Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — النجم 53:1 – القمر 54:55

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. النجم 53:1
  2. النجم 53:2
  3. النجم 53:3
  4. النجم 53:4
  5. النجم 53:5
  6. النجم 53:6
  7. النجم 53:7
  8. النجم 53:8
  9. النجم 53:9
  10. النجم 53:10
  11. النجم 53:11
  12. النجم 53:12
  13. النجم 53:13
  14. النجم 53:14
  15. النجم 53:15
  16. النجم 53:16
  17. النجم 53:17
  18. النجم 53:18
  19. النجم 53:19
  20. النجم 53:20
  21. النجم 53:21
  22. النجم 53:22
  23. النجم 53:23
  24. النجم 53:24
  25. النجم 53:25
  26. النجم 53:26
  27. النجم 53:27
  28. النجم 53:28
  29. النجم 53:29
  30. النجم 53:30
  31. النجم 53:31
  32. النجم 53:32
  33. النجم 53:33
  34. النجم 53:34
  35. النجم 53:35
  36. النجم 53:36
  37. النجم 53:37
  38. النجم 53:38
  39. النجم 53:39
  40. النجم 53:40
  41. النجم 53:41
  42. النجم 53:42
  43. النجم 53:43
  44. النجم 53:44
  45. النجم 53:45
  46. النجم 53:46
  47. النجم 53:47
  48. النجم 53:48
  49. النجم 53:49
  50. النجم 53:50
  51. النجم 53:51
  52. النجم 53:52
  53. النجم 53:53
  54. النجم 53:54
  55. النجم 53:55
  56. النجم 53:56
  57. النجم 53:57
  58. النجم 53:58
  59. النجم 53:59
  60. النجم 53:60
  61. النجم 53:61
  62. النجم 53:62
  63. القمر 54:1
  64. القمر 54:2
  65. القمر 54:3
  66. القمر 54:4
  67. القمر 54:5
  68. القمر 54:6
  69. القمر 54:7
  70. القمر 54:8
  71. القمر 54:9
  72. القمر 54:10
  73. القمر 54:11
  74. القمر 54:12
  75. القمر 54:13
  76. القمر 54:14
  77. القمر 54:15
  78. القمر 54:16
  79. القمر 54:17
  80. القمر 54:18
  81. القمر 54:19
  82. القمر 54:20
  83. القمر 54:21
  84. القمر 54:22
  85. القمر 54:23
  86. القمر 54:24
  87. القمر 54:25
  88. القمر 54:26
  89. القمر 54:27
  90. القمر 54:28
  91. القمر 54:29
  92. القمر 54:30
  93. القمر 54:31
  94. القمر 54:32
  95. القمر 54:33
  96. القمر 54:34
  97. القمر 54:35
  98. القمر 54:36
  99. القمر 54:37
  100. القمر 54:38
  101. القمر 54:39
  102. القمر 54:40
  103. القمر 54:41
  104. القمر 54:42
  105. القمر 54:43
  106. القمر 54:44
  107. القمر 54:45
  108. القمر 54:46
  109. القمر 54:47
  110. القمر 54:48
  111. القمر 54:49
  112. القمر 54:50
  113. القمر 54:51
  114. القمر 54:52
  115. القمر 54:53
  116. القمر 54:54
  117. القمر 54:55

النجم 53:1

صفحة 44 سُورَةُ والنَّجْمِ وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ - النَّجْمِ - بِدُونِ واوٍ وهي «مَكِّيَّةٌ» عَلى الإطْلاقِ، وفي الإتْقانِ اسْتَثْنى مِنها ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ إلى ﴿اتَّقى﴾ [النَّجْمِ: 32]، وقِيلَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النَّجْمِ: 33] الآياتُ التِّسْعُ، ومِنَ الغَرِيبِ حِكايَةُ الطَّبَرْسِيِّ عَنِ الحَسَنِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. ولا أرى صِحَّةً ذَلِكَ عَنْهُ أصْلًا، وآَيُها اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً في الكُوفِيِّ، وإحْدى وسِتُّونَ في غَيْرِهِ، وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوَّلَ سُورَةٍ أعْلَنَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقِراءَتِها فَقَرَأها في الحَرَمِ والمُشْرِكُونَ يَسْمَعُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْهُ قالَ: ««أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ «والنَّجْمُ» فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسَجَدَ النّاسُ كُلُّهم إلّا رَجُلًا رَأيْتَهَ أخْذَ كَفًّا مِن تُرابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ فَرَأيْتَهَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَ كافِرًا»» وهو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وفي البَحْرِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ غَيْرُ أبِي لَهَبٍ فَإنَّهُ رَفَعَ حَفْنَةً مِن تُرابٍ وقالَ: يَكْفِي هَذا»، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ وأُمَيَّةَ فِعْلًا كَذَلِكَ، وهي شَدِيدَةُ المُناسَبَةِ لِما قَبْلَها فَإنَّ الطَّوْرَ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( إدْبارَ النُّجُومِ ) [الطُّورَ: 49] وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: «والنَّجْمِ» وأيْضًا في مُفْتَتِحِها ما يُؤَكِّدُ رَدَّ الكَفَرَةِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَمِنَ التَّقَوُّلِ والشِّعْرِ والكِهانَةِ والجُنُونِ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها قَوْلُ المُشْرِكِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخْتَلِقُ القُرْآنَ، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ مُناسَبَتِها أنَّ الطَّوْرَ فِيها ذِكْرُ ذُرِّيَّةِ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم تَبَعٌ لِآبائِهِمْ وهَذِهِ فِيها ذِكْرُ ذُرِّيَّةِ اليَهُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النَّجْمَ: 32] الآيَةَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرَيُّ وأبُو نَعِيمٍ في المَعْرِفَةِ والواحِدِيِّ عَنْ ثابِتِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ «قالَ: «كانَتِ اليَهُودُ إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ صَغِيرٌ قالُوا هو صَدِيقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: كَذِبَتْ يَهُودٌ ما مِن نَسَمَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في بَطْنِ أُمِّها إلّا أنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها»» وأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ هُناكَ في المُؤْمِنِينَ: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21] إلَخْ قالَ سُبْحانَهُ هُنا في الكُفّارِ، أوْ في الكِبارِ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النَّجْمَ: 39] خِلافُ ما دُخِلَ في المُؤْمِنِينَ الصِّغارَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا وجْهٌ بَدِيعٌ في المُناسَبَةِ مِن وادِي التَّضادِّ، وفي صِحَّةِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآيَةُ نَزَلَ لَمّا ذُكِرَ نَظَرٌ عِنْدِي، وكَوْنُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ في الصِّغارِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ كَما سَمِعْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، نَعَمْ مَن تَأمَلَ ظَهْرَ لَهُ وُجُوهٌ مِنَ المُناسَباتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ فَتَأمَّلْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِجِنْسِ النَّجْمِ المَعْرُوفِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُعَمَّرِ بْنِ المَثْنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٍ بِأيْدِي الآكِلِينَ جُمُودُها ومَعْنى ( هَوى ) غَرَبَ، وقِيلَ: طَلَعَ يُقالُ هَوى يَهْوِي كَرَمى يَرْمِي هَوْيًا بِالفَتْحِ في السُّقُوطِ والغُرُوبِ لِمُشابَهَتِهِ لَهُ وهُوِيًّا بِالضَّمِّ لِلْعُلُوِّ، والطُّلُوعِ، وقِيلَ: الهَوى بِالفَتْحِ لِلْإصْعادِ والهَوى بِالضَّمِّ لِلِانْحِدارِ وقِيلَ: الهَوى بِالفَتْحِ والضَّمِّ لِلسُّقُوطِ ويُقالُ أهْوى بِمَعْنى هَوى، وفَرَّقَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بَيْنَهُما بِأنَّ هَوًى إذا انْقَضَّ لِغَيْرِ صَيْدٍ، وأهْوى صفحة 45 إذا انْقَضَّ لَهُ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالنُّجُومِ إذا انْتَثَرَتْ في القِيامَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ بِالنُّجُومِ إذا انْقَضَتْ في إثْرِ الشَّياطِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّجْمِ مُعَيَّنٌ فَقالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ: هو الثُّرَيّا فَإنَّ النَّجْمَ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ لَها، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إذا طَلَعَ النَّجْمُ صَباحًا ارْتَفَعَتِ العاهَةُ»» وقَوْلُ العَرَبِ: - طَلَعَ النَّجْمُ عِشاءً فابْتَغى الرّاعِي كِساءً، طَلَعَ النَّجْمُ غَدِيَّةً فابْتَغى الرّاعِي كَسِيَّةً - وفَسَّرَ هَوِيَّها بِسُقُوطِها مَعَ الفَجْرِ، وقِيلَ: هو الشِّعْرى المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النَّجْمَ: 49] والكُهّانُ يَتَكَلَّمُونَ عَلى المُغَيَّباتِ عِنْدَ طُلُوعِها، وقِيلَ: الزُّهْرَةُ وكانَتْ تُعْبَدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والفَرّاءُ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: ( النَّجْمِ ) المِقْدارُ النّازِلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ( وإذا هَوى ) بِمَعْنى إذا نَزَلَ عَلَيْهِ مَعَ مَلَكِ الوَحْيِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ جَعْفَرُ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَوِيُّهُ نُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِهَوِيِّهِ صُعُودُهُ وعُرُوجُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مُنْقَطِعِ الأيْنِ، وقِيلَ: هو الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقِيلَ: العُلَماءُ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، والمُرادُ بِهَوِيِّهِمْ قِيلَ: عُرُوجُهم في مَعارِجَ التَّوْفِيقِ إلى حَظائِرِ التَّحْقِيقِ. وقِيلَ: غَوْصُهم في بِحارِ الأفْكارِ لِاسْتِخْراجِ دُرَرِ الأسْرارِ. وأظْهَرُ الأقْوالَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالنَّجْمِ جِنْسُ النَّجْمِ المَعْرُوفِ بِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كَوْكَبٍ، وعَلى القَوْلِ بِالتَّعْيِينِ فالأظْهَرُ القَوْلُ بِأنَّهُ الثُّرَيّا، ووَراءَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ المِقْدارُ النّازِلُ مِنَ القُرْآنِ، وفي الإقْسامِ بِذَلِكَ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شائِبَةِ الضَّلالِ والغَوايَةِ مِنَ البَراعَةِ البَدِيعَةِ وحُسْنُ المَوْقِعِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، أمّا عَلى الأوَّلِينَ فَلِأنَّ النَّجْمَ شَأْنُهُ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ السّارِيُ إلى مَسالِكِ الدُّنْيا كَأنَّهُ قِيلَ: ( والنَّجْمِ ) الَّذِي تَهْتَدِي بِهِ السّابِلَةُ إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

النجم 53:2

﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ أيْ ما عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو مَسْلَكُ الآخِرَةِ فَهو اسْتِعارَةٌ وتَمْثِيلٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الصَّوابِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ ﴿وما غَوى﴾ أيْ وما اعْتَقَدَ باطِلًا قَطُّ لِأنَّ الغَيَّ الجَهْلُ مَعَ اعْتِقادٍ فاسِدٍ وهو خِلافُ الرُّشْدِ فَيَكُونُ عَطْفُ هَذا عَلى ( ما ضَلَّ ) مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِ اعْتِناءً بِالِاعْتِقادِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ المَدارُ. وأُمًّا عَلى الثّالِثِ فَلِأنَّهُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ وتَنْبِيهٌ عَلى مَناطِ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَدارُ رَشادِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي هو عِلْمٌ في الهِدايَةِ إلى مَناهِجِ الدِّينِ ومَسالِكِ الحَقِّ واليَقِينِ ﴿ما ضَلَّ﴾ عَنْها مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وما غَوى﴾ فَهو مِن بابِ: وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ والخِطابُ لِقُرَيْشٍ وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ المُصاحِبَةِ لَهم لِلْإيذانِ بِوُقُوفِهِمْ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِهِ الشَّرِيفَةِ وإحاطَتِهِمْ خَبَرًا بِبَراءَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا نُفِيَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ وبِاتِّصافِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغايَةِ الهُدى والرَّشادِ فَإنَّ طُولَ صُحْبَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُشاهَدَتِهِمْ لِمَحاسِنَ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ مُقْتَضِيَةٍ لِذَلِكَ حَتْمًا فَفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، واخْتُلِفَ في مُتَعَلِّقِ إذا قالَ بَعْضُهم: فاوَضَتْ جارَّ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فَقالَ: العامِلُ فِيهِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الواوُ فَقُلْتُ: كَيْفَ يَعْمَلُ فِعْلُ الحالِ في المُسْتَقْبَلِ ؟! وهَذا لِأنَّ مَعْناهُ أُقْسِمُ الآنَ لا أُقْسِمُ بَعْدَ هَذا، فَرَجَعَ وقالَ: العامِلُ فِيهِ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ - وهَوى النَّجْمُ إذا هَوى - فَعَرَضْتُهُ عَلى بَعْضِ المَشايِخِ فَلَمْ يُسْتَحْسَنْ قَوْلُهُ الثّانِي، والوَجْهُ تَعَلُّقُهُ بِأقْسَمَ وهو قَدِ انْسَلَخَ عَنْهُ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ وصارَ لِلْوَقْتِ المُجَرَّدِ ونَحْوَهُ آتِيكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ أيْ وقْتَ احْمِرارِهِ، وقالَ عَبْدُ القاهِرِ: إخْبارُ اللَّهِ تَعالى بِالمُتَوَقَّعِ يُقامُ مَقامَ الإخْبارِ بِالواقِعِ صفحة 46 إذا لا خُلْفَ فِيهِ فَيَجْرِي المُسْتَقْبَلُ مَجْرى المُحَقَّقِ الماضِي، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعامِلٍ هو حالٌ مِنَ النَّجْمِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الزَّمانَ لا يَكُونُ خَبَرًا ولا حالًا عَنْ جُثَّةٍ كَما هُنا، وأنْ ( إذا ) لِلْمُسْتَقْبَلِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالًا إلّا أنْ تَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً أوْ تَجَرُّدُ ( إذا ) لِمُطْلَقِ الوَقْتِ كَما يُقالُ بِصِحِّيَّةِ الحالِيَّةِ إذا أفادَتْ مَعْنًى مُعْتَدًّا بِهِ، فَمَجِيءُ الزَّمانِ خَبَرًا أوْ حالًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَ مَمْنُوعًا عَلى الإطْلاقِ كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، أوِ النَّجْمِ لِتَغَيُّرِهِ طُلُوعًا وغُرُوبًا أشْبَهَ الحَدَثَ، والإنْصافُ أنَّ جَعْلَهُ حالًا كَتَعَلُّقِهِ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لَيْسَ بِالوَجْهِ، وإنَّما الوَجْهُ، - عَلى ما قِيلَ - ما سَمِعْتُ مِن تَعَلُّقِهِ بِأقْسَمَ مُنْسَلِخًا عَنْهُ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ في المُغْنِي، وتَخْصِيصُ القَسَمِ بِوَقْتِ الهَوِيِّ ظاهِرٌ عَلى الأخِيرِ مِنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ، وأمّا عَلى الأوَّلِينَ فَقِيلَ: لِأنَّ النَّجْمَ لا يَهْتَدِي بِهِ السّارِيُ عِنْدَ كَوْنِهِ في وسَطِ السَّماءِ ولا يُعْلِمُ المَشْرِقُ مِنَ المَغْرِبِ ولا الشَّمالُ مِنَ الجَنُوبِ، وإنَّما يُهْتَدِيَ بِهِ عِنْدَ هُبُوطِهِ، أوْ صُعُودِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسِبَةِ لِما سَيُحْكى مِنَ التَّدَلِّي والدُّنُوِّ، وقِيلَ: لِدَلالَتِهِ عَلى حُدُوثِهِ الدّالَّ عَلى الصّانِعِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ الخَلِيلُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامَ: 76] وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آخِرُ الكِتابِ تَمامُ الكَلامِ في تَحْقِيقِ إعْرابٍ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ فَلا تَغْفُلْ

النجم 53:3

﴿وما يَنْطِقُ﴾ أيِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿صاحِبُكُمْ﴾ والنُّطْقُ مُضَمَّنُ مَعْنى الصُّدُورِ فَلِذا عُدِّيَ بِعْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنِ الهَوى﴾ وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْ ما يَصْدُرُ نُطْقُهُ فِيما آتاكم بِهِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كالقُرْآنِ، أوْ مِنَ القُرْآنِ عَنْ هَوى نَفْسِهِ ورَأْيِهِ أصْلًا فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ كَما مَرَّ مِرارًا في نَظائِرِهِ

النجم 53:4

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ مِن ذَلِكَ أوِ القُرْآنِ وكُلُّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ ﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يُوحى﴾ يُوحِيِهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوَحْيٍ رافِعَةٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( يَنْطِقُ ) لِلْقُرْآنِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: هَذا ﴿كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثِيَةَ: 29] وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَصْدُرُ نُطْقُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُطْلَقًا عَنْ هَوى وهو عائِدٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ مُطْلَقًا أيْضًا. واحْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مَن لَمْ يَرَ الِاجْتِهادَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأبِي عَلِيِّ الجِبائِيِّ وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ، ووَجْهُ الِاحْتِجاجِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ جَمِيعَ ما يَنْطِقُ بِهِ وحْيٌّ وما كانَ عَنِ اجْتِهادٍ لَيْسَ بِوَحْيٍ فَلَيْسَ مِمّا يَنْطِقُ، وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا سَوَّغَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِاجْتِهادَ كانَ الِاجْتِهادُ وما يُسْنَدُ إلَيْهِ وحْيًا لا نُطْقًا عَنِ الهَوى، وحاصِلُهُ مَنعُ كِبْرِ القِياسِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الأحْكامُ الَّتِي يَسْتَنْبِطُها المُجْتَهِدُونَ بِالقِياسِ وحْيّا، وأُجِيبَ بِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَجْتَهِدَ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، وقالَ القاضِي البَيْضاوِيُّ: إنَّهُ حِينَئِذٍ بِالوَحْيِ لا وحْيٌّ، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ غَيْرُ قادِحٍ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَتى ما ظَنَنْتَ بِكَذا فَهو حُكْمِي أيْ كُلِّ ما ألْقَيْتَهُ في قَلْبِكَ فَهو مُرادِيَ فَيَكُونُ وحْيًا حَقِيقَةً، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في أمْرِ التَّنْزِيلِ بِخُصُوصِهِ وإنْ كانَ مِثْلَهُ الأحادِيثُ القُدْسِيَّةُ والِاسْتِدْلالُ بِها عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِالوَحْيِ مُحَوَّجٌ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ وتَكَلُّفٌ في دَفْعِ نَظَرِ البَيْضاوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ عَلى العُمُومِ فَإنَّ مَن يَرى الِاجْتِهادَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالإمامِ أحْمَدِ وأبِي يُوسُفَ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ صفحة 47 لا يَقُولُ بِأنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ ﷺ مِمّا أدّى إلَيْهِ اجْتِهادَهُ صادِرً عَنْ هَوى النَّفْسِ وشَهْوَتِها حاشا حَضْرَةَ الرِّسالَةِ عَنْ ذَلِكَ وإنَّما يَقُولُ هو واسِطَةٌ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ الوَحْيِ ويُجْعَلُ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ﴾ لِلْقُرْآنِ عَلى أنَّ الكَلامَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ شَأْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فَما هَذا القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ وخالَفَ فِيهِ ما عَلَيْهِ قَوْمُهُ اسْتَمالَ بِهِ قُلُوبَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وكَثُرَتْ فِيهِ الأقاوِيلُ ؟ فَقِيلَ: ما هو إلّا وحَيٌّ يُوحِيِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَأمَّلْ، وفي الكَشْفِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ما يَنْطِقُ ) مُضارِعًا مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما ضَلَّ وما غَوى ) ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سابِقَةُ غَوايَةٍ وضَلالٌ مُنْذُ تَمَيَّزَ وقَبْلَ تَحَنُّكِهِ واسْتِنْبائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نُطْقٌ عَنِ الهَوى كَيْفَ وقَدْ تُحَنِّكُ وُنُبِّئَ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى أنْ يُشاهِدُوا مَنطِقَهُ الحَكِيمَ

النجم 53:5

﴿عَلَّمَهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيِ القُرْآنِ، أوِ الوَحْيِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْقُرْآنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ مَحْذُوفٌ أيْ عَلَّمَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ - فَإنَّهُ الواسِطَةُ في إبْداءِ الخَوارِقِ وناهِيكَ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الماءِ الأسْوَدِ الَّذِي تَحْتَ الثَّرى وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ ورَفَعَها إلى السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها، وصاحَ بِثَمُودَ صَيْحَةٌ فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ وكانَ هُبُوطُهُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وصُعُودُهُ في أسْرَعِ مِن رَجْعَةِ الطَّرَفِ، فَهو لَعَمْرِي أسْرَعُ مِن حَرَكَةِ ضِياءِ الشَّمْسِ عَلى ما قَرَّرُوهُ في الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ

النجم 53:6

﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذُو حَصافَةٍ واسْتِحْكامٍ في العَقْلِ كَما قالَ بَعْضُهم، فَكَأنَّ الأوَّلَ وُصِفَ بِقُوَّةِ الفِعْلِ، وهَذا وُصِفَ بِقُوَّةِ النَّظَرِ والعَقْلِ لَكِنْ قِيلَ: إنَّ ذاكَ بَيانٌ لِما وضَعَ لَهُ اللَّفْظُ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِ قَوِيِّ العَقْلِ والرَّأْيَ ( ذُو مِرَّةٍ ) مِن أُمْرِرَتِ الحَبْلُ إذا أُحْكِمَتْ فَتْلُهُ وإلّا فَوَصْفُ المَلَكِ بِمِثْلِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ فَهو كِنايَةٌ عَنْ ظُهُورِ الآثارِ البَدِيعَةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ذُو حِكْمَةٍ لِأنَّ كَلامَ الحُكَماءِ مَتِينٌ، ورَوى الطَّسْتِيُّ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْهُ فَقالَ: ذُو شِدَّةٍ في أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتَشْهَدَ لَهُ، وحَكى الطَّيِّبِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ذُو مَنظَرٍ حَسَنٍ واسْتَصْوَبَهُ الطَّبَرِيُّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ ذُو خُلُقٍ حَسَنٍ: وهو فِي قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سُوى»» بِمَعْنى ذِي قُوَّةٍ، وفي الكَشْفِ إنَّ ( المَرَّةَ ) لِأنَّها في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المَرَّةِ بَعْدَ المَرَّةِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ القُوَّةِ فَلا تَغْفُلْ ﴿فاسْتَوى﴾ أيْ فاسْتَقامَ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها وذَلِكَ عِنْدَ حِراءٍ في مَبادِئِ النُّبُوَّةِ وكانَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - سِتُّمِائَةُ جَناحٍ كُلُّ جَناحٍ مِنها يَسُدُّ الأُفُقَ فالِاسْتِواءُ ها هُنا بِمَعْنى اعْتِدالِ الشَّيْءِ في ذاتِهِ كَما قالَ الرّاغِبُ، وهو المُرادُ بِالِاسْتِقامَةِ لا ضِدَّ الِاعْوِجاجِ، ومِنهُ اسْتَوى الثَّمَرُ إذا نَضِجَ، وفي كَلامٍ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: طَيٌّ لِأنَّ وصْفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقُوَّةِ وبَعْضِ صِفاتِ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَآهُ في غَيْرِ هَيْئَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ وهَذا تَفْصِيلٌ لِجَوابِ سُؤالِ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ رَآهُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ رَآهُ فاسْتَوى إلَخْ، وفي الإرْشادِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى عِلْمِهِ بِطَرِيقِ التَّفْسِيرِ فَإنَّهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أوْحى﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكَيْفِيَّةَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذُكِرَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الفاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَإنَّ تَشَكُّلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَكْلِهِ يَتَسَبَّبُ عَنْ قُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الخَوارِقِ أوْ عاطِفَةِ عَلى ( عَلَّمَهُ ) عَلى مَعْنى عِلْمِهِ عَلى غَيْرِ صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ بِهِ التِئامُ الكَلامِ ويُحْسِنُ بِهِ النِّظامُ، وقِيلَ: صفحة 48 اسْتَوى بِمَعْنى ارْتَفَعَ والعَطْفُ عَلى عِلْمٍ، والمَعْنى ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ وأكْثَرُ الآثارِ تَقْتَضِي ما تَقَدَّمَ.

النجم 53:7

﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أيِ الجِهَةِ العُلْيا مِنَ السَّماءِ المُقابَلَةِ لِلنّاظِرِ، وأصْلُهُ النّاحِيَةُ وما ذَكَرَهُ أهَّلُ الهَيْئَةِ مَعْنى اصْطِلاحِيُّ ويَنْقَسِمُ عِنْدَهم إلى حَقِيقِيٍّ وغَيْرِهِ كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا مَطْلَعُ الشَّمْسِ وفي مَعْناهُ قَوْلُ الحَسَنِ: هو أُفُقُ المَشْرِقِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلٍ اسْتَوى، وقالَ الفَرّاءُ والطَّبَرِيُّ: إنْ هو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في اسْتَوى وهو عائِدٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ لِجِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُوِّزَ العَكْسُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَوى وفِيهِ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ مَعَ أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ

النجم 53:8

﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ ثُمَّ قَرَّبَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَتَدَلّى﴾ فَتَعَلَّقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الهَواءِ، ومِنهُ تَدَلَّتِ الثَّمَرَةُ ودَلّى رِجْلَيْهِ مِنَ السَّرِيرِ. والدَّوالِيُ الثَّمَرُ المُعَلَّقُ كَعَناقِيدِ العِنَبِ وأنْشَدُوا لِأبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ مُشْتارَ عَسَلٍ: تَدَلّى عَلَيْها بَيْنَ سِبٍّ وخَيْطَةٍ بِجَرْداءَ مِثْلِ الوَكْفِ يَكْبُو ومِن أسْجاعِ ابْنَةِ الخَسِّ - كُنْ حَذِرًا كالقِرِلّى إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى - فالمُرادُ بِالتَّدَلِّي دُنُوٌّ خاصٌّ فَلا قَلْبَ ولا تَأْوِيلَ بِإرادَةِ الدُّنُوِّ كَما في الإيضاحِ، نَعَمْ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّنَزُّلِ مِن عُلُوٍّ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الِاشْتِقاقُ كانَ لَهُ وجْهُ ﴿فَكانَ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أيْ مِن قِسِيِّ العَرَبِ لِأنَّ الإطْلاقَ يَنْصَرِفُ إلى مُتَعارِفِهِمْ، والقابُ، وكَذا القَيْبُ والقادُ والقَيْدُ، والقَيْسُ المِقْدارُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ قادَ، وقُرِئَ قَيْدٌ وقَدْرٌ، وقَدْ جاءَ التَّقْدِيرُ بِالقَوْسِ كالرُّمْحِ والذِّراعِ وغَيْرِهِما، ويُقالُ عَلى ما بَيْنَ مَقْبَضِ القَوْسِ وسَيْتِها، وهي ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها فَلِكُلِ قَوْسٍ قابّانِ، وفَسَّرَ بِهِ هُنا قِيلَ: وفي الكَلامِ عَلَيْهِ قَلَبٌ أيْ فَكانَ قابِيَ قَوْسٍ، وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَقُولَ قابًّا قَوْسٍ وقابَ قَوْسَيْنِ واحِدٍ دُونَ قَلْبِ، وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّ قابَ القَوْسِ ما بَيْنَ وتَرِها ومِقْبَضِها ولا حاجَةَ إلى القَلْبِ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ هَذا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَفْعَلُهُ إذا تَحالَفُوا فَإنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ قَوْسَيْنِ ويَلْصِقُونَ إحْداهُما بِالأُخْرى فَيَكُونُ القابُ مُلاصِقًا لِلْآخَرِ حَتّى كَأنَّهُما ذا قابٍ واحِدٍ ثُمَّ يَنْزِعُونَهُما مَعًا ويَرْمُونَ بِهِما سَهْمًا واحِدًا فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ رِضا أحَدِهِمْ رِضا الآخَرِ وسُخْطَهُ سُخْطُهُ لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْسُ هُنا ذِراعٌ يُقاسُ بِهِ الأطْوالُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو رَزِينٍ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّهُ مِن لُغَةِ الحِجازِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ - أيْ فَكانَ ذا قابِ قَوْسَيْنِ - ونَحْوَهُ قَوْلُهُ: فَأدْرَكَ إبْقاءَ العَرادَةِ ظَلْعُها ∗∗∗ وقَدْ جَعَلَتْنِي مِن خُزَيْمَةَ أُصْبُعا فَإنَّهُ عَلى مَعْنى ذا مِقْدارِ أُصْبُعٍ وهو القُرْبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَكانَ قَرِيبًا مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ كانَ لِلْمَسافَةِ بِتَأْوِيلِها بِالبُعْدِ ونَحْوِهِ فَلا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ الحَذْفِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿أوْ أدْنى﴾ أيْ أوْ أقْرَبَ مِن ذَلِكَ، ( وأوْ ) لِلشَّكِّ مِن جِهَةِ العِبادِ عَلى مَعْنى إذا رَآهُ الرّائِيُ يَقُولُ: هو قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، والمُرادُ إفادَةُ شِدَّةِ القُرْبِ

النجم 53:9

﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ ثُمَّ قَرَّبَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَتَدَلّى﴾ فَتَعَلَّقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الهَواءِ، ومِنهُ تَدَلَّتِ الثَّمَرَةُ ودَلّى رِجْلَيْهِ مِنَ السَّرِيرِ. والدَّوالِيُ الثَّمَرُ المُعَلَّقُ كَعَناقِيدِ العِنَبِ وأنْشَدُوا لِأبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ مُشْتارَ عَسَلٍ: تَدَلّى عَلَيْها بَيْنَ سِبٍّ وخَيْطَةٍ بِجَرْداءَ مِثْلِ الوَكْفِ يَكْبُو ومِن أسْجاعِ ابْنَةِ الخَسِّ - كُنْ حَذِرًا كالقِرِلّى إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى - فالمُرادُ بِالتَّدَلِّي دُنُوٌّ خاصٌّ فَلا قَلْبَ ولا تَأْوِيلَ بِإرادَةِ الدُّنُوِّ كَما في الإيضاحِ، نَعَمْ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّنَزُّلِ مِن عُلُوٍّ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الِاشْتِقاقُ كانَ لَهُ وجْهُ ﴿فَكانَ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أيْ مِن قِسِيِّ العَرَبِ لِأنَّ الإطْلاقَ يَنْصَرِفُ إلى مُتَعارِفِهِمْ، والقابُ، وكَذا القَيْبُ والقادُ والقَيْدُ، والقَيْسُ المِقْدارُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ قادَ، وقُرِئَ قَيْدٌ وقَدْرٌ، وقَدْ جاءَ التَّقْدِيرُ بِالقَوْسِ كالرُّمْحِ والذِّراعِ وغَيْرِهِما، ويُقالُ عَلى ما بَيْنَ مَقْبَضِ القَوْسِ وسَيْتِها، وهي ما عُطِفَ مِن طَرَفَيْها فَلِكُلِ قَوْسٍ قابّانِ، وفَسَّرَ بِهِ هُنا قِيلَ: وفي الكَلامِ عَلَيْهِ قَلَبٌ أيْ فَكانَ قابِيَ قَوْسٍ، وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَقُولَ قابًّا قَوْسٍ وقابَ قَوْسَيْنِ واحِدٍ دُونَ قَلْبِ، وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّ قابَ القَوْسِ ما بَيْنَ وتَرِها ومِقْبَضِها ولا حاجَةَ إلى القَلْبِ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ هَذا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَفْعَلُهُ إذا تَحالَفُوا فَإنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ قَوْسَيْنِ ويَلْصِقُونَ إحْداهُما بِالأُخْرى فَيَكُونُ القابُ مُلاصِقًا لِلْآخَرِ حَتّى كَأنَّهُما ذا قابٍ واحِدٍ ثُمَّ يَنْزِعُونَهُما مَعًا ويَرْمُونَ بِهِما سَهْمًا واحِدًا فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ رِضا أحَدِهِمْ رِضا الآخَرِ وسُخْطَهُ سُخْطُهُ لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْسُ هُنا ذِراعٌ يُقاسُ بِهِ الأطْوالُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو رَزِينٍ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّهُ مِن لُغَةِ الحِجازِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ - أيْ فَكانَ ذا قابِ قَوْسَيْنِ - ونَحْوَهُ قَوْلُهُ: فَأدْرَكَ إبْقاءَ العَرادَةِ ظَلْعُها ∗∗∗ وقَدْ جَعَلَتْنِي مِن خُزَيْمَةَ أُصْبُعا فَإنَّهُ عَلى مَعْنى ذا مِقْدارِ أُصْبُعٍ وهو القُرْبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَكانَ قَرِيبًا مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ كانَ لِلْمَسافَةِ بِتَأْوِيلِها بِالبُعْدِ ونَحْوِهِ فَلا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ الحَذْفِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿أوْ أدْنى﴾ أيْ أوْ أقْرَبَ مِن ذَلِكَ، ( وأوْ ) لِلشَّكِّ مِن جِهَةِ العِبادِ عَلى مَعْنى إذا رَآهُ الرّائِيُ يَقُولُ: هو قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، والمُرادُ إفادَةُ شِدَّةِ القُرْبِ

النجم 53:10

﴿فَأوْحى﴾ أيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ أيْ عَبْدِ اللَّهِ وهو النَّبِيُّ ﷺ، والإضْمارُ ولَمْ يَجْرِ لَهُ تَعالى ذِكْرٌ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الظُّهُورِ ومَثَّلَهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطِرَ: 45] صفحة 49 وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرَ: 1] ﴿ما أوْحى﴾ أيِ الَّذِي أوْحاهُ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وإبْهامُ المُوحى بِهِ لِلتَّفْخِيمِ فَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طَه: 78] وقالَ أبُو زَيْدٍ: الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ أوْحى جِبْرِيلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وهو الأحْسَنُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (أوْحى الأوَّلُ والثّانِيُ لِلَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالعَبْدِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو كَما تَرى

النجم 53:11

﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيْ فُؤادُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما ﴿رَأى﴾ ما رَآهُ بِبَصَرِهِ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيُّ ما قالَ فُؤادُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما رَآهُ بِبَصَرِهِ لَمْ أعْرَفْكَ ولَوْ قالَ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا لِأنَّهُ عَرِفَهُ بِقَلْبِهِ كَما رَآهُ بِبَصَرِهِ فَهو مِن قَوْلِهِمْ كَذِبٌ إذا قالَ كَذِبًا فَما كَذَبَ بِمَعْنى ما قالَ الكَذِبَ، وقِيلَ: أيُّ ما ﴿كَذَبَ الفُؤادُ﴾ البَصَرُ فِيما حَكاهُ لَهُ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما في عالَمِ المَلَكُوتِ تُدْرَكُ أوَّلًا بِالقَلْبِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنهُ إلى البَصَرِ. قَرَأ أبُو رَجاءَ وأبُو جَعْفَرِ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (ما كَذَّبَ ) مُشَدَّدًا أيْ صِدْقِهِ ولَمْ يَشُكْ أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَتِهِ، وفي الآياتِ مِن تَحْقِيقِ أمْرِ الوَحْيِ ما فِيها، وفي الكَشْفِ أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ﴾ أيْ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿يُوحى﴾ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا ما يُصَوِّرُ هَذا المَعْنى ويُفَصِّلُهُ لِيَتَأكَّدَ أنَّهُ وحْيٌ وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشِّعْرِ وحَدِيثِ الكُهّانِ في شَيْءٍ فَقالَ تَعالى عَلِمَ صاحِبُكم هَذا الوَحْيَ مَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ وحَدِيثُ قِيامِهِ بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ لِيُؤَكِّدَ أنَّ ما يَأْتِيهِ في صُورَةِ دَحْيَةٍ هو هو فَقْدٌ رَآهُ بِصُورَةِ نَفْسِهِ وعَرِفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَلا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ تَتْمِيمٌ لِحَدِيثِ نُزُولِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإتْيانِهِ بِالمَنزِلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأوْحى﴾ أيْ جِبْرِيلُ ذَلِكَ الوَحْيَ الَّذِي مَرَّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى عَبْدِ اللَّهِ وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: - ما أوْحى - ولَمْ يَأْتِ بِالضَّمِيرِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنَزِّلِ وأنَّهُ شَيْءٌ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ فَأنّى يَسْتَجِيزُ أحَدٌ مِن نَفْسِهِ أنْ يَقُولَ إنَّهُ شِعْرٌ أوْ حَدِيثُ كاهِنٍ، وإيثارُ عَبْدِهِ بَدَلٌ إلَيْهِ أيْ إلى صاحِبِكم لِإضافَةِ الِاخْتِصاصِ وإيثارِ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْمِ العَلَمِ في هَذا المَقامِ لِتَرْشِيحِهِ وأنَّهُ لَيْسَ عَبْدًا إلّا لَهُ عَزَّ وجَلَّ فَلا لَبْسَ لِشُهْرَتِهِ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ لا غَيْرَ، وجازَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِهِ أيْ بِسَبَبِ هَذا المُعَلِّمِ إلى عَبْدِهِ فَفي الفاءِ دَلالَةٌ عَلى هَذا المَعْنى وهَذا وجْهٌ أيْضًا سَدِيدٌ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ما ﴿كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا عَرِفَهُ وحَقَّقَهُ لَمْ يُكَذِّبْهُ فُؤادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ولَوْ تُصَوِّرُ بِغَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ إنَّهُ جِبْرِيلُ، فَهَذا نَظْمٌ سَرِيٌّ مَرْعِيٌّ فِيهِ النُّكَتُ حَقَّ الرِّعايَةِ مُطابِقٌ لِلْوُجُودِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ عَنْ واجِبِ الوِفاقِ بَيْنَ البِدايَةِ والنِّهايَةِ انْتَهى. وهُوَ كَلامُ نَفِيسٌ يُرَجِّحُ بِهِ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما لَهُ وعَلَيْهِ

النجم 53:12

﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أيْ أتُكَذِّبُونَهُ فَتُجادِلُونَهُ عَلى ما يَراهُ مُعايَنَةً فَتُمارُونَهُ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ المِراءِ وهو المُجادَلَةُ واشْتِقاقُهُ مِن مَرى النّاقَةَ إذا مَسَحَ ظَهْرَها وضَرْعَها لِيَخْرُجَ لَبَنُها وتُدِرَّ بِهِ فَشُبِّهَ بِهِ الجِدالُ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلِينَ يَطْلُبُ الوُقُوفَ عَلى ما عِنْدَ الآخَرِ لِيَلْزَمَهُ الحُجَّةُ فَكَأنَّهُ يَسْتَخْرِجُ دَرَّهُ. وقَرَأ عَلِيُّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ والجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ وابْنُ سَعْدانَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفُ «أفَتُمْرُونَهُ» بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ المِيمِ مُضارِعُ مَرَيْتُ أيْ جَحَدْتُ يُقالُ: مَرَيْتُهُ حَقَّهُ إذا جَحَدْتُهُ، وأنْشَدُوا لِذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: لَئِنْ هَجَرْتَ أخا صِدْقٍ ومَكْرُمَةٍ لَقَدْ مَرَيْتَ أخًا ما كانَ يَمْرِيكا صفحة 50 أوْ مُضارِعُ مَرَيْتُهُ إذا غَلَبْتُهُ في المِراءِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ المُغالَبَةِ، ويُجَوَّزُ حَمْلُ ما في البَيْتِ عَلَيْهِ وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِفي لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المُغالَبَةِ فَإنَّ المُجادِلَ والجاحِدَ يَقْصِدانِ بِفِعْلِهِما غَلَبَةَ الخِصْمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما حَكى ابْنُ خالَوَيْهَ والشَّعْبِيُّ فِيما ذَكَرَ شُعْبَةُ «أفَتُمْرُونَهُ» بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ المِيمِ مُضارِعُ أمْرَيْتُ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهُوَ غَلَطٌ، والمُرادُ بِما يَرى ما رَآهُ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ، وفي البَحْرِ جِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ وإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَدْ مَضَتْ إشارَةٌ إلى ما يُمْكِنُ حُدُوثُهُ بَعْدُ، وقِيلَ: المُرادُ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي يَظْهَرُ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما رَآهُ قَبْلُ وحَقَّقَهُ بِحَيْثُ لا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ بِأيِّ صُورَةِ ظَهَرَ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلى ظاهِرِهِ.

