Tafsir Al-Alusi — الذاريات 51:1 – الطور 52:49
المحتويات
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
الذاريات 51:1
صفحة 2
سُورَةُ
( الذّارِياتِ ) «مَكِّيَّةٌ» كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ولَمْ يُحْكَ في ذَلِكَ خِلافٌ - وهي سِتُّونَ آيَةٍ بِالِّاتِّفاقِ كَما في كِتابِ العَدَدِ، ومُناسَبَتِها لِسُورَةِ «ق» أنَّهُما لَمّا خُتِمَتْ بِذِكْرِ البَعْثِ واشْتُمِلَتْ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ والجَنَّةِ والنّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى أنَّ ما وُعِدُوا مِن ذَلِكَ لَصادِقٌ، وأنَّ الجَزاءَ لَواقِعٌ، وأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ هُناكَ إهْلاكُ كَثِيرِ مِنَ القُرُونِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وذُكِرَ هُنا إهْلاكُ بَعْضِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيِ الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ مِن - ذَرا - المُعْتَلِّ بِمَعْنى فَرَّقَ وبَدَّدَ ما رَفَعَهُ عَنْ مَكانِهِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيْ حَمْلًا وهي السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ.
﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيْ جَرْيًا سَهْلًا إلى حَيْثُ سُيِّرَتْ وهي السُّفُنُ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ الأُمُورَ بَيْنَ الخَلْقِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ، وتَفْسِيرُ كُلٌّ بِما فُسِّرَ بِهِ قَدْ صُحَّ رِوايَتُهُ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَخْطُبُ عَلى المِنبَرِ فَأجابَ بِما ذُكِرَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَأثُورٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
أخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُ في الأفْرادِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ««جاءَ صَبِيغُ التَّمِيمِيُّ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: أخْبِرَنِي عَنِ ( الذّارِياتِ ذَرْوًا ) قالَ: هي الرِّياحُ، ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الحامِلاتِ وِقْرًا» قالَ: هي السَّحابُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الجارِياتِ يُسْرا» قالَ: هي السُّفُنُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «المُقَسِّماتِ أمْرا» قالَ: هي المَلائِكَةُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةً وجُعِلَ في بَيْتٍ فَلَمّا بُرِأ دَعاهُ فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرى وحَمَلَهُ عَلى قَتَبٍ وكُتِبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ امْنَعِ النّاسَ مِن مُجالَسَتِهِ فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أتى أبا مُوسى فَحَلَفَ لَهُ بِالأيْمانِ المُغَلَّظَةِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِمّا كانَ يَجِدُ شَيْئًا فَكَتَبَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما أخالُهُ إلّا قَدْ صَدَقَ فَخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ مُجالَسَةِ النّاسِ»» .
ويَدُلُّ هَذا أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ سَلِيمَ القَلْبِ وأنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا لِلْعِلْمِ وإلّا لَمَّ يَصْنَعْ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما صَنَعَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ - الحامِلاتِ - هي السُّفُنُ المُوَقَّرَةُ بِالنّاسِ وأمْتِعَتِهِمْ، وقِيلَ: هي الحَوامِلُ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، وقِيلَ: الجارِياتُ السُّحُبُ تَجْرِي وتَسِيرُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ
صفحة 3
الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها وكُلُّها لَها حَرَكَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ سُرْعَةً وبُطْأً كَما بَيْنَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ الشَّهِيرَةُ وتُسَمّى السَّيّارَةَ، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) النِّساءُ الوَلُودُ فَإنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ كَأنَّهُ شِبْهُ تَتابُعِ الأوْلادِ بِما يَتَطايَرُ مِنَ الرِّياحِ، وباقِي المُتَعاطِفاتِ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) هي الأسْبابُ الَّتِي تَذْرِي الخَلائِقَ عَلى تَشْبِيهِ الأسْبابِ المُعَدَّةِ لِلْبُرُوزِ مِنَ العَدَمِ بِالرِّياحِ المُفَرِّقَةِ لِلْحُبُوبِ ونَحْوِها، وقِيلَ: الحامِلاتُ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقِيلَ: هي الأسْبابُ الحامِلَةُ لِمُسَبِّباتِها مَجازًا، وقِيلَ: الجارِياتُ الرِّياحُ تَجْرِي في مَهابِّها، وقِيلَ: المُقْسِّماتُ السُّحُبُ يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ - وهو قَوْلٌ باطِلٌ - لا يَقُولُ بِهِ إلّا مَن زَعَمَ أنَّها مُدَبِّرَةٌ لِعالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ قَتادَةِ «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثٍ جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.
وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها فَمَن تَأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا يَعْلَمْ» وزادَ رَزِينٌ «وما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ وما عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ» وعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وزادَ «و اللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في نَجْمٍ حَياةَ أحَدٍ ولا رِزْقَهِ ولا مَوْتَهِ وإنَّما يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ» ذَكَرَهُ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في إبْطالِ ما قالَهُ المُنَجِّمُونَ مُفَصَّلًا فَتُذُكِّرَ، ولَعَلَّهُ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجَمِيعِ الرِّياحُ فَإنَّها - كَما تَذْرُ - وما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ، وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا - وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ - والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سامِعًا لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَهُ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى المِنبَرِ - وإلَيْهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجاجِ ذَهَبَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ أيِ المُعْتَبِرِينَ، وقَوْلُ الإمامِ بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ عَنِ الأمِيرِ: الأقْرَبُ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ عَلى الرِّياحِ جَسارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى ما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وجَهْلٌ مِنهُ بِما رَواهُ ابْنُ المُسَيَّبِ مِنَ الخَبَرِ الدّالِّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأيْنَ مِنهُ الإمامُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّهُ شَدِيدُ الطِّباقِ لِلْمَقامِ ولِذا آثَرَهُ الإمامُ لا أسْلَمَهُ لَهُ أيْضًا إذا صُحَّ الحَدِيثُ ثُمَّ إذا حُمِلَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَلى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَغايِرَةٍ بِالذّاتِ كَما في المُعَوِّلِ عَلَيْهِ فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ في الإقْسامِ ذِكْرًا ورُتْبَةً بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ مَراتِبِها في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا التَّفاوُتُ إمّا عَلى التَّرَقِّي أوِ التَّنَزُّلِ لِما في كُلٍّ مِنها مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُها أعْلى مِن وجْهٍ وأدْنى مِن آخَرٍ إذا نُظِرَ لَها ذُو نَظَرٍ صَحِيحٍ، وقِيلَ: التَّرْتِيبُ بِالنَّظَرِ إلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِنّا، وإنْ حُمِلَتْ عَلى واحِدٍ وهو الرِّياحُ فَهي لِتَرْتِيبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إذِ الرِّيحُ تَذْرُ الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ أوَّلًا حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَحْمِلُهُ ثانِيًا وتَجْرِي بِهِ ثالِثًا ناشِرَةً وسائِقَةً لَهُ إلى حَيْثُ أمَرَها اللَّهُ تَعالى ثُمَّ تُقَسِّمُ أمْطارَهُ، وقِيلَ: إذا حُمِلَتِ الذّارِياتُ والحامِلاتُ عَلى النِّساءِ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ فَتُدُبِّرَ.
ونَصْبُ ﴿ذَرْوًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و﴿وِقْرًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ ضَرَبْتَهُ سَوْطًا، و﴿يُسْرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَرْيا ذا يُسْرٍ، أوْ عَلى أنَّهُ حالُ أيْ مُيَسَّرَةٌ كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، و(أمْرًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ لِأنَّ الفَرْدَ أنْسَبُ بِرِؤُوسِ الآيِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ مَأْمُورَةٌ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أوِ الوَصْفُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ تَفْعَلُ التَّقْسِيمَ مَأْمُورَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحَمْزَةُ ( والذّارِياتِ ذَرْوًا ) بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ، وقُرِئَ «وقْرًا» بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وقَرَهُ إذا حَمَلَهُ - كَما أفادَهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ - وناهِيكَ
صفحة 4
بِهِ إمامًا في اللُّغَةِ، وعَلى هَذا هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْضًا عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ - لِحامِلاتٍ - مِن مَعْناها كَأنَّهُ قِيلَ: فالحامِلاتُ حَمْلًا.
الذاريات 51:2
صفحة 2
سُورَةُ
( الذّارِياتِ ) «مَكِّيَّةٌ» كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ولَمْ يُحْكَ في ذَلِكَ خِلافٌ - وهي سِتُّونَ آيَةٍ بِالِّاتِّفاقِ كَما في كِتابِ العَدَدِ، ومُناسَبَتِها لِسُورَةِ «ق» أنَّهُما لَمّا خُتِمَتْ بِذِكْرِ البَعْثِ واشْتُمِلَتْ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ والجَنَّةِ والنّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى أنَّ ما وُعِدُوا مِن ذَلِكَ لَصادِقٌ، وأنَّ الجَزاءَ لَواقِعٌ، وأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ هُناكَ إهْلاكُ كَثِيرِ مِنَ القُرُونِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وذُكِرَ هُنا إهْلاكُ بَعْضِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيِ الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ مِن - ذَرا - المُعْتَلِّ بِمَعْنى فَرَّقَ وبَدَّدَ ما رَفَعَهُ عَنْ مَكانِهِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيْ حَمْلًا وهي السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ.
﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيْ جَرْيًا سَهْلًا إلى حَيْثُ سُيِّرَتْ وهي السُّفُنُ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ الأُمُورَ بَيْنَ الخَلْقِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ، وتَفْسِيرُ كُلٌّ بِما فُسِّرَ بِهِ قَدْ صُحَّ رِوايَتُهُ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَخْطُبُ عَلى المِنبَرِ فَأجابَ بِما ذُكِرَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَأثُورٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
أخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُ في الأفْرادِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ««جاءَ صَبِيغُ التَّمِيمِيُّ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: أخْبِرَنِي عَنِ ( الذّارِياتِ ذَرْوًا ) قالَ: هي الرِّياحُ، ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الحامِلاتِ وِقْرًا» قالَ: هي السَّحابُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الجارِياتِ يُسْرا» قالَ: هي السُّفُنُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «المُقَسِّماتِ أمْرا» قالَ: هي المَلائِكَةُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةً وجُعِلَ في بَيْتٍ فَلَمّا بُرِأ دَعاهُ فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرى وحَمَلَهُ عَلى قَتَبٍ وكُتِبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ امْنَعِ النّاسَ مِن مُجالَسَتِهِ فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أتى أبا مُوسى فَحَلَفَ لَهُ بِالأيْمانِ المُغَلَّظَةِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِمّا كانَ يَجِدُ شَيْئًا فَكَتَبَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما أخالُهُ إلّا قَدْ صَدَقَ فَخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ مُجالَسَةِ النّاسِ»» .
ويَدُلُّ هَذا أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ سَلِيمَ القَلْبِ وأنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا لِلْعِلْمِ وإلّا لَمَّ يَصْنَعْ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما صَنَعَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ - الحامِلاتِ - هي السُّفُنُ المُوَقَّرَةُ بِالنّاسِ وأمْتِعَتِهِمْ، وقِيلَ: هي الحَوامِلُ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، وقِيلَ: الجارِياتُ السُّحُبُ تَجْرِي وتَسِيرُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ
صفحة 3
الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها وكُلُّها لَها حَرَكَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ سُرْعَةً وبُطْأً كَما بَيْنَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ الشَّهِيرَةُ وتُسَمّى السَّيّارَةَ، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) النِّساءُ الوَلُودُ فَإنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ كَأنَّهُ شِبْهُ تَتابُعِ الأوْلادِ بِما يَتَطايَرُ مِنَ الرِّياحِ، وباقِي المُتَعاطِفاتِ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) هي الأسْبابُ الَّتِي تَذْرِي الخَلائِقَ عَلى تَشْبِيهِ الأسْبابِ المُعَدَّةِ لِلْبُرُوزِ مِنَ العَدَمِ بِالرِّياحِ المُفَرِّقَةِ لِلْحُبُوبِ ونَحْوِها، وقِيلَ: الحامِلاتُ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقِيلَ: هي الأسْبابُ الحامِلَةُ لِمُسَبِّباتِها مَجازًا، وقِيلَ: الجارِياتُ الرِّياحُ تَجْرِي في مَهابِّها، وقِيلَ: المُقْسِّماتُ السُّحُبُ يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ - وهو قَوْلٌ باطِلٌ - لا يَقُولُ بِهِ إلّا مَن زَعَمَ أنَّها مُدَبِّرَةٌ لِعالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ قَتادَةِ «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثٍ جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.
وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها فَمَن تَأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا يَعْلَمْ» وزادَ رَزِينٌ «وما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ وما عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ» وعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وزادَ «و اللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في نَجْمٍ حَياةَ أحَدٍ ولا رِزْقَهِ ولا مَوْتَهِ وإنَّما يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ» ذَكَرَهُ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في إبْطالِ ما قالَهُ المُنَجِّمُونَ مُفَصَّلًا فَتُذُكِّرَ، ولَعَلَّهُ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجَمِيعِ الرِّياحُ فَإنَّها - كَما تَذْرُ - وما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ، وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا - وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ - والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سامِعًا لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَهُ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى المِنبَرِ - وإلَيْهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجاجِ ذَهَبَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ أيِ المُعْتَبِرِينَ، وقَوْلُ الإمامِ بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ عَنِ الأمِيرِ: الأقْرَبُ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ عَلى الرِّياحِ جَسارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى ما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وجَهْلٌ مِنهُ بِما رَواهُ ابْنُ المُسَيَّبِ مِنَ الخَبَرِ الدّالِّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأيْنَ مِنهُ الإمامُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّهُ شَدِيدُ الطِّباقِ لِلْمَقامِ ولِذا آثَرَهُ الإمامُ لا أسْلَمَهُ لَهُ أيْضًا إذا صُحَّ الحَدِيثُ ثُمَّ إذا حُمِلَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَلى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَغايِرَةٍ بِالذّاتِ كَما في المُعَوِّلِ عَلَيْهِ فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ في الإقْسامِ ذِكْرًا ورُتْبَةً بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ مَراتِبِها في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا التَّفاوُتُ إمّا عَلى التَّرَقِّي أوِ التَّنَزُّلِ لِما في كُلٍّ مِنها مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُها أعْلى مِن وجْهٍ وأدْنى مِن آخَرٍ إذا نُظِرَ لَها ذُو نَظَرٍ صَحِيحٍ، وقِيلَ: التَّرْتِيبُ بِالنَّظَرِ إلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِنّا، وإنْ حُمِلَتْ عَلى واحِدٍ وهو الرِّياحُ فَهي لِتَرْتِيبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إذِ الرِّيحُ تَذْرُ الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ أوَّلًا حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَحْمِلُهُ ثانِيًا وتَجْرِي بِهِ ثالِثًا ناشِرَةً وسائِقَةً لَهُ إلى حَيْثُ أمَرَها اللَّهُ تَعالى ثُمَّ تُقَسِّمُ أمْطارَهُ، وقِيلَ: إذا حُمِلَتِ الذّارِياتُ والحامِلاتُ عَلى النِّساءِ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ فَتُدُبِّرَ.
ونَصْبُ ﴿ذَرْوًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و﴿وِقْرًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ ضَرَبْتَهُ سَوْطًا، و﴿يُسْرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَرْيا ذا يُسْرٍ، أوْ عَلى أنَّهُ حالُ أيْ مُيَسَّرَةٌ كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، و(أمْرًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ لِأنَّ الفَرْدَ أنْسَبُ بِرِؤُوسِ الآيِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ مَأْمُورَةٌ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أوِ الوَصْفُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ تَفْعَلُ التَّقْسِيمَ مَأْمُورَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحَمْزَةُ ( والذّارِياتِ ذَرْوًا ) بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ، وقُرِئَ «وقْرًا» بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وقَرَهُ إذا حَمَلَهُ - كَما أفادَهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ - وناهِيكَ
صفحة 4
بِهِ إمامًا في اللُّغَةِ، وعَلى هَذا هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْضًا عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ - لِحامِلاتٍ - مِن مَعْناها كَأنَّهُ قِيلَ: فالحامِلاتُ حَمْلًا.
الذاريات 51:3
صفحة 2
سُورَةُ
( الذّارِياتِ ) «مَكِّيَّةٌ» كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ولَمْ يُحْكَ في ذَلِكَ خِلافٌ - وهي سِتُّونَ آيَةٍ بِالِّاتِّفاقِ كَما في كِتابِ العَدَدِ، ومُناسَبَتِها لِسُورَةِ «ق» أنَّهُما لَمّا خُتِمَتْ بِذِكْرِ البَعْثِ واشْتُمِلَتْ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ والجَنَّةِ والنّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى أنَّ ما وُعِدُوا مِن ذَلِكَ لَصادِقٌ، وأنَّ الجَزاءَ لَواقِعٌ، وأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ هُناكَ إهْلاكُ كَثِيرِ مِنَ القُرُونِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وذُكِرَ هُنا إهْلاكُ بَعْضِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيِ الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ مِن - ذَرا - المُعْتَلِّ بِمَعْنى فَرَّقَ وبَدَّدَ ما رَفَعَهُ عَنْ مَكانِهِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيْ حَمْلًا وهي السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ.
﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيْ جَرْيًا سَهْلًا إلى حَيْثُ سُيِّرَتْ وهي السُّفُنُ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ الأُمُورَ بَيْنَ الخَلْقِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ، وتَفْسِيرُ كُلٌّ بِما فُسِّرَ بِهِ قَدْ صُحَّ رِوايَتُهُ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَخْطُبُ عَلى المِنبَرِ فَأجابَ بِما ذُكِرَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَأثُورٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
أخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُ في الأفْرادِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ««جاءَ صَبِيغُ التَّمِيمِيُّ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: أخْبِرَنِي عَنِ ( الذّارِياتِ ذَرْوًا ) قالَ: هي الرِّياحُ، ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الحامِلاتِ وِقْرًا» قالَ: هي السَّحابُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الجارِياتِ يُسْرا» قالَ: هي السُّفُنُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «المُقَسِّماتِ أمْرا» قالَ: هي المَلائِكَةُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةً وجُعِلَ في بَيْتٍ فَلَمّا بُرِأ دَعاهُ فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرى وحَمَلَهُ عَلى قَتَبٍ وكُتِبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ امْنَعِ النّاسَ مِن مُجالَسَتِهِ فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أتى أبا مُوسى فَحَلَفَ لَهُ بِالأيْمانِ المُغَلَّظَةِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِمّا كانَ يَجِدُ شَيْئًا فَكَتَبَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما أخالُهُ إلّا قَدْ صَدَقَ فَخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ مُجالَسَةِ النّاسِ»» .
ويَدُلُّ هَذا أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ سَلِيمَ القَلْبِ وأنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا لِلْعِلْمِ وإلّا لَمَّ يَصْنَعْ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما صَنَعَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ - الحامِلاتِ - هي السُّفُنُ المُوَقَّرَةُ بِالنّاسِ وأمْتِعَتِهِمْ، وقِيلَ: هي الحَوامِلُ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، وقِيلَ: الجارِياتُ السُّحُبُ تَجْرِي وتَسِيرُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ
صفحة 3
الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها وكُلُّها لَها حَرَكَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ سُرْعَةً وبُطْأً كَما بَيْنَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ الشَّهِيرَةُ وتُسَمّى السَّيّارَةَ، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) النِّساءُ الوَلُودُ فَإنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ كَأنَّهُ شِبْهُ تَتابُعِ الأوْلادِ بِما يَتَطايَرُ مِنَ الرِّياحِ، وباقِي المُتَعاطِفاتِ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) هي الأسْبابُ الَّتِي تَذْرِي الخَلائِقَ عَلى تَشْبِيهِ الأسْبابِ المُعَدَّةِ لِلْبُرُوزِ مِنَ العَدَمِ بِالرِّياحِ المُفَرِّقَةِ لِلْحُبُوبِ ونَحْوِها، وقِيلَ: الحامِلاتُ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقِيلَ: هي الأسْبابُ الحامِلَةُ لِمُسَبِّباتِها مَجازًا، وقِيلَ: الجارِياتُ الرِّياحُ تَجْرِي في مَهابِّها، وقِيلَ: المُقْسِّماتُ السُّحُبُ يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ - وهو قَوْلٌ باطِلٌ - لا يَقُولُ بِهِ إلّا مَن زَعَمَ أنَّها مُدَبِّرَةٌ لِعالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ قَتادَةِ «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثٍ جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.
وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها فَمَن تَأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا يَعْلَمْ» وزادَ رَزِينٌ «وما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ وما عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ» وعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وزادَ «و اللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في نَجْمٍ حَياةَ أحَدٍ ولا رِزْقَهِ ولا مَوْتَهِ وإنَّما يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ» ذَكَرَهُ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في إبْطالِ ما قالَهُ المُنَجِّمُونَ مُفَصَّلًا فَتُذُكِّرَ، ولَعَلَّهُ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجَمِيعِ الرِّياحُ فَإنَّها - كَما تَذْرُ - وما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ، وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا - وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ - والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سامِعًا لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَهُ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى المِنبَرِ - وإلَيْهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجاجِ ذَهَبَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ أيِ المُعْتَبِرِينَ، وقَوْلُ الإمامِ بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ عَنِ الأمِيرِ: الأقْرَبُ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ عَلى الرِّياحِ جَسارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى ما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وجَهْلٌ مِنهُ بِما رَواهُ ابْنُ المُسَيَّبِ مِنَ الخَبَرِ الدّالِّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأيْنَ مِنهُ الإمامُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّهُ شَدِيدُ الطِّباقِ لِلْمَقامِ ولِذا آثَرَهُ الإمامُ لا أسْلَمَهُ لَهُ أيْضًا إذا صُحَّ الحَدِيثُ ثُمَّ إذا حُمِلَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَلى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَغايِرَةٍ بِالذّاتِ كَما في المُعَوِّلِ عَلَيْهِ فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ في الإقْسامِ ذِكْرًا ورُتْبَةً بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ مَراتِبِها في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا التَّفاوُتُ إمّا عَلى التَّرَقِّي أوِ التَّنَزُّلِ لِما في كُلٍّ مِنها مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُها أعْلى مِن وجْهٍ وأدْنى مِن آخَرٍ إذا نُظِرَ لَها ذُو نَظَرٍ صَحِيحٍ، وقِيلَ: التَّرْتِيبُ بِالنَّظَرِ إلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِنّا، وإنْ حُمِلَتْ عَلى واحِدٍ وهو الرِّياحُ فَهي لِتَرْتِيبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إذِ الرِّيحُ تَذْرُ الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ أوَّلًا حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَحْمِلُهُ ثانِيًا وتَجْرِي بِهِ ثالِثًا ناشِرَةً وسائِقَةً لَهُ إلى حَيْثُ أمَرَها اللَّهُ تَعالى ثُمَّ تُقَسِّمُ أمْطارَهُ، وقِيلَ: إذا حُمِلَتِ الذّارِياتُ والحامِلاتُ عَلى النِّساءِ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ فَتُدُبِّرَ.
ونَصْبُ ﴿ذَرْوًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و﴿وِقْرًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ ضَرَبْتَهُ سَوْطًا، و﴿يُسْرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَرْيا ذا يُسْرٍ، أوْ عَلى أنَّهُ حالُ أيْ مُيَسَّرَةٌ كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، و(أمْرًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ لِأنَّ الفَرْدَ أنْسَبُ بِرِؤُوسِ الآيِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ مَأْمُورَةٌ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أوِ الوَصْفُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ تَفْعَلُ التَّقْسِيمَ مَأْمُورَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحَمْزَةُ ( والذّارِياتِ ذَرْوًا ) بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ، وقُرِئَ «وقْرًا» بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وقَرَهُ إذا حَمَلَهُ - كَما أفادَهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ - وناهِيكَ
صفحة 4
بِهِ إمامًا في اللُّغَةِ، وعَلى هَذا هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْضًا عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ - لِحامِلاتٍ - مِن مَعْناها كَأنَّهُ قِيلَ: فالحامِلاتُ حَمْلًا.
الذاريات 51:4
صفحة 2
سُورَةُ
( الذّارِياتِ ) «مَكِّيَّةٌ» كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ولَمْ يُحْكَ في ذَلِكَ خِلافٌ - وهي سِتُّونَ آيَةٍ بِالِّاتِّفاقِ كَما في كِتابِ العَدَدِ، ومُناسَبَتِها لِسُورَةِ «ق» أنَّهُما لَمّا خُتِمَتْ بِذِكْرِ البَعْثِ واشْتُمِلَتْ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ والجَنَّةِ والنّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى أنَّ ما وُعِدُوا مِن ذَلِكَ لَصادِقٌ، وأنَّ الجَزاءَ لَواقِعٌ، وأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ هُناكَ إهْلاكُ كَثِيرِ مِنَ القُرُونِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وذُكِرَ هُنا إهْلاكُ بَعْضِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيِ الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ مِن - ذَرا - المُعْتَلِّ بِمَعْنى فَرَّقَ وبَدَّدَ ما رَفَعَهُ عَنْ مَكانِهِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيْ حَمْلًا وهي السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ.
﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيْ جَرْيًا سَهْلًا إلى حَيْثُ سُيِّرَتْ وهي السُّفُنُ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ الأُمُورَ بَيْنَ الخَلْقِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ، وتَفْسِيرُ كُلٌّ بِما فُسِّرَ بِهِ قَدْ صُحَّ رِوايَتُهُ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَخْطُبُ عَلى المِنبَرِ فَأجابَ بِما ذُكِرَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَأثُورٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
أخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُ في الأفْرادِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ««جاءَ صَبِيغُ التَّمِيمِيُّ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: أخْبِرَنِي عَنِ ( الذّارِياتِ ذَرْوًا ) قالَ: هي الرِّياحُ، ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الحامِلاتِ وِقْرًا» قالَ: هي السَّحابُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «الجارِياتِ يُسْرا» قالَ: هي السُّفُنُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ «المُقَسِّماتِ أمْرا» قالَ: هي المَلائِكَةُ ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُهُ ما قُلْتُهُ ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةً وجُعِلَ في بَيْتٍ فَلَمّا بُرِأ دَعاهُ فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرى وحَمَلَهُ عَلى قَتَبٍ وكُتِبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ امْنَعِ النّاسَ مِن مُجالَسَتِهِ فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أتى أبا مُوسى فَحَلَفَ لَهُ بِالأيْمانِ المُغَلَّظَةِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِمّا كانَ يَجِدُ شَيْئًا فَكَتَبَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما أخالُهُ إلّا قَدْ صَدَقَ فَخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ مُجالَسَةِ النّاسِ»» .
ويَدُلُّ هَذا أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ سَلِيمَ القَلْبِ وأنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا لِلْعِلْمِ وإلّا لَمَّ يَصْنَعْ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما صَنَعَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ - الحامِلاتِ - هي السُّفُنُ المُوَقَّرَةُ بِالنّاسِ وأمْتِعَتِهِمْ، وقِيلَ: هي الحَوامِلُ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، وقِيلَ: الجارِياتُ السُّحُبُ تَجْرِي وتَسِيرُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ
صفحة 3
الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها وكُلُّها لَها حَرَكَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ سُرْعَةً وبُطْأً كَما بَيْنَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ الشَّهِيرَةُ وتُسَمّى السَّيّارَةَ، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) النِّساءُ الوَلُودُ فَإنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ كَأنَّهُ شِبْهُ تَتابُعِ الأوْلادِ بِما يَتَطايَرُ مِنَ الرِّياحِ، وباقِي المُتَعاطِفاتِ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا، وقِيلَ: ( الذّارِياتِ ) هي الأسْبابُ الَّتِي تَذْرِي الخَلائِقَ عَلى تَشْبِيهِ الأسْبابِ المُعَدَّةِ لِلْبُرُوزِ مِنَ العَدَمِ بِالرِّياحِ المُفَرِّقَةِ لِلْحُبُوبِ ونَحْوِها، وقِيلَ: الحامِلاتُ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقِيلَ: هي الأسْبابُ الحامِلَةُ لِمُسَبِّباتِها مَجازًا، وقِيلَ: الجارِياتُ الرِّياحُ تَجْرِي في مَهابِّها، وقِيلَ: المُقْسِّماتُ السُّحُبُ يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقِيلَ: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ - وهو قَوْلٌ باطِلٌ - لا يَقُولُ بِهِ إلّا مَن زَعَمَ أنَّها مُدَبِّرَةٌ لِعالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ قَتادَةِ «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثٍ جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.
وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها فَمَن تَأوَّلَ فِيها بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا يَعْلَمْ» وزادَ رَزِينٌ «وما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ وما عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ» وعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وزادَ «و اللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في نَجْمٍ حَياةَ أحَدٍ ولا رِزْقَهِ ولا مَوْتَهِ وإنَّما يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ» ذَكَرَهُ صاحِبُ جامِعِ الأُصُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في إبْطالِ ما قالَهُ المُنَجِّمُونَ مُفَصَّلًا فَتُذُكِّرَ، ولَعَلَّهُ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجَمِيعِ الرِّياحُ فَإنَّها - كَما تَذْرُ - وما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ، وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا - وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ - والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سامِعًا لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَهُ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى المِنبَرِ - وإلَيْهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجاجِ ذَهَبَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ أيِ المُعْتَبِرِينَ، وقَوْلُ الإمامِ بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ عَنِ الأمِيرِ: الأقْرَبُ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ عَلى الرِّياحِ جَسارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى ما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وجَهْلٌ مِنهُ بِما رَواهُ ابْنُ المُسَيَّبِ مِنَ الخَبَرِ الدّالِّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأيْنَ مِنهُ الإمامُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّهُ شَدِيدُ الطِّباقِ لِلْمَقامِ ولِذا آثَرَهُ الإمامُ لا أسْلَمَهُ لَهُ أيْضًا إذا صُحَّ الحَدِيثُ ثُمَّ إذا حُمِلَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَلى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَغايِرَةٍ بِالذّاتِ كَما في المُعَوِّلِ عَلَيْهِ فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ في الإقْسامِ ذِكْرًا ورُتْبَةً بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ مَراتِبِها في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا التَّفاوُتُ إمّا عَلى التَّرَقِّي أوِ التَّنَزُّلِ لِما في كُلٍّ مِنها مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُها أعْلى مِن وجْهٍ وأدْنى مِن آخَرٍ إذا نُظِرَ لَها ذُو نَظَرٍ صَحِيحٍ، وقِيلَ: التَّرْتِيبُ بِالنَّظَرِ إلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِنّا، وإنْ حُمِلَتْ عَلى واحِدٍ وهو الرِّياحُ فَهي لِتَرْتِيبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إذِ الرِّيحُ تَذْرُ الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ أوَّلًا حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَحْمِلُهُ ثانِيًا وتَجْرِي بِهِ ثالِثًا ناشِرَةً وسائِقَةً لَهُ إلى حَيْثُ أمَرَها اللَّهُ تَعالى ثُمَّ تُقَسِّمُ أمْطارَهُ، وقِيلَ: إذا حُمِلَتِ الذّارِياتُ والحامِلاتُ عَلى النِّساءِ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ فَتُدُبِّرَ.
ونَصْبُ ﴿ذَرْوًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و﴿وِقْرًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ ضَرَبْتَهُ سَوْطًا، و﴿يُسْرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَرْيا ذا يُسْرٍ، أوْ عَلى أنَّهُ حالُ أيْ مُيَسَّرَةٌ كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، و(أمْرًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ لِأنَّ الفَرْدَ أنْسَبُ بِرِؤُوسِ الآيِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ مَأْمُورَةٌ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أوِ الوَصْفُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ تَفْعَلُ التَّقْسِيمَ مَأْمُورَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحَمْزَةُ ( والذّارِياتِ ذَرْوًا ) بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ، وقُرِئَ «وقْرًا» بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وقَرَهُ إذا حَمَلَهُ - كَما أفادَهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ - وناهِيكَ
صفحة 4
بِهِ إمامًا في اللُّغَةِ، وعَلى هَذا هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْضًا عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ - لِحامِلاتٍ - مِن مَعْناها كَأنَّهُ قِيلَ: فالحامِلاتُ حَمْلًا.
الذاريات 51:5
وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، و(ما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ، أوْ تُوعَدُونَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ إنَّ وعْدَكم، أوْ وعِيدَكم إذْ تُوعَدُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعَ وُعِدَ، وأنْ يَكُونَ مُضارِعَ أُوعِدَ، ولَعَلَّ الثّانِيَ أنْسَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: 45] ولِأنَّ المَقْصُودَ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ وهو يُؤَيِّدُ الوَعِيدَ ومَعْنى صِدْقَةِ تُحَقِّقُ وُقُوعَهُ، وفي الكَشّافِ وعْدٌ صادِقٌ – كَـ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةَ: 21] - ( والدِّينَ ) الجَزاءُ ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المَوْعُودَ هو البَعْثُ، وفي تَخْصِيصِ المَذْكُوراتِ بِالإقْسامِ بِها رَمَزُ إلى شَهادَتِها بِتَحَقُّقِ الجُمْلَةِ المُقْسِمِ عَلَيْها مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ بَدِيعَةٌ فَمَن قَدُرَ عَلَيْها فَهو قادِرٌ عَلى تَحْقِيقِ البَعْثِ المَوْعُودِ.
الذاريات 51:6
وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، و(ما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ، أوْ تُوعَدُونَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ إنَّ وعْدَكم، أوْ وعِيدَكم إذْ تُوعَدُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعَ وُعِدَ، وأنْ يَكُونَ مُضارِعَ أُوعِدَ، ولَعَلَّ الثّانِيَ أنْسَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: 45] ولِأنَّ المَقْصُودَ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ وهو يُؤَيِّدُ الوَعِيدَ ومَعْنى صِدْقَةِ تُحَقِّقُ وُقُوعَهُ، وفي الكَشّافِ وعْدٌ صادِقٌ – كَـ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةَ: 21] - ( والدِّينَ ) الجَزاءُ ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المَوْعُودَ هو البَعْثُ، وفي تَخْصِيصِ المَذْكُوراتِ بِالإقْسامِ بِها رَمَزُ إلى شَهادَتِها بِتَحَقُّقِ الجُمْلَةِ المُقْسِمِ عَلَيْها مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ بَدِيعَةٌ فَمَن قَدُرَ عَلَيْها فَهو قادِرٌ عَلى تَحْقِيقِ البَعْثِ المَوْعُودِ.
