Tafsir Al-Alusi — المنافقون 63:1 – التحريم 66:12
المحتويات
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
المنافقون 63:1
سُورَةُ المُنافِقُونَ
مَدَنِيَّةٌ وعَدَدُ آياتِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ووَجْهُ اتِّصالِها أنَّ سُورَةَ الجُمُعَةِ ذُكِرَ فِيها المُؤْمِنُونَ، وهَذِهِ ذُكِرَ فِيها أضْدادُهم وهُمُ المُنافِقُونَ، ولِهَذا أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فَيُحَرِّضُ بِها المُؤْمِنِينَ. وفي الثّانِيَةِ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ فَيُقَرِّعُ بِها المُنافِقِينَ»، وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبُ الِانْفِضاضِ عَنْ سَماعِ الخُطْبَةِ رُبَّما كانَ حاصِلًا عَنِ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهم ناسٌ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ لِسُرُورِهِمْ بِالعِيرِ الَّتِي قَدِمَتْ بِالمِيرَةِ إذْ كانَ الوَقْتُ وقْتَ مَجاعَةٍ ذَكَرَ المُنافِقِينَ وما هم عَلَيْهِ مِن كَراهَةِ أهْلِ الإيمانِ وأتْبَعَ بِقَبائِحِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ أيْ حَضَرُوا مَجْلِسَكَ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ التَّأْكِيدُ بِأنَّ واللّامِ لِلازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو عِلْمُهم بِهَذا الخَبَرِ المَشْهُودِ بِهِ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَ الشَّهادَةِ، ويَدُلُّ عَلى ادِّعائِهِمْ فِيها المُواطَأةَ وإنْ كانَتْ في نَفْسِها تَقَعُ عَلى الحَقِّ والزُّورِ والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ حَقِيقَةً بِشَأْنِ الخَبَرِ، أوْ لَيْسَ إلّا لِيُوافِقَ صَنِيعَهم، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اعْتِراضًا لِإماطَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ مِن رُجُوعِ التَّكْذِيبِ إلى نَفْسِ الخَبَرِ المَشْهُودِ بِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِنَ التَّتْمِيمِ لَطِيفُ المَسْلَكِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:
وتَحْتَقِرُ الدُّنْيا احْتِقارَ مُجَرِّبٍ تَرى كُلَّ ما فِيها وحاشاكَ فانِيا
فالتَّكْذِيبُ راجِعٌ إلى ﴿نَشْهَدُ﴾ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ وهو دَعْوى المُواطَأةِ في الشَّهادَةِ أيْ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمَّنُوهُ قَوْلَهم: ﴿نَشْهَدُ﴾ مِن دَعْوى المُواطَأةِ وتَوافُقِ اللِّسانِ والقَلْبِ في هَذِهِ
صفحة 109
الشَّهادَةِ، وقَدْ يُقالُ: الشَّهادَةُ خَبَرٌ خاصٌّ وهو ما وافَقَ فِيهِ اللِّسانُ القَلْبَ، وأمّا شَهادَةُ الزُّورِ فَتَجُوزُ كَإطْلاقِ البَيْعِ عَلى غَيْرِ الصَّحِيحِ فَهم كاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَشْهَدُ﴾ المُتَفَرِّعِ عَلى تَسْمِيَةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ شَهادَةً، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ لَكاذِبُونَ في تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ شَهادَةً فَلا تَغْفُلْ.
وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ في تَحَقُّقِ كَذِبِهِمْ إلى ادِّعائِهِمُ المُواطَأةَ ضِمْنًا لِأنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمُواطِئِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ بِاعْتِبارِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو بِمَعْنى رُجُوعِهِ إلى الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما عِنْدَهم أيْ لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ كَذِبٌ وخَبَرٌ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ حالُ المُخْبَرِ عَنْهُ، قِيلَ: وعَلى هَذا الكَذِبِ هو الشَّرْعِيُّ اللّاحِقُ بِهِ الذَّمُّ ألا تَرى أنَّ المُجْتَهِدِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى الكَذِبِ وإنْ نُسِبُوا إلى الخَطَأِ.
وجَوَّزَ العَلّامَةُ الثّانِي أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى حَلِفِ المُنافِقِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ مِن حَوْلِهِ و﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المُنافِقُونَ: 7، 8] لِما ذُكِرَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في غَزاةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ ولَوْ رَجَعْنا مِن عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ فَحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوا: فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَدَّقَهُ فَأصابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ في البَيْتِ فَقالَ لِي عَمِّي: ما أرَدْتُ إلى أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَقَتَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ فَبَعَثَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ صَدَقَكَ يا زَيْدُ»» .
وجَوَّزَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّ المُنافِقِينَ شَأْنُهُمُ الكَذِبُ وإنْ صَدَقُوا في هَذا الخَبَرِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَتِمُّ لِلنِّظامِ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ صِدْقَ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ خَطَأً وكَذِبُهُ عَدَمَها، وإظْهارُ المُنافِقِينَ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والكَلامِ في ”إذا“ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ آنِفًا.
المنافقون 63:2
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيِ الكاذِبَةَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الإضافَةُ ﴿جُنَّةً﴾ أيْ وِقايَةً عَمّا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِالقَتْلِ أوِ السَّبْيِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ قالَ قَتادَةُ: كُلَّما ظَهَرَ عَلى شَيْءٍ مِنهم يُوجِبُ مُؤاخَذَتَهم حَلَفُوا كاذِبِينَ عِصْمَةً لِأمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ تَعْدادًا لِقَبائِحِهِمْ وأنَّهم مِن عادَتِهِمُ الِاسْتِجْنانُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ كَما اسْتَجَنُّوا بِالشَّهادَةِ الكاذِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأيْمانِهِمْ شَهادَتُهُمُ السّابِقَةُ، والشَّهادَةُ وأفْعالُ العِلْمِ واليَقِينِ أجْرَتْها العَرَبُ مَجْرى القَسَمِ وتَلَقَّتْها بِما يُتَلَقّى القَسَمُ، ويُؤَكَّدُ بِها الكَلامُ كَما يُؤَكَّدُ بِهِ، فَلِهَذا يُطْلَقُ عَلَيْها اليَمِينُ، وبِهَذا اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ أشْهَدُ يَمِينٌ، واعْتَرَضَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ غايَةَ ما في الآيَةِ أنَّهُ سُمِّيَ يَمِينًا، والكَلامُ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِذَلِكَ لا في إطْلاقِ الِاسْمِ، ولَيْسَ كُلُّ ما يُسَمّى يَمِينًا تَجِبُ فِيهِ الكَفّارَةُ، فَلَوْ قالَ: أحْلِفُ عَلى كَذا لا تَجِبُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، وإنْ كانَ حَلِفًا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ القائِلِينَ، والكَلامُ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ يَدُلُّ عَلى فائِدَةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَهم مَعَ الذَّمِّ البالِغِ بِما عَقَبَهُ، وقِيلَ: إنَّ ”اتَّخَذُوا“ جَوابُ ”إذا“ وجُمْلَةُ ”قالُوا“ السّابِقَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا وتَقْدِيرُ جَوابٍ - لِإذا - وقالَ الضَّحّاكُ: أيِ اتَّخَذُوا حَلِفَهم بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم جُنَّةً عَنِ القَتْلِ أوِ السَّبْيِ أوْ نَحْوِهِما مِمّا يُعامَلُ بِهِ
صفحة 110
الكُفّارُ. ومِن هُنا أخَذَ الشّاعِرُ قَوْلَهُ:
وما انْتَسَبُوا إلى الإسْلامِ إلّا لِصَوْنِ دِمائِهِمْ أنْ لا تُسالا
وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا ذَلِكَ جُنَّةً مِن تَرْكِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ إذا ماتُوا، وهو كَما تَرى وكَذا ما قَبْلَهُ.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ مَن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ الإسْلامِ أوْ مَن أرادَ فِعْلَ طاعَةٍ مُطْلَقًا عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أوْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ حَقِيقَةً عَلى أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ عَلى ما قِيلَ: اسْتِمْرارُهم عَلى ذَلِكَ، وحَمَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأيْمانَ عَلى ما يَعُمُّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الشَّهادَةِ، ثُمَّ قالَ: واتِّخاذُها جُنَّةً عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَتَخَلَّصُوا عَنِ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ واتِّخاذُ الجُنَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المُؤاخَذَةِ، وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ في ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ مَن أرادَ الإسْلامَ أوِ الإنْفاقَ كَما سَيُحْكى عَنْهم، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الصَّدَّ مُتَقَدِّمٌ عَلى حَلِفِهِمْ، وقُرِئَ - أيْ قَرَأ الحَسَنُ - «إيمانَهم» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيِ الَّذِي أظْهَرُوهُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فاتِّخاذُهُ جُنَّةً عِبارَةٌ عَنِ اسْتِعْمالِهِ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ وِقايَةٌ دُونَ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا﴾ فاسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الصُّدُودِ والإعْراضِ عَنْ سَبِيلِهِ تَعالى. انْتَهى، وفِيهِ ما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ فَتَأمَّلْ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ النِّفاقِ وما يَتْبَعُهُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ”ساءَ“ غَيْرَ مَرَّةٍ
المنافقون 63:3
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ النّاعِي عَلَيْهِمْ أنَّهم أسْوَأُ النّاسِ أعْمالًا أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ في النِّفاقِ والكَذِبِ والِاسْتِجْنانِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ أوِ الإيمانِ الصُّورِيِّ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ إشارَةً إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى ساءَ عَمَلُهم ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبٍ أنَّهم ﴿آمَنُوا﴾ أيْ نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ كَسائِرِ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ظَهَرَ كُفْرُهم وتَبَيَّنَ بِما اطُّلِعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ حَمِيرٌ، وقَوْلِهِمْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أيَطْمَعُ هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ كِسْرى وقَيْصَرَ هَيْهاتَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و«ثُمَّ» عَلى ظاهِرِها، أوْ لِاسْتِبْعادِ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، أوْ ثُمَّ أسَرُّوا الكُفْرَ - فَثُمَّ - لِلِاسْتِبْعادِ لا غَيْرَ، أوْ نَطَقُوا بِالإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ نَطَقُوا بِالكُفْرِ عِنْدَ شَياطِينِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ، وقِيلَ: الآيَةُ في أهْلِ الرِّدَّةِ مِنهم.
﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَتّى يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ حَقِيقَةَ الإيمانِ أصْلًا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «فَطَبَعَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلُ - أيْ فَطَبَعَ هو - أيْ تِلْعابُهم بِالدِّينِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأ فَطَبَعَ اللَّهُ مُصَرِّحًا بِالِاسْمِ الجَلِيلِ، وكَذا قَرَأ الأعْمَشُ
المنافقون 63:4
﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ لِصَباحَتِها وتَناسُبِ أعْضائِها ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لِفَصاحَتِهِمْ وذَلاقَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحَلاوَةِ كَلامِهِمْ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أمْثالِهِ كالجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ومُتْعِبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ يَعْجَبُونَ مِن هَياكِلِهِمْ ويَسْمَعُونَ لِكَلامِهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِكْرِمَةَ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ - يُسْمَعُ -بِالياءِ
صفحة 111
التَّحْتِيَّةِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا أبْلَغُ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ أجْسامَهم إذا أعْجَبَتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأوْلى أنْ تُعْجِبَ غَيْرَهُ وكَذا السَّماعُ لِقَوْلِهِمْ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ﴾ والسَّماعُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإصْغاءِ فَلَيْسَتِ اللّامُ زائِدَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِذَمِّهِمْ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم كَأنَّهم إلَخْ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ أيْضًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ صالِحٌ لِلِاسْتِئْنافِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿لِقَوْلِهِمْ﴾ أيْ تَسْمَعُ لِما يَقُولُونَ مُشَبَّهِينَ بِخُشُبٍ مُسَنَّدَةٍ كَما في قَوْلِهِ:
فَقُلْتُ عَسى أنْ تُبْصِرِينِي كَأنَّما بُنِيَ حَوالَيَّ الأُسُودُ الحَوادِرُ
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحالِيَّةَ تُفِيدُ أنَّ السَّماعَ لِقَوْلِهِمْ لِأنَّهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، و”خُشُبٌ“ جَمْعُ خَشَبَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، والمُرادُ بِهِ ما هو المَعْرُوفُ شُبِّهُوا في جُلُوسِهِمْ مَجالِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَنِدِينَ فِيها وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ بِخُشُبٍ مَنصُوبَةٍ مُسَنَّدَةٍ إلى الحائِطِ في كَوْنِهِمْ أشْباحًا خالِيَةً عَنِ الفائِدَةِ لِأنَّ الخُشُبَ تَكُونُ مُسَنَّدَةً إذا لَمْ تَكُنْ في بِناءٍ أوْ دِعامَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحِيطانِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ وقِلَّةِ جَدْواهم، وفي مِثْلِهِمْ قالَ الشّاعِرُ:
لا يَخْدَعَنَّكَ اللِّحى ولا الصُّوَرُ ∗∗∗ تِسْعَةُ أعْشارِ مَن تَرى بَقَرُ
تَراهم كالسَّحابِ مُنْتَشِرًا ∗∗∗ ولَيْسَ فِيها لِطالِبٍ مَطَرُ
فِي شَجَرِ السَّرْوِ مِنهم شَبَهٌ ∗∗∗ لَهُ رُواءٌ وما لَهُ ثَمَرُ
وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ والنَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ «خُشْبٌ» بِإسْكانِ الشِّينِ تَخْفِيفَ خُشُبٍ المَضْمُومِ، ونَظِيرُهُ بَدَنَةٌ وبُدْنٌ، وقِيلَ: جَمْعُ خَشْباءَ كَحُمُرٍ وحَمْراءَ، وهي الخَشَبَةُ الَّتِي نُخِرَ جَوْفُها شُبِّهُوا بِها في فَسادِ بَواطِنِهِمْ لِنِفاقِهِمْ، وعَنِ اليَزِيدِيِّ حَمَلَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالضَّمِّ عَلى ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعَلاءَ لا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ، ومِنهُ يُعْلَمُ ضَعْفُ القِيلِ إذِ الأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ جُبَيْرٍ «خَشَبٌ» بِفَتْحَتَيْنِ كَمَدْرَةٍ ومَدَرٍ وهو اسْمُ جِنْسٍ عَلى ما في البَحْرِ، ووَصْفُهُ بِالمُؤَنَّثِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةَ: 7] ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ واقِعَةً عَلَيْهِمْ ضارَّةً لَهم لِجُبْنِهِمْ وهَلَعِهِمْ فَكانُوا كَما قالَ مُقاتِلٌ: مَتى سَمِعُوا بِنِشْدانِ ضالَّةٍ أوْ صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ طارَتْ عُقُولُهم وظَنُّوا ذَلِكَ إيقاعًا بِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا عَلى وجَلٍ مِن أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ ما يَهْتِكُ أسْتارَهم ويُبِيحُ دِماءَهم وأمْوالَهم ومِنهُ أخَذَ جَرِيرٌ قَوْلَهُ يُخاطِبُ الأخْطَلَ:
ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكُرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالا
وكَذا المُتَنَبِّي قَوْلَهُ:
وضاقَتِ الأرْضُ حَتّى ظَنَّ هارِبُهم ∗∗∗ إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلا
والوَقْفُ عَلى ”عَلَيْهِمْ“ الواقِعِ مَفْعُولًا ثانِيًا - لِيَحْسَبُونِ - وهو وقْفٌ تامٌّ كَما في الكَواشِيِّ، وعَلَيْهِ كَلامُ الواحِدِيِّ،
صفحة 112
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ اسْتِئْنافٌ أيْ هُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ والرّاسِخُونَ فِيها فَإنَّ أعْدى الأعادِي العَدُوُّ المُداجِي الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ كَكَثِيرٍ مِن أبْناءِ الزَّمانِ ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ لِكَوْنِهِمْ أعْدى الأعادِي ولا تَغْتَرَّنَّ بِظاهِرِهِمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ صِلَةَ ﴿صَيْحَةٍ﴾ و﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ والمَفْعُولُ الثّانِي - لِيَحْسَبُونِ - كَما لَوْ طُرِحَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى أنَّهم يَحْسُبُونَ الصَّيْحَةَ نَفْسَ العَدُوِّ، وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ هو أوْ هي العَدُوُّ لَكِنَّهُ أتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ المَجْمُوعِ لِمُراعاةِ مَعْنى الخَبَرِ أعْنِي العَدُوَّ بِناءً عَلى أنَّهُ يَكُونُ جَمْعًا ومُفْرَدًا وهو هُنا جَمْعٌ، وفِيهِ أنَّهُ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ جِدًّا لا حاجَةَ إلَيْهِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ لا يَخْلُو عَنْ بَلاغَةٍ ولُطْفٍ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ تَرَتُّبُ ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ لِأنَّ التَّحْذِيرَ مِنهم يَقْتَضِي وصْفَهم بِالعَداوَةِ لا بِالجُبْنِ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ لَعَنَهم وطَرَدَهم فَإنَّ القَتْلَ قُصارى شَدائِدِ الدُّنْيا وفَظائِعِها، وكَذَلِكَ الطَّرْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى والبُعْدُ عَنْ جَنابِهِ الأقْدَسِ مُنْتَهى عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وغايَةُ نَكالِهِ جَلَّ وعَلا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والكَلامُ دُعاءٌ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ سُبْحانَهُ أنْ يَلْعَنَهم ويَطْرُدَهم مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وهو مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ فَلا يَكُونُ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ يَفُوتُ بِهِ نَضارَةُ الكَلامِ، أوْ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَهو عَلى مَعْنى قُولُوا: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطَّلَبِ في شَيْءٍ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ وُقُوعَ اللَّعْنِ بِهِمْ مُقَرَّرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قاتَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةُ ذَمٍّ وتَوْبِيخٍ، وتَسْتَعْمِلُها العَرَبُ في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى لَعْنٍ، والمَشْهُورُ تَعْقِيبُها بِالتَّعَجُّبِ نَحْوَ قاتَلَهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ .
﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ ؟ فَأنّى ظَرْفٌ مُتَضَمِّنٌ لِلِاسْتِفْهامِ مَعْمُولٌ لِما بَعْدَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ظَرْفًا - لِقاتَلَهم - ولَيْسَ هُناكَ اسْتِفْهامٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ”أنّى“ لا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ أصْلًا، فالقَوْلُ بِذَلِكَ باطِلٌ.
المنافقون 63:5
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ عَطَفُوها وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والإعْراضِ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ يُعْرِضُونَ عَنِ القائِلِ أوْ عَنِ الِاسْتِغْفارِ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ.
رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا صَدَّقَ اللَّهُ تَعالى زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِ ابْنِ أُبَيٍّ مَقَتَ النّاسُ ابْنَ أُبَيٍّ ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مِن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضُهم لَهُ: امْضِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ فَلَوى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَّأْيِ، وقالَ لَهم: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُّجُودِ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «تُبْ» فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ إلَخْ»، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدٍ بَعْدَ نَقْلِ القِصَّةِ إلى أنْ قالَ: «حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقِيَ في ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ ما نَصُّهُ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم فَلَوَوْا رُؤُوسَهم»، فَجَمْعُ الضَّمائِرِ: إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مِن بابِ بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإذا عَلى ما مَرَّ، ويَسْتَغْفِرْ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، ورَسُولُ اللَّهِ
صفحة 113
فاعِلٌ لَهُ، والكَلامُ عَلى ما في البَحْرِ مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّ رَسُولُ اللَّهِ يَطْلُبُهُ عامِلانِ: يَسْتَغْفِرْ وتَعالَوْا فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ ولَوْ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ تَعالَوْا يُسْتَغْفَرْ لَكم إلى رَسُولِ اللَّهِ، وجُمْلَةُ ﴿يَصُدُّونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وأتَتْ بِالمُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، ومِثْلُها في الحالِيَّةِ جُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ ونافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والمُفَضَّلُ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ والحَسَنِ ويَعْقُوبَ - بِخِلافٍ عَنْهُما - «لَوَوْا» بِتَخْفِيفِ الواوِ، والتَّشْدِيدُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ لِلتَّكْثِيرِ،
المنافقون 63:6
ولَمّا نَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ إباءَهم عَنِ الإتْيانِ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْراضَهم واسْتِكْبارَهم أشارَ عَزَّ وجَلَّ إلى عَدَمِ فائِدَةِ الِاسْتِغْفارِ لَهم لِما عَلِمَ سُبْحانَهُ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ واخْتِيارِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَهو لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم وعَدَمِهِ، والمُرادُ الإخْبارُ بِعَدَمِ الفائِدَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وتَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الفِسْقِ الخارِجِينَ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِصْلاحِ المُنْهَمِكِينَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ بِأنْواعِ القَبائِحِ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ فَرْعُ الهِدايَةِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ إمّا المُحَدَّثُ عَنْهم بِأعْيانِهِمْ. والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في الفِسْقِ والإشارَةُ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ أوِ الجِنْسِ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والآيَةُ في ابْنِ أُبَيٍّ كَسَوابِقِها - كَما سَمِعْتَ - ولَواحِقِها - كَما صَحَّ - وسَتَسْمَعُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والِاسْتِغْفارُ لَهم قِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مَجِيئِهِمْ تائِبِينَ مُعْتَذِرِينَ مِن جِناياتِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ قَدِ اعْتُبِرَ في جانِبِ الأمْرِ الَّذِي جُزِمَ في جَوابِهِ الفِعْلُ وإلّا فَمُجَرَّدُ الإتْيانِ لا يَظْهَرُ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلِاسْتِغْفارِ، ويُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في خَبَرِ ابْنِ جُبَيْرٍ لِابْنِ أُبَيٍّ: «تُبْ» وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ عَلى تَقْدِيرِ الإصْرارِ عَلى القَبائِحِ والِاسْتِكْبارِ وتَرْكِ الِاعْتِذارِ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم تَوْبَةٌ لَمْ يَكُنْ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتِغْفارٌ لَهم.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّهُ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهم لِأنَّهم أظْهَرُوا لَهُ الإسْلامَ أيْ بَعْدَ ما صَدَرَ مِنهم ما صَدَرَ بِالتَّوْبَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ بَراءَةٍ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ﴾ [التَّوْبَةَ: 80] إلَخْ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أسْمَعُ رَبِّي قَدْ رَخَّصَ لِي فِيهِمْ فَواللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَهم أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَ لَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾»» إلَخْ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ وإذا صَحَّ هَذا لَمْ يَتَأتَّ القَوْلُ بِأنَّ بَراءَةً بِأسْرِها آخِرُ ما نَزَلَ ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِالتِزامِهِ إلّا إنْ صَحَّ نَقْلٌ غَيْرُ قابِلٍ لِلتَّأْوِيلِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أنَّ المُرادَ بِالعَدَدِ هُناكَ التَّكْثِيرُ دُونَ التَّحْدِيدِ لِيَكُونَ حُكْمُ الزّائِدِ مُخالِفًا لِحُكْمِ المَذْكُورِ فَيَكُونُ المُرادُ بِالآيَتَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى واحِدًا وهو عَدَمُ المَغْفِرَةِ لَهم مُطْلَقًا، والآيَةُ الأُولى - فِيما اخْتارَ - نَزَلَتْ في اللّامِزِينَ كَما سَمِعْتَ هُناكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الأوْفَقُ بِالسِّياقِ، وهَذِهِ نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ويَجْمَعُ الطّائِفَتَيْنِ النِّفاقُ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ مَعَ اخْتِلافِ أعْيانِ الَّذِينَ نَزَلَتا فِيهِمْ، ثُمَّ إنِّي لَمْ أقِفْ في شَيْءٍ مِمّا أُعَوِّلُ عَلَيْهِ عَلى أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ كانَ مَرِيضًا إذْ ذاكَ، ورَأيْتُ في خَبَرٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ بِأيّامٍ قَلائِلَ اشْتَكى واشْتَدَّ وجَعُهُ، وفِيهِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بِشَفاعَةِ ولَدِهِ: حاجَتِي إذا
صفحة 114
أنا مُتُّ أنْ تَشْهَدَ غَسْلِي وتُكَفِّنَنِي في ثَلاثَةِ أثْوابٍ مِن أثْوابِكَ وتَمْشِيَ مَعَ جِنازَتِي وتُصَلِّي عَلَيَّ فَفَعَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التَّوْبَةَ: 84] ولا يُشْكِلُ الِاسْتِغْفارُ إنْ كانَ قَدْ وقَعَ لِأحَدٍ مِنَ المُنافِقِينَ بَعْدَ نُزُولِ ما يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ إذْ لا يَتَعَيَّنُ انْدِراجُ كُلٍّ مِنهم إلّا بِتَبَيُّنِ أنَّهُ بِخُصُوصِهِ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ كَأنْ يَمُوتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُنا هو الَّذِي ظَهَرَ لِي بَعْدَ كِتابَةِ ما كَتَبْتُ في آيَةِ بَراءَةٍ، والمَقامُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى تَحْقِيقٍ فَراجِعْ وتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ -آسْتَغْفَرْتَ - مَدَّةً عَلى الهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي عِوَضٌ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ، وهي مِثْلُ المَدَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ“ [الأنْعامَ: 143، 144] لَكِنَّ هَذِهِ المَدَّةَ في الِاسْمِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الِاسْتِفْهامُ بِالخَبَرِ ولا يُحْتاجُ ذَلِكَ في الفِعْلِ لِأنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ فِيهِ مَكْسُورَةٌ، وعَنْهُ أيْضًا ضَمُّ مِيمِ «عَلَيْهِمُ» إذْ أصْلُها الضَّمُّ ووَصْلُ الهَمْزَةِ ورَوى مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ العَنْبَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو كَسْرَ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ووَصْلَ الهَمْزَةِ فَتَسْقُطُ في القِراءَتَيْنِ واللَّفْظُ خَبَرٌ والمَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ حَذْفُ الهَمْزَةِ ثِقَةً بِدَلالَةِ ”أمْ“ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ:
بِسُبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانٍ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «آسْتَغْفَرْتَ» إشْباعًا لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإظْهارِ والبَيانِ لا قَلْبًا لِهَمْزَةِ الوَصْلِ ألِفًا كَما في «آلسِّحْرِ» و«آللَّهِ» وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: بِمَدَّةٍ عَلى الهَمْزَةِ وهي ألِفُ التَّسْوِيَةِ.
وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزَةٍ عَلى الخَبَرِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عَنْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثّانِيَةِ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِّعْرِ
المنافقون 63:7
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ ما يَدُلُّ عَلى فِسْقِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذاكَ مُعَلَّلٌ بِما قَبْلَ، والقائِلُ رَأْسُ المُنافِقِينَ ابْنُ أُبَيٍّ وسائِرُهم راضُونَ بِذَلِكَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ مَعَنا ناسٌ مِنَ الأعْرابِ فَكُنّا نَبْتَدِرُ الماءَ وكانَ الأعْرابُ يَسْبِقُونا إلَيْهِ فَيَسْبِقُ الأعْرابِيُّ أصْحابَهُ فَيَمْلَأُ الحَوْضَ ويَجْعَلُ حَوْضَهُ حِجارَةً ويَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتّى يَجِيءَ أصْحابُهُ فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أعْرابِيًّا فَأرْخى زِمامَ ناقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأبى أنْ يَدَعَهُ فانْتَزَعَ حَجَرًا فَفاضَ فَرَفَعَ الأعْرابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ رَأْسَ الأنْصارِيِّ فَشَجَّهُ فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ فَأخْبَرَهُ وكانَ مِن أصْحابِهِ فَغَضِبَ، وقالَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ مِن حَوْلِهِ يَعْنِي الأعْرابَ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى المَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَ زَيْدٌ: وأنا رِدْفُ عَمِّيَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُ عَمِّي فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَلَفَ وجَحَدَ وصَدَّقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذَّبَنِي فَجاءَ عَمِّي إلَيَّ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلى أنْ مَقَتَكَ وكَذَّبَكَ المُسْلِمُونَ فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الهَمِّ ما لَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ قَطُّ فَبَيْنا أنا أسِيرُ وقَدْ خَفَضْتُ رَأْسِيَ مِنَ الهَمِّ إذْ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَحِقَنِي فَقالَ: ما قالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ قُلْتُ: ما قالَ لِي شَيْئًا إلّا أنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي فَقالَ: أبْشِرْ فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 115
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾» وقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ البُخارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قائِلٌ ذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، والأخْبارُ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتِلْكَ الغَزاةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها زَيْدٌ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزاةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وفي الكَشّافِ خَبَرٌ طَوِيلٌ في القِصَّةِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم عَنَوْا بِمَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ -بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أيْ بِهَذا اللَّفْظِ وقَعَ مِنهم ولا يَأْباهُ كُفْرُهم لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ تَهَكُّمًا أوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى صارَ كالعَلَمِ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ إلّا الذّاتُ، ويُحْتَمَلْ أنَّهم عَبَّرُوا بِغَيْرِ هَذِهِ العِبارَةِ فَغَيَّرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إجْلالًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإكْرامًا، والِانْفِضاضُ التَّفَرُّقُ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ كَيْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَصْحَبُوهُ.
وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرَّقّاشِيُّ «يَنْفُضُوا» مِن أنْفَضَ القَوْمُ فَنِيَ طَعامُهم فَنَفَضَ الرَّجُلُ وِعاءَهُ، والفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِغَيْرِ الهَمْزَةِ وبِالهَمْزَةِ لا يَتَعَدّى، قالَ في الكَشّافِ: وحَقِيقَتُهُ حانَ لَهم أنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوا مِن أنَّ عَدَمَ إنْفاقِهِمْ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُؤَدِّي إلى انْفِضاضِهِمْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ خَزائِنَ الأرْزاقِ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً يُعْطِي مِنها مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن مَقالاتِ الكَفَرَةِ ما يَقُولُونَ.
المنافقون 63:8
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ قائِلُهُ كَما سَمِعْتَ ابْنُ أُبَيٍّ، وعَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهُ أوْ ومَن يَلُوذُ بِهِ، وبِالأذَلِّ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ، وإسْنادُ المَذْكُورِ إلى جَمِيعِهِمْ لِرِضائِهِمْ بِهِ كَما في سابِقِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والسَّبْتِيُّ في اخْتِيارِهِ «لَنُخْرِجَنَّ» بِالنُّونِ، ونَصْبِ «الأعَزَّ» و«الأذَلَّ» عَلى أنَّ «الأعَزَّ» مَفْعُولٌ بِهِ، و«الأذَلَّ» إمّا حالٌ بِناءً عَلى جَوازِ تَعْرِيفِ الحالِ، أوْ زِيادَةُ ألْ فِيهِ نَحْوَ أرْسَلَها العِراكَ، وادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ وهو المَشْهُورُ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ مِثْلٍ وهو لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ أيْ مِثْلَ الأذَلِّ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِحالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ مُشْبِهًا الأذَلَّ، أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّ الأصْلَ إخْراجُ الأذَلِّ فَحُذِفَ المَصْدَرُ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْتَصَبَ انْتِصابَهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ قَوْمًا قَرَؤُوا «لَيَخْرُجُنَّ» بِالياءِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ. ورَفْعِ «الأعَزُّ» عَلى الفاعِلِيَّةِ. ونَصْبِ «الأذَلَّ» عَلى ما تَقَدَّمَ، بَيْدَ أنَّكَ تُقَدِّرُ عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ خُرُوجٌ، وقُرِئَ «لَيُخْرَجَنَّ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ «الأعَزُّ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، ونَصْبِ «الأذَلَّ» عَلى ما مَرَّ.