النجم 53:13

﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيْ رَأى النَّبِيُّ جِبْرِيلَ ﷺ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها ﴿نَزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ مَرَّةٍ أُخْرى مِنَ النُّزُولِ وهي فِعْلَةٌ مِنَ النُّزُولِ أُقِيمَتْ مَقامَ المَرَّةِ ونُصِبَ نَصْبُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ أصْلَ المَرَّةِ مَصْدَرُ ( مَرَّ ) يَمُرُّ ولِشِدَّةِ اتِّصالِ الفِعْلِ بِالزَّمانِ يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهُ ولَمْ يَقُلْ مَرَّةَ بَدَلِها لِيُفِيدَ أنَّ الرُّؤْيَةَ في هَذِهِ المَرَّةِ كانَتْ بِنُزُولٍ ودُنُوٍّ كالرُّؤْيَةِ في المَرَّةِ الأُولى الدّالُّ عَلَيْها ما مَرَّ، وقالَ الحَوْفَيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ نَزْلَةَ مَنصُوبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِلْحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ نازِلًا نَزْلَةً، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ - لَرَأى - مِن مَعْناهُ أيْ رُؤْيَةٍ أُخْرى وفِيهِ نَظَرٌ، والمُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ نَفْيُ الرِّيبَةِ والشَّكِّ عَنِ المَرَّةِ الأخِيرَةِ وكانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءِ

النجم 53:14

﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ هي شَجَرَةُ نَبْقٍ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى المَشْهُورِ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدٌ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم «فِي السَّماءِ السّادِسَةِ نُبْقُها كَقِلالٍ هَجَرَ وأوْراقُها مِثْلَ آذانِ الفِيَلَةِ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها سَبْعِينَ عامًا لا يَقْطَعُها»، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا ««يَسِيرُ الرّاكِبُ في الفَنَنِ مِنها مِائَةَ سَنَةٍ»» والأحادِيثُ ظاهِرَةٌ في أنَّها شَجَرَةُ نَبْقٍ حَقِيقِيَّةٌ. والنَّباتُ في الشّاهِدِ يَكُونُ تُرابِيًّا ومائِيًّا وهَوائِيًّا ولا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَخْلُقَهُ في أيِّ مَكانٍ شاءَ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ أنَّها تَنْبُتُ في أصْلِ الجَحِيمِ، وقِيلَ: إطْلاقُ السِّدْرَةِ عَلَيْها مَجازٌ لِأنَّها تَجْتَمِعُ عِنْدَها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما يَجْتَمِعُ النّاسُ في ظِلِّ السِّدْرَةِ، ( والمُنْتَهى ) اسْمُ مَكانٍ وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا، وقِيلَ: لَها ﴿سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ لِأنَّها كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ كُلِّ عالَمٍ وما وراءَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، أوْ لِأنَّها يَنْتَهِي إلَيْها عِلْمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَعْزُبُ عِلْمُهم عَمّا وراءَها. أوْ لِأنَّها تَنْتَهِي إلَيْها أعْمالُ الخَلائِقِ بِأنَّ تُعْرَضَ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَها أوْ لِأنَّها يَنْتَهِي إلَيْها ما يَنْزِلُ مِن فَوْقِها وما يَصْعَدُ مِن تَحْتِها. أوْ لِأنَّها تَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ أوْ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. أوْ لِانْتِهاءٍ مَن رُفِعَ إلَيْها في الكَرامَةِ، وفي الكَشّافِ كَأنَّها مُنْتَهى الجَنَّةِ وآخِرِها، وإضافَةُ ﴿سِدْرَةِ﴾ إلى ( المُنْتَهى ) مِن إضافَةِ الشَّيْءِ لِمَحَلِّهِ كَما في أشْجارِ البُسْتانِ، وجُوِزَ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَحَلِّ إلى الحالِ كَما في قَوْلِكَ كِتابُ الفِقْهِ، وقِيلَ: يُجَوَّزُ أنْ يَكُونَ المُرادَ بِالمُنْتَهى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ المُلْكِ إلى المالِكِ أيْ ﴿سِدْرَةِ﴾ اللَّهِ الَّذِي إلَيْهِ ﴿المُنْتَهى﴾ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النَّجْمَ: 42] وعُدْ ذَلِكَ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ يَكادُ يَكُونُ المُنْتَهى في البُعْدِ

النجم 53:15

﴿عِنْدَها﴾ أيْ عِنْدَ السِّدْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلنَّزْلَةِ وهو نازِلٌ عَنْ رُتْبَةِ القَبُولِ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ الَّتِي يَأْوِي إلَيْها المُتَّقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ وقَتادَةُ: صفحة 51 هِيَ جَنَّةٌ تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ ولَيْسَتْ بِالَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، وقِيلَ: هي جَنَّةٌ تَأْوِي إلَيْها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوَّلُ أظْهَرُ، والمَأْوى عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ اسْمُ مَكانٍ وإضافَةُ الجَنَّةِ إلَيْهِ بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ كَما في مَسْجِدِ الجامِعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يُوصَفُ بِهِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: الحالُ هو الظَّرْفُ، ( وجَنَّةُ ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ الزُّبَيْرِ وأنَسُ وزِرٌّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ وقَتادَةُ: «جِنَّهُ» بَهاءِ الضَّمِيرِ وهو ضَمِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجُنَّ فِعْلٌ ماضٍ أيْ عِنْدِها سَتْرَهُ إيواءُ اللَّهِ تَعالى: وجَمِيلُ صُنْعِهِ بِهِ، أوْ سَتَرَهُ المَأْوى بِظِلالِهِ ودَخَلَ فِيهِ عَلى أنَّ ( المَأْوى ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أوِ اسْمُ مَكانِ، وجَنَّهُ بِمَعْنى سَتَرَهُ، قالَ أبُو البَقاءِ: شاذٌّ والمُسْتَعْمَلُ أجَنَّهُ، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكَذا جَمَعَ الصَّحابَةُ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: مَن قَرَأ بِهِ فَأجَنَهُ اللَّهُ تَعالى أيْ جَعَلَهُ مَجْنُونًا أوْ أدْخَلَهُ الجَنَنَ وهو القَبْرُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا صَحَّ أنَّهُ قَرَأ بِهِ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ رَدَّهُ مِن حَيْثُ الشُّذُوذِ في الِاسْتِعْمالِ، وعائِشَةُ قَدْ حُكِيَ عَنْها الإجازَةُ أيْضًا.

النجم 53:16

﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرَآهُ: وقِيلَ: بِما بَعُدَ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ ولا يَضُرُّ التَّقَدُّمُ عَلى ما النّافِيَةِ لِلتَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ. والغَشَيانُ بِمَعْنى التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ، ومِنهُ الغَواشِيُ أوْ بِمَعْنى الإتْيانِ يُقالُ فَلانٌ يَغْشى زَيْدًا كُلَّ حِينٍ أيْ يَأْتِيهِ. والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ، وفي إبْهامِ ما ( يَغْشى ) مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى فَكَأنَّ الغاشِيَ أمْرٌ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ ولا تَسَعُهُ أرْدانُ الأذْهانِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها البَدِيعَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ الغَشَيانِ بِطَرِيقِ التَّجَدُّدِ، ووُرِدَ في بَعْضِ الأخْبارِ تَعْيِينُ هَذا الغاشِي، فَعَنِ الحَسَنِ غَشِيَها نُورُ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ شَأْنُهُ فاسْتَنارَتْ. ونَحْوَهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَغْشاها نُورُ الخَلّاقِ سُبْحانَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَشِيَها رَبُّ العِزَّةِ وجَلَّ وهو مِنَ المُتَشابِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ: يَغْشاها جَرادُ مِن ذَهَبٍ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ ذَلِكَ تُبَدِّلُ أغْصانُها لُؤْلُؤًا وياقُوتًا وزَبَرْجَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قالَ: اسْتَأْذَنَتِ المَلائِكَةُ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَنْظُرُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأُذِنَ لَهم فَغَشِيَتِ المَلائِكَةُ السِّدْرَةَ لِيَنْظُرُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي حَدِيثٍ ««رَأيْتُ عَلى كُلِّ ورَقَةٍ مِن ورَقِها مَلِكًا قائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى»» وقِيلَ: يَغْشاها رَفْرَفٌ مِن طَيْرٍ خُضْرٍ، والإبْهامُ عَلى هَذا كُلِّهِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.

النجم 53:17

﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَمّا رَآهُ ﴿وما طَغى﴾ وما تَجاوَزَهُ بَلْ أثْبَتُهُ إثْباتًا صَحِيحًا مُسْتَيْقِنًا، وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ ونَفْيٌ لِلرَّيْبِ عَنْهُ، أوْ ما عَدَلَ عَنْ رُؤْيَةِ العَجائِبِ الَّتِي أُمِرَ بِرُؤْيَتِها وما جاوَزَها إلى ما لَمْ يُؤْمَرْ بِرُؤْيَتِهِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ أيْ واللَّهِ رَأى الآياتِ الكُبْرى مِن آياتِهِ تَعالى وعَجائِبِهِ المِلْكِيَّةِ والمَلَكُوتِيَّةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ - فالكُبْرى - صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٍ لَرَأى أُقِيمَتْ مَقامَهُ ُبَعْدَ حَذْفِهِ وقُدِّرَ مَجْمُوعًا لِيُطابِقَ الواقِعَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( الكُبْرى ) صِفَةُ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى، ( ولَقَدْ رَأى ) بَعْضًا مِنَ الآياتِ الكُبْرى، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّعْظِيمَ والمُبالَغَةَ فَيَنْبَغِي أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّ المَرْئِيَّ الآياتُ الكُبْرى وجُوِّزَتِ الوَصْفِيَّةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَوْنِ مِن مَزِيدَةً، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ زِيادَةَ مِن في الإثْباتِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلى جَوازِهِ، وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ تَعْيِينُ ما رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في صفحة 52 الآيَةِ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الصُّورَةِ الَّتِي هو بِها، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى الحَصْرِ كَما لا يَخْفى فَقَدْ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ كُبْرى لَيْلَةَ المِعْراجِ لا تُحْصى ولا تَكادُ تُسْتَقْصى «هَذا وُفي الآَياتِ» أقْوالٌ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ، فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ هو اللَّهُ تَعالى، وجَمَعَ ﴿القُوى﴾ لِلتَّعْظِيمِ ويُفَسِّرُ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ عَلَيْهِ بِذِي حِكْمَةٍ ونَحْوَهُ مِمّا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ عَلَيْهِ لَهُ سُبْحانَهُ أيْضًا. وقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى العَظَمَةِ والقُدْرَةِ السُّلْطانِ، ولَعَلَّ الحَسَنَ يَجْعَلُ الضَّمائِرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ لَهُ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا، وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى، لَقَدْ رَأى مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبَّهُ وفَسَّرَ دُنُوَّهُ تَعالى مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِرَفْعِ مَكانَتِهِ ﷺ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَدُلِّيَهُ جَلَّ وعَلا بِجَذْبِهِ بِشَراشِرِهِ إلى جانِبِ القُدْسِ، ويُقالُ لِهَذا الجَذْبِ: الفَناءُ في اللَّهِ تَعالى عِنْدَ المُتَألِّهِينَ، وأُرِيدَ بِنُزُولِهِ سُبْحانَهُ نَوْعٌ مِن دُنُوِّهِ المَعْنَوِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ. ومَذْهَبُ السَّلَفِ في مِثْلِ ذَلِكَ إرْجاعُ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ في ﴿دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ ثُمَّ دَنا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَكانَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ والضَّمائِرُ في ( فَأوْحى ) إلَخْ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ لِلتَّفْخِيمِ، وأمْرُ المُتَشابِهِ قَدْ عُلِمَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ إلى أنَّهُ في أمْرِ الوَحْيِ وتُلْقِيِهِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتُ فِيما تَقَدَّمَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ إلَخْ إلى أنَّهُ في أمْرِ العُرُوجِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ ودُنُوِّهِ سُبْحانَهُ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ جَلَّ وعَلا فالضَّمائِرُ في ( دَنا ) و(تَدَلّى( و(كانَ) ( وأوْحى ) وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( رَآهُ ) لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما في حَدِيثِ أنَسٍ عِنْدَ البُخارِيِّ مِن طَرِيقِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «ثُمَّ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلَيْهِ فِيما أوْحى خَمْسِينَ صَلاةً»» الحَدِيثُ، فَإنَّهُ ظاهِرٌ فِيما ذَكَرَ. واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ مُثَبِّتُو الرُّؤْيَةِ كَحَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ، وادَّعَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خِلافَ ذَلِكَ، أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: ««كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عائِشَةَ فَقالَتْ: يا أبا عائِشَةَ ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى الفِرْيَةَ قُلْتُ ما هُنَّ ؟ قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ، قالَ: وكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْظِرِينِي ولا تَعْجَلِينِي ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التَّكْوِيرَ: 23] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ؟ فَقالَتْ: أنا أوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَألَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: لا إنَّما هو جِبْرِيلُ لَمْ أرَهُ عَلى صُورَتِهِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْها غَيْرَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ رَأيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، الحَدِيثَ» . وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ ««فَقالَتْ: أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذا فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقالَ: إنَّما رَأيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا»» ولا يَخْفى أنَّ جَوابَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرٌ في أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ( رَآهُ ) لَيْسَ راجِعًا إلَيْهِ تَعالى بَلْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشاعِرُ أنَّها تَنْفِي أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا، وتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ﴾ [الأنْعامَ: 103] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ صفحة 53 ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشُّورى: 51] وهو ظاهِرٌ ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها إنَّما تَنْفِي رُؤْيَةً تَدُلُّ عَلَيْها الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها وهي الَّتِي احْتَجَّ بِها مَسْرُوقٌ. وحاصِلُ ما رُوِيَ عَنْها نَفِي صِحَّةِ الِاحْتِجاجِ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ عَلى رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِبَيانٍ أنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِيها إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاها، وحَمْلُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَوابِها «لا» عَلى أنَّهُ نُفِيٌ لِلرُّؤْيَةِ المَخْصُوصَةِ وهي الَّتِي يَظُنُّ دَلالَةُ الآيَةِ عَلَيْها ويَرْجِعُ إلى نَفْيِ الدَّلالَةِ ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ الخاصِّ انْتِفاءَ المُطْلَقِ، والإنْصافُ أنَّ الأخْبارَ ظاهِرَةٌ في أنَّها تَنْفِي الرُّؤْيَةَ مُطْلَقًا، وتَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِالآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وقَدْ أجابَ عَنْهُما مُثَبِّتُو الرُّؤْيَةِ بِما هو مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَقُلْ بِالرُّؤْيَةِ إلّا عَنْ سَماعٍ، وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدٌ أنَّهُ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأيْتُ رَبِّيَ»» ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الصّالِحِيُ الشّامِيُّ تِلْمِيذُ الحافِظِ السُّيُوطِيِّ في الآياتِ البَيِّناتِ وصَحَّحَهُ، وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ قَوْلِي ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ بِأنَّ قَوْلَ عائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ رُؤْيَتِهِ تَعالى في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ المَنعُوتُ بِأنَّهُ لا يَقُومُ لَهُ بَصَرٌ، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مَحْمُولٌ عَلى ثُبُوتِ رُؤْيَتِهِ تَعالى في نُورِهِ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في جَوابِ عِكْرِمَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾: ويْحَكَ ذاكَ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ، وبِهِ يَظْهَرُ الجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ أبِي ذَرٍّ، أخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ أبي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: «نُورانِيٌّ أراهُ»» ومِن طَرِيقِ هِشامٍ وهَمّامٍ كِلاهُما عَنْ قَتادَةَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قُلَتْ لِأبِي ذَرٍ لَوْ رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَسَألْتُهُ فَقالَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْألُهُ ؟ قالَ: كُنْتُ أسْألُهُ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقالَ أبُو ذَرٍ: قَدْ سَألْتُهُ فَقالَ: «رَأيْتُ نُورًا»» فَيُحْمَلُ النُّورُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَلى النُّورِ القاهِرِ لِلْأبْصارِ بِجَعْلِ التَّنْوِينِ لِلنَّوْعِيَّةِ أوْ لِلتَّعْظِيمِ، والنُّورُ في الثّانِي عَلى ما لا يَقُومُ لَهُ البَصَرُ والتَّنْوِينُ لِلنَّوْعِيَّةِ، وإنْ صَحَتْ رِوايَةُ الأوَّلِ كَما حَكاهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِرِيِّ بِلَفْظِ «نُورانِيٌّ» بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ لَمْ يَكُنِ اخْتِلافٌ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ ويَكُونُ نُورانِيُّ بِمَعْنى المَنسُوبِ إلى النُّورِ عَلى خِلافِ القِياسِ ويَكُونُ المَنسُوبُ إلَيْهِ هو نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ، والمَنسُوبُ هو النُّورُ المَحْمُولُ عَلى الحِجابِ حَمْلَ مُواطَأةٍ في حَدِيثِ السُّبُحاتِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««حِجابُهُ النُّورُ»» وهو النُّورُ المانِعُ مِنَ الإحْراقِ الَّذِي يَقُومُ لَهُ البَصَرُ. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِالرُّؤْيَةِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِعَيْنِهِ، ورَوى ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأحْمَدِ بْنِ حَنْبَلِ، ومِنهم مَن قالَ: رَآهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَلْبِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي ذَرٍ، أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ولَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ» وكَذا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ بَلْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ رَأيْتُ رَبَّكَ ؟ قالَ: «رَأيْتُهُ بِفُؤادِي مَرَّتَيْنِ ولَمْ أرَهُ بِعَيْنِي ثُمَّ قَرَأ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾»» وفي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ ««فَجُعِلَ نُورُ بَصَرِي في فُؤادِي فَنَظَرْتُ إلَيْهِ بِفُؤادِي»» وكَأنَّ التَّقْدِيرَ في الآيَةِ عَلى هَذا ما ﴿كَذَبَ الفُؤادُ﴾ فِيما ( رَأى )، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إحْدى الرُّؤْيَتَيْنِ كانَتْ بِالعَيْنِ والأُخْرى بِالفُؤادِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِبَصَرِهِ ومَرَّةً بِفُؤادِهِ ونَقَلَ القاضِي عِياضٌ عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ أنَّهُ تَوَقَّفَ أيْ صفحة 54 فِي الرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ، وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ واضِحٌ قالَ في الكَشْفِ: لِأنَّ الرِّواياتِ مُصَرِّحَةٌ بِالرُّؤْيَةِ أمّا أنَّها بِالعَيْنِ فَلا، وعَنِ الإمامِ أحْمَدِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا سُئِلَ عَنِ الرُّؤْيَةِ رَآهُ رَآهُ حَتّى يَنْقَطِعَ نَفْسُهُ ولا يَزِيدَ عَلى ذَلِكَ وكَأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ما ذَكَرْناهُ، واخْتَلَفَ فِيما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ فَجَزَمَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن أنَّ الدُّنُوَّ والتَّدَلِّيَ مُقَسَّمٌ ما بَيْنَ النَّبِيِّ وجِبْرِيلَ صَلاةُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِما أيْ وأنَّ المَرْئِيَّ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا صَحَّ خَبَرُ جَوابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مَحِيصٌ عَنِ القَوْلِ بِهِ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهُ النَّظْمُ إجْراءَ الكَلامِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ عَلى أمْرِ الوَحْيِ وتُلْقِيهِ مِنَ المَلِكِ ورَفْعِ شُبَهِ الخُصُومِ، ومِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ عَلى أمْرِ العُرُوجِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ، ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى عَلى كُلِّ ذِي لُبٍّ إباءُ مَقامٍ ﴿فَأوْحى﴾ الحَمْلُ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ أوْحى إلى عَبْدِ اللَّهِ ﴿ما أوْحى﴾ إذْ لا يَذُوقُ مِنهُ أرْبابُ القُلُوبِ إلّا مَعْنى المُناغاةِ بَيْنَ المُتَسارِّينَ وما يَضِيقُ عَنْهُ بِساطُ الوَهْمِ ولا يُطِيقُهُ نِطاقُ الفَهْمِ، وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) عَلى هَذا لِلتَّراخِيِ الرُّتْبِيِّ والفَرْقُ بَيْنَ الوَحْيَيْنِ أنَّ أحَدَهُما وحَيٌّ بِواسِطَةٍ وتَعْلِيمٍ، والآخِرَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ بِجِهَةِ التَّكْرِيمِ فَيَحْصُلُ عَنْهُ عِنْدَهُ التَّرَقِّيُ مِن مَقامِ ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: 164] إلى مَخْدَعِ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ عَلَيْهِ الرِّضا أنَّهُ قالَ: لَمّا قَرُبَ الحَبِيبُ غايَةَ القُرْبِ نالَتْهُ غايَةُ الهَيْبَةِ فَلاطَفَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ بِغايَةِ اللُّطْفِ لِأنَّهُ لا تُتَحَمَّلُ غايَةُ الهَيْبَةِ إلّا بِغايَةِ اللُّطْفِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ أيْ كانَ ما كانَ وجَرى ما جَرى قالَ الحَبِيبُ لِلْحَبِيبِ ما يَقُولُ الحَبِيبُ لِحَبِيبِهِ وألْطَفُ بِهِ إلْطافَ الحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ وأسَرَّ إلَيْهِ ما يُسِرُّ الحَبِيبُ إلى حَبِيبِهِ فَأخْفَيا ولَمْ يُطْلِعا عَلى سِرِّهِما أحَدًا وإلى نَحْوِ هَذا يُشِيرُ ابْنُ الفارِضِ بِقَوْلِهِ: ولَـقَدْ خَلَوْتُ مَعَ الحَبِيبِ وبَيْنَنا سِرٌّ أرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ إذا سَرى ومُعْظَمُ الصُّوفِيَّةِ عَلى هَذا فَيَقُولُونَ بِدُنُوِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودُنُوُّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ وكَذا يَقُولُونَ بِالرُّؤْيَةِ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾: ما زاغَ بَصَرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما التَفَتَ إلى الجَنَّةِ ومُزَخْرَفاتِها ولا إلى الجَحِيمِ وزَفَراتِها بَلْ كانَ شاخِصًا إلى الحَقِّ ﴿وما طَغى﴾ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وقالَ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ: ما زاغَ البَصَرُ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ البَصِيرَةِ ولَمْ يَتَقاصَرْ ﴿وما طَغى﴾ لَمْ يَسْبِقِ البَصَرُ البَصِيرَةَ ويَتَعَدّى مَقامَهُ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسَتُرِيُّ: لَمْ يَرْجِعْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى شاهِدِ نَفْسِهِ وإلى مُشاهَدَتِها وإنَّما كانَ مُشاهِدًا لِرَبِّهِ تَعالى يُشاهِدُ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي أوْجَبَتِ الثُّبُوتَ في ذَلِكَ المَحَلِّ، وأرْجِعَ بَعْضُهُمُ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مُنْتَهى وُصُولِ اللَّطائِفِ، وفَسَّرَ ﴿سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ بِما يَكُونُ مُنْتَهى سَيْرِ السّالِكِينَ إلَيْهِ ولا يُمْكِنُ لَهم مُجاوَزَتُهُ إلّا بِجَذْبَةٍ مِن جَذَباتِ الحَقِّ، وقالُوا في ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ ما قالُوا وأنا أقُولُ بِرُؤْيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ وبِدُنُوِّهِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ ذَهَبَ فِيما اقْتَضاهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ إلى ما قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أمْ ذَهَبْتَ فِيهِ إلى ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

النجم 53:18

﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَمّا رَآهُ ﴿وما طَغى﴾ وما تَجاوَزَهُ بَلْ أثْبَتُهُ إثْباتًا صَحِيحًا مُسْتَيْقِنًا، وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ ونَفْيٌ لِلرَّيْبِ عَنْهُ، أوْ ما عَدَلَ عَنْ رُؤْيَةِ العَجائِبِ الَّتِي أُمِرَ بِرُؤْيَتِها وما جاوَزَها إلى ما لَمْ يُؤْمَرْ بِرُؤْيَتِهِ. ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ أيْ واللَّهِ رَأى الآياتِ الكُبْرى مِن آياتِهِ تَعالى وعَجائِبِهِ المِلْكِيَّةِ والمَلَكُوتِيَّةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ - فالكُبْرى - صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٍ لَرَأى أُقِيمَتْ مَقامَهُ ُبَعْدَ حَذْفِهِ وقُدِّرَ مَجْمُوعًا لِيُطابِقَ الواقِعَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( الكُبْرى ) صِفَةُ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى، ( ولَقَدْ رَأى ) بَعْضًا مِنَ الآياتِ الكُبْرى، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّعْظِيمَ والمُبالَغَةَ فَيَنْبَغِي أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّ المَرْئِيَّ الآياتُ الكُبْرى وجُوِّزَتِ الوَصْفِيَّةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَوْنِ مِن مَزِيدَةً، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ زِيادَةَ مِن في الإثْباتِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلى جَوازِهِ، وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ تَعْيِينُ ما رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في صفحة 52 الآيَةِ رَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الصُّورَةِ الَّتِي هو بِها، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى الحَصْرِ كَما لا يَخْفى فَقَدْ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ كُبْرى لَيْلَةَ المِعْراجِ لا تُحْصى ولا تَكادُ تُسْتَقْصى «هَذا وُفي الآَياتِ» أقْوالٌ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ، فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ هو اللَّهُ تَعالى، وجَمَعَ ﴿القُوى﴾ لِلتَّعْظِيمِ ويُفَسِّرُ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ عَلَيْهِ بِذِي حِكْمَةٍ ونَحْوَهُ مِمّا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَوى﴾ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ عَلَيْهِ لَهُ سُبْحانَهُ أيْضًا. وقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى العَظَمَةِ والقُدْرَةِ السُّلْطانِ، ولَعَلَّ الحَسَنَ يَجْعَلُ الضَّمائِرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ لَهُ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا، وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى، لَقَدْ رَأى مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبَّهُ وفَسَّرَ دُنُوَّهُ تَعالى مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِرَفْعِ مَكانَتِهِ ﷺ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَدُلِّيَهُ جَلَّ وعَلا بِجَذْبِهِ بِشَراشِرِهِ إلى جانِبِ القُدْسِ، ويُقالُ لِهَذا الجَذْبِ: الفَناءُ في اللَّهِ تَعالى عِنْدَ المُتَألِّهِينَ، وأُرِيدَ بِنُزُولِهِ سُبْحانَهُ نَوْعٌ مِن دُنُوِّهِ المَعْنَوِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ. ومَذْهَبُ السَّلَفِ في مِثْلِ ذَلِكَ إرْجاعُ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ في ﴿دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ ثُمَّ دَنا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَكانَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ والضَّمائِرُ في ( فَأوْحى ) إلَخْ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ لِلتَّفْخِيمِ، وأمْرُ المُتَشابِهِ قَدْ عُلِمَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ إلى أنَّهُ في أمْرِ الوَحْيِ وتُلْقِيِهِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتُ فِيما تَقَدَّمَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ إلَخْ إلى أنَّهُ في أمْرِ العُرُوجِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ ودُنُوِّهِ سُبْحانَهُ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ جَلَّ وعَلا فالضَّمائِرُ في ( دَنا ) و(تَدَلّى( و(كانَ) ( وأوْحى ) وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( رَآهُ ) لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما في حَدِيثِ أنَسٍ عِنْدَ البُخارِيِّ مِن طَرِيقِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «ثُمَّ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلَيْهِ فِيما أوْحى خَمْسِينَ صَلاةً»» الحَدِيثُ، فَإنَّهُ ظاهِرٌ فِيما ذَكَرَ. واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ مُثَبِّتُو الرُّؤْيَةِ كَحَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ، وادَّعَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خِلافَ ذَلِكَ، أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: ««كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عائِشَةَ فَقالَتْ: يا أبا عائِشَةَ ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى الفِرْيَةَ قُلْتُ ما هُنَّ ؟ قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ، قالَ: وكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْظِرِينِي ولا تَعْجَلِينِي ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التَّكْوِيرَ: 23] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ؟ فَقالَتْ: أنا أوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَألَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: لا إنَّما هو جِبْرِيلُ لَمْ أرَهُ عَلى صُورَتِهِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْها غَيْرَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ رَأيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، الحَدِيثَ» . وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ ««فَقالَتْ: أنا أوَّلُ مَن سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذا فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقالَ: إنَّما رَأيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا»» ولا يَخْفى أنَّ جَوابَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرٌ في أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ( رَآهُ ) لَيْسَ راجِعًا إلَيْهِ تَعالى بَلْ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشاعِرُ أنَّها تَنْفِي أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا، وتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ﴾ [الأنْعامَ: 103] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ صفحة 53 ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشُّورى: 51] وهو ظاهِرٌ ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها إنَّما تَنْفِي رُؤْيَةً تَدُلُّ عَلَيْها الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها وهي الَّتِي احْتَجَّ بِها مَسْرُوقٌ. وحاصِلُ ما رُوِيَ عَنْها نَفِي صِحَّةِ الِاحْتِجاجِ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ عَلى رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِبَيانٍ أنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِيها إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاها، وحَمْلُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَوابِها «لا» عَلى أنَّهُ نُفِيٌ لِلرُّؤْيَةِ المَخْصُوصَةِ وهي الَّتِي يَظُنُّ دَلالَةُ الآيَةِ عَلَيْها ويَرْجِعُ إلى نَفْيِ الدَّلالَةِ ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ الخاصِّ انْتِفاءَ المُطْلَقِ، والإنْصافُ أنَّ الأخْبارَ ظاهِرَةٌ في أنَّها تَنْفِي الرُّؤْيَةَ مُطْلَقًا، وتَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِالآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وقَدْ أجابَ عَنْهُما مُثَبِّتُو الرُّؤْيَةِ بِما هو مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَقُلْ بِالرُّؤْيَةِ إلّا عَنْ سَماعٍ، وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدٌ أنَّهُ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأيْتُ رَبِّيَ»» ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الصّالِحِيُ الشّامِيُّ تِلْمِيذُ الحافِظِ السُّيُوطِيِّ في الآياتِ البَيِّناتِ وصَحَّحَهُ، وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ قَوْلِي ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ بِأنَّ قَوْلَ عائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ رُؤْيَتِهِ تَعالى في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ المَنعُوتُ بِأنَّهُ لا يَقُومُ لَهُ بَصَرٌ، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مَحْمُولٌ عَلى ثُبُوتِ رُؤْيَتِهِ تَعالى في نُورِهِ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في جَوابِ عِكْرِمَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾: ويْحَكَ ذاكَ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ، وبِهِ يَظْهَرُ الجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ أبِي ذَرٍّ، أخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ أبي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: «نُورانِيٌّ أراهُ»» ومِن طَرِيقِ هِشامٍ وهَمّامٍ كِلاهُما عَنْ قَتادَةَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قُلَتْ لِأبِي ذَرٍ لَوْ رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَسَألْتُهُ فَقالَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْألُهُ ؟ قالَ: كُنْتُ أسْألُهُ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقالَ أبُو ذَرٍ: قَدْ سَألْتُهُ فَقالَ: «رَأيْتُ نُورًا»» فَيُحْمَلُ النُّورُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَلى النُّورِ القاهِرِ لِلْأبْصارِ بِجَعْلِ التَّنْوِينِ لِلنَّوْعِيَّةِ أوْ لِلتَّعْظِيمِ، والنُّورُ في الثّانِي عَلى ما لا يَقُومُ لَهُ البَصَرُ والتَّنْوِينُ لِلنَّوْعِيَّةِ، وإنْ صَحَتْ رِوايَةُ الأوَّلِ كَما حَكاهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِرِيِّ بِلَفْظِ «نُورانِيٌّ» بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ لَمْ يَكُنِ اخْتِلافٌ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ ويَكُونُ نُورانِيُّ بِمَعْنى المَنسُوبِ إلى النُّورِ عَلى خِلافِ القِياسِ ويَكُونُ المَنسُوبُ إلَيْهِ هو نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ، والمَنسُوبُ هو النُّورُ المَحْمُولُ عَلى الحِجابِ حَمْلَ مُواطَأةٍ في حَدِيثِ السُّبُحاتِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««حِجابُهُ النُّورُ»» وهو النُّورُ المانِعُ مِنَ الإحْراقِ الَّذِي يَقُومُ لَهُ البَصَرُ. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِالرُّؤْيَةِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِعَيْنِهِ، ورَوى ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأحْمَدِ بْنِ حَنْبَلِ، ومِنهم مَن قالَ: رَآهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَلْبِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي ذَرٍ، أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ولَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ» وكَذا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ بَلْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ رَأيْتُ رَبَّكَ ؟ قالَ: «رَأيْتُهُ بِفُؤادِي مَرَّتَيْنِ ولَمْ أرَهُ بِعَيْنِي ثُمَّ قَرَأ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾»» وفي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ ««فَجُعِلَ نُورُ بَصَرِي في فُؤادِي فَنَظَرْتُ إلَيْهِ بِفُؤادِي»» وكَأنَّ التَّقْدِيرَ في الآيَةِ عَلى هَذا ما ﴿كَذَبَ الفُؤادُ﴾ فِيما ( رَأى )، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إحْدى الرُّؤْيَتَيْنِ كانَتْ بِالعَيْنِ والأُخْرى بِالفُؤادِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِبَصَرِهِ ومَرَّةً بِفُؤادِهِ ونَقَلَ القاضِي عِياضٌ عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ أنَّهُ تَوَقَّفَ أيْ صفحة 54 فِي الرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ، وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ واضِحٌ قالَ في الكَشْفِ: لِأنَّ الرِّواياتِ مُصَرِّحَةٌ بِالرُّؤْيَةِ أمّا أنَّها بِالعَيْنِ فَلا، وعَنِ الإمامِ أحْمَدِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا سُئِلَ عَنِ الرُّؤْيَةِ رَآهُ رَآهُ حَتّى يَنْقَطِعَ نَفْسُهُ ولا يَزِيدَ عَلى ذَلِكَ وكَأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ما ذَكَرْناهُ، واخْتَلَفَ فِيما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ فَجَزَمَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن أنَّ الدُّنُوَّ والتَّدَلِّيَ مُقَسَّمٌ ما بَيْنَ النَّبِيِّ وجِبْرِيلَ صَلاةُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِما أيْ وأنَّ المَرْئِيَّ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا صَحَّ خَبَرُ جَوابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مَحِيصٌ عَنِ القَوْلِ بِهِ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهُ النَّظْمُ إجْراءَ الكَلامِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ عَلى أمْرِ الوَحْيِ وتُلْقِيهِ مِنَ المَلِكِ ورَفْعِ شُبَهِ الخُصُومِ، ومِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ عَلى أمْرِ العُرُوجِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ، ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى عَلى كُلِّ ذِي لُبٍّ إباءُ مَقامٍ ﴿فَأوْحى﴾ الحَمْلُ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ أوْحى إلى عَبْدِ اللَّهِ ﴿ما أوْحى﴾ إذْ لا يَذُوقُ مِنهُ أرْبابُ القُلُوبِ إلّا مَعْنى المُناغاةِ بَيْنَ المُتَسارِّينَ وما يَضِيقُ عَنْهُ بِساطُ الوَهْمِ ولا يُطِيقُهُ نِطاقُ الفَهْمِ، وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) عَلى هَذا لِلتَّراخِيِ الرُّتْبِيِّ والفَرْقُ بَيْنَ الوَحْيَيْنِ أنَّ أحَدَهُما وحَيٌّ بِواسِطَةٍ وتَعْلِيمٍ، والآخِرَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ بِجِهَةِ التَّكْرِيمِ فَيَحْصُلُ عَنْهُ عِنْدَهُ التَّرَقِّيُ مِن مَقامِ ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: 164] إلى مَخْدَعِ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ عَلَيْهِ الرِّضا أنَّهُ قالَ: لَمّا قَرُبَ الحَبِيبُ غايَةَ القُرْبِ نالَتْهُ غايَةُ الهَيْبَةِ فَلاطَفَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ بِغايَةِ اللُّطْفِ لِأنَّهُ لا تُتَحَمَّلُ غايَةُ الهَيْبَةِ إلّا بِغايَةِ اللُّطْفِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ أيْ كانَ ما كانَ وجَرى ما جَرى قالَ الحَبِيبُ لِلْحَبِيبِ ما يَقُولُ الحَبِيبُ لِحَبِيبِهِ وألْطَفُ بِهِ إلْطافَ الحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ وأسَرَّ إلَيْهِ ما يُسِرُّ الحَبِيبُ إلى حَبِيبِهِ فَأخْفَيا ولَمْ يُطْلِعا عَلى سِرِّهِما أحَدًا وإلى نَحْوِ هَذا يُشِيرُ ابْنُ الفارِضِ بِقَوْلِهِ: ولَـقَدْ خَلَوْتُ مَعَ الحَبِيبِ وبَيْنَنا سِرٌّ أرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ إذا سَرى ومُعْظَمُ الصُّوفِيَّةِ عَلى هَذا فَيَقُولُونَ بِدُنُوِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودُنُوُّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ وكَذا يَقُولُونَ بِالرُّؤْيَةِ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾: ما زاغَ بَصَرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما التَفَتَ إلى الجَنَّةِ ومُزَخْرَفاتِها ولا إلى الجَحِيمِ وزَفَراتِها بَلْ كانَ شاخِصًا إلى الحَقِّ ﴿وما طَغى﴾ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وقالَ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ: ما زاغَ البَصَرُ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ البَصِيرَةِ ولَمْ يَتَقاصَرْ ﴿وما طَغى﴾ لَمْ يَسْبِقِ البَصَرُ البَصِيرَةَ ويَتَعَدّى مَقامَهُ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسَتُرِيُّ: لَمْ يَرْجِعْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى شاهِدِ نَفْسِهِ وإلى مُشاهَدَتِها وإنَّما كانَ مُشاهِدًا لِرَبِّهِ تَعالى يُشاهِدُ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي أوْجَبَتِ الثُّبُوتَ في ذَلِكَ المَحَلِّ، وأرْجِعَ بَعْضُهُمُ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مُنْتَهى وُصُولِ اللَّطائِفِ، وفَسَّرَ ﴿سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ بِما يَكُونُ مُنْتَهى سَيْرِ السّالِكِينَ إلَيْهِ ولا يُمْكِنُ لَهم مُجاوَزَتُهُ إلّا بِجَذْبَةٍ مِن جَذَباتِ الحَقِّ، وقالُوا في ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ ما قالُوا وأنا أقُولُ بِرُؤْيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ وبِدُنُوِّهِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ ذَهَبَ فِيما اقْتَضاهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ إلى ما قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أمْ ذَهَبْتَ فِيهِ إلى ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

النجم 53:19

﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ هي أصْنامٌ كانَتْ لَهم فاللّاتُ كَما قالَ قَتادَةُ: لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ، وأنْشَدُوا: وفَّرَتْ ثَقِيفٌ إلى لاتَها بِمُنْقَلِبِ الخائِبِ الخاسِرِ صفحة 55 وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَ بِالكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ يَعْبُدُهُ قُرَيْشُ، ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ قَتادَةَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يُمْكِنُ الجَمْعُ بِأنْ يَكُونَ المُسَمّى بِذَلِكَ أصْنامًا فَأخْبَرَ عَنْ كُلِّ صَنَمٍ بِمَكانِهِ، والتّاءُ فِيهِ قِيلَ: أصْلِيَّةٌ وهي لامُ الكَلِمَةِ كالباءِ في بابِ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ فِيما يَظْهَرُ مِن ياءٍ لِأنَّ مادَّةَ «لَ يَ تَ» مَوْجُودَةٌ فَإنْ وُجِدَتْ مادَّةُ «لَ وتَ» جازَ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ، وقِيلَ: تاءُ العِوَضِ، والأصْلُ لَوْيَةٌ بِزِنَةِ فِعْلَةِ مِن لَوى لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْهِ ويَعْتَكِفُونَ لِلْعِبادَةِ، أوْ يَلْتَوُونَ عَلَيْهِ أيْ يَطُوفُونَ فَخَفَّفَ بِحَذْفِ الياءِ وأُبْدِلَتْ واوُهُ ألِفًا، وعِوَضَ عَنِ الياءِ تاءً فَصارَتْ كَتاءِ أُخْتٍ وبِنْتٍ، ولِذا وقَفَ عَلَيْها بِالتّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ وأبُو صالِحٍ وطَلْحَةُ وأبُو الجَوْزاءِ ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن لَتَّ يَلِتُّ إذا عَجَنَ قِيلَ: كانَ رَجُلٌ يَلِتُّ السَّوِيقِ لِلْحاجِّ عَلى حَجَرٍ فَلَمّا ماتَ عَبَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ إجْلالًا لَهُ وسَمُّوهُ بِذَلِكَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ عَلى صَخْرَةٍ في الطّائِفِ يَصْنَعُ حَيْسًا ويُطْعِمُ مَن ( يَمُرُّ ) مِنَ النّاسِ فَلَمّا ماتَ عَبَدُوهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنَ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَلِتُّ السَّوِيقَ عَلى الحَجَرِ فَلا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ إلّا سَمِنَ فَعَبَدُوهُ، وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا ماتَ قالَ لَهم عَمْرُو بْنُ لِحْيٍ: إنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوها وبَنَوْا عَلَيْها بَيَّتا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: كانَ رَجُلُ مِن ثَقِيفٍ يَلِتُّ السَّوِيقَ بِالزَّيْتِ فَلَمّا تُوُفِّيَ جَعَلُوا قَبَرَهُ وثَنًا، وزَعَمَ النّاسُ أنَّهُ عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ أحَدُ عُدْوانِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ( والعُزّى ) لِغَطَفانَ وهي عَلى المَشْهُورِ سُمْرَةٌ بِنَخْلَةِ - كَما قالَ قَتادَةُ - وأصَّلُها تَأْنِيثُ الأعَزِّ، وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: ««لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى نَخْلَةٍ وكانَتْ بِها العُزّى فَأتاها خالِدٌ وكانَتْ ثَلاثَ سَمَراتٍ فَقَطَعَ السَّمَراتِ وهَدْمَ البَيْتَ الَّذِي كانَ عَلَيْها ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: ارْجِعْ فَإنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا فَرَجَعَ خالِدٌ فَلَمّا أبْصَرَتْهُ السَّدَنَةُ مَضَوْا وهم يَقُولُونَ يا عُزّى يا عُزّى فَأتاها فَإذا امْرَأةً عُرْيانَةً ناشِرَةً شَعْرَها تَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِها فَجَعَلَ يَضْرِبُها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَها ثُمَّ رَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تِلْكَ العُزّى»» وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْها خالِدًا فَقَطَعَها فَخَرَجَتْ مِنهُ شَيْطانَةٌ ناشِرَةٌ شَعْرَها داعِيَةً ويْلَها واضِعَةً يَدَها عَلى رَأْسِها فَضَرَبَها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَها وهو يَقُولُ: يا عُزَّ كُفْرانَكَ لا سُبْحانَكَ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ ورَجَعَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «تِلْكَ العُزّى ولَنْ تُعْبَدَ أبَدا»» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العُزّى بِالطّائِفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ بِالكَعْبَةِ، وأيَّدَهُ في البَحْرِ بِقَوْلِ أبِي سُفْيانَ في بَعْضِ الحُرُوبِ لِلْمُسْلِمِينَ لَنا العُزّى ولا عَزّى لَكم، وذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ صَنَمٌ وجُمِعَ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ.