الذاريات 51:7
﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ الطُّرُقُ جَمْعُ حَبِيكَةٍ كَطَرِيقَةٍ، أوْ حِباكٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ، ويُقالُ: حُبُكَ الماءُ لِلتَّكَسُّرِ الجارِي فِيهِ إذْ مَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرٍ يَصِفُ غَدِيرًا:
مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسُـجُـهُ رِيحٌ خَرِيقٌ لِضاحِي مِائِهِ حُبُكُ
وحُبُكَ الشَّعْرُ لِآثارِ تَثْنِيِهِ وتَكَسُّرِهُ، وتَفْسِيرُها بِذَلِكَ مُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ، والمُرادُ بِها إمّا الطُّرُقُ المَحْسُوسَةُ الَّتِي تَسِيرُ فِيها الكَواكِبُ، أوِ المَعْقُولَةُ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصِيرَةِ وهي ما تَدُلُّ عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكَمْتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إذا تَأمَّلَها النّاظِرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدُ والرَّبِيعُ: ذاتَ الخُلُقِ المُسْتَوِيِّ الجَيِّدِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ المُتْقَنَةِ البُنْيانَ، وقِيلَ: ذاتُ الصَّفاقَةِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ وكَأنَّ الحُبُكَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ:
حَبَكْتُ الشَّيْءَ أحْكَمْتُهُ وأحْسَنْتُ عَمَلَهُ وحَبَكْتُ العُقْدَةَ أوْثَقْتُها، وفَرَسٌ مَحْبُوكُ المِعاقِمَ - وهي المَفاصِلُ - أيِ مُحْكِمُها، وفي الكَشْفِ أصْلُ الحَباكَةِ الصَّفاقَةُ وجَوْدَةُ الأثَرِ، وعَنِ الحَسَنِ - حُبُكُها - نُجُومُها، والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ الحُبُكِ عَلى النُّجُومِ مَجازٌ لِأنَّها تُزَيِّنُ السَّماءَ كَما يُزَيِّنُ الثَّوْبَ المُوَشّى حَبْكُهُ وطَرائِقُ وشْيِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذاتُ النُّجُومِ الَّتِي هي كالحُبُكِ أيِ الطَّرائِقُ في التَّزْيِينِ، واسْتُظْهِرَ في السَّماءِ أنَّهُ جِنْسٌ أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ السَّماواتِ وكَوْنُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها ذاتَ حَبْكٍ بِمَعْنى مُسْتَوِيَةِ الخَلْقِ جَيِّدَتِهِ، أوْ مُتْقَنَةِ البُنْيانِ أوْ صَفِيقَةٍ، أوْ ذاتِ طُرُقٍ مَعْقُولَةٍ ظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُ كُلٍّ مِنها كَذَلِكَ بِمَعْنى ذاتِ طُرُقٍ مَحْسُوسَةٍ فَبِاعْتِبارٍ أنَّ الكَواكِبَ في أيِّ سَماءٍ كانَتْ تَسِيرُ مُسامَتَةً لِسائِرِ السَّماواتِ، فَمَمَرّاتُها بِاعْتِبارِ المُسامَتَةِ طُرُقٌ، وبِمَعْنى ذاتِ النُّجُومِ فَبِاعْتِبارٍ أنَّ النُّجُومَ في أيِّ سَماءٍ كانَتْ تُشاهَدُ في سائِرِ السَّماواتِ بِناءً عَلى أنَّ السَّماواتِ شَفّافَةٌ لا يَحْجُبُ كُلٌّ مِنها إدْراكَ ما وراءَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي السَّماءُ السّابِعَةُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرُو مِثْلُهُ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفَلْ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو مالِكِ الغِفارِيِّ وأبُو حَيْوَةٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةٍ وأبُو السَّمّالِ
صفحة 5
ونَعِيمٌ عَنْ أبِي عَمْرُو «الحُبْكِ» بِإسْكانِ الباءِ عَلى زِنَةِ القُفْلِ، وعِكْرِمَةٍ بِفَتْحِها جَمْعُ حُبْكَةٍ مِثْلُ طُرْفَةٍ وطُرَفٍ وبُرْقَةٍ وبُرَقٍ، وأبُو مالِكِ الغِفارِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ أيْضًا بِكَسْرِ الحاءِ والباءِ - كالإبِلِ - وهو عَلى ما ذَكَرَ الخَفاجِيُّ اسْمُ مُفْرَدٍ وُرِدَ عَلى هَذا الوَزْنِ شُذُوذًا ولَيْسَ جَمْعًا، وأبُو مالِكٍ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةٍ أيْضًا بِكَسْرِ الحاءِ وإسْكانِ الباءِ - كالسِّلْكِ - وهو تَخْفِيفُ فِعْلٍ مَكْسُورِ الفاءِ والعَيْنِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا جَمْعٌ لِأنَّ فِعِلًا لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ - قالَهُ في البَحْرِ - وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ أيْضًا بِفَتْحِهِما - كالجَبَلِ - قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: فَهو جَمْعُ حُبْكَةٍ مِثْلُ عُقْبَةٍ وعُقَبٍ، والحَسَنُ أيْضًا بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الباءِ كالنِّعَمِ، وأبُو مالِكٍ أيْضًا بِكَسْرِ الحاءِ وضَمِّ الباءِ وذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا ثُمَّ قالَ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ غَيْرُ مُتَوَجَّهَةٍ وكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ كَسَرَ الحاءَ تَوَهَّمَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ فَضَمَّ التّاءَ وهَذا مِن تَداخُلِ اللُّغاتِ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ هَذا البِناءُ أيْ لِأنَّ فِيهِ الِانْتِقالَ مِن خِفَّةٍ إلى ثِقَلٍ عَلى عَكْسِ ضَرْبٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو عَدِيمُ النَّظِيرِ في العَرَبِيَّةِ في أبْنِيَتِها وأوْزانِها ولا أدْرِي ما وراءَهُ انْتَهى.
وعَلى التَّداخُلِ تَأوَّلَ النُّحاةُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا أُتْبَعَ فِيهِ حَرَكَةَ الحاءِ لِحَرَكَةِ تاءِ ( ذاتِ ) في الكَسْرِ ولَمْ يُعْتَدْ بِاللّامِ السّاكِنَةِ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ.
الذاريات 51:8
﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أيْ مُتَخالِفٍ مُتَناقِضٍ في أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ تَقُولُونَ: إنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وتَقُولُونَ بِصِحَّةِ عِبادَةِ الأصْنامِ مَعَهُ سُبْحانَهُ، وفي أمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَقُولُونَ تارَةً: إنَّهُ مَجْنُونٌ، وأُخْرى: إنَّهُ ساحِرٌ ولا يَكُونُ السّاحِرُ إلّا عاقِلًا، وفي أمْرِ الحَشْرِ فَتَقُولُونَ: تارَةً لا حَشْرً ولا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ أصْلًا، وتَزْعُمُونَ أُخْرى أنَّ أصْنامَكم شُفَعاؤُكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ المُتَخالِفَةِ فِيما كُلِّفُوا بِالإيمانِ بِهِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى كَوْنِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ ولَعَلَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ القَسَمِ تَشْبِيهُ أقْوالِهِمْ في اخْتِلافِها وتَنافِي أغْراضِها بِطَرائِقِ السَّماواتِ في تَباعُدِها واخْتِلافِ هَيْئاتِها، أوِ الإشارَةُ إلى أنَّها لَيْسَتْ مُسْتَوِيَةٍ جَيِّدَةٍ، أوْ لَيْسَتْ قَوِيَّةً مُحْكَمَةً، أوْ لَيْسَ فِيها ما يُزَيِّنُها بَلْ فِيها ما يَشِينُها مِنَ التَّناقُضِ
الذاريات 51:9
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ أيْ يُصْرَفُ عَنِ الإيمانِ بِما كُلِّفُوا الإيمانَ بِهِ لِدَلالَةِ الكَلامِ السّابِقِ عَلَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ وُقَتادَةُ: عَنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: عَنِ القُرْآنِ، والكَلامُ السّابِقُ مُشْعِرٌ بِكُلِّ مَن صَرَفَ الصَّرْفالَّذِي لا أشَدَّ مِنهُ وأعْظَمَ، ووَجْهُ المُبالَغَةِ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى مَن وصَفَ بِهِ فَلَوْلا غَرَضُ المُبالَغَةِ لَكانَ مِن تَوْضِيحِ الواضِحِ فَكَأنَّهُ أُثْبِتَ لِلْمَصْرُوفِ صَرْفُ آخَرٍ حَيْثُ قِيلَ: ﴿يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ [الأنْعامَ: 16] المَصْرُوفُ فَجاءَتِ المُبالَغَةُ مِنَ المُضاعَفَةِ ثُمَّ الإطْلاقِ في المَقامِ الخِطابِيِّ لَهُ مُدْخَلٌ في تَقْوِيَةِ أمْرِ المُضاعَفَةِ وكَذَلِكَ الإبْهامُالَّذِي في المَوْصُولِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طَه: 78] وقِيلَ: المُرادُ ﴿يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ مِن ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ﴾ [يُوسُفُ: 34] في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ سُبْحانَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ لِأنَّ كُلَّ ما هو كائِنٌ مَعْلُومٌ أنَّهُ ثابِتٌ في سابِقِ عِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ ولَيْسَ فِيهِ المُبالَغَةُ السّابِقَةُ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ الإشارَةَ إلى أنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في صَرْفِهِ وكَفى بِذَلِكَ فائِدَةُ وهو مَبْنِيٌّ أنَّ العِلْمَ تابَعٌ لِلْمَعْلُومِ فافْهَمْهُ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِما ( تُوعَدُونَ ) أوْ - لِلدِّينِ - أقْسَمَ سُبْحانَهُ - بِالذّارِياتِ - عَلى أنَّ وُقُوعَ أمْرِ القِيامَةِ حَقٌّ ثُمَّ أقْسَمَ بِالسَّماءِ عَلى أنَّهم في ﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في وُقُوعِهِ، فَمِنهم شاكٌ،
صفحة 6
ومِنهم جاحِدٌ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿يُؤْفَكُ﴾ عَنِ الإقْرارِ بِأمْرِ القِيامَةِ مَن هو المَأْفُوكُ، وذَكَرَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ ولَمْ يُعَزِّهِ، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّهُ أوْجَهٌ لِتَلاؤُمِ الكَلامِ، وقِيلَ: يُجَوَّزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ - لِقَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - وعَنْ - لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هُودٌ: 53] وقَوْلُهُ:
يُنْهَوْنَ عَنْ أكْلٍ وعَنْ شُرْبٍ مَثَلُ المَها يَرْتَعِنُ في خِصْبٍ
أيْ يُصْرَفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ المُخْتَلِفِ مَن أرادَ الإسْلامَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقِيقَتُهُ يَصْدُرُ إفْكُهم عَنِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ، وهَذا مُحْتَمَلٌ لِبَقاءِ - عَنْ - عَلى أصْلِها مِنَ المُجاوَزَةِ واعْتِبارِ التَّضْمِينِ، وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافُ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ مَعَ ذَهابِ تِلْكَ المُبالَغَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى القَوْلِ إلّا أنَّهُ قالَ: المَعْنى يُصْرَفُ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ المُخْتَلِفِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلْإسْلامِ مَن غَلَبَتْ سَعادَتُهُ، وتَعَقُّبَهُ بِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِلْعُرْفِ فَإنْ عُرِفَ الِّاسْتِعْمالُ في الإفْكِ الصَّرْفُ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ فَلِذَلِكَ لا تَجِدُهُ إلّا في المَذْمُومِينَ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الخِطابِ في أنَّكم لِلْكُفّارِ - وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ - واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ عامًا لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ، واسْتُظْهِرَ العُمُومُ فِيما سَبَقَ أيْضًا، والقَوْلُ المُخْتَلِفِ حِينَئِذٍ قَوْلُ المُسْلِمِينَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُ الكَفّارِ بِنَقِيضِ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ «مَن أُفِكَ» مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ أيْ مَن أُفِكَ النّاسُ عَنْهُ وهم قُرَيْشٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ - يُأْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ - أيْ يُصْرَفُ النّاسُ عَنْهُ مَن هو أفّاكٍ كَذّابٍ، وقُرِئَ «يُؤْفَنُ عَنْهُ مَن أُفِنَ» بِالنُّونِ فِيهِما أيْ يُحْرِمُهُ مَن حُرِمَ مِن أفَنَ الضَّرْعَ إذا أنْهَكَهُ حَلْبا
الذاريات 51:10
﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيِ الكَذّابُونَ مِن أصْحابِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ، وأصْلُ ُالخَرْصِ الظَّنُّ والتَّخْمِينُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الكَذِبِ لِأنَّهُ في الغالِبِ يَكُونُ مَنشَأً لَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: حَقِيقَةَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ قَوْلٍ مَقُولٍ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ يُقالُ لَهُ: خَرْصٌ سَواءٌ كانَ مُطابِقًا لِلشَّيْءِ أوْ مُخالِفًا لَهُ مِن حَيْثُ إنَّ صاحِبَهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ عِلْمٍ ولا غَلَبَةِ ظَنٍّ ولا سَماعٍ بَلِ اعْتُمِدَ فِيهِ عَلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ كَفِعْلٍ خارِصِ الثَّمَرَةَ في خَرْصِهِ، وكُلُّ مَن قالَ قَوْلًا عَلى هَذا النَّحْوِ قَدْ يُسَمّى كاذِبًا وإنْ كانَ قَوْلُهُ مُطابِقًا لِلْمَقُولِ المُخْبَرِ بِهِ كَمافِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: 1] الآيَةُ انْتَهى. وفِيهِ بَحْثٌ وحَقِيقَةٌ - القَتْلُ - مَعْرُوفَةٌ، والمُرادُ - بِقَتْلِ- الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيُرُهُ بِاللَّعْنِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وإنَّما كانَ القَتْلُ بِمَعْنى اللَّعْنِ هُنا لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَنزِلَةِ المَقْتُولِ الهالِكِ، وقُرِئَ «قَتْلُ الخَراصِينَ» أيْ قَتَلَ اللَّهُ الخَرّاصِينَ
الذاريات 51:11
﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ في جَهْلٍ عَظِيمٍ يَغْمُرُهم ويَشْمَلُهم شُمُولَ الماءِ الغامِرِ لِما فِيهِ ﴿ساهُونَ﴾ غافِلُونَ عَمّا أُمِرُوا بِهِ، فالمُرادُ بِالسَّهْوِ مُطْلَقُ الغَفْلَةِ.
﴿يَسْألُونَ﴾ أيْ بِطَرِيقِ الِّاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ مَعْمُولٌ لِيَسْألُونَ عَلى أنَّهُ جارٌ مَجْرى يَقُولُونَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ - أيْ فَيَقُولُونَ مَتى وُقُوعُ يَوْمِ الجَزاءِ – وقُدِّرَ الوُقُوعُ لِيَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الحَدَثِ كَما هو المَعْرُوفُ في ( أيّانَ ) ولا ضَيْرَ في جَعْلِ الزَّمانِ زَمانِيًّا فَإنَّ اليَوْمَ لِما جُعِلَ مَوْعُودًا ومُنْتَظَرًا في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ [الدُّخانُ: 10] صارَ مُلْحَقًا بِالزَّمانِيّاتِ وكَذَلِكَ - كُلُّ يَوْمٍ لَهُ شَأْنٌ مِثْلَ يَوْمِ العِيدِ. والنَّيْرُوزِ - وهَذا
صفحة 7
جارٍ في عُرْفَيِّ العَرَبِ والعَجَمِ عَلى أنَّهُ يُجَوَّزُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ زَمانٌ عَلى ما فُصِّلَ في مَكانِهِ، وقُرِئَ «إيّانَ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي لُغَةٌ
الذاريات 51:12
﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ في جَهْلٍ عَظِيمٍ يَغْمُرُهم ويَشْمَلُهم شُمُولَ الماءِ الغامِرِ لِما فِيهِ ﴿ساهُونَ﴾ غافِلُونَ عَمّا أُمِرُوا بِهِ، فالمُرادُ بِالسَّهْوِ مُطْلَقُ الغَفْلَةِ.
﴿يَسْألُونَ﴾ أيْ بِطَرِيقِ الِّاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ مَعْمُولٌ لِيَسْألُونَ عَلى أنَّهُ جارٌ مَجْرى يَقُولُونَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ - أيْ فَيَقُولُونَ مَتى وُقُوعُ يَوْمِ الجَزاءِ – وقُدِّرَ الوُقُوعُ لِيَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الحَدَثِ كَما هو المَعْرُوفُ في ( أيّانَ ) ولا ضَيْرَ في جَعْلِ الزَّمانِ زَمانِيًّا فَإنَّ اليَوْمَ لِما جُعِلَ مَوْعُودًا ومُنْتَظَرًا في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ [الدُّخانُ: 10] صارَ مُلْحَقًا بِالزَّمانِيّاتِ وكَذَلِكَ - كُلُّ يَوْمٍ لَهُ شَأْنٌ مِثْلَ يَوْمِ العِيدِ. والنَّيْرُوزِ - وهَذا
صفحة 7
جارٍ في عُرْفَيِّ العَرَبِ والعَجَمِ عَلى أنَّهُ يُجَوَّزُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ زَمانٌ عَلى ما فُصِّلَ في مَكانِهِ، وقُرِئَ «إيّانَ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي لُغَةٌ
الذاريات 51:13
﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أيْ يُحْرَقُونَ، وأصْلُ الفِتَنِ إذابَةُ الجَوْهَرِ لِيُظْهَرَ غِشُّهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإحْراقِ والتَّعْذِيبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ( ويَوْمَ ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ وُقُوعُ الكَلامِ جَوابًا لِلسُّؤالِ مُضافٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بَعْدَهُ - أيْ يَقَعُ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هم عَلى النّارِ - إلَخْ، وقالَ الزَّجاجُ: ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ كَذَلِكَ أيْ هو واقِعٌ، أوْ كائِنٌ يَوْمَ إلَخْ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ هو نَفْسُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والفَتْحَةُ فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرٍ، وهي الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ فَإنَّ الجُمَلَ بِحَسَبِ الأصْلِ كَذَلِكَ عَلى كَلامٍ فِيهِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ مُفَصَّلٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ - أيْ هو يَوْمُ هم - إلَخْ، والضَّمِيرُ قِيلَ: راجِعٌ إلى وقْتِ الوُقُوعِ فَيَكُونَ هَذا الكَلامُ قائِمًا مَقامَ الجَوابِ عَلى نَحْوِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ - في جَوابِ ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرَّعْدُ: 16] لِأنَّ تَقْدِيرَ السُّؤالِ في أيِّ وقْتٍ يَقَعُ، وجَوابُهُ الأصْلِيُّ في يَوْمِ كَذا، وإذا قُلْتَ: وقْتَ وُقُوعِهِ يَوْمَ كَذا كانَ قائِمًا مَقامَهُ.
ويُجَّوَزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْيَوْمِ والكَلامُ جَوابٌ بِحَسَبِ المَعْنى، فالتَّقْدِيرُ يَوْمُ الجَزاءِ - يَوْمُ تَعْذِيبِ الكُفّارِ - ويُؤَيَّدُ - كَوْنُهُ مَرْفُوعَ المَحَلِّ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ - قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةٍ. والزَّعْفَرانِيِّ «يَوْمَ هم» بِالرَّفْعِ، وزَعَمَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّ - يَوْمَ - بَدَلٌ مِن ( يَوْمُ الدِّينِ ) وفَتْحَتُهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَتْحَةُ بِناءٍ، ( ويَوْمَ ) ومافِي حَيْزِهِ مِن جُمْلَةِ كَلامِ السّائِلِينَ قالُوهُ اسْتِهْزاءً، وحُكِيَ عَلى المَعْنى، ولَوْ حُكِيَ عَلى اللَّفْظِ لَقِيلَ: يَوْمُ نَحْنُ عَلى النّارِ نَفْتِنُ، وهو في غايَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى،
الذاريات 51:14
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يُفْتَنُونَ ) أيْ مَقُولًا لَهم ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أيْ عَذابَكم المُعَدَّ لَكم، وقَدْ يُسَمّى ما يُحْصُلُ عَنْهُ العَذابُ - كالكُفْرِ - فِتْنَةً، وجُوِزَ أنْ يَكُونَ مِنهُ ما هُنا كَأنَّهُ قِيلَ: ذُوقُوا كُفْرَكم - أيْ جَزاءَ كُفْرِكم - أوْ بِجَعْلِ الكُفْرِ نَفْسَ العَذابِ مَجازًا وهو كَما تَرى ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المُضْمَرِ - أيْ هَذا العَذابَ الَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ - وجُوِّزَأنْ يَكُونَ هَذا بَدَلًا مِن ﴿فِتْنَتَكُمْ﴾ بِتَأْوِيلِ العَذابِ، وفِيهِ بَعْدَ.
الذاريات 51:15
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ لا يُبَلِّغُ كَنْهُها ولا يُقادِرُ قَدْرُها ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ قابِلَيْنَ لِكُلِّ ما أعْطاهم عَزَّ وجَلَّ راضِينَ بِهِ عَلى مَعْنى إنَّ كُلَّ ما آتاهم حَسَنٌ مُرْضِيٌّ يُتَلَقّى بِحُسْنِ القَبُولِ، والعُمُومُ مَأْخُوذٌ مِن شُيُوعِ ما وإطْلاقِهِ في مَعْرِضِ المَدْحِ وإظْهارِ مَنِّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، واعْتِبارِ الرِّضا لِأنَّ الأخْذَ قَبُولٌ عَنْ قَصْدٍ، ونُصِبَ ﴿آخِذِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الصَّرْفِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أيْ لِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ آتِينَ بِها عَلى ما يَنْبَغِي فَلِذَلِكَ اسْتُحِقُّوا ما اسْتُحِقُّوا مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وفُسِّرَ إحْسانُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ حُصِلَ بِها تَفْسِيرٌ، أوْ أنَّها جُمْلَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُفَسَّرَةٌ كَسائِرِ الجُمَلِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَفِي الآيَةِ: ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أيْ كانُوا قَبْلُ تُنَزَّلُ الفَرائِضُ يَعْمَلُونَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ، ولا يَكادُ تُجْعَلُ جُمْلَةً ( كانُوا ) إلَخْ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا إذا صُحَّ ما نُقِلَ عَنْهُ في تَفْسِيرِها، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والهُجُوعُ - النَّوْمُ، وقَيْدَهُ الرّاغِبُ بِقَوْلِهِ: لَيْلًا، وغَيْرُهُ بِالقَلِيلِ، وما إمّا مَزِيدَةٌ - فَقَلِيلًا –
صفحة 8
مَعْمُولُ الفِعْلِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ - هُجُوعًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ، أوْ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٍ - بِيَهْجَعُونَ - ( ومِن ) لِلِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَهْجَعُونَ ) خَبَرُ - كانَ - أوْ ( قَلِيلًا ) صِفَةٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ - أيْ زَمانًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ عَلى نَحْوِ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ عِنْدِي - وإمّا مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ فَهي فاعِلٌ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ - كانَ - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُقَدَّمٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كانُوا قَدْ قَلَّ المِقْدارُ الَّذِي يَهْجَعُونَ فِيهِ كائِنًا ذَلِكَ المِقْدارُ ( مِنَ اللَّيْلِ ) وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالمَصْدَرُ فاعِلُ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ كانَ أيْضًا، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) بَيانُ لا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ، أوْ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ، ( ومِنَ ) للِابْتِداءِ كَذا في الكَشْفِ فَهُما مِنَ الكَشّافِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( مِنَ ) عَلى زِيادَةِ - ما - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجُمْعَةَ: 9] واعْتَرَضَ ابْنُ المُنِيرِ احْتِمالَ مَصْدَرِيَّتِها بِأنَّهُ لا يُجَوَّزُ في ( مِنَ اللَّيْلِ ) كَوْنُهُ صِفَةً، أوْ بَيانًا - لِلْقَلِيلِ - لِأنَّهُ فِيهِ واقِعٌ عَلى الهُجُوعِ ولا صِلَةِ المَصْدَرِ لِتَقَدُّمِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ بَيانٌ لِلزَّمانِ المُبْهَمِ وحَكى الطَّيْبِيُّ أنَّهُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى التَّبْيِينِ أوْ مُتَعَلَّقٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَهْجَعُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ( يَهْجَعُونَ ) عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ بَدَلًا مِنَ اسْمِ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كانَ هُجُوعُهم قَلِيلًا وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ في ما أنْ تَكُونَ نافِيَةً، ( وقَلِيلًا ) مَنصُوبُ - بِيَهْجَعُونَ - والمَعْنى - كانُوا لا يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْلِ قَلِيلًا ويُحْيُونَهُ كُلَّهُ - ورَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وأبُو نَصْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ ما النّافِيَةَ لا يُعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ ولَيْسَ فِيها التَّصَرُّفُ الَّذِي في أخَواتِها كَلا فَإنَّها قَدْ تَكُونُ كَجُزْءٍ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَحْوَ - عُوتِبَ بِلا جُرْمٍ - ولَمْ ولَنْ - لِاخْتِصاصِهِما بِالفِعْلِ كالجُزْءِ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَنعَ العَمَلِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وفي شَرْحِ الهادِيِّ أنَّ بَعْضَ النُّحاةِ أجازَهُ مُطْلَقًا، وبَعْضَهم أجازَهُ في الظَّرْفِ خاصَّةً لِلتَّوَسُّعِ فِيهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ونَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنا نَعَمْ يُرَدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِيهِ كَما في الِانْتِصافِ خَلَلًا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنْ طُلِبَ قِيامُ اللَّيْلِ غَيْرُ مُسْتَثْنى مِنهُ جُزْءٌ لِلْهُجُوعِ وإنْ قَلَّ غَيْرُ ثابِتٍ في الشَّرْعِ ولا مَعْهُودٍ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُدَّعَيَ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَقُولُ: بِأنَّهُ كانَ ثابِتًا في الشَّرْعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ ذَلِكَ إذْ أُمِرُوا بِقِيامِ اللَّيْلِ كُلِهِ فَكانَ أبُو ذَرٍّ يَعْتَمِدُ عَلى العَصا فَمَكَثُوا شَهْرَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المُزَّمِّلُ: 20] وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ ( قَلِيلًا ) ثُمَّ ابْتُدِأ ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مَعَ زِيادَةِ تَفْكِيكِ الكَلامِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الأوْجُهِ زِيادَةُ ما ونُصِبَ ( قَلِيلًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ قِيلَ: وفي الكَلامِ مُبالَغاتُ لَفْظِ الهُجُوعِ بِناءً عَلى أنَّهُ القَلِيلُ مِنَ النَّوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قَلِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ ) لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّباتِ والرّاحَةِ وزِيادَةُ ما لِأنَّها تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ فَتُؤَكِّدُ القِلَّةَ وتُحَقِّقُها بِاعْتِبارِ كَوْنِها قَيْدًا فِيها.
والغَرَضُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يُكابِدُونَ العِبادَةَ في أوْقاتِ الرّاحَةِ وسُكُونِ النَّفْسِ ولا يَسْتَرِيحُونَ مِن مَشاقِّ النَّهارِ إلّا قَلِيلًا، قالَ الحَسَنُ: كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةِ هَجَعُوا قَلِيلًا ثُمَّ قامُوا، وفَسَّرَ أنَسُ ابْنُ مالِكٍ الآيَةَ - كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ - فَقالَ: كانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ وهي لا تَدُلُّ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ.
الذاريات 51:16
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ لا يُبَلِّغُ كَنْهُها ولا يُقادِرُ قَدْرُها ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ قابِلَيْنَ لِكُلِّ ما أعْطاهم عَزَّ وجَلَّ راضِينَ بِهِ عَلى مَعْنى إنَّ كُلَّ ما آتاهم حَسَنٌ مُرْضِيٌّ يُتَلَقّى بِحُسْنِ القَبُولِ، والعُمُومُ مَأْخُوذٌ مِن شُيُوعِ ما وإطْلاقِهِ في مَعْرِضِ المَدْحِ وإظْهارِ مَنِّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، واعْتِبارِ الرِّضا لِأنَّ الأخْذَ قَبُولٌ عَنْ قَصْدٍ، ونُصِبَ ﴿آخِذِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الصَّرْفِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أيْ لِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ آتِينَ بِها عَلى ما يَنْبَغِي فَلِذَلِكَ اسْتُحِقُّوا ما اسْتُحِقُّوا مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وفُسِّرَ إحْسانُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ حُصِلَ بِها تَفْسِيرٌ، أوْ أنَّها جُمْلَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُفَسَّرَةٌ كَسائِرِ الجُمَلِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَفِي الآيَةِ: ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أيْ كانُوا قَبْلُ تُنَزَّلُ الفَرائِضُ يَعْمَلُونَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ، ولا يَكادُ تُجْعَلُ جُمْلَةً ( كانُوا ) إلَخْ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا إذا صُحَّ ما نُقِلَ عَنْهُ في تَفْسِيرِها، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والهُجُوعُ - النَّوْمُ، وقَيْدَهُ الرّاغِبُ بِقَوْلِهِ: لَيْلًا، وغَيْرُهُ بِالقَلِيلِ، وما إمّا مَزِيدَةٌ - فَقَلِيلًا –
صفحة 8
مَعْمُولُ الفِعْلِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ - هُجُوعًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ، أوْ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٍ - بِيَهْجَعُونَ - ( ومِن ) لِلِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَهْجَعُونَ ) خَبَرُ - كانَ - أوْ ( قَلِيلًا ) صِفَةٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ - أيْ زَمانًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ عَلى نَحْوِ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ عِنْدِي - وإمّا مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ فَهي فاعِلٌ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ - كانَ - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُقَدَّمٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كانُوا قَدْ قَلَّ المِقْدارُ الَّذِي يَهْجَعُونَ فِيهِ كائِنًا ذَلِكَ المِقْدارُ ( مِنَ اللَّيْلِ ) وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالمَصْدَرُ فاعِلُ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ كانَ أيْضًا، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) بَيانُ لا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ، أوْ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ، ( ومِنَ ) للِابْتِداءِ كَذا في الكَشْفِ فَهُما مِنَ الكَشّافِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( مِنَ ) عَلى زِيادَةِ - ما - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجُمْعَةَ: 9] واعْتَرَضَ ابْنُ المُنِيرِ احْتِمالَ مَصْدَرِيَّتِها بِأنَّهُ لا يُجَوَّزُ في ( مِنَ اللَّيْلِ ) كَوْنُهُ صِفَةً، أوْ بَيانًا - لِلْقَلِيلِ - لِأنَّهُ فِيهِ واقِعٌ عَلى الهُجُوعِ ولا صِلَةِ المَصْدَرِ لِتَقَدُّمِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ بَيانٌ لِلزَّمانِ المُبْهَمِ وحَكى الطَّيْبِيُّ أنَّهُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى التَّبْيِينِ أوْ مُتَعَلَّقٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَهْجَعُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ( يَهْجَعُونَ ) عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ بَدَلًا مِنَ اسْمِ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كانَ هُجُوعُهم قَلِيلًا وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ في ما أنْ تَكُونَ نافِيَةً، ( وقَلِيلًا ) مَنصُوبُ - بِيَهْجَعُونَ - والمَعْنى - كانُوا لا يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْلِ قَلِيلًا ويُحْيُونَهُ كُلَّهُ - ورَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وأبُو نَصْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ ما النّافِيَةَ لا يُعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ ولَيْسَ فِيها التَّصَرُّفُ الَّذِي في أخَواتِها كَلا فَإنَّها قَدْ تَكُونُ كَجُزْءٍ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَحْوَ - عُوتِبَ بِلا جُرْمٍ - ولَمْ ولَنْ - لِاخْتِصاصِهِما بِالفِعْلِ كالجُزْءِ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَنعَ العَمَلِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وفي شَرْحِ الهادِيِّ أنَّ بَعْضَ النُّحاةِ أجازَهُ مُطْلَقًا، وبَعْضَهم أجازَهُ في الظَّرْفِ خاصَّةً لِلتَّوَسُّعِ فِيهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ونَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنا نَعَمْ يُرَدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِيهِ كَما في الِانْتِصافِ خَلَلًا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنْ طُلِبَ قِيامُ اللَّيْلِ غَيْرُ مُسْتَثْنى مِنهُ جُزْءٌ لِلْهُجُوعِ وإنْ قَلَّ غَيْرُ ثابِتٍ في الشَّرْعِ ولا مَعْهُودٍ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُدَّعَيَ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَقُولُ: بِأنَّهُ كانَ ثابِتًا في الشَّرْعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ ذَلِكَ إذْ أُمِرُوا بِقِيامِ اللَّيْلِ كُلِهِ فَكانَ أبُو ذَرٍّ يَعْتَمِدُ عَلى العَصا فَمَكَثُوا شَهْرَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المُزَّمِّلُ: 20] وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ ( قَلِيلًا ) ثُمَّ ابْتُدِأ ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مَعَ زِيادَةِ تَفْكِيكِ الكَلامِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الأوْجُهِ زِيادَةُ ما ونُصِبَ ( قَلِيلًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ قِيلَ: وفي الكَلامِ مُبالَغاتُ لَفْظِ الهُجُوعِ بِناءً عَلى أنَّهُ القَلِيلُ مِنَ النَّوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قَلِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ ) لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّباتِ والرّاحَةِ وزِيادَةُ ما لِأنَّها تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ فَتُؤَكِّدُ القِلَّةَ وتُحَقِّقُها بِاعْتِبارِ كَوْنِها قَيْدًا فِيها.
والغَرَضُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يُكابِدُونَ العِبادَةَ في أوْقاتِ الرّاحَةِ وسُكُونِ النَّفْسِ ولا يَسْتَرِيحُونَ مِن مَشاقِّ النَّهارِ إلّا قَلِيلًا، قالَ الحَسَنُ: كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةِ هَجَعُوا قَلِيلًا ثُمَّ قامُوا، وفَسَّرَ أنَسُ ابْنُ مالِكٍ الآيَةَ - كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ - فَقالَ: كانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ وهي لا تَدُلُّ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ.
