِ، أوْ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ مُطْلَقًا عَلى ما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ في كُلِّ سَبَبٍ ومُسَبِّبٍ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الماءِ والنّارِ مَثَلًا عِنْدَهم في أنَّهُ لَيْسَ في كُلٍّ قُوَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما يَتَرَتَّبُ، وإنَّما الفَرْقُ في أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ الإحْراقَ دُونَ الرَّيِّ عِنْدَ النّارِ دُونَ الماءِ ويَخْلُقُ الرَّيَّ دُونَ الإحْراقِ عِنْدَ الماءِ دُونَ النّارِ ولَيْسَ لِلنّارِ والماءِ مَدْخَلٌ في الأثَرِ مِنَ الإحْراقِ والرَّيِّ سِوى أنْ كُلًّا مُقارِنٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأثَرَ بِلا واسِطَةٍ. صفحة 103 وظَواهِرُ الأدِلَّةِ مَعَ الأوَّلِينَ ولا يُنافِي مَذْهَبُهم تَوْحِيدَ الأفْعالِ وأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ. وبَعْضُهم زَعَمَ أنَّ لَها تَأْثِيرًا يَعْرِفُهُ المُنَجِّمُ غَيْرَ ذَلِكَ كالسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ وطُولِ العُمْرِ وقَصْرِهِ وسَعَةِ العَيْشِ وضِيقِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ أحْكامِ طَوالِعِ المَوالِيدِ وطَوالِعِ السِّنِينَ والكُسُوفِ والخُسُوفِ والأعْمالِ ونَحْوِها، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أوْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أوْ نَقْلِيٌّ بَلِ الأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى بُطْلانِهِ مُتَكَفِّلَةٌ بِهَدْمِ أرْكانِهِ، والقائِلُونَ بِهِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والإعْطاءَ والمَنعَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ يَكُونُ في العالَمِ بِالكَواكِبِ عَلى حَسَبِ السُّعُودِ والنُّحُوسِ وكَوْنِها في البُرُوجِ المُنافَرَةِ لَها أوِ المُوافَقَةِ وحَسَبَ نَظَرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالتَّسْدِيسِ والتَّرْبِيعِ والتَّثْلِيثِ والمُقابَلَةِ، وحَسَبَ كَوْنِها في شَرَفِها وهُبُوطِها ووَبالِها ورَجْعَتِها واسْتِقامَتِها وإقامَتِها اخْتَلَفُوا في كَثِيرٍ مِنَ الأُصُولِ، وتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ يَضْحَكُ مِنهُ أرْبابُ العُقُولِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَزَعَمَ قَوْمٌ مِنهم أنَّ فِعْلَها بِطَبائِعِها، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِعْلًا لَها لَكِنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَبائِعِها، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها تَفْعَلُ في البَعْضِ بِالعَرَضِ وفي البَعْضِ بِالذّاتِ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ لا بِالطَّبْعِ، إلّا أنَّ السَّعْدَ مِنها لا يَخْتارُ إلّا الخَيْرَ والنَّحْسَ لا يَخْتارُ إلّا الشَّرَّ، وهَذا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّها قَدْ تَتَّفِقُ عَلى الخَيْرِ وقَدْ تَتَّفِقُ عَلى الشَّرِّ مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ بَلْ تَدُلُّ بِهِ وهو كَلامٌ لا يُعْقَلُ مَعْناهُ. واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مِنَ الكَواكِبِ ما هو سَعْدٌ ومِنها ما هو نَحْسٌ وهي تُسْعِدُ غَيْرَها وتَنْحَسُهُ. وقالَتْ أُخْرى: هي في أنْفُسِها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ وإنَّما تَخْتَلِفُ دَلالَتُها عَلى السُّعُودِ والنُّحُوسِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ مِنهم إنَّ لِلْفَلَكِ طَبِيعَةً مُخالِفَةً لِطَبِيعَةِ الأُسْتَقْصاتِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ وأنَّها لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ ولا يابِسَةٌ ولا رَطْبَةٌ، ولا سَعْدَ ولا نَحْسَ فِيها وإنَّما يَدُلُّ بَعْضُ أجْرامِها وبَعْضُ أجْزائِها عَلى الخَيْرِ والبَعْضُ عَلى الشَّرِّ، وارْتِباطُ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعْدِ والنَّحْسِ بِها ارْتِباطُ المَدْلُولاتِ بِأدِلَّتِها لا ارْتِباطُ المَعْلُولاتِ بِعِلَلِها، وهو أعْقَلُ مِن أصْحابِ القَوْلِ بِالِاقْتِضاءِ الطَّبِيعِيِّ والعَلِيَّةِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ أيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الأجِلَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الدَّلالَةَ الحِسِّيَّةَ لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَناقَضُ. واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَتْ فِرْقَةٌ تَفْعَلُ في الأبْدانِ والأنْفُسِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ بَطْلَيْمُوسَ وأتْباعِهِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: تَفْعَلُ في الأنْفُسِ دُونَ الأبْدانِ، ولَعَلَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ، واخْتَلَفَ رُؤَساؤُهم بَطْلَيْمُوسُ ودُورُوسُوسُ وأنْطِيقُوسُ ورِيمَسُ وغَيْرُهم مِن عُلَماءِ الرُّومِ والهِنْدِ وبابِلَ في الحُدُودِ وغَيْرِها، وتَضادُّوا في المَواضِعِ الَّتِي يَأْخُذُونَ مِنها دَلِيلَهُمْ، ومِن ذَلِكَ اخْتِلافُهم في أمْرِ سَهْمِ السَّعادَةِ فَزَعَمَ بَطْلَيْمُوسُ أنَّهُ يُعْلَّمُ بِأنْ يُؤْخَذَ أبَدًا العَدَدُ الَّذِي يَحْصُلُ مِن مَوْضِعِ الشَّمْسِ إلى مَوْضِعِ القَمَرِ ويُبْتَدَئُ مِنَ الطّالِعِ فَيُرْصَدُ مِنهُ مِثْلُ ذَلِكَ العَدَدِ عَلى التَّوالِي فَمُنْتَهى العَدَدِ مَوْضِعُ السَّهْمِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُبْتَدَئُ مِنَ الطّالِعِ فَيُعَدُّ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ التَّوالِي، وزَعَمَ بَعْضُ الفُرْسِ أنَّ سَهْمَ السَّعادَةِ يُؤْخَذُ بِاللَّيْلِ مِنَ القَمَرِ إلى الشَّمْسِ وبِالنَّهارِ مِنَ الشَّمْسِ إلى القَمَرِ، وزَعَمَ أهْلُ مِصْرَ في الحُدُودِ أنَّها تُؤْخَذُ مِن أرْبابِ البُيُوتِ وزَعَمَ الكَلْدانِيُّونَ أنَّها تُؤْخَذُ مِن مُدَبِّرِي المُثَلَّثاتِ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَرَتَّبَتْ طائِفَةٌ البُرُوجَ المُذَكَّرَةَ والمُؤَنَّثَةَ مِنَ الطّالِعِ فَعَدُّوا واحِدًا مُذَكَّرًا وآخَرَ مُؤَنَّثًا وصَيَّرُوا الِابْتِداءَ بِالمُذَكَّرِ، وقَسَّمَتْ طائِفَةٌ أُخْرى البُرُوجَ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ وجَعَلُوا المُذَكَّرَةَ هي الَّتِي مِنَ الطّالِعِ إلى وسَطِ السَّماءِ والَّتِي تُقابِلُها مِنَ الغارِبِ إلى وتِدِ الأرْضِ وجَعَلُوا الرُّبْعَيْنِ الباقِيَيْنِ مُؤَنَّثَيْنِ، ومِمّا يُضْحِكُ العُقَلاءَ أنَّهم جَعَلُوا البُرُوجَ قَسَمَيْنِ حارَّ المِزاجِ وبارِدَةً وجَعَلُوا الحارَّ مِنها ذِكْرًا والبارِدَ أُنْثى وابْتَدَأُوا بِالحَمَلِ فَقالُوا: هو ذَكَرٌ حارٌّ والَّذِي بَعْدَهُ مُؤَنَّثٌ بارِدٌ وهَكَذا إلى آخِرِها فَصارَتْ سِتَّةٌ ذُكُورًا وسِتَّةٌ إناثًا. صفحة 104 وقالَ بَعْضُهُمْ: الأوَّلُ ذَكَرٌ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ إناثٌ والخامِسُ ذَكَرٌ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ إناثٌ والتّاسِعُ ذَكَرٌ وما بَعْدَهُ إناثٌ، فالذُّكُورُ ثَلاثَةٌ وبَعْدَ كُلِّ ذَكَرٍ إناثٌ ثَلاثٌ مُخالَفَةٌ لَهُ في الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ ذاتِيَّةٌ لِلْبُرُوجِ، ولَها قِسْمَةٌ ثانِيَةٌ بِالعَرْضِ وهي أنَّهم يَبْدَأُونَ مِنَ الطّالِعِ إلى الثّانِيَ عَشَرَ فَيَأْخُذُونَ واحِدًا ذَكَرًا وآخَرَ أُنْثى. وبَعْضُهم يَقُولُ هي أرْبَعَةُ أقْسامٍ فَمِن وتِدِ المَشْرِقِ إلى وتِدٍ العاشِرِ ذَكَرٌ شَرْقِيٌّ مُجَفِّفٌ سَرِيعٌ، ومِن وتِدِ العاشِرِ إلى وتِدٍ الغارِبِ مُؤَنَّثٌ جَنُوبِيٌّ مُحْرِقٌ وسَطٌ، ومِن وتِدِ الغارِبِ إلى وتِدِ الرّابِعِ ذَكَرٌ مُعْتَلٌّ رَطْبٌ غَرْبِيٌّ بَطِيءٌ، ومِن وتِدِ الرّابِعِ إلى الطّالِعِ مُؤَنَّثٌ ذَلِيلٌ مُبَرِّدٌ شَمالِيٌّ وسَطٌ، وبَعْضُ الأوائِلِ مِنهم لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ بِالدَّرَجَةِ الأُولى مِنَ الحَمَلِ فَقالَ: هي ذَكَرٌ والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ أُنْثى، وهَكَذا إلى آخِرِ الحُوتِ، ولِبَطْلَيْمُوسَ هَذَيانٌ آخَرُ فَإنَّهُ ابْتَدَأ بِأوَّلِ دَرَجَةٍ كُلَّ بُرْجٍ ذَكَرٍ، فَنَسَبَ مِنها إلى تَمامِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً ونِصْفٍ إلى الذُّكُورِيَّةِ ومِنهُ إلى تَمامِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً إلى الأُنُوثِيَّةِ، ثُمَّ قَسَّمَ باقِيَ البُرُوجِ إلى قِسْمَيْنِ، فَنَسَبَ النِّصْفَ الأوَّلَ إلى الذَّكَرِ والآخَرَ إلى الأُنْثى، وفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في كُلِّ بُرْجٍ أُنْثى، ولِدُورُوسُوسَ هَذَيانٌ آخَرُ أيْضًا، فَإنَّهُ يُقَسِّمُ البُرُوجَ كُلَّ بُرْجٍ ثَمانِيَةً وخَمْسِينَ دَقِيقَةً ومِائَةً وخَمْسِينَ دَقِيقَةً، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى الطّالِعِ فَإنْ كانَ بُرْجًا ذَكَرًا أعْطى القِسْمَةَ الأُولى لِلذَّكَرِ ثُمَّ الثّانِيَةَ لِلْأُنْثى، إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى البُرُوجِ كُلِّها، وإنْ كانَ أُنْثى أعْطى القِسْمَةَ الأُولى لِلْأُنْثى ثُمَّ الثّانِيَةَ لِلذَّكَرِ إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى آخِرِها، وما لَهم في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دَلِيلٌ، مَعَ أنَّ قَوْلَهم بِبَساطَةِ الفَلَكِ يَأْبى اخْتِلافَ أجْزائِهِ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ومِثْلُ هَذَيانِهِمْ في قِسْمَةِ الأجْزاءِ الفَلَكِيَّةِ إلى ما ذُكِرَ قِسْمَتُهُمُ الكَواكِبَ إلى ذَلِكَ، فَزَعَمُوا أنَّ القَمَرَ والزُّهْرَةَ مُؤَنَّثانِ، وأنَّ الشَّمْسَ وزُحَلَ والمُشْتَرِيَ والمِرِّيخَ مُذَكَّرَةٌ، وإنَّ عُطارِدَ ذَكَرٌ أُنْثى، وأنَّ سائِرَ الكَواكِبِ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ بِسَبَبِ الأشْكالِ الَّتِي تَكُونُ لَها بِالقِياسِ إلى الشَّمْسِ، وذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ مُشْرِقَةً مُتَقَدِّمَةً عَلى الشَّمْسِ فَهي مُذَكَّرَةٌ، وإنْ كانَتْ مُغْرِبَةً تابِعَةً كانَتْ مُؤَنَّثَةً، وإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَها بِالقِياسِ إلى أشْكالِها مِنَ الأُفُقِ، وذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ في الأشْكالِ الَّتِي مِنَ المَشْرِقِ إلى وسَطِ السَّماءِ مِمّا تَحْتَ الأرْضِ فَهي مُذَكَّرَةٌ، وإذا كانَتْ في الرُّبْعَيْنِ الباقِيَيْنِ فَهي مُؤَنَّثَةٌ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ انْقِلابُ المُذَكَّرِ مُؤَنَّثًا والمُؤَنَّثِ مُذَكَّرًا. وأجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذا الهَذَيانِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اتِّصافِ شَيْءٍ بِأمْرٍ بِالقِياسِ إلى شَيْءٍ وبِضِدِّهِ بِالقِياسِ إلى آخَرَ، وهو في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِشَيْءٍ مِنهُما؛ كالأدْكَنِ فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ أبْيَضُ بِالقِياسِ إلى الأسْوَدِ وأسْوَدُ بِالقِياسِ إلى الأبْيَضِ وهو في نَفْسِهِ لا أسْوَدُ ولا أبْيَضُ، فَكَذا الكَواكِبُ يُقالُ إنَّها ذُكْرانٌ وإناثٌ بِالقِياسِ إلى الأشْكالِ - أعْنِي الجِهاتِ - والجِهاتُ إلى الرِّياحِ كالصَّبا والدَّبُورِ، والرِّياحُ إلى الكَيْفِيّاتِ لا أنَّها ذُكْرانٌ وإناثٌ في أنْفُسِها، وهو تَلْبِيسٌ فَإنَّ الأدْكَنَ فِيهِ شائِبَةُ بَياضٍ وسَوادٍ فَمُقْتَضى التَّشْبِيهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الكَوْكَبِ شائِبَةُ ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وأيْضًا الظّاهِرُ أنَّ الِانْقِسامَ المَذْكُورَ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ والتَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ، ولا يَكادُ يُعْرَفُ انْقِلابُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ بِحَسَبِ المَوْضِعِ والقُرْبِ والبُعْدِ، ومِنهُ يُعْلَمُ فَسادُ ما قالُوا: إنَّ القَمَرَ مِن أوَّلِ ما يُهِلُّ إلى وقْتِ انْتِصافِهِ الأوَّلِ في الضَّوْءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلرُّطُوبَةِ خاصَّةً، ومِن ذَلِكَ إلى وقْتِ الِامْتِلاءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْحَرارَةِ، ومِنهُ إلى وقْتِ الِانْتِصافِ الثّانِي في الضَّوْءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْيُبْسِ، ومِن ذَلِكَ إلى وقْتِ خَفائِهِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْبُرُودَةِ، وقاسُوا ذَلِكَ عَلى تَأْثِيراتِ الشَّمْسِ في الفُصُولِ، والفَرْقُ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّهْرِ الواحِدِ ذا فُصُولٍ، والحِسُّ يَدْفَعُهُ، وأيْضًا كَلامُهم هَذا يُخالِفُ ما قالُوهُ مِن أنَّ قُوَّةَ القَمَرِ التَّرْطِيبُ لِقُرْبِ فَلَكِهِ مِنَ الأرْضِ وقَبُولِهِ لِلْبُخاراتِ الرَّطْبَةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ مِنها إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ازْدِيادُ رُطُوبَةِ القَمَرِ صفحة 105 فِي كُلِّ يَوْمٍ لَوْ سُلِّمَ تَصاعُدُ البُخاراتِ الرَّطْبَةِ إلَيْهِ وتَأثُّرُهُ مِنها، كَذا القَوْلُ بِأنَّ قُوَّةَ زُحَلَ أنْ يُبَرِّدَ ويُجَفِّفَ تَجْفِيفًا يَسِيرًا لِبُعْدِهِ عَنْ حَرارَةِ الشَّمْسِ والبُخاراتِ الرَّطْبَةِ، وإنَّ قُوَّةَ المِرِّيخِ مُجَفِّفَةٌ مُحْرِقَةٌ لِمُشاكَلَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ النّارِ ولِقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ، وكَوْكَبُ الدُّبِّ الأكْبَرِ كالمِرِّيخِ، وإنَّ عُطارِدًا مُعْتَدِلٌ في التَّجْفِيفِ والتَّرْطِيبِ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ بُعْدًا كَثِيرًا ولا وضْعُهُ فَوْقَ كُرَةِ القَمَرِ. ومِنَ العَجائِبِ اسْتِدْلالُ فُضَلائِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِ الكَواكِبِ بِاخْتِلافِ ألْوانِها حَيْثُ قالُوا: لَمّا كانَ لَوْنُ زُحَلَ الغُبْرَةَ والكُمُودَةَ حَكَمْنا بِأنَّهُ عَلى طَبْعِ السَّوْداءِ، وهو البَرْدُ واليُبْسُ، فَإنَّ لَها مِنَ الألْوانِ الغُبْرَةَ، ولَمّا كانَ لَوْنُ المِرِّيخِ كَلَوْنِ النّارِ قُلْنا طَبْعُهُ حارٌّ يابِسٌ، والحَرارَةُ واليُبْسُ في الشَّمْسِ ظاهِرَتانِ، ولَمّا كانَ لَوْنُ الزُّهْرَةِ كالمُرَكَّبِ مِنَ البَياضِ والصُّفْرَةِ - والبَياضُ أظْهَرُ فِيها - قُلْنا طَبْعُها البُرُودَةُ والرُّطُوبَةُ كالبَلْغَمِ، ولَمّا كانَ صُفْرَةُ المُشْتَرِي أكْثَرَ مِمّا في الزُّهْرَةِ كانَتْ سُخُونَتُهُ أكْثَرَ مِن سُخُونَةِ الزُّهْرَةِ، وكانَ في غايَةِ الِاعْتِدالِ، وأمّا القَمَرُ فَهو أبْيَضُ وفِيهِ كُمُودَةٌ فَيَدُلُّ بَياضُهُ عَلى البُرُودَةِ. وأمّا عُطارِدٌ فَتَخْتَلِفُ ألْوانُهُ، فَرُبَّما رَأيْناهُ أخْضَرَ، ورُبَّما رَأيْناهُ أغْبَرَ، ورُبَّما رَأيْناهُ عَلى خِلافِ هَذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ، وذَلِكَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الأُفُقِ عَلى ارْتِفاعٍ واحِدٍ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ لَهُ طَبائِعُ مُخْتَلِفَةٌ؛ إلّا أنّا لَمّا وجَدْناهُ في الأغْلَبِ أغْبَرَ كالأرْضِ قُلْنا هو مِثْلُها في الطَّبْعِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُشارَكَةَ في بَعْضِ الصِّفاتِ لا تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الطَّبِيعَةِ ولا في صِفَةٍ أُخْرى، وأنَّ دَلالَةَ مُجَرَّدِ اللَّوْنِ عَلى الطَّبِيعَةِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لِاشْتِراكِ الكَثِيرِ في لَوْنٍ مَعَ اخْتِلافِ الطَّبائِعِ، وأيْضًا الزُّرْقَةُ أظْهَرُ في الزُّهْرَةِ، واخْتِلافُ ألْوانُ عُطارِدٍ لِأنّا نَراهُ قَرِيبَ الأُفُقِ فَيَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بُخاراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقالَ أبُو مَعْشَرٍ: إنَّ القَمَرَ لا يُنْسَبُ لَوْنُهُ إلى البَياضِ إلّا مِن عَدَمِ قُوَّةِ الحِسِّ البَصَرِيِّ، وفِيهِ بُعْدُ ما فِيهِ، ولَوْ سُلِّمَ جَمِيعُ ما قالُوهُ مِنِ اخْتِلافِ طَبائِعِ البُرُوجِ والكَواكِبِ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ فَقُصارى ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ما نَجِدُهُ مِنَ اخْتِلافِ الأقالِيمِ حَرارَةً وبُرُودَةً مَثَلًا، واخْتِلافِ أشْجارِها وأثْمارِها، واخْتِلافِ أجْسامِ أهْلِها وألْوانِهِمْ، واخْتِلافِ حَيَواناتِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ، ومَعَ هَذا نَقُولُ: إنَّ الكَواكِبَ جُزْءُ السَّبَبِ في ذَلِكَ؛ لَكِنْ مِن أيْنَ لَهُمُ القَوْلُ بِأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ خَيْرِها وشَرِّها وصَلاحِها وفَسادِها، وجَمِيعَ أشْخاصِهِ وأنْواعِهِ وصُوَرِهِ وقُواهُ، ومُدَدَ بَقاءِ أشْخاصِهِ، وجَمِيعَ أحْوالِها العارِضَةِ لَها، وتَكَوُّنَ الجَنِينِ ومُدَّةَ لُبْثِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وخُرُوجَهُ إلى الدُّنْيا، وعُمْرَهُ، ورِزْقَهُ، وشَقاوَتَهُ، وحُسْنَهُ، وقُبْحَهُ، وأخْلاقَهُ، وحِذْقَهُ، وبَلادَتَهُ، وجَهْلَهُ، وعِلْمَهُ، إلى ما لا يُحْصى مِن أحْوالِهِ، وانْقِسامَ الحَيَوانِ إلى الطَّيْرِ وأصْنافِهِ، وإلى الحَيَوانِ البَحْرِيِّ وأنْواعِهِ، والبَرِّيِّ وأقْسامِهِ، واخْتِلافَ صُوَرِ الحَيَواناتِ وأفْعالِها وأخْلاقِها، وثُبُوتَ العَداوَةِ بَيْنَ أفْرادِ نَوْعٍ وأفْرادِ نَوْعٍ آخَرَ مِنها كالذِّئابِ والغَنَمِ، وثُبُوتَ الصَّداقَةِ كَذَلِكَ وكَذا ثُبُوتُ العَداوَةِ أوِ الصَّداقَةِ بَيْنَ أفْرادِ النَّوْعِ الواحِدِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في العالَمِ - لا يَكُونُ إلّا بِتَأْثِيرِ الكَواكِبِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ صِحَّتِهِ إمّا الخَبَرُ الصّادِقُ أوِ الحِسُّ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ النّاسُ، أوْ ضَرُورَةُ العَقْلِ أوْ نَظَرُهُ، وشَيْءٌ مِن هَذا كُلِّهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ولا يُمْكِنُ الأحْكامِيِّينِ أنْ يَدَّعُوا واحِدًا مِنَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وغايَتُهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ التَّجْرِبَةَ قادَتْهم إلى ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ فِيها أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ، والوَضْعُ المُعَيَّنُ لِمَجْمُوعِ الكَواكِبِ لا يَتَكَرَّرُ أصْلًا، أوْ يَتَكَرَّرُ بَعْدَ أُلُوفِ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ وعُمْرُ الإنْسانِ الواحِدِ صفحة 106 بَلْ عُمْرُ البَشَرِ لا تَفِي بِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم لِذَلِكَ أنَّ مَجْمُوعَ الِاتِّصالاتِ ونِسَبَ الكَواكِبِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ غَيْرُ شَرْطٍ في التَّأْثِيرِ لِتَتَوَقَّفَ التَّجْرِبَةُ عَلى تَكْرارِهِ؛ بَلْ يَكْفِي بَعْضُ الِاتِّصالاتِ، وقَدْ يَكْفِي واحِدٌ مِنها، وذَلِكَ يَتَكَرَّرُ في أزْمِنَةٍ قَلِيلَةٍ فَتَتَأتّى التَّجْرِبَةُ، مَثَلًا رَداءَةُ السَّفَرِ وقَدْ نَزَلَ القَمَرُ بُرْجَ العَقْرَبِ يَسْتَنِدُ إلى هَذا النُّزُولِ بِالتَّجْرِبَةِ؛ فَإنّا وجَدْنا تَكَرُّرَ ذَلِكَ وتَرَتُّبَ الرَّداءَةِ عَلَيْهِ كُلَّ مَرَّةٍ، وهَذا هو التَّجْرِبَةُ، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّجارِبَ الَّتِي دَلَّتْ عَلى كَذِبِ ما يَقُولُونَ بِوُقُوعِ خِلافِهِ أضْعافُ التَّجارِبِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى صِدْقِهِ، فَقَدْ أجْمَعَ حُذّاقُهم سَنَةَ سَبْعٍ وثَلاثِينَ عامَ خُرُوجِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إلى صِفِّينَ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ ويُقْهَرُ جَيْشُهُ، فانْتَصَرَ عَلى أهْلِ الشّامِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّخَلُّصِ إلّا بِالحِيلَةِ، وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ هَذا الإجْماعُ فَإجْماعُهم عَلى مِثْلِهِ في خُرُوجِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِحَرْبِ الخَوارِجِ حَيْثُ كانَ القَمَرُ في العَقْرَبِ، وقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: نَخْرُجُ ثِقَةً بِاللَّهِ تَعالى وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِ المُنَجِّمِ، ونُصْرَتُهُ الخارِجَةُ عَنِ القِياسِ مِمّا شاعَ وذاعَ ولَوْ قِيلَ بِتَواتُرِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وأجْمَعُوا سَنَةَ سِتٍّ وسِتِّينَ عَلى غَلَبَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ وقَدْ سارَ بِنَحْوٍ مِن ثَمانِينَ ألْفَ مُقاتِلٍ عَلى المُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ فَلَقِيَهُ إبْراهِيمُ بْنُ الأشْتَرِ صاحِبُ المُخْتارِ بِأرْضِ نَصِيبِينَ فِيما دُونَ سَبْعَةِ آلافِ مُقاتِلٍ فَقَتَلَ مِن عَسْكَرِهِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ ألْفًا وضَرَبَهُ وهو لا يَعْرِفُهُ فَقَتَلَهُ ولَمْ يُقْتَلْ مِن أصْحابِهِ أكْثَرُ مِن مِائَةٍ. وأجْمَعُوا يَوْمَ أُسِّسَتْ بَغْدادُ سَنَةَ سِتٍّ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ عَلى أنَّ طالِعَها يَقْضِي بِأنَّهُ لا يَمُوتُ فِيها خَلِيفَةٌ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُ شُعَراءِ المَنصُورِ مُهَنِّئًا لَهُ: يُهْنِيكَ مِنها بَلْدَةً تَقْضِي لَنا أنَّ المَماتَ بِها عَلَيْكَ حَرامُ لَمّا قَضَتْ أحْكامُ طالِعِ وقْتِها ∗∗∗ أنْ لا يُرى فِيها يَمُوتُ إمامُ فَأوَّلُ ما ظَهَرَ كَذِبُ ذَلِكَ بِقَتْلِ الأمِينِ بِشارِعِ بابِ الأنْبارِ فَقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: كَذِبَ المُنَجِّمُ في مَقالَتِهِ الَّتِي ∗∗∗ كانَ ادَّعاها في بِنا بَغْدانِ قَتْلُ الأمِينِ بِها لَعَمْرِي يَقْتَضِي ∗∗∗ تَكْذِيبَهم في سائِرِ الحُسْبانِ ثُمَّ ماتَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الخُلَفاءِ كالواثِقِ والمُتَوَكِّلِ والمُعْتَضِدِ والنّاصِرِ وغَيْرِهِمْ، إلى أُمُورٍ أُخَرَ لا تَكادُ تُحْصى أجْمَعُوا فِيها عَلى حُكْمٍ وتَبَيَّنَ كَذِبُهم فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لَهُمْ: المُؤَثِّرُ في السُّعُودِ والنُّحُوسِ ونَحْوِهِما هَلْ هو الكَوْكَبُ وحْدَهُ أوِ البُرْجُ وحْدَهُ أوِ الكَوْكَبُ بِشَرْطِ حُصُولِهِ في البُرْجِ؟ فَإنْ قالُوا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لَزِمَهم دَوامُ الأثَرِ لِدَوامِ المُؤَثِّرِ، وإنْ قالُوا بِالثّالِثِ لَزِمَهُمُ القَوْلُ بِاخْتِلافِ البُرُوجِ في الطَّبِيعَةِ وإلّا لاتَّحَدَتْ آثارُ الكَوْكَبِ فِيها، وكُلُّهم مَجْمُوعُونَ عَلى أنَّ الفَلَكَ بَسِيطٌ لا تَرْكِيبَ فِيهِ، والتِزامُ التَّرْكِيبِ مِن طَبائِعَ مُخْتَلِفَةٍ يُنافِي قَوْلَهم بِامْتِناعِ الِانْحِلالِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها تَفْعَلُ ما تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ يَسْتَدْعِي إلْغاءَ أمْرِ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والمُقارَنَةِ والهُبُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكَوْنُ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلِاخْتِيارِ لا يَخْفى حالُهُ، والقَوْلُ بِأنَّها تَسْتَدْعِي مِن حَيْثُ طَبِيعَةُ أشِعَّتِها التَّسْخِينَ والتَّبْرِيدَ وهُما يُوجِبانِ اخْتِلافَ أمْزِجَةِ الأبْدانِ واخْتِلافُها يُوجِبُ اخْتِلافَ أفْعالِ النَّفْسِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنّا نَرى التَّسْخِينَ مَثَلًا يَقْتَضِي حَرارَةً وحِدَّةً في المِزاجِ يَفْعَلُ بِها شَخْصٌ غايَةَ الخَيْرِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ وآخَرُ غايَةَ الشَّرِّ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، فَلا بُدَّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مِن مُوجِبٍ غَيْرِ التَّسْخِينِ، وأيْضًا هم يَقُولُونَ: جَمِيعُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ مُسْتَنِدٌ إلى الكَواكِبِ، وحَدِيثُ التَّسْخِينِ والتَّبْرِيدِ واسْتِلْزامُهُما اخْتِلافَ أفْعالِ النَّفْسِ لا يَتِمُّ بِهِ صفحة 107 هَذا الغَرَضُ، وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ المُثْبِتِينَ لِعِلْمِ الأحْكامِ والتَّأْثِيراتِ - أيْ مِنَ الإسْلامِيِّينَ - احْتَجُّوا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِآياتٍ وهي أنْواعٌ، الأوَّلُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَعْظِيمِ الكَواكِبِ فَمِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ هو الكَواكِبُ الَّتِي تَصِيرُ راجِعَةً تارَةً ومُسْتَقِيمَةً أُخْرى، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وقَدْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِتَعْظِيمِ هَذا القَسَمِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ جَلالَةِ مَواقِعِ النُّجُومِ ونِهايَةِ شَرَفِها، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الثّاقِبُ هو زُحَلُ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ السَّماواتِ السَّبْعِ، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إلَهِيَّتَهُ بِكَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ، النَّوْعُ الثّانِي ما يَدُلُّ عَلى وصْفِهِ تَعالى بَعْضَ الأيّامِ بِالنُّحُوسَةِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ النَّوْعُ الثّالِثُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ لَها تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ هَذِهِ الكَواكِبُ. الرّابِعُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ وخَلْقَها عَلى وجْهٍ يُنْتَفَعُ بِها في مَصالِحِ هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ . النَّوْعُ الخامِسُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَمَسَّكَ بِعِلْمِ النُّجُومِ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ السّادِسُ أنَّهُ تَعالى قالَ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولا يَكُونُ المُرادُ كِبَرَ الجُثَّةِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِبَرَ القَدْرِ والشَّرَفِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها لِيَسْتَدِلَّ بِتَرْكِيبِها وتَأْلِيفِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ لِأنَّ هَذا القَدْرَ حاصِلٌ في تَرْكِيبِ البَعُوضَةِ، ودَلالَةُ حُصُولِ الحَياةِ في بِنْيَةِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أقْوى مِن دَلالَةِ تَرْكِيبِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الحَياةَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى، وجِنْسُ التَّرْكِيبُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الغَيْرُ فَلَمّا خَصَّها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا التَّشْرِيفِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ عَلِمْنا أنَّ في تَخْلِيقِها أسْرارًا عالِيَةً وحِكَمًا بالِغَةً تَتَقاصَرُ عُقُولُ البَشَرِ عَنْ إدْراكِها، ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ لِأنَّ كَوْنَها دالَّةً عَلى الِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ أمْرٌ ثابِتٌ لَها لِذاتِها، لِأنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ مُحْدَثٌ وكُلَّ مُحْدَثٍ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ المُتَحَيِّزاتِ عَلى وُجُودِ الفاعِلِ أمْرٌ ثابِتٌ لَها لِذَواتِها وأعْيانِها، وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ الفِعْلِ والجَعْلِ، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ. النَّوْعُ السّابِعُ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَيّامِ كانَ يَقْرَأُ كِتابَ المَجَسْطِي عَلى أُسْتاذِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ واحِدٌ مِنَ المُتَفَقِّهَةِ فَقالَ: ما تَقُومُونَ؟ فَقالَ عُمَرُ: نَحْنُ في تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ فَنَحْنُ نَنْظُرُ كَيْفَ خَلَقَ السَّماءَ وكَيْفَ بَناها وكَيْفَ صانَها عَنِ الفُرُوجِ. الثّامِنُ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: صفحة 108 أتَدَّعِي أنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ بِواسِطَةِ الطَّبائِعِ والعَناصِرِ أوْ لا بِواسِطَتِها؟ فَإنِ ادَّعَيْتَ الأوَّلَ فَذَلِكَ مِمّا لا تَجِدُهُ البَتَّةَ لِأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ في هَذا العالَمِ فَهو بِواسِطَةِ العَناصِرِ والحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وإنِ ادَّعَيْتَ الثّانِيَ فَمِثْلُ هَذا الإحْياءِ والإماتَةِ حاصِلٌ مِنِّي ومِن كُلِّ أحَدٍ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُنازِعْ في كَوْنِ هَذِهِ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ مُرْتَبِطَةً بِالحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، بَلْ أجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُبْدِئُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ فَيَكُونُ الفِعْلُ مِنهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً، والواحِدُ مِنّا لا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ عَلى خِلافِ التَّحْرِيكِ الإلَهِيِّ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وإذا عَرَفْتَ نَهْجَ الكَلامِ في هَذا البابِ عَرَفْتَ أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ مَمْلُوءٌ مِن تَعْظِيمِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وتَشْرِيفِ الكُراتِ الكَوْكَبِيَّةِ، وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ مِنها ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَهى عَنِ اسْتِقْبالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ واسْتِدْبارِهِما عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ، ومِنها أنَّهُ «لَمّا ماتَ ولَدُهُ ﷺ إبْراهِيمُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النّاسُ: إنَّما انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْراهِيمَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ“،» ومِنها ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسَكُوا وإذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسَكُوا وإذا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» . ومِنَ النّاسِ مَن يَرْوِي أنَّهُ ﷺ قالَ: «لا تُسافِرُوا والقَمَرُ في العَقْرَبِ”،» ومِنهم مَن يَرْوِيهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ المُحَدِّثُونَ لا يَقْبَلُونَهُ، وأمّا الآثارُ فَكَثِيرَةٌ أيْضًا فَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا أتاهُ آخِرَ الشَّهْرِ فَقالَ: أُرِيدُ الخُرُوجَ في تِجارَةٍ فَقالَ: تُرِيدُ أنْ يَمْحَقَ اللَّهُ تَعالى تِجارَتَكَ؟ اسْتَقْبِلْ هِلالَ الشَّهْرِ بِالخُرُوجِ! وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ يَهُودِيًّا مُنَجِّمًا قالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ! تُخْبِرُ النّاسَ بِما لا تَدْرِي؟ فَقالَ: إنَّ لَكَ ابْنًا في المَكْتَبِ يُحَمُّ غَدًا ويَمُوتُ في اليَوْمِ العاشِرِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَتى تَمُوتُ أنْتَ؟ قالَ: عَلى رَأْسِ السَّنَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ولا تَمُوتُ أنْتَ حَتّى تَعْمى، فَكانَ كُلَّ ذَلِكَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ:“قالَ أبُو الدَّرْداءِ لَقَدْ فارَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَنا ولا طائِرَ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا ونَحْنُ نَدَّعِي فِيهِ عِلْمًا”. ولَيْسَتِ الكَواكِبُ مُوَكَّلَةً بِالفَسادِ والصَّلاحِ ولَكِنْ فِيها دَلِيلُ بَعْضِ الحَوادِثِ، عُرِفَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وجاءَ في الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن أُعْطِيَ هَذا العِلْمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ أنَّهُ عاشَ حَتّى أدْرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أرْبَعِينَ ألْفَ أهْلِ بَيْتٍ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ في الأرْضِ، وكانَ يَغْتَمُّ لِخَفاءِ خَبَرِهِمْ، فَأكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العِلْمِ، فَكانَ إذا أرادَ أنْ يَعْرِفَ حالَ أحَدِهِمْ نَظَرَ في النُّجُومِ فَعَرَفَهُ. وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والتَّكْذِيبَ بِالنُّجُومِ فَإنَّهُ مِن عِلْمِ النُّبُوَّةِ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنُّجُومِ، وجاءَ لِبَعْضِ جِيرانِهِ ولَدٌ فَحَكَمَ لَهُ بِأنَّ هَذا الوَلَدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى عُضْوِهِ الفُلانِيِّ خالٌ صِفَتُهُ كَذا وكَذا فَوُجِدَ الأمْرُ كَما قالَ، ورَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ المُنَجِّمِينَ أخْبَرُوا فِرْعَوْنَ أنَّهُ سَيَجِيءُ ولَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى يَدِهِ. وكَذا كانَ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ هَذا العِلْمَ ما خَلَتْ عَنْهُ مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ ولا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزالُوا مُشْتَغِلِينَ بِهِ مُعَوِّلِينَ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ، ولَوْ كانَ فاسِدًا بِالكُلِّيَّةِ لاسْتَحالَ إطْباقُ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِن أوَّلِ بِناءِ العالَمِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ، والتَّجارِبُ في هَذا البابِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى اهـ كَلامُهُ. ولَعَمْرِي لَقَدْ نَثَرَ الكِنانَةَ، ونَفَضَ الجَعْبَةَ، واسْتَفْرَغَ الوُسْعَ، وبَذَلَ الجُهْدَ، ورَوَّجَ وبَهْرَجَ، وقَعْقَعَ وفَرْقَعَ ومِن غَيْرِ صفحة 109 طِحْنٍ جَعْجَعَ، وجَمَعَ بَيْنَ ما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ كَذِبٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ وما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ خَطَأٌ في تَأْوِيلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَرُوجُ ما ذَكَرَهُ إلّا عَلى مُفْرِطٍ في الجَهْلِ أوْ مُقَلِّدٍ لِأهْلِ الباطِلِ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وإنْ أرَدْتَ الإيضاحَ وأحْبَبْتَ الِاتِّضاحَ فاسْمَعْ لِما نَقُولُ: ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِدْلالاتِ أوْهى مِن بُيُوتِ العَناكِبِ، وأشْبَهُ شَيْءٍ بِنارِ الحُباحِبِ، فَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ فَفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هُناكَ قَسَمًا بِالنُّجُومِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ المُرادَ بِالخُنَّسِ بَقَرُ الوَحْشِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها المَلائِكَةُ، وإذا سُلِّمَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَأيُّ دَلالَةٍ فِيهِ عَلى التَّأْثِيرِ؟ وقَدْ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ والضُّحى ومَكَّةَ والوالِدِ وما ولَدَ والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ والسَّماءِ والأرْضِ واليَوْمِ المَوْعُودِ وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ والمُرْسِلاتِ والعاصِفاتِ والنّاشِراتِ والفارِقاتِ والنّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ والسّابِقاتِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ الإقْسامُ بِشَيْءٍ دَلِيلًا عَلى تَأْثِيرِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ما أقْسَمَ بِهِ تَعالى مُؤَثِّرًا، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا فالِاسْتِدْلالُ بِهِ باطِلٌ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وقَدْ فَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ مَواقِعَ النُّجُومِ بِمَنازِلِ القُرْآنِ ونُجُومِهِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مُدَّةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكَذا الِاسْتِدْلالُ بُقُولِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وعُلَماءِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ إقْسامٌ بِالنُّجُومِ؛ فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهم قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالمُدَبِّراتِ أمْرًا المَلائِكَةُ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ فَتَفْسِيرُهُما بِالنُّجُومِ تَفْسِيرُ المُنَجِّمِينَ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهُمْ، وهو تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا وصْفُهُ تَعالى بَعْضَ الأيّامِ بِالنُّحُوسَةِ كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها فَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَأْثِيرِ الكَواكِبِ ونُحُوسَتِها بِحَسَبِ ما يَزْعُمُ المُنَجِّمُ، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَ أعْداءَهُ فِيها، فَهي أيّامٌ مَشائِيمُ عَلى الأعْداءِ، فَوَصْفُ تِلْكَ الأيّامِ بِنَحِساتٍ كَوَصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ. وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ولَيْسَ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ فِيهِ صِفَةَ ﴿يَوْمِ﴾ بَلْ هو صِفَةُ ﴿نَحْسٍ﴾ أيْ نَحْسٍ دائِمٍ لا يُقْلِعُ عَنْهم كَما تُقْلِعُ مَصائِبُ الدُّنْيا عَنْ أهْلِها، والقَوْلُ بِأنَّهُ صِفَةُ ﴿يَوْمِ﴾ وإنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ أرْبِعاءَ آخِرِ الشَّهْرِ وأنَّهُ نَحْسٌ أبَدًا غَلَطٌ، ولا يَكادُ المُنَجِّمُ يَزْعُمُ نُحُوسَةَ يَوْمِ أرْبِعاءَ آخِرِ الشَّهْرِ ولَوْ شَهْرُ صَفَرٍ أبَدًا، بَلْ كَثِيرًا ما يَحْكُمُ بِغايَةِ سَعْدِهِ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الأوْضاعُ الفَلَكِيَّةُ فِيهِ بِزَعْمِهِ. وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وضَعَ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ عَلى وجْهٍ يُنْتَفَعُ بِها في مَصالِحِ هَذا العالَمِ فَمِنَ الطَّرائِفِ؛ إذِ الألْيَقُ - لَوْ صَحَّ زَعْمُ المُنَجِّمِ - أنْ يَذْكُرَ في الآيَةِ ما تَقْتَضِيهِ النُّجُومُ مِنَ السَّعْدِ والنَّحْسِ وتُعْطِيهِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وتَهَبُهُ مِنَ الأعْمارِ والأرْزاقِ والعُلُومِ والمَعارِفِ وسائِرِ ما في العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِذَلِكَ أعْظَمُ مِنَ العِبْرَةِ بِمُجَرَّدِ الضِّياءِ والنُّورِ ومَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، وأمّا ما ذَكَرَ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أنَّهُ تَمَسَّكَ بِعِلْمِ النُّجُومِ حِينَ قالَ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَسَقِيمٌ جِدًّا، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ في الآيَةِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ بِإمامِ الحُنَفاءِ وشَيْخِ الأنْبِياءِ وخَلِيلِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ أنَّهُ كانَ يَتَعاطى عِلْمَ النُّجُومِ ويَأْخُذُ مِنهُ أحْكامَ الحَوادِثِ، ولَوْ فُتِحَ هَذا البابُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أخْبارِهِمْ عَنِ المُسْتَقْبِلاتِ مِن صفحة 110 أوْضاعِ النُّجُومِ لا مِنَ الوَحْيِ، وهو كَما تَرى، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾، وأنَّ المُرادَ بِهِ كِبَرُ القَدْرِ والشَّرَفُ لا كِبَرُ الجُثَّةِ - فَفي غايَةِ الفَسادِ فَإنَّ المُرادَ مِنَ الخَلْقِ هاهُنا الفِعْلُ لا المَفْعُولُ، والآيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى المَعادِ، أيْ أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ - وخَلْقُهُما أكْبَرُ مِن خَلْقِكم - كَيْفَ يُعْجِزُهُ أنْ يُعِيدَكم بَعْدَ المَوْتِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وأيْنَ هَذا مِن بَحْثِ أحْكامِ النُّجُومِ وتَأْثِيراتِها، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى وُجُودِ فاطِرِهِما وكَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وانْفِرادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ومَن سَوّى بَيْنَهُما وبَيْنَ البَقَّةِ فَقَدْ كابَرَ، ولِذا تَرى الأشْياءَ الضَّعِيفَةَ كالبَعُوضَةِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ إنَّما تُذْكَرُ في سِياقِ ضَرْبِ الأمْثالِ مُبالَغَةً في الِاحْتِقارِ والضَّعْفِ، ولا تُذْكَرُ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظَمَةِ ذِي الجَلالِ جَلَّ شَأْنُهُ، عَلى أنَّ الآيَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا لَدَلَّتْ عَلى أنَّ لِلْأرْضِ تَأْثِيرًا أيْضًا كالكَواكِبِ وهم لَمْ يَقُولُوا بِهِ، وما ذَكَرَهُ بَعْدُ مِن أنَّ دَلالَةَ حُصُولِ الحَياةِ في أبْدانِ الحَيَواناتِ أقْوى مِن دَلالَةِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى آخِرِ ما قالَ في حَيِّزِ المَنعِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا، وغايَةُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَظائِرُها أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ فِيها حِكَمٌ ومَصالِحُ ولَيْسَتْ باطِلَةً أيْ خالِيَةً عَنْ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لا نَقُولُ بِأنَّ تِلْكَ الحِكَمَ هي الإسْعادُ والإشْقاءُ وهِبَةُ الأعْمارِ والأرْزاقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، بَلْ هي الآثارُ الظّاهِرَةُ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ - عَلى ما سَمِعْتَ - ونَحْوُها، كالدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَثِيرٍ مِن صِفاتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - الَّتِي يُنْكِرُها الكَفَرَةُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كَذا لِتَظْهَرَ دَلالَتُهُ عَلى كَذا، ولا تَتَعَيَّنُ العِبارَةُ الَّتِي ذَكَرَها، عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِها عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ مِن فُرُوعِ كَوْنِ الماهِيّاتِ غَيْرَ مَجْعُولَةٍ، والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَيّامِ فَهو عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْرِيرِ المُناظَرَةِ عَلى ما قَرَّرَهُ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ سَلَفِهِمْ وخَلَفِهِمْ، بَلْ قَدْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِ المُشْرِكِ النّاظِرِ وما هو إلّا تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ والتَّشَهِّي نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِما رُوِيَ مِن نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ اسْتِقْبالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ فَبَعِيدٌ عَنْ حاجَتِهِ، بَلْ لا دَلالَةَ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ عَلى تَأْثِيرِ الكَواكِبِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ وإلّا لَدَلَّ النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ عَلى أنَّ لَها تَأْثِيرًا، عَلى أنَّ بَعْضَ الأجِلَّةِ قَدْ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ ولا مُتَّصِلٍ ولا مُرْسَلٍ، وإنَّما قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في آدابِ التَّخَلِّي: ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّسَتُّرِ، وقِيلَ: لِأنَّ نُورَهُما مِن نُورِهِ تَعالى، وقِيلَ: لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مَكْتُوبٌ عَلَيْهِما. وأمّا ما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ كُسُوفِ الشَّمْسِ يَوْمَ مَوْتِ إبْراهِيمَ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما قالَ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى ما يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، وصَدْرُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ ولَيْسا بِرَبَّيْنِ ولا إلَهَيْنِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّصَرُّفِ عَنْهُما، وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «“لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ» قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّ مَوْتَ أحَدٍ وحَياتَهُ لا يَكُونانِ سَبَبًا لِانْكَسافِهِما، وثانِيهُما أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَنِ انْكَسافِهِما مَوْتٌ ولا حَياةٌ، وإنَّما صفحة 111 ذَلِكَ تَخْوِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ، أجْرى العادَةَ بِحُصُولِهِ في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ بِالحِسابِ لِطُلُوعِ الهِلالِ وإبْدارِهِ وسِرارِهِ، فَأمّا سَبَبُ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَتَوَسُّطُ القَمَرِ بَيْنَ جِرْمِ الشَّمْسِ وأبْصارِنا كَسَحابَةٍ تَمُرُّ تَحْتَها فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ عُرْضٌ سَتَرَ عَنّا كُلَّ الشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَهُ عُرْضٌ فَبِقَدْرِ ما يُوجِبُهُ عُرْضُهُ، وأمّا سَبَبُ خُسُوفِ القَمَرِ فَهو تَوَسُّطُ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ حَتّى يَصِيرَ مَمْنُوعًا مِنَ اكْتِسابِ النُّورِ مِنَ الشَّمْسِ، ويَبْقى ظَلامُ ظَلِّ الأرْضِ المَخْرُوطِ في مَمَرِّهِ، فَقَدْ يَقَعُ كُلُّهُ في المَخْرُوطِ وقَدْ يَقَعُ بَعْضُهُ فِيهِ ويَبْقى بَعْضُهُ الآخَرُ خارِجًا إلى آخِرِ ما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ ما يَأْباهُ، والوُقُوفُ عَلى وقْتِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ ومِقْدارِهِما أمْرٌ سَهْلٌ ولا يَلْزَمُ مِن صِدْقِ المُنَجِّمِ في ذَلِكَ صِدْقُهُ فِيما يَزْعُمُ مِنَ التَّأْثِيراتِ، وما الإخْبارُ بِهِما إلّا كالإخْبارِ بِوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ في يَوْمِ كَذا في ساعَةِ كَذا وكالإخْبارِ بِوَقْتِ الهِلالِ والإبْدارِ والسِّرارِ، ثُمَّ إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْدِثُ عِنْدَ الكُسُوفَيْنِ مَن أقَضَيْتِهِ وأقْدارِهِ ما يَكُونُ بَلاءً لِقَوْمٍ ومُصِيبَةً لَهُمْ، ويَجْعَلُ الكُسُوفَ سَبَبًا لِذَلِكَ ولِهَذا أمَرَ ﷺ عِنْدَ الكُسُوفِ بِالفَزَعِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والصَّلاةِ والعَتاقَةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَكُونُ سَبَبًا لِدَفْعِ مُوجِبِ الكَسْفِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لِما جَعَلَهُ، فَلَوْلا انْعِقادُ سَبَبِ التَّخْوِيفِ لَما أمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِدَفْعِ مُوجِبِهِ بِهَذِهِ العِباداتِ، ولِلَّهِ تَعالى في أيّامِ دَهْرِهِ أوْقاتٌ يُحْدِثُ فِيها ما يَشاءُ مِنَ البَلاءِ والنَّعْماءِ، ويَقْضِي مِنَ الأسْبابِ بِما يَدْفَعُ مُوجِبَ تِلْكَ الأسْبابِ لِمَن قامَتْ بِهِ أوْ يُقَلِّلُهُ أوْ يُخَفِّفُهُ، فَمَن فَزِعَ إلى تِلْكَ الأسْبابِ أوْ بَعْضِها انْدَفَعَ عَنْهُ الشَّرُّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الكُسُوفَ سَبَبًا لَهُ أوْ بَعْضِهِ، ولِهَذا قَلَّ ما يَسْلَمُ أطْرافُ الأرْضِ حَيْثُ يَخْفى الإيمانُ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فِيها - مِن شَرٍّ عَظِيمٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِ الكُسُوفِ، ويَسْلَمُ مِنهُ الأماكِنُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها نُورُ النُّبُوَّةِ والقِيامِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ أوْ يَقِلُّ فِيها جِدًّا. وقَدْ جاءَ أنَّهُ ﷺ «لَمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِهِ قامَ فَزِعًا مُسْرِعًا يَجُرُّ رِداءَهُ، ونادى في النّاسِ: ”الصَّلاةُ جامِعَةٌ“،» وخَطَبَهم بِتِلْكَ الخُطْبَةِ البَلِيغَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ كَيَوْمِهِ ذَلِكَ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وأمَرَهم عِنْدَ حُصُولِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ بِالعَتاقَةِ والصَّدَقَةِ والصَّلاةِ والتَّوْبَةِ وما ذَلِكَ إلّا لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْلَمَ الخَلْقِ بِاللَّهِ تَعالى وبِأمْرِهِ وشَأْنِهِ وتَصْرِيفِهِ أُمُورَ مَخْلُوقاتِهِ وتَدْبِيرِهِ، وأنْصَحَهم لِلْأُمَّةِ وأشْفَقَهم عَلى العِبادِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أسْبابَ الكُسُوفَيْنِ وحِسابَهُما لِأنَّ الجَهْلَ بِذَلِكَ لا يَضُرُّ والعِلْمَ بِهِ لا يَنْفَعُ نَفْعَ العِلْمِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَدْ يُقالُ: الأمْرُ بِالصَّلاةِ عِنْدَهُما كالأمْرِ بِالصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ والغُرُوبِ والزَّوالِ مَعَ تَضَمُّنِ ذَلِكَ رَفْعَ مُوجِبِهِما الَّذِي جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الكُسُوفانِ سَبَبَيْنِ لِشَيْءٍ مِنَ البَلاءِ أصْلًا وأنَّ سَبَبَ حُصُولِهِما لَيْسَ ما أطالَ الكَلامَ فِيهِ المُنَجِّمُونَ - ومَرَّ بَعْضُهُ - بَلِ السَّبَبُ هو تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِما لِما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ، والإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتّى أتى المَسْجِدَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتّى انْجَلَتْ ثُمَّ قالَ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفانِ إلّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ العُظَماءِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، فَإذا تَجَلّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ،» وإنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ لِظُهُورِ آثارِ تَجَلِّي الجَلالِ في هَذَيْنِ الجِرْمَيْنِ العَظِيمَيْنِ، أوْ هو كالأمْرِ بِالصَّلاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ الفَجْرِ مَثَلًا، وحِكْمَتُهُ كَحِكْمَتِهِ، والقائِلُونَ بِهَذا مُكابِرُونَ لِلْفَلاسِفَةِ في أشْياءَ لا يَنْبَغِي المُكابَرَةُ فِيها، ولَعَلَّها تَضُرُّ بِالدِّينِ وتَصِيرُ سَبَبًا لِطَعْنِ المُلْحِدِينَ صفحة 112 فَيُكابِرُونَ في كَوْنِ الأفْلاكِ مُسْتَدِيرَةً، والأرْضِ كُرَيَّةً وأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ وأنَّ الكُسُوفَ القَمَرِيَّ عِبارَةٌ عَنِ انْمِحاءِ نُورِ القَمَرِ بِتَوَسُّطِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ إنَّ نُورَهُ مُقْتَبَسٌ مِنها وأنَّ الكُسُوفَ الشَّمْسِيَّ عِبارَةٌ عَنْ وُقُوعِ جِرْمِ القَمَرِ بَيْنَ النّاظِرِ والشَّمْسِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما في العُقْدَتَيْنِ عَلى دَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهم بِتَأْثِيرِ الأسْبابِ المَحْسُوسَةِ في مُسَبِّباتِها وإثْباتِ القُوى والطَّبائِعِ والأفْعالِ والِانْفِعالاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقُومُ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ اليَقِينِيَّةُ ولا تُعارِضُهُ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ القَطْعِيَّةُ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الحَدِيثِ تَعَقَّبَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ فَقالَ: إنْ زِيادَةً فَإنَّ اللَّهَ إلَخْ لَمْ يَصِحَّ نَقْلًا، فَيَجِبُ تَكْذِيبُ قائِلِها ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ تَأْوِيلُها أهْوَنَ مِن مُكابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ، فَكَمْ مِن ظَواهِرَ أُوِّلَتْ بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ في الوُضُوحِ إلى هَذا الحَدِّ، وأعْظَمُ ما يَفْرَحُ بِهِ المُلْحِدَةُ أنْ يُصَرِّحَ ناصِرُ الشَّرْعِ بِأنَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إبْطالُ الشَّرْعِ إنْ كانَ شَرْطُهُ أمْثالَ ذَلِكَ اهـ. ولَيْسَ الأمْرُ في هَذِهِ كَما قالَ مِن عَدَمِ الصِّحَّةِ فَإنَّ إسْنادَها لا مَطْعَنَ فِيهِ، فابْنُ ماجَهْ يَرْوِي الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنّى وأحْمَدَ بْنِ ثابِتٍ وحُمَيْدِ بْنِ الحَسَنِ، وهم يَرْوُونَهُ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وكُلُّ هَؤُلاءِ ثِقاتٌ حُفّاظٌ نَعَمِ الحَدِيثُ الخالِي عَنْها رَواهُ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحابِيًّا مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وأسْماءُ أُخْتُها وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وقَبِيصَةُ الهِلالِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومِن هُنا خافَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنْ تَكُونَ مُدْرَجَةً في الحَدِيثِ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُوجِبُ لَهُما ضَعْفَ سُلُطاتِهِما وبَهائِهِما، وذَلِكَ يُوجِبُ لَهُما مِنَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ لِرَبِّ العالَمِينَ وعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِتَجَلِّيهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُما، ولا يُسْتَنْكَرُ أنْ يَكُونَ تَجَلِّي اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُما في وقْتٍ مُعَيَّنٍ كَما يَدْنُو سُبْحانَهُ مِن أهْلِ المَوْقِفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وكَما يَنْزِلُ - تَبارَكَ وتَعالى - كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا عِنْدَ مُضِيِّ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيُحْدِثُ لَهُما ذَلِكَ التَّجَلِّي خُشُوعًا آخَرَ لَيْسَ هو الكُسُوفَ، فَإنَّهُ إنَّما حَدَثَ بِالسَّبَبِ الَّذِي عَرَفْتَ، ولَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَجَلّى لَهُما انْكَسَفا بَلْ قالَ فَإذا تَجَلّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ «إذا بَدا اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ» فَهَهُنا خُشُوعانِ: خُشُوعٌ أوْجَبَهُ كُسُوفُهُما الحادِثُ مِن وضْعِهِما الخاصِّ، وخُشُوعٌ أوْجَبَهُ تَجَلِّيهِ تَعالى لَهُما لِذَلِكَ الخُشُوعِ الَّذِي أوْجَبَهُ الكُسُوفِ. وهَذا تَوْجِيهٌ لَطِيفُ المَنزَعِ يَقْبَلُهُ العَقْلُ المُسْتَقِيمُ والفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَفِيهِ - عَلى ما قِيلَ - أنَّ الحَدِيثَ لَوْ ثَبَتَ لَكانَ حُجَّةً عَلَيْهِ لا لَهُ، إذْ لَوْ كانَ عِلْمُ النُّجُومِ حَقًّا لَمْ يَأْمُرْ ﷺ بِالإمْساكِ عِنْدَ ذِكْرِ النُّجُومِ فالظّاهِرُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ إلّا لِأنَّ الخَوْضَ في ذَلِكَ خَوْضٌ فِيما لا عِلْمَ لِلْخائِضِ بِهِ فَتَأمَّلْ. وأمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ والقَمَرُ في العَقْرَبِ فَصَحِيحٌ مِن كَلامِ المُنَجِّمِينَ دُونَ رَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ﷺ، ورِوايَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَذِبٌ أيْضًا، والمَشْهُورُ عَنْهُ خِلافُ ذَلِكَ كَما سَمِعْتَ في قِصَّةِ خُرُوجِهِ لِقِتالِ الخَوارِجِ، وأمّا ما احْتَجَّ بِهِ مِنَ الأثَرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا أتاهُ إلَخْ؛ فَلا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والكَذّابُونَ كَثِيرًا ما يُنْفِقُونَ سِلَعَهُمُ الباطِلَةَ بِنِسْبَتِها إلَيْهِ أوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِثُبُوتِ أحْكامِ النُّجُومِ بِوَجْهٍ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لِأُمَّتِي في بُكُورِها» ونِسْبَةُ أوَّلِ الشَّهْرِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ أوَّلِ النَّهارِ إلَيْهِ، وكانَ صَخْرٌ راوِي الحَدِيثِ إذا بَعَثَ تِجارَةً لَهُ بَعَثَها في صفحة 113 أوَّلِ النَّهارِ، فَأثْرى وكَثُرَ مالُهُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ السَّنَةِ كَأوَّلِ النَّهارِ أيْضًا، فَلِلْأوائِلِ مَزِيَّةُ القُوَّةِ كَما هو مُشاهَدٌ في الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ، ولِلَّهِ تَعالى تَجَلِّياتٌ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ الكَواكِبِ في شَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ فِيما ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، وقَدْ مَرَّ ما ذَكَرَهُ عَنِ اليَهُودِيِّ الَّذِي أخْبَرَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ، وإنْ سَلِمَ ذَلِكَ فَهو مِن جِنْسِ إخْبارِ الكُهّانِ بِشَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقَدْ أخْبَرَ ابْنُ الصَّيّادِ النَّبِيَّ ﷺ بِما أخْبَرَ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهُ «إنَّما أنْتَ مِن إخْوانِ الكُهّانِ”». وعِلْمُ مُقَدِّمَةِ المَعْرِفَةِ لا يَخْتَصُّ بِما ذَكَرَهُ المُنَجِّمُونَ بَلْ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ يُصَدَّقُ الحُكْمُ مَعَها ويُكَذَّبُ، مِنها الكِهانَةُ ومِنها المَناماتُ ومِنها الفَأْلُ والزَّجْرُ وضَرْبُ الحَصى والخَطُّ والكَتِفُ والكَشْفُ المُسْتَنِدُ إلى الرِّياضَةِ؛ وهو كَشْفٌ جُزْئِيٌّ عَنْ بَعْضِ الحَوادِثِ، ويَشْتَرِكُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ ومِنها غَيْرُ ذَلِكَ، ولِلْعُمّالِ في البَحْرِ والسُّعاةِ ونَحْوِهِمْ في البِرِّ عَلاماتٌ يَعْرِفُونَ بِها أوْقاتَ المَطَرِ والصَّحْوِ والبَرَدِ والرِّيحِ وغَيْرِها، وقَلَّما يُخْطِئُونَ في أخْبارِهِمْ بَلْ صَوابُهم في ذَلِكَ أكْثَرُ مِن صَوابِ المُنَجِّمِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ فالمَحْفُوظُ فِيهِ: «“تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَنا وما طائِرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ إلّا وقَدْ ذَكَرَ لَنا مِنهُ عِلْمًا» وفِيهِ رِواياتٌ أُخَرُ صَحِيحَةٌ أيْضًا وكُلُّها لَيْسَ فِيها ”ولَيْسَتِ الكَواكِبُ...