النجم 53:20

﴿ومَناةَ﴾ قِيلَ: صَخْرَةٌ كانَتْ لِهَذِيلٍ وخُزاعَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِثَقِيفٍ، وعَنْ قَتادَةَ لِلْأنْصارِ بِقَدِيدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتْ بِالكَعْبَةِ أيْضًا، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّها ثَلاثَتُها كانَتْ فِيها قالَ: لِأنَّ المُخاطَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: أفَرَأيْتُمْ قُرَيْشَ ؟ وفِيهِ بَحْثٌ، ومَناةَ مَقْصُورَةٌ قِيلَ: وزْنُها فَعَلَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ دِماءَ النِّسائِكِ كانَتْ تُمْنى عِنْدَها أيْ تُراقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى ما في البَحْرِ مُناءَةً بِالمَدِّ والهَمْزَةِ كَما في قَوْلِهِ: ألا هَلْ أتى التَّيْمُ بْنُ عَبْدِ مَناءَةَ عَلى النَّأْيِ عَلى الشَّنْءِ فِيما بَيْنَنا ابْنَ تَمِيمِ ووَزْنُها مَفْعَلَةٌ فالألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ كَما في مَقالَةِ، والهَمْزَةُ أصْلٌ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّوْءِ كَأنَّهم كانُوا صفحة 56 يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ صِفَتانِ لِمَناةَ وهُما عَلى ما قِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ كَوْنَها ثالِثَةً وأُخْرى مُغايِرَةً لِما تَقَدَّمَها مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: ﴿الثّالِثَةَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ( والأُخْرى ) لِلذَّمِّ بِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ في الرُّتْبَةِ وضِيعَةُ المِقْدارِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ آخَرَ ومُؤَنَّثُهُ أُخْرى لَمْ يَوْضُعا لِذَمٍّ ولا لِمَدْحٍ وإنَّما يَدُلّانِ عَلى مَعْنى غَيْرِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ الأصْلِيِّ وهي تَدُلُّ عَلى ذَمِّ السّابِقَتَيْنِ أيْضًا قالَ في الكَشْفِ: هي اسْمُ ذَمٍّ يَدُلُّ عَلى وضاعَةِ السّابِقَتَيْنِ بِوَجْهٍ أيْضًا لِأنَّ «أُخْرى» تَأْنِيثُ آخَرَ تَسْتَدْعِي المُشارَكَةَ مَعَ السّابِقِ فَإذا أتى بِها لِقَصْدِ التَّأخُّرِ في الرُّتْبَةِ عَمَلًا بِمَفْهُومِها الأصْلِيِّ إذْ لا يُمْكِنُ العَمَلُ بِالمَفْهُومِ العُرْفِيِّ لِأنَّ السّابِقَتَيْنِ لَيْسَتا ثالِثَةً أيْضًا اسْتَدْعَتِ المُشارَكَةَ فَضاءً لِحَقِّ التَّفْضِيلِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ( الأُخْرى ) في التَّأخُّرِ انْتَهى وهو حَسَنٌ، وذَكَرَ في نُكْتَةِ ذَمِّ مَناةِ بِهَذا الذَّمِّ أنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها أعْظَمَ الثَّلاثَةٌ فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ. وقالَ الإمامُ: ﴿الأُخْرى﴾ صِفَةُ ذَمٍّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ﴾ الذَّلِيلَةَ وذَلِكَ لِأنَّ اللّاتَ كانَ عَلى صُورَةِ آدَمِيِّ ﴿والعُزّى﴾ صُورَةُ نَباتٍ ﴿ومَناةَ﴾ صُورَةُ صَخْرَةٍ، فالآدَمِيُّ أشْرَفُ مِنَ النَّباتِ، والنَّباتُ أشْرَفُ مِنَ الجَمادِ - فالجَمادُ مُتَأخِّرٌ - ومَناةُ جَمادٌ فَهي أُخْرَياتُ المَراتِبِ، وأنْتِ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى كُلِّ الأقْوالِ، وقِيلَ: ﴿الأُخْرى﴾ صِفَةٌ لِلْعُزّى لِأنَّها ثانِيَةُ اللّاتِ، والثّانِيَةُ يُقالُ لَها ( الأُخْرى ) وأُخِّرَتْ لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ المُفَضَّلِ: فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ والعُزّى الأُخْرى ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ﴾ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءِ، والكَلامُ خِطابٌ لِعَبَدَةِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وقَدْ كانُوا مَعَ عِبادَتِهِمْ لَها يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتِلْكَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَقِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ إلَخْ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِتَوْجِيهِهِ إلى تَرْتِيبِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لَها غايَةَ المُنافاةِ وهي عِلْمِيَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ، ومَفْعُولُها الثّانِي عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى أعَقِيبٌ ما سَمِعْتُمْ مِن آثارِ كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ وجَلالِهِ وجَبَرُوتِهِ وإحْكامِ قُدْرَتِهِ ونَفاذِ أمْرِهِ رَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ غايَةِ حَقارَتِها بَناتَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

النجم 53:21

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ تَوْبِيخٌ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ التَّوْبِيخِ ومَدارُهُ تَفْضِيلُ جانِبِ أنْفُسِهِمْ عَلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ تَعالى الإناثَ واخْتارُوا لِأنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ، ومَناطُ الأوَّلِ نَفْسُ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ حَقارَتِها وذِلَّتِها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَلْ لَها شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ في الآيِ السّابِقَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أظْنَنْتُمْ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَنْفَعُكم وقِيلَ المَعْنى أفَرَأيْتُمُ هَذِهِ الأصْنامَ إنْ عَبَدْتُمُوها لا تَنْفَعْكم وإنْ تَرَكْتُمُوها لا تَضُرُّكم، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ﴾ إلَخْ لا يَلْتَئِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ التِئامَهُ عَلى القَوْلِ السّابِقِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ وخُلُوُّها عَنِ العائِدِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِما أنَّ الأصْلَ أخْبِرُونِي أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ هُنَّ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ فَوَضَعَ مَوْضِعَها الأُنْثى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ وتَحْقِيقِ مَناطِ التَّوْبِيخِ وهو عَلى تَكَلُّفِهِ يَقْتَضِي اقْتِصارَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِهِمُ الحَقِيرِ الذَّلِيلِ عَلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ الجَلِيلِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلتَّوْبِيخِ عَلى نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وفي الكَشْفِ وجْهُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّهُ بَعْدَ ما صَوَّرَ أمْرَ الوَحْيِ تَصْوِيرًا تامًّا وحَقَّقَهُ بِأنَّ ما يَسْتَمِعُهُ وحْيٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ لِأنَّهُ رَأى الآتِيَ بِهِ وعَرِفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النَّجْمَ: 12] عَلى مَعْنى أتُلاحُونَهُ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ عَلى ما يُرى مِنَ الآياتِ المُحَقَّقَةِ لِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ هادِيًا مَهْدِيًّا، وأنّى يَبْقى لِلْمِراءِ مَجالٌ - وقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. ؟! صفحة 57 وعَرِفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ﴾ إلَخْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ماعُدَّ مِنها فَهو أيْضًا نَفْيٌ لِلضَّلالَةِ والغَوايَةِ وتَحْقِيقٌ لِلدِّرايَةِ والهِدايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى تُمارُونَهُ وإدْخالُ الهَمْزَةِ لِزِيادَةِ الإنْكارِ والفاءُ لِأنَّ القَوْلَ بِأمْثالِهِ مُسَبَّبٌ عَنِ الطَّبْعِ والعِنادِ وعَدَمِ الإصْغاءِ لِداعِي الحَقِّ، والمَعْنى أبَعْدَ هَذا البَيانِ تَسْتَمِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المِراءِ فَتَرَوْنَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ أوْلادًا لَهُ تَعالى ثُمَّ أخَسَّها وسَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ﴾ إلَخْ زِيادَةُ الإنْكارِ فَعَلى هَذا لَيْسَ ( أفَرَأيْتُمُ ) في مَعْنى الِاسْتِخْبارِ وجازَ أنْ يَكُونَ في مَعْناهُ عَلى مَعْنى ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ فَأخْبِرُونِي هَلْ لَكَمَ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى، والقَوْلُ مُقَدَّرٌ أيْ فَقُلْ لَهم أخْبِرُونِي والمَعْنى هو كَذا تَهَكُّمًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ نَتِيجَةُ مِرائِهِمْ وأنَّ مَن كانَ هَذا مُعْتَقَدَهُ فَهو عَلى الضَّلالِ الَّذِي لا ضَلالَ بَعْدَهُ ولا يَبْعُدُ عَنْ أمْثالِهِ نِسْبَةُ الهادِينَ المَهْدِيِّينَ إلى ما هو فِيهِ مِنَ النَّقْصِ انْتَهى، وما ذَكَرَهُ أوَّلًا أوْلى وهو لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا ذَكَرْنا

النجم 53:22

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُنْفَهِمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ جائِرَةٌ حَيْثُ جَعَلْتُمْ لَهُ سُبْحانَهُ ما تَسْتَنْكِفُونَ مِنهُ وبِذَلِكَ فَسَّرَ ضِيزى ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ سُفْيانَ مَنقُوصَةٌ، وابْنُ زَيْدٍ مُخالِفَةٌ، ومُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ عَوْجاءُ، والحَسَنُ غَيْرُ مُعْتَدِلَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ، واخْتُلِفَ في يائِهِ فَقِيلَ: مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، وقِيلَ: أصِيلَةٌ، ووَزْنُهُ فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ كَحُبْلى وأُنْثى، ثُمَّ كُسِرَتْ لِتَسْلَمَ الياءُ كَما فُعِلَ ذَلِكَ في بِيضٍ جَمْعُ أبْيَضَ فَإنَّ وزْنَهُ فُعْلٌ بِضَمِّ الفاءِ كَحُمْرٍ ثُمَّ كُسِرَتِ الفاءُ لِما ذُكِرَ ومِثْلُهُ شائِعٌ، ولَمْ يُجْعَلْ وزْنُهُ فِعْلى بِالكَسْرِ ابْتِداءً لِما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ فِعْلى بِالكَسْرِ لَمْ يَجِئْ عَنِ العَرَبِ في الصِّفاتِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم كَذَلِكَ مُتَمَسِّكًا بِوُرُودِ ذَلِكَ. فَقَدْ حَكى ثَعْلَبٌ مِشْيَةٌ حِيكى، ورَجُلٌ كِيصى، وغَيْرُهُ امْرَأةٌ عِزْهى وامْرَأةٌ سِعْلى، ورُدَّ بِأنَّهُ مِنَ النَّوادِرِ والحَمْلُ عَلى الكَثِيرِ المُطَّرِدِ في بابِهِ أوْلى، وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حِيكى وكِيصى ما قِيلَ في ضِيزى ويُمْنَعُ وُرُودُ عِزْهى وسِعْلى فَإنَّ المَعْرُوفَ عِزْهاةٌ وسِعْلاةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضِيزى فِعْلى بِالكَسْرِ ابْتِداءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَذِكْرى ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ومَجِيءُ هَذا الوَصْفِ في المَصادِرِ كَما ذُكِرَ، والأسْماءِ الجامِدَةِ كَدِفْلى وشِعْرى، والجُمُوعِ كَحِجْلى كَثِيرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِئْزى بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفًا وهو مَضْمُومٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ المُعْتَلِّ لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ زَيْدٍ ضَيْزى بِفَتْحِ الضّادِ وبِالياءِ عَلى أنَّهُ كَدَعْوى أوْ كَسَكْرى، ويُقالُ ضُؤْزى بِالواوِ والهَمْزِ وضَمِّ الفاءِ وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ ضَأزَ يَضْأزُ ضَأْزًا بِالهَمْزِ وأنْشَدَ الأخْفَشُ: فَإنْ تَنْأ عَنْها تَقْتَنِصْكَ وإنْ تَغِبْ فَسَهْمُكَ مَضْؤُوزٌ وأنْفُكَ راغِمُ والأكْثَرُ ضازَ بِلا هَمْزٍ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ وأنْشَدَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى تَفْسِيرِهِ السّابِقِ

النجم 53:23

﴿إنْ هِيَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأصْنامِ أيْ ما الأصْنامُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَدَّعُونَها ﴿إلا أسْماءٌ﴾ مَحْضَةٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ ما أصْلًا مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ صِفَةٌ لِلْأسْماءِ وضَمِيرُها لَها لا لِلْأصْنامِ، والمَعْنى جَعَلْتُمُوها أسْماءً فَإنَّ التَّسْمِيَةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى فَإذا قِيسَتْ إلى الِاسْمِ فَمَعْناها جَعْلُهُ اسْمًا لِلْمُسَمّى وإنْ قِيسَتْ إلى المُسَمّى فَمَعْناها جَعْلُهُ مُسَمًّى لِلِاسْمِ وإنَّما اخْتِيرَ ها هُنا صفحة 58 المَعْنى الأوَّلُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُسَمّى لِتَحْقِيقِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يُسَمُّونَها آلِهَةً أسْماءٌ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ لَها مُسَمَّياتٌ قَطْعًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً﴾ [يُوسُفَ: 40] الآيَةَ لا أنَّ هُناكَ مُسَمَّياتٍ لَكِنَّها لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ، وقِيلَ: هي لِلْأسْماءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ حَيْثُ كانُوا يُطْلِقُونَها عَلى تِلْكَ الأصْنامِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَسْتَحِقُّ العُكُوفَ عَلى عِبادَتِها والإعْزازَ والتَّقَرُّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ دَلالَةُ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ المَعانِي الخالِصَةِ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَ في سَلْبِها عَنْها مَزِيدُ فائِدَةٍ بَلْ إنَّما هي في سَلْبِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْها كَما هو زَعْمُهُمُ المَشْهُورُ في حَقِّ جَمِيعِ الأصْنامِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ فَإنَّ انْتِفاءَ الوَصْفِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ أيْ ما هي شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا أسْماءٌ خالِيَةٌ عَنِ المُسَمَّياتِ وضَعْتُمُوها ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ بِمُقْتَضى الأهْواءِ الباطِلَةِ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ بِرِهانٍ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ والعَمَلِ بِها ﴿إلا الظَّنَّ﴾ إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ تَوَهُّمًا باطِلًا، فالظَّنُّ هَنا مُرادٌ بِهِ التَّوَهُّمُ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ التَّوَهُّمَ مِن أفْرادِ الظَّنِّ ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ والَّذِي تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ وعائِدَها مُقَدَّرٌ - وألْ - في الأنْفُسِ لِلْعَهْدِ، أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً وكَذا جُوِّزَ كَوْنُ - ألْ - لِلْجِنْسِ والنَّفْسِ مِن حَيْثُ هي إنَّما تَهْوى غَيْرَ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ المَلاذِّ وإنَّما يَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ، والِالتِفاتُ في ( يَتَّبِعُونَ ) إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْدادَ قَبائِحِهِمُ اقْتَضى الإعْراضَ عَنْهم، وحِكايَةَ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ - تَتَّبِعُونَ - بِتاءِ الخِطابِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتَّبِعُونَ ) مُقَرِّرَةٌ لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ والهَوى، والمُرادُ بِالهُدى الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الهادِي أوْ جَعَلَهُ هُدًى مُبالَغَةً أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا ذَلِكَ، والحالُ لَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ ما يَنْبَغِي لَهم مَعَهُ تَرْكُهُ واتِّباعُ سَبِيلِ الحَقِّ. وحاصِلُهُ ( يَتَّبِعُونَ ) ذَلِكَ في حالٍ يُنافِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً وهي أيْضًا مُؤَكِّدَةٌ لِبُطْلانِ ذَلِكَ.

النجم 53:24

﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ ( أمْ ) مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ - بِبَلْ - وهي لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ أنَّ ما هم عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلّا إلى تَوَهُّمِهِمْ وهَوى أنْفُسِهِمْ إلى بَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا أصْلًا والهَمْزَةُ وهي لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ بَلْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ كُلُّ ما يَتَمَنّاهُ وتَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ، ومَفادُهُ قِيلَ: رَفْعُ الإيجابِ الكُلِّيِّ ومَرْجِعُهُ إلى سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٌ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ بَعْضِهِمُ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ما كانُوا يَطْمَعُونَ فِيهِ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والظَّفَرِ بِالحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ وما كانُوا يَشْتَهُونَهُ مِن نُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَجُلٍ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ السَّلْبُ الكُلِّيُّ، والمَعْنى لا شَيْءَ مِمّا يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ مَمْلُوكًا لَهُ مُخْتَصًّا بِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ما ذُكِرَ ولَيْسَ الإنْسانُ خاصًّا بِهِمْ كَما قِيلَ،

النجم 53:25

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ فَإنَّ اخْتِصاصَ مِلْكِ أُمُورِ الآخِرَةِ والأُولى جَمِيعًا بِهِ تَعالى مُقْتَضٍ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ بَلْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقُدِّمَتِ الآخِرَةُ اهْتِمامًا بِرَدِّ ما هو أهَمُّ أطْماعِهِمْ عِنْدَهم مِنَ الفَوْزِ فِيها، ولِذا أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة 59 ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ وإقْناطُهم عَمّا طَمِعُوا بِهِ مِن شَفاعَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوجِبٌ لِإقْناطِهِمْ عَنْ شَفاعَةِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ ( وكَمْ ) خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في شَفاعَتِهِمْ مَعَ إفْرادِ المُلْكِ بِاعْتِبارِ المَعْنى أيْ وكَثِيرٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ لَهم في الشَّفاعَةِ. ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ ﴿ويَرْضى﴾ ويَراهُ سُبْحانَهُ أهْلًا لِلشَّفاعَةِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأمّا مَن عَداهم مِن أهْلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَهم مِن إذْنِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ. وعَنْهُ بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِنَ المَلائِكَةِ بِالشَّفاعَةِ ويَراهُ عَزَّ وجَلَّ أهْلًا لَها، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى أنَّهُ إذا كانَ حالُ المَلائِكَةِ في بابِ الشَّفاعَةِ كَما ذُكِرَ فَما ظَنُّهم بِحالِ الأصْنامِ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ: عَلى لاَحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ فَحاصِلُهُ لا شَفاعَةَ لَهم ولا غَناءَ بِدُونِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَخْ، وقِيلَ: هو وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ فَلا يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةَ: 255]، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ شَفاعَتُهُ بِإفْرادِ الشَّفاعَةِ والضَّمِيرِ، وابْنُ مُقْسِمٍ شَفاعاتُهم بِجَمْعِهِما وهو اخْتِيارُ صاحِبِ الكامِلِ أبِي القاسِمِ الهُذَلِيِّ، وأُفْرِدَتِ الشَّفاعَةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّها مَصْدَرٌ ولِأنَّهم لَوْ شَفَعَ جَمِيعُهم لِواحِدٍ لَمْ تُغْنِ شَفاعَتُهم عَنْهُ شَيْئًا

النجم 53:26

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ فَإنَّ اخْتِصاصَ مِلْكِ أُمُورِ الآخِرَةِ والأُولى جَمِيعًا بِهِ تَعالى مُقْتَضٍ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ بَلْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقُدِّمَتِ الآخِرَةُ اهْتِمامًا بِرَدِّ ما هو أهَمُّ أطْماعِهِمْ عِنْدَهم مِنَ الفَوْزِ فِيها، ولِذا أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة 59 ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ وإقْناطُهم عَمّا طَمِعُوا بِهِ مِن شَفاعَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوجِبٌ لِإقْناطِهِمْ عَنْ شَفاعَةِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ ( وكَمْ ) خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في شَفاعَتِهِمْ مَعَ إفْرادِ المُلْكِ بِاعْتِبارِ المَعْنى أيْ وكَثِيرٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ لَهم في الشَّفاعَةِ. ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ ﴿ويَرْضى﴾ ويَراهُ سُبْحانَهُ أهْلًا لِلشَّفاعَةِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأمّا مَن عَداهم مِن أهْلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَهم مِن إذْنِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ. وعَنْهُ بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِنَ المَلائِكَةِ بِالشَّفاعَةِ ويَراهُ عَزَّ وجَلَّ أهْلًا لَها، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى أنَّهُ إذا كانَ حالُ المَلائِكَةِ في بابِ الشَّفاعَةِ كَما ذُكِرَ فَما ظَنُّهم بِحالِ الأصْنامِ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ: عَلى لاَحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ فَحاصِلُهُ لا شَفاعَةَ لَهم ولا غَناءَ بِدُونِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَخْ، وقِيلَ: هو وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ فَلا يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةَ: 255]، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ شَفاعَتُهُ بِإفْرادِ الشَّفاعَةِ والضَّمِيرِ، وابْنُ مُقْسِمٍ شَفاعاتُهم بِجَمْعِهِما وهو اخْتِيارُ صاحِبِ الكامِلِ أبِي القاسِمِ الهُذَلِيِّ، وأُفْرِدَتِ الشَّفاعَةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّها مَصْدَرٌ ولِأنَّهم لَوْ شَفَعَ جَمِيعُهم لِواحِدٍ لَمْ تُغْنِ شَفاعَتُهم عَنْهُ شَيْئًا

النجم 53:27

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِنَ العِقابِ عَلى ما يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ المُنَزَّهِينَ عَنْ سِماتِ النُّقْصانِ عَلى الإطْلاقِ ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ، والمَلائِكَةُ في مَعْنى اسْتِغْراقِ المُفْرَدِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَيُسَمُّوَنَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ تَسْمِيَةَ الأُنْثى أيْ يُسَمُّونَهُ بِنْتًا لِأنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِنْتًا، فالكَلامُ عَلى وزانِ كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً أيْ كَسا كُلَّ واحِدٍ مِنّا حُلَّةً، والإفْرادُ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ تَسْمِيَةَ الإناثِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الأُنْثى بِالإناثِ ولا إلى كَوْنِ المُرادِ الطّائِفَةَ الأُنْثى، وما ذُكِرَ أوَّلًا قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَسْمِيَةَ الأُنْثى في النَّظْمِ الجَلِيلِ لَيْسَ نَصْبًا عَلى التَّشْبِيهِ وإلّا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ أيْضًا، وفي تَعْلِيقِ التَّسْمِيَةِ بِعَدَمِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ إشْعارٌ بِأنَّها في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ واسْتِتْباعِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها إلّا مَن لا يُؤْمِنُ بِها رَأْسًا،

النجم 53:28

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُسَمُّونَ وضَمِيرٌ بِهِ لِلْمَذْكُورِ مِنَ التَّسْمِيَةِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ ذُكِرَ، أوْ بِاعْتِبارِ القَوْلِ أيْ يُسَمُّونَهم إناثًا، والحالُ أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِما يَقُولُونَ أصْلًا، وقَرَأأُبَيٌّ بِها أيْ بِالتَّسْمِيَةِ، أوْ بِالمَلائِكَةِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيِ التَّوَهُّمَ الباطِلَ ﴿وإنَّ الظَّنَّ﴾ أيْ جِنْسَ الظَّنِّ كَما يُلَوِّحُ بِهِ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ، وقِيلَ: الإظْهارُ لِيَسْتَقِلَّ الكَلامُ اسْتِقْلالَ المَثَلِ. ﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ فَإنَّ الحَقَّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وما هو عَلَيْهِ إنَّما يُدْرَكُ إدْراكًا مُعْتَدًّا بِهِ إذا كانَ عَنْ يَقِينٍ لا عَنْ ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ فَلا يُعْتَدُّ بِالظَّنِّ في شَأْنِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ أعْنِي المَطالِبَ الِاعْتِقادِيَّةَ الَّتِي يَلْزَمُ فِيها الجَزْمُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ دَلِيلٍ، وإنَّما يُعْتَدُّ بِهِ في العَمَلِيّاتِ وما يُؤَدِّي إلَيْها. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحَقَّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ) [الحَجَّ: 6، 62، لُقْمانَ: 30]، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يَعْتَبَرِ صفحة 60 التَّقْلِيدَ في الِاعْتِقادِيّاتِ - وفِيهِ بَحْثٌ - والظّاهِرِيَّةُ عَلى إبْطالِهِ مُطْلَقًا، وإبْطالُ القِياسِ ورَدُّهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في الأُصُولِ، وما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أيُّوبَ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: احْذَرُوا هَذا الرَّأْيَ عَلى الدِّينِ فَإنَّما كانَ الرَّأْيُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُصِيبًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُرِيهِ وإنَّما هو مِنّا تَكَلُّفٌ وظَنٌّ ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ هو أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى إبْطالِ القِياسِ أيْضًا، وقَدْ حَكى الآمِدِيُّ في الأحْكامِ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: قالَ ابْنُ عُمَرَ: اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَنِ الدِّينِ فَإنَّ الرَّأْيَ مِنّا تَكَلُّفٌ وظَنٌّ ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ غايَتَهُ الدَّلالَةُ عَلى احْتِمالِ الخَطَأِ فِيهِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى إبْطالِهِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ﴾ إلَخِ اسْتِعْمالُ الظَّنِّ في مَواضِعِ اليَقِينِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إبْطالَ الظَّنِّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ العَمَلِ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويُقالُ نَحْوَ هَذا في كَلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الآثارِ اسْتَدَلَّ بِها المُبْطِلُ عَلى ما زَعَمَهُ ورَدَّها كُلَّها فَمَن أرادَ ذَلِكَ لِيُراجِعْهُ

النجم 53:29

﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ عَنْهم ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِها أيْ فَأعْرِضْ عَمَّنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنا المُفِيدِ لِلْعِلْمِ الحَقِّ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ. المُنْطَوِي عَلى بَيانِ الِاعْتِقاداتِ الحَقَّةِ. المُشْتَمِلُ عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. المُذَكِّرُ الآخِرَةَ وما فِيها مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبِ فِيها والمَرْهُوبِ عَنْها، والمُرادُ بِالإعْراضِ عَنْهُ تَرْكُ الأخْذِ بِما فِيهِ وعَدَمُ الِاعْتِناءِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِالإعْراضِ عَنْهُ تَرْكُ الأخْذِ بِما جاءَ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإيمانُ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ والإعْراضُ عَنْهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ راضِيًا بِها قاصِرًا نَظَرَهُ عَلَيْها جاهِدًا فِيما يُصْلِحُها كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المَذْكُورِ النَّهْيُ عَنِ المُبالَغَةِ في الحِرْصِ عَلى هُداهم كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبالِغْ في الحِرْصِ عَلى هُدى مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وانْهَمَكَ في الدُّنْيا بِحَيْثُ كانَتْ مُنْتَهى هِمَّتِهِ وقُصارى سَعْيِهِ.

النجم 53:30

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ الحَياةِ الدُّنْيا المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ، وقِيلَ: أيْ ما أدّاهم إلى ما هم فِيهِ مِنَ التَّوَلِّي وقَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الظَّنِّ الَّذِي يَتَّبِعُونَهُ، وقِيلَ: إلى جَعْلِهِمُ المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى ﴿مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِهِمْ لا عِلْمَ لَهم فَوْقَهُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا. والمُرادُ بِالعِلْمِ مُطْلَقُ الإدْراكِ المُنْتَظِمِ لِلظَّنِّ الفاسِدِ، وضَمِيرُ ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ - لِمَن - وجُمِعَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما أنَّ إفْرادَهُ قُبِلَ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَن اهْتَدى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ، وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( هو أعْلَمُ ) لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإيذانِ بِكَمالِ تَبايُنِ المَعْلُومَيْنِ، والمُرادُ ( بِمَن ضَلَّ ) مَن أصَرَّ عَلى الضَّلالِ ولَمْ يَرْجِعْ إلى الهُدى أصْلًا، ( وبِمَنِ اهْتَدى ) مَن شَأْنُهُ الِاهْتِداءُ في الجُمْلَةِ، أيْ هو جَلَّ شَأْنُهُ المُبالِغُ في العِلْمِ بِمَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ أبَدًا، وبِمَن يَقْبَلُ الِاهْتِداءَ في الجُمْلَةِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في دَعْوَتِهِمْ ولا تُبالِغْ في الحِرْصِ عَلَيْها فَإنَّهم مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ:

النجم 53:31

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ لَهُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ أيْ خَلْقًا ومِلْكًا لا لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أصْلًا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، ويُشْعِرُ بِفِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ صفحة 61 قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ خَلَقَ ما فِيهِما لِيَجْزِيَ الضّالِّينَ بِعِقابِ ما عَمِلُوا مِنَ الضَّلالِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالإساءَةِ بَيانًا لِحالِهِ أوْ بِمِثْلِ ما عَمِلُوا، أوْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا عَلى أنَّ الباءَ صِلَةُ الجَزاءِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ بِلا تَقْدِيرٍ ﴿ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ اهْتَدَوْا ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ، أوْ بِأحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ أوْ بِسَبَبِ الأعْمالِ الحُسْنى تَكْمِيلٌ لِما قَبْلُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإعْراضِ نَفى تَوَهُّمَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ سُدى، وفي العُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ رَبِّكَ إلى الِاسْمِ الجامِعِ ما يُنْبِئُ عَنْ زِيادَةِ القُدْرَةِ وأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِوَعِيدِ المُعْرِضِينَ وأنَّ تَسْوِيَةَ هَذا المُلْكِ العَظِيمِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ فَلا بُدَّ مِن ضالٍّ ومُهْتَدٍ، ومِن أنْ يَلْقى كُلٌّ ما يَسْتَحِقُّهُ، وفِيهِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَلْقى الحُسْنى جَزاءً لِتَبْلِيغِهِ وهم يَلْقَوْنَ السُّوءَ أيْ جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ، وكُرِّرَ فِعْلُ الجَزاءِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ الجَزاءَيْنِ. وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَأعْرِضْ﴾ إلَخْ لا تُقابِلْهم بِصَنِيعِهِمْ وكِلْهم إلى رَبِّكَ إنَّهُ أعْلَمُ بِكَ وبِهِمْ فَيَجْزِي كُلًّا ما يَسْتَحِقُّهُ، ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرَيْنِ في «بِمَن ضَلَّ» «وبِمَنِ اهْتَدى» وجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ) إلَخْ أيْ مَيَّزَ الضّالَّ عَنِ المُهْتَدِي وحَفِظَ أحْوالَهم ( لِيَجْزِيَ ) إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تُؤَكِّدُ حَدَثَ أنَّهم يُجْزَوْنَ البَتَّةَ ولا يُهْمَلُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِمْ وهم تَحْتَ مِلْكِهِ وقُدْرَتِهِ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ المَعْنى أنْ يَتَعَلَّقَ ( لِيَجْزِيَ ) بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ) كَما تَقَدَّمَ عَلى تَأْكِيدِ أمْرِ الوَعِيدِ، أيْ - هو أعْلَمُ بِهِمْ - وإنَّما سَوّى هَذا المُلْكَ لِلْجَزاءِ، ورَجَّحَ بَعْضُهم ذَلِكَ المَعْنى بِالوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى ما مَرَّ، وجُوِّزَ في جُمْلَةِ ( لِلَّهِ ما في السَّماواتِ ) كَوْنُها حالًا مِن فاعِلِ أعْلَمُ سَواءً كانَ بِمَعْنى عالِمٍ أوْ لا، وفي ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تَعَلُّقُهُ - بِضَلَّ. واهْتَدى - عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ أيْ هو تَعالى ﴿أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ لِيَؤُولَ أمْرُهُ إلى أنْ يَجْزِيَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَمَلِهِ، ﴿بِمَنِ اهْتَدى﴾ لِيَؤُولَ أمْرُهُ إلى أنْ يَجْزِيَهُ بِالحُسْنى، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - لِنَجْزِيَ - ونَجْزِيَ بِالنُّونِ فِيهِما

النجم 53:32

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في صِلَتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الِاجْتِنابِ واسْتِمْرارِهِ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ( والإثْمِ ) الفِعْلُ المُبْطِئُ عَنِ الثَّوابِ وهو الذَّنْبُ. وكَبائِرُهُ ما يَكْبُرُ عِقابُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ - كَبِيرَ الإثْمِ - عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، أوِ الشِّرْكِ ﴿والفَواحِشَ﴾ ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الكَبائِرِ فَعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: الفَواحِشُ والكَبائِرُ مُتَرادِفانِ ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ ما صَغُرَ مِنَ الذُّنُوبِ وأصْلُهُ ما قَلَّ قَدْرُهُ، ومِنهُ لُمَّةُ الشَّعَرِ لِأنَّها دُونَ الوَفْرَةِ، وفَسَّرَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ بِالنَّظْرَةِ والغَمْزَةِ والقُبْلَةِ وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّنُوُّ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ ارْتِكابٍ لَهُ مِن ألْمَمْتُ بِكَذا أيْ نَزَلْتُ بِهِ وقارَبْتُهُ مِن غَيْرِ مُواقَعَةٍ - وعَلَيْهِ قَوْلُ الرُّمّانِيِّ - هو الهَمُّ بِالذَّنْبِ وحَدِيثُ النَّفْسِ دُونَ أنْ يُواقِعَ، وقَوْلُ ابْنِ المُسَيَّبِ: ما خَطَرَ عَلى القَلْبِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ هو ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، والآيَةُ نَزَلَتْ لِقَوْلِ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ كُنْتُمْ بِالأمْسِ تَعْمَلُونَ أعْمالَنا فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النِّساءَ: 23] عَلى ما في البَحْرِ، وقِيلَ: هو مُطْلَقُ الذَّنْبِ. صفحة 62 وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ما يُلِمُّ بِهِ المَرْءُ في الحِينِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَتُوبُ، والمُعَظَّمُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالصَّغائِرِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لا اسْتِثْناءَ فِيهِ أصْلًا،و (إلّا ) صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرُ إمّا لِجَعْلِ المُضافِ إلى المُعَرَّفِ بِاللّامِ الجِنْسِيَّةِ أعْنِي كَبائِرَ الإثْمِ في حُكْمِ النَّكِرَةِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَ ( وإلّا ) الَّتِي بِمَعْناها قَدْ يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ كَما في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ [الفاتِحَةَ: 7] وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ وُقُوعِ ( إلّا ) صِفَةً كَوْنُها تابِعَةً لِجَمْعٍ مُنْكَرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ ولَمْ يُوجَدْ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ، وسِيبَوَيْهِ يَرى جَوازَ وُقُوعِها صِفَةً مَعَ جَوازِ الِاسْتِثْناءِ فَهو لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وتَبِعَهُ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ، نَعَمْ كَوْنُها هُنا صِفَةً خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ، والآيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعاصِيَ مِنها كَبائِرُ ومِنها صَغائِرُ وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ هَذا الِانْقِسامَ وقالُوا: سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِنِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ بَلْ حَكاهُ ابْنُ فَوْرَكَ عَنِ الأشاعِرَةِ. واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وحَكى الِانْقِسامَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ إنَّها صَغِيرَةٌ إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ ويُوافِقُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ، وفي رِوايَةٍ كُلُّ شَيْءٍ عَصى اللَّهَ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ، والجُمْهُورُ عَلى الِانْقِسامِ قِيلَ: ولا خِلافَ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقِ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ مِنَ المَعاصِي ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأنَّها بِالنَّظَرِ إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ كَبِيرَةٌ أيْ كَبِيرَةٌ ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ وقَسَّمُوها إلى ما ذُكِرَ لِظَواهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ ولِذَلِكَ قالالغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ وقَدْ عَرَفْنا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِالفَرْقِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ فَقِيلَ: هي ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ وهي عِبارَةُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ، وقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ- وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ - والأوَّلُ أوْفَقُ لِما ذَكَرُوهُ في تَفْصِيلِ الكَبائِرِ إذْ عَدُّوا الغَيْبَةَ والنَّمِيمَةَ والعُقُوقَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنها ولاحَدَّ فِيهِ فَهو أصَحُّ مِنَ الثّانِي وإنْ قالَ الرّافِعِيُّ: إنَّهم إلى تَرْجِيحِهِ أمْيَلُ، وقَدْ يُقالُ: يَرُدُّ عَلى الأوَّلِ أيْضًا أنَّهم عَدُّوا مِنَ الكَبائِرِ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ. وقِيلَ: هي كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ وتَرْكُ فَرِيضَةٍ تَجِبُ فَوْرًا والكَذِبُ في الشَّهادَةِ والرِّوايَةِ واليَمِينِ، زادَ الهَرَوِيُّ وشُرَيْحٌ وكُلُّ قَوْلٍ خالَفَ الإجْماعَ العامَّ، وقِيلَ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ ورِقَّةِ الدِّيانَةِ وهو المَحْكِيُّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ، ورَجَّحَهُ جَمْعٌ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الضَّبْطِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِظاهِرِهِ يَتَناوَلُ صَغِيرَةَ الخِسَّةِ، والإمامُ - كَما قالَ الأذْرَعِيُّ - إنَّما ضَبَطَ بِهِ ما يُبْطِلُ العَدالَةَ مِنَ المَعاصِي الشّامِلَةِ لِذَلِكَ لا الكَبِيرَةُ فَقَطْ، نَعَمْ هو أشْمَلُ مِنَ التَّعْرِيفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقِيلَ: هي ما أوْجَبَ الحَدَّ أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ، وقِيلَ: كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ مَنهِيٍّ عَنْهُ لِمَعْنى في نَفْسِهِ فَإنَّ فِعْلَهُ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ وجْهَيْنِ أوْ وُجُوهًا مِنَ التَّحْرِيمِ كانَ فاحِشَةً، فالزِّنا كَبِيرَةٌ وبِحَلِيلَةِ الجارِ فاحِشَةٌ والصَّغِيرَةُ تَعاطِي ما تَنْقُصُ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَتِهِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ. أوْ تَعاطِيهِ عَلى وجْهٍ دُونَ المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَإنْ تَعاطاهُ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ وجْهَيْنِ أوْ أكْثَرَ مِنَ التَّحْرِيمِ صفحة 63 كانَ كَبِيرَةً فالقُبْلَةُ واللَّمْسُ والمُفاخَذَةُ صَغِيرَةٌ، ومَعَ حَلِيلَةِ الجارِ كَبِيرَةٌ كَذا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وغَيْرُهُ عَنِ القاضِي حُسَيْنٍ عَنِ الحَلِيمِيِّ، وقِيلَ: هي كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ أيْ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وهو أرْبَعَةُ أشْياءَ: أكْلُ المَيْتَةِ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، ومالُ اليَتِيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ ورُدَّ بِمَنعِ الحَصْرِ، وقِيلَ: إنَّها كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ حَدٌّ، أوْ وعِيدٌ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ ذَلِكَ أوْ أكْثَرُ أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارًا صَغَّرَ الكَبائِرَ المَنصُوصَ عَلَيْها بِذَلِكَ كَما لَوْ قَتَلَ مَن يَعْتَقِدُهُ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزِيُّ وقالَ: هو التَّحْقِيقُ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واعْتَمَدَ الواحِدِيُّ أنَّها لا حَدَّ لَها يَحْصُرُها فَقالَ الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنْهم لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الِاسْمِ الأعْظَمِ والصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ وساعَةِ الإجابَةِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قُصِدَ بِهِ التَّقْرِيبُ فَقَطْ وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ ؟ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى تَعْرِيفِها بِالعَدِّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى قَوْلِهِسُبْحانَهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النِّساءَ: 31]. وقِيلَ: هي سَبْعٌ ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَطاءٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما في الصَّحِيحَيْنِ ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى والسَّحَرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ وأكْلُ الرِّبا والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»» وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثَلاثٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَشْرَةٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ العَلائِيُّ:المَنصُوصُ عَلَيْهِ في الأحادِيثِ أنَّهُ كَبِيرَةٌ خَمْسٌ وعِشْرُونَ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِزِيادَةٍ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ: هي سَبْعَ عَشْرَةَ أرْبَعٌ في القَلْبِ الشِّرْكُ والإصْرارُ عَلى المَعْصِيَةِ والقُنُوطُ والأمْنُ مِنَ المَكْرِ، وأرْبَعٌ في اللِّسانِ القَذْفُ وشَهادَةُ الزُّورِ والسِّحْرُ، وهو كُلُّ كَلامٍ يُغَيِّرُ الإنْسانَ أوْ شَيْئًا مِن أعْضائِهِ. واليَمِينُ الغَمُوسُ وهي الَّتِي تُبْطِلُ بِها حَقًّا أوْ تُثْبِتُ بِها باطِلًا، وثَلاثٌ في البَطْنِ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا وأكْلُ الرِّبا وشُرْبُ كُلِّ مُسْكِرٍ، واثْنانِ في الفَرْجِ: الزِّنا واللِّواطُ، واثْنَتانِ في اليَدِ القِتْلَةُ والسَّرِقَةُ، وواحِدَةٌ في الرِّجْلِ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وواحِدَةٌ في جَمِيعِ الجَسَدِ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وفِيهِ ما فِيهِ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: كَمِ الكَبائِرُ سَبْعٌ هي ؟ فَقالَ هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وقَدْ ألَّفَ فِيها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي كِتابِ الزَّواجِرِ تَأْلِيفُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ فَلْيُراجَعْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ وإنّا لَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إلَيْهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ حَيْثُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِاسْتِثْناءِ اللَّمَمِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إخْراجَهُ عَنْ حُكْمِ المُؤاخَذَةِ لَيْسَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الذَّنْبِ في نَفْسِهِ بَلْ لِسِعَةِ المَغْفِرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرِها وكَبِيرِها، ولَعَلَّ تَعْقِيبَ وعِيدِ المُسِيئِينَ ووَعْدِ المُحْسِنِينَ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ لِئَلّا يَيْأسَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ولا يَتَوَهَّمَ وُجُوبَ العِقابِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وزَعَمَ بَعْضٌ جَوازَ كَوْنِ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ لَهم لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيْ بِأحْوالِكم مِن كُلِّ أحَدٍ ﴿إذْ أنْشَأكُمْ﴾ في ضِمْنِ إنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. صفحة 64 ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ إنْشاءً إجْمالِيًّا حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: إنْشاؤُهم مِنَ الأرْضِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَتَكَوَّنُونَ مِنهُ في الأغْذِيَةِ الَّتِي مَنشَؤُها الأرْضُ، وأيًّا ما كانَ - فَإذا - ظَرْفٌ - لِأعْلَمَ - وهو عَلى بابِهِ مِنَ التَّفْصِيلِ. وقالَ مَكِّيٌّ: هو بِمَعْنى عالِمٍ إذْ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا مُشارِكَ لَهُ تَعالى فِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ عِلْمُ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: ( إذْ ) مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا ﴿إذْ أنْشَأكُمْ﴾ وهو كَما تَرى ﴿وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ ووَقْتُ كَوْنِكم أجِنَّةً ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حالٌ مِن أحْوالِكم وعَمَلٌ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اللَّمَمُ الَّذِي لَوْلا المَغْفِرَةُ الواسِعَةُ لَأصابَكم وبالُهُ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها وذَكَرَ ( في بُطُونِ أُمَّهاتِكم ) مَعَ أنَّ الجَنِينَ ما كانَ في البَطْنِ لِلْإشارَةِ إلى الأطْوارِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ شَأْنِ العِلْمِ لِما أنَّ بَطْنَ الأُمِّ في غايَةِ الظُّلْمَةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أنَّ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِاللَّمَمِ لَيْسَ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الذُّنُوبِ بَلْ لِمَحْضِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِصُدُورِهِ عَنْكم أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَثْنُوا عَلى أنْفُسِكم بِالطَّهارَةِ عَنِ المَعاصِي بِالكُلِّيَّةِ أوْ بِزَكاءِ العَمَلِ وزِيادَةِ الخَيْرِ بَلِ اشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى فَضْلِهِ ومَغْفِرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ المَعاصِيَ جَمِيعًا وهو اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّهْيِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يَتَّقِيها بِأسْرِها كَذا في الإرْشادِ، وقِيلَ: اتَّقى الشِّرْكَ، وقِيلَ: اتَّقى شَيْئًا مِنَ المَعاصِي، والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما قِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ صَلاتُنا وصِيامُنا وحَجُّنا وهَذا مَذْمُومٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ إذا كانَ بِطَرِيقِ الإعْجابِ، أوِ الرِّياءِ أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بَأْسَ بِهِ ولا يُعَدُّ فاعِلُهُ مِنَ المُزَكِّينَ أنْفُسَهم، ولِذا قِيلَ: المَسَرَّةُ بِالطّاعَةِ طاعَةٌ وذِكْرُها شُكْرٌ، ولا فَرْقَ في التَّزْكِيَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ عِبارَةً وأنْ تَكُونَ إشارَةً وعُدَّ مِنها التَّسْمِيَةُ بِنَحْوِ بَرَّةٍ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ سَعْدٍ «عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ أنَّها سُمِّيَتْ بَرَّةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمُ اللَّهُ أعْلَمُ بِأهْلِ البِرِّ مِنكم سَمُّوها زَيْنَبَ»» وكَذا غَيَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ذَلِكَ اسْمَ بَرَّةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وتَغْيِيرُ مِثْلِ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وكَذا ما يُوقِعُ نَفْيَهُ بَعْضُ النّاسِ في شَيْءٍ مِنَ الطِّيَرَةِ كَبَرَكَةَ ويَسارٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رَوى جابِرٌ: ««إنْ عِشْتُ إنْ شاءَ اللَّهُ أنْهى أُمَّتِي أنْ يُسَمُّوا نافِعًا وأفْلَحَ وبَرَكَةَ»» مَحْمُولٌ كَما قالَ النَّوَوِيُّ عَلى إرادَةِ أنْهى نَهْيَ تَحْرِيمٍ، والظّاهِرُ أنَّ كَراهَةَ ما يُشْعِرُ بِالتَّزْكِيَةِ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا كانَ الإشْعارُ قَوِيًّا كَما إذا كانَ الِاسْمُ قَبْلَ النَّقْلِ ظاهِرَ الدَّلالَةِ عَلى التَّسْمِيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِيها فَلا كَراهَةَ في التَّسْمِيَةِ بِما يُشْعِرُ بِالمَدْحِ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَسَعِيدٍ وحَسَنٍ، «وقَدْ كانَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ابْنَةٌ يُقالُ لَها: عاصِيَةُ فَسَمّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَمِيلَةَ كَذا قِيلَ»، والمَقامُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: مَعْنى - لا تُزَكُّوا أنْفُسَكم - لا يُزَكِّي بَعْضُكم بَعْضًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ تَزْكِيَةِ السُّمْعَةِ أوِ المَدْحِ لِلدُّنْيا، أوْ تَزْكِيَةٌ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ، وأمّا التَّزْكِيَةُ لِإثْباتِ الحُقُوقِ ونَحْوِهِ فَهي جائِزَةٌ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ. أخْرَجَ الواحِدِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ ثابِتِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: ««كانَتِ اليَهُودُ إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ صَغِيرٌ قالُوا: هو صِدِّيقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: كَذَبَتْ يَهُودٌ ما مِن نَسَمَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في بَطْنِ أُمِّها إلّا يَعْلَمُ سَعادَتَها أوْ شَقاوَتَها» فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآيَةَ.»