الذاريات 51:17
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ لا يُبَلِّغُ كَنْهُها ولا يُقادِرُ قَدْرُها ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ قابِلَيْنَ لِكُلِّ ما أعْطاهم عَزَّ وجَلَّ راضِينَ بِهِ عَلى مَعْنى إنَّ كُلَّ ما آتاهم حَسَنٌ مُرْضِيٌّ يُتَلَقّى بِحُسْنِ القَبُولِ، والعُمُومُ مَأْخُوذٌ مِن شُيُوعِ ما وإطْلاقِهِ في مَعْرِضِ المَدْحِ وإظْهارِ مَنِّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، واعْتِبارِ الرِّضا لِأنَّ الأخْذَ قَبُولٌ عَنْ قَصْدٍ، ونُصِبَ ﴿آخِذِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الصَّرْفِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أيْ لِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ آتِينَ بِها عَلى ما يَنْبَغِي فَلِذَلِكَ اسْتُحِقُّوا ما اسْتُحِقُّوا مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وفُسِّرَ إحْسانُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ حُصِلَ بِها تَفْسِيرٌ، أوْ أنَّها جُمْلَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُفَسَّرَةٌ كَسائِرِ الجُمَلِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَفِي الآيَةِ: ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أيْ كانُوا قَبْلُ تُنَزَّلُ الفَرائِضُ يَعْمَلُونَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ لِذَلِكَ الخَبَرِ، ولا يَكادُ تُجْعَلُ جُمْلَةً ( كانُوا ) إلَخْ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا إذا صُحَّ ما نُقِلَ عَنْهُ في تَفْسِيرِها، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والهُجُوعُ - النَّوْمُ، وقَيْدَهُ الرّاغِبُ بِقَوْلِهِ: لَيْلًا، وغَيْرُهُ بِالقَلِيلِ، وما إمّا مَزِيدَةٌ - فَقَلِيلًا –
صفحة 8
مَعْمُولُ الفِعْلِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ - هُجُوعًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ، أوْ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٍ - بِيَهْجَعُونَ - ( ومِن ) لِلِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَهْجَعُونَ ) خَبَرُ - كانَ - أوْ ( قَلِيلًا ) صِفَةٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ - أيْ زَمانًا قَلِيلًا - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ عَلى نَحْوِ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ عِنْدِي - وإمّا مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ فَهي فاعِلٌ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ - كانَ - ( ومِنَ اللَّيْلِ ) حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُقَدَّمٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كانُوا قَدْ قَلَّ المِقْدارُ الَّذِي يَهْجَعُونَ فِيهِ كائِنًا ذَلِكَ المِقْدارُ ( مِنَ اللَّيْلِ ) وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالمَصْدَرُ فاعِلُ ( قَلِيلًا ) وهو خَبَرُ كانَ أيْضًا، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) بَيانُ لا مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ، أوْ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ، ( ومِنَ ) للِابْتِداءِ كَذا في الكَشْفِ فَهُما مِنَ الكَشّافِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( مِنَ ) عَلى زِيادَةِ - ما - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجُمْعَةَ: 9] واعْتَرَضَ ابْنُ المُنِيرِ احْتِمالَ مَصْدَرِيَّتِها بِأنَّهُ لا يُجَوَّزُ في ( مِنَ اللَّيْلِ ) كَوْنُهُ صِفَةً، أوْ بَيانًا - لِلْقَلِيلِ - لِأنَّهُ فِيهِ واقِعٌ عَلى الهُجُوعِ ولا صِلَةِ المَصْدَرِ لِتَقَدُّمِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ بَيانٌ لِلزَّمانِ المُبْهَمِ وحَكى الطَّيْبِيُّ أنَّهُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى التَّبْيِينِ أوْ مُتَعَلَّقٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَهْجَعُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ( يَهْجَعُونَ ) عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ بَدَلًا مِنَ اسْمِ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كانَ هُجُوعُهم قَلِيلًا وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ في ما أنْ تَكُونَ نافِيَةً، ( وقَلِيلًا ) مَنصُوبُ - بِيَهْجَعُونَ - والمَعْنى - كانُوا لا يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْلِ قَلِيلًا ويُحْيُونَهُ كُلَّهُ - ورَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وأبُو نَصْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ ما النّافِيَةَ لا يُعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ ولَيْسَ فِيها التَّصَرُّفُ الَّذِي في أخَواتِها كَلا فَإنَّها قَدْ تَكُونُ كَجُزْءٍ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَحْوَ - عُوتِبَ بِلا جُرْمٍ - ولَمْ ولَنْ - لِاخْتِصاصِهِما بِالفِعْلِ كالجُزْءِ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَنعَ العَمَلِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وفي شَرْحِ الهادِيِّ أنَّ بَعْضَ النُّحاةِ أجازَهُ مُطْلَقًا، وبَعْضَهم أجازَهُ في الظَّرْفِ خاصَّةً لِلتَّوَسُّعِ فِيهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ونَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنا نَعَمْ يُرَدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِيهِ كَما في الِانْتِصافِ خَلَلًا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنْ طُلِبَ قِيامُ اللَّيْلِ غَيْرُ مُسْتَثْنى مِنهُ جُزْءٌ لِلْهُجُوعِ وإنْ قَلَّ غَيْرُ ثابِتٍ في الشَّرْعِ ولا مَعْهُودٍ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُدَّعَيَ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ يَقُولُ: بِأنَّهُ كانَ ثابِتًا في الشَّرْعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ ذَلِكَ إذْ أُمِرُوا بِقِيامِ اللَّيْلِ كُلِهِ فَكانَ أبُو ذَرٍّ يَعْتَمِدُ عَلى العَصا فَمَكَثُوا شَهْرَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المُزَّمِّلُ: 20] وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ ( قَلِيلًا ) ثُمَّ ابْتُدِأ ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مَعَ زِيادَةِ تَفْكِيكِ الكَلامِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الأوْجُهِ زِيادَةُ ما ونُصِبَ ( قَلِيلًا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ( ومِنَ اللَّيْلِ ) صِفَةٌ قِيلَ: وفي الكَلامِ مُبالَغاتُ لَفْظِ الهُجُوعِ بِناءً عَلى أنَّهُ القَلِيلُ مِنَ النَّوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قَلِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ ) لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّباتِ والرّاحَةِ وزِيادَةُ ما لِأنَّها تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ فَتُؤَكِّدُ القِلَّةَ وتُحَقِّقُها بِاعْتِبارِ كَوْنِها قَيْدًا فِيها.
والغَرَضُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يُكابِدُونَ العِبادَةَ في أوْقاتِ الرّاحَةِ وسُكُونِ النَّفْسِ ولا يَسْتَرِيحُونَ مِن مَشاقِّ النَّهارِ إلّا قَلِيلًا، قالَ الحَسَنُ: كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةِ هَجَعُوا قَلِيلًا ثُمَّ قامُوا، وفَسَّرَ أنَسُ ابْنُ مالِكٍ الآيَةَ - كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ - فَقالَ: كانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ وهي لا تَدُلُّ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ.
الذاريات 51:18
﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ هم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ يُداوِمُونَ عَلى الِاسْتِغْفارِ في الأسْحارِ كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ ولَمْ يَتَفَرَّغُوا فِيهِ لِلْعِبادَةِ، وفي بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُوصَفُوا بِالِاسْتِغْفارِ كَأنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِهِ لِاسْتِدامَتِهِمْ لَهُ وإطْنابِهِمْ فِيهِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ خَشْيَتِهِمْ وعَدَمِ اغْتِرارِهِمْ بِعِبادَتِهِمْ ما لا يَخْفى، وحُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى حَقِيقَتِهِ المَشْهُورَةِ هو الظّاهِرُ - وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
صفحة 9
أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّهُ قالَ: صَلَّوْا فَلَمّا كانَ السَّحَرُ اسْتَغْفَرُوا، وقِيلَ: المُرادُ طَلَبُهُمِ المَغْفِرَةَ بِالصَّلاةِ، وعَلَيْهِ ما أخْرَجابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يُصَلُّونَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا
ولا أراهُ يُصَحُّ، وأُخْرِجَ أيْضًا عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ آخِرَ اللَّيْلِ في التَّهَجُّدِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أوَّلِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾»» وهو مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ التَّفْسِيرِ والظّاهِرِ
الذاريات 51:19
﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾ أيْ نَصِيبٌ وافِرٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإشْفاقًا عَلى النّاسِ فَهو غَيْرُ الزَّكاةِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما.
﴿لِلسّائِلِ﴾ الطّالِبِ مِنهم ﴿والمَحْرُومِ﴾ وهو المُتَعَفِّفُ الَّذِي يَحْسَبُهُ الجاهِلُ غَنِيًّا فَيُحْرَمَ الصَّدَقَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حُبّانَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ والأكْلَةُ والأكْلَتانِ قِيلَ: فَمَنِ المِسْكِينُ ؟ قالَ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ ما يُغْنِيهِ ولا يُعْلَمُ مَكانُهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ المَحْرُومُ»» وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِالمُحارِفِ الَّذِي يَطْلُبُ الدُّنْيا وتَدْبُرُ عَنْهُ ولا يَسْألُ النّاسَ، وقِيلَ: هو الَّذِي يُبْعَدُ مِنهُ مُمَكِّناتُ الرِّزْقِ بَعْدَ قُرْبِها مِنهُ فَيَنالُهُ الحِرْمانُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمِ: هو الَّذِي اجْتِيحَتْ ثَمَرَتُهُ، وقِيلَ: مَن ماتَتْ ماشِيَتُهِ، وقِيلَ: مَن لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ في الإسْلامِ، وقِيلَ: الَّذِي لا يَنْمُو لَهُ مالٌ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ - قالَ في البَحْرِ: وكُلُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ويُجْمَعُ الأقْوالُ أنَّهُ الَّذِي لا مالَ لَهُ لِحِرْمانٍ أصابَهُ - وأنا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقُولُ - وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ هَذا الحَقُّ هو الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَّكاةِ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: أصِلُ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ كانَ بِمَكَّةَ والَّذِي كانَ بِالمَدِينَةِ القَدْرُ المَعْرُوفُ اليَوْمَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ هَذا الحَقِّ فَقالَ الزَّكاةَ وسِوى ذَلِكَ حُقُوقٌ فَعَمَّمَ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.
الذاريات 51:20
﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ﴾ دَلائِلٌ مِن أنْواعِ المَعادِنِ والنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، أوْ وُجُوهُ دَلالاتٍ مِنَ الدَّحْوِ وارْتِفاعِ بَعْضِها عَنِ الماءِ، واخْتِلافِ أجْزائِها في الكَيْفِيّاتِ والخَواصِّ، فالدَّلِيلُ عَلى الأوَّلِ ما في الأرْضِ مِنَ المَوْجُوداتِ والظَّرْفِيَّةِ حَقِيقِيَّةٌ والجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى الثّانِيِ الدَّلِيلُ نَفْسُ الأرْضِ، والجَمْعِيَّةُ بِاعْتِبارِ وُجُوهِ الدَّلالَةِ وأحْوالِها، والظَّرْفِيَّةُ مِن ظَرْفِيَّةِ الصِّفَةِ في المَوْصُوفِ والدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَلِمُهُ وقُدْرَتُهُ وإرادَتُهُ ووَحْدَتُهُ وفَرْطُرَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ لِلْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا الطَّرِيقَ السَّوِيَّ البُرْهانِيَّ المُوصِلَ إلى المَعْرِفَةِ فَهم نَظّارُونَ بِعُيُونٍ باصِرَةٍ وأفْهامٍ نافِذَةٍ، وقَرَأ قَتادَةُ - آيَةً - بِالإفْرادِ
الذاريات 51:21
﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ في ذَواتِكم آياتٌ إذْ لَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا وفي ذاتِ الإنْسانِ لَهُ نَظِيرٌ يَدُلُّ مِثْلَ دَلالَتِهِ عَلى ما انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ النّافِعَةِ والمَناظِرِ البَهِيَّةِ والتَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الأفْعالِ البَدِيعَةِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُخْتَلِفَةِ واسْتِجْماعِ الكَمالاتِ المُتَنَوِّعَةِ، وآياتُ الأنْفُسِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وقِيلَ: أُرِيدُ بِذَلِكَ اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والصُّوَرِ والألْوانِ والطَّبائِعِ، ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: سَبِيلُ الطَّعامِ وسَبِيلُ الشَّرابِ والحَقُّ أنْ لا حَصْرَ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ ألّا تَنْظُرُونَ فَلا تُبَصِرُونَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ، وهو تَعْنِيفٌ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ في الآياتِ الأرْضِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ، وقِيلَ: في الأخِيرِ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ أيْ تَقْدِيرُهُ وتَعْيِينُهُ، أوْ أسْبابُ رِزْقِكم مِنَ النَّيِّرِينَ والكَواكِبِ والمَطالِعِ
صفحة 10
والمَغارِبِ الَّتِي تُخْتَلَفُ بِها الفُصُولُ الَّتِي هي مَبادِئُ الرِّزْقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ التَّجَوُّزِ بِجَعْلِ وُجُودِ الأسْبابِ فِيها كَوُجُودِ المُسَبِّبِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ السَّماءَ السَّحابُ وهي سَماءٌ لُغَةً، والمُرادُ بِالرِّزْقِ المَطَرُ فَإنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ مَرْفُوعًا وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - أرْزاقُكم - عَلى الجَمْعِ.
﴿وما تُوعَدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى رِزْقِكم أيْ والَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وعَنِ الضَّحاكِ - ما تُوعَدُونَ - الجَنَّةُ والنّارُ وهو ظاهِرٌ في أنَّ النّارَ في السَّماءِ وفِيهِ خِلافٌ، وقالَ بَعْضُهم: هو الجَنَّةُ وهي عَلى ظَهْرِ السَّماءِ السّابِعَةِ تَحْتَ العَرْشِ، وقِيلَ: أمْرُ السّاعَةِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ فَإنَّهُما مُقَدَّرانِ مُعَيَّنانِ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ خَبَرَهُ.
الذاريات 51:22
﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ في ذَواتِكم آياتٌ إذْ لَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا وفي ذاتِ الإنْسانِ لَهُ نَظِيرٌ يَدُلُّ مِثْلَ دَلالَتِهِ عَلى ما انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ النّافِعَةِ والمَناظِرِ البَهِيَّةِ والتَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الأفْعالِ البَدِيعَةِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُخْتَلِفَةِ واسْتِجْماعِ الكَمالاتِ المُتَنَوِّعَةِ، وآياتُ الأنْفُسِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وقِيلَ: أُرِيدُ بِذَلِكَ اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والصُّوَرِ والألْوانِ والطَّبائِعِ، ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: سَبِيلُ الطَّعامِ وسَبِيلُ الشَّرابِ والحَقُّ أنْ لا حَصْرَ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ ألّا تَنْظُرُونَ فَلا تُبَصِرُونَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ، وهو تَعْنِيفٌ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ في الآياتِ الأرْضِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ، وقِيلَ: في الأخِيرِ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ أيْ تَقْدِيرُهُ وتَعْيِينُهُ، أوْ أسْبابُ رِزْقِكم مِنَ النَّيِّرِينَ والكَواكِبِ والمَطالِعِ
صفحة 10
والمَغارِبِ الَّتِي تُخْتَلَفُ بِها الفُصُولُ الَّتِي هي مَبادِئُ الرِّزْقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ التَّجَوُّزِ بِجَعْلِ وُجُودِ الأسْبابِ فِيها كَوُجُودِ المُسَبِّبِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ السَّماءَ السَّحابُ وهي سَماءٌ لُغَةً، والمُرادُ بِالرِّزْقِ المَطَرُ فَإنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ مَرْفُوعًا وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - أرْزاقُكم - عَلى الجَمْعِ.
﴿وما تُوعَدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى رِزْقِكم أيْ والَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وعَنِ الضَّحاكِ - ما تُوعَدُونَ - الجَنَّةُ والنّارُ وهو ظاهِرٌ في أنَّ النّارَ في السَّماءِ وفِيهِ خِلافٌ، وقالَ بَعْضُهم: هو الجَنَّةُ وهي عَلى ظَهْرِ السَّماءِ السّابِعَةِ تَحْتَ العَرْشِ، وقِيلَ: أمْرُ السّاعَةِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ فَإنَّهُما مُقَدَّرانِ مُعَيَّنانِ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ خَبَرَهُ.
الذاريات 51:23
﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( إنَّهُ ) لـِ (ما ) وعَلى ما تَقَدَّمَ، فَإمّا لَهُ أوْ لِلرِّزْقِ، أوْ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِلدِّينِ في ( إنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ) [الذّارِياتُ: 6] أوْ لِلْيَوْمِ المَذْكُورِ في ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذّارِياتُ: 12] أوْ لِجَمِيعِ المَذْكُورِ أمّا ما أقْوالٌ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الأخِيرَ مِنها وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أيْ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا لَحَقٌّ ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أيْ مِثْلَ نُطْقِكم كَما أنَّهُ لا شَكَّ لَكم في أنَّكم تَنْطِقُونَ يَنْبَغِي أنْ لا تَشُكُّوا في حَقِّيَّةِ ذَلِكَ وهَذا كَقَوْلِ النّاسِ: إنَّ هَذا لَحَقٌّ كَما أنَّكَ تَرى وتَسْمَعُ، ونُصِبَ ( مِثْلَ ) عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ( لَحَقٌّ ) وهو لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، أوْ عَلى الوَصْفِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنَّهُ حَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكم، وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ فَقالَ المازِنِيُّ:
لِتَرَكُّبِهِ مَعَ ما حَتّى صارا شَيْئًا واحِدًا نَحْوَ – ويْحُما - وأنْشَدُوا لِبِناءِ الِاسْمِ مَعَها قَوْلَ الشّاعِرِ:
أثَوْرَ ما أصِيدُكم أوْ ثَوْرَيْنِ أمْ تَيْكُمُ الجَمّاءَ ذاتَ القَرْنَيْنِ
وقالَ غَيْرُهُ: لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو ما إنْ كانَتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِمَعْنى شَيْءٍ، أوْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي ( وأنَّكم ) إلَخْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ( أنَّكم ) إلَخْ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ، أوْ صِلَةٌ، أوْ هو أنَّ بِما في حَيْزِها إنْ جُعِلَتْ ما زائِدَةً، وهو نَصُّ الخَلِيلِ ومَحَلُّهُ عَلى البِناءِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( لَحَقٌّ ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ والحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشِ بِخِلافٍ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ ( مِثْلَ ) بِالرَّفْعِ، وفي البَحْرِ أنَّ الكُوفِيِّينَ يَجْعَلُونَ - مَثَلًا - ظَرْفًا فَيَنْصِبُونَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ويُجِيزُونَ زَيْدَ مِثْلُكَ بِالنَّصْبِ، وعَلَيْهِ يُجَوَّزُ أنْ يَكُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ - واسْتِدْلالُهم، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ مَذْكُورٌ عَلى النَّحْوِ - وفي الآيَةِ مِن تَأْكِيدِ حَقِّيَّةِ المَذْكُورِ ما لا يَخْفى، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ فِيها: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««قاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوا»» وعَنِ الأصْمَعِيِّ أقْبَلْتُ مِن جامِعِ البَصْرَةِ فَطَلَعَ أعْرابِيٌّ عَلى قُعُودٍ فَقالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ قُلْتُ: مَن بَنِي أصْمَعٍ قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ: مِن مَوْضِعٍ يُتْلى فِيهِ كَلامُ الرَّحْمَنِ قالَ: اتْلُ عَلَيَّ فَتَلَوْتُ ﴿والذّارِياتِ﴾ فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ قالَ: حَسْبُكَ فَقامَ إلى ناقَتِهِ فَنَحَرَها ووَزَّعَها وعَمَدَ إلى سَيْفِهِ وقَوْسِهِ فَكَسَرْهُما ووَلّى فَلَمّا حَجَجْتُ مَعَ الرَّشِيدِ طَفَقْتُ أطُوفُ فَإذا أنا بِمَن يَهْتِفُ بِي بِصَوْتٍ رَقِيقٍ فالتَفَتُّ فَإذا بِالأعْرابِيِّ قَدْ نُحِلَ واصْفُرَّ فَسَلَّمَ عَلَيَّ واسْتَقْرَأ السُّورَةَ فَلَمّا بَلَغْتُ الآيَةَ صاحَ وقالَ: قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ثُمَّ قالَ: وهَلْ غَيْرُ هَذا ؟ فَقَرَأْتُ ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فَصاحَ وقالَ: يا سُبْحانَ اللَّهِ مَن ذا أغْضَبَ الجَلِيلَ حَتّى حَلَفَ لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتّى ألْجَئُوهُ إلى اليَمِينِ قالَها
صفحة 11
ثَلاثًا وخَرَجَتْ مَعَها نَفْسُهُ.
الذاريات 51:24
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الحَدِيثِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ طَرِيقِ الوَحْيِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وفي الكَشْفِ فِيهِ رُمِزٌ إلى أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن إثْباتِ الجَزاءِ لَفْظًا لِلْقَسَمِ ومَعْنًى بِما في المُقْسَمِ بِهِ مِنَ التَّلْوِيحِ إلى القُدْرَةِ البالِغَةِ مُدْمَجًا فِيهِ صِدْقُ المُبَلِّغِ، وقَضى الوَطَرَ مِن تَفْصِيلِهِ ( مَهَّدَ ) لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ وأنَّ هَذا الآتِيَّ الصّادِقَ حَقِيقٌ بِالإتِّباعِ لِما مَعَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ إلَخْ، وضُمِنَ فِيهِ تَسْلِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ فَلَهُ بِسائِرِ آبائِهِ وإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ هَذا إذا لَمَّ يُجْعَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي مُوسى﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ﴾ وأمّا عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ قِصَّةُ الخَلِيلِ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مُعْتَرِضَةً لِلتَّسَلِّي بِإبْعادِ مُكَذِّبِيهِ وأنَّهُ مَرْحُومٌ مُنَجّى مُكَرَّمٌ بِالِاصْطِفاءِ مِثْلَ أبِيهِ إبْراهِيمِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ - والتَّرْجِيحُ مَعَ الأوَّلِ انْتَهى - وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما سَيُتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي مُوسى﴾، و(الضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَيْلِ ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلِكًا، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ جِبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسُمُّوا ضَيْفًا لِأنَّهم كانُوا في صُورَةِ الضَّيْفِ ولِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَبَهم كَذَلِكَ، فالتَّسْمِيَةُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ والحُسْبانِ، وبَدَأ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً عَنْ قِصَّةِ عادٍ لِأنَّها أقْوى في غَرَضِ التَّسْلِيَةِ ﴿المُكْرَمِينَ﴾ أيْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ الحَسَنُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنْبِياءُ: 26] أوْ عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ وزَوْجَتِهِ وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى ورَفَعَ مَجالِسَهم كَما في بَعْضِ الآثارِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ «المُكَرَّمِينَ» بِالتَّشْدِيدِ
الذاريات 51:25
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ لِأنَّهُ صِفَةٌ في الأصْلِ، أوْ لِلضَّيْفِ، أوْ لِـ ( المُكْرَمِينَ ) إنْ أُرِيدَ إكْرامُ إبْراهِيمَ لِأنَّ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم لا يَتَقَيَّدُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا، وأوْجَبَ في البَحْرِ حَذْفُ الفِعْلِ لِأنَّ المَصْدَرَ سادَّ مَسَدَّهُ فَهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَجِبُ حَذْفُ أفْعالِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
يُتَّجَهُ أنْ يَعْمَلَ في ( سَلامًا ) قالُوا: عَلى أنْ يَجْعَلَ في مَعْنى قَوْلًا ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا: تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ «سَلامٌ» ونُسِبَ إلى مُجاهِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ عَلَيْكم سَلامٌ عُدِلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ لِقَصْدِ الثَّباتِ حَتّى يَكُونَ تَحِيَّتَهً أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ أخْذًا بِمَزِيدِ الأدَبِ والإكْرامِ، وقِيلَ: ( سَلامٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرِي ( سَلامٌ ) وقُرِئا مَرْفُوعَيْنِ، وقُرِئَ - سَلامًا قالَ سِلْمًا - بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ اللّامِ والنَّصْبِ، والسِّلْمُ السَّلامُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ - سَلامًا قالَ سِلْمٌ - بِالكَسْرِ والإسْكانِ والرَّفْعِ، وجَعَلَهُ في البَحْرِ عَلى مَعْنى نَحْنُ أوْ أنْتُمْ سِلْمٌ ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أنْكَرَهم عَلَيْهِ السَّلامُ لِلسَّلامِ الَّذِي هو عَلَمُ الإسْلامِ، أوْ لِأنَّهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسُوا مِمَّنْ عَهِدَهم مِنَ النّاسِ، أوْ لِأنَّ أوْضاعَهم وأشْكالَهم خِلافُ ما عَلَيْهِ النّاسُ، ( وقَوْمٌ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والأكْثَرُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ لَهم لِلتَّعَرُّفِ كَقَوْلِكَ لِمَن لَقِيتَهُ: أنا لا أعْرِفُكَ تُرِيدُ عَرَّفَ لِي نَفْسَكَ وصِفْها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الَّذِي يُظْهَرُ أنَّ التَّقْدِيرَ هَؤُلاءُ ( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ في نَفْسِهِ، أوْ لِمَن كانَ مَعَهُ مِن أتْباعِهِ وغِلْمانِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُشْعِرَهم بِذَلِكَ فَإنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِهِ
صفحة 12
عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ في خِطابِ الضَّيْفِ بِنَحْوِ ذَلِكَ إيحاشًا ما، وطَلَبُهُ بِهِ أنْ يُعَرِّفُوهُ حالَهم لَعَلَّهُ لا يُزَيِّلُ ذَلِكَ. وأيْضًا لَوْ كانَ مُرادُهُ ذَلِكَ لَكَشَفُوا أحْوالَهم عِنْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ ولَمْ يَتَصَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُقَدِّماتِ الضِّيافَةِ.
الذاريات 51:26
﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ إلَيْهِمْ عَلى خِفْيَةٍ مِن ضَيْفِهِ، نَقَلَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا يُقالُ: راغَ إلّا إذا ذَهَبَ عَلى خِفْيَةٍ، وقالَ: يُقالُ رَوَغَ اللُّقْمَةَ إذا غَمَسَها في السَّمْنِ حَتّى تُرْوى، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: وهو مِن هَذا المَعْنى لِأنَّها تُذْهَبُ مَغْمُوسَةً في السَّمْنِ حَتّى تُخْفى، ومِن مَقْلُوبِ الرَّوْغِ غَوْرُ الأرْضِ والجُرْحِ لِخَفائِهِ وسائِرُ مَقْلُوباتِهِ قَرِيبَةٌ مِن هَذا المَعْنى، وقالَ الرّاغِبُ: الرَّوْغُ المَيْلُ عَلى سَبِيلِ الِاحْتِيالِ، ومِنهُ راغَ الثَّعْلَبُ، وراغَ فَلانُ إلى فُلانٍ مالَ نَحْوَهُ لِأمْرٍ يُرِيدُهُ مِنهُ بِالِاحْتِيالِ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ لِاعْتِبارٍ قُيِّدَ الخِفْيَةُ وجْهًا وهو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْضًا لِأنَّ مَن يَذْهَبُ إلى أهْلِهِ لِتَدارُكِ الطَّعامِ يَذْهَبُ كَذَلِكَ غالِبًا، وتُشْعِرُ الفاءُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبادِرُ بِالذَّهابِ ولَمْ يُمَهَّلْ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ مِن أدَبِ المُضِيفِ أنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَّيْفُ حَذَرًا مِن أنْ يَمْنَعَهُ الضَّيْفُ، أوْ يَصِيرَ مُنْتَظَرًا ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ﴾ هو ولَدُ البَقَرَةِ كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَصَوُّرِ عِجْلَتِهِ الَّتِي تُعْدَمُ مِنهُ إذا صارَ ثَوْرًا ﴿سَمِينٍ﴾ مُمْتَلَئِ الجَسَدِ بِالشَّحْمِ واللَّحْمِ يُقالُ: سَمِنَ - كَسَمِعَ - سَمانَةً بِالفَتْحِ وسَمْنًا - كَعِنَبٍ - فَهو سامِنٌ وسَمِينٌ، وكَحَسَنِ السَّمِينِ خِلْقَةً كَذا في القامُوسِ، وفي البَحْرِ يُقالُ: سَمِنَ سَمَّنا فَهو سَمِينٌ شُذُوذًا في المَصْدَرِ، واسْمُ الفاعِلِ والقِياسُ سَمِنَ وسَمَنَ، وقالُوا: سامَنَ إذا حَدَثَ لَهُ السَّمْنُ انْتَهى، والفاءُ فَصَيْحَةٌ أفْصَحَتْ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ المَجِيءِ بِالطَّعامِ أيْ فَذَبَحَ عِجْلًا فَحَنَذَهُ فَجاءَ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ كانَ مُعَدًّا عِنْدَهُ حَنِيذًا قَبْلَ مَجِيئِهِمْ لِمَن يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الضُّيُوفِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ما ذُكِرَ، والمَشْهُورُ اليَوْمَ أنَّ الذَّبْحَ لِلضَّيْفِ إذا ورَدَ أبْلَغُ في إكْرامِهِ مِنَ الإتْيانِ بِما هُيِّءَ مِنَ الطَّعامِ قَبْلَ وُرُودِهِ، وكانَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةِ عامَّةُ مالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ البَقْرُ ولَوْ كانَ عِنْدَهُ أطْيَبُ لَحْمًا مِنهُ لَأكْرَمَهم بِهِ.
الذاريات 51:27
﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ بِأنَّ وضْعَهُ لَدَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن إكْرامِ الضَّيْفِ أنْ يُقَدَّمَ لَهُ أكْثَرُ مِمّا يَأْكُلُ وأنْ لا يُوضَعُ الطَّعامُ بِمَوْضِعٍ ويُدْعى الضَّيْفُ إلَيْهِ ﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾، قِيلَ: عَرْضٌ لِلْأكْلِ فَإنَّ في ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِلضَّيْفِ، وقِيلَ: إنْكارٌ لِعَدَمِ تَعَرُّضِهِمْ لِلْأكْلِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم قالُوا: «إنّا لا نَأْكُلُ إلّا ما أدَّيْنا ثَمَنَهُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي لا أُبِيحُهُ لَكم إلّا بِثَمَنٍ قالُوا: وما هو ؟ قالَ: أنْ تُسَمُّوا اللَّهَ تَعالى عِنْدَ الِابْتِداءِ وتَحْمَدُوهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الفَراغِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِحَقٍّ آتَّخَذَهُ اللَّهُ تَعالى خَلِيلًا» .
الذاريات 51:28
﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ فَأضْمَرَ في نَفْسِهِ مِنهم خَوْفًا لَمّا رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إعْراضَهم عَنْ طَعامِهِ وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لِشَرٍّ يُرِيدُونَهُ فَإنَّ أكْلَ الضَّيْفِ أمْنَةٌ ودَلِيلٌ عَلى انْبِساطِ نَفْسِهِ ولِلطَّعامِ حُرْمَةٌ وذِمامٌ والِامْتِناعُ مِنهُ وحْشَةٌ مُوجِبَةٌ لِظَنِّ الشَّرِّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ فَخافَ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ إنّا رُسُلُ اللَّهِ تَعالى، عَنْ يَحْيى بْنِ شَدّادٍ مَسْحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يُدْرَجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فَعَرِفَهم وأمِنَ مِنهم، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أنَّ هَذا لِمُجَرَّدِ تَأْمِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مَعَ تَحْقِيقِ أنَّهم مَلائِكَةٌ وعِلْمِهِمْ بِما أُضْمِرَ في نَفْسِهِ إمّا بِإطْلاعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِ، أوْ إطْلاعِ مَلائِكَتِهِ الكِرامِ الكاتِبِينَ عَلَيْهِ وإخْبارِهِمْ بِهِ، أوْ بِظُهُورِ أمارَتِهِ في وجْهِهِ الشَّرِيفِ فاسْتُدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى الباطِنِ ﴿وبَشَّرُوهُ﴾ وفي سُورَةِ [الصّافّاتِ: 112] ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِمْ ﴿بِغُلامٍ﴾
صفحة 13
هُوَ عِنْدَ الجُمْهُورِ إسْحاقُ ابْنُ سارَةَ وهو الحَقُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ المُبَشَّرُ بِهِ في سُورَةِ هُودِ، والقِصَّةُ واحِدَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: إسْماعِيلَ ابْنَ هاجَرِ كَما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ ولا يَكادُ يُصَحُّ ﴿عَلِيمٍ﴾ عِنْدَ بُلُوغِهِ واسْتِوائِهِ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ بِحَياتِهِ وكانَتِ البِشارَةُ بِذِكْرٍ لِأنَّهُ أسَرٌ لِلنَّفْسِ وأبْهَجٌ، ووَصَفَهُ بِالعِلْمِ لِأنَّها الصِّفَةُ الَّتِييَخْتَصُّ بِها الإنْسانُ الكامِلُ لا الصُّورَةَ الجَمِيلَةَ والقُوَّةَ ونَحْوَهُما، وهَذا عِنْدَ غَيْرِ الأكْثَرِينَ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ فَإنَّ العِلْمَ عِنْدَهم لا سِيَّما العِلْمُ الشَّرْعِيُّ رَذِيلَةٌ لا تُعادِلُها رَذِيلَةٌ والجَهْلُ فَضِيلَةٌ لا تُوازِنُها فَضِيلَةٌ، وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ مَعَ حَذْفِ المَعْمُولِ ما لا يَخْفى مِمّا يُوجِبُ السُّرُورَ، وعَنِ الحَسَنِ ( عَلِيمٍ ) نَبِيٌّ ووَقَعَتِ البِشارَةُ بَعْدَ التَّأْنِيسِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ دَرْءَ المَفْسَدَةِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصْلَحَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ مِن حَيْثُ بَشَّرُوهُ بِغَيْبٍ.
الذاريات 51:29
﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ﴾ أيْ سارَّةُ لَمّا سَمِعَتْ بِشارَتَهم إلى بَيْتِها وكانَتْ في زاوِيَةٍ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ إنَّها كانَتْ في خِدْمَتِهِمْ فَلَمّا تَكَلَّمُوا مَعَ زَوْجِها بِوِلادَتِها اسْتَحْيَتْ وأعْرَضَتْ عَنْهم فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِلَفْظِ الإقْبالِ عَلى الأهْلِ دُونَ الإدْبارِ عَنِ المَلائِكَةِ، وهو إنْ صُحَّ مَثَلُهُ عَنْ نَقْلٍ وأثَرٍ لا يَأْباهُ الخِطابُ الآتِي لِأنَّهُ يَقْتَضِي الإقْبالَ دُونَ الإدْبارِ إذْ يَكْفِي لِصِحَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَسْمَعٍ مِنها وإنْ كانَتْ مُدَبَّرَةً، نَعَمْ في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ ضِدِّيَةٌ ولا قَرِينَةً ها هُنا تُصَحِّحُها، وقِيلَ: أقْبَلَتْ بِمَعْنى أخَذَتْ كَما تَقُولُ أخَذَ يَشْتُمُنِي ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في صَيْحَةٍ مِنَ الصَّرِيرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: صَرَّتَها رَنَّتَها، وقِيلَ: قَوْلُها أوْهِ، وقِيلَ: يا ويْلَتِي، وقِيلَ: في شِدَّةٍ، وقِيلَ: الصُّرَّةُ الجَماعَةُ المُنْضَمُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ كَأنَّهم صُرُّوا أيْ جُمِعُوا في وِعاءٍ - وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ - قالَ: أيْ أقْبَلَتْ في صَرَّةٍ مِن نِسْوَةٍ يُبادِرْنَ نَظَرًا إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ إنْ فُسِّرَ أقْبَلَتْ بِأخَذَتْ قِيلَ: إنَّ ( في ) عَلَيْهِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ:
يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي والتَّقْدِيرُ أخَذَتْ صَيْحَةً، وقِيلَ: بَلِ الجارِّ والمَجْرُورِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ الفِعْلَ حِينَئِذٍ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبَتْ بِيَدِها عَلى جَبْهَتِها وقالَتْ: يا ويْلَتاهُ، وقِيلَ: إنَّها وجَدَتْ حَرارَةَ الدَّمِ فَلَطَمَتْوَجْهَها مِنَ الحَياءِ، وقِيلَ: إنَّها لَطَمَتْهُ تَعَجُّبًا وهو فِعْلُ النِّساءِ إذا تَعَجَّبْنَ مِن شَيْءٍ ﴿وقالَتْ عَجُوزٌ﴾ أيْ أنا عَجُوزٌ ﴿عَقِيمٌ﴾ عاقِرٌ فَكَيْفَ ألِدُ، وعَقِيمٌ فَعِيلٌ قِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ وأصْلُ مَعْنى العُقْمِ اليُبْسُ
الذاريات 51:30
﴿قالُوا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الكَرِيمِ الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ وإنَّما نَحْنُ مُعَبِّرُونَ نُخْبِرُكَ بِهِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ لا أنّا نَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: انْظُرِي إلى سَقْفِ بَيْتِكَ فَنَظَرَتْ فَإذا جُذُوعُهُ مُورِقَةٌ مُثْمِرَةٌ ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ حَقًّا وفِعْلُهُ سُبْحانَهُ مُتْقَنًا لا مَحالَةَ، وهَذِهِ المُفاوَضَةُ لَمْ تَكُنْ مَعَ سارَّةَ فَقَطْ بَلْ كانَتْ مَعَ إبْراهِيمَ أيْضًا حَسْبَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ها هُنا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ سارَّةُ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ - ها هُنا وفي سُورَةِ هُودِ. .