“ إلَخْ، فَهو مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى بُطْلانِ دَعْوى المُنَجِّمِينَ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أحْكامِ النُّجُومِ شَيْئًا البَتَّةَ، وقَدْ عَلَّمَهم عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى الخِراءَةَ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ جاءَ في الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن أُعْطِيَ هَذا العِلْمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَخْ، فَكَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ عَمِلَ هَذا الكاذِبُ المُفْتَرِي بِالمَثَلِ السّائِرِ: إذا كَذَبْتَ فَأبْعِدْ شاهِدَكَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ. وأمّا ما نُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ فَهو بَعْضٌ مِن حِكايَةٍ ذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ فِيما ألَّفَهُ في مَناقِبِهِ، والحِكاياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ في أحْكامِ النُّجُومِ ثَلاثٌ، إحْداها: قالَ الحاكِمُ: قُرِئَ عَلى أبِي يَعْلى حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ العَلَوِيِّ، وأكْثَرُ ظَنِّي أنِّي حَضَرْتُهُ، ثَنا أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ الأزْدِيُّ في آخَرِينَ قالُوا: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي يَعْقُوبَ الجَوّالُ الدِّينَوَرِيُّ، ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ البَلَوِيُّ، حَدَّثَنِي خالِي عِمارَةُ بْنُ زَيْدٍ قالَ: كُنْتُ صَدِيقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ يَوْمًا عَلى هارُونَ الرَّشِيدِ فَسَألَهُ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ وهو يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ يَزْعُمُ أنَّهُ لِلْخِلافَةِ أهْلٌ، قالَ: فاسْتَشاطَ هارُونُ مِن قَوْلِهِ غَضَبًا، ثُمَّ قالَ: عَلَيَّ بِهِ! فَلَمّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أطْرَقَ ساعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْهِ فَقالَ: أيُّها! قالَ الشّافِعِيُّ: ما أيُّها أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْتَ الدّاعِي وأنا المَدْعُوُّ، وأنْتَ السّائِلُ وأنا المُجِيبُ؟! فَذَكَرَ حِكايَةً طَوِيلَةً سَألَهُ فِيها عَنِ العُلُومِ ومَعْرِفَتِهِ بِها إلى أنْ قالَ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِالنُّجُومِ؟ قالَ: أعْرِفُ الفَلَكَ الدّائِرَ، والنَّجْمَ السّائِرَ، والقُطْبَ الثّابِتَ، والمائِيَّ والنّارِيَّ، وما كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ الأنْواءَ، ومَنازِلَ النَّيِّرَيْنِ، والِاسْتِقامَةَ والرُّجُوعَ، والنُّحُوسَ والسُّعُودَ، وهَيْئاتِها وطَبائِعَها وما أسْتَدِلُّ بِهِ في بَرِّي وبَحْرِي، وأسْتَدِلُّ في أوْقاتِ صَلاتِي، وأعْرِفُ ما مَضى مِنَ الأوْقاتِ في إمْسائِي وإصْباحِي، وظَعْنِي في أسْفارِي، ثُمَّ ساقَ العُلُومَ عَلى هَذا النَّحْوِ، ومَن لَهُ عِلْمٌ بِالمَنقُولاتِ يَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وإفْكٌ مُفْتَرًى عَلى الشّافِعِيِّ، والبَلاءُ فِيها مِن عِنْدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَلَوِيِّ؛ فَإنَّهُ كَذّابٌ وضّاعٌ، وهو الَّذِي وضَعَ رِحْلَةَ الشّافِعِيِّ وذَكَرَ فِيها مُناظَرَتَهُ لِأبِي يُوسُفَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ ولَمْ يَرَ الشّافِعِيُّ أبا يُوسُفَ ولا اجْتَمَعَ بِهِ قَطُّ، وإنَّما دَخَلَ بَغْدادَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ويَشْهَدُ بِكَذِبِها أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا وشى بِالشّافِعِيِّ إلى الرَّشِيدِ وأرادَ قَتْلَهُ، ومُحَمَّدٌ أجَلُّ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ، صفحة 114 وتَعْظِيمُهُ لِلشّافِعِيِّ ومَحَبَّتُهُ إيّاهُ هو المَعْرُوفُ، كَتَعْظِيمِ الشّافِعِيِّ لَهُ وثَنائِهِ عَلَيْهِ، وفِيها شَواهِدُ أُخَرُ عَلى الكَذِبِ يَعْرِفُها العالِمُ بِالمَنقُولِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْها كُلِّها. وثانِيَتُها: وهي الَّتِي أخَذْتُ مِنها ما ذَكَرَها الإمامُ، قالَ الحاكِمُ: أخْبَرَنا أبُو الوَلِيدِ الفَقِيهُ قالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، عَنْ حَرْمَلَةَ قالَ: كانَ الشّافِعِيُّ يُدِيمُ النَّظَرَ في كُتُبِ النُّجُومِ، وكانَ لَهُ صَدِيقٌ وعِنْدَهُ جارِيَةٌ قَدْ حَبِلَتْ فَقالَ: إنَّها تَلِدُ إلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، ويَكُونُ في فَخِذِ الوَلَدِ الأيْسَرِ خالٌ أسْوَدُ، ويَعِيشُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَمُوتُ، فَكانَ الأمْرُ كَما قالَ، فَأحْرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ تِلْكَ الكُتُبَ وما عاوَدَ النَّظَرَ في شَيْءٍ مِنها، وهَذا الإسْنادُ رِجالُهُ ثِقاتٌ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِيمَن حَدَّثَ أبا الوَلِيدِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، أوْ فِيمَن حَدَّثَ الحَسَنَ عَنْ حَرْمَلَةَ، ويَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحِكايَةِ أنَّها لَوْ صَحَّتْ لَوَجَبَ أنَّ تُثْنى الخَناصِرُ عَلى هَذا العِلْمِ، وتُشَدَّ بِهِ الأيْدِي لا أنْ تُحْرَقَ كُتُبُهُ ولا يُعاوَدَ النَّظَرُ في شَيْءٍ مِنها. وإنَّ الطّالِعَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ طالِعانِ: طالَعُ مَسْقَطِ النُّطْفَةِ، وهو الطّالِعُ الأصْلِيُّ الَّذِي يَزْعُمُونَ دَلالَتَهُ عَلى وقْتِ الوِلادَةِ، والحِكايَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ أنَّ الشّافِعِيَّ نَظَرَ فِيهِ، ولَوْ كانَ لَتَضَمَّنَتْهُ. وطالَعُ الوِلادَةِ، وإخْبارُ الشّافِعِيِّ قَبْلَها ضَرُورَةُ أنَّهُ قالَ: إنَّها تَلِدُ إلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وثالِثَتُها: قالَ الحاكِمُ: أنْبَأنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَسَنِ القاضِي أنَّ زَكَرِيّا بْنَ يَحْيى السّاجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: أخْبَرَنِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ بِنْتِ الشّافِعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: كانَ الشّافِعِيُّ وهو حَدَثٌ يَنْظُرُ في النُّجُومِ، وما نَظَرَ في شَيْءٍ إلّا فاقَ فِيهِ، فَجَلَسَ يَوْمًا وامْرَأةٌ تَلِدُ فَحَسَبَ فَقالَ: تَلِدُ جارِيَةً عَوْراءَ عَلى فَرْجِها خالٌ أسْوَدُ وتَمُوتُ إلى كَذا وكَذا، فَوُلِدَتْ فَكانَ كَما قالَ؛ فَجَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ أبَدًا، وأمْرُ هَذِهِ الحِكايَةِ كالَّتِي قَبْلَها؛ فَإنَّ ابْنَ بِنْتِ الشّافِعِيِّ لَمْ يَلْقَ الشّافِعِيَّ ولا رَآهُ، والشَّأْنُ فِيمَن حَدَّثَ بِها عَنْهُ، وأيْضًا طالِعُ مَسْقَطِ النُّطْفَةِ لَمْ يُؤْخَذْ، والخَبَرُ قَبْلَ تَحَقُّقِ طالِعِ الوِلادَةِ، ثُمَّ إنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الحِكايَةِ إنْ كانَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الحِكايَةِ الَّتِي قَبْلَها لَمْ تَكَدْ تَحَقَّقُ، وإنْ كانَ تَحَقُّقُ تِلْكَ قَبْلُ لَمْ تَكَدْ هَذِهِ تَحَقَّقُ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، والَّذِي صَحَّ عَنِ الشّافِعِيِّ في أمْرِ النُّجُومِ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ مِن عِلْمِ المَنازِلِ والِاهْتِداءِ بِالنُّجُومِ في الطُّرُقاتِ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يَزْعُمُها المُنَجِّمُونَ فَلا، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَدِيدَ الإنْكارِ عَلى المُتَكَلِّمِينَ مُزْرِيًا بِهِمْ، حُكْمُهُ فِيهِمْ أنْ يُضْرَبُوا بِالجَرِيدِ، ويُطافَ بِهِمْ في القَبائِلِ، فَما تُراهُ يَرى في المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ شاعَ هَذَيانُهُمْ، وقَبُحَ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ شَأْنُهُمْ، نَعَمْ، كانَتْ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - اليَدُ الطُّولى في عِلْمِ الفِراسَةِ، وقَدْ خَرَجَ إلى اليَمَنِ لِجَمْعِ كُتُبِهِ، فَجَمَعَ مِنها ما جَمَعَ، ولَهُ فِيها حِكاياتٌ يُقْضى مِنها العَجَبُ، ولَعَلَّ إخْبارَهُ بِأمْرِ المَوْلُودِ - لَوْ صَحَّ - مِن ذَلِكَ العِلْمِ، والنّاقِلُ لِجَهْلِهِ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ أسْنَدَهُ لِلنَّظَرِ في أحْكامِ النُّجُومِ وقالَ ما قالَ. وأمّا ما ذَكَرَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِإخْبارِ المُنَجِّمِينَ إيّاهُ بِأنَّهُ سَيُولَدُ لَهم مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى يَدِهِ، فَهو كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ومُخالِفٌ لِرِواياتِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَإنَّهم أحالُوا ذَلِكَ عَلى أخْبارِ الكُهّانِ. ورَوى بَعْضُهم أنَّ قَوْمَهُ أخْبَرُوهُ بِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ يُولَدُ مِنهم مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، وفي أخْبارِ الكُهّانِ ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ. ومِنها خَبَرُهم بِظُهُورِ خاتَمِ الرُّسُلِ ﷺ وانْتِشارِ أمْرِهِ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ عِلْمَ تَقْدِمَةِ المَعْرِفَةِ بِأسْبابٍ مُفْضِيَةٍ إلى مِثْلِ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ قُوى النّاسِ في إدْراكِها وتَحْصِيلِها، وإنَّما كَلامُنا مَعَ المُنَجِّمِينَ في أُصُولِ عِلْمِ الأحْكامِ وبَيانِ فَسادِها وكَذِبِ أكْثَرِ الأحْكامِ الَّتِي يُسْنِدُونَها إلَيْها، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الِاسْتِدْلالِ بِالمَعْقُولِ مِن أنَّهُ ما خَلَتْ عَنْ هَذا العِلْمِ مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ ولا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، وأنَّهم لَمْ يَزالُوا مُشْتَغِلِينَ صفحة 115 بِهِ مُعَوِّلِينَ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ عَلَيْهِ إلى آخَرِ ما قالَ - فَفِرْيَةٌ مِن غَيْرِ مِرْيَةٍ، ويا عَجَبًا مِن دَعْواهُ إطْباقَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مَن أوَّلِ بِناءِ العالَمِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ، وهم يَقُولُونَ: إنَّما أُسِّسَتْ أُصُولُهُ وأوْضاعُهُ في زَمَنِ هُرْمُسِ الهَرامِسَةِ يَعْنُونَ بِهِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو بَعْدَ بِناءِ العالَمِ بِكَثِيرٍ، وأيْضًا قَدْ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ وجَمْعٌ غَفِيرٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ، حَتّى إنَّهُ قَدْ أُلِّفَ ما يَزِيدُ عَلى مِائَةِ مُصَنَّفٍ في رَدِّهِ وإبْطالِهِ، وقَدْ قالَ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ: اعْلَمْ أنَّكَ لَوْ قَلَبْتَ أوْضاعَ المُنَجِّمِينَ فَجَعَلْتَ الحارَّ بارِدًا والبارِدَ حارًّا، والسَّعْدَ نَحْسًا والنَّحْسَ سَعْدًا، والذَّكَرَ أُنْثى والأُنْثى ذَكَرًا، ثُمَّ حَكَمْتَ؛ لَكانَتْ أحْكامُكَ مَن جِنْسِ أحْكامِهِمْ تُصِيبُ تارَةً وتُخْطِئُ تاراتٍ، وقَدْ زَيَّفَ أمْرَهُمُابْنُ سِينا في كِتابَيْهِ ”الشِّفاءِ“، و”النَّجاةِ“، وكَذا أبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ في كِتابِ ”التَّعْبِيرِ“ لَهُ، هَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الرَّدِّ عَلى المُنَجِّمِينَ؛ وأعُودُ فَأقُولُ: الَّذِي أُراهُ في هَذا المَقامِ ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِن كَلامِ العُلَماءِ الأعْلامِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا باطِلًا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ ومَنفَعَةٍ، بَلْ خَلَقَ الأشْياءَ عُلْوِيَّها وسُفْلِيَّها، جَلِيلَها ودَنِيَّها مُشْتَمِلَةً عَلى حِكَمٍ لا تُحْصى، ومَنافِعَ لا تُسْتَقْصى وإنْ تَفاوَتَتْ في أفْرادِها قِلَّةً وكَثْرَةً، وخَصَّ كُلًّا مِنها بِخاصَّةٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِها مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعَلِمِهِ وقُدْرَتِهِ: ولِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ فالأجْرامُ العُلْوِيَّةُ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ، مُخْتَصٌّ كُلٌّ مِنها بِخاصَّةٍ، وشَأْنُ الكَواكِبِ في خَواصِّها وتَأْثِيراتِها كَشَأْنِ النَّباتاتِ والمَعْدِنِيّاتِ والحَيَوانِيّاتِ في خَواصِّها وتَأْثِيراتِها، فَمِنها ما خاصَّتُهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ، ومِنها ما خاصَّتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ، ومِنها ما إذا ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ أسْقَطَ خاصَّتَهُ، وأبْطَلَ مَنفَعَتَهُ، ومِنها ما يُعْقَلُ وجْهُ تَأْثِيرِهِ ومِنها ما لا يُعْقَلُ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ وزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، وكَوْنُها زِينَةً لِلسَّماءِ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ أنْ يَكُونَ فِيها مَنفَعَةٌ أُخْرى عَلى حَدِّ ما في الأرْضِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾ مَعَ اشْتِمالِ الأزْهارِ وغَيْرِها عَلى ما تَعْلَمُ وما لا تَعْلَمُ مِنَ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ كَوْنُها عَلاماتٍ يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، وكَوْنُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ. ولا أقُولُ بِبَساطَةِ الأفْلاكِ ولا بِبَساطَةِ الكَواكِبِ ولا بِانْحِصارِها فِيما يُشاهَدُ بِبَصَرٍ أوْ رَصْدٍ، ولا بِذُكُورَةِ بَعْضٍ وأُنُوثَةِ آخَرَ إلى كَثِيرٍ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، وأقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِها تَأْثِيرًا حَسَبَما أوْدَعَ في أزْهارِ الأرْضِ ونَحْوِها، وإنَّها لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإذْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما هو مَذْهَبُ السَّلَفِ في سائِرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ كَما قالَ الأشاعِرَةُ فِيها، وأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها عَلاماتٍ لِإحْداثِهِ تَعالى أُمُورًا لا بِواسِطَتِها في أحَدِ العالَمَيْنِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ يَعْرِفُها مَن يُوقِفُهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها مِن مَلائِكَتِهِ وخَواصِّ عِبادِهِ، وارْتِباطُ كَثِيرٍ مِنَ السُّفْلِيّاتِ بِالعُلْوِيّاتِ مِمّا قالَ بِهِ الأكابِرُ ولا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، ولا أنْسُبُ أثَرًا مِنَ الآثارِ إلى كَوْكَبٍ بِخُصُوصِهِ عَلى القَطْعِ؛ لِاحْتِمالِ شَرِكَةِ كَوْكَبٍ أوْ أمْرٍ آخَرَ، نَعَمِ الظّاهِرُ يَقْتَضِي كَثْرَةَ مَدْخَلِيَّةِ بَعْضِ الكَواكِبِ في بَعْضِ الآثارِ، كالقَمَرِ في مَدِّ البِحارِ وجَزْرِها، فَإنَّ مِنها ما يَأْخُذُ في الِازْدِيادِ حِينَ يُفارِقُ القَمَرُ الشَّمْسَ إلى وقْتِ الِامْتِلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ ولا يَزالُ نُقْصانُهُ يَسْتَمِرُّ بِحَسَبِ نُقْصانِ القَمَرِ إلى المُحاقِ، ومِنها ما يَحْصُلُ فِيهِ المَدُّ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَعَ طُلُوعِ القَمَرِ وغُرُوبِهِ، كَبَحْرِ فارِسَ وبَحْرِ الهِنْدِ وبَحْرِ الصِّينِ، وكَيْفِيَّتُهُ أنَّهُ إذا بَلَغَ صفحة 116 القَمَرُ مَشْرِقًا مِن مَشارِقِ البَحْرِ ابْتَدَأ البَحْرُ بِالمَدِّ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ القَمَرُ في وسَطِ سَماءِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَإذا زالَ عَنْ مَغْرِبِ ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ ابْتَدَأ المَدُّ مِن تَحْتِ الأرْضِ، ولا يَزالُ زائِدًا إلى أنْ يَصِلَ القَمَرُ إلى وتِدِ الأرْضِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَهِي المَدُّ مُنْتَهاهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الجَزْرُ ثانِيًا ويَرْجِعُ الماءُ كَما كانَ، ومِثْلُ المَدِّ والجَزْرِ بُحْراناتُ الأمْراضِ، فَإنَّها بِحَسَبِ زِيادَةِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، عَلى مَعْنى كَثْرَةِ مَدْخَلِيَّةِ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ولا أقُولُ: إنَّ لِكَوْكَبٍ تَأْثِيرًا في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونَحْوِهِما، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ كَوْكَبٌ أوْ كَواكِبُ - بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأحْوالِ - عَلامَةً لِنَحْوِ ذَلِكَ، يُعَرِّفُها بَعْضُ الخَواصِّ، ولا وُثُوقَ بِما قالَهُ الأحْكامِيُّونَ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ، وهم فِيما أسَّسُوا عَلَيْهِ أحْكامَهم مُتَناقِضُونَ، وفي المَذاهِبِ مُخْتَلِفُونَ؛ فَلِلْبابِلِيِّينَ مَذْهَبٌ، ولِلْفُرْسِ مَذْهَبٌ، ولِأهْلِ الهِنْدِ مَذْهَبٌ، ولِأهْلِ الصِّينِ مَذْهَبٌ، وقَدْ رَدَّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وشَهِدَ بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ بِفَسادِ أُصُولِهِمْ ومَبْنى أحْكامِهِمْ، فَقَدْ كانَ أوائِلُهم مِنَ الأقْدَمِينَ وكِبارُ رُصّادِهِمْ مِن عَهْدِ بَطْلَيْمُوسَ وطَيْمُوحارِسَ ومانالارِسَ قَدْ حَكَمُوا حُكْمًا في الكَواكِبِ واتَّفَقُوا عَلى صِحَّتِهِ، وأقامَ النّاسُ عَلى تَقْلِيدِهِمْ، وبِناءِ الأمْرِ عَلى ما قالُوهُ أكْثَرَ مِن سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَجاءَ مِن بَعْدِهِمْ خالِدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ المَرْوَزِيُّ، وحَسَنٌ صاحِبُ الزِّيجِ المَأْمُونِيِّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ ويَحْيى بْنُ أبِي مَنصُورٍ، فامْتَحَنُوا ما قالُوا فَوَجَدُوهم غالِطِينَ وأجْمَعُوا عَلى غَلَطِهِمْ وسَمَّوْا رَصْدَهُمُ الرَّصْدَ المُمْتَحَنَ. ثُمَّ حَدَّثَتْ بَعْدَهم بِنَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً طائِفَةٌ أُخْرى زَعِيمُهم أبُو مَعْشَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وبَيَّنَ خَطَأهم كَما ذَكَرَهُ أبُو سَعِيدٍ شاذانُ المُنَجِّمُ في كِتابِ ”أسْرارِ النُّجُومِ“ لَهُ، وفِيهِ: قُلْتُ لِأبِي مَعْشَرٍ: الذَّنَبُ بارِدٌ يابِسٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّأْنِيثِ؟ فَقالَ: هَكَذا قالُوا، قُلْتُ: فَقَدْ قالُوا إنَّهُ لَيْسَ بِصادِقِ اليُبْسِ، لَكِنَّهُ بارِدٌ عَفِنٌ، مُلْتَوٍ، كُلُّ الأعْراضِ الغائِيَّةِ تَوَهُّمٌ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها يَقِينِيًّا، وإنَّما يَكُونُ تَوَهُّمٌ أقْوى مِن تَوَهُّمٍ. ومَن تَأمَّلَ أحْوالَ القَوْمِ عَلِمَ أنَّ ما مَعَهم تَفَرُّسٌ يُصِيبُونَ مَعَهُ ويُخْطِئُونَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ بَعْدَهم طائِفَةٌ أُخْرى بِنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً، مِنهم أبُو الحُسَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ المَعْرُوفُ بِالصُّوفِيِّ، فَرَدَّ عَلى مَن قَبْلَهُ وغَلَّطَهُ وألَّفَ كِتابًا بَيَّنَ فِيهِ مِنَ الأغْلاطِ ما بَيَّنَ، وحَمَلَهُ إلى عَضُدِ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ فاسْتَحْسَنَهُ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، ثُمَّ جاءَتْ بَعْدَ نَحْوِ ثَلاثِينَ سَنَةً طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم كُوشِيارُ الدَّيْلَمِيُّ فَألَّفَ ”المُجْمَلُ في الأحْكامِ“ وجَهَّلَ فِيهِ مَن يَحْتَجُّ لِلْأحْكامِ مِنَ الأحْكامِيِّينَ، وقالَ عَنْ صِناعَةِ التَّنْجِيمِ: هي صِناعَةٌ غَيْرُ مُبَرْهَنَةٍ ولِلْخَواطِرِ والظُّنُونِ فِيها مَجالٌ؛ إلى أنْ قالَ: ومِنَ المُنْفَرِدِينَ بِعِلْمِ الأحْكامِ مَن يَأْتِي عَلى جُزْئِيّاتِهِ بِحُجَجٍ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والجَدَلِ فَيَظُنُّ أنَّها بَراهِينُ لِجَهْلِهِ بِطَرِيقِ البُرْهانِ وطَبِيعَتِهِ. ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم مُنَجِّمُ الحاكِمِ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ المَعْرُوفُ بِالفِكْرِيِّ، فَوَضَعَ هو وأصْحابُهُ رَصْدًا آخَرَ سَمَّوْهُ الرَّصْدَ الحاكِمِيَّ، فَخالَفُوا فِيهِ أصْحابَ الرَّصْدِ المُمْتَحَنِ وبَنَوْا أمْرَ الأحْكامِ عَلَيْهِ. ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أبُو الرَّيْحانِ البَيْرُوتِيُّ مُؤَلِّفُ كِتابِ ”التَّفْهِيمُ إلى صِناعَةِ التَّنْجِيمِ“ وكانَ بَعْدَ كُوشِيارَ بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَخالَفَ مَن تَقَدَّمَهُ، وأتى مِن مُناقَضاتِهِمْ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو دالٌّ عَلى فَسادِ صِناعَتِهِمْ، وخَتَمَ كِتابَهُ بُقُولِهِ في الخَبْءِ والضَّمِيرِ: ما أكْثَرَ افْتِضاحَ المُنَجِّمِينَ فِيهِ، وما أكْثَرَ إصابَةَ الزّاجِرِينَ بِما يُسْتَعْمَلُ مِنَ الكَلامِ وقْتَ السُّؤالِ ويَرَوْنَهُ بادِيًا مِنَ الآثارِ والأفْعالِ عَلى السّائِلِ إلى آخِرِ ما قالَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أبُو الصَّلْتِ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الأنْدَلُسِيُّ وكانَ بَعْدَ البَيْرُوتِيِّ بِنَحْوِ ثَمانِينَ عامًا، وكانَ رَأْسًا في الصِّناعَةِ ومَعَ هَذا اعْتَرَفَ بِأنَّ قَوْلَ المُنَجِّمِينَ هَذَيانٌ، ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرىبِالمَغْرِبِ مِنهم أبُو إسْحاقَ الزِّرْقالِيُّ صفحة 117 وأصْحابُهُ، وكانَ بَعْدَ أبِي الصَّلْتِ بِنَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَخالَفَ الأوائِلَ والأواخِرَ في الصِّناعَتَيْنِ الرَّصْدِيَّةِ والأحْكامِيَّةِ. وآخَرُ ما نَعْلَمُ حُدُوثَهُ زِيجُ لالِنْتْ والقُسِينِي وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأزْياجِ ما فِيهِ. وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ تَقْوِيمُ هِرْشِلَ ومِقْدارُ حَرَكَتِهِ، وهو كَوْكَبٌ سَيّارٌ ظَفَرَ بِهِ هِرْشِلُ أحَدُ فَلاسِفَةِ الإفْرِنْجِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَظْفَرْ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وهَذا الزِّيجُ أضْبَطُ الأزْياجِ فِيما يَزْعُمُ المُنَجِّمُونَ اليَوْمَ، والإفْرِنْجُ - عَلى مَهارَةِ كَثِيرٍ مِنهم بِعِلْمِ الرَّصْدِ - لا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُ بِهِ الأحْكامِيُّونَ الأوائِلُ والأواخِرُ، ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، وقَدْ ذَكَرَ مَن يُوثَقُ بِهِ وُجُوهًا تَدُلُّ عَلى فَسادِ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، وأنَّهُ لا يُوثَقُ بِهِ، الأوَّلُ: أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ المُؤَثِّراتِ الفَلَكِيَّةِ مِمّا لا تَتَأتّى، أمّا أوَّلًا؛ فَلِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الكَواكِبِ إلّا بِواسِطَةِ القُوى الباصِرَةِ، وإذا كانَ المَرْئِيُّ صَغِيرًا أوْ في غايَةِ البُعْدِ يَتَعَذَّرُ رُؤْيَتُهُ؛ فَإنَّ أصْغَرَ الكَواكِبِ الَّتِي في فَلَكِ الثَّوابِتِ وهو الَّذِي بِهِ قُوَّةُ البَصَرِ مِثْلَ كُرَةِ الأرْضِ بِضْعَةَ عَشَرَ مَرَّةً، وكُرَةُ الأرْضِ أعْظَمُ مِن كُرَةِ عُطارِدَ كَذا مَرَّةٍ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ حَصَلَ في الفَلَكِ الأعْظَمِ كَواكِبُ كَثِيرَةٌ كُلٌّ مِنها كَعُطارِدَ حَجْمًا فَكَيْفَ تُرى، ونَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ، ومَعَ قِيامِهِ لا يَحْصُلُ الجَزْمُ بِمَعْرِفَةِ جَمِيعِ المُؤَثِّراتِ، وإنْ قالُوا: جازَ ذَلِكَ إذْ إنَّ آثارَ هَذا الكَوْكَبِ لِصِغَرِهِ ضَعِيفَةٌ فَلا تَصِلُ إلى هَذا العالَمِ. قُلْنا: صِغَرُ الجِرْمِ لا يُوجِبُ ضَعْفَ الأثَرِ، فَقَدْ أثْبَتُّمْ لِعُطارِدَ آثارًا قَوِيَّةً مَعَ صِغَرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ السَّيّاراتِ؛ بَلْ أثْبَتُّمْ لِلرَّأْسِ والذَّنَبِ وسَهْمِ السَّعادَةِ وسَهْمِ الغَيْبِ آثارًا قَوِيَّةً وهي أُمُورٌ وهْمِيَّةٌ، وأمّا ثانِيًا فالمَرْصُودُ مِنَ الكَواكِبِ المَرْئِيَّةِ أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المَرْصُودِ، فَمِن أيْنَ لَهُمُ الوُقُوفُ عَلى طَبِيعَةِ غَيْرِ المَرْصُودِ؟ وأما ثالِثًا فَلِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الوُقُوفُ عَلى طَبائِعِ جَمِيعِ المَرْصُودِ أيْضًا، وقَلَّما تَكَلَّمُوا في مَعْرِفَةِ غَيْرِ الثَّوابِتِ الَّتِي مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ والثّانِي، وأما رابِعًا فَآلاتُ الرَّصْدِ لا تَفِي بِضَبْطِ الثَّوانِي والثَّوالِثِ فَما فَوْقُ، ولا شَكَّ أنَّ الثّانِيَةَ الواحِدَةَ مِثْلُ الأرْضِ كَذا ألْفِ مَرَّةٍ أوْ أقَلُّ أوْ أكْثَرُ، ومَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ، كَيْفَ الوُصُولُ إلى الغَرَضِ؟ وقَدْ قِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الشَّدِيدَ الجَرْيِ بَيْنَ رَفْعِهِ رِجْلَهُ ووَضْعِهِ الأُخْرى، يَتَحَرَّكُ جِرْمُ الفَلَكِ الأقْصى ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ ضَبْطُ هَذِهِ المُؤَثِّراتِ؟ وأما خامِسًا؛ فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم عَرَفُوا طَبائِعَ هَذِهِ الكَواكِبِ حالَ بَساطَتِها فَهَلْ وقَفُوا عَلى طَبائِعِها حالَ امْتِزاجِ بَعْضِها بِبَعْضٍ ؟ والِامْتِزاجاتُ الحاصِلَةُ مِن طَبائِعِ ألْفِ كَوْكَبٍ أوْ أكْثَرَ - بِحَسَبِ الأجْزاءِ الفَلَكِيَّةِ - تَبْلُغُ في الكَثْرَةِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ العَقْلُ عَلى ضَبْطِها. وأمّا سادِسًا؛ فَيُقالُ: هَبْ أنّا عَرَفْنا تِلْكَ الِامْتِزاجاتِ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ؛ فَلا رَيْبَ أنَّهُ لا يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الِامْتِزاجاتِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَهُ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ الأشْكالَ السّالِفَةَ رُبَّما كانَتْ عائِقَةً ومانِعَةً عَنْ مُقْتَضَياتِ الأشْكالِ الحاصِلَةِ في الحالِ، ولا رَيْبَ أنّا نُشاهِدُ أشْخاصًا كَثِيرَةً مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ تَحْدُثُ مُقارِنَةً لِطالِعٍ واحِدٍ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخالِفٌ لِلْآخَرِ في أكْثَرِ الأُمُورِ، وذَلِكَ أنَّ الأحْوالَ السّابِقَةَ في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ تَكُونُ مُخالِفَةً لِلْأحْوالِ السّابِقَةِ في حَقِّ الآخَرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى مُقْتَضى طالِعِ الوَقْتِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإحاطَةِ بِالطَّوالِعِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا وُقُوفَ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما كانَتْ تِلْكَ الطَّوالِعُ دافِعَةً مُقْتَضَياتِ هَذا الطّالِعِ الحاضِرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ عَوَّلَ ابْنُ سِينا في كِتابَيْهِ: ”الشِّفاءِ“، و”النَّجاةِ“ في إبْطالِ هَذا العِلْمِ. الثّانِي: أنَّ تَأْثِيرَ الكَواكِبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أقْدارِها، فَما كانَ مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ أثَّرَ بِوُقُوعِهِ عَلى الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ تُضْبَطِ الدَّقِيقَةُ. وما كانَ مِنَ القَدْرِ الأخِيرِ لَمْ يُؤَثِّرْ إلّا بِضَبْطِ الدَّقِيقَةِ، ولا رَيْبَ بِجَهالَةِ مَقادِيرِ جَمِيعِ الكَواكِبِ، فَكَيْفَ تُضْبَطُ الآثارُ. الثّالِثُ: فَسادُ أُصُولِهِمْ، وتَناقُضُ آرائِهِمْ، صفحة 118 واخْتِلافُهُمُ اخْتِلافًا عَظِيمًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ومَتى تَعارَضَتِ الأقْوالُ وتَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ فِيما بَيْنَها؛ لا يُعَوَّلُ عَلى شَيْءٍ مِنها. الرّابِعُ: أنَّ أرْصادَهم لا تَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ خَلَلٍ، وهي مَبْنى أحْكامِهِمْ، وقَدْ صَنَّفَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الهَيْثَمِ رِسالَةً بَلِيغَةً في أقْسامِ الخَلَلِ الواقِعِ في آلاتِ الرَّصْدِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِ الإنْسانِ دَفْعُهُ وإزالَتُهُ، وإصابَتُهم في أوْقاتِ الخُسُوفِ والكُسُوفِ مَعَ ذَلِكَ الخَلَلِ لا تَسْتَدْعِي إصابَتَهم في غَيْرِها مَعَهُ. الخامِسُ: أنّا نُشاهِدُ عالَمًا كَثِيرًا يُقْتَلُونَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ في حَرْبٍ، وخَلْقًا كَثِيرًا يَغْرَقُونَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، مَعَ اخْتِلافِ طَوالِعِهِمْ واقْتِضائِها أحْوالًا مُخْتَلِفَةً عِنْدَكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ ما اعْتَبَرْتُمُوهُ أوَّلًا. فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ الطَّوالِعَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فَلَعَلَّ طالِعَ الوَقْتِ أقْوى مِن طالِعِ الأصْلِ، فَكانَ الحُكْمُ. قُلْنا: هَذا بِعَيْنِهِ يُبْطِلُ عَلَيْكُمُ اعْتِبارَ طالِعِ المَوْلُودِ، فَإنَّ الطَّوالِعَ بَعْدَهُ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ بَعْضَها أقْوى مِنهُ؛ فَلا يُفِيدُ اعْتِبارُهُ شَيْئًا. السّادِسُ: أنَّ العَقْلَ لا مَساغَ لَهُ في اقْتِضاءِ كَوْكَبٍ مُعَيَّنٍ أوْ وضْعٍ مُعِيَّنٍ تَأْثِيرًا خاصًّا، والتَّجْرِبَةُ عَلى قُصُورِها مُعارَضَةٌ بِتَجْرِبَةٍ اقْتَضَتْ خِلافَها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ. وأبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ - وإنْ زَيَّفَ ما هم عَلَيْهِ - إلّا أنَّهُ يُقِرُّ بِقَبُولِ بَعْضِ الأحْكامِ، فَإنَّهُ قالَ - بَعْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها -: وهَذِهِ أقْوالٌ قالَها قائِلٌ، فَقَبِلَها قابِلٌ، ونَقَلَها ناقِلٌ، فَحَسُنَ بِها ظَنُّ السّامِعِ، واغْتَرَّ بِها مَن لا خِبْرَةَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى النَّظَرِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحَسَبِها الحاكِمُونَ بِجَيِّدٍ ورَدِيءٍ، وسَلْبٍ وإيجابٍ، وسَعْدٍ ونُحُوسٍ، فَصادَفَ بَعْضُهُ مُوافَقَةَ الوُجُودِ، فَصَدَقَ، فاغْتَرَّ بِهِ المُغْتَرُّونَ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى كَذِبٍ فِيهِ، بَلْ عَذَرُوهُ وقالُوا: هو مُنَجِّمٌ، ما هو نَبِيٌّ حَتّى يَصْدُقَ في كُلِّ ما يَقُولُ. واعْتَذَرُوا لَهُ بِأنَّ العِلْمَ أوْسَعُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ، ولَوْ أحاطَ بِهِ لَصَدَقَ في كُلِّ شَيْءٍ. ولَعَمْرُ اللَّهِ - تَعالى - إنَّهُ لَوْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا صادِقًا؛ لَصَدَقَ، والشَّأْنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، لا عَلى أنْ يَفْرِضَ فَرْضًا، ويَتَوَهَّمَ وهْمًا، فَيَنْقُلَهُ إلى الوُجُودِ، ويُثْبِتَهُ في المَوْجُودِ، ويَنْسُبَ إلَيْهِ، ويَقِيسَ عَلَيْهِ، وبِالَّذِي يَصِحُّ مِنهُ ويَلْتَفِتُ إلَيْهِ العُقَلاءُ هي أشْياءُ غَيْرُ هَذِهِ الخُرافاتِ الَّتِي لا أصَلَ لَها مِمّا حَصَلَ بِتَوْقِيفٍ أوْ تَجْرِبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كالقِراناتِ والِانْتِقالاتِ والمُقابَلَةِ، ومَمَرِّ كَوْكَبٍ مِنَ المُتَحَيِّرَةِ تَحْتَ كَوْكَبٍ مِنَ الثّابِتَةِ، وما يَعْرِضُ لِلْمُتَحَيِّرَةِ مِن رُجُوعٍ، واسْتِقامَةٍ، ورُجُوعٍ في شَمالٍ، وانْخِفاضٍ في جَنُوبٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنِّي أُرِيدُ أنْ أخْتَصِرَ الكَلامَ هاهُنا، وأُوافِقَ إشارَتَكَ، وأعْمَلَ بِحِسَبِ اخْتِيارِكَ رِسالَةً في ذَلِكَ، أذْكُرُ ما قِيلَ فِيها مِن عِلْمِ أحْكامِ النُّجُومِ، مِن أُصُولٍ حَقِيقِيَّةٍ أوْ مَجازِيَّةٍ، أوْ وهْمِيَّةٍ أوْ غَلَطِيَّةٍ، وفُرُوعِ نَتائِجَ أُنْتِجَتْ عَنْ تِلْكَ الأُصُولِ، وأذْكُرُ الجائِزَ مِن ذَلِكَ والمُمْتَنِعَ، والقَرِيبَ والبَعِيدَ، فَلا أرُدُّ عِلْمَ الأحْكامِ مِن كُلِّ وجْهٍ كَما رَدَّهُ مَن جَهِلَهُ، ولا أقْبَلُ فِيهِ كُلَّ قَوْلٍ كَما قَبِلَهُ مَن لَمْ يَعْقِلْهُ، بَلْ أُوَضِّحُ مَوْضِعَ القَبُولِ والرَّدِّ، ومَوْضِعَ التَّوْقِيفِ والتَّجْوِيزِ، والَّذِي مِنَ المَنجِّمِ، والَّذِي مِنَ التَّنْجِيمِ، والَّذِي مِنهُما، وأُوَضِّحُ لَكَ أنَّهُ لَوْ أمْكَنَ الإنْسانَ أنْ يُحِيطَ بِشَكْلِ كُلِّ ما في الفَلَكِ عِلْمًا؛ لَأحاطَ بِكُلِّ ما يَحْوِيهِ الفَلَكُ؛ لِأنَّ مِنهُ مَبادِئَ الأسْبابِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ، ويَبْعُدُ عَنِ الإمْكانِ بُعْدًا عَظِيمًا، والبَعْضُ المُمْكِنُ مِنهُ لا يَهْدِي إلى بَعْضِ الحُكْمِ؛ لِأنَّ البَعْضَ الآخَرَ المَجْهُولَ قَدْ يُناقِضُ المَعْلُومَ في حُكْمِهِ، ويُبْطِلُ ما يُوجِبُهُ، فَنِسْبَةُ المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ مِنَ الأحْكامِ كَنِسْبَةِ المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ مِنَ الأسْبابِ، وكَفى بِذَلِكَ بُعْدًا. انْتَهى. وفِيهِ مِنَ التَّأْيِيدِ لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْجُهِ ما فِيهِ. وأنا أقُولُ: إنَّ الإحاطَةَ بِالأسْرارِ المُودَعَةِ في الأجْرامِ لا يَبْعُدُ أنْ تَحْصُلَ لِبَعْضِ الخَواصِّ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الكَشْفِ أوْ نَحْوِهِ، دُونَ الِاسْتِدْلالِ الفِكْرِيِّ والأعْمالِ الرَّصْدِيَّةِ مَثَلًا، وهو الَّذِي صفحة 119 يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ -، قالَ في البابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ مِنَ (الفُتُوحاتِ): ومِنَ الأوْلِياءِ النُّقَباءِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا في كُلِّ زَمانٍ، لا يَزِيدُونَ ولا يَنْقُصُونَ، عَلى عَدَدِ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، كُلُّ نَقِيبٍ عالِمٌ بِخاصِّيَّةِ كُلِّ بُرْجٍ، وبِما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في مَقامِهِ مِنَ الأسْرارِ والتَّأْثِيراتِ، وما يُعْطى لِلنُّزَلاءِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ. ثُمَّ قالَ: ومِنهُمُ النُّجَباءُ، وهم ثَمانِيَةٌ في كُلِّ زَمانٍ. . . إلى أنْ قالَ: ولَهُمُ القَدَمُ الرّاسِخَةُ في عِلْمِ تَسْيِيرِ الكَواكِبِ مِن جِهَةِ الكَشْفِ والِاطِّلاعِ، لا مِن جِهَةِ الطَّرِيقَةِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ العُلَماءِ بِهَذا الشَّأْنِ. والنُّقَباءُ هُمُ الَّذِينَ حازُوا عِلْمَ الفَلَكِ التّاسِعِ، والنُّجَباءُ حازُوا عِلْمَ الثَّمانِيَةِ الأفْلاكِ الَّتِي دُونَهُ، وهي كُلُّ فَلَكٍ فِيهِ كَوْكَبٌ، ويُفْهَمُ مِن هَذا القَوْلِ بِالتَّأْثِيراتِ، وأنَّها مُفاضَةٌ مِنَ البُرْجِ عَلى النّازِلِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ. وقَدْ تَكَرَّرَتِ الإشارَةُ مِنهُ إلى ذَلِكَ، فَفي الفَصْلِ الثّالِثِ مِنَ البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةِ مِنَ (الفُتُوحاتِ) أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جَوْفِ الكُرْسِيِّ جِسْمًا شَفّافًا مُسْتَدِيرًا - يَعْنِي الفَلَكَ الأطْلَسَ - قَسَّمَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا هي البُرُوجُ، وأسْكَنَ كُلَّ بُرْجٍ مِنها مَلَكًا. . . إلى أنْ قالَ: وجَعَلَ لِكُلِّ نائِبٍ مِن هَؤُلاءِ الأمْلاكِ الِاثْنَيْ عَشَرَ في كُلِّ بُرْجٍ مَلَّكَهُ إيّاهُ ثَلاثِينَ خِزانَةً، تَحْتَوِي كُلُّ خِزانَةٍ مِنها عَلى عُلُومٍ شَتّى، يَهَبُونَ مِنها لِمَن نَزَلَ بِهِمْ ما تُعْطِيهِ مَرْتَبَتُهُ، وهي الخَزائِنُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿وإن منْ شيء إلا عندنا خزائنه وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، وهَذِهِ الخَزائِنُ تُسَمّى عِنْدَ أهْلِ التَّعالِيمِ دَرَجاتِ الفَلَكِ، والنّازِلُونَ بِها هُمُ الجَوارِي، والمَنازِلُ وعَيُّوقاتُها مِنَ الثَّوابِتِ، والعُلُومُ الحاصِلَةُ مِن هَذِهِ الخَزائِنِ الإلَهِيَّةِ هي ما يَظْهَرُ في عالَمِ الأرْكانِ مِنَ التَّأْثِيراتِ؛ بَلْ ما يَظْهَرُ في مُقَعَّرِ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ لِهَؤُلاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَظَرًا في الجِنانِ وأهْلِها وما فِيها مُخْلَصًا مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَما في الجِنانِ مِن حُكْمٍ فَهو عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ بِنُفُوسِهِمْ تَشْرِيفًا لِأهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ الدُّنْيا وأهْلُ النّارِ فَما يُباشِرُونَ ما لَهم مِنَ الحُكْمِ إلّا بِالنُّوّابِ وهُمُ النّازِلُونَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ ذَكَرْناهم. وقالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفَصْلِ الرّابِعِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ قِطْعًا في الفَلَكِ الأطْلَسِ؛ لِيَحْصُلَ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ الَّتِي في بُرُوجِهِ وبِأيْدِي مَلائِكَتِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِن عُلُومِ التَّأْثِيرِ ما تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ كُلِّ كَوْكَبٍ وجَعَلَها عَلى حَقائِقَ مُخْتَلِفَةٍ. انْتَهى المُرادُ مِنهُ. ولَهُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - كَلامٌ غَيْرُ هَذا أيْضًا، وقَدَ صَرَّحَ بِنَحْوِ ما صَرَّحَ بِهِ المُنَجِّمُونَ، مِنِ اخْتِلافِ طَبائِعِ البُرُوجِ، وأنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ في المِزاجِ، وأنا لا أزِيدُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لِلْأجْرامِ العُلْوِيَّةِ -كَواكِبِها وأفْلاكِها- أسْرارًا وحِكَمًا وتَأْثِيراتٍ غَيْرَ ذاتِيَّةٍ، بَلْ مُفاضَةٍ عَلَيْها مِن جانِبِ الحَقِّ والفَيّاضِ المُطْلَقِ - جَلَّ شَأْنُهُ، وعَظُمَ سُلْطانُهُ - ومِنها ما هو عَلامَةٌ لِما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَتِمُّ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ ما ذُكِرَ ولا يُعْلَمُ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ ولا كَيْفِيَّتُهُ، ولا أنَّ تَأْثِيرَ كَذا مِن كَوْكَبِ كَذا أوْ كَوْكَبِ كَذا عَلامَةٌ لِكَذا في نَفْسِ الأمْرِ إلّا اللَّهُ تَعالى العَلِيمُ البَصِيرُ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ خَواصِّ عِبادِهِ مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُطْلِعَ - سُبْحانَهُ - البَعْضَ عَلى الكُلِّ، ووُقُوعُ ذَلِكَ لِنَبِيِّنا ﷺ مِمّا لا أكادُ أشُكُّ فِيهِ. وقَدْ نَصَّ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ - قُدِّسَتْ أسْرارُهم، وأشْرَقَتْ عَلَيْنا أنْوارُهم - عَلى أنَّ عُلُومَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّتِي وُهِبَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ أوْجَبَ عَلَيْهِ إظْهارَهُ وتَبْلِيغَهُ، وهو عِلْمُ الشَّرِيعَةِ والتَّكالِيفِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ناظِرٌ إلى ذَلِكَ دُونَ العُمُومِ صفحة 120 المُطْلَقِ، أوْ خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - كَما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ. ونَوْعٌ أوْجَبَ عَلَيْهِ كِتْمانَهُ، وهو عِلْمُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لا تَتَحَمَّلُها قُوَّةٌ غَيْرَ قُوَّتِهِ القُدْسِيَّةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَكَما أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِلْمًا اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ كَذَلِكَ لِحَبِيبِهِ الأعْظَمِ ﷺ عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ بَعْدَ رَبِّهِ - سُبْحانَهُ - لَكِنَّهُ مُفاضٌ مِنهُ - تَعالى - عَلَيْهِ، ولَعَلَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ وقَدْ يَكُونُ بَيْنَ المُحِبِّ والمَحْبُوبِ مِنَ الأسْرارِ ما يُضَنُّ بِهِ عَلى الأغْيارِ، ومِن هُنا قِيلَ: ومُسْتَخْبِرٍ عَنْ سِرِّ لَيْلى تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِعَمْياءَ مِن لَيْلى بِغَيْرِ يَقِينِ يَقُولُونَ: خَبِّرْنا؛ فَأنْتَ أمِينُها ∗∗∗ وما أنا إنْ خَبَّرْتُهم بِأمِينِ ونَوْعٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا مِنهُ ما أظْهَرَهُ لِمَن رَآهُ أهْلًا لَهُ، ومِنهُ ما لَمْ يُظْهِرْهُ لِأمْرٍ ما، فَلَعَلَّ ما وُهِبَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ العِلْمِ بِدَقائِقِ أسْرارِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وحِكَمِها وما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِها مِمّا لَمْ يُظْهِرْهُ لِلنّاسِ كَعِلْمِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لا يُضْبَطُ بِقاعِدَةٍ، وتَفْصِيلُ الأمْرِ فِيهِ لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ، والبَعْضُ مُرْتَبِطٌ بِالبَعْضِ، ومَعَ هَذا لا يَسْتَطِيعُ العالِمُ بِهِ أنْ يُحَمِّلَ الإقامَةَ سَفَرًا، ولا الهَزِيمَةَ ظَفَرًا، ولا العَقْدَ فَلًّا، ولا الإبْرامَ نَقْضًا، ولا اليَأْسَ رَجاءً، ولا العَدُوَّ صَدِيقًا، ولا البَعِيدَ قَرِيبًا، ولا. . ولا. . . ويُوشِكُ لَوِ انْتَشَرَ أمْرُهُ، وظَهَرَ حُلْوُهُ ومُرُّهُ؛ أنْ يَضْعُفَ تَوَكُّلُ كَثِيرٍ مِنَ العَوامِّ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ إلَيْهِ، والرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ، وأنْ يَلْهُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ويَنْبِذُوا ما سِواهُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ لِأجْلِهِ، فَكُلٌّ يَتَمَنّى أنْ يَعْلَمَ الغَيْبَ، ويَطَّلِعَ عَلَيْهِ، ويُدْرِكَ ما يَكُونُ في غَدٍ، أوْ يَجِدَ سَبِيلًا إلَيْهِ، بَلْ رُبَّما يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِبَعْضِ الأشْخاصِ مُفْضِيًا إلى الِاعْتِقادِ القَبِيحِ والشِّرْكِ الصَّرِيحِ، وقَدْ كانَ في العَرَبِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَلَوْ فُتِحَ هَذا البابُ؛ لاتَّسَعَ الخَرْقُ، وعَظُمَ الشَّرُّ. وقَدْ تَرَكَ ﷺ هَدْمَ الكَعْبَةِ وتَأْسِيسَها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِنَحْوِ هَذِهِ المُلاحَظَةِ. فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: ”لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ وأسَّسْتُها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ“» ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ ذَلِكَ وعِلْمُ النّاسِ بِهِ سَبَبًا لِتَعَطُّلِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ومُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ فَأوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ كَتْمَهُ وتَرْكَ تَعْلِيمِهِ كَما عَلِمَ الشَّرائِعَ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ ﷺ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِنَ العُلُومِ الوَهْبِيَّةِ الَّتِي يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأنَّ مَن وهَبَ سُبْحانَهُ لَهُ مِن أُمَّتِهِ قُوَّةً قُدْسِيَّةً يَهَبُ سُبْحانَهُ لَهُ ما تَتَحَمَّلُهُ قُوَّتُهُ مِنهُ، وقَدْ سَمِعْتَ ما سَمِعْتَ في النُّقَباءِ والنُّجَباءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلَّمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَلِكَ أمْثالَهم ومَن هو أعْلى قَدَرا مِنهم كالأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ التَّعْلِيمِ ومِنها الإفاضَةُ الَّتِي يَذْكُرُها بَعْضُ أهْلِ الطَّرائِقِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ سِرَّ البِعْثَةِ إنَّما هو إرْشادُ الخَلْقِ إلى ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، ولَيْسَ في مَعْرِفَةِ التَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ والحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ قُرْبٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في دَعْوَةِ الخَلْقِ وإرْشادِهِمْ إلى ما يُقَرِّبُهم لَدَيْهِ سُبْحانَهُ ويَنْفَعُهم يَوْمَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ النُّجُومِ في أُمُورِ دِياناتِهِمْ كَمَعْرِفَةِ القِبْلَةِ وأوْقاتِ العِباداتِ قَدْ أرْشَدَ إلَيْهِ مَن أرْشَدَ مِنهُمْ، وتَرَكَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ في أُمُورِ دُنْياهم كالزِّراعَةِ إلى عاداتِهِمْ وما جَرَّبَهُ كُلُّ قَوْمٍ في أماكِنِهِمْ، وأشارَ إشارَةً إجْمالِيَّةً إلى بَعْضِ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ لِبَعْضِ الكَواكِبِ في بَعْضِ أحْوالِها كَما في حَدِيثِ صفحة 121 الكُسُوفِ والخُسُوفِ السّابِقِ، وأرْشَدَهم إلى ما يَنْفَعُهم إذا ظَهَرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويَتَضَمَّنُ الإشارَةَ الإجْمالِيَّةَ أيْضًا أمْرُهُ تَعالى بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ القَمَرِ في بَعْضِ حالاتِهِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ ﴿من شر ما خلق﴾ ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ عَلى ما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويَقْرُبُ في بَعْضِ الوُجُوهِ مِن شَأْنِهِ ﷺ شَأْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أمْرِ النَّباتاتِ ونَحْوِها فَبَيَّنَ لَهم ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِن ذَلِكَ، وأشارَ إلى مَنفَعَةِ بَعْضِ الأشْياءِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، ولَمْ يُفَصِّلِ القَوْلَ في الخَواصِّ، وتَرَكَ النّاسَ فِيما يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ مِمّا هو حَلالٌ عَلى عاداتِهِمْ إلّا أنَّهُ قالَ: ”كلوا واشربوا ولا تسرفوا“ . نَعَمْ؛ نَهى ﷺ عَنِ الخَوْضِ في عِلْمِ النُّجُومِ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ بِواسِطَةِ الأوْضاعِ المُتَوَقِّفِ - بِزَعْمِ المُنَجِّمِينَ - عَلى مَعْرِفَةِ الطَّبائِعِ سَدًّا لِبابِ الشَّرِّ والوُقُوعِ في الباطِلِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ لَيْسَتْ كَسْبِيَّةً كَمَعْرِفَةِ خَواصِّ النَّباتاتِ ونَحْوِها، والمَعْرِفَةُ الكَسْبِيَّةُ الَّتِي يَزْعُمُها المُنَجِّمُونَ لَيْسَتْ بِمَعْرِفَةٍ؛ وإنَّما هي ظُنُونٌ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها كَما تَقَدَّمَ وصَرَّحَ بِهِ أرَسْطالِيسُ أيْضًا؛ فَإنَّهُ قالَ في أوَّلِ كِتابِهِ السَّماعِ الطَّبِيعِيِّ: إنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اليَقِينِ بِمَعْرِفَةِ تَأْثِيرِ الكَواكِبِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَطْلَيْمُوسَ، وكَوْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ هو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ وعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ «”مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ“». وأمّا الخَوْضُ في عِلْمِ النُّجُومِ لِتَحْصِيلِ ما يُعْرَفُ بِهِ أوْقاتُ الصَّلَواتِ وجِهَةُ القِبْلَةِ وكَمْ مَضى مِنَ اللَّيْلِ أوِ النَّهارِ وكَمْ بَقِيَ وأوائِلُ الشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ - فِيما أرى - ما يُعْرَفُ بِهِ وقْتُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ فَغَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ؛ بَلِ العِلْمُ المُؤَدِّي لِبَعْضِ ما ذُكِرَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، بَلْ إنْ كانَ عِلْمُ النُّجُومِ عِبارَةً عَنِ العِلْمِ الباحِثِ عَنِ النُّجُومِ بِاعْتِبارِ ما يَعْرِضُ لَها مِنَ المُقارَنَةِ والمُقابَلَةِ والتَّثْلِيثِ والتَّسْدِيسِ، وكَيْفِيَّةِ سَيْرِها ومِقْدارِ حَرَكاتِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُبْحَثُ عَنْهُ في الزِّيجِ، أوْ كانَ عِبارَةً عَمّا يَعُمُّ ذَلِكَ، والعِلْمُ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ ارْتِفاعِ الكَوْكَبِ وانْخِفاضِهِ ومَعْرِفَةِ الماضِي مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ومَعْرِفَةِ الأطْوالِ والأعْراضِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ عِلْمُ الأسْطُرْلابِ والرُّبْعِ المُجِيبِ ونَحْوِهِما، فَهو مِمّا لا أرى بَأْسًا في تَعَلُّمِهِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ العِلْمِ الباحِثِ عَنْ أحْكامِها وتَأْثِيراتِها الَّتِي تَقْتَضِيها بِاعْتِبارِ أوْضاعِها وطَبائِعِها عَلى ما يَزْعُمُهُ الأحْكامِيُّونَ فَهَذا الَّذِي اخْتُلِفَ في أمْرِهِ؛ فَقالَ بَعْضُهم بِحُرْمَةِ تَعَلُّمِهِ لِحَدِيثِ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ السّابِقِ، والقائِلُ بِهَذا قائِلٌ بِحُرْمَةِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ، وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ فِيها الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ، ثانِيها أنَّهُ مَكْرُوهٌ، ثالِثُها أنَّهُ مُباحٌ، رابِعُها أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، خامِسُها أنَّهُ كَفْرٌ. والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ؛ ولِأنَّ فِيهِ تَرْوِيجَ الباطِلِ وتَعْرِيضَ الجَهَلَةِ لِاعْتِقادِ أنَّ أحْكامَ النُّجُومِ المَعْرُوفَةِ بَيْنَ أهْلِها حَقٌّ، والكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها، وقِيلَ: يَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ لِأنَّهُ مَنسُوخٌ، فَقَدْ قالَ الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ: كانَ عِلْمُ النُّجُومِ عِلْمًا نَبَوِيًّا فَنُسِخَ. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَسْخِ العِلْمِ نَفْسِهِ، وإنْ حُمِلَ الكَلامُ عَلى مَعْنى: ”كانَ تَعَلُّمُهُ مُباحًا فَنُسِخَ ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ“ كانَ في الِاسْتِدْلالِ مُصادَرَةٌ! وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حُرْمَةَ في تَعَلُّمِهِ؛ إنَّما الحُرْمَةُ في اعْتِقادِ صِحَّةِ الأحْكامِ وتَأْثِيراتِ الكَواكِبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقُولُهُ جَهَلَةُ الأحْكامِيِّينَ لا مُطْلَقًا، وأُجِيبَ عَنِ الخَبَرِ السّابِقِ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَلُّمِ شَيْءٍ مِن عِلْمِ النُّجُومِ عَلى وجْهِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ - اقْتَبَسَ- وذَلِكَ لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِقادِ صِحَّةِ حُكْمِهِ وأنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّراتٌ، وتَعَلُّمُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ حَرامٌ وبِدُونِهِ مُباحٌ وفِيهِ بَحْثٌ. وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ الخَبَرَ فِيمَنِ ادَّعى عِلْمًا بِحُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ آخِذًا لَهُ مِنَ النُّجُومِ قائِلًا: الأمْرُ كَذا ولا بُدَّ لِأنَّ النَّجْمَ يَقْتَضِيهِ البَتَّةَ وهو لا شَكَّ في إثْمِهِ وحُرْمَةِ دَعْواهُ الَّتِي قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى كَذِبِها وهو كَما تَرى، وكَلامُ بَعْضِ صفحة 122 أجِلَّةِ العُلَماءِ صَرِيحٌ في إباحَةِ تَعَلُّمِهِ مَتى اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى العادَةَ بِوُقُوعِ كَذا عِنْدَ حُلُولِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ مَنزِلَةَ كَذا مَثَلًا مَعَ جَوازِ التَّخَلُّفِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ حُرْمَةَ التَّعَلُّمِ مُطْلَقًا مَتى كانَ فِيهِ إغْراءُ الجَهَلَةِ بِذَلِكَ العِلْمِ وإيقاعُهم في مَحْذُورِ اعْتِقادِ التَّأْثِيرِ، أوْ كانَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ، وكَراهَتُهُ - إنْ سَلِمَ مِن ذَلِكَ - لِما فِيهِ مِن تَضْيِيعِ الأوْقاتِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ، ومَبْناهُ ظُنُونٌ وأوْهامٌ وتَخَيُّلاتٌ، ولا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّهُ يُباحُ لِلْعالَمِ الرّاسِخِ النَّظَرُ في كُتُبِهِ لِلِاطِّلاعِ عَلى ما قالُوا والوُقُوفِ عَلى مُناقَضاتِهِمْ واخْتِلافاتِهِمُ الَّتِي سَمِعْتَ بَعْضًا مِنها لِيُنَفِّرَ عَنْها النّاسَ ويَرُدَّ العاكِفِينَ عَلَيْها، كَما يُباحُ لَهُ النَّظَرُ في كُتُبِ سائِرِ أهْلِ الباطِلِ كاليَهُودِ والنَّصارى لِذَلِكَ؛ بَلْ لَوْ قِيلَ بِسُنِّيَّتِهِ لِهَذا الغَرَضِ لَمْ يَبْعُدْ؛ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ الصّالِحَ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ شَيْءٍ مِنهُ بِسِوى ذَمِّهِ وذَمِّ أهْلِهِ، ولَمْ يَتَطَلَّبُوا كِتابًا مِن كُتُبِهِ لِيَنْظُرُوا فِيهِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ النَّظَرُ، ونِسْبَةُ خِلافِ ذَلِكَ إلى أحَدٍ مِنهم لا تَصِحُّ فالحَزْمُ اتِّباعُهم في ذَلِكَ وسُلُوكُ مَسْلَكِهِمْ فَهو لَعَمْرِي أقُومُ المَسالِكِ، وهَذا واعْتُرِضَ القَوْلُ بِاطِّلاعِهِ ﷺ عَلى ما ذُكِرَ مِن شَأْنِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ بِأنَّ فِيهِ فَتْحَ بابِ الشُّبْهَةِ في كَوْنِ إخْبارِهِ ﷺ بِالغُيُوبِ مِنَ الوَحْيِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مِن أحْكامِ النُّجُومِ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّبْهَةَ إنَّما تَتَأتّى لَوْ ثَبَتَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَصَدَ - ولَوْ مَرَّةً - كَوْكَبًا مِنَ الكَواكِبِ وحَقَّقَ مَنزِلَتَهُ وأخْبَرَ بِغَيْبٍ إذْ مُجَرَّدُ العِلْمِ بِأنَّ لِكَوْكَبِ كَذا حُكْمَ كَذا إذا حَلَّ بِمَنزِلَةِ كَذا لا يُقَيَّدُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ أنَّهُ حَلَّ في تِلْكَ المَنزِلَةِ، فَحَيْثُ لَمْ يُثْبِتُ أنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لا يَفْتَحُ بابَ الشُّبْهَةِ وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وبِأنَّ عِلْمَهُ ﷺ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأوْضاعُ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ لَيْسَ إلّا عَنْ وحْيٍ فَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى تِلْكَ الشُّبْهَةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ بِالغَيْبِ بِواسِطَةِ عِلْمِ أحْكامِ النُّجُومِ الَّذِي عَلِمَهُ بِالوَحْيِ وأيُّ خَلَلٍ يَحْصُلُ مِن هَذا في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَلْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ تَسْتَدْعِي كَوْنَهُ نَبِيًّا كَما أنَّ عَدَمَها كَذَلِكَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَتى سُلِّمَ أنَّ لِلْأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ دَلالَةً عَلى الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ وأنَّهُ ﷺ يَعْلَمُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ يَقَعُ الِاشْتِباهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن عُلَماءِ ذَلِكَ العِلْمِ المُخْبِرِينَ بِالغَيْبِ إذا وقَعَ كَما أخْبَرُوا، والتَّفْرِقَةُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ دُونَ الغَيْرِ فَرْعُ كَوْنِهِ نَبِيًّا وهو أوَّلُ المَسْألَةِ، واخْتِيرَ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ ﷺ بِالغَيْبِ إنْ كانَ بَعْدَ ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزٍ غَيْرِ ذَلِكَ لا تَتَأتّى الشُّبْهَةُ إنْ أفْهَمَ أنَّ خَبَرَهُ بِواسِطَةِ الوَحْيِ، ولا تَضِرُّ إنْ لَمْ يُفْهِمْ؛ إذْ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ نَبِيٌّ لِظُهُورِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ قَبْلَ أنْ أخْبَرَ بِغَيْبٍ بِواسِطَةِ وضْعٍ فَلَكِيٍّ وشارَكَهُ غَيْرُهُ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ قَبْلَ ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزٍ غَيْرَهُ بِأنْ كانَ التَّحَدِّي بِذَلِكَ الخَبَرِ ووُقُوعِ ما أخْبَرَ بِهِ فالَّذِي يُدْفَعُ الشُّبْهَةَ حِينَئِذٍ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى المُعارَضَةِ، فَلا يَسْتَطِيعُ مُنَجِّمٌ أنْ يُخْبِرَ صادِقًا بِمِثْلِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ بِالأوْضاعِ ومُقْتَضَياتِها فَتَدَبَّرْ! ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في النُّقَباءِ والنُّجَباءِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - اطِّلاعًا عَلى ذَلِكَ إذْ رُتْبَةُ النَّبِيِّ فَوْقَ رُتْبَةِ الوَلِيِّ وعِلْمُهُ فَوْقَ عِلْمِهِ إذْ هو الرَّكْنُ الأعْظَمُ في الفَضْلِ. ولا حُجَّةَ في قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى خِلافِهِ، أمّا عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ وأنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ نَبِيٍّ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِعِلْمٍ أُوتِيَهُ بِلا واسِطَةِ نَبِيٍّ فَلِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى فِقْدانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العِلْمَ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وعِلْمِ الخَضِرِ بِها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الخَضِرُ أعْلَمَ مِنهُ مُطْلَقًا، وهو ظاهِرٌ، وعَلى هَذا جُوِّزَ إبْقاءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها فَيَكُونُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَظَرَ في النُّجُومِ حَسَبَما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ المَلَكُوتِ الأعْلى صفحة 123 واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ سَيَسْقَمُ بِما اسْتَدَلَّ، ولَعَلَّ نَظَرَهُ كانَ في طالِعِ الوَقْتِ أوْ نَحْوِهِ أوْ طالِعِ وِلادَتِهِ أوْ طالِعِ سُقُوطِ النُّطْفَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنها، والعِلْمُ بِهِ بِالوَحْيِ أوْ بِواسِطَةِ العِلْمِ بِطالِعِ الوِلادَةِ، والِاعْتِراضُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقْوِيَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ في أمْرِ النُّجُومِ - وارِدٌ أيْضًا عَلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى التَّعْرِيضِ، والجَوابُ هو الجَوابُ، هَذا وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِجَمِيعِ ما ذَكَرْتُ لَكَ في هَذا المَقامِ، فَأحْسِنِ التَّأمُّلَ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ! وقَدْ جَمَعْتُ لَكَ ما لَمْ أعْلَمْ أنَّهُ جُمِعَ في تَفْسِيرٍ، ولا أُبَرِّئُ نَفْسِي عَنِ الخَطَأِ والسَّهْوِ والتَّقْصِيرِ واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ.