النجم 53:33

صفحة 65 ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والثَّباتِ عَلَيْهِ ﴿وأعْطى قَلِيلا﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا، أوْ إعْطاءً قَلِيلًا ﴿وأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ العَطاءَ مِن قَوْلِهِمْ حَفَرَ فَأكْدى إذا بَلَغَ إلى كُدْيَةٍ أيْ صَلابَةٍ في الأرْضِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الحَفْرُ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَلَسَ إلَيْهِ ووَعَظَهُ فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ وطَمِعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ ؟! ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ كُلَّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ لَكِنْ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ فَوافَقَهُ الوَلِيدُ عَلى ذَلِكَ ورَجَعَ عَمّا هَمَّبِهِ مِنَ الإسْلامِ وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى بَعْضَ المالِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عَنْهُ وشَحَّ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى خَمْسَ قَلائِصَ لِفَقِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مَأْثَمَ رُجُوعِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانَ يُوافِقُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأُمُورِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: في أبِي جَهْلٍ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُ مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِه ِسُبْحانَهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِهِ، وأمّا ما في الكَشّافِ مِن أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يُعْطِي مالَهُ في الخَيْرِ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ: يُوشِكُ أنْ لا يَبْقى لَكَ شَيْءٌ فَقالَ عُثْمانُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا وخَطايا وإنِّي أطْلُبُ بِما أصْنَعُ رِضا اللَّهِ تَعالى وأرْجُو عَفْوَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أعْطِنِي ناقَتَكَ بِرَحْلِها وأنا أحْمِلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّها فَأعْطاهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِ وأمْسَكَ عَنِ العَطاءِ فَباطِلٌ - كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ - ولا أصْلَ لَهُ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، ( وأفَرَأيْتَ ) هُنا عَلى ما في البَحْرِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي ومَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، والثّانِي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَرى﴾ لِلتَّسَبُّبِ عَمّا قَبْلَهُ أيْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ ما يَخافُهُ، وقِيلَ: يَرى أنَّ ما سَمِعَهُ مِنَ القُرْآنِ باطِلٌ: وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى أأُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ فَرَأى أنَّ ما صَنَعَهُ حَقٌّ، وأيًّا ما كانَ - فَيَرى - مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أيْ فَهو يُبْصِرُ ما خَفِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا هو غَيْبٌ

النجم 53:34

صفحة 65 ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والثَّباتِ عَلَيْهِ ﴿وأعْطى قَلِيلا﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا، أوْ إعْطاءً قَلِيلًا ﴿وأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ العَطاءَ مِن قَوْلِهِمْ حَفَرَ فَأكْدى إذا بَلَغَ إلى كُدْيَةٍ أيْ صَلابَةٍ في الأرْضِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الحَفْرُ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَلَسَ إلَيْهِ ووَعَظَهُ فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ وطَمِعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ ؟! ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ كُلَّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ لَكِنْ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ فَوافَقَهُ الوَلِيدُ عَلى ذَلِكَ ورَجَعَ عَمّا هَمَّبِهِ مِنَ الإسْلامِ وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى بَعْضَ المالِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عَنْهُ وشَحَّ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى خَمْسَ قَلائِصَ لِفَقِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مَأْثَمَ رُجُوعِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانَ يُوافِقُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأُمُورِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: في أبِي جَهْلٍ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُ مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِه ِسُبْحانَهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِهِ، وأمّا ما في الكَشّافِ مِن أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يُعْطِي مالَهُ في الخَيْرِ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ: يُوشِكُ أنْ لا يَبْقى لَكَ شَيْءٌ فَقالَ عُثْمانُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا وخَطايا وإنِّي أطْلُبُ بِما أصْنَعُ رِضا اللَّهِ تَعالى وأرْجُو عَفْوَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أعْطِنِي ناقَتَكَ بِرَحْلِها وأنا أحْمِلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّها فَأعْطاهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِ وأمْسَكَ عَنِ العَطاءِ فَباطِلٌ - كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ - ولا أصْلَ لَهُ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، ( وأفَرَأيْتَ ) هُنا عَلى ما في البَحْرِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي ومَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، والثّانِي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَرى﴾ لِلتَّسَبُّبِ عَمّا قَبْلَهُ أيْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ ما يَخافُهُ، وقِيلَ: يَرى أنَّ ما سَمِعَهُ مِنَ القُرْآنِ باطِلٌ: وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى أأُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ فَرَأى أنَّ ما صَنَعَهُ حَقٌّ، وأيًّا ما كانَ - فَيَرى - مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أيْ فَهو يُبْصِرُ ما خَفِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا هو غَيْبٌ

النجم 53:35

صفحة 65 ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والثَّباتِ عَلَيْهِ ﴿وأعْطى قَلِيلا﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا، أوْ إعْطاءً قَلِيلًا ﴿وأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ العَطاءَ مِن قَوْلِهِمْ حَفَرَ فَأكْدى إذا بَلَغَ إلى كُدْيَةٍ أيْ صَلابَةٍ في الأرْضِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الحَفْرُ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَلَسَ إلَيْهِ ووَعَظَهُ فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ وطَمِعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ ؟! ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ كُلَّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ لَكِنْ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ فَوافَقَهُ الوَلِيدُ عَلى ذَلِكَ ورَجَعَ عَمّا هَمَّبِهِ مِنَ الإسْلامِ وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى بَعْضَ المالِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عَنْهُ وشَحَّ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى خَمْسَ قَلائِصَ لِفَقِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مَأْثَمَ رُجُوعِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانَ يُوافِقُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأُمُورِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: في أبِي جَهْلٍ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُ مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِه ِسُبْحانَهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِهِ، وأمّا ما في الكَشّافِ مِن أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يُعْطِي مالَهُ في الخَيْرِ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ: يُوشِكُ أنْ لا يَبْقى لَكَ شَيْءٌ فَقالَ عُثْمانُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا وخَطايا وإنِّي أطْلُبُ بِما أصْنَعُ رِضا اللَّهِ تَعالى وأرْجُو عَفْوَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أعْطِنِي ناقَتَكَ بِرَحْلِها وأنا أحْمِلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّها فَأعْطاهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِ وأمْسَكَ عَنِ العَطاءِ فَباطِلٌ - كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ - ولا أصْلَ لَهُ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، ( وأفَرَأيْتَ ) هُنا عَلى ما في البَحْرِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي ومَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، والثّانِي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَرى﴾ لِلتَّسَبُّبِ عَمّا قَبْلَهُ أيْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ ما يَخافُهُ، وقِيلَ: يَرى أنَّ ما سَمِعَهُ مِنَ القُرْآنِ باطِلٌ: وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى أأُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ فَرَأى أنَّ ما صَنَعَهُ حَقٌّ، وأيًّا ما كانَ - فَيَرى - مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أيْ فَهو يُبْصِرُ ما خَفِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا هو غَيْبٌ

النجم 53:36

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أيْ بَلْ ألَمْ يُخْبَرْ. ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ وهي التَّوْراةُ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ وبِما في صُحُفِ إبْراهِيمَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ وفّى وأتَمَّ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وفّى بِسِهامِ الإسْلامِ كُلِّها ولَمْ يُوَفِّها أحَدٌ غَيْرُهُ وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا مِنها عَشْرَةٌ في بَراءَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: 111] الآياتِ، وعَشْرَةٌ في الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحْزابَ: 35] الآياتِ، وسِتٌّ في - قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الآياتِ الَّتِي في أوَّلِها، وأرْبَعٌ في سَألَ سائِلٌ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المَعارِجَ: 26] الآياتِ، وفي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ يَرْفَعُهُ، ﴿وفّى﴾ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ كانَ يُصَلِّيهِنَّ في كُلِّ يَوْمٍ، وفي رِوايَةٍ يُصَلِّيهِنَّ أوَّلَ النَّهارِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا ««ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهَ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ الآيَةَ»» وقالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وفّى﴾ بِتَبْلِيغِ هَذِهِ العَشْرَةِ أنْ لا تَزِرُ إلى آخِرِهِ «وقِيلَ، وقِيلَ:» والأوْلى العُمُومُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ إلّا وفّى بِهِ وتَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ لِاحْتِمالِهِ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُ، وفي قِصَّةِ الذَّبْحِ ما فِيهِ كِفايَةٌ صفحة 66 وخُصَّ هَذانِ النَّبِيّانِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالذِّكْرِ قِيلَ: لِأنَّهُ فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ كانُوا يَأْخُذُونَ الرَّجُلَ بِابْنِهِ وبِأبِيهِ وعَمِّهِ وخالِهِ، والزَّوْجَ بِامْرَأتِهِ، والعَبْدَ بِسَيِّدِهِ فَأوَّلُ مَن خالَفَهم إبْراهِيمُ وقَرَّرَ ذَلِكَ مُوسى ولَمْ يَأْتِ قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ مِثْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْدِيمُهُ لِما أنَّ صُحُفَهُ أشْهَرُ عِنْدَهم وأكْثَرُ، وقَرَأ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وفى» بِتَخْفِيفِ الفاءِ.

النجم 53:37

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أيْ بَلْ ألَمْ يُخْبَرْ. ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ وهي التَّوْراةُ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ وبِما في صُحُفِ إبْراهِيمَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ وفّى وأتَمَّ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وفّى بِسِهامِ الإسْلامِ كُلِّها ولَمْ يُوَفِّها أحَدٌ غَيْرُهُ وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا مِنها عَشْرَةٌ في بَراءَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: 111] الآياتِ، وعَشْرَةٌ في الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحْزابَ: 35] الآياتِ، وسِتٌّ في - قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الآياتِ الَّتِي في أوَّلِها، وأرْبَعٌ في سَألَ سائِلٌ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المَعارِجَ: 26] الآياتِ، وفي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ يَرْفَعُهُ، ﴿وفّى﴾ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ كانَ يُصَلِّيهِنَّ في كُلِّ يَوْمٍ، وفي رِوايَةٍ يُصَلِّيهِنَّ أوَّلَ النَّهارِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا ««ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهَ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ الآيَةَ»» وقالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وفّى﴾ بِتَبْلِيغِ هَذِهِ العَشْرَةِ أنْ لا تَزِرُ إلى آخِرِهِ «وقِيلَ، وقِيلَ:» والأوْلى العُمُومُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ إلّا وفّى بِهِ وتَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ لِاحْتِمالِهِ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُ، وفي قِصَّةِ الذَّبْحِ ما فِيهِ كِفايَةٌ صفحة 66 وخُصَّ هَذانِ النَّبِيّانِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالذِّكْرِ قِيلَ: لِأنَّهُ فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ كانُوا يَأْخُذُونَ الرَّجُلَ بِابْنِهِ وبِأبِيهِ وعَمِّهِ وخالِهِ، والزَّوْجَ بِامْرَأتِهِ، والعَبْدَ بِسَيِّدِهِ فَأوَّلُ مَن خالَفَهم إبْراهِيمُ وقَرَّرَ ذَلِكَ مُوسى ولَمْ يَأْتِ قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ مِثْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْدِيمُهُ لِما أنَّ صُحُفَهُ أشْهَرُ عِنْدَهم وأكْثَرُ، وقَرَأ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وفى» بِتَخْفِيفِ الفاءِ.

النجم 53:38

﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ إنَّهُ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ مِن شَأْنِها الحَمْلُ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى عَلى أنَّ (أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرُها ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الجَرُّ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِمّا في صُحُفِ مُوسى، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما في صُحُفِهِما ؟ فَقِيلَ: هو ﴿ألا تَزِرُ﴾ إلَخْ، والمَعْنى أنَّهُ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ لِيَتَخَلَّصَ الثّانِي عَنْ عِقابِهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» فَإنَّ ذَلِكَ وِزْرُ الإضْلالِ الَّذِي هو وِزْرُهُ لا وِزْرُ غَيْرِهِ،

النجم 53:39

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ إثابَةِ الإنْسانِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ( وأنْ ) كَأُخْتِها السّابِقَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها مَوْصُولَةً أيْ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ، أوْ إلّا الَّذِي سَعى بِهِ وفَعَلَهُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ ورَدَتْ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ بِنَفْعِ الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ، مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسُها وأظُنُّها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَها أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها ؟ قالَ: نَعَمْ» وكَذا بِنَفْعِ الحَجِّ» . أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ لَأنْ تَحُجَّ وأنَّها ماتَتْ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ كانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فَحَقُّ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ»» وأُجِيبَ بِأنَّ الغَيْرَ لَمّا نَوى ذَلِكَ الفِعْلَ لَهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ عَنْهُ القائِمِ مَقامَهُ شَرْعًا فَكَأنَّهُ بِسَعْيِهِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ، أوِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُ إلّا مَبْنِيًّا عَلى سَعْيِ نَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ فَكَأنَّهُ سَعْيُهُ، ودَلَّ عَلى بِنائِهِ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ العاصِ بْنَ وائِلٍ نَذَرَ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وأنَّ هِشامًا ابْنَهُ نَحْوَ حِصَّتِهِ خَمْسِينَ وأنَّ عَمْرًا سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «وأمّا أبُوكَ فَلَوْ كانَ أقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ»» وأُجِيبَ بِهَذا عَمّا قِيلَ: إنَّ تَضْعِيفَ الثَّوابِ الوارِدَ في الآياتِ يُنافِي أيْضًا القَصْرَ عَلى سَعْيِهِ وحْدَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في الجَوابِ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ إنَّهُ ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما هو قَطْعِيٌّ في حُصُولِ الِانْتِفاعِ بِعَمَلِ الغَيْرِ وهو يُنافِي ظاهِرَ الآيَةِ فَتُقَيَّدُ بِما لا يَهَبُهُ العامِلُ، وسَألَ والِي خُراسانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البَقَرَةَ: 261] فَقالَ: لَيْسَ لَهُ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى ولَهُ بِالفَضْلِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقَبَّلَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ هَذا الحُكْمُ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلِلْإنْسانِ مِنها سَعْيُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ «حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ «هَلْ لِأُمِّي إذا تَطَوَّعْتُ عَنْها ؟ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ»» وقالَ الرَّبِيعُ: الإنْسانُ هُنا الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21] وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ما يُشْعِرُ بِهِ أبُو داوُدَ صفحة 67 والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ رِوايَةَ النَّسْخِ بِأنَّها لا تَصِحُّ لِأنَّ الآيَةَ خَبَرٌ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَكْلِيفًا ولا نَسْخَ في الأخْبارِ. وما يُتَوَهَّمُ جَوابًا مِن أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في شَرِيعَةِ مُوسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ لا يَجْعَلَ الثَّوابَ لِغَيْرِ العامِلِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِمَن بَعْدَهم مِن أهْلِ شَرِيعَتِنا مَرْجِعُهُ إلى تَقْيِيدِ الأخْبارِ لا إلى النَّسْخِ إذْ حَقِيقَتُهُ أنْ يُرادَ المَعْنى، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ إرادَتُهُ، وهَذا تَخْصِيصُ الإرادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الشَّرائِعِ فافْهَمْهُ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ لَيْسَ عَلى الإنْسانِ غَيْرُ سَعْيِهِ، وهو بَعِيدٌ مِن ظاهِرِها ومِن سِياقِ الآيَةِ أيْضًا فَإنَّها وعْظٌ لِلَّذِي تَوَلّى وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ الحُسَيْنِ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ: والتَّحْرِيرُ عِنْدِي في هَذا الآيَةِ أنَّ مِلاكَ المَعْنى هو اللّامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِلْإنْسانِ ) فَإذا حَقَّقْتَ الشَّيْءَ الَّذِي حَقَّ الإنْسانِ أنْ يَقُولَ فِيهِ لِي كَذا لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ وما يَكُونُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةِ، أوْ رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ، أوِ ابْنٍ صالِحٍ، أوْ تَضْعِيفِ حَسَناتٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ لِي كَذا وكَذا إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، وإلْحاقٍ بِما هو حَقِيقَةٌ انْتَهى. ويُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ أنَّ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا جَعَلَ ثَوابَ عَمَلِهِ أيَّ عَمَلٍ كانَ لِغَيْرِهِ لا يَنْجَعِلُ ويَلْغُو جَعْلُهُ غَيْرُ تامٍّ وكَذا اسْتِدْلالُ الإمامِ الشّافِعِيِّ بِها عَلى أنَّ ثَوابَ القِراءَةِ لا تَلْحَقُ الأمْواتَ - وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ - بَلْ قالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: إنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ لا يَقُولانِ بِوُصُولِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ كالصَّلاةِ والتِّلاوَةِ بَلْ غَيْرُها كالصَّدَقَةِ والحَجِّ، وفي الأذْكارِ لِلنَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةٍ أنَّها لا تَصِلُ، وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ إلى أنَّهُ تَصِلُ، فالِاخْتِيارُ أنْ يَقُولَ القارِئُ بَعْدَ فَراغِهِ اللَّهُمَّ أوْصِلْ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ إلى فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ ونَحْوَهُ كَوَهَبْتُ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ لِفُلانٍ بِقَلْبِهِ كَفى، وعَنْ بَعْضِهِمُ اشْتِراطُ نِيَّةِ النِّيابَةِ أوَّلَ القِراءَةِ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ القِراءَةُ بِأُجْرَةٍ أمّا إذا كانَتْ بِها كَما يَفْعَلُهُ أكْثَرُ النّاسِ اليَوْمَ فَإنَّهم يُعْطُونَ حَفَظَةَ القُرْآنِ أُجْرَةً لَيَقْرَؤُوا لِمَوْتاهم فَيَقْرَؤُونَ لِتِلْكَ الأُجْرَةِ فَلا يَصِلُ ثَوابُها إذْ لا ثَوابَ لَها لِيَصِلَ لِحُرْمَةِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَحْرُمْ عَلى تَعْلِيمِهِ كَما حَقَّقَهُ خاتِمَةُ الفُقَهاءِ المُحَقِّقِينَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأمِينُ بْنُ عابِدِينَ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفي الهِدايَةِ مِن كِتابِ الحَجِّ عَنِ الغَيْرِ إطْلاقُ صِحَّةِ جَعْلِ الإنْسانِ عَمَلَهُ لِغَيْرِهِ ولَوْ صَلاةً وصَوْمًا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وفِيهِ ما عَلِمْتَ ما مَرَّ آنِفًا. وقالَ الخَفاجِيُّ: هو مُحْتاجٌ إلى التَّحْرِيرِ وتَحْرِيرُهُ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ هَلْ تُقْبَلُ النِّيابَةُ فَتَسْقُطُ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ فِعْلَ غَيْرِهِ سَواءٌ كانَ بِإذْنِهِ أوْ لا بَعْدَ حَياتِهِ أمْ لا فَهَذا وقَعَ في الحَجِّ كَما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، أمّا الصَّوْمُ فَلا، وما ورَدَ في حَدِيثِ ««مَن ماتَ وعَلَيْهِ صِيامٌ صامَ عَنْهُ ولِيُّهُ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ العِباداتِ فَقالَ الطَّحاوِيُّ: إنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ ولَيْسَ الكَلامُ في الفِدْيَةِ وإطْعامِ الطَّعامِ فَإنَّهُ بَدَلٌ وكَذا إهْداءُ الثَّوابِ سَواءٌ كانَ بِعَيْنِهِ أوْ مِثْلِهِ فَإنَّهُ دُعاءٌ وقَبُولُهُ بِفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ كالصَّدَقَةِ عَنِ الغَيْرِ فاعْرِفْهُ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ. ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُكْشَفُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في صَحِيفَتِهِ ومِيزانِهِ مِن أرَيْتُهُ الشَّيْءَ، وفي البَحْرِ يَراهُ حاضِرُو القِيامَةِ ويَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ تَشْرِيفًا لِلْمُحْسِنِ وتَوْبِيخًا لِلْمُسِيءِ.

النجم 53:40

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ إثابَةِ الإنْسانِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ( وأنْ ) كَأُخْتِها السّابِقَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها مَوْصُولَةً أيْ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ، أوْ إلّا الَّذِي سَعى بِهِ وفَعَلَهُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ ورَدَتْ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ بِنَفْعِ الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ، مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسُها وأظُنُّها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَها أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها ؟ قالَ: نَعَمْ» وكَذا بِنَفْعِ الحَجِّ» . أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ لَأنْ تَحُجَّ وأنَّها ماتَتْ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ كانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فَحَقُّ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ»» وأُجِيبَ بِأنَّ الغَيْرَ لَمّا نَوى ذَلِكَ الفِعْلَ لَهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ عَنْهُ القائِمِ مَقامَهُ شَرْعًا فَكَأنَّهُ بِسَعْيِهِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ، أوِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُ إلّا مَبْنِيًّا عَلى سَعْيِ نَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ فَكَأنَّهُ سَعْيُهُ، ودَلَّ عَلى بِنائِهِ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ العاصِ بْنَ وائِلٍ نَذَرَ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وأنَّ هِشامًا ابْنَهُ نَحْوَ حِصَّتِهِ خَمْسِينَ وأنَّ عَمْرًا سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «وأمّا أبُوكَ فَلَوْ كانَ أقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ»» وأُجِيبَ بِهَذا عَمّا قِيلَ: إنَّ تَضْعِيفَ الثَّوابِ الوارِدَ في الآياتِ يُنافِي أيْضًا القَصْرَ عَلى سَعْيِهِ وحْدَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في الجَوابِ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ إنَّهُ ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما هو قَطْعِيٌّ في حُصُولِ الِانْتِفاعِ بِعَمَلِ الغَيْرِ وهو يُنافِي ظاهِرَ الآيَةِ فَتُقَيَّدُ بِما لا يَهَبُهُ العامِلُ، وسَألَ والِي خُراسانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البَقَرَةَ: 261] فَقالَ: لَيْسَ لَهُ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى ولَهُ بِالفَضْلِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقَبَّلَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ هَذا الحُكْمُ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلِلْإنْسانِ مِنها سَعْيُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ «حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ «هَلْ لِأُمِّي إذا تَطَوَّعْتُ عَنْها ؟ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ»» وقالَ الرَّبِيعُ: الإنْسانُ هُنا الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21] وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ما يُشْعِرُ بِهِ أبُو داوُدَ صفحة 67 والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ رِوايَةَ النَّسْخِ بِأنَّها لا تَصِحُّ لِأنَّ الآيَةَ خَبَرٌ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَكْلِيفًا ولا نَسْخَ في الأخْبارِ. وما يُتَوَهَّمُ جَوابًا مِن أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في شَرِيعَةِ مُوسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ لا يَجْعَلَ الثَّوابَ لِغَيْرِ العامِلِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِمَن بَعْدَهم مِن أهْلِ شَرِيعَتِنا مَرْجِعُهُ إلى تَقْيِيدِ الأخْبارِ لا إلى النَّسْخِ إذْ حَقِيقَتُهُ أنْ يُرادَ المَعْنى، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ إرادَتُهُ، وهَذا تَخْصِيصُ الإرادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الشَّرائِعِ فافْهَمْهُ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ لَيْسَ عَلى الإنْسانِ غَيْرُ سَعْيِهِ، وهو بَعِيدٌ مِن ظاهِرِها ومِن سِياقِ الآيَةِ أيْضًا فَإنَّها وعْظٌ لِلَّذِي تَوَلّى وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ الحُسَيْنِ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ: والتَّحْرِيرُ عِنْدِي في هَذا الآيَةِ أنَّ مِلاكَ المَعْنى هو اللّامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِلْإنْسانِ ) فَإذا حَقَّقْتَ الشَّيْءَ الَّذِي حَقَّ الإنْسانِ أنْ يَقُولَ فِيهِ لِي كَذا لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ وما يَكُونُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةِ، أوْ رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ، أوِ ابْنٍ صالِحٍ، أوْ تَضْعِيفِ حَسَناتٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ لِي كَذا وكَذا إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، وإلْحاقٍ بِما هو حَقِيقَةٌ انْتَهى. ويُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ أنَّ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا جَعَلَ ثَوابَ عَمَلِهِ أيَّ عَمَلٍ كانَ لِغَيْرِهِ لا يَنْجَعِلُ ويَلْغُو جَعْلُهُ غَيْرُ تامٍّ وكَذا اسْتِدْلالُ الإمامِ الشّافِعِيِّ بِها عَلى أنَّ ثَوابَ القِراءَةِ لا تَلْحَقُ الأمْواتَ - وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ - بَلْ قالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: إنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ لا يَقُولانِ بِوُصُولِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ كالصَّلاةِ والتِّلاوَةِ بَلْ غَيْرُها كالصَّدَقَةِ والحَجِّ، وفي الأذْكارِ لِلنَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةٍ أنَّها لا تَصِلُ، وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ إلى أنَّهُ تَصِلُ، فالِاخْتِيارُ أنْ يَقُولَ القارِئُ بَعْدَ فَراغِهِ اللَّهُمَّ أوْصِلْ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ إلى فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ ونَحْوَهُ كَوَهَبْتُ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ لِفُلانٍ بِقَلْبِهِ كَفى، وعَنْ بَعْضِهِمُ اشْتِراطُ نِيَّةِ النِّيابَةِ أوَّلَ القِراءَةِ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ القِراءَةُ بِأُجْرَةٍ أمّا إذا كانَتْ بِها كَما يَفْعَلُهُ أكْثَرُ النّاسِ اليَوْمَ فَإنَّهم يُعْطُونَ حَفَظَةَ القُرْآنِ أُجْرَةً لَيَقْرَؤُوا لِمَوْتاهم فَيَقْرَؤُونَ لِتِلْكَ الأُجْرَةِ فَلا يَصِلُ ثَوابُها إذْ لا ثَوابَ لَها لِيَصِلَ لِحُرْمَةِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَحْرُمْ عَلى تَعْلِيمِهِ كَما حَقَّقَهُ خاتِمَةُ الفُقَهاءِ المُحَقِّقِينَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأمِينُ بْنُ عابِدِينَ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفي الهِدايَةِ مِن كِتابِ الحَجِّ عَنِ الغَيْرِ إطْلاقُ صِحَّةِ جَعْلِ الإنْسانِ عَمَلَهُ لِغَيْرِهِ ولَوْ صَلاةً وصَوْمًا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وفِيهِ ما عَلِمْتَ ما مَرَّ آنِفًا. وقالَ الخَفاجِيُّ: هو مُحْتاجٌ إلى التَّحْرِيرِ وتَحْرِيرُهُ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ هَلْ تُقْبَلُ النِّيابَةُ فَتَسْقُطُ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ فِعْلَ غَيْرِهِ سَواءٌ كانَ بِإذْنِهِ أوْ لا بَعْدَ حَياتِهِ أمْ لا فَهَذا وقَعَ في الحَجِّ كَما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، أمّا الصَّوْمُ فَلا، وما ورَدَ في حَدِيثِ ««مَن ماتَ وعَلَيْهِ صِيامٌ صامَ عَنْهُ ولِيُّهُ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ العِباداتِ فَقالَ الطَّحاوِيُّ: إنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ ولَيْسَ الكَلامُ في الفِدْيَةِ وإطْعامِ الطَّعامِ فَإنَّهُ بَدَلٌ وكَذا إهْداءُ الثَّوابِ سَواءٌ كانَ بِعَيْنِهِ أوْ مِثْلِهِ فَإنَّهُ دُعاءٌ وقَبُولُهُ بِفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ كالصَّدَقَةِ عَنِ الغَيْرِ فاعْرِفْهُ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ. ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُكْشَفُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في صَحِيفَتِهِ ومِيزانِهِ مِن أرَيْتُهُ الشَّيْءَ، وفي البَحْرِ يَراهُ حاضِرُو القِيامَةِ ويَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ تَشْرِيفًا لِلْمُحْسِنِ وتَوْبِيخًا لِلْمُسِيءِ.

النجم 53:41

﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ أيْ يُجْزى الإنْسانُ سَعْيَهُ، يُقالُ: جَزاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَمَلِهِ وجَزاهُ عَلى عَمَلِهِ وجَزاهُ عَمَلَهُ بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: صفحة 68 ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ وإذا جازَ وصْفُ المُجْزى بِهِ بِالأوْفى جازَ وصْفُ الحَدَثِ عَنِ الجَزاءِ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ بِمَعْنى المُجْزى بِهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفِعْلُ في حُكْمِ المُتَعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ. ولا بَأْسَ لِأنَّ الثّانِيَ بِالحَذْفِ والإيصالِ لا التَّوَسُّعِ فَيَجِيءُ فِيهِ الخِلافُ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الجَزاءَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿يُجْزاهُ﴾ لِلْجَزاءِ لا لِلسَّعْيِ، ( والجَزاءَ الأوْفى ) عَلَيْهِ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ بَدَلٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنْبِياءَ: 3] وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ إبْدالَ الظّاهِرِ مِنَ الضَّمِيرِ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ والصَّحِيحُ المَنعُ

النجم 53:42

﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ إنَّ انْتِهاءَ الخَلْقِ ورُجُوعَهم إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، والمُرادُ بِذَلِكَ رُجُوعُهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يُحْشَرُونَ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ إلى حِسابِ رَبِّكَ أوْ إلى ثَوابِهِ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ وعِقابِهِ مِنَ النّارِ الِانْتِهاءُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُنْتَهى الأفْكارِ فَلا تَزالُ الأفْكارُ تَسِيرُ في بَيْداءِ حَقائِقِ الأشْياءِ وماهِيّاتِها والإحاطَةِ بِما فِيها حَتّى إذا وُجِّهَتْ إلى حَرَمِ ذاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحَقائِقِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وقَفَتْ وحَرَنَتْ وانْتَهى سِيَرُها، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَغَوِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ»» وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««إذا ذُكِرَ الرَّبُّ فانْتَهُوا»» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَه عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللَّهِ فَقالَ: تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّكم لَنْ تَقْدُرُوهُ»» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ فَتَهْلَكُوا»» . واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ بِاسْتِحالَةِ مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالكُنْهِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، وأكْثَرُ الأدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، وإنَّ بِالكَسْرِ هُنا وفِيما بَعْدُ عَلى أنَّ الجُمَلَ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها فَلا تَكُونُ مِمّا في الصُّحُفِ

النجم 53:43

﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ خَلَقَ فِعْلَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المُرادُ خَلَقَ السُّرُورَ والحُزْنَ أوْ ما يُسِرُّ ويُحْزِنُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ، ولِذا قُرِنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ وعَلَيْهِ فَهو مَجازٌ ولا يَخْفى أنَّ الحَقِيقَةَ أيْضًا تُناسِبُ الإماتَةَ والإحْياءَ لا سِيَّما والمَوْتُ يَعْقُبُهُ البُكاءُ غالِبًا والإحْياءُ عِنْدَ الوِلادَةِ الضَّحِكُ وما أحْسَنَ قَوْلَهُ: ولَدَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ آدَمَ باكِيًا والنّاسُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرُورا فاجْهَدْ لِنَفْسِكَ أنْ تَكُونَ إذا بَكَوْا ∗∗∗ في يَوْمِ مَوْتِكَ ضاحِكًا مَسْرُورا وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ: ﴿أضْحَكَ﴾ أهْلَ الجَنَّةِ ﴿وأبْكى﴾ أهْلَ النّارِ، وقِيلَ: ﴿أضْحَكَ﴾ الأرْضَ بِالنَّباتِ ﴿وأبْكى﴾ السَّماءَ بِالمَطَرِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِلْحَصْرِ أيْ إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وكَذا في أنَّهُ ﴿هُوَ أماتَ وأحْيا﴾ فَلا يَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ غَيْرُ عَزَّ وجَلَّ، والقاتِلُ إنَّما يَنْقُضُ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ويُفَرِّقُ أجْزاءَها والمَوْتُ الحاصِلُ بِذَلِكَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ العادَةِ في مِثْلِهِ فَلا إشْكالَ في الحَصْرِ

النجم 53:44

﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ خَلَقَ فِعْلَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المُرادُ خَلَقَ السُّرُورَ والحُزْنَ أوْ ما يُسِرُّ ويُحْزِنُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ، ولِذا قُرِنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ وعَلَيْهِ فَهو مَجازٌ ولا يَخْفى أنَّ الحَقِيقَةَ أيْضًا تُناسِبُ الإماتَةَ والإحْياءَ لا سِيَّما والمَوْتُ يَعْقُبُهُ البُكاءُ غالِبًا والإحْياءُ عِنْدَ الوِلادَةِ الضَّحِكُ وما أحْسَنَ قَوْلَهُ: ولَدَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ آدَمَ باكِيًا والنّاسُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرُورا فاجْهَدْ لِنَفْسِكَ أنْ تَكُونَ إذا بَكَوْا ∗∗∗ في يَوْمِ مَوْتِكَ ضاحِكًا مَسْرُورا وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ: ﴿أضْحَكَ﴾ أهْلَ الجَنَّةِ ﴿وأبْكى﴾ أهْلَ النّارِ، وقِيلَ: ﴿أضْحَكَ﴾ الأرْضَ بِالنَّباتِ ﴿وأبْكى﴾ السَّماءَ بِالمَطَرِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِلْحَصْرِ أيْ إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وكَذا في أنَّهُ ﴿هُوَ أماتَ وأحْيا﴾ فَلا يَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ غَيْرُ عَزَّ وجَلَّ، والقاتِلُ إنَّما يَنْقُضُ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ويُفَرِّقُ أجْزاءَها والمَوْتُ الحاصِلُ بِذَلِكَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ العادَةِ في مِثْلِهِ فَلا إشْكالَ في الحَصْرِ

النجم 53:45

﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن نَوْعِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ ولَمْ يَذْكُرِ الضَّمِيرَ عَلى طَرْزَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ نِسْبَةُ خَلْقِ الزَّوْجَيْنِ إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ أيْ تُدْفَقُ في الرَّحِمِ صفحة 69 يُقالُ: أمْنى الرَّجُلُ ومَنى بِمَعْنى، وقالَ الأخْفَشُ: أيْ تَقْدِرُ يُقالُ مَنى لَكَ المانِي أيْ قَدَّرَ لَكَ المُقَدَّرَ، ومِنهُ المَنا الَّذِي يُوزَنُ بِهِ فِيما قَبْلُ، والمَنِيَّةُ وهي الأجَلُ المُقَدَّرُ لِلْحَيَوانِ.

النجم 53:46

﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن نَوْعِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ ولَمْ يَذْكُرِ الضَّمِيرَ عَلى طَرْزَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ نِسْبَةُ خَلْقِ الزَّوْجَيْنِ إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ أيْ تُدْفَقُ في الرَّحِمِ صفحة 69 يُقالُ: أمْنى الرَّجُلُ ومَنى بِمَعْنى، وقالَ الأخْفَشُ: أيْ تَقْدِرُ يُقالُ مَنى لَكَ المانِي أيْ قَدَّرَ لَكَ المُقَدَّرَ، ومِنهُ المَنا الَّذِي يُوزَنُ بِهِ فِيما قَبْلُ، والمَنِيَّةُ وهي الأجَلُ المُقَدَّرُ لِلْحَيَوانِ.