الذاريات 51:31
﴿قالَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِأمْرٍ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ شَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ قَلْبِ قُراهم عالِيها سافِلِها حَسْبَما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ
صفحة 14
﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ طِينٍ مُتَحَجَّرٍ وهو السِّجِّيلُ وفي تَقْيِيدِ كَوْنِها مِن طِينٍ رُفِعَ تَوَهُّمُ كَوْنِها بَرْدًا فانٍ بَعْضَ النّاسِ يُسَمِّي البَرْدَ حِجارَةً
الذاريات 51:32
﴿قالَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِأمْرٍ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ شَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ قَلْبِ قُراهم عالِيها سافِلِها حَسْبَما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ
صفحة 14
﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ طِينٍ مُتَحَجَّرٍ وهو السِّجِّيلُ وفي تَقْيِيدِ كَوْنِها مِن طِينٍ رُفِعَ تَوَهُّمُ كَوْنِها بَرْدًا فانٍ بَعْضَ النّاسِ يُسَمِّي البَرْدَ حِجارَةً
الذاريات 51:33
﴿قالَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِأمْرٍ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ شَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ قَلْبِ قُراهم عالِيها سافِلِها حَسْبَما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ
صفحة 14
﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ طِينٍ مُتَحَجَّرٍ وهو السِّجِّيلُ وفي تَقْيِيدِ كَوْنِها مِن طِينٍ رُفِعَ تَوَهُّمُ كَوْنِها بَرْدًا فانٍ بَعْضَ النّاسِ يُسَمِّي البَرْدَ حِجارَةً
الذاريات 51:34
﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها اسْمُ مَن يُهْلَكُ بِها وقِيلَ: أُعْلِمَتْ بِأنَّها مِن حِجارَةِ العَذابِ، وقِيلَ: بِعَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مُسَوَّمَةٌ مُرْسَلَةٌ مِن أُسْمَتِ الإبِلُ في المَرْعى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النَّحْلُ: 10] ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في مَحَلِّ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وعَظْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ أنَّها مُعَلَّمَةٌ في أوَّلِ خَلْقِها، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُعَدَّةٌ لِلْمُسْرِفِينَ المُجاوَزِينَ الحَدَّ في الفُجُورِ، وألْ - عِنْدَ الإمامِ لِلْعَهْدِ أيْ لِهَؤُلاءِ المُسْرِفِينَ، ووُضِعَ الظّاهِرُ. مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِالإسْرافِ بَعْدَ ذَمِّهِمْ بِالإجْرامِ، وإشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ.
الذاريات 51:35
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ إلى آخِرِهِ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما جَرى عَلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الإجْمالِ بَعْدَ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُمِنَ الكَلامِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِذِكْرِها في مَوْضِعٍ آخَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقامُوا مِنهُ وجاؤُوا لُوطًا فَجَرى بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما جَرى فَباشَرُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَأخْرَجْنا بِقَوْلِنا ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [الحَجَرُ: 65] إلَخْ ﴿مَن كانَ فِيها﴾ أيْ في قُرى قَوْمِ لُوطٍ وإضْمارُها بِغَيْرِ ذِكْرٍ لِشُهْرَتِها.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّنْ آمَنَ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
الذاريات 51:36
﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ﴾ أيْ غَيْرَ أهْلِ بَيْتٍ لِلْبَيانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيْتِ نَفْسِهِ الجَماعَةُ مَجازًا، والمُرادُ بِهِمْ - كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ - عَنْ مُجاهِدِ لُوطُ وابْنَتاهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اتِّحادِ الإيمانِ والإسْلامِ لِلِاسْتِثْناءِ المَعْنَوِيِّ فَإنَّ المَعْنى فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَكُنِ المُخْرِجُ إلّا أهْلَ بَيْتٍ واحِدٍ وإلّا لَمَّ يَسْتَقِمِ الكَلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما صادِقانِ عَلى الأمْرِ الواحِدِ لا يَنْفِكُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ كالنّاطِقِ والإنْسانِ إمّا عَلى الِاتِّحادِ في المَفْهُومِ وهو المُخْتَلَفُ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ والحَدِيثِ فَلا، فالِاسْتِدْلالُ بِها عَلى اتِّحادِهِما فِيهِ ضَعِيفٌ، نَعَمْ تَدُلُّ عَلى أنَّهُما صِفَتا مَدْحٍ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ اسْتِحْقاقُ الإخْراجِ واخْتِلافُ الوَصْفَيْنِ وجَعَلَ كُلًّ مُسْتَقِلًّا بِأنْ يَجْعَلَ سَبَبَ النَّجاةِ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ( مَن كانَ ) أوَّلًا، ( وغَيْرَ بَيْتٍ ) ثانِيًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ فَإنَّ صاحِبَهُما مَحْفُوظٌ ( مَن كانَ ) وأيْنَ كانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَعْنى الوِجْدانِ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى العِلْمُ عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ، وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إلى أنَّهُ لا يُقالُ: ما وُجِدَتْ كَذا إلّا بَعْدَ الفَحْصِ والتَّفْتِيشِ، وجُعِلَ عَلَيْهِ مَعْنى الآيَةِ فَأخْرَجَ مَلائِكَتُنا ﴿مَن كانَ فِيها مَن المُؤْمِنِينَ﴾ فَما وجَدَ مَلائِكَتُنا فِيها ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أوْ في الكَلامِ ضَرْبٌ آخَرُ مِنَ المَجازِ فَلا تَغْفُلُ.
الذاريات 51:37
﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ أيْ في القُرى ﴿آيَةً﴾ عَلامَةً دالَّةً عَلى ما أصابَهم مِنَ العَذابِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي أحْجارٌ كَثِيرَةٌ مَنضُودَةٌ، وقِيلَ: تِلْكَ الأحْجارُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، وقِيلَ: ماءٌ مُنْتِنٌ قالَ الشِّهابُ: كَأنَّهُ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ضَمِيرِ ( فِيها ) عائِدًا عَلى الإهْلاكَةِ الَّتِي أُهْلَكُوا فَإنَّها مِن أعاجِيبِ الإهْلاكِ بِجَعْلِ أعالِي القَرْيَةِ أسافِلَ، وإمْطارِ الحِجارَةِ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَخافُوهُ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ دُونَ مَن عَداهم مِن ذَوِي القُلُوبِ القاسِيَةِ فَإنَّهم لا يَعْتَدُّونَ بِها
صفحة 15
ولا يَعُدُّونَها آيَةً
الذاريات 51:38
﴿وفِي مُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ بِتَقْدِيرِ عامِلٍ لَهُ أيْ وجَعَلْنا في مُوسى، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى ( فِيها ) بِتَغْلِيبِ مَعْنى عامِلِ الآيَةِ، أوْ سُلُوكِ طَرِيقِ المُشاكَلَةِ في عَطْفِهِ عَلى الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَها النُّحاةُ في نَحْوِ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا لا يُصَحُ تَسْلِيطُ التَّرْكِ بِمَعْنى الإبْقاءِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي مُوسى﴾ فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ ( تَرَكْنا ) لِأنَّهُ قَدْ أمْكَنَ العامِلَ في المَجْرُورِ تَرَكْنا الأوَّلَ فِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: ( في مُوسى ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ( وفي مُوسى ) آيَةٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( وفي الأرْضِ ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما مَرَّ، وتُعُقِّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا يُنَزَّهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَنْ مِثْلِهِ ﴿إذْ أرْسَلْناهُ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِن ( مُوسى )، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِآيَةٍ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ أيْ كائِنَةٌ وقْتَ إرْسالِنا، وقِيلَ: بِتَرْكِنا.
﴿إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، والسُّلْطانُ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ مَعَ شُمُولِهِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.
الذاريات 51:39
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ رَكَنَهُ جانِبُ بَدَنِهِ وعِطْفِهِ، والتَّوَلِّي بِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ مَعْناهُ ثَنى عِطْفَهُ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ، وقالَ قَتادَةُ: تَوَلّى بِقَوْمِهِ عَلى أنَّ الرُّكْنَ بِمَعْنى القَوْمِ لِأنَّهُ يَرْكَنُ إلَيْهِمْ ويَتَقَوّى بِهِمْ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ وكَوْنُها لِلسَّبَبِيَّةِ غَيْرُ وجِيهٍ، وقِيلَ: تَوَلّى بِقُوَّتِهِ وسُلْطانِهِ، والرُّكْنُ يُسْتَعارُ لِلْقُوَّةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ - وقُرِئَ بِرُكْنِهِ بِضَمِّ الكافِ اتِّباعًا لِلرّاءِ ﴿وقالَ ساحِرٌ﴾ أيْ هو ساحِرٌ ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ كانَ اللَّعِينُ جَعَلَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ العَجِيبَةِ مَنسُوبَةً إلى الجِنِّ وتُرُدِّدَ في أنَّهُ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ فَيَكُونُ سِحْرًا، أوْ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ فَيَكُونُ جُنُونًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِ الفاسِدِ وإلّا فالسِّحْرُ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ كَما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ - فَأوْ - لِلشَّكِّ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي بِمَعْنى الواوِ لِأنَّ اللَّعِينَ قالَ الأمْرَيْنِ قالَ: ( إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) [الأعْرافُ: 109، الشُّعَراءُ: 34] وقالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشُّعَراءُ: 27] وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّعِينَ ( يَتَلَوَّنُ ) تَلَوُّنَ الحِرْباءِ فَلا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِها بِمَعْنى الواوِ.
الذاريات 51:40
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ﴾ طَرَحْناهم غَيْرَ مُعْتَدِّيَ بِهِمْ ﴿فِي اليَمِّ﴾ في البَحْرِ، والمُرادُ فَأغْرَقْناهم فِيهِ، وفي الكَلامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ عِظَمِ شَأْنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ ونِهايَةِ قَمْأةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما لا يَخْفى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فالإفْعالُ هُنا لِلْإتْيانِ بِما يَقْتَضِي مَعْنى ثَلاثِيهِ كَأغْرَبَ إذا أتى أمْرًا غَرِيبًا، وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلنَّسَبِ، أوِ الإسْنادِ لِلسَّبَبِ - وهو كَما تَرى - وكَوْنُ المُلامُ عَلَيْهِ هُنا الكُفْرُ والطُّغْيانُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ فِرْعَوْنَ وهو مِمّا يُخْتَلَفُ بِاعْتِبارِ مَن وُصِفَ بِهِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كَيْفَ وُصِفَ اللَّعِينُ بِما وُصِفَ بِهِ ذُو النُّونِ عَلَيْهِ السَّلامُ
الذاريات 51:41
﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا﴾ عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ ﴿عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الشَّدِيدَ الَّتِي لا تُلَقِّحُ شَيْئًا كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، وفي لَفْظٍ هي رِيحٌ لا بَرَكَةَ فِيها ولا مَنفَعَةَ ولا يُنْزَلُ مِنها غَيْثٌ ولا يُلَقَّحُ بِها شَجَرٌ كَأنَّهُ شِبْهُ عَدَمِ تَضَمُّنِ المَنفَعَةِ بِعُقْمِ المَرْأةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِنَ اللّازِمِ وكَوْنُ هَذا المَعْنى لا يُصَحُّ هُنا مُكابَرَةً، وقالَ بَعْضُهم وهو حَسَنٌ: سُمِّيَتْ عَقِيمًا لِأنَّها أهْلَكَتْهم وقَطَعَتْ دابِرَهم عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً شِبْهَ إهْلاكِهِمْ وقُطِعَ دابِرُهم بِعُقْمِ النِّساءِ وعَدَمُ
صفحة 16
حَمْلِهِنَّ لِما فِيهِ مِن إذْهابِ النَّسْلِ ثُمَّ أُطْلِقَ المُشَبَّهُ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ واشْتُقَّ مِنهُ العَقِيمُ، وفَعِيلٌ قِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ، وهَذِهِ الرِّيحُ كانَتِ الدَّبُّورَ لِما صُحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ»» وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها النَّكْباءُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها الجَنُوبُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها الصِّبا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أوَّلًا، ولَعَلَّ الخَبَرَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ
الذاريات 51:42
﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ﴾ ما تَدَعُ شَيْئًا ﴿أتَتْ عَلَيْهِ﴾ جَرَتْ عَلَيْهِ ﴿إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ الشَّيْءُ البالِي مِن عَظْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن ( رَمَّ ) الشَّيْءُ بَلِيَ، ويُقالُ لِلْبالِيِ: رُمامٌ كَغُرابٍ، وأُرَمٌ أيْضًا لَكِنْ قالَ الرّاغِبُ يُخْتَصُّ الرُّمُّ بِالفُتاتِ مِنَ الخَشَبِ والتِّبْنِ، والرِّمَّةُ بِالكَسْرِ تُخْتَصُّ بِالعَظْمِ البالِي، والرُّمَّةُ بِالضَّمِّ بِالحَبْلِ البالِي، وفَسَّرَهُ السُّدِّيُّ هُنا بِالتُّرابِ، وقَتادَةُ بِالهَشِيمِ، وقُطْرُبُ بِالرَّمادِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عِيسى بِالمُنْسَحِقِ الَّذِي لا يُرَمُّ أيْ لا يُصْلَحُ كَأنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ في أُرَمٍ لِلسَّلْبِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ ( إلّا ) حالِيَّةٌ. والشَّيْءُ هُنا عامٌ مَخْصُوصٌ أيْ مِن شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَدْمِيرَهُ وإهْلاكَهُ مِن ناسٍ. أوْ دِيارٍ. أوْ شَجَرٍ. أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، رُوِيَ أنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَمُرُّ بِالنّاسِ فِيهِمُ الرَّجُلُ مِن عادٍ فَتَنْتَزِعُهُ مِن بَيْنِهِمْ وتُهْلِكُهُ
الذاريات 51:43
﴿وفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ - وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ - قالَ: تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ) [هُودُ: 65] واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا التَّمَتُّعَ مُؤَخِّرٌ عَنِ العُتُوِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا ) [هُودُ: 65]،
الذاريات 51:44
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُتُوَّ مُؤَخَّرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُرَتَّبٌ عَلى تَمامِ القِصَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلَنا في زَمانِ قَوْلِنا ذَلِكَ لِثَمُودَ آيَةً أوْ وفي زَمانِ قَوْلِنا ذَلِكَ لِثَمُودَ آيَةً، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ كَوْنِهِ آيَةً فَقِيلَ: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِامْتِثالِ بِهِ إلى الآخَرِ، فالفاءُ لِلتَّفْصِيلِ قالَ في الكَشْفِ. وهو الظّاهِرُ مِن هَذا المَساقِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى القِصَّةِ زَمانُ إرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالسُّلْطانِ وإنْ كانَ هُناكَ لا مانِعَ مِنَ التَّرَتُّبِ عَلى الإرْسالِ وذَلِكَ لِأنَّهُ جِيءَ بِالظَّرْفِ مَجِيءَ الفَضْلَةِ حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الآيَةُ، والقِصَّةُ مِن تَوَلِّيهِمْ إلى هَلاكِهِمُ انْتَهى، وقالَ الحَسَنُ: هَذا أيْ - القَوْلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ - كانَ حِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ صالِحٌ أُمِرُوا بِالإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، والتَّمَتُّعِ إلى أنْ تَأْتِيَ آجالُهم - ثُمَّ عَتَوا بَعْدَ ذَلِكَ - قالَ في البَحْرِ: ولِذَلِكَ جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ المُقْتَضِيَةِ تَأخُّرَ العُتُوِّ عَمّا أُمِرُوا بِهِ فَهو مُطابِقٌ لَفَظا ووُجُودًا واخْتارَهُ الإمامُ فَقالَ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالحِينِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ الَّتِي أُمْهِلُوها بَعْدَ عُقْرِ النّاقَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ تَرَتَّبَ فَعَتَوا بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُتُوَّ كانَ بَعْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ ما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآجالِ فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُمْهَلُ مُدَّةَ الأجَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ. تَمَتَّعْ إلى آخَرِ أجَلِكَ فَإنْ أحْسَنْتَ فَقَدْ حَصَلَ لَكَ التَّمَتُّعُ في الدّارَيْنِ وإلّا فَما لَكَ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ انْتَهى، وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيْ أهْلَكَتْهم، رُوِيَ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهُمُ الهَلاكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ لَهم: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً. وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً. واليَوْمُ الثّالِثُ مُسْوَدَّةً ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ. ولِما رَأوا الآياتِ الَّتِي بَيَّنَها عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدُوا إلى قَتْلِهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى فَذَهَبَ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ ولَمّا كانَ ضَحْوَةَ اليَوْمِ الرّابِعِ تُحُنِّطُوا وتُكَفِّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهي نارٌ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: صَيْحَةُ مِنها فَهَلَكُوا، وقَرَأ عُمَرُ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والكِسائِيُّ الصَّعْقَةَ
صفحة 17
وهِيَ المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ بِمَعْنى الصّاعِقَةِ أيْضًا، أوِ الصَّيْحَةِ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ إلَيْها ويُعايِنُونَها ويُحْتاجُ إلى تَنْزِيلِ المَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المُبْصَرِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الصّاعِقَةَ الصَّيْحَةُ وأنَّ المُرادَ يَنْظُرُونَ إلَيْها، وقالَ مُجاهِدُ: ( يَنْظُرُونَ ) بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ أيْ وهم يَنْتَظِرُونَ الأخْذَ والعَذابَ في تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ الَّتِي رَأوْا فِيها عَلاماتِهِ وانْتِظارُ العَذابِ أشَدُّ مِنَ العَذابِ.
الذاريات 51:45
﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ) [الأعْرافُ: 78، 91، العَنْكَبُوتُ: 37] وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ما يَقُومُ فَلانُ بِكَذا إذا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ فَهو مَعْنى مَجازِيٌّ، أوْ كِنايَةٌ شاعَتْ حَتّى التَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ بِغَيْرِهِمْ كَما لَمْ يَتَمَنَّعُوا بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ وأهْلَكْنا قَوْمَ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ واذْكُرْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( فَأخَذَتْهُمُ )، وقِيلَ: في ( نَبَذْناهم ) لِأنَّ مَعْنى كُلٍّ فَأهْلَكْناهم - وهو كَما تَرى - وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿وفِي عادٍ﴾ أوْ ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي عَمْرُو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ
وقَوْمٍ بِالجَرِّ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ ومَحْبُوبٌ والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرُو وأبُو السَّمّالِ وابْنُ مِقْسَمٍ. وقَوْمٌ بِالرَّفْعِ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَكْناهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿والسَّماءَ﴾ أيْ وبَنَيْنا السَّماءَ ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ومِثْلُهُ - الآدُّ - ولَيْسَ جَمْعَ «يَدٍّ» وجَوَّزَهُ الإمامُ وإنْ صُحَّتِ التَّوْرِيَةُ بِهِ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ لَقادِرُونَ مِنَ الوُسْعِ بِمَعْنى الطّاقَةِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ إثْباتًا لِسِعَةِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا عَنِ السَّماءِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى التَّعْرِيضِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، وعَنِ الحَسَنِ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ الرِّزْقُ بِالمَطَرِ وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن أنَّ المَساقَ مَساقُ الِامْتِنانِ بِذَلِكَ عَلى العِبادِ لا إظْهارَ القُدْرَةِ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّارِياتُ: 22] عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فَناسَبَ أنْ يُتَمِّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مُبالَغَةً في المَنِّ ولا يُحْتاجُ أنَّ يُفَسِّرَ الأيْدَ بِالأنْعامِ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ يَتِمُّ المَقْصُودُ دُونَهُ، واليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ لا الإنْعامِ، وقِيلَ: أيْ لَمُوسِعُوها بِحَيْثُ إنَّ الأرْضَ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الماءِ والهَواءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وقِيلَ: أيْ لَجاعِلُونَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ سِعَةً، والمُرادُ السِّعَةُ المَكانِيَّةُ، وفِيهِ عَلى القَوْلَيْنِ تَتْمِيمٌ أيْضًا
الذاريات 51:46
﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ) [الأعْرافُ: 78، 91، العَنْكَبُوتُ: 37] وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ما يَقُومُ فَلانُ بِكَذا إذا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ فَهو مَعْنى مَجازِيٌّ، أوْ كِنايَةٌ شاعَتْ حَتّى التَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ بِغَيْرِهِمْ كَما لَمْ يَتَمَنَّعُوا بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ وأهْلَكْنا قَوْمَ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ واذْكُرْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( فَأخَذَتْهُمُ )، وقِيلَ: في ( نَبَذْناهم ) لِأنَّ مَعْنى كُلٍّ فَأهْلَكْناهم - وهو كَما تَرى - وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿وفِي عادٍ﴾ أوْ ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي عَمْرُو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ
وقَوْمٍ بِالجَرِّ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ ومَحْبُوبٌ والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرُو وأبُو السَّمّالِ وابْنُ مِقْسَمٍ. وقَوْمٌ بِالرَّفْعِ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَكْناهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿والسَّماءَ﴾ أيْ وبَنَيْنا السَّماءَ ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ومِثْلُهُ - الآدُّ - ولَيْسَ جَمْعَ «يَدٍّ» وجَوَّزَهُ الإمامُ وإنْ صُحَّتِ التَّوْرِيَةُ بِهِ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ لَقادِرُونَ مِنَ الوُسْعِ بِمَعْنى الطّاقَةِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ إثْباتًا لِسِعَةِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا عَنِ السَّماءِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى التَّعْرِيضِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، وعَنِ الحَسَنِ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ الرِّزْقُ بِالمَطَرِ وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن أنَّ المَساقَ مَساقُ الِامْتِنانِ بِذَلِكَ عَلى العِبادِ لا إظْهارَ القُدْرَةِ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّارِياتُ: 22] عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فَناسَبَ أنْ يُتَمِّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مُبالَغَةً في المَنِّ ولا يُحْتاجُ أنَّ يُفَسِّرَ الأيْدَ بِالأنْعامِ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ يَتِمُّ المَقْصُودُ دُونَهُ، واليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ لا الإنْعامِ، وقِيلَ: أيْ لَمُوسِعُوها بِحَيْثُ إنَّ الأرْضَ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الماءِ والهَواءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وقِيلَ: أيْ لَجاعِلُونَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ سِعَةً، والمُرادُ السِّعَةُ المَكانِيَّةُ، وفِيهِ عَلى القَوْلَيْنِ تَتْمِيمٌ أيْضًا
الذاريات 51:47
﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ) [الأعْرافُ: 78، 91، العَنْكَبُوتُ: 37] وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ما يَقُومُ فَلانُ بِكَذا إذا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ فَهو مَعْنى مَجازِيٌّ، أوْ كِنايَةٌ شاعَتْ حَتّى التَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ بِغَيْرِهِمْ كَما لَمْ يَتَمَنَّعُوا بِأنْفُسِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ وأهْلَكْنا قَوْمَ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ واذْكُرْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( فَأخَذَتْهُمُ )، وقِيلَ: في ( نَبَذْناهم ) لِأنَّ مَعْنى كُلٍّ فَأهْلَكْناهم - وهو كَما تَرى - وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿وفِي عادٍ﴾ أوْ ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي عَمْرُو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ
وقَوْمٍ بِالجَرِّ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ ومَحْبُوبٌ والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرُو وأبُو السَّمّالِ وابْنُ مِقْسَمٍ. وقَوْمٌ بِالرَّفْعِ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَكْناهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿والسَّماءَ﴾ أيْ وبَنَيْنا السَّماءَ ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ومِثْلُهُ - الآدُّ - ولَيْسَ جَمْعَ «يَدٍّ» وجَوَّزَهُ الإمامُ وإنْ صُحَّتِ التَّوْرِيَةُ بِهِ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ لَقادِرُونَ مِنَ الوُسْعِ بِمَعْنى الطّاقَةِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ إثْباتًا لِسِعَةِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا عَنِ السَّماءِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى التَّعْرِيضِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، وعَنِ الحَسَنِ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ الرِّزْقُ بِالمَطَرِ وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن أنَّ المَساقَ مَساقُ الِامْتِنانِ بِذَلِكَ عَلى العِبادِ لا إظْهارَ القُدْرَةِ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّارِياتُ: 22] عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فَناسَبَ أنْ يُتَمِّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مُبالَغَةً في المَنِّ ولا يُحْتاجُ أنَّ يُفَسِّرَ الأيْدَ بِالأنْعامِ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ يَتِمُّ المَقْصُودُ دُونَهُ، واليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ لا الإنْعامِ، وقِيلَ: أيْ لَمُوسِعُوها بِحَيْثُ إنَّ الأرْضَ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الماءِ والهَواءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وقِيلَ: أيْ لَجاعِلُونَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ سِعَةً، والمُرادُ السِّعَةُ المَكانِيَّةُ، وفِيهِ عَلى القَوْلَيْنِ تَتْمِيمٌ أيْضًا
الذاريات 51:48
﴿والأرْضَ﴾ أيْ وفَرَشْنا الأرْضَ ﴿فَرَشْناها﴾ أيْ مَهَدْناها وبَسَطْناها لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ولا يُنافِي ذَلِكَ شَبَهُها لِلْكُرَةِ عَلى ما يَزْعُمُهُ فَلاسِفَةُ العَصْرِ ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ نَحْنُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ومُجاهِدُ وابْنُ مِقْسَمٍ بِرَفْعِ السَّماءِ ورَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وما بَعْدَهُما خَبَرٌ لَهُما ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ ﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ نَوْعَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى - قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ - وقالَ مُجاهِدُ: هَذا إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ كاللَّيْلِ والنَّهارِ والشِّقْوَةِ والسَّعادَةِ والهُدى والضَّلالِ والسَّماءِ والأرْضِ والسَّوادِ والبَياضِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرَيُ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالجِنْسِ
صفحة 18
المَنطِقِيِّ، وأقَلُّ ما يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعانِ فَخَلَقَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَوْهَرِ مَثَلًا المادِّيَّ والمُجَرَّدَ، ومِنَ المادِّيِّ النّامِيِّ والجامِدِ، ومِنَ النّامِيِّ المُدْرِكِ والنَّباتِ، ومِنَ المُدْرِكِ الصّامِتِ والنّاطِقِ وهو كَما تُرِيَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْرِفُوا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الرَّبُّ القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ ولا تَعْبُدُوا ما سِواهُ، وقِيلَ: خَلَقَنا ذَلِكَ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا أنَّ التَّعَدُّدَ مِن خَواصِّ المُمَكَّناتِ وأنَّ الواجِبَ بِالذّاتِ سُبْحانَهُ لا يَقْبِلُ التَّعَدُّدَ والِانْقِسامَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّذَكُّرُ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ لِأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ وجْهٌ، وقَرَأ أبِي تَتَذَكَّرُونَ بِتاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ
الذاريات 51:49
﴿والأرْضَ﴾ أيْ وفَرَشْنا الأرْضَ ﴿فَرَشْناها﴾ أيْ مَهَدْناها وبَسَطْناها لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ولا يُنافِي ذَلِكَ شَبَهُها لِلْكُرَةِ عَلى ما يَزْعُمُهُ فَلاسِفَةُ العَصْرِ ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ نَحْنُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ومُجاهِدُ وابْنُ مِقْسَمٍ بِرَفْعِ السَّماءِ ورَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وما بَعْدَهُما خَبَرٌ لَهُما ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ ﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ نَوْعَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى - قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ - وقالَ مُجاهِدُ: هَذا إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ كاللَّيْلِ والنَّهارِ والشِّقْوَةِ والسَّعادَةِ والهُدى والضَّلالِ والسَّماءِ والأرْضِ والسَّوادِ والبَياضِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرَيُ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالجِنْسِ
صفحة 18
المَنطِقِيِّ، وأقَلُّ ما يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعانِ فَخَلَقَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَوْهَرِ مَثَلًا المادِّيَّ والمُجَرَّدَ، ومِنَ المادِّيِّ النّامِيِّ والجامِدِ، ومِنَ النّامِيِّ المُدْرِكِ والنَّباتِ، ومِنَ المُدْرِكِ الصّامِتِ والنّاطِقِ وهو كَما تُرِيَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْرِفُوا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الرَّبُّ القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ ولا تَعْبُدُوا ما سِواهُ، وقِيلَ: خَلَقَنا ذَلِكَ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا أنَّ التَّعَدُّدَ مِن خَواصِّ المُمَكَّناتِ وأنَّ الواجِبَ بِالذّاتِ سُبْحانَهُ لا يَقْبِلُ التَّعَدُّدَ والِانْقِسامَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّذَكُّرُ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ لِأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ وجْهٌ، وقَرَأ أبِي تَتَذَكَّرُونَ بِتاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ
الذاريات 51:50
﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ وهو تَمْثِيلٌ لِلِاعْتِصامِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِتَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ لِمَكانٍ ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ مِن عِقابِهِ تَعالى المُعَدِّ لِمَن لَمْ يَفِرْ إلَيْهِ سُبْحانَه ُوَلَمْ يُوَحِّدْهُ ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بَيْنَ كَوْنِهِ مُنْذَرًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالمُعْجِزاتِ، أوْ ( مُبِينٌ ) ما يَجِبُ أنْ يُحَذِّرَ عَنْهُ.
الذاريات 51:51
﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ، وهو نَهْيٌ عَنِ الإشْراكِ صَرِيحًا عَلى نَحْوِ وحُدُودُهُ ولا تُشْرِكُوا، ومِنَ الأذْكارِ المَأْثُورَةِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لِاتِّصالِ الأوَّلِ بِالأمْرِ واتِّصالِ هَذا بِالنَّهْيِ والغَرَضُ مِن كُلِّ ذَلِكَ الحَثُّ عَلى التَّوْحِيدِ والمُبالَغَةُ في النَّصِيحَةِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ الأمْرُ بِالإيمانِ ومُلازَمَةُ الطّاعَةِ، وذُكِرَ ﴿ولا تَجْعَلُوا﴾ إلَخْ، إفْرادًا لِأعْظَمِ ما يَجِبُ أنْ يُفَرَّ مِنهُ، ( وإنِّي لَكم ) إلَخْ، الأوَّلُ مُرَتَّبُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ والطّاعَةِ، والثّانِي عَلى الإشْراكِ فَهُما مُتَغايِرانِ لِتَغايُرِ ما تُرُتِّبَ كُلٌّ مِنهُما عَلَيْهِ ووَقَعَ تَعْلِيلًا لَهُ ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في الآيَةِ: فِرُّوا ( إلى ) طاعَتِهِ وثَوابِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ وعِقابِهِ ووَحِّدُوا ولا تُشْرِكُوا بِهِ، وكُرِّرَ ( إنِّي لَكم ) إلَخْ عِنْدَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ والنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ لِيُعْلَمَ أنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ العَمَلِ كَما أنَّ العَمَلَ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ الإيمانِ وأنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا الجامِعُ بَيْنَهُما انْتَهى، وفِيهِ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثُمَّ تَفْسِيرِ الفِرارِ إلى اللَّهِ بِما فَسَّرَهُ أيْضًا لِيَنْطَبِقَ عَلى العَمَلِ وحْدَهُ غَيْرَ مُسْلِمٍ عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ الإنْذارُ بِتَرْكِ العَمَلِ فَمِن أيْنَ يُلْزِمُ عَدَمَ النَّفْعِ، وأهْلُ السُّنَّةِ لا يُنازِعُونَ في وُقُوعِ الإنْذارِ بِارْتِكابِ المَعْصِيَةِ، فالمُنْساقُ إلى الذِّهْنِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالفِرارِ إلى اللَّهِ تَعالى العِبادَةُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِها أوَّلًا وتَوَعَّدَ تارِكَها بِالوَعِيدِ المَعْرُوفِ لَهُ في الشَّرْعِ وهو العَذابُ دُونَ خُلُودٍ، ونَهى جَلَّ شَأْنُهُ ثانِيًا أنَّ يُشْرَكَ بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ غَيْرُهُ وتُوُعِدَ المُشْرِكُ بِالوَعِيدِ المَعْرُوفِ لَهُ وهو الخُلُودُ، وعَلى هَذا يَكُونُ الوَعِيدانِ مُتَغايِرَيْنِ وتَكُونُ الآيَةُ في تَقْدِيمِ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ فِيها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكَهْفُ: 110]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّساءُ: 36] وأيْنَ هَذا مِمّا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ.
الذاريات 51:52
﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ مِثْلَ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ وتَوْكِيدٌ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومِن فَصْلِ الخِطابِ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتَأْنِفَ قِصَّةَ قَوْلِهِمُ المُخْتَلِفِ في الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَتْ عُمُومًا أوْ خُصُوصًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذّارِياتُ: 8] وكانَ قَدْ تُوُسِّطَ ما تُوُسِّطَ قالَ سُبْحانَهُ: الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ مِثْلَ ما يُذْكَرُ ويَأْتِيكَ
صفحة 19
خَبَرُهُ إشارَةً إلى الكَلامِ الَّذِي يَتْلُوهُ أعْنِي قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو تَفْسِيرُ ما أجْمَلَ وهو مُرادُ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهُ وحاشاهُ ساحِرًا ومَجْنُونًا، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ كَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولا يُجَوَّزُ نَصْبُهُ يَأْتِي عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ، والإشارَةُ إلى الإتْيانِ أيْ ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن رَسُولٍ إتْيانًا مِثْلَ إتْيانِهِمْ ﴿إلا قالُوا﴾ إلَخْ لِأنَّ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ، ولا يَأْتِي مُقَدَّرًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ لا يُفَسَّرُ عامِلًا في مِثْلِ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، وجَعَلَهُ مَعْمُولًا لَقالُوا، والإشارَةُ لِلْقَوْلِ أيْ إلّا قالُوا ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ لا يُجَوَّزُ أيْضًا عَلى تَعَسُّفِهِ لِمَكانٍ ما وضَمِيرُ قَبْلَهم لِقُرَيْشٍ أيُّ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلَ قُرَيْشٍ ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ تَعالى ﴿إلا قالُوا﴾ في حَقِّهِ ﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ساحِرُ، وأوْ - قِيلَ: مِنَ الحِكايَةِ أيْ ( إلّا قالُوا ساحِرٌ )، أوْ قالُوا ( مَجْنُونٌ ) وهي لِمَنعِ الخُلُوِّ ولَيْسَتْ مِنَ المَحْكِيِّ لِيَكُونَ مَقُولُ كُلٍّ مَجْمُوعَ ( ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ ) وفي البَحْرِ هي لِلتَّفْصِيلِ أيْ قالَ بَعْضٌ: ساحِرٌ وقالَ بَعْضٌ: مَجْنُونٌ وقالَ بَعْضٌ: ساحِرٌ ومَجْنُونٌ فَجَمَعَ القائِلُونَ في الضَّمِيرِ ودَلَّتْ - أوْ - عَلى التَّفْصِيلِ انْتَهى فَلا تَغْفُلُ. واسْتُشْكِلَتِ الآيَةُ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما مِن رَسُولٍ إلّا كُذِّبَ مَعَ أنَّ الرُّسُلَ المُقَرِّرِينَ شَرِيعَةَ مَن قَبْلِهِمْ كَيُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُكَذَّبُوا وكَذا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُرْسَلَ ولَمْ يُكَذَّبْ. وأجابَ الإمامُ بِقَوْلِهِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُقَرَّرَ رَسُولٌ بَلْ هو نَبِيٌّ عَلى دِينِ رَسُولٍ ومَن كَذَّبَ رَسُولَهُ فَهو يُكَذِّبُهُ أيْضًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأخْبارَ وكَذا الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُقَرِّرِينَ رُسُلٌ، وأيْضًا يُبْقى الِاسْتِشْكالُ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدِ اعْتَرَفَ هو بِأنَّهُ أُرْسِلَ ولَمْ يُكَذَّبْ وأجابَ بَعْضٌ عَنِ الِاسْتِشْكالِ بِالمُقَرِّرِينَ بِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أتَوْا مِن قَبْلِهِمْ كُلَّهم قَدْ قِيلَ في حَقِّهِمْ ما قِيلَ، ولا يَدْخُلُ في عُمُومِ ذَلِكَ المُقَرِّرُونَ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ قَوْمًا مَجِيئُهُ إيّاهم مَعَ عَدَمِ تَبْلِيغِ غَيْرِهِ إيّاهم ما أتى بِهِ مَن قَبْلَهُ وذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُقَرِّرِ شَرَعَ مَن قَبْلَهُ كَما لا يَخْفى، وعَنِ الِاسْتِشْكالِ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ المُرادَ - ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ عَلى نَحْوِ وُجُودِ هَؤُلاءِ رَسُولٍ إلّا قالُوا - إلَخْ، وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَأْتِ أمَةً كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ في حِينِ أُرْسِلَ إلّا زَوْجَتَهُ حَوّاءَ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِن رَسُولٍ مِن بَنِي آدَمَ فَلا يَدْخُلُ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ، واسْتُشْكِلَتْ أيْضًا بِأنْ ﴿إلا قالُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلَّهم كُذِّبُوا مَعَ أنَّهُ ما مِن رَسُولٍ إلّا آمَنَ بِهِ قَوْمٌ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى إرادَةِ الكَثِيرِ بَلِ الأكْثَرِ، وذُكِرَ المُكَذِّبُ فَقَطْ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِغَرَضِ التَّسْلِيَةِ، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهُمُ الجَوابَ عَنِ الِاسْتِشْكالِ السّابِقِ فَقالَ: الحُكْمُ بِاعْتِبارِ الغالِبِ لا أنْ كَلَّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ أتاها رَسُولٌ فَكَذَّبَتْهُ لِيُرَدُّ آدَمُ والمُقَرِّرُونَ حَيْثُ لَمَّ يُكَذَّبُوا - وفِيهِ ما فِيهِ - وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى الكَفّارِ ودَفَعَ بِهِ الِّاسْتِشْكالَيْنِ - وفِيهِ ما لا يَخْفى - فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَظُنُّ انْحِصارَ الجَوابِ فِيما سَمِعَتْ فامْعِنِ النَّظَرَ واللَّهُ تَعالى الهادِيُ لِأحْسَنِ المَسالِكِ.