الصافات 37:90

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ أعْرَضُوا وتَرَكُوا قُرْبَهُ، والمُرادُ أنَّهم ذَهَبُوا إلى مَعِيدِهِمْ وتَرَكُوهُ، ”ومدبرين“ إمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ حالٌ مُقَيِّدَةٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِـ”سَقِيمٌ“ مَطْعُونٌ أوْ أنَّهم تَوَهَّمُوا مَرَضًا لَهُ عَدْوى، مَرَضَ الطّاعُونِ أوْ غَيْرَهُ، فَإنَّ المَرَضَ الَّذِي لَهُ عَدْوى - بِزَعْمِ الأطِبّاءِ - لا يَخْتَصُّ بِمَرَضِ الطّاعُونِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأعْرَضُوا عَنْهُ هارِبِينَ مَخافَةَ العَدْوى

الصافات 37:91

﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ فَذَهَبَ بِخُفْيَةٍ إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها، وأصْلُ الرَّوَغانِ مَيْلُ الشَّخْصِ في جانِبٍ لِيَخْدَعَ مَن خَلْفَهُ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ المُناسِبُ هُنا ﴿فَقالَ﴾ لِلْأصْنامِ اسْتِهْزاءً ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي عِنْدَكُمْ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَضَعُونَ في أيّامِ أعْيادِهِمْ طَعامًا لَدى الأصْنامِ لِتُبَرِّكَ عَلَيْهِ، وأتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِمُعامَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم مُعامَلَتَهم ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ بِجَوابِي ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فَمالَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرْبًا﴾ مَصْدَرٌ لِـ”راغَ عَلَيْهِمْ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ مِنهُ ضَرْبُهُمْ، أوْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو مَعَ فاعِلِهِ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، أوْ هو حالٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ ضارِبًا، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِأجْلِ ضَرْبٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ”سَفْقًا“ و”صَفْقًا“ أيْضًا ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بِاليَدِ اليَمِينِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَقْيِيدُ الضَّرْبِ بِاليَمِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ وأشَدُّهُما في الغالِبِ، وقُوَّةُ الآلَةِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الفِعْلِ وقُوَّتَهُ، أوْ بِالقُوَّةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ مَجازٌ عَنْها. رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ فَيَضْرِبُها بِكَمالِ قُوَّتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ الحَلِفُ، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا إمّا لِأنَّ العادَةَ كانَتْ إذا حَلَفَ شَخْصٌ لِآخِرِ جَعَلَ يَمِينَهُ بِيَمِينِهِ فَحَلَفَ أوْ لِأنَّ الحَلِفَ يُقَوِّي الكَلامَ ويُؤَكِّدُهُ، وأُرِيدَ بِاليَمِينِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والباءُ - عَلَيْهِ - لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ضَرْبًا بِسَبَبِ اليَمِينِ الَّذِي حَلَفَهُ قَبْلُ، وهي - عَلى ما تَقَدَّمَ - لِلِاسْتِعانَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ

الصافات 37:92

﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ فَذَهَبَ بِخُفْيَةٍ إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها، وأصْلُ الرَّوَغانِ مَيْلُ الشَّخْصِ في جانِبٍ لِيَخْدَعَ مَن خَلْفَهُ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ المُناسِبُ هُنا ﴿فَقالَ﴾ لِلْأصْنامِ اسْتِهْزاءً ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي عِنْدَكُمْ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَضَعُونَ في أيّامِ أعْيادِهِمْ طَعامًا لَدى الأصْنامِ لِتُبَرِّكَ عَلَيْهِ، وأتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِمُعامَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم مُعامَلَتَهم ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ بِجَوابِي ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فَمالَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرْبًا﴾ مَصْدَرٌ لِـ”راغَ عَلَيْهِمْ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ مِنهُ ضَرْبُهُمْ، أوْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو مَعَ فاعِلِهِ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، أوْ هو حالٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ ضارِبًا، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِأجْلِ ضَرْبٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ”سَفْقًا“ و”صَفْقًا“ أيْضًا ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بِاليَدِ اليَمِينِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَقْيِيدُ الضَّرْبِ بِاليَمِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ وأشَدُّهُما في الغالِبِ، وقُوَّةُ الآلَةِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الفِعْلِ وقُوَّتَهُ، أوْ بِالقُوَّةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ مَجازٌ عَنْها. رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ فَيَضْرِبُها بِكَمالِ قُوَّتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ الحَلِفُ، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا إمّا لِأنَّ العادَةَ كانَتْ إذا حَلَفَ شَخْصٌ لِآخِرِ جَعَلَ يَمِينَهُ بِيَمِينِهِ فَحَلَفَ أوْ لِأنَّ الحَلِفَ يُقَوِّي الكَلامَ ويُؤَكِّدُهُ، وأُرِيدَ بِاليَمِينِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والباءُ - عَلَيْهِ - لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ضَرْبًا بِسَبَبِ اليَمِينِ الَّذِي حَلَفَهُ قَبْلُ، وهي - عَلى ما تَقَدَّمَ - لِلِاسْتِعانَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ

الصافات 37:93

﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ فَذَهَبَ بِخُفْيَةٍ إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها، وأصْلُ الرَّوَغانِ مَيْلُ الشَّخْصِ في جانِبٍ لِيَخْدَعَ مَن خَلْفَهُ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ المُناسِبُ هُنا ﴿فَقالَ﴾ لِلْأصْنامِ اسْتِهْزاءً ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي عِنْدَكُمْ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَضَعُونَ في أيّامِ أعْيادِهِمْ طَعامًا لَدى الأصْنامِ لِتُبَرِّكَ عَلَيْهِ، وأتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِمُعامَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم مُعامَلَتَهم ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ بِجَوابِي ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فَمالَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرْبًا﴾ مَصْدَرٌ لِـ”راغَ عَلَيْهِمْ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ مِنهُ ضَرْبُهُمْ، أوْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو مَعَ فاعِلِهِ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، أوْ هو حالٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ ضارِبًا، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِأجْلِ ضَرْبٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ”سَفْقًا“ و”صَفْقًا“ أيْضًا ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بِاليَدِ اليَمِينِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَقْيِيدُ الضَّرْبِ بِاليَمِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ وأشَدُّهُما في الغالِبِ، وقُوَّةُ الآلَةِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الفِعْلِ وقُوَّتَهُ، أوْ بِالقُوَّةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ مَجازٌ عَنْها. رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ فَيَضْرِبُها بِكَمالِ قُوَّتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ الحَلِفُ، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا إمّا لِأنَّ العادَةَ كانَتْ إذا حَلَفَ شَخْصٌ لِآخِرِ جَعَلَ يَمِينَهُ بِيَمِينِهِ فَحَلَفَ أوْ لِأنَّ الحَلِفَ يُقَوِّي الكَلامَ ويُؤَكِّدُهُ، وأُرِيدَ بِاليَمِينِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والباءُ - عَلَيْهِ - لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ضَرْبًا بِسَبَبِ اليَمِينِ الَّذِي حَلَفَهُ قَبْلُ، وهي - عَلى ما تَقَدَّمَ - لِلِاسْتِعانَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ

الصافات 37:94

﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ أيْ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ وقَوْلِهِمْ ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾، ﴿يَزِفُّونَ﴾ حالٌ مِن واوِ ”أقْبَلُوا“ أيْ يُسْرِعُونَ مَن زَفَّ النَّعامُ أسْرَعَ لِخَلْطِهِ الطَّيَرانَ بِالمَشْيِ ومَصْدَرُهُ الزَّفُّ والزَّفِيفُ، وقِيلَ ﴿يَزِفُّونَ﴾ أيْ يَمْشُونَ عَلى تُؤَدَةٍ ومَهَلٍ مِن زِفافِ العَرُوسِ إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أصْنامَهم بِشَيْءٍ لِعِزَّتِها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ دَخَلَ في الزَّفِيفِ فالهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ حَمَلَ غَيْرَهُ عَلى الزَّفِيفِ فَهي لَها قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ والضَّحّاكُ صفحة 124 ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِي وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”يَزِفُونَ“ مُضارِعُ وزَفَ بِمَعْنى أسْرَعَ، قالَ الكِسائِيُّ والفِراءُ: لا نَعْرِفُ وزَفَ بِمَعْنى زَفَّ، وقَدْ أثْبَتَهُ الثِّقاتُ فَلا يَضُرُّ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِما. وقُرِئَ ”يُزَفُّونَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ ”يَزْفُونَ“ بِسُكُونِ الزّايِ مِن زَفاهُ إذا حَداهُ كَأنَّ بَعْضَهم يَزْفُو بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ

الصافات 37:95

﴿”قال“﴾ بَعْدَ أنْ أتَوْا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَرى ما جَرى مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أيِ الَّذِي تَنْحِتُونَهُ مِنَ الأصْنامِ فَـ”ما“ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها وهو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً أيْ أتَعْبُدُونَ نَحْتَكَمُ، وتَوْبِيخُهم عَلى عِبادَةِ النَّحْتِ مَعَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهي لَيْسَتْ نَفْسَ النَّحْتِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا النَّحْتَ؛ لِأنَّ الأصْنامَ قَبْلَهُ حِجارَةٌ ولَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَها وإنَّما عَبَدُوها بَعْدَ أنْ نَحَتُوها، فَفي الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا إلّا نَحْتَهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ. ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تعبدون“ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والِاحْتِجاجِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي تِلْكَ العِبادَةُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها أيْضًا أيْ خَلَقَكم وخَلَقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ أيْ مِنَ الأصْنامِ كَما هو الظّاهِرُ، وهي عِبارَةٌ عَنْ مَوادَّ، وهي الجَواهِرُ الحَجَرِيَّةُ، وصُوَرٍ حَصَلَتْ لَها بِالنَّحْتِ، وكَوْنُ المَوادِّ مَخْلُوقَةً لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ظاهِرٌ، وكَوْنُ الصُّوَرِ والأشْكالِ كَذَلِكَ مَعَ أنَّها بِفِعْلِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ الإقْدارَ عَلى الفِعْلِ وخَلْقِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي والأسْبابِ مِنهُ تَعالى، وكَوْنُ الأصْنامِ - وهي ما سَمِعْتَ - مَعْمُولَةً لَهم بِاعْتِبارِ جُزْئِها الصُّورِيِّ، فَهو - مَعَ كَوْنِهِ مَعْمُولًا لَهم - مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ فَلا إشْكالَ. وفِي المُتِمَّةِ لِلْمَسْألَةِ المُهِمَّةِ تَأْلِيفِ الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صَرِيحُ الكَلامِ دالٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْأصْنامِ بِجَمِيعِ أجْزائِها الَّتِي مِنها الأشْكالُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأشْكالَ إنَّما حَصَلَتْ بِتَشْكِيلِهِمْ فَتَكُونُ الأشْكالُ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى مَعْمُولَةً لَهم لِكَوْنِ نَحْتِهم وتَشْكِيلِهِمْ عَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأشْكالَ بِهِمْ. ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ لا قُوَّةَ لَهُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى بِالنَّصِّ، ومَن لا قُوَّةَ لَهُ إلّا بِغَيْرِهِ فالقُوَّةُ لِذَلِكَ الغَيْرِ لا لَهُ فَلا قُوَّةَ - حَقِيقَةً - إلّا لِلَّهِ تَعالى، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا فِعْلَ لِلْعَبْدِ إلّا بِقُوَّةٍ، فَلا فِعْلَ لَهُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، فَلا فِعْلَ - حَقِيقَةً - إلّا لِلَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ. كانَ النَّحْتُ والتَّشْكِيلُ عَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الأشْكالَ بِهِمْ وفِيهِمْ بِالذّاتِ، وغَيْرِهِ بِالِاعْتِبارِ، فَيَكُونُ المَعْمُولُ عَيْنَ المَخْلُوقِ بِالذّاتِ وغَيْرِهِ بِالِاعْتِبارِ فَإنَّ إيجادَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الفِعْلِ مِن حَيْثُ هُوَ، وفِعْلُ العَبْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً أوْ مُباحًا، لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا واللَّهُ تَعالى لَهُ الإطْلاقُ ولا حاكِمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ انْتَهى. فافْهَمْ. والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ أيْضًا ”ما“ مَوْصُولَةً إلّا أنَّهُ جَعَلَ المَخْلُوقَ لَهُ تَعالى هو الجَواهِرَ ومَعْمُولَهم هو الشَّكْلَ والصُّورَةَ؛ إمّا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وما تَعْمَلُونَ شَكْلَهُ وصُورَتَهُ، وإمّا عَلى أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ ذَلِكَ، فَإنَّهم يَقُولُونَ عَمَلَ النَّجّارِ البابَ والصّائِغُ الخَلْخالَ والبَنّاءُ البِناءَ، ولا يَعْنُونَ إلّا عَمَلَ الشَّكْلِ بِدُونِ تَقْدِيرِ شَكْلٍ في النَّظْمِ، كَأنَّ تَعَلُّقَ العَمَلِ بِالشَّيْءِ هو هَذا التَّعَلُّقُ لا تَعَلُّقُ التَّكْوِينِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِهِ الفاسِدِ مِن أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ، والِاحْتِجاجُ في الآيَةِ عَلى الأوَّلِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ العابِدَ والمَعْبُودَ مادَّةً وصُورَةً، فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقَ المَخْلُوقُ؟ وعَلى الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ العابِدَ ومادَّةَ المَعْبُودِ فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقَ المَخْلُوقُ عَلى أنَّ العابِدَ مِنهُما هو الَّذِي عَمِلَ صُورَةَ المَعْبُودِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ أوْ صفحة 125 الإتْيانِ بِهِ دُونَ ”ما تَعْمَلُونَ“ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَخْلُوقِيَّةِ الأصْنامِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ مِن حَيْثُ نَحْتُهم لَها فَقَطْ؛ بَلْ مِن حَيْثُ سائِرُ أعْمالِهِمْ أيْضًا مِنَ التَّصْوِيرِ والتَّحْلِيَةِ والتَّزْيِينِ. وفي الكَشْفِ فائِدَةُ العُدُولِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَأْثِيرَهم فِيها لَيْسَ النَّحْتَ، ثُمَّ العَمَلُ يَقَعُ عَلى النَّحْتِ والأثَرِ الحاصِلِ مِنهُ ولا يَقَعُ النَّحْتُ عَلى الثّانِي، فَلا بُدَّ مِنَ العُدُولِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، وبِهِ يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ، أيِ الَّذِي قِيلَ عَلى اعْتِبارِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عامًّا لِلْأصْنامِ وغَيْرِها، وتَدْخُلُ أوَّلِيًّا، ولا يَتَأتّى عَلَيْهِ حَدِيثُ العُدُولِ. وقِيلَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ المَفْعُولِ لِيُطابِقَ ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ فِيهِ ويَتَّحِدُ المَعْنى مَعَ ما تَقَدَّمَ عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِيَّةِ، وجُوِّزَ بَقاءُ المَصْدَرِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ، والمُرادُ بِهِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ - أعْنِي الأثَرَ - وكَثِيرًا ما يُرادُ بِهِ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّأْثِيرِ والإيقاعِ أيْ: خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم. واحْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ العابِدَ والمَعْبُودَ جَمِيعًا خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقُ مَخْلُوقًا؟ ولَوْ قِيلَ: إنَّ العابِدَ وعَمَلَهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَفاتَ المُلاءَمَةُ والِاحْتِجاجُ، ولِأنَّ ”ما“ في الأوَّلِ مَوْصُولَةٌ فَهي في الثّانِي كَذَلِكَ؛ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، وما قالَهُ القاضِي البَيْضاوِيُّ مِن أنَّهُ لا يَفُوتُ الِاحْتِجاجُ بَلْ إنَّهُ أبْلَغُ فِيهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم إذا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ مَفْعُولُهُمُ المُتَوَقِّفُ عَلى فِعْلِهِمْ أوْلى بِذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأُسْلُوبَ يَصِيرُ مِن بابِ الكِنايَةِ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، ولا فائِدَةَ في العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إلّا هَذا، فَيَجِبُ صَوْنًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنِ العَبَثِ. تَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُتِمُّ لِأنَّ المُلازَمَةَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَ القَوْمِ؛ ألّا تَرى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ العَبْدَ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى؟ ثُمَّ المُتَوَقِّفُ عَلَيْهِما - وهو الفِعْلُ - يَجْعَلُونَهُ خَلْقَ العَبْدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ يُفِيدُ التَّوَقُّفَ عَلَيْهِ تَعالى وهم لا يُنْكِرُونَهُ إنَّما الكَلامُ في الإيجادِ والإحْداثِ ثُمَّ قالَ: وأظْهَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: لِأنَّ المَعْمُولَ مِن حَيْثُ المادَّةُ كانُوا لا يُنْكِرُونَ أنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: هو مِن حَيْثُ الصُّورَةُ أيْضًا خَلَقَهُ فَهو مَخْلُوقٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ مِثْلُكم مِن غَيْرِ فَرْقٍ فَلِمَ تُسَوُّونَهُ بِالخالِقِ؟ وما ازْدادَ بِفِعْلِكم إلّا بُعْدَ اسْتِحْقاقٍ عَنِ العِبادَةِ، ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى في تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كانَ هَذا البِناءُ مُتَداعِيًا كَيْفَما قَرَّرَ، عَلى أنَّ فائِدَةَ العُدُولِ قَدِ اتَّضَحَتْ حَقَّ الوُضُوحِ فَبَطَلَ الحَصْرُ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُرادَ بِالفِعْلِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ بِالمَعْنى الآخَرِ - أعْنِي الإيقاعَ - مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهُمْ، وتَوَقُّفُ الحاصِلِ بِالإيقاعِ عَلى قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ تَوَقُّفٌ بَعِيدٌ بِخِلافِ تَوَقُّفِهِ عَلى الإيقاعِ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ؛ فَيَكُونُ ما ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ السَّنَدِ مُجْتَمِعًا مَعَ المُقَدِّمَةِ المَمْنُوعَةِ فَلا يَصْلُحُ لِلسَّنْدِيَّةِ، والمُرادُ بِمَفْعُولِهِمْ أشْكالَ الأصْنامِ المُتَوَقِّفُ عَلى ذَلِكَ المَعْنى القائِمِ بِهِمْ. إذا كانَ ذاكَ بِخَلْقِهِ تَعالى فَلَأنْ يَكُونَ الَّذِي لا يَقُومُ بِهِمْ بَلْ بِما يُبايِنُهم بِخَلْقِهِ تَعالى أوْلى. ولا مَجالَ لِلْخَصْمِ أنَّ يَمْنَعَ هَذِهِ المُلازَمَةَ إذْ قَدْ أثْبَتَ خَلْقَ المُتَوَلِّداتِ مُطْلَقًا لِلْعِبادِ بِواسِطَةِ خَلْقِهِمْ لِما يَقُومُ بِهِمْ، وانْتِفاءُ الأوَّلِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءٍ الثّانِي. فَتَأمَّلْ، وقالَ في التَّقْرِيبِ انْتِصارًا لِمَن قالَ بِالمَصْدَرِيَّةِ: إنَّ الجَواهِرَ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى وِفاقًا، والأعْمالَ مَخْلُوقَةٌ أيْضًا لِعُمُومِ الآيَةِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الخَلْقِ؟ فَدَعْوى فَواتِ الِاحْتِجاجِ باطِلَةٌ وكَذَلِكَ فَكُّ النَّظْمِ والتَّبْتِيرِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ أيْضًا فَقالَ فِيهِ: إنَّ المُقَدِّمَةَ الوِفاقِيَّةَ إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنها ولَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً مِن هَذا السِّياقِ يَلْزَمُ فَواتُ الِاحْتِجاجِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى التَّغْلِيبِ في الخِطابِ فَتَوْجِيهٌ لا تَرْجِيحٌ، والكَلامُ في الثّانِي. ثُمَّ قالَ: وأمّا أنَّ المَصْدَرِيَّةَ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ فَمُعارَضٌ بِأنَّ المَوْصُولَةَ أكْثَرُ صفحة 126 اسْتِعْمالًا وهي أنْسَبُ بِالسِّياقِ السّابِقِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ عَمَلِهِمْ في المَنحُوتِ فَيَزْدادُ الحَذْفُ. واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الأكْثَرِيَّةَ، وكَذا لا نُسَلِّمُ أنَّها أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّ الأُسْلُوبَ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ، وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والتَّقْدِيرُ المَذْكُورُ لَيْسَ بِلازِمٍ لِجَوازِ إبْقاءِ الكَلامِ عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِلْمَنحُوتِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، أوْ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مُضافٍ إضافَةً عَهْدِيَّةً. وبَعْضُهم جَعَلَها مَوْصُولَةً كِنايَةً عَنِ العَمَلِ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمْ ويَظْهَرُ احْتِجاجُ الأصْحابِ عَلى خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ. وتَعَقَّبَهُ أيْضًا بِأنَّهُ أفْسَدُ مِنَ الأوَّلِ لِما فِيهِ مِنَ التَّعْقِيدِ وفَواتِ الِاحْتِجاجِ، وكَوْنُ المَوْصُولِ في الأوَّلِ عِبارَةً عَنِ الأعْيانِ وفي الثّانِي كِنايَةً عَنِ المَعانِي وانْفِكاكُ النَّظْمِ لَيْسَ لِخُصُوصِ المَوْصُولِيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ بَلْ لِتَبايُنِ المَعْنَيَيْنِ وهو باقٍ. وصاحِبُ الِانْتِصافِ قالَ بِتَعَيُّنِ حَمْلِها عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا الأصْنامَ مِن حَيْثُ كَوْنُها حِجارَةً وإنَّما عَبَدُوها مِن حَيْثُ أشْكالُها، فَهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا عَمَلَهم وبِذَلِكَ تَبْتَلِجُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم وعَمَلَهم مَخْلُوقانِ لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقُ مَخْلُوقًا مِثْلَهُ مَعَ أنَّ المَعْبُودَ كَسْبُ العابِدِ وعَمَلُهُ؟ وأجابَ عَنْ حَدِيثِ لُزُومِ انْفِكاكِ النَّظْمِ بِأنَّ لَنا أنْ نَحْمِلَ الأُولى عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا فَإنَّهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا نَحْتَهُمْ، وفي دَعْوى التَّعَيُّنِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ”ما“ الثّانِيَةُ اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ والتَّحْقِيرِ أيْ وأيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا نَحَتُّمُوها؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ، وكَوْنُها نافِيَةً أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا الِاحْتِمالَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وأظْهَرُ الوُجُوهِ كَوْنُها مَوْصُولَةً، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلى ما يَقُولُهُ الأصْحابُ، ثُمَّ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: والإنْصافُ أنَّ اسْتِدْلالَ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ لا يَتِمُّ إنْ أرادَ بِهِ تَرْجِيحَ احْتِجاجِ المُعْتَزِلَةِ - خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ، ثُمَّ إنَّها عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ دَلِيلًا لَهم لا تَكُونُ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أيْضًا كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، هَذا ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ

الصافات 37:96

﴿”قال“﴾ بَعْدَ أنْ أتَوْا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَرى ما جَرى مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أيِ الَّذِي تَنْحِتُونَهُ مِنَ الأصْنامِ فَـ”ما“ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها وهو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً أيْ أتَعْبُدُونَ نَحْتَكَمُ، وتَوْبِيخُهم عَلى عِبادَةِ النَّحْتِ مَعَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهي لَيْسَتْ نَفْسَ النَّحْتِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا النَّحْتَ؛ لِأنَّ الأصْنامَ قَبْلَهُ حِجارَةٌ ولَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَها وإنَّما عَبَدُوها بَعْدَ أنْ نَحَتُوها، فَفي الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا إلّا نَحْتَهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ. ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تعبدون“ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والِاحْتِجاجِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي تِلْكَ العِبادَةُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها أيْضًا أيْ خَلَقَكم وخَلَقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ أيْ مِنَ الأصْنامِ كَما هو الظّاهِرُ، وهي عِبارَةٌ عَنْ مَوادَّ، وهي الجَواهِرُ الحَجَرِيَّةُ، وصُوَرٍ حَصَلَتْ لَها بِالنَّحْتِ، وكَوْنُ المَوادِّ مَخْلُوقَةً لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ظاهِرٌ، وكَوْنُ الصُّوَرِ والأشْكالِ كَذَلِكَ مَعَ أنَّها بِفِعْلِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ الإقْدارَ عَلى الفِعْلِ وخَلْقِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي والأسْبابِ مِنهُ تَعالى، وكَوْنُ الأصْنامِ - وهي ما سَمِعْتَ - مَعْمُولَةً لَهم بِاعْتِبارِ جُزْئِها الصُّورِيِّ، فَهو - مَعَ كَوْنِهِ مَعْمُولًا لَهم - مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ فَلا إشْكالَ. وفِي المُتِمَّةِ لِلْمَسْألَةِ المُهِمَّةِ تَأْلِيفِ الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صَرِيحُ الكَلامِ دالٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْأصْنامِ بِجَمِيعِ أجْزائِها الَّتِي مِنها الأشْكالُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأشْكالَ إنَّما حَصَلَتْ بِتَشْكِيلِهِمْ فَتَكُونُ الأشْكالُ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى مَعْمُولَةً لَهم لِكَوْنِ نَحْتِهم وتَشْكِيلِهِمْ عَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأشْكالَ بِهِمْ. ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ لا قُوَّةَ لَهُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى بِالنَّصِّ، ومَن لا قُوَّةَ لَهُ إلّا بِغَيْرِهِ فالقُوَّةُ لِذَلِكَ الغَيْرِ لا لَهُ فَلا قُوَّةَ - حَقِيقَةً - إلّا لِلَّهِ تَعالى، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا فِعْلَ لِلْعَبْدِ إلّا بِقُوَّةٍ، فَلا فِعْلَ لَهُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، فَلا فِعْلَ - حَقِيقَةً - إلّا لِلَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ. كانَ النَّحْتُ والتَّشْكِيلُ عَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الأشْكالَ بِهِمْ وفِيهِمْ بِالذّاتِ، وغَيْرِهِ بِالِاعْتِبارِ، فَيَكُونُ المَعْمُولُ عَيْنَ المَخْلُوقِ بِالذّاتِ وغَيْرِهِ بِالِاعْتِبارِ فَإنَّ إيجادَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الفِعْلِ مِن حَيْثُ هُوَ، وفِعْلُ العَبْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً أوْ مُباحًا، لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا واللَّهُ تَعالى لَهُ الإطْلاقُ ولا حاكِمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ انْتَهى. فافْهَمْ. والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ أيْضًا ”ما“ مَوْصُولَةً إلّا أنَّهُ جَعَلَ المَخْلُوقَ لَهُ تَعالى هو الجَواهِرَ ومَعْمُولَهم هو الشَّكْلَ والصُّورَةَ؛ إمّا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وما تَعْمَلُونَ شَكْلَهُ وصُورَتَهُ، وإمّا عَلى أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ ذَلِكَ، فَإنَّهم يَقُولُونَ عَمَلَ النَّجّارِ البابَ والصّائِغُ الخَلْخالَ والبَنّاءُ البِناءَ، ولا يَعْنُونَ إلّا عَمَلَ الشَّكْلِ بِدُونِ تَقْدِيرِ شَكْلٍ في النَّظْمِ، كَأنَّ تَعَلُّقَ العَمَلِ بِالشَّيْءِ هو هَذا التَّعَلُّقُ لا تَعَلُّقُ التَّكْوِينِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِهِ الفاسِدِ مِن أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ، والِاحْتِجاجُ في الآيَةِ عَلى الأوَّلِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ العابِدَ والمَعْبُودَ مادَّةً وصُورَةً، فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقَ المَخْلُوقُ؟ وعَلى الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ العابِدَ ومادَّةَ المَعْبُودِ فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقَ المَخْلُوقُ عَلى أنَّ العابِدَ مِنهُما هو الَّذِي عَمِلَ صُورَةَ المَعْبُودِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ أوْ صفحة 125 الإتْيانِ بِهِ دُونَ ”ما تَعْمَلُونَ“ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَخْلُوقِيَّةِ الأصْنامِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ مِن حَيْثُ نَحْتُهم لَها فَقَطْ؛ بَلْ مِن حَيْثُ سائِرُ أعْمالِهِمْ أيْضًا مِنَ التَّصْوِيرِ والتَّحْلِيَةِ والتَّزْيِينِ. وفي الكَشْفِ فائِدَةُ العُدُولِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَأْثِيرَهم فِيها لَيْسَ النَّحْتَ، ثُمَّ العَمَلُ يَقَعُ عَلى النَّحْتِ والأثَرِ الحاصِلِ مِنهُ ولا يَقَعُ النَّحْتُ عَلى الثّانِي، فَلا بُدَّ مِنَ العُدُولِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، وبِهِ يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ، أيِ الَّذِي قِيلَ عَلى اعْتِبارِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عامًّا لِلْأصْنامِ وغَيْرِها، وتَدْخُلُ أوَّلِيًّا، ولا يَتَأتّى عَلَيْهِ حَدِيثُ العُدُولِ. وقِيلَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ المَفْعُولِ لِيُطابِقَ ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ فِيهِ ويَتَّحِدُ المَعْنى مَعَ ما تَقَدَّمَ عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِيَّةِ، وجُوِّزَ بَقاءُ المَصْدَرِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ، والمُرادُ بِهِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ - أعْنِي الأثَرَ - وكَثِيرًا ما يُرادُ بِهِ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّأْثِيرِ والإيقاعِ أيْ: خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم. واحْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ العابِدَ والمَعْبُودَ جَمِيعًا خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقُ مَخْلُوقًا؟ ولَوْ قِيلَ: إنَّ العابِدَ وعَمَلَهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَفاتَ المُلاءَمَةُ والِاحْتِجاجُ، ولِأنَّ ”ما“ في الأوَّلِ مَوْصُولَةٌ فَهي في الثّانِي كَذَلِكَ؛ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، وما قالَهُ القاضِي البَيْضاوِيُّ مِن أنَّهُ لا يَفُوتُ الِاحْتِجاجُ بَلْ إنَّهُ أبْلَغُ فِيهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم إذا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ مَفْعُولُهُمُ المُتَوَقِّفُ عَلى فِعْلِهِمْ أوْلى بِذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأُسْلُوبَ يَصِيرُ مِن بابِ الكِنايَةِ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، ولا فائِدَةَ في العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إلّا هَذا، فَيَجِبُ صَوْنًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنِ العَبَثِ. تَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُتِمُّ لِأنَّ المُلازَمَةَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَ القَوْمِ؛ ألّا تَرى أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ العَبْدَ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى؟ ثُمَّ المُتَوَقِّفُ عَلَيْهِما - وهو الفِعْلُ - يَجْعَلُونَهُ خَلْقَ العَبْدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ يُفِيدُ التَّوَقُّفَ عَلَيْهِ تَعالى وهم لا يُنْكِرُونَهُ إنَّما الكَلامُ في الإيجادِ والإحْداثِ ثُمَّ قالَ: وأظْهَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: لِأنَّ المَعْمُولَ مِن حَيْثُ المادَّةُ كانُوا لا يُنْكِرُونَ أنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: هو مِن حَيْثُ الصُّورَةُ أيْضًا خَلَقَهُ فَهو مَخْلُوقٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ مِثْلُكم مِن غَيْرِ فَرْقٍ فَلِمَ تُسَوُّونَهُ بِالخالِقِ؟ وما ازْدادَ بِفِعْلِكم إلّا بُعْدَ اسْتِحْقاقٍ عَنِ العِبادَةِ، ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى في تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كانَ هَذا البِناءُ مُتَداعِيًا كَيْفَما قَرَّرَ، عَلى أنَّ فائِدَةَ العُدُولِ قَدِ اتَّضَحَتْ حَقَّ الوُضُوحِ فَبَطَلَ الحَصْرُ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُرادَ بِالفِعْلِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ بِالمَعْنى الآخَرِ - أعْنِي الإيقاعَ - مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهُمْ، وتَوَقُّفُ الحاصِلِ بِالإيقاعِ عَلى قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ تَوَقُّفٌ بَعِيدٌ بِخِلافِ تَوَقُّفِهِ عَلى الإيقاعِ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ؛ فَيَكُونُ ما ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ السَّنَدِ مُجْتَمِعًا مَعَ المُقَدِّمَةِ المَمْنُوعَةِ فَلا يَصْلُحُ لِلسَّنْدِيَّةِ، والمُرادُ بِمَفْعُولِهِمْ أشْكالَ الأصْنامِ المُتَوَقِّفُ عَلى ذَلِكَ المَعْنى القائِمِ بِهِمْ. إذا كانَ ذاكَ بِخَلْقِهِ تَعالى فَلَأنْ يَكُونَ الَّذِي لا يَقُومُ بِهِمْ بَلْ بِما يُبايِنُهم بِخَلْقِهِ تَعالى أوْلى. ولا مَجالَ لِلْخَصْمِ أنَّ يَمْنَعَ هَذِهِ المُلازَمَةَ إذْ قَدْ أثْبَتَ خَلْقَ المُتَوَلِّداتِ مُطْلَقًا لِلْعِبادِ بِواسِطَةِ خَلْقِهِمْ لِما يَقُومُ بِهِمْ، وانْتِفاءُ الأوَّلِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءٍ الثّانِي. فَتَأمَّلْ، وقالَ في التَّقْرِيبِ انْتِصارًا لِمَن قالَ بِالمَصْدَرِيَّةِ: إنَّ الجَواهِرَ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى وِفاقًا، والأعْمالَ مَخْلُوقَةٌ أيْضًا لِعُمُومِ الآيَةِ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الخَلْقِ؟ فَدَعْوى فَواتِ الِاحْتِجاجِ باطِلَةٌ وكَذَلِكَ فَكُّ النَّظْمِ والتَّبْتِيرِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ أيْضًا فَقالَ فِيهِ: إنَّ المُقَدِّمَةَ الوِفاقِيَّةَ إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنها ولَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً مِن هَذا السِّياقِ يَلْزَمُ فَواتُ الِاحْتِجاجِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى التَّغْلِيبِ في الخِطابِ فَتَوْجِيهٌ لا تَرْجِيحٌ، والكَلامُ في الثّانِي. ثُمَّ قالَ: وأمّا أنَّ المَصْدَرِيَّةَ أوْلى لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ فَمُعارَضٌ بِأنَّ المَوْصُولَةَ أكْثَرُ صفحة 126 اسْتِعْمالًا وهي أنْسَبُ بِالسِّياقِ السّابِقِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ عَمَلِهِمْ في المَنحُوتِ فَيَزْدادُ الحَذْفُ. واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الأكْثَرِيَّةَ، وكَذا لا نُسَلِّمُ أنَّها أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّ الأُسْلُوبَ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ، وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والتَّقْدِيرُ المَذْكُورُ لَيْسَ بِلازِمٍ لِجَوازِ إبْقاءِ الكَلامِ عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِلْمَنحُوتِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، أوْ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مُضافٍ إضافَةً عَهْدِيَّةً. وبَعْضُهم جَعَلَها مَوْصُولَةً كِنايَةً عَنِ العَمَلِ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمْ ويَظْهَرُ احْتِجاجُ الأصْحابِ عَلى خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ. وتَعَقَّبَهُ أيْضًا بِأنَّهُ أفْسَدُ مِنَ الأوَّلِ لِما فِيهِ مِنَ التَّعْقِيدِ وفَواتِ الِاحْتِجاجِ، وكَوْنُ المَوْصُولِ في الأوَّلِ عِبارَةً عَنِ الأعْيانِ وفي الثّانِي كِنايَةً عَنِ المَعانِي وانْفِكاكُ النَّظْمِ لَيْسَ لِخُصُوصِ المَوْصُولِيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ بَلْ لِتَبايُنِ المَعْنَيَيْنِ وهو باقٍ. وصاحِبُ الِانْتِصافِ قالَ بِتَعَيُّنِ حَمْلِها عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا الأصْنامَ مِن حَيْثُ كَوْنُها حِجارَةً وإنَّما عَبَدُوها مِن حَيْثُ أشْكالُها، فَهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا عَمَلَهم وبِذَلِكَ تَبْتَلِجُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم وعَمَلَهم مَخْلُوقانِ لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ المَخْلُوقُ مَخْلُوقًا مِثْلَهُ مَعَ أنَّ المَعْبُودَ كَسْبُ العابِدِ وعَمَلُهُ؟ وأجابَ عَنْ حَدِيثِ لُزُومِ انْفِكاكِ النَّظْمِ بِأنَّ لَنا أنْ نَحْمِلَ الأُولى عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا فَإنَّهم في الحَقِيقَةِ إنَّما عَبَدُوا نَحْتَهُمْ، وفي دَعْوى التَّعَيُّنِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ”ما“ الثّانِيَةُ اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ والتَّحْقِيرِ أيْ وأيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا نَحَتُّمُوها؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ، وكَوْنُها نافِيَةً أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا الِاحْتِمالَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وأظْهَرُ الوُجُوهِ كَوْنُها مَوْصُولَةً، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلى ما يَقُولُهُ الأصْحابُ، ثُمَّ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: والإنْصافُ أنَّ اسْتِدْلالَ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ لا يَتِمُّ إنْ أرادَ بِهِ تَرْجِيحَ احْتِجاجِ المُعْتَزِلَةِ - خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ، ثُمَّ إنَّها عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ دَلِيلًا لَهم لا تَكُونُ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أيْضًا كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، هَذا ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ

الصافات 37:97

﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ حائِطًا تُوقِدُونَ فِيهِ النّارَ، وقِيلَ: مَنجَنِيقًا. ﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ في النّارِ الشَّدِيدَةِ مِنَ الجُحْمَةِ وهي شَدَّةُ التَّأجُّجِ والِاتِّقادِ، واللّامُ بَدَلٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ جَحِيمُ ذَلِكَ البُنْيانِ الَّتِي هي فِيهِ أوْ عِنْدَهُ. ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ سُوءًا بِاحْتِيالٍ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَهَرَهم بِالحُجَّةِ قَصَدُوا تَعْذِيبَهُ بِذَلِكَ لِئَلّا يَظْهَرَ لِلْعامَّةِ عَجْزُهم ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ الأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ وجَعْلِهِ بُرْهانًا ظاهِرًا ظُهُورَ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عِلْمٍ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ جَعَلَ سُبْحانَهُ النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وقِيلَ: أيِ الهالِكِينَ، وقِيلَ: أيِ المُعَذَّبِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، والأوَّلُ أنْسَبُ.

الصافات 37:98

﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ حائِطًا تُوقِدُونَ فِيهِ النّارَ، وقِيلَ: مَنجَنِيقًا. ﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ في النّارِ الشَّدِيدَةِ مِنَ الجُحْمَةِ وهي شَدَّةُ التَّأجُّجِ والِاتِّقادِ، واللّامُ بَدَلٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ جَحِيمُ ذَلِكَ البُنْيانِ الَّتِي هي فِيهِ أوْ عِنْدَهُ. ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ سُوءًا بِاحْتِيالٍ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَهَرَهم بِالحُجَّةِ قَصَدُوا تَعْذِيبَهُ بِذَلِكَ لِئَلّا يَظْهَرَ لِلْعامَّةِ عَجْزُهم ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ الأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ وجَعْلِهِ بُرْهانًا ظاهِرًا ظُهُورَ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عِلْمٍ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ جَعَلَ سُبْحانَهُ النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وقِيلَ: أيِ الهالِكِينَ، وقِيلَ: أيِ المُعَذَّبِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، والأوَّلُ أنْسَبُ.

الصافات 37:99

﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي أوْ حَيْثُ أتَجَرَّدُ فِيهِ لِعِبادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ الذَّهابِ إلى المَكانِ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلَيْهِ ذَهابًا إلَيْهِ وكَذا الذَّهابُ إلى مَكانٍ يَعْبُدُهُ تَعالى فِيهِ، لا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ المَكانِ الشّامُ، وقِيلَ: مِصْرُ، وكَأنَّ المُرادَ إظْهارُ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ وكَراهَةِ البَقاءِ مَعَهُمْ، أيْ: إنِّي مُفارِقُكم ومُهاجِرٌ مِنكم إلى رَبِّي ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي. والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّها في مُقابَلَةِ ”لَنِ“ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وبَتَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَوْلَ لَسَبْقِ وعْدِهِ تَعالى إيّاهُ بِالهِدايَةِ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالذَّهابِ أوْ لِفَرْطِ تَوَكُّلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِلْبِناءِ عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَهُ، صفحة 127 وإنَّما لَمْ يَقُلْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قِيلَ: لِعَدَمِ سَبْقِ وعْدٍ وعَدَمِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، واقْتِضاءِ مَقامِهِ رِعايَةَ الأدَبِ مَعَهُ تَعالى بِأنْ لا يَقْطَعَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأمْرٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى رِعايَةِ فَرْطِ التَّوَكُّلِ ومَقاماتُ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ وكُلُّها عالِيَةٌ، وقِيلَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ما قالَ قَبْلَ البَعْثَةِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ بَعْدَها، وقِيلَ لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دِينِيٍّ فَناسَبَهُ الجَزْمُ، ومُوسى كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَناسَبَهُ عَدَمُ الجَزْمِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرادُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: إنِّي... إلَخِ الهِجْرَةَ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ الإحْراقِ ظانًّا أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ إذا أُلْقِيَ فِيها، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ الهِدايَةَ إلى الجَنَّةِ، ويَدْفَعُ هَذا القَوْلَ دُعاؤُهُ بِالوالِدِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بَعْضَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى الدَّعْوَةِ والطّاعَةِ ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ، والتَّقْدِيرُ: ولَدًا مِنَ الصّالِحِينَ وحُذِفَ لِدَلالَةِ الهِبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ غالَبُ اسْتِعْمالِها مَعَ العُقَلاءِ في الأوْلادِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ مِن غَيْرِ الغالِبِ، أوِ المُرادُ فِيهِ هِبَةُ نُبُوَّتِهِ لا هِبَةَ ذاتِهِ وهو شَيْءٌ آخَرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما بُشِّرَ بِهِ عَيْنُ ما اسْتَوْهَبَهُ، مَعَ أنَّ مِثْلَهُ إنَّما يُقالُ عُرْفًا في حَقِّ الأوْلادِ، ولَقَدْ جَمَعَ بِهَذا القَوْلِ بِشاراتِ أنَّهُ ذَكَرٌ؛ لِاخْتِصاصِ الغُلامِ بِهِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ، أوْ أنَّ البُلُوغَ بِالسَّنِّ المَعْرُوفِ فَإنَّهُ لازِمٌ لِوَصْفِهِ بِالحَلِيمِ؛ لِأنَّهُ لازِمٌ لِذَلِكَ السَّنِّ بِحَسَبِ العادَةِ، إذْ قَلَّما يُوجَدُ في الصِّبْيانِ سِعَةُ صَدْرٍ وحُسْنُ صَبْرٍ، وذَلِكَ إغْضاءٌ في كُلِّ أمْرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ تَعالى (غُلامٍ) فَإنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ بِما بَعْدَ البُلُوغِ وإنْ كانَ ورَدَ عامًّا وعَلَيْهِ العُرْفُ كَما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا وأيُّ حِلْمٍ مِثْلُ حِلْمِهِ، عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ وهو مُراهِقٌ الذَّبْحَ فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَما ظَنُّكَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وقِيلَ ما نَعَتَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بِالحِلْمِ - لِعِزِّهِ وجُودِهِ - غَيْرَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحالُهُما المَذْكُورَةُ فِيما بَعْدُ تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما.

الصافات 37:100

﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي أوْ حَيْثُ أتَجَرَّدُ فِيهِ لِعِبادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ الذَّهابِ إلى المَكانِ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلَيْهِ ذَهابًا إلَيْهِ وكَذا الذَّهابُ إلى مَكانٍ يَعْبُدُهُ تَعالى فِيهِ، لا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ المَكانِ الشّامُ، وقِيلَ: مِصْرُ، وكَأنَّ المُرادَ إظْهارُ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ وكَراهَةِ البَقاءِ مَعَهُمْ، أيْ: إنِّي مُفارِقُكم ومُهاجِرٌ مِنكم إلى رَبِّي ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي. والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّها في مُقابَلَةِ ”لَنِ“ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وبَتَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَوْلَ لَسَبْقِ وعْدِهِ تَعالى إيّاهُ بِالهِدايَةِ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالذَّهابِ أوْ لِفَرْطِ تَوَكُّلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِلْبِناءِ عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَهُ، صفحة 127 وإنَّما لَمْ يَقُلْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قِيلَ: لِعَدَمِ سَبْقِ وعْدٍ وعَدَمِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، واقْتِضاءِ مَقامِهِ رِعايَةَ الأدَبِ مَعَهُ تَعالى بِأنْ لا يَقْطَعَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأمْرٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى رِعايَةِ فَرْطِ التَّوَكُّلِ ومَقاماتُ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ وكُلُّها عالِيَةٌ، وقِيلَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ما قالَ قَبْلَ البَعْثَةِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ بَعْدَها، وقِيلَ لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دِينِيٍّ فَناسَبَهُ الجَزْمُ، ومُوسى كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَناسَبَهُ عَدَمُ الجَزْمِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرادُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: إنِّي... إلَخِ الهِجْرَةَ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ الإحْراقِ ظانًّا أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ إذا أُلْقِيَ فِيها، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ الهِدايَةَ إلى الجَنَّةِ، ويَدْفَعُ هَذا القَوْلَ دُعاؤُهُ بِالوالِدِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بَعْضَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى الدَّعْوَةِ والطّاعَةِ ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ، والتَّقْدِيرُ: ولَدًا مِنَ الصّالِحِينَ وحُذِفَ لِدَلالَةِ الهِبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ غالَبُ اسْتِعْمالِها مَعَ العُقَلاءِ في الأوْلادِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ مِن غَيْرِ الغالِبِ، أوِ المُرادُ فِيهِ هِبَةُ نُبُوَّتِهِ لا هِبَةَ ذاتِهِ وهو شَيْءٌ آخَرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما بُشِّرَ بِهِ عَيْنُ ما اسْتَوْهَبَهُ، مَعَ أنَّ مِثْلَهُ إنَّما يُقالُ عُرْفًا في حَقِّ الأوْلادِ، ولَقَدْ جَمَعَ بِهَذا القَوْلِ بِشاراتِ أنَّهُ ذَكَرٌ؛ لِاخْتِصاصِ الغُلامِ بِهِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ، أوْ أنَّ البُلُوغَ بِالسَّنِّ المَعْرُوفِ فَإنَّهُ لازِمٌ لِوَصْفِهِ بِالحَلِيمِ؛ لِأنَّهُ لازِمٌ لِذَلِكَ السَّنِّ بِحَسَبِ العادَةِ، إذْ قَلَّما يُوجَدُ في الصِّبْيانِ سِعَةُ صَدْرٍ وحُسْنُ صَبْرٍ، وذَلِكَ إغْضاءٌ في كُلِّ أمْرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ تَعالى (غُلامٍ) فَإنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ بِما بَعْدَ البُلُوغِ وإنْ كانَ ورَدَ عامًّا وعَلَيْهِ العُرْفُ كَما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا وأيُّ حِلْمٍ مِثْلُ حِلْمِهِ، عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ وهو مُراهِقٌ الذَّبْحَ فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَما ظَنُّكَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وقِيلَ ما نَعَتَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بِالحِلْمِ - لِعِزِّهِ وجُودِهِ - غَيْرَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحالُهُما المَذْكُورَةُ فِيما بَعْدُ تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما.

الصافات 37:101

﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي أوْ حَيْثُ أتَجَرَّدُ فِيهِ لِعِبادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ الذَّهابِ إلى المَكانِ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ تَعالى بِالذَّهابِ إلَيْهِ ذَهابًا إلَيْهِ وكَذا الذَّهابُ إلى مَكانٍ يَعْبُدُهُ تَعالى فِيهِ، لا أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ المَكانِ الشّامُ، وقِيلَ: مِصْرُ، وكَأنَّ المُرادَ إظْهارُ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ وكَراهَةِ البَقاءِ مَعَهُمْ، أيْ: إنِّي مُفارِقُكم ومُهاجِرٌ مِنكم إلى رَبِّي ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي. والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّها في مُقابَلَةِ ”لَنِ“ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وبَتَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَوْلَ لَسَبْقِ وعْدِهِ تَعالى إيّاهُ بِالهِدايَةِ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالذَّهابِ أوْ لِفَرْطِ تَوَكُّلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِلْبِناءِ عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَهُ، صفحة 127 وإنَّما لَمْ يَقُلْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قِيلَ: لِعَدَمِ سَبْقِ وعْدٍ وعَدَمِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، واقْتِضاءِ مَقامِهِ رِعايَةَ الأدَبِ مَعَهُ تَعالى بِأنْ لا يَقْطَعَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأمْرٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى رِعايَةِ فَرْطِ التَّوَكُّلِ ومَقاماتُ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ وكُلُّها عالِيَةٌ، وقِيلَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ما قالَ قَبْلَ البَعْثَةِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ بَعْدَها، وقِيلَ لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دِينِيٍّ فَناسَبَهُ الجَزْمُ، ومُوسى كانَ بِصَدَدِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَناسَبَهُ عَدَمُ الجَزْمِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرادُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: إنِّي... إلَخِ الهِجْرَةَ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ الإحْراقِ ظانًّا أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ إذا أُلْقِيَ فِيها، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ الهِدايَةَ إلى الجَنَّةِ، ويَدْفَعُ هَذا القَوْلَ دُعاؤُهُ بِالوالِدِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بَعْضَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى الدَّعْوَةِ والطّاعَةِ ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ، والتَّقْدِيرُ: ولَدًا مِنَ الصّالِحِينَ وحُذِفَ لِدَلالَةِ الهِبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ غالَبُ اسْتِعْمالِها مَعَ العُقَلاءِ في الأوْلادِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ مِن غَيْرِ الغالِبِ، أوِ المُرادُ فِيهِ هِبَةُ نُبُوَّتِهِ لا هِبَةَ ذاتِهِ وهو شَيْءٌ آخَرُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما بُشِّرَ بِهِ عَيْنُ ما اسْتَوْهَبَهُ، مَعَ أنَّ مِثْلَهُ إنَّما يُقالُ عُرْفًا في حَقِّ الأوْلادِ، ولَقَدْ جَمَعَ بِهَذا القَوْلِ بِشاراتِ أنَّهُ ذَكَرٌ؛ لِاخْتِصاصِ الغُلامِ بِهِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ، أوْ أنَّ البُلُوغَ بِالسَّنِّ المَعْرُوفِ فَإنَّهُ لازِمٌ لِوَصْفِهِ بِالحَلِيمِ؛ لِأنَّهُ لازِمٌ لِذَلِكَ السَّنِّ بِحَسَبِ العادَةِ، إذْ قَلَّما يُوجَدُ في الصِّبْيانِ سِعَةُ صَدْرٍ وحُسْنُ صَبْرٍ، وذَلِكَ إغْضاءٌ في كُلِّ أمْرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ تَعالى (غُلامٍ) فَإنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ بِما بَعْدَ البُلُوغِ وإنْ كانَ ورَدَ عامًّا وعَلَيْهِ العُرْفُ كَما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا وأيُّ حِلْمٍ مِثْلُ حِلْمِهِ، عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ وهو مُراهِقٌ الذَّبْحَ فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَما ظَنُّكَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وقِيلَ ما نَعَتَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بِالحِلْمِ - لِعِزِّهِ وجُودِهِ - غَيْرَ إبْراهِيمَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحالُهُما المَذْكُورَةُ فِيما بَعْدُ تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما.

الصافات 37:102

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فَصِيحَةٌ تُعْرِبُ عَنْ مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ وإيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ لِاسْتِحالَةِ التَّخَلُّفِ؛ أيْ: فَوَهَبْناهُ لَهُ ونَشَأ، فَلَمّا بَلَغَ رُتْبَةَ أنْ يَسْعى مَعَهُ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ، و”مَعَ“ ظَرْفٌ لِلسَّعْيِ وهي تَدُلُّ عَلى مَعْنى الصُّحْبَةِ واسْتِحْداثِها، وتَعَلُّقِها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ لِأنَّهُ عِنْدَ العَمَلِ مُؤَوَّلٌ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ، والفِعْلُ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ؛ لِأنَّهُ كَتَقَدُّمِ جُزْءِ الشَّيْءِ المُرَتَّبِ الأجْزاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِضَعْفِهِ عَنِ العَمَلِ، فِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ التَّأْوِيلَ المَذْكُورَ عَلى المَشْهُورِ في المَصْدَرِ المُنَكَّرِ دُونَ المُعَرَّفِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ إذا سُلِّمَ العُمُومُ فَلَيْسَ كُلُّ ما أُوِّلَ بِشَيْءٍ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ، وأما ثالِثًا فَلِأنَّ المُقَدَّمَ هُنا ظَرْفٌ وقَدِ اشْتَهَرَ أنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ. وصَرَّحُوا بِأنَّهُ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ وبِهَذا يَضْعُفُ حَدِيثُ المَنعِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ، فالحَقُّ أنَّهُ لا حاجَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى التَّقْدِيرِ مُعَرَّفًا كانَ المَصْدَرُ أوْ مُنَكَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ الرِّضى وقالَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي، واخْتارَ صاحِبُ الفَرائِدِ كَوْنَها مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (السَّعْيَ) أيْ فَلَمّا بَلَغَ السَّعْيَ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ السَّعْيِ كائِنًا مَعَهُ، وفِيهِ أنَّ السَّعْيَ مَعَهُ مَعْناهُ اتِّفاقُهُما فِيهِ، فالصُّحْبَةُ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ فِيهِ، وما قَدَّرَهُ يَقْتَضِي الصُّحْبَةَ بَيْنَ السَّعْيِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يُطابِقُ المَقامَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ”بَلَغَ“، ورُدَّ بِأنَّهُ يَقْتَضِي بُلُوغَهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ لِما سَمِعْتَ مِن مَعْنى (مَعَ)، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعَ عَلى ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ عَلى صفحة 128 أنْ تَكُونَ مُرادِفَةَ ”عِنْدَ“ نَحْوُ: فُلانٌ يَتَغَنّى مَعَ السُّلْطانِ، أيْ عِنْدَهُ، ويَكُونُ حاصِلُ المَعْنى: بَلَغَ عِنْدَ أبِيهِ وفي صُحْبَتِهِ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِهِ مُتَطَبِّعًا بِطِباعِهِ، ويَسْتَدْعِي ذَلِكَ كَمالَ مَحَبَّةِ الأبِ إيّاهُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (بَلَغَ). ومِن مَجِيءِ (مَعَ) لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةَ عَنْ بِلْقِيسَ ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلْتَكُنْ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِثْلَها في تِلْكَ الآيَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذاكَ مَعْنى مَجازِيٌّ، والحِمْلُ عَلى المَجازِ هُنالِكَ لِلصّارِفِ، ولا صارِفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَلْيُحْمَلْ عَلى الحَقِيقَةِ، عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ هُنالِكَ أنْ تَكُونَ لِمَعِيَّةِ الفاعِلِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَثَلًا، وتَقْدِيمُ (مَعَ) إشْعارٌ مِنها بِأنَّها كانَتْ تَظُنُّ أنَّها عَلى دِينٍ قَبْلُ، وأنَّها مُسْلِمَةٌ لِلَّهِ تَعالى فِيما كانَتْ تَعْبُدُ مِنَ الشَّمْسِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إسْلامٌ يُعْتَدُّ بِهِ مِن أثَرِ مُتابَعَةِ نَبِيِّهِ لا إسْلامٌ كالأوَّلِ فاسِدٌ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، وإنْ حُمِلَ عَلى مَعِيَّةِ الفاعِلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَحْذُوفٍ، نَحْوُ: مَعَ بُلُوغِ دَعَوْتِهِ وإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ؛ لِأنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ المُقَيَّدِ ومُطْلَقِ الجَمْعِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرادَةِ الحَقِيقَةِ واسْتِحْداثِ إسْلامِهِما مَعًا عَلى مَعْنى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وافَقَها أوْ لَقَّنَها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ يُرادُ بِالسَّعْيِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ (مَعَ) بِـ(بَلَغَ) المَسْعى، وهو الجَبَلُ المَقْصُودُ إلَيْهِ بِالمَشْيِ، وهو تَكَلُّفٌ لا يُصارُ إلَيْهِ. وبِالجُمْلَةِ، الأوْلى تَعَلُّقُها بِالسَّعْيِ، والتَّخْصِيصُ لِأنَّ الأبَ أكْمَلُ في الرِّفْقِ وبِالِاسْتِصْلاحِ لَهُ فَلا يَسْتَسْعِيهِ قَبْلَ أوانِهِ، أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَوْهَبَهُ لِذَلِكَ، وفِيهِ عَلى الأوَّلِ بَيانُ أوانِهِ، وأنَّهُ في غَضاضَةِ عُودِهِ كانَ فِيهِ ما فِيهِ مِن رَصانَةِ العَقْلِ ورَزانَةِ الحِلْمِ حَتّى أجابَ بِما أجابَ، وعَلى الثّانِي بَيانُ اسْتِجابَةِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ لِلْغُلامِ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والوَلَدُ أحَبُّ ما يَكُونُ عِنْدَ أبِيهِ في سِنٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى إعانَةِ الأبِ وقَضاءِ حاجَةٍ ولا يَقْدِرُ فِيهِ عَلى العِصْيانِ. ﴿قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ فَعَلَ ذَبْحَهُ، فَحَمَلَهُ عَلى ما هو الأغْلَبُ في رُؤْيا الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن وُقُوعِها بِعَيْنِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رَأى ما تَأْوِيلُهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ وذَكَرَ التَّأْوِيلَ، كَما يَقُولُ المُمْتَحَنُ وقَدْ رَأى أنَّهُ راكِبٌ في سَفِينَةٍ رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي ناجٍ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى مُعالَجَةَ الذَّبْحَ ولَمْ يَرَ إنْهارَ الدَّمِ فَـ(أنِّي أذْبَحُكَ) أنِّي أُعالِجُ ذَبْحَكَ، ويُشْعِرُ صَنِيعَ بَعْضِهِمُ اخْتِيارَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: اذْبَحِ ابْنَكَ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كالوَحْيِ في اليَقَظَةِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ رَوَّأ في ذَلِكَ وفَكَّرَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ أمِنَ اللَّهِ تَعالى هَذا الحُلُمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ، فَلَمّا وُلِدَ وبَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ كانَ في المَنامِ وإلّا فَما يَصْنَعُ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ وفي كَلامِ التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ ما يَرْمُزُ إلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّبْحِ كانَ لَيْلًا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُذِ ابْنَكَ وامْضِ إلى بَلَدِ العِبادَةِ وأصْعِدْهُ ثَمَّ قُرْبانًا عَلى أحَدِ الجِبالِ الَّذِي أُعَرِّفُكَ بِهِ، قِيلَ: فَأدْلَجَ إبْراهِيمُ بِالغَداةِ... إلَخْ، فالأمْرُ إمّا مَنامًا وإمّا يَقَظَةً لَكِنْ وقَعَ تَأْكِيدًا لِما في المَنامِ؛ إذْ لا مَحِيصَ عَنِ الإيمانِ بِما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فِيما أعْجَزَ بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ القُرْآنِ، والحَزْمُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ في المَنامِ لا غَيْرَ؛ إذْ لا يُعَوَّلُ عَلى ما في أيْدِي اليَهُودِ ولَيْسَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ يَقَظَةً أيْضًا. صفحة 129 ولَعَلَّ السِّرَّ في كَوْنِهِ مَنامًا لا يَقَظَةً أنْ تَكُونَ المُبادَرَةُ إلى الِامْتِثالِ أدُلَّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ والإخْلاصِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقِظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ، والأوَّلُ أوْلى، والتَّأْكِيدُ لِما في تَحَقُّقِ المُخْبَرِ بِهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ قِيلَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ، وقِيلَ: في الأوَّلِ لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا، وفي الثّانِي لِلِاسْتِحْضارِ المَذْكُورِ أوْ لِتُكَرُّرِ الذَّبْحِ حَسَبَ تَكَرُّرِ الرُّؤْيا، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن نَظَرَ بَعْدُ ظَهَرَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ مِنَ الرَّأْيِ، وإنَّما شاوَرَهُ في ذَلِكَ - وهو حَتْمٌ - لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ فِيما نَزَلَ مِن بَلاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيُثَّبِتَ قَدَمَهُ إنْ جَزِعَ، ويَأْمَنَ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ، ولِيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَيُهَوِّنَ عَلَيْهِ ويَكْتَسِبَ المَثُوبَةَ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ نُزُولِهِ، ولِيَكُونَ سُنَّةً في المُشاوَرَةِ، فَقَدْ قِيلَ: لَوْ شاوَرَ آدَمُ المَلائِكَةَ في أكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ لَما فَرَطَ مِنهُ ذَلِكَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ماذا تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ خالِصَةً، أيْ ما الَّذِي تُرِينِي إيّاهُ مِنَ الصَّبْرِ وغَيْرِهِ؟ أوْ أيَّ شَيْءٍ تُرِينِي؟ عَلى أنَّ ما مُبْتَدَأٌ وذا مَوْصُولٌ خَبَرُهُ ومَفْعُولَيْ ”تَرى“ مَحْذُوفانِ، أوْ ”ماذا“ كالشَّيْءِ الواحِدِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ ”ماذا تُرى“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ ماذا تُرِيكَ نَفْسُكَ مِنَ الرَّأْيِ، و(انْظُرْ) في جَمِيعِ القِراءاتِ مُعَلَّقَةٌ عَنِ العَمَلِ وفي ”ماذا“ الِاحْتِمالانِ. فَلا تَغْفُلْ. ﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيِ الَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ دَفْعَةً، أوْ حُذِفَ الجارُّ أوَّلًا فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، نَحْوُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ثُمَّ حُذِفَ المَجْرُورُ بَعْدَ أنْ صارَ مَنصُوبًا ثانِيًا، والحَذْفُ الأوَّلُ شائِعٌ مَعَ الأمْرِ حَتّى كادَ يُعَدُّ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ حَذْفانِ، أوِ افْعَلْ أمْرَكَ عَلى أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِالمَصْدَرِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ، أيِ: المَأْمُورُ بِهِ، ولا فَرْقَ في جَوازِ إرادَةِ ذَلِكَ مِنَ المَصْدَرِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ صَرِيحًا وأنْ يَكُونَ مَسْبُوكًا. وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ إبْراهِيمَ إضافَةٌ إلى المَفْعُولِ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ، وهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الأمْرِ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ فُهِمَ مِن كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ رَأى أنَّهُ يَذْبَحُهُ مَأْمُورًا، أوْ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِغَرابَةِ ذَلِكَ، مِثْلُها في كَلامِ إبْراهِيمَ عَلى وجْهٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنْ حُلُمٍ غَيْرِ مَشُوبٍ بِجَهْلٍ بِحالِ المَأْمُورِ بِهِ، وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الِامْتِثالِ بِهِ، وقِيلَ: لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: جِيءَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ أمْرٌ، وإنَّما كانَتْ رُؤْيا الذَّبْحِ، فَأخْبَرَهُ بِها، فَعَلِمَ لِعِلْمِهِ بِمَقامِ أبِيهِ، وإنَّهُ مِمَّنْ لا يَجِدُ الشَّيْطانُ سَبِيلًا بِإلْقاءِ الخَيالاتِ الباطِلَةِ إلَيْهِ في المَنامِ - أنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ، ولا يَكُونُ إلّا بِأمْرٍ إلَهِيٍّ، فَقالَ لَهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بَعْدُ مِنَ الذَّبْحِ الَّذِي رَأيْتَهُ في مَنامِكَ، ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِ (يا بُنَيَّ) عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ قالَ هُوَ: (يا أبَتِ) عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ، ومَعَ ذَلِكَ أتى بِجَوابٍ حَكِيمٍ لِأنَّهُ فَوَّضَ الأمْرَ حَيْثُ اسْتَشارَهُ، فَأجابَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُجاوِزَها وإنَّما الواجِبُ إمْضاءُ الأمْرِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى ذَبْحًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقِيلَ: عَلى الذَّبْحِ، والأوَّلُ أوْلى لِلِعُمُومِ، ويَدْخُلُ الذَّبْحُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ دُونَ صابِرًا وإنْ كانَتْ رُؤُوسُ الآيِ تَقْتَضِي ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ ما فِيهِ، وقِيلَ ولَعَلَّهُ وُفِّقَ لِلصَّبْرِ بِبَرَكَتِهِ مَعَ بَرَكَةِ الِاسْتِثْناءِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا لَمْ يَسْلُكْ هَذا المَسْلَكَ مِنَ التَّواضُعِ في قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ حَيْثُ لَمْ يَنْظِمْ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ في سِلْكِ صفحة 130 الصّابِرِينَ؛ بَلْ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى وجْهٍ لا يُشْعِرُ بِوُجُودِ صابِرٍ سِواهُ - لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الصَّبْرُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُهْمِلْ أمْرَ الِاسْتِثْناءِ. وفِيهِ أيْضًا إغْراءٌ لِأبِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الصَّبْرِ لِما يَعْلَمُ مِن شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا صابِرِينَ، وهي زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ.

الصافات 37:103

﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيِ اسْتَسْلَما وانْقادا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فالفِعْلُ لازِمٌ، أوْ سَلَّمَ الذَّبِيحُ نَفْسَهُ وإبْراهِيمُ ابْنَهُ عَلى أنَّهُ مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْمَشُ والثَّوْرِيُّ ”سَلَّما“، وخُرِّجَتْ عَلى ما سَمِعْتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَوَّضا إلَيْهِ تَعالى في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقُرِئَ ”اسْتَسْلَما“ وأصْلُ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ، إذا خَلُصَ لَهُ فَإنَّهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ جَبِينُهُ عَلى الأرْضِ، وأصْلُ التَّلِّ الرَّمْيُ عَلى التَّلِّ وهو التُّرابُ المُجْتَمِعُ ثُمَّ عَمَّمَ في كُلِّ صَرْعٍ، والجَبِينُ أحَدُ جانِبَيِ الجَبْهَةِ وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ جُبْنانٌ وجُبُنٌ كَكُثْبانٍ وكُثُبٍ، واللّامُ لِبَيانِ ما خَرَّ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ وقَوْلِهِ: وخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ المُرادُ كَبَّهُ عَلى وجْهِهِ وكانَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ مِنهُ. أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ: لا تَذْبَحْنِي وأنْتَ تَنْظُرُ إلى وجْهِي عَسى أنْ تَرْحَمَنِي فَلا تُجْهِزَ عَلَيَّ، ارْبِطْ يَدَيَّ إلى رَقَبَتِي ثُمَّ ضَعْ وجْهِي لِلْأرْضِ، فَفَعَلَ فَكانَ ما كانَ، ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ بَعِيدٌ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ قالَ هَذا. وفِي الآثارِ حِكايَةُ أقْوالٍ غَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا، مِنها ما في خَبَرٍ لِلسُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي حَتّى لا اضْطَرَبَ، واكْفُفْ عَنْ ثِيابِكَ حَتّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها مَن دَمِي شَيْءٌ فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وأسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِي فَيَكُونَ أهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإذا أتَيْتَ أُمِّي فاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ يُقَبِّلُهُ، وكُلٌّ مِنهُما يَبْكِي، ومِنها ما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ وكانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أبْيَضُ يا أبَتِ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ فَعالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى، وعَنِ الضَّحّاكِ في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ، وقِيلَ كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبٍ، وحَكى الإمامُ مَعَ هَذا القَوْلِ أنَّهُ كانَ بِالشّامِ.

الصافات 37:104

﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قِيلَ ناداهُ مِن خَلْفِهِ مَلَكٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِذَلِكَ، و”أنْ“ مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى أيْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”قَدْ صَدَّقْتَ“ بِحَذْفِها، وقُرِئَ ”صَدَقْتَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ فَيّاضٌ ”الرِّيّا“ بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ، وتَصْدِيقُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرُّؤْيا تَوْفِيَتُهُ حَقَّها مِنَ العَمَلِ وبَذْلُ وُسْعِهِ في إيقاعِها، وذَلِكَ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُقُوعُ ما رَآهُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ هو إيقاعُ تَأْوِيلِها، وتَأْوِيلُها ما وقَعَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ الِاعْتِرافُ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى الإتْيانِ بِكُلِّ ما رَآهُ في المَنامِ، وهَلْ أمَرَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِهِ أمْ لا؟ قَوْلانِ؛ ذَهَبَ إلى الثّانِي مِنهُما كَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أخَذَ الشَّفْرَةَ وأرادَ أنْ يَذْبَحَهُ نُودِيَ مِن خَلْفِهِ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ عالَجَ قَمِيصَهُ لِيَخْلَعَهُ فَنُودِيَ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْهُ أيْضًا فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ فَلَمْ يَحْمِلِ المُدْيَةَ حَتّى صفحة 131 نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ مِن مُجاهِدٍ: فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ ورَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى الكَبْشَ يَنْحَطُّ إلَيْهِ حَتّى وقَعَ عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أيْضًا وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ فانْقَلَبَتْ، وإلى عَدَمِ الإمْرارِ ذَهَبَتِ اليَهُودُ أيْضًا لِما في تَوْراتِهِمْ: مَدَّ إبْراهِيمُ يَدَهُ فَأخَذَ السِّكِّينَ، فَقالَ لَهُ مَلاكُ اللَّهِ مِنَ السَّماءِ قائِلًا: يا إبْراهِيمُ! يا إبْراهِيمُ! قالَ: لَبَّيْكَ قالَ: لا تَمُدَّ يَدَكَ إلى الغُلامِ ولا تَصْنَعْ بِهِ شَيْئًا، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ؛ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ مَعَ عَدَمِ المانِعِ؛ لِأنَّ القَطْعَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها، أوْ عِنْدَها عادَةً، وقَدْ لا يَخْلُقُ سُبْحانَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ لِمانِعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ إلَيْهِ بِالشَّفْرَةِ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ما بَيْنَ لَبَّتِّهِ إلى مَنحَرِهِ نُحاسًا لا تُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّفْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يُنْحَرْ، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: أضْجَعَهُ ووَضَعَ الشَّفْرَةِ فَقَلَبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ فِيهِ الواقِدَيُّ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ نَحَرَ في حَلْقِهِ فَإذا هو قَدْ نَحَرَ في نُحاسٍ فَشَحَذَ الشَّفْرَةَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بِالحَجَرِ، وضُعِّفَ جَمِيعُ ذَلِكَ. وقِيلَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَبَحَ، لَكِنْ كانَ كُلَّما قَطَعَ مَوْضِعًا مِنَ الحَلْقِ أوْصَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمُوا وُرُودَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأخْبارِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ مِنَ الكَلامِ، وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أيْ كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ المَقالُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما اللَّهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفِّقْ غَيْرَهُما لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ ”فَإذا“ ونَحْوِهِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ (وتَلَّهُ)، قالَ في البَحْرِ: والتَّقْدِيرُ فَلَمّا أسْلَما أسْلَما وتَلَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدُهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى أيْ أجَزْنا وانْتَحى، وهو كَما تَرى، وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ وهو (ونادَيْناهُ) عَلى زِيادَةِ الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (وتَلَّهُ) عَلى زِيادَتِها أيْضًا، ولَعَلَّ الأوْلى ما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرُ داخِلٍ في النِّداءِ، وهو تَعْلِيلٌ لِإفْراجِ تِلْكَ الشِّدَّةِ المَفْهُومِ مِنَ الجَوابِ المُقَدَّرِ أوْ مِنَ الجَوابِ المَذْكُورِ؛ أعْنِي نادِيَنا... إلَخْ، عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجَوابُ أوْ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَوابُ والعِلَّةُ في المَعْنى إحْسانَهُما، وكَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِما انْطَوى عَلَيْهِ الجَوابُ مِنَ الشُّكْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

الصافات 37:105

﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قِيلَ ناداهُ مِن خَلْفِهِ مَلَكٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِذَلِكَ، و”أنْ“ مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى أيْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”قَدْ صَدَّقْتَ“ بِحَذْفِها، وقُرِئَ ”صَدَقْتَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ فَيّاضٌ ”الرِّيّا“ بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ، وتَصْدِيقُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرُّؤْيا تَوْفِيَتُهُ حَقَّها مِنَ العَمَلِ وبَذْلُ وُسْعِهِ في إيقاعِها، وذَلِكَ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُقُوعُ ما رَآهُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ هو إيقاعُ تَأْوِيلِها، وتَأْوِيلُها ما وقَعَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ الِاعْتِرافُ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى الإتْيانِ بِكُلِّ ما رَآهُ في المَنامِ، وهَلْ أمَرَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِهِ أمْ لا؟ قَوْلانِ؛ ذَهَبَ إلى الثّانِي مِنهُما كَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أخَذَ الشَّفْرَةَ وأرادَ أنْ يَذْبَحَهُ نُودِيَ مِن خَلْفِهِ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ عالَجَ قَمِيصَهُ لِيَخْلَعَهُ فَنُودِيَ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْهُ أيْضًا فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ فَلَمْ يَحْمِلِ المُدْيَةَ حَتّى صفحة 131 نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ مِن مُجاهِدٍ: فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ ورَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى الكَبْشَ يَنْحَطُّ إلَيْهِ حَتّى وقَعَ عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أيْضًا وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ فانْقَلَبَتْ، وإلى عَدَمِ الإمْرارِ ذَهَبَتِ اليَهُودُ أيْضًا لِما في تَوْراتِهِمْ: مَدَّ إبْراهِيمُ يَدَهُ فَأخَذَ السِّكِّينَ، فَقالَ لَهُ مَلاكُ اللَّهِ مِنَ السَّماءِ قائِلًا: يا إبْراهِيمُ! يا إبْراهِيمُ! قالَ: لَبَّيْكَ قالَ: لا تَمُدَّ يَدَكَ إلى الغُلامِ ولا تَصْنَعْ بِهِ شَيْئًا، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ؛ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ مَعَ عَدَمِ المانِعِ؛ لِأنَّ القَطْعَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها، أوْ عِنْدَها عادَةً، وقَدْ لا يَخْلُقُ سُبْحانَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ لِمانِعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ إلَيْهِ بِالشَّفْرَةِ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ما بَيْنَ لَبَّتِّهِ إلى مَنحَرِهِ نُحاسًا لا تُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّفْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يُنْحَرْ، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: أضْجَعَهُ ووَضَعَ الشَّفْرَةِ فَقَلَبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ فِيهِ الواقِدَيُّ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ نَحَرَ في حَلْقِهِ فَإذا هو قَدْ نَحَرَ في نُحاسٍ فَشَحَذَ الشَّفْرَةَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بِالحَجَرِ، وضُعِّفَ جَمِيعُ ذَلِكَ. وقِيلَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَبَحَ، لَكِنْ كانَ كُلَّما قَطَعَ مَوْضِعًا مِنَ الحَلْقِ أوْصَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمُوا وُرُودَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأخْبارِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ مِنَ الكَلامِ، وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أيْ كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ المَقالُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما اللَّهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفِّقْ غَيْرَهُما لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ ”فَإذا“ ونَحْوِهِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ (وتَلَّهُ)، قالَ في البَحْرِ: والتَّقْدِيرُ فَلَمّا أسْلَما أسْلَما وتَلَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدُهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى أيْ أجَزْنا وانْتَحى، وهو كَما تَرى، وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ وهو (ونادَيْناهُ) عَلى زِيادَةِ الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (وتَلَّهُ) عَلى زِيادَتِها أيْضًا، ولَعَلَّ الأوْلى ما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرُ داخِلٍ في النِّداءِ، وهو تَعْلِيلٌ لِإفْراجِ تِلْكَ الشِّدَّةِ المَفْهُومِ مِنَ الجَوابِ المُقَدَّرِ أوْ مِنَ الجَوابِ المَذْكُورِ؛ أعْنِي نادِيَنا... إلَخْ، عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجَوابُ أوْ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَوابُ والعِلَّةُ في المَعْنى إحْسانَهُما، وكَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِما انْطَوى عَلَيْهِ الجَوابُ مِنَ الشُّكْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

الصافات 37:106

﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُ مِن غَيْرِهِ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ وهي المِحْنَةُ الظّاهِرَةُ صُعُوبَتُها، وما وقَعَ لا شَيْءَ أصْعَبَ مِنهُ، ولا تَكادُ تَخْفى صُعُوبَتُهُ عَلى أحَدٍ، ولِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَبْتَلِيَ مَن شاءَ بِما شاءَ، وهو سُبْحانَهُ الحَكِيمُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ. ولَعَلَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِما مِنَ المُحْسِنِينَ، وقِيلَ لِبَيانِ حِكْمَةِ ما نالَهُما، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فَلْيُتَدَبَّرْ.