النجم 53:47

﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيِ الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ وفاءً بِوَعْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: وفي البَحْرِ لَمّا كانَتْ هَذِهِ النَّشْأةُ يُنْكِرُها الكُفّارُ بُولِغَ بِقَوْلِهِ تَعالى عَلَيْهِ كَأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وفي الكَشّافِ قالَ سُبْحانَهُ: ( عَلَيْهِ ) لِأنَّها واجِبَةٌ في الحِكْمَةِ لِيُجازِيَ عَلى الإحْسانِ والإساءَةِ وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرو - النَّشاءَةَ - بِالمَدِّ وهي أيْضًا مَصْدَرُ نَشْأةٍ الثُّلاثِيِّ ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ وأعْطى القِنْيَةَ وهو ما يَبْقى ويَدُومُ مِنَ الأمْوالِ بِبَقاءِ نَفْسِهِ أوْ أصْلِهِ كالرِّياضِ والحَيَوانِ والبِناءِ، وإفْرادُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( أغْنى ) لِأنَّ القِنْيَةَ أنْفَسُ الأمْوالِ وأشْرَفُها، وفي البَحْرِ يُقالُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ ويُعَدّى أيْضًا بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ فَيُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ تَعالى مالًا وقَنّاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا، وقالَ الشّاعِرُ: كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرَ ثَرْوَتَهُ ومِن فَقِيرٍ يُقْنِي بَعْدَ إقْلالِ أيْ يُقْنِي المالَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( أغْنى ) مَوَّلَ، ﴿وأقْنى﴾ أرْضى. وهو بِهَذا المَعْنى مَجازٌ مِنَ القِنْيَةِ قالَ الرّاغِبُ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً مِنَ الرِّضا والطّاعَةِ وذَلِكَ أعْظَمُ القَنائِنِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: هَلْ هي إلّا مُدَّةٌ وتَنْقَضِي ∗∗∗ ما يَغْلِبُ الأيّامَ إلّا مَن رَضِيَ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والأخْفَشِ ( أقْنى ) أفْقَرَ، ووُجِّهَ بِأنَّهُما جَعَلا الهَمْزَةَ فِيهِ لِلسَّلْبِ والإزالَةِ كَما في أشْكى، وقِيلَ: إنَّهُما جَعَلا ( أقْنى ) بِمَعْنى جَعَلَ لَهُ الرِّضا والصَّبْرَ قِنْيَةً كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ فِيهِ الطِّباقُ كَما في ( أماتَ وأحْيا وأضْحَكَ وأبْكى ) وفَسَّرَهُ بِأفْقَرَ أيْضًا الحَضْرَمِيُّ إلّا أنَّهُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ قالَ ( أغْنى ) نَفْسَهُ سُبْحانَهُ و«أفْقَرَ» الخَلائِقَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المَفْعُولِ في جَمِيعِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْدَثاتِ الصّالِحَةِ لِتَعَلُّقِ الفِعْلِ، وعِنْدِي أنَّ ( أغْنى ) سُبْحانَهُ نَفْسَهُ كَأوْجَدَ جَلَّ شَأْنُهُ نَفْسَهُ لا يَخْلُو عَنْ سَماجَةٍ وإيهامٍ مَحْذُورٍ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولٌ لِأنَّ القَصْدَ إلى الفِعْلِ نَفْسِهِ

النجم 53:48

﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيِ الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ وفاءً بِوَعْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: وفي البَحْرِ لَمّا كانَتْ هَذِهِ النَّشْأةُ يُنْكِرُها الكُفّارُ بُولِغَ بِقَوْلِهِ تَعالى عَلَيْهِ كَأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وفي الكَشّافِ قالَ سُبْحانَهُ: ( عَلَيْهِ ) لِأنَّها واجِبَةٌ في الحِكْمَةِ لِيُجازِيَ عَلى الإحْسانِ والإساءَةِ وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرو - النَّشاءَةَ - بِالمَدِّ وهي أيْضًا مَصْدَرُ نَشْأةٍ الثُّلاثِيِّ ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ وأعْطى القِنْيَةَ وهو ما يَبْقى ويَدُومُ مِنَ الأمْوالِ بِبَقاءِ نَفْسِهِ أوْ أصْلِهِ كالرِّياضِ والحَيَوانِ والبِناءِ، وإفْرادُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( أغْنى ) لِأنَّ القِنْيَةَ أنْفَسُ الأمْوالِ وأشْرَفُها، وفي البَحْرِ يُقالُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ ويُعَدّى أيْضًا بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ فَيُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ تَعالى مالًا وقَنّاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا، وقالَ الشّاعِرُ: كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرَ ثَرْوَتَهُ ومِن فَقِيرٍ يُقْنِي بَعْدَ إقْلالِ أيْ يُقْنِي المالَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( أغْنى ) مَوَّلَ، ﴿وأقْنى﴾ أرْضى. وهو بِهَذا المَعْنى مَجازٌ مِنَ القِنْيَةِ قالَ الرّاغِبُ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً مِنَ الرِّضا والطّاعَةِ وذَلِكَ أعْظَمُ القَنائِنِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: هَلْ هي إلّا مُدَّةٌ وتَنْقَضِي ∗∗∗ ما يَغْلِبُ الأيّامَ إلّا مَن رَضِيَ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والأخْفَشِ ( أقْنى ) أفْقَرَ، ووُجِّهَ بِأنَّهُما جَعَلا الهَمْزَةَ فِيهِ لِلسَّلْبِ والإزالَةِ كَما في أشْكى، وقِيلَ: إنَّهُما جَعَلا ( أقْنى ) بِمَعْنى جَعَلَ لَهُ الرِّضا والصَّبْرَ قِنْيَةً كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ فِيهِ الطِّباقُ كَما في ( أماتَ وأحْيا وأضْحَكَ وأبْكى ) وفَسَّرَهُ بِأفْقَرَ أيْضًا الحَضْرَمِيُّ إلّا أنَّهُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ قالَ ( أغْنى ) نَفْسَهُ سُبْحانَهُ و«أفْقَرَ» الخَلائِقَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المَفْعُولِ في جَمِيعِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْدَثاتِ الصّالِحَةِ لِتَعَلُّقِ الفِعْلِ، وعِنْدِي أنَّ ( أغْنى ) سُبْحانَهُ نَفْسَهُ كَأوْجَدَ جَلَّ شَأْنُهُ نَفْسَهُ لا يَخْلُو عَنْ سَماجَةٍ وإيهامٍ مَحْذُورٍ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولٌ لِأنَّ القَصْدَ إلى الفِعْلِ نَفْسِهِ

النجم 53:49

﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي ( الشِّعْرى ) العَبُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ والباءِ المُوَحَّدَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ بَعْدَ الواوِ، وتُقالُ ( الشِّعْرى )أيْضًا عَلى الغُمَيْصاءُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ومِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وصادٌ مُهْمَلَةٌ ومَدٌّ، والأُولى في الجَوْزاءِ، وإنَّما قِيلَ لَها العَبُورُ لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ فَلَقِيَتْ سُهَيْلًا ولِأنَّها تَراهُ إذا طَلَعَ كَأنَّها سَتَعْبُرُ وتُسَمّى أيْضًا كَلْبَ الجُبارِ لِأنَّها تَتْبَعُ الجَوْزاءَ المُسَمّاةَ بِالجُبارِ كَما تَتْبَعُ الكَلْبَ الصّائِدَ أوِ الصَّيْدَ، والثّانِيَةُ في ذِراعِ الأسَدِ المَبْسُوطَةِ، وإنَّما قِيلَ لَها الغُمَيْصاءُ لِأنَّها بَكَتْ مِن فِراقِ سُهَيْلٍ فَغَمَصَتْ عَيْنُها، والغَمَصُ ما سالَ مِنَ الرَّمْصِ وهو وسَخٌ أبْيَضُ يَجْتَمِعُ في المُوقِ، وذَلِكَ مِن زَعْمِ العَرَبِ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ، وفي القامُوسِ مِن أحادِيثِهِمْ أنَّ الشِّعْرى العَبُورُ قَطَعَتِ المَجَرَّةَ فَسُمِّيَتْ عَبُورًا وبَكَتِ الأُخْرى عَلى أثَرِها حَتّى غَمَصَتْ ويُقالُ لَها الغَمُوصُ أيْضًا، وقِيلَ: زَعَمُوا أنَّ سُهَيْلًا ( والشِّعْرى ) كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا فاتَّبَعَهُ الشِّعْرى فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ فَسُمِّيَتِ العَبُورَ وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها دُونَ الأُولى ضِياءً، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَخَيُّلاتِهِمُ الكاذِبَةِ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها، والمُتَبادَرُ عِنْدَ الإطْلاقِ وعَدَمِ الوَصْفِ العَبُورُ لِأنَّها أكْبَرُ جِرْمًا وأكْثَرُ ضِياءً وهي الَّتِي عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الجاهِلِيَّةِ. قالَ السُّدِّيُّ: عَبَدَتْها حِمْيَرٌ وخُزاعَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ رَجُلٌ مِن خُزاعَةَ، أوْ هو سَيِّدُهم صفحة 70 واسْمُهُ وخْزُ بْنُ غالِبٍ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ابْنُ أبِي كَبْشَةَ شَبَّهُوهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ أحَدُ أجْدادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قِبَلِ أُمِّهِ وأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ في المَرْءِ تَسْرِي إلَيْهِ مِن أحَدِ أُصُولِهِ فَيَقُولُونَ نَزَعَ إلَيْهِ عِرْقُ كَذا، وعِرْقُ الخالِ نَزّاعٌ، وقِيلَ: هو كُنْيَةُ وهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ جَدِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قِبَلِ أُمِّهِ، وقَوْلُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ القامُوسِ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الشَّبَهِ الخُلُقِيِّ دُونَ المُخالَفَةِ، وقِيلَ: كُنْيَةُ زَوْجِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ مُرْضِعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كُنْيَةُ عَمِّ ولَدِها ولِكَوْنِها عُبِدَتْ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا لَهم بِجَعْلِ المَرْبُوبِ رَبًّا، ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ. ومِنَ العَرَبِ مَن كانَ يُعَظِّمُها ويَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها في العالَمِ ويَزْعُمُونَ أنَّها تَقْطَعُ السَّماءَ عَرْضًا وسائِرُ النُّجُومِ تَقْطَعُها طُولًا ويَتَكَلَّمُونَ عَلى المُغَيَّباتِ عِنْدَ طُلُوعِها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ تَأْثِيرِها. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ أيِ القُدَماءَ لِأنَّهم أُولى الأُمَمِ هَلاكًا بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ كَما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: وُصِفَتْ بِالأُولى لِأنَّ في القَبائِلِ عادًا أُخْرى وهي قَبِيلَةٌ كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأُخْرى هي ثَمُودُ، وقِيلَ: الجَبّارُونَ، وقِيلَ: عادٌ الأُولى ولَدُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وعادٌ الأُخْرى مِن ولَدِ عادٍ الأُولى، وفي الكَشّافِ ( الأُولى ) قَوْمُ هُودٍ والأُخْرى إرَمُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأُولى المُتَقَدِّمُونَ الأشْرافُ: وقَرَأ قَوْمٌ عادَ الُولى بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ ضَمِّها إلى اللّامِ قَبْلَها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍ و عادالُّولى بِإدْغامِ التَّنْوِينِ في اللّامِ المَنقُولِ إلَيْها حَرَكَةُ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ، وعابَ هَذِهِ القِراءَةَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ، وقالَتِ العَرَبُ: في الِابْتِداءِ بَعْدَ النَّقْلِ - الحُمُرُ، ولُحُمُرُ - فَهَذِهِ القِراءَةُ جاءَتْ عَلى لُحُمُرِ فَلا عَيْبَ فِيها، وأتى قالُونُبَعْدَ ضَمَّةِ اللّامِ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ في مَوْضِعِ الواوِ كَما في قَوْلِهِ: أحَبُّ المَوْقِدَيْنِ إلَيَّ مُؤْسى وكَما قَرَأ بَعْضُهم - عَلى سُؤْقِهِ - وفِيهِ شُذُوذٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ عادَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ ومَن صَرَفَهُ فَبِاعْتِبارِ الحَيِّ، أوْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ هِنْدٍ لِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ

النجم 53:50

﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي ( الشِّعْرى ) العَبُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ والباءِ المُوَحَّدَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ بَعْدَ الواوِ، وتُقالُ ( الشِّعْرى )أيْضًا عَلى الغُمَيْصاءُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ومِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وصادٌ مُهْمَلَةٌ ومَدٌّ، والأُولى في الجَوْزاءِ، وإنَّما قِيلَ لَها العَبُورُ لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ فَلَقِيَتْ سُهَيْلًا ولِأنَّها تَراهُ إذا طَلَعَ كَأنَّها سَتَعْبُرُ وتُسَمّى أيْضًا كَلْبَ الجُبارِ لِأنَّها تَتْبَعُ الجَوْزاءَ المُسَمّاةَ بِالجُبارِ كَما تَتْبَعُ الكَلْبَ الصّائِدَ أوِ الصَّيْدَ، والثّانِيَةُ في ذِراعِ الأسَدِ المَبْسُوطَةِ، وإنَّما قِيلَ لَها الغُمَيْصاءُ لِأنَّها بَكَتْ مِن فِراقِ سُهَيْلٍ فَغَمَصَتْ عَيْنُها، والغَمَصُ ما سالَ مِنَ الرَّمْصِ وهو وسَخٌ أبْيَضُ يَجْتَمِعُ في المُوقِ، وذَلِكَ مِن زَعْمِ العَرَبِ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ، وفي القامُوسِ مِن أحادِيثِهِمْ أنَّ الشِّعْرى العَبُورُ قَطَعَتِ المَجَرَّةَ فَسُمِّيَتْ عَبُورًا وبَكَتِ الأُخْرى عَلى أثَرِها حَتّى غَمَصَتْ ويُقالُ لَها الغَمُوصُ أيْضًا، وقِيلَ: زَعَمُوا أنَّ سُهَيْلًا ( والشِّعْرى ) كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا فاتَّبَعَهُ الشِّعْرى فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ فَسُمِّيَتِ العَبُورَ وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها دُونَ الأُولى ضِياءً، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَخَيُّلاتِهِمُ الكاذِبَةِ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها، والمُتَبادَرُ عِنْدَ الإطْلاقِ وعَدَمِ الوَصْفِ العَبُورُ لِأنَّها أكْبَرُ جِرْمًا وأكْثَرُ ضِياءً وهي الَّتِي عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الجاهِلِيَّةِ. قالَ السُّدِّيُّ: عَبَدَتْها حِمْيَرٌ وخُزاعَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ رَجُلٌ مِن خُزاعَةَ، أوْ هو سَيِّدُهم صفحة 70 واسْمُهُ وخْزُ بْنُ غالِبٍ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ابْنُ أبِي كَبْشَةَ شَبَّهُوهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ أحَدُ أجْدادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قِبَلِ أُمِّهِ وأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ في المَرْءِ تَسْرِي إلَيْهِ مِن أحَدِ أُصُولِهِ فَيَقُولُونَ نَزَعَ إلَيْهِ عِرْقُ كَذا، وعِرْقُ الخالِ نَزّاعٌ، وقِيلَ: هو كُنْيَةُ وهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ جَدِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قِبَلِ أُمِّهِ، وقَوْلُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ القامُوسِ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الشَّبَهِ الخُلُقِيِّ دُونَ المُخالَفَةِ، وقِيلَ: كُنْيَةُ زَوْجِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ مُرْضِعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كُنْيَةُ عَمِّ ولَدِها ولِكَوْنِها عُبِدَتْ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا لَهم بِجَعْلِ المَرْبُوبِ رَبًّا، ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ. ومِنَ العَرَبِ مَن كانَ يُعَظِّمُها ويَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها في العالَمِ ويَزْعُمُونَ أنَّها تَقْطَعُ السَّماءَ عَرْضًا وسائِرُ النُّجُومِ تَقْطَعُها طُولًا ويَتَكَلَّمُونَ عَلى المُغَيَّباتِ عِنْدَ طُلُوعِها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ تَأْثِيرِها. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ أيِ القُدَماءَ لِأنَّهم أُولى الأُمَمِ هَلاكًا بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ كَما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: وُصِفَتْ بِالأُولى لِأنَّ في القَبائِلِ عادًا أُخْرى وهي قَبِيلَةٌ كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأُخْرى هي ثَمُودُ، وقِيلَ: الجَبّارُونَ، وقِيلَ: عادٌ الأُولى ولَدُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وعادٌ الأُخْرى مِن ولَدِ عادٍ الأُولى، وفي الكَشّافِ ( الأُولى ) قَوْمُ هُودٍ والأُخْرى إرَمُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأُولى المُتَقَدِّمُونَ الأشْرافُ: وقَرَأ قَوْمٌ عادَ الُولى بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ ضَمِّها إلى اللّامِ قَبْلَها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍ و عادالُّولى بِإدْغامِ التَّنْوِينِ في اللّامِ المَنقُولِ إلَيْها حَرَكَةُ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ، وعابَ هَذِهِ القِراءَةَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ، وقالَتِ العَرَبُ: في الِابْتِداءِ بَعْدَ النَّقْلِ - الحُمُرُ، ولُحُمُرُ - فَهَذِهِ القِراءَةُ جاءَتْ عَلى لُحُمُرِ فَلا عَيْبَ فِيها، وأتى قالُونُبَعْدَ ضَمَّةِ اللّامِ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ في مَوْضِعِ الواوِ كَما في قَوْلِهِ: أحَبُّ المَوْقِدَيْنِ إلَيَّ مُؤْسى وكَما قَرَأ بَعْضُهم - عَلى سُؤْقِهِ - وفِيهِ شُذُوذٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ عادَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ ومَن صَرَفَهُ فَبِاعْتِبارِ الحَيِّ، أوْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ هِنْدٍ لِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ

النجم 53:51

﴿وثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا - لِأبْقى - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أبْقى﴾ لِأنَّ - ما - النّافِيَةَ لَها صَدْرُ الكَلامِ والفاءُ عَلى ما قِيلَ: مانِعَةٌ أيْضًا فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ - لِأهْلَكَ - مُقَدَّرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ - ثَمُودَ - بِلا تَنْوِينٍ ويَقِفانِ بِغَيْرِ ألِفٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِالألِفِ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ ﴿أبْقى﴾ يَرْجِعُ إلى عادٍ وثَمُودَ مَعًا أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، أيْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، وقِيلَ: أيْ ما أبْقى مِنهم أحَدًا، والمُرادُ ما أبْقى مِن كُفّارِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا أيْضًا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ، وصَرَّحَ بِالقِبْلِيَّةِ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمُ الثّانِي وقَوْمَهُ أوَّلُ الطّاغِينَ والهالِكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ كانُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكادُ يَتَحَرَّكُ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْخُذُ بِيَدِ ابْنِهِ يَتَمَشّى بِهِ إلَيْهِ يُحَذِّرُهُ مِنهُ ويَقُولُ: يا بُنَيَّ إنَّ أبِي مَشى بِي إلى هَذا وأنا مِثْلُكَ يَوْمَئِذٍ فَإيّاكَ أنْ تُصَدِّقَهُ فَيَمُوتُ الكَبِيرُ عَلى الكُفْرِ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ ولَمْ يَتَأثَّرُوا مِن دُعائِهِ وقَدْ دَعاهم ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( إنَّهم ) يَعُودُ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ أيْ كانُوا أظْلَمَ مِن قُرَيْشٍ وأطْغى مِنهم، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة 71 ما لا يَخْفى، و(هم ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لِأنَّهُ واقِعٌ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وحُذِفَ المَفْضُولُ مَعَ الواقِعِ خَبَرًا لَكانَ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى خَبَرِ المُبْتَدَأِ وحَذْفُهُ فَصِيحٌ فِيهِ فَكَذَلِكَ في خَبَرِ كانَ

النجم 53:52

﴿وثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا - لِأبْقى - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أبْقى﴾ لِأنَّ - ما - النّافِيَةَ لَها صَدْرُ الكَلامِ والفاءُ عَلى ما قِيلَ: مانِعَةٌ أيْضًا فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ - لِأهْلَكَ - مُقَدَّرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ - ثَمُودَ - بِلا تَنْوِينٍ ويَقِفانِ بِغَيْرِ ألِفٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِالألِفِ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ ﴿أبْقى﴾ يَرْجِعُ إلى عادٍ وثَمُودَ مَعًا أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، أيْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، وقِيلَ: أيْ ما أبْقى مِنهم أحَدًا، والمُرادُ ما أبْقى مِن كُفّارِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا أيْضًا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ، وصَرَّحَ بِالقِبْلِيَّةِ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمُ الثّانِي وقَوْمَهُ أوَّلُ الطّاغِينَ والهالِكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ كانُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكادُ يَتَحَرَّكُ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْخُذُ بِيَدِ ابْنِهِ يَتَمَشّى بِهِ إلَيْهِ يُحَذِّرُهُ مِنهُ ويَقُولُ: يا بُنَيَّ إنَّ أبِي مَشى بِي إلى هَذا وأنا مِثْلُكَ يَوْمَئِذٍ فَإيّاكَ أنْ تُصَدِّقَهُ فَيَمُوتُ الكَبِيرُ عَلى الكُفْرِ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ ولَمْ يَتَأثَّرُوا مِن دُعائِهِ وقَدْ دَعاهم ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( إنَّهم ) يَعُودُ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ أيْ كانُوا أظْلَمَ مِن قُرَيْشٍ وأطْغى مِنهم، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة 71 ما لا يَخْفى، و(هم ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لِأنَّهُ واقِعٌ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وحُذِفَ المَفْضُولُ مَعَ الواقِعِ خَبَرًا لَكانَ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى خَبَرِ المُبْتَدَأِ وحَذْفُهُ فَصِيحٌ فِيهِ فَكَذَلِكَ في خَبَرِ كانَ

النجم 53:53

﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ هي قُرى قَوْمِ لُوطٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها أيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ، ومِنهُ الإفْكُ لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُؤْتَفِكَةِ كُلُّ ما انْقَلَبَتْ مَساكِنُهُ ودَثَرَتْ أماكِنُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ «والمُؤْتَفِكاتُ» جَمْعًا ﴿أهْوى﴾ أيْ أسْقَطَها إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ رَفَعَها عَلى جَناحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي. والظّاهِرُ أنَّ أهْوى ناصِبٌ لِلْمُؤْتَفِكَةِ وأُخِّرَ العامِلُ لِكَوْنِهِ فاصِلَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ - المُؤْتَفِكَةُ - مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ ( وأهْوى ) مَعَ فاعِلِهِ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ تُوَضِّحُ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ.

النجم 53:54

﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ وتَعْمِيمٌ لِما أصابَهم مِنهُ لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ والتَّضْعِيفُ في غَشّاها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ ما مَفْعُولًا ثانِيًا والفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ فَـ ما هي الفاعِلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ تَتَشَكَّكُ والتَّفاعُلُ هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ التَّعَدُّدِ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، وقِيلَ: إنَّ فِعْلَ التَّمارِي لِلْواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ وهو الآلاءُ المُتَمارى فِيها، والخِطابُ قِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالغَيْرِ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ عَلى الإطْلاقِ وهو أظْهَرُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والآلاءُ جَمْعٌ إلى النِّعَمِ، والمُرادُ بِها ما عُدَّ في الآياتِ قَبْلُ وسُمِّيَ الكُلُّ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ مِنهُ نِقَمًا لِما في النِّقَمِ مِنَ العِبَرِ والمَواعِظِ لِلْمُعْتَبِرِينَ والِانْتِفاعُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ فَهي نِعَمٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْضًا، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِالآلاءِ لِلتَّغْلِيبِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَقامَ غَيْرُ مُناسِبٍ لَهُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ - رَبِّكَ تَّمارى - بِتاءٍ مُشَدَّدَةٍ.

النجم 53:55

﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ وتَعْمِيمٌ لِما أصابَهم مِنهُ لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ والتَّضْعِيفُ في غَشّاها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ ما مَفْعُولًا ثانِيًا والفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ فَـ ما هي الفاعِلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ تَتَشَكَّكُ والتَّفاعُلُ هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ التَّعَدُّدِ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، وقِيلَ: إنَّ فِعْلَ التَّمارِي لِلْواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ وهو الآلاءُ المُتَمارى فِيها، والخِطابُ قِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالغَيْرِ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ عَلى الإطْلاقِ وهو أظْهَرُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والآلاءُ جَمْعٌ إلى النِّعَمِ، والمُرادُ بِها ما عُدَّ في الآياتِ قَبْلُ وسُمِّيَ الكُلُّ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ مِنهُ نِقَمًا لِما في النِّقَمِ مِنَ العِبَرِ والمَواعِظِ لِلْمُعْتَبِرِينَ والِانْتِفاعُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ فَهي نِعَمٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْضًا، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِالآلاءِ لِلتَّغْلِيبِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَقامَ غَيْرُ مُناسِبٍ لَهُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ - رَبِّكَ تَّمارى - بِتاءٍ مُشَدَّدَةٍ.

النجم 53:56

﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إلى الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، أوِ الإشارَةُ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. والنَّذِيرُ يَجِيءُ مَصْدَرًا ووَصْفًا، والنُّذُرُ جَمْعُهُ مُطْلَقًا وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ هُنا، ووَصْفُ ( النُّذُرِ ) جَمْعًا لِلْوَصْفِ بِالأُولى عَلى تَأْوِيلِ الفِرْقَةِ، أوِ الجَماعَةِ، واخْتِيرَ عَلى غَيْرِهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ﴿النُّذُرِ الأُولى﴾ . وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ إلَخْ فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ إمّا لِما عَدَّدَ مِنَ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ الصُّحُفُ وإمّا لِجَمِيعِ الكَلامِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ

النجم 53:57

﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ المَوْصُوفَةُ بِالقُرْبِ في غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ، فَألْ في ( الآزِفَةُ ) لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: ( الآزِفَةُ ) عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِلسّاعَةِ هُنا، وقِيلَ: لا بَأْسَ بِإرادَةِ الجِنْسِ ووَصْفُ القَرِيبِ بِالقُرْبِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿كاشِفَةٌ﴾ نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها إذا وقَعَتْ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَكْشِفُها والمُرادُ بِالكَشْفِ الإزالَةُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ أيْ إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ أهْوالُها وشَدائِدُها لَمْ يَكْشِفْها ولَمْ يَرُدَّها عَنْهم أحَدٌ، أوْ لَيْسَ لَها الآنَ نَفْسٌ كاشِفَةٌ أيْ مُزِيلَةٌ لِلْخَوْفِ مِنها فَإنَّهُ باقٍ إلى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها وهو مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ: أوْ لَيْسَ لَها الآنَ نَفْسٌ كاشِفَةٌ بِالتَّأْخِيرِ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَوْ وقَعَتِ الآنَ لَمْ يَرُدَّها إلى وقْتِها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، فالكَشْفُ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ وهو إزالَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وقالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ: المَعْنى صفحة 72 لَيْسَ لَها مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى نَفْسٌ كاشِفَةٌ تَكْشِفُ وقْتَ وُقُوعِها وتُبَيِّنُهُ لِأنَّها مِن أخْفى المُغَيَّباتِ، فالكَشْفُ بِمَعْنى التَّبْيِينِ والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعْرافَ: 187] والتّاءُ في ﴿كاشِفَةٌ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ لِلتَّأْنِيثِ، وهو لِتَأْنِيثِ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ كَما سَمِعْتَ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ المَوْصُوفَ حالًا، والأوَّلُ أوْلى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُها في عَلامَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَقامَ يَأْباهُ لِإيهامِهِ ثُبُوتَ أصْلِ الكَشْفِ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ الرُّمّانِيُّ وجَماعَةٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿كاشِفَةٌ﴾ مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، وخائِنَةِ الأعْيُنِ أيْ لَيْسَ لَها كَشْفٌ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى

النجم 53:58

﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ المَوْصُوفَةُ بِالقُرْبِ في غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ، فَألْ في ( الآزِفَةُ ) لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: ( الآزِفَةُ ) عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِلسّاعَةِ هُنا، وقِيلَ: لا بَأْسَ بِإرادَةِ الجِنْسِ ووَصْفُ القَرِيبِ بِالقُرْبِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿كاشِفَةٌ﴾ نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها إذا وقَعَتْ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَكْشِفُها والمُرادُ بِالكَشْفِ الإزالَةُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ أيْ إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ أهْوالُها وشَدائِدُها لَمْ يَكْشِفْها ولَمْ يَرُدَّها عَنْهم أحَدٌ، أوْ لَيْسَ لَها الآنَ نَفْسٌ كاشِفَةٌ أيْ مُزِيلَةٌ لِلْخَوْفِ مِنها فَإنَّهُ باقٍ إلى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها وهو مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ: أوْ لَيْسَ لَها الآنَ نَفْسٌ كاشِفَةٌ بِالتَّأْخِيرِ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَوْ وقَعَتِ الآنَ لَمْ يَرُدَّها إلى وقْتِها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، فالكَشْفُ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ وهو إزالَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وقالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ: المَعْنى صفحة 72 لَيْسَ لَها مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى نَفْسٌ كاشِفَةٌ تَكْشِفُ وقْتَ وُقُوعِها وتُبَيِّنُهُ لِأنَّها مِن أخْفى المُغَيَّباتِ، فالكَشْفُ بِمَعْنى التَّبْيِينِ والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعْرافَ: 187] والتّاءُ في ﴿كاشِفَةٌ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ لِلتَّأْنِيثِ، وهو لِتَأْنِيثِ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ كَما سَمِعْتَ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ المَوْصُوفَ حالًا، والأوَّلُ أوْلى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُها في عَلامَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَقامَ يَأْباهُ لِإيهامِهِ ثُبُوتَ أصْلِ الكَشْفِ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ الرُّمّانِيُّ وجَماعَةٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿كاشِفَةٌ﴾ مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، وخائِنَةِ الأعْيُنِ أيْ لَيْسَ لَها كَشْفٌ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى

النجم 53:59

﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنْكارًا ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ حُزْنًا عَلى ما فَرَّطْتُمْ في شَأْنِهِ وخَوْفًا مِن أنْ يَحِيقَ بِكم ما حاقَ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أيْ لاهُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوابًا لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ هُزَيْلَةَ بِنْتِ بَكْرٍ وهي تَبْكِي قَوْمَ عادٍ: لَيْتَ عادًا قَبِلُوا الحَقَّ ولَمْ يُبْدُوا جُحُودا قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنِ السُّمُودِ، فَقالَ: البَرْطَمَةُ وهي رَفْعُ الرَّأْسِ تَكَبُّرًا أيْ وأنْتُمْ رافِعُونَ رُؤُوسَكم تَكَبُّرًا، ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِالبَرْطَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقالَ الرّاغِبُ: السّامِدُ اللّاهِي الرّافِعُ رَأْسَهُ - مِن سَمَدَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ - إذا رَفَعَ رَأسَهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا أيْ غَنِّي لَنا، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرّازِقِ. والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ وكانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ غَنُّوا تَشاغُلًا عَنْهُ، وقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَشْغَلُوا النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حالٌ مِن فاعِلِ - لا تَبْكُونَ - ومَضْمُونُها قَيْدٌ لِلنَّفْيِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْيِ البُكاءِ ووُجُودِ السُّمُودِ، وقالَ المُبَرِّدُ: السُّمُودُ الجُمُودُ والخُشُوعُ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا والجُمْلَةُ عَلَيْهِ حالٌ مِن فاعِلِ - تَبْكُونَ - أيْضًا إلّا أنَّ مَضْمُونَها قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ، والإنْكارُ وارِدٌ عَلى نَفْيِ البُكاءِ والسُّمُودِ مَعًا فَلا تَغْفُلْ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ - تَضْحَكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ الحَسَنُ - تُعْجِبُونَ تُضْحِكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ وضَمِّ التّاءَيْنِ وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ كَما في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى اسْتِحْبابِ البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ وقِراءَتِهِ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ «بَكى أصْحابُ الصُّفَّةِ حَتّى جَرَتْ دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَنِينَهم بَكى مَعَهم فَبَكَيْنا بِبُكائِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَلِجُ النّارَ مَن بَكى مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلى مَعْصِيَتِهِ ولَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم»» وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وغَيْرُهم عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ»» ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ««فَما رُئِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضاحِكًا ولا مُبْتَسِمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا»» وفِيهِ سَدُّ بابِ الضَّحِكِ عِنْدَ قُرّاءِ القُرْآنِ ولَوْ لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

النجم 53:60

﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنْكارًا ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ حُزْنًا عَلى ما فَرَّطْتُمْ في شَأْنِهِ وخَوْفًا مِن أنْ يَحِيقَ بِكم ما حاقَ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أيْ لاهُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوابًا لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ هُزَيْلَةَ بِنْتِ بَكْرٍ وهي تَبْكِي قَوْمَ عادٍ: لَيْتَ عادًا قَبِلُوا الحَقَّ ولَمْ يُبْدُوا جُحُودا قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنِ السُّمُودِ، فَقالَ: البَرْطَمَةُ وهي رَفْعُ الرَّأْسِ تَكَبُّرًا أيْ وأنْتُمْ رافِعُونَ رُؤُوسَكم تَكَبُّرًا، ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِالبَرْطَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقالَ الرّاغِبُ: السّامِدُ اللّاهِي الرّافِعُ رَأْسَهُ - مِن سَمَدَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ - إذا رَفَعَ رَأسَهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا أيْ غَنِّي لَنا، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرّازِقِ. والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ وكانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ غَنُّوا تَشاغُلًا عَنْهُ، وقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَشْغَلُوا النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حالٌ مِن فاعِلِ - لا تَبْكُونَ - ومَضْمُونُها قَيْدٌ لِلنَّفْيِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْيِ البُكاءِ ووُجُودِ السُّمُودِ، وقالَ المُبَرِّدُ: السُّمُودُ الجُمُودُ والخُشُوعُ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا والجُمْلَةُ عَلَيْهِ حالٌ مِن فاعِلِ - تَبْكُونَ - أيْضًا إلّا أنَّ مَضْمُونَها قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ، والإنْكارُ وارِدٌ عَلى نَفْيِ البُكاءِ والسُّمُودِ مَعًا فَلا تَغْفُلْ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ - تَضْحَكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ الحَسَنُ - تُعْجِبُونَ تُضْحِكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ وضَمِّ التّاءَيْنِ وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ كَما في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى اسْتِحْبابِ البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ وقِراءَتِهِ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ «بَكى أصْحابُ الصُّفَّةِ حَتّى جَرَتْ دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَنِينَهم بَكى مَعَهم فَبَكَيْنا بِبُكائِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَلِجُ النّارَ مَن بَكى مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلى مَعْصِيَتِهِ ولَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم»» وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وغَيْرُهم عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ»» ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ««فَما رُئِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضاحِكًا ولا مُبْتَسِمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا»» وفِيهِ سَدُّ بابِ الضَّحِكِ عِنْدَ قُرّاءِ القُرْآنِ ولَوْ لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

النجم 53:61

﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنْكارًا ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ حُزْنًا عَلى ما فَرَّطْتُمْ في شَأْنِهِ وخَوْفًا مِن أنْ يَحِيقَ بِكم ما حاقَ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أيْ لاهُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوابًا لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ هُزَيْلَةَ بِنْتِ بَكْرٍ وهي تَبْكِي قَوْمَ عادٍ: لَيْتَ عادًا قَبِلُوا الحَقَّ ولَمْ يُبْدُوا جُحُودا قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنِ السُّمُودِ، فَقالَ: البَرْطَمَةُ وهي رَفْعُ الرَّأْسِ تَكَبُّرًا أيْ وأنْتُمْ رافِعُونَ رُؤُوسَكم تَكَبُّرًا، ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِالبَرْطَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقالَ الرّاغِبُ: السّامِدُ اللّاهِي الرّافِعُ رَأْسَهُ - مِن سَمَدَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ - إذا رَفَعَ رَأسَهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا أيْ غَنِّي لَنا، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرّازِقِ. والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ وكانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ غَنُّوا تَشاغُلًا عَنْهُ، وقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَشْغَلُوا النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حالٌ مِن فاعِلِ - لا تَبْكُونَ - ومَضْمُونُها قَيْدٌ لِلنَّفْيِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْيِ البُكاءِ ووُجُودِ السُّمُودِ، وقالَ المُبَرِّدُ: السُّمُودُ الجُمُودُ والخُشُوعُ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا والجُمْلَةُ عَلَيْهِ حالٌ مِن فاعِلِ - تَبْكُونَ - أيْضًا إلّا أنَّ مَضْمُونَها قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ، والإنْكارُ وارِدٌ عَلى نَفْيِ البُكاءِ والسُّمُودِ مَعًا فَلا تَغْفُلْ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ - تَضْحَكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ الحَسَنُ - تُعْجِبُونَ تُضْحِكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ وضَمِّ التّاءَيْنِ وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ كَما في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى اسْتِحْبابِ البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ وقِراءَتِهِ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ «بَكى أصْحابُ الصُّفَّةِ حَتّى جَرَتْ دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَنِينَهم بَكى مَعَهم فَبَكَيْنا بِبُكائِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَلِجُ النّارَ مَن بَكى مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلى مَعْصِيَتِهِ ولَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم»» وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وغَيْرُهم عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ»» ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ««فَما رُئِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضاحِكًا ولا مُبْتَسِمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا»» وفِيهِ سَدُّ بابِ الضَّحِكِ عِنْدَ قُرّاءِ القُرْآنِ ولَوْ لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

النجم 53:62

صفحة 73 ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوْ مُوجِبِهِ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن بُطْلانِ مُقابَلَةِ القُرْآنِ بِالتَّعَجُّبِ والضَّحِكِ وحَقِّيَّةِ مُقابَلَتِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ أيْ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى الَّذِي أنْزَلَهُ واعْبُدُوهُ جَلَّ جَلالُهُ، وهَذِهِ آيَةُ سَجْدَةٍ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وقَدْ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَها. أخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ ﴿والنَّجْمِ﴾ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسَجَدَ النّاسُ كُلُّهم إلّا رَجُلًا»» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««قالَ: صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ النَّجْمَ فَسَجَدَ بِنا فَأطالَ السُّجُودَ»» وكَذا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ سَبْرَةَ قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الفَجْرَ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولى سُورَةَ يُوسُفَ، ثُمَّ قَرَأ في الثّانِيَةِ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ، ثُمَّ قامَ فَقَرَأ إذا زُلْزِلَتْ ثُمَّ رَكَعَ، ولا يَرى مالِكٌ السُّجُودَ هُنا، واسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «قَرَأْتُ النَّجْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيها»، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّرْكَ إنَّما يُنافِي وُجُوبَ السُّجُودِ ولَيْسَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ وهو عِنْدَ القائِلِ بِهِ عَلى التَّراخِي في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى المُخْتارِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَجَدَ بَعْدُ، وكَذا زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، نَعَمِ التَّأْخِيرُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا ولَعَلَّهُ فَعَلَ لِبَيانِ الجَوازِ، أوْ لِعُذْرٍ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ: ««إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ في شَيْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ»» نافٍ وضَعِيفٌ، وكَذا قَوْلُهُ فِيما رَواهُ أيْضًا عَنْهُ ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْجُدُ في النَّجْمِ بِمَكَّةَ فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ تَرَكَها»» عَلى أنَّ التَّرْكَ إنَّما يُنافِي - كَما سَمِعْتَ - الوُجُوبَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القمر 54:1