الذاريات 51:53
﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن إجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ أيْ كَأنَّ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ مِنهم أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا القَوْلِ حَتّى قالُوهُ جَمِيعًا، وقِيلَ: إنْكارٌ لِلتَّواصِي أيْ ما تَواصَوْا بِهِ.
صفحة 20
﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ أنَّ التَّواصِيَ جامِعُهم إلى أنَّ الجامِعَ لَهم عَلى ذَلِكَ القَوْلِ مُشارَكَتُهم في الطُّغْيانِ الحامِلِ عَلَيْهِ.
الذاريات 51:54
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ جِدالِهِمْ فَقَدْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ ولَمْ تَأْلُ جُهْدًا في البَيانِ فَأبَوْا إلّا إباءً وعِنادًا ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ عَلى التَّوَلِّي بَعْدَ ما بَذَلْتَ الجُهُودَ وجاوَزْتَ في الإبْلاغِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.
﴿وذَكِّرْ﴾ أدَمَ عَلى فِعْلِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ ولا تَدَعْ ذَلِكَ فالأمْرُ بِالتَّذْكِيرِ لِلدَّوامِ عَلَيْهِ والفِعْلُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ فَذَكِّرْهم وحُذِفَ لِظُهُورِ الأمْرِ.
﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم، أوِ المُؤْمِنِينَ بِالفِعْلِ فَإنَّها تَزِيدُهم بَصِيرَةً وقُوَّةً في اليَقِينِ، وفي البَحْرِ يَدُلُّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى المُوادَعَةِ وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، وقالَ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَوَلّى عَنْهم لِيُعَذِّبَهم وعَذَرَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وذَكِّرْ﴾ إلَخْ فَنَسَخَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ. والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نُزِلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا أيْقَنَ بِالهَلَكَةِ إذْ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَوَلّى عَنّا فَنَزَلَتْ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وأنَّ العَذابَ قَدْ حَضَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وذَكِّرْ﴾ إلَخْ.
الذاريات 51:55
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ جِدالِهِمْ فَقَدْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ ولَمْ تَأْلُ جُهْدًا في البَيانِ فَأبَوْا إلّا إباءً وعِنادًا ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ عَلى التَّوَلِّي بَعْدَ ما بَذَلْتَ الجُهُودَ وجاوَزْتَ في الإبْلاغِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.
﴿وذَكِّرْ﴾ أدَمَ عَلى فِعْلِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ ولا تَدَعْ ذَلِكَ فالأمْرُ بِالتَّذْكِيرِ لِلدَّوامِ عَلَيْهِ والفِعْلُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ فَذَكِّرْهم وحُذِفَ لِظُهُورِ الأمْرِ.
﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم، أوِ المُؤْمِنِينَ بِالفِعْلِ فَإنَّها تَزِيدُهم بَصِيرَةً وقُوَّةً في اليَقِينِ، وفي البَحْرِ يَدُلُّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى المُوادَعَةِ وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، وقالَ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَوَلّى عَنْهم لِيُعَذِّبَهم وعَذَرَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وذَكِّرْ﴾ إلَخْ فَنَسَخَتْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ. والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نُزِلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا أيْقَنَ بِالهَلَكَةِ إذْ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَوَلّى عَنّا فَنَزَلَتْ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وأنَّ العَذابَ قَدْ حَضَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وذَكِّرْ﴾ إلَخْ.
الذاريات 51:56
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ تَعْلِيلِهِ فَإنَّ خَلْقَهم لِما ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا يَدْعُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تَذْكِيرِهِمْ ويُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّذَكُّرَ والِاتِّعاظَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمالجِنِّ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِ خَلْقِهِمْ عَلى خَلْقِ الإنْسِ في الوُجُودِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مَن يُقابَلُونَ بِهِمْ وبِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ قِيلَ: لِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ مُسْلَّمٌ، أوْ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِبَيانِ صَنِيعِ المُكَذِّبِينَ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وقَدْ خُلِقُوا لَها وهَذا التَّرْكُ مِمّا لا يَكُونُ فِيهِمْ بَلْ هم عِبادٌ مُكَرَّمُونَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ ذِكْرُهم في هَذا الحُكْمِ مِمّا يَدْعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأصَحَّ عُمُومُ البِعْثَةِ فالأُولى ما قِيلَ بَدَلُهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ ما يَتَناوَلُهم لِأنَّهُ مِنَ الِاسْتِتارِ وهم مُسْتَتِرُونَ عَنِ الإنْسِ، وقِيلَ: لا يَصِحُ ذِكْرُهم في حَيْزِ الخَلْقِ لِأنَّهم كالأرْواحِ مِن عالَمِ الأمْرِ المُقابِلِ لِعالَمِ الخَلْقِ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعْرافُ: 54] وُرِدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خالِقُ كُلِ شَيْءٍ ) [الأنْعامَ: 102، الرَّعْدُ: 16، الزَّمْرُ: 62، غافِرُ: 62] و﴿لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ لَيْسَ كَما ظُنَّ والعِبادَةُ غايَةُ التَّذَلُّلِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها ما كانَتْ بِالِاخْتِيارِ دُونَ الَّتِي بِالتَّسْخِيرِ الثّابِتَةِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وهي الدَّلالَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى كَوْنِها مَخْلُوقَةً وأنَّها خَلْقُ فاعِلٍ حَكِيمٍ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِالسُّجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرَّحْمَنُ: 6] وألْ في الجِنِّ والإنْسِ عَلى المَشْهُورِ لِلِاسْتِغْراقِ، واللّامُ قِيلَ: لِلْغايَةِ والعِبادَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ غايَةً مَطْلُوبَةً مِنَ الخَلْقِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَخْلُقَ الجِنَّ والإنْسَ لِأجْلِها أيْ لِإرادَتِها مِنهم إذْ لَوْ أرادَها سُبْحانَهُ مِنهم لَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ
صفحة 21
الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ لِلْمُرادِ كَما بَيْنَ في الأُصُولِ مَعَ أنَّ التَّخَلُّفَ بِالمُشاهَدَةِ، وأيْضًا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعْرافُ: 179] يَدُلُّ عَلى إرادَةِ المَعاصِي مِنَ الكَثِيرِ لِيُسْتُحِقُّوا بِها جَهَنَّمَ فَيُنافِي إرادَةَ العِبادَةِ لَكِنْ لَمّا كانَ خَلْقُهم عَلى حالَةٍ صالِحَةٍ لِلْعِبادَةِ مُسْتَعِدَّةً لَها حَيْثُ رَكَّبَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ عُقُولًا وجَعَلَ لَهم حَواسَّ ظاهِرَةً وباطِنَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الِاسْتِعْدادِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيّا بِها مُبالَغَةً بِتَشْبِيهِ المُعَدَّ لَهُ الشَّيْءَ بِالغايَةِ ومِثْلُهُ شائِعٌ في العُرْفِ، ألّا تَراهم يَقُولُونَ ( لِلْقَوِيِّ ) جِسْمَهُ: هو مَخْلُوقٌ لِلْمُصارَعَةِ، ولِلْبَقَرِ: هي مَخْلُوقَةٌ لِلْحَرْثِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى تَنْساقُ إلى الغاياتِ الكَمالِيَّةِ واللّامُ فِيها مَوْضُوعُها ذَلِكَ، وأُمًّا الإرادَةُ فَلَيْسَتْ مِن مُقْتَضى اللّامِ إلّا إذا عُلِمَ أنَّ الباعِثَ مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ فَإنَّهم خُلِقُوا بِحَيْثُ يَتَأتّى مِنهُمُ العِبادَةُ وهُدُوا إلَيْها وجُعِلَتْ تِلْكَ غايَةً كَمالِيَّةً لِخَلْقِهِمْ، ( وتُعَوَّقُ ) بَعْضَهم عَنِ الوُصُولِ إلَيْها لا يَمْنَعُ كَوْنَ الغايَةِ غايَةً، وهَذا مَعْنى مَكْشُوفٌ انْتَهى. فَتَأمَّلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادَةِ التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ بِالتَّسْخِيرِ، وظاهِرُ أنَّ الكُلَّ عابِدُونَ إيّاهُ تَعالى بِذَلِكَ المَعْنى لا فَرْقَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، وبَرٍّ، وفاجِرٍ، ونَحْوِهِ ما قِيلَ: المَعْنى ما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَذِلُّوا لِقَضائِي، وقِيلَ: المَعْنى ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَكُونُوا عِبادًا لِي، ويُرادُ بِالعَبْدِ العَبْدُ بِالإيجادِ وعُمُومِ الوَصْفِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمُ: 93] لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ عَبْدًا بِمَعْنى صارَ عَبْدًا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: العِبادَةُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في القُرْآنِ فَهو تَوْحِيدٌ فالكُلُّ يُوَحِّدُونَهُ تَعالى في الآخِرَةِ أمّا تَوْحِيدُ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا هُناكَ فَظاهَرٌ، وأمّا تَوْحِيدُ المُشْرِكِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامَ: 23] وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: لا يَدْخُلُ النّارَ كافِرٌ، أوِ المُرادُ كَما قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ يُوَحِّدُهُ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ والكافِرَ يُوَحِّدُهُ سُبْحانَهُ في الشِّدَّةِ والبَلاءِ دُونَ النِّعْمَةِ والرَّخاءِ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 65] ولا يَخْفى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الظّاهِرِ والسِّياقِ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما خَلَقْتُهم إلّا لِآمُرَهم وأدْعُوهم لِلْعِبادَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البَيِّنَةُ: 5] فَذَكَرَ العِبادَةَ المُسَبِّبَةَ شَرْعًا عَنِ الأمْرِ أوِ اللّازِمَةَ لَهُ، وأُرِيدَ سَبَبُها أوْ مَلْزُومُها فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أمْرَ كُلٍّ مِن أفْرادِ الجِنِّ وكُلٍّ مِن أفْرادِ الإنْسِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ لا سِيَّما إذا كانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ كالأطْفالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ زَمانِ التَّكْلِيفِ داخِلِينَ في العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ مَعْنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ لِيَعْرِفُونِ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أيْضًا مِن إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ عَلى ما في الإرْشادِ، ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَبِرَ هي المَعْرِفَةُ الحاصِلَةُ بِعِبادَتِهِ تَعالى لا ما يَحْصُلُ بِغَيْرِها كَمَعْرِفَةِ الفَلاسِفَةِ قِيلَ: وهو حَسَنٌ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَخْلُقْهم عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُعْرَفْ وُجُودُهُ وتَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ جاءَ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»» وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ في كُلٍّ بَلْ بَعْضٍ قَدْ أنْكَرَ وُجُودَهُ عَزَّ وجَلَّ كالطَّبِيعِيِّينَ اليَوْمَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ ثُمَّ الخَبَرِ بِهَذا اللَّفْظِ ذَكَرَهُ سَعْدُ الدِّينِ الفَرْغانِيُّ في مُنْتَهى المَدارِكِ، وذَكَرَ غَيْرُهُ كالشَّيْخِ الأكْبَرِ في البابِ المِائَةِ والثَّمانِيَةِ والتِّسْعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ بِلَفْظٍ آخَرٍ وتَعَقَّبَهُ الحُفّاظُ فَقالَ ابْنُ تَيْمِيَةِ: إنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ صَحِيحٌ ولا ضَعِيفٌ، وكَذا قالَ الزَّرْكَشِيُّ والحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُما: ومَن
صفحة 22
يَرْوِيِهِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مُعْتَرِفٌ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ نَقْلًا لَكِنْ يَقُولُ: إنَّهُ ثابِتٌ كَشْفًا، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ المَذْكُورِ، والتَّصْحِيحُ الكَشْفِيُّ شَنْشَنَةٌ لَهم، ومَعَ ذَلِكَ فِيهِ إشْكالُ مَعْنى إلّا أنَّهُ أُجِيبَ عَنْهُ ثَلاثَ أجْوِبَةٍ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: ألْ في ( الجِنَّ والإنْسَ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ الآيَةُ أيْ بِناءٌ عَلى أنَّ اللّامَ فِيها لَيْسَتْ لِلْعاقِبَةِ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى قِيلَ: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ وأيَّدَهُ في البَحْرِ بِرِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ»» ورَواها بَعْضُهم قِراءَةً لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها لِلْجِنْسِ، وقالَ: يَكْفِي في ثُبُوتِ الحُكْمِ لَهُ ثُبُوتُهُ لِبَعْضِ أفْرادِهِ وهو هُنا المُؤْمِنُونَ الطّائِعُونَ وهو في المَآلِ مُتَّحَدٌ مَعَ سابِقِهِ، ولا إشْكالَ عَلى ذَلِكَ في جَعْلِ اللّامِ لِلْغايَةِ المَطْلُوبَةِ حَقِيقَةً وكَذا في جَعْلِها لِلْغَرَضِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعْلِيلَ أفْعالِهِ تَعالى بِالأغْراضِ مَعَ بَقاءِ الغِنى الذّاتِيِّ وعَدَمِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، والمُحْدَثُونَ - وقَدْ سَمِعْتُ أنَّ مِنهم مَن يُقَسِّمُ الإرادَةَ إلى شَرْعِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالطّاعاتِ وتَكْوِينِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالمَعاصِي وغَيْرِها، وعَلَيْهِ يُجَوَّزُ أنْ يُبْقى ( الجِنَّ والإنْسَ ) عَلى شُمُولِهِما لِلْعاصِينَ، ويُقالُ: إنَّ العِبادَةَ مُرادَّةٌ مِنهم أيْضًا لَكِنْ بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلّا أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ الإرادَةُ لا تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ المُرادِ كالإرادَةِ التَّفْوِيضِيَّةِ القائِلُ بِها المُعْتَزِلَةُ. هَذا وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِالأقْوالِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هانَ عَلَيْكَ دَفْعُ ما يَتَراءى مِنَ المُنافاةِ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودُ: 118، 119] عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الإشارَةِ إلى الِاخْتِلافِ بِالتِزامِ بَعْضُ هاتَيْكَ الأقْوالِ فِيها، ودَفَعَهُ بَعْضُهم يَكُونُ اللّامُ في تِلْكَ الآيَةِ لِلْعاقِبَةِ والَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ أيْ خَلَقْتُهم لِلْعِبادَةِ دُونَ ضِدِّها أوْ دُونَ طَلَبِ الرِّزْقِ والإطْعامِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ أخْذًا مِن تَعْقِيبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
الذاريات 51:57
﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ وهو لِبَيانٍ أنَّ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنَهُ مَعَ عِبادِهِ لَيْسَ كَشَأْنِ السّادَةِ مَعَ عَبِيدِهِمْ لِأنَّهم إنَّما يَمْلِكُونَهم لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ في تَحْصِيلِ مَعايِشِهِمْ وأرْزاقِهِمْ، ومالِكُ مَلّاكِ العَبِيدِ نَفى عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ مِلْكُهُ إيّاهم لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ما أُرِيدُ أنْ أسْتَعِينَ بِهِمْ كَما يَسْتَعِينُ مُلّاكُ العَبِيدِ بِعَبِيدِهِمْ فَلْيَشْتَغِلُوا بِما خُلِقُوا لَهُ مِن عِبادَتِي، وذَكَرَ الإمامُ فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الحاجَةِ مِن خَلْقِهِمْ لِلْعِبادَةِ، والثّانِيُ أنْ يَكُونَ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ لَها، وبَيْنَ هَذا بِأنَّ الفِعْلَ في العُرْفِ لا بُدَّ لَهُ مِن مَنفَعَةٍ لَكِنَّ العَبِيدَ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَتَّخِذُونَهُ لِإظْهارِ العَظَمَةِ بِالمُثُولِ بَيْنَ أيادِي ساداتِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهم كَعَبِيدِ المُلُوكِ، وقِسْمٌ يُتَّخَذُونَ لِلِانْتِفاعِ بِهِمْ في تَحْصِيلِ الأرْزاقِ أوْ لِإصْلاحِها، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: إنِّي خَلَقْتُهم ولا بُدَّ فِيهِمْ مِن مَنفَعَةٍ فَلْيَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ هَلْ هم مِن قَبِيلٍ أنْ يُطْلَبَ مِنهم تَحْصِيلُ رِزْقٍ ولَيْسُوا كَذَلِكَ فَما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ، وهَلْ هم مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنهم إصْلاحُ قُوتٍ كالطَّبّاخِ ومَن يُقَّرِبُ الطَّعامَ ؟ ولَيْسُوا كَذَلِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ فَإذا هم عَبِيدٌ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتْرُكُوا التَّعْظِيمَ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ لِي لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ، وذَكَرَ في الآيَةِ لَطائِفَ: الأُولى أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ نَفْيَ الإرادَتَيْنِ لِأنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَطْلُبُ مِنَ العَبْدِ التَّكَسُّبَ لَهُ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ وقَدْ لا يَطْلُبُ حَيْثُ كانَ لَهُ مالٌ وافِرٌ لَكِنَّهُ يَطْلُبُ قَضاءَ
صفحة 23
حَوائِجِهِ مِن حِفْظِ المالِ وإحْضارِ الطَّعامِ مِن مالِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَنَفْيُ الإرادَةِ الأُولى لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإرادَةِ الثّانِيَةِ فَكَرَّرَ النَّهْيَ عَلى مَعْنى لا أُرِيدُ هَذا ولا أُرِيدُ ذَلِكَ، الثّانِيَةُ أنَّ تَرْتِيبَ النَّفِيَّيْنِ كَما تَضَمَّنُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن بابِ التَّرَقِّي في بَيانِ غِناهُ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: لا أطْلُبُ مِنهم رِزْقًا ولا ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو تَقْدِيمُ الطَّعامِ بَيْنَ يَدَيِّ السَّيِّدِ فَإنَّ ذَلِكَ أمُرُّ كَثِيرًا ما يُطْلَبُ مِنَ العَبِيدِ إذا كانَ التَّكَسُّبُ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ، الثّالِثَةُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ دُونَ ما أُرِيدُ مِنهم أنْ يُرْزِقُونِ لِأنَّ التَّكَسُّبَ لِطَلَبِ العَيْنِ لا الفِعْلِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ما ﴿أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ دُونَ ما أُرِيدُ مِن طَعامٍ لِأنَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى الِّاسْتِغْناءِ عَمّا يَفْعَلُهُ العَبْدُ الغَيْرُ المَأْمُورِ بِالتَّكَسُّبِ كَعَبْدٍ وافِرِ المالَ والحاجَةَ إلَيْهِ لِلْفِعْلِ نَفْسِهِ، الرّابِعَةُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا خَصَّ الإطْعامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ الِاسْتِعانَةِ أنْ يَسْتَعِينَ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ في تَهْيِئَةِ أمْرِ الطَّعامِ ونَفْيُ الأدْنى يَتْبَعُهُ نَفْيُ الأعْلى بِطَرِيقِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أُرِيدُ مِنهم مَن عَيْنٍ ولا عَمَلٍ، الخامِسَةُ أنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الدُّنْيا وتُعُرِّضَ لَهُ دُونَ نَفْيِ الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ البَيِّنِ أنَّ العَبْدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لا يُصْلِحُ أنْ يُطْلَبَ مِنهُ رِزْقٌ أوْ إطْعامٌ انْتَهى، فَتَأمَّلْهُ. ويَفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المَعْنى ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ لِي ولَهم، وفي البَحْرِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهم ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ أيْ أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى، ونَحْوَهُ ما قِيلَ: المَعْنى ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أحَدًا مِن خَلْقِي ولا أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُوهُ، وأُسْنِدُ الإطْعامُ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الخَلْقَ كُلَّهم عِيالُ اللَّهِ تَعالى. ومَن أطْعَمَ عِيالَ أحَدٍ فَكَأنَّما أطْعَمَهُ، وفي الحَدِيثِ ««يا عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي وجُعْتُ فَلَمَّ تُطْعِمَنِي»» فَإنَّهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُهُ عَلى مَعْنى مَرِضَ عَبْدِي فَلَمْ تَعُدْهُ وجاعَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ وقِيلَ: الآيَةُ مَقْدَّرَةٌ بِقُلْ فَتَكُونْ بِمَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الأنْعامَ: 90] والغَيْبَةُ فِيها رِعايَةٌ لِلْحِكايَةِ إذْ في مِثْلِ ذَلِكَ يُجَّوَزُ الأمْرانِ الغَيْبَةُ والخِطابُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 12]، وقِيلَ: المُرادُ قُلْ لَهم وفي حَقِّهِمْ فَتُلائِمُهُ الغَيْبَةُ في ( مِنهم ويُطْعِمُونِ ) ولا يُنافِيَ ذَلِكَ قِراءَةَ - أنِّي أنا الرَّزّاقُ - فِيما بَعْدٌ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ، أوِ الِائْتِمارِ لا لِعَدَمِ الإرادَةِ، نَعَمْ لا شَكَّ في أنَّهُ قَوْلٌ بَعِيدٌ جِدًّا
الذاريات 51:58
﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ الَّذِي يَرْزُقُ كُلَّ مُفْتَقِرٍ إلى الرِّزْقِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا ويَفْهَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِغْناؤُهُ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الرِّزْقِ ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ أيِ القُدْرَةِ ﴿المَتِينُ﴾ شَدِيدُ القُوَّةِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الإرادَةِ قالَ الإمامُ: كَوْنُهُ تَعالى هو الرَّزّاقُ ناظِرٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ لِأنَّ مَن يَطْلُبُهُ يَكُونُ فَقِيرًا مُحْتاجًا وكَوْنُهُ عَزَّ وجَلَّ هو ذُو القُوَّةِ المَتِينِ ناظِرٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ العَمَلِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ لِأنَّ مَن يَطْلُبُهُ يَكُونُ عاجِزًا لا قُوَّةَ لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ وما أُرِيدَ مِنهم مِن عَمَلٍ لِأنِّي قَوِيٌّ مَتِينٌ، وكانَ الظّاهِرُ - أنِّي أنا الرَّزّاقُ - كَما جاءَ في قِراءَةٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكِنِ التَفَتَ إلى الغِيبَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِاشْتِهارِهِ بِمَعْنى العُبُودِيَّةِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ولِتَخَرُجَ الآيَةُ مَخْرَجَ المَثَلِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسْراءُ: 81] والتَّعْبِيرُ بِهِ عَلى القَوْلِ بِتَقْدِيرِ قُلْ فِيما تَقَدَّمَ هو الظّاهِرُ، وتَحْتاجُ القِراءَةُ الأُخْرى إلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا، وآثَرَ سُبْحانَهُ ذُو القُوَّةِ عَلى القُوى قِيلَ: لِأنَّ في ( ذُو ) كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ وغَيْرُهُ تَعْظِيمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، والمَوْصُوفُ بِها والمَقامُ يَقْتَضِيهِ ولِذا جِيءَ
صفحة 24
بِالمَتِينِ بَعْدُ ولَمْ يَكْتَفِ بِهِ عَنِ الوَصْفِ بِالقُوَّةِ: وقالَ الإمامُ: لَمّا كانَ المَقْصُودُ تَقْرِيرَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ إرادَةِ الرِّزْقِ وعَدَمِ الِاسْتِعانَةِ بِالغَيْرِ جِيءَ بِوَصْفِ الرِّزْقِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّهُ بِدُونِها لا يَكْفِي في تَقْرِيرِ عَدَمِ إرادَةِ الرِّزْقِ وبِوَصْفِ القُوَّةِ بِما لا مُبالَغَةَ فِيهِ لِكِفايَتِهِ في تَقْرِيرِ عَدَمِ الِاسْتِعانَةِ فَإنَّ مَن لَهُ قُوَّةٌ دُونَ الغايَةِ لا يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ لَكِنْ لِما لَمَّ يَدُلُّ ذُو القُوَّةِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ لَهُ تَعالى قُوَّةٌ ما زِيدَ الوَصْفُ بِالمَتِينِ وهو الَّذِي لَهُ ثَباتٌ لا يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ القَوِيَّ أبْلَغُ مِن ذِي القُوَّةِ والعِزَّةِ أكْمَلُ مِنَ المَتانَةِ وقَدْ قُرِنَ الأكْمَلُ بِالأكْمَلِ وما دُونَهُ بِما دُونَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحَدِيدُ: 25] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ إلَخْ لِما اقْتَضى المَقامُ ذَلِكَ، وقَدْ أطالَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ وما أظُنُّهُ يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - الرّازِقَ - بِزِنَةِ الفاعِلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ - المَتِينِ - بِالجَرِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ القُوَّةِ، وجازِ ذَلِكَ مَعَ تَذْكِيرِهِ لِتَأْوِيلِها بِالِاقْتِدارِ أوْ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، أوْ لِإجْرائِهِ مَجْرى فَعِيلِ بِمَعْنى مَفْعُولِ، وأجازَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ صِفَةً - لِذُو - وجَرَّ عَلى الجِوارِ - كَقَوْلِهِمْ هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبَ - وضَعِفَ.
الذاريات 51:59
﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما خَلَقَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ما يُرِيدُ مِنهم مَن رِزْقٍ إلى آخَرِ ما تَقَدَّمَ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاشْتِغالِهِمْ بِغَيْرِ ما خُلِقُوا لَهُ مِنَ العِبادَةِ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ مَكَّةَ وأضْرابُهم مِن كُفّارِ العَرَبِ ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ﴾ أيْ نَصِيبِ ﴿أصْحابِهِمْ﴾ أيْ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأصْلُ الذُّنُوبِ الدَّلْوُ العَظِيمَةُ المُمْتَلِئَةُ ماءً، أوِ القَرِيبَةُ مِنَ الِامْتِلاءِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: ولا يُقالُ لَها ذُنُوبٌ وهي فارِغَةٌ، وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ وجَمْعُها أذْنِبَةٌ وذَنائِبُ فاسْتُعِيرَتْ لِلنَّصِيبِ مُطْلَقًا شَرًّا كانَ كالنَّصِيبِ مِنَ العَذابِ في الآيَةِ أوْ خَيَّرا كَما في العَطاءِ في قَوْلِ عَلْقَمَةِ بْنِ عَبَدَةِ التَّمِيمِيِّ يَمْدَحُ الحارِثَ بْنَ أبِي شَمِرِ الغَسّانِيِّ وكانَ أسِرَ أخاهُ شَأْسًا يَوْمَ عَيْنِ أباغِ:
وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةِ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ
يُرْوى أنَّ الحارِثَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ نَعَمْ وأذْنِبَةً ومِنِ اسْتِعْمالِها في النَّصِيبِ قَوْلُ الآخَرُ:
لَعَمْرِكَ والمَنايا طارِقاتٌ ∗∗∗ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنها ذَنُوبُ
وهُوَ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، وفي الكَشّافِ هَذا تَمْثِيلُ أصْلِهِ في السُّقاةِ يَقْتَسِمُونَ الماءَ فَيَكُونَ لِهَذا ذَنُوبٌ ولِهَذا ذَنُوبٌ قالَ الرّاجِزُ:
إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبُ ∗∗∗ لَهُ ذَنُوبٌ ولَنا ذَنُوبٌ
وإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا يَطْلُبُوا مِنِّي أنْ أُعَجِّلَ في الإتْيانِ بِهِ يُقالُ اسْتَعْجَلَهُ أيْ حَثَّهُ عَلى العَجَلَةِ وطَلَبَها مِنهُ، ويُقالُ: اسْتَعْجَلْتُ كَذا إنْ طَلَبْتُ وُقُوعَهُ بِالعَجَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلُ: 1] وهو عَلى ما في الإرْشادِ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ( مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [يُونُسُ: 48، الأنْبِياءُ: 38، النَّمْلُ: 71، سَبَأُ: 29، يَسُ: 48، المُلْكُ: 25]
الذاريات 51:60
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
صفحة 25
أيْ فَوَيْلٌ لَهم، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِما في حَيْزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحَكَمِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا كَما أنَّ الفاءَ الَّتِي قَبْلَها لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِعْجالِ عَلى ذَلِكَ. ( ومِن ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ يُوعَدُونَهُ أوْ يُوعَدُونَ بِهِ عَلى قَوْلٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمُ قِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ ذُنُوبٌ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، ورَجَّحَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ لِما في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الآتِيَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِمّا قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ إشارَةٌ إلى الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ أنِينَ المُشْتاقِينَ المُعَرَّضِينَ لِنَفَحاتِ الألْطافِ إلى ساحاتِ العِزَّةِ، ثُمَّ تَأْتِي بِنَسِيمِ نَفَحاتِ الحَقِّ إلى مَشامِّ المُحِبِّينَ فَيَجِدُونَ راحَةً ما مِن غَلَباتِ اللَّوْعَةِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ إشارَةٌ إلى سَحائِبِ ألْطافِ الأُلُوهِيَّةِ تَحْمِلُ أمْطارَ مَراحِمِ الرُّبُوبِيَّةِ فَتُمْطِرُ عَلى قُلُوبِ الصَّدِيقَيْنِ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى سُفُنِ أفْئِدَةِ المُحِبِّينَ تَجْرِي بِرِياحِ العِنايَةِ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ عَلى أيْسَرِ حالٍ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى المَلائِكَةِ النّازِلِينَ مِن حَظائِرِ القُدْسِ بِالبَشائِرِ والمَعارِفِ عَلى قُلُوبِ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الكُلَّ إشارَةً إلى أنْواعِ رِياحِ العِنايَةِ فَمِنها ما يَطِيرُ بِالقُلُوبِ في جَوِّ الغُيُوبِ، وقَدْ قالَ العاشِقُ المُجازِيُّ:
خُذا مِن صِبا نَجِدُ أمانًا لِقَلْبِهِ نَسِيمٌ كادَ رَيّاها يَطِيرُ بِلُبِّهِ
وإيّاكُما ذاكَ النَّسِيمَ فَإنَّهُ ∗∗∗ مَتى هَبَّ كانَ الوَجْدُ أيْسَرَ خَطْبِهِ
ومِنها ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ دَواءُ قُلُوبِ العاشِقِينَ كَما قِيلَ:
أيا جَبَلَيْ نُعْمانَ بِاللَّهِ خَلِّيا ∗∗∗ نَسِيمَ الصَّبا يَخْلُصُ إلى نَسِيمِها
أجِدُ بَرْدَها أوْ تَشِفُّ مِنِّي حَرارَةٌ ∗∗∗ عَلى كَبِدٍ لَمْ يَبْقَ إلّا صَمِيمُها
إنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَسَّمَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها
ومِنها «الجّارِياتُ» مِن مَهابِّ حَضَراتِ القُدْسِ إلى أفْئِدَةِ أهْلِ الأُنْسِ بِسُهُولَةٍ لِتُنْعِشَ قُلُوبَهم، ومِنها «المُقَسِّماتُ» ما جاءَتْ بِهِ مِمّا عَبِقَ بِها مِن آثارِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى نُفُوسِ المُسْتَعِدِّينَ حَسْبَ اسْتِعْداداتِهِمْ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ فالبابُ واسْعٌ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ إشارَةٌ إلى سَماءِ القَلْبِ فَإنَّها ذاتُ طَرائِقَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ إشارَةٌ إلى جَنّاتِ الوِصالِ وعُيُونِ الحِكْمَةِ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَطْلُبُونَ غُفْرَ أيْ سَتْرَ وجُودِهِمْ بِوُجُودِ مَحْبُوبِهِمْ، أوْ يَطْلُبُونَ غُفْرانَ ذَنْبِ رُؤْيَةِ عِبادَتِهِمْ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى السَّحَرِ ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ جَمِيعَ ما يُرى بارِزًا مِنَ المَوْجُوداتِ لَيْسَ واحِدًا وحْدَةً حَقِيقِيَّةً بَلْ هو مُرَكَّبٌ ولا أقَلَّ مِن كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الإمْكانِ، وشَيْءٌ آخَرُ فَلَيْسَ الواحِدُ الحَقِيقِيُّ إلّا اللَّهَ تَعالى الَّذِي حَقِيقَتُهُ سُبْحانَهُ آنِيَتُهُ ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ بِتَرْكِ ما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ لِيَعْرِفُونِ، وهو عِنْدُهم إشارَةٌ إلى ما صَحَّحُوهُ كَشْفًا، مِن رِوايَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ قالَ: ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنْ أعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»» وفي كُتّابِ الأنْوارِ السُّنِّيَّةِ لِلسَّيِّدِ نُورِ الدِّينِ السَّمْهُودِيِّ بِلَفْظِ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنَّ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ هَذا الخَلْقَ لِيُعْرِفُونِي فَبِي عَرِفُونِيِ»» وفي المَقاصِدِ الحَسَنَةِ لِلسَّخاوِيِّ بِلَفْظِ ««كُنْتُ كَنْزًا لا أُعْرَفُ فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَعَرَّفْتُهم بِي
صفحة 26
فَعَرِفُونِي»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الخَفاءَ أمْرٌ نِسْبِيُّ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن مَخْفِيٍّ ومَخْفىٍ عَنْهُ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ خَلْقٌ لَمْ يَكُنْ مَخْفِيٌّ عَنْهُ فَلا يَتَحَقَّقُ الخَفاءُ، وأُجِيبَ أوَّلًا بِأنَّ الخَفاءَ عَنِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ لِأنَّ الأشْياءَ في ثُبُوتِها لا إدْراكَ لَها وُجُودِيًّا فَكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَخْفِيًّا عَنْها غَيْرَ مَعْرُوفٍ لَها مَعْرِفَةً وُجُودِيَّةً - فَأحَبَّ أنْ يُعْرَفَ مَعْرِفَةً حادِثَةً مِن مَوْجُودِ حادِثٍ - فَخَلَقَ الخَلْقَ لِأنَّ مَعْرِفَتَهُمُ الوُجُودِيَّةِ فَرْعُ وجُودِهم فَتَعَرَّفَ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ بِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ عَلى حَسْبِ تَفاوُتِ الِاسْتِعْداداتِ فَعَرَّفُوا أنْفُسَهم بِالتَّجَلِّياتِ فَعَرِفُوا اللَّهَ تَعالى مِن ذَلِكَ فَبِهِ سُبْحانَهُ عَرِفُوهُ، وثانِيًا بِأنَّ المُرادَ بِالخَفاءِ لازِمُهُ وهو عَدَمُ مَعْرِفَةِ أحَدٍ بِهِ جَلَّ وعَلا، ويُؤَيِّدُهُ ما في لَفْظِ السَّخاوِيِّ مِن قَوْلِهِ: لا أعْرِفُ بَدَلَ مَخْفِيًّا، وثالِثًا بِأنَّ مَخْفِيًّا بِمَعْنى ظاهِرٍ مَن أخْفاهُ أيْ أظْهَرَهُ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلْإزالَةِ أيْ أزالَ خَفاءَهُ، وتَرْتِيبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ««فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ»» إلَخْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارٍ أنَّ الظُّهُورَ مَتى كانَ قَوِيًّا أوْجَبَ الجَهالَةَ بِحالِ الظّاهِرِ فَخَلَقَ سُبْحانَهُ الخَلْقَ لِيَكُونُوا كالحِجابِ فَيُتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ، ألّا يُرى أنَّ الشَّمْسَ لِشِدَّةِ ظُهُورِها لا تَسْتَطِيعُ أكْثَرُ الأبْصارِ الوُقُوفَ عَلى حالِها إلّا بِواسِطَةِ وضْعِ بَعْضِ الحُجُبِ بَيْنَها وبَيْنَها وهو كَما تَرى لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وأمّا إطْلاقُ الكَنْزِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ وُرِدَ، رَوى الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «كَنْزُ المُؤْمِنِ رَبُّهُ» أيْ فَإنَّ مِنهُ سُبْحانَهُ كُلَّ ما يَنالُهُ مِن أمْرٍ نَفِيسٍ في الدّارَيْنِ، والشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينَ قُدِّسَ سِرُّهُ ذَكَرَ في مَعْنى - الكَنْزِ - غَيْرَ ذَلِكَ فَقالَ في البابِ الثَّلاثِمِائَةِ والثَّمانِيَةِ والخَمْسِينَ مِن فُتُوحاتِهِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ مَن هو عَلى صُورَةِ الحَقِّ ما حَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ العِلْمِ بِالحَقِّ أعْنِي العِلْمَ بِالحادِثِ في قَوْلِهِ: ««كُنْتُ كَنْزًا»» إلَخْ فَجَعَلَ نَفْسَهُ كَنْزًا، والكَنْزُ لا يَكُونُ إلّا مُكْتَنِزًا في شَيْءٍ فَلَمْ يَكُنْ كَنْزُ الحَقِّ نَفْسَهُ إلّا في صُورَةِ الإنْسانِ الكامِلِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ هُناكَ كانَ الحَقُّ مَكْنُوزًا فَلَمّا لَبَّسَ الحَقُّ الإنْسانَ ثَوْبَ شَيْئِيَّةِ الوُجُودِ ظَهَرَ الكَنْزُ بِظُهُورِهِ فَعَرِفَهُ الإنْسانُ الكامِلُ بِوُجُودِهِ وعَلِمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ مَكْنُوزًا فِيهِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ انْتَهى، وهو مَنطِقُ الطَّيْرِ الَّذِي لا نَعْرِفُهُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يُحِبُّ ويَرْضى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
الطور 52:1
سُورَةُ ( الطَّوْرِ ) «مَكِّيَّةٌ» كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَمْ نَقِفْ عَلى اسْتِثْناءِ شَيْءٍ مِنها، وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وثَمانٌ وأرْبَعُونَ في البَصَرِيِّ، وسَبْعٌ وأرْبَعُونَ في الحِجازِيِّ، ومُناسِبَةُ أوَّلِها لِآخَرَ ما قَبْلَها اشْتِمالُ كُلٍّ عَلى الوَعِيدِ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: وجْهُ وضْعِها بَعْدَ الذّارِياتِ تَشابُهُهُما في المَطْلَعِ والمَقْطَعِ فَإنَّ في مَطْلَعِ كُلٍّ مِنهُما صِفَةَ حالِ المُتَّقِينَ، وفي مَقْطَعِ كُلٍّ مِنهُما صِفَةُ حالِ الكُفّارِ، ولا يَخْفى ما بَيْنَ السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ مِنَ الِاشْتِراكِ في غَيْرِ ذَلِكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والطُّورِ﴾ الطَّوْرُ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ عَلى ما قِيلَ: في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وفي اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ عِنْدَ بَعْضٍ، ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ والمُرادُ بِهِ هُنا ( طُورِ سِينِينَ ) [التِّينُ: 2] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ، ويُقالُ لَهُ: طُورُ سَيْناءَ أيْضًا، والمَعْرُوفُ اليَوْمَ بِذَلِكَ ما هو بِقُرْبِ التِّيهِ بَيْنَ مِصْرَ والعَقَبَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ «التِّينِ»: لَمْ يَخْتَلِفْ في طَوْرِ سَيْناءَ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ في الشّامِ جَبَلٌ يُسَمّى الطَّوْرَ وهو طُورُ سَيْناءَ فَقالَ نُوفِ البِكالِيِّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ، وحَكى الرّاغِبُ أنَّهُ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالأرْضِ ولا يُصَحُّ عِنْدِي، وقِيلَ: جَبَلٌ مِن جِبالِ الجَنَّةِ،
صفحة 27
ورَوى فِيهِ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ والَّذِي أُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْتُهُ.