وقَرَأ الحَسَنُ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ «لَنَخْرُجَنَّ» بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ، ونَصْبِ «الأعَزَّ» و«الأذَلَّ»، وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ نَصْبَ «الأعَزَّ» عَلى الِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، ونَصْبَ «الأذَلَّ» عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المارَّةِ فِيما حَكاهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والمَقْصُودُ إظْهارُ التَّضَجُّرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يُساكِنُوهم في دارٍ كَذا قِيلَ: وهو كَما تَرى، ولَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ
صفحة 116
غَيْرُ ثابِتَةٍ عَنِ الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رَدٌّ لِما زَعَمُوهُ ضِمْنًا مِن عِزَّتِهِمْ وذُلِّ مَن نَسَبُوا إلَيْهِ الذُّلَّ، وحاشاهُ مِنهُ أيْ ولِلَّهِ تَعالى الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن رَسُولِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لا لِلْغَيْرِ، ويُعْلَمُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ تَوْجِيهُ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ مُعْتَبَرٌ قَبْلَ نِسْبَةِ الإسْنادِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ ولا يَضُرُّ إعادَةُ الجارِّ لِأنَّها لَيْسَتْ لِإفادَةِ الِاسْتِقْلالِ في النِّسْبَةِ بَلْ لِإفادَةِ تَفاوُتِ ثُبُوتِ العِزَّةِ فَإنَّ ثُبُوتَها لِلَّهِ تَعالى ذاتِيٌّ ولِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِواسِطَةِ الرِّسالَةِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ الإيمانِ، وجاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وكانَ مُخْلِصًا - سَلَّ سَيْفَهُ عَلى أبِيهِ عِنْدَما أشْرَفُوا عَلى المَدِينَةِ فَقالَ: واللَّهِ عَلى أنْ لا أغْمِدَهُ حَتّى تَقُولَ: مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ فَلَمْ يَبْرَحْ حَتّى قالَ ذَلِكَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَفَ والنّاسُ يَدْخُلُونَ حَتّى جاءَ أبُوهُ فَقالَ: وراءَكَ، قالَ: ما لَكَ ويْلَكَ ؟ قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلْها أبَدًا إلّا أنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَتَعْلَمَنَّ اليَوْمَ الأعَزَّ مِنَ الأذَلِّ فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ ما صَنَعَ ابْنُهُ فَأرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ خَلِّ عَنْهُ يَدْخُلْ فَفَعَلَ» وصَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ «لَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ»» وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْ مُعاذًا أنْ يَضْرِبَ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ المُؤْمِنِينَ ما فِيها، ومِن هُنا قالَتْ بَعْضُ الصّالِحاتِ وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ: ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ.
وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ ولَكِنَّهُ عَزَّةٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وأُرِيدَ بِالتِّيهِ الكِبْرُ، وأشارَ العِزُّ إلى أنَّ العِزَّةَ غَيْرُ الكِبْرِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فَقالَ: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ لِأنَّ العِزَّةَ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها أنْ لا يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلَتِها فالعِزَّةُ ضِدُّ الذِّلَّةِ كَما أنَّ الكِبْرَ ضِدُّ التَّواضُعِ، وفَسَّرَ الرّاغِبُ العِزَّةَ بِحالَةٍ مانِعَةٍ لِلْإنْسانِ مِن أنْ يُغْلَبَ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ عَزازٌ أيْ صُلْبَةٌ وتَعَزَّزَ اللَّحْمُ اشْتَدَّ كَأنَّهُ حَصَلَ في عِزازٍ يَصْعُبُ الوُصُولُ إلَيْهِ، وقَدْ تُسْتَعارُ لِلْحَمِيَّةِ والأنَفَةِ المَذْمُومَةِ وهي بِهَذا المَعْنى تَثْبُتُ لِلْكَفَرَةِ، وتَفْسِيرُها بِالقُوَّةِ والغَلَبَةِ كَما سَمِعْتَ شائِعٌ ولَكَ أنْ تُرِيدَ بِها هُنا الحالَةَ المانِعَةَ مِنَ المَغْلُوبِيَّةِ فَإنَّها أيْضًا ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكُلٍّ.
﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغُرُورِهِمْ فَيَهْذُونَ ما يَهْذُونَ والفِعْلُ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلِذا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ ولا كَذَلِكَ الفِعْلُ فِيما تَقَدَّمَ، وهو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، وقِيلَ في وجْهِهِ: إنَّ كَوْنَ العِزَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الأرْزاقِ بِيَدِهِ دُونَ العَكْسِ فَناسَبَ أنْ يُعْتَبَرَ الأخْلاقُ في الجُمْلَةِ المُذَيَّلَةِ لِما يُفِيدُ كَوْنَ العِزَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ والتَّقْيِيدُ لِلْجُمْلَةِ المُذَيَّلَةِ لِما يُفِيدُ كَوْنَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ تَعالى، ثُمَّ قِيلَ: خَصَّ الجُمْلَةَ الأُولى بِـ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ والثّانِيَةَ بِـ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ إثْباتَ الفِقْهِ لِلْإنْسانِ أبْلَغُ مِن إثْباتِ العِلْمِ لَهُ فَيَكُونُ نَفْيُ العِلْمِ أبْلَغَ مِن نَفْيِ الفِقْهِ فَأوْتَرَ ما هو أبْلَغُ لِما هو أدْعى لَهُ.
وعَنِ الرّاغِبِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا﴾ إلَخْ أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالإضْرارِ بِالمُؤْمِنِينَ وحَبْسِ
صفحة 117
النَّفَقاتِ عَنْهم ولا يَفْطَنُونَ أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ أضَرُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ ولا يَفْطَنُونَ لَهُ، ومَعْنى الثّانِي إيعادُهم بِإخْراجِ الأعَزِّ لِلْأذَلِّ، وعِنْدَهم أنَّ الأعَزَّ مَن لَهُ القُوَّةُ والغَلَبَةُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ الَّتِي يَفْضُلُ بِها الإنْسانُ غَيْرَهُ إنَّما هي مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهي لَهُ سُبْحانَهُ ولِمَن يَخُصُّهُ بِها مِن عِبادِهِ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ الذُّلَّ لِمَن يُقَدِّرُونَ فِيهِ العِزَّةَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُعِزُّ أوْلِيائِهِ بِطاعَتِهِمْ لَهُ ومُذِلُّ أعْدائِهِ بِمُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدِ اخْتَصَّ كُلَّ آيَةٍ بِما اقْتَضاهُ مَعْناها فَتَدَبَّرْ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ في المَوْضِعَيْنِ.
المنافقون 63:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ لا يَشْغَلُكُمُ الِاهْتِمامُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها والِاعْتِناءِ بِمَصالِحِها والتَّمَتُّعِ بِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الصَّلاةِ وسائِرِ العِباداتِ المَذْكُورَةِ لِلْمَعْبُودِ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ فَذِكْرُ اللَّهُ تَعالى مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ العِبادَةِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ لِأنَّ العِبادَةَ سَبَبٌ لِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وهو المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ مِنها.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ الفَرائِضِ، وقالَ الضَّحّاكُ وعَطاءٌ: الذِّكْرُ هُنا الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القُرْآنُ، والعُمُومُ أوْلى، ويُفْهَمُ كَلامُ الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِهِما عَنْها لِكَوْنِهِما أرْغَبَ الأشْياءِ مِنها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفَ: 46] فَإذا أُرِيدَ بِذِكْرِ اللَّهِ العُمُومُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لا تَشْغَلَنَّكُمُ الدُّنْيا عَنِ الدِّينِ والمُرادُ بِنَهْيِ الأمْوالِ وما بَعْدَها نَهْيُ المَخاطَبِينَ وإنَّما وُجِّهَ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها لِقُوَّةِ تَسَبُّبِها لِلَّهْوِ وشِدَّةِ مَدْخَلِيَّتِها فِيهِ جُعِلَتْ كَأنَّها لاهِيَةٌ، وقَدْ نَهَيْتُ عَنِ اللَّهْوِ فالأصْلُ لا تَلْهُوا بِأمْوالِكم إلَخْ، فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَجَوُّزٌ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعْرافَ: 2] أيْ لا تَكُونُوا بِحَيْثُ تُلْهِيكم أمْوالُكم إلَخْ.
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ اللَّهْوَ بِها وهو الشَّغْلُ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: ومَن تُلْهِهِ تِلْكَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي، وفي التَّعْرِيفِ بِالإشارَةِ والحَصْرِ لِلْخُسْرانِ فِيهِمْ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وكَأنَّهُ لَمّا نُهِيَ المُنافِقُونَ عَنِ الإنْفاقِ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُرِيدَ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ لَكِنْ عَلى وجْهِ العُمُومِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
المنافقون 63:10
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ بَعْضَ ما أعْطَيْناكم وتَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ ادِّخارًا لِلْآخِرَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ أماراتُهُ ومُقَدِّماتُهُ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولِذا فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ أيْ أمْهَلْتَنِي ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ أمَدٍ قَصِيرٍ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ أيْ فَأتَصَدَّقَ، وبِذَلِكَ قَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ، ونُصِبَ الفِعْلُ في جَوابِ التَّمَنِّي والجَزْمُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أصَدَّقْ وأكُنْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. والزَّجّاجُ، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي لِأنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا يُقَدَّرُ حَتّى يُعْتَبَرَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعْرافَ: 186] ويَذَرْهم فِيمَن قَرَأ بِالجَزْمِ وهو حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّوَهُّمِ هُنا يَنْشَأُ مِنهُ تَوَهُّمٌ قَبِيحٌ، والفَرْقُ بَيْنَ العَطْفِ
صفحة 118
عَلى المَوْضِعِ والعَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ أنَّ العامِلَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ مَوْجُودٌ وأثَرَهُ مَفْقُودٌ، والعامِلَ في العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ مَفْقُودٌ وأثَرَهُ مَوْجُودٌ، واسْتُظْهِرَ أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ فَمُرادُ أبِي عَلِيٍّ والزَّجّاجِ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ المُتَوَهَّمِ أيِ المُقَدَّرِ إذْ لا مَوْضِعَ هُنا في التَّحْقِيقِ لَكِنَّهُما فَرّا مِن قُبْحِ التَّعْبِيرِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ. وأبُو عَمْرٍو «وأكُونَ» بِالنَّصْبِ وهو ظاهِرٌ، وقَرَأ عَبْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «وأكُونُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والنَّحْوِيُّونَ وأهْلُ المَعانِي قَدَّرُوا المُبْتَدَأ في أمْثالِ ذَلِكَ مِن أفْعالِ المُسْتَأْنَفَةِ، فَيُقالُ هُنا: أيْ وأنا أكُونُ ولا تَراهم يُهْمِلُونَ ذَلِكَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِئْنافِ مَعَ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ كَما هُنا ولا بِدُونِها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلى عَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِذَلِكَ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ وكَأنَّهُ لِهَذا صَرَّحَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ التِزامَ التَّقْدِيرِ مِمّا لَمْ يَظْهَرُ لَهُ وجْهُهُ، وقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ الِاسْتِئْنافَ بِالِاسْمِيَّةِ أظْهَرُ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ كَوْنُ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَرْفُوعًا بِالعَطْفِ عَلى - أصَدَّقُ - عَلى نَحْوِ القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ في الجَزْمِ، هَذا وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ والنَّفَقَةَ في الحَجِّ، وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ أُزَكِّي ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أحُجُّ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ كَذا في الدُّرِّ المَنثُورِ.
وفِي أحْكامِ القُرْآنِ رِوايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وحُكِيَ عَنْهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مانِعِ الزَّكاةِ، وواللَّهِ لَوْ رَأى خَيْرًا لَما سَألَ الرَّجْعَةَ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى يَسْألُ المُؤْمِنُونَ الكَرَّةَ ؟ ! فَأجابَ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ عَلَيْهِ وكَذا الجَوابَ أوْفَقُ بِكَوْنِهِ نَفْسِهِ ادَّعى سُؤالَ الرَّجْعَةِ ولَمْ يَرْفَعِ الحَدِيثَ بِذَلِكَ، وإذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ إلَخْ سُؤالًا لِلرَّجْعَةِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا بَعْدَ المَوْتِ لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا.
المنافقون 63:11
﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ أيْ ولَنْ يُمْهِلَها ﴿إذا جاءَ أجَلُها﴾ أيْ آخِرُ عُمُرِها أوِ انْتَهى الزَّمانُ المُمْتَدُّ لَها مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ عَلى تَفْسِيرِ الأجَلِ بِهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ في الغَيْبَةِ ونَفْسًا لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ في مَعْنى الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ الكَيا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا﴾ إلَخْ عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ ومَنعِ تَأْخِيرِها، ونَسَبَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الزَّجْرِ عَنِ التَّفْرِيطِ في هَذِهِ الحُقُوقِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَلا أحَدَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلّا ويَجُوزُ أنَّ يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَنْ قَرِيبٍ فَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ الشَّدِيدُ عَنْ هَذا التَّفْرِيطِ في كُلِّ وقْتٍ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المُجَبِّرَةِ مِن جِهاتٍ: مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا﴾، ومِنها أنَّهُ كانَ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإنْفاقِ فَكَيْفَ يَتَمَنّى تَأْخِيرَ الأجَلِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى مُؤَيَّسًا لَهُ في الجَوابِ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ ولَوْلا أنَّهُ مُخْتارٌ لَأُجِيبَ بِاسْتِواءِ التَّأْخِيرِ والمَوْتِ حِينَ التَّمَنِّي، وأُجِيبَ بِأنَّ أهْلَ الحَقِّ لا يَقُولُونَ بِالجَبْرِ فالبَحْثُ ساقِطٌ عَنْهم عَلى أنَّهُ لا دَلالَةَ في الأوَّلِ كَما في سائِرِ الأوامِرِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، والتَّمَنِّي - وهو مُتَمَسَّكُ الفَرِيقِ - لا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والقَوْلُ المُؤَيِّسُ إبْطالٌ لِتَمَنِّيهِمْ لا جَوابَ عَنْهُ إذْ لا اسْتِحْقاقَ لِوُضُوحِ البُطْلانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
التغابن 64:1
صفحة 119
سُورَةُ التَّغابُنِ
مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التَّغابُنَ: 14] إلَخْ، وعَدَدُ آيِها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ هُناكَ حالَ المُنافِقِينَ وخاطَبَ بَعْدُ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ جَلَّ وعَلا هُنا تَقْسِيمَ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأيْضًا في آخِرِ تِلْكَ ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ [المُنافِقُونَ: 9] وفي هَذِهِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التَّغابُنَ: 15] وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ: كالتَّعْلِيلِ لِتِلْكَ، وأيْضًا في ذِكْرِ التَّغابُنِ نَوْعُ حَثٍّ عَلى الإنْفاقِ قَبْلَ المَوْتِ المَأْمُورِ بِهِ فِيما قَبْلُ، واسْتَنْبَطَ بَعْضُهم عُمُرَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثًا وسِتِّينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى في تِلْكَ السُّورَةِ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المُنافِقُونَ: 10] فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةً، وعَقَّبَها سُبْحانَهُ بِالتَّغابُنِ لِيَظْهَرَ التَّغابُنُ في فَقْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ يُنَزِّهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ سُبْحانَهُ تَسْبِيحًا مُسْتَمِرًّا، وذَلِكَ بِدَلالَتِها عَلى كَمالِهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِغْنائِهِ تَعالى، والتَّجَدُّدُ بِاعْتِبارِ تَجَدُّدِ النَّظَرِ في وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ لا لِغَيْرِهِ تَعالى إذْ هو جَلَّ شَأْنُهُ المُبْدِئُ لِكُلِّ شَيْءٍ وهو القائِمُ بِهِ والمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وهو عَزَّ وجَلَّ المَوْلى لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها وأمّا مِلْكُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ فاسْتِرْعاءٌ مِنهُ تَعالى وتَسْلِيطٌ، وأمّا حَمْدُ غَيْرِهِ تَبارَكَ وتَعالى فَلِجَرَيانِ إنْعامِهِ تَعالى عَلى يَدِهِ فَكِلا الأمْرَيْنِ لَهُ تَعالى في الحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِ بِحَسَبِ الصُّورَةِ، وتَقْدِيمُ ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ لِأنَّهُ كالدَّلِيلِ لِما بَعْدَهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ المُقْتَضِيَةَ لِلْقُدْرَةِ إلى الكُلِّ سَواءٌ فَلا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ بَعْضٍ مَقْدُورًا دُونَ بَعْضٍ،
التغابن 64:2
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِبَعْضِ قُدْرَتِهِ تَعالى العامَّةِ، والمُرادُ هو الَّذِي أوَجَدَكم كَما شاءَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ أيْ فَبَعْضُكم كافِرٌ بِهِ تَعالى وبَعْضُكم مُؤْمِنٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ فَبَعْضٌ مِنكم كافِرٌ بِهِ سُبْحانَهُ وبَعْضٌ مِنكم مُؤْمِنٌ بِهِ تَعالى تَفْصِيلٌ لِما في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ مِنَ الإجْمالِ لِأنَّ كَوْنَ بَعْضِهِمْ أوْ بَعْضٍ مِنهم كافِرًا، وكَوْنَ بَعْضِهِمْ أوْ بَعْضٍ مِنهم مُؤْمِنًا مُرادٌ مِنهُ فالفاءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مِن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ [النُّورَ: 45] إلَخْ فَيَكُونُ الكُفْرُ والإيمانُ في ضِمْنِ الخَلْقِ وهو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ كَخَبَرِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ وأبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ - ««إنَّ خَلْقَ أحَدِكم يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: يُكْتَبُ رِزْقُهُ وأجَلُهُ وعَمَلُهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» الحَدِيثَ» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا مَكَثَ المَنِيُّ في الرَّحِمِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً أتاهُ مَلَكُ النُّفُوسِ فَعَرَجَ بِهِ إلى الرَّبِّ فَيَقُولُ: يا رَبِّ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ ما هو قاضٍ فَيَقُولُ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَيَكْتُبُ ما هو لاقٍ»» .
وقَرَأ أبُو ذَرٍّ مِن فاتِحَةِ التَّغابُنِ خَمْسَ آياتٍ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ والجَمْعُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن أُوتِيَ نَصِيبًا مِنَ العِلْمِ، وتَقْدِيمُ الكُفْرِ لِأنَّهُ الأغْلَبُ.
صفحة 120
واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المَعْنى هو الَّذِي خَلَقَكم خَلْقًا بَدِيعًا حاوِيًا لِجَمِيعِ مَبادِئِ الكِمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَمِنكم مُخْتارٌ لِلْكُفْرِ كاسِبٌ لَهُ عَلى خِلافِ ما تَسْتَدْعِيهِ خِلْقَتُهُ، ومِنكم مُخْتارٌ لِلْإيمانِ كاسِبٌ لَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ خِلْقَتُهُ، وكانَ الواجِبُ عَلَيْكم جَمِيعًا أنْ تَكُونُوا مُخْتارِينَ لِلْإيمانِ شاكِرِينَ لِنِعْمَةِ الخَلْقِ والإيجادِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِما مِن سائِرِ النِّعَمِ، فَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَعَ تَمامِ تَمَكُّنِكم مِنهُ بَلْ تَشَعَّبْتُمْ شِعَبًا وتَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، بَيْدَ أنَّهُ فَسَّرَ الكافِرَ بِالآتِي بِالكُفْرِ والفاعِلِ لَهُ والمُؤْمِنَ بِالآتِي بِالإيمانِ والفاعِلِ لَهُ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِمَذْهَبِهِ مِن أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، وأنَّ الآيَةَ لِبَيانِ إخْلالِهِمْ بِما يَقْتَضِيهِ التَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ مِنَ النِّعَمِ، وأنَّ الآياتِ بَعْدُ في مَعْنى الوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ وإنْكارِ أنْ يُعْصى الخالِقُ ولا تُشْكَرَ نِعْمَتُهُ. ثُمَّ قالَ: فَما أجْهَلَ مَن يَمْزُجُ الكُفْرَ بِالخَلْقِ ويَجْعَلُهُ مِن جُمْلَتِهِ، والخَلْقُ أعْظَمُ نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ، والكُفْرُ أعْظَمُ كُفْرانٍ مِنَ العِبادِ لِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الفاءَ عَلى هَذا لِلتَّرْتِيبِ والفَرْضِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصَ: 8] وهي كالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحَدِيدَ: 26] ولَمْ يَجْعَلْها لِلتَّفْصِيلِ كَما قِيلَ.
واخْتارَ في الآيَةِ المَعْنى السّابِقَ مُؤَيِّدًا لَهُ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وبِأنَّ السِّياقَ عَلَيْهِ مُدَّعِيًا أنَّ الآياتِ كُلَّها وارِدَةٌ لِبَيانِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ واسْتِبْدادِهِ فِيهِما، وفي شُمُولٍ عِلْمِهِ تَعالى كُلِّها وفي إنْشائِهِ تَعالى المُكَوِّناتِ ذَواتِها وأعْراضَها، ووافَقَهُ في اخْتِيارِ ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ المُدَقِّقُ صاحِبُ الكَشْفِ، واعْتَرَضَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَما أجْهَلَ إلَخْ بِقَوْلِهِ فِيهِ ما مَرَّ مِرارًا كَأنَّهُ يَعْنِي مُخالَفَةَ النُّصُوصِ في عَدَمِ كَوْنِ الكُفْرِ مَخْلُوقًا كَغَيْرِهِ عَلى أنَّ خَلْقَ الكُفْرِ أيْضًا مِنَ النِّعَمِ العِظامِ فَلَوْلا خَلْقُهُ وتَبْيِينُ ما فِيهِ مِنَ المَضارِّ ما ظَهَرَ مِقْدارُ الإنْعامِ بِالإيمانِ وما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَهُ كُفْرًا بِاعْتِبارِ قِيامِهِ بِالعَبْدِ ومِنهُ جاءَ القُبْحُ لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ خَلَقَهُ تَعالى عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، ثُمَّ قالَ: ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ تَكَلُّفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنكُمْ﴾ إلَخْ لَيُخْرِجَهُ عَنْ تَفْصِيلِ المُجْمَلِ في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ تَحْرِيفٌ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
ويُرَجِّحُ التَّفْصِيلَ عِنْدِي في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ”كافِرٌ ومُؤْمِنٌ“ دُونَ مَن يَكْفُرُ ومَن يُؤْمِنُ، نَعَمْ عَدَمُ دُخُولِ الكُفْرِ والإيمانِ في الخَلْقِ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الرُّومَ: 30] وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»» والإنْصافُ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ كُلًّا مِنَ المَعْنَيَيْنِ: المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أوَّلًا.
والمَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ البَعْضُ، والسِّياقُ يُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما يُناسِبُ كُلًّا ولَيْسَ نَصًّا في أحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمِعْتَهُما حَتّى قِيلَ: إنَّ الآياتِ وارِدَةٌ لِبَيانِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الوَعْدُ والوَعِيدُ بَعْدُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ المُحِيطِ بِالنَّشْأتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ فَيُجازِيكم بِما يُناسِبُ ذَلِكَ لا يُنافِي خَلْقَ الكُفْرِ والإيمانِ لِأنَّهُما مَكْسُوبانِ لِلْعَبْدِ، وخَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُما لا يُنافِي كَوْنَهُما مَكْسُوبَيْنِ لِلْعَبْدِ كَما بُيِّنَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: 96] لَكِنَّ أكْثَرَ الأحادِيثِ تُؤَيِّدُ المَعْنى الأوَّلَ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ الثّانِيَ لِأنَّ كَوْنَ المَقامِ لِلتَّوْبِيخِ عَلى الكُفْرِ أظْهَرَ وهو أوْفَقُ بِهِ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ أيْ بِاللَّهِ تَعالى مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِاللَّهِ تَعالى كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقِيلَ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ وهُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ ومِنكم فاسِقٌ، ولا أراهُ يَصِحُّ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ - عَلى ما اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ - مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، ولا يَضُرُّهُ عَدَمُ العائِدِ لِأنَّ
صفحة 121
المَعْطُوفَ بِالفاءِ يَكْفِيهِ وُجُودُ العائِدِ في إحْدى الجُمْلَتَيْنِ كَما قَرَّرُوهُ في نَحْوِ الَّذِي يَطِيرُ فَيَغْضَبُ زَيْدٌ الذُّبابُ، أوْ يُقالُ: فِيها رابِطٌ بِالتَّأْوِيلِ أيْ مِنكم مَن قُدِّرَ كُفْرُهُ ومِنكم مَن قُدِّرَ إيمانُهُ، أوْ ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِهِ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ، ويُقَدَّرُ الحَذْفُ تَدْرِيجًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ .
التغابن 64:3
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، قِيلَ: وأصْلُ الحَقِّ مُقابِلُ الباطِلِ فَأُرِيدَ بِهِ الغَرَضُ الصَّحِيحُ الواقِعُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وهو الحِكْمَةُ العَظِيمَةُ.
﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ حَيْثُ بَرَأكم سُبْحانَهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وأوْدَعَ فِيكم مِنَ القُوى والمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ما نِيطَ بِها جَمِيعُ الكِمالاتِ البارِزَةِ والكامِنَةِ وزَيَّنَكم بِصَفْوَةِ صِفاتِ مَصْنُوعاتِهِ وخَصَّكم بِخُلاصَةِ خَصائِصِ مُبْدِعاتِهِ وجَعَلَكم أُنْمُوذَجَ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ في هَذِهِ النَّشْأةِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإنْسانَ جامِعٌ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وذَلِكَ لِرُوحِهِ الَّتِي هي مِن عالَمِ المُجَرَّداتِ وبَدَنِهِ الَّذِي هو مِن عالَمِ المادِّيّاتِ وأنْشَدُوا:
وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ
ولَعَمْرِي إنَّ الإنْسانَ أعْجَبُ نُسْخَةٍ في هَذا العالَمِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى دَقائِقِ أسْرارٍ شَهِدَتْ بِبَعْضِها الآثارُ وعَلِمَ ما عَلِمَ مِنها ذَوُو الأبْصارِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الصُّورَةَ بِالشَّكْلِ المُدْرَكِ بِالعَيْنِ كَما هو مَعْرُوفٌ، وكُلُّ ما يُشاهَدُ مِنَ الصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ حَسَنٌ لَكِنَّ الحُسْنَ كَغَيْرِهِ مِنَ المَعانِي عَلى طَبَقاتٍ ومَراتِبَ فَلِانْحِطاطُ بَعْضِها عَنْ مَراتِبِ ما فَوْقَها انْحِطاطًا بَيِّنًا وإضافَتُها إلى المُوَفّى عَلَيْها لا تُسْتَمْلَحُ وإلّا فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ الحُسْنِ غَيْرُ خارِجَةٍ مِن حَدِّهِ ألا تَرى أنَّكَ قَدْ تَعْجَبُ بِصُورَةٍ وتَسْتَمْلِحُها ولا تَرى الدُّنْيا بِها ثُمَّ تَرى أمْلَحَ وأعْلى في مَراتِبِ الحُسْنِ فَيَنْبُو عَنِ الأُولى طَرْفُكَ وتَسْتَثْقِلُ النَّظَرَ إلَيْها بَعْدَ افْتِتانِكَ بِها وتَهالُكِكَ عَلَيْها، وقالَتِ الحُكَماءُ: شَيْئانِ لا غايَةَ لَهُما: الجَمالُ والبَيانُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رُزَيْنٌ «صِوَرَكم» بِكَسْرِ الصّادِ والقِياسُ الضَّمُّ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ في النَّشْأةِ الأُخْرى لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فاصْرِفُوا ما خُلِقَ لَكم فِيما خَلَقَهُ لِئَلّا يُمْسَخَ ما يُشاهَدُ مِن حُسْنِكم بِالعَذابِ
التغابن 64:4
﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والأحْوالِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ ما تُسِرُّونَهُ فِيما بَيْنَكم وما تُظْهِرُونَهُ مِنَ الأُمُورِ والتَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن شُمُولِ عِلْمِهِ تَعالى لِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ أيْ هو عَزَّ وجَلَّ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ المُضِرّاتِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِ النّاسِ بِحَيْثُ لا تُفارِقُها أصْلًا فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى ما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ، قِيلَ: وتَقْدِيمُ تَقْرِيرِ القُدْرَةِ عَلى العِلْمِ لِأنَّ دَلالَةَ المَخْلُوقاتِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى بِالذّاتِ وعَلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ لِما فِيها مِنَ الإتْقانِ والِاخْتِصاصِ بِبَعْضِ الأنْحاءِ.
صفحة 122
وقَرَأ عُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ - ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ - بِياءِ الغَيْبَةِ
التغابن 64:5
﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ أيُّها الكَفَرَةُ لِدَلالَةِ ما بَعْدُ عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِهِمْ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَأْتِكم يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُصِرَّةِ عَلى الكُفْرِ ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ ضَرَرِ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ، وأصْلُ الوَبالِ الثِّقَلُ والشِّدَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ومِنهُ الوَبِيلُ لِطَعامٍ يَثْقُلُ عَلى المَعِدَةِ، والوابِلُ لِلْمَطَرِ الثَّقِيلِ القِطارِ، واسْتُعْمِلَ لِلضَّرَرِ لِأنَّهُ يَثْقُلُ عَلى الإنْسانِ ثِقَلًا مَعْنَوِيًّا، وعَبَّرَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ هائِلٌ وجِنايَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿ولَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ
التغابن 64:6
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ الَّذِي ذاقُوهُ في الدُّنْيا وما سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ ﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ.
﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ ﴿فَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كانَتْ﴾ .
﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ أيْ قالَ كُلُّ قَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ كَفَرُوا في حَقِّ رَسُولِهِمُ الَّذِي أتاهم بِالمُعْجِزاتِ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِ الرَّسُولِ مِن جِنْسِ البَشَرِ، أوْ مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ أبَشَرٌ يَهْدِينا كَما قالَتْ ثَمُودُ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القَمَرَ: 24]، وقَدْ أجْمَلَ في الحِكايَةِ فَأسْنَدَ القَوْلَ إلى جَمِيعِ الأقْوامِ، وأُرِيدَ بِالبَشَرِ الجِنْسُ، فَوُصِفَ بِالجَمْعِ كَما أجْمَلَ الخِطابَ، والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 51] وارْتِفاعُ ”بَشَرٌ“ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ﴿يَهْدُونَنا﴾ هو الخَبَرُ عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ أمْيَلُ إلى الفِعْلِ والمادَّةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ ﴿فَكَفَرُوا﴾ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿وتَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما أُتُوا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، وعَنِ الإيمانِ بِهِمْ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ أيْ أظْهَرَ سُبْحانَهُ غِناهُ عَنْ إيمانِهِمْ وعَنْ طاعَتِهِمْ حَيْثُ أهْلَكَهم وقَطَعَ دابِرَهم، ولَوْلا غِناهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُما لَما فَعَلَ ذَلِكَ، والجُمْلَةَ ُعَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى أنَّ المَعْنى ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ وقَدِ اسْتَغْنى اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنِ العالَمِينَ فَضْلًا عَنْ إيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ ﴿حَمِيدٌ﴾ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِلِسانِ الحالِ الَّذِي هو أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ، أوْ مُسْتَحِقٌّ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ سُبْحانَهُ حامِدٌ
التغابن 64:7
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الزَّعْمُ ادِّعاءُ العِلْمِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ لِلِادِّعاءِ الباطِلَ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ شُرَيْحٍ إنَّهُ كُنْيَةُ الكَذِبِ، واشْتُهِرَ أنَّهُ مَطِيَّةُ الكَذِبِ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدْ قامَ مَقامَهُما هُنا ”أنْ“ المُخَفَّفَةُ وما في حَيِّزِها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عَلى ما في الكَشّافِ أهْلُ مَكَّةَ فَهو عَلى ما سَمِعْتَ في الخِطابِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ قالَ في الكَشْفِ: ويُحْتَمَلُ التَّعْمِيمُ فَيَتَناوَلَهم وأضْرابَهم لِتَقَدُّمِ كُفّارِ مَكَّةَ في الذِّكْرِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ حُمِلُوا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ، وهَذا أبْلَغُ أيْ زَعَمُوا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ يُبْعَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإظْهارًا لِبُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإثْباتِ ما نَفَوْهُ بَلى تُبْعَثُونَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ فَهي داخِلَةٌ
صفحة 123
فِي حَيِّزِ الأمْرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أيْ لَتُحاسَبُنَّ وتُجْزَوْنَ بِأعْمالِكم، وزِيدَ ذَلِكَ لِبَيانِ تَحَقُّقِ أمْرٍ آخَرَ مُتَفَرِّعٍ عَلى البَعْثِ مَنُوطٍ بِهِ فَفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدٌ لَهُ ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِتَحَقُّقِ القُدْرَةِ التّامَّةِ وقَبُولِ المادَّةِ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
التغابن 64:8
﴿فَآمِنُوا﴾ مُفَصَّحَةٌ بِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ الَّذِي سَمِعْتُمْ ما سَمِعْتُمْ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ورَسُولِهِ﴾ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ وهو القُرْآنُ، فَإنَّهُ بِإعْجازِهِ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ مُبَيِّنٌ لِغَيْرِهِ كَما أنَّ النُّورَ كَذَلِكَ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ العِنايَةِ بِأمْرِ الإنْزالِ، وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ ما فِيهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ وتَرْكِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِباطِنِهِ.
والمُرادُ كَمالُ عِلْمِهِ تَعالى بِذَلِكَ، وقِيلَ: عالِمٌ بِأخْبارِهِ
التغابن 64:9
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ ظَرْفُ ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَآمِنُوا﴾ إلى ﴿خَبِيرٌ﴾ مِنَ الِاعْتِراضِ، فالأوَّلُ يُحَقِّقُ القُدْرَةَ عَلى البَعْثِ، والثّانِي يُؤَكِّدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ الحَثِّ عَلى الإيمانِ بِهِ وبِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الكِتابِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبِالحَقِيقَةِ هو نَتِيجَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ قُدِّمَ عَلى مَعْمُولِهِ لِلِاهْتِمامِ فَجَرى مَجْرى الِاعْتِراضِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ لِأنَّهُ مِن تَتِمَّةِ الحَثِّ عَلى الإيمانِ كَما تَقُولُ: اعْمَلْ إنِّي غَيْرُ غافِرٍ عَنْكَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ظَرْفٌ - لِخَبِيرٍ - وهو عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ بِمَعْنى مُجازِيكم فَيَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.
وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى مُعاقِبِكم، ثُمَّ جَوَّزَ هَذا الوَجْهَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الوَعِيدِ بَلْ لِلْحَثِّ كَيْفَ لا والوَعِيدُ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ فَلَمْ يَحْسُنْ جَعْلُهُ بِمَعْنى مُعاقِبِكم فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ حَسَنًا إلّا أنَّهُ حَذْفٌ لا قَرِينَةَ ظاهِرَةً عَلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِمَحْذُوفٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ أيْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ المَقالِ يَوْمَ يَجْمَعُكم، وتُعُقِّبُ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابُ حَذْفٍ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، فالأرْجَحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وقُرِئَ «يَجْمَعْكم» بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَدْ يُسَكَّنُ الفِعْلُ المُضارِعُ المَرْفُوعُ مَعَ ضَمِيرِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ المَنصُوبِ، ورُوِيَ إشْمامُها الضَّمَّ، وقَرَأ سَلامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ «نَجْمَعُكم» بِالنُّونِ ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ لِيَوْمٍ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والثَّقَلانِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، واللّامُ قِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ لِأجْلِ ما في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الحِسابِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في فَلا تَقْدِيرَ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهم قالُوا: يَوْمَ غُبِنَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ فالتَّفاعُلُ فِيهِ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ كَما في التَّواضُعِ والتَّحامُلِ لِوُقُوعِهِ مِن جانِبٍ واحِدٍ، واخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الواحِدِيُّ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ يَوْمَ غَبَنَ فِيهِ بَعْضُ النّاسِ بَعْضًا بِنُزُولِ السُّعَداءِ مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ وبِالعَكْسِ، فَفي الصَّحِيحِ «ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً» وهو مُسْتَعارٌ مِن تَغابُنِ القَوْمِ في التِّجارَةِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالأشْقِياءِ لِأنَّهم لا يُغْبَنُونَ حَقِيقَةَ السُّعَداءِ بِنُزُولِهِمْ في مَنازِلِهِمْ مِنَ النّارِ، أوْ جَعَلَ ذَلِكَ تَغابُنًا مُبالَغَةً عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ فالتَّفاعُلُ عَلى هَذا
صفحة 124
القَوْلِ عَلى ظاهِرِهِ وهو حَسَنٌ إلّا أنَّ التَّغابُنَ فِيهِ تَغابُنُ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ عَلى التَّقابُلِ، والأحْسَنُ الإطْلاقُ، وتَغابُنُ السُّعَداءِ عَلى الزِّيادَةِ ثَبَتَ في الصِّحاحِ، واخْتارَ ذَلِكَ مُحْيِي السُّنَّةِ حَيْثُ قالَ: التَّغابُنُ تَفاعُلٌ مِنَ الغَبْنِ وهو فَوْتُ الحَظِّ، والمُرادُ بِالمَغْبُونِ مَن غُبِنَ في أهْلِهِ ومَنازِلِهِ في الجَنَّةِ فَيَظْهَرُ يَوْمَئِذٍ غَبْنُ كُلِّ كافِرٍ بِتَرْكِ الإيمانِ وغَبْنُ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، قالَ الطَّيِّبِيُّ: وعَلى هَذا الرّاغِبُ حَيْثُ قالَ: الغَبْنُ أنْ يُبْخَسَ صاحِبُكَ في مُعامَلَةٍ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بِضَرْبٍ مِنَ الإخْفاءِ فَإنْ كانَ ذَلِكَ في مالٍ يُقالُ: غُبِنَ فُلانٌ بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ الباءِ، وإنْ كانَ في رَأْيٍ يُقالُ: غَبِنَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ الباءِ، و”يَوْمُ التَّغابُنِ“ يَوْمُ القِيامَةِ لِظُهُورِ الغَبْنِ في المُبايَعَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةَ: 207] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: 111] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آلَ عِمْرانَ: 77] فَعُلِمَ أنَّهم قَدْ غُبِنُوا فِيما تَرَكُوا مِنَ المُبايَعَةِ وفِيما تَعاطَوْهُ مِن ذَلِكَ جَمِيعًا. انْتَهى، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى اسْتِعْظامِ ذَلِكَ اليَوْمِ وأنَّ تَغابُنَهُ هو التَّغابُنُ في الحَقِيقَةِ لا التَّغابُنُ في أُمُورِ الدُّنْيا وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ.
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا ﴿يُكَفِّرْ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ فِيها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى ”مَن“ كَما أنَّ الإفْرادَ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ - نُكَفِّرْ. ونُدْخِلْهُ - بِنُونِ العَظَمَةِ فِيهِما ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإدْخالِ الجَنّاتِ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ لِانْطِوائِهِ عَلى النَّجاةِ مِن أعْظَمِ الهَلَكاتِ والظَّفَرِ بِأجَلِّ الطِّلْباتِ.
التغابن 64:10
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ النّارُ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ - والَّتِي قَبْلَها لِاحْتِوائِهِما عَلى مَنازِلِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ - بَيانٌ لِلتَّغابُنِ عَلى تَفْسِيرِهِ بِتَغابُنِ الفَرِيقَيْنِ عَلى التَّقابُلِ ولِما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ نَزَلَ مَنزِلَةَ المُغايِرِ فَعُطِفَ بِالواوِ وكَذا عَلى الإطْلاقِ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ بَيانٌ في الجُمْلَةِ.
التغابن 64:11
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ ما أصابَ أحَدًا مُصِيبَةٌ عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، و”مِن“ زائِدَةٌ، و﴿مُصِيبَةٍ﴾ فاعِلٌ، وعَدَمُ إلْحاقِ التّاءِ في مِثْلِ ذَلِكَ فَصِيحٌ لَكِنَّ الإلْحاقَ أكْثَرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها“ [الحِجْرَ: 5، المُؤْمِنُونَ: 43] ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ [الأنْعامَ: 4] والمُرادُ - بِالمُصِيبَةِ -الرَّزِيَّةُ وما يَسُوءُ العَبْدَ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ أيْ ما أصابَ أحَدًا مِن رَزايا الدُّنْيا أيَّ رَزِيَّةٍ كانَتْ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَمْكِينِهِ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّ الرَّزِيَّةَ بِذاتِها مُتَوَجِّهَةٌ إلى العَبْدِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى إرادَتِهِ تَعالى وتَمْكِينِهِ جَلَّ وعَلا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ - بِالمُصِيبَةِ -الحادِثَةُ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّها تُسْتَعْمَلُ فِيما يُصِيبُ العَبْدَ مِنَ الخَيْرِ وفِيما يُصِيبُهُ مِنَ الشَّرِّ لَكِنْ قِيلَ: إنَّها في الأوَّلِ مِنَ الصَّوْبِ أيِ المَطَرُ، وفي الثّانِي مِن إصابَةِ السَّهْمِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وإنْ كانَ الحُكْمُ بِالتَّوَقُّفِ عَلى الإذْنِ عامًّا.
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عِنْدَ إصابَتِها لِلصَّبْرِ والِاسْتِرْجاعِ عَلى ما قِيلَ، وعَنْ عَلْقَمَةَ لِلْعِلْمِ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَيُسَلِّمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ويَرْضى بِها، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ لِلْيَقِينِ فَيَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وقِيلَ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ يَلْطُفُ بِهِ ويَشْرَحُهُ لِازْدِيادِ
صفحة 125
الخَيْرِ والطّاعَةِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ - نَهْدِ - بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ «يُهْدَ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «قَلْبُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِنَصْبِ «قَلْبِهِ»، وخُرِّجَ عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ مَن وقَلْبَهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ يُهْدَ في قَلْبِهِ، أوْ يُهْدَ إلى قَلْبِهِ عَلى مَعْنى أنَّ الكافِرَ ضالٌّ عَنْ قَلْبِهِ بَعِيدٌ مِنهُ، والمُؤْمِنَ واجِدٌ لَهُ مُهْتَدٍ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] فالكَلامُ مِنَ الحَذْفِ والإيصالِ نَحْوَ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتِحَةَ: 6]، وفِيهِ جَعْلُ القَلْبِ بِمَنزِلَةِ المَقْصِدِ فَمَن ضَلَّ فَقَدْ مُنِعَ مِنهُ ومَن وصَلَ فَقَدْ هُدِيَ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَعْرِيفُهُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ «يَهْدَأُ» بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ «قَلْبُهُ» بِالرَّفْعِ أيْ يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِالإيمانِ ولا يَكُونُ فِيهِ قَلَقٌ واضْطِرابٌ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ - يَهْدا - بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا «يَهْدَ» بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ، وإبْدالُ الهَمْزَةِ في مِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ بِقِياسٍ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، وأجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم قِياسًا، وبُنِيَ عَلَيْهِ جَوازُ حَذْفِ تِلْكَ الألِفَ لِلْجازِمِ، وخُرِّجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى:
جَرِيءٌ مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمُ
أصْلُهُ يَبْدَأُ فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ - يَخْشى - إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الجازِمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُلُوبُ وأحْوالُها ﴿عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ إيمانَ المُؤْمِنِ ويَهْدِي قَلْبَهُ عِنْدَ إصابَةِ المُصِيبَةِ فالجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما أصابَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّها تَذْيِيلٌ لَهُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ في كَلامِ الكَشّافَ رَمْزًا إلى أنَّ في الآيَةِ حَذْفًا أيْ فَمَن لَمْ يُؤْمِن لَمْ يَلْطُفْ بِهِ أوْ لَمْ يَهْدِ قَلْبَهُ، ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وبُنِيَ عَلَيْهِ أنَّ المُصِيبَةَ تَشْمَلُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ أيْضًا لِوُرُودِها عَقِيبَ جَزاءِ المُؤْمِنِ والكافِرِ وإرْدافُها بِالأمْرِ الآتِي وأيُّ مُصِيبَةٍ أعْظَمُ مِنهُما ؟ وهو كَما أشارَ إلَيْهِ يَدْفَعُ في نَحْرِ المُعْتَزِلَةِ
التغابن 64:12
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الإطاعَتَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ، وتَوْضِيحِ مَوْرِدِ التَّوَلِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ عَنْ إطاعَةِ الرَّسُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ أُقِيمَ مَقامَهُ أيْ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إذْ ما عَلَيْهِ إلّا التَّبْلِيغُ المُبِينُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وإظْهارُ الرَّسُولِ مُضافًا إلى نُونِ العَظَمَةِ في مَقامِ إضْمارِهِ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإشْعارِ بِمَدارِ الحُكْمِ الَّذِي هو كَوْنُ وظِيفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَحْضَ البَلاغِ ولِزِيادَةِ تَشْنِيعِ التَّوَلِّي عَنْهُ، والحَصْرُ في الكَلامِ إضافِيٌّ
التغابن 64:13
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ الكَلامُ فِيها كالكَلامِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وقَدْ مَرَّ وحَلا ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيْ عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ التَّوَكُّلِ. أوِ الأمْرِ بِهِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، وقَطْعِ التَّعَلُّقِ بِالمَرَّةِ عَمّا سِواهُ مِنَ البَرِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ تَخْصِيصَ المُؤْمِنِ بِالأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ لِأنَّ الإيمانَ بِأنَّ الكُلَّ مِنهُ تَعالى يَقْتَضِي التَّوَكُّلَ، ومِن هُنا قِيلَ: لَيْسَ في الآياتِ لِمَن تَأمَّلَ في الحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ أعْظَمُ
صفحة 126
مِن هَذِهِ الآيَةِ لِإيمائِها إلى أنَّ مَن لا يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وهي عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: كالخاتِمَةِ والفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، وكالمُخَلِّصِ إلى مَشْرَعٍ آخَرَ.
التغابن 64:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ أيْ إنَّ بَعْضَهم كَذَلِكَ فَمِنَ الأزْواجِ أزْواجًا يُعادِينَ بُعُولَتَهم ويُخاصِمْنَهم ويَجْلِبْنَ عَلَيْهِمْ، ومِنَ الأوْلادِ أوْلادًا يُعادُونَ آباءَهم ويَعُقُّونَهم ويُجَرِّعُونَهُمُ الغُصَصَ والأذى، وقَدْ شاهَدْنا مِنَ الأزْواجِ مَن قَتَلَتْ زَوْجَها، ومَن أفْسَدَتْ عَقْلَهُ بِإطْعامِ بَعْضِ المُفْسِداتِ لِلْعَقْلِ، ومَن كَسَرَتْ قارُورَةَ عِرْضِهِ، ومَن مَزَّقَتْ كِيسَ مالِهِ - ومَن، ومَن - وكَذا مِنَ الأوْلادِ مَن فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ أيْ كُونُوا مِنهم عَلى حَذَرٍ ولا تَأْمَنُوا غَوائِلَهم وشَرَّهم، والضَّمِيرُ لِلْعَدُوِّ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الجَمْعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءَ: 77] فالمَأْمُورُ بِهِ الحَذَرُ عَنِ الكُلِّ، أوْ لِلْأزْواجِ، والأوْلادِ جَمِيعًا، فالمَأْمُورُ بِهِ إمّا الحَذَرُ عَنِ البَعْضِ لِأنَّ مِنهم مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ، وإمّا الحَذَرُ عَنْ مَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ لِاشْتِمالِهِمْ عَلى العَدُوِّ ﴿وإنْ تَعْفُوا﴾ عَنْ ذُنُوبِهِمُ القابِلَةِ لِلْعَفْوِ بِأنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِأُمُورِ الدُّنْيا، أوْ بِأُمُورِ الدِّينِ لَكِنْ مُقارِنَةٌ لِلتَّوْبَةِ بِأنْ لَمْ تُعاقِبُوهم عَلَيْها ﴿وتَصْفَحُوا﴾ تُعْرِضُوا بِتَرْكِ التَّثْرِيبِ والتَّعْيِيرِ ﴿وتَغْفِرُوا﴾ تَسْتُرُوها بِإخْفائِها وتَمْهِيدِ مَعْذِرَتِهِمْ فِيها ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، والمُرادُ يُعامِلُكم بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ، ويَتَفَضَّلُ عَلَيْكم فَإنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولَمّا كانَ التَّكْلِيفُ ها هُنا شاقًّا لِأنَّ الأذى الصّادِرَ مِمَّنْ أحْسَنْتَ إلَيْهِ أشَدُّ نِكايَةً وأبْعَثُ عَلى الِانْتِقامِ ناسَبَ التَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَعْفُوا﴾ إلَخْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ عَداوَتَهم مِن حَيْثُ إنَّهم يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الطّاعاتِ والأُمُورِ النّافِعَةِ لَهم في آخِرَتِهِمْ، وقَدْ يَحْمِلُونَهم عَلى السَّعْيِ في اكْتِسابِ الحَرامِ وارْتِكابِ الآثامِ لِمَنفَعَةِ أنْفُسِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««يَأْتِي زَمانٌ عَلى أُمَّتِي يَكُونُ فِيهِ هَلاكُ الرَّجُلِ عَلى يَدِ زَوْجِهِ ووَلَدِهِ يُعَيِّرانِهِ بِالفَقْرِ فَيَرْكَبُ مَراكِبَ السُّوءِ فَيَهْلَكُ»» .
ومِنَ النّاسِ مَن يَحْمِلُهُ حُبُّهم والشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يَكُونُوا في عَيْشٍ رَغْدٍ في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ فَيَرْتَكِبُ المَحْظُوراتِ لِتَحْصِيلِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَطْلُبُوهُ مِنهُ فَيَهْلَكُ، وسَبَبُ النُّزُولِ أوْفَقُ بِهَذا القَوْلِ.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ إلَخْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وأرادُوا أنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأبى أزْواجُهم وأوْلادُهم أنْ يَدَعُوهم فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَأوُا النّاسَ قَدْ فَقِهُوا في الدِّينِ هَمُّوا أنْ يُعاقِبُوهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ومِن رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُرِيدُ الهِجْرَةَ فَيَحْبِسُهُ امْرَأتُهُ ووَلَدُهُ فَيَقُولُ: أما واللَّهِ لَئِنْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكم في دارِ الهِجْرَةِ لَأفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ فَجَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَهم في دارِ الهِجْرَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ الآيَةَ.
وقِيلَ: إنَّهم قالُوا لَهم لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ تَعالى في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ فَلَمّا هاجَرُوا مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ فَنَزَلَتْ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأوْلادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ فَهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ فَنَزَلَتْ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يَحْقِدَ عَلى زَوْجِهِ ووَلَدِهِ إذا جَنَوْا مَعَهُ جِنايَةً وأنْ لا يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ
التغابن 64:15
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ بَلاءٌ
صفحة 127
ومِحْنَةٌ لِأنَّهم يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمُ الوُقُوعُ في الإثْمِ والشَّدائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ ««يُؤْتى بِرَجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: أكَلَ عِيالُهُ حَسَناتِهِ»»، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ العِيالُ سُوسُ الطّاعاتِ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَأقْبَلَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ عَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَمْشِيانِ ويَعْثُرانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المِنبَرِ فَحَمَلَهُما واحِدًا مِن ذا الشِّقِّ وواحِدًا مَن ذا الشِّقِّ، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ إنِّي لَمّا نَظَرْتُ إلى هَذَيْنِ الغُلامَيْنِ يَمْشِيانِ ويَعْثُرانِ لَمْ أصْبِرْ أنْ قَطَعْتُ كَلامِيَ ونَزَلْتُ إلَيْهِما»» .
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَما هو يَخْطُبُ النّاسَ عَلى المِنبَرِ خَرَجَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَوَطِئَ في ثَوْبٍ كانَ عَلَيْهِ فَسَقَطَ فَبَكى فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ المِنبَرِ فَلَمّا رَآهُ النّاسُ سَعَوْا إلى حُسَيْنٍ يَتَعاطَوْنَهُ يُعْطِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى وقَعَ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ الشَّيْطانَ إنَّ الوَلَدَ لَفِتْنَةٌ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما دَرَيْتُ أنِّي نَزَلْتُ عَنْ مِنبَرِي»» .
وقِيلَ: إذا أمْكَنَكُمُ الجِهادُ والهِجْرَةُ فَلا يَفْتِنُكُمُ المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَنْهُما قالَ في الكَشْفِ: الفِتْنَةُ عَلى هَذا المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ دُونَ العُقُوبَةِ والإثْمِ، وقُدِّمَتِ الأمْوالُ قِيلَ: لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقَ: 6، 7]، وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عِياضٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وإنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي المالُ»» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أوْفى مَرْفُوعًا وكَأنَّهُ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ في الأمْوالِ والأوْلادِ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةَ كَما ذُكِرَتْ فِيما تَقَدَّمَ ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ عَلى مَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والسَّعْيِ في مَصالِحِهِمْ عَلى وجْهٍ يُخِلُّ بِذَلِكَ
التغابن 64:16
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيِ ابْذُلُوا في تَقْواهُ عَزَّ وجَلَّ جُهْدَكم وطاقَتَكم كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وحُكِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 102] اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ العَمَلُ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الأُولى. وجاءَ عَنْ قَتادَةَ نَحْوٌ مِنهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ المُرادُ أنَّ يُطاعَ سُبْحانَهُ فَلا يُعْصى، والكَثِيرُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها ﴿واسْمَعُوا﴾ مَواعِظَهُ تَعالى ﴿وأطِيعُوا﴾ أوامِرَهُ عَزَّ وجَلَّ ونَواهِيَهُ سُبْحانَهُ ﴿وأنْفِقُوا﴾ مِمّا رَزَقَكم في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَكم بِالإنْفاقِ فِيها خالِصًا لِوَجْهِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ وذِكْرُ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، ونَصْبُ ”خَيْرًا“ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وأْتُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم أيِ افْعَلُوا ما هو خَيْرٌ لَها وأنْفَعُ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْحَثِّ عَلى امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ
صفحة 128
وبَيانٌ لِكَوْنِ الأُمُورِ خَيْرًا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ، وفِيهِ شَمَّةٌ مِنَ التَّجْرِيدِ، وعِنْدَ أبِي عُبَيْدٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِيَكُنْ مُقَدِّرًا جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ يَكُنْ خَيْرًا، وعِنْدَ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْفاقًا خَيْرًا، وقِيلَ: هو نُصِبَ - بِأنْفِقُوا - والخَيْرُ المالُ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: هو نُصِبَ عَلى الحالِ وهو بَعِيدٌ في المَعْنى والإعْرابِ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وهو البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَرامٍ
التغابن 64:17
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ تَصْرِفُوا المالَ إلى المَصارِفِ الَّتِي عَيَّنَها عَزَّ وجَلَّ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يَجْعَلْ لَكم جَلَّ شَأْنُهُ بِالواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ وأكْثَرَ، وقُرِئَ - يُضْعِفْهُ - ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بِبَرَكَةِ الإنْفاقِ ما فَرَطَ مِنكم مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ ﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ يُعْطِي الجَزِيلَ بِمُقابَلَةِ النَّزْرِ القَلِيلِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ مَعَ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ
التغابن 64:18
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَبالِغُ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وفي الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ بِالإنْفاقِ ما فِيها لَكِنِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ فَقِيلَ: الإنْفاقُ المَفْرُوضُ يَعْنِي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ وقَدْ صُرِّحَ بِهِ، وقِيلَ: الإنْفاقُ المَندُوبُ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ الكُلَّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الطلاق 65:1
سُورَةُ الطَّلاقِ
وتُسَمّى سُورَةَ -النِّساءِ القُصْرى - كَذا سَمّاها ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَهُ الدّاوُدِيُّ، فَقالَ: لا أرى القُصْرى مَحْفُوظًا ولا يُقالُ لِشَيْءٍ مِن سُورَةِ القُرْآنِ: قُصْرى ولا صُغْرى، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُ رَدٌّ لِلْأخْبارِ الثّابِتَةِ بِلا مُسْتَنَدٍ والقِصَرُ والطُّولُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: طُولى الطُّولَيَيْنِ، وأرادَ بِذَلِكَ سُورَةَ الأعْرافِ -وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. .
واخْتُلِفَ في عَدَدِ آياتِها فَفي البَصْرِيِّ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً، وفِيما عَداهُ اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التَّغابُنَ: 14] وكانَتِ العَداوَةُ قَدْ تُفْضِي إلى الطَّلاقِ ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا الطَّلاقَ وأرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى الِانْفِصالِ مِنهُنَّ عَلى الوَجْهِ الجَمِيلِ، وذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ما يَتَعَلَّقُ بِالأوْلادِ في الجُمْلَةِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ خَصَّ النِّداءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَمَّ الخِطابَ بِالحُكْمِ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمامُ أُمَّتِهِ كَما يُقالُ لِرَئِيسِ القَوْمِ وكَبِيرِهِمْ: يا فُلانُ افْعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ إظْهارًا لِتَقَدُّمِهِ واعْتِبارًا لِتَرَؤُّسِهِ، وأنَّهُ المُتَكَلِّمُ عَنْهم والَّذِي يُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَسْتَبِدُّونَ بِأمْرٍ دُونَهُ فَكانَ هو وحْدَهُ في حُكْمِهِمْ كُلِّهِمْ وسادًّا مَسَدَّ جَمِيعِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِن إظْهارِ جَلالَةِ مَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ لَفْظَ ”النَّبِيُّ“ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: الخِطابُ كالنِّداءِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ:
ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ ما خاطَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنِّداءِ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْهُ لِأُمَّتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما في الطَّلاقِ مِنَ الكَراهَةِ فَلَمْ يُخاطَبْ بِهِ تَعْظِيمًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْ لِأُمَّتِكَ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾، وقِيلَ: حُذِفَ نِداءُ الأُمَّةِ، والتَّقْدِيرُ يا أيُّها النَّبِيُّ
صفحة 129
وأُمَّةَ النَّبِيِّ إذا طَلَّقْتُمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ عَلى تَنْزِيلِ المُشارِفِ لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ الشّارِعِ فِيهِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْلا هَذا التَّجَوُّزُ لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ لِما فِيهِ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ، أوْ كَوْنُ المَعْنى إذا طَلَّقْتُمْ فَطَلِّقُوهُنَّ مَرَّةً أُخْرى وهو غَيْرُ مُرادٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَكَ أنْ تَقُولَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ بَلْ هو مِن تَعْلِيقِ الخاصِّ بِالعامِّ وهو أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى اللُّزُومِ كَما يُقالُ: إنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا لِأنَّ المَعْنى إنْ يَصْدُرْ مِنكَ ضَرْبٌ فَلْيُكُنْ ضَرْبًا شَدِيدًا، وهو أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِهِ بِالإرادَةِ فَتَدَبَّرِ. انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ فِيما ذَكَرَهُ كَوْنُهُ عَلى مَعْنى الإرادَةِ أيْضًا ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ، واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ نَحْوَ كَتَبْتُهُ لِأرْبَعِ لَيالٍ بَقِينَ مِن جُمادى الأُولى، أوْ مُسْتَقْبِلاتٍ لَها عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِما فِيهِ نَظَرُ واعْتِبارُ الِاسْتِقْبالِ - رَأْيُ مَن يَرى أنَّ العِدَّةَ بِالحَيْضِ وهي القُرُوءُ في آيَةِ البَقَرَةِ - كالإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - لِيَكُونَ الطَّلاقُ في الطُّهْرِ وهو الطَّلاقُ المَأْمُورُ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِإيقاعِهِ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ إيقاعِهِ في الحَيْضِ.
وقَدْ صَرَّحُوا جَمِيعًا بِأنَّ ذَلِكَ الطَّلاقَ بِدْعِيٌّ حَرامٌ، وقُيِّدَ الطُّهْرُ بِكَوْنِهِ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ، ولِاعْتِبارِ الِاسْتِقْبالِ بِما أخْرَجَهُ الإمامانِ: مالِكٌ والشّافِعِيُّ والشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخِرُونَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: لِيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ.
وقَرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ -» وكانَ ابْنُ عُمَرَ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ يَقْرَأُ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ومَن يَرى أنَّ العِدَّةَ بِالِأطْهارِ -وهِيَ القُرُوءُ - في تِلْكَ الآيَةِ كالإمامِ الشّافِعِيِّ يُعَلِّقُ لامَ التَّوْقِيتِ بِالفِعْلِ ولا يَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ، واعْتُرِضَ عَلى التَّأْوِيلِ بِمُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ التَّلَبُّسُ بِأوَّلِها فَهو الشّافِعِيُّ، ومَن يَرى رَأْيَهُ لا عَلَيْهِ وعَلى المُخالِفِ لا لَهُ، وإنْ أُرِيدَ المُشارَفَةُ عادَةً فَخِلافُ مُقْتَضى اللَّفْظِ لِأنَّ اللّامَ إذا دَخَلَتِ الوَقْتَ أفادَتْ مَعْنى التَّأْقِيتِ والِاخْتِصاصِ بِذَلِكَ الوَقْتِ لا اسْتِقْبالَ الوَقْتِ، وعَلى الِاسْتِدْلالِ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ السّابِقُ بِأنَّ قُبُلَ الشَّيْءِ أوَّلُهُ نَقِيضُ دُبُرِهِ فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ لا دافِعَةٌ لَهُ، ويَشْهَدُ لِكَوْنِ العِدَّةِ بِالأطْهارِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ - ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ لِأطْهارِ عِدَّتِهِنَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ جُعِلَتِ الإضافَةُ بِمَعْنى - مِن - دَلَّ عَلى أنَّ القُرْءَ هو الحَيْضُ والطُّهْرُ مَعًا، وإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى اللّامَ فَيَكْفِي ما في قَوْلِكَ لِأطْهارِ الحَيْضِ مِنَ التَّنافُرِ رَدًّا مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
وفِي الكَشّافِ المُرادُ - أيْ مِنَ الآيَةِ - أنْ يُطَلَّقْنَ في طُهْرٍ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ وهو أحْسَنُ الطَّلاقِ وأدْخَلُهُ في السُّنَّةِ وأبْعَدُ مِنَ النَّدَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا يُطَلِّقَها لِلسُّنَّةِ إلّا واحِدَةً ثُمَّ لا يُطْلِقُوا غَيْرَ ذَلِكَ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وكانَ أحْسَنُ عِنْدِهِمْ مِن أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ، وقالَ مالِكٌ: لا أعْرِفُ طَلاقَ السُّنَّةِ إلّا واحِدَةً وكانَ يَكْرَهُ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً كانَتْ أوْ مَفْرُوقَةً، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ فَإنَّما كَرِهُوا ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ
صفحة 130
فَأما مَفْرُوقًا في الأطْهارِ فَلا لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنَّهُ قالَ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ: «ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ إنَّما السُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبالًا وتُطَلِّقَها لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً»» ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعُمَرَ: ««مَرِ ابْنَكَ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيَدَعْها حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ لِيُطْلِقْها إنْ شاءَ»» .
وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا بَأْسَ بِإرْسالِ الثَّلاثِ، وقالَ: لا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً وهو مُباحٌ، فَمالِكٌ يُراعِي في طَلاقِ السُّنَّةِ الواحِدَةَ والوَقْتَ، وأبُو حَنِيفَةَ يُراعِي التَّفْرِيقَ والوَقْتَ، والشّافِعِيُّ يُراعِي الوَقْتَ. انْتَهى.
وفِي فَتْحِ القَدِيرِ في الِاحْتِجاجِ عَلى عَدَمِ كَراهَةِ التَّفْرِيقِ عَلى الأطْهارِ وكَوْنِهِ مِنَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ رِوايَةٌ غَيْرَ ما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وقَدْ قالَ فِيها ما قالَ إلّا أنَّهُ في الآخِرَةِ رَجَّحَ قَبُولَها، والمُرادُ بِإرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً ما يَعُمُّ كَوْنَها بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَأنْ يُقالَ: أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، أوْ بِلَفْظٍ واحِدٍ كَأنْ يُقالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وفي وُقُوعِ هَذا ثَلاثًا خِلافٌ، وكَذا في وُقُوعِ الطَّلاقِ مُطْلَقًا في الحَيْضِ، فَعِنْدَ الإمامِيَّةِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ بِلَفْظِ الثَّلاثِ. ولا في حالَةِ الحَيْضِ لِأنَّهُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمَرُنا فَهو رَدٌّ»»، ونَقَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمْ- فِيما قِيلَ - طاوُسٌ وعِكْرِمَةُ: الطَّلاقُ الثَّلاثُ بِفَمٍ واحِدٍ يَقَعُ بِهِ واحِدَةٌ، ورَوى هَذِهِ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - وهو اخْتِيارُ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِنَ الحَنابِلَةِ - وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ قالَ: نَعَمْ»، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الطَّلاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقَ الثَّلاثِ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَ لَهم فِيهِ أناةٌ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ»، ومِنهم مَن قالَ في المَدْخُولِ بِها: يَقَعُ ثَلاثٌ، وفي الغَيْرِ واحِدَةٌ لِما في مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوا ذَلِكَ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ» الحَدِيثَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، ومَن بَعْدَهم مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ - ومِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ - وُقُوعُ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ بَلْ ذَكَرَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ وُقُوعَ الإجْماعِ السُّكُوتِيِّ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى الوُقُوعِ.
ونُقِلَ عَنْ أكْثَرِ مُجْتَهَدِيهِمْ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الإفْتاءُ الصَّرِيحُ بِذَلِكَ، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ إمْضاءَ عُمَرَ الثَّلاثَ عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ مُخالَفَتِهِ الصَّحابَةَ لَهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها كانَتْ واحِدَةً لا يُمْكِنُ إلّا لِأنَّهم قَدِ اطَّلَعُوا في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَلى وُجُودِ ناسِخٍ، أوْ لِعِلْمِهِمْ بِانْتِهاءِ الحُكْمِ لِعِلْمِهِمْ بِإناطَتِهِ بِمَعانٍ عَلِمُوا انْتِهاءَها في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ، واسْتَحْسَنَ ابْنُ حَجَرٍ في التُّحْفَةِ الجَوابَ بِالِاطِّلاعِ عَلى ناسِخٍ بَعْدَ نَقْلِهِ جَوابَيْنِ سِواهُ وتَزْيِيفِهِ لَهُما، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ أخْبارٍ مَرْفُوعَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الثَّلاثَ فِيها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، ولَعَلَّهُ هو الظّاهِرُ لا بِلَفْظٍ واحِدٍ كَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُوقِعِ الثَّلاثَ بِهَذا اللَّفْظِ لَكِنْ إذا صَحَّ الإجْماعُ ولَوْ سُكُوتِيًّا عَلى الوُقُوعِ لا يَنْبَغِي إلّا المُوافَقَةُ والسُّكُوتُ، وتَأْوِيلُ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، ولِذا قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: لَوْ حَكَمَ قاضٍ بِأنَّ الثَّلاثَ بِفَمٍ واحِدٍ واحِدَةٌ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ
صفحة 131
لِأنَّهُ لا يَسُوغُ الِاجْتِهادُ فِيهِ لِإجْماعِ الأئِمَّةِ المُعْتَبَرِينَ عَلَيْهِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في مَعْصِيَةِ مَن يُوقِعُهُ كَذَلِكَ، ومَن قالَ: بِمَعْصِيَتِهِ اسْتَدَلَّ بِما رَوى النَّسائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: ««أخْبَرْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا جَمِيعًا فَقامَ غَضْبانَ فَقالَ: أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ ! حَتّى قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أقْتُلُهُ»» وبِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ أباهُ طَلَّقَ امْرَأةً لَهُ ألْفَ تَطْلِيقَةٍ فانْطَلَقَ عُبادَةُ فَسَألَهُ ﷺ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بانَتْ بِثَلاثٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ عُدْوانٌ وظُلْمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ»» ويُفْهَمُ مِن هَذا حُرْمَةُ إيقاعِ الزّائِدِ أيْضًا وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، ومُقْتَضى قَوْلِ الرُّويانِيِّ - واعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وغَيْرُهُ -أنَّهُ يُعَزَّرُ فاعِلُهُ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ تَعاطى نَحْوَ عَقْدٍ فاسِدٍ وهو حَرامٌ، ونُوزِعَ في ذَلِكَ بِما فِيهِ نَظَرٌ، وبِما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاثًا فَقالَ لَهُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ومَن قالَ بِعَدَمِها اسْتَدَلَّ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن أنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ لَمّا لاعَنَ امْرَأتَهُ طَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُرْمَتِها عَلَيْهِ، وقالَ: إنَّهُ لَوْ كانَ مَعْصِيَةً لَنَهاهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ مُعْتَقِدًا بَقاءَ الزَّوْجِيَّةِ، ومَعَ اعْتِقادِها يَحْرُمُ الجَمْعُ عِنْدَ المُخالِفِ، ومَعَ الحُرْمَةِ يَجِبُ الإنْكارُ عَلى العالِمِ وتَعْلِيمُ الجاهِلِ ولَمْ يُوجَدا، فَدَلَّ عَلى أنْ لا حُرْمَةَ وبِأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تُماضِرَ ثَلاثًا في مَوْضِعِهِ والحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما طَلَقَّ زَوْجَتَهُ شَهْبانُوا ثَلاثًا لَمّا هَنَتْهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ وفاةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقالَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ في ذَلِكَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم قالُوا: ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ، وهو أبْعَدُ مِن قَوْلِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ فِيما رُوِيَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى العِصْيانِ فِيهِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ في الحَيْضِ فالمَعْصِيَةُ فِيهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ.
واسْتُدِلَّ عَلى كَوْنِهِ مَعْصِيَةً إذا كانَ في الحَيْضِ بِما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ كالرِّوايَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ فِيما نُقِلَ عَنِ الكَشّافِ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِما عَلى حُرْمَةِ إرْسالِ الثَّلاثِ بَحْثٌ، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالثّانِيَةِ عَلى وُجُوبِ الرَّجْعَةِ لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّها لا تَجِبُ بَلْ تَنْدُبُ في الطَّلاقِ البِدْعِيِّ، وإنَّما لَمْ تَجِبْ لِأنَّ الأمْرَ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، ولَيْسَ في - فَلْيُراجِعْها - أمْرٌ لِابْنِ عُمَرَ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى أمْرِ عُمَرَ، فالمَعْنى فَلْيُراجِعْها لِأجْلِ أمْرِكَ لِكَوْنِكَ والِدَهُ، واسْتِفادَةُ النَّدْبِ مِنهُ حِينَئِذٍ إنَّما هي مِنَ القَرِينَةِ، وإذا راجَعَ ارْتَفَعَ الإثْمُ المُتَعَلِّقُ بِحَقِّ الزَّوْجَةِ لا في الرَّجْعَةِ قاطِعَةٌ لِلضَّرَرِ مِن أصْلِهِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ تَرْفَعُ أصْلَ المَعْصِيَةِ، وبِهِ فارِقُ دَفْنِ البُصاقِ في المَسْجِدِ فَإنَّهُ قاطِعٌ لِدَوامِ ضَرَرِهِ لا لِأصْلِهِ لِأنَّ تَلْوِيثَ المَسْجِدِ بِهِ قَدْ حَصَلَ، ويَنْدَفِعُ بِما ذُكِرَ ما قِيلَ: رَفْعُ الرَّجْعَةِ لِلتَّحْرِيمِ كالتَّوْبَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها إذْ كَوْنُ الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ الواجِبِ في خُصُوصِيَّةٍ مِن خُصُوصِيّاتِهِ لا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، ولا يُسْتَدَلُّ بِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إيقاعِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ عَلى فَسادِ الطَّلاقِ فِيهِ إذِ النَّهْيُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ مُطْلَقًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلى الفَسادِ في العِباداتِ وفي المُعامَلاتِ إذا رَجَعَ إلى نَفْسِ العَقْدِ أوْ إلى أمْرٍ داخِلٍ فِيهِ أوْ لازِمٍ لَهُ فَإنْ رَجَعَ إلى أمْرٍ مُقارَنٍ كالبَيْعِ وقْتَ النِّداءِ فَلا، وما نَحْنُ فِيهِ لِأمْرٍ مُقارَنٍ وهو زَمانُ الحَيْضِ فَهو عِنْدَهُ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ هُنا أيْضًا، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِالرَّجْعَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ لَمْ يُؤْمَرْ بِها قِيلَ: وما كانَ مِنهُ مِنَ التَّطْلِيقِ في الحَيْضِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّذِي رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.
صفحة 132
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ﴾ الآيَةَ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وطُفَيْلِ بْنِ الحارِثِ وعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقالَ بَعْضُهم: فَعَلَهُ ناسٌ مِنهُمُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ. وعُتْبَةُ بْنُ غَزَوانَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ طَلَّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واحِدَةً فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَراجَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَواهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنْ عُلَماءِ الحَدِيثِ: إنَّ الأصَحَّ أنَّها نَزَلَتِ ابْتِداءً لِبَيانِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ لَها لَمْ يَصِحَّ، وحَكى أبُو حَيّانَ نَحْوَهُ عَنِ الحافِظِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ، وظاهِرُها أنَّ نَفْسَ الطَّلاقِ مُباحٌ، واسْتَدَلَّ لَهُ أيْضًا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ مِن أبْغَضِ المُباحاتِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الطَّلاقَ»» وفي لَفْظٍ ««أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ»» لِوَصْفِهِ بِالإباحَةِ والحِلِّ لِأنَّ أفْعَلَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ مَبْغُوضًا التَّنْفِيرُ عَنْهُ أوْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَطْعِ الوَصْلَةِ وحَلِّ قَيْدِ العِصْمَةِ لا مِن حَيْثُ حَقِيقَتُهُ في نَفْسِهِ.
وقالَ البَيْهَقِيُّ: البُغْضُ عَلى إيقاعِهِ كُلَّ وقْتٍ مِن غَيْرِ رِعايَةٍ لِوَقْتِهِ المَسْنُونِ، وبِطَلاقِهِ ﷺ حَفْصَةَ ثُمَّ أمْرِهِ تَعالى إيّاهُ أنْ يُراجِعَها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مَحْظُورٌ لِما فِيهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَةِ النِّكاحِ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ مِذْواقٍ مِطْلاقٍ»» وإنَّما أُبِيحَ لِلْحاجَةِ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: وهَذا هو الأصَحُّ فَيُكْرَهُ إذا لَمْ يَكُنْ حاجَةً، ويُحْمَلُ لَفْظُ المُباحِ عَلى ما أُبِيحَ في بَعْضِ الأوْقاتِ أعْنِي أوْقاتَ تَحَقُّقِ الحاجَةِ المُبِيحَةِ وهو ظاهِرٌ في رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ - ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ - فَإنَّ الفِعْلَ لا عُمُومَ لَهُ في الأزْمانِ، ومِنَ الحاجَةِ الكِبَرُ وعَدَمُ اشْتِهائِهِ جِماعَها بِحَيْثُ يَعْجَزُ أوْ يَتَضَرَّرُ بِإكْراهِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وهي لا تَرْضى بِتَرْكِ ذَلِكَ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - وكانَ قِيلَ لَهُ في كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ وطَلاقِهِ مِن قَوْلِهِ: أُحِبُّ الغِنى - قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النِّساءَ: 130] فَهو رَأْيٌ مِنهُ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، وكُلُّ ما نُقِلَ مِن طَلاقِ الصَّحابَةِ - كَطَلاقِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الزَّوْجاتِ الأرْبَعَ دُفْعَةً - فَقَدْ قالَ لَهُنَّ: أنْتُنَّ حَسَناتُ الأخْلاقِ ناعِماتُ الأطْواقِ طَوِيلاتُ الأعْناقِ اذْهَبْنَ فَأنْتُنَّ طَلاقٌ فَمَحْمَلُهُ وُجُودُ الحاجَةِ، وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِها، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: هو إمّا واجِبٌ كَطَلاقِ مُوَلٍّ لَمْ يُرِدِ الوَطْءَ وحَكَمَيْنِ رَأياهُ، أوْ مَندُوبٌ كَأنْ يَعْجَزَ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِها ولَوْ لِعَدَمِ المَيْلِ إلَيْها، أوْ تَكُونُ غَيْرَ عَفِيفَةٍ ما لَمْ يَخْشَ الفُجُورَ بِها، ومِن ثَمَّ أمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن قالَ: ««إنَّ زَوْجَتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ»» أيْ لا تَمْنَعُ مَن يُرِيدُ الفُجُورَ بِها عَلى أحَدِ أقْوالٍ مِن مَعْناهُ بِإمْساكِها خَشْيَةً مِن ذَلِكَ، ويَلْحَقُ بِخَشْيَةِ الفُجُورِ بِها حُصُولُ مَشَقَّةٍ لَهُ بِفِراقِها تُؤَدِّي إلى مُبِيحِ تَيَمُّمٍ، وكَوْنُ مَقامِها عِنْدَهُ أمْنَعُ لِفُجُورِها فِيما يَظْهَرُ فِيهِما، أوْ سَيِّئَةُ الخُلُقِ أيْ بِحَيْثُ لا يَصْبِرُ عَلى عِشْرَتِها عادَةً فِيما يَظْهَرُ، وإلّا فَغَيْرُ سَيِّئَةِ الخُلُقِ كالغُرابِ الأعْصَمِ أوْ يَأْمُرُهُ بِهِ أحَدُ والِدَيْهِ أيْ مِن غَيْرِ تَعَنُّتٍ كَما هو شَأْنُ الحَمْقى مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ أوْ مَشَقَّةٍ بِطَلاقِها فِيما يَظْهَرُ، أوْ حَرامٌ كالبِدْعِيِّ، أوْ مَكْرُوهٌ بِأنْ سَلِمَ الحالُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ ««لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَلالِ أبْغَضُ إلى اللَّهِ مِنَ الطَّلاقِ»» ولِدَلالَتِهِ عَلى زِيادَةِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ قالُوا: لَيْسَ فِيهِ مُباحٌ لَكِنْ صَوَّرَهُ الإمامُ بِما إذا لَمْ يَشْتَهِها أيْ شَهْوَةً كامِلَةً ولا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمُؤْنَتِها مِن غَيْرِ تَمَتُّعٍ. اهَـ.
والآيَةُ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن حُرْمَتِهِ في الحَيْضِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ فِيها المَدْخُولُ بِهِنَّ مِنَ المُعْتَدّاتِ بِالحَيْضِ عَلى ما في الكَشّافِ، وغَيْرِهِ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ .
صفحة 133
﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ واضْبُطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ كَوامِلَ، وأصْلُ مَعْنى الإحْصاءِ العَدُّ بِالحَصى كَما كانَ مُعْتادًا قَدِيمًا ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيما ذُكِرَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ والإضْرارِ بِهِنَّ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَهم تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ ومُبالَغَةٌ في إيجابِ الِاتِّقاءِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ مِن مَساكِنِهِنَّ عِنْدَ الطَّلاقِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، وإضافَتُها إلَيْهِنَّ وهي لِأزْواجِهِنَّ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ بِبَيانِ كَمالِ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِسُكْناها كَأنَّها أمْلاكُهُنَّ، وعَدَمُ العَطْفِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالطَّلَبِ اعْتِناءً بِهِ، والنَّهْيُ عَنِ الإخْراجِ يَتَناوَلُ عَدَمَ إخْراجِهِنَّ غَضَبًا عَلَيْهِنَّ أوْ كَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ أوْ لِحاجَةٍ لَهم إلى المَساكِنِ أوْ مَحْضُ سَفَهٍ بِمَنطُوقِهِ، ويَتَناوَلُ عَدَمَ الإذْنِ لَهُنَّ في الخُرُوجِ بِإشارَتِهِ لِأنَّ خُرُوجَهُنَّ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ أمّا إذا كانَتْ لا ناهِيَةً كالَّتِي قَبْلَها فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَتْ نافِيَةً فَلِأنَّ المُرادَ بِهِ النَّهْيُ، وهو أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ كَما لا يَخْفى، والإذْنُ في فِعْلِ المُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُخْرِجُوهُنَّ ولا تَأْذَنُوا لَهُنَّ في الخُرُوجِ إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ ولا يَخْرُجْنَ بِأنْفُسِهِنَّ إنْ أرَدْنَ فَهُناكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ سُكُونَهُنَّ في البُيُوتِ حَقٌّ لِلشَّرْعِ مُؤَكَّدٌ فَلا يَسْقُطُ بِالإذْنِ، وهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلَبِيُّ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُما لَوِ اتَّفَقا عَلى الِانْتِقالِ جازَ إذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهُما، فالمَعْنى لا تُخْرِجُوهُنَّ ولا يَخْرُجْنَ بِاسْتِبْدادِهِنَّ وتَعَقَّبَ الشِّهابُ كَوْنَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ ذَكَرَ الرّازِيُّ في الأحْكامِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ وأنَّ السُّكْنى كالنَّفَقَةِ تَسْقُطُ بِالإسْقاطِ. انْتَهى.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن كَلامِهِمْ ما ذَكَرَهُ الجَلَبِيُّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الحَصْكَفِيُّ في الدُّرِّ المُخْتارِ، وعَلَّلَهُ بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَلا يَسْقُطُ بِالإذْنِ، وفي الفَتْحِ لَوِ اخْتَلَعَتْ عَلى أنْ لا سُكْنى لَها تَبْطُلُ مُؤْنَةُ السُّكْنى عَنِ الزَّوْجِ ويَلْزَمُها أنْ تَكْتَرِيَ بَيْتَهُ، وأمّا أنْ يَحِلَّ لَها الخُرُوجُ فَلا ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ ظاهِرَةٍ هي نَفْسُ الخُرُوجِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ السّائِبِ والنَّخَعِيِّ - وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ - والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى ”لا يَخْرُجْنَ“ والمَعْنى لا يُطْلَقُ لَهُنَّ في الخُرُوجِ إلّا في الخُرُوجِ الَّذِي هو فاحِشَةٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُطْلَقُ لَهُنَّ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنعًا عَنِ الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وقالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: هَذا كَما يُقالُ في الخَطّابِيَّةِ: لا تَزْنِ إلّا أنْ تَكُونَ فاسِقًا ولا تَشْتُمْ أُمَّكَ إلّا أنْ تَكُونَ قاطِعَ رَحِمٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ وهو بَدِيعٌ وبَلِيغٌ جِدًّا، والزِّنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ أخَذَ أبُو يُوسُفَ، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى لا تُخْرِجُوهُنَّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ أيْ لا تُخْرِجُوهُنَّ إلّا إنْ زَنَيْنَ فَأخْرِجُوهُنَّ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هو راجِعٌ إلى الكُلِّ وما يُوجِبُ حَدًّا مِن زِنًا أوْ سَرِقَةٍ أوْ غَيْرِهِما - كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، والبَذاءُ عَلى الأحْماءِ أيْ أوْ عَلى الزَّوْجِ - كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - والِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى الأوَّلِ أيْ لا تُخْرِجُوهُنَّ إلّا إذا طالَتْ ألْسِنَتُهُنَّ وتَكَلَّمْنَ بِالكَلامِ الفاحِشِ القَبِيحِ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ أحْمائِهِنَّ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ «إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكم» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الحاءِ، وفي مُوَضَّحِ الأهْوازِيِّ «يُفْحِشْنَ» مِن أفْحَشَ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: أفْحَشَ عَلَيْهِ في النُّطْقِ أيْ أتى بِالفُحْشِ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - إلّا أنْ يَفْحُشْنَ - بِدُونِ عَلَيْكم والنُّشُوزُ، والمُرادُ إلّا أنْ
صفحة 134
يُطَلَّقْنَ عَلى النُّشُوزِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ قِيلَ: راجِعٌ إلى الأوَّلِ أيْضًا، وفي الكَشْفِ هو راجِعٌ إلى الكُلِّ لِأنَّهُ إذا سَقَطَ حَقُّها في السُّكْنى حَلَّ الإخْراجُ والخُرُوجُ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ حَصْرُ المُبِيحِ لِفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالإتْيانِ بِالفاحِشَةِ، وقَدْ بُيِّنَتِ المُبِيحاتُ في كُتُبِ الفُرُوعِ فَلْيُراجِعْها مَن أرادَ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ «مُبَيَّنَةٍ» بِالفَتْحِ ﴿وتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ أيْ تِلْكَ الأحْكامُ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي عَيَّنَها لِعِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ حُدُودَهُ تَعالى المَذْكُورَةَ بِأنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أنَّ الإظْهارَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّعَدِّي والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ أضَرَّ بِها كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، ونَقَلَ عَنْ بَعْضِ تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُقَلِّبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ ولا يُمْكِنُهُ تَدارُكُهُ، أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وخُصَّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ أكْثَرِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ واهْتِمامِهِمْ بِدَفْعِهِ أقْوى.
ورُدَّ بِأنَّ الضَّرَرَ الدُّنْيَوِيَّ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الظُّلْمِ ها هُنا بِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي﴾ إلَخْ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ بَلْ هو تَرْغِيبٌ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الحُدُودِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ، وفِيهِ أنَّهُ بِالتَّرْهِيبِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّرْغِيبِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن أضَرَّ بِها عَرَّضَها لِلضَّرَرِ، فالظُّلْمُ هو ذَلِكَ التَّعْرِيضُ ولا مَحْذُورَ في تَفْسِيرِهِ بِهِ فِيما يَظْهَرُ، وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿لا تَدْرِي﴾، وعْدَّ أبُو حَيّانَ ﴿لَعَلَّ﴾ مِنَ المُعَلِّقاتِ، والخِطابُ في ﴿لا تَدْرِي﴾ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي لا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قِيلَ، فالمَعْنى مَن يَتَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرَرِ فَإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ ﴿لَعَلَّ اللَّهَ﴾ تَعالى يُحْدِثُ في قَلْبِكَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي ﴿أمْرًا﴾ يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ فَيَكُونُ بَدَلُ بُغْضِها مَحَبَّةً وبَدَلُ الإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها، ولا يَتَسَنّى تَلافِيهِ بِرَجْعَةٍ أوِ اسْتِئْنافِ
الطلاق 65:2
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ شارَفْنَ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ فَراجِعُوهُنَّ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بِحُسْنِ مُعاشَرَةٍ وإنْفاقٍ مُناسِبٍ لِلْحالِ مِنَ الجانِبَيْنِ.
﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِإيفاءِ الحَقِّ واتِّقاءِ الضِّرارِ مِثْلَ أنْ يُراجِعَها ثُمَّ يُطَلِّقُها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ.
﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عِنْدَ الرَّجْعَةِ إنِ اخْتَرْتُمُوها أوِ الفُرْقَةِ إنِ اخْتَرْتُمُوها تَبَرِّيًا عَنِ الرِّيبَةِ وقَطْعًا لِلنِّزاعِ، وهَذا أمْرُ نَدْبٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البَقَرَةَ: 282]، وقالَ الشّافِعِيُّ في القَدِيمِ: إنَّهُ لِلْوُجُوبِ في الرَّجْعَةِ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أمَرَ بِالإشْهادِ عَلى الطَّلاقِ وأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وأنَّهُ لِلْوُجُوبِ وشَرْطٌ في صِحَّةِ الطَّلاقِ ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ أيْ أيُّها الشُّهُودُ عِنْدَ الحاجَةِ ﴿لِلَّهِ﴾ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ إذا تَعاطَفَ أمْرانِ لِمَأْمُورَيْنِ يَلْزَمُ ذِكْرُ النِّداءِ أوْ يَقْبُحُ تَرْكُهُ نَحْوَ اضْرِبْ يا زَيْدُ وقُمْ يا عَمْرُو، ومَن خَصَّ جَوازَ التَّرْكِ بِلا قُبْحٍ بِاخْتِلافِهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يُوسُفَ: 29] فَإنَّ المَأْمُورَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 135
﴿أشَهِدُوا﴾ لِلْمُطَلِّقِينَ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ لِلشُّهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ تَعاطَفَ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ في أفْصَحِ الكَلامِ.
﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، والإشارَةُ عَلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ إلى الحَثِّ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى كَما في الكَشْفِ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى جَمِيعِ ما مَرَّ مِن إيقاعِ الطَّلاقِ عَلى وجْهِ السُّنَّةِ وإحْصاءِ العِدَّةِ والكَفِّ عَنِ الإخْراجِ والخُرُوجِ وإقامَةِ الشَّهادَةِ لِلرَّجْعَةِ أوِ المُفارَقَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ مُلاءَمَةً لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ .
الطلاق 65:3
﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ بِالوَعْدِ عَلى اتِّقاءِ اللَّهِ تَعالى فِيها، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ، ولَمْ يُضارَّ المُعْتَدَّةَ، ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها واحْتاطَ فَأشْهَدَ يَجْعَلْ لَهُ سُبْحانَهُ مَخْرَجًا مِمّا عَسى أنْ يَقَعَ في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ والوُقُوعِ في المَضايِقِ ويُفَرِّجْ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الكُرُوبِ، ويَرْزُقْهُ مِن وجْهٍ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ولا يَحْتَسِبُهُ، وفي الأخْبارِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ - كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُ بِظاهِرِهِ هَذا الوَجْهَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا جِيءَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ﴾ إلَخْ، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو أوْلى لِعُمُومِ الفائِدَةِ، وتَناوُلِهِ لِما نَحْنُ فِيهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، ولِاقْتِضاءِ أخْبارٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وغَيْرِهِ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ﴾ إلَخْ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ - في المَعْرِفَةِ - والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ فَجَعَلَ يُرَدِّدُها حَتّى نَعَسْتُ ثُمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ لَوْ أنَّ النّاسَ كُلَّهم أخَذُوا بِها لَكَفَتْهم»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِيَ أسَرَهُ العَدُوُّ وجَزِعَتْ أُمُّهُ فَما تَأْمُرُنِي ؟ قالَ: آمُرُكَ وإيّاها أنْ تَسْتَكْثِرا مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَتِ المَرْأةُ: نِعْمَ ما أمَرَكَ فَجَعَلا يُكْثِرانِ مِنها فَتَغَفَّلَ العَدُوَّ فاسْتاقَ غَنَمَهم فَجاءَ بِها إلى أبِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾»» الآيَةَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ مَوْلى آلِ قَيْسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: أُسِرَ ابْنُ عَوْفٍ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرْسِلْ إلَيْهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أنْ تُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وكانُوا قَدْ شَدُّوهُ بِالقَدِّ فَسَقَطَ القَدُّ عَنْهُ فَخَرَجَ فَإذا هو بِناقَةٍ لَهم فَرَكِبَها فَإذا سَرْحٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ كانُوا شَدَّدُوهُ فَصاحَ بِها فاتَّبَعَ آخِرُها أوَّلَها فَلَمْ يَفْجَأْ أبَوَيْهِ إلّا وهو يُنادِي بِالبابِ فَأتى أبُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾» إلَخْ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أصابَهُ جُهْدٌ وبَلاءٌ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ««اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ فَرَجَعَ ابْنُهُ وقَدْ أصابَ أعَنُزًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ فَقالَ: هي لَكَ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُضْطَرِبٌ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاسْتِطْرادِ قِيلَ: المَعْنى مَن يَتَّقِ الحَرامَ
صفحة 136
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ، وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ العُقُوبَةِ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ مِنَ الثَّوابِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ”مَن يَتَّقِ اللَّهَ“ عِنْدَ المُصِيبَةِ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ إلى الجَنَّةِ، والكُلُّ كَما تَرى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ العُمُومُ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وفي الكَشْفِ إنَّ تَنْوِيعَ الوَعْدِ لِلْمُتَّقِي وتَكْرِيرَ الحَثِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّقْوى مِلاكُ الأمْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ناطَ بِهِ سُبْحانَهُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الطَّلاقِ والعِدَّةَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَقْوى لِأنَّهُ أبْغَضُ المُباحِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ الإيحاشِ وقَطْعِ الأُلْفَةِ المُمَهِّدَةِ، ثُمَّ الِاحْتِياطُ في أمْرِ النَّسَبِ الَّذِي هو مِن جُلَّةِ المَقاصِدِ يُؤْذِنُ بِالتَّشْدِيدِ في أمْرِ العِدَّةِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْوى لِيَقَعَ الطَّلاقُ عَلى وجْهٍ يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُحْتاطُ في العِدَّةِ ما يَجِبُ فَهُنالِكَ يَحْصُلُ لِلزَّوْجَيْنِ المَخْرَجُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَلَيْهِ فالزَّوْجَةُ داخِلَةٌ في العُمُومِ كالزَّوْجِ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ كافِيهِ عَزَّ وجَلَّ في جَمِيعِ أُمُورِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وهْبٍ قالَ: ««يَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: إذا تَوَكَّلَ عَلَيَّ عَبْدِي لَوْ كادَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ المَخْرَجَ»» ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفِ إلى مَفْعُولِهِ والأصْلُ بالِغٌ أمْرَهُ بِالنَّصْبِ - كَما قَرَأ بِهِ الأكْثَرُونَ - أيْ يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَفُوتُهُ مُرادٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ في رِوايَةٍ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بالِغٌ» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ - بالِغٌ -الخَبَرُ - لِأنَّ- أوْ مُبْتَدَأٌ، وبالِغٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أيْ نافِذٌ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ في رِوايَةٍ أيْضًا بالِغًا بِالنَّصْبِ «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ بالِغًا حالٌ مِن فاعِلِ ”جَعَلَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ لا مِنَ المُبْتَدَأِ لِأنَّهم لا يَرْتَضُونَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ جَعَلَ﴾ إلَخْ خَبَرُ ”إنَّ“، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بالِغًا هو الخَبَرُ عَلى لُغَةِ مَن يَنْصِبُ الجُزْأيْنِ - بِإنَّ - كَما في قَوْلِهِ:
إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا
وتُعُقِّبَ بِأنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومَعْنى ﴿قَدْرًا﴾ تَقْدِيرًا، والمُرادُ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، أوْ مِقْدارًا مِنَ الزَّمانِ، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ تَعالى لا يَبْقى إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْقِيتِ الطَّلاقِ والأمْرِ بِإحْصاءِ العِدَّةِ، وتَمْهِيدٍ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن مَقادِيرِها.
وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «قَدَرًا» بِفَتْحِ الدّالِ
الطلاق 65:4
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ أيِ الحَيْضِ، وقُرِئَ - يَيْأسْنَ - مُضارِعًا ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ لِكِبَرِهِنَّ، وقَدْ قَدَّرَ بَعْضُهم سِنَّ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: هو غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ، وقِيلَ غالِبُ سِنِّ يَأْسِ النِّساءِ في مَكانِها الَّتِي هي فِيهِ فَإنَّ المَكانَ إذا كانَ طَيِّبَ الهَواءِ والماءِ - كَبَعْضِ الصَّحارى - يُبْطِئُ فِيهِ سِنُّ اليَأْسِ، وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ، وهَذا القَوْلُ - بالِغٌ دَرَجَةَ اليَأْسِ - مِن أنْ يُقْبَلَ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ وتَرَدَّدْتُمْ في عِدَّتِهِنَّ، أوْ إنْ جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
صفحة 137
أنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَّةِ النِّساءِ عِدَدٌ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ الصِّغارِ والكِبارِ اللّاتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الحَيْضُ وذَواتُ الحَمْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ القُصْرى ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ أنَّ قَوْمًا مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَةَ: 228] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟ فَنَزَلَ ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ إلَخْ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟ فَنَزَلَ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلَخْ.
ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ هُنا لا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلْواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَ فِيها مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّقْيِيدِ، وتَقْدِيرُ مُتَعَلَّقِ الِارْتِيابِ ما سَمِعْتَ هو ما أشارَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ أهْوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ فَعِدَّتُهُنَّ إلَخْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في حَيْضِهِنَّ وقَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الدَّمُ وكُنَّ مِمَّنْ يَحِيضُ مِثْلُهُنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ لا تَدْرِي أهْوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ، وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، والِارْتِيابُ مِنَ الأضْدادِ والكُلُّ كَما تَرى.
والمَوْصُولُ قالُوا: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ إلَخْ، ”وإنِ ارْتَبْتُمْ“ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فاعْلَمُوا أنَّها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والشَّرْطُ وجَوابُهُ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ إلَخْ جَوابَ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلَ: 53] والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ مِن غَيْرِ حَذْفٍ وتَقْدِيرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ كَذَلِكَ أوْ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وجُوِّزَ عَطْفُ هَذا المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ وجَعْلُ الخَبَرِ لَهُما مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، والمُرادُ - بِاللّائِي لَمْ يَحِضْنَ -الصِّغارُ اللّائِي لَمْ يَبْلُغْنَ سِنَّ الحَيْضِ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ شُمُولَهُ مَن لَمْ يَحِضْنَ لِصِغَرٍ ومَن لا يَكُونُ لَهُنَّ حَيْضٌ البَتَّةَ كَبَعْضِ النِّساءِ يَعِشْنَ إلى أنْ يَمُتْنَ ولا يَحِضْنَ، ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً.
﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ أيْ مُنْتَهى عِدَّتِهِنَّ ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَوْ نَحْوَ مُضْغَةٍ وعَلَقَةٍ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُنَّ مُطَلَّقاتٍ أوْ مُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَرْأةِ يَتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وهي حامِلٌ فَقالَ: إذا وضَعَتْ حَمْلَها فَقَدْ حَلَّتْ فَأخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: لَوْ ولَدَتْ وزَوْجُها عَلى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ لَحَلَّتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ أنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ القُصْرى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ بِكَذا وكَذا شَهْرًا وكُلُّ مُطَلَّقَةٍ أوْ مُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَأجَلُها أنْ تَضَعَ حَمْلَها، وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِسَبْعِ سِنِينَ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وعائِشَةَ - وإلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهاءُ الأمْصارِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وأبُو يَعْلى والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أهِيَ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها ؟ قالَ: «هِيَ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها»» ورَوى جَماعَةٌ نَحْوَهُ
صفحة 138
عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وصَحَّ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةَ كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوفِّيَ عَنْها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ فَوَضَعَتْ بَعْدَ وفاتِهِ بِثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وفي رِوايَةٍ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وفي أُخْرى بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فاخْتَضَبَتْ وتَكَحَّلَتْ وتَزَيَّنَتْ تُرِيدُ النِّكاحَ فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْها فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «إنْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَلا أجَلُها»» وذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلى أنَّ الآيَةَ في المُطَلَّقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَعِدَّتُها آخِرُ الأجَلَيْنِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ.
وعَلى ما تَقَدَّمَ فالآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البَقَرَةَ: 234] الآيَةَ عَلى رَأْيِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهم مِنَ الشّافِعِيَّةِ لِأنَّ العامَّ المُطْلَقَ المُتَأخِّرَ ناسِخٌ عِنْدَهم فَأوْلى أنْ يَكُونَ العامُّ مِن وجْهٍ كَذَلِكَ، وأمّا مَن لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ فَمَن لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ بَيانِ العامِّ قالَ: بِالنَّسْخِ أيْضًا لِأنَّ العامَّ الأوَّلَ حِينَئِذٍ مُرادُ تَناوُلِهِ لِأفْرادِهِ، وفي مِثْلِهِ لا خِلافَ في أنَّ الخاصَّ المُتَراخِيَ ناسِخٌ بِقَدَرِهِ لا مُخَصِّصٌ، ومَن جَوَّزَ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ بِناءً عَلى أنِ الَّتِي في القُصْرى أخَصُّ مُطْلَقًا، ووَجْهَهُ أنَّهُ ذُكِرَ في البَقَرَةِ حُكْمُ المُطَلَّقاتِ مِنَ النِّساءِ وحُكْمُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ الأزْواجُ عَلى التَّفْرِيقِ، ثُمَّ ورَدَتْ هَذِهِ مُخَصِّصَةٌ في البابَيْنِ لِشُمُولِ لَفْظِ الأجَلِ العِدَّتَيْنِ، وخُصُوصِ - أُولاتِ الأحْمالِ - مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: هِنْدِيَّةُ المَوالِي لَهم كَذا وتُرْكِيَّتُهم لَهم كَذا لِجِنْسٍ آخَرَ، ثُمَّ يَقُولُ: والكُهُولُ مِنهم لَهم دُونَ ذَلِكَ أوْ فَوْقَهُ أوْ كَذا مُرِيدًا صِنْفًا آخَرَ يَكُونُ الأخِيرُ مُخَصِّصًا لِلْحُكْمَيْنِ، ولا نَظَرَ إلى اخْتِلافِ العَطايا لِشُمُولِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الِاخْتِصاصِ وخُصُوصِ الكُهُولِ مِنَ المَوالِي مُطْلَقًا كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا نَظَرَ إلى اخْتِلافِ العِدَّتَيْنِ لِشُمُولِ لَفْظِ الأجَلِ، وخُصُوصِ - أُولاتِ الأحْمالِ - بِالنِّسْبَةِ إلى الأزْواجِ مُطْلَقًا، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: بِالنِّسْبَةِ إلى المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ رِجالُهُنَّ مُطْلَقًا فَلا فَرْقَ - قالَهُ في الكَشْفِ - ثُمَّ قالَ: ومَن ذَهَبَ إلى أبْعَدِ الأجَلَيْنِ احْتَجَّ بِأنَّ النَّصَّيْنِ مُتَعاضِدانِ لِأنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ ولا وجْهَ لِلْإلْغاءِ فَيَلْزَمُ الجَمْعُ، وفي القَوْلِ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ لِأنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ إذا زادَتْ فَقَدْ تَرَبَّصَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا مَعَ الزِّيادَةِ وإنْ قَصُرَتْ وتَرَبَّصَتِ المُدَّةَ فَقَدْ وضَعَتْ وتَرَبَّصَتْ فَيَحْصُلُ العَمَلُ بِمُقْتَضى الآيَتَيْنِ، والجَوابُ أنَّهُ إلْغاءٌ لِلنَّصَّيْنِ لا جَمْعَ إذِ المُعْتَبَرُ الجَمْعُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ لا بَيْنَ المُدَّتَيْنِ وذَلِكَ لِفَواتِ الحَصْرِ والتَّوْقِيتِ الَّذِي هو مُقْتَضى الآيَتَيْنِ. اهَـ فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ «أحْمالَهُنَّ» جَمْعًا ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في شَأْنِ أحْكامِهِ تَعالى ومُراعاةِ حُقُوقِها: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ بِأنْ يُسَهِّلَ عَزَّ وجَلَّ أمْرَهُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: اليُسْرُ الثَّوابُ ”ومَن“ قِيلَ: لِلْبَيانِ قُدِّمَ عَلى المُبَيَّنِ لِلْفاصِلَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى في، وقِيلَ:
الطلاق 65:5
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ، وإفْرادُ الكافِ - مَعَ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ لِما أنَّها لِمُجَرَّدِ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي لا لِتَعْيِينِ خُصُوصِيَّةِ المُخاطَبِينَ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴿ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ بِالمُضاعَفَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - نُعْظِمُ - بِالنُّونِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ - يُعَظِّمُ -بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعَ عَظَّمَ مُشَدَّدًا،
الطلاق 65:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ
صفحة 139
مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ ؟ فَقِيلَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ إلَخْ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ أسْكَنُوهُنَّ بَعْضَ مَكانِ سُكْناكم، ولْتَسْكُنْ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ في بَعْضِ نَواحِيهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ مِن وُسْعِكم أيْ مِمّا تُطِيقُونَهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُعْرَفُ عَطْفُ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لا المَجْرُورِ فَقَطْ حَتّى يُقالَ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا يَبْرُدُ لَهُ بِسَلامَةِ الأمِيرِ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَطْفِ البَيانِ والبَدَلِ إلّا في أمْرٍ يَسِيرٍ، ولا يَخْفى قُوَّةُ كَلامِ أبِي حَيّانَ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ «مِن وجْدِكم» بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِها - وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ - والمَعْنى في الكُلِّ الوُسْعُ ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ في السُّكْنى ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فَتُلْجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ بِشَغْلِ المَكانِ أوْ بِإسْكانِ مَن لا يُرِدْنَ السُّكْنى مَعَهُ ونَحْوَ ذَلِكَ ﴿وإنْ كُنَّ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ ﴿أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَيَخْرُجْنَ عَنِ العِدَّةِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ فَلا نَفَقَةَ لَهُنَّ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُنَّ في التَّرِكَةِ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْنى المُطَلَّقاتِ أُولاتِ الحَمْلِ ونَفَقَتِهِنَّ بُتَّ الطَّلاقُ أوْ لَمْ يُبَتَّ. واخْتُلِفَ في المُطَلَّقاتِ اللّاتِي لَسْنَ أُولاتِ حَمْلٍ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لَهُنَّ إذا لَمْ يَكُنَّ مَبْتُوتاتٍ، فَقالابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لِلْمُطَلَّقَةِ الحائِلِ المَبْتُوتَةِ السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ والإمامِيَّةُ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي أبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ البَتَّةَ فَخاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنى ولا نَفَقَةً وأمَرَنِي أنْ أعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ أنْكَحَنِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ فَهُما عِنْدَهُ لِكُلِّ مُطْلَقَةٍ لَمْ تَكُنْ ذاتَ حَمْلٍ، ودَلِيلُهُ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في المَبْتُوتَةِ: «لَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى»» مَعَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ الِاحْتِباسِ وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الحائِلِ والحامِلِ، ولَوْ كانَ جَزاءً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ في مالِهِ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ وأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِن وُجْدِكم - ومَن خَصَّ الإنْفاقَ بِالمُعْتَدّاتِ أُولاتِ الحَمْلِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَكانِ الشَّرْطِ فِيها وهو لا يَتِمُّ عَلى النّافِينَ لِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ مَعَ أنَّ فائِدَةَ الشَّرْطِ ها هُنا أنَّ الحامِلَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّها لا نَفَقَةَ لَها لِطُولِ مُدَّةِ الحَمْلِ فَأثْبَتَ لَها النَّفَقَةَ لِيُعْلَمَ غَيْرُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى - كَما في الكَشّافِ - فَهو مِن مَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وحَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَدْ طَعَنَ فِيهِ عُمَرُ وعائِشَةُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهم ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى الإرْضاعِ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ خِطابٌ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، والِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا بِمَعْنى، قالَ الكِسائِيُّ: والمَعْنى تَشاوَرُوا، وحَقِيقَتُهُ
صفحة 140
لِيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِمَعْرُوفٍ أيْ جَمِيلٍ في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ ولا يَكُنْ مِنَ الأبِ مُماسَكَةٌ ولا مِنَ الأُمِّ مُعاسَرَةٌ، وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ تَضايَقْتُمْ أيْ ضَيَّقَ بَعْضُكم عَلى الآخَرِ بِالمُشاحَّةِ في الأُجْرَةِ أوْ طَلَبِ الزِّيادَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ فَسَتُوجَدُ ولا تَعُوزُ مُرْضِعَةٌ أُخْرى، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَتَتَعَذَّرُ مِنهُ: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ أيْ سَتَقْضِي وأنْتَ مَلُومٌ.
وخَصَّ الأُمَّ بِالمُعاتَبَةِ عَلى ما قالَ ابْنُ المُنِيرِ لِأنَّ المَبْذُولَ مِن جِهَتِها هو لَبَنُها لِوَلَدِها وهو غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ ولا مَضْمُونٌ بِهِ في العُرْفِ وخُصُوصًا مِنَ الأُمِّ عَلى الوَلَدِ، ولا كَذَلِكَ المَبْذُولُ مِن جِهَةِ الأبِ فَإنَّهُ المالُ المُضْنُونَ بِهِ عادَةً، فالأُمُّ إذَنْ أجْدَرُ بِاللَّوْمِ وأحَقُّ بِالعَتْبِ، والكَلامُ عَلى مَعْنى فَلْيَطْلُبْ لَهُ الأبُ مُرْضِعَةً أُخْرى فَيَظْهَرُ الِارْتِباطُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الكَلامَ لا يَخْلُو عَنْ مُعاتَبَةِ الأبِ أيْضًا حَيْثُ أُسْقِطَ في الجَوابِ عَنْ حَيِّزِ شَرَفِ الخِطابِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ إذا ضايَقَ الأُمَّ في الأجْرِ فامْتَنَعَتْ مِنَ الإرْضاعِ لِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن إرْضاعِ امْرَأةٍ أُخْرى، وهي أيْضًا تَطْلُبُ الأجْرَ في الأغْلَبِ والأُمُّ أشْفَقُ فَهي بِهِ أوْلى، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَمالُ الِارْتِباطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ فَلْتُرْضِعْ، ولَيْسَ بِذاكَ، وهَذا الحُكْمُ إذا قَبِلَ الرَّضِيعُ ثَدْيَ أُخْرى أمّا إذا لَمْ يَقْبَلُ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ فَقَدْ قالُوا: تُجْبَرُ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها
الطلاق 65:7
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ﴾ أيْ ضُيِّقَ ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ وإنْ قَلَّ، والمُرادُ لِيُنْفِقْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ ما يَبْلُغُهُ وُسْعُهُ، والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِالإنْفاقِ الآباءُ، ومِن هُنا قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلى الأبِ، وخالَفَ في ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ فَقالَ: بِوُجُوبِها عَلى الأبَوَيْنِ عَلى قَدْرِ المِيراثِ، وحَكى أبُو مُعاذٍ أنَّهُ قُرِئَ «لِيُنْفِقَ» بِلامِ كَيْ ونَصْبِ القافِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ شَرْعُنا ذَلِكَ لِيُنْفِقَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «قُدِّرَ» مُشَدَّدَ الدّالِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ أيْ إلّا بِقَدْرِ ما أعْطاها مِنَ الطّاقَةِ، وقِيلَ: ما أعْطاها مِنَ الأرْزاقِ قَلَّ أوْ جَلَّ، وفِيهِ تَطْيِيبٌ واسْتِمالَةٌ لِقَلْبِ المُعْسِرِ لِمَكانِ عِبارَةِ آتاها الخاصَّةِ بِالإعْسارِ قَبْلُ وذَكَرَ العُسْرَ بَعْدُ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ لا فَسْخَ بِالعَجْزِ عَنِ الإنْفاقِ عَلى الزَّوْجَةِ وهو ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو حَنِيفَةَ وجَماعَةٌ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وابْنِ المُسَيَّبِ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ يُفْسَخُ النِّكاحُ بِالعَجْزِ عَنِ الإنْفاقِ ويُفَرَّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وفِيها عَلى ما قالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتِحْبابُ مُراعاةِ الإنْسانِ حالَ نَفْسِهِ في النَّفَقَةِ والصَّدَقَةِ، فَفي الحَدِيثِ ««إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أدَبًا حَسَنًا إذا هو سُبْحانَهُ وسَّعَ عَلَيْهِ وسَّعَ وإذا هو عَزَّ وجَلَّ قَتَّرَ عَلَيْهِ قَتَّرَ»»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ مَوْعِدٌ لِفُقَراءِ ذَلِكَ الوَقْتِ بِفَتْحِ أبْوابِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، أوْ لِفُقَراءِ الأزْواجِ إنْ أنْفَقُوا ما قَدَرُوا عَلَيْهِ ولَمْ يُقَصِّرُوا، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ تَذْيِيلٌ إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ، وعَلى الثّانِي غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ
الطلاق 65:8
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ كَثِيرٌ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «وكائِنٌ» بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيها قَدْ مَرَّ ﴿عَتَتْ﴾ تَجَبَّرَتْ وتَكَبَّرَتْ مُعْرِضَةً ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ فَلَمْ تَمْتَثِلْ ذَلِكَ ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ بِالِاسْتِقْصاءِ والتَّنْقِيرِ والمُناقَشَةِ
صفحة 141
فِي كُلِّ نَقِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ وقِطْمِيرٍ ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا عَظِيمًا، والمُرادُ حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِلَفْظِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكَهْفَ: 99] وغَيْرِها.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ «نُكُرًا» بِضَمَّتَيْنِ
الطلاق 65:9
﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ عُقُوبَةَ عُتُوِّها ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ هائِلًا لا خُسْرَ وراءَهُ
الطلاق 65:10
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وبَيانٌ لِما يُوجِبُ التَّقْوى المَأْمُورَ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم هَذا العَذابَ فَلْيَكُنْ لَكم ذَلِكَ يا أُولِي الألْبابِ داعِيًا لِتَقْوى اللَّهِ تَعالى وحَذَرِ عِقابِهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمُرادُ وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ وسائِرِ المَصائِبِ والبَلايا ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ في الآخِرَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالحِسابِ الشَّدِيدِ اسْتِقْصاءُ ذُنُوبِهِمْ وإثْباتُها في صَحائِفِ الحَفَظَةِ، وبِالعَذابِ النُّكْرِ ما أصابَهم عاجِلًا، وتُجْعَلُ جُمْلَةُ ﴿عَتَتْ﴾ إلَخْ صِفَةً لِقَرْيَةٍ، والماضِي في ﴿فَحاسَبْناها﴾ . و”عَذَّبْناها“ عَلى الحَقِيقَةِ، وخَبَرُ ”كَأيِّنْ“ جُمْلَةُ ﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ إلَخْ، أوْ تُجْعَلُ جُمْلَةُ ﴿عَتَتْ﴾ إلَخْ هي الخَبَرُ، وجُمْلَةُ ﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ عَذابَهم غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيما ذُكِرَ بَلْ لَهم بَعْدَهُ عَذابٌ شَدِيدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي بَيانًا لِلْمُنادى السّابِقِ أوْ نَعْتٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وفي إبْدالِهِ مِنهُ ضَعْفٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ حُلُولِهِ مَحَلَّهُ ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِمُواظَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ الَّذِي هو ذِكْرٌ، أوْ تَبْلِيغُهُ والتَّذْكِيرُ بِهِ،
الطلاق 65:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولا﴾ بَدَلًا مِنهُ، وعَبَّرَ عَنْ إرْسالِهِ بِالإنْزالِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، أوْ لِأنَّ الإرْسالَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَيَكُونُ ﴿أنْزَلَ﴾ مَجازًا مُرْسَلًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، والرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسَ الذِّكْرِ مَجازًا. أوْ يَكُونَ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذا ذِكْرٍ ﴿رَسُولا﴾ فَيَكُونُ ﴿رَسُولا﴾ نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا، وقِيلَ: ﴿رَسُولا﴾ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مِثْلَ أرْسَلَ رَسُولًا دَلَّ عَلَيْهِ أنْزَلَ. ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو ذِكْرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدَ: 14، 15]، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ
أيْ ﴿أنْزَلَ اللَّهُ﴾ تَعالى ذِكْرَهُ ﴿رَسُولا﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَدُلُّ عَلى كَرامَتِهِ عِنْدَهُ وزُلْفاهُ، ويُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: القُرْآنُ وفِيهِ تَعَسُّفٌ، ومِثْلُهُ جَعَلَ ﴿رَسُولا﴾ بَدَلًا مِنهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ ها هُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ بَدَلًا أيْضًا مِن ﴿ذِكْرًا﴾ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ فَهو مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً - كَرَجُلٍ عَدْلٍ - أوْ لِنُزُولِهِ بِالذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، فَبَيْنَهُما مُلابَسَةٌ نَحْوَ الحُلُولِ، أوْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَذْكُورٌ في السَّماواتِ وفي الأُمَمِ، فالمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ، وقَدْ يُفَسَّرُ الذِّكْرُ حِينَئِذٍ بِالشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفَ: 44] فَيَكُونُ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ شَرَفٌ إمّا لِأنَّهُ شَرَفٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وإمّا لِأنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التَّكْوِيرَ: 20]
صفحة 142
وفِي الكَشْفِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ القُرْآنُ وبِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَكُونُ البَدَلُ بَدَلَ اشْتِمالِهِ، وإذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ الشَّرَفُ وغَيْرُهُ يَكُونُ مِن بَدَلِ الكُلِّ فَتَدَبَّرْ.
وقُرِئَ رَسُولٌ عَلى إضْمارِ هو، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ نَعْتٌ - لِرَسُولًا - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ اسْمِ «اللَّهِ» تَعالى، ونِسْبَةُ التِّلاوَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازِيَّةٌ كَبَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، و﴿آياتِ اللَّهِ﴾ القُرْآنَ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، و”مُبَيِّناتٍ“ حالٌ مِنها أيْ حالَ كَوْنِها مُبَيِّناتٍ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ، وقُرِئَ «مُبَيَّناتٍ» أيْ بَيَّنَها اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ“ [آلَ عِمْرانَ: 118، الحَدِيدَ: 170] واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأنْزَلَ - أوْ - بِيَتْلُو - وفاعِلُ يُخْرِجُ عَلى الثّانِي ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ إنْزالِ الذِّكْرِ وقَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ مَن عَلِمَ سُبْحانَهُ وقَدَّرَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ أيْ لِيُحَصِّلَ لَهُمُ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أوْ لِيُخْرِجَ مَن عَلِمَ وقَدَّرَ أنَّهُ يُؤْمِنُ مِن أنْواعِ الضَّلالاتِ إلى الهُدى، فالمُضِيُّ إمّا بِالنَّظَرِ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ سُبْحانَهُ الأزَلِيِّ.
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ حَسْبَما بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّناتِ.
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ - نُدْخِلْهُ - بِنُونِ العَظَمَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ حالٌ أُخْرى مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ”خالِدِينَ“ بِطَرِيقِ التَّداخُلِ، وإفْرادُ ضَمِيرِ ”لَهُ“ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ أيْضًا، وفِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ وإلّا لَمْ يَكُنْ في الأخْبارِ بِما ذَكَرَ ها هَنا كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى.
واسْتَدَلَّ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا. ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى. ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ما فِيها لَيْسَ كَما ذُكِرَ لِأنَّ الضَّمِيرَ في ”خالِدِينَ“ لَيْسَ عائِدًا عَلى مَن كالضَّمائِرِ قَبْلُ، وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ - يُدْخِلُ - و”خالِدِينَ“ حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها - يُدْخِلُ - لا فِعْلَ الشَّرْطِ وهو كَما تَرى
الطلاق 65:12
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيْ وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ عَلى أنَّ مِثْلَهُنَّ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، وقِيلَ: مِثْلَهُنَّ عَطْفٌ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ. وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ مِثْلُهُنَّ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ.
والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ فَقالَ الجُمْهُورُ: هي ها هُنا في كَوْنِها سَبْعًا وكَوْنِها طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وفي كُلِّ أرْضِ سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ أوْ جِنٌّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ - في شُعَبِ الإيمانِ. وفي الأسْماءِ والصِّفاتِ - مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى
صفحة 143
عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَبْعُ أرَضِينَ في كُلِّ أرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكم وآدَمُ كَآدَمَ ونُوحٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمَ وعِيسى كَعِيسى»، قالَ الذَّهَبِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ شاذٌّ بِمَرَّةٍ لا أعْلَمَ لِأبِي الضُّحى عَلَيْهِ مُتابِعًا. وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ نَحْوَهُ عَنِ الحَبْرِ وقالَ: هَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ وهو مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ.
وأقُولُ لا مانِعَ عَقْلًا ولا شَرْعًا مِن صِحَّتِهِ، والمُرادُ أنَّ في كُلِّ أرْضٍ خَلْقًا يَرْجِعُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ رُجُوعَ بَنِي آدَمَ في أرْضِنا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ أفْرادٌ مُمْتازُونَ عَلى سائِرِهِمْ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وغَيْرِهِما فِينا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أنَّ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ والَّتِي تَلِيها خَمْسَمِائَةِ عامٍ والعُلْيا مِنها عَلى ظَهْرِ حُوتٍ قَدِ التَقى طَرَفاهُ في السَّماءِ والحُوتُ عَلى صَخْرَةٍ والصَّخْرَةُ بِيَدِ مَلَكٍ والثّانِيَةُ مَسْجَنُ الرِّيحِ والثّالِثَةُ فِيها حِجارَةُ جَهَنَّمَ والرّابِعَةُ فِيها كِبْرِيتُها والخامِسَةُ فِيها حَيّاتُها والسّادِسَةُ فِيها عَقارِبُها والسّابِعَةُ فِيها سَقَرُ وفِيها إبْلِيسُ مُصَفَّدٌ بِالحَدِيدِ يَدٌ أمامَهُ ويَدٌ خَلْفَهُ يُطْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ - كَما قالَ الذَّهَبِيُّ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا فَلا تَغْتَرَّ بِتَصْحِيحِ الحاكِمِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في هَذا البابِ لَوْلا خَوْفُ المَلَلِ لَذَكَرْناها لَكَ لَكِنْ كَوْنُ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ جاءَ في أخْبارٍ مُعْتَبَرَةٍ كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««بَيْنَما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ وأصْحابُهُ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَكم ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ، قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما بَيْنَكم وبَيْنَها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَها خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سَماءٌ وإنَّ بُعْدَ ما بَيْنَها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ قالَ كَذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ قالَ هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءَيْنِ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَكم ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها الأرْضُ، ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّ تَحْتَها أرْضًا أُخْرى بَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حَتّى عَدَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَبْعَ أرَضِينَ ما بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» .
والأخْبارُ في تَقْدِيرِ المَسافَةِ بِما ذَكَرَ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الأخْبارِ في تَقْدِيرِها بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ وأصَحُّ، ومِنها ما هو مَذْكُورٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ الصِّحاحِ، وفِيها أيْضًا أنَّ ثِخَنَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَقَوْلُ الرّازِيِّ في ذَلِكَ إنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ كَلامٌ لا يَخْفى بَشاعَتُهُ عَلى مَن سَلَكَ مِنَ السُّنَّةِ أقْوَمَ طَرِيقٍ، نَعَمْ ما حَكاهُ مِن أنَّ السَّماءَ الأُولى مَوْجٌ مَكْفُوفٌ والثّانِيَةَ صَخْرٌ والثّالِثَةَ حَدِيدٌ والرّابِعَةَ نُحاسٌ والخامِسَةَ فِضَّةٌ والسّادِسَةَ ذَهَبٌ والسّابِعَةَ ياقُوتٌ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ أصْلًا ولَمْ يَرِدْ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ خَبَرٌ صَحِيحٌ لَكِنَّ في قَوْلِهِ: إنَّهُ مِمّا يَأْباهُ العَقْلُ إنْ أرادَ بِهِ نَفْيَ الإمْكانِ عَقْلًا مَنعٌ ظاهِرٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي في كَوْنِها سَبْعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ لا في كَوْنِها كَذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَسافَةٍ بَيْنِ أرْضٍ وأرْضٍ، واخْتارَهُ بَعْضُهم زاعِمًا أنَّ المُرادَ بِهاتَيْكِ السَّبْعِ طَبَقَةُ التُّرابِ الصِّرْفَةُ المُجاوِرَةُ لِلْمَرْكَزِ والطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ والطَّبَقَةُ المَعْدِنِيَّةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ والطَّبَقَةُ المُمْتَزِجَةُ بِغَيْرِها المُنْكَشِفَةِ الَّتِي هي مَسْكَنُ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَوانِ وفِيها يَنْبُتُ النَّباتُ وطَبَقَةُ الأدْخِنَةِ والطَّبَقَةُ الزَّمَهْرِيرِيَّةُ وطَبَقَةُ النَّسِيمِ الرَّقِيقِ جِدًّا، ولا يَخْفى أنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالهَذَيانِ، ومِثْلُهُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاظِرِينَ في كُتُبِ العُلُومِ المُسَمّاةِ بِالحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ مِن أنَّ الأرْضَ انْفَصَلَتْ بِسَبَبِ بَعْضِ الحَوادِثِ
صفحة 144
مِن بَعْضِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ صَغِيرَةً ثُمَّ تَكَوَّنَتْ فَوْقَها طَبَقَةٌ وهَكَذا حَتّى صارَ المَجْمُوعُ سَبْعًا، وزَعَمَ أنَّهم شاهَدُوا بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ آثارًا مِن مَخْلُوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: هي في كَوْنِها سَبْعًا لا غَيْرُ فَهي سَبْعُ أرَضِينَ مُنْبَسِطَةٌ لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ يَفْرُقُ بَيْنَها البِحارُ، ويُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالنِّسْبَةُ بَيْنَ أرْضٍ وأرْضٍ عَلى هَذا نَحْوَ نِسْبَةِ أمْرِيقِيا إلى آسْيا أوْ أُورُوبّا أوْ أفْرِيقْيا لَكِنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ البِحارَ الفارِقَةَ لا يُمْكِنُ قَطْعُها.
وقِيلَ: مِنَ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ وهي مُخْتَلِفَةُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ واللَّيْلِ والنَّهارِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم ولا أظُنُّهُ شَيْئًا لِأنَّ المُتَبادَرَ اعْتِبارُ انْفِصالِ أرْضٍ عَنْ أرْضٍ انْفِصالًا حَقِيقِيًّا في المِثْلِيَّةِ، وقِيلَ: المِثْلِيَّةُ في الخَلْقِ لا في العَدَدِ ولا في غَيْرِهِ فَهي أرْضٌ واحِدَةٌ مَخْلُوقَةٌ كالسَّماواتِ السَّبْعِ، وأُيِّدَ بِأنَّ الأرْضَ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا مُوَحَّدَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ ««اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»» الحَدِيثَ، وكَذا صَحَّ ««مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مَن أرْضٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ»» وأصَحُّ الأقْوالِ - كَما قالَ القُرْطُبِيُّ - قَوْلُ الجُمْهُورِ السّابِقُ، وعَلَيْهِ اخْتُلِفَ في مُشاهَدَةِ أهْلِ ما عَدا هَذِهِ الأرْضِ السَّماءَ واسْتِمْدادِهِمُ الضَّوْءَ مِنها فَقِيلَ: إنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها.