سُورَةُ القَمَرِ وتُسَمّى أيْضًا ( اقْتَرَبَتْ ) وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَّةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَسْوَدُّ الوُجُوهُ، أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ لَكِنْ قالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ «وهِيَ مَكِّيَّةٌ» في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ إلى ﴿وأمَرُّ﴾ [القَمَرَ: 44 - 46] واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اسْتِثْناءِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القَمَرَ: 45] إلَخْ، ورُدَّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾» «وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ وانْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ نَظَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في آثارِهِمْ مُصْلَتًا بِالسَّيْفِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فَكانَتْ لِيَوْمِ بَدْرٍ» . وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ وإنِّي لَجارِيَةٌ ألْعَبُ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القَمَرَ: 46]»» ويُرَدُّ بِهِ وبِما قَبْلَهُ ما حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أيْضًا، وقِيلَ: إلّا ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ [القَمَرَ: 45] الآيَتَيْنِ وآيُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ بِالإجْماعِ، ومُناسَبَةُ أوَّلُها لِآخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ظاهِرَةٌ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ثُمَّ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النَّجْمَ: 57] وهُنا ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرَ: 1] وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: لا يَخْفى ما في تَوالِي هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِن حُسْنِ التَّناسُقِ صفحة 74 لِلتَّناسُبِ في التَّسْمِيَةِ لِما بَيْنَ - النَّجْمِ، والقَمَرِ - مِنَ المُلابَسَةِ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ بَعْدَ تِلْكَ - كالأعْرافِ بَعْدَ الأنْعامِ، وكالشُّعَراءِ بَعْدَ الفُرْقانِ، وكالصّافّاتِ بَعْدَ يس - في أنَّها تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الأُمَمِ المُشارِ إلى إهْلاكِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ [النَّجْمَ: 50] إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النَّجْمَ: 53] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أيْ قَرُبَتْ جِدًّا ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ انْفَصَلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وصارَ فِرْقَتَيْنِ وذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ فَقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شَقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءَ بَيْنَهُما» . وخَبَرُ أبِي نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ سَألُوا آيَةً فَأراهُمُ اللَّهُ تَعالى القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ -» لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلى الجَبَلِ وفِرْقَةٌ دُونَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا»» ومِن حَدِيثِهِ أيْضًا ««انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا سِحْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ فَقالَ رَجُلٌ: انْتَظِرُوا ما يَأْتِيكم بِهِ السُّفّارُ فَإنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم فَجاءَ السُّفّارُ فَأخْبَرُوهم بِذَلِكَ»» رَواهُ أبُو داوُدَ. والطَّيالِسِيُّ. وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ ««فَسَألُوا السُّفّارَ وقَدْ قَدِمُوا مِن كُلِّ وجْهٍ فَقالُوا: رَأيْناهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وجْهٍ ضَعِيفٍ قالَ: ««اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلِ بْنِ هِشامٍ والعاصِ بْنُ وائِلٍ والعاصِ بْنُ هِشامٍ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ ورَبِيعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَقالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ نِصْفًا عَلى أبِي قُبَيْسٍ ونِصْفًا عَلى قَيْنُقاعَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُوا ؟ قالُوا: نَعَمْ وكانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُعْطِيَهُ ما سَألُوا فَأمْسى القَمَرُ قَدْ مَثُلَ نِصْفًا عَلى أبِي قُبَيْسٍ ونِصْفًا عَلى قَيْنُقاعَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُنادِي يا أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأسَدِ والأرْقَمُ بْنُ الأرْقَمِ اشْهَدُوا»» . والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في الِانْشِقاقِ كَثِيرَةٌ، واخْتُلِفَ في تَواتُرِهِ فَقِيلَ: هو غَيْرُ مُتَواتِرٍ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ الشَّرِيفِيِّ أنَّهُ مُتَواتِرٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ العَلّامَةُ ابْنُ السُّبْكِيِّ قالَ في شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ مُتَواتِرٌ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في القُرْآنِ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ شَتّى بِحَيْثُ لا يُمْتَرى في تَواتُرِهِ انْتَهى بِاخْتِصارٍ، وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُهُ في رِواياتٍ صَحِيحَةٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنَسٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ وابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهم، نَعَمْ إنَّ مِنهم مَن لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ كابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا إذْ ذاكَ وكَأنَسٍ فَإنَّهُ كانَ ابْنَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ بِالمَدِينَةِ، وهَذا لا يَطْعَنُ في صِحَّةِ الخَبَرِ كَما لا يَخْفى، ووَقَعَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمِنًى فانْشَقَّ القَمَرُ»» ولا يُعارِضُ ما صَحَّ عَنْ أنَسٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لَيْلَتَئِذٍ بِمَكَّةَ، فالمُرادُ أنَّ الِانْشِقاقَ كانَ والنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ ذاكَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ، ووَقَعَ في نَظْمِ السِّيرَةِ لِلْحافِظِ أبِي الفَضْلِ العِراقِيِّ ما هو نَصٌّ في وُقُوعِ الِانْشِقاقِ مَرَّتَيْنِ. وظاهِرٌ في أنَّهُ مُجْمَعٌ عَلى وُقُوعِهِ كَذَلِكَ حَيْثُ قالَ: وانْشَقَّ مَرَّتَيْنِ بِالإجْماعِ، وكَأنَّ مُسْتَنَدَ الأوَّلِ ما أخْرَجَهُ صفحة 75 عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا شَقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَدِيثَ، وأمّا الإجْماعُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وفي المَواهِبِ قالَ الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ: أظُنُّ أنَّ قَوْلَهُ: بِالإجْماعِ يَتَعَلَّقُ - بِانْشَقَّ - لا بِمَرَّتَيْنِ فَإنِّي لا أعْلَمُ مَن جَزَمَ مِن عُلَماءِ الحَدِيثِ بِتَعَدُّدِ الِانْشِقاقِ في زَمَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ قائِلَ مَرَّتَيْنِ أرادَ فِرْقَتَيْنِ، وهَذا الَّذِي لا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ جَمْعًا بَيْنَ الرِّواياتِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مَعَ بُعْدِهِ لا يَتَسَنّى في خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا لِمَكانِ شَقَّتَيْنِ وهي بِمَعْنى فِرْقَتَيْنِ ومَرَّتَيْنِ مَعًا، والَّذِي عِنْدِي في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أنَّ مَرَّتَيْنِ في كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَيْدٌ لِلرُّؤْيَةِ وتَعَدُّدُها لا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الِانْشِقاقِ بِأنْ يَكُونَ رَآهُ مُنْشَقًّا فَصَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهُ ثُمَّ أعادَهُ فَرَآهُ كَذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ رُؤْيَةٌ لا شُبْهَةَ فِيها وقَدْ فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ الكَفَرَةُ، أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْتَهى أهْلُ مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: هَلْ مِن آيَةٍ نَعْرِفُ بِها أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يَجْتَمِعُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرَوْا آيَةً فَأخْبَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَقالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجُوا لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ فانْشَقَّ القَمَرُ نِصْفَيْنِ نِصْفًا عَلى الصَّفا ونِصْفًا عَلى المَرْوَةِ فَنَظَرُوا ثُمَّ قالُوا بِأبْصارِهِمْ فَمَسَحُوها ثُمَّ أعادُوا النَّظَرَ فَنَظَرُوا ثُمَّ مَسَحُوا أعْيُنَهم ثُمَّ نَظَرُوا فَقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾» فَلَوْ قالَ أحَدُ هَؤُلاءِ رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى مَعْنى تَعَدُّدِ الرُّؤْيَةِ صَحَّ بِلا غُبارٍ ولَمْ يَقْتَضِ تَعَدُّدَ الِانْشِقاقِ فَلْيُخَرَّجْ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلى هَذا الطَّرْزِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ، ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ إنْ صَحَّ كانَ دَلِيلًا لِما أشارَ إلَيْهِ البُوصَيْرِيُّ في قَوْلِهِ: شُقَّ عَنْ صَدْرِهِ وشُقَّ لَهُ البَدْ رُ ومِن شَرْطِ كُلِّ شَرْطٍ جَزاءُ مِن أنَّ الشَّقَّ كانَ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ لِأنَّ البَدْرَ هو القَمَرُ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ في شَرْحِهِ: ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالبَدْرِ دُونَ القَمَرِ أنَّ الشَّقَّ كانَ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ ولَمْ أرَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفًا، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالبَدْرِ مُطْلَقَ القَمَرِ، ويُؤَيِّدُ كَوْنُهُ لَيْلَةَ البَدْرِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَسَفَ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: سُحِرَ القَمَرُ فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ إلى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾» فَإنَّ الكُسُوفَ وإنْ جازَ عادَةً أنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ ولَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ إلّا أنَّ الأغْلَبَ كَوْنُهُ لَيْلَةَ الرّابِعِ عَشَرَ ولا ضَرُورَةَ إلى حَمْلِ الكُسُوفِ في هَذا الخَبَرِ عَلى الِانْشِقاقِ إذْ لا مانِعَ كَما في البِدايَةِ والنِّهايَةِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لِلْقَمَرِ مَعَ انْشِقاقِهِ كُسُوفٌ، نَعَمْ ذَكَرَ فِيها أنَّ سِياقَ الخَبَرِ غَرِيبٌ. ثُمَّ إنَّ القَمَرَ بَعْدَ انْشِقاقِهِ لَمْ تُفارِقْ قِطْعَتاهُ السَّماءَ بَلْ بَقِيَتا فِيها مُتَباعِدَتَيْنِ تَباعُدًا ما لَحْظَةً ثُمَّ اتَّصَلَتا، وما يَذْكُرُهُ بَعْضُ القُصّاصِ مِن أنَّهُ دَخَلَ في جَيْبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَ مِن كُمِّهِ فَباطِلٌ لا أصْلَ لَهُ كَما حَكاهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ شَيْخِهِ العِمادِ بْنِ كَثِيرٍ ولَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن وضَعَهُ. وما في خَبَرِ أبِي نُعَيْمٍ - الَّذِي أخْرَجَهُ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ انْشَقَّ فَصارَ قَمَرَيْنِ أحَدُهُما عَلى الصَّفا والآخَرُ عَلى المَرْوَةِ قَدْرَ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ثُمَّ غابَ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، كَيْفَ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الخَبَرُ أنَّ الِانْشِقاقَ وقَعَ لِطَلَبِ أحْبارِ اليَهُودِ وأنَّ القائِلَ (هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) هم، وهو مُخالِفٌ لِما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وقَدْ شاعَ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشارَ إلى القَمَرِ بِسَبّابَتِهِ الشَّرِيفَةِ فانْشَقَّ»» ولَمْ أرَهُ في خَبَرٍ صَحِيحٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. صفحة 76 وأنْكَرَ الفَلاسِفَةُ أصْلَ الِانْشِقاقِ بِناءً عَلى زَعْمِهِمُ اسْتِحالَةَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وقَدْ خُرِقَ بِأدْنى نَسَمَةٍ مِن نَسَماتِ أفْكارِ أهْلِ الحَقِّ العُلْوِيِّينَ خَرْقًا لا يَقْبَلُ الِالتِئامَ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وقالَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ: لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ مُتَواتِرًا واشْتَرَكَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم في مَعْرِفَتِهِ ولَمْ يَخْتَصَّ بِها أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ والنّاسُ فِيهِ شُرَكاءُ والطِّباعُ حَرِيصَةٌ عَلى رِوايَةِ الغَرِيبِ ونَقْلِ ما لَمْ يُعْهَدْ، ولا أغْرَبَ مِنَ انْشِقاقِ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ ولَمْ يُعْهَدْ أصْلًا في الزَّمَنِ القَدِيمِ ولَوْ كانَ لَهُ أصْلٌ لَخُلِّدَ أيْضًا في كُتُبِ التَّسْيِيرِ والتَّنْجِيمِ ولَذَكَرَهُ أهْلُ الإرْصادِ فَقَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَعْثَةِ بِكَثِيرٍ وإطْباقُهم عَلى تَرْكِهِ وإغْفالِهِ مَعَ جَلالَةِ شَأْنِهِ ووُضُوحِ أمْرِهِ مِمّا لا تُجَوِّزُهُ العادَةُ، وأيْضًا لا يُعْقَلُ سَبَبٌ لِخَرْقِ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ وأيْضًا خَرْقُهُ يُوجِبُ صَوْتًا هائِلًا أشَدَّ مِن أصْواتِ الصَّواعِقِ المُهْلِكَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ لا يَبْعُدُ هَلاكُ أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ مِنهُ، وأيْضًا مَتى خُرِقَ وصارَ قِطْعَتَيْنِ ذَهَبَتْ مِنهُ قُوَّةُ التَّجاذُبِ كالجَبَلِ إذا انْشَقَّ فَيَلْزَمُ بَقاؤُهُ مُنْشَقًّا ولا أقَلَّ مِن أنْ يَبْقى كَذَلِكَ سِنِينَ كَثِيرَةً والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ في اللَّيْلِ وزَمانِ الغَفْلَةِ وكانَ في زَمانٍ قَلِيلٍ ورُؤْيَةُ القَمَرِ في بَلَدٍ لا تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ في جَمِيعِ البِلادِ ضَرُورَةَ اخْتِلافِ المَطالِعِ فَقَدْ يَكُونُ القَمَرُ طالِعًا عَلى قَوْمٍ غائِبًا عَنْ آخَرِينَ ومَكْسُوفًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَكْسُوفٍ عِنْدَ آخَرِينَ والِاعْتِناءُ بِأمْرِ الإرْصادِ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَتِهِ اليَوْمَ وغَفْلَةُ أهْلِها لَحْظَةً غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ والِانْشِقاقُ لا تَخْتَلِفُ بِهِ مَنازِلُهُ ولا يَتَغَيَّرُ بِهِ سَيْرُهُ غايَةَ ما في البابِ أنْ يَحْدُثَ في القِطْعَةِ الشَّرْقِيَّةِ قُوَّةُ سَيْرٍ لِتَلْحَقَ أُخْتَها الغَرْبِيَّةَ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ السُّرْعَةِ نَحْوَ ما خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في ضَوْءِ الشَّمْسِ فَقَدْ قالَ أهْلُ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ: إنَّ بَيْنَ الأرْضِ والشَّمْسِ ثَلاثَمِائَةِ ألْفِ فَرْسَخٍ وأرْبَعُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ وإنَّ ضَوْءَها لَيَصِلُ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ ثَمانِ دَقائِقَ وثَلاثَ عَشْرَةَ ثانِيَةً فَيَقْطَعُ الضَّوْءُ في كُلِّ ثانِيَةٍ سَبْعِينَ ألْفَ فَرْسَخٍ ولا يَلْزَمُ أنْ يُعْلَمَ سَبَبُ كُلِّ حادِثٍ بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الحَوادِثِ المُتَكَرِّرَةِ المُشاهَدَةِ لَمْ يُوقَفْ عَلى أسْبابِها كَرُؤْيَةِ الكَواكِبِ قَرِيبَةً مَعَ بُعْدِها المُفْرِطِ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّهم لَمْ يَقِفُوا عَلى سَبَبِهِ ويَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ وُقُوفِهِمْ عَلى سَبَبِ الإبْصارِ بِالعَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَوْ أخْبَرَهم مُخْبِرٌ بِفَرْضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم إبْصارٌ بِخَواصِّ البَصَرِ مَعَ كَوْنِهِ قِطْعَةَ شَحْمٍ صَغِيرَةً مَعْرُوفَةً أحْوالُها عِنْدَ أهْلِ التَّشْرِيحِ لَأنْكَرُوا عَلَيْهِ غايَةَ الإنْكارِ وكَذَّبُوهُ غايَةَ التَّكْذِيبِ ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ. ومَن سَلَّمَ تَأْثِيرَ النُّفُوسِ إلى حَدِّ أنْ يَصْرَعَ الشَّخْصُ آخَرَ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْهِ وتَوْجِيهِ نَفْسِهِ نَحْوَهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ أنْ يَكُونَ هُناكَ سَبَبٌ نَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ في إصابَةِ العَيْنِ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ مِمَّنْ لَهُ عَيْنٌ صائِبَةٌ يَفْلِقُ سَنامَ النّاقَةِ فِلْقَتَيْنِ، ورُبَّما تُصَوَّرُ لَهُ مِن رَمْلٍ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ ويَفْلِقُهُ فَيَنْفَلِقُ سَنامُها مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ لَها نَفْسِها وهَذا كُلُّهُ مِن بابِ المُماشاةِ وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ تَعالى كافِيَةٌ في الِانْشِقاقِ وكَذا في كُلِّ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ ولَوْ كانَ لِكُلِّ حادِثٍ سَبَبٌ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِهِ، وكَوْنُ الخَرْقِ يُوجِبُ صَوْتًا هائِلًا مَمْنُوعٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ ومِثْلُهُ ذَهابُ التَّجاذُبِ والأجْسامُ مُخْتَلِفَةٌ مِن حَيْثُ الخَواصِّ فَلا يَلْزَمُ اتِّحادُ جِرْمِ القَمَرِ والأرْضِ فِيها ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إحْدى القِطْعَتَيْنِ كالجَبَلِ العَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ إذا ارْتَفَعَ عَنْها بِقاسِرٍ مَثَلًا جَذَبَتْهُ إلَيْهِ إذا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ جَذْبِها عَلى ما زَعَمُوهُ ويَلْتَزِمُ في تِلْكَ القِطْعَةِ عَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الجَذْبِ عَلى أنّا في غِنًى عَنْ كُلِّ ذَلِكَ أيْضًا بَعْدَ إثْباتِ الإمْكانِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ سُبْحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ. والحاصِلُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُنْكِرِ سِوى الِاسْتِبْعادِ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ عَلى الِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ ولَوِ انْشَقَّ، والِاسْتِبْعادُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هَذا صفحة 77 الِانْشِقاقُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا، ويُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ قِراءَةُ حُذَيْفَةَ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ فَإنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْها حالِيَّةٌ فَتَقْتَضِي المُقارَنَةَ لِاقْتِرابِ السّاعَةِ ووُقُوعِ الِانْشِقاقِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

القمر 54:2

﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الِانْشِقاقَ آيَةٌ رَأوْها وأعْرَضُوا عَنْها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْشِقاقِ الظُّلْمَةِ عِنْدَ طُلُوعِهِ وهَذا كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا عِنْدَ انْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الِانْفِلاقِ بِالِانْشِقاقِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: فَلَمّا أدْبَرُوا ولَهم دَوِيٌّ دَعانا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ داعِي وزَعَمَ آخَرُ أنَّ مَعْنى انْشَقَّ القَمَرُ وضُحَ الأمْرُ وظَهَرَ وكِلا الزَّعْمَيْنِ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لا أظُنُّ الدّاعِيَ إلَيْهِما عِنْدَ مَن يُقِرُّ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِنَ الِانْشِقاقِ ويَعْتَرِفُ بِالعَقائِدِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها الِاتِّفاقُ سِوى عَدَمِ ثُبُوتِ الأخْبارِ في وُقُوعِ ذَلِكَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ القُصُورِ التّامِّ والتَمَسُّكِ بِشُبَهٍ هي عَلى طَرَفٍ الثُّمامِ، ومَعَ هَذا لا يُكَفَّرُ المُنْكِرُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاتِّفاقِ عَلى تَواتُرِ ذَلِكَ وعَدَمِ كَوْنِ الآيَةِ نَصًّا فِيهِ، والإخْراجُ مِنَ الدِّينِ أمْرٌ عَظِيمٌ فَيُحْتاطُ فِيهِ ما لا يُحْتاطُ في غَيْرِهِ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ القُرْبُ الشَّدِيدُ الزَّمانِيُّ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وزَمانُ العالَمِ مَدِيدٌ، والباقِي بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي شَيْءٌ يَسِيرٌ، ومالَ الإمامُ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ قُرْبُها في العُقُولِ والأذْهانِ، وحاصِلُهُ أنَّها مُمْكِنَةٌ إمْكانًا قَرِيبًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ إنْكارُها، واسْتِعْمالُ الِاقْتِرابِ مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ كاسْتِعْمالِ لَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحْزابَ: 63] مَعَ أنَّ الأمْرَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وانْشِقاقُ القَمَرِ آيَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا القُرْبِ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو آيَةٌ لِأصِلِ الإمْكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قُرْبُ الوُقُوعِ، وقِيلَ: هو آيَةٌ لِقُرْبِ الوُقُوعِ ومُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْبِرٌ في كُتُبِهِ السّالِفَةِ بِأنَّهُ إذا قَرُبَتِ السّاعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ مُعْجِزَةً وكِلاهُما كَما تَرى، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ آيَةٌ لِصِدْقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ ما يَقُولُ ويُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَهُ ﷺ ومِنهُ دَعْوى الرِّسالَةِ والإخْبارُ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿آيَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ، فالمَعْنى «وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ يُعْرِضُوا» عَنِ التَّأمُّلِ فِيها لِيَقِفُوا عَلى وجْهِ دَلالَتِها وعُلُوِّ طَبَقَتِها ﴿ويَقُولُوا سِحْرٌ﴾ أيْ هَذا أوْ هو أيْ ما نَراهُ سِحْرٌ ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ مُطَّرِدٌ دائِمٌ يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَرِّ الزَّمانِ وهو ظاهِرٌ في تَرادُفِ الآياتِ وتَتابُعِ المُعْجِزاتِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مُحْكَمٌ مُوَثَّقٌ مِنَ المَرَّةِ بِالفَتْحِ أوِ الكَسْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ مَرَرْتُ الحَبْلَ مَرَّةً إذا فَتَلْتَهُ فَتْلًا مُحْكَمًا فَأُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المُحْكَمِ مَجازًا مُرْسَلًا، وقالَ أنَسٌ ويَمانٌ ومُجاهِدٌ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ - واخْتارَهُ النَّحّاسُ - مُسْتَمِرٌّ أيْ مارٌّ ذاهِبٌ زائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ عَلَّلُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم ومَنَّوْها بِالأمانِي الفارِغَةِ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما ظَهَرَ مِن مُعْجِزاتِهِ سُبْحانَهُ سَحابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقْشَعُ ( ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ) [التَّوْبَةَ: 32] وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مُشْتَدُّ المَرارَةِ أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَنا مَنفُورٌ عَنْهُ لِشِدَّةِ مَرارَتِهِ يُقالُ: مَرَّ الشَّيْءُ وأمَرَّ إذا صارَ مُرًّا وأمَرَّ غَيْرَهُ ومَرَّهُ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا أيِ اسْتَمَرَّتْ أفْعالُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّخْيِيلاتِ، وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مارٌّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ أيْ بَلَغَ مِن سِحْرِهِ أنَّهُ سَحَرَ القَمَرَ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ صفحة 78 بِغُلُوِّهِمْ في العِنادِ والمُكابَرَةِ ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ ومَن مَعَهُ، وقُرِئَ - وإنْ يُرَوْا - بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإراءَةِ

القمر 54:3

﴿وكَذَّبُوا﴾ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ مِنَ الآياتِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم، وقِيلَ: ( كَذَّبُوا ) الآيَةَ الَّتِي هي انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ وقالُوا سَحَرَ القَمَرَ أوْ سُحِرَتْ أعْيُنُنا والقَمَرُ بِحالِهِ، والعَطْفُ عَلى الجَزاءِ السّابِقِ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اعْتِراضٌ لِبَيانِ عادَتِهِمْ إذا شاهَدُوا الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلرَّدِّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ ولا يَمْنَعُ عُلُوُّ شَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِإقْناطِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أمانِيَهُمُ الفارِغَةَ مِن عَدَمِ اسْتِقْرارِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَسْبَما قالُوا: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ بِبَيانِ ثُبُوتِهِ ورُسُوخِهِ أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها لا مَحالَةَ ومِن جُمْلَتِها أمْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها حَقِّيَّتُهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ هَذِهِ الغايَةِ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالمُسْتَقَرِّ عَلَيْهِ، وفي الكَشّافِ أيْ كُلُّ أمْرٍ لا بُدَّ أنْ يَصِيرَ إلى غايَةٍ يُسْتَقَرُّ عَلَيْها وأنَّ أمْرَهُ ﷺ سَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ وسَيَظْهَرُ لَهُ عاقِبَتُهم أوْ وكُلُّ أمْرٍ مِن أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرِهِمْ مُسْتَقِرٌّ أيْ سَيَثْبُتُ ويَسْتَقِرُّ عَلى حالَةِ نُصْرَةٍ أوْ خِذْلانٍ في الدُّنْيا أوْ سَعادَةٍ وشَقاوَةٍ في الآخِرَةِ، قالَ في الكَشْفِ: والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، وقَرَأ شَيْبَةُ «مُسْتَقَرٌّ» بِفَتْحِ القافِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّها لا وجْهَ لَها وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ مُسْتَقِرًّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْتِقْرارٍ، وحَمْلُهُ عَلى كُلِّ أمْرٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذُو مُسْتَقَرٍّ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ وقُصِدَ المُبالَغَةُ صَحَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْمَ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ ذُو زَمانِ اسْتِقْرارٍ، أوْ ذُو مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ كُلِّ أمْرٍ لا بُدَّ لَهُ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فِيهِ إثْباتَ الِاسْتِقْرارِ لَهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وهي أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «مُسْتَقِرٍّ» بِكَسْرِ القافِ والجَرِّ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ أمْرٍ وأنَّ كُلَّ مَعْطُوفٍ عَلى السّاعَةِ أيِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ واقْتَرَبَ كُلُّ أمْرٍ يَسْتَقِرُّ ويَتَبَيَّنُ حالُهُ أيْ بِقُرْبِها، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ شَمَّةٌ مِنَ التَّجْرِيدِ وتَهْوِيلٌ عَظِيمٌ حَيْثُ جَعَلَ في اقْتِرابِها اقْتِرابَ كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ لَهُ قَرارٌ وتَبَيُّنُ حالٍ مِمّا لَهُ وقْعٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ عَلى هَذا إمّا عَلى تَقْدِيرِ قَدْ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِها، وإمّا مُنَزَّلٌ مُنْزِلَةَ الإعْراضِ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِقُرْبِ السّاعَةِ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ إلَخْ مُسْتَطْرَدٌ عِنْدَ ذِكْرِ انْشِقاقِ القَمَرِ. واعْتَرَضَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَعْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ نَظِيرُ - أكَلْتُ خُبْزًا، وضَرَبْتُ خالِدًا، وإنْ يَجِئْ زَيْدٌ أُكْرِمْهُ، ورَحَلَ إلى بَنِي فُلانٍ، ولَحْمًا بِعَطْفِ - لَحْمًا عَلى خُبْزًا - ثُمَّ قالَ بَلْ لا يُوجَدُ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ إذا دَلَّ عَلى العَطْفِ الدَّلِيلُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ مانِعًا مِنهُ عَلى أنَّ بَيْنَ الآيَةِ والمِثالِ فَرْقًا لا يَخْفى، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ إنَّ ( مُسْتَقِرٌّ ) خَبَرُ كَلٍّ، والجَرُّ لِلْجِوارِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ الجَرَّ عَلى الجِوارِ في غايَةِ الشُّذُوذِ في مِثْلِهِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وإنَّما عُهِدَ في الصِّفَةِ عَلى اخْتِلافِ النُّحاةِ في وُجُودِهِ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُ كُلٍّ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ كَآتٍ، أوْ مَعْمُولٌ بِهِ ونَحْوَهُ مِمّا يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ أوْ مَذْكُورٌ بَعْدُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ وقَدِ اعْتُرِضَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القمر 54:4

﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ في القُرْآنِ ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ أخْبارُ القُرُونِ الخالِيَةِ أوْ أخْبارُ الآخِرَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صفحة 79 فِي مَوْضِعِ الحالِ مِن ما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ وتَتْوِيقًا إلَيْهِ ( ومِنَ ) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ بِناءً عَلى المُخْتارِ مِن جَوازِ تَقْدِيمِهِ عَلى المُبَيَّنِ، قالَ الرَّضِيُّ: إنَّما جازَ تَقْدِيمُ ( مِنَ ) المُبَيِّنَةِ عَلى المُبْهَمِ في نَحْوِ - عِنْدِي مِنَ المالِ ما يَكْفِي - لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ شَيْءٌ مِنَ المالِ، والمَذْكُورُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُبَيَّنِ المُقَدَّرِ قَبْلَها لِيَحْصُلَ البَيانُ بَعْدَ الإبْهامِ أيْ بِاللَّهِ لَقَدْ جاءَهم كائِنًا مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ ازْدِجارٌ لَهم ومَنعٌ عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ، أوْ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ ومَنعٍ، وهي أنْباءُ التَّعْذِيبِ، أوْ أنْباءُ الوَعِيدِ، وأصْلُ ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ مُزْتَجَرٌ بِالتّاءِ مَوْضِعُ الدّالِ وتاءِ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الدّالِ والذّالِ والرّاءِ لِلتَّناسُبِ، وقُرِئَ مُزَّجَرٌ بِقَلْبِها زايًا وإدْغامِ الزّايِ فِيها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مُزْجِرٌ اسْمُ فاعِلٍ مِن أزْجَرَ أيْ صارَ ذا زَجْرٍ كَأعْشَبَ صارَ ذا عُشْبٍ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ أيْ واصِلَةٌ غايَةَ الإحْكامِ لا خَلَلَ فِيها، ورَفَعَ ﴿حِكْمَةٌ﴾ عَلى أنَّها بَدَلُ كُلٍّ، أوِ اشْتِمالٍ مِن ما، وقِيلَ: مِن ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي، أوْ هَذِهِ عَلى أنَّ الإشارَةَ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإيضاحِ الدَّلِيلِ والإنْذارِ لِمَن مَضى، أوْ إلى ما في الأنْباءِ، أوْ إلى السّاعَةِ المُقْتَرِبَةِ، والآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها - كَما قالَهُ الإمامُ وتَقَدَّمَ آنِفًا - احْتِمالُ كَوْنِها خَبَرًا عَنْ كُلٍّ في قِراءَةِ زَيْدٍ، وقَرَأ اليَمانِيُّ ( حِكْمَةً بالِغَةً ) بِالنَّصْبِ حالًا مِن ما فَإنَّها مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ويَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنها مَعَ تَأخُّرِها أوْ هو بِتَقْدِيرِ أعْنِي.

القمر 54:5

﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نَفْيٌ لِلْإغْناءِ أوِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الإغْناءِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وما عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ فَأيُّ إغْناءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ أيْ فَما تُغْنِيهِ النُّذُرُ وهو جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ حَقَّ المَصْدَرِ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعَ وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالإنْذارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَأْنِيثُ الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وكَوْنُهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِمَعْنى النِّذارَةِ لا يَخْفى حالُهُ

القمر 54:6

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبُ التَّوَلِّي أوِ الأمْرُ بِهِ والسَّبَبُ عَدَمُ الإغْناءِ أوِ العِلْمِ بِهِ، والمُرادُ بِالتَّوَلِّي إمّا عَدَمُ القِتالِ، فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وإمّا تَرْكُ الجِدالِ لِلْجِدالِ فَهي مَحْكَمَةٌ والظّاهِرُ الأوَّلُ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ظَرْفٌ - لِيَخْرُجُونَ - أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: لِانْتَظِرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتُغْنِي، أوْ لِمُسْتَقِرٍّ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ ظَرْفًا - لِيَقُولَ الكافِرُ - أوْ - لِتَوَلَّ - أيْ تَوَلَّ عَنِ الشَّفاعَةِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ هو مَعْمُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ إلى، وعَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ - فَتَوَلَّ عَنْهم إلى يَوْمِ. . والمُرادُ اسْتِمْرارُ التَّوَلِّي والكُلُّ كَما تَرى، والدّاعِي إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُما مُوَكَّلٌ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِلْإعادَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ كالأمْرِ في ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَةَ: 117] وغَيْرُها عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ تَمْثِيلٌ، فالدّاعِي حِينَئِذٍ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وحُذِفَتِ الواوُ مِن ( يَدْعُ ) لَفْظًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ورَسْمًا اتِّباعًا لِلَّفْظِ، والياءُ مِن ( الدّاعِ ) تَخْفِيفًا، وإجْراءً لِألْ مَجْرى التَّنْوِينِ لِأنَّها تُعاقِبُهُ، والشَّيْءُ يُحْمَلُ عَلى ضِدِّهِ كَما يُحْمَلُ عَلى نَظِيرِهِ ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أيْ فَظِيعٍ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ لِعَدَمِ العَهْدِ بِمِثْلِهِ وهو هَوْلُ القِيامَةِ ويُكَنّى بِالنُّكُرِ عَنِ الفَظِيعِ لِأنَّهُ في الغالِبِ مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الإنْكارِ ضِدَّ الإقْرارِ وأيُّما كانَ فَهو وصْفٌ عَلى فِعْلٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو قَلِيلٌ في الصِّفاتِ، ومِنهُ - رَوْضَةٌ أُنُفٌ لَمْ تُرْعَ، ورَجُلٌ شُلُلٌ خَفِيفٌ في الحاجَةِ سَرِيعٌ حَسَنُ الصُّحْبَةِ صفحة 80 طَيِّبُ النَّفْسِ، وسَجْحٌ لَيِّنٌ سَهْلٌ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ «نُكْرٌ» بِإسْكانِ الكافِ كَما قالُوا: شُغُلٌ وشُغْلٌ، وعُسُرٌ وعُسْرٌ وهو إسْكانُ تَخْفِيفٍ، أوِ السُّكُونُ هو الأصْلُ والضَّمُّ لِلْإتْباعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو قِلابَةَ والجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «نُكِرَ» فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى أنْكَرَ.

القمر 54:7

﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَخْرُجُونَ﴾ أيْ يُخْرُجُونَ ﴿مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ أذِلَّةً أبْصارُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ أيْ أذِلّاءَ مِن ذَلِكَ، وقُدِّمَ الحالُ لِتَصَرُّفِ العامِلِ والِاهْتِمامِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الجُرْمِيِّ مِن عَدَمِ تَجْوِيزِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُتَصَرِّفًا، ويَرُدُّهُ أيْضًا قَوْلُهم: شَتّى تَؤُبُ الحِلْبَةُ، وقَوْلُهُ: سَرِيعًا يَهُونُ الصَّعْبُ عِنْدَ أُولِي النُّهى إذا بِرَجاءٍ صادِقٍ قابَلُوا البَأْسا وجُعِلَ حالًا مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المَعارِجَ: 43] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ [المَعارِجَ: 43 - 44] وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ في ﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ أيْ يَدْعُوهُمُ الدّاعِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُطابِقُ المُنَزَّلَ وأيْضًا يَصِيرُ حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ الدُّعاءَ لَيْسَ حالَ خُشُوعِ البَصَرِ ولَيْسَتْ في الكَثْرَةِ كَغَيْرِها وكَذَلِكَ جَعَلَهُ مَفْعُولَ - يَدْعُو - عَلى مَعْنى يَدْعُو فَرِيقًا خاشِعًا أبْصارُهم أيْ سَيَخْشَعُ وإنْ كانَ هَذا أقْرَبَ مِمّا قَبْلُ: وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى، وأبْصارُهم فاعِلُ خُشَّعًا وطابَقَهُ الوَصْفُ في الجَمْعِ لِأنَّهُ إذا كُسِّرَ لَمْ يُشَبِّهِ الفِعْلَ لَفْظًا فَتَحْسُنُ فِيهِ المُطابَقَةُ وهَذا بِخِلافِ ما إذا جُمِعَ جَمْعَ مُذَكَّرٍ سالِمٍ فَإنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ زِنَتُهُ وشَبَهُهُ لِلْفِعْلِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُجْمَعُ إذا رَفَعَ الظّاهِرَ المَجْمُوعَ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ دُونَ لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، لَكِنَّ الجَمْعَ حِينَئِذٍ في الِاسْمِ أخَفُّ مِنهُ في الفِعْلِ كَما قالَ الرَّضِيُّ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، وفي التَّسْهِيلِ إذا رَفَعَتِ الصِّفَةُ اسْمًا ظاهِرًا مَجْمُوعًا فَإنْ أمْكَنَ تَكْسِيرُها - كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قِيامٍ غِلْمانُهُ - فَهو أوْلى مِن إفْرادِها - كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ غِلْمانُهُ - وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ ومَن تَبِعَهُ والسَّماعُ شاهِدٌ لَهُ كَقَوْلِهِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مُطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلِ وقَوْلِهِ: بِمُطَّرِدٍ لَدْنٍ صِحاحٍ كُعُوبُـهُ ∗∗∗ وذِي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ القَوانِسا وقالَ الجُمْهُورُ: الإفْرادُ أوْلى والقِياسُ مَعَهم، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ورِجالٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم ∗∗∗ مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعْدِ وقِيلَ: إنْ تَبِعَ مُفْرَدًا فالإفْرادُ أوْلى - كَرَجُلٍ قائِمٍ غِلْمانُهُ - وإنْ تَبِعَ جَمْعًا فالجَمْعُ أوْلى - كَرِجالٍ قِيامٍ غِلْمانُهم - وأمّا التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ السّالِمُ فَعَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في ﴿خُشَّعًا﴾ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ، ( وأبْصارُهم ) بَدَلًا مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍ و وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ - خاشِعًا - بِالإفْرادِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ «خاشِعَةً» وقُرِئَ «خُشَّعٌ» عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ( وأبْصارُهم ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ حالٌ أيْضًا وتَشْبِيهُهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والِانْتِشارِ في الأقْطارِ، وجاءَ تَشْبِيهُهم بِالفَراشِ المَبْثُوثِ ولَهم يَوْمُ الخُرُوجِ سَهْمٌ مِنَ الشَّبَهِ لِكُلٍّ، وقِيلَ: يَكُونُونَ أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ فَزِعِينَ لا يَهْتَدُونَ أيْنَ يَتَوَجَّهُونَ لِأنَّ الفَراشَ لا جِهَةَ لَها تَقْصِدُها، ثُمَّ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ إذا تَوَجَّهُوا إلى المَحْشَرِ فَهُما تَشْبِيهانِ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

القمر 54:8

﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وزادَ بَعْضُهم مادِّي أعْناقِهِمْ، وآخَرُ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ، صفحة 81 وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ناظِرِينَ إلَيْهِ لا تُقْلِعُ أبْصارُهم عَنْهُ وأنْشَدَ قَوْلَ تُبَّعٍ: تَعْبُدُنِي نَمِرُ بْنُ سَعْدٍ وقَدْ أرى ونَمِرُ بْنُ سَعْدٍ لِي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِخاضِعِينَ وأنْشَدَ البَيْتَ، وقِيلَ: خافِضِينَ ما بَيْنَ أعْيُنِهِمْ، وقالَ سُفْيانُ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم إلى السَّماءِ، وقِيلَ: أصْلُ الهَطْعِ مَدُّ العُنُقِ، أوْ مَدُّ البَصَرِ، ثُمَّ يُكَنّى بِهِ عَنِ الإسْراعِ، أوْ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ فَلا تَغْفُلْ، ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ صَعْبٌ شَدِيدٌ لِما يُشاهِدُونَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وما يَرْتَقِبُونَ مِن سُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ فِيهِ، وفي إسْنادِ القَوْلِ المَذْكُورِ إلى الكُفّارِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

القمر 54:9

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبَةِ لِلِازْدِجارِ ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لَها وبَيانٌ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِها تَقْرِيرًا لِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ قَوْمُ نُوحٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ﴾ [هُودَ: 45] إلَخْ، وفِيهِ مَزِيدُ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ لِلتَّكْذِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَذَّبُوا تَكْذِيبًا إثْرَ تَكْذِيبٍ كُلَّما خَلا مِنهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ جاءَ عَقِيبُهُ قَرْنٌ آخَرُ مُكَذِّبٌ مِثْلُهُ، أوْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا أيْ لَمّا كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ جاحِدِينَ لِلنُّبُوَّةِ رَأْسًا كَذَّبُوا نُوحًا لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الرُّسُلِ، والفاءُ عَلَيْهِ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: مَعْنى كَذَّبَتْ قَصَدَتِ التَّكْذِيبَ وابْتَدَأتْهُ، ومَعْنى فَكَذَّبُوا أتَمُّوهُ وبَلَغُوا نِهايَتَهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: وقَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفْعٌ لِمَحَلِّهِ وتَشْنِيعٌ لِمُكَذِّبِيهِ. ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ بَلْ نَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ فَقالُوا هو مَجْنُونٌ ﴿وازْدُجِرَ﴾ عَطْفٌ عَلى - قالُوا - وهو إخْبارٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ وزُجِرَ عَنِ التَّبْلِيغِ بِأنْواعِ الأذِيَّةِ والتَّخْوِيفِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقَرَأ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشُّعَراءَ: 116] وقالَ مُجاهِدٌ: هو مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ أيْ هو مَجْنُونٌ، وقَدِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ وتَخَبَّطَتْهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ، وجُعِلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِغَرَضِ الفاصِلَةِ، وطَهَّرَ الألْسِنَةَ عَنْ ذِكْرِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّ فِعْلَهم أسْوَأُ مِن قَوْلِهِمْ

القمر 54:10

﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى والأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ - «إنِّي» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ الدُّعاءِ مَجْرى القَوْلِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ( مَغْلُوبٌ ) مِن جِهَةِ قَوْمِي ما لِي قُدْرَةٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم ﴿فانْتَصِرْ﴾ فانْتَقِمْ لِي مِنهم، وقِيلَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، وقِيلَ: المُرادُ - بِمَغْلُوبٍ - غَلَبَتْنِي نَفْسِي حَتّى دَعَوْتُ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وما دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ إلّا بَعْدَ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ، والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّرَحُّمِ المَقْصُودِ مِنَ الإخْبارِ.

القمر 54:11

﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ، وقِيلَ: كَثِيرٌ قالَ الشّاعِرُ: أعَيْنايَ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعْدٍ وحاضِرِ والباءُ لِلْآلَةِ مِثْلُها في فَتَحْتُ البابَ بِالمِفْتاحِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ والأوَّلُ أبْلَغُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ تَدَفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ بِها أبْوابُ السَّماءِ وانْشَقَّ أدِيمُ الخَضْراءِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ. صفحة 82 أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ، وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ فالتَقى الماءانِ، وفي رِوايَةٍ لَمْ تُقْلِعْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وعَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالأبْوابِ المَجَرَّةُ وهي شَرَجُ السَّماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ ! والمَعْرُوفُ مِنَ الأرْصادِ أنَّ المَجَرَّةَ كَواكِبُ صِغارٌ مُتَقارِبَةٌ جِدًّا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ المَطَرَ سِنِينَ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمَطْلُوبِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ «فَفَتَّحْنا» بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ الأبْوابِ، والظّاهِرُ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ هُنا لِلْكَثْرَةِ.