الطور 52:2
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ عَلى وجْهِ الِانْتِظامِ فَإنَّ السَّطْرَ تَرْتِيبُ الحُرُوفِ المَكْتُوبَةِ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ الكِتابُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الأعْمالُ ويُعْطاهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِيَمِينِهِ أوْ بِشَمالِهِ وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءُ: 13]، وقالَ الكَلْبِيُّ هو التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي. والإنْجِيلُ. والزَّبُورُ وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وفي البَحْرِ لا يَنْبَغِي أنَّ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّعْيِينِ وإنَّما تُورَدُ عَلى الِّاحْتِمالِ، والتَّنْكِيرِ قِيلَ: لِلْإفْرادِ نَوْعًا، وذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِهِ، أوْ لِلْإفْرادِ شَخْصًا، وذَلِكَ عَلى القَوْلِ المُقابِلِ، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِصاصِهِ مِن جِنْسِ الكُتُبِ بِأمْرٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ سائِرِها، والأوْلى عَلى وجْهِي التَّنْكِيرِ إذا حُمِلَ عَلى أحَدِ الكِتابَيْنِ أعْنِي القُرْآنَ والتَّوْراةَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ [الجاثِيَةُ: 14] فَفي التَّنْكِيرِ كَمالُ التَّعْرِيفِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ لا يَخْفى ( نَكَّرَ ) أوْ عُرِّفَ.
الطور 52:3
ومِن هَذا القَبِيلِ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ والرِّقِّ بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ، وبِهِ قَرَأ أبُو السَّمّالِ جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ وجَمْعُهُ رُقُوقٌ وأصْلُهُ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ مِنَ اللَّمَعانِ يُقالُ: تَرَقْرَقَ الشَّيْءُ إذا لَمَعَ. أوْ مِنَ الرِّقَّةِ ضِدَّ الصَّفاقَةِ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ تُجُوِّزَ فِيهِ عَمّا يَكْتُبُ فِيهِ الكُتّابُ مِنَ ألْواحٍ وغَيْرِها. والمَنشُورُ المَبْسُوطُ والوَصْفُ بِهِ قِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى صِحَّةِ الكِتابِ وسَلامَتِهِ مِنَ الخَطَأِ حَيْثُ جُعِلَ مُعَرَّضًا لِنَظَرِ كُلِّ ناظِرٍ آمِنًا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِراضِ لِسَلامَتِهِ عَمّا يُوجِبُهُ، وقِيلَ: هو لِبَيانِ حالِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ صَحائِفُ الأعْمالِ ولِبَيانٍ أنَّهُ ظَهَرَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بِسُهُولَةٍ في أُمُورِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهُ اللَّوْحُ، أوْ لِلنّاسِ لا يَمْنَعُهم مانِعٌ عَنْ مُطالَعَتِهِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ بِناءً عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ، وفي البَحْرِ ﴿مَنشُورٍ﴾ مَنسُوخٍ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ
الطور 52:4
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ «هُوَ بَيْتٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيِّ في الشَّعْبِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: ذَلِكَ الضُّراحُ «بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ» إلَخْ.
وجاءَ في رِوايَةِ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّهُ حِيالُ الكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَ سَقَطَ عَلَيْها» .
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ أنَّ في كُلِّ سَماءٍ بِحِيالِ الكَعْبَةِ بَيْتًا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِها وعِمارَتُهُ بِكَثْرَةِ الوارِدِينَ عَلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما سَمِعْتَ، وقالَ الحَسَنُ: هو الكَعْبَةُ يُعَمِّرُهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ مِنَ النّاسِ فَإنْ نَقَصُوا أتَمَّ سُبْحانَهُ العَدَدَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ المَجازِ المَشْهُورِ - مَكانٌ مَعْمُورٌ - بِمَعْنى مَأْهُولٌ مَسْكُونٌ يَحِلُّ النّاسُ في مَحَلٍّ هو فِيهِ، فَعِمارَةُ الكَعْبَةِ بِالمُجاوِرِينَ عِنْدَها وبِحُجّاجِها صُحَّ خَبَرُ الحَسَنِ المَذْكُورِ أمْ لا
الطور 52:5
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ أيِ السَّماءِ كَما رَواهُ جَماعَةٌ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو العَرْشُ وهو سَقْفُ الجَنَّةِ، وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وعَلَيْهِ لا بَأْسَ في تَفْسِيرِ البَيْتِ المَعْمُورِ بِالسَّماءِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِمارَتُها بِالمَلائِكَةِ أيْضًا فَما فِيها مَوْضِعُ إهابٍ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ
صفحة 28
أوْ قائِمٌ
الطور 52:6
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ أيِ المَوْقِدِ نارًا. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: قالَ عَلِيُّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ: أيْنَ مَوْضِعُ النّارِ في كِتابِكم ؟ قالَ: البَحْرُ فَقالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما أراهُ إلّا صادَقا، وقَرَأ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرُ: 6] وبِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ وشَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ والأخْفَشُ، وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ المَمْلُوءُ يُقالُ: سَجَرَهُ أيْ مَلَأهُ، والمُرادُ بِهِ عِنْدَ جَمْعِ البَحْرِ المُحِيطُ، وقِيلَ: بَحْرٌ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي البَحْرِ أنَّهُما قالا فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ، ويُقالُ لَهُ: بَحْرُ الحَياةِ يَمْطِرُ العِبادَ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ المَلَأُ الأعْلى الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ وكَأنَّهُ أرادَ بِهِ القَضاءَ الواسِعَ المَمْلُوءَ مَلائِكَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «المَسْجُورُ» الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ، ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، ولَيْسَ لَهُ كَما قِيلَ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذا عَنِ الحَبْرِ قالَ: خَرَجَتْ أُمَّةٌ لِتَسْتَقِيَ فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ أيْ فارِغٌ فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، وحُمِلَ كَلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى إرادَةِ البَحْرِ المَعْرُوفِ، وأنَّ ذَهابَ مائِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَحْبُوسِ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ وهي القِلادَةُ الَّتِي تُمْسِكُهُ وكَأنَّهُ عَنى المَحْبُوسَ مِن أنْ يَفِيضَ فَيُغْرِقُ جَمِيعَ الأرْضِ، أوْ يَغِيضَ فَتَبْقى الأرْضُ خالِيَةً مِنهُ، وقِيلَ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطِ، وهو نَحْوَ قَوْلِهِمْ لِلْخَلِيلِ المُخالِطِ: سَجِيرٍ، وجَعَلَهُ الرّاغِبُ مِن سُجِرَتِ التَّنُّورُ لِأنَّهُ سَجِيرٌ في مَوَدَّةِ صاحِبِهِ، والمُرادُ بِهَذا الِاخْتِلاطِ تَلاقِي البِحارِ بِمِياهِها واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وعَنِ الرَّبِيعِ اخْتِلاطُ عَذْبِها بِمِلْحِها، وقِيلَ: اخْتِلاطُها بِحَيَواناتِ الماءِ، وقِيلَ: المَفْجُورُ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الِانْفِطارُ: 3] ويَحْتَمِلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالمُرْسَلِ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ آنِفًا مِن تَفْسِيرِهِ بِالمَحْبُوسِ يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ أيْضًا، وقالَ مُنَبِّهُ بْنُ سَعِيدٍ، هو جَهَنَّمُ سُمِّيَتْ بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّئِها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ بَحْرُ الدُّنْيا - وبِهِ أقُولُ - وبِأنَّ المَسْجُورَ بِمَعْنى المَوْقَدِ، ووَجْهُ التَّناسُبِ بَيْنَ القَرائِنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ لائِحٌ، وهو ها هُنا إثْباتُ تَأْكِيدِ عَذابِ الآخِرَةِ وتَحْقِيقُ كَيْنُونَتِهِ ووُقُوعِهِ، فَأقْسَمَ سُبْحانَهُ لَهُ بِأُمُورٍ كُلِّها دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ كَوْنِها مُتَعَلِّقَةً بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، فالطَّوْرُ لِأنَّهُ مَحَلُّ مُكالَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَهْبِطَ آياتِ البَدْءِ والمَعادِ يُناسِبُ حَدِيثَ إثْباتِ المَعادِ وكِتابَ الأعْمالِ كَذَلِكَ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ إيقاعَ العَذابِ عَدْلٌ مِنهُ تَعالى فَقَدْ تَحَقَّقَ، ودُونَ في الكِتابِ ما يُجَرُّ إلَيْهِ قَبْلُ، ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ لِأنَّهُ مَطافُ الرُّسُلِ السَّماوِيَّةِ، ومَظْهَرٌ لِعَظْمَتِهِ تَعالى، ومَحَلٌّ لِتَقْدِيسِهِمْ وتَسْبِيحِهِمْ إيّاهُ جَلَّ وعَلا، ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَقَرُّهم ومِنهُ تُنَزَّلُ الآياتُ، وفِيهِ الجَنَّةُ: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ لِأنَّهُ مَحَلُّ النّارِ، وإذا حُمِلَ الكِتابُ عَلى التَّوْراةِ كانَ التَّناسُبُ مَعَ ما قَبْلَهُ حَسْبَ النَّظَرِ الجَلِيلِ أظْهَرَ ولَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْها كَثِيرٌ لِزَعْمٍ أنَّ - الرِّقَّ المَنشُورَ - لا يُناسِبُها لِأنَّها كانَتْ في الألْواحِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ شُيُوعَ الرِّقِّ فِيما يَكْتُبُ فِيهِ الكُتّابُ مُطْلَقًا يَضْعُفُ هَذا الزَّعْمَ في الجُمْلَةِ، ثُمَّ إنَّ المَعْرُوفَ أنَّ التَّوْراةَ لا يَكْتُبُها اليَهُودُ اليَوْمَ إلّا في - رِقٍّ - وكَأنَّهم أخَذُوا ذَلِكَ مِن أسْلافِهِمْ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في القَسَمِ - بِالطَّوْرِ والبَيْتِ المَعْمُورِ والبَحْرِ المَسْجُورِ - أنَّها أماكِنُ خَلْوَةٍ لِثَلاثَةِ أنْبِياءَ مَعَ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، أمّا الطَّوْرُ فَلِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ خاطَبَ عِنْدَهُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما خاطَبَ، وأمّا البَيْتُ المَعْمُورُ فَلِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
وقَدْ قالَ عِنْدَهُ: ««سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لا أُحْصِي
صفحة 29
ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»» وأُمًّا البَحْرُ فَلِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فِيهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنْبِياءُ: 87] فَلِشَرَفِها بِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها، وأمّا ذِكْرُ الكِتابِ فَلِأنَّ الأنْبِياءَ كانَ لَهم في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ والكَلامُ في الكِتابِ، وأمّا ذِكْرُ السَّقْفِ المَرْفُوعِ فَلِبَيانِ رَفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ لِيُعْلَمَ عَظَمَةَ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ، ولَعَمْرِي إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فِيهِما، والواوُ الأُولى لِلْقَسَمِ وما بَعْدَها عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ المُقْسِمُ عَلَيْها.
الطور 52:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ لَكائِنٌ عَلى ( شِدَّةٍ ) كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن يَحِلُّ بِهِ مِنَ الكُفّارِ وفي إضافَتِهِ إلى الرَّبِّ مَعَ إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمانٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإشارَةٌ إلى أنَّ العَذابَ واقِعٌ بِمَن كَذَّبَهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واقِعٌ - بِدُونِ لامٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ - لِأنَّ - أوْ صِفَةُ ( لَواقِعٌ ) أوْ هو جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ( ومِن دافِعٍ ) إمّا مُبْتَدَأٌ لِلظَّرْفِ أمْ مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِن تَأْكِيدِ الحُكْمِ وتَقْرِيرِهِ وقَدْ رُوِيَ أنْ عَمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ مَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا فَبَكى ثُمَّ بَكى حَتّى عَيَّدَ مِن وجَعِهِ وكانَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَأحْمَدُ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمْ قالَ: «قَدِمْتُ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُكَلِّمَهُ في أسارى بَدْرٍ فَدَفَعْتُ إلَيْهِ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ المَغْرِبِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ فَكَأنَّما صَدُعَ قَلْبِي، وفي رِوايَةٍ فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقْوَمَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ»، وهو لا يَأْتِي أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُقُوعِ يَوْمَ القِيامَةِ «ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى» أنَّ شَخْصًا رَأى مَكْتُوبًا في كَفِّهِ خَمْسَ واواتٍ فَعُبِّرَتْ لَهُ بِخَيْرٍ فَسَألَ ابْنَ سَيْرَيْنَ فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يُسِرُّ فَقالَ لَهُ: مَن أيْنَ أخَذَتْ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةُ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ،
الطور 52:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ لَكائِنٌ عَلى ( شِدَّةٍ ) كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن يَحِلُّ بِهِ مِنَ الكُفّارِ وفي إضافَتِهِ إلى الرَّبِّ مَعَ إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمانٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإشارَةٌ إلى أنَّ العَذابَ واقِعٌ بِمَن كَذَّبَهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واقِعٌ - بِدُونِ لامٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ - لِأنَّ - أوْ صِفَةُ ( لَواقِعٌ ) أوْ هو جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ( ومِن دافِعٍ ) إمّا مُبْتَدَأٌ لِلظَّرْفِ أمْ مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِن تَأْكِيدِ الحُكْمِ وتَقْرِيرِهِ وقَدْ رُوِيَ أنْ عَمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ مَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا فَبَكى ثُمَّ بَكى حَتّى عَيَّدَ مِن وجَعِهِ وكانَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَأحْمَدُ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمْ قالَ: «قَدِمْتُ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُكَلِّمَهُ في أسارى بَدْرٍ فَدَفَعْتُ إلَيْهِ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ المَغْرِبِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ فَكَأنَّما صَدُعَ قَلْبِي، وفي رِوايَةٍ فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقْوَمَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ»، وهو لا يَأْتِي أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُقُوعِ يَوْمَ القِيامَةِ «ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى» أنَّ شَخْصًا رَأى مَكْتُوبًا في كَفِّهِ خَمْسَ واواتٍ فَعُبِّرَتْ لَهُ بِخَيْرٍ فَسَألَ ابْنَ سَيْرَيْنَ فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يُسِرُّ فَقالَ لَهُ: مَن أيْنَ أخَذَتْ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةُ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ،
الطور 52:9
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ مَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وناصِبُهُ (واقِعٌ أوْ ( دافِعٌ ) أوْ مَعْنى النَّفْيِ وإيهامِ أنَّهُ لا يَنْتَفِي دَفْعُهُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِناءً عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ لا ضَيْرَ فِيهِ لِعَدَمِ مُخالَفَتِهِ لِلْواقِعِ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم في الدُّنْيا وما أهْمَلَهم، ومَنَعَ مَكِّيُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ - واقِعٌ - ولَمْ يُذْكَرْ دَلِيلُ المَنعِ ولا دَلِيلٌ لَهُ فِيما يُظْهَرُ، ومَعْنى ( تَمُورُ ) تَضْطَرِبُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ تَرْتَجُّ وهي في مَكانِها، وفي رِوايَةِ عَنْهُ تُشَقَّقُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وأصْلُ المَوْرِ التَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ، وقِيلَ: التَّحَرُّكُ في تَمَوُّجٍ، وقِيلَ: الجَرَيانُ السَّرِيعُ، ويُقالُ لِلْجَرْيِ مُطْلَقًا وأنْشَدُوا لِلْأعْشى:
كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَكُونُ هَباءً ( مُنْبَثًّا )، والإتْيانُ بِالمَصْدَرَيْنِ الإيذانُ بِغَرابَتِهِما وخُرُوجِهِما عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ أيْ مَوْرًا عَجِيبًا وسَيْرًا بَدِيعًا لا يُدْرَكُ كُنْهُهُما
الطور 52:10
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ مَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وناصِبُهُ (واقِعٌ أوْ ( دافِعٌ ) أوْ مَعْنى النَّفْيِ وإيهامِ أنَّهُ لا يَنْتَفِي دَفْعُهُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِناءً عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ لا ضَيْرَ فِيهِ لِعَدَمِ مُخالَفَتِهِ لِلْواقِعِ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم في الدُّنْيا وما أهْمَلَهم، ومَنَعَ مَكِّيُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ - واقِعٌ - ولَمْ يُذْكَرْ دَلِيلُ المَنعِ ولا دَلِيلٌ لَهُ فِيما يُظْهَرُ، ومَعْنى ( تَمُورُ ) تَضْطَرِبُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ تَرْتَجُّ وهي في مَكانِها، وفي رِوايَةِ عَنْهُ تُشَقَّقُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وأصْلُ المَوْرِ التَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ، وقِيلَ: التَّحَرُّكُ في تَمَوُّجٍ، وقِيلَ: الجَرَيانُ السَّرِيعُ، ويُقالُ لِلْجَرْيِ مُطْلَقًا وأنْشَدُوا لِلْأعْشى:
كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَكُونُ هَباءً ( مُنْبَثًّا )، والإتْيانُ بِالمَصْدَرَيْنِ الإيذانُ بِغَرابَتِهِما وخُرُوجِهِما عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ أيْ مَوْرًا عَجِيبًا وسَيْرًا بَدِيعًا لا يُدْرَكُ كُنْهُهُما
الطور 52:11
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا وقَعَ ذَلِكَ أوْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَوَيْلٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ في انْدِفاعٍ عَجِيبٍ في الأباطِيلِ والأكاذِيبِ يَلْهُونَ، وأصْلُ الخَوْضِ المَشْيُ في الماءِ ثُمَّ تُجَوَّزُ فِيهِ عَنِ الشُّرُوعِ
صفحة 30
فِي كُلِّ شَيْءٍ وغُلِبَ في الخَوْضِ في الباطِرِ كالإحْضارِ عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ غُلِبَ اسْتِعْمالُهُ في الإحْضارِ لِلْعَذابِ.
الطور 52:12
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا وقَعَ ذَلِكَ أوْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَوَيْلٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ في انْدِفاعٍ عَجِيبٍ في الأباطِيلِ والأكاذِيبِ يَلْهُونَ، وأصْلُ الخَوْضِ المَشْيُ في الماءِ ثُمَّ تُجَوَّزُ فِيهِ عَنِ الشُّرُوعِ
صفحة 30
فِي كُلِّ شَيْءٍ وغُلِبَ في الخَوْضِ في الباطِرِ كالإحْضارِ عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ غُلِبَ اسْتِعْمالُهُ في الإحْضارِ لِلْعَذابِ.
الطور 52:13
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يَدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا بِأنْ تَغُلَّ أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ فَيُدْفَعُونَ إلى النّارِ ويُطْرَحُونَ فِيها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والسَّيْلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ «يُدْعَوْنَ» بِسُكُونِ الدّالِ وفَتَحِ العَيْنِ مِنَ الدُّعاءِ فَيَكُونُ ( دَعًّا ) حالًا أيْ يُنادَوْنَ إلَيْها مَدْعُوعِينَ ( ويَوْمَ ) إمّا بَدَلٌ مِن يَوْمٍ ﴿تَمُورُ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَحْكِيٍّ بِهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ ( يَوْمَ ) إلَخْ، ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها تَكْذِيبُهم بِالوَحْيِ النّاطِقِ بِها،
الطور 52:14
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يَدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا بِأنْ تَغُلَّ أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ فَيُدْفَعُونَ إلى النّارِ ويُطْرَحُونَ فِيها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والسَّيْلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ «يُدْعَوْنَ» بِسُكُونِ الدّالِ وفَتَحِ العَيْنِ مِنَ الدُّعاءِ فَيَكُونُ ( دَعًّا ) حالًا أيْ يُنادَوْنَ إلَيْها مَدْعُوعِينَ ( ويَوْمَ ) إمّا بَدَلٌ مِن يَوْمٍ ﴿تَمُورُ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَحْكِيٍّ بِهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ ( يَوْمَ ) إلَخْ، ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها تَكْذِيبُهم بِالوَحْيِ النّاطِقِ بِها،
الطور 52:15
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَسِحْرٌ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَهُ سِحْرًا كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُنْذِرُكم بِهَذا سِحْرًا أفَهَذا المُصَدِّقُ لَهُ سِحْرٌ أيْضًا وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والمَدارُ لِلتَّوْبِيخِ.
﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ والفاءُ مُؤْذِنَةٌ بِما ذُكِرَ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا كانَتْ تَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ يُصَحُّ تَرَتُّبُ الجُمْلَةِ أعْنِي سِحْرَ هَذا عَلَيْهِ وكانَتْ هَذِهِ جُمْلَةً وارِدَةً تَقْرِيعًا مِثْلَ هَذِهِ النّارِ إلَخْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُصَحُّ التَّرَتُّبُ ويَكُونُ مَدْلُولًا عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ ﴿فَقَدَرَ﴾ كُنْتُمْ تَقُولُونَ إلى آخِرِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وفي الكَشْفِ إنَّ هَذا نَظِيرُ ما تَسْتَدِلُّ بِحُجَّةٍ فَيَقُولُ الخَصْمُ: هَذا باطِلٌ فَتَأْتِي بِحُجَّةٍ أوْضَحِ مِنَ الأوَّلِ مُسْكِتَةٍ وتَقُولُ:
أفَباطِلٌ هَذا ؟! تُعَيِّرُهُ بِالإلْزامِ بِأنَّ مَقالَتَهُ الأُولى كانَتْ باطِلَةً، وفي مِثْلِهِ جازَ أنَّ يُقَدَّرُ القَوْلُ عَلى مَعْنى أفَتَقُولَ باطِلٌ هَذا وأنْ لا يُقَدَّرَ لِابْتِنائِهِ عَلى كَلامِ الخَصْمِ وهَذا أبْلَغُ، ( وأمْ ) كَما هو الظّاهِرُ مُنْقَطِعَةٌ، وفي البَحْرِ لِما قِيلَ لَهم: هَذِهِ النّارُ وقَفُوا عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمَكَّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ وهي إمّا أنْ يَكُونَ ( ثُمَّ ) سِحْرٌ يَلْبَسُ ذاتَ المَرْأى، وإمّا أنْ يَكُونَ في ناظِرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ ( أمْ ) مُعادَلَةً والأوَّلُ أبْعَدُ مَغْزى.
الطور 52:16
﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ أيِ ادْخُلُوها وقاسُوا شَدائِدَها فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ.
﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ الأمْرانِ سَواءٌ عَلَيْكم في عَدَمِ النَّفْعِ إذْ كُلٌّ لا يَدْفَعُ العَذابَ ولا يُخَفِّفُهُ - فَسَواءٌ - خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وصُحَّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُثَنّى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِواءِ فَإنَّ الجَزاءَ حَيْثُ كانَ مُتَحَتَّمَ الوُقُوعِ لِسَبْقِ الوَعِيدِ بِهِ وقَضائِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ بِمُقْتَضى عَدْلِهِ كانَ الصَّبْرُ وعَدَمُهُ مُسْتَوَيَيْنِ في عَدَمِ النَّفْعِ.
الطور 52:17
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ كَما هو عادَةُ القُرْآنِ الجَلِيلِ في التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقْبُولِ لِلْكُفّارِ إذْ ذاكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدِهِمْ والأوَّلُ أظْهَرُ، والتَّنْوِينُ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ في جَنّاتٍ عَظِيمَةٍ ونَعِيمِ عَظِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ نَوْعٍ مِنَ الجَنّاتِ ونَوْعٍ مِنَ النَّعِيمِ مَخْصُوصِينَ بِهِمْ وكَوْنُهُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ جَنّاتِهِمْ ونَعِيمِهِمْ لَيْسَ بِالقَوِيِّ كَما لا يَخْفى.
الطور 52:18
﴿فاكِهِينَ﴾ مُتَلَذِّذِينَ ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِنَ الإحْسانِ، وقُرِئَ - فَكِهِينَ - بِلا ألِفٍ، ونَصْبُهُ في القِراءَتَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ أعْنِي مِن جَنّاتٍ الواقِعِ خَبَرًا لِأنَّ، وقَرَأ خالِدُ - فاكِهُونَ - بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ
صفحة 31
الخَبَرُ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لَكِنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، ومَن أجازَ بِعَدَدِ الخَبَرِ أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى «فِي جَنّاتٍ» عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقَرُّوا ( في جَنّاتٍ ووَقاهم رَبُّهم ) إلَخْ، أوْ عَلى ( آتاهم ) إنْ جُعِلَتْ (ما مَصْدَرِيَّةً أيْ فاكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبَّهِمْ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ، ولَمْ يُجَوَّزْ كَثِيرُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فاكِهِينَ بِالَّذِي وقاهم رَبُّهم فَلا يَكُونُ راجِعًا إلى المَوْصُولِ، وجَوَّزُهُ بَعْضٌ بِتَقْدِيرِ الرّاجِعِ أيْ وقاهم بِهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، وفي الكَشْفِ لَمْ يُحْمَلْ عَلى حَذْفِ الرّاجِعِ لِكَثْرَةِ الحَذْفِ ولَوْ دُرِجَ نَصًّا. والفِعْلُ مِنَ المُتَعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ وهو مَسْمُوعٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ سَدِيدٌ أيْضًا، والمَعْنى عَلَيْهِ أسَدُّ لِأنَّ الفُكاهَةَ تَلَذُّذٌ يَشْتَغِلُ بِهِ صاحِبُهُ والتَّلَذُّذُ بِالإيتاءِ يُحْتَمَلُ التَّجَدُّدَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُؤْتى إمّا بِالوِقايَةِ أيْ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ فَلا، وأقُولُ لَعَلَّهُ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ إمّا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ أوْ في الحالِ. وإمّا مِن فاعِلٍ آتى أوْ مِن مَفْعُولِهِ. أوْ مِنهُما، وإظْهارُ الرَّبُّ في مَوْقِعِ الإضْمارِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْلِيلِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «وقّاهم» بِتَشْدِيدِ القافِ
الطور 52:19
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ( كُلُوا واشْرَبُوا ) أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: وهَنِيئًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ. أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ تَنازَعَهُ الفِعْلانِ، والهَنِيءُ كُلُّ ما لا يُلْحَقُ فِيهِ مَشَقَّةٌ ولا يُعْقَبُ وخامُهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ والباءُ عَلَيْهِما مُتَعَلِّقٌ - بِكُلُوا واشْرَبُوا، عَلى التَّنازُعِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها زائِدَةً وما بَعْدَها فاعِلُ هَنِيئًا كَما في قَوْلِ كَثِيرٍ:
هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ
فَإنَّ ما فِيهِ فاعِلَ هَنِيئًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ في الأصْلِ بِمَعْنى المَصْدَرِ المَحْذُوفِ فِعْلُهُ وُجُوبًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنُؤَ لِعِزَّةِ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا، وحِينَئِذٍ كَما يُجَوَّزُ أنْ يَجْعَلَ ما هُنا فاعِلًا عَلى زِيادَةِ الباءِ عَلى مَعْنى هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يُجَوَّزُ أنْ يُجْعَلَ الفاعِلَ مُضْمَرًا راجِعًا إلى الأكْلِ أوِ الشُّرْبِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ، وفِيهِ أنَّ الزِّيادَةَ في الفاعِلِ لَمْ تَثْبُتْ سَماعًا في السِّعَةِ في غَيْرِ فاعِلٍ كَفى عَلى خِلافٍ ولا هي قِياسِيَّةٌ في مِثْلِ هَذا ومَعَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الكَلامُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَزاءِ ما كُنْتُمْ إلَخْ، وفِيهِ نَوْعُ تَكَلُّفِ
الطور 52:20
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في ( كُلُوا ) أوْ في ( وقاهم ) أوْ في ( آتاهم ) أوْ في ( فاكِهِينَ ) أوْ في الظَّرْفِ يَعْنِي في جَنّاتٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الأخِيرُ ( عَلى سُرُرٍ ) جَمْعُ سَرِيرٍ مَعْرُوفٍ، ويُجْمَعُ عَلى ( أسِرَّةٍ ) وهو مِنَ السُّرُورِ إذْ كانَ لِأُولِي النِّعْمَةِ، وتَسْمِيَةُ سَرِيرِ المَيِّتِ بِهِ لِلتَّفاؤُلِ بِالسُّرُورِ الَّذِي يَلْحَقُ المَيِّتَ بِرُجُوعِهِ إلى جِوارِ اللَّهِ تَعالى وخَلاصِهِ مِن سِجْنِ الدُّنْيا، وقَرَأأبُو السَّمّالِ سُرَرٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ.
صفحة 32
﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ مَجْعُولَةٍ عَلى صَفٍّ وخَطٍّ مُسْتَوٍ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ قَرْناهم بِهِنَّ - قالَهُ الرّاغِبُ - ثُمَّ قالَ: ولَمَّ يَجِئْ في القُرْآنِ زَوَّجْناهم حُورًا كَما يُقالُ زَوَّجَتُهُ امْرَأةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى حَسَبِ المُتَعارَفِ فِيما بَيْنَنا مِنَ المُناكَحَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَزَوَّجْتُ بِامْرَأةٍ لُغَةُ أزْدِشَنُوءَةَ، والمَشْهُورُ أنَّ التَّزَوُّجَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ والتَّزْوِيجُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: فِيما هُنا أنَّ الباءَ لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى القَرَآنِ أوِ الإلْصاقِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي مَعْنى التَّزْوِيجِ بِالعَقْدِ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ إذِ العَقْدُ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ لِأنَّها لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ أوْ أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ والتَّزْوِيجُ لَيْسَ بِمَعْنى الإنْكاحِ بَلْ بِمَعْنى تَصْيِيرِهِمْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ أيْ صَيَّرْناهم كَذَلِكَ بِسَبَبِ حُورِ عَيْنٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِحُورِ عَيْنٍ عَلى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ.