الصافات 37:107

﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ بِحَيَوانٍ يُذْبَحُ بَدَلَهُ ﴿عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: أيْ عَظِيمُ الجُثَّةِ سَمِينٌ، وهو كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ وفي رِوايَةٍ: أمْلَحُ بَدَلَ أبْيَضَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ وعْلٌ أُهْبِطَ عَنْ ثَبِيرٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ووافَقَهُمُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ رَواها عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وفِيها أنَّ اسْمَهُ حَرِيرٌ، واليَهُودُ عَلى أنَّهُ كَبْشٌ أيْضًا. وفَسَّرَ المُعَظِّمُ العَظِيمَ بِعَظِيمِ القَدْرِ صفحة 132 وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَتُقُبِّلَ مِنهُ وبَقِيَ يَرْعى في الجَنَّةِ إلى يَوْمِ هَذا الفِداءِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُما قالا: عِظَمُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وقالَ مُجاهِدٌ وُصِفَ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ وصارَ دِينًا باقِيًا آخَرَ الدَّهْرِ، وقِيلَ لِأنَّهُ فُدِيَ بِهِ نَبِيٌّ وابْنُ نَبِيٍّ، وهُبُوطُهُ مِن ثَبِيرٍ، كَما قالَ الحَسَنُ في الوَعْلِ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفِي رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ وجَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ رُبِطَ بِسَمُرَةٍ في أصْلِ ثَبِيرٍ. «وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ قاعِدًا بِالمَنحَرِ فَحَدَّثَنِي قُرَشِيٌّ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: إنَّ الكَبْشَ نَزَلَ عَلى إبْراهِيمَ في هَذا المَكانِ». وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْشٌ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا فَأرْسَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنَهُ واتَّبَعَهُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الأوْلى فَأفْلَتَ، ورَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الوُسْطى فَأفْلَتَ، ورَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الكُبْرى فَأتى بِهِ المَنحَرَ مِن مِنًى فَذَبَحَ، قِيلَ: وهَذا أصْلُ سُنِّيَّةِ رَمْيِ الجِمارِ، والمَشْهُورُ أنَّ أصْلَ السُّنِّيَّةِ رَمْيُ الشَّيْطانِ هُناكَ، فَفي خَبَرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّيْطانَ أرادَ أنْ يُصِيبَ حاجَتَهُ مِن إبْراهِيمَ وابْنِهِ يَوْمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ فَتَمَثَّلَ بِصَدِيقٍ لَهُ، فَأرادَ أنْ يَصُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، فَتَعَرَّضَ لِابْنِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، فَأتى الجَمْرَةَ فانْتَفَخَ حَتّى سَدَّ الوادِيَ ومَعَ إبْراهِيمَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: ارْمِ يا إبْراهِيمُ! فَرَمى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ في أثَرِ كُلِّ حَصاةٍ، فَأفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الثّانِيَةَ فَسَدَّ الوادِيَ أيْضًا، فَقالَ المَلَكُ: ارْمِ يا إبْراهِيمُ! فَرَمى كَما في الأُولى، وهَكَذا في الثّالِثَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الفِداءَ كانَ بِحَيَوانٍ واحِدٍ وهو المَعْرُوفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ أعْيَنَيْنِ، ولا أعْرِفُ لَهُ صِحَّةً، ويُرادُ بِالذِّبْحِ - عَلَيْهِ، لَوْ صَحَّ - الجِنْسُ، والفادِي عَلى الحَقِيقَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ سُبْحانَهُ: (فَدَيْناهُ) عَلى التَّجَوُّزِ في الفِداءِ، أيْ أمَرْنا أوْ أعْطَيْنا، أوْ في إسْنادِهِ إلَيْهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أيْضًا، وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الأصْلِ التَّعْظِيمُ.

الصافات 37:108

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ سَبَقَ ما يُعْلَمُ مِنهُ بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، ولَعَلَّ ذِكْرَ (فِي العالِمَيْنِ) هُناكَ وعَدَمَ ذِكْرِهِ هُنا لِما أنَّ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الشُّهْرَةِ لِكَوْنِهِ كَآدَمَ ثانٍ لِلْبَشَرِ، ونَجاةُ مَن نَجا مِن أهْلِ الطُّوفانِ بِبَرَكَتِهِ ما لَيْسَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

الصافات 37:109

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ سَبَقَ ما يُعْلَمُ مِنهُ بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، ولَعَلَّ ذِكْرَ (فِي العالِمَيْنِ) هُناكَ وعَدَمَ ذِكْرِهِ هُنا لِما أنَّ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الشُّهْرَةِ لِكَوْنِهِ كَآدَمَ ثانٍ لِلْبَشَرِ، ونَجاةُ مَن نَجا مِن أهْلِ الطُّوفانِ بِبَرَكَتِهِ ما لَيْسَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

الصافات 37:110

﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى إبْقاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ فِيما بَيْنُ الأُمَمِ لا إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَلا تَكْرارَ وطُرِحَ هُنا (إنّا) قِيلَ مُبالَغَةٌ في دَفْعِ تَوَهُّمِ اتِّحادِهِ مَعَ ما سَبَقَ، كَيْفَ وقَدْ سِيقَ الأوَّلُ تَعْلِيلًا لِجَزاءِ إبْراهِيمِ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ قَبْلُ، وسِيقَ هَذا تَعْلِيلًا لِجَزاءِ إبْراهِيمَ وحْدَهُ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ .. إلَخْ، وما ألْطَفَ الحَذْفَ هُنا اقْتِصارًا حَيْثُ كانَ فِيما قَبْلَهُ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مِن عَدَمِ ذِكْرِ الِابْنِ والِاقْتِصارِ عَلى إبْراهِيمَ. وقِيلَ لَعَلَّ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ (إنّا) مَرَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ قِصَّةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَتِمَّ فَإنَّ ما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ .. إلَخْ مِن تَكْمِلَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخِلافِ سائِرِ القِصَصِ الَّتِي جَعَلَ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مُقَطِّعًا لَها، فَإنَّ ما بَعْدُ لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلُ، ومَعَ هَذا لَمْ تَخْلُ القِصَّةُ مِن مِثْلِ تِلْكَ الجُمْلَةِ بِجَمِيعِ كَلِماتِها وسَلَكَ فِيها هَذا المَسْلَكَ اعْتِناءً بِها، فَتَأمَّلْ!

الصافات 37:111

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ صفحة 133 الكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾ حالٌ مِن إسْحاقَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ الصَّلاحِ، وفي تَأْخِيرِهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ الغايَةُ لَها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الكَمالِ والتَّكْمِيلِ والمَقْصُودُ مِنهُما الإتْيانُ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ السَّدِيدَةِ وهو في الِاسْتِعْمالِ يَخْتَصُّ بِها. وجُوِّزَ كَوْنُ (مِنَ الصّالِحِينَ) حالًا، وكَوْنُ (نَبِيًّا) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وقُدِّمَ في اللَّفْظِ لِلِاهْتِمامِ، ولِئَلّا تَخْتَلَّ رُءُوسُ الآيِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، عَلى أنَّ في جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ مُطْلَقًا أوِ اطِّرادِهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ كَلامًا لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الألْفِيَّةَ وشُرُوحَها، وفِيهِ ما فِيهِ مِن بُعْدٍ، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَـ”نَبِيًّا“، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ - وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ - أمْدَحُ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ كَوْنُهُ نَبِيًّا وكَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ أيْ مَقْضِيًّا كَوْنُهُ نَبِيًّا مَقْضِيًّا كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: مُقَدَّرًا، ولا يَكُونانِ بِذَلِكَ مِنَ الحالِ المُقَدَّرَةِ الَّتِي تُذْكَرُ في مُقابَلَةِ المُقارَنَةِ؛ بَلْ هُما بِهَذا الِاعْتِبارِ حالانِ مُقارِنانِ لِلْعامِلِ وهو فِعْلُ البِشارَةِ، أوْ شَيْءٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا... إلَخْ، وأوْجَبَ غَيْرُ واحِدٍ تَقْدِيرَ ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأنَّ البِشارَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ بَلْ بِالمَعانِي. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُتَعَلِّقَةً بِالأعْيانِ فالواقِعُ خِلافُهُ كَـ ﴿بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾، فَإنْ قِيلَ إنَّما يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ وِلادَةٍ ونَحْوِهِ مِنَ المَعانِي فَهو مَحَلُّ النِّزاعِ فَلا وجْهَ لَهُ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ المَعْنى عَلى إرادَةِ ذَلِكَ، ورُبَّما يُدَّعى أنَّ مَعْنى البِشارَةِ تَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي، وقِيلَ هُما حالانِ مُقَدَّرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ.

الصافات 37:112

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ صفحة 133 الكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾ حالٌ مِن إسْحاقَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ الصَّلاحِ، وفي تَأْخِيرِهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ الغايَةُ لَها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الكَمالِ والتَّكْمِيلِ والمَقْصُودُ مِنهُما الإتْيانُ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ السَّدِيدَةِ وهو في الِاسْتِعْمالِ يَخْتَصُّ بِها. وجُوِّزَ كَوْنُ (مِنَ الصّالِحِينَ) حالًا، وكَوْنُ (نَبِيًّا) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وقُدِّمَ في اللَّفْظِ لِلِاهْتِمامِ، ولِئَلّا تَخْتَلَّ رُءُوسُ الآيِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، عَلى أنَّ في جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ مُطْلَقًا أوِ اطِّرادِهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ كَلامًا لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الألْفِيَّةَ وشُرُوحَها، وفِيهِ ما فِيهِ مِن بُعْدٍ، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَـ”نَبِيًّا“، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ - وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ - أمْدَحُ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ كَوْنُهُ نَبِيًّا وكَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ أيْ مَقْضِيًّا كَوْنُهُ نَبِيًّا مَقْضِيًّا كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: مُقَدَّرًا، ولا يَكُونانِ بِذَلِكَ مِنَ الحالِ المُقَدَّرَةِ الَّتِي تُذْكَرُ في مُقابَلَةِ المُقارَنَةِ؛ بَلْ هُما بِهَذا الِاعْتِبارِ حالانِ مُقارِنانِ لِلْعامِلِ وهو فِعْلُ البِشارَةِ، أوْ شَيْءٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا... إلَخْ، وأوْجَبَ غَيْرُ واحِدٍ تَقْدِيرَ ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأنَّ البِشارَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ بَلْ بِالمَعانِي. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُتَعَلِّقَةً بِالأعْيانِ فالواقِعُ خِلافُهُ كَـ ﴿بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾، فَإنْ قِيلَ إنَّما يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ وِلادَةٍ ونَحْوِهِ مِنَ المَعانِي فَهو مَحَلُّ النِّزاعِ فَلا وجْهَ لَهُ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ المَعْنى عَلى إرادَةِ ذَلِكَ، ورُبَّما يُدَّعى أنَّ مَعْنى البِشارَةِ تَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي، وقِيلَ هُما حالانِ مُقَدَّرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ.

الصافات 37:113

﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾ أيْ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا بِأنْ كَثَّرْنا نَسْلَهُما وجَعَلْنا مِنهم أنْبِياءَ ورُسُلًا. وقُرِئَ (بَرَّكْنا) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ في عَمَلِهِ أوْ عَلى نَفْسِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ويَدْخُلُ فِيها ظُلْمُ الغَيْرِ ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ ظُلْمُهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النَّسَبَ لا أثَرَ لَهُ في الهُدى والضَّلالِ، وأنَّ الظُّلْمَ في الأعْقابِ لا يَعُودُ عَلى الأُصُولِ بِنَقِيصَةٍ وعَيْبٍ، هَذا، * * * وفِي الآياتِ بَعْدُ أبْحاثٌ: (الأوَّلُ) أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الذَّبِيحِ فَقالَ- عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في رِسالَتِهِ القَوْلُ الفَصِيحُ في تَعْيِينِ الذَّبِيحِ - عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو الطُّفَيْلِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُحَمَّدُ ابْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وأبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ وأبُو صالِحٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والكَلْبِيُّ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وغَيْرُهم إنَّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ جَماعَةٌ خُصُوصًا غالِبَ المُحْدَثِينَ وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو الصَّحِيحُ، وفي الهُدى أنَّهُ الصَّوابُ عِنْدَ عُلَماءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهُمْ، وسُئِلَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ عَنْ ذَلِكَ فَأنْشَدَ: إنَّ الذَّبِيحَ هُدِيتَ إسْماعِيلُ نَصَّ الكِتابُ بِذاكَ والتَّنْزِيلُ شَرَفٌ بِهِ خَصَّ الإلَهُ نَبِيَّنا ∗∗∗ وأتى بِهِ التَّفْسِيرُ والتَّأْوِيلُ إنْ كُنْتَ أُمَّتَهُ فَلا تَنْكِرْ لَهُ ∗∗∗ شَرَفًا بِهِ قَدْ خَصَّهُ التَّفْضِيلُ وفِي دَعْواهُ النَّصَّ نَظَرٌ، وهو المَشْهُورُ عِنْدَ العَرَبِ قَبْلَ البَعْثَةِ أيْضًا كَما يُشْعِرُ بِهِ أبْياتٌ نَقَلَها الثَّعالِبِيُّ في تَفْسِيرٍ عَنْ أُمِّيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ واسْتَدَلَّ لَهُ بِأنَّهُ الَّذِي وُهِبَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أثَرَ الهِجْرَةِ وبِأنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ صفحة 134 بَعْدُ مَعْطُوفَةٌ عَلى البِشارَةِ بِهَذا الغُلامِ، والظّاهِرُ التَّغايُرُ، فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ إسْماعِيلَ وبِأنَّهُ بُشِّرَ بِأنْ يُوجَدَ ويُنَبَّأ فَلا يَجُوزُ ابْتِلاءُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَبْحِهِ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ شَرْطَ وُقُوعِهِ مُنْتَفٍ، والجَوابُ بِأنَّ الأوَّلَ بِشارَةٌ بِالوُجُودِ وهَذا بِشارَةٌ بِالنُّبُوَّةِ ولَكِنْ بَعْدَ الذَّبْحِ- قالَ صاحِبُ الكَشْفِ- ضَعِيفٌ، لِأنَّ نَظْمَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ البِشارَةَ بِنُبُوَّتِهِ بَلْ عَلى أنَّ البِشارَةَ بِأمْرٍ مُقَيَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ بِوُجُودِ إسْحاقَ بَعْدَ الذَّبْحِ ولا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الوُجُودُ مُطْلَقًا وهو المَطْلُوبُ، فَإنْ قُلْتَ: يَكْفِي في الدَّلالَةِ تَقَدُّمُ البِشارَةِ بِالوُجُودِ أوَّلًا قُلْتُ: ذاكَ عَلَيْكَ لا لَكَ ومَن يُسَلِّمُ أنَّ المُتَقَدِّمَ بِشارَةٌ بِإسْحاقَ حَتّى يَسْتَتِبَّ لَكَ المَرامُ وبِأنَّ البِشارَةَ بِهِ وقَعَتْ مَقْرُونَةً بِوِلادَةِ يَعْقُوبَ مِنهُ عَلى ما هو الظّاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى في هُودٍ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ومَتّى بُشِّرَ بِالوَلَدِ ووَلَدِ الوَلَدِ دُفْعَةً كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الأمْرُ بِذَبْحِ الوَلَدِ مُراهِقًا قَبْلَ وِلادَةِ ولَدِهِ، ومَنعُ كَوْنِهِ إذْ ذاكَ مُراهِقًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بالِغًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ اليَهُودُ قَدْ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ وغَيْرُهُ مُكابَرَةٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها وبِأنَّهُ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وبِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وصَفَهُ بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ ولَمْ يَصِفْ سُبْحانَهُ إسْحاقَ بِشَيْءٍ مِنهُما فَهو الأنْسَبُ دُونَهُ بِأنْ يَقُولَ القائِلُ ﴿يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ المُصَدِّقُ في قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ وبِأنَّ ما وقَعَ كانَ بِمَكَّةَ وإسْماعِيلُ هو الَّذِي كانَ فِيها وبِأنَّ قَرْنَيِ الكَبْشِ كانا مُعَلَّقَيْنِ في الكَعْبَةِ حَتّى احْتَرَقا مَعَها أيّامَ حِصارِ الحَجّاجِ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانا قَدْ تَوارَثَهُما قُرَيْشٌ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، والظّاهِرُ أنَّ ذاكَ لَمْ يَكُنْ مِنهم إلّا لِلْفَخْرِ ولا يَتِمُّ لَهم إذا كانَ الكَبْشُ فِدًى لِإسْحاقَ دُونَ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ، وبِأنَّهُ رَوى الحاكِمُ في المُسْتَدْرِكِ وابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، والأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ والخِلَعِيُّ في فَوائِدِهِ مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي كَرِيمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي مُحَمَّدٍ الخَطّابِيِّ عَنِ العُتْبِيِّ عَنْ أبِيهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الصُّنابِحِيِّ قالَ: حَضَرْنا مَجْلِسَ مُعاوِيَةَ فَتَذاكَرَ القَوْمُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ أيُّهُما الذَّبِيحُ؟ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: إسْماعِيلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ إسْحاقُ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتُمْ كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأتاهُ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلَفْتُ الكَلَأ يابِسًا والماءَ عابِسًا هَلَكَ العِيالُ وضاعَ المالُ، فَعُدْ عَلَيَّ مِمّا أفاءَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ القَوْمُ: مَنِ الذَّبِيحانِ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ تَعالى إنْ سَهُلَ أمْرُها أنْ يَنْحَرَ بَعْضَ بَنِيهِ، فَلَمّا فَرَغَ أسْهَمَ بَيْنَهُمْ، وكانُوا عَشْرَةً، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَأرادَ أنْ يَنْحَرَهُ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ بَنُو مَخْزُومٍ وقالُوا: أرْضِ رَبَّكَ وافْدِ ابْنَكَ فَفَداهُ بِمِائَةِ ناقَةٍ، قالَ مُعاوِيَةُ: هَذا واحِدٌ والآخَرُ إسْماعِيلُ». وبِأنَّهُ ذُكِرَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَحَنَ إبْراهِيمَ فَقالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ ! فَقالَ: لَبَّيْكَ! قالَ: خُذِ ابْنَكَ وحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ وامْضِ إلى بَلَدِ العِبادَةِ وأصْعِدْهُ ثَمَّ قُرْبانًا عَلى أحَدِ الجِبالِ الَّذِي أُعَرِّفُكَ بِهِ، فَإنَّ مَعْنى (وحِيدَكَ) الَّذِي لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ ولا يُصَدَّقُ ذَلِكَ عَلى إسْحاقَ حِينَ الأمْرِ بِالذَّبْحِ؛ لِأنَّ إسْماعِيلَ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ لِأنَّهُ وُلِدَ لِإبْراهِيمَ عَلى ما في التَّوْراةِ وهو ابْنُ سِتٍّ وثَمانِينَ سَنَةً، ووُلِدَ إسْحاقُ عَلى ما فِيها أيْضًا وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى (الَّذِي تُحِبُّهُ) ألْيَقُ بِإسْماعِيلَ؛ لِأنَّ أوَّلَ ولَدٍ لَهُ مِنَ المَحَبَّةِ في الأغْلَبِ ما لَيْسَ لِمَن بَعْدُهُ مِنَ الأوْلادِ. ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ ما في التَّوْراةِ المَوْجُودَةِ بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ مِن ذِكْرِ (هُوَ إسْحاقُ ) بَعْدَ (الَّذِي تُحِبُّهُ) مِن زِياداتِهِمْ وأباطِيلِهِمُ الَّتِي أدْرَجُوها في كَلامِ اللَّهِ تَعالى إذْ لا يَكادُ يَلْتَئِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ، وأجابَ بَعْضُ اليَهُودِ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ إطْلاقَ الوَحِيدِ عَلى إسْحاقَ لِأنَّ صفحة 135 إسْماعِيلَ كانَ إذْ ذاكَ بِمَكَّةَ وهو تَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ الوَحِيدُ وصْفًا لِلِابْنِ إلّا إذا كانَ واحِدًا في البُنُوَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِيها، وقالَ لِي بَعْضٌ مِنهُمْ: إنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ واحِدًا لِأُمِّهِ ولَمْ يَكُنْ لَها ابْنٌ غَيْرُهُ، فَقُلْتُ: يُبَعَّدُ ذَلِكَ كُلَّ التَّبْعِيدِ إضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ؛ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أرْسَلَ إلى رَجُلٍ كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ، فَسَألَهُ أيُّ ابْنِي إبْراهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَقالَ: إسْماعِيلُ، واللَّهِ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وإنَّ يَهُودَ لَتَعْلَمُ بِذَلِكَ ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ في بَعْضِ نَسْخِ التَّوْراةِ (بِكْرَكَ) بَدَلَ (وحِيدَكَ) وهو أظْهَرُ في المَطْلُوبِ، وقِيلَ: هو إسْحاقُ، ونَسَبُهُ القُرْطُبِيُّ لِلْأكْثَرِينَ، وعَزاهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ إلى عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والعَبّاسِ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وأبِي مَيْسَرَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ والزُّهْرِيِّ والقاسِمِ بْنِ يَزِيدَ ومَكْحُولٍ وكَعْبٍ وعُثْمانَ بْنِ حاضِرٍ والسُّدِّيِّ والحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي الهُذَيْلِ وابْنِ سابِطٍ ومَسْرُوقٍ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وجَزَمَ بِهِ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ، والسُّهَيْلِيُّ في التَّعْرِيفِ والأعْلامِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَشَّرَ بِإسْماعِيلَ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَهو إسْحاقُ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ، ولِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ فالمَدْعُوُّ وُلِدَ مِن سارَّةَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كَفى هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مُبَشَّرٌ بِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ بَعْدَ اسْتِيفاءِ هَذِهِ القِصَّةِ وتَذْيِيلِها بِما ذَيَّلَ - ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ هُنالِكَ بِشارَتَيْنِ مُتَغايِرَتَيْنِ، ثُمَّ عَدَمُ الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ طَلَبَ ولَدٍ مِن سارَّةَ، ولا عُلِمَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا بِذَلِكَ قَبْلَ أنْ وُهِبَتْ هاجَرُ مِنهُ؛ لِأنَّها أُهْدِيَتْ إلَيْهِ في حَرّانَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الشّامِ عَلى أنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ كانَتْ في الشّامِ نَصًّا، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها؛ لِأنَّ البِشارَةَ عَقِيبَ الدُّعاءِ وكانَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الشّامِ قالَهُ في الكَشْفِ. وبِما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي كُرَيْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَبّابٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ دِينارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنِ الحَسَنِ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الذَّبِيحُ إسْحاقُ» . وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحَسَنَ بْنَ دِينارٍ مَتْرُوكٌ وشَيْخُهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وبِما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ناجِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ النَّسائِيِّ عَنْ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ عَبّادٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ داوُدَ سَألَ رَبَّهُ مَسْألَةً فَقالَ اجْعَلْنِي مِثْلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِّي ابْتَلَيْتُ إبْراهِيمَ بِالنّارِ فَصَبَرَ، وابْتَلَيْتُ إسْحاقَ بِالذَّبْحِ فَصَبَرَ وابْتَلَيْتُ يَعْقُوبَ فَصَبَرَ»، وبِما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ مِن طَرِيقِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ الكاتِبِ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ فَهْمٍ عَنْ خَلَفِ بْنِ سالِمٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ أسَدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذَّبِيحُ إسْحاقُ ”،» وبِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ مِن طَرِيقِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «“قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَنِي بَيْنَ أنْ يَغْفِرَ لِنِصْفِ أُمَّتِي أوْ شَفاعَتِي فاخْتَرْتُ شَفاعَتِي، ورَجَوْتُ أنْ تَكُونَ أعَمَّ لِأُمَّتِي، ولَوْلا الَّذِي سَبَقَنِي إلَيْهِ العَبْدُ الصّالِحُ لَعَجَّلْتُ دَعْوَتِي. إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا فَرَّجَ عَنْ إسْحاقَ كَرْبَ الذَّبْحِ قِيلَ لَهُ: يا إسْحاقُ سَلْ تُعْطَهُ قالَ: أما واللَّهِ لَأتَعَجَّلَنَّها قَبْلَ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ صفحة 136 اللَّهُمَّ مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا قَدْ أحْسَنَ فاغْفِرْ لَهُ» وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الحَدِيثُ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ، وأخْشى أنْ يَكُونَ فِيهِ زِيادَةٌ مُدْرَجَةٌ، وهي قَوْلُهُ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا فَرَّجَ) إلَخْ، وإنْ كانَ مَحْفُوظًا، فالأشْبَهُ أنَّ السِّياقَ عَنْ إسْماعِيلَ، وحَرَّفُوهُ بِإسْحاقَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وفِيها مِنَ المَوْقُوفِ والضَّعِيفِ والمَوْضُوعِ كَثِيرٌ، ومَتى صَحَّ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ في أنَّهُ إسْحاقُ قَبِلْناهُ ووَضَعْناهُ عَلى العَيْنِ والرَّأْسِ. والذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ يَدَّعُونَ صِحَّةَ شَيْءٍ مِنها في ذَلِكَ. وأُجِيبَ عَنْ بَعْضِ ما اسْتُدِلَّ بِهِ لِلْأوَّلِ بِأنَّ وُقُوعَ القِصَّةِ بِمَكَّةَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِالشّامِ، وتَعْلِيقُ القَرْنَيْنِ في الكَعْبَةِ لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِها بِمَكَّةَ، لِجَوازِ أنَّهُما نُقِلا مِن بِلادِ الشّامِ إلى مَكَّةَ فَعُلِّقا فِيها، وعَلى تَسْلِيمِ الوُقُوعِ بِمَكَّةَ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ قَدْ سارَ بِهِ مِنَ الشّامِ إلَيْها، بَلْ قَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِهِ، أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا رَأى إبْراهِيمُ في المَنامِ ذَبْحَ إسْحاقَ سارَ بِهِ مِن مَنزِلِهِ إلى المَنحَرِ بِمِنًى مَسِيرَةَ شَهْرٍ في غَداةٍ واحِدَةٍ، فَلَمّا صُرِفَ عَنْهُ الذَّبْحُ وأُمِرَ بِذَبْحِ الكَبْشِ ذَبْحَهُ، ثُمَّ راحَ بِهِ رَواحًا إلى مَنزِلِهِ في عَشِيَّةٍ واحِدَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرٍ طُوِيَتْ لَهُ الأوْدِيَةُ والجِبالُ، وأمْرُ الفَخْرِ لَوْ سُلِّمَ لَيْسَ بِالِاسْتِدْلالِ بِهِ كَثِيرُ فَخْرٍ، والخَبَرُ الَّذِي فِيهِ: «(يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ)» غَرِيبٌ، وفي إسْنادِهِ مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ، وفِيهِ ما هو ظاهِرُ الدِّلالَةِ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ مِن قَوْلِهِ: (فَلَمّا فَرَغَ أسْهَمَ بَيْنَهُمْ، فَكانُوا عَشَرَةً، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ )، فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بِإجْماعِ أهْلِ الأخْبارِ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، وقِصَّةُ نَذْرِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ذَبْحَ أحَدِ أوْلادِهِ تُرْوى بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ نَذَرَ الذَّبْحَ إذا بَلَغَ أوْلادُهُ عَشْرًا، فَلَمّا بَلَغُوها بِوِلادَةِ عَبْدِ اللَّهِ كانَ ما كانَ. وما شاعَ مِن خَبَرِ: «(أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ)» قالَ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، والخَبَرُ السّابِقُ بَعْدَ ما عُرِفَ حالُهُ لا يَكْفِي لِثُبُوتِهِ حَدِيثًا، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالذَّبِيحَيْنِ فِيهِ إسْحاقُ وعَبْدُ اللَّهِ، بِناءً عَلى أنَّ الأبَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ، أوْ أُرِيدَ بِهِما الذّابِحانِ وهُما إبْراهِيمُ وعَبْدُ المُطَّلِبِ بِحَمْلِ فَعِيلٍ عَلى مَعْنى فاعِلٍ، لا مَفْعُولٍ، وحَمَلَ هَؤُلاءِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾ عَلى البِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ، وما تَقَدَّمَ عَلى البِشارَةِ بِأنْ يُوجَدَ قَبْلُ، ولَمّا كانَ التَّبْشِيرُ هُناكَ قَبْلَ الوِلادَةِ، والتَّسْمِيَةُ إنَّما تَكُونُ بَعْدَها في الأغْلَبِ لَمْ يُسَمَّ هُناكَ وسَماهُ هُنا لِأنَّهُ بَعْدَ الوِلادَةِ، واسْتَأْنَسَ لِلِاتِّحادِ بِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ الصّالِحِينَ لِأنَّ مَطْلُوبَهُ كانَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا الغُلامُ الَّذِي بُشِّرْتَ بِهِ أوَّلًا، هو ما طَلَبْتَهُ بِقَوْلِكَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَهُ عَلى البِشارَةِ بِالنُّبُوَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ، إذْ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ بَشَّرْناهُ بِنُبُوَّتِهِ ونَحْوِهِ. وتَقْدِيرُ أنْ يُوجَدَ نَبِيًّا لا يَدْفَعُهُ كَما لا يَخْفى، وكَذا وصْفُهُ بِالصَّلاحِ الَّذِي طَلَبَهُ فَتَأمَّلْ. ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى قُوَّةَ الأدِلَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، ولَمْ يَتَرَجَّحْ شَيْءٌ مِنها عِنْدَهُ فَتَوَقَّفَ في التَّعْيِينِ كالجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، فَإنَّهُ قالَ في آخِرِ رِسالَتِهِ السّابِقَةِ: كُنْتُ مِلْتُ إلى القَوْلِ بِأنَّ الذَّبِيحَ إسْحاقُ في التَّفْسِيرِ، وأنا الآنَ مُتَوَقِّفٌ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم كَما نَقَلَهُ الخَفاجِيُّ: إنَّ في الدِّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ إسْحاقَ أدِلَّةً كَثِيرَةً، وعَلَيْهِ جُمْلَةُ أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يُنْقَلْ في الحَدِيثِ ما يُعارِضُهُ، فَلَعَلَّهُ وقَعَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالشّامِ لِإسْحاقَ ومَرَّةً بِمَكَّةَ لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، والتَّوَقُّفُ عِنْدِي خَيْرٌ مِن هَذا القَوْلِ، والَّذِي أمِيلُ أنا إلَيْهِ أنَّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِناءً عَلى ظاهِرِ الآيَةِ يَقْتَضِيهِ، وأنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِن أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ، ولَمْ أتَيَقَّنْ صِحَّةَ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، وحالُ أهْلِ الكِتابِ لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ. * * * صفحة 137 (البَحْثُ الثّانِي): أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِما في القِصَّةِ عَلى جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ الفِعْلِ، وهو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وخالَفَ فِيهِ المُعْتَزِلَةُ والصَّيْرَفِيُّ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُمِرَ بِذَبْحِ ولَدِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ولِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْدَمَ عَلى الذَّبْحِ، وتَرْوِيعِ الوَلَدِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ لَكانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، وعادَةً، ونُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ الفِعْلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، ولَوْ كانَ تَرَكَ الفِعْلَ مَعَ حُضُورِ الوَقْتِ لَكانَ عاصِيًا. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ وقَدْ حَضَرَ الوَقْتُ لَكانَ عاصِيًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ مُوَسَّعًا، فَيَحْصُلُ التَّمَكُّنُ، فَلا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ ثُمَّ يُنْسَخُ. وأُجِيبَ أمّا أوَّلًا فَبِأنَّهُ لَوْ كانَ مُوَسَّعًا لَكانَ الوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِالمُسْتَقْبَلِ، لِأنَّ الأمْرَ باقٍ عَلَيْهِ قَطْعًا، فَإذا نُسِخَ فَقَدْ نُسِخَ تَعَلُّقُ الوُجُوبِ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو المانِعُ مِنَ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إذا تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بِالمُسْتَقْبَلِ مَعَ بَقاءِ الأمْرِ عَلَيْهِ، امْتَنَعَ رَفْعُ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وإلّا لَزِمَ تَوارُدُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو مُحالٌ، فَإذا جَوَّزُوا النَّسْخَ في الواجِبِ المُوَسَّعِ في وقْتِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ مَعَ أنَّ الوُجُوبَ فِيهِ تَعَلُّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، والأمْرُ باقٍ عَلَيْهِ، فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِجَوازِ ما مَنَعُوهُ، وهو المَطْلُوبُ، وأمّا ثانِيًا، فَبِأنَّهُ لَوْ كانَ مُوَسَّعًا لَأخَّرَ الفِعْلَ ولَمْ يَقْدَمْ عَلى الذَّبْحِ، وتَرْوِيعِ الوَلَدِ عادَةً، إمّا رَجاءَ أنْ يُنْسَخَ عَنْهُ، وإمّا رَجاءَ أنْ يَمُوتَ فَيَسْقُطَ عَنْهُ لِعِظَمِ الأمْرِ، ومِثْلُهُ مِمّا يُؤَخَّرُ عادَةً. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُبادَرَةُ إلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِ عادَةِ أكْثَرِ النّاسِ، ولا تُسْتَبْعَدُ مِنهم خَوارِقُ العاداتِ، وإبْراهِيمُ مِن أجَلِّهِمْ قَدْرًا، سَلَّمْنا أنَّ العادَةَ ولَوْ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، لَكِنْ مِن أيْنَ عُلِمَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُؤَخِّرْ إلى آخِرِ الوَقْتِ اتِّباعًا لِلْعادَةِ، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الجَوابُ الأوَّلُ، وبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، ورُبَّما دَفَعُوهُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ، مِنها أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ وإنَّما تَوَهَّمَ ذَلِكَ تَوَهُّمًا بِإراءَةِ الرُّؤْيا، ولَوْ سُلِّمَ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالذَّبْحِ، إنَّما أُمِرَ بِمُقَدِّماتِهِ مِن إخْراجِ الوَلَدِ، وأخْذِهِ المُدْيَةَ، وتَلِّهِ لِلْجَبِينِ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ وإقْدامِهِ عَلى الذَّبْحِ والتَّرْوِيعِ المُحَرَّمِ، لَوْلا الأمْرُ، كَيْفَ، ويَدُلُّ عَلى خِلافِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، ولَوْلا الأمْرُ لَما كانَ بَلاءً مُبِينًا، ولَما احْتاجَ إلى الفِداءِ، وكَوْنُ الفِداءِ عَنْ ظَنِّهِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذَّبْحِ لا يَخْفى حالُهُ، وعَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ هو تَوْرِيطٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الجَهْلِ بِما يُظْهِرُ أنَّهُ أمْرٌ، ولَيْسَ بِأمْرٍ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ومَن لا يُجَوِّزُ الظَّنَّ الفاسِدَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَهَذا عِنْدَهُ أدْنى مِن لا شَيْءَ، ومِنها أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَمْ يَذْبَحْ بَلْ رُوِيَ أنَّهُ ذَبَحَ، وكانَ كُلَّما قَطَعَ شَيْئًا يَلْتَحِمُ عَقِيبَ القَطْعِ، وأنَّهُ خُلِقَ صَفِيحَةُ نُحاسٍ، أوْ حَدِيدٍ تَمْنَعُ الذَّبْحَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لا يُسْمَعُ، أمّا أوَّلًا، فَلِأنَّهُ خِلافُ العادَةِ، والظّاهِرِ، ولَمْ يُنْقَلْ نَقْلًا مُعْتَبَرًا. وأُجِيبَ بِأنَّ الرِّوايَةَ سَنَدٌ لِلْمَنعِ والضَّعْفُ لا يُنافِيهِ، والِاحْتِمالُ كافٍ في المَقامِ، ولا رَيْبَ في جَوازِهِ، كَإرْسالِ الكَبْشِ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ لَوْ ذَبَحَ لَما احْتِيجَ إلى الفِداءِ، وكَوْنُهُ لِأنَّ الإزْهاقَ لَمْ يَحْصُلْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَوْ مُنِعَ الذَّبْحُ بِالصَّفِيحَةِ مَعَ الأمْرِ بِهِ، لَكانَ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ، وهم لا يُجَوِّزُونَهُ، ثُمَّ قَدْ نُسِخَ عَنْهُ، وإلّا لَأثِمَ بِتَرْكِهِ، فَيَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَهو لَنا لا عَلَيْنا. ومِنَ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ مَن قالَ: ما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنَ النَّسْخِ، لِأنَّهُ رَفْعُ الحُكْمِ لا إلى بَدَلٍ، وهُنا لَهُ بَدَلٌ قائِمٌ مَقامَهُ كالفِدْيَةِ لِلصَّوْمِ في حَقِّ الشَّيْخِ الفانِي، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ حُكْمُ المَأْمُورِ بِهِ. وفي التَّلْوِيحِ فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ الخَلَفَ قامَ مَقامَ الأصْلِ لَكِنَّهُ اسْتَلْزَمَ حُرْمَةَ الأصْلِ أيْ ذَبْحَهُ، وتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ نَسْخٌ لا مَحالَةَ لِرَفْعِ حُكْمِهِ، قِيلَ: لا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ نَسْخًا، وإنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وهو صفحة 138 مَمْنُوعٌ، فَإنَّ حُرْمَةَ ذَبْحِ الوَلَدِ ثابِتَةٌ في الأصْلِ، فَزالَتْ بِالوُجُوبِ، ثُمَّ عادَتْ بِقِيامِ الشّاةِ مَقامَ الوَلَدِ، فَلا تَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا حَتّى يَكُونَ ثُبُوتُها نَسْخًا لِلْوُجُوبِ انْتَهى، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا بِناءً عَلى ما تَقَرَّرَ مِن أنَّ رَفْعَ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ لَيْسَ نَسْخًا، أمّا عَلى أنَّهُ نَسْخٌ كَما التَزَمَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ إذْ لا إباحَةَ، ولا تَحْرِيمَ إلّا بِشَرْعٍ، كَما قَرَّرُوهُ يَكُونُ رَفْعُ الحُرْمَةِ الأصْلِيَّةِ نَسْخًا، وإذا كانَ رَفْعُها نَسْخًا أيْضًا يَبْقى الإيرادُ المَذْكُورُ مِن غَيْرِ جَوابٍ عَلى ما قُرِّرَ في شَرْحِ التَّحْرِيرِ، هَذا، وتَمامُ الكَلامِ في حُجَّةِ الفَرِيقَيْنِ مُفَصَّلٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وهَذا المِقْدارُ كافٍ لِغَرَضِ المُفَسِّرِ. (البَحْثُ الثّالِثُ) أنَّهُ اسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ بِالقِصَّةِ عَلى أنَّ لَوْ نَذَرَ أنْ يَذْبَحَ ولَدَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ، ووافَقَهُ في ذَلِكَ مُحَمَّدٌ، ونَقَلَهُ الإمامُ القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكٍ. وفي تَنْوِيرِ الأبْصارِ وشَرْحِهِ الدُّرِّ المُخْتارِ: نَذَرَ أنْ يَذْبَحَ ولَدَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ لِقِصَّةِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وألْغاهُ الثّانِي، والشّافِعِيُّ كَنَذْرِهِ قَتْلَهُ، ونَقَلَ الجَصّاصُ أنَّ نَذْرَ القَتْلِ كَنَذْرِ الذَّبْحِ، واعْتُرِضَ عَلى الإمامِ بِأنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وجاءَ: «(لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى)،» وقالَ هُوَ: إنَّ ذَلِكَ في شَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِبارَةٌ عَنْ ذَبْحِ شاةٍ، ولَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، فَلَيْسَ مَعْصِيَةً، وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: لَيْسَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَذْرًا مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يَسْتَدِلَّ بِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ورَدَ في التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ أنَّهُ نَذَرَ ذَلِكَ، وهو في حُكْمِ النَّصِّ، ولِذا قِيلَ لَهُ لَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ: أوْفِ بِنَذْرِكَ، وبِأنَّهُ إذا قامَتِ الشّاةُ مَقامَ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عُلِمَ قِيامُها مَقامَ ما يُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، فَيَكُونُ ثابِتًا بِدِلالَةِ النَّصِّ، والإنْصافُ أنَّ مَدْرَكَ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ أظْهَرُ وأقْوى مِن مَدْرَكِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَتَأمَّلْ.

الصافات 37:114

﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أنْعَمْنا عَلَيْهِما بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والكَرْبُ العَظِيمُ تَغَلُّبُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: الغَرَقُ، ولَيْسَ بِذاكَ، ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لَهُما مَعَ القَوْمِ، وقِيلَ: لَهُما فَقَطْ، وجِيءَ بِهِ ضَمِيرَ جَمْعٍ لِتَعْظِيمِهِما، ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا أوْ تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، والتَّنْجِيَةُ وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ الوُجُودِ مُقارِنَةً لِما ذُكِرَ مِنَ النَّصْرِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ بِحَسْبِ المَفْهُومِ عِبارَةً عَنِ التَّخْلِيصِ عَنِ المَكْرُوهِ بَدَأ بِها، ثُمَّ بِالنَّصْرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُهُ بِمَحْضِ تَنْجِيَةِ المَنصُورِ مِن عَدُوِّهِ مِن غَيْرِ تَغَلُّبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالغَلَبَةِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِإظْهارِ أنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها،

الصافات 37:115

﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أنْعَمْنا عَلَيْهِما بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والكَرْبُ العَظِيمُ تَغَلُّبُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: الغَرَقُ، ولَيْسَ بِذاكَ، ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لَهُما مَعَ القَوْمِ، وقِيلَ: لَهُما فَقَطْ، وجِيءَ بِهِ ضَمِيرَ جَمْعٍ لِتَعْظِيمِهِما، ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا أوْ تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، والتَّنْجِيَةُ وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ الوُجُودِ مُقارِنَةً لِما ذُكِرَ مِنَ النَّصْرِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ بِحَسْبِ المَفْهُومِ عِبارَةً عَنِ التَّخْلِيصِ عَنِ المَكْرُوهِ بَدَأ بِها، ثُمَّ بِالنَّصْرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُهُ بِمَحْضِ تَنْجِيَةِ المَنصُورِ مِن عَدُوِّهِ مِن غَيْرِ تَغَلُّبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالغَلَبَةِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِإظْهارِ أنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها،

الصافات 37:116

﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أنْعَمْنا عَلَيْهِما بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والكَرْبُ العَظِيمُ تَغَلُّبُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: الغَرَقُ، ولَيْسَ بِذاكَ، ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لَهُما مَعَ القَوْمِ، وقِيلَ: لَهُما فَقَطْ، وجِيءَ بِهِ ضَمِيرَ جَمْعٍ لِتَعْظِيمِهِما، ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا أوْ تَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا، والتَّنْجِيَةُ وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ الوُجُودِ مُقارِنَةً لِما ذُكِرَ مِنَ النَّصْرِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ بِحَسْبِ المَفْهُومِ عِبارَةً عَنِ التَّخْلِيصِ عَنِ المَكْرُوهِ بَدَأ بِها، ثُمَّ بِالنَّصْرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُهُ بِمَحْضِ تَنْجِيَةِ المَنصُورِ مِن عَدُوِّهِ مِن غَيْرِ تَغَلُّبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالغَلَبَةِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِإظْهارِ أنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها،

الصافات 37:117

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:118

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:119

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:120

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:121

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:122

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:123

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ، صفحة 139 وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ. وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

الصافات 37:124

﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم عَلى المَشْهُورِ في إلْياسَ سِبْطٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أسْكَنَهم يُوشَعُ لَمّا فَتَحَ الشّامَ المَدِينَةَ المَعْرُوفَةَ اليَوْمَ بِبَعْلَبَكَّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها كانَتْ تُسَمّى بَكَّةَ، وقِيلَ: بَكْ بَلاها. ثُمَّ سُمِّيَتْ بِما عُرِفَ عَلى طَرِيقِ التَّرْكِيبِ المَزْجِيِّ، وإذ عِنْدَ جَمْعٍ مَفْعُولُ اذْكُرْ، مَحْذُوفًا أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ عَذابَ اللَّهِ تَعالى، ونِقْمَتَهُ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ.