القمر 54:12

﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ وأصْلُهُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ فَغُيِّرَ إلى التَّمْيِيزِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ الأرْضِ كُلِّها مُتَفَجِّرَةً مَعَ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، فالتَّمْيِيزُ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ بِناءً عَلى أنَّهُ الأكْثَرُ، الأصْلُ انْفَجَرَتْ عُيُونُ الأرْضِ وتَحْوِيلُهُ كَما يَكُونُ عَنْ فاعِلِ الفِعْلِ المَذْكُورِ يَكُونُ عَنْ فاعِلِ فِعْلٍ آخَرَ يُلاقِيهِ في الِاشْتِقاقِ - وهَذا مِنهُ - وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءُ التَّمْيِيزِ مِنَ المَفْعُولِ فَأعْرَبَ ﴿عُيُونًا﴾ حالًا مُقَدَّرَةً، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لَفَجَّرْنا عَلى تَضْمِينِهِ ما يَتَعَدّى إلَيْهِ أيْ صَيَّرْنا بِالتَّفْجِيرِ الأرْضَ عُيُونًا وكانَ ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وأبُو حَيْوَةَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «فَجَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ ﴿فالتَقى الماءُ﴾ أيْ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ، والإفْرادُ لِتَحْقِيقِ أنَّ التِقاءَ الماءَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ المُجاوَرَةِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاخْتِلاطِ والِاتِّحادِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والجَحْدَرِيُّ - الماءانِ - والتَّثْنِيَةُ لِقَصْدِ بَيانِ اخْتِلافِ النَّوْعَيْنِ وإلّا فالماءُ شامِلٌ لِماءِ السَّماءِ وماءِ الأرْضِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: لَنا إبِلانِ فِيهِما ما عَلِمْتُمْ فَعَنْ أيِّها ما شِئْتُمْ فَتَنَكَّبُوا وقِيلَ: فِيها إشارَةٌ إلى أنَّ ماءَ الأرْضِ فارَ بِقُوَّةٍ وارْتَفَعَ حَتّى لاقى ماءَ السَّماءِ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ لا تُفْهَمُ مِنَ الإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا - ماوانِ - بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا كَقَوْلِهِمْ: عِلْباوانِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ نَظِيرُهُ بَلْ أرادَ كَما أنَّ هُنالِكَ إبْدالًا بِعِلَّةٍ أنَّها غَيْرُ أصْلِيَّةٍ لِأنَّها زائِدَةٌ لِلْإلْحاقِ كَذَلِكَ ها هُنا لِأنَّها مُبْدَلَةٌ والبَدَلُ وإنْ كانَ مِنَ الهاءِ لَكِنَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى البَدَلِ عَنِ الواوِ قاسَهُ عَلى النِّسْبَةِ كَذا في الكَشْفِ، وعَنْهُ أيْضًا المايانِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً. ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أوْ عَلى حالٍ قُدِّرَتْ وسُوِّيَتْ وهي أنَّ ما نَزَلَ عَلى قَدْرِ ما خَرَجَ. وقِيلَ: إنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا ونَزَلَ ماءُ السَّماءِ مُكَمِّلًا أرْبَعِينَ، وقِيلَ: ماءُ الأرْضِ كانَ أكْثَرَ ولَهُ مِقْدارٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفانِ. ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ كُلَّ قِصَّةٍ ذُكِرَتْ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فِيها هَلاكُ المُكَذِّبِينَ فَيَكُونُ هَذا كِنايَةً عَنْ هَلاكِ هَؤُلاءِ، ( وعَلى ) عَلَيْهِ لِلتَّعْلِيلِ، ويُحْتَمَلُ تَعَلُّقُها بِالتَقى. وفِيهِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لِاجْتِماعِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ ما عَدا الزَّهْرَةَ في بُرْجٍ مائِيٍّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ «قُدِّرَ» بِتَشْدِيدِ الدّالِ

القمر 54:13

﴿وحَمَلْناهُ﴾ أيْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ أخْشابٍ عَرِيضَةٍ ﴿ودُسُرٍ﴾ أيْ مَسامِيرَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ جَمْعُ دِسارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ، وقِيلَ: صفحة 83 ( دُسُرٍ ) كَسَقْفٍ وسُقُفٍ. وأصْلُ الدَّسْرِ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ بِقَهْرٍ فَسُمِّيَ بِهِ المِسْمارُ لِأنَّهُ يُدَقُّ فَيُدْفَعُ بِشِدَّةٍ. وقِيلَ: حِبالٌ مِن لِيفٍ تُشَدُّ بِها السُّفُنُ. وقالَ اللَّيْثُ: خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُها، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ أنَّها مَقادِيمُ السَّفِينَةِ وصَدْرُها الَّذِي تَضْرِبُ بِهِ المَوْجَ وتَدْفَعُهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ. وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها عَوارِضُ السَّفِينَةِ أيِ الخَشَباتُ الَّتِي تُعْرَضُ في وسَطِها. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ هي أضْلاعُ السَّفِينَةِ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفاتِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: حَيٌّ مُسْتَوِي القامَةِ عَرِيضُ الأظْفارِ في الكِنايَةِ عَنِ الإنْسانِ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ. ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: مِفْرَشِي صَهْوَةُ الحِصانِ ولَكِنْ قَمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِن حَدِيدِ فَإنَّهُ أرادَ قَمِيصِي دِرْعٌ وقَوْلُهُ يَصِفُ هُزالَ الإبِلِ: تَراءى لَها في كُلِّ عَيْنٍ مُقابِلُ ∗∗∗ ولَوْ في عُيُونِ النّازِيّاتِ بِأكْرَعَ فَإنَّهُ أرادَ في عُيُونِ الجَرادِ لِأنَّ النَّزْوَ بِالأكْرَعِ يَخْتَصُّ بِها. وأمّا كَوْنُهُ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ لِدَلالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ عَلى ما في المُفَصَّلِ وغَيْرِهِ فَكَلامٌ نَحْوِيٌّ

القمر 54:14

﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ بِمَرْأى مِنّا. وكُنِّيَ بِهِ عَنِ الحِفْظِ أيْ تَجْرِي في ذَلِكَ الماءِ بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقِيلَ: بِأوْلِيائِنا يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن آمَنَ مَعَهُ يُقالُ: ماتَ عَيْنٌ مِن عُيُونِ اللَّهِ تَعالى أوْ ولِيٌّ مِن أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بِأعْيُنٍ بِالماءِ الَّتِي فَجَّرْناها، وقِيلَ: بِالحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمّاهم أعْيُنًا وأضافَهم إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو السَّمّالِ - بِأعْيُنّا - بِالإدْغامِ. ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ أيْ فِعْلُنا ذَلِكَ جَزاءٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ نِعْمَةً أنْعَمَها اللَّهُ تَعالى عَلى قَوْمِهِ فَكَفَرُوها وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ واسْتِتارِهِ في الفِعْلِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا أيْ لِمَن كَفَرَ بِهِ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا أيْ جُحِدَتْ نُبُوَّتُهُ، فالكُفْرُ عَلَيْهِ ضِدُّ الإيمانِ، وعَلى الأوَّلِ كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ مَن يُرادُ بِهِ اللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو كَما تَرى، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ - كَفْرَ - بِإسْكانِ الفاءِ مُخَفَّفَ فَعَلَ كَما في قَوْلِهِ: لَوْ عُصْرَ مِنهُ البانُ والمِسْكُ انْعَصَرَ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ وقَتادَةُ وعِيسى «كَفَرَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فَمَن يُرادُ بِها قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لا غَيْرَ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ خَبَرًا لِكانَ وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وغَيْرُهم يَقُولُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ قَدْ ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاءً لِمَن ( كَفَرَ ) ولَمْ يُؤْمِن

القمر 54:15

﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ أيْ أبْقَيْنا السَّفِينَةَ ﴿آيَةً﴾ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والنَّقّاشِ أنَّهُ بَقِيَ خَشَبُها عَلى الجُودِيِّ حَتّى رَآهُ بَعْضُ أوائِلِ هَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ أبْقَيْنا خَبَرَها، أوْ أبْقَيْنا جِنْسَها وذَلِكَ بِإبْقاءِ السُّفُنِ، أوْ - تَرَكْنا - بِمَعْنى جَعَلْنا، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْفِعْلَةِ وهي إنْجاءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُعْتَبِرٍ بِتِلْكَ الآيَةِ الحُرِّيَّةِ بِالِاعْتِبارِ، وقَرَأ قَتادَةُ عَلى ما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ - مُذَّكِّرٍ - بِالذّالِ المُعْجَمَةِ عَلى قَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ ذالًا وإدْغامِ الذّالِ في الذّالِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ قَتادَةُ فَهَلْ مِن - مُذَكِّرٍ - بِتَشْدِيدِ الكافِ مِنَ التَّذْكِيرِ أيْ مَن يُذَكِّرُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ بِها، وقُرِئَ مُذْتَكِرٍ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَها تاءُ الِافْتِعالِ كَما هو الأصْلُ

القمر 54:16

﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْظِيمٍ وتَعْجِيبٍ أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ صفحة 84 لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، والنُّذُرُ - مَصْدَرٌ كالإنْذارِ، وقِيلَ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى المُنْذَرِ مِنهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا جَعَلَهُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، وكانَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً فَكَيْفَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ ؟ وتامَّةً فَكَيْفَ في مَوْضِعِ الحالِ ؟

القمر 54:17

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ ورَدَتْ في آخِرِ القِصَصِ الأرْبَعِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلَخْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِإيجابِ الِادِّكارِ كافِيَةٌ في الِازْدِجارِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها اعْتِبارٌ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَهَّلْنا القُرْآنَ لِقَوْمِكَ بِأنْ أنْزَلْناهُ عَلى لُغَتِهِمْ وشَحَنّاهُ بِأنْواعِ المَواعِظِ والعِبَرِ وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ ﴿لِلذِّكْرِ﴾ أيْ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِلْمُتَّعِظِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُجِيبَ المُسْتَفْهِمَ بِنَعَمْ، وقِيلَ: المَعْنى سَهَّلْنا القُرْآنَ لِلْحِفْظِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ وسَلاسَةِ اللَّفْظِ وشَرَفِ المَعانِي وصِحَّتِها وعُرُوِّهِ عَنِ الوَحْشِيِّ ونَحْوِهِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالقُلُوبِ وحَلاوَةٌ في السَّمْعِ فَهَلْ مِن طالِبٍ لِحِفْظِهِ لِيُعانَ عَلَيْهِ ؟ ومِن هُنا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُسْتَظْهَرْ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ القُرْآنِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَسَّرْنا القُرْآنَ هَوَّنّا قِراءَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقُولُ سُورَةٌ خَفِيفَةٌ فَقالَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ولَكِنْ قُلْ سُورَةٌ يَسِيرَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ( ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) والمَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أوَّلًا أنْسَبُ بِالمَقامِ، ولَعَلَّ خَبَرَ أنَسٍ إنْ صَحَّ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، وجُوِّزَ تَفْسِيرُ ( يَسَّرْنا ) بِهَيَّأْنا مِن قَوْلِهِمْ: يَسَّرَ ناقَتَهُ لِلسَّفَرِ إذا رَحَلَها، ويَسَّرَ فَرَسَهُ لِلْغَزْوِ إذا أسْرَجَهُ وألْجَمَهُ قالَ الشّاعِرُ: وقُمْتُ إلَيْهِ بِاللِّجامِ مُيَسَّرًا هُنالِكَ يَجْزِينِي الَّذِي كُنْتُ أصْنَعُ

القمر 54:18

﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةٍ أُخْرى ولَمْ تُعْطَفْ وكَذا ما بَعْدَها مِنَ القِصَصِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مُسْتَقِلَّةٌ في القَصْدِ والِاتِّعاظِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ عَلَمٌ ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الإضافَةِ ولَمّا كانَ لِقَوْمِ هُودٍ عَلَمٌ وهو عادٌ ذُكِرُوا بِهِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّعْرِيفِ، والمُرادُ كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْمًا لِلِاخْتِصارِ ومُسارَعَةً إلى بَيانِ ما فِيهِ الِازْدِجارُ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ لِتَوْجِيهِ قُلُوبِ السّامِعِينَ نَحْوَ الإصْغاءِ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ قَبْلَ ذِكْرِهِ لا لِتَهْوِيلِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَعْجِيبِهِمْ مِن حالِهِ بَعْدَ بَيانِهِ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ( كَذَّبَتْ عادٌ ) فَهَلْ سَمِعْتُمْ، أوْ فاسْمَعُوا كَيْفَ عَذابِي وإنْذارِي لَهم، وقِيلَ: هو لِلتَّهْوِيلِ أيْضًا لِغَرابَةِ ما عُذِّبُوا بِهِ مِنَ الرِّيحِ وانْفِرادِهِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ بَحْثٌ،

القمر 54:19

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ أوَّلًا، والصَّرْصَرُ البارِدَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وقِيلَ: شَدِيدُ الصَّوْتِ وتَمامُ الكَلامِ قَدْ مَرَّ في «فُصِّلَتْ» . ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ ذَلِكَ الشُّؤْمُ لِأنَّهم بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا لَمْ يَزالُوا مُعَذَّبِينَ في البَرْزَخِ حَتّى يَدْخُلُوا جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: 16]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقَّةَ: 7] المَشْهُورُ أنَّهُ يَوْمُ الأرْبِعاءِ صفحة 85 وكانَ آخِرَ شَوّالٍ عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ إرْسالِ الرِّيحِ كانَ فِيهِ فَلا يُنافِي آيَتَيْ «فُصِّلَتْ» و«الحاقَّةَ» . وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُسْتَمِرٍّ ) صِفَةَ يَوْمٍ أيْ في يَوْمٍ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهم، أوْ شَمِلَ كَبِيرَهم وصَغِيرَهم حَتّى لَمَّ تَبْقَ مِنهم نَسَمَةٌ عَلى أنَّ الِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ الزَّمانِ أوْ بِحَسَبِ الأشْخاصِ والأفْرادِ لَكِنْ عَلى الأوَّلِ لا بُدَّ مِن تَجُوُّزٍ بِإرادَةِ اسْتِمْرارِ نَحْسِهِ، أوْ بِجَعْلِ اليَوْمِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ لِأنَّ اليَوْمَ الواحِدَ لَمْ يَسْتَمِرَّ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُسْتَمِرٍّ ) بِمَعْنى مُحْكَمٍ وكَوْنُهُ بِمَعْنى شَدِيدِ المَرارَةِ وهو مَجازٌ عَنْ بَشاعَتِهِ وشَدَّةِ هَوْلِهِ إذْ لا طَعْمَ لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ الحَسَنُ «يَوْمٍ نَحِسٍ» بِتَنْوِينِ يَوْمٍ وكَسْرِ حاءِ نَحْسٍ، وجَعْلِهِ صِفَةً لِيَوْمٍ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ( مُسْتَمِرٍّ ) صِفَةً ثانِيَةً لَهُ، وأيَّدَ بَعْضُهم بِالآيَةِ ما أخْرَجَهُ وكِيعٌ في الغَرَرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ البَغْدادِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا آخِرَ أرْبِعاءَ في الشَّهْرِ يَوْمٌ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ وأخَذَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَتَطَيَّرُوا مِنهُ وتَرَكُوا السَّعْيَ لِمَصالِحِهِمْ فِيهِ ويَقُولُونَ لَهُ: أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِقاؤُكَ لِلْمُبَكِّرِ فَألُ سَوْءٍ ووَجْهُكَ - أرْبِعاءَ لا تَدُورُ - وذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي، والحَدِيثُ المَذْكُورُ في سَنَدِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ الصَّلْتِ قالَ أبُو حاتِمٍ: مَتْرُوكٌ، وجَزَمَ ابْنُ الجَوْزِيِّ بِوَضْعِهِ وقالَ ابْنُ رَجَبٍ: حَدِيثٌ لا يَصِحُّ ورَفْعُهُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَقَدْ رَواهُ الطُّيُورِيُّ مِن طَرِيقٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ السَّخاوِيُّ: طُرُقُهُ كُلُّها واهِيَةٌ، وضَعَّفُوا أيْضًا خَبَرَ الطَّبَرانِيِّ يَوْمُ الأرْبِعاءَ يَوْمٌ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ، والآيَةُ قَدْ عُلِمَتْ مَعْناها، وجاءَ في الأخْبارِ والآثارِ ما يُشْعِرُ بِمَدْحِهِ فَفي مِنهاجِ الحَلِيمِيِّ، وشُعَبِ البَيْهَقِيِّ أنَّ الدُّعاءَ يُسْتَجابُ يَوْمُ الأرْبِعاءِ بَعِيدُ الزَّوالِ، وذَكَرَ بُرْهانُ الإسْلامِ في تَعْلِيمِ المُتَعَلِّمِ عَنْ صاحِبِ الهِدايَةِ أنا ما بُدِئَ شَيْءٌ يَوْمَ الأرْبِعاءِ إلّا وتَمَّ وهو يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ النُّورَ فَلِذَلِكَ كانَ جَمْعٌ مِنَ المَشايِخِ يَتَحَرَّوْنَ ابْتِداءَ الجُلُوسِ لِلتَّدْرِيسِ فِيهِ، واسْتَحَبَّ بَعْضُهم غَرْسَ الأشْجارِ فِيهِ لِخَبَرِ ابْنِ حَيّانَ والدَّيْلَمِيِّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا ««مَن غَرَسَ الأشْجارَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وقالَ: سُبْحانَ الباعِثِ الوارِثِ أتَتْهُ أُكُلُها»» نَعَمْ جاءَتْ أخْبارٌ وآثارٌ تُشْعِرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَفي الفِرْدَوْسِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا ««لَوْلا أنْ تَكْرَهَ أُمَّتِي لَأمَرْتُها أنْ لا يُسافِرُوا يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وأحَبُّ الأيّامِ إلَيَّ الشُّخُوصَ فِيها يَوْمَ الخَمِيسِ»» وهو غَيْرُ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ عِنْدِي. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وابْنُ عَدِيٍّ وتَمامُ في فَوائِدِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمُ مَكْرٍ وخَدِيعَةٍ ويَوْمُ الأحَدِ يَوْمُ غَرْسٍ وبِناءٍ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ يَوْمُ سَفَرٍ وطَلَبِ رِزْقٍ ويَوْمُ الثُّلاثاءِ يَوْمُ حَدِيدٍ وبَأْسٍ. ويَوْمُ الأرْبِعاءِ لا أخْذٌ ولا عَطاءٌ. ويَوْمُ الخَمِيسِ يَوْمُ طَلَبِ الحَوائِجِ والدُّخُولِ عَلى السُّلْطانِ. والجُمْعَةُ يَوْمُ خُطْبَةٍ ونِكاحٍ»، وتَعَقَّبَهُ السَّخاوِيُّ بِأنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وخَرَّجَهُ الحاكِمُ مِن طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ ««لا يَبْدُو جُذامٌ ولا بَرَصٌ إلّا يَوْمَ الأرْبَعاءِ»» وفي بَعْضِ الآثارِ النَّهْيُ عَنْ قَصِّ الأظْفارِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وأنَّهُ يُورِثُ البَرَصَ، وكَرِهَ بَعْضُهم عِيادَةَ المَرْضى فِيهِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: لَمْ يُؤْتَ في الأرْبِعاءِ مَرِيضٌ ∗∗∗ إلّا دَفَنّاهُ في الخَمِيسِ وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: اخْرُجْ مَعِي في حاجَةٍ فَقالَ: هو الأرْبِعاءُ قالَ: فِيهِ وُلِدَ يُونُسَ قالَ: لا جَرَمَ قَدْ بانَتْ لَهُ بَرَكَتُهُ في اتِّساعِ مَوْضِعِهِ وحُسْنِ كُسْوَتِهِ حَتّى خَلَّصَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: وفِيهِ وُلِدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: فَما أحْسَنَ ما فَعَلَ إخْوَتُهُ حَتّى طالَ حَبْسُهُ وغُرْبَتُهُ قالَ: وفِيهِ نَصْرُ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الأحْزابِ قالَ: أجَلْ لَكِنْ - بَعْدَ أنْ زاغَتِ الأبْصارُ، وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ - ونَقَلَ المَناوِيُّ عَنِ البَحْرِ أنَّ صفحة 86 إخْبارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ نُحُوسَةِ آخِرِ أرْبِعاءَ في الشَّهْرِ مِن بابِ التَّطَيُّرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ بَلْ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ ولا مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ أنَّهُ يَوْمُ عُطارِدَ وهو نَحْسٌ مَعَ النُّحُوسِ سَعْدٌ مَعَ السُّعُودِ فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ أيِ احْذَرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ لِما نَزَلَ فِيهِ مِنَ العَذابِ وكانَ فِيهِ مِنَ الهَلاكِ وجَدِّدُوا فِيهِ لِلَّهِ تَعالى تَوْبَةً خَوْفًا أنْ يَلْحَقَكم فِيهِ بُؤْسٌ كَما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم، وهَذا كَما قالَ حِينَ أتى الحِجْرَ: لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وحُكِيَ أيْضًا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: التَّطَيُّرُ مَكْرُوهٌ كَراهِيَةً شَرْعِيَّةً إلّا أنَّ الشَّرْعَ أباحَ لِمَن أصابَهُ في آخِرِ أرْبِعاءَ شَيْءٌ في مَصالِحِهِ أنْ يَدَعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ لا عَلى جِهَةِ التَّطَيُّرِ واعْتِقادِ أنَّهُ يَضُرُّ أوْ يَنْفَعُ بِغَيْرِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى بَلْ عَلى جِهَةِ اعْتِقادِ إباحَةِ الإمْساكِفِيهِ لِما كَرِهَتْهُ النَّفْسُ لا اقْتِفاءً لِلتَّطَيُّرِ ولَكِنْ إثْباتًا لِلرُّخْصَةِ في التَّوَقِّي فِيهِ لِمَن يَشاءُ مَعَ وُجُوبِ اعْتِقادِ أنَّ شَيْئًا لا يَضُرُّ شَيْئًا ونُقِلَ عَنِ الحَلِيمِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلِمْنا بِبَيانِ الشَّرِيعَةِ أنَّ مِنَ الأيّامِ نَحْسًا، ويُقابِلُ النَّحْسَ السَّعْدُ وإذا ثَبَتَ الأوَّلُ ثَبَتَ الثّانِي أيْضًا، فالأيّامُ مِنها نَحْسٌ ومِنها سَعْدٌ كالأشْخاصِ مِنهم شَقِيٌّ ومِنهم سَعِيدٌ، ولَكِنْ زُعِمَ أنَّ الأيّامَ والكَواكِبَ تُنْحِسُ أوْ تُسْعِدُ بِاخْتِيارِها أوْقاتًا وأشْخاصًا باطِلٌ، والقَوْلُ - إنَّ الكَواكِبَ قَدْ تَكُونُ أسْبابًا لِلْحَسَنِ والقَبِيحِ والخَيْرِ والشَّرِّ والكُلُّ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ - مِمّا لا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ قالَ المَناوِيُّ: والحاصِلُ أنَّ تَوَقِّي الأرْبِعاءِعَلى جِهَةِ الطِّيَرَةِ وظَنِّ اعْتِقادِ المُنَجِّمِينَ حَرامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ إذِ الأيّامُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِذاتِها وبِدُونِ ذَلِكَ لا ضَيْرَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ ومَن تَطَيَّرَ حاقَتْ بِهِ نُحُوسَتُهُ، ومَن أيْقَنَ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَما قِيلَ: تَعَلَّمْ أنَّهُ لا طِيَرَ إلّا ∗∗∗ عَلى مُتَطَيِّرٍ وهو الثُّبُورُ انْتَهى، وأقُولُ كُلُّ الأيّامِ سَواءٌ ولا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ بِيَوْمِ الأرْبِعاءِ وما مِن ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ إلّا وهي سَعْدٌ عَلى شَخْصٍ نَحْسٌ عَلى آخَرَ بِاعْتِبارِ ما يُحْدِثُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ المُلائِمِ والمُنافِرِ والخَيْرِ والشَّرِّ، فَكُلُّ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ يَتَّصِفُ بِالأمْرَيْنِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ وإنِ اسْتُنْحِسَ يَوْمُ الأرْبِعاءِ لِوُقُوعِ حادِثٍ فِيهِ فَلْيُسْتَنْحَسْ كُلُّ يَوْمٍ فَما أُولِجَ اللَّيْلُ في النَّهارِ والنَّهارُ في اللَّيْلِ إلّا لِإيلادِ الحَوادِثِ وقَدْ قِيلَ: ألا إنَّما الأيّامُ أبْناءُ واحِدٍ ∗∗∗ وهَذِي اللَّيالِي كُلُّها أخَواتُ وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ صَبَّحَ ثَمُودَ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، ووَرَدَ في الأثَرِ ولا أظُنُّهُ يَصِحُّ - «نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن يَوْمِ الأحَدِ فَإنَّ لَهُ حَدًّا أحَدَّ مِنَ السَّيْفِ» - ولَوْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ في أحَدٍ مَخْصُوصٍ عُلِمَ بِالوَحْيِ ما يَحْدُثُ فِيهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم - أنَّ مِنَ المُجَرَّبِ الَّذِي يُخَطُّ قَطُّ أنَّهُ مَتى كانَ اليَوْمُ الرّابِعَ عَشَرَمِنَ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ الأحَدَ وفُعِلَ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَتِمَّ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ،ووَرَدَ في الفِرْدَوْسِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأمْراضَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وفِيهِ أنْزَلَ إبْلِيسَ إلى الأرْضِ، وفِيهِ خَلَقَ جَهَنَّمَ، وفِيهِ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى مَلَكَ المَوْتِ عَلى أرْواحِ بَنِي آدَمَ. وفِيهِ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ، وفِيهِ تُوُفِّيَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وفِيهِ ابْتُلِيَ أيُّوبُ» - الحَدِيثَ، وهو إنْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى نُحُوسَتِهِ غايَتُهُ أنَّهُ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ وقَدْ وقَعَ فِيهِ غَيْرُذَلِكَ مِمّا هو خَيْرٌ، فَفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ - خُلِقَ المَنفَقُ أيْ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ يَوْمَ الثُّلاثاءِ- وإذا تَتَبَّعْتَ التَّوارِيخَ وقَعْتَ عَلى حَوادِثَ عَظِيمَةٍ في سائِرِ الأيّامِ، ويَكْفِي في هَذا البابِ أنَّ حادِثَةَ عادٍ اسْتَوْعَبَتْ أيّامَ الأُسْبُوعِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقَّةَ: 7] فَإنْ كانَتِ النُّحُوسَةُ لِذَلِكَ فَقُلْ لِي أيُّ يَوْمٍ مِنَ الأُسْبُوعِ خَلا مِنها ؟! ومِثْلُ أمْرِ النُّحُوسَةِ فِيما أرى أمْرُ تَخْصِيصِ كُلِّ يَوْمٍ بِعَمَلٍ كَما صفحة 87 يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، ويَذْكُرُونَ في ذَلِكَ أبْياتًا نَسَبَها الحافِظُ الدِّمْياطِيُّ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهي: فَنِعْمَ اليَوْمُ يَوْمُ السَّبْتِ حَقًّا لِصَيْدٍ إنْ أرَدْتَ بِلا امْتِراءِ وفِي الأحَدِ البِناءُ لِأنَّ فِيهِ تَبَدّى اللَّهُ في خَلْقِ السَّماءِ وفِي الِاثْنَيْنِ إنْ سافَرْتَ فِيهِ سَتَرْجِعُ بِالنَّجاحِ وبِالثَّراءِ ومَن يُرِدِ الحِجامَةَ فالثُّلاثا فَفي ساعاتِهِ هَرْقُ الدِّماءِ وإنْ شَرِبَ امْرُؤٌ يَوْمًا دَواءً فَنِعْمَ اليَوْمُ يَوْمُ الأرْبِعاءِ وفِي يَوْمِ الخَمِيسِ قَضاءُ حاجٍّ فَإنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ بِالقَضاءِ وفِي الجُمُعاتِ تَزْوِيجٌ وعُرْسٌ ولَذّاتُ الرِّجالِ مَعَ النِّساءِ وهَذا العِلْمُ لا يَدْرِيهِ إلّا نَبِيٌّ أوْ وصِيُّالأنْبِياءِ ولا أظُنُّها تَصِحُّ، وقُصارى ما أقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لا دَخْلَ في ذَلِكَ لِوَقْتٍ ولا لِغَيْرِهِ، لِبَعْضِ الأوْقاتِ شَرَفٌ لا يُنْكَرُ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ وشَهْرِ رَمَضانَ وغَيْرِذَلِكَ، ولِبَعْضِها عَكْسُ ذَلِكَ كالأوْقاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيها الصَّلاةُ لَكِنَّ هَذا أمْرٌ ومَحَلُّ النِّزاعِ أمْرٌ فاحْفَظْ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ،

القمر 54:20

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الرِّيحِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنها لِأنَّها وُصِفَتْ فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وجِيءَ - بِالنّاسِ - دُونَ ضَمِيرِ عادٍ قِيلَ: لِيَشْمَلَ ذُكُورَهم وإناثَهم - والنَّزْعُ - القَلْعُ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا الشِّعابَ والحُفَرَ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَقَلَعَتْهُمُ الرِّيحُ وصَرَعَتْهم مَوْتى. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أيْ مُنْقَلَعٍ عَنْ مَغارِسِهِ ساقِطٍ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: شُبِّهُوا بِأعْجازِ النَّخْلِ وهي أُصُولُها بِلا فُرُوعٍ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَقْلَعُ رُؤُوسَهم فَتَبْقى أجْسادًا وجُثَثًا بِلا رُؤُوسٍ، ويَزِيدُ هَذا التَّشْبِيهُ حُسْنًا أنَّهم كانُوا ذَوِي جُثَثٍ عِظامٍ طِوالٍ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ يُذَكَّرُ نَظَرًا لِلَّفْظِ كَما هُنا ويُؤَنَّثُ نَظَرًا لِلْمَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةَ: 7] واعْتِبارُ كُلٍّ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ لِلْفاصِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِنَ النّاسِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ فَتَرَكَتْهم كَأنَّهم إلَخْ، فالكافُعَلى ما في البَحْرِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَحْذُوفِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ أعْجُزُعَلى وزْنِ أفْعَلَ نَحْوَ ضَبْعٍ وأضْبُعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَهْوِيلٌ لَهُما وتَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِما بَعْدَ بَيانِهِما فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ( وكانَ ) لِلْمُشاكَلَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ في إخْبارِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الثّانِي عَلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.

القمر 54:21

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الرِّيحِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنها لِأنَّها وُصِفَتْ فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وجِيءَ - بِالنّاسِ - دُونَ ضَمِيرِ عادٍ قِيلَ: لِيَشْمَلَ ذُكُورَهم وإناثَهم - والنَّزْعُ - القَلْعُ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا الشِّعابَ والحُفَرَ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَقَلَعَتْهُمُ الرِّيحُ وصَرَعَتْهم مَوْتى. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أيْ مُنْقَلَعٍ عَنْ مَغارِسِهِ ساقِطٍ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: شُبِّهُوا بِأعْجازِ النَّخْلِ وهي أُصُولُها بِلا فُرُوعٍ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَقْلَعُ رُؤُوسَهم فَتَبْقى أجْسادًا وجُثَثًا بِلا رُؤُوسٍ، ويَزِيدُ هَذا التَّشْبِيهُ حُسْنًا أنَّهم كانُوا ذَوِي جُثَثٍ عِظامٍ طِوالٍ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ يُذَكَّرُ نَظَرًا لِلَّفْظِ كَما هُنا ويُؤَنَّثُ نَظَرًا لِلْمَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةَ: 7] واعْتِبارُ كُلٍّ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ لِلْفاصِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِنَ النّاسِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ فَتَرَكَتْهم كَأنَّهم إلَخْ، فالكافُعَلى ما في البَحْرِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَحْذُوفِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ أعْجُزُعَلى وزْنِ أفْعَلَ نَحْوَ ضَبْعٍ وأضْبُعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَهْوِيلٌ لَهُما وتَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِما بَعْدَ بَيانِهِما فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ( وكانَ ) لِلْمُشاكَلَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ في إخْبارِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الثّانِي عَلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.

القمر 54:22

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ أحَدِهِمْ وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أوْ جَمْعًا لَهُ وأنْ يَكُونَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذَرِ مِنهُ فَلا تَغْفُلْ.

القمر 54:23

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ أحَدِهِمْ وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أوْ جَمْعًا لَهُ وأنْ يَكُونَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذَرِ مِنهُ فَلا تَغْفُلْ.

القمر 54:24

﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ أيْ كائِنًا مِن جِنْسِنا عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لَبِشَرًا - وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ - نَتَّبِعُ - بَعْدُ أيْ أنَتَّبِعُ بَشَرًا ﴿واحِدًا﴾ أيْ مُنْفَرِدًا لا تَبَعَ لَهُ، أوْ واحِدًا مِن آحادِهِمْ لا مِن أشْرافِهِمْ كَما يُفْهَمُ مِنَ التَّنْكِيرِ صفحة 88 الدّالِّ عَلى عَدَمِ التَّعْيِينِ وهو صِفَةٌ أُخْرى لِبِشَرٍ وتَأْخِيرُهُ مَعَ إفْرادِهِ عَنِ الصِّفَةِ الأُولى مَعَ كَوْنِها شِبْهَ الجُمْلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الجِنْسِيَّةِ والوَحْدَةِ مِمّا يَمْنَعُ الإتْباعَ ولَوْ قُدِّمَ عَلَيْها لَفاتَ هَذا التَّنْبِيهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ فِيما ذَكَرَ الهُذَلِيُّ في كِتابِهِ الكامِلِ وأبُو عَمْرٍ و الدّانِيُّ - أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ - بِرَفْعِهِما عَلى أنَّ - بَشَرٌ - مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدُ صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ خَبَرُهُ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ وصاحِبُ اللَّوامِحِ وابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ رَفْعَ - بَشَرٌ - ونَصْبَ ( واحِدًا ) وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّ رَفْعَ - بَشَرٌ - إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ والتَّقْدِيرُ أيُنَبَّأُ بَشَرٌ، وإمّا عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿نَتَّبِعُهُ﴾، ونَصْبَ ( واحِدًا ) عَلى الحالِ إمّا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في ( مِنّا ) وخَرَّجَ صاحِبُ اللَّوامِحِ نَصْبَ ( واحِدًا ) عَلى هَذا أيْضًا، وأمّا رَفْعُ بَشَرٍ فَخَرَّجَهُ عَلى الِابْتِداءِ وإضْمارِ الخَبَرِ أيْ أبَشَرٌ مِنّا يُبْعَثُ إلَيْنا أوْ يُرْسَلُ أوْ نَحْوُهُما، وتَقَدُّمُ الِاسْتِفْهامِ يُرَجِّحُ تَقْدِيرَ فِعْلٍ يُرْفَعُ بِهِ ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ إذا اتَّبَعْنا بَشَرًا مِنّا واحِدًا ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ عَظِيمٍ عَنِ الحَقِّ ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ نِيرانٍ جَمْعُ سَعِيرٍ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ لَهم: إنْ لَمْ تَتْبَعُونِي كُنْتُمْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ وسُعُرٍ فَعَكَسُوا عَلَيْهِ لِغايَةِ عُتُوَّهم فَقالُوا: إنِ اتَّبَعْناكَ كُنّا إذًا كَما تَقُولُ، فالكَلامُ مِن بابِ التَّعْكِيسِ والقَوْلِ بِالمُوجَبِ، وجَمْعُ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ الدَّرَكاتِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يَحْتَمِلُ ما قُلْنا فَإنَّهُ قالَ: أيْ لَفي بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ وعَذابٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُ السُّعُرِ بِالجُنُونِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ بِمَعْنى ذَلِكَ يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها كَأنَّها مَجْنُونَةٌ قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّ بِها سُعُرًا إذا العِيسُ هَزَّها ذَمِيلٌ وإرْخاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعَبُ والأوَّلُ أوْجَهُ وأفْصَحُ

القمر 54:25

﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ مِن بَيْنِنا وفِينا مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِأُلْقِيَ دُونَ أُنْزِلَ قِيلَ: لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ العَجَلَةَ في الفِعْلِ ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ شَدِيدُ البَطَرِ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: دَهْشٌ يُعْتَرى مِن سُوءِ احْتِمالِ النِّعْمَةِ وقِلَّةِ القِيامِ بِحَقِّها ووَضْعِها إلى غَيْرِ وجْهِها، ويُقارِبُهُ الطَّرَبُ وهو خِفَّةٌ أكْثَرُ ما تُعْتَرى مِنَ الفَرَحِ، ومُرادُهم لَيْسَ الأمْرُكَذَلِكَ بَلْ هو كَذا وكَذا حَمَلَهُ شِدَّةُ بَطَرِهِ وطَلَبِهِ التَّعْظِيمَ عَلَيْها عَلى ادِّعاءِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ. وأبُو قِلابَةَ - بَلْ هو الكَذِبُ الأشِرُّ - بِلامِ التَّعْرِيفِ فِيهِما وبِفَتْحِ الشِّينِ وشَدِّالرّاءِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما في ذَلِكَ،

القمر 54:26

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعْدًا لَهُ ووَعِيدًا لِقَوْمِهِ، والسِّينُ لِتَقْرِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ، والمُرادُ بِالغَدِ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِمْ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ فَهو لِمُطْلَقِ الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وعُبِّرَ بِهِ لِتَقْرِيبِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: ألا عَلِّلانِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوائِحِ وقَبْلَ اضْطِرابِ النَّفْسِ بَيْنَ الجَوانِحِ وقَبْلَ غَدٍ يا لَهَفَ نَفْسِي عَلى غَدِ ∗∗∗ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ أيْ ( سَيَعْلَمُونَ ) البَتَّةَ عَنْ قَرِيبٍ ﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ الَّذِي حَمَلَهُ أشَرُهُ وبَطَرُهُ عَلى ما حَمَلَهُ أصالِحٌ أمْ مَن كَذَّبَهُ، والمُرادُ سَيَعْلَمُونَ أنَّهم هُمُ الكَذّابُونَ الأشِرُونَ لَكِنْ أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الإبْهامِ إيماءً إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: صفحة 89 فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خالِيَيْنِ لِتَعْلَمَن ∗∗∗ أيِّي وأيُّكَ فارِسُ الأحْزابِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ - سَتَعْلَمُونَ - بِتاءِ الخِطابِ عَلى حِكايَةِ ما قالَ لَهم صالِحٌ مُجِيبًا لَهم، وفي الكَشّافِ أوْ هو كَلامٌ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: أيْ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْمِ ثَمُودَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ إمّا في خِطابِهِ تَعالى لِرَسُولِنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو نَظِيرُ ما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ شُعَيْبٍ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ [الأعْرافَ: 93] بَعْدَ ما اسْتُؤْصِلُوا هَلاكًا وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِهَذا الوَعِيدِ وكَأنَّهم حُضُورٌ في المَجْلِسِ حَوَّلَ إلَيْهِمُ الوَجْهَ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ. وإمّا في خِطابِهِ عَزَّ وجَلَّ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُنَزَّلُ حِكايَةَ ذَلِكَ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى الِالتِفاتِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا إشْكالَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ ولَفْظُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى الأوَّلِ أدَلُّ وهو أبْلَغُ انْتَهى، ومَنِ التَفَتَ إلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ في الِالتِفاتِ لا أظُنُّهُ تَسْكُنُ نَفْسُهُ بِما ذَكَرَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ مُجاهِدٌ فِيما ذَكَرَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وأبُو قَيْسٍ الأوِدِيُّ «الأُشُرُ» بِثَلاثِ ضَمّاتٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. ويُقالُ: أشِرٌ وأُشُرٌ كَحَذِرٍ وحُذُرٍ فَضَمَّةُ الشِّينِ لُغَةٌ وضَمُّ الهَمْزَةِ تَبَعٌ لَها. وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ضَمَّ الشِّينِ دُونَ الهَمْزَةِ فَهو كَنَدُسٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «الأشَرُّ» أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أيِ الأبْلَغُ في الشَّرارَةِ وكَذا قَرَأ قَتادَةُ وأبُو قِلابَةَ أيْضًا وهو قَلِيلٌ الِاسْتِعْمالِ وإنْ كانَ عَلى الأصْلِ كالأخِيرِ في قَوْلِ رُؤْبَةَ: بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَكادُ العَرَبُ تَتَكَلَّمُ - بِالأخْيَرِ - والأشَرِّ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وأنْشَدَ البَيْتَ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: لا يُقالُ ( الأشَرُّ )إلّا في لُغَةٍ رَدِيئَةٍ

القمر 54:27

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَبادِئِ المَوْعُودِعَلى ما هو الظّاهِرُ، وبِهِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ المُرادِ بِالغَدِ وقْتَ نُزُولِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِمْ دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ، والإرْسالُ حَقِيقَةٌ في البَعْثِ وقَدْ جُعِلَ هُنا كِنايَةً عَنِ الإخْراجِ، وأُرِيدَ المَعْنى الحَقِيقِيُّ مَعَهُ كَما أوْمَأ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ أيْ إنّا مُخْرِجُو النّاقَةِ الَّتِي سَألُوها مِنَ الهَضْبَةِ وباعِثُوها ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ امْتِحانًا، وجُوِّزَ إبْقاؤُها عَلى مَعْناها المَعْرُوفِ ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ فانْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم فاعِلُونَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى أذاهم ولا تَعْجَلْ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى

القمر 54:28

﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ﴾ وأخْبِرْهم بِأنَّ ماءَ البِئْرِ الَّتِي لَهم ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مَقْسُومٌ لَها يَوْمٌ ولَهم يَوْمٌ، و(بَيْنَهم ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، وقَرَأ مُعاذٌ عَنْ أبِي عَمْرو «قَسْمَةٌ» بِفَتْحِ القافِ ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ نَصِيبٍ وحِصَّةٍ مِنهُ ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ فَتَحْضُرُ النّاقَةُ تارَةً ويَحْضُرُونَهُ أُخْرى، وقِيلَ: يَتَحَوَّلُ عَنْهُ غَيْرُ صاحِبِهِ مِن حَضَرَ عَنْ كَذا تَحَوَّلَ عَنْهُ وقِيلَ: يُمْنَعُ عَنْهُ غَيْرُ صاحِبِهِ مَجازٌ عَنِ الحَظْرِ بِالظّاءِ بِمَعْنى المَنعِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ حُضُورِ صاحِبِهِ في نَوْبَتِهِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: يَحْضُرُونَ الماءَ في نَوْبَتِهِمْ واللَّبَنَ في نَوْبَتِها، والمَعْنى كُلُّ شِرْبٍ مِنَ الماءِ واللَّبَنِ تَحْضُرُونَهُ أنْتُمْ.