الطور 52:21
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُسَوَّقٌ لِبَيانِ حالِ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إثْرَ بَيانِ حالِ الكُلِّ وهُمِ الَّذِينَ شارَكَتْهم ذَرِّيَّتُهم في الإيمانِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى آمَنُوا، وقِيلَ اعْتِراضٌ لِلتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإيمانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ أيْ أتْبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ في الجُمْلَةِ قاصِرٌ عَنْ رُتْبَةِ إيمانِ الآباءِ إمّا بِنَفْسِهِ بِناءً عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِ نَفْسِ الإيمانِ، وإمّا بِاعْتِبارِ عَدَمِ انْضِمامِ أعْمالٍ مِثْلَ أعْمالِ الآباءِ إلَيْهِ، واعْتِبارِ هَذا القَيْدِ لِلْإيذانِ بِثُبُوتِ الحُكْمِ في الإيمانِ الكامِلِ أصالَةً لا إلْحاقًا قِيلَ: هو حالٌ مِنَ الذُّرِّيَّةِ، وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، وقِيلَ: مِنهُما وتَنْوِينُهُ لِلتَّنْكِيرِ
والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ في الدَّرَجَةِ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لِيَرْفَعَ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتُقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» وأخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ والطَّبَرانِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ فَيُقالُ لَهُ: إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ فَيَقُولُ: يا رَبُّ قَدْ عَمِلْتَ لِي ولَهم فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»» وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ الآيَةَ، وظاهِرُ الإخْبارِ أنَّ المُرادَ بِإلْحاقِهِمْ بِهِمْ إسْكانُهم مَعَهم لا مُجَرَّدَ رَفْعِهِمْ إلَيْهِمْ واتِّصالِهِ بِهِمْ أحْيانًا ولَوْ لِلزِّيارَةِ. وثُبُوتُ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ لا يَبْعُدُ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما قِيلَ: لَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ تَحْجِيرٌ لِإحْسانِهِ الواسِعِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَدْ يَسْتَأْنِسُ لِلتَّخْصِيصِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، والذَّرِّيَّةُ التّابِعُونَ لَكِنْ لا أظُنُّ صِحَّتَهُ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ أيْ وما نَقَصْنا الآباءَ بِهَذا الإلْحاقِ ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ أيْ مِن ثَوابِ عَمَلِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا بِأنْ أعْطَيْنا بَعْضَ مُثَوَّباتِهِمْ أبْناءَهم فَتَنْقُصُ مُثَوَّباتُهم وتَنْحَطُّ دَرَجَتُهم وإنَّما رَفَعْناهم إلى مَنزِلَتِهِمْ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ - الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الأبْناءِ أيْ وما نَقَصْنا الأبْناءَ المُلْحَقِينَ مِن جَزاءِ عَمَلِهِمُ الحَسَنِ والقَبِيحِ شَيْئًا بَلْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ بَعْدَ مُجازاتِهِمْ بِأعْمالِهِمْ كَمْلًا - ولَيْسَ بِشَيْءٍ وإنْ قالَ أبُو حَيّانَ يُحْسِنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ والآيَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ في الكِبارِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِّغارِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ والضَّحاكِ أنَّهُما قالا: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَلْحَقُ الأبْناءَ الصِّغارَ وإنْ لَمْ يُبْلُغُوا زَمَنَ الإيمانِ بِآبائِهِمُ
صفحة 33
المُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ بِإيمانٍ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِألْحَقْنا أيْ ألْحَقْنا بِسَبَبِ إيمانِ الآباءِ بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمُ الصِّغارَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَبْلُغُوا التَّكْلِيفَ فَهم في الجَنَّةِ مَعَ آبائِهِمْ قِيلَ: وكَأنَّ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ يُفَسِّرُ ( اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم ) بِماتُوا ودُرِجُوا عَلى أثَرِهِمْ قَبْلَ أنْ يُبْلُغُوا الحِلْمَ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإيمانٍ بِاتَّبَعَتْهم عَلى مَعْنى اتَّبَعُوهم بِهَذا الوَصْفِ بِأنْ حُكِمَ لَهم بِهِ تَبَعًا لِآبائِهِمْ فَكانُوا مُؤْمِنِينَ حُكْمًا لِصِغَرِهِمْ وإيمانَ آبائِهِمْ، والصَّغِيرُ يُحْكَمُ بِإيمانِهِ تَبَعًا لِأحَدِ أبَوَيْهِ المُؤْمِنِ والكُلُّ كَما تَرى، وقِيلَ: المَوْصُولُ مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ، والمَعْنى قَرَنّاهم بِالحُورِ وبِالَّذِينِ آمَنُوا أيْ بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ وأُخْرى بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ( زَوَّجْناهم ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِإيمانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ، وهو إيمانُ الآباءِ ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها تَفَضَّلا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ لِيُتِمَّ سُرُورُهم ويُكْمَلَ نَعِيمُهم، أوْ بِسَبَبِ إيمانٍ دانِي المَنزِلَةِ وهو إيمانُ الذُّرِّيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرٌ في اخْتِيارِ العَطْفِ عَلى حُورٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ وجْهًا أوَّلَ، وتَعَقَّبُهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ أحَدٌ غَيْرُ هَذا الرَّجُلِ، وهو تَخَيُّلٌ أعْجَمِيٌّ مُخالِفٌ لِفَهْمِ العَرَبِيِّ القُحِّ كابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ تَعَصُّبٌ مِنهُ، والإنْصافُ أنَّ المُتَبادِرَ الِاسْتِئْنافُ، وإنَّ أحْسَنَ الأوْجُهِ في الآيَةِ وأوْفَقَهُ لِلْمَقامِ ما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو «وأتْبَعْناهم» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وإسْكانِ التّاءِ، ونُونٍ بَعْدَ العَيْنِ وألِفٍ بَعْدَها أيْ جَعَلْناهم تابِعِينَ لَهم في الإيمانِ، وقَرَأ أيْضًا ذُرِّيّاتَهم جَمْعًا نَصْبًا، وابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ رَفَعا، وقَرَأ «ذِرِّيّاتِهِمْ» بِكَسْرِ الذّالِ «واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتَهم» بِتاءِ الفاعِلِ، ونَصَبَ ذُرِّيَّتَهم عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ «ألَتْناهم» بِكَسْرِ اللّامِ مَن ألِتَ يَأْلَتُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِن بابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وابْنُ هُرْمُزٍ آلَتْناهم بِالمُدْمِنِ آلَتَ يُؤْلِتُ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ لِتْناهم مِن لاتَ يَلِيتُ وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والأعْمَشِ، ورُوِيَتْ عَنْ شِبْلٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْ طَلْحَةَ والأعْمَشِ أيْضًا - لُتْناهم - بِفَتْحِ اللّامِ، قالَ سَهْلٌ: لا يَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ مِن غَيْرِ ألْفٍ بِحالٍ وأنْكَرَ أيْضًا آلَتْناهم بِالمَدِّ، وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرٌ ولا عَرَبِيَّةٌ - ولَيْسَ كَما قالَ - بَلْ نَقْلَ أهْلُ اللُّغَةِ آلَتَ بِالمَدِّ كَما قَرَأ هُرْمُزُ، وقُرِئَ وما ولَتْناهم مِن ولَتَ يَلِتُ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ، وجاءَ ألِتَ بِمَعْنى غَلِظَ يُرْوى أنَّ رَجُلًا قامَ إلى عُمْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَوَعَظَهُ فَقالَ: لا تَأْلِتُ عَلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ أيْ لا تَغْلِظْ عَلَيْهِ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ﴾ أيْ بِكَسْبِهِ وعَمَلِهِ ﴿رَهِينٌ﴾ أيْ مَرْهُونٍ عِنْدَ اللَّهِ كَأنَّ الكَسْبَ بِمَنزِلَةِ الدِّينِ ونَفْسِ العَبْدِ بِمَنزِلَةِ الرَّهْنِ ولا يَنْفَكُّ الرَّهْنُ ما لَمْ يُؤَدِّ الدِّينَ فَإنْ كانَ العَمَلُ صالِحًا فَقَدْ أدّى لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَقْبَلُهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ ويَصْعَدُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا أداءَ فَلا خَلاصَ إذْ لا يَصْعَدُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ غَيْرُ الطَّيِّبِ، ولِذا قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المُدَّثِّرَ: 38، 39] فَإنَّ المُرادَ كُلَّ نَفْسِ رَهْنٍ بِكَسْبِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مَفْكُوكٍ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ فَإنَّهم فَكُّوا عَنْهُ رِقابَهم بِما أطابُّوهُ مِن كَسْبِهِمْ، ووَجْهُ الِاتِّصالِ عَلى هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُتَّقِينَ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ وفَرَّ عَلَيْهِمْ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَقَّبَ بِذَلِكَ الكَلامِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم فَكُّوا رِقابَهم وخَلَّصُوها وغَيْرَهم بَقِيَ مُعَذَّبًا لِأنَّهُ لَمْ يَفُكْ رَقَبَتَهُ، وكانَ مَوْضِعُهُ مِن حَيْثُ الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ عَقِيبُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطُّورَ: 28] لِيُكَوِّنَ كَلامًا راجِعًا إلى حالِ الفَرِيقَيْنِ - المَدْعُوعِينَ. والمُتَّقِينَ - وإنَّما جُعِلَ مُتَخَلِّلًا بَيْنَ أجْزِيَةِ المُتَّقِينَ عَقِيبُ ذِكْرِ تَوْفِيرِ ما ( أُعِدُّ ) لَهم، قالَ في الكَشْفِ:
صفحة 34
لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الخَلاصَ مِن بَعْضِ أجْزِيَتِهِمْ أيْضًا ويَلْزَمُ أنَّ عَدَمَ الخَلاصِ جَزاءُ المُقابِلِينَ مِن طَرِيقِ الإيماءِ ومَوْقِعُهُ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ تَحْقِيقًا لِتَوْفِيرِ ما عَدَّدَ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الخَلاصِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إلْحاقَ الأبْناءِ إنَّما كانَ تَفَضُّلًا عَلى الآباءِ لا عَلى الأبْناءِ ابْتِداءً لِأنَّ التَّفَضُّلَ فَرْعُ الفَكِّ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ فُكُّوا فاسْتَحَقُّوا التَّفَضُّلَ، وجَعَلَهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِهَذا المَعْنى كَما فِعْلُ الطَّيِّبِيِّ بِعِيدٌ، وقِيلَ: ﴿رَهِينٌ﴾ فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ والمَعْنى كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ راهِنٌ أيْ دائِمٌ ثابِتٌ، وفي الإرْشادِ أنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ فَإنَّ الدَّوامَ يَقْتَضِي عَدَمَ المُفارَقَةِ بَيْنَ المَرْءِ وعَمَلِهِ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ الآباءِ شَيْءٌ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى المَفْعُولِ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الذِّهْنِ فاعْتِبارُهُ أوْلى ووَجْهُ الِاتِّصالِ عَلَيْهِ أوْفَقُ وألْطَفُ كَما لا يَخْفى.
الطور 52:22
﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ وزِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِن مَبادِي التَّنَعُّمِ وقْتًا فَوَقَتا مِمّا يَشْتَهُونَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وألْوانِ الآلاءِ، وأصْلُ المَدِّ الجَرُّ، ومِنهُ المُدَّةُ لِلْوَقْتِ المُمْتَدِّ ثُمَّ شاعَ في الزِّيادَةِ، وغَلَبَ الإمْدادُ في المَحْبُوبِ، والمَدُّ في المَكْرُوهِ وكَوْنُهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ مَفْهُومِ المَدِّ نَفْسِهِ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَجاذَبُونَها في الجَنَّةِ هم وجُلَساؤُهم تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّدامى بَيْنَهم في الدُّنْيا لِشِدَّةِ سُرُورِهِمْ قالَ الأخْطَلُ:
نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي
وقِيلَ: التَّنازُعُ مَجازٌ عَنِ التَّعاطِي، والكَأْسُ مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ كالخَمْرِ، ولا تُسَمّى كَأْسًا عَلى المَشْهُورِ إلّا إذا امْتَلَأتْ خَمْرًا أوْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الِامْتِلاءِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الخَمْرِ نَفْسِها مَجازًا لِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا، وفَسَّرَها بَعْضُهم هُنا بِالإناءِ بِما فِيهِ مِنَ الخَمْرِ، وبَعْضُهم بِالخَمْرِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِالتَّجاذُبِ، والثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ أيْ في شُرْبِها حَيْثُ لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِلَغْوِ الحَدِيثِ وسَقْطِ الكَلامِ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ أيْ يُنْسَبُ إلى الإثْمِ لَوْ فَعَلَهُ في دارِ التَّكْلِيفِ كَما هو دَيْدَنُ النَّدامى في الدُّنْيا وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِالحِكَمِ وأحاسِنِ الكَلامِ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُهُ الكِرامُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرُو «لا لَغْوَ» «ولا تَأْثِيمَ» بِفَتْحِهِما
الطور 52:23
﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ وزِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِن مَبادِي التَّنَعُّمِ وقْتًا فَوَقَتا مِمّا يَشْتَهُونَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وألْوانِ الآلاءِ، وأصْلُ المَدِّ الجَرُّ، ومِنهُ المُدَّةُ لِلْوَقْتِ المُمْتَدِّ ثُمَّ شاعَ في الزِّيادَةِ، وغَلَبَ الإمْدادُ في المَحْبُوبِ، والمَدُّ في المَكْرُوهِ وكَوْنُهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ مَفْهُومِ المَدِّ نَفْسِهِ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَجاذَبُونَها في الجَنَّةِ هم وجُلَساؤُهم تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّدامى بَيْنَهم في الدُّنْيا لِشِدَّةِ سُرُورِهِمْ قالَ الأخْطَلُ:
نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِي
وقِيلَ: التَّنازُعُ مَجازٌ عَنِ التَّعاطِي، والكَأْسُ مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ كالخَمْرِ، ولا تُسَمّى كَأْسًا عَلى المَشْهُورِ إلّا إذا امْتَلَأتْ خَمْرًا أوْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الِامْتِلاءِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الخَمْرِ نَفْسِها مَجازًا لِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا، وفَسَّرَها بَعْضُهم هُنا بِالإناءِ بِما فِيهِ مِنَ الخَمْرِ، وبَعْضُهم بِالخَمْرِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِالتَّجاذُبِ، والثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ أيْ في شُرْبِها حَيْثُ لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِلَغْوِ الحَدِيثِ وسَقْطِ الكَلامِ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ أيْ يُنْسَبُ إلى الإثْمِ لَوْ فَعَلَهُ في دارِ التَّكْلِيفِ كَما هو دَيْدَنُ النَّدامى في الدُّنْيا وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِالحِكَمِ وأحاسِنِ الكَلامِ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُهُ الكِرامُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرُو «لا لَغْوَ» «ولا تَأْثِيمَ» بِفَتْحِهِما
الطور 52:24
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِالكَأْسِ ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ مَمالِيكُ مُخْتَصُّونَ بِهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ ولَمْ يَقُلْ غِلْمانَهم بِالإضافَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدِمُونَهم في الدُّنْيا فَيُشْفِقُ كُلُّ مَن خَدَمَ أحَدًا في الدُّنْيا أنْ يَكُونَ خادِمًا لَهُ في الجَنَّةِ فَيَحْزَنَ بِكَوْنِهِ لا يَزالُ تابِعًا، وقِيلَ: أوْلادُهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوهم فالِاخْتِصاصُ بِالوِلادَةِ لا بِالمِلْكِ، وفِيهِ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهم بِالغِلْمانِ غَيْرُ مُناسِبٍ وكَذا نِسْبَةُ الخِدْمَةِ إلى الأوْلادِ لا تُناسِبُ مَقامَ الِامْتِنانِ ﴿كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ مَصُونٌ في الصُّدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي - كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ - ووَجْهُ الشَّبَهِ البَياضُ والصَّفاءُ، وجُوِّزَأنْ يُرادَ بِمَكْنُونٍ مَخْزُونٍ لِأنَّهُ لا يُخَزَّنُ إلّا الحَسَنُ الغالِي الثَّمَنِ، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ««بَلَغَنِي أنَّهُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الخادِمُ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ فَكَيْفَ بِالمَخْدُومِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ فَضْلَ ما بَيْنَهم كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ»» ورُوِيَ ««أنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنادِي الخادِمَ مِن خُدّامِهِ فَيَجِيءُ ألْفٌ بِبابِهِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ»».
الطور 52:25
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ كُلُّ بَعْضٍ مِنهم بَعْضًا آخَرَ عَنْ أحْوالِهِ وأعْمالِهِ فَيَكُونُ
صفحة 35
كُلُّ بَعْضٍ سائِلًا ومَسْؤُولا لا أنَّهُ يَسْألُ بَعْضٌ مُعَيَّنٌ مِنهم بَعْضًا آخَرَ مُعَيَّنًا ثُمَّ هَذا التَّساؤُلُ في الجَنَّةِ كَما هو الظّاهِرُ. وحَكى الطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ولا أراهُ يُصَحُّ عَنْهُ لِبَعْدِهِ جِدًّا ﴿قالُوا﴾ أيِ المَسْؤُولُونَ وهم كُلُّ واحِدٍ مِنهم في الحَقِيقَةِ ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلِ هَذا الحالِ ﴿فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أرِقّاءُ القُلُوبِ خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُعْتَنِينَ بِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ وجِلِينَ مِنَ العاقِبَةِ، ( وفي أهْلِنا ) قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِ إشْفاقِهِمْ كانَ فِيهِمْ وفي أهْلِهِمْ لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهم في العادَةِ ويَكُونُ
الطور 52:26
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ كُلُّ بَعْضٍ مِنهم بَعْضًا آخَرَ عَنْ أحْوالِهِ وأعْمالِهِ فَيَكُونُ
صفحة 35
كُلُّ بَعْضٍ سائِلًا ومَسْؤُولا لا أنَّهُ يَسْألُ بَعْضٌ مُعَيَّنٌ مِنهم بَعْضًا آخَرَ مُعَيَّنًا ثُمَّ هَذا التَّساؤُلُ في الجَنَّةِ كَما هو الظّاهِرُ. وحَكى الطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ولا أراهُ يُصَحُّ عَنْهُ لِبَعْدِهِ جِدًّا ﴿قالُوا﴾ أيِ المَسْؤُولُونَ وهم كُلُّ واحِدٍ مِنهم في الحَقِيقَةِ ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلِ هَذا الحالِ ﴿فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أرِقّاءُ القُلُوبِ خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُعْتَنِينَ بِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ وجِلِينَ مِنَ العاقِبَةِ، ( وفي أهْلِنا ) قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِ إشْفاقِهِمْ كانَ فِيهِمْ وفي أهْلِهِمْ لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهم في العادَةِ ويَكُونُ
الطور 52:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ والتَّوْفِيقِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ عَذابِ النّارِ النّافِذَةِ في المَسامِّ نُفُوذَ السَّمُومِ وهو الرِّيحُ الحارَّةُ المَعْرُوفَةُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ وإنْ كانَ في النّارِ أقْوى لَكِنَّهُ في رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ فَلِذا جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ: ( السَّمُومِ ) اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ عامًا لَهم ولِأهْلِهِمْ، فالمُرادُ بَيانُ ما ( مَنَّ ) اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنِ اتِّباعِ أهْلِهِمْ لَهم، وقِيلَ: ذُكِرَ ﴿فِي أهْلِنا﴾ لِإثْباتِ خَوْفِهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ والأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَإنَّ كَوْنَهم بَيْنَ أهْلِيهِمْ مَظِنَّةُ الأمْنِ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، نَعِمَ كَوْنٌ ذَلِكَ لِأنَّ السُّؤالَ عَمّا اخْتُصُّوا بِهِ مِنَ الكَرامَةِ دُونَ أهْلِيهِمْ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: لَعَلَّ الأوْلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ إلى آخِرِهِ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتُرِكَ العاطِفُ بِجَعْلِ الثّانِي بَيانًا لِلْأوَّلِ ادِّعاءً لِلْمُبالَغَةِ في وُجُوبِ عَدَمِ انْفِكاكِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخِرِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِي يُظْهَرُ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى الرَّجاءِ وتَرْكُ العَطْفِ لِقَصْدِ تَعْدادِ ما كانُوا عَلَيْهِ أيْ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ ذَلِكَ نَعْبُدُهُ تَعالى ونَسْألُهُ الوِقايَةَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ أيِ المُحْسِنُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقاقُهُ مِنَ البِرِّ بِسائِرِ مَوادِّهِ لِأنَّها تَرْجِعُ إلى الإحْسانِ - كَبَرَّ في يَمِينِهِ - أيْ صَدَقَ لِأنَّ الصِّدْقَ إحْسانٌ في ذاتِهِ ويَلْزَمُهُ الإحْسانُ لِلْغَيْرِ، وأبَرَّ اللَّهُ تَعالى حَجَّهُ أيْ قَبِلَهُ لِأنَّ القَبُولَ إحْسانٌ وزِيادَةٌ، وأبَرَّ فُلانٌ عَلى أصْحابِهِ أيْ عَلاهم لِأنَّهُ غالِبًا يَنْشَأُ عَنِ الإحْسانِ لَهم فَتَفْسِيرُهُ بِاللَّطِيفِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ العالِي في صِفاتِهِ، أوْ خالِقُ البِرِّ، أوِ الصّادِقُ فِيما وعَدَ أوْلِياءَهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِعِيدٌ إلّا أنْ يُرادَ بَعْضُ ماصَدُقاتِ، أوْ غاياتِ ذَلِكَ البِرِّ ؟ ﴿الرَّحِيمُ﴾ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ الَّذِي إذا عُبِدَ أثابَ وإذا سُئِلَ أجابَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ووَقّانا» بِتَشْدِيدِ القافِ، والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعُ والكِسائِيُّ «أنَّهُ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِتَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ التَّعْلِيلِيَّةِ قَبْلَها أيْ لِأنَّهُ
الطور 52:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ والتَّوْفِيقِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيْ عَذابِ النّارِ النّافِذَةِ في المَسامِّ نُفُوذَ السَّمُومِ وهو الرِّيحُ الحارَّةُ المَعْرُوفَةُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ وإنْ كانَ في النّارِ أقْوى لَكِنَّهُ في رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ فَلِذا جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ: ( السَّمُومِ ) اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ عامًا لَهم ولِأهْلِهِمْ، فالمُرادُ بَيانُ ما ( مَنَّ ) اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنِ اتِّباعِ أهْلِهِمْ لَهم، وقِيلَ: ذُكِرَ ﴿فِي أهْلِنا﴾ لِإثْباتِ خَوْفِهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ والأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَإنَّ كَوْنَهم بَيْنَ أهْلِيهِمْ مَظِنَّةُ الأمْنِ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، نَعِمَ كَوْنٌ ذَلِكَ لِأنَّ السُّؤالَ عَمّا اخْتُصُّوا بِهِ مِنَ الكَرامَةِ دُونَ أهْلِيهِمْ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: لَعَلَّ الأوْلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ إلى آخِرِهِ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتُرِكَ العاطِفُ بِجَعْلِ الثّانِي بَيانًا لِلْأوَّلِ ادِّعاءً لِلْمُبالَغَةِ في وُجُوبِ عَدَمِ انْفِكاكِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخِرِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِي يُظْهَرُ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى الرَّجاءِ وتَرْكُ العَطْفِ لِقَصْدِ تَعْدادِ ما كانُوا عَلَيْهِ أيْ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ ذَلِكَ نَعْبُدُهُ تَعالى ونَسْألُهُ الوِقايَةَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ أيِ المُحْسِنُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقاقُهُ مِنَ البِرِّ بِسائِرِ مَوادِّهِ لِأنَّها تَرْجِعُ إلى الإحْسانِ - كَبَرَّ في يَمِينِهِ - أيْ صَدَقَ لِأنَّ الصِّدْقَ إحْسانٌ في ذاتِهِ ويَلْزَمُهُ الإحْسانُ لِلْغَيْرِ، وأبَرَّ اللَّهُ تَعالى حَجَّهُ أيْ قَبِلَهُ لِأنَّ القَبُولَ إحْسانٌ وزِيادَةٌ، وأبَرَّ فُلانٌ عَلى أصْحابِهِ أيْ عَلاهم لِأنَّهُ غالِبًا يَنْشَأُ عَنِ الإحْسانِ لَهم فَتَفْسِيرُهُ بِاللَّطِيفِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ العالِي في صِفاتِهِ، أوْ خالِقُ البِرِّ، أوِ الصّادِقُ فِيما وعَدَ أوْلِياءَهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِعِيدٌ إلّا أنْ يُرادَ بَعْضُ ماصَدُقاتِ، أوْ غاياتِ ذَلِكَ البِرِّ ؟ ﴿الرَّحِيمُ﴾ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ الَّذِي إذا عُبِدَ أثابَ وإذا سُئِلَ أجابَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ووَقّانا» بِتَشْدِيدِ القافِ، والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعُ والكِسائِيُّ «أنَّهُ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِتَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ التَّعْلِيلِيَّةِ قَبْلَها أيْ لِأنَّهُ
الطور 52:29
﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ولا تَكْتَرِثْ بِما يَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ.
﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ﴾ هو الَّذِي يُخْبِرُ بِالغَيْبِ بِضَرْبٍ مِنَ الظَّنِّ، وخُصَّ الرّاغِبُ الكاهِنُ بِمَن يُخْبِرُ بِالأخْبارِ الماضِيَةِ الخَفِيَّةِ كَذَلِكَ، ( والعَرّافِ ) بِمَن يُخْبِرُ بِالأخْبارِ المُسْتَقْبِلَةِ كَذَلِكَ، والمَشْهُورُ في الكِهانَةِ الِاسْتِمْدادُ مِنَ الجِنِّ في الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ، والباءُ في ( بِكاهِنٍ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ ما أنْتَ كاهِنٌ ﴿ولا مَجْنُونٍ﴾ واخْتُلِفَ في باءِ ( بِنِعْمَةِ ) فَقالَ أبُو البَقاءِ: لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ فِيهِ كاهِنٌ، أوْ مَجْنُونٌ، والتَّقْدِيرُ ما أنْتَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ وهي حالٌ لازِمَةٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما زالَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِلْقَسَمِ فَنِعْمَةُ رَبِّكَ مُقْسَمُ بِهِ، وجَوابُ القَسَمِ ما عُلِمَ مِنَ الكَلامِ وهو - ما أنْتَ بَكاهِنٍّ ولا مَجْنُونٍ - وهَذا كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ واللَّهِ بِقائِمٍ وهو بَعِيدٌ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ
صفحة 36
وهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، والمَعْنى انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، وهَذا كَما تَقُولُ ما أنا مُعْسِرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى وإغْنائِهِ، والمُرادُ الرَّدَّ عَلى قائِلِ ِذَلِكَ، وإبْطالُ مَقالَتِهِمْ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلّا فَلا امْتِنانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِانْتِفاءِ ما ذُكِرَ مَعَ انْتِفائِهِ عَنْ أكْثَرِ النّاسِ، وقِيلَ: الِامْتِنانُ بِانْتِفاءِ ذَلِكَ بِسَبَبِ النِّعْمَةِ المُرادِ بِها ما أُوتِيَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن صِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَجاحَةِ العَقْلِ الَّتِي لَمَّ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ، والقائِلُونَ بِذَلِكَ هُمُ الكَفَرَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، ومِمَّنْ قالَ كاهِنٌ: شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومِمَّنْ قالَ مَجْنُونٌ: عَقَبَةُ بْنُ أبِي مِعْيَطِ
الطور 52:30
﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ ﴿شاعِرٌ﴾ أيْ هو شاعِرٌ ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ أيْ نَنْتَظِرُ ﴿بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ أيِ الدَّهْرُ، وهو فَعَوْلٌ مِنَ ( المَنِّ ) بِمَعْنى القَطْعِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ الأعْمارَ وغَيْرَها، ومِنهُ حَبَلٌ مَنِينٌ أيْ مَقْطُوعٌ، والرَّيْبُ مَصْدَرُ رابَهُ إذا أقْلَقَهُ أُرِيدَ بِهِ حَوادِثُ الدَّهْرِ وصُرُوفُهُ لِأنَّها تُقْلِقُ النُّفُوسَ وعَبَّرَ عَنْها بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن رابَ عَلَيْهِ الدَّهْرُ أيْ نَزَلَ، والمُرادُ بِنُزُولِهِ إهْلاكُهُ، وتَفْسِيرُ المَنُونِ بِالدَّهْرِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها
وبَيْتُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ يَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتَبٍ مَن يَجْزَعُ
قِيلَ: ظاهِرُهُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
أإنْ رَأتْ رَجُلًا أعْشى أضَرَّ بِهِ ∗∗∗ رَيْبُ المَنُونِ ودَهْرٌ مُتَبَّلٌ خَبَلُ
ولِهَذا أنْشُدُهُ الجَوْهَرِيُّ شاهِدا لَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ وهو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَقَدْ قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ المارُّ آنِفًا: المَنُونُ قَدْ يُرادُ بِهِ الدَّهْرُ فَيَذْكُرُ وتَكُونُ الرِّوايَةُ رَيْبَهُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ المَنِيَّةُ فَيُؤَنَّثُ، وقَدْ رُوِيَ رَيْبُها، وقَدْ يَرْجِعُ لَهُ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِقَصْدِ أنْواعِ المَنايا ورَيْبُها نُزُولُها انْتَهى فَلا تَغْفُلْ، وهو أيْضًا مِنَ المَنِّ بِمَعْنى القَطْعِ فَإنَّها قاطِعَةُ الأمانِي واللَّذّاتِ، ولِذا قِيلَ: المَنِيَّةُ تَقْطَعُ الأمْنِيَّةَ، ورَيْبُ المَنُونِ عَلَيْهِ نُزُولُ المَنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنًى حادِثِ المَوْتِ عَلى أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ، رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَّدْوَةِ وكَثُرَتْ آراؤُهم فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم وهم بَنُو عَبْدِ الدّارِ - كَما قالَ الضَّحّاكُ - تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيُهْلَكُ ما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ والأعْشى فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ فَنَزَلَتْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يُتَرَبَّصُ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ «رَيْبٌ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ.
الطور 52:31
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أتَرَبَّصُ هَلاكَكم كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي، وفِيهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإهْلاكِهِمْ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ أيْ عُقُولُهم وكانَتْ قُرَيْشُ يَدَّعُونَ أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى - وذَلِكَ عَلى ما قالَ الجاحِظُ - لِأنَّ جَمِيعَ العالَمِ يَأْتُونَهم ويُخالِطُونَهم وبِذَلِكَ يُكْمَلُ العَقْلُ وهو يُكْمَلُ بِالمُسافِرَةِ وزِيادَةِ رُؤْيَةِ البِلادِ المُخْتَلِفَةِ والأماكِنِ المُتَبايِنَةِ ومُصاحَبَةِ ذَوِي الأخْلاقِ المُتَفاوِتَةِ وقَدْ حَصَلَ لَهُمُ الغَرَضُ بِدُونِ مَشَقَّةٍ، وقِيلَ لِعَمْرُو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَقْلِ ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ فَلِذا لَمَّ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا - وأنا لا أرى في الآيَةِ دَلالَةً عَلى رُجْحانِ عُقُولِهِمْ –
صفحة 37
ولَعَلَّها تَدُلُّ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ ﴿بِهَذا﴾ التَّناقُصُ في المَقالِ فَإنَّ الكاهِنَ والشّاعِرَ يُكَوِّنانِ ذا عَقْلٍ تامٍّ وفَطِنَةٍ وقّادَةٍ والمَجْنُونُ مُغَطّى عَقْلُهُ مُخْتَلٌّ فِكْرُهُ وهَذا يُعْرِبُ عَنْ أنَّ القَوْمَ لِتَحَيُّرَهم وعَصَبِيَّتَهم وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ حَتّى اضْطَرَبَتْ عُقُولُهم وتَناقَضَتْ أقْوالُهم وكَذَّبُوا أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأمْرُ الأحْلامِ بِذَلِكَ مَجازٌ عَنِ التَّأْدِيَةِ إلَيْهِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ كَما قِيلَ، وقِيلَ: جُعِلَتِ الأحْلامُ آمِرَةً عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ فَتُشَبَّهُ الأحْلامُ بِسُلْطانٍ مُطاعٍ تَشْبِيهًا مُضْمِرًا في النَّفْسِ، وتَثْبُتُ لَهُ الأمْرَ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ مُجاوِزُونَ الحُدُودَ في المُكابَرَةِ والعِنادِ لا يَحُومُونَ حَوْلَ الرُّشْدِ والسَّدادِ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِنَ الأكاذِيبِ المُحَصَّنَةِ الخارِجَةِ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ «بَلْ هم»
الطور 52:32
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أتَرَبَّصُ هَلاكَكم كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي، وفِيهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإهْلاكِهِمْ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ أيْ عُقُولُهم وكانَتْ قُرَيْشُ يَدَّعُونَ أهْلَ الأحْلامِ والنُّهى - وذَلِكَ عَلى ما قالَ الجاحِظُ - لِأنَّ جَمِيعَ العالَمِ يَأْتُونَهم ويُخالِطُونَهم وبِذَلِكَ يُكْمَلُ العَقْلُ وهو يُكْمَلُ بِالمُسافِرَةِ وزِيادَةِ رُؤْيَةِ البِلادِ المُخْتَلِفَةِ والأماكِنِ المُتَبايِنَةِ ومُصاحَبَةِ ذَوِي الأخْلاقِ المُتَفاوِتَةِ وقَدْ حَصَلَ لَهُمُ الغَرَضُ بِدُونِ مَشَقَّةٍ، وقِيلَ لِعَمْرُو بْنِ العاصِ: ما بالُ قَوْمِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَقْلِ ؟! فَقالَ: تِلْكَ عُقُولٌ كادَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ لَمْ يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ فَلِذا لَمَّ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا - وأنا لا أرى في الآيَةِ دَلالَةً عَلى رُجْحانِ عُقُولِهِمْ –
صفحة 37
ولَعَلَّها تَدُلُّ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ ﴿بِهَذا﴾ التَّناقُصُ في المَقالِ فَإنَّ الكاهِنَ والشّاعِرَ يُكَوِّنانِ ذا عَقْلٍ تامٍّ وفَطِنَةٍ وقّادَةٍ والمَجْنُونُ مُغَطّى عَقْلُهُ مُخْتَلٌّ فِكْرُهُ وهَذا يُعْرِبُ عَنْ أنَّ القَوْمَ لِتَحَيُّرَهم وعَصَبِيَّتَهم وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ حَتّى اضْطَرَبَتْ عُقُولُهم وتَناقَضَتْ أقْوالُهم وكَذَّبُوا أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأمْرُ الأحْلامِ بِذَلِكَ مَجازٌ عَنِ التَّأْدِيَةِ إلَيْهِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ كَما قِيلَ، وقِيلَ: جُعِلَتِ الأحْلامُ آمِرَةً عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ فَتُشَبَّهُ الأحْلامُ بِسُلْطانٍ مُطاعٍ تَشْبِيهًا مُضْمِرًا في النَّفْسِ، وتَثْبُتُ لَهُ الأمْرَ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ مُجاوِزُونَ الحُدُودَ في المُكابَرَةِ والعِنادِ لا يَحُومُونَ حَوْلَ الرُّشْدِ والسَّدادِ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِنَ الأكاذِيبِ المُحَصَّنَةِ الخارِجَةِ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ «بَلْ هم»
الطور 52:33
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ قالَ عَنِ الغَيْرِ إنَّهُ قالَهُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَذِبٍ مَخْصُوصٍ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ لِلْقُرْآنِ ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ يَرْمُونَ بِهَذِهِ الأباطِيلِ كَيْفَ لا وما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا واحِدٌ مِنَ العَرَبِ فَكَيْفَ أتى بِما عَجَزَ عَنْهُ كافَّةُ الأُمَمِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ
الطور 52:34
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ مُماثِلُ القُرْآنِ في النُّعُوتِ الَّتِي اسْتَقَلَّ بِها مِن حَيْثُ النَّظْمِ ومِن حَيْثُ المَعْنى ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا فَإنَّ صِدْقَهم في ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَتَهم عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ بِقَضِيَّةِ مُشارَكَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ مَعَ ما بِهِمْ مِن طُولِ المُمارِسَةِ لِلْخُطَبِ والأشْعارِ، وكَثْرَةِ المُزاوَلَةِ لِأسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ، والمُبالَغَةُ في حِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ ولا رَيْبَ في أنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ مِن مُوجِباتِ الإتْيانِ بِهِ ودَواعِي الأمْرِ بِذَلِكَ، فالكَلامُ ( رَدَّ ) لِلْأقْوالِ المَذْكُورَةِ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والقُرْآنُ بِالتَّحَدِّي فَإذا تَحَدَّوْا وعَجَزُوا عُلِمَ رَدُّ ما قالُوهُ وصِحَّةُ ( المُدَّعى )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رَدًّا ) لِزَعْمِهِمُ التَّقَوُّلَ خاصَّةً فَإنَّ غَيْرَهُ مِمّا تَقَدَّمَ حَتّى الكِهانَةِ كَما لا يَخْفى أظْهَرُ فَسادًا مِنهُ ومَعَ ذَلِكَ إذا ظَهَرَ فَسادُ زَعْمِ التَّقَوُّلِ ظَهَرَ فَسادُ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو السَّمّالِ بِحَدِيثِ مِثْلِهِ عَلى الإضافَةِ أيْ بِحَدِيثِ رَجُلٍ مِثْلَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَصْحَبْ أهْلَ العِلْمِ ولا رُحِّلَ عَنْ بَلَدِهِ، أوْ مَثَلِهِ في كَوْنِهِ واحِدًا مِنهم فَلا يُعَوَّزُ أنْ يَكُونَ في العَرَبِ مِثْلُهُ في الفَصاحَةِ فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ ولَنْ يَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا.