وقِيلَ: إنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لَهم ضِياءً يُشاهِدُونَهُ، ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ نَحْوًا مِمّا قالَهُ الجُمْهُورُ، أخْرَجَ العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ خالِدٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «بَسَطَ كَفَّهُ اليُسْرى ثُمَّ وضَعَ اليُمْنى عَلَيْها فَقالَ: «هَذِهِ الأرْضُ الدُّنْيا والسَّماءُ الدُّنْيا عَلَيْها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّانِيَةُ فَوْقَ السَّماءِ الدُّنْيا والسَّماءُ الثّانِيَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ، والأرْضُ الثّالِثَةُ فَوْقَ السَّماءِ الثّانِيَةِ والسَّماءُ الثّالِثَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ حَتّى ذَكَرَ الرّابِعَةَ والخامِسَةَ والسّادِسَةَ فَقالَ: والأرْضُ السّابِعَةُ فَوْقَ السَّماءِ السّادِسَةِ والسَّماءُ السّابِعَةُ فَوْقَها قُبَّةٌ وعَرْشُ الرَّحْمَنِ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ»، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ إلَخْ.
وأنا أقُولُ بِنَحْوِ ما قالَهُ الجُمْهُورُ راجِيًا العِصْمَةَ مِمَّنْ عَلى مِحْوَرِ إرادَتِهِ تَدُورُ أفْلاكُ الأُمُورِ: هي سَبْعُ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مِنها مَسافَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَهم ضِياءٌ يَسْتَضِيئُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم لَيْلٌ ونَهارٌ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضِياؤُهم مِن هَذِهِ الشَّمْسِ ولا مِن هَذا القَمَرِ، وقَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ أهْلِ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ أنَّ القَمَرَ عالَمٌ كَعالَمِ أرْضِنا هَذِهِ وفِيهِ جِبالٌ وبِحارٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُحِسُّونَ بِها بِواسِطَةِ أرْصادِهِمْ وهم مُهْتَمُّونَ بِالسَّعْيِ في تَحْقِيقِ الأمْرِ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما نَقُولُ بِهِ مِنَ الأرَضِينَ عَلى هَذا النَّحْوِ، وقَدْ قالُوا أيْضًا: إنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ في عالَمٍ هي مَرْكَزُ دائِرَةٍ وبَلْقِيسُ مَمْلَكَتُهُ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِن كَواكِبِهِمُ السَّيّارَةِ تَدُورُ عَلَيْها فِيهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ ونَمَطٍ مَضْبُوطٍ، وقَدْ تَقْرُبُ إلَيْها فِيهِ وتَبْعُدُ عَنْها إلى غايَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى كَواكِبُ ذَواتُ الأذْنابِ، وهي عِنْدَهم كَثِيرَةٌ جِدًّا تَتَحَرَّكُ عَلى شَكْلٍ بَيْضِيٍّ وأنَّ الشَّمْسَ بِعالَمِها مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ تَدُورُ عَلَيْهِ دَوَرانَ تَوابِعِها مِنَ السَّيّاراتِ عَلَيْها هو فِيما نَسْمَعُ أحَدُ كَواكِبِ النَّجْمِ، ولَهم ظَنٌّ في أنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن تَوابِعِ كَوْكَبٍ آخَرَ وهَكَذا، ومُلْكُ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ عَظِيمٌ لا تَكادُ تُحِيطُ بِهِ مَنطِقَةُ الفِكْرِ ويَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وسَماءُ كُلِّ عالَمٍ كالقَمَرِ عِنْدَهم ما انْتَهى إلَيْهِ هَواؤُهُ حَتّى صارَ ذَلِكَ الجِرْمُ في نَحْوِ خَلاءٍ فِيهِ لا يُعارِضُهُ ولا يُضْعِفُ حَرَكَتَهُ شَيْءٌ والجِسْمُ مَتى تَحَرَّكَ في خَلاءٍ لا يَسْكُنُ لِعَدَمِ المُعارِضِ فَلْيَكُنْ كُلُّ أرْضٍ مِن هَذِهِ الأرَضِينَ مَحْمُولَةً بِيَدِ القُدْرَةِ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنِ الرِّضا عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ،
صفحة 145
وهُناكَ ما يَسْتَضِيءُ بِهِ أهْلُها سابِحًا في فَلَكِ بَحْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونِسْبَةُ كُلِّ أرْضٍ إلى سَمائِها نِسْبَةُ الحَلْقَةِ إلى الفَلاةِ وكَذا نِسْبَةُ السَّماءِ إلى السَّماءِ الَّتِي فَوْقَها، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الأرَضُونَ وكَذا السَّماواتُ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ المَذْكُورِ الَّذِي هو عَدَدٌ تامٌّ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ الزّائِدِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ والسَّماءَ الدُّنْيا مُنْتَهى دائِرَةٍ يَتَحَرَّكُ فِيها أعْلى كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ وبَيْنَها وبَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ بُعْدٌ بَعِيدٌ.
وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««خَمْسُمِائَةِ عامٍ»» مِن بابِ التَّقْرِيبِ لِلْأفْهامِ، ويَقْرُبُ الأمْرُ إذا اعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّاكِبِ المُجِدِّ كَما وقَعَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارٍ فِيها تَقْدِيرُ مَسافَةٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فِي السَّماءِ الدُّنْيا: «مَوْجٌ مَكْفُوفٌ»» يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في اللَّطافَةِ ونَحْوِها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الصَّحِيحُ عَلى امْتِناعِها، وتَزْيِينُ هَذِهِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ لِظُهُورِها فِيها عَلى ما يُشاهَدُ فَلا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها كُلًّا أوْ بَعْضًا فَوْقَها أوْ تَحْتَها، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَواكِبِ مَغْرُوزٌ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ كالفَصِّ في الخاتَمِ والمِسْمارِ في اللَّوْحِ، بَلْ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأخْبارِ في أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والكَواكِبِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها كَما أشارَ إلَيْهِ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ، وكَذا ما قالَهُ قُدَماءُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومُحْدَثُوهم، وفي كُلٍّ مِمّا ذَهَبَ الفَرِيقانِ إلَيْهِ ما يُوافِقُ أُصُولَنا وما يُخالِفُهُ وما شَرِيعَتُنا ساكِتَةٌ عَنْهُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ أوْ إثْباتٍ، وحَيْثُ كانَ مِن أُصُولِنا أنَّهُ مَتى عارَضَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ وجَبَ تَأْوِيلُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُ أصْلُهُ ولَوْ أُبْطِلَ بِهِ لَزِمَ بُطْلانُهُ نَفْسَهُ فالأمْرُ سَهْلٌ لِأنَّ بابَ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن فَلَكِ الثَّوابِتِ ولا أرى بَأْسًا في ارْتِكابِ تَأْوِيلِ بَعْضِ الظَّواهِرِ المُسْتَبْعَدَةِ بِما لا يُسْتَبْعَدُ وإنْ لَمْ يَصِلِ الِاسْتِبْعادُ إلى حَدِّ الِامْتِناعِ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً ولَمْ يَسْتَلْزِمْ مُصادَمَةَ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وقَدْ يَلْتَزِمُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ رِعايَةً لِأذْهانِ العَوامِّ المُقَيَّدِينَ بِالظَّواهِرِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ الخُرُوجَ عَنْها لا سِيَّما إلى ما يُوافِقُ الحِكْمَةَ الجَدِيدَةَ ضَلالًا مَحْضًا وكُفْرًا صِرْفا ورَحِمَ اللَّهُ تَعالى امْرَأً جَبَّ الغَيْبَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَوْ حَدَّثْتُكم بِتَفْسِيرِها لَكَفَرْتُمْ بِتَكْذِيبِكم بِها. وبِالجُمْلَةِ مَن صَدَّقَ بِسَعَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ في وُجُودِ سَبْعِ أرَضِينَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ويُحْمَلُ السَّبْعُ عَلى الأقالِيمِ أوْ عَلى الطَّبَقاتِ المَعْدِنِيَّةِ والطِّينِيَّةِ ونَحْوِهِما مِمّا تَقَدَّمَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُصادِمُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ أوْ يُخالِفُ قَطْعِيًّا مِن أدِلَّةِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِذَلِكَ التَّعَدُّدِ هو المُتَبادَرُ مِنَ الآيَةِ، وتَقْتَضِيهِ الأخْبارُ، ومَعَ هَذا هو لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ فَلا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ أوِ المُتَرَدِّدُ فِيهِ لَكِنْ لا أرى ذَلِكَ إلّا عَنْ جَهْلٍ بِما هو الألْيَقُ بِالقُدْرَةِ والأحْرى بِالعَظْمَةِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أيْ يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَضاؤُهُ وقَدَرُهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ مُلْكُهُ فِيهِنَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: في كُلِّ سَماءٍ وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ تَعالى وأمْرٌ مِن أمْرِهِ وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنى وفَقْرٍ، وقِيلَ: هو ما يُدَبِّرُهُ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: ﴿الأمْرُ﴾ هُنا الوَحْيُ، ”وبَيْنَهُنَّ“ إشارَةٌ إلى بَيْنَ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ القَضاءُ والقَدَرُ كَما سَبَقَ، وأنْ بَيْنَهُنَّ إشارَةٌ
صفحة 146
إلى بَيْنَ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها وقَرَأ عِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «يُنَزِّلُ» مُضارِعَ نَزَّلَ مُشَدَّدًا «الأمْرَ» بِالنَّصْبِ أيْ يُنَزِّلُ اللَّهُ الأمْرَ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِخَلَقَ - أوْ - بِيَتَنَزَّلُ - أوْ بِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أخْبَرْتُكم أوْ أعْلَمْتُكم بِذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، وقُرِئَ - لِيَعْلَمُوا - بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ هَذِهِ الأفاعِيلِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
التحريم 66:1
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
ويُقالُ لَها: سُورَةُ المُتَحَرِّمِ وسُورَةُ لِمَ تُحَرِّمُ وسُورَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - سُورَةُ النِّساءِ - والمَشْهُورُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المَدَنِيَّ مِنها إلى رَأْسِ العَشْرِ، والباقِي مَكِّيٌّ، وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، وهي مُتَوَخِّيَةٌ مَعَ الَّتِي قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِخِطابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتِلْكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى طَلاقِ النِّساءِ، وهَذِهِ عَلى تَحْرِيمِ الإماءِ، وبَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ ما لا يَخْفى، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ في خِصامِ نِساءِ الأُمَّةِ ذَكَرَ في هَذِهِ خُصُومَةَ نِساءِ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إعْظامًا لِمَنصِبِهِنَّ أنْ يُذْكَرْنَ مَعَ سائِرِ النِّسْوَةِ فَأُفْرِدْنَ بِسُورَةٍ خاصَّةٍ ولِذا خُتِمَتْ بِذِكْرِ زَوْجَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رَوى البُخارِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلًا فَتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ إنَّ أيَّتَنا دَخَلَ عَلَيْها النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافِيرَ أكَلْتَ مَغافِيرَ ؟ فَدَخَلَ عَلى إحْداهُما فَقالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: لا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ولَنْ أعُودَ»» وفي رِوايَةٍ ««وقَدْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»» فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إلَخْ، وفي رِوايَةٍ ««قالَتْ سَوْدَةُ: أكَلْتَ مَغافِيرَ ؟ قالَ: لا قالَتْ: فَما هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أجِدُ مِنكَ ؟ قالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقالَتْ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ»» فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ شَرِبَ العَسَلَ في بَيْتِ حَفْصَةَ، والقائِلَةُ سَوْدَةُ وصَفِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ قالَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَرِبَ مِن شَرابٍ عِنْدَ سَوْدَةَ مِنَ العَسَلِ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ واللَّهِ لا أشْرَبُهُ»» فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يَطَؤُها فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عائِشَةُ وحَفْصَةُ حَتّى جَعَلَها عَلى نَفْسِهِ حَرامًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إلَخْ،» ويُوافِقُهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآيَةَ في سَرِيَّتِهِ.
والمَشْهُورُ أنَّها مارِيَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وطِئَها في بَيْتِ حَفْصَةَ في يَوْمِها فَوَجَدَتْ وعاتَبَتْهُ فَقالَ
صفحة 147
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أقْرَبُها ؟ قالَتْ: بَلى فَحَرَّمَها، وفي رِوايَةٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ في بَيْتِ حَفْصَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ، وفي الكَشّافِ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا بِمارِيَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ فَقالَ لَها: اكْتُمِي عَلَيَّ وقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي فَأخْبَرَتْ عائِشَةَ وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ» .
وبِالجُمْلَةِ الأخْبارُ مُتَعارِضَةٌ، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ فِيها لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ في قِصَّةِ العَسَلِ لا في قِصَّةِ مارِيَةَ المَرْوِيَّةِ في غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ، ولَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مارِيَةَ في طَرِيقٍ صَحِيحٍ ثُمَّ قالَ الخَفاجِيُّ نَقْلًا عَنْهُ أيْضًا: الصَّوابُ أنَّ شُرْبَ العَسَلِ كانَ عِنْدَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وقالَ الطَّيِّبِيُّ فِيما نَقَلْناهُ عَنِ الكَشّافِ: ما وجَدْتُهُ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
والمَغافِيرُ: بِفَتْحِ المِيمِ والغَيْنِ المُعْجَمَةِ وبِياءٍ بَعْدَ الفاءِ - عَلى ما صَوَّبَهُ القاضِي عِياضٌ - جَمْعُ مُغْفُورٍ بِضَمِّ المِيمِ شَيْءٌ لَهُ رائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يُنْضِحُهُ العُرْفُطُ وهو شَجَرٌ أوْ نَباتٌ لَهُ ورَقٌ عَرِيضٌ، وعَنِ المُطَّلِعِ أنَّ العُرْفُطَ هو الصَّمْغُ، والمُغْفُورُ شَوْكٌ لَهُ نَوْرٌ يَأْكُلُ مِنهُ النَّحْلُ يَظْهَرُ العُرْفُطُ عَلَيْهِ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ الطَّيِّبَ جِدًّا ويَكْرَهُ الرّائِحَةَ الكَرِيهَةَ لِلَطافَةِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ولِأنَّ المَلَكَ يَأْتِيهِ وهو يَكْرَهُها فَشَقَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قِيلَ فَجَرى ما جَرى، وفي نِدائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بِيا أيُّها النَّبِيُّ - في مُفْتَتَحِ العِتابِ مِن حُسْنِ التَّلَطُّفِ بِهِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةَ: 43] والمُرادُ بِالتَّحْرِيمِ الِامْتِناعُ. وبِما أحَلَّ اللَّهُ العَسَلُ عَلى ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ وطْءُ سَرِيَّتِهِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ - بِما - عَلى هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ ظاهِرٌ.
وفَسَّرَ بَعْضُهم ما بِمارِيَةَ والتَّعْبِيرُ عَنْها - بِما - عَلى ما هو الشّائِعُ في التَّعْبِيرِ بِها عَنْ مِلْكِ اليَمِينِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ لا تَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تُحَرِّمُ﴾، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ فَيَكُونُ هو مَحَلَّ العِتابِ عَلى ما قِيلَ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ قَيْدٌ المَقْصُودُ فِيهِ القَيْدُ إثْباتًا أوْ نَفْيًا، أوْ يَكُونُ التَّقْيِيدُ عَلى نَحْوِ «أضْعافًا مُضاعَفَةً» عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ في نَفْسِهِ مَحَلُّ عَتْبٍ والباعِثُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ كَما في الكَشْفِ، أوِ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ، وهو الأوْلى، ووَجْهُهُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هو مُعاتَبَةٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَكُنْ عَنْ باعِثٍ مَرَضِيٍّ فاتَّجَهَ أنْ يُسْألَ ما يُنْكَرُ مِنهُ وقَدْ فَعَلَهُ غَيْرِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 93] فَقِيلَ: ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ ومِثْلُكَ مِن أجَلِّ أنْ تَطْلُبَ مَرْضاتَهُنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا - لِتُحَرِّمَ - بِجَعْلِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِنَّ عَيْنَ التَّحْرِيمِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ الأمْرِ ما فِيهِ، والإضافَةُ في ﴿أزْواجِكَ﴾ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ السّامِي الكَرِيمِ يُعَدُّ كالذَّنْبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، وأنَّ عِتابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ إلّا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وقَدْ زَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ ها هُنا كَعادَتِهِ فَزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِن تَحْرِيمِ الحَلالِ المَحْظُورِ لَكِنَّهُ غُفِرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ شَنَّ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ الغارَةَ في التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ فَقالَ ما حاصِلُهُ: إنَّ ما أطْلَقَهُ في حَقِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَقَوُّلٌ وافْتِراءٌ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ بَراءٌ، وذَلِكَ أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ
صفحة 148
عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ اعْتِقادُ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ وهو كاعْتِقادِ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْلِيلِ في الحَرامِ مَحْظُورٌ يُوجِبُ الكُفْرَ فَلا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ المَعْصُومِ أصْلًا، والثّانِي الِامْتِناعُ مِنَ الحَلالِ مُطْلَقًا أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ مَعَ اعْتِقادِ حِلِّهِ وهَذا مُباحٌ صِرْفٌ وحَلالٌ مَحْضٌ، ولَوْ كانَ تَرْكُ المُباحِ والِامْتِناعُ مِنهُ غَيْرَ مُباحٍ لاسْتَحالَتْ حَقِيقَةُ الحَلالِ، وما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن هَذا النَّوْعِ وإنَّما عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِفْقًا بِهِ وتَنْوِيهًا بِقَدْرِهِ وإجْلالًا لِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُراعِيَ مَرْضاةَ أزْواجِهِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ جَرْيًا عَلى ما أُلِفَ مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وتَأوَّلَ بَعْضُهم كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ، وفِيهِ ما يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: نِسْبَةُ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجازٌ، والمُرادُ لِمَ تَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ ما أحَلَّ لَكَ بِحَلِفِكَ عَلى تَرْكِهِ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وفي وُقُوعِ الحَلِفِ خِلافٌ، ومَن قالَ بِهِ احْتَجَّ بِبَعْضِ الأخْبارِ، وبِظاهِرِ
التحريم 66:2
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ قَدْ شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حِلُّ ما عَقَّدَتْهُ الأيْمانُ بِالكَفّارَةِ، فالتَّحِلَّةُ مَصْدَرُ حَلَّلَ كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ لِأنَّ قِياسَ فَعَّلَ الصَّحِيحُ العَيْنِ غَيْرُ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُهُ تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ، وهو مِنَ الحِلِّ ضِدَّ العَقْدِ فَكَأنَّهُ بِاليَمِينِ عَلى الشَّيْءِ لِالتِزامِهِ عَقَدَ عَلَيْهِ وبِالكَفّارَةِ يَحِلُّ ذَلِكَ، ويَحِلُّ أيْضًا بِتَصْدِيقِ اليَمِينِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا يَمُوتُ لِرَجُلٍ ثَلاثَةُ أوْلادٍ فَتَمَسُّهُ النّارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ»» يَعْنِي ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: 71] إلَخْ، وتَحْلِيلُهُ بِأقَلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَن حَلَفَ أنْ يَنْزِلَ يَكْفِي فِيهِ إلْمامٌ خَفِيفٌ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّقْلِيلِ أيْ قَدْرَ الِاجْتِيازِ اليَسِيرِ، وكَذا يَحِلُّ بِالِاسْتِثْناءِ أيْ بِقَوْلِ الحالِفِ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِهِ المَعْرُوفِ في الفِقْهِ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الكَشّافِ أنَّ التَّحْلِيلَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ ومَعْناهُ كَما في الكَشْفِ تَعْقِيبُ اليَمِينِ عِنْدَ الإطْلاقِ بِالِاسْتِثْناءِ حَتّى لا تَنْعَقِدَ، ومِنهُ حَلا أبَيْتَ اللَّعْنَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمِينٌ كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وهو ظاهِرُ الآيَةِ اخْتُلِفَ هَلْ أعْطى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكَفّارَةَ أمْ لا ؟ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُعْطِ لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِأنَّ تَرَتُّبَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ كَيْفَ وغَيْرُ مُسَلَّمٍ أنَّهُ ذَنْبٌ، وعَنْ مُقاتِلٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ»، وقَدْ نَقَلَ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الكَفّارَةَ في تَحْرِيمِهِ أُمَّ ولَدِهِ حَيْثُ حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، ومِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ زَوْجَتَهُ فَقِيلَ: قالَ جَماعَةٌ مِنهم مَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ والشَّعْبِيُّ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ وعَطاءٌ وطاوُسٌ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والحَسَنُ والأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ، وأبُو حَنِيفَةَ يَرى تَحْرِيمَ الحَلالِ يَمِينًا في كُلِّ شَيْءٍ، ويُعْتَبَرُ الِانْتِفاعُ المَقْصُودُ فِيما يُحَرِّمُهُ فَإذا حَرَّمَ طَعامًا فَقَدْ حَلَفَ عَلى عَدَمِ أكْلِهِ أوْ أمَةً فَعَلى وطْئِها أوْ زَوْجَةً فَعَلى الإيلاءِ مِنها إذا لَمْ
صفحة 149
تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإنْ نَوى الظِّهارَ فَظِهارٌ وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَطَلاقٌ بائِنٌ، وكَذَلِكَ إنْ نَوى اثْنَتَيْنِ وإنْ نَوى ثَلاثًا فَكَما نَوى، وإنْ قالَ: نَوَيْتُ الكَذِبَ دِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لا يَدِينُ في قَضاءِ الحاكِمِ بِإبْطالِ الإيلاءِ لِأنَّ اللَّفْظَ إنْشاءٌ في العُرْفِ، وقالَ جَماعَةٌ: إنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ، وفي التَّحْرِيرِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ أوِ اثْنَتَيْنِ فَواحِدَةٌ أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ. أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَمُوَلٍّ. أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا، وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنِ ارْتَجَعَها فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ، ويَقَعُ ما أرادَ مِن إعْدادِهِ فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةً، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا، وقالَ أبُو قُلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ فَفِيهِ كَفّارَتُهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ فَظِهارٌ، أوْ تَحْرِيمُ عَيْنِها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ، وقالَ مالِكٌ: يَقَعُ ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها وما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوْ ثِنْتَيْنِ. أوْ ثَلاثٌ في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: تَقَعُ ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ورَوى ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَقَعُ واحِدَةً بائِنَةً فِيهِما، وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: يَقَعُ في الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها واحِدَةً وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وأمّا الطَّلاقُ فَرَجْعِيٌّ عِنْدَهُ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ثَلاثٌ، وعَنْ زَيْدٍ واحِدَةٌ بائِنَةٌ، وعَنْ عُثْمانَ ظِهارٌ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن حَرَّمَ امْرَأتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابَ: 21] ولِلنَّسائِيِّ أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: جَعَلْتُ امْرَأتِي عَلَيَّ حَرامًا قالَ: كَذَبْتَ لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عَلَيْكَ أغْلَظُ الكَفّارَةِ عِتْقُ رَقَبَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وهي في هَذِهِ المَسْألَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي نَقْلِ الأقْوالِ عَنْ أصْحابِها اخْتِلافٌ كَثِيرٌ أيْضًا، واحْتَجَّ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَن فَرَضَ تَحْلِيلَها بِالكَفّارَةِ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَن رَأى التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، أوْ تَحْرِيمَ المَرْأةِ يَمِينًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَفّارَةَ اليَمِينِ هُنا.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ الكَفّارَةِ كَوْنُهُ يَمِينًا لِجَوازِ اشْتِراكِ الأمْرَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ في حَكَمٍ واحِدٍ فَيَجُوزُ أنَّ تَثْبُتَ الكَفّارَةُ فِيهِ لِمَعْنًى آخَرَ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ هَذِهِ الكَفّارَةَ لا تَكُونُ إلّا مَعَ اليَمِينِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْسَمَ مَعَ التَّحْرِيمِ فَقالَ في مارِيَةَ: ««واللَّهِ لا أطَؤُها»» أوْ في العَسَلِ ««واللَّهِ لا أشْرَبُهُ»» وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم فالكَفّارَةُ لِذَلِكَ اليَمِينِ لا لِلتَّحْرِيمِ وحْدَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ سَيِّدُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ فَيَعْلَمُ ما يُصْلِحُكم فَيُشَرِّعُهُ سُبْحانَهُ لَكُمُ ﴿الحَكِيمُ﴾ المُتْقِنُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ فَلا يَأْمُرُكم ولا يَنْهاكم إلّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ
التحريم 66:3
﴿وإذْ أسَرَّ﴾
صفحة 150
أيْ واذْكُرْ ”إذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ“ هي حَفْصَةُ عَلى ما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وزَعَمَ بَعْضُ الشِّيعَةِ أنَّها عائِشَةُ ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ شِيعَةٌ، نَعَمْ رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو شاذٌّ ﴿حَدِيثًا﴾ هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ: ««لَكِنِّي كُنْتُ أشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أعُودَ لَهُ وقَدْ حَلَفْتُ لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»» ﴿فَلَمّا نَبَّأتْ﴾ أيْ أخْبَرَتْ.
وقَرَأ طَلْحَةُ - أنْبَأتْ - ﴿بِهِ﴾ أيْ بِالحَدِيثِ عائِشَةَ لِأنَّهُما كانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ، وتَضَمَّنَ الحَدِيثُ نُقْصانَ حَظِّ ضُرَّتِهِما زَيْنَبَ مِن حَبِيبِهِما رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ - كانَ يَمْكُثُ عِنْدَها لِشُرْبِ ذَلِكَ وقَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ عادَةً - كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ - كانَ فاسْتَخَفَّها السُّرُورُ فَنَبَّأتْ بِذَلِكَ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرًا عَلى الحَدِيثِ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةَ: 33، الفَتْحَ: 28، الصَّفَّ: 9] والكَلامُ عَلى ما قِيلَ: عَلى التَّجَوُّزِ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى إفْشائِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِمَصْدَرِ ﴿نَبَّأتْ﴾ وفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ، أوْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الحَدِيثَ ظاهِرًا عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو نَظِيرُ ظَهَرَ لِي هَذِهِ المَسْألَةُ وظَهَرَتْ عَلَيَّ إذا كانَ فِيهِ مَزِيدُ كُلْفَةٍ واهْتِمامٍ بِشَأْنِ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ ﴿عَرَّفَ﴾ أيِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَفْصَةَ ﴿بَعْضَهُ﴾ أيِ الحَدِيثَ أيْ أعْلَمَها وأخْبَرَها بِبَعْضِ الحَدِيثِ الَّذِي أفْشَتْهُ.
والمُرادُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَها: قَلْتِ كَذا لِبَعْضِ ما أسَرَّهُ إلَيْها قِيلَ: هو قَوْلُهُ لَها: ««كُنْتُ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أعُودَ»» ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ هو عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وقَدْ حَلَفْتُ» فَلَمْ يُخْبِرْها بِهِ تَكَرُّمًا لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ خَجْلَتِها حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ مَزِيدَ اهْتِمامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَرْضاةِ أزْواجِهِ وهو لا يُحِبُّ شُيُوعَ ذَلِكَ، وهَذا مِن مَزِيدِ كَرَمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، وقالَ الشّاعِرُ:
لَيْسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَوْمِهِ لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ المُتَغابِي
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عَرَّفَ﴾ بِمَعْنى جازَ أيْ جازاها عَلى بَعْضٍ بِالعَتْبِ واللَّوْمِ أوْ بِتَطْلِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها، وتَجاوَزَ عَنْ بَعْضٍ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ السُّلَمِيِّ والحَسَنِ وقَتادَةَ وطَلْحَةَ والكِسائِيِّ وأبِي عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ عَرَفَ بِالتَّخْفِيفِ لِأنَّهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَحْتَمِلُ مَعْنى العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ تَعَلَّقَ بِهِ كُلِّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ”أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ“ مَعَ أنَّ الإعْراضَ عَنِ الباقِي يَدُلُّ عَلى العِلْمِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُجازاةِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ في التَّهْذِيبِ: مَن قَرَأ «عَرَفَ» بِالتَّخْفِيفِ أرادَ مَعْنى غَضِبَ وجازى عَلَيْهِ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ يُسِيءُ إلَيْكَ: واللَّهِ لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، واسْتَحْسَنَهُ الفَرّاءُ، وقَوْلُ القامُوسِ: هو بِمَعْنى الإقْرارِ لا وجْهَ لَهُ ها هُنا، وجُعِلَ المُشَدَّدُ مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ والمُخَفَّفُ بِالعَكْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ العَلاقَةُ بَيْنَ المُجازاةِ والتَّعْرِيفِ اللُّزُومَ، وأُيِّدَ المَعْنى الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى:﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ﴾ لِتَعْرِفَ هَلْ فَضَحَتْها عائِشَةُ أمْ لا ؟ ﴿مَن أنْبَأكَ﴾ هَذا ﴿قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ فَإنَّهُ أوْفَقُ لِلْإعْلامِ، وهَذا عَلى ما في البَحْرِ
صفحة 151
عَلى مَعْنى بِهَذا، وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ - عَرّافَ بَعْضَهُ - بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ وهي إشْباعٌ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ: إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ مارِيَةَ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَلِيانِ النّاسَ بَعْدَهُ فَأسَرَّتْ ذَلِكَ إلى عائِشَةَ فَعَرَّفَ بَعْضَهُ وهو أمْرُ مارِيَةَ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ وهو أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَلِيانِ بَعْدَهُ مَخافَةَ أنْ يَفْشُوَ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقَدْ جاءَ إسْرارُ أمْرِ الخِلافَةِ في عِدَّةِ أخْبارٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وأبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصِّدِّيقِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ قالا: «إنَّ إمارَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ لَفي كِتابِ اللَّهِ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ قالَ لِحَفْصَةَ: «أبُوكِ وأبُو عائِشَةَ والِيا النّاسِ بَعْدِي فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا»» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ أسَرَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى حَفْصَةَ أنَّ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ ومِن بَعْدِ أبِي بَكْرٍ عُمَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ نَحْوَهُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرْسِيِّ مِن أجْلِ الشِّيعَةِ عَنِ الزَّجّاجِ قالَ: لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَعَرَّفَها بَعْضَ ما أفْشَتْ مِنَ الخَبَرِ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ مِن بَعْدِي، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما رَواهُ العَيّاشِيُّ بِالإسْنادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ المَكِّيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا أنَّهُ زادَ في ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما حَدَّثَتْ أباها بِذَلِكَ فَعاتَبَهُما في أمْرِ مارِيَةَ وما أفْشَتا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، وأعْرَضَ أنْ يُعاتِبَهُما في الأمْرِ الآخَرِ. انْتَهى.
وإذا سَلَّمَ الشِّيعَةُ صِحَّةَ هَذا لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا بِصِحَّةِ خِلافَةِ الشَّيْخَيْنِ لِظُهُورِهِ فِيها كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأخْبارِ أظْهَرُ مِن تَفْسِيرِها عَلى حَدِيثِ العَسَلِ لَكِنَّ حَدِيثَهُ أصَحُّ، والجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ مِمّا لا يَكادُ يَتَأتّى.