القمر 54:29

﴿فَنادَوْا﴾ أيْ فَأرْسَلْنا النّاقَةَ وكانُوا عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ مِنَ القِسْمَةِ فَمَلُّوا ذَلِكَ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ النّاقَةِ ﴿فَنادَوْا﴾ لِعَقْرِها ﴿صاحِبَهُمْ﴾ وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ وكانَ أجْرَأهم ﴿فَتَعاطى﴾ العَقْرَ أيْ فاجْتَرَأ عَلى تَعاطِيهِ مَعَ عِظَمِهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ. ﴿فَعَقَرَ﴾ فَأحْدَثَ العَقْرَ بِالنّاقَةِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ المُرادُ فَتَعاطى النّاقَةَ فَعَقَرَها، أوْ فَتَعاطى السَّيْفَ فَقَتَلَها، وعَلى كُلٍّ فَمَفْعُولُ تَعاطى مَحْذُوفٌ والتَّفْرِيعُ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: تَعاطى مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ مَعْناهُ أحْدَثَ صفحة 90 ماهِيَّةَ التَّعاطِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَقَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ لا مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ، والتَّعاطِي التَّناوُلُ مُطْلَقًا عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ، وزادَ بَعْضُهم قَيْدًا بِتَكَلُّفٍ ونِسْبَةُ العَقْرِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ [الأعْرافَ: 77] لِأنَّهم كانُوا راضِينَ بِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي تَقَدَّمَ

القمر 54:30

﴿فَنادَوْا﴾ أيْ فَأرْسَلْنا النّاقَةَ وكانُوا عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ مِنَ القِسْمَةِ فَمَلُّوا ذَلِكَ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ النّاقَةِ ﴿فَنادَوْا﴾ لِعَقْرِها ﴿صاحِبَهُمْ﴾ وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ وكانَ أجْرَأهم ﴿فَتَعاطى﴾ العَقْرَ أيْ فاجْتَرَأ عَلى تَعاطِيهِ مَعَ عِظَمِهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ. ﴿فَعَقَرَ﴾ فَأحْدَثَ العَقْرَ بِالنّاقَةِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ المُرادُ فَتَعاطى النّاقَةَ فَعَقَرَها، أوْ فَتَعاطى السَّيْفَ فَقَتَلَها، وعَلى كُلٍّ فَمَفْعُولُ تَعاطى مَحْذُوفٌ والتَّفْرِيعُ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: تَعاطى مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ مَعْناهُ أحْدَثَ صفحة 90 ماهِيَّةَ التَّعاطِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَقَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ لا مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ، والتَّعاطِي التَّناوُلُ مُطْلَقًا عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ، وزادَ بَعْضُهم قَيْدًا بِتَكَلُّفٍ ونِسْبَةُ العَقْرِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ [الأعْرافَ: 77] لِأنَّهم كانُوا راضِينَ بِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي تَقَدَّمَ

القمر 54:31

﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ صَباحَ يَوْمِ الأحَدِ كَما حَكى المَناوِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ في طَرْفِ مَنازِلِهِمْ ﴿فَكانُوا﴾ أيْ فَصارُوا ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ أيْ كالشَّجَرِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ. وفِي البَحْرِ الهَشِيمُ ما تَفَتَّتَ وتَهَشَّمَ مِنَ الشَّجَرِ، ( والمُحْتَظِرِ ) الَّذِي يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ فَإنَّهُ يَتَفَتَّتُ مِنهُ حالَةَ العَمَلِ ويَتَساقَطُ أجْزاءُ مِمّا يَعْمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ الهَشِيمُ ما يَبِسَ مِنَ الحَظِيرَةِ بِطُولِ الزَّمانِ تَطَؤُهُ البَهائِمُ فَيَتَهَشَّمُ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ الأظْهَرَ عَلَيْهِ كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، والحَظِيرَةُ الزَّرِيبَةُ الَّتِي تَصْنَعُها العَرَبُ. وأهْلُ البَوادِي لِلْمَواشِي والسُّكْنى مِنَ الأغْصانِ والشَّجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ «المُحْتَظَرِ» بِفَتْحِ الظّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ والمُرادُ بِهِ الحَظِيرَةُ نَفْسُها أوْ هو اسْمُ مَفْعُولٍ قِيلَ: ويُقَدَّرُ لَهُ مَوْصُوفٌ أيْ ( كَهَشِيمِ الحائِطِ المُحْتَظَرِ ) أوْ لا يُقَدَّرُ عَلى أنَّ( المُحْتَظَرَ ) الزَّرِيبَةُ نَفْسُها كَما سَمِعْتَ. وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْ كَهَشِيمِ الِاحْتِظارِ أيْ ما تَفَتَّتَ حالَةَ الِاحْتِظارِ

القمر 54:32

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ كَما مَرَّ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ عَلى قِياسِ النَّظِيرِ السّابِقِ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ مَلَكًا عَلى ما قِيلَ - يَحْصُبُهم أيْ يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ أوْ هو اسْمٌ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْصُبُ ولَمْ يُرَدْ بِها الحُدُوثُ كَما في ناقَةٍ ضامِرٍ وهو وجْهُ التَّذْكِيرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حُصِبُوا بِهِ مِنَ السَّماءِ مِنَ الحِجارَةِ في الرِّيحِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ

القمر 54:33

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ كَما مَرَّ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ عَلى قِياسِ النَّظِيرِ السّابِقِ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ مَلَكًا عَلى ما قِيلَ - يَحْصُبُهم أيْ يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ أوْ هو اسْمٌ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْصُبُ ولَمْ يُرَدْ بِها الحُدُوثُ كَما في ناقَةٍ ضامِرٍ وهو وجْهُ التَّذْكِيرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حُصِبُوا بِهِ مِنَ السَّماءِ مِنَ الحِجارَةِ في الرِّيحِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ

القمر 54:34

﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ خاصَّتَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وقِيلَ: آلُهُ ابْنَتاهُ ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ أيْ في سَحَرٍ وهو آخِرُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: السُّدُسُ الأخِيرُ مِنهُ، وقالَ الرّاغِبُ: السَّحَرُ والسَّحَرَةُ اخْتِلاطُ ظَلامِ آخِرِ اللَّيْلِ بِصَفاءِ النَّهارِ وجُعِلَ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُلْتَبِسِينَ ( بِسَحَرٍ ) داخِلِينَ فِيهِ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ إنْعامًا مِنّا وهو عِلَّةٌ لَنَجَّيْنا، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، أوْ بِنَجَّيْنا لِأنَّ التَّنْجِيَةَ إنْعامٌ فَهو كَقَعَدْتُ جُلُوسًا ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ نِعْمَتَنا بِالإيمانِ والطّاعَةِ

القمر 54:35

﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ خاصَّتَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وقِيلَ: آلُهُ ابْنَتاهُ ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ أيْ في سَحَرٍ وهو آخِرُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: السُّدُسُ الأخِيرُ مِنهُ، وقالَ الرّاغِبُ: السَّحَرُ والسَّحَرَةُ اخْتِلاطُ ظَلامِ آخِرِ اللَّيْلِ بِصَفاءِ النَّهارِ وجُعِلَ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُلْتَبِسِينَ ( بِسَحَرٍ ) داخِلِينَ فِيهِ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ أيْ إنْعامًا مِنّا وهو عِلَّةٌ لَنَجَّيْنا، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، أوْ بِنَجَّيْنا لِأنَّ التَّنْجِيَةَ إنْعامٌ فَهو كَقَعَدْتُ جُلُوسًا ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ نِعْمَتَنا بِالإيمانِ والطّاعَةِ

القمر 54:36

﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَطْشَتَنا﴾ أخَذْتَنا الشَّدِيدَةَ بِالعَذابِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها نَفْسُ العَذابِ ﴿فَتَمارَوْا﴾ فَكَذَّبُوا ﴿بِالنُّذُرِ﴾ مُتَشاكِّينَ، فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّكْذِيبِ ولَوْلاهُ تَعَدّى بِفي.

القمر 54:37

﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ صَرَفُوهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِمْ وطَلَبُوا الفُجُورَ بِهِمْ وهَذا مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْجَمِيعِ لِرِضاهم بِهِ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ أيْ أزَلْنا أثَرَها وذَلِكَ بِمَسْحِها وتَسْوِيَتِها كَسائِرِ الوَجْهِ، وهو كَما قالَ عُبَيْدَةُ، ورُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ في عُقُوبَتِهِمْ لَيْلَةَ جاؤُوا وعالَجُوا البابَ لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فَصَفْقَهم بِجَناحِهِ فَتَرَكَهم عُمْيانًا يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ خُرُوجِهِمْ حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ» صفحة 91 وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «فَطَمَّسْنا» بِتَشْدِيدِ المِيمِ لِلتَّكْثِيرِ في المَفْعُولِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ فَقُلْنا لَهم ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فالقَوْلُ في الحَقِيقَةِ لَهم وأُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مَجازًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الآمِرُ أوِ القائِلُ ظاهِرَ الحالِ فَلا قَوْلَ وإنَّما هو تَمْثِيلٌ، والمُرادُ بِالعَذابِ الطَّمْسُ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُنْذَرُوهُ.

القمر 54:38

﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ أوِ النَّهارَ وهي أخَصُّ مِنَ الصَّباحِ فَلَيْسَ في ذِكْرِها بَعْدَهُ زِيادَةٌ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بُكْرَةَ» غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أوَّلُ نَهارٍ مَخْصُوصٍ. ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ يَسْتَقِرُّ بِهِمْ ويَدُومُ حَتّى يُسَلِّمَهم إلى النّارِ، أوْ لا يُدْفَعَ عَنْهم، أوْ يَبْلُغَ غايَتَهُ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَشْدِيدًا لِلْعَذابِ، أوْ هو تَمْثِيلٌ.

القمر 54:39

﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ أوِ النَّهارَ وهي أخَصُّ مِنَ الصَّباحِ فَلَيْسَ في ذِكْرِها بَعْدَهُ زِيادَةٌ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بُكْرَةَ» غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أوَّلُ نَهارٍ مَخْصُوصٍ. ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ يَسْتَقِرُّ بِهِمْ ويَدُومُ حَتّى يُسَلِّمَهم إلى النّارِ، أوْ لا يُدْفَعَ عَنْهم، أوْ يَبْلُغَ غايَتَهُ. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَشْدِيدًا لِلْعَذابِ، أوْ هو تَمْثِيلٌ.

القمر 54:40

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ صُدِّرَتْ قِصَّتُهم بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ - بِشَأْنِها لِغايَةِ عِظَمِ ما فِيها مِنَ الآياتِ وكَثْرَتِها وهَوْلِ ما لاقُوهُ مِنَ العَذابِ وقُوَّةِ إيجابِها لِلِاتِّعاظِ والِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ نَفْسَهُ أوْلى بِذَلِكَ فَإنَّهُ رَأْسُ الطُّغْيانِ ومُدَّعِي الأُلُوهِيَّةِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ إشارَةٌ إلى إسْلامِهِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، و(النُّذُرُ ) إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وكَذا إنْ كانَ مَصْدَرًا، وأمّا إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ فالمُرادُ بِهِ مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ جاءَهُمُ المُنْذِرُونَ، أوِ الإنْذاراتُ، أوِ الإنْذارُ،

القمر 54:41

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ صُدِّرَتْ قِصَّتُهم بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ - بِشَأْنِها لِغايَةِ عِظَمِ ما فِيها مِنَ الآياتِ وكَثْرَتِها وهَوْلِ ما لاقُوهُ مِنَ العَذابِ وقُوَّةِ إيجابِها لِلِاتِّعاظِ والِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ نَفْسَهُ أوْلى بِذَلِكَ فَإنَّهُ رَأْسُ الطُّغْيانِ ومُدَّعِي الأُلُوهِيَّةِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ إشارَةٌ إلى إسْلامِهِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، و(النُّذُرُ ) إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وكَذا إنْ كانَ مَصْدَرًا، وأمّا إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ فالمُرادُ بِهِ مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ جاءَهُمُ المُنْذِرُونَ، أوِ الإنْذاراتُ، أوِ الإنْذارُ،

القمر 54:42

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ النُّذُرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آياتِنا وهي آياتُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ البَعْضِ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، أوْ هي الآياتُ التِّسْعُ، وجَوَّزالواحِدِيُّأنْ يُرادَ بِالنُّذُرِ نَفْسُ الآياتِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ والأصْلُ كَذَّبُوا بِها، وزَعَمَ بَعْضُ غُلاةِ الشِّيعَةِ وهُمُ المُسْلِمُونَ بِالكَشْفِيَّةِ في زَمانِنا أنَّ المُرادَ - بِالآياتِ كُلِّها - عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ الإمامُ المُبِينُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] وأنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ظَهَرَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا - وهَذا مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ - نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ( فَأخَذْناهم ) أيْ آلَ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ضَمِيرَ ( كَذَّبُوا ) وضَمِيرَ أخَذْناهم عائِدانِ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( النُّذُرُ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ أيْ ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ وقَهَرْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يُغالَبُ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ونُصِبَ أخْذَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ الخَيْرِيَّةُ بِاعْتِبارِ الدُّنْيا وزِينَتِها كَكَثْرَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ ووُفُورِ العَدَدِ والعُدَّةِ، أوْ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ الكُفّارُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِالخَيْرِيَّةِ أقَلَّ عِنادًا وأقْرَبَ طاعَةً وانْقِيادًا، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الخِطابَ هُنا عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ قالُوا:

القمر 54:43

﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ إلَخْ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمُ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ بِأنْ يَكُونُوا أكْثَرَ مِنهم قُوَّةً وشِدَّةً وأوْفَرَ عَدَدًا وعُدَّةً، أوْ بِأنْ يَكُونُوا ألْيَنَ شَكِيمَةً في الكُفْرِ والعِصْيانِ صفحة 92 والضَّلالِ والطُّغْيانِ بَلْ هم دُونَهم في القُوَّةِ وما أشْبَهَها مِن زِينَةِ الدُّنْيا، أوْ أسْوَأ حالًا مِنهم في الكُفْرِ، وقَدْ أصابَ مَن هو خَيْرٌ ما أصابَ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ هم في أنْ لا يُصِيبَهم نَحْوُذَلِكَ، وكَذا قِيلَ: في الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ وجَعَلَ بِتَقْدِيرِ أمْ لِكُفّارِكم وهو إضْرابٌ وانْتِقالٌ إلى تَنْكِيتٍ آخَرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ ألِكُفّارِكم بَراءَةٌ وأمْنٌ مِن تَبِعاتِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وغَوائِلِها في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَلِذَلِكَ يُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ولا يَخافُونَ، واخْتارَ بَعْضُهم في هَذا أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إنَّهُ إضْرابٌ مِنَ التَّبْكِيتِ المَذْكُورِ إلى تَبْكِيتٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْإيذانِ بِإفْضاءِ حالِهِمْ إلى الإعْراضِ عَنْهم وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ قَبائِحِهِمْ لِغَيْرِهِمْ. أيْ بَلْ أيَقُولُونَ واثِقِينَ بِشَوْكَتِهِمْ نَحْنُ جَماعَةٌ أمْرُنا مُجْتَمِعٌ لا يُرامُ ولا يُضامُ، أوْ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ مِنَ الأعْداءِ لا يُغْلَبُ، أوْ مُتَناصِرٌ يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا. والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِ الفَقِيرِ أنَّ الخِطابَ في المَوْضِعَيْنِ خاصٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ بِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ أوِ العَرَبِ وهو ظَهْرٌ في المَوْضِعِ الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، وأمّا في المَوْضِعِ الأوَّلِ فَوَجْهُهُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِثْلُها في الدَّراهِمِ كُلِّها كَذا، وطُورِ سَيْناءَ، ويَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَقُلْ أأنْتُمْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كُفْرِهِمُ المُقْتَضِي لِهَلاكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ الَّذِي ذَكَرُوهُ في نَحْوِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 28] فَكَأنَّهُ جُرِّدَ مِنهم كُفّارٌ وأضِيفُوا إلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وجْهًا لِلْعُدُولِ عَنْ أأنْتُمْ، ورُبَّما يَتَرَجَّحُ بِهِ كَوْنُ الخَيْرِيَّةِ المَنفِيَّةِ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ وكَأنَّهُ لَمّا خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الآياتِ وأعْرَضُوا عَنْها، وقالُوا هي سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِمّا تَبْرُقُ وتُرْعِدُ مِنهُ أسارِيرُ الوَعِيدِ قالَ عَزَّ وجَلَّ لَهم: لِمَ لا تَخافُونَ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ أأنْتُمْ أقَلُّ كُفْرًا وعِنادًا مِنهم لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْنِ مِن حُلُولِ نَحْوِ عَذابِهِمْ بِكم أمْ أُعْطاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَراءَةً مِن عَذابِهِ أمْ أنْتُمْ أعَزُّ مِنهم مُنْتَصِرُونَ عَلى جُنُودِ اللَّهِ تَعالى وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْ أنْتُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ أصْلًا إلّا بِاللَّفْظِ ومَحْضِ الدَّعْوى الَّتِي لا يُوافَقُ عَلَيْها فَتَأمَّلْ، فَأسْرارُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَتَناهى، ثُمَّ لا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ عَلى ما قُلْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَنا سَلَفٌ فِيهِ حَسْبَما تَتَبَّعْنا، ثُمَّ إنَّ ( جَمِيعٌ ) عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَعْنى الجَماعَةِ الَّتِي أمْرُها مُجْتَمِعٌ ولَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ في شَيْءٍ بَلْ هو خَبَرُ ( نَحْنُ )، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو (أمْرُنا) والجُمْلَةُ خَبَرُ ( نَحْنُ ) وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ( ومُنْتَصِرٌ ) عَلى ما سَمِعْتَ إمّا بِمَعْنى مُمْتَنِعٍ يُقالُ: نَصَرَهُ فانْتَصَرَ إذا مَنَعَهُ فامْتَنَعَ. والمُرادُ بِالِامْتِناعِ عَدَمُ المَغْلُوبِيَّةِ أوْ هو بِمَعْنى مُنْتَقِمٍ مِنَ الأعْداءِ أوْ هو مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ والِافْتِعالِ بِمَعْنى التَّفاعُلِ كالِاخْتِصامِ والتَّخاصُمِ وكانَ الظّاهِرُ مُنْتَصِرُونَ إلّا أنَّهُ أُفْرِدَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الجَمِيعِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ لَفْظًا جَمْعٌ مَعْنى ورُجِّحَ هُنا جانِبُ اللَّفْظِ عَكْسَ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِخِفَّةِ الإفْرادِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ رِعايَةُ جانِبِ المَعْنى أوَّلًا، ثُمَّ رِعايَةُ جانِبِ اللَّفْظِ ثانِيًا عَلى عَكْسِ المَشْهُورِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا عَلى الصَّحِيحِ كَما لا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - أمْ تَقُولُونَ - بِتاءِ الخِطابِ.

القمر 54:44

﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ إلَخْ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمُ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ بِأنْ يَكُونُوا أكْثَرَ مِنهم قُوَّةً وشِدَّةً وأوْفَرَ عَدَدًا وعُدَّةً، أوْ بِأنْ يَكُونُوا ألْيَنَ شَكِيمَةً في الكُفْرِ والعِصْيانِ صفحة 92 والضَّلالِ والطُّغْيانِ بَلْ هم دُونَهم في القُوَّةِ وما أشْبَهَها مِن زِينَةِ الدُّنْيا، أوْ أسْوَأ حالًا مِنهم في الكُفْرِ، وقَدْ أصابَ مَن هو خَيْرٌ ما أصابَ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ هم في أنْ لا يُصِيبَهم نَحْوُذَلِكَ، وكَذا قِيلَ: في الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ وجَعَلَ بِتَقْدِيرِ أمْ لِكُفّارِكم وهو إضْرابٌ وانْتِقالٌ إلى تَنْكِيتٍ آخَرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ ألِكُفّارِكم بَراءَةٌ وأمْنٌ مِن تَبِعاتِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وغَوائِلِها في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَلِذَلِكَ يُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ولا يَخافُونَ، واخْتارَ بَعْضُهم في هَذا أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إنَّهُ إضْرابٌ مِنَ التَّبْكِيتِ المَذْكُورِ إلى تَبْكِيتٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْإيذانِ بِإفْضاءِ حالِهِمْ إلى الإعْراضِ عَنْهم وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ قَبائِحِهِمْ لِغَيْرِهِمْ. أيْ بَلْ أيَقُولُونَ واثِقِينَ بِشَوْكَتِهِمْ نَحْنُ جَماعَةٌ أمْرُنا مُجْتَمِعٌ لا يُرامُ ولا يُضامُ، أوْ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ مِنَ الأعْداءِ لا يُغْلَبُ، أوْ مُتَناصِرٌ يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا. والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِ الفَقِيرِ أنَّ الخِطابَ في المَوْضِعَيْنِ خاصٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ بِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ أوِ العَرَبِ وهو ظَهْرٌ في المَوْضِعِ الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، وأمّا في المَوْضِعِ الأوَّلِ فَوَجْهُهُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِثْلُها في الدَّراهِمِ كُلِّها كَذا، وطُورِ سَيْناءَ، ويَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَقُلْ أأنْتُمْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كُفْرِهِمُ المُقْتَضِي لِهَلاكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ الَّذِي ذَكَرُوهُ في نَحْوِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 28] فَكَأنَّهُ جُرِّدَ مِنهم كُفّارٌ وأضِيفُوا إلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وجْهًا لِلْعُدُولِ عَنْ أأنْتُمْ، ورُبَّما يَتَرَجَّحُ بِهِ كَوْنُ الخَيْرِيَّةِ المَنفِيَّةِ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ وكَأنَّهُ لَمّا خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الآياتِ وأعْرَضُوا عَنْها، وقالُوا هي سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِمّا تَبْرُقُ وتُرْعِدُ مِنهُ أسارِيرُ الوَعِيدِ قالَ عَزَّ وجَلَّ لَهم: لِمَ لا تَخافُونَ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ أأنْتُمْ أقَلُّ كُفْرًا وعِنادًا مِنهم لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْنِ مِن حُلُولِ نَحْوِ عَذابِهِمْ بِكم أمْ أُعْطاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَراءَةً مِن عَذابِهِ أمْ أنْتُمْ أعَزُّ مِنهم مُنْتَصِرُونَ عَلى جُنُودِ اللَّهِ تَعالى وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْ أنْتُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ أصْلًا إلّا بِاللَّفْظِ ومَحْضِ الدَّعْوى الَّتِي لا يُوافَقُ عَلَيْها فَتَأمَّلْ، فَأسْرارُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَتَناهى، ثُمَّ لا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ عَلى ما قُلْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَنا سَلَفٌ فِيهِ حَسْبَما تَتَبَّعْنا، ثُمَّ إنَّ ( جَمِيعٌ ) عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَعْنى الجَماعَةِ الَّتِي أمْرُها مُجْتَمِعٌ ولَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ في شَيْءٍ بَلْ هو خَبَرُ ( نَحْنُ )، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو (أمْرُنا) والجُمْلَةُ خَبَرُ ( نَحْنُ ) وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ( ومُنْتَصِرٌ ) عَلى ما سَمِعْتَ إمّا بِمَعْنى مُمْتَنِعٍ يُقالُ: نَصَرَهُ فانْتَصَرَ إذا مَنَعَهُ فامْتَنَعَ. والمُرادُ بِالِامْتِناعِ عَدَمُ المَغْلُوبِيَّةِ أوْ هو بِمَعْنى مُنْتَقِمٍ مِنَ الأعْداءِ أوْ هو مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ والِافْتِعالِ بِمَعْنى التَّفاعُلِ كالِاخْتِصامِ والتَّخاصُمِ وكانَ الظّاهِرُ مُنْتَصِرُونَ إلّا أنَّهُ أُفْرِدَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الجَمِيعِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ لَفْظًا جَمْعٌ مَعْنى ورُجِّحَ هُنا جانِبُ اللَّفْظِ عَكْسَ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِخِفَّةِ الإفْرادِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ رِعايَةُ جانِبِ المَعْنى أوَّلًا، ثُمَّ رِعايَةُ جانِبِ اللَّفْظِ ثانِيًا عَلى عَكْسِ المَشْهُورِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا عَلى الصَّحِيحِ كَما لا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - أمْ تَقُولُونَ - بِتاءِ الخِطابِ.

القمر 54:45

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ أيْ يُهْزَمُ جَمْعُهُمُ البَتَّةَ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيِ الأدْبارَ، وقَدْ قُرِئَكَذَلِكَ، والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ الصّادِقِ عَلى الكَثِيرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ومُشاكَلَةِ القَرائِنِ، أوْ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ يُوَلِّي كُلُّ واحِدٍ مِنهم دُبُرَهُ عَلى حَدِّ: كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً مَعَ الرِّعايَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا وقَدْ كانَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وقَدْ نَزَلَتْ حَيْثُ لَمْ يُفْرَضْ جِهادٌ ولا كانَ قِتالٌ ولِذا قالَ عُمَرُ صفحة 93 رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَوْمَ نَزَلَتْ أيُّجَمْعٍ يُهْزَمُ أيْ مِن جُمُوعِ الكُفّارِ ؟ ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِقِتالِ أحَدٍ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ الخَبَرُ. ومِمّا أشَرْنا إلَيْهِ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الطَّيِّبِيِّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ نَظَرٌ لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ في ( أمْ يَقُولُونَ ) إلَخْ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُنْهَزِمِينَ مَن هم ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - سَتَهْزِمُ الجَمْعَ - بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَصْبِ الجَمْعِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ - سَنَهْزِمُ - بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «سَيَهْزِمُ الجَمْعَ» بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الجَمْعِ أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ تَعالى الجَمْعَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ عَنْ أبِي عَمْرو - وتُوَلُّونَ - بِتاءِ الخِطابِ

القمر 54:46

﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ هَذا تَمامَ عُقُوبَتِهِمْ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَذا مِن طَلائِعِهِ ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ أيْ أعْظَمُ داهِيَةً وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الفَظِيعُ الَّذِي لا يُهْتَدى إلى الخَلاصِ عَنْهُ ﴿وأمَرُّ﴾ وأشَدُّ مَرارَةً في الذَّوْقِ وهو اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ: وقِيلَ: أقْوى ولَيْسَ بِذاكَ وإظْهارُ السّاعَةِ في مَوْضِعِ إضْمارِها لِتَرْبِيَةِ تَهْوِيلِها ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ في هَلاكٍ ﴿وسُعُرٍ﴾ ونِيرانٍ مُسَعَّرَةٍ أوْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ ونِيرانٍ في الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ،

القمر 54:47

﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ هَذا تَمامَ عُقُوبَتِهِمْ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَذا مِن طَلائِعِهِ ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ أيْ أعْظَمُ داهِيَةً وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الفَظِيعُ الَّذِي لا يُهْتَدى إلى الخَلاصِ عَنْهُ ﴿وأمَرُّ﴾ وأشَدُّ مَرارَةً في الذَّوْقِ وهو اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ: وقِيلَ: أقْوى ولَيْسَ بِذاكَ وإظْهارُ السّاعَةِ في مَوْضِعِ إضْمارِها لِتَرْبِيَةِ تَهْوِيلِها ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ في هَلاكٍ ﴿وسُعُرٍ﴾ ونِيرانٍ مُسَعَّرَةٍ أوْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ ونِيرانٍ في الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ،

القمر 54:48

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ أيْ يُجَرُّونَ ﴿فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ أيْ يَوْمَ يُسْحَبُونَ يُقالُ لَهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمِقْدارٍ يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ أيْ يُعَذَّبُونَ، أوْ يُهانُونَ، أوْ نَحْوَهُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ عَلَيْهِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يُسْحَبُونَ ) وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا - بِذُوقُوا - عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُكَذِّبِينَ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكُفّارُكُمْ﴾ إلَخْ أيْ ذُوقُوا أيُّها المُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ يُسْحَبُ المُجْرِمُونَ المُتَقَدِّمُونَ، والمُرادُ حَشْرُهم مَعَهم والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في الآخِرَةِ كَما ساؤُوهم في الدُّنْيا وهو كَما تَرى، والمُرادُ - بِمَسِّ سَقَرَ - ألَمُها عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْهُ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّ مَسَّها سَبَبٌ لِلتَّألُّمِ بِها وتَعَلُّقُ الذَّوْقِ بِمِثْلِ ذَلِكَ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ، وفي الكَشّافِ ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ كَقَوْلِكَ وجَدَ مَسَّ الحُمّى وذاقَ طَعْمَ الضَّرْبِ لِأنَّ النّارَ إذا أصابَتْهم بِحَرِّهاوَلَحِقَتْهم بِإيلامِها فَكَأنَّها تَمَسُّهم مَسًّا بِذَلِكَ كَما يَمَسُّ الحَيَوانَ ويُباشِرُ بِما يُؤْذِي ويُؤْلِمُ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً نَحْوَ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدَ: 25] ويُحْتَمَلُ غَيْرُذَلِكَ، ( وسَقَرَ ) عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها بِبَرَكَةِ كَلامِهِ العَظِيمِ وحُرْمَةِ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ - مِن سَقَرْتُهُ لِلنّارِ وصَقَرْتُهُ بِإبْدالِ السِّينِ صادًا لِأجْلِ القافِ إذا لَوَّحَتْهُ وغَيَّرَتْ لَوْنَهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرَ الوَحْشِ: إذا ذابَتِ الشَّمْسُ اتَّقى صَقَراتِها بِأفْنانِ مَرْبُوعِ الصَّرِيمَةِ مُعْبِلِ وعَدَمُ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ إلى النّارِ، وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرو «مَسْ سَّقَرَ» بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ، وتَعَقَّبَذَلِكَ ابْنُ مُجاهِدٍ بِأنَّ إدْغامَهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ، والظَّنُّ بِأبِي عَمْرو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ ثُمَّ أدْغَمَ

القمر 54:49

﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فالقَدَرُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ الَّذِي يُقابِلُ القَضاءَ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ هو المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««جاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخاصِمُونَ صفحة 94 رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾»» وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««صِنْفانِ مِن أُمَّتِي لَيْسَ لَهُما في الإسْلامِ نَصِيبٌ المُرْجِئَةُ والقَدَرِيَّةُ»» أُنْزِلَتْ فِيهِمْ آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْرَهُ القَدَرِيَّةَ جِدًّا، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي يَحْيى الأعْرَجِ قالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ - وقَدْ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ - يَقُولُ: لَوْ أدْرَكْتُ بَعْضَهم لَفَعَلْتُ بِهِ كَذا وكَذا ثُمَّ قالَ: الزِّنا بِقَدَرٍ والسَّرِقَةُ بِقَدَرٍ وشُرْبُ الخَمْرِ بِقَدَرٍ. وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالقَدَرِ ؟ قالَ: اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ قالَ: ما تَصْنَعُ بِهِ ؟ قالَ: أخْنُقُهُ حَتّى أقْتُلَهُ، وقَدْ جاءَ ذَمُّهم في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ ومَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لا قَدَرَ إنْ مَرِضُوا فَلا تَعُودُوهم وإنْ ماتُوا فَلا تَشْهَدُوهم»» . وجُوِّزَ كَوْنُ المَعْنى إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُسْتَوْفًى فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّكْوِينِ، فالآيَةُ مِن بابِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانَ: 2] ونُصِبَ ( كُلَّ ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِرَفْعِ كُلَّ وهو عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( خَلَقْناهُ ) هو الخَبَرُ، و(بِقَدَرٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ بِقَدَرٍ ولا يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ خَلَقْناهُ صِفَةً، ويُجْعَلَ الخَبَرُ ( بِقَدَرٍ ) لِاخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى حِينَئِذٍ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ، وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَتَفاوَتُ المَعْنى لِأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ كَلُّ مَخْلُوقٍ سَواءٌ نَصَبْتَ ( كُلَّ ) أوْ رَفَعْتَهُ وسَواءٌ جَعَلْتَ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً مَعَ الرَّفْعِ، أوْ خَبَرًا عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِ خَلَقْنا كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ جَمِيعَ المُمْكِناتِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ واسْمُ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى كُلٍّ مِنها، وحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّ مَعْنى ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ عَلى أنَّ خَلَقْناهُ هو الخَبَرُ ( كُلَّ ) مَخْلُوقُ مَخْلُوقٍ ( بِقَدَرٍ ) وعَلى أنَّ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةُ ( كُلَ شَيْءٍ ) مَخْلُوقٌ كائِنٌ ( بِقَدَرٍ ) والمَعْنَيانِ واحِدٌ إذْ لَفْظُ ( كُلَّ ) في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمَخْلُوقاتِ سَواءٌ كانَ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً لَهُ أوْ خَبَرًا، وتَعَقَّبَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِأنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذْ جَعَلْنا ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً كانَ المَعْنى ( كُلَّ ) مَخْلُوقٌ مُتَّصِفٌ بِأنَّهُ مَخْلُوقُنا كائِنٌ بِقَدَرٍ، وعَلى هَذا لا يَمْتَنِعُ نَظَرًا إلى هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ هُناكَ مَخْلُوقاتٌ غَيْرُ مُتَّصِفَةٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلا تَنْدَرِجُ تَحْتَ الحُكْمِ، وأمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا أوْ نَصَبْنا ( كُلَ شَيْءٍ ) فَلا مَجالَ لِهَذا الِاحْتِمالِ نَظَرًا إلى نَفْسِ المَعْنى المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ فَقَدِ اخْتَلَفَ المَعْنَيانِ قَطْعًا ولا يُجْدِيهِ نَفْعًا أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ في الواقِعِ لِأنَّهُ إنَّما يُفْهَمُ مِن خارِجِ الكَلامِ ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ ولِكَوْنِ النَّصْبِ نَصًّا في المَقْصُودِ اتَّفَقَتِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ عَلَيْهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّقْدِيرِ وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ عَلى الرَّفْعِ المُوهِمِ لِخِلافِهِ وإنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ.

القمر 54:50

﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ ما شَأْنُنا إلّا فِعْلَةٌ واحِدَةٌ عَلى نَهْجٍ لا يَخْتَلِفُ ووَتِيرَةٍ لا تَتَعَدَّدُ وهي الإيجادُ بِلا مُعالَجَةٍ ومَشَقَّةٍ، أوْ ما أمْرُنا إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْ﴾ [البَقَرَةَ: 117] وغَيْرُها فالأمْرُ مُقابِلُ النَّهْيِ وواحِدِ الأُمُورِ، فَإذا أرادَ عَزَّ وجَلَّ شَيْئًا قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ أيْ في السَّيْرِ والسُّرْعَةِ، وقِيلَ: هَذا في قِيامِ السّاعَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [النَّحْلَ: 77].

القمر 54:51

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ أشْباهَكم في الكُفْرِ صفحة 95 مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأصْلُهُ جَمْعُ شِيعَةٍ وهم مَن يَتَقَوّى بِهِمُ المَرْءُ مِنَ الأتْباعِ ولَمّا كانُوا في الغالِبِ مَن جِنْسٍ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ إمّا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، والحالُ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: هو باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ أتْباعَكم ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ مُتَّعِظٍ بِذَلِكَ

القمر 54:52

﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْأشْياعِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وجُمْلَةُ ( فَعَلُوهُ ) صِفَةُ ( شَيْءٍ ) والرّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( في الزُّبُرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الدُّنْيا مَكْتُوبٌ في كُتُبِ الحَفَظَةِ غَيْرُ مَغْفُولٍ عَنْهُ، وتَفْسِيرُ ( الزُّبُرِ ) بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما حَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في رَفْعِ ( كُلُّ ) ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ فَلا يَجُوزُ النَّصْبُ لِعَدَمِ بَقاءِ المَعْنى الحاصِلِ بِالرَّفْعِ لَوْ عَمِلَ المُشْتَغِلُ بِالضَّمِيرِ في الِاسْمِ السّابِقِ كَما هو اللّازِمُ في ذَلِكَ البابِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ها هُناحِينَئِذٍ فَعَلُوا في الزُّبُرِكُلَّ شَيْءٍ إنْ عَلَّقْنا الجارَّ - يَفْعَلُوا وهم لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن أفْعالِهِمْ في الكُتُبِ بَلْ فَعَلَوْها في أماكِنِهِمْ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَتَبُوها عَلَيْهِمْ في الكُتُبِ، أوْ فَعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ في الزُّبُرِإنْ جَعَلْنا الجارَّ نَعْتًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْنًى مُسْتَقِيمًا إلّا أنَّهُ خِلافُ المَعْنى المَقْصُودِ حالَةَ الرَّفْعِ وهو ما تَقَدَّمَ آنِفًا

القمر 54:53

﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: مِنها ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ مَسْطُورٌ مُكْتَتَبٌ في اللَّوْحِ بِتَفاصِيلِهِ وهو مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى الكَتْبِ، ويُقالُ: سَطَرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنى، وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «مُسْتَطَرٌّ» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِعِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن - طَرَّ - النَّباتَ والشّارِبَ إذا ظَهَرَ، والمَعْنى كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ( جَعْفَرٌّ ويَفْعَلُّ ) - بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا أيْ ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ مُسْتَفْعَلٌ وعَلى الثّانِي مُفْتَعَلٌ، ولَمّا كانَ بَيانُ حالِ سُوءِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلَخْ

القمر 54:54

مِمّا يَسْتَدْعِي بَيانَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَكافَأ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما لَهم مِن حُسْنِ الحالِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ. ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ ﴿ونَهَرٍ﴾ أيْ أنْهارٍ كَذَلِكَ، والإفْرادُ لِلِاكْتِفاءِ بِاسْمِ الجِنْسِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالسِّعَةِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ - كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ - أوْ قَيْسِ بْنِ الخَطِيبِ - كَما في البَحْرِ - يَصِفُ طَعْنَةً: مَلَكْتُ بِها كَفِّيَ فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها أيْ أوْسَعْتُ فَتْقَها، والمُرادُ بِالسِّعَةِ سِعَةُ المَنازِلِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: سَعَةُ الرِّزْقِ والمَعِيشَةِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُما وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ﴿ونَهَرٍ﴾ أيْ في نُورٍ وضِياءٍ وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ الضِّياءِ المُنْتَشِرِ بِالماءِ المُتَدَفِّقِ مِن مَنبَعِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهارِعَلى الحَقِيقَةِ، والمُرادُ أنَّهم لا ظُلْمَةَ ولا لَيْلَ عِنْدَهم في الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ «ونَهْرٍ» بِسُكُونِ الهاءِ، وهو بِمَعْنى «نَهَرٍ» مَفْتُوحِها، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو نُهَيْكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ «ونُهُرٍ» بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، وهو جَمْعُ نَهْرٍ المَفْتُوحِ أوِ السّاكِنِ - كَأسَدٍ وأُسُدٍ، ورَهْنٍ ورُهُنٍ - وقِيلَ: جَمْعُ نَهارٍ، والمُرادُ أنَّهم لا ظُلْمَةَ ولا لَيْلَ صفحة 96 عِنْدَهم كَما حُكِيَ فِيما مَرَّ، وقِيلَ: قُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ

القمر 54:55

﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مَكانٍ مَرْضِيٍّ عَلى أنَّ الصِّدْقَ مَجازٌ مُرْسَلٌ في لازِمِهِأوِ اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ صِدْقُ المُبَشَّرِ بِهِ وهو اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوِ المُرادُ أنَّهُ نالَهُ مَن نالَهُ بِصِدْقِهِ وتَصْدِيقِهِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَدَحَ المَكانَ بِالصِّدْقِ فَلا يَقْعُدُ فِيهِ إلّا أهْلُ الصِّدْقِ، وهو المَقْعَدُ الَّذِي يُصْدِقُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مَواعِيدَ أوْلِيائِهِ بِأنَّهُ يُبِيحُ عَزَّ وجَلَّ لَهُمُ النَّظَرَ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وإفْرادُ المَقْعَدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ. وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ - في مَقاعِدَ - عَلى الجَمْعِ وهي تُوَضِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَقْعَدِ المَقاعِدُ ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ أيْ مَلِكٍ عَظِيمِ المُلْكِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ ولَيْسَتِ الياءُمِنَ الإشْباعِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَظِيمِ القُدْرَةِ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ صِفَةٌ لِمَقْعَدِ صِدْقٍ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والعِنْدِيَّةُ لِلْقُرْبِ الرُّتْبِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ سُبْحانَهُ أبْهَمَ العِنْدِيَّةَ والقُرْبَ ونَكَّرَ - مَلِيكًا، ومُقْتَدِرًا - لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُلْكَهُ تَعالى وقُدْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ لا تَدْرِي الأفْهامُ كُنْهَهُما وأنَّ قُرْبَهم مِنهُ سُبْحانَهُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ السَّعادَةِ والكَرامَةِ بِحَيْثُ لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ مِمّا يَجِلُّ عَنِ البَيانِ وتَكِلُّدُونَهُ الأذْهانُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ إلَخْ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ عَلى الجَبّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وقَدْ جَلَسَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم مَجْلِسَهُ الَّذِي هو مَجْلِسُهُ عَلى مَنابِرِ الدُّرِّ والياقُوتِ والزُّمُرُّدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالأعْمالِ فَلا تَقَرُّ أعْيُنُهم قَطُّ كَما تَقَرُّ بِذَلِكَ ولَمْ يَسْمَعُوا شَيْئًا أعْظَمَ مِنهُ ولا أحْسَنَ مِنهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلى رِحالِهِمْ قَرِيرَةً أعْيُنُهم ناعِمِينَ إلى مِثْلِها مِنَ الغَدِ» - وإذا صَحَّ هَذا فَهو مِنَ المُتَشابَهِ كالآيَةِ فَلا تَغْفُلْ، ولِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ شَأْنٌ في اسْتِجابَةِ الدُّعاءِعَلى ما في بَعْضِ الآثارِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ وأنا أرى أنِّي أصْبَحْتُ فَإذا عَلَيَّ لَيْلٌ طَوِيلٌ ولَيْسَ فِيهِ أحَدٌ غَيْرِي فَنِمْتُ فَسَمِعْتُ حَرَكَةً خَلْفِي فَفَزِعْتُ فَقالَ: أيُّها المُمْتَلِئُ قَلْبُهُ فَرَقًا لا تَفْرَقْ أوْ لا تَفْزَعْ وقُلِ اللَّهُمَّ إنَّكَ مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ ما تَشاءُ مِن أمْرٍ يَكُونُ ثُمَّ سَلْ ما بَدا لَكَ قالَ: فَما سَألْتُ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إلّا اسْتَجابَ لِي وأنا أقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ ما تَشاءُ مِن أمْرٍ يَكُونُ فَأسْعِدْنِي في الدّارَيْنِ وكُنْ لِي ولا تَكُنْ عَلَيَّ وانْصُرْنِي عَلى مَن بَغى عَلَيَّ وأعِذْنِي مِن هَمِّ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجالِ وشَماتَةِ الأعْداءِ، وصَلِّ اللَّهُمَّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.