الطور 52:35
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أيْ أمْ أحْدَثُوا وقَدَّرُوا هَذا التَّقْدِيرَ البَدِيعَ مِن غَيْرِ مُقَدِّرٍ وخالِقٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: المُرادُ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ حَيٍّ فَهم لا يُؤَمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كالجَماداتِ، وقِيلَ: المَعْنى أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ ثَوابٍ وعِقابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ، ( ومِن ) عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ لِابْتِداءِ الغايَةِ والمُعَوِّلِ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ ما قَدَّمْنا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى زِيادَةَ إيضاحِ لَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ خَلَقُوا أنْفُسَهم فَلِذَلِكَ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ عَلى القَوْلَيْنِ لا يُظْهَرُ حُسْنَ المُقابَلَةِ، وإرادَةُ خَلَقُوا أنْفُسَهم يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
الطور 52:36
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الطُّورَ: 36] إذْ لَوْ أُرِيدَ العُمُومُ لِعَدَمِ ذِكْرِ المَفْعُولِ لَمْ يُظْهِرْ حُسْنَ المُقابَلَةِ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ أهُمِ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ ثُمَّ خَصَّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ السَّماواتِ والأرْضَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما في المَخْلُوقاتِ وفِيهِ ما سَمِعْتُهُ ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّماواتِ
صفحة 38
والأرْضَ ؟ قالُوا: اللَّهُ وهم غَيْرُ مُوقِنِينَ بِما قالُوا إذْ لَوْ كانُوا مُوقِنِينَ لَما أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى فَإنَّ مَن عَرِفَ خالِقَهُ وأيْقَنَ بِهِ امْتَثَلْ وانْقادَ لَهُ
الطور 52:37
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ رِزْقِهِ تَعالى ورَحِمَتُهُ حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاؤُوا، ويُمْسِكُوها عَمَّنْ شاؤُوا، وقالَ الرُّمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى مَقْدُوراتُهُ سُبْحانَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ لِأنَّ المالَ والصِّحَّةَ والعِزَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّهْرِيُّ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ واسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ حالُهُ مِنهُ ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ الأرْبابُ الغالِبُونَ حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ ومَشِيئَتِهِمْ فالمُسَيْطِرُ الغالِبُ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ:
المُسَلِّطُ القاهِرُ وهو مَن سَيْطَرَ عَلى كَذا إذا راقَبَهُ وأقامَ عَلَيْهِ ولَيْسَ مُصَغَّرًا كَما يُتَوَهَّمُ ولَمْ يَأْتِ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ إلّا خَمْسَةُ ألْفاظٍ أرْبَعَةٌ مِنَ الصِّفاتِ، وهي مُهَيْمِنٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُبَيْطِرٌ، وواحِدٌ مِنَ الأسْماءِ وهو مُجَيْمِرٌ اسْمُ جَبَلٍ، وقَرَأ الأكْثَرُ ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ بِالصّادِ لِمَكانِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وهو الطّاءُ، وأشَمَّ خَلَفٌ عَنْ حَمْزَةَ وخَلّادٌ عَنْهُ بِخِلافِ الزّايِ
الطور 52:38
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ هو ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأمْكِنَةِ العالِيَةِ فَيُرْجى بِهِ السَّلامَةَ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ رَفِيعٍ كالسَّبَبِ أيْ أمْ لَهم سُلَّمٌ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ صاعِدِينَ فِيهِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ مَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا والظَّرْفِيَّةُ عَلى حَقِيقَتِها، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ - بِيَسْتَمِعُونَ - عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الصُّعُودِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ أيْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: ولَوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ جازَ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَصْدُقُ اسْتِماعَهُ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ تَسْفِيهٌ لَهم وتَرْكِيكٌ لِعُقُولِهِمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَن هَذا رَأْيُهُ لا يَكادُ يَعِدُ مِنَ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنِ التَّرَقِّي إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وسَماعِ كَلامِ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ
الطور 52:39
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ هو ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأمْكِنَةِ العالِيَةِ فَيُرْجى بِهِ السَّلامَةَ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ رَفِيعٍ كالسَّبَبِ أيْ أمْ لَهم سُلَّمٌ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ صاعِدِينَ فِيهِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ مَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا والظَّرْفِيَّةُ عَلى حَقِيقَتِها، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ - بِيَسْتَمِعُونَ - عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الصُّعُودِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ أيْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: ولَوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ جازَ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَصْدُقُ اسْتِماعَهُ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ تَسْفِيهٌ لَهم وتَرْكِيكٌ لِعُقُولِهِمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَن هَذا رَأْيُهُ لا يَكادُ يَعِدُ مِنَ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنِ التَّرَقِّي إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وسَماعِ كَلامِ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ
الطور 52:40
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وهو رُجُوعٌ إلى خِطابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْراضُ عَنْهم ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنَ الغُرْمِ والغَرامَةِ وهو - كَما قالَ الرّاغِبُ - ما يَنُوبُ الإنْسانُ في مالِهِ مِن ضَرَرٍ لِغَيْرِ جِنايَةٍ مِنهُ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِنَ التِزامٍ مُغْرَمٍ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتِزامِ الإنْسانِ ما لَيْسَ عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ - لَكِنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ هو الأوَّلُ - ﴿مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مُحَمَّلُونَ الثِّقَلَ فَلِذَلِكَ لا يَتَّبِعُونَكَ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ المُثَبَّتِ فِيهِ الغُيُوبَ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مِنهُ ويُخْبِرُونَ بِهِ النّاسَ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْ عِنْدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يَثْبُتُونَ ما يَزْعُمُونَ لِلنّاسِ شَرْعًا، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوْثانِ وتَسْيِيبُ السَّوائِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: ( أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ) فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( يَكْتُبُونَ ) بِيَحْكُمُونَ.
الطور 52:41
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وهو رُجُوعٌ إلى خِطابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْراضُ عَنْهم ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنَ الغُرْمِ والغَرامَةِ وهو - كَما قالَ الرّاغِبُ - ما يَنُوبُ الإنْسانُ في مالِهِ مِن ضَرَرٍ لِغَيْرِ جِنايَةٍ مِنهُ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِنَ التِزامٍ مُغْرَمٍ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتِزامِ الإنْسانِ ما لَيْسَ عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ - لَكِنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ هو الأوَّلُ - ﴿مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مُحَمَّلُونَ الثِّقَلَ فَلِذَلِكَ لا يَتَّبِعُونَكَ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ المُثَبَّتِ فِيهِ الغُيُوبَ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مِنهُ ويُخْبِرُونَ بِهِ النّاسَ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْ عِنْدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يَثْبُتُونَ ما يَزْعُمُونَ لِلنّاسِ شَرْعًا، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوْثانِ وتَسْيِيبُ السَّوائِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: ( أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ) فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( يَكْتُبُونَ ) بِيَحْكُمُونَ.
الطور 52:42
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ بِكَ وبِشَرْعِكَ وهو ما كانَ مِنهم في حَقِّهِ ﷺ بِدارِ النَّدْوَةِ مِمّا هو مَعْلُومٌ مِنَ السَّيْرِ، وهَذا مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ فَإنَّ قِصَّةَ دارِ النَّدْوَةِ وقَعَتْ في وقْتِ الهِجْرَةِ وكانَ نُزُولُ السُّورَةِ قَبْلَها كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُمُ المَذْكُورُونَ المُرِيدُونَ كَيْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،
صفحة 39
ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ جَمِيعُ الكَفَرَةِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحِيقُ بِهِمْ كَيْدُهم ويَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُهُ لا مَن أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ وكانَ وبالُهُ في حَقٍّ أُولَئِكَ قَتْلَهم يَوْمَ بَدْرٍ في السَّنَةِ الخامِسَةَ عَشْرَ مِنَ النُّبُوَّةِ قِيلَ: ولِذا وقَعَتْ كَلِمَةُ ( أمْ ) مُكَرَّرَةً هُنا خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً لِلْإشارَةِ لِما ذُكِرَ، ومَثَلَهُ عَلى ما قالَ الشِّهابُ: لا يَسْتَبْعِدُ مِنَ المُعْجِزاتِ القُرْآنِيَّةِ وإنْ كانَ الِانْتِقالُ لِمَثَلِهِ خُفِيَ ومُناسَبَتُهُ أخْفى، وجُوِزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى هُمُ المَغْلُوبُونَ في الكَيْدِ مَن كايَدْتُهُ فَكِدْتَهُ
الطور 52:43
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يُعِينُهم ويَحْرُسُهم مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ عَنْ شَرِكَةِ الَّذِي يُشْرِكُونَهُ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ وقَبْلَها مُضافٌ مُقَدَّرٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ قِطْعَةً فَهو مُفْرَدٌ وقَدْ قُرِئَ في جَمِيعِ القُرْآنِ كِسْفًا وكِسَفا جَمْعًا وإفْرادًا إلّا هُنا فَإنَّهُ عَلى الإفْرادِ وحْدَهُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ وإنْ يَرَوْا كِسْفًا عَظِيمًا ﴿مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ لِتَعْذِيبِهِمْ ﴿يَقُولُوا﴾ مِن فَرْطِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ ﴿سَحابٌ﴾ أيْ هو سَحابٌ ﴿مَرْكُومٌ﴾ مُتَراكِمٌ مُلْقى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ أيْ هم في الطُّغْيانِ بِحَيْثُ لَوْ أسْقَطْنا عَلَيْهِمْ حَسْبَما قالُوا، أوْ تُسْقِطُ السَّماءُ كَما زُعِمَتْ عَلَيْنا كِسْفًا لَقالُوا هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ يُمْطِرُنا ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسْفٌ ساقِطٌ لِعَذابِهِمْ
الطور 52:44
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يُعِينُهم ويَحْرُسُهم مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ عَنْ شَرِكَةِ الَّذِي يُشْرِكُونَهُ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ وقَبْلَها مُضافٌ مُقَدَّرٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ قِطْعَةً فَهو مُفْرَدٌ وقَدْ قُرِئَ في جَمِيعِ القُرْآنِ كِسْفًا وكِسَفا جَمْعًا وإفْرادًا إلّا هُنا فَإنَّهُ عَلى الإفْرادِ وحْدَهُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ وإنْ يَرَوْا كِسْفًا عَظِيمًا ﴿مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ لِتَعْذِيبِهِمْ ﴿يَقُولُوا﴾ مِن فَرْطِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ ﴿سَحابٌ﴾ أيْ هو سَحابٌ ﴿مَرْكُومٌ﴾ مُتَراكِمٌ مُلْقى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ أيْ هم في الطُّغْيانِ بِحَيْثُ لَوْ أسْقَطْنا عَلَيْهِمْ حَسْبَما قالُوا، أوْ تُسْقِطُ السَّماءُ كَما زُعِمَتْ عَلَيْنا كِسْفًا لَقالُوا هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ يُمْطِرُنا ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسْفٌ ساقِطٌ لِعَذابِهِمْ
الطور 52:45
﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَدَعْهم غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ وهو عَلى ما في البَحْرِ أمْرُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ يُلْقُوا مُضارِعُ لَقى ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وأهْلِ مَكَّةَ في قَوْلِ شِبْلِ بْنِ عِبادٍ: مَن صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ، أوْ مَن أصْعَقَتْهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ وأهْلُ مَكَّةَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ: يَصْعَقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن أصْعَقَ رُباعِيًّا والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى فَإنَّهُ يُصْعَقُ فِيهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُصْعَقُ فِيهِ إلّا مَن كانَ حَيًّا حِينَئِذٍ وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ وبِأنَّ.
الطور 52:46
قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ التَّعَرُّضَ لِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِ كَيْدِهِمْ يَسْتَدْعِي اسْتِعْمالَهم لَهُ طَمَعًا بِالِانْتِفاعِ بِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ما دَبَّرُوهُ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكَيْدِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ مُناصَبَتُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَلَيْسَتْ مِمّا يُجْرى في مُدافَعَتِهِ الكَيْدَ والحِيَلَ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِمَنعِ اخْتِصاصِ الصَّعْقِ بِالحَيِّ فالمَوْتى أيْضًا يُصْعَقُونَ وهم داخِلُونَ في عُمُومِ «مَن» وإنْ لَمْ يَكُنْ صَعْقُهم مِثْلَ صَعْقِ الأحْياءِ مِن كُلِّ وجْهٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ فَيَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، عَنِ الثّانِي بِأنَّ الكَلامَ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ: عَلى لا حُبَّ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ فالمَعْنى يَوْمَ لا يَكُونُ لَهم كَيْدٌ ولا إغْناءٌ وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وبابٌ مِن أبْوابِ البَلاغَةِ والإحْسانِ، وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ - وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ - وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: هو يَوْمُ مَوْتِهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ ما فِيهِ مَعَ أنَّهُ تَأْباهُ الإضافَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ فَلا تُغْفَلْ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَةِ الغَيْرِ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهُمْ
الطور 52:47
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لَهم ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِما ذُكِرَ قَبْلُ وجُوِّزَ العُمُومُ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَذابًا﴾ آخَرَ ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ دُونَ ما لاقُوهُ مِنَ القَتْلِ أيْ قَبْلِهِ وهو - كَما قالَ مُجاهِدٌ –
صفحة 40
القَحْطُ الَّذِي أصابَهم سَبْعَ سِنِينَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو ما كانَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ والفَتْحِ، وفُسِّرَ ( دُونَ ذَلِكَ ) بِقَبْلِ يَوْمِ القِيامَةِ بِناءً عَلى كَوْنِ يَوْمِهِمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ ذَلِكَ، وعَنْهُ أيْضًا. وعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّ ( دُونَ ذَلِكَ ) بِمَعْنى وراءَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ:
يُرِيكَ القَذى مِن دُونِها وهو دُونَها وإذا فُسِّرَ اليَوْمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ونَحْوِهِ، ( ودُونَ ذَلِكَ ) بِقَبْلِهِ، وأُرِيدَ العُمُومُ مِنَ المَوْصُولِ فَهَذا العَذابُ عَذابُ القَبْرِ، أوِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ - دُونَ ذَلِكَ تَقْرِيبًا - ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَما ذُكِرَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ عِنادًا، أوْ لا يَعْمَلُونَ شَيْئًا.
الطور 52:48
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بِإمْهالِهِمْ إلى يَوْمِهِمُ المَوْعُودِ وإبْقائِكَ فِيما بَيْنَهم مَعَ مُقاساةِ الأحْزانِ ومُعاناةِ الهُمُومِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ في حِفْظِنا وحِراسَتِنا، فالعَيْنُ مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ، ويُتَجَوَّزُ بِها أيْضًا عَنِ الحافِظِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ، وفي الكَشّافِ هو مِثْلَ أيْ بِحَيْثُ نَراكَ ونَكْلُؤُكَ، وجَمْعُ العَيْنِ هُنا لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ ووَحَّدَ في «طَهَ» لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ، ولَوَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ - في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ - إلى أنَّ فائِدَةَ الجَمْعِ الدَّلالَةُ عَلى المُبالَغَةِ في الحِفْظِ كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حِفاظًا يَكْلُؤُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّهُ أفْرَدَ هُنالِكَ لِإفْرادِ الفِعْلِ وهو كِلاءَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وها هُنا لَمّا كانَ لِتَصْبِيرِ الحَبِيبِ عَلى المَكايِدِ ومَشاقِّ التَّكالِيفِ والطّاعاتِ ناسِبَ الجَمْعِ لِأنَّها أفْعالٌ كَثِيرَةٌ كُلٌّ مِنها يَحْتاجُ إلى حِراسَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى، ومَن نَظَرَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ عَلِمَ مِنَ الآيَتَيْنِ الفَرْقَ بَيْنَ الحَبِيبِ والكَلِيمِ عَلَيْهِما أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ إنَّ الكَلامَ في نَظِيرِ هَذا عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ مَشْهُورٌ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «بِأعْيُنّا» بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى نَعْمائِهِ الفائِتَةِ الحَصْرَ، والمُرادُ سَبِّحْهُ تَعالى واحْمَدْهُ ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَدْ صُحَّ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا أرادَ أنْ يَقُومَ مِنَ المَجْلِسِ:
سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ»» والآثارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقِيلَ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ، أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ حِينَ يَقُومُ إلى الصَّلاةِ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهُ وبِحَمْدِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ:
حِينَ تَقُومُ إلى صَلاةٍ تَقُولُ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ» وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ أنَّهُ قالَ: «سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومَ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَلاةِ» ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: «حِينَ تَقُومَ مِنَ القائِلَةِ والتَّسْبِيحَ إذْ ذاكَ هو صَلاةُ الظُّهْرِ»
الطور 52:49
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ إفْرادٌ لِبَعْضِ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ لِما أنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتِ إدْبارِها مِن آخَرِ اللَّيْلِ أيْ غَيْبَتِها بِضَوْءِ الصَّباحِ، وقِيلَ: التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ
صفحة 41
وعَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ النَّوافِلُ: ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍ و ويَعْقُوبُ - أدْبارَ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ دُبُرٍ بِمَعْنى عَقِبٍ أيْ في أعْقابِها إذا غَرَبَتْ، أوْ خُفِيَتْ بِشُعاعِ الشَّمْسِ.
هَذا ونَظْمُ الآياتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ [الطُّورَ: 30] إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إلَخْ فِيهِ غَرابَةٌ ولَمْ أرَ أحَدًا كَشَفَ عَنْ لِثامِهِ كَصاحِبِ الكَشْفِ جَزاهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، ولِغايَةِ حُسْنِهِ - وكَوْنِهِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ - أحْبَبْتُ نَقْلَهُ بِحَذافِيرِهِ لَكِنْ مَعَ اخْتِصارٍ ما، فَأقُولُ: قالَ: أوْمَأ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى وجْهَيْنِ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلْ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنْبِياءَ: 5]: أحَدُهُما أنَّهُ حِكايَةُ قَوْلِهِمُ المُضْطَرِبِ عَلى وجْهِهِ، والثّانِي أنَّهُ تَدَرُّجٌ مِنهُ سُبْحانَهُ في حِكايَةِ ما قالُوهُ مِنَ المُنْكَرِ إلى ما هو أُدْخِلَ فِيهِ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ لَيْسَ اضْطِرابَ أقْوالِهِمْ فَتُحْكى عَلى ما هي عَلَيْهِ بَلْ تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ لا مَحالَةَ يَنْتَقِمُ لَهُ مِنهم وأنَّ العَذابَ المُكَذَّبَ بِهِ واقِعٌ بِهِمْ جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالمُنَبِّئِ والنَّبَأِ والمُنَبَّأِ بِهِ، فالمُتَعَيِّنُ هو الثّانِي، ووَجْهُهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذَكِّرْ﴾ مَعْناهُ إذْ ثَبَتَ كَوْنُ العَذابِ واقِعًا وكَوْنُ الفَرِيقَيْنِ المُصَدِّقَيْنِ والمُكَذِّبَيْنَ مَجْزِيَّيْنَ بِأعْمالِهِمْ، وإنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ الَّذِي مَن كَذَّبَ بِهِ اسْتَحَقَّ الهَوانَ، ومَن صَدَّقَ اسْتَحَقَّ الرِّضْوانَ فَدُمْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تُبالِ بِما تُكايَدُ فَإنَّكَ أنْتَ الغالِبُ حُجَّةً وسَيْفًا في هَذِهِ الدّارِ، ومَنزِلَةً ورِفْعَةً في دارِ القَرارِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أنْتَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ تَفْصِيلُ هَذا المُجْمَلِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِفَسادِ مَقالاتِهِمُ الحَمْقاءِ وأنَّهم بِمَرْأى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ فَلا مَحالَةَ يَنْتَقِمُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَهو شَدَّ مِن عَضُدِ التَّسَلِّي، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ [الطُّورَ: 29] إلَخْ فِيهِ أنَّ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وبَدَأ بِقَوْلِهِمُ المُتَناقِضِ لِيُنَبِّهَ أوَّلًا عَلى فَسادِ آرائِهِمْ ويَجْعَلَهُ دُسْتُورًا في إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وإيثارِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ فَما أبْعَدَ حالَ مَن كانَ أتْقَنُهم رَأْيًا وأرْجَحُهم عَقْلًا وأبْيَنُهم آيًا مُنْذُ تَرَعْرَعَ إلى أنْ بَلَغَ الأشُدَّ عَنِ الجُنُونِ والكِهانَةِ عَلى أنَّهُما مُتَناقِضانِ لِأنَّ الكُهّانَ كانُوا عِنْدَهم مِن كامِلِيهِمْ وكانَ قَوْلُهم إمامًا مُتَّبَعًا عِنْدَهم فَأيْنَ الكِهانَةُ مِنَ الجُنُونِ، ثُمَّ تَرْقى مَضْرِبًا إلى قَوْلِهِمْ فِيهِ وحاشاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ شاعِرٌ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الكَذِبِ مِنَ الكاهِنِ والمَجْنُونِ وقَدِيمًا قِيلَ: أحْسَنُ الشَّعْرِ أكَذَبُهُ لِيُبَيِّنَ حالَ تَلَجْلُجِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ [الطُّورَ: 31] مِن بابِ المُجازاةِ بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ وفِيهِ تَتْمِيمٌ لِلْوَعِيدِ، فَهَذا بابٌ مِن إنْكارِهِمْ هَدْمَهُ سُبْحانَهُ أوَّلًا تَلْوِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وثانِيًا تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ [الطُّورَ: 32] كَأنَّهُ قِيلَ دَعْهم وتِلْكَ المَقالَةَ وما فِيها مِنَ الِاضْطِرابِ فَفِيها عِبْرَةٌ، ثُمَّ قِيلَ: لا بَلْ ذَلِكَ مِن طُغْيانِهِمْ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الذَّمِّ مِن نُقْصانِ العَقْلِ وأبْلَغُ في التَّسْلِيَةِ لِأنَّ مَن طَغى عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ باءَ بِغَضَبِهِ، ثُمَّ أخَذَ في بابٍ أوْغَلَ في الإنْكارِ وهو نِسْبَةُ الِافْتِراءِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ لِأنَّ الِافْتِراءَ أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالِهِ لِاشْتِهارِهِ بِالصِّدْقِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ افْتِراءً وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِأقْصَرِ سُورَةٍ مِن هَذا المُفْتَرِي مُتَنافِيانِ لِدَلالَتِهِ عَلى الصِّدْقِ عَلى ما مَرَّ - في الأحْقافِ - ولِأنَّ الشّاعِرَ لا يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ لِذاتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ شِعْرُهُ حِكَمًا ومَواعِظَ وهو لا يُنْسَبُ فِيهِ إلى عارِ، والتَّدَرُّجُ عَنِ الشِّعْرِ ها هُنا عَكْسُ التَّدَرُّجِ إلَيْهِ في الأنْبِياءِ لِأنَّ بِناءَ الكَلامِ ها هُنا عَلى التَّدَرُّجِ في المُناقَضَةِ والتَّوَغُّلِ في القَدَحِ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفْيِ رِسالَتِهِ، وهُنالِكَ عَنِ القَدْحِ في بَعْضٍ مِنَ الذَّكَرِ مُتَجَدِّدُ النُّزُولِ فَقِيلَ: إنَّ افْتِراءَهُ لا يَبْعُدُ مِمَّنْ هو شاعِرٌ ذُو افْتِراءاتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّوَغُّلِ
صفحة 42
جِيءَ بِصَرِيحِ حَرْفِ الإضْرابِ في الرَّدِّ فَقِيلَ: ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطُّورَ: 33] وعُقِّبَ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ [الطُّورَ: 34] ثُمَّ مَن لا يُؤْمِنُ أشَدَّ إنْكارًا لَهُ مِنَ الطّاغِي كَما أنَّ المُفْتَرِيَ أدْخَلَ في الكَذِبِ مِنَ الشّاعِرِ، ثُمَّ أخَذَ في أُسْلُوبٍ أبْلَغَ في الرَّدِّ عَلى مَقالاتِهِمُ الجُنُونَ والكِهانَةَ لِتَقارُبِهِما، ثُمَّ الشِّعْرِ، ثُمَّ الِافْتِراءِ حَيْثُ نَزَّلَ القائِلِينَ مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ شَيْءٍ أيْ مُقَدِّرٍ وخالِقٍ وإلّا لَأهَمِّهُمُ البَحْثُ عَنْ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ فَلَمْ يُنْكِرُوا مِنكَ ما أنْكَرُوا، ومِن حَسَبِ أنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُوجِدِ نَسَبَ رَسُولَهُ إلى الجُنُونِ والكِهانَةِ لا بَلْ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ خالِقُ نَفْسَهُ فَلا خالِقَ لَهُ لِيَبْحَثَ عَنْ صِفاتِهِ فَهو يَنْسُبُهُ إلى الشِّعْرِ إذْ لا يُرْسِلُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ، والشِّعْرُ أدْخَلَ في الكَذِبِ لا بَلْ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما فَهو يَنْسُبُهُ الى الِافْتِراءِ حَيْثُ لَمْ يُرْسِلْهُ، ثُمَّ أُضْرِبَ صَرِيحًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطُّورَ: 36] ومَن لا إيقانَ لَهُ بِمِثْلِ هَذا البَدِيهِيِّ لا يَبْعُدُ أنْ يَزِنَكَ بِمازِنٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَقالَتُهم تِلْكَ تُؤَدِّي إلى هَذِهِ
لا أنَّهم كانُوا قائِلِينَ بِها إظْهارًا لِتَمادِيهِمْ في العِنادِ، ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا غَيْرَ صالِحٍ لِلنُّبُوَّةِ في زَعْمِهِمْ، فالأوَّلُ لِما لَمْ يَمْنَعْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ إنَّما يَدُلُّ عَلى افْتِرائِهِ مِن حَيْثُ إنَّ أحَدَ الخالِقِينَ لا يَدْعُو الآخَرَ إلى عِبادَتِهِ، والثّانِي يَمْنَعُهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّهُ إذا كانَ عِنْدَهم جَمِيعُ خَزائِنِ رَبِّهِ وهم ما أرْسَلُوهُ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا ألْبَتَّةَ، وأدْمَجَ فِيهِ إنْكارَهم لِلْمَعادِ، ونِسْبَتُهم إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ أيْضًا خاصَّةً إلى الِافْتِراءِ، والحَمْلُ عَلى خَزائِنِ القُدْرَةِ أظْهَرُ لِأنَّ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ [الطُّورَ: 41] إشارَةٌ إلى خَزائِنِ العِلْمِ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هُنالِكَ أمْرَ البَعْثِ عَلى ما سَيُحَقِّقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ هَذا القَوْلُ أيْضًا مِنَ القَبُولِ بِمَكانٍ ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطُّورَ: 37] مِنَ التَّرَقِّي ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ ( وبَيَّنَ ) فَسادَ ما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ الإنْكارِ بِدَلِيلِ العَقْلِ قِيلَ: لَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةَ والسَّماعَ مِنهُ تَعالى وهو أظْهَرُ اسْتِحالَةَ فَتَهَكَّمَ بِهِمْ، وقِيلَ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ﴾ [الطُّورَ: 38] وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ [الطُّورَ: 39] إشْعارًا بِأنَّهُ مَن جَعَلَ خالِقَهُ أدْوَنَ حالًا مِنهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ مِنهُ تِلْكَ المَقالاتِ الخَرْقاءَ كَأنَّهُ سَلّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: ناهِيكَ بِتَساوِي الطَعْنَيْنِ في البُطْلانِ وبِما يُلْقُونَ مِن سُوءِ مَغَبَّتِهِما، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطُّورَ: 40] أيْ إنَّ القَوْمَ أرْبابُ ألْبابٍ ولَيْسُوا مِن تِلْكَ الأوْصافِ في شَيْءٍ بَلِ الَّذِي زَهَّدَهم فِيكَ أنَّكَ تَسْألُهم أجْرًا مالًا، أوْ جاهًا، أوْ ذِكْرًا، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وذَمٌّ لَهم بِالحَسَدِ واللُّؤْمِ وأنَّهم مَعَ قُصُورِ نَظَرِهِمْ عَنْ أمْرِ المِيعادِ لا يَبْنُونَ الأمْرَ عَلى المُتَعارَفِ المُعْتادِ إذْ لا أحَدَ مِن أهْلِ الدُّنْيا وذَوِي الأخْطارِ يَجُبُّهُ النّاصِحُ المُبَرَّأُ ساحَتَهُ عَنْ لَوَثِ الطَّمَعِ بِتِلْكَ المَقالاتِ عَلى أنَّهُ حَسَدٌ لا مَوْقِعَ لَهُ عِنْدَ ذَوِيِهِ فَلَيْسُوا في أنْ يَحْصُلَ لَهم نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ ولا هو مِمَّنْ يَطْمَعُ في نِعَمِهِمْ إحْدى الثَّلاثِ، ثُمَّ قِيلَ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ عَلى مَعْنى بَلْ أعْنَدَهُمُ اللَّوْحُ فَيَعْلَمُونَ كُلَّ ما هو كائِنٌ ويَكْتُبُونَ فِيهِ تِلْكَ المَعْلُوماتِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما تَدَّعِيِهِ مِنَ المَعادِ لَيْسَ مِنَ الكائِنِ المَكْتُوبِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا نَفْيُ المُنَبَّأِ بِهِ أعْنِي البَعْثُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ النُّبُوَّةِ أيْضًا إدْماجًا عَكْسَ الأوَّلِ ولِهَذا أخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ فَقَدْ سَلَفَ أنَّ مَصَبَّ الغَرَضِ حَدِيثُ النَّبَأِ والمُنَبِّأِ والمُنَبَّأِ بِهِ فَقَضى الوَطَرَ مِنَ الأوَّلِينَ مَعَ الرَّمْزِ إلى الأخِيرِ: ثُمَّ أخَذَ فِيهِ مَعَ الرَّمْزِ إلَيْهِما قَضاءً لِحَقِّ الإعْجازِ، فَفي الغَيْبِ إشارَةٌ إلى الغَيْبِ أعْنِي السّاعَةَ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وفِيهِ تَرَقٍّ في الدَّفْعِ مِن وجْهٍ أيْضًا لِأنَّ العِلْمَ أشْمَلُ مَوْرِدًا مِنَ القُدْرَةِ ولِأنَّ الأوَّلَ إنْكارٌ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُرْسِلُوهُ، وهَذا مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ومِن حَيْثُ إنَّهم ما عَلِمُوا بِإرْسالِ غَيْرِهِ إيّاهُ أيْضًا مَعَ إحاطَةِ عِلْمِهِمْ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ قَصْدًا أوَّلِيًّا، ثُمَّ خُتِمَ الكَلامُ بِالإضْرابِ عَنِ الإنْكارِ إلى الأخْبارِ عَنْ حالِهِمْ بِأنَّهم يُرِيدُونَ بِكَ كَيْدًا فَهم يَنْصِبُونَ لَكَ الحَبائِلَ قَوْلًا وفِعْلًا
صفحة 43
لا يَقِفُونَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ وحْدَها وهُمُ المَكِيدُونَ لا أنْتَ قَوْلًا وفِعْلًا وحُجَّةً وسَيْفًا، وحَقَّقَ ما ضَمَّنَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِن كَيْدِهِ وعَذابِهِ لا واللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ إلَهَ غَيْرَهَ، ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ حَمْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُرِيدِينَ بِهِ كَيْدًا أظْهَرُ في هَذا المَساقِ انْتَهى، وكَأنَّ ما بَعْدُ تَأْكِيدًا لِأمْرِ طُغْيانِهِمْ ومَزِيدَ تَحْقِيقٍ لِلْوَعِيدِ ومُبالَغَةً في التَّسْلِيَةِ، ويَعْلَمُ مِمّا ذَكَرَهُ - لا زالَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مُتَّصِلَةٌ - أنَّ ( أمْ ) في كُلِّ ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَّدَرَةٌ بِبَلِ الإضْرابِيَّةِ، والإضْرابُها هُنا واقِعٌ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي وبِالهَمْزَةِ وهي لِلْإنْكارِ وهو ما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّها مُتَّصِلَةٌ والمُرادُ بِها الِاسْتِفْهامُ، وعَلَيْكَ بِما أفادَهُ كَلامُ ذَلِكَ الهُمامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِمّا ذَكَرُوهُ مِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ ﴿والطُّورِ﴾ إشارَةٌ إلى قالَبِ الإنْسانِ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ إشارَةٌ إلى سِرِّهِ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ إشارَةٌ إلى قَلْبِهِ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ إشارَةٌ إلى رُوحِهِ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ إشارَةٌ إلى صِفَتِهِ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْسِهِ المَسْجُورَةِ بِنِيرانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والكِبْرِ، وقِيلَ: - الطَّوْرُ - إشارَةٌ إلى ما طارَ مِنَ الأرْواحِ مِن عالِمِ القُدْسِ والمَلَكُوتِ حَتّى وقَعَ في شِباكِ عالَمِ المَلِكِ - والكِتابُ المَسْطُورُ في الرَّقِّ المَنشُورِ - إشارَةٌ إلى النُّقُوشِ الإلَهِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِأبْصارِ البَصائِرِ القُدْسِيَّةِ المَكْتُوبَةِ في صَحائِفِ الآفاقِ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ إشارَةٌ إلى قَلْبِ المُؤْمِنِ المَعْمُورِ بِالمَعْرِفَةِ والإخْلاصِ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ إشارَةٌ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ المَرْفُوعِ عَنْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ إشارَةٌ إلى بَحْرِ القُدْرَةِ المَمْلُوءِ مِن أنْواعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي لا تَتَناهى، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الفَضاءِ الَّذِي فِيهِ المَلائِكَةُ المَهِيمُونَ، ووَصْفُهُ - بِالمَسْجُورِ - إمّا لِأنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنهم، وإمّا لِأنَّهُ سُجِّرَ بِنِيرانِ الهُيامِ ولِذا لا يَعْلَمُ أحَدُهم بِسِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ يَخُوضُونَ في غَمَراتِ البَحْرِ اللُّجِيِّ الدُّنْيَوِيِّ ويَلْعَبُونَ فِيها بِزَبَدِها الباطِلِ ومَتاعِها القَلِيلِ ويُكَذِّبُونَ المُسْتَخْلَصَيْنِ عَنِ الأكْدارِ المُتَحَلِّينَ بِالأنْوارِ إذْ أنْذَرُوهم أنَّ المُتَّقِينَ هم أضْدادٌ أُولَئِكَ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وهو عَذابُ الحِجابِ ﴿كُلُوا﴾ مِن ثَمَراتِ المَعارِفِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّطِيفَةِ النَّفْسِيَّةِ ﴿واشْرَبُوا﴾ مِن مِياهِ العُيُونِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّطِيفَةِ القَلْبِيَّةِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ مَقامِ العُبُودِيَّةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أيْ عِنْدَ نُزُولِ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ عِنْدَ ظُهُورِ نُورِ شَمْسِ الوَجْهِ، وتَسْبِيحُهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ إثْباتِ وُجُودٍ غَيْرَ وُجُودِهِ تَعالى الحَقِّ فَإنَّ إثْباتَ ذَلِكَ شِرْكٌ مُطْلَقٌ في ذَلِكَ المَقامِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِنَ الشِّرْكِ بِحُرْمَةِ الحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.