الصافات 37:125

﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَهُ، أوْ تَطْلُبُونَ حاجَتَكم مِنهُ، وهو اسْمُ صَنَمٍ لَهم كَما قالَ الضَّحّاكُ والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي بَعْضِ نُسَخِ القامُوسِ: أنَّهُ لِقَوْمِ يُونُسَ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُما، أوْ ذَلِكَ تَحْرِيفٌ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ، وعَظَّمُوهُ حَتّى صفحة 140 أخْدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ، وجَعَلُوهم أنْبِياءَهُ فَكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِهِ، ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وقِيلَ: هو اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها، واسْتُؤْنِسَ لَهُ بِقِراءَةِ بَعْضِهِمْ، (بَعْلاءَ) بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، وظاهِرُ صَرْفِهِ أنَّهُ عَرَبِيٌّ عَلى القَوْلَيْنِ، فَلا تَغْفُلْ. وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: البَعْلُ الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ: وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ بِلُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةَ وأسْتامِ ابْنِ عَبّاسٍ: ناقَةُ رَجُلٍ مِن حِمْيَرَ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ صاحِبُها؟ قالَ: بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتَدْعُونَ بَعْلًا: أتَدْعُونَ رَبًّا مِمَّنْ أنْتَ؟ قالَ: مِن حِمْيَرَ، والمُرادُ عَلَيْهِ: أتَدْعُونَ بَعْضَ البُعُولِ أيِ الأرْبابِ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ أوِ المَعْبُوداتُ الباطِلَةُ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّبْعِيضِ، فَيَرْجِعُ لِما قِيلَ قَبْلَهُ، ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ وتَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ تَعالى، أوْ طَلَبَ جَمِيعِ حاجِكم مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِتَرْكِهِمْ إيّاهُ سُبْحانَهُ تَرْكُهم عِبادَتَهُ - عَزَّ وجَلَّ - والمُرادُ بِالخالِقِ مَن يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ إفْرادٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الإطْلاقِ فِيها فَلا إشْكالَ في إضافَةِ أفْعَلَ إلى ما بَعْدَهُ، وها هُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو ما وجْهُ العُدُولِ عَنْ (تَدَعُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ مُضارِعِ ودَعَ، بِمَعْنى تَرَكَ إلى ”تذرون“ مَعَ مُناسَبَتِهِ ومُجانَسَتِهِ لِتَدْعُونَ قَبْلَهُ دُونَ تَذَرُونَ؟ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأجْوِبَةٍ: الأوَّلُ أنَّ في ذَلِكَ نَوْعَ تَكَلُّفٍ والجِناسُ المُتَكَلَّفُ غَيْرُ مَمْدُوحٍ عِنْدَ البُلَغاءِ، ولا يُمْدَحُ عِنْدَهم ما لَمْ يَجِئْ عَفْوًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضاءِ، ولِذا ذَمُّوا مُتَكَلِّفَهُ فَقِيلَ فِيهِ: طَبْعُ المُجَنِّسِ فِيهِ نَوْعُ قِيادَةٍ أوَما تَرى تَأْلِيفَهُ لِلْأحْرُفِ قالَهُ الخَفاجِيُّ، وفي كَوْنِ هَذا البَيْتِ في خُصُوصِ المُتَكَلِّفِ نَظَرٌ وبُعْدٌ فِيهِ ما فِيهِ، الثّانِي: أنَّ في (تَدَعُونَ) إلْباسًا عَلى مَن يَقْرَأُ مِنَ المُصْحَفِ دُونَ حِفْظٍ مِنَ العَوامِّ بِأنْ يَقْرَأهُ كَتَدْعُونَ الأوَّلِ، ويَظُنَّ أنَّ المُرادَ إنْكارٌ بَيْنَ دُعاءِ بَعْلٍ ودُعاءِ أحْسَنِ الخالِقِينَ، ولَيْسَ بِالوَجْهِ، إذْ لَيْسَ مِن سُنَّةِ الكُتّابِ تَرْكُ ما يُلْبِسُ عَلى العَوامِّ كَما لا يَخْفى عَلى الخَواصِّ. والصَّحابَةُ أيْضًا لَمْ يُراعُوهُمْ، وإلّا لَما كَتَبُوا المُصْحَفَ غَيْرَ مَنقُوطٍ، ولا ذا شَكْلٍ كَما هو المَعْرُوفُ اليَوْمَ، وفي بَقاءِ الرَّسْمِ العُثْمانِيِّ مُعْتَبَرًا إلى انْقِضاءِ الصَّحابَةِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْنا، الثّالِثُ: أنَّ التَّجْنِيسَ تَحْسِينٌ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في مَقامِ الرِّضا والإحْسانِ لا في مَقامِ الغَضَبِ والتَّهْوِيلِ، وفِيهِ بِأنَّهُ وقَعَ فِيما نَفاهُ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾، وفِيهِما الجِناسُ التّامُّ ولا يَخْفى حالُ المَقامِ، الرّابِعُ: ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ تَرْكِ (تَدَعُونَ) إلى ”تذرون“ فَقالَ: تُرِكَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً وتَرَكُوا اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَبُّهم ورَبُّ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ اسْتِكْبارًا واسْتِنْكارًا فَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿وتَذَرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وتَدَعُونَ، وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ دَعْ أمْرٌ بِالتَّرْكِ قَبْلَ العِلْمِ، وذَرْ أمْرٌ بِالتَّرْكِ بَعْدَهُ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ والِاشْتِقاقُ، الخامِسُ: أنَّ لِإنْكارِ كُلٍّ مِن فِعْلَيْ دُعاءِ بَعْلٍ وتَرْكِ أحْسَنِ الخالِقِينَ عِلَّةً غَيْرُ عِلَّةِ إنْكارِ الآخَرِ فَتُرِكَ التَّجْنِيسُ رَمْزًا إلى شِدَّةِ المُغايَرَةِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ، السّادِسُ: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُجانَسَةٌ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ تُرِكَ التَّجْنِيسُ في الفِعْلَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِما، وإنْ كانَتِ المُجانَسَةُ المَنفِيَّةُ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ شَيْئًا والمُجانَسَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها بَيْنَ الفِعْلَيْنِ شَيْئًا آخَرَ، وكِلا الجَوابَيْنِ كَما تَرى، السّابِعُ: أنَّ يَدَعَ إنَّما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في التَّرْكِ الَّذِي لا يُذَمُّ مُرْتَكِبُهُ، لِأنَّهُ مِنَ الدَّعَةِ بِمَعْنى الرّاحَةِ، ويَذَرُ بِخِلافِهِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ إهانَةً وعَدَمَ اعْتِدادٍ، لِأنَّهُ مِنَ الوَذَرِ قِطْعَةِ اللَّحْمِ الحَقِيرَةِ الَّتِي لا يُعْتَدُّ بِها. واعْتُرِضَ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِ: بِخِلافِهِ أنَّ يَذَرُ إنَّما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في التَّرْكِ الَّذِي صفحة 141 يُذَمُّ مُرْتَكِبُهُ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى -:”فذرهم وما يفترون“، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ تَأمُّلٌ. الثّامِنُ: أنَّ يَدَعُ أخَصُّ مِن يَذَرُ، لِأنَّهُ بِمَعْنى تَرْكِ الشَّيْءِ مَعَ اعْتِناءٍ بِهِ بِشَهادَةِ الِاشْتِقاقِ نَحْوَ الإيداعِ، فَإنَّهُ تَرْكُ الوَدِيعَةِ مَعَ الِاعْتِناءِ بِحالِها، ولِهَذا يُخْتارُ لَها مَن هو مُؤْتَمَنٌ، ونَحْوُهُ مُوادَعَةُ الأحْبابِ، وأمّا يَذَرُ فَمَعْناهُ التَّرْكُ مُطْلَقًا، أوْ مَعَ الإعْراضِ والرَّفْضِ الكُلِّيِّ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: فُلانٌ يَذَرُ الشَّيْءَ أيْ يَقْذِفُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ، ومِنهُ الوَذَرُ وهو ما سَمِعْتَ آنِفًا، ولا شَكَّ أنَّ السِّياقَ إنَّما يُناسِبُ هَذا دُونَ الأوَّلِ، إذِ المُرادُ تَبْشِيعُ حالِهِمْ في الإعْراضِ عَنْ رَبِّهِمْ، وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ، لَكِنَّهُ سالِمٌ عَنْ بَعْضِ ما فِيهِ، التّاسِعُ: أنَّ في تَدَعُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ ثِقَلًا ما لا يَخْفى عَلى ذِي الذَّوْقِ السَّلِيمِ والطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ، وتَذَرُونَ سالِمٌ عَنْهُ، فَلِذا اخْتِيرَ عَلَيْهِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ إلى المُقْتَضِي لِلْإنْكارِ المَعْنِيِّ بِالهَمْزِ، وصُرِّحَ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ في قَوْلِهِ تَعالى:

الصافات 37:126

﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ)،﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَجُوزُ كَوْنُ ذاكَ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا: إنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ، (ورَبُّكُمْ) خَبَرُهُ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، (ورَبُّكُمْ) عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ وإذا وُقِفَ رُفِعَ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِآبائِهِمُ الأوَّلِينَ لِتَأْكِيدِ إنْكارِ تَرْكِهِمْ إيّاهُ تَعالى، والإشْعارِ بِبُطْلانِ آراءِ آبائِهِمْ أيْضًا.

الصافات 37:127

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فِيما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ مِن إيجابِ اللَّهِ تَعالى التَّوْحِيدَ وتَحْرِيمِهِ سُبْحانَهُ الإشْراكَ وتَعْذِيبِهِ تَعالى عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْذِيبُهم راجِعًا إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (اللَّهُ رَبُّكم ﴿فَإنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ في العَذابِ، وإنَّما أطْلَقَهُ اكْتِفاءً بِالقَرِينَةِ، أوْ لِأنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ في العُرْفِ العامِّ، أوْ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ لِإشْعارِهِ بِالجَبْرِ، ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الواوِ في (كَذَّبُوهُ) فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخْلِصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، ومُنِعَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ (مُحْضَرُونَ) لِأنَّهُ لِلْمُكَذِّبِينَ، فَإذا اسْتُثْنِيَ مِنهُ اقْتَضى أنَّهم كَذَّبُوهُ، ولَمْ يَحْضُرُوا، وفَسادُهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَثْنِ مِن ضَمِيرِ (كَذَّبُوا) كانُوا كُلُّهم مُكَذِّبِينَ، فَلَيْسَ فِيهِمْ مُخْلِصٌ فَضْلًا عَنْ مُخْلِصِينَ، ومَآلُهُ ما ذُكِرَ، لَكِنِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ كَمالٍ بِأنَّهُ لا فَسادَ فِيهِ، لِأنَّ اسْتِثْناءَهم مِنَ القَوْمِ المُحْضَرِينَ لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّوْصِيفُ بِالمُخْلِصِينَ، لا مِنَ المُكَذِّبِينَ، فَمَآلُ المَعْنى واحِدٌ. ورُدَّ بِأنَّ ضَمِيرَ (مُحْضَرِينَ) لِلْقَوْمِ كَضَمِيرِ (كَذَّبُوا). وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ الإحْضارِ بِالعَذابِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ يُعَيِّنُ كَوْنَ ضَمِيرِ (مُحْضَرِينَ) لِلْمُكَذِّبِينَ، لا لِمُطْلَقِ القَوْمِ، فَإنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ فَهو أمْرٌ آخَرُ، وفي البَحْرِ: ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلِصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ في العَذابِ وفِيهِ بَحْثٌ.

الصافات 37:128

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فِيما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ مِن إيجابِ اللَّهِ تَعالى التَّوْحِيدَ وتَحْرِيمِهِ سُبْحانَهُ الإشْراكَ وتَعْذِيبِهِ تَعالى عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْذِيبُهم راجِعًا إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (اللَّهُ رَبُّكم ﴿فَإنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ في العَذابِ، وإنَّما أطْلَقَهُ اكْتِفاءً بِالقَرِينَةِ، أوْ لِأنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ في العُرْفِ العامِّ، أوْ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ لِإشْعارِهِ بِالجَبْرِ، ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الواوِ في (كَذَّبُوهُ) فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخْلِصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، ومُنِعَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ (مُحْضَرُونَ) لِأنَّهُ لِلْمُكَذِّبِينَ، فَإذا اسْتُثْنِيَ مِنهُ اقْتَضى أنَّهم كَذَّبُوهُ، ولَمْ يَحْضُرُوا، وفَسادُهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَثْنِ مِن ضَمِيرِ (كَذَّبُوا) كانُوا كُلُّهم مُكَذِّبِينَ، فَلَيْسَ فِيهِمْ مُخْلِصٌ فَضْلًا عَنْ مُخْلِصِينَ، ومَآلُهُ ما ذُكِرَ، لَكِنِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ كَمالٍ بِأنَّهُ لا فَسادَ فِيهِ، لِأنَّ اسْتِثْناءَهم مِنَ القَوْمِ المُحْضَرِينَ لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّوْصِيفُ بِالمُخْلِصِينَ، لا مِنَ المُكَذِّبِينَ، فَمَآلُ المَعْنى واحِدٌ. ورُدَّ بِأنَّ ضَمِيرَ (مُحْضَرِينَ) لِلْقَوْمِ كَضَمِيرِ (كَذَّبُوا). وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ الإحْضارِ بِالعَذابِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ يُعَيِّنُ كَوْنَ ضَمِيرِ (مُحْضَرِينَ) لِلْمُكَذِّبِينَ، لا لِمُطْلَقِ القَوْمِ، فَإنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ فَهو أمْرٌ آخَرُ، وفي البَحْرِ: ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلِصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ في العَذابِ وفِيهِ بَحْثٌ.

الصافات 37:129

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في نَظِيرِهِ، بَيْدَ أنَّهُ يُقالُ ها هُنا: إنَّ إلْ ياسِينَ لُغَةٌ في إلْياسَ، وكَثِيرًا ما يَتَصَرَّفُونَ في الأسْماءِ الغَيْرِ العَرَبِيَّةِ. وفي الكَشّافِ: لَعَلَّ لِزِيادَةِ الياءِ والنُّونِ مَعْنًى في اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ، ومِن هَذا البابِ سَيْناءُ وسِينِينُ، واخْتارَ هَذِهِ اللُّغَةَ هُنا رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسَ، عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ بِإطْلاقِهِ عَلى قَوْمِهِ وأتْباعِهِ كالمُهَلَّبِينَ لِلْمُهَلَّبِ وقَوْمِهِ. وضُعِّفَ بِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ أوْ ثُنِّيَ وجَبَ تَعْرِيفُهُ بِاللّامِ جَبْرًا لِما فاتَهُ مِنَ العَلَمِيَّةِ، ولا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما فِيهِ تَغْلِيبٌ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ يَعِيشَ صفحة 142 فِي شَرْحِ المُفَصَّلِ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ نَكِرَةً بَعْدَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ نَحْوَ: زَيْدانِ كَرِيمانِ، وزَيْدُونَ كَرِيمُونَ، وهو مُخْتارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ، وقَدْ أشْبَعُوا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُفَصَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البَحْثَ إنَّما يَتَأتّى مَعَ مَن لَمْ يَجْعَلْ لامَ إلْياسَ لِلتَّعْرِيفِ، أمّا مَن جَعَلَها لَهُ فَلا يَتَأتّى البَحْثُ مَعَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسِيٍّ بِياءِ النِّسْبَةِ فَخُفِّفَ لِاجْتِماعِ الياءاتِ في الجَرِّ والنَّصْبِ، كَما قِيلَ: أعْجَمِينَ في أعْجَمِيِّينَ وأشْعَرِينَ في أشْعَرِيِّينَ، والمُرادُ بِالياسِينِ قَوْمُ إلْياسَ المُخْلِصُونَ، فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُنْسَبُوا إلَيْهِ، وضُعِّفَ بِقِلَّةِ ذَلِكَ، وإلْباسِهِ بِإلْياسَ، إذا جُمِعَ، وإنْ قِيلَ: حَذْفُ لامِ إلْياسَ مُزِيلٌ لِلْإلْباسِ، وأيْضًا هو غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذْ لَمْ يُذْكَرْ آلُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”آلَ ياسِينَ“ بِالإضافَةِ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ مُنْفَصِلًا، فَفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِهَذِهِ القِراءَةِ، وخَرَجَتْ عَنْ أنَّ ياسِينَ اسْمُ أبِي إلْياسَ، ويُحْمَلُ الآلُ عَلى إلْياسَ، وفي الكِنايَةِ عَنْهُ تَفْخِيمٌ لَهُ، كَما في آلِ إبْراهِيمَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الآلُ مُقْحَمًا عَلى أنَّ ياسِينَ هو إلْياسُ نَفْسُهُ. وقِيلَ: ياسِينُ فِيها اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَآلُ ياسِينَ آلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ”سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ“ نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ. وهُوَ ظاهِرٌ في جَعْلِ ياسِينَ اسْمًا لَهُ ﷺ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسُّورَةِ المَعْرُوفَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، فَآلُ ياسِينَ هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ أوْ خَواصُّها. وقِيلَ: اسْمٌ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ يَأْبَيانِ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ”عَلى الياسِينَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وتَخْرِيجِها يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قَرَأ مَعَهُ فِيما سَبَقَ إدْرِيسَ ”سَلامٌ عَلى ادْراسِينَ“، وعَنْ قَتادَةَ ”وأنَّ إدْرِيسَ“، وقَرَأ ”عَلى إدْرِيسِينَ“، وقَرَأ أُبَيٌّ ”عَلى إيلِيسَ“، كَما قَرَأ: ”وإنَّ إيلِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“.

الصافات 37:130

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في نَظِيرِهِ، بَيْدَ أنَّهُ يُقالُ ها هُنا: إنَّ إلْ ياسِينَ لُغَةٌ في إلْياسَ، وكَثِيرًا ما يَتَصَرَّفُونَ في الأسْماءِ الغَيْرِ العَرَبِيَّةِ. وفي الكَشّافِ: لَعَلَّ لِزِيادَةِ الياءِ والنُّونِ مَعْنًى في اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ، ومِن هَذا البابِ سَيْناءُ وسِينِينُ، واخْتارَ هَذِهِ اللُّغَةَ هُنا رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسَ، عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ بِإطْلاقِهِ عَلى قَوْمِهِ وأتْباعِهِ كالمُهَلَّبِينَ لِلْمُهَلَّبِ وقَوْمِهِ. وضُعِّفَ بِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ أوْ ثُنِّيَ وجَبَ تَعْرِيفُهُ بِاللّامِ جَبْرًا لِما فاتَهُ مِنَ العَلَمِيَّةِ، ولا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما فِيهِ تَغْلِيبٌ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ يَعِيشَ صفحة 142 فِي شَرْحِ المُفَصَّلِ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ نَكِرَةً بَعْدَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ نَحْوَ: زَيْدانِ كَرِيمانِ، وزَيْدُونَ كَرِيمُونَ، وهو مُخْتارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ، وقَدْ أشْبَعُوا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُفَصَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البَحْثَ إنَّما يَتَأتّى مَعَ مَن لَمْ يَجْعَلْ لامَ إلْياسَ لِلتَّعْرِيفِ، أمّا مَن جَعَلَها لَهُ فَلا يَتَأتّى البَحْثُ مَعَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسِيٍّ بِياءِ النِّسْبَةِ فَخُفِّفَ لِاجْتِماعِ الياءاتِ في الجَرِّ والنَّصْبِ، كَما قِيلَ: أعْجَمِينَ في أعْجَمِيِّينَ وأشْعَرِينَ في أشْعَرِيِّينَ، والمُرادُ بِالياسِينِ قَوْمُ إلْياسَ المُخْلِصُونَ، فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُنْسَبُوا إلَيْهِ، وضُعِّفَ بِقِلَّةِ ذَلِكَ، وإلْباسِهِ بِإلْياسَ، إذا جُمِعَ، وإنْ قِيلَ: حَذْفُ لامِ إلْياسَ مُزِيلٌ لِلْإلْباسِ، وأيْضًا هو غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذْ لَمْ يُذْكَرْ آلُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”آلَ ياسِينَ“ بِالإضافَةِ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ مُنْفَصِلًا، فَفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِهَذِهِ القِراءَةِ، وخَرَجَتْ عَنْ أنَّ ياسِينَ اسْمُ أبِي إلْياسَ، ويُحْمَلُ الآلُ عَلى إلْياسَ، وفي الكِنايَةِ عَنْهُ تَفْخِيمٌ لَهُ، كَما في آلِ إبْراهِيمَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الآلُ مُقْحَمًا عَلى أنَّ ياسِينَ هو إلْياسُ نَفْسُهُ. وقِيلَ: ياسِينُ فِيها اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَآلُ ياسِينَ آلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ”سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ“ نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ. وهُوَ ظاهِرٌ في جَعْلِ ياسِينَ اسْمًا لَهُ ﷺ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسُّورَةِ المَعْرُوفَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، فَآلُ ياسِينَ هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ أوْ خَواصُّها. وقِيلَ: اسْمٌ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ يَأْبَيانِ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ”عَلى الياسِينَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وتَخْرِيجِها يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قَرَأ مَعَهُ فِيما سَبَقَ إدْرِيسَ ”سَلامٌ عَلى ادْراسِينَ“، وعَنْ قَتادَةَ ”وأنَّ إدْرِيسَ“، وقَرَأ ”عَلى إدْرِيسِينَ“، وقَرَأ أُبَيٌّ ”عَلى إيلِيسَ“، كَما قَرَأ: ”وإنَّ إيلِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“.

الصافات 37:131

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في نَظِيرِهِ، بَيْدَ أنَّهُ يُقالُ ها هُنا: إنَّ إلْ ياسِينَ لُغَةٌ في إلْياسَ، وكَثِيرًا ما يَتَصَرَّفُونَ في الأسْماءِ الغَيْرِ العَرَبِيَّةِ. وفي الكَشّافِ: لَعَلَّ لِزِيادَةِ الياءِ والنُّونِ مَعْنًى في اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ، ومِن هَذا البابِ سَيْناءُ وسِينِينُ، واخْتارَ هَذِهِ اللُّغَةَ هُنا رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسَ، عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ بِإطْلاقِهِ عَلى قَوْمِهِ وأتْباعِهِ كالمُهَلَّبِينَ لِلْمُهَلَّبِ وقَوْمِهِ. وضُعِّفَ بِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ أوْ ثُنِّيَ وجَبَ تَعْرِيفُهُ بِاللّامِ جَبْرًا لِما فاتَهُ مِنَ العَلَمِيَّةِ، ولا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما فِيهِ تَغْلِيبٌ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ يَعِيشَ صفحة 142 فِي شَرْحِ المُفَصَّلِ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ نَكِرَةً بَعْدَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ نَحْوَ: زَيْدانِ كَرِيمانِ، وزَيْدُونَ كَرِيمُونَ، وهو مُخْتارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ، وقَدْ أشْبَعُوا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُفَصَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البَحْثَ إنَّما يَتَأتّى مَعَ مَن لَمْ يَجْعَلْ لامَ إلْياسَ لِلتَّعْرِيفِ، أمّا مَن جَعَلَها لَهُ فَلا يَتَأتّى البَحْثُ مَعَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسِيٍّ بِياءِ النِّسْبَةِ فَخُفِّفَ لِاجْتِماعِ الياءاتِ في الجَرِّ والنَّصْبِ، كَما قِيلَ: أعْجَمِينَ في أعْجَمِيِّينَ وأشْعَرِينَ في أشْعَرِيِّينَ، والمُرادُ بِالياسِينِ قَوْمُ إلْياسَ المُخْلِصُونَ، فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُنْسَبُوا إلَيْهِ، وضُعِّفَ بِقِلَّةِ ذَلِكَ، وإلْباسِهِ بِإلْياسَ، إذا جُمِعَ، وإنْ قِيلَ: حَذْفُ لامِ إلْياسَ مُزِيلٌ لِلْإلْباسِ، وأيْضًا هو غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذْ لَمْ يُذْكَرْ آلُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”آلَ ياسِينَ“ بِالإضافَةِ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ مُنْفَصِلًا، فَفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِهَذِهِ القِراءَةِ، وخَرَجَتْ عَنْ أنَّ ياسِينَ اسْمُ أبِي إلْياسَ، ويُحْمَلُ الآلُ عَلى إلْياسَ، وفي الكِنايَةِ عَنْهُ تَفْخِيمٌ لَهُ، كَما في آلِ إبْراهِيمَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الآلُ مُقْحَمًا عَلى أنَّ ياسِينَ هو إلْياسُ نَفْسُهُ. وقِيلَ: ياسِينُ فِيها اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَآلُ ياسِينَ آلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ”سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ“ نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ. وهُوَ ظاهِرٌ في جَعْلِ ياسِينَ اسْمًا لَهُ ﷺ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسُّورَةِ المَعْرُوفَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، فَآلُ ياسِينَ هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ أوْ خَواصُّها. وقِيلَ: اسْمٌ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ يَأْبَيانِ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ”عَلى الياسِينَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وتَخْرِيجِها يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قَرَأ مَعَهُ فِيما سَبَقَ إدْرِيسَ ”سَلامٌ عَلى ادْراسِينَ“، وعَنْ قَتادَةَ ”وأنَّ إدْرِيسَ“، وقَرَأ ”عَلى إدْرِيسِينَ“، وقَرَأ أُبَيٌّ ”عَلى إيلِيسَ“، كَما قَرَأ: ”وإنَّ إيلِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“.

الصافات 37:132

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في نَظِيرِهِ، بَيْدَ أنَّهُ يُقالُ ها هُنا: إنَّ إلْ ياسِينَ لُغَةٌ في إلْياسَ، وكَثِيرًا ما يَتَصَرَّفُونَ في الأسْماءِ الغَيْرِ العَرَبِيَّةِ. وفي الكَشّافِ: لَعَلَّ لِزِيادَةِ الياءِ والنُّونِ مَعْنًى في اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ، ومِن هَذا البابِ سَيْناءُ وسِينِينُ، واخْتارَ هَذِهِ اللُّغَةَ هُنا رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسَ، عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ بِإطْلاقِهِ عَلى قَوْمِهِ وأتْباعِهِ كالمُهَلَّبِينَ لِلْمُهَلَّبِ وقَوْمِهِ. وضُعِّفَ بِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ أوْ ثُنِّيَ وجَبَ تَعْرِيفُهُ بِاللّامِ جَبْرًا لِما فاتَهُ مِنَ العَلَمِيَّةِ، ولا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما فِيهِ تَغْلِيبٌ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ يَعِيشَ صفحة 142 فِي شَرْحِ المُفَصَّلِ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ نَكِرَةً بَعْدَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ نَحْوَ: زَيْدانِ كَرِيمانِ، وزَيْدُونَ كَرِيمُونَ، وهو مُخْتارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ، وقَدْ أشْبَعُوا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُفَصَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البَحْثَ إنَّما يَتَأتّى مَعَ مَن لَمْ يَجْعَلْ لامَ إلْياسَ لِلتَّعْرِيفِ، أمّا مَن جَعَلَها لَهُ فَلا يَتَأتّى البَحْثُ مَعَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسِيٍّ بِياءِ النِّسْبَةِ فَخُفِّفَ لِاجْتِماعِ الياءاتِ في الجَرِّ والنَّصْبِ، كَما قِيلَ: أعْجَمِينَ في أعْجَمِيِّينَ وأشْعَرِينَ في أشْعَرِيِّينَ، والمُرادُ بِالياسِينِ قَوْمُ إلْياسَ المُخْلِصُونَ، فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُنْسَبُوا إلَيْهِ، وضُعِّفَ بِقِلَّةِ ذَلِكَ، وإلْباسِهِ بِإلْياسَ، إذا جُمِعَ، وإنْ قِيلَ: حَذْفُ لامِ إلْياسَ مُزِيلٌ لِلْإلْباسِ، وأيْضًا هو غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذْ لَمْ يُذْكَرْ آلُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”آلَ ياسِينَ“ بِالإضافَةِ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ مُنْفَصِلًا، فَفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِهَذِهِ القِراءَةِ، وخَرَجَتْ عَنْ أنَّ ياسِينَ اسْمُ أبِي إلْياسَ، ويُحْمَلُ الآلُ عَلى إلْياسَ، وفي الكِنايَةِ عَنْهُ تَفْخِيمٌ لَهُ، كَما في آلِ إبْراهِيمَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الآلُ مُقْحَمًا عَلى أنَّ ياسِينَ هو إلْياسُ نَفْسُهُ. وقِيلَ: ياسِينُ فِيها اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَآلُ ياسِينَ آلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ”سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ“ نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ. وهُوَ ظاهِرٌ في جَعْلِ ياسِينَ اسْمًا لَهُ ﷺ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسُّورَةِ المَعْرُوفَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، فَآلُ ياسِينَ هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ أوْ خَواصُّها. وقِيلَ: اسْمٌ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ يَأْبَيانِ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ”عَلى الياسِينَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وتَخْرِيجِها يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قَرَأ مَعَهُ فِيما سَبَقَ إدْرِيسَ ”سَلامٌ عَلى ادْراسِينَ“، وعَنْ قَتادَةَ ”وأنَّ إدْرِيسَ“، وقَرَأ ”عَلى إدْرِيسِينَ“، وقَرَأ أُبَيٌّ ”عَلى إيلِيسَ“، كَما قَرَأ: ”وإنَّ إيلِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“.

الصافات 37:133

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

الصافات 37:134

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

الصافات 37:135

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

الصافات 37:136

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

الصافات 37:137

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

الصافات 37:138

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

الصافات 37:139

﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُرْوى عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نُبِّئَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وحُكِيَ في البَحْرِ: أنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ، وهو ابْنُ مَتّى بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَقْصُورٌ، وهَلْ هَذا اسْمُ أُمِّهِ، أوْ أبِيهِ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: اسْمُ أُمِّهِ، وهو المَذْكُورُ في تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وقِيلَ: صفحة 143 اسْمُ أبِيهِ، وهَذا - كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ - أصَحُّ، وبَعْضُ أهْلِ الكِتابِ يُسَمِّيهِ يُونانَ بْنَ مائِيٍّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ يُونَهْ بْنَ امْتَيايَ، ولَمْ نَقِفْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ، وفي اسْمِهِ عِنْدَ العَرَبِ سِتُّ لُغاتٍ تَثْلِيثُ النُّونِ مَعَ الواوِ والياءِ والهَمْزَةِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِضَمِّ النُّونِ مَعَ الواوِ. وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِ النُّونِ قِيلَ: أرادَ أنْ يَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا مِن أنِسَ، وهو كَما تَرى،

الصافات 37:140

﴿إذْ أبَقَ﴾ هَرَبَ، وأصْلُهُ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ كَما هو الأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَسُنَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ، فَهو إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِنَ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ، والأوَّلُ أبْلَغُ، وقالَ بَعْضُ الكُمَّلِ: الإباقُ الفِرارُ مِنَ السَّيِّدِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ طالِبٌ أيْ بِهَذا القَصْدِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَرَبَ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلى حَيْثُ طَلَبُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ فاسْتُعِيرَ الإباقُ لِهَرَبِهِ بِاعْتِبارِ هَذا القَيْدِ لا بِاعْتِبارِ القَيْدِ الأوَّلِ، وفِيهِ بَعْدَ تَسْلِيمٍ اعْتِبارُ هَذا القَيْدِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ ذَلِكَ القَيْدِ، فَلا اعْتِبارَ بِنَفْيِ اعْتِبارِهِ، ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، المَمْلُوءِ.

الصافات 37:141

﴿فَساهَمَ﴾ فَقارَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن في الفُلْكِ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ. ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ بِالقُرْعَةِ، وأصْلُهُ المَزْلَقُ اسْمُ مَفْعُولٍ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ. يُرْوى أنَّهُ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ وأخْبَرَهم أنَّهُ يَأْتِيهِمْ إلى ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ خَرَجَ يُونُسُ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، فَفَقَدَهُ قَوْمُهُ، فَخَرَجُوا بِالكَبِيرِ والصَّغِيرِ والدَّوابِّ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها، فَشارَفَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ تَعالى وأنابُوا، واسْتَقالُوا، فَأقالَهُمُ اللَّهُ تَعالى وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ يُونُسُ نُزُولَ العَذابِ اسْتَحى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ، وقالَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا، ومَضى عَلى وجْهِهِ، فَأتى سَفِينَةً، فَرَكِبَها، فَلَمّا وصَلَتِ اللُّجَّةَ وقَفَتْ، فَلَمْ تَسِرْ، فَقالَ صاحِبُها: ما يَمْنَعُها أنْ تَسِيرَ إلّا أنَّ فِيكم رَجُلًا مَشْؤُومًا، فاقْتَرَعُوا لِيُلْقُوا مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ في الماءِ، فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ، ثُمَّ أعادُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أعادُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَمى بِنَفْسِهِ في الماءِ.

الصافات 37:142

﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾ أيِ ابْتَلَعَهُ مِنَ اللُّقْمَةِ. وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أتى قَوْمًا في سَفِينَةٍ فَحَمَلُوهُ وعَرَفُوهُ، فَلَمّا دَخَلَها رَكَدَتْ، والسُّفُنُ تَسِيرُ يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ: ما بالُ سَفِينَتِكُمْ؟ قالُوا: ما نَدْرِي، قالَ: ولَكِنِّي أدْرِي، إنَّ فِيها عَبْدًا آبِقٌ مِن رَبِّهِ، وإنَّها واللَّهِ لا تَسِيرُ حَتّى تُلْقُوهُ، قالُوا: أمّا أنْتَ واللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَلا نُلْقِيكَ، فَقالَ لَهُمُ: اقْتَرِعُوا فَمَن قُرِعَ فَلْيُلْقَ، فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَرَمى بِنَفْسِهِ، فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى. وكَيْفِيَّةُ اقْتِراعِهِمْ عَلى ما في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم أخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ، فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا وقَفَ عَلى شَفِيرِ السَّفِينَةِ لِيَرْمِيَ بِنَفْسِهِ رَأى حُوتًا - واسْمُهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وجَماعَةٌ، عَنْ قَتادَةَ نَجْمٌ - قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الماءِ قَدْرَ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ، يَرْقُبُهُ، ويَتَرَصَّدُهُ، فَذَهَبَ إلى رُكْنٍ آخَرَ، فاسْتَقْبَلَهُ الحُوتُ، فانْتَقَلَ إلى آخَرَ فَوَجَدَهُ. وهَكَذا حَتّى اسْتَدارَ بِالسَّفِينَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَطَرَحَ نَفْسَهُ فَأخَذَهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الماءِ، ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ داخِلٌ في المَلامَةِ عَلى أنَّ بِناءَ أفْعَلَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ نَحْوَ أحْرَمَ، إذا دَخَلَ الحَرَمَ، أوْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ نَحْوَ أغَدَّ البَعِيرُ أيْ صارَ ذا غُدَّةٍ، فَهو هُنا لِما أتى بِما يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَيْهِ صارَ ذا لَوْمٍ، أوْ مُلِيمَ نَفْسِهِ، عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ نَحْوَ أقْدَمْتُهُ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِهِ صفحة 144 بِالمُسِيءِ والمُذْنِبِ، فَبَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. وقُرِئَ ”مَلِيمٌ“ بِفَتْحِ أوَّلِهِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وقِياسُهُ مَلْوُومٌ، لِأنَّهُ واوِيٌّ، يُقالُ: لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، لَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى لِيمَ كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٌّ في مَشُوبٍ ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شِيبَ ودُعِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قُلِبَتِ الواوُ ياءً في المَجْهُولِ جُعِلَ كالأصْلِ، فَحُمِلَ الوَصْفُ عَلَيْهِ.

الصافات 37:143

﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيْ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى كَثِيرًا بِالتَّسْبِيحِ كَما قِيلَ، وفي كَلامِ قَتادَةَ ما يُشْعِرُ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، واسْتِفادَتِها عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مِن جَعْلِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ دُونَ أنْ يُقالَ: مُسَبِّحًا، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَرِيقٌ فِيهِمْ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ، مَعْدُودٌ في عِدادِهِمْ، ومِثْلُهُ يَسْتَلْزِمُ الكَثْرَةَ، وقِيلَ: مِنَ التَّفْعِيلِ. ورُدَّ بِأنَّ مَعْنى سَبَّحَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ، إذْ هو قالَ سُبْحانَ اللَّهِ، وقَدْ يُقالُ: هي مِن إرادَةِ الثُّبُوتِ مِنَ ﴿المُسَبِّحِينَ﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ التَّسْبِيحَ دَيْدَنٌ لَهُمْ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ ها هُنا حَقِيقَتُهُ، وهو القَوْلُ المَذْكُورُ، أوْ ما في مَعْناهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ. وهَذا الكَوْنُ عِنْدَ بَعْضٍ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ أيّامَ الرَّخاءِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ، وأنَّ التَّسْبِيحَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الذِّكْرِ مُطْلَقًا، وبَعْضٌ آخَرُ عَلى العِبادَةِ كَذَلِكَ، وجَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى الصَّلاةِ بَلْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِنَ التَّسْبِيحِ فَهو بِمَعْنى الصَّلاةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ إنْ كانَ اللَّفْظُ فِيما ذُكِرَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، ولَمْ يَكُنْ لِلتَّسْبِيحِ حَقِيقَةٌ أُخْرى شَرْعِيَّةٌ أيْضًا لَمْ يَحْتَجْ إلى قَرِينَةٍ، وإنْ كانَ مَجازًا، أوْ كانَ لِلتَّسْبِيحِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أُخْرى احْتِيجَ إلى قَرِينَةٍ، فَإنْ وُجِدَتْ فَذاكَ، وإلّا فالأمْرُ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ، وكَما اخْتُلِفَ في زَمانِ التَّسْبِيحِ بِالمَعْنى السّابِقِ اخْتُلِفَ في زَمانِهِ بِالمَعانِي الأُخَرِ، أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ. وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بَطْنَ الحُوتِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ما كانَ إلّا صَلاةٌ أحْدَثَها في بَطْنِ الحُوتِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِقَتادَةَ فَقالَ: لا إنَّما كانَ يَعْمَلُ في الرَّخاءِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ ما ذُكِرَ. فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، والحاكِمُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ يُكْثِرُ الصَّلاةَ في الرَّخاءِ، فَلَمّا حَصَلَ في بَطْنِ الحُوتِ ظَنَّ أنَّهُ المَوْتُ، فَحَرَّكَ رِجْلَيْهِ، فَإذا هي تَتَحَرَّكُ، فَسَجَدَ، وقالَ: يا رَبِّ، اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ أحَدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، إلَخْ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنتُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، فَقِيلَ لَهُ: ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾، والأوْلى حَمْلُ زَمانِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ عَلى ما يَعُمُّ زَمانَ الرَّخاءِ وزَمانَ كَوْنِهِ في بَطْنِ الحُوتِ، فَإنَّ لِاتِّصافِهِ بِذَلِكَ في كِلا الزَّمانَيْنِ مَدْخَلًا في خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ الحُوتِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾

الصافات 37:144

﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا التَقَمَهُ الحُوتُ وهَوى بِهِ حَتّى انْتَهى إلى ما انْتَهى مِنَ الأرْضِ سَمِعَ تَسْبِيحَ الأرْضِ فَنادى في الظُّلُماتِ: أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَأقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ نَحْوَ العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: يا رَبَّنا، إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا مِن بِلادِ غُرْبَةٍ، قالَ سُبْحانَهُ: وما تَدْرُونَ صفحة 145 ما ذاكُمْ؟ قالُوا: لا يا رَبَّنا، قالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ، قالُوا: الَّذِي كُنّا لا نَزالُ نَرْفَعُ لَهُ عَمَلًا مُتَقَبَّلًا ودَعْوَةً مُجابَةً؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: يا رَبَّنا ألا تَرْحَمُ ما كانَ يَصْنَعُ في الرَّخاءِ وتُنْجِيهِ عِنْدَ البَلاءِ؟ قالَ: بَلى، فَأمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - الحُوتَ فَلَفَظَهُ». واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ﴾ إلَخْ، لَبَقِيَ في بَطْنِهِ حَيًّا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وبِهِ أقُولُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُنافِيهِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ لا يَبْقى عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى ذُو رُوحٍ مِنَ البَشَرِ والحَيَوانِ في البَرِّ والبَحْرِ. وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُرُودِ ذَلِكَ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُبالَغَةٌ في طُولِ المُدَّةِ مَعَ أنَّهُ في حَيِّزِ لَوْ، فَلا يَرِدُ رَأْسًا، أوِ المُرادُ بِوَقْتِ البَعْثِ ما يَشْمَلُ زَمانَ النَّفْخَةِ لِأنَّهُ مِن مُقَدِّماتِهِ، فَكَأنَّهُ مِنهُ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ قَبْرًا لَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ أُرِيدَ لَلَبِثَ مَيِّتًا في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، ولا مانِعَ مِن بَقاءِ بِنْيَةِ الحُوتِ كَبِنْيَتِهِ مِن غَيْرِ تَسَلُّطِ البَلاءِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، وضَمِيرُ ﴿يُبْعَثُونَ﴾ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو ظاهِرٌ،

الصافات 37:145

﴿فَنَبَذْناهُ﴾ بِأنْ حَمَلْنا الحُوتَ عَلى لَفْظِهِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، والنَّبْذُ عَلى ما في القامُوسِ طَرْحُكَ الشَّيْءَ أمامًا، أوْ وراءً، أوْ هو عامٌّ. وقالَ الرّاغِبُ: النَّبْذُ إلْقاءُ الشَّيْءِ، وطَرْحُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الطَّرْحُ والرَّمْيُ، والقَيْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرّاغِبُ لا أرْغَبُ فِيهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ أبِقَ وخَرَجَ مِن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ واعْتَراهُ مِن تَأْدِيبِهِ تَعالى ما اعْتَراهُ، فالرَّبُّ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْبِيائِهِ رَحِيمٌ، ولَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ شَأْنٍ اعْتِدادٌ بِهِمْ عَظِيمٌ، فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْتَدٌّ بِهِ في حالِ الإلْقاءِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ ﴿بِالعَراءِ﴾ أيْ بِالمَكانِ الخالِي عَمّا يُغَطِّيهِ مِن شَجَرٍ أوْ نَبْتٍ، يُرْوى أنَّ الحُوتَ سارَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ يَتَنَفَّسُ، ويُونُسُ يُسَبِّحُ حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ فَلَفَظَهُ. ورُدَّ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ رَفْعِ رَأْسِهِ لِلتَّنَفُّسِ لا يَخْرُجُ مِنها، ثُمَّ إنَّ هَذا لِئَلّا يَخْتَنِقَ يُونُسُ أوْ تَنْحَصِرَ نَفْسُهُ بِحُكْمِ العادَةِ لا لِيَمْتَنِعَ دُخُولُ الماءِ جَوْفَ الحُوتِ حَتّى يُقالَ السُّمْكُ لا يَحْتاجُ لِذَلِكَ، ومَعَ هَذا نَحْنُ لا نَجْزِمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ، فَقَدْ رُوِيَ أيْضًا أنَّهُ طافَ بِهِ البِحارَ كُلَّها، ثُمَّ نَبَذَهُ عَلى شَطِّ دِجْلَةَ قُرَيْبَ نِينُوى، بِكَسْرِ النُّونِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ كَما في الكَشْفِ مِن أرْضِ المَوْصِلِ، والِالتِقامُ كانَ في دِجْلَةَ أيْضًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ البَعْضُ، وخالَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَقْلُ كَلامِهِمْ لَكَ في هَذِهِ القِصَّةِ لِتَقِفَ عَلى ما فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ الحُوتَ مِن حِيتانِ دِجْلَةَ أيْضًا، وقَدْ شاهَدْنا فِيها حِيتانًا عَظِيمَةً جِدًّا، وقِيلَ: كانَ مِن حِيتانِ النِّيلِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ جَلَسَ هو وطاوُسٌ، ونَحْوُهُما مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَذَكَرُوا، أيُّ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أسْرَعُ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿كَلَمْحِ البَصَرِ﴾، وقالَ بَعْضُهُمُ: السَّرِيرُ حِينَ أُتِيَ بِهِ سُلَيْمانُ، وقالَ وهْبٌ: أسْرَعُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أنَّ يُونُسَ عَلى حافَةِ السَّفِينَةِ إذْ أوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نُونٍ في نِيلِ مِصْرَ فَما خَرَّ مِن حافَتِها إلّا في جَوْفِهِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أعْظَمُ مِن ذَلِكَ لَكِنَّ الشُّبْهَةَ في صِحَّةِ الخَبَرِ. وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: لا شُبْهَةَ في عَدَمِ صِحَّتِهِ. واخْتُلِفَ في مُدَّةِ لُبْثِهِ، فَأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: التَقَمَهُ الحُوتُ ضُحًى، ولَفِظَهُ عَشِيَّةً، وكَأنَّهُ أرادَ حِينَ أظْلَمَ اللَّيْلُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّهُ لَبِثَ في جَوْفِهِ ثَلاثًا، وفي كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ، وعَنْ عَطاءٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ: عِشْرِينَ يَوْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، والكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفي البَحْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ خَبَرٌ في مُدَّةِ لُبْثِهِ - عَلَيْهِ صفحة 146 السَّلامُ - في بَطْنِ الحُوتِ، ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ مِمّا نالَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: إنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ ولا شَعْرَ لَهُ، ولا جِلْدَ، ولا ظُفْرَ. ولَعَلَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بِحُكْمِ العادَةِ أنَّ لِمُدَّةِ لُبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ طُولًا ما.

الصافات 37:146

﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ أنْبَتْناها مُطِلَّةً عَلَيْهِ مُظِلَّةً لَهُ، كالخَيْمَةِ فَعَلَيْهِ حالٌ مِن ﴿شَجَرَةً﴾ قُدِّمَتْ عَلَيْها لِأنَّها نَكِرَةٌ، واليَقْطِينُ يَفْعِيلٌ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وزادَ الطَّبَرْسِيُّ إقامَةَ زائِلٍ لا إقامَةَ راسِخٍ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما جاءَ عَنِ الحَسَنِ والسِّبْطِ. وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُما: الدُّبّاءُ وهو القَرْعُ المَعْرُوفُ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهُ، وأنْبَتَها اللَّهُ تَعالى مُطِلَّةً عَلَيْهِ، لِأنَّها تَجْمَعُ خِصالًا بَرْدَ الظِّلِّ والمَلْمَسِ، وعِظَمَ الوَرَقِ، وأنَّ الذُّبابَ لا يَقَعُ عَلَيْها عَلى ما قِيلَ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِرِقَّةِ جِلْدِهِ بِمُكْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ يُؤْذِيهِ الذُّبابُ ومُماسَّةُ ما فِيهِ خُشُونَةٌ، ويُؤْلِمُهُ حَرُّ الشَّمْسِ، ويَسْتَطِيبُ بارِدَ الظِّلِّ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بِذَلِكَ، وذُكِرَ أنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ، واشْتُهِرَ أنَّ الشَّجَرَ ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ فَيُشْكِلُ تَفْسِيرُ الشَّجَرَةِ هُنا بِالدُّبّاءِ. وأجابَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَها عَلى ساقٍ لِتُظِلَّهُ خَرْقًا لِلْعادَةِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: العامَّةُ تُخَصِّصُ الشَّجَرَ بِما لَهُ ساقٌ، وعِنْدَ العَرَبِ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أرُومَةٌ تَبْقى فَهو شَجَرٌ، وغَيْرُهُ نَجْمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ أفْصَحِ الفُصَحاءِ ﷺ «(شَجَرَةُ الثُّومِ)» انْتَهى. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَكَ أنْ تَقُولَ: أصْلُ مَعْناهُ ما لَهُ أرُومَةٌ، لَكِنَّهُ غَلَبَ في عُرْفِ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى ما لَهُ ساقٌ وأغْصانٌ، فَإذا أُطْلِقَ يَتَبادَرُ مِنهُ المَعْنى الثّانِي، وإذا قُيِّدَ كَما هُنا. وفي الحَدِيثِ يَرُدُّ عَلى أصْلِهِ، وهو الظّاهِرُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ تَمَحُّلٌ في مَحَلٍّ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ لا ساقَ لَها فَهي مِنَ اليَقْطِينِ، والَّذِي يَكُونُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ البِطِّيخِ والقِثّاءِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اليَقْطِينِ أهُوَ القَرْعُ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّها شَجَرَةٌ سَمّاها اللَّهُ تَعالى اليَقْطِينَ أظَلَّتْهُ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ، ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ، وفي أُخْرى: كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وقِيلَ: شَجَرَةُ اليَقْطِينِ هي شَجَرَةُ المَوْزِ تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها، وقِيلَ: شَجَرَةُ التِّينِ، والأصَحُّ ما تَقَدَّمَ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَأْكُلُ مِن ذَلِكَ القَرْعِ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: طُرِحَ بِالعَراءِ، فَأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ يَقْطِينَةً، فَقِيلَ لَهُ: ما اليَقْطِينَةُ؟ قالَ: شَجَرَةُ الدُّبّاءِ، هَيَّأ اللَّهُ تَعالى لَهُ أرَوِيَةً وحْشِيَّةً تَأْكُلُ مِن حِشاشِ الأرْضِ فَتُفْسِحُ عَلَيْهِ، فَتَرْوِيهِ مِن لَبَنِها كُلَّ عَشِيَّةٍ وبُكْرَةٍ، حَتّى نَبَتَتْ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرَةِ، وتَخْتَلِفُ إلَيْهِ الأرْوِيَةُ، فَيَشْرَبُ مِن لَبَنِها، وفي بَعْضِ الآثارِ: أنَّها نَبَتَتْ، وأظَلَّتْهُ في يَوْمِها. أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ البَحْرِ نامَ نَوْمَةً فَأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، وهي الدُّبّاءُ، فَأظَلَّتْهُ، وبَلَغَتْ في يَوْمِها، فَرَآها قَدْ أظَلَّتْهُ، ورَأى خُضْرَتَها، فَأعْجَبَتْهُ، ثُمَّ نامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ، فَإذا هي قَدْ يَبِسَتْ، فَجَعَلَ يَحْزَنُ عَلَيْها، فَقِيلَ لَهُ: أنْتَ الَّذِي لَمْ تَخْلُقْ، ولَمْ تَسْقِ، ولَمْ تُنْبِتْ، تَحْزَنُ عَلَيْها؟ وأنا الَّذِي خَلَقْتُ مِائَةَ ألْفٍ مِنَ النّاسِ، أوْ يَزِيدُونَ، ثُمَّ رَحِمْتُهم فَشَقَّ عَلَيْكَ، وهَؤُلاءِ هم أهْلُ نِينُوى المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

الصافات 37:147

صفحة 147 ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ والإرْسالُ عَلى ما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ: هو الإرْسالُ الأوَّلُ الَّذِي كانَ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، فالعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ﴾ إلَخْ، عَلى سَبِيلِ البَيانِ لِدِلالَتِهِ عَلى ابْتِداءِ الحالِ وانْتِهائِهِ، وعَلى ما هو المَقْصُودُ مِنَ الإرْسالِ مِنَ الإيمانِ، واعْتُرِضَ بَيْنَهُما بِقِصَّتِهِ اعْتِناءً بِها لِغَرابَتِها. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَأْبى عَنْ حَمْلِهِ عَلى الإرْسالِ الأوَّلِ

الصافات 37:148

الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ فَإنَّ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا عَقِيبَ إرْسالِهِ الأوَّلِ بَلْ بَعْدَ ما فارَقَهم. وأُجِيبَ بِأنَّهُ تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ نَحْوُ: تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ. وقِيلَ: الأقْرَبُ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْصِيلِ، أوِ السَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أصابَهُ ما أصابَهُ، فالعَطْفُ عَلى ما عِنْدَهُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَرْوِيَّ أنَّهم بَعْدَ مُفارَقَتِهِ لَهم رَأوُا العَذابَ أوْ خافُوهُ، فَآمَنُوا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ في النَّظْمِ الجَلِيلِ هُنا يَأْبى عَنْ حَمْلِهِ عَلى إرْسالٍ ثانٍ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ إيمانًا مَخْصُوصًا، أوْ أنَّ آمَنُوا، بِتَأْوِيلِ أخْلَصُوا الإيمانَ، وجَدَّدُوهُ، لِأنَّ الأوَّلَ كانَ إيمانَ بِأْسٍ، وقِيلَ: هو إرْسالٌ إلى غَيْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلِينَ بَعْدَ أنْ آمَنُوا سَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ، فَأبى لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، وقالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وفِي خَبَرٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الشَّجَرَةَ، وحَسُنَ حالُهُ، خَرَجَ فَإذا هو بِغُلامٍ يَرْعى غَنَمًا، فَقالَ: مِمَّنْ أنْتَ يا غُلامُ؟ قالَ: مِن قَوْمِ يُونُسَ، قالَ: فَإذا رَجَعْتَ إلَيْهِمْ فَأقْرِئْهُمُ السَّلامَ وأخْبِرْهم أنَّكَ لَقِيتَ يُونُسَ، فَقالَ لَهُ الغُلامُ: إنْ تَكُنْ يُونُسَ فَقَدْ تَعْلَمُ أنَّهُ مَن كَذَبَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَمَن يَشْهَدُ لِي؟ قالَ: تَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ وهَذِهِ البُقْعَةُ، فَقالَ الغُلامُ لِيُونُسَ: مُرْهُما، فَقالَ لَهُما يُونُسُ: إذا جاءَكُما هَذا الغُلامُ فاشْهَدا لَهُ، قالَتا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الغُلامُ إلى قَوْمِهِ، وكانَ لَهُ إخْوَةٌ، فَكانَ في مَنَعَةٍ، فَأتى المَلِكَ، فَقالَ: إنِّي لَقِيتُ يُونُسَ، وهو يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ، فَأمَرَ بِهِ المَلِكُ أنْ يُقْتَلَ، فَقالَ: إنَّ لِي بَيِّنَةً فَأرْسَلَ مَعَهُ، فانْتَهَوْا إلى الشَّجَرَةِ والبُقْعَةِ، فَقالَ لَهُما الغُلامُ: نَشَدْتُكُما بِاللَّهِ، هَلْ أشْهَدَكُما يُونُسُ ؟ قالَتا: نَعَمْ، فَرَجَعَ القَوْمُ مَذْعُورِينَ يَقُولُونَ: تَشْهَدُ لَكَ الشَّجَرَةُ والأرْضُ، فَأتَوُا المَلِكَ، فَحَدَّثُوهُ بِما رَأوْا، فَتَناوَلَ المَلِكُ يَدَ الغُلامِ، فَأجْلَسَهُ في مَجْلِسِهِ وقالَ: أنْتَ أحَقُّ بِهَذا المَكانِ مِنِّي، وأقامَ لَهم أمْرَهم ذَلِكَ الغُلامُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وهَذا دالٌّ بِظاهِرِهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ أصابَهُ ما أصابَهُ إلَيْهِمْ، فَإنْ صَحَّ يُرادُ بِالإرْسالِ هُنا إمّا الإرْسالُ الأوَّلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، وإمّا إرْسالٌ آخَرُ إلى غَيْرِ أُولَئِكَ القَوْمِ، والمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُرْسَلْ إلّا إلى أهْلِ نِينُوى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَفْصِيلُ قِصَّتِهِ عِنْدَهُمْ، (وأوْ)، عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ، وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ، وبِها قَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، وقالَ المُبَرِّدُ، وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: لِلشَّكِّ نَظَرًا إلى النّاظِرِ مِنَ البَشَرِ عَلى مَعْنى: مَن رَآهم شَكَّ في عَدَدِهِمْ، وقالَ: مِائَةُ ألْفٍ، أوْ يَزِيدُونَ، والمَقْصُودُ بَيانُ كَثْرَتِهِمْ، أوْ أنَّ الزِّيادَةَ لَيْسَتْ كَثِيرَةً كَثْرَةً مُفْرِطَةً كَما يُقالُ: هم ألْفٌ وزِيادَةٌ، وقالَ ابْنُ كَمالٍ: المُرادُ يَزِيدُونَ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ المُكَلَّفِينَ بِالفِعْلِ مِنهم كانُوا مِائَةَ ألْفٍ، وإذا ضُمَّ إلَيْهِمُ المُراهِقُونَ الَّذِينَ بِصَدَدِ التَّكْلِيفِ كانُوا أكْثَرَ، ومِن ها هُنا ظَهَرَ وجْهُ التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ التَّجَدُّدِ دُونَ الثَّباتِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ أنَّ المُناسِبَ لَهُ الواوُ تَكَلُّفٌ رَكِيكٌ، وأقْرَبُ مِنهُ أنَّ الزِّيادَةَ بِحَسَبِ الإرْسالِ الثّانِي، ويُناسِبُهُ صِيغَةُ التَّجَدُّدِ، وإنْ كانَتْ لِلْفاصِلَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أرْسَلْناهُ﴾ بِتَقْدِيرِهِمْ يَزِيدُونَ لا عَلى ﴿مِائَةِ﴾ بِتَقْدِيرِ أشْخاصٍ يَزِيدُونَ، أوْ تَجْرِيدُهُ لِلْمَصْدَرِيَّةِ صفحة 148 فَإنَّهُ ضَعِيفٌ، والزِّيادَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ثَلاثُونَ ألْفًا، وفي أُخْرى عَنْهُ: بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، وفي أُخْرى: بِضْعَةٌ وأرْبَعُونَ ألْفًا، وعَنْ نَوْفٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: سَبْعُونَ ألْفًا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا». وإذا صَحَّ هَذا الخَبَرُ بَطَلَ ما سِواهُ. ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾، بِالحَياةِ، ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى آجالِهِمُ المُسَمّاةِ في الأزَلِ قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَمْتِيعَهم بِالحَياةِ إلى زَمانِ المَهْدِيِّ، وهم إذا ظَهَرَ مِن أنْصارِهِ فَهُمُ اليَوْمَ أحْياءٌ في الجِبالِ والقِفارِ لا يَراهم كُلُّ أحَدٍ، كالمَهْدِيِّ عِنْدَ الإمامِيَّةِ، والخَضِرِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ والصُّوفِيَّةِ، ورُبَّما يُكْشَفُ لِبَعْضِ النّاسِ فَيَرى أحَدًا مِنهُمْ، وهو كَذِبٌ مُفْتَرًى، ولَعَلَّ عَدَمَ خَتْمِ هَذِهِ القِصَّةِ، والقِصَّةِ الَّتِي قَبْلَها بِنَحْوِ ما خُتِمَ بِهِ سائِرُ القِصَصِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ /”سلام“ إلَخْ، تَفْرِقَةٌ بَيْنَ شَأْنِ لُوطٍ، ويُونُسَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وشَأْنِ أصْحابِ الشَّرائِعِ الكُبَرِ، وأُولِي العَزْمِ مِنَ المُرْسَلِينَ مَعَ الِاكْتِفاءِ فِيهِما بِالتَّسْلِيمِ الشّامِلِ لِكُلِّ الرُّسُلِ المَذْكُورِ في آخِرِ السُّورَةِ، ولِتَأخُّرِهِما في الذِّكْرِ قُرْبًا مِنهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والمَذْكُورُ في شَأْنِيُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلى دَعْوَةِ أهْلِ نِينُوى، وكانَتْ إذْ ذاكَ عَظِيمَةً جِدًّا لا تُقْطَعُ إلّا في نَحْوِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وكانُوا قَدْ عَظُمَ شَرُّهُمْ، وكَثُرَ فَسادُهُمْ، فاسْتَعْظَمَ الأمْرَ، وهَرَبَ إلى تَرْسِيسَ، فَجاءَ يافا، فَوَجَدَ سَفِينَةً يُرِيدُ أهْلُها الذَّهابَ بِها إلى تَرْسِيسَ فاسْتَأْجَرَ، وأعْطى الأُجْرَةَ، ورَكِبَ السَّفِينَةَ فَهاجَتْ رِيحٌ عَظِيمَةٌ، وكَثُرَتِ الأمْواجُ وأشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ، فَفَزِعَ المَلّاحُونَ، ورَمَوْا في البَحْرِ بَعْضَ الأمْتِعَةِ لِتَخِفَّ السَّفِينَةُ وعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَ يُونُسُ إلى بَطْنِ السَّفِينَةِ ونامَ حَتّى عَلا نَفَسُهُ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الرَّئِيسُ فَقالَ لَهُ: ما بالُكَ نائِمًا؟ قُمْ وادْعُ إلَهَكَ لَعَلَّهُ يُخَلِّصُنا مِمّا نَحْنُ فِيهِ، ولا يُهْلِكُنا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَعالَوْا نَتَقارَعْ لِنَعْرِفَ مَن أصابَنا هَذا الشَّرُّ بِسَبَبِهِ، فَتَقارَعُوا، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالُوا لَهُ: أخْبِرْنا ماذا عَمِلْتَ، ومِن أيْنَ أتَيْتَ وإلى أيْنَ تَمْضِي، ومِن أيِّ كُورَةٍ أنْتَ؟ ومِن أيِّ شِعْبٍ أنْتَ؟ فَقالَ لَهُمْ: أنا عَبْدُ الرَّبِّ إلَهِ السَّماءِ خالِقِ البَرِّ والبَحْرِ، وأخْبَرَهم خَبَرَهُ، فَخافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. وقالُوا لَهُ: لِمَ صَنَعْتَ ما صَنَعْتَ يَلُومُونَهُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا لَهُ: ما نَصْنَعُ الآنَ بِكَ لِيَسْكُنَ البَحْرُ عَنّا؟ فَقالَ: ألْقُونِي في البَحْرِ، يَسْكُنْ فَإنَّهُ مِن أجْلِي صارَ هَذا المَوْجُ العَظِيمُ، فَجَهِدَ الرِّجالُ أنْ يَرُدُّوها إلى البَرِّ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا فَأخَذُوا يُونُسَ، وألْقُوهُ في البَحْرِ لِنَجاةِ جَمِيعِ مَن في السَّفِينَةِ، فَسَكَنَ البَحْرُ، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى حُوتًا عَظِيمًا فابْتَلَعَهُ، فَبَقِيَ في بَطْنِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ، وصَلّى في بَطْنِهِ إلى رَبِّهِ، واسْتَغاثَ بِهِ، فَأمَرَ سُبْحانَهُ الحُوتَ فَألْقاهُ إلى اليَبَسِ، ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ: قُمْ وامْضِ إلى نِينُوى، ونادِ في أهْلِها كَما أمَرْتُكَ مِن قَبْلُ فَمَضى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ونادى، وقالَ: تُخْسَفُ نِينُوى بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَآمَنَتْ رِجالُ نِينُوى بِاللَّهِ تَعالى ونادَوْا بِالصِّيامِ، ولَبِسُوا المُسُوحَ جَمِيعًا ووَصَلَ الخَبَرُ إلى المَلِكِ، فَقامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ ونَزَعَ حُلَّتَهُ، ولَبِسَ مَسْحًا، وجَلَسَ عَلى الرَّمادِ، ونُودِيَ: أنْ لا يَذُقْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ والبَهائِمِ طَعامًا ولا شَرابًا، وجَأرُوا إلى اللَّهِ تَعالى، ورَجَعُوا عَنِ الشَّرِّ، والظُّلْمِ، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمْ يُنْزِلْ بِهِمُ العَذابَ، فَحَزِنَ يُونُسُ، وقالَ: إلَهِي، مِن هَذا هَرَبْتُ، فَإنِّي عَلِمْتُ أنَّكَ الرَّحِيمُ الرَّؤُوفُ الصَّبُورُ التَّوّابُ يا رَبِّ خُذْ نَفْسِي، فالمَوْتُ خَيْرٌ لِي مِنَ الحَياةِ، فَقالَ: يا يُونُسُ، حَزِنْتَ مِن هَذا جِدًّا؟ فَقالَ: نَعَمْ، يا رَبِّ، وخَرَجَ يُونُسُ وجَلَسَ مُقابِلَ المَدِينَةِ، وصَنَعَ لَهُ هُناكَ مِظَلَّةً، وجَلَسَ تَحْتَها إلى أنْ يَرى ما يَكُونُ في المَدِينَةِ صفحة 149 فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى يَقْطِينًا، فَصَعِدَ عَلى رَأْسِهِ لِيَكُونَ ظِلالَهُ مِن كَرْبِهِ، فَفَرِحَ بِاليَقْطِينِ فَرَحًا عَظِيمًا، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى دُودَةً فَضَرَبَتِ اليَقْطِينَ فَجَفَّ، ثُمَّ هَبَّتْ رِيحُ سَمُومٍ، وأشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلى رَأْسِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِ واسْتَطْيَبَ المَوْتَ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: يا يُونُسُ، أحَزِنْتَ جِدًّا عَلى اليَقْطِينِ؟ فَقالَ: نَعَمْ يا رَبِّ، حَزِنْتُ جِدًّا، فَقالَ سُبْحانَهُ: حَزِنْتَ عَلَيْهِ، وأنْتَ لَمْ تَتْعَبْ فِيهِ، ولَمْ تُرَبِّهِ بَلْ صارَ مِن لَيْلَتِهِ، وهَلَكَ مِن لَيْلَتِهِ، فَأنا لا أُشْفِقُ عَلى نِينُوى المَدِينَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي فِيها سُكّانُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ رَبْوَةً مِنَ النّاسِ، قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ يَمِينَهم ولا شِمالَهم وبَهائِمُهم كَثِيرَةٌ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْحَقِّ ما فِيهِ، ولِتَطَّلِعَ عَلى حالِهِ نَقَلْتُهُ لَكَ وكَمْ لِأهْلِ الكِتابِ مِن باطِلٍ.

الصافات 37:149

﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَبْكِيتِ قُرَيْشٍ وإبْطالِ مَذْهَبِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ، وساقَ البَراهِينَ النّاطِقَةَ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ، وبَيَّنَ وُقُوعَهُ وما يَلْقُونَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَهُ المُخْلِصِينَ، وفَصَّلَ سُبْحانَهُ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ مِن قَبْلِهِمْ أكْثَرُ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ أوْرَدَ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِنَوْعِ تَفْصِيلٍ مُتَضَمِّنًا كُلٌّ مِنها ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِمْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أمَرَهُ ﷺ ها هُنا بِتَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْ وجْهِ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ بِالكُلِّيَّةِ، وهي القِسْمَةُ الباطِلَةُ اللّازِمَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الزّائِغِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ كَبَعْضِ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وسُلَيْمٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ بِتَبْكِيتِهِمْ بِما يَتَضَمَّنُهُ كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ مِنَ الاسْتِهانَةِ بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِجَعْلِهِمْ إناثًا، ثُمَّ أبْطَلَ سُبْحانَهُ أصْلَ كُفْرِهِمُ المُنْطَوِيَ عَلى هَذَيْنِ الكُفْرَيْنِ وهو نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَنْظِمْهُ سُبْحانَهُ في سِلْكِ التَّبْكِيتِ لِمُشارَكَتِهِمُ اليَهُودَ القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى المُعْتَقِدِينَ عِيسى ابْنَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، والفاءُ قِيلَ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ مِن كَوْنِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ أعْلامَ الخَلْقِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عِبادُهُ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّبْكِيتَ ويُظْهِرُ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ رُسُلُ رَبِّكَ مَن عَلِمْتَ حالَهُمْ، فاسْتَخْبِرْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ عَنْ وجْهِ كَوْنِ البَناتِ وهُنَّ أوْضَعُ الجِنْسَيْنِ لَهُ تَعالى بِزَعْمِهِمْ، والبَنِينَ الَّذِينَ هم أرْفَعُهُما لَهم فَإنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُثْبِتُوا لَهُ وجْهًا، لِأنَّهُ في غايَةِ البُطْلانِ، لا يَقُولُهُ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَقْلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لِلْعَطْفِ عَلى ذاكَ، والتَّعْقِيبُ لِأنَّهُ أمَرَ بِهِما مِن غَيْرِ تَراخٍ، وهي هُناكَ جَزائِيَّةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وبِهَذا القَوْلِ أقُولُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ الطَّوِيلَ، وقَدِ اسْتَقْبَحَ النُّحاةُ الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ نَحْوَ: أكَلْتُ لَحْمًا، وأضْرِبُ زَيْدًا، وخُبْزًا، فَما ظَنُّكَ بِالفَصْلِ بِجُمَلٍ بَلْ بِما يَقْرُبُ مِن سُورَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ في عَطْفِ المُفْرَداتِ، وأمّا الجُمَلُ فَلِاسْتِقْلالِها يُغْتَفَرُ فِيها ذَلِكَ، والكَلامُ هُنا لِما تَعانَقَتْ مَعانِيهِ، وارْتَبَطَتْ مَبانِيهِ، وأخَذَ بَعْضُها بِحُجَزِ بَعْضٍ حَتّى كَأنَّ الجَمِيعَ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لَمْ يُعَدَّ البُعْدُ بُعْدًا كَما قِيلَ: ولَيْسَ يَضِيرُ البُعْدُ بَيْنَ جُسُومِنا إذا كانَ ما بَيْنَ القُلُوبِ قَرِيبا ووَجْهُ تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ عَلى ما قَبْلُ كَوَجْهِ تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وتِلْكَ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ كَما دَلَّ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - دالٌّ عَلى تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الوَلَدِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ صفحة 150 والرَّدِّ عَلى مُثْبِتِي الوَلَدِ ظاهِرَةٌ، وقَدِ اتَّحَدَ في الجُمْلَتَيْنِ السّائِلُ والمَسْؤُولُ، والأمْرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ (اسْتَفْتِهِمْ) لِلْمَذْكُورِينَ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والبَواقِي لِقُرَيْشٍ، والمُرادُ الِاسْتِفْتاءُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أخْبارَهم مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، ومِن كُتُبِهِمْ وصُحُفِهِمْ، أيْ ما مِنهم أحَدٌ إلّا ويُنَزِّهُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَطْنِ الحُوتِ، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ مِنَ التَّكَلُّفِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلَيْهِ، ولَعَلَّهُ لَوِ اسْتَغْنى عَنِ ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ بِالتِزامِ كَوْنِ الِاسْتِفْتاءِ مِنَ المُرْسَلِينَ المَذْكُورِينَ حَيْثُ يَجْتَمِعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمُ اجْتِماعًا رُوحانِيًّا كَما يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ مَعَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويَدَّعِي أنَّ الأمْرَ بِالسُّؤالِ المُسْتَدْعِيَ لِلِاجْتِماعِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ عَلى هَذا النَّمَطِ لَكانَ الأمْرُ أهْوَنَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مَنزَعًا صُوفِيًّا. وأُضِيفَ الرَّبُّ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وإشارَةً إلى أنَّهم في قَوْلِهِمْ بِالبَناتِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - كالنّافِينَ لِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ،

الصافات 37:150

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِالِاسْتِفْتاءِ السّابِقِ إلى التَّبْكِيتِ بِهَذا، أيْ بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ وأقْواهم وأعْظَمِهِمْ تَقَدُّسًا عَنِ النَّقائِصِ الطَّبِيعِيَّةِ إناثًا، والأُنُوثَةُ مِن أخَسِّ صِفاتِ الحَيَوانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، وتَجْهِيلٌ لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الأُمُورِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها بِطَرِيقِ العَقْلِ وانْتِفاءِ النَّقْلِ، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِأُنُوثَتِهِمْ شاهِدًا عِنْدَ خَلْقِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ خلقنا أيْ بَلْ أخَلَقْناهم إناثًا، والحالُ أنَّهم حاضِرُونَ حِينَئِذٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى خلقنا أيْ بَلْ أهم شاهِدُونَ.

الصافات 37:151

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الِاسْتِفْتاءِ مَسُوقٌ لِإبْطالِ أصْلِ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ بِبَيانِ أنَّ مَبْناهُ لَيْسَ إلّا الإفْكُ الصَّرِيحُ والِافْتِراءُ القَبِيحُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ أوْ شُبْهَةٌ، ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في هَذا القَوْلِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ وقُرِئَ ”ولَدُ اللَّهِ“ بِالإضافَةِ ورَفْعِ ولَدٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ لَيَقُولُونَ: المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والواحِدِ والجَمْعِ، ولِذا وقَعَ هُنا خَبَرًا عَنِ المَلائِكَةِ المُقَدَّرِ،

الصافات 37:152

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الِاسْتِفْتاءِ مَسُوقٌ لِإبْطالِ أصْلِ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ بِبَيانِ أنَّ مَبْناهُ لَيْسَ إلّا الإفْكُ الصَّرِيحُ والِافْتِراءُ القَبِيحُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ أوْ شُبْهَةٌ، ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في هَذا القَوْلِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ وقُرِئَ ”ولَدُ اللَّهِ“ بِالإضافَةِ ورَفْعِ ولَدٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ لَيَقُولُونَ: المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والواحِدِ والجَمْعِ، ولِذا وقَعَ هُنا خَبَرًا عَنِ المَلائِكَةِ المُقَدَّرِ،

الصافات 37:153

﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ هي حَرْفُ اسْتِفْهامٍ حُذِفَتْ بَعْدَها هَمْزَةُ الوَصْلِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ إثْباتُ إفْكِهِمْ، وتَقْرِيرُ كَذِبِهِمْ، والِاصْطِفاءُ أخْذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنِ جَمّازٍ وجَماعَةٍ، وإسْماعِيلُ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: ”اِصْطَفى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي هَمْزَةُ الوَصْلِ، وتُكْسَرُ إذا ابْتُدِئَ بِها، وخُرِّجَتْ عَلى حَذْفِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ لِدِلالَةِ أمْ بَعْدُ، وإنْ كانَتْ مُنْقَطِعَةً غَيْرَ مُعادِلَةٍ لَها، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها مَعَها، وجُوِّزَ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى الإخْبارِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمُ اصْطَفى إلَخْ، أوْ يَقُولُونَ اصْطَفى إلَخْ، عَلى ما قِيلَ، أوْ عَلى الإبْدالِ مِن قَوْلِهِمْ: ولَدَ اللَّهُ، أوِ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، ولَيْسَ دَخِيلًا بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، والأوْلى التَّخْرِيجُ عَلى حَذْفِ الأداةِ، وحَسْمُ البَحْثِ فَتَأمَّلْ.

الصافات 37:154

﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَداهَةُ العُقُولِ والِالتِفاتُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ صفحة 151 ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ أحَدِ التّاءَيْنِ مِن (تَتَذَكَّرُونَ). وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (تَذْكُرُونَ) بِسُكُونِ الذّالِ، وضَمِّ الكافِ مِن (ذَكَرَ). والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُلاحِظُونَ ذَلِكَ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُوزٌ في عَقْلِ كُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ، ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكُمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ، وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها،

الصافات 37:155

﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَداهَةُ العُقُولِ والِالتِفاتُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ صفحة 151 ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ أحَدِ التّاءَيْنِ مِن (تَتَذَكَّرُونَ). وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (تَذْكُرُونَ) بِسُكُونِ الذّالِ، وضَمِّ الكافِ مِن (ذَكَرَ). والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُلاحِظُونَ ذَلِكَ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُوزٌ في عَقْلِ كُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ، ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكُمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ، وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها،

الصافات 37:156

﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَداهَةُ العُقُولِ والِالتِفاتُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ صفحة 151 ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ أحَدِ التّاءَيْنِ مِن (تَتَذَكَّرُونَ). وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (تَذْكُرُونَ) بِسُكُونِ الذّالِ، وضَمِّ الكافِ مِن (ذَكَرَ). والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُلاحِظُونَ ذَلِكَ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُوزٌ في عَقْلِ كُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ، ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكُمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ، وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها،

الصافات 37:157

﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَداهَةُ العُقُولِ والِالتِفاتُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ صفحة 151 ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ أحَدِ التّاءَيْنِ مِن (تَتَذَكَّرُونَ). وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (تَذْكُرُونَ) بِسُكُونِ الذّالِ، وضَمِّ الكافِ مِن (ذَكَرَ). والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُلاحِظُونَ ذَلِكَ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُوزٌ في عَقْلِ كُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ، ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكُمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ، وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها،

الصافات 37:158

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ، وسُقُوطِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، واقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، وتُحْكى لِآخَرِينَ جِناياتُهُمْ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ الشَّياطِينُ وأُرِيدَ بِالنَّسَبِ المَجْعُولِ المُصاهَرَةُ. أخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أيْ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ: فَمَن أُمَّهاتُهُمْ؟ فَقالُوا: بَناتُ سَرَواتِ الجِنِّ، ورَوى هَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ، أوْ أُرِيدَ جَعَلُوا بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةً، حَيْثُ أشْرَكُوهم بِهِ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أخَوانِ، فاللَّهُ تَعالى هو الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ هو الشِّرِّيرُ اللَّئِيمُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وجَعَلُوا)... إلَخْ، وحَكى هَذا الطَّبْرَسِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أقْرَبُ الأقاوِيلِ، وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وأهْرَمَنَ، ويُعَبِّرُونَ عَنْهُما بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ عِنْدِي أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ (جَعَلُوا) كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلْ ولا عَنْ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ولَيْسَ المَقامُ لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ مُطْلَقًا. وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ: أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ المَلائِكَةُ، وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ قَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، والمُرادُ بِالجَعْلِ المَذْكُورِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وأُعِيدَ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجِنَّ والمَلَكَ جِنْسٌ واحِدٌ مَخْلُوقُونَ مِن عُنْصُرٍ واحِدٍ، وهو النّارُ، لَكِنْ مَن كانَ مِن كَثِيفِها الدُّخانِيِّ فَهو شَيْطانٌ، وهو شَرٌّ وتَمَرُّدٌ، ومَن كانَ مِن صافِي نُورِها فَهو مَلَكٌ، وهو خَيْرٌ كُلُّهُ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالجِنِّ الِاسْتِتارُ عَنْ عُيُونِنا، فالجِنُّ والجِنَّةُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ويَكُونُ عَلى هَذا تَخْصِيصُ الجِنِّ بِأحَدِ نَوْعَيْهِ تَخْصِيصًا طارِئًا كَتَخْصِيصِ الدّابَّةِ، وعَلى الأصْلِ جاءَ ما هُنا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ نَوْعًا مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يُسَمّى الجِنَّ ومِنهم إبْلِيسُ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنَّةِ حَطًّا لَهم مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الِاسْتِتارَ كالدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِهِمْ بِأنَّهُ إنَّما يَلِيقُ بِالإناثِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُونُوا بَناتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَما سَتَرَهم عَنِ العُيُونِ، فَلِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالجِنَّةِ، ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الشَّياطِينُ أيْ جِنْسُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْضِرُهم ولا بُدَّ النّارَ ويُعَذِّبُهم بِها، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ تَعالى، أوْ صفحة 152 شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ أوِ التَّصَرُّفِ لَما عَذَّبَهم سُبْحانَهُ، فَضَمِيرُ (إنَّهُمْ) لِلْجِنَّةِ عَلى ما عَدا الوَجْهَ الأخِيرَ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وأمّا عَلَيْهِ، فَهو لِلْكَفَرَةِ، أيْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ جَعَلُوا بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم نَسَبًا، وقالُوا: هم بَناتُهُ أنَّ الكَفَرَةَ لَمُحْضَرُونَ النّارَ مُعَذَّبُونَ بِها لِكَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّكْذِيبِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ يَدَّعِي لَهم هَؤُلاءِ تِلْكَ النِّسْبَةَ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم أعْلَمُ مِنهم بِحَقِيقَةِ الحالِ يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لِأجْلِهِ حُكْمًا مُؤَكَّدًا، ويَجُوزُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الكَفَرَةِ أيْضًا، والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ، وعِلْمُ المَلائِكَةِ أنَّ الكَفَرَةَ مُعَذَّبُونَ ظاهِرٌ، وعِلْمُ الشَّياطِينِ بِأنَّهم أنْفُسَهُمْ، وكَذا سائِرُ الكَفَرَةِ مُعَذَّبُونَ لِما أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - تَوَعَّدَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

الصافات 37:159

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ تَنْزِيهٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِنَفْسِهِ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ ولَكِنِ المُخْلِصُونَ ناجُونَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنهُ، ويُفَسَّرُ ضَمِيرُ (إنَّهُمْ) بِما يَعُمُّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِن ضَمِيرِ (يَصِفُونَ) وكَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا. وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (جَعَلُوا) عَلى الِانْقِطاعِ لا غَيْرَ، وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ، واخْتارَ الواحِدِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ الطِّيبِيُّ: ويَحْسُنُ كُلَّ الحُسْنِ إذا فُسِّرَ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ أيْ وضَمِيرُ (إنَّهُمْ) بِالكَفَرَةِ، لِيَرْجِعَ مَعْناهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، أيْ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ النّارَ ومُعَذَّبُونَ حَيْثُ أطاعُونا في إغْوائِنا إيّاهُمْ، لَكِنَّ الَّذِينَ أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى وطَهَّرُوا قُلُوبَهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الكُفْرِ والرَّذائِلِ ما عَمِلَ فِيهِمْ كَيْدُنا فَلا يَحْضُرُونَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَدْحًا لِلْمُخْلِصِينَ، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ، وإرْغامًا لِأُنُوفِهِمْ، ومَزِيدًا لِغَيْظِهِمْ، أيْ إنَّهم بِخِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِن سَفَهِ الأحْلامِ، وجَهْلِ النُّفُوسِ، ورَكاكَةِ العُقُولِ اهـ. وفي بَيانِ المَعْنى نَوْعُ قُصُورٍ.

الصافات 37:160

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ تَنْزِيهٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِنَفْسِهِ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ ولَكِنِ المُخْلِصُونَ ناجُونَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنهُ، ويُفَسَّرُ ضَمِيرُ (إنَّهُمْ) بِما يَعُمُّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِن ضَمِيرِ (يَصِفُونَ) وكَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا. وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (جَعَلُوا) عَلى الِانْقِطاعِ لا غَيْرَ، وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ، واخْتارَ الواحِدِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ الطِّيبِيُّ: ويَحْسُنُ كُلَّ الحُسْنِ إذا فُسِّرَ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ أيْ وضَمِيرُ (إنَّهُمْ) بِالكَفَرَةِ، لِيَرْجِعَ مَعْناهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، أيْ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ النّارَ ومُعَذَّبُونَ حَيْثُ أطاعُونا في إغْوائِنا إيّاهُمْ، لَكِنَّ الَّذِينَ أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى وطَهَّرُوا قُلُوبَهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الكُفْرِ والرَّذائِلِ ما عَمِلَ فِيهِمْ كَيْدُنا فَلا يَحْضُرُونَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَدْحًا لِلْمُخْلِصِينَ، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ، وإرْغامًا لِأُنُوفِهِمْ، ومَزِيدًا لِغَيْظِهِمْ، أيْ إنَّهم بِخِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِن سَفَهِ الأحْلامِ، وجَهْلِ النُّفُوسِ، ورَكاكَةِ العُقُولِ اهـ. وفي بَيانِ المَعْنى نَوْعُ قُصُورٍ.

الصافات 37:161

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تعبدون﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا، أوْ إذا كانَ المُخْلِصُونَ ناجِينَ ﴿فَإنَّكُمْ﴾ ... إلَخْ، والواوُ لِلْعَطْفِ، ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿فَإنَّكُمْ﴾، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ، وعُدِّيَ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ غُلامَهُ أوِ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ، إذا أفْسَدَهُ، والباءُ زائِدَةٌ وهو خَبَرُ ما، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَفْعُولِ فاتِنِينَ المُقَدَّرِ، ( وأنْتُمْ ) خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ ومَعْبُودِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، نَحْوُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، أيْ ما أنْتُمْ ومَعْبُودُوكم مُفْسِدِينَ أحَدًا عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِإغْوائِكم إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ يَصْلاها ويَدْخُلُها لا مَحالَةَ. وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، فَجُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ خَبَرًا لِإنَّ، وضَمِيرُ”عليه“ لِما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ أيْضًا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى البَعْثِ أوِ الحَمْلِ، ولا تَغْلِيبَ في الخِطابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم وآلِهَتُكم قُرَناءُ لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، ثُمَّ قِيلَ: ما أنْتُمْ عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ بِباعِثِينَ، أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ أحَدًا إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ أمْرَ صفحة 153 التَّغْلِيبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ عَلى هَذا عَلى حالِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ الِاتِّصالُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مَعْنى المَعِيَّةِ، وخَبَرُ إنَّ جُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِما هو أهْلُهُ يَحُضُّ مُعاوِيَةَ عَلى حَرْبِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ كَدابِغَةٍ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الآيَةِ أيْ عَلَيْهِ أنَّكم يا كَفَرَةُ مَعَ مَعْبُودِيكُمْ، لا يَتَسَهَّلُ لَكم إلّا أنْ تَفْتِنُوا مَن هو ضالٌّ مِثْلُكُمْ، وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَطْفَ، وكَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْعِبادَةِ، وتَضْمِينَ فاتِنِينَ مَعْنى الحَمْلِ، وتَغْلِيبَ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ وكَوْنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ خَبَرَ إنَّ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ (عَلى) بِمَعْنى الباءِ والضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِهِ (لِما تَعْبُدُونَ) فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”صالُو الجَحِيمِ“ بِالواوِ عَلى ما فِيهِ كِتابُ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما ”صالُ“ بِالضَّمِّ ولا واوَ. وفي اللَّوامِحِ والكَشّافِ عَنِ الحَسَنِ: ”صالُو الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، فَعَلى إثْباتِ الواوِ هو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. وفي الكَلامِ مُراعاةُ لَفْظِ مَن أوَّلًا، ومَعْناها ثانِيًا، كَما هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وعَلى عَدَمِ إثْباتِها فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتِ النُّونُ مِنهُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ واوُ الجَمْعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأُتْبِعَ الخَطُّ اللَّفْظَ. الثّانِي أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ، وهي الياءُ تَخْفِيفًا جُعِلَتْ كالمَنسِي، وجَرى الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ كَما جَرى عَلى عَيْنِ يَدٍ ودَمٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ بِضَمِّ نُونِ (دانٌ) وراءِ (الجَوارُ) وقَوْلُهم ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، فَإنَّ أصْلَ بالَةٍ بالِيَةٌ بِوَزْنِ عافِيَةٍ حُذِفَتْ لامُهُ فَأُجْرِيَ الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ، ولَمّا لَحِقَتْهُ الهاءُ انْتَقَلَ إلَيْها، الثّالِثُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْضًا ويَكُونُ أصْلَهُ صائِلٌ عَلى القَلْبِ المَكانِيِّ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ المُقَدَّمَةُ وهي الياءُ فَبَقِيَ صالٌ بِوَزْنِ فاعٍ وصارَ مُعْرَبًا كَبابٍ ونَظِيرُهُ شاكٍ الجارِي إعْرابُهُ عَلى الكافِ في لُغَةٍ،

الصافات 37:162

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تعبدون﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا، أوْ إذا كانَ المُخْلِصُونَ ناجِينَ ﴿فَإنَّكُمْ﴾ ... إلَخْ، والواوُ لِلْعَطْفِ، ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿فَإنَّكُمْ﴾، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ، وعُدِّيَ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ غُلامَهُ أوِ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ، إذا أفْسَدَهُ، والباءُ زائِدَةٌ وهو خَبَرُ ما، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَفْعُولِ فاتِنِينَ المُقَدَّرِ، ( وأنْتُمْ ) خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ ومَعْبُودِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، نَحْوُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، أيْ ما أنْتُمْ ومَعْبُودُوكم مُفْسِدِينَ أحَدًا عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِإغْوائِكم إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ يَصْلاها ويَدْخُلُها لا مَحالَةَ. وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، فَجُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ خَبَرًا لِإنَّ، وضَمِيرُ”عليه“ لِما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ أيْضًا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى البَعْثِ أوِ الحَمْلِ، ولا تَغْلِيبَ في الخِطابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم وآلِهَتُكم قُرَناءُ لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، ثُمَّ قِيلَ: ما أنْتُمْ عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ بِباعِثِينَ، أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ أحَدًا إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ أمْرَ صفحة 153 التَّغْلِيبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ عَلى هَذا عَلى حالِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ الِاتِّصالُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مَعْنى المَعِيَّةِ، وخَبَرُ إنَّ جُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِما هو أهْلُهُ يَحُضُّ مُعاوِيَةَ عَلى حَرْبِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ كَدابِغَةٍ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الآيَةِ أيْ عَلَيْهِ أنَّكم يا كَفَرَةُ مَعَ مَعْبُودِيكُمْ، لا يَتَسَهَّلُ لَكم إلّا أنْ تَفْتِنُوا مَن هو ضالٌّ مِثْلُكُمْ، وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَطْفَ، وكَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْعِبادَةِ، وتَضْمِينَ فاتِنِينَ مَعْنى الحَمْلِ، وتَغْلِيبَ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ وكَوْنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ خَبَرَ إنَّ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ (عَلى) بِمَعْنى الباءِ والضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِهِ (لِما تَعْبُدُونَ) فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”صالُو الجَحِيمِ“ بِالواوِ عَلى ما فِيهِ كِتابُ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما ”صالُ“ بِالضَّمِّ ولا واوَ. وفي اللَّوامِحِ والكَشّافِ عَنِ الحَسَنِ: ”صالُو الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، فَعَلى إثْباتِ الواوِ هو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. وفي الكَلامِ مُراعاةُ لَفْظِ مَن أوَّلًا، ومَعْناها ثانِيًا، كَما هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وعَلى عَدَمِ إثْباتِها فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتِ النُّونُ مِنهُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ واوُ الجَمْعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأُتْبِعَ الخَطُّ اللَّفْظَ. الثّانِي أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ، وهي الياءُ تَخْفِيفًا جُعِلَتْ كالمَنسِي، وجَرى الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ كَما جَرى عَلى عَيْنِ يَدٍ ودَمٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ بِضَمِّ نُونِ (دانٌ) وراءِ (الجَوارُ) وقَوْلُهم ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، فَإنَّ أصْلَ بالَةٍ بالِيَةٌ بِوَزْنِ عافِيَةٍ حُذِفَتْ لامُهُ فَأُجْرِيَ الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ، ولَمّا لَحِقَتْهُ الهاءُ انْتَقَلَ إلَيْها، الثّالِثُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْضًا ويَكُونُ أصْلَهُ صائِلٌ عَلى القَلْبِ المَكانِيِّ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ المُقَدَّمَةُ وهي الياءُ فَبَقِيَ صالٌ بِوَزْنِ فاعٍ وصارَ مُعْرَبًا كَبابٍ ونَظِيرُهُ شاكٍ الجارِي إعْرابُهُ عَلى الكافِ في لُغَةٍ،

الصافات 37:163

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تعبدون﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا، أوْ إذا كانَ المُخْلِصُونَ ناجِينَ ﴿فَإنَّكُمْ﴾ ... إلَخْ، والواوُ لِلْعَطْفِ، ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿فَإنَّكُمْ﴾، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ، وعُدِّيَ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ غُلامَهُ أوِ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ، إذا أفْسَدَهُ، والباءُ زائِدَةٌ وهو خَبَرُ ما، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَفْعُولِ فاتِنِينَ المُقَدَّرِ، ( وأنْتُمْ ) خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ ومَعْبُودِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، نَحْوُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، أيْ ما أنْتُمْ ومَعْبُودُوكم مُفْسِدِينَ أحَدًا عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِإغْوائِكم إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ يَصْلاها ويَدْخُلُها لا مَحالَةَ. وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، فَجُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ خَبَرًا لِإنَّ، وضَمِيرُ”عليه“ لِما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ أيْضًا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى البَعْثِ أوِ الحَمْلِ، ولا تَغْلِيبَ في الخِطابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم وآلِهَتُكم قُرَناءُ لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، ثُمَّ قِيلَ: ما أنْتُمْ عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ بِباعِثِينَ، أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ أحَدًا إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ أمْرَ صفحة 153 التَّغْلِيبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ عَلى هَذا عَلى حالِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ الِاتِّصالُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مَعْنى المَعِيَّةِ، وخَبَرُ إنَّ جُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِما هو أهْلُهُ يَحُضُّ مُعاوِيَةَ عَلى حَرْبِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ كَدابِغَةٍ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الآيَةِ أيْ عَلَيْهِ أنَّكم يا كَفَرَةُ مَعَ مَعْبُودِيكُمْ، لا يَتَسَهَّلُ لَكم إلّا أنْ تَفْتِنُوا مَن هو ضالٌّ مِثْلُكُمْ، وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَطْفَ، وكَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْعِبادَةِ، وتَضْمِينَ فاتِنِينَ مَعْنى الحَمْلِ، وتَغْلِيبَ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ وكَوْنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ خَبَرَ إنَّ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ (عَلى) بِمَعْنى الباءِ والضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِهِ (لِما تَعْبُدُونَ) فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”صالُو الجَحِيمِ“ بِالواوِ عَلى ما فِيهِ كِتابُ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما ”صالُ“ بِالضَّمِّ ولا واوَ. وفي اللَّوامِحِ والكَشّافِ عَنِ الحَسَنِ: ”صالُو الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، فَعَلى إثْباتِ الواوِ هو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. وفي الكَلامِ مُراعاةُ لَفْظِ مَن أوَّلًا، ومَعْناها ثانِيًا، كَما هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وعَلى عَدَمِ إثْباتِها فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتِ النُّونُ مِنهُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ واوُ الجَمْعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأُتْبِعَ الخَطُّ اللَّفْظَ. الثّانِي أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ، وهي الياءُ تَخْفِيفًا جُعِلَتْ كالمَنسِي، وجَرى الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ كَما جَرى عَلى عَيْنِ يَدٍ ودَمٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ بِضَمِّ نُونِ (دانٌ) وراءِ (الجَوارُ) وقَوْلُهم ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، فَإنَّ أصْلَ بالَةٍ بالِيَةٌ بِوَزْنِ عافِيَةٍ حُذِفَتْ لامُهُ فَأُجْرِيَ الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ، ولَمّا لَحِقَتْهُ الهاءُ انْتَقَلَ إلَيْها، الثّالِثُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْضًا ويَكُونُ أصْلَهُ صائِلٌ عَلى القَلْبِ المَكانِيِّ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ المُقَدَّمَةُ وهي الياءُ فَبَقِيَ صالٌ بِوَزْنِ فاعٍ وصارَ مُعْرَبًا كَبابٍ ونَظِيرُهُ شاكٍ الجارِي إعْرابُهُ عَلى الكافِ في لُغَةٍ،

الصافات 37:164

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ حِكايَةٌ لِاعْتِرافِ المَلائِكَةِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلرَّدِّ عَلى مَن يَزْعُمُ فِيهِمْ خِلافَها، فَهو مِن كَلامِهِ تَعالى، لَكِنَّهُ حُكِيَ بِلَفْظِهِمْ، وأصْلُهُ: وما مِنهم إلّا إلَخْ، أيْ وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى في تَدْبِيرِ العالَمِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِلَّ عَنْهُ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ تَعالى وخُشُوعًا لِهَيْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَواضُعًا لِجَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما رُوِيَ ”فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ“. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ واضِعًا جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وعَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في القُرْبِ والمُشاهَدَةِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ذَلِكَ مِن كَلامِ الجِنَّةِ بِمَعْنى المَلائِكَةِ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن كَلامِهِمْ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ إلى ﴿المُسَبِّحُونَ﴾ فَقالَ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الجِنَّةَ بِالمَلائِكَةِ: إنَّ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ حِكايَةٌ صفحة 154 لِتَنْزِيهِ المَلائِكَةِ إيّاهُ تَعالى عَمّا وصَفَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ لَهم في ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى (عَلِمَتْ)، و﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ شَهادَةٌ مِنهم بِبَراءَةِ المُخْلِصِينَ مِن أنْ يَصِفُوهُ تَعالى بِذَلِكَ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَبْرِئَتِهِمْ مِنهُ بِحُكْمِ انْدِراجِهِمْ في زُمْرَةِ المُخْلِصِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن واوِ ﴿يَصِفُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمُعَذَّبُونَ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ، لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ الَّذِينَ نَحْنُ مِن جُمْلَتِهِمْ بُرَآءُ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ، و﴿فَإنَّكُمْ﴾ إلَخْ، تَعْلِيلٌ وتَحْقِيقٌ لِبَراءَةِ المُخْلِصِينَ عَمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وما تَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَبَرِّيهِمْ عَنْهُمْ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ﴾ إلَخْ، تَبْيِينٌ لِجَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، وتَعْيِينٌ لِحَيِّزِهِمْ في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ فِيما قالُوا، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وتَبْرِئَةِ المُخْلِصِينَ عَنْهُ، وإظْهارٍ لِقُصُورِ شَأْنِهِمْ، وجُعِلَ تَفْسِيرُ الجِنَّةِ بِالمَلائِكَةِ هو الوَجْهُ لِاقْتِضاءِ رَبْطِ الآياتِ وتَوْجِيهِها بِما ذَكَرَ إيّاهُ، وفي التَّعْلِيلِ شَيْءٌ، نَعَمْ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: المُرادُ بِالجِنَّةِ فِيما سَبَقَ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَقْوِيَةً ظاهِرَةً جِدًّا، وإنَّ الرَّبْطَ الَّذِي ذُكِرَ في غايَةِ الحُسْنِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ وما مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فاسْتَفْتِهِمْ وقُلْ: وما مِنّا إلَخْ، عَلى مَعْنى بَكِّتْهم بِذَلِكَ وانْعَ عَلَيْهِمْ كُفْرانَهُمْ، وعَدِّدْ ما أنْتَ وأصْحابُكَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِن أضْدادِها، وإنْ شِئْتَ لَمْ تَقْدِرْ قُلْ: بَعْدَ عِلْمِكَ بِأنَّ المَعْنى يَنْساقُ إلَيْهِ، وهو بَعِيدٌ، فافْهَمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومنا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِلِاكْتِفاءِ بِصِفَتِهِ، وهي جُمْلَةٌ لَهُ مَقامٌ أيْ ﴿ما مِنّا﴾ أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وحَذْفُ المَوْصُوفِ بِجُمْلَةٍ، أوْ شِبْهِها، إذا كانَ بَعْضَ ما قَبْلَهُ مِن مَجْرُورٍ بِمِن، أوْ في مُطَّرِدٍ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ أبُو حَيّانَ: ﴿مِنّا﴾ صِفَةٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ هي الخَبَرُ أيْ وما أحَدٌ كائِنٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وتُعُقِّبَ ما مَرَّ بِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن ما مِنّا أحَدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، فَيَكُونُ هو الخَبَرَ، وإنَّ تَخَيُّلَ أنَّ إلّا بِمَعْنى غَيْرُ، وهي صِفَةٌ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِها، وفارَقَتْ غَيْرَ إذا كانَتْ صِفَةً في ذَلِكَ لِتَمَكُّنِ غَيْرُ في الوَصْفِ، وقِلَّةِ تَمَكُّنِ إلّا فِيهِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ فِيهِ أيْضًا التَّفْرِيغَ في الصِّفاتِ، وهم مَنَعُوا ذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ يَنْعَقِدُ مِنهُ كَلامٌ مُفِيدٌ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ، إذْ مَعْناهُ ما مِنّا أحَدٌ مُتَّصِفٌ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ إلّا بِصِفَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ، والمَقْصُودُ بِالحَصْرِ المُبالَغَةُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ صِفَةُ بَدَلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ما مِنّا أحَدٌ إلّا أحَدٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، كَما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ في نَظِيرِهِ، وفِيهِ أنَّ فِيهِ اعْتِرافًا بِأنَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ تِلْكَ الجُمْلَةُ، وهو يَسْتَلْزِمُ أوْلَوِيَّةَ كَوْنِها خَبَرًا، وما ذُكِرَ مِنَ احْتِمالِ كَوْنِهِ صِفَةً لِبَدَلٍ مَحْذُوفٍ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المُبْدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولا نَظِيرَ لَهُ، وبِالجُمْلَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، نَعَمْ، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: القَصْدُ هُنا لَيْسَ إفادَةَ مَضْمُونِ الخَبَرِ بَلِ الرَّدُّ عَلى الكَفَرَةِ، ولِذا جُعِلَ الظَّرْفُ خَبَرًا، وقُدِّمَ، فالمَعْنى: لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يَتَجاوَزُ مَقامَ العُبُودِيَّةِ لِغَيْرِها بِخِلافِكم أنْتُمْ، فَقَدْ صَدَرَ مِنكم ما أخْرَجَكم عَنْ رُتْبَةِ الطّاعَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ.

الصافات 37:165

﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أنْفُسَنا أوْ أقْدامَنا في الصَّلاةِ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: أيْ في أداءِ الطّاعَةِ، ومَنازِلِ الخِدْمَةِ، وقِيلَ: الصّافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ نَنْتَظِرُ الأمْرَ الإلَهِيَّ، وفي البَحْرِ: داعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: صافُّونَ أجْنِحَتَنا في الهَواءِ مُنْتَظِرِينَ ما يُؤْمَرُ. صفحة 155 وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ قالَ: كانُوا لا يَصِفُّونَ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ، جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ لَنا تُرْبَتُها طَهُورًا، إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» وأخْرَجَ هو أيْضًا، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَصِفُّونَ كَما تَصِفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» وهَذِهِ الأخْبارُ ونَحْوُها تُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ.

الصافات 37:166

﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما نَسَبَهُ إلَيْهِ تَعالى الكَفَرَةُ، وقِيلَ: أيِ القائِلُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: المُسَبِّحُونَ أيِ المُصَلُّونَ، ويَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ كُلَّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ بِمَعْنى الصَّلاةِ، والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ أدَبِهِمُ الظّاهِرِ مَعَ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - والثّانِيَ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِرْفانِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَعَلَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في الطّاعَةِ، وهَذا في المَعارِفِ، وما في إنَّ واللّامِ وتَوْسِيطِ الفَصْلِ مِنَ التَّأْكِيدِ والِاخْتِصاصِ لِأنَّهُمُ المُواظِبُونَ عَلى ذَلِكَ دائِمًا مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ، وخَواصُّ البَشَرِ لا تَخْلُو مِنَ الاشْتِغالِ بِالمَعاشِ، ولَعَلَّ الكَلامَ لا يَخْلُو عَنْ تَعْرِيضٍ بِالكَفَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الثَّلاثَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ كَما نَزَلَتْ أخَواتُها. وعَنْ هِبَةِ اللَّهِ المُفَسِّرِ: أنَّها نَزَلَتْ لا في الأرْضِ، ولا في السَّماءِ، وعَدَّ مَعَها آيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وآيَةً مِنَ الزُّخْرُفِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ولَعَلَّهُ أرادَ في الفَضاءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى مُسْتَنَدٍ لِما ذَكَرَهُ إلّا آخِرَ البَقَرَةِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى) الحَدِيثَ، وفِيهِ: (فَأُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لا يُشْرِكُ مِن أُمَّتِهِ بِاللَّهِ شَيْئًا، المُقْحِماتُ)» انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ،

الصافات 37:167

﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كِتابًا مِن جِنْسِ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، ومِثْلِها في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، ولَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَجاءَهم ذِكْرٌ وأيُّ ذِكْرٍ سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأخْبارِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الانْتِقامِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ أيْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا عِلْمًا مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا، وما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ أنْ ماتُوا، هَلْ أثابَهم أمْ عَذَّبَهم لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، فَجاءَهم ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الصافات 37:168

﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كِتابًا مِن جِنْسِ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، ومِثْلِها في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، ولَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَجاءَهم ذِكْرٌ وأيُّ ذِكْرٍ سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأخْبارِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الانْتِقامِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ أيْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا عِلْمًا مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا، وما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ أنْ ماتُوا، هَلْ أثابَهم أمْ عَذَّبَهم لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، فَجاءَهم ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الصافات 37:169

﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كِتابًا مِن جِنْسِ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، ومِثْلِها في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، ولَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَجاءَهم ذِكْرٌ وأيُّ ذِكْرٍ سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأخْبارِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الانْتِقامِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ أيْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا عِلْمًا مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا، وما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ أنْ ماتُوا، هَلْ أثابَهم أمْ عَذَّبَهم لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، فَجاءَهم ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الصافات 37:170

﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كِتابًا مِن جِنْسِ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، ومِثْلِها في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، ولَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَجاءَهم ذِكْرٌ وأيُّ ذِكْرٍ سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأخْبارِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الانْتِقامِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ أيْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا عِلْمًا مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا، وما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ أنْ ماتُوا، هَلْ أثابَهم أمْ عَذَّبَهم لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، فَجاءَهم ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الصافات 37:171

﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ، وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِغايَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ وعْدُنا لَهم بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا، أوْ بَدَلًا مِن ﴿كَلِمَتُنا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، والوَعْدُ ما في مَحَلٍّ آخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ بِالجُنْدِ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ، وأضافَهم صفحة 156 إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم وتَنْوِيهًا بِهِمْ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ ما فِيهِ، والمُرادُ عِنْدَ السُّدِّيِّ بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ ما كانَ بِالحُجَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ في الحَرْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ في الحَرْبِ، وإنَّما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنهم غِيلَةً، أوْ عَلى وجْهٍ آخَرَ في غَيْرِ الحَرْبِ، وإنْ ماتَ نَبِيٌّ قَبْلَ النُّصْرَةِ أوْ قُتِلَ فَقَدْ أجْرى اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْصَرَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، فَيَكُونُ في نُصْرَةِ قَوْمِهِ نُصْرَةٌ لَهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ القَصْرَيْنِ بِاعْتِبارِ عاقِبَةِ الحالِ، ومُلاحَظَةِ المَآلِ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: هُما بِاعْتِبارِ الغالِبِ، والمَقْضِيِّ بِالذّاتِ، لِأنَّ الخَيْرَ هو مُرادُهُ تَعالى بِالذّاتِ، وغَيْرُهُ مَقْضِيٌّ بِالتَّبَعِ، لِحِكْمَةٍ وغَرَضٍ آخَرَ، أوْ لِلِاسْتِحْقاقِ بِما صَدَرَ مِنَ العِبادِ، ولِذا قِيلَ: بِيَدِهِ الخَيْرُ، ولَمْ يُذْكَرِ الشَّرُّ، مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنْ لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا نُصِرُوا في الآخِرَةِ، وظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وأنَّهُ بِطَرِيقِ القَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، والنَّيْلِ مِنَ الأعْداءِ، إمّا بِقَتْلِهِمْ، أوْ تَشْرِيدِهِمْ، أوْ إجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ، أوِ اسْتِئْسارِهِمْ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْلَتانِ دالَّتانِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِمْرارَ ذَلِكَ عُرْفِيٌّ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ، واسْتِمْرارُ الغَلَبَةِ لِلْجُنْدِ مَشْرُوطٌ بِما تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ فَلا يَغْلِبُ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ في حَرْبٍ إلّا لِإخْلالِهِمْ بِما تُشْعِرُ بِهِ بِمَيْلٍ ما إلى الدُّنْيا، أوْ ضَعْفِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكْفِي في نُصْرَةِ المُرْسَلِينَ إعْلاءُ كَلِمَتِهِمْ وتَعْجِيزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ، وحِفْظُهم مِنَ القَتْلِ في الحُرُوبِ، ومِنَ الفِرارِ فِيها، ولَوْ عَظُمَتْ هُنالِكَ الكُرُوبُ فافْهَمْ، ولا يَخْفى وجْهُ التَّعْبِيرِ (بِمَنصُورُونَ) مَعَ المُرْسَلِينَ، (وبِالغالِبُونَ) مَعَ الجُنْدِ، فَلا تَغْفُلْ، وسَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدَهُ بِذَلِكَ كَلِمَةً، وهي كَلِماتٌ، لِأنَّها لَمّا اجْتَمَعَتْ وتَضامَّتْ وارْتَبَطَتْ غايَةَ الِارْتِباطِ صارَتْ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، والمَشْهُورُ أنَّ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، واخْتِصاصُ الكَلِمَةِ بِالمُفْرَدِ اصْطِلاحٌ لِأهْلِ العَرَبِيَّةِ، فَعَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ ”كَلِماتُنا“ بِالجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَلَيْها وُعُودُنا فَتَفَطَّنْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”عَلى عِبادِنا“ عَلى تَضْمِينِ ”سَبَقَتْ“ مَعْنى حَقَّتْ،

الصافات 37:172

﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ، وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِغايَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ وعْدُنا لَهم بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا، أوْ بَدَلًا مِن ﴿كَلِمَتُنا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، والوَعْدُ ما في مَحَلٍّ آخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ بِالجُنْدِ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ، وأضافَهم صفحة 156 إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم وتَنْوِيهًا بِهِمْ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ ما فِيهِ، والمُرادُ عِنْدَ السُّدِّيِّ بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ ما كانَ بِالحُجَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ في الحَرْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ في الحَرْبِ، وإنَّما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنهم غِيلَةً، أوْ عَلى وجْهٍ آخَرَ في غَيْرِ الحَرْبِ، وإنْ ماتَ نَبِيٌّ قَبْلَ النُّصْرَةِ أوْ قُتِلَ فَقَدْ أجْرى اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْصَرَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، فَيَكُونُ في نُصْرَةِ قَوْمِهِ نُصْرَةٌ لَهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ القَصْرَيْنِ بِاعْتِبارِ عاقِبَةِ الحالِ، ومُلاحَظَةِ المَآلِ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: هُما بِاعْتِبارِ الغالِبِ، والمَقْضِيِّ بِالذّاتِ، لِأنَّ الخَيْرَ هو مُرادُهُ تَعالى بِالذّاتِ، وغَيْرُهُ مَقْضِيٌّ بِالتَّبَعِ، لِحِكْمَةٍ وغَرَضٍ آخَرَ، أوْ لِلِاسْتِحْقاقِ بِما صَدَرَ مِنَ العِبادِ، ولِذا قِيلَ: بِيَدِهِ الخَيْرُ، ولَمْ يُذْكَرِ الشَّرُّ، مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنْ لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا نُصِرُوا في الآخِرَةِ، وظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وأنَّهُ بِطَرِيقِ القَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، والنَّيْلِ مِنَ الأعْداءِ، إمّا بِقَتْلِهِمْ، أوْ تَشْرِيدِهِمْ، أوْ إجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ، أوِ اسْتِئْسارِهِمْ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْلَتانِ دالَّتانِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِمْرارَ ذَلِكَ عُرْفِيٌّ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ، واسْتِمْرارُ الغَلَبَةِ لِلْجُنْدِ مَشْرُوطٌ بِما تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ فَلا يَغْلِبُ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ في حَرْبٍ إلّا لِإخْلالِهِمْ بِما تُشْعِرُ بِهِ بِمَيْلٍ ما إلى الدُّنْيا، أوْ ضَعْفِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكْفِي في نُصْرَةِ المُرْسَلِينَ إعْلاءُ كَلِمَتِهِمْ وتَعْجِيزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ، وحِفْظُهم مِنَ القَتْلِ في الحُرُوبِ، ومِنَ الفِرارِ فِيها، ولَوْ عَظُمَتْ هُنالِكَ الكُرُوبُ فافْهَمْ، ولا يَخْفى وجْهُ التَّعْبِيرِ (بِمَنصُورُونَ) مَعَ المُرْسَلِينَ، (وبِالغالِبُونَ) مَعَ الجُنْدِ، فَلا تَغْفُلْ، وسَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدَهُ بِذَلِكَ كَلِمَةً، وهي كَلِماتٌ، لِأنَّها لَمّا اجْتَمَعَتْ وتَضامَّتْ وارْتَبَطَتْ غايَةَ الِارْتِباطِ صارَتْ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، والمَشْهُورُ أنَّ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، واخْتِصاصُ الكَلِمَةِ بِالمُفْرَدِ اصْطِلاحٌ لِأهْلِ العَرَبِيَّةِ، فَعَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ ”كَلِماتُنا“ بِالجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَلَيْها وُعُودُنا فَتَفَطَّنْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”عَلى عِبادِنا“ عَلى تَضْمِينِ ”سَبَقَتْ“ مَعْنى حَقَّتْ،

الصافات 37:173

﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ، وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِغايَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ وعْدُنا لَهم بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا، أوْ بَدَلًا مِن ﴿كَلِمَتُنا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، والوَعْدُ ما في مَحَلٍّ آخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ بِالجُنْدِ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ، وأضافَهم صفحة 156 إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم وتَنْوِيهًا بِهِمْ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ ما فِيهِ، والمُرادُ عِنْدَ السُّدِّيِّ بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ ما كانَ بِالحُجَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ في الحَرْبِ، فَإنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ في الحَرْبِ، وإنَّما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنهم غِيلَةً، أوْ عَلى وجْهٍ آخَرَ في غَيْرِ الحَرْبِ، وإنْ ماتَ نَبِيٌّ قَبْلَ النُّصْرَةِ أوْ قُتِلَ فَقَدْ أجْرى اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْصَرَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، فَيَكُونُ في نُصْرَةِ قَوْمِهِ نُصْرَةٌ لَهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ القَصْرَيْنِ بِاعْتِبارِ عاقِبَةِ الحالِ، ومُلاحَظَةِ المَآلِ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: هُما بِاعْتِبارِ الغالِبِ، والمَقْضِيِّ بِالذّاتِ، لِأنَّ الخَيْرَ هو مُرادُهُ تَعالى بِالذّاتِ، وغَيْرُهُ مَقْضِيٌّ بِالتَّبَعِ، لِحِكْمَةٍ وغَرَضٍ آخَرَ، أوْ لِلِاسْتِحْقاقِ بِما صَدَرَ مِنَ العِبادِ، ولِذا قِيلَ: بِيَدِهِ الخَيْرُ، ولَمْ يُذْكَرِ الشَّرُّ، مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنْ لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا نُصِرُوا في الآخِرَةِ، وظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وأنَّهُ بِطَرِيقِ القَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، والنَّيْلِ مِنَ الأعْداءِ، إمّا بِقَتْلِهِمْ، أوْ تَشْرِيدِهِمْ، أوْ إجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ، أوِ اسْتِئْسارِهِمْ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْلَتانِ دالَّتانِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِمْرارَ ذَلِكَ عُرْفِيٌّ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ، واسْتِمْرارُ الغَلَبَةِ لِلْجُنْدِ مَشْرُوطٌ بِما تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ فَلا يَغْلِبُ اتِّباعُ المُرْسَلِينَ في حَرْبٍ إلّا لِإخْلالِهِمْ بِما تُشْعِرُ بِهِ بِمَيْلٍ ما إلى الدُّنْيا، أوْ ضَعْفِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكْفِي في نُصْرَةِ المُرْسَلِينَ إعْلاءُ كَلِمَتِهِمْ وتَعْجِيزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ، وحِفْظُهم مِنَ القَتْلِ في الحُرُوبِ، ومِنَ الفِرارِ فِيها، ولَوْ عَظُمَتْ هُنالِكَ الكُرُوبُ فافْهَمْ، ولا يَخْفى وجْهُ التَّعْبِيرِ (بِمَنصُورُونَ) مَعَ المُرْسَلِينَ، (وبِالغالِبُونَ) مَعَ الجُنْدِ، فَلا تَغْفُلْ، وسَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدَهُ بِذَلِكَ كَلِمَةً، وهي كَلِماتٌ، لِأنَّها لَمّا اجْتَمَعَتْ وتَضامَّتْ وارْتَبَطَتْ غايَةَ الِارْتِباطِ صارَتْ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، والمَشْهُورُ أنَّ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، واخْتِصاصُ الكَلِمَةِ بِالمُفْرَدِ اصْطِلاحٌ لِأهْلِ العَرَبِيَّةِ، فَعَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ ”كَلِماتُنا“ بِالجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَلَيْها وُعُودُنا فَتَفَطَّنْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”عَلى عِبادِنا“ عَلى تَضْمِينِ ”سَبَقَتْ“ مَعْنى حَقَّتْ،

الصافات 37:174

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْهم واصْبِرْ، ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى وقْتِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ، وعَنِ السُّدِّيِّ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ الفَتْحِ، وكانَ قَبْلَهُ مُهادَنَةُ الحُدَيْبِيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إلى يَوْمِ مَوْتِهِمْ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو والَّذِي قَبْلَهُ ظاهِرٌ أنَّ في عَدَمِ اخْتِصاصِ النُّصْرَةِ بِما كانَ في الدُّنْيا،

الصافات 37:175

﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ وهم حِينَئِذٍ عَلى أسْوَإ حالٍ، وأفْظَعِ نَكالٍ، قَدْ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِنَ الأسْرِ، والقَتْلِ، أوْ أبْصِرْ بَلاءَهم عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والأمْرُ بِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ، وهو غَيْرُ واقِعٍ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ حاضِرٌ قُدّامَهُ، وبَيْنَ يَدَيْهِ مُشاهَدٌ خُصُوصًا إذا قِيلَ: إنَّ الأمْرَ لِلْحالِ أوِ الفَوْرِ. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يَكُونُ لَكَ مِنَ التَّأْيِيدِ والنَّصْرِ، وقِيلَ: المَعْنى أبْصِرْ ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما يَكُونُ لَكَ مِن مَزِيدِ الثَّوابِ، وسَوْفَ لِلْوَعِيدِ لا لِلتَّسْوِيفِ، والتَّبْعِيدِ الَّذِي هو حَقِيقَتُها، وقُرْبُ ما حَلَّ بِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِقُرْبِ ما يَكُونُ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ إرادَةِ التَّبْعِيدِ مِنهُ.

الصافات 37:176

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، أخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالُوا: (يا مُحَمَّدُ، أرِنا العَذابَ الَّذِي تُخَوِّفُنا بِهِ، وعَجِّلْهُ لَنا) فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالُوا: مَتى هَذا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ صفحة 157 ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ وهي العَرْصَةُ الواسِعَةُ عِنْدَ الدُّورِ، والمَكانُ الواسِعُ مُطْلَقًا، وتُجْمَعُ عَلى سُوحٍ قالَ الشّاعِرُ: فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يُسَرِّحُوا نَعَمًا أوْ يُسَرِّحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ وفِي الضَّمِيرِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ العَذابَ بِجَيْشٍ يَهْجُمُ عَلى قَوْمٍ، وهم في دِيارِهِمْ بَغْتَةً، فَيَحِلُّ بِها، والنُّزُولُ تَخْيِيلٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”نُزِلَ“ بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وهو لازِمٌ، فالجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقُرِئَ (نُزِّلَ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ أيْضًا، وهو مُتَعَدٍّ، فَنائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ العَذابِ، ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ فَبِئْسَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهُمْ، عَلى أنَّ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ، وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ واللّامُ في المُنْذَرِينَ لِلْجِنْسِ، لا لِلْعَهْدِ لِاشْتِراطِهِمُ الشُّيُوعَ فِيما بَعْدُ، فَعَلى الذَّمِّ والمَدْحِ، لِيَكُونَ التَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ، ولَوْ كانَ ساءَ بِمَعْنى قَبُحَ عَلى أصْلِهِ جازَ اعْتِبارُ العَهْدِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، والصَّباحُ مُسْتَعارٌ لِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ، أيْ وقْتَ كانَ مِن صَباحِ الجَيْشِ المُبَيِّتِ لِلْعَدُوِّ، وهو السّائِرُ إلَيْهِ لَيْلًا لِيَهْجُمَ عَلَيْهِ، وهو في غَفْلَتِهِ صَباحًا، وكَثِيرًا ما يُسَمُّونَ الغارَةَ صَباحًا لِما أنَّها في الأعَمِّ الأغْلَبِ تَقَعُ فِيهِ، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ فِيهِ الزَّمانُ، وأُرِيدَ ما وقَعَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ. وجُوِّزَ حَمْلُ الصَّباحِ هُنا عَلى ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ: مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أُنْذِرُوهُ، فَأنْكَرُوهُ بِجَيْشٍ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمًا بَعْدَ نِصاحِهِمْ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُمْ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفِنائِهِمْ بَغْتَةً فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ وقَطَعَ دابِرَهُمْ، وكانَتْ عادَةُ مَغاوِيرِهِمْ إصْباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ، وما فَصُحَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولا كانَتْ لَها الرَّوْعَةُ الَّتِي يُحَسُّ بِها، ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ انْتَهى، وظاهِرُهُ أنَّ الكَلامَ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وفَضْلَها عَلى غَيْرِها أشْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وأجَلُّ مِن أنْ يُنْكَرَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ نَزَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويُرادُ حِينَئِذٍ نُزُولُهُ يَوْمَ الفَتْحِ، لا يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِساحَتِهِمْ إلّا عَلى تَأْوِيلِ ولا بِخَيْبَرَ، لِقَوْلِهِ ﷺ حِينَ صَبَّحَها: «(اللَّهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ، فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ)،» لِأنَّ تِلاوَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَمَّتْ لِاسْتِشْهادِهِ بِها، والكَلامُ هُنا مَعَ المُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى بَعْدُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الصافات 37:177

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، أخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالُوا: (يا مُحَمَّدُ، أرِنا العَذابَ الَّذِي تُخَوِّفُنا بِهِ، وعَجِّلْهُ لَنا) فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالُوا: مَتى هَذا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿فَإذا نَزَلَ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ صفحة 157 ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ وهي العَرْصَةُ الواسِعَةُ عِنْدَ الدُّورِ، والمَكانُ الواسِعُ مُطْلَقًا، وتُجْمَعُ عَلى سُوحٍ قالَ الشّاعِرُ: فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يُسَرِّحُوا نَعَمًا أوْ يُسَرِّحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ وفِي الضَّمِيرِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ العَذابَ بِجَيْشٍ يَهْجُمُ عَلى قَوْمٍ، وهم في دِيارِهِمْ بَغْتَةً، فَيَحِلُّ بِها، والنُّزُولُ تَخْيِيلٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”نُزِلَ“ بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وهو لازِمٌ، فالجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقُرِئَ (نُزِّلَ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ أيْضًا، وهو مُتَعَدٍّ، فَنائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ العَذابِ، ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ فَبِئْسَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهُمْ، عَلى أنَّ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ، وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ واللّامُ في المُنْذَرِينَ لِلْجِنْسِ، لا لِلْعَهْدِ لِاشْتِراطِهِمُ الشُّيُوعَ فِيما بَعْدُ، فَعَلى الذَّمِّ والمَدْحِ، لِيَكُونَ التَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ، ولَوْ كانَ ساءَ بِمَعْنى قَبُحَ عَلى أصْلِهِ جازَ اعْتِبارُ العَهْدِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، والصَّباحُ مُسْتَعارٌ لِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ، أيْ وقْتَ كانَ مِن صَباحِ الجَيْشِ المُبَيِّتِ لِلْعَدُوِّ، وهو السّائِرُ إلَيْهِ لَيْلًا لِيَهْجُمَ عَلَيْهِ، وهو في غَفْلَتِهِ صَباحًا، وكَثِيرًا ما يُسَمُّونَ الغارَةَ صَباحًا لِما أنَّها في الأعَمِّ الأغْلَبِ تَقَعُ فِيهِ، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ فِيهِ الزَّمانُ، وأُرِيدَ ما وقَعَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ. وجُوِّزَ حَمْلُ الصَّباحِ هُنا عَلى ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ: مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أُنْذِرُوهُ، فَأنْكَرُوهُ بِجَيْشٍ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمًا بَعْدَ نِصاحِهِمْ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُمْ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفِنائِهِمْ بَغْتَةً فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ وقَطَعَ دابِرَهُمْ، وكانَتْ عادَةُ مَغاوِيرِهِمْ إصْباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ، وما فَصُحَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولا كانَتْ لَها الرَّوْعَةُ الَّتِي يُحَسُّ بِها، ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ انْتَهى، وظاهِرُهُ أنَّ الكَلامَ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وفَضْلَها عَلى غَيْرِها أشْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وأجَلُّ مِن أنْ يُنْكَرَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ نَزَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويُرادُ حِينَئِذٍ نُزُولُهُ يَوْمَ الفَتْحِ، لا يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِساحَتِهِمْ إلّا عَلى تَأْوِيلِ ولا بِخَيْبَرَ، لِقَوْلِهِ ﷺ حِينَ صَبَّحَها: «(اللَّهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ، فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ)،» لِأنَّ تِلاوَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَمَّتْ لِاسْتِشْهادِهِ بِها، والكَلامُ هُنا مَعَ المُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى بَعْدُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الصافات 37:178

﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ تَسْلِيَةٍ وتَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ المِيعادِ بَعْدَ تَأْكِيدِ مَعَ ما في إطْلاقِ الفِعْلَيْنِ عَنِ المَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ ظاهِرًا بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ المَسارِّ، وما يُبْصِرُونَهُ مِن فُنُونِ المَضارِّ، لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ والبَيانُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما تَقَدَّمَ عَذابُ الدُّنْيا، وبِهَذا عَذابُ الآخِرَةِ.

الصافات 37:179

﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ تَسْلِيَةٍ وتَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ المِيعادِ بَعْدَ تَأْكِيدِ مَعَ ما في إطْلاقِ الفِعْلَيْنِ عَنِ المَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ ظاهِرًا بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ المَسارِّ، وما يُبْصِرُونَهُ مِن فُنُونِ المَضارِّ، لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ والبَيانُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما تَقَدَّمَ عَذابُ الدُّنْيا، وبِهَذا عَذابُ الآخِرَةِ.

الصافات 37:180

﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ بِهِ، مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ، وجَبَرُوتِهِ مِمّا حُكِيَ عَنْهم في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما لَمْ يُحْكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَرْكُ إنْجازِ المَوْعُودِ عَلى مُوجَبِ كَلِمَتِهِ تَعالى السّابِقَةِ، لا سِيَّما في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُعْرِبَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّكْمِيلِ، والمالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوَّلًا، وإلى العِزَّةِ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: سُبْحانَ مَن هو مُرَبِّيكَ ومُكَمِّلُكَ ومالِكُ العِزَّةِ والغَلَبَةِ عَلى الإطْلاقِ، عَمّا يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِنها تَرْكُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْجالُهم صفحة 158 بِالعَذابِ، ومَعْنى مُلْكِهِ تَعالى العِزَّةَ عَلى الإطْلاقِ أنَّهُ ما مِن عِزَّةٍ لِأحَدٍ مِنَ المُلُوكِ وغَيْرِهِمْ إلّا وهو - عَزَّ وجَلَّ - مالِكُها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُضِيفَ الرَّبُّ إلى العِزَّةِ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ذُو العِزَّةِ، كَما تَقُولُ: صاحِبُ صِدْقٍ، لِاخْتِصاصِهِ بِالصِّدْقِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوازَ إرادَةِ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، والفَرْقُ أنَّ الإضافَةَ عَلى ما ذَكَرْنا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المُعِزُّ، وعَلى الآخَرِ عَلى أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - العَزِيزُ بِنَفْسِهِ. ولِكُلٍّ وجْهٌ مِنَ المُبالَغَةِ خَلا عَنْهُ الآخَرُ،

الصافات 37:181

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ تَشْرِيفٌ لِلرُّسُلِ كُلِّهِمْ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا ذُكِرَ، وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّهم سالِمُونَ عَنْ كُلِّ المَكارِهِ، فائِزُونَ بِكُلِّ المَآرِبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفِهِ تَعالى بِصِفاتِهِ الكَرِيمَةِ الثُّبُوتِيَّةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى اتِّصافِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِجَمِيعِ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ، وإيذانٌ بِاسْتِتْباعِها لِلْأفْعالِ الحَمِيدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إفاضَتُهُ تَعالى عَلى المُرْسَلِينَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والكَمالاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وإسْباغِهِ - جَلَّ وعَلا - عَلَيْهِمْ وعَلى مَن تَبِعَهم مِن صُنُوفِ النَّعْماءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ المُوجِبَةِ لِحَمْدِهِ تَعالى، وإشْعارٌ بِأنَّ ما وُعِدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ قَدْ تَحَقَّقَ، والمُرادُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ تَسْبِيحِهِ سُبْحانَهُ وتَحْمِيدِهِ، والتَّسْلِيمِ عَلى رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ هم وسائِطُ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم في فَيَضانِ الكَمالاتِ مُطْلَقًا عَلَيْهِمْ. وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ كَراهَةِ إفْرادِ السَّلامِ عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ التَّسْلِيمِ عَلى المُرْسَلِينَ بَيْنَ تَسْبِيحِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ لِخَتْمِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِحَمْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ تَعالى لِلتَّسْلِيمِ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ لِأهَمِّيَّتِهِ ذاتًا ومَقامًا، ولَمّا كانَ التَّنْزِيهُ عَمّا يَصِفُ المُشْرِكُونَ، وقَدْ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - إرْشادَ الرُّسُلِ إيّاهم وتَحْذِيرَهم لَهم مِن أنْ يَصِفُوهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ تَعالى، وضَمَّنَ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى سُوءِ حالِهِمْ وفَظاعَةِ مُنْقَلَبِهِمْ، أرْدَفَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى حُسْنِ حالِ المُرْسَلِينَ الدّاعِينَ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ، وفِيهِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّنْزِيهِ ما فِيهِ، وأتى - عَزَّ وجَلَّ - بِالحَمْدِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وهَذا وإنِ اسْتَدْعى إيقاعَ الحَمْدِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ بِلا فَصْلٍ كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وهو المَذْكُورُ في الأخْبارِ، والمَشْهُورُ في الأذْكارِ، إلّا أنَّ الفَصْلَ بَيْنَهُما هُنا بِالسَّلامِ عَلى المُرْسَلِينَ مِمّا اقْتَضاهُ مَقامُ ذِكْرِهِمْ، فِيما مَرَّ، وجَدَّدَ الِالتِفاتَ إلَيْهِمْ تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ مَن يُرْسَلُونَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ مَن يُدَقِّقُ النَّظَرَ يَرى أنَّ السَّلامَ هُنا أهَمُّ مِنَ الحَمْدِ، نَظَرًا لِلْمَقامِ، وإنْ كانَ هو أهَمَّ مِنهُ ذاتًا، والأهَمِّيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْمَقامِ أوْلى بِالِاعْتِبارِ عِنْدَهُمْ، ولِذا تَراهم يُقَدِّمُونَ المَفْضُولَ عَلى الفاضِلِ، إذا اقْتَضى المَقامُ الِاعْتِناءَ بِهِ، ولَعَلَّهُ مِن تَتِمَّةِ جُمْلَةِ التَّسْبِيحِ، وبِهَذا يَنْحَلُّ ما يُقالُ مِن أنَّ حَمْدَهُ تَعالى أجَلُّ مِنَ السَّلامِ عَلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَكانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عَلى ما هو المَنهَجُ المَعْرُوفُ في الكُتُبِ والخُطَبِ، ولا يَحْتاجُ إلى ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالحَمْدِ هُنا الشُّكْرُ عَلى النِّعَمِ، وهي الباعِثَةُ عَلَيْهِ، ومِن أجْلِها إرْسالُ الرُّسُلِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الباعِثَ عَلى الشَّيْءِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في الوُجُودِ، وإنْ كانَ هو مُتَقَدِّمًا عَلى الباعِثِ في الرُّتْبَةِ، فَتَدَبَّرْ. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الجَوامِعِ، والكَوامِلِ، ووُقُوعُها في مَوْقِعِها هَذا يُنادِي بِلِسانٍ ذَلِقٍ أنَّهُ كَلامُ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ، ومِنهُ العِزَّةُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ. وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْدَ أنْ يُسَلِّمَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى صفحة 159 المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ». وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ”سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ)». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ» إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأخْرَجَهُ البَغْوِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَوْقُوفًا. وجاءَ في خَتْمِ المَجْلِسِ بِالتَّسْبِيحِ غَيْرُ هَذا، ولَعَلَّهُ أصَحُّ مِنهُ. فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: «“قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلِماتٌ لا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أحَدٌ في مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيامِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ، ولا يَقُولُهُنَّ في مَجْلِسِ خَيْرٍ وذِكْرٍ إلّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ، كَما يُخْتَمُ بِخاتَمٍ عَلى الصَّحِيفَةِ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ"». لَكِنَّ المَشْهُورَ اليَوْمَ بَيْنَ النّاسِ أنَّهم يَقْرَؤُونَ عِنْدَ خَتْمِ مَجْلِسِ القِراءَةِ، أوِ الذِّكْرِ، أوْ نَحْوِهِما، الآيَةُ المَذْكُورَةُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . * * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ما قالُوا: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ هي الأرْواحُ الكامِلَةُ المُكَمَّلَةُ مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ، وهو صَفُّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والصَّفِّ الثّانِي وهو صَفُّ الأصْفِياءِ، ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ عَنِ الكُفْرِ والفُسُوقِ بِالحُجَجِ والنَّصائِحِ والهِمَمِ القُدْسِيَّةِ، ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ المُهِيمِينَ، والزّاجِراتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ الزّاجِرِينَ لِلْأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ، والتّالِياتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ التّالِيَةُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وجَلايا قُدْسِهِ عَلى أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلى الأوْلِياءِ مِمّا قالَ بِهِ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقَدْ نَطَقَ بِأصْلِ التَّنَزُّلِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وقَدْ يُطْلِقُونَ عَلى بَعْضِ الأوْلِياءِ أنْبِياءَ الأوْلِياءِ. قالَ الشَّعْراوِيُّ في رِسالَةِ الفَتْحِ في تَأْوِيلِ ما صَدَرَ عَنِ الكُمَّلِ مِنَ الشَّطْحِ: أنْبِياءُ الأوْلِياءِ هم كُلُّ ولِيٍّ أقامَهُ الحَقُّ تَعالى في تَجَلٍّ مِن مَظْهَرِ تَجَلِّياتِهِ، وأقامَ لَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَظْهَرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأسْمَعَهُ ذَلِكَ المَظْهَرُ الرُّوحانِيُّ خِطابَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ لِمَظْهَرِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى إذا فَرَغَ مِن خِطابِهِ وفُزِّعَ عَنْ قَلْبِ هَذا الوَلِيِّ عَقِلَ صاحِبُ هَذا المَشْهَدِ جَمِيعَ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الخِطابُ مِنَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ الظّاهِرَةِ في هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَيَأْخُذُها هَذا الوَلِيُّ كَما أخَذَها المَظْهَرُ المُحَمَّدِيُّ، فَيُرَدُّ إلى حِسِّهِ، وقَدْ وعى ما خاطَبَ الرَّوْحَ بِهِ مَظْهَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلِمَ صِحَّتَهُ عِلْمَ يَقِينٍ، بَلْ عَيْنَ يَقِينٍ، فَمِثْلُ هَذا يَعْمَلُ بِما شاءَ مِنَ الأحادِيثِ لا التِفاتَ لَهُ إلى تَصْحِيحِ غَيْرِهِ، أوْ تَضْعِيفِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ما قالَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ بِأنَّهُ صَحِيحٌ لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَدْ يَكُونُ ما قالُوا فِيهِ: إنَّهُ ضَعِيفُ سَمِعَهُ هَذا الوَلِيُّ مِنَ الرُّوحِ الأمِينِ يُلْقِيهِ عَلى حَقِيقَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما سَمِعَ بَعْضُ الصَّحابَةِ حَدِيثَ جِبْرِيلَ في بَيانِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ، فَهَؤُلاءِ هم أنْبِياءُ الأوْلِياءِ، ولا يَنْفَرِدُونَ قَطُّ بِشَرِيعَةٍ، ولا يَكُونُ لَهم خِطابٌ بِها إلّا بِتَعْرِيفِ أنَّ هَذا هو شَرْعُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ يُشاهِدُونَ المُنَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في حَضْرَةِ التَّمَثُّلِ الخارِجِ عَنْ ذاتِهِمْ، والدّاخِلِ المُعَبَّرِ صفحة 160 عَنْهُ بِالمُبَشِّراتِ في حَقِّ النّائِمِ، غَيْرَ أنَّ الوَلِيَّ يَشْتَرِكُ مَعَ النَّبِيِّ في إدْراكِ ما تُدْرِكُهُ العامَّةُ في النَّوْمِ في حالِ اليَقَظَةِ، فَهَؤُلاءِ في هَذِهِ الأُمَّةِ كالأنْبِياءِ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مَرْتَبَةِ تَعَبُّدِ هارُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسى مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وهُمُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الشَّرِيعَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لا شَكَّ فِيها عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالشَّرْعِ، غَيْرَ أنَّ غالِبَ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ لا يُسَلِّمُونَ لَهم ذَلِكَ، وهم لا يَلْزَمُهم إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا مُشَرِّعِينَ، فَهم حُفّاظُ الحالِ النَّبَوِيِّ، والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، والسِّرِّ الإلَهِيِّ، وغَيْرُهم حُفّاظُ الأحْكامِ الظّاهِرَةِ، وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في المِيزانِ اهـ. وقالَ بُعَيْدَ هَذا في رِسالَتِهِ المَذْكُورَةِ: اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ أنْكَرُوا نُزُولَ المَلَكِ عَلى قَلْبِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ ذَوْقِهِ لَهُ، والحَقُّ أنَّهُ يَنْزِلُ، ولَكِنْ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فالخِلافُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ، لا في نُزُولِ المَلَكِ، وإذا نَزَلَ عَلى غَيْرِ نَبِيٍّ لا يَظْهَرُ لَهُ حالَ الكَلامِ أبَدًا، إنَّما يَسْمَعُ كَلامَهُ، ولا يَرى شَخْصَهُ أوْ يَرى شَخْصَهُ مِن غَيْرِ كَلامٍ، فَلا يَجْمَعُ بَيْنَ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ إلّا نَبِيٌّ، والسَّلامُ اهـ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في رُؤْيَةِ المَلَكِ فَتَذَكَّرْ. ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ إخْبارٌ بِذَلِكَ لِيَعْلَمُوهُ، ولا يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ تَعالى آلِهَةً مِنَ الدُّنْيا، والهَوى، والشَّيْطانِ، ومَعْنى كَوْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واحِدًا تَفَرُّدُهُ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، وعَدَمُ شَرِكَةِ أحَدٍ مَعَهُ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وطَبَّقُوا أكْثَرَ الآياتِ بَعْدُ عَلى ما في الأنْفُسِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لِلسّالِكِ في كُلِّ مَقامٍ وقْفَةٌ تُناسِبُ ذَلِكَ المَقامِ، وهو مَسْؤُولٌ عَنْ أداءِ حُقُوقِ ذَلِكَ المَقامِ، فَإنْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ جَوابِهِ أُذِنَ لَهُ بِالعُبُورِ، وإلّا بَقِيَ مَوْقُوفًا رَهِينًا بِأحْوالِهِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ حُقُوقَهُ، وكَذا طَبَّقُوا ما جاءَ مِن قِصَصِ المُرْسَلِينَ بَعْدُ عَلى ما في الأنْفُسِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ المَلَكَ لا يَتَعَدّى مَقامَهُ إلى ما فَوْقَهُ، ولا يَهْبِطُ عَنْهُ إلى ما دُونَهُ، وهَذا بِخِلافِ نَوْعِ الإنْسانِ، فَإنَّ مِن أفْرادِهِ مَن سارَ إلى مَقامِ (قابَ قَوْسَيْنِ)، بَلْ طارَ إلى مَنزِلٍ أوْ أدْنى، وجَرَّ هُناكَ مَطارِفَ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ ومِنها مَن هَوى إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وانْحَطَّ إلى قَعْرِ سِجِّينٍ، ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَرَقّى حَتّى يَصِلَ إلى مَقامِ المَلَكِ، فَيَعْبُرُهُ إلى مَقامٍ قُرْبَ النَّوافِلِ ومَقامٍ قُرْبَ الفَرائِضِ، وقَدْ يَهْبِطُ إلى دَرَكِ البَهِيمِيَّةِ فَما دُونَها، ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُرَقِّيَنا إلى مَقامٍ يَرْضاهُ، ويَرْزُقَنا رِضاهُ يَوْمَ لِقاهُ، وأنْ يَجْعَلَنا مِن جُنْدِهِ الغالِبِينَ، وعِبادِهِ المُخْلِصِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، سَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الصافات 37:182

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ تَشْرِيفٌ لِلرُّسُلِ كُلِّهِمْ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا ذُكِرَ، وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّهم سالِمُونَ عَنْ كُلِّ المَكارِهِ، فائِزُونَ بِكُلِّ المَآرِبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفِهِ تَعالى بِصِفاتِهِ الكَرِيمَةِ الثُّبُوتِيَّةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى اتِّصافِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِجَمِيعِ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ، وإيذانٌ بِاسْتِتْباعِها لِلْأفْعالِ الحَمِيدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إفاضَتُهُ تَعالى عَلى المُرْسَلِينَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والكَمالاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وإسْباغِهِ - جَلَّ وعَلا - عَلَيْهِمْ وعَلى مَن تَبِعَهم مِن صُنُوفِ النَّعْماءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ المُوجِبَةِ لِحَمْدِهِ تَعالى، وإشْعارٌ بِأنَّ ما وُعِدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ قَدْ تَحَقَّقَ، والمُرادُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ تَسْبِيحِهِ سُبْحانَهُ وتَحْمِيدِهِ، والتَّسْلِيمِ عَلى رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ هم وسائِطُ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم في فَيَضانِ الكَمالاتِ مُطْلَقًا عَلَيْهِمْ. وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ كَراهَةِ إفْرادِ السَّلامِ عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ التَّسْلِيمِ عَلى المُرْسَلِينَ بَيْنَ تَسْبِيحِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ لِخَتْمِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِحَمْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ تَعالى لِلتَّسْلِيمِ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ لِأهَمِّيَّتِهِ ذاتًا ومَقامًا، ولَمّا كانَ التَّنْزِيهُ عَمّا يَصِفُ المُشْرِكُونَ، وقَدْ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - إرْشادَ الرُّسُلِ إيّاهم وتَحْذِيرَهم لَهم مِن أنْ يَصِفُوهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ تَعالى، وضَمَّنَ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى سُوءِ حالِهِمْ وفَظاعَةِ مُنْقَلَبِهِمْ، أرْدَفَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى حُسْنِ حالِ المُرْسَلِينَ الدّاعِينَ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ، وفِيهِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّنْزِيهِ ما فِيهِ، وأتى - عَزَّ وجَلَّ - بِالحَمْدِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وهَذا وإنِ اسْتَدْعى إيقاعَ الحَمْدِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ بِلا فَصْلٍ كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وهو المَذْكُورُ في الأخْبارِ، والمَشْهُورُ في الأذْكارِ، إلّا أنَّ الفَصْلَ بَيْنَهُما هُنا بِالسَّلامِ عَلى المُرْسَلِينَ مِمّا اقْتَضاهُ مَقامُ ذِكْرِهِمْ، فِيما مَرَّ، وجَدَّدَ الِالتِفاتَ إلَيْهِمْ تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ مَن يُرْسَلُونَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ مَن يُدَقِّقُ النَّظَرَ يَرى أنَّ السَّلامَ هُنا أهَمُّ مِنَ الحَمْدِ، نَظَرًا لِلْمَقامِ، وإنْ كانَ هو أهَمَّ مِنهُ ذاتًا، والأهَمِّيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْمَقامِ أوْلى بِالِاعْتِبارِ عِنْدَهُمْ، ولِذا تَراهم يُقَدِّمُونَ المَفْضُولَ عَلى الفاضِلِ، إذا اقْتَضى المَقامُ الِاعْتِناءَ بِهِ، ولَعَلَّهُ مِن تَتِمَّةِ جُمْلَةِ التَّسْبِيحِ، وبِهَذا يَنْحَلُّ ما يُقالُ مِن أنَّ حَمْدَهُ تَعالى أجَلُّ مِنَ السَّلامِ عَلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَكانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عَلى ما هو المَنهَجُ المَعْرُوفُ في الكُتُبِ والخُطَبِ، ولا يَحْتاجُ إلى ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالحَمْدِ هُنا الشُّكْرُ عَلى النِّعَمِ، وهي الباعِثَةُ عَلَيْهِ، ومِن أجْلِها إرْسالُ الرُّسُلِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الباعِثَ عَلى الشَّيْءِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في الوُجُودِ، وإنْ كانَ هو مُتَقَدِّمًا عَلى الباعِثِ في الرُّتْبَةِ، فَتَدَبَّرْ. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الجَوامِعِ، والكَوامِلِ، ووُقُوعُها في مَوْقِعِها هَذا يُنادِي بِلِسانٍ ذَلِقٍ أنَّهُ كَلامُ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ، ومِنهُ العِزَّةُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ. وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْدَ أنْ يُسَلِّمَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى صفحة 159 المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ». وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ”سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ)». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ» إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأخْرَجَهُ البَغْوِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَوْقُوفًا. وجاءَ في خَتْمِ المَجْلِسِ بِالتَّسْبِيحِ غَيْرُ هَذا، ولَعَلَّهُ أصَحُّ مِنهُ. فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: «“قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلِماتٌ لا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أحَدٌ في مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيامِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ، ولا يَقُولُهُنَّ في مَجْلِسِ خَيْرٍ وذِكْرٍ إلّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ، كَما يُخْتَمُ بِخاتَمٍ عَلى الصَّحِيفَةِ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ"». لَكِنَّ المَشْهُورَ اليَوْمَ بَيْنَ النّاسِ أنَّهم يَقْرَؤُونَ عِنْدَ خَتْمِ مَجْلِسِ القِراءَةِ، أوِ الذِّكْرِ، أوْ نَحْوِهِما، الآيَةُ المَذْكُورَةُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . * * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ما قالُوا: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ هي الأرْواحُ الكامِلَةُ المُكَمَّلَةُ مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ، وهو صَفُّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والصَّفِّ الثّانِي وهو صَفُّ الأصْفِياءِ، ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ عَنِ الكُفْرِ والفُسُوقِ بِالحُجَجِ والنَّصائِحِ والهِمَمِ القُدْسِيَّةِ، ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ المُهِيمِينَ، والزّاجِراتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ الزّاجِرِينَ لِلْأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ، والتّالِياتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ التّالِيَةُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وجَلايا قُدْسِهِ عَلى أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلى الأوْلِياءِ مِمّا قالَ بِهِ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقَدْ نَطَقَ بِأصْلِ التَّنَزُّلِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وقَدْ يُطْلِقُونَ عَلى بَعْضِ الأوْلِياءِ أنْبِياءَ الأوْلِياءِ. قالَ الشَّعْراوِيُّ في رِسالَةِ الفَتْحِ في تَأْوِيلِ ما صَدَرَ عَنِ الكُمَّلِ مِنَ الشَّطْحِ: أنْبِياءُ الأوْلِياءِ هم كُلُّ ولِيٍّ أقامَهُ الحَقُّ تَعالى في تَجَلٍّ مِن مَظْهَرِ تَجَلِّياتِهِ، وأقامَ لَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَظْهَرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأسْمَعَهُ ذَلِكَ المَظْهَرُ الرُّوحانِيُّ خِطابَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ لِمَظْهَرِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى إذا فَرَغَ مِن خِطابِهِ وفُزِّعَ عَنْ قَلْبِ هَذا الوَلِيِّ عَقِلَ صاحِبُ هَذا المَشْهَدِ جَمِيعَ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الخِطابُ مِنَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ الظّاهِرَةِ في هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَيَأْخُذُها هَذا الوَلِيُّ كَما أخَذَها المَظْهَرُ المُحَمَّدِيُّ، فَيُرَدُّ إلى حِسِّهِ، وقَدْ وعى ما خاطَبَ الرَّوْحَ بِهِ مَظْهَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلِمَ صِحَّتَهُ عِلْمَ يَقِينٍ، بَلْ عَيْنَ يَقِينٍ، فَمِثْلُ هَذا يَعْمَلُ بِما شاءَ مِنَ الأحادِيثِ لا التِفاتَ لَهُ إلى تَصْحِيحِ غَيْرِهِ، أوْ تَضْعِيفِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ما قالَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ بِأنَّهُ صَحِيحٌ لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَدْ يَكُونُ ما قالُوا فِيهِ: إنَّهُ ضَعِيفُ سَمِعَهُ هَذا الوَلِيُّ مِنَ الرُّوحِ الأمِينِ يُلْقِيهِ عَلى حَقِيقَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما سَمِعَ بَعْضُ الصَّحابَةِ حَدِيثَ جِبْرِيلَ في بَيانِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ، فَهَؤُلاءِ هم أنْبِياءُ الأوْلِياءِ، ولا يَنْفَرِدُونَ قَطُّ بِشَرِيعَةٍ، ولا يَكُونُ لَهم خِطابٌ بِها إلّا بِتَعْرِيفِ أنَّ هَذا هو شَرْعُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ يُشاهِدُونَ المُنَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في حَضْرَةِ التَّمَثُّلِ الخارِجِ عَنْ ذاتِهِمْ، والدّاخِلِ المُعَبَّرِ صفحة 160 عَنْهُ بِالمُبَشِّراتِ في حَقِّ النّائِمِ، غَيْرَ أنَّ الوَلِيَّ يَشْتَرِكُ مَعَ النَّبِيِّ في إدْراكِ ما تُدْرِكُهُ العامَّةُ في النَّوْمِ في حالِ اليَقَظَةِ، فَهَؤُلاءِ في هَذِهِ الأُمَّةِ كالأنْبِياءِ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مَرْتَبَةِ تَعَبُّدِ هارُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسى مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وهُمُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الشَّرِيعَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لا شَكَّ فِيها عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالشَّرْعِ، غَيْرَ أنَّ غالِبَ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ لا يُسَلِّمُونَ لَهم ذَلِكَ، وهم لا يَلْزَمُهم إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا مُشَرِّعِينَ، فَهم حُفّاظُ الحالِ النَّبَوِيِّ، والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، والسِّرِّ الإلَهِيِّ، وغَيْرُهم حُفّاظُ الأحْكامِ الظّاهِرَةِ، وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في المِيزانِ اهـ. وقالَ بُعَيْدَ هَذا في رِسالَتِهِ المَذْكُورَةِ: اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ أنْكَرُوا نُزُولَ المَلَكِ عَلى قَلْبِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ ذَوْقِهِ لَهُ، والحَقُّ أنَّهُ يَنْزِلُ، ولَكِنْ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فالخِلافُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ، لا في نُزُولِ المَلَكِ، وإذا نَزَلَ عَلى غَيْرِ نَبِيٍّ لا يَظْهَرُ لَهُ حالَ الكَلامِ أبَدًا، إنَّما يَسْمَعُ كَلامَهُ، ولا يَرى شَخْصَهُ أوْ يَرى شَخْصَهُ مِن غَيْرِ كَلامٍ، فَلا يَجْمَعُ بَيْنَ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ إلّا نَبِيٌّ، والسَّلامُ اهـ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في رُؤْيَةِ المَلَكِ فَتَذَكَّرْ. ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ إخْبارٌ بِذَلِكَ لِيَعْلَمُوهُ، ولا يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ تَعالى آلِهَةً مِنَ الدُّنْيا، والهَوى، والشَّيْطانِ، ومَعْنى كَوْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واحِدًا تَفَرُّدُهُ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، وعَدَمُ شَرِكَةِ أحَدٍ مَعَهُ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وطَبَّقُوا أكْثَرَ الآياتِ بَعْدُ عَلى ما في الأنْفُسِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لِلسّالِكِ في كُلِّ مَقامٍ وقْفَةٌ تُناسِبُ ذَلِكَ المَقامِ، وهو مَسْؤُولٌ عَنْ أداءِ حُقُوقِ ذَلِكَ المَقامِ، فَإنْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ جَوابِهِ أُذِنَ لَهُ بِالعُبُورِ، وإلّا بَقِيَ مَوْقُوفًا رَهِينًا بِأحْوالِهِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ حُقُوقَهُ، وكَذا طَبَّقُوا ما جاءَ مِن قِصَصِ المُرْسَلِينَ بَعْدُ عَلى ما في الأنْفُسِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ المَلَكَ لا يَتَعَدّى مَقامَهُ إلى ما فَوْقَهُ، ولا يَهْبِطُ عَنْهُ إلى ما دُونَهُ، وهَذا بِخِلافِ نَوْعِ الإنْسانِ، فَإنَّ مِن أفْرادِهِ مَن سارَ إلى مَقامِ (قابَ قَوْسَيْنِ)، بَلْ طارَ إلى مَنزِلٍ أوْ أدْنى، وجَرَّ هُناكَ مَطارِفَ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ ومِنها مَن هَوى إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وانْحَطَّ إلى قَعْرِ سِجِّينٍ، ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَرَقّى حَتّى يَصِلَ إلى مَقامِ المَلَكِ، فَيَعْبُرُهُ إلى مَقامٍ قُرْبَ النَّوافِلِ ومَقامٍ قُرْبَ الفَرائِضِ، وقَدْ يَهْبِطُ إلى دَرَكِ البَهِيمِيَّةِ فَما دُونَها، ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُرَقِّيَنا إلى مَقامٍ يَرْضاهُ، ويَرْزُقَنا رِضاهُ يَوْمَ لِقاهُ، وأنْ يَجْعَلَنا مِن جُنْدِهِ الغالِبِينَ، وعِبادِهِ المُخْلِصِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، سَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.