وقُصارى ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ كَما هو عادَتُهُ، وجاءَ إلى حَفْصَةَ فَقالَتْ لَهُ ما قالَتْ فَحَرَّمَ العَسَلَ، واتَّفَقَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُبَيْلَ ذَلِكَ أوْ بُعَيْدَهُ أنْ وطِئَ جارِيَتَهُ مارِيَةَ في بَيْتِها في يَوْمِها عَلى فِراشِها فَوَجَدَتْ فَحَرَّمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مارِيَةَ، وقالَ لِحَفْصَةَ ما قالَ تَطْيِيبًا لِخاطِرِها واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ فَكانَ مِنها ما كانَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ بَعْدَ القِصَّتَيْنِ فاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّواةِ عَلى إحْداهُما. والبَعْضُ الآخَرُ عَلى نَقْلِ الأُخْرى، وقالَ كُلٌّ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ إلَخْ، وهو كَلامٌ صادِقٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ دَعْوى كُلٍّ حَصْرَ عِلَّةِ النُّزُولِ فِيما نَقَلَهُ فَإنْ صَحَّ هَذا هانَ أمْرُ الِاخْتِلافِ وإلّا فاطْلُبْ لَكَ غَيْرَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِإسْرارِ بَعْضِ الحَدِيثِ إلى مَن يَرْكَنُ إلَيْهِ مِن زَوْجَةٍ أوْ صَدِيقٍ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ كَتْمُهُ، وفِيها عَلى ما قِيلَ: دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ حُسْنُ العِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجاتِ والتَّلَطُّفُ في العَتْبِ والإعْراضُ عَنِ اسْتِقْصاءِ الذَّنْبِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ - وكانَ مِنَ النُّقَباءِ -كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فاتَّهَمَتْهُ زَوْجَتُهُ لَيْلَةً، فَقالَ قَوْلًا بِالتَّعْرِيضِ، فَقالَتْ: إنْ كُنْتَ لَمْ تَقْرَبْها فاقْرَأِ القُرْآنَ فَأنْشَدَ:
شَهِدْتُ فَلَمْ أُكَذِّبْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ∗∗∗ رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّماواتِ مِن عَلٍ
وأنَّ أبا يَحْيى ويَحْيى كِلاهُما ∗∗∗ لَهُ عَمَلٌ في دِينِهِ مُتَقَبَّلُ
وأنَّ الَّتِي بِالجَزَعِ مِن بَطْنِ نَخْلَةٍ ∗∗∗ ومَن دانَها كُلٌّ عَنِ الخَيْرِ مُعْزَلُ
صفحة 152
فَقالَتْ: زِدْنِي، فَأنْشَدَ:
وفِينا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتابَهُ ∗∗∗ كَما لاحَ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ ساطِعُ
أتى بِالهُدى بَعْدَ العَمى فَنُفُوسُنا ∗∗∗ بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ
يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا رَقَدَتْ بِالكافِرِينَ المَضاجِعُ
فَقالَتْ: زِدْنِي، فَأنْشَدَ:
شَهِدْتُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ∗∗∗ وأنَّ النّارَ مَثْوى الكافِرِينا
وأنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ وأنَّ اللَّهَ مَوْلى المُؤْمِنِينا
وأنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبَّ العالَمِينا
ويَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلَهِ مُسَوَّمِينا
فَقالَتْ: أما إذْ قَرَأتَ القُرْآنَ فَقَدْ صَدَّقْتُكَ، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ - وقَدْ كانَتْ رَأتْهُ عَلى ما تَكْرَهُ - إذَنْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَصَرِي، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَبَسَّمَ، وقالَ: «خَيْرُكم خَيْرُكم لِنِسائِهِ»»
التحريم 66:4
﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المُعاتَبَةِ فَإنَّ المُبالِغَ في العِتابِ يَصِيرُ المُعاتَبِ أوَّلًا بَعِيدًا عَنْ ساحَةِ الحُضُورِ، ثُمَّ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وعاتَبَهُ بِما يُرِيدُ، وكَوْنُ الخِطابِ لَهُما لِما أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ أزَلْ حَرِيصًا أنْ أسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ المَرْأتَيْنِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا﴾ إلَخْ حَتّى حَجَّ عُمَرُ وحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإداوَةِ فَنَزَلَ ثُمَّ إنِّي صَبَبْتُ عَلى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأتانِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّتانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا﴾ إلَخْ ؟ فَقالَ: واعَجَبًا لَكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ هُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ ثُمَّ أنْشَأ يُحَدِّثُنِي الحَدِيثَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ»، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ مالَتْ عَنِ الواجِبِ مِن مُخالَفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ إلى مُخالَفَتِهِ، والجُمْلَةُ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ بَعْدَ حَذْفِهِ. والتَّقْدِيرُ إنْ تَتُوبا فَلِتَوْبَتِكُما مُوجِبٌ وسَبَبٌ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أوْ فَحُقَّ لَكُما ذَلِكَ فَقَدْ صَدَرَ ما يَقْتَضِيها وهو عَلى مَعْنى فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ:
إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ
مِن أنَّهُ بِتَأْوِيلِ تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ جَوابًا مِن حَيْثُ الإعْلامُ كَما قِيلَ في: إنْ تُكْرِمْنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمَتُكَ أمْسِ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَمْحُ إثْمَكُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِسَبَبِ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَقَدْ أدَّيْتُما ما يَجِبُ عَلَيْكُما أوْ أتَيْتُما بِما يَحِقُّ لَكُما، وما ذُكِرَ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُفَسِّرُوا ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ بِمالَتْ إلى الواجِبِ أوِ الحَقِّ أوِ الخَيْرِ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي - وقَدْ - وقِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ - فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما - وتَكْثِيرَ المَعْنى مَعَ تَقْلِيلِ اللَّفْظِ تَقْتَضِي ما سَلَفَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن أنَّ الجَوابَ يَكُونُ ماضِيًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ كانَ، فِيهِ نَظَرٌ، والجَمْعُ في ﴿قُلُوبُكُما﴾ دُونَ التَّثْنِيَةِ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ تَثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ المُرادِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ التَّثْنِيَةِ والإفْرادِ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
صفحة 153
حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
وغَلَّطَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ابْنَ مالِكٍ في قَوْلِهِ في التَّسْهِيلِ: ويُخْتارُ لَفْظُ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ونافِعٍ في رِوايَةٍ، وطَلْحَةَ والحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ - تَظّاهَرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ أُخْرى - تَظَّهَّرا - بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ، والمَعْنى فَإنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرَةِ وإفْشاءِ سِرِّهِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ أيْ ناصِرُهُ والوَقْفُ عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ هُنا أحْسَنُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجِبْرِيلُ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ﴾ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ظَهِيرٌ﴾ وجَعَلُوهُ الخَبَرَ عَنِ الجَمِيعِ، وهو بِمَعْنى الجَمْعِ أيْ مُظاهِرُونَ، واخْتِيرَ الإفْرادُ لِجَعْلِهِمْ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ”جِبْرِيلُ“ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مُقَدَّرٌ نَظِيرَ ما قالُوا في قَوْلِهِ:
ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى جِبْرِيلَ أيْ ﴿وجِبْرِيلُ﴾ مَوْلاهُ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ ﴿ظَهِيرٌ﴾، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ اخْتِيارُ الوَقْفِ عَلى ”المُؤْمِنِينَ“ فَظَهِيرٌ خَبَرُ المَلائِكَةِ، وعَلَيْهِ غالِبُ مُخْتَصِرِيهِ، وظاهِرُ كَلامِهِمُ التَّقْدِيرُ لِكُلٍّ مِن جِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ خَبَرًا وهو إمّا لَفْظُ مَوْلًى مُرادًا بِهِ مَعَ كُلِّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ المُناسِبَةِ أيْ ﴿وجِبْرِيلُ﴾ مَوْلاهُ أيْ قَرِينُهُ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ مَوْلاهُ أيْ تابِعُهُ، أوْ لَفْظٌ آخَرُ بِذَلِكَ المَعْنى المُناسِبِ وهو قَرِينُهُ في الأوَّلِ وتابِعُهُ في تابِعِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلى في الجَمْعِ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما لا يَخْفى، وزِيادَةُ ”هو“ عَلى ما في الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ نُصْرَتَهُ تَعالى عَزِيمَةٌ مِن عَزائِمِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَوَلِّي ذَلِكَ بِذاتِهِ تَعالى، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الفَصْلِ في شَيْءٍ، وأنَّهُ لِلتَّقَوِّي لا لِلْحَصْرِ، والحَصْرُ أكْثَرِيٌّ في المَعْرِفَتَيْنِ عَلى ما نَقَلَهُ في الإيضاحِ، وإنْ كانَ كَلامُ السَّكّاكِيِّ مُوهِمًا الوُجُوبَ وهَذا والمُبالَغَةُ مُحَقَّقَةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وحَقَّقَ في الأُصُولِ، وأمّا الحَصْرُ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى اللَّفْظِ فَلا يُرِدْ أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ ﴿وجِبْرِيلُ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْبَرًا عَنْهُ - بِظَهِيرٍ - وإنَّ سُلِّمَ فَلا يُنافِيهِ لِأنَّ نُصْرَتَهم نُصْرَتُهُ تَعالى فَلَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ عَلى نَحْوِ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ وعَمْرٌو، كَذا في الكَشْفِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ مَزِيدُ فَضْلِهِ بَلْ هو رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، والمُرادُ بِالصّالِحِ عِنْدَ كَثِيرٍ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ هُنا، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: كُنْتُ في السّامِرِ والحاضِرِ، ولِذا عَمَّ بِالإضافَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ جَمِيعًا، وكانَ القِياسُ أنْ يُكْتَبَ - وصالِحُو -بِالواوِ إلّا أنَّها حُذِفَتْ خَطًّا تَبَعًا لِحَذْفِها لَفْظًا، وقَدْ جاءَتْ أشْياءُ في المُصْحَفِ تُبِعَ فِيها حُكْمُ اللَّفْظِ دُونَ وضْعِ الخَطِّ نَحْوَ - ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ [الإسْراءَ: 11] و﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القَمَرَ: 6] و﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العَلَقَ: 18] ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: 21] -إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الإضافَةَ لِلْعَهْدِ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ والعَلاءِ بْنِ زِيادٍ، ومُظاهَرَتِهِمْ لَهُ قِيلَ: تَضَمَّنَ كَلامُهم ذَمَّ المُتَظاهِرِينَ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ وقِيلَ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ،» ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ «أنَّ النَّبِيَّ
صفحة 154
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ هَذا صالِحُ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ خاصَّةً، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ قالا: نَزَلَتْ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وذَهَبَ إلى تَفْسِيرِهِ بِهِما عِكْرِمَةُ ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ وغَيْرُهُما، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبِي يَقْرَؤُها ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، ورَجَّحَ إرادَةَ ذَلِكَ بِأنَّهُ اللّائِقُ بِتَوْسِيطِهِ بَيْنَ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهِيرِ المَعْنَوِيِّ والظَّهِيرِ الصُّورِيِّ كَيْفَ لا وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهِيرٌ لَهُ ﷺ يُؤَيِّدُهُ بِالتَّأْيِيداتِ الإلَهِيَّةِ وهُما وزِيراهُ وظَهِيراهُ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الرِّسالَةِ وتَمْشِيَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّ بَيانَ مُظاهَرَتِهِما لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ بِنْتَيْهِما وتَوْهِينًا لِأمْرِهِما.
وأنا أقُولُ العُمُومُ أوْلى، وهُما - وكَذا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - يَدْخُلانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والتَّنْصِيصُ عَلى بَعْضٍ في الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ إذا صَحَّتْ لِنُكْتَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِإرادَةِ الحَصْرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: مِن صالِحِ المُؤْمِنِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ»، وفائِدَةُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نُصْرَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أقْوى وُجُوهِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ تَنَوَّعَتْ، ثُمَّ لا خَفاءَ في أنَّ نُصْرَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ - وفِيهِمْ جِبْرِيلُ - أقْوى مِن نُصْرَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ.
وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً فالتَّعْظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وفي التَّنْبِيهِ عَلى هَذا دَفْعُ تَوَهُّمِ ما يُوهِمُهُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ مِن أعْظَمِيَّةِ مُظاهَرَةِ المُتَقَدِّمِ، وبِالجُمْلَةِ فائِدَةُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ نَحْوَ فائِدَةِ - ثُمَّ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو التَّفاوُتُ الرُّتْبِيُّ أيْ أعْظَمِيَّةُ رُتْبَةِ ما بَعْدَها بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وهَذا لا يَتَسَنّى عَلى ما نُقِلَ عَنِ البَحْرِ بَلْ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى تَبَعِيَّةِ المَذْكُورِينَ في النُّصْرَةِ والإعانَةِ عَزَّ وجَلَّ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ شَرْطِيَّةَ - وتَظاهَرا - فِعْلُ الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ المَقْرُونَةُ بِالفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ، وسَبَبٌ أُقِيمَ مَقامَهُ، والأصْلُ فَإنَّ ﴿تَظاهَرا﴾ عَلَيْهِ فَلَنْ يُعْدَمَ مَن يُظاهِرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي بِنَفْسِها الجَوابَ عَلى أنَّها مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وأعْظَمَ جَلَّ جَلالُهُ شَأْنَ النُّصْرَةِ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى هاتَيْنِ الضَّعِيفَتَيْنِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ مَكْرِ النِّساءِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في قَطْعِ حِبالِ طَمَعِهِما لِعِظَمِ مَكانَتِهِما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ولِأُمُومَتِهِما لَهم وكَرامَةً لَهُ ﷺ ورِعايَةً لِأبَوَيْهِما في أنَّ تَظاهُرَهُما يُجْدِيهِما نَفْعًا.
وقِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في تَوْهِينِ أمْرِ تَظاهُرِهِما ودَفْعِ ما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن ضَرَرِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ والتَّبْلِيغِ وقَهْرِ أعْداءِ الدِّينِ لِما أنَّ العادَةَ قاضِيَةٌ بِاشْتِغالِ بالِ الرَّجُلِ بِسَبَبِ تَظاهُرِ أزْواجِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا مَزِيدُ إغاظَةٍ لِلْمُنافِقِينَ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّ تَظاهُرًا عَلَيْهِ لا يَضُرُّ ذَلِكَ في أمْرِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو مَوْلاهُ وناصِرُهُ في أمْرِ دِينِهِ وسائِرِ شُؤُونِهِ عَلى كُلِّ مَن يَتَصَدّى لِما يَكْرَهُهُ ﴿وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ مُظاهِرُونَ لَهُ ومُعِينُونَ إيّاهُ كَذَلِكَ، ويُلائِمُ هَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ عَلَيْهِ حَيْثُ
صفحة 155
لَمْ يَقُلْ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْكُما مَثَلًا، وكَذا تَرْكُ ذِكْرِ المُعانِ فِيهِ وتَخْصِيصُ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِالذِّكْرِ، وتَقْوى هَذِهِ المُلاءَمَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن تَفْسِيرِ - صالِحِ المُؤْمِنِينَ - بِمَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ فَتَأمَّلْ.
التحريم 66:5
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ﴾ أيْ أنْ يُعْطِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَلَكُنَّ ﴿أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ والخِطابُ لِجَمِيعِ زَوْجاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وخُوطِبْنَ لِأنَّهُنَّ في مَهْبِطِ الوَحْيِ وساحَةِ العِزِّ والحُضُورِ، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: اجْتَمَعَ نِساءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ”عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِنهُنَّ مَعَ أنَّ المَذْهَبَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ خَيْرٌ مِنهُنَّ لِأنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ والمُعَلَّقُ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ عَلى التَّغْلِيبِ، وأصْلُ الخِطابِ لِاثْنَتَيْنِ مِنهُنَّ وهُما المَخاطَبَتانِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُما وغَيْرَكُما أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُما ومِن غَيْرِكُما مِنَ الأزْواجِ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءِ خَيْرًا مِن أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِهِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ عَلى طَلاقِ الِاثْنَتَيْنِ ولَمْ يَقَعْ فَلا يَجِبُ وُقُوعُ المُعَلَّقِ ولا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ والتَّغْلِيبُ في خِطابِ الكُلِّ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ أوَّلًا اثْنَتانِ، وفي لَفْظَةِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ فَغُلِّبَ ما لَمْ يَقَعْ مِنَ الطَّلاقِ عَلى الواقِعِ وعَلى التَّعْمِيمِ لا تَغْلِيبَ في الخِطابِ ولا في ”إنْ“ . انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ثُمَّ إنَّ المَشْهُورَ أنَّ ﴿عَسى﴾ في كَلامِهِ تَعالى لِلْوُجُوبِ، وأنَّ الوُجُوبَ هُنا إنَّما هو بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: هي كَذَلِكَ إلّا هُنا، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ ﴿عَسى﴾ وخَبَرِها.
والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ طَلَّقَكُنَّ فَعَسى إلَخْ، و﴿أزْواجًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِيُبْدِلَ – و﴿خَيْرًا﴾ صِفَتُهُ وكَذا ما بَعْدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَيّاشٍ «طَلَّقَكُّنَّ» بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «يُبَدِّلَهُ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿مُسْلِماتٍ﴾ مُقِرّاتٍ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ مُخْلِصاتٍ لِأنَّهُ يُعْتَبَرُ في الإيمانِ تَصْدِيقُ القَلْبِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مُخْلِصًا، أوْ مُنْقاداتٍ عَلى أنَّ الإسْلامَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ مُصَدِّقاتٌ ﴿قانِتاتٍ﴾ مُصَلِّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا ﴿تائِباتٍ﴾ مُقْلِعاتٍ عَنِ الذَّنْبِ ﴿عابِداتٍ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿سائِحاتٍ﴾ صائِماتٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ الفَرّاءُ: وسُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ. وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ويَمانُ: مُهاجِراتٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ، وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أيَّ مَذْهَبٍ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ «سَيِّحاتٍ» ﴿ثَيِّباتٍ﴾ جَمْعُ ثَيِّبٍ مِن ثابَ يَثُوبُ ثَوْبًا، وزْنُهُ فَيْعَلٌ كَسَيِّدٍ وهي الَّتِي تَثُوبُ أيْ تَرْجِعُ عَنِ الزَّوْجِ أيْ بَعْدَ زَوالِ عُذْرَتِها ﴿وأبْكارًا﴾ جَمْعُ بِكْرٍ مِن بَكَرَ إذا خَرَجَ بُكْرَةً وهي أوَّلُ النَّهارِ، وفِيها مَعْنى التَّقَدُّمِ سُمِّيَتْ بِها الَّتِي لَمْ تُفْتَضَّ اعْتِبارًا بِالثَّيِّبِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْها فِيما يُرادُ لَهُ النِّساءُ، وتُرِكَ العَطْفُ
صفحة 156
فِي الصِّفاتِ السّابِقَةِ لِأنَّها صِفاتٌ تَجْتَمِعُ في شَيْءٍ واحِدٍ وبَيْنَها شِدَّةُ اتِّصالٍ يَقْتَضِي تَرْكَ العَطْفِ ووَسَّطَ العاطِفَ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَغايُرِ الصِّفَتَيْنِ وعَدَمِ اجْتِماعِهِما في ذاتٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يُؤْتَ - بِأوْ - قِيلَ: لِيَكُونَ المَعْنى أزْواجًا بَعْضُهُنَّ ثَيِّباتٌ وبَعْضُهُنَّ أبْكارٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: وسَّطَ العاطِفَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُما في حُكْمِ صِفَةٍ واحِدَةٍ إذِ المَعْنى مُشْتَمِلاتٌ عَلى الثَّيِّباتِ والأبْكارِ فَتَدَبَّرْ، وفي الِانْتِصافِ لِابْنِ المُنِيرِ ذَكَرَ لِيَ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ عَبْدَ الرَّحِيمِ البِيسانِيَّ الكاتِبَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في الآيَةِ هي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحاةِ واوَ الثَّمانِيَةِ لِأنَّها ذُكِرَتْ مَعَ الصِّفَةِ الثّامِنَةِ، وكانَ الفاضِلُ يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ قَبْلَهُ: أحَدُها في التَّوْبَةِ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التَّوْبَةَ: 112]، والثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفَ: 22]، والثّالِثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزُّمُرَ: 73] إلى أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِئِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وأحالَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن دُعاءِ الضَّرُورَةِ إلى الإتْيانِ بِها ها هُنا لِامْتِناعِ اجْتِماعِ الصِّفَتَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ وواوُ الثَّمانِيَةِ إنْ ثَبَتَتْ فَإنَّما تَرِدُ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلَيْها إلّا الإشْعارَ بِتَمامِ نِهايَةِ العَدَدِ الَّذِي هو السَّبْعَةُ فَأنْصَفَهُ الفاضِلُ واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: أرْشَدْتَنا يا أبا الجُودِ. انْتَهى.
وذُكِرَ الجِنْسانِ لِأنَّ في أزْواجِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن تَزَوَّجَها ثَيِّبًا وفِيهِنَّ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا إلّا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ عَلى صَواحِباتِها، ورَدَّتْ عَلَيْها الزَّهْراءُ عَلى أبِيها وعَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاها حِينَ افْتَخَرَتْ عَلى أُمِّها خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِها: إنَّ أُمِّي تَزَوَّجَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِكْرٌ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنَ النِّساءِ غَيْرَها ولا كَذَلِكَ أنْتُنَّ فَسَكَتَتْ
التحريم 66:6
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ﴾ نارًا أيْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ، ووِقايَةُ النَّفْسِ عَنِ النّارِ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ووِقايَةُ الأهْلِ بِحَمْلِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالنُّصْحِ والتَّأْدِيبِ، ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَنْهَوْهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ وتَأْمُرُوهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: عَلِّمُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ الخَيْرَ وأدَّبُوهم، والمُرادُ بِالأهْلِ عَلى ما قِيلَ: ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ والوَلَدَ والعَبْدَ والأمَةَ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ تَعَلُّمُ ما يَجِبُ مِنَ الفَرائِضِ وتَعْلِيمُهُ لِهَؤُلاءِ، وأدْخَلَ بَعْضُهُمُ الأوْلادَ في الأنْفُسِ لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، وفي الحَدِيثِ ««رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قالَ: يا أهْلاهُ صَلاتَكم صِيامَكم زَكاتَكم مَسْكَنَكم يَتِيمَكم جِيرانَكم لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم مَعَهُ في الجَنَّةِ»»، وقِيلَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن جَهِلَ أهْلَهُ.
وقُرِئَ - وأهْلُوكم -بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿قُوا﴾ وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضٍ ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ولَمْ يَرْتَضِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأصْلَ ﴿قُوا﴾ أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم وأنْفُسَهم بِأنْ يَقِيَ ويَحْفَظَ كُلٌّ مِنكم ومِنهم نَفْسَهُ عَمّا يُوبِقُها، فَقَدَّمَ أنْفُسَكم، وجَعَلَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ الأنْفُسَ مُشْتَمِلًا عَلى الأهْلِينَ تَغْلِيبًا فَشَمِلَهُمُ الخِطابُ، وكَذا اعْتُبِرَ التَّغْلِيبُ في ﴿قُوا﴾، وفِيهِ
صفحة 157
تَقْلِيلٌ لِلْحَذْفِ وإيثارُ العَطْفِ المُفْرَدِ الَّذِي هو الأصْلُ والتَّغْلِيبُ الَّذِي نُكْتَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ «وُقُودُها» بِضَمِّ الواوِ أيْ ذُو وُقُودِها، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ أيْ أنَّهم مُوَكَّلُونَ عَلَيْها يَلُونَ أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها وهُمُ الزَّبانِيَةُ التِّسْعَةَ عَشَرَ قِيلَ: وأعْوانُهم ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ، أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ أقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ، أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ مِائَةِ خَرِيفٍ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ رَحْمَةٌ إنَّما خُلِقُوا لِلْعَذابِ يَضْرِبُ المَلَكُ مِنهُمُ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ الضَّرْبَةَ فَيَتْرُكُهُ طَحْنًا مِن لَدُنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ صِفَةٌ أُخْرى - لِمَلائِكَةٍ - وما في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ أيْ لا يَعْصُونَ ما أمَرَ اللَّهُ أيْ ما أمَرَهُ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طَهَ: 93] أوْ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ لا يَعْصُونَ فِيما أمَرَهم بِهِ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيِ الَّذِي يَأْمُرُهم عَزَّ وجَلَّ بِهِ، والجُمْلَةُ الأُولى لِنَفْيِ المُعانَدَةِ والِاسْتِكْبارِ عَنْهم صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعْرافَ: 206]، والثّانِيَةُ لِإثْباتِ الكِياسَةِ لَهم ونَفْيِ الكَسَلِ عَنْهم فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ إلى ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 19، 20]، وبِعِبارَةٍ أُخْرى إنَّ الأُولى لِبَيانِ القَبُولِ باطِنًا فَإنَّ العِصْيانَ أصْلُهُ المَنعُ والإباءُ، وعِصْيانُ الأمْرِ صِفَةُ الباطِنِ بِالحَقِيقَةِ لِأنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُورِ إنَّما يُعَدُّ طاعَةً إذا كانَ بِقَصْدِ الِامْتِثالِ فَإذًا نَفْيُ العِصْيانِ عَنْهم دَلَّ عَلى قَبُولِهِمْ وعَدَمِ إبائِهِمْ باطِنًا، والثّانِيَةُ لِأداءِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ تَثاقُلٍ وتَوانٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن ”يَفْعَلُونَ“ فَلا تَكْرارَ، وفي الحُصُولِ ﴿لا يَعْصُونَ﴾ فِيما مَضى عَلى أنَّ المُضارِعَ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ في الآتِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وهو كُلُّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ بِمَنطُوقِهِ مَفْهُومَ الثّانِي وبِالعَكْسِ مُبالَغَةً في أنَّهم لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ.
التحريم 66:7
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ إدْخالِ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ النّارَ حَسْبَما أُمِرُوا بِهِ، فَتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ ونَهْيُهم عَنِ الِاعْتِذارِ لِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم أوْ لِأنَّ العُذْرَ لا يَنْفَعُهم ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بَعْدَ ما نُهِيتُمْ عَنْهُما أشَدَّ النَّهْيِ وأُمِرْتُمْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ
التحريم 66:8
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ بالِغَةً في النُّصْحِ فَهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ كَضَرُوبٍ وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو وصْفُ التّائِبِينَ، وهو أنْ يَنْصَحُوا بِالتَّوْبَةِ أنْفُسَهم فَيَأْتُوا بِها عَلى طَرِيقِها، ولَعَلَّهُ ما تَضَمَّنَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما التَّوْبَةُ النَّصُوحُ ؟ قالَ: أنْ يَنْدَمَ العَبْدُ عَلى الذَّنْبِ الَّذِي أصابَ فَيَعْتَذِرُ إلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْهِ كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ»» ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِما ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: نَصُوحًا مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ أيْ خِياطَتِهِ أيْ تَوْبَةً تَرْفُو خُرُوقَكَ في دِينِكَ وتَرِمُ خَلَلَكَ، وقِيلَ: خالِصَتُهُ مِن قَوْلِهِمْ: عَسَلٌ ناصِحٌ إذا خَلَصَ مِنَ الشَّمْعِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تَوْبَةٌ تَنْصَحُ النّاسَ أيْ تَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أثَرِها في صاحِبِها، واسْتِعْمالِ
صفحة 158
الجِدِّ والعَزِيمَةِ في العَمَلِ بِمُقْتَضَياتِها، وفي المُرادِ بِها أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أوْصَلَها بَعْضُهم إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ قَوْلًا: مِنها ما سَمِعْتَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - تَوْبًا - بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «نُصُوحًا» بِضَمِّ النُّونِ وهو مَصْدَرُ نَصَحَ فَإنَّ النُّصْحَ والنَّصُوحَ كالشُّكْرِ والشَّكُورِ والكُفْرِ والكَفُورِ أيْ ذاتُ نُصْحٍ أوْ تَنْصَحُ نُصُوحًا أوْ تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
هَذا والكَلامُ في التَّوْبَةِ كَثِيرٌ وحَيْثُ كانَتْ أهَمَّ الأوامِرِ الإسْلامِيَّةِ وأوَّلَ المَقاماتِ الإيمانِيَّةِ ومَبْدَأ طَرِيقِ السّالِكِينَ ومِفْتاحَ بابِ الواصِلِينَ لا بَأْسَ في ذِكْرِ شَيْءٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها فَنَقُولُ: هي لُغَةُ الرُّجُوعِ، وشَرْعًا وصْفًا لَنا عَلى ما قالَ السَّعْدُ: النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَوْنِها مَعْصِيَةً لِأنَّ النَّدَمَ عَلَيْها بِإضْرارِها بِالبَدَنِ أوْ إخْلالِها بِالعِرْضِ أوِ المالِ مَثَلًا لا يَكُونُ تَوْبَةً، وأمّا النَّدَمُ لِخَوْفِ النّارِ أوْ لِلطَّمَعِ في الجَنَّةِ فَفي كَوْنِهِ تَوْبَةً تَرَدُّدٌ. ومَبْناهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ نَدَمًا عَلَيْها لِقُبْحِها ولِكَوْنِها مَعْصِيَةً أمْ لا ؟ وكَذا النَّدَمُ عَلَيْها لِقُبْحِها مَعَ غَرَضٍ آخَرَ، والحَقُّ أنَّ جِهَةَ القُبْحِ إنْ كانَتْ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَتْ لَتَحَقَّقَ النَّدَمُ فَتَوْبَةٌ وإلّا فَلا كَما إذا كانَ الغَرَضُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ لا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما. وكَذا في التَّوْبَةِ عِنْدَ مَرَضٍ مَخُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّدَمَ هَلْ يَكُونُ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ بَلْ لِلْخَوْفِ، وظاهِرُ الأخْبارِ قَبُولُ التَّوْبَةِ ما لَمْ تَظْهَرْ عَلاماتُ المَوْتِ ويَتَحَقَّقْ أمْرُهُ عادَةً، ومَعْنى النَّدَمِ تَحَزُّنٌ وتَوَجُّعٌ عَلى أنْ فَعَلَ وتَمَنّى كَوْنَهُ لَمْ يَفْعَلْ ولا بُدَّ مِن هَذا لِلْقَطْعِ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّرْكِ كالماجِنِ إذا مَلَّ مُجُونَهُ فاسْتَرْوَحَ إلى بَعْضِ المُباحاتِ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««النَّدَمُ تَوْبَةٌ»» وقَدْ يُزادُ قَيْدُ العَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ المَعْصِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ قَدْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ لِذُهُولٍ أوْ جُنُونٍ أوْ نَحْوِهِ، وقَدْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعارِضِ آفَةٍ كَخَرَسٍ في القَذْفِ مَثَلًا أوْ جُبٍّ في الزِّنا فَلا يُتَصَوَّرُ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ الخُطُورِ والِاقْتِداءِ حَتّى لَوْ سُلِبَ القُدْرَةَ لَمْ يُشْتَرَطِ العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وبِذَلِكَ يُشْعِرُ كَلامُ إمامِ الحَرَمَيْنِ حَيْثُ قالَ: إنَّ العَزْمَ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ إنَّما يُقارَنُ بِالتَّوْبَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ ولا يَطَّرِدُ في كُلِّ حالٍ إذِ العَزْمُ إنَّما يَصِحُّ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِن مِثْلِ ما قَدَّمَهُ، ولا يَصِحُّ مِنَ المَجْبُوبِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ الزِّنا. ومِنَ الأخْرَسِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ القَذْفِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: التَّحْقِيقُ أنَّ ذِكْرَ العَزْمِ إنَّما هو لِلْبَيانِ والتَّقْرِيرِ لا لِلتَّقْيِيدِ والِاحْتِرازِ إذِ النّادِمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِقُبْحِها لا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ العَزْمِ البَتَّةَ عَلى تَقْدِيرِ الخُطُورِ والِاقْتِدارِ، وعَلامَةُ النَّدَمِ طُولُ الحَسْرَةِ والخَوْفِ وانْسِكابِ الدَّمْعِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ عَلامَةَ صِدْقِ النَّدَمِ عَنْ ذَنْبٍ كالزِّنا أنْ لا يَرى في المَنامِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ اخْتِيارًا إذْ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِبَقاءِ حُبِّهِ إيّاهُ وعَدَمِ انْقِلاعِ أُصُولِهِ مِن قَلْبِهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو يُنافِي صِدْقَ النَّدَمِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: يَكْفِي في التَّوْبَةِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ أساءَ وأنَّهُ لَوْ أمْكَنَهُ رَدُّ تِلْكَ المَعْصِيَةِ لَرَدَّها ولا حاجَةَ إلى الأسَفِ والحُزْنِ لِإفْضائِهِ إلى التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ.
وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: التَّوْبَةُ ما اسْتَجْمَعَتْ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ وأنْ يَنْدَمَ عَلى فِعْلِها وأنْ يَعْزِمَ عَزْمًا جازِمًا عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِها أبَدًا فَإنْ كانَتْ تَتَعَلَّقُ بِآدَمِيٍّ لَزِمَ رَدُّ الظُّلامَةِ إلى صاحِبِها أوْ وارِثِهِ أوْ تَحْصِيلُ البَراءَةِ مِنهُ، ورُكْنُها الأعْظَمُ النَّدَمُ.
وفِي شَرْحِ المَقاصِدِ قالُوا: إنْ كانَتِ المَعْصِيَةُ في خالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ يَكْفِي النَّدَمُ كَما في ارْتِكابِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ وتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وقَدْ تَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ زائِدٍ كَتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِلْحَدِّ في الشُّرْبِ
صفحة 159
وتَسْلِيمِ ما وجَبَ في تَرْكِ الزَّكاةِ، ومِثْلُهُ في تَرْكِ الصَّلاةِ وإنْ تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ العِبادِ لَزِمَ مَعَ النَّدَمِ، والعَزْمِ إيصالُ حَقِّ العَبْدِ أوْ بَدَلِهِ إلَيْهِ إنْ كانَ الذَّنْبُ ظُلْمًا كَما في الغَصْبِ والقَتْلِ العَمْدِ، ولَزِمَ إرْشادُهُ إنْ كانَ الذَّنْبُ إضْلالًا لَهُ، والِاعْتِذارُ إلَيْهِ إنْ كانَ إيذاءً كَما في الغَيْبَةِ إذا بَلَغَتْهُ ولا يَلْزَمُ تَفْصِيلُ ما اغْتابَهُ بِهِ إلّا إذا بَلَغَهُ عَلى وجْهٍ أفْحَشَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ هَذا الزّائِدَ واجِبٌ آخَرُ خارِجٌ عَنِ التَّوْبَةِ - عَلى ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ - مِن أنَّ القاتِلَ إذا نَدِمَ مِن غَيْرِ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصاصِ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وكانَ مَنعُهُ القِصاصَ مِن مُسْتَحَقِّهِ مَعْصِيَةً مُتَجَدِّدَةً تَسْتَدْعِي تَوْبَةً ولا يَقْدَحُ في التَّوْبَةِ عَنِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ: ورُبَّما لا تَصِحُّ التَّوْبَةُ بِدُونِ الخُرُوجِ مِن حَقِّ العَبْدِ كَما في الغَصْبِ فَفَرْقٌ بَيْنَ القَتْلِ والغَصْبِ، ووَجْهُهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ السُّنَّةِ وغَيْرُهم في وُجُوبِ التَّوْبَةِ عَلى أرْبابِ الكَبائِرِ، واخْتُلِفَ في الدَّلِيلِ، فَعِنْدَنا السَّمْعُ كَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها وحُمِلَ الأمْرُ فِيها عَلى الرُّخْصَةِ والإيذانِ بِقَوْلِها ودَفْعِ القُنُوطِ - كَما جَوَّزَهُ الآمِدِيُّ -احْتِمالًا وبُنِيَ عَلَيْهِ عَدَمُ الإثابَةِ عَلَيْها مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ العَقْلُ، وأوْجَبَتِ الجَهْمِيَّةُ التَّوْبَةَ عَنِ الصَّغائِرِ سَمْعًا لا عَقْلًا، وأهْلُ السُّنَّةِ عَلى ذَلِكَ، ومُقْتَضى كَلامِ النَّوَوِيِّ والمازِرِيِّ وغَيْرِهِما وُجُوبُها حالَ التَّلَبُّسِ بِالمَعْصِيَةِ، وعِبارَةُ المازِرِيِّ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن جَمِيعِ المَعاصِي واجِبَةٌ، وأنَّها واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُها سَواءً كانَتِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً.
وفِي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ أنَّ التَّمادِيَ عَلى الذَّنْبِ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ مِنهُ مَعْصِيَةٌ واحِدَةٌ ما لَمْ يَعْتَقِدْ مُعاوَدَتَهُ، وصَرَّحَتِ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّها واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ حَتّى يَلْزَمَ بِتَأْخِيرِها ساعَةً إثْمٌ آخَرُ تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنْهُ وساعَتَيْنِ إثْمانِ وهَلُمَّ جَرًّا، بَلْ ذَكَرُوا أنَّ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ عَنِ الكَبِيرَةِ ساعَةً واحِدَةً يَكُونُ لَهُ كَبِيرَتانِ: المَعْصِيَةُ وتَرْكُ التَّوْبَةِ، وساعَتَيْنِ أرْبَعٌ: الأُولَيانِ وتَرْكُ التَّوْبَةِ عَلى كُلٍّ مِنهُما، وثَلاثَ ساعاتٍ ثَمانٍ وهَكَذا، وتَصِحُّ عَنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ لِتَحَقُّقِ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وخالَفَ أبُو هاشِمٍ مُحْتَجًّا بِأنَّ النَّدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِقُبْحِها وهو شامِلٌ لَها كُلِّها فَلا يَتَحَقَّقُ النَّدَمُ عَلى قَبِيحٍ مَعَ الإصْرارِ عَلى آخَرَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الشّامِلَ لِلْكُلِّ هو القُبْحُ لا خُصُوصَ قُبْحِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الكافِرِ إذا أسْلَمَ وتابَ مِن كُفْرِهِ مَعَ اسْتَدامَتِهِ بَعْضَ المَعاصِي أمّا هو فَتَوْبَتُهُ صَحِيحَةٌ وإسْلامُهُ كَذَلِكَ بِالإجْماعِ ولا يُعاقَبُ إلّا عُقُوبَةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّ مُجَرَّدَ إيمانِهِ هَلْ يُعَدُّ تَوْبَةً أمْ لا بُدَّ مِنَ النَّدَمِ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ ؟ فَعِنْدَ الجُمْهُورِ مُجَرَّدُ إيمانِهِ تَوْبَةٌ، وقالَ الإمامُ والقُرْطُبِيُّ: لا بُدَّ مِنَ النَّدَمِ عَلى سالِفِ الكُفْرِ وعَدَمُ اشْتِراطِ العَمَلِ الصّالِحِ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأئِمَّةِ خِلافًا لِابْنِ حَزْمٍ، وكَذا تَصِحُّ التَّوْبَةُ عَنِ المَعاصِي إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المَتُوبِ عَنْهُ ولَوْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ، وخالَفَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ فَقالَ: إنَّما تَصِحُّ إجْمالًا مِمّا عُلِمَ إجْمالًا، وأمّا ما عُلِمَ تَفْصِيلًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ مِنهُ تَفْصِيلًا ولا تَنْتَقِصُ التَّوْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالعَوْدِ فَلا تَعُودُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ الَّتِي تابَ مِنها بَلِ العَوْدُ والنَّقْضُ مَعْصِيَةٌ أُخْرى يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتُوبَ مِنها.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مِن شُرُوطِ صِحَّتِها أنْ لا يُعاوِدَ الذَّنْبَ فَإنْ عاوَدَهُ انْتَقَصَتْ تَوْبَتُهُ وعادَتْ ذُنُوبُهُ لِأنَّ النَّدَمَ المُعْتَبَرَ فِيها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالِاسْتِمْرارِ، ووافَقَهُمُ القاضِي أبُو بَكْرٍ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اسْتِدامَةَ النَّدَمِ غَيْرُ واجِبَةٍ بَلِ الشَّرْطُ أنْ لا يَطْرَأ عَلَيْهِ ما يُنافِيهِ ويَدْفَعُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ دائِمٌ حُكْمًا كالإيمانِ حالَ النَّوْمِ، ويَلْزَمُ مِنَ اشْتِراطِ الِاسْتِدامَةِ مَزِيدُ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ، وقالَ الآمِدِيُّ: يَلْزَمُ أيْضًا اخْتِلالُ الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ،
صفحة 160
ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ لا يَكُونَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ اسْتِدامَةِ النَّدَمِ وتَذَكُّرِهِ تائِبًا، وأنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إعادَةُ التَّوْبَةِ وهو خِلافُ الإجْماعِ، نَعَمِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن تَذَكَّرَ المَعْصِيَةَ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُجَدِّدَ النَّدَمَ ؟ وإلَيْهِ ذَهَبَ القاضِي مِنّا وأبُو عَلِيٍّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ زَعْمًا مِنهُما أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْدَمْ كُلَّما ذَكَرَها لَكانَ مُشْتَهِيًا لَها فَرِحًا بِها، وذَلِكَ إبْطالٌ لِلنَّدَمِ ورُجُوعٌ إلى الإصْرارِ، والجَوابُ المَنعُ إذْ رُبَّما يَضْرِبُ عَنْها صَفْحًا مِن غَيْرِ نَدَمٍ عَلَيْها ولا اشْتِهاءٍ لَها وابْتِهاجٍ بِها ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَلَزِمَ أنْ لا تَكُونَ التَّوْبَةُ السّابِقَةُ صَحِيحَةً، وقَدْ قالَ القاضِي نَفْسُهُ: إنَّهُ إذا لَمْ يُجَدِّدْ نَدَمًا كانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً جَدِيدَةً يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْها والتَّوْبَةُ الأُولى مَضَتْ عَلى صِحَّتِها إذِ العِبادَةُ الماضِيَةُ لا يَنْقُضُها شَيْءٌ بَعْدَ ثُبُوتِها. انْتَهى.
وبِعَدَمِ وُجُوبِ التَّجْدِيدِ عِنْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ صَرَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ إذا لَمْ يَبْتَهِجْ عِنْدَ ذِكْرِ الذَّنْبِ بِهِ ويَفْرَحْ ويَتَلَذَّذْ بِذِكْرِهِ أوْ سَماعِهِ، وإلّا وجَبَ التَّجْدِيدُ اتِّفاقًا، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ المُعاوَدَةَ غَيْرُ مُبْطِلَةٍ ولَوْ كانَتْ في مَجْلِسِ التَّوْبَةِ بَلْ ولَوْ تَكَرَّرَتْ تَكْرارًا يَلْتَحِقُ بِالتَّلاعُبِ، وفي هَذا الأخِيرِ نَظَرٌ فَقَدْ قالَ القاضِي عِياضٌ: إنَّ الواقِعَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِما هو كُفْرٌ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ مَعَ شَدِيدِ العِقابِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ ولِمِثْلِهِ إلّا مَن تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ وعُرِفَ اسْتِهانَتُهُ بِما أتى فَهو دَلِيلٌ عَلى سُوءِ طَوِيَّتِهِ وكَذِبِ تَوْبَتِهِ. انْتَهى.
ويَنْبَغِي عَلَيْهِ أنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِأنْ تَكْثُرَ كَثْرَةً تُشْعِرُ بِالِاسْتِهانَةِ وتُدْخِلُ صاحِبَها في دائِرَةِ الجُنُونِ، واخْتُلِفَ في صِحَّةِ التَّوْبَةِ المُؤَقَّتَةِ بِلا إصْرارٍ كَأنْ لا يُلابِسَ الذُّنُوبَ أوْ ذَنْبَ كَذا سَنَةً فَقِيلَ: تَصِحُّ، وقِيلَ: لا، وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ قِياسُ صِحَّتِها مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضِ صِحَّتِها فِيما ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّ لِلتَّوْبَةِ مَراتِبَ مِن أعْلاها ما رُوِيَ عَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سَمِعَ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ما التَّوْبَةُ ؟ قالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِلْفَرائِضِ الإعادَةُ ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ وأنْ تَعْزِمَ عَلى أنْ لا تَعُودَ وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي، وأُرِيدَ بِإعادَةِ الفَرائِضِ أنْ يَقْضِيَ مِنها ما وقَعَ في زَمانِ مَعْصِيَتِهِ كَشارِبِ الخَمْرِ يُعِيدُ صَلاتَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ لِمُخامَرَتِهِ لِلنَّجاسَةِ غالِبًا، وهَذِهِ تَوْبَةٌ نَحْوَ الخَواصِّ فَلا مُسْتَنَدَ في هَذا الأثَرِ لِابْنِ حَزْمٍ وأضْرابِهِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فائِدَةَ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَكِنْ جِيءَ بِصِيغَةِ الإطْماعِ لِلْجَرْيِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ فَإنَّهم إذا أرادُوا فِعْلًا قالُوا: عَسى أنْ نَفْعَلَ كَذا، والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنهُ سُبْحانَهُ والتَّوْبَةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ. وأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ وإنْ بالَغَ في إقامَةِ وظائِفِ العِبادَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّ التَّكْفِيرَ أثَرُ القَبُولِ، وقَدْ جِيءَ مَعَهُ بِصِيغَةِ الإطْماعِ دُونَ القَطْعِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فَذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُها عَقْلًا وأتَوْا في ذَلِكَ بِمُقَدِّماتٍ مُزَخْرَفاتٍ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ والقاضِي أبُو بَكْرٍ: يَجِبُ قَبُولُها سَمْعًا ووَعْدًا لَكِنْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ إذْ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ نَصٌّ قاطِعٌ لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وقالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: بَلْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ ومَحَلُّ النِّزاعِ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ وتِلْمِيذَيْهِ ما عَدا تَوْبَةَ الكافِرِ أمّا هي فالإجْماعُ عَلى قَبُولِها قَطْعًا بِالسَّمْعِ لِوُجُودِ النَّصِّ المُتَواتِرِ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالَ: 38] بِخِلافِ ما جاءَ في تَوْبَةِ
صفحة 161
غَيْرِهِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ، ولَيْسَ بِنَصٍّ في غُفْرانِ ذُنُوبِ المُسْلِمِ بِالتَّوْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمُرَ: 53]، وأمّا حَدِيثُ -التَّوْبَةِ تَجُبُّ ما قَبْلَها - فَلَيْسَ بِمُتَواتِرٍ ولِأنَّهُ إذا قُطِعَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ الكافِرِ كانَ ذَلِكَ فَتْحًا لِبابِ الإيمانِ وسَوْقًا إلَيْهِ، وإذا لَمْ يُقْطَعْ بِتَوْبَةِ المُؤْمِنِ كانَ ذَلِكَ سَدًّا لِبابِ العِصْيانِ ومَنعًا مِنهُ، وهَذا- وما قَبْلَهُ - ذَكَرَهُما القاضِي لِما قِيلَ لَهُ: إنَّ الدَّلائِلَ مَعَ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ: وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى قَوْلِ القاضِي، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ دُعاءُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ التّائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ولَوْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَما كانَ لِلدُّعاءِ مَعْنى، ومِثْلُ ذَلِكَ وُجُوبُ الشُّكْرِ عَلى القَبُولِ فَإنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لَما وجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْهِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّعْدُ بِأنَّهُ رُبَّما يُدْفَعُ بِأنَّ المَسْؤُولَ في الدُّعاءِ هو اسْتِجْماعُها لِشَرائِطِ القَبُولِ فَإنَّ الأمْرَ فِيهِ خَطِيرٌ، ووُجُوبُ القَبُولِ لا يُنافِي وُجُوبَ الشُّكْرِ لِكَوْنِهِ إحْسانًا في نَفْسِهِ كَتَرْبِيَةِ الوالِدِ ولَدَهُ وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُ التَّوْبَةِ إذا وُجِدَتْ بِشُرُوطِها عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْبَلُها كَرَمًا مِنهُ وتَفَضُّلًا، وعَرَفْنا قَبُولَها بِالشَّرْعِ والإجْماعِ فَلا تَغْفُلْ، وقُرِئَ «يُدْخِلْكم» بِسُكُونِ اللّامِ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو في كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ فَإنَّهُ يُقالُ في قَمْعٍ: قَمَعٍ. وفي نَطْعٍ، نَطَعٍ وقالَ: إنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ﴾، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُرَجَّ تَكْفِيرٌ أوْ يُوجِبُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ظَرْفٌ - لِيُدْخِلَكم - وتَعْرِيفُ ”النَّبِيَّ“ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ سَيِّدُ الأنْبِياءِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِنَفْيِ الإخْزاءِ إثْباتُ أنْواعِ الكَرامَةِ والعِزِّ.
وفِي القامُوسِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى فُلانًا فَضَحَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ لَحِقَهُ انْكِسارٌ إمّا مِن نَفْسِهِ وهو الحَياءُ المُفْرِطُ ومَصْدَرُهُ الخَزايَةُ. وإمّا مِن غَيْرِهِ وهو ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ، ومَصْدَرُهُ الخِزْيُ، و﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ هو مِنَ الخِزْيِ أقْرَبُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُما جَمِيعًا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، واسْتِحْمادٌ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ، والمُرادُ بِالإيمانِ هُنا فَرْدُهُ الكامِلُ عَلى ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ أيْ عَلى الصِّراطِ كَما قِيلَ، ومَرَّ الكَلامُ فِيهِ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وأنْ تَكُونَ الأُولى حالًا مِنهُ. والثّانِيَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَسْعى﴾، وأنْ تَكُونَ الأُولى مُسْتَأْنَفَةً. والثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ، وأنْ تَكُونَ الأُولى حالًا مِنَ المَوْصُولِ. والثّانِيةُ مُسْتَأْنَفَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَعَهُ، والجُمْلَتانِ خَبَرانِ آخَرانِ أوْ مُسْتَأْنَفَتانِ أوْ حالانِ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ الأُولى حالٌ مِنهُ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الأُولى مُسْتَأْنَفَةٌ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الأُولى حالٌ والثّانِيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوِ الأُولى خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ والثّانِيَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى﴾ إلَخْ، والجُمْلَةُ الأُخْرى مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهَذِهِ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ لا يَخْفى ما هو الأظْهَرُ مِنها.
والقَوْلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: يَكُونُ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ أيْ يَقُولُونَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَسَنِ يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ تَمامِ نُورِهِمْ، وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا.
هَذا الجُزْءُ مُكَمَّلٌ مِن نُسْخَةٍ أُخْرى وقِيلَ: مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ تَعَيُّنِ حَمْلِ الإيمانِ عَلى فَرْدِهِ الكامِلِ كَما سَمِعْتُ عَنِ الخَفاجِيِّ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ السَّهْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ «وبِإيمانِهِمْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ كائِنًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ
التحريم 66:9
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَّيْفِ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِالحُجَّةِ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ واسْتَعْمِلْ الخُشُونَةَ عَلى الفَرِيقَيْنِ فِيما تُجاهِدُهم بِهِ إذا بَلَغَ الرِّفْقُ مَداهُ.
وعَنِ الحَسَنِ أكْثَرُ ما كانَ يُصِيبُ الحُدُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ المُنافِقِينَ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُغْلِظَ عَلَيْهِمْ في إقامَةِ الحُدُودِ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الباقِرِ أنَّهُ قَرَأ - جاهِدِ الكُفّارَ بِالمُنافِقِينَ وأظُنُّ ذَلِكَ مِن كَذِبِ الإمامِيَّةِ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ وسَيَرَوْنَ فِيها عَذابًا غَلِيظًا ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَهَنَّمُ أوْ مَأْواهم، والعَطْفُ قِيلَ: مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ
التحريم 66:10
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرْبُ المَثَلِ في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ عِبارَةٌ عَنْ إيرادِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ لِتُعْرَفَ بِها حالَةٌ أُخْرى مُشاكِلَةٌ لَها في الغَرابَةِ أيْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِحالِ الكَفَرَةِ حالًا ومَآلًا عَلى أنَّ مَثَلًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِضَرَبَ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ﴾ واسْمُها قِيلَ: والِعَةُ ﴿وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ واسْمُها قِيلَ: واهِلَةُ، وقِيلَ: والِهَةُ، وعَنْ مُقاتِلٍ اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ. واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وأُخِّرَ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو شَرْحٌ وتَفْسِيرٌ لِحالِهِما، ويَتَّضِحُ بِذَلِكَ حالُ الكَفَرَةِ، والمُرادُ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِحالِ أُولَئِكَ حالَ ﴿امْرَأتَ﴾ إلَخْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ بَيانًا لِحالِهِما الدّاعِيَةِ لَهُما إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ، ولَمْ يَقُلْ: تَحْتَهُما لِلتَّعْظِيمِ أيْ كانَتا في عِصْمَةِ نَبِيَّيْنِ عَظِيمَيِ الشَّأْنِ مُتَمَكِّنَتَيْنِ مِن تَحْصِيلِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحِيازَةِ سَعادَتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْهُما مِنَ الخِيانَةِ العَظِيمَةِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُنافِيها مِن مُرافَقَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمّا خِيانَةُ امْرَأةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتْ تَقُولُ لِلنّاسِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، وأمّا خِيانَةُ امْرَأةِ لُوطٍ فَكانَتْ تَدُلُّ عَلى الضَّيْفِ رَواهُ جَمْعٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: خِيانَتُهُما النَّمِيمَةُ، وتَمامُهُ في رِوايَةٍ: كانَتا إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: خِيانَتُهُما أنَّهُما كانَتا كافِرَتَيْنِ مُخالِفَتَيْنِ، وقِيلَ: كانَتا مُنافِقَتَيْنِ، والخِيانَةُ والنِّفاقُ قالَ الرّاغِبُ: واحِدٌ إلّا أنَّ الخِيانَةَ تُقالُ اعْتِبارًا بِالعَهْدِ والأمانَةِ، والنِّفاقُ يُقالُ اعْتِبارًا بِالدِّينِ ثُمَّ يَتَداخَلانِ، فالخِيانَةُ مُخالَفَةُ الحَقِّ بِنَقْصِ العَهْدِ في السِّرِّ ونَقِيضُها الأمانَةُ، وحُمِلَ ما في الآيَةِ عَلى هَذا، ولا تُفَسَّرُ ها هُنا بِالفُجُورِ لِما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ»» ورَفْعُهُ أشْرَسُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي الكَشّافِ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الفُجُورُ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطَّبْعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بِخِلافِ الكُفْرِ فَإنَّ الكُفْرَ لا يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا.
ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ تَفْسِيرِها بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ، ولَعَمْرِي لا يَكادُ يَقُولُ بِذَلِكَ إلّا ابْنُ زِنًا، فالحَقُّ عِنْدِي أنَّ عِهْرَ الزَّوْجاتِ كَعِهْرِ الأُمَّهاتِ مِنَ المُنَفِّراتِ الَّتِي قالَ السَّعْدُ: إنَّ الحَقَّ مَنعُها في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما يُنْسَبُ لِلشِّيعَةِ مِمّا يُخالِفُ ذَلِكَ في حَقِّ سَيِّدِ الأنْبِياءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ فَلا تُعَوِّلْ عَلَيْهِ وإنْ كانَ شائِعًا، وفي هَذا عَلى ما قِيلَ: تَصْوِيرٌ لِحالِ المَرْأتَيْنِ المُحاكِيَةِ لِحالِ الكَفَرَةِ في خِيانَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ تَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا﴾ إلَخْ بَيانٌ لِما أدّى إلَيْهِ خِيانَتُهُما أيْ فَلَمْ يُغْنِ ذانِكَ العَبْدانِ الصّالِحانِ والنَّبِيّانِ العَظِيمانِ ﴿عَنْهُما﴾ بِحَقِّ الزَّواجِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العَذابِ.
وقِيلَ لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، وعُبِّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ ﴿ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أيْ مَعَ سائِرِ الدّاخِلِينَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَقْصُودَ الإشارَةُ إلى أنَّ الكَفَرَةَ يُعاقَبُونَ بِكُفْرِهِمْ ولا يُراعُونَ بِما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَصْلَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وتَخْوِيفٌ لَهُنَّ بِأنَّهُ لا يُفِيدُهُنَّ إنْ أتَيْنَ بِما حُظِرَ عَلَيْهِنَّ كَوْنُهُنَّ تَحْتَ نِكاحِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِنَّ كافِرَةً أوْ مُنافِقَةً كَما زَعَمَهُ يُوسُفُ الأوالِيُّ مِن مُتَأخَّرِي الإمامِيَّةِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ «تُغْنِيا» بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ، وعَنْهُما عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ عَنْ نَفْسِهِما قالَ أبُو حَيّانَ: ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يَجْعَلَ - عَنْ -اسْمًا كَهي في: دَعْ عَنْكَ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِهِ المَجْرُورِ وهو يَجْرِي مَجْرى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وفِيهِ بَحْثٌ
التحريم 66:11
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ جَعَلَ حالَها مَثَلًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكَفَرَةِ لا تَضُرُّهم حَيْثُ كانَتْ في الدُّنْيا تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهي في أعْلى غُرَفِ الجَنَّةِ واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتْ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ قِيلَ: أيْ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ لِتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ المَكانِ.
وجُوِّزَ في ﴿عِنْدَكَ﴾ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وكَوْنُهُ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْتًا﴾ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وكانَ صِفَةً لَوْ تَأخَّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الجَنَّةِ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”عِنْدَكَ“ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”ابْنِ“ وقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ لِنُكْتَةٍ، وهي كَما في الفُصُوصِ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِمُ: الجارُ قَبْلَ الدّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ - بِعِنْدِكَ - أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ، ولِأنَّ المُرادَ القُرْبُ مِنَ العَرْشِ، وعِنْدَكَ بِمَعْنى عِنْدَ عَرْشِكَ ومَقَرِّ عِزِّكَ وهو عَلى ما قِيلَ: عَلى الِاحْتِمالاتِ في إعْرابِهِ ولا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ ﴿ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ﴾ أيْ مِن نَفْسِ فِرْعَوْنَ الخَبِيثَةِ وسُلْطانِهِ الغَشُومِ ﴿وعَمَلِهِ﴾ أيْ وخُصُوصًا مِن عَمَلِهِ وهو الكُفْرُ وعِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّعْذِيبُ بِغَيْرِ جُرْمٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ ”مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ“ [البَقَرَةَ: 98] . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”نَجِّنِي“ مِن عَمَلِ فِرْعَوْنَ فَهو مِن أُسْلُوبِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى طَلَبِ البُعْدِ مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ كَأنَّهُ بِجَوْهَرِهِ عَذابٌ ودَمارٌ يُطْلَبُ الخَلاصُ مِنهُ، ثُمَّ طُلِبَ النَّجاةُ مِن عَمَلِهِ ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الطّامَّةُ العُظْمى، وخَصَّ بَعْضُهم عَمَلَهُ بِتَعْذِيبِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الجِماعُ، وما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن أهْلِ مِصْرَ: وكَأنَّهُ أرادَ بِهِمُ القِبْطَ أيْضًا، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً مُصَدِّقَةً بِالبَعْثِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها عَمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ العَصا الإفْكَ فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ فِرْعَوْنَ وتَدَ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ في يَدَيْها ورِجْلَيْها فَكانَتْ إذا تَفَرَّقُوا عَنْها أظَلَّتْها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» فَقالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فَكُشِفَ لَها عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ وهو عَلى ما قِيلَ: مِن دُرَّةٍ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ وتَدَ لَها أرْبَعَةَ أوْتادٍ وأضْجَعَها عَلى ظَهْرِها وجَعَلَ عَلى صَدْرِها رَحى واسْتَقْبَلَ بِها عَيْنَ الشَّمْسِ فَرَفَعَتْ رَأْسَها إلى السَّماءِ فَقالَتْ ﴿رَبِّ ابْنِ لِي﴾ إلى ﴿الظّالِمِينَ﴾ فَفَرَجَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ فَرَأتْهُ، وقِيلَ: أُمِرَ بِأنْ تُلْقى عَلَيْها صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى فَرَقى بِرُوحِها فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلى جَسَدٍ لا رُوحَ فِيهِ، وعَنِ الحَسَنِ فَنَجّاها اللَّهُ تَعالى أكْرَمَ نَجاةٍ فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ فَهي تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ فِيها، وظاهِرُهُ أنَّها رُفِعَتْ بِجَسَدِها وهو لا يَصِحُّ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ تَعالى والِالتِجاءَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَسْألَةَ الخَلاصِ مِنهُ تَعالى عِنْدَ المِحَنِ والنَّوازِلِ مِن سِيَرِ الصّالِحِينَ وسَنَنِ الأنْبِياءِ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ،
التحريم 66:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ وضَرَبَ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَتَها وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ مَعَ كَوْنِ أكْثَرِ قَوْمِها كُفّارًا، وجَمَعَ في التَّمْثِيلِ بَيْنَ مَن لَها زَوْجٌ ومَن لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ عَلى ما قِيلَ، وهو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ كَما في الكَشّافِ، وقَرَأ السِّخْتِيانِيُّ -ابْنَهْ - بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ ﴿الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ صانَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ الرِّجالِ، وقِيلَ: مَنَعَتْهُ عَنْ دَنَسِ المَعْصِيَةِ.
والفَرْجُ ما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وكُنِّيَ بِهِ عَنِ السَّوْءَةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ، ومِنهُ ما هُنا عِنْدَ الأكْثَرِينَ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ﴾ النّافِخُ رَسُولُهُ تَعالى وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخَ رَسُولُنا، وضَمِيرُ فِيهِ لِلْفَرْجِ، واشْتُهِرَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفَخَ في جَيْبِها فَوَصَلَ أثَرُ ذَلِكَ إلى الفَرْجِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الفَرْجَ جَيْبُ دِرْعِها وهو مُحْتَمَلٌ لِأنَّ الفَرْجَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ فَهو فَرْجٌ، وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِلنَّفْسِ أمْنَعُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المُرادَ مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: قَوْلَها ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 18] وأفادَ كَلامُ البَعْضِ أنَّ أحْصَنَتْ فَرْجَها عَلى ما نُقِلَ أوَّلًا عَنِ الفَرّاءِ كِنايَةٌ عَنِ العِفَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هو نَقِيُّ الجَيْبِ طاهِرُ الذَّيْلِ.
وجُوِّزَ في ضَمِيرِ فِيهِ رُجُوعُهُ إلى الحَمْلِ، وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْعِرِ بِهِ الكَلامُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - فِيها - كَما في الأنْبِياءِ، فالضَّمِيرُ لِمَرْيَمَ، والإضافَةُ في قَوْلِها تَعالى: ﴿مِن رُوحِنا﴾ لِلتَّشْرِيفِ، والمُرادُ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطِ أصْلٍ، وقِيلَ: لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وصَدَّقَتْ﴾ آمَنَتْ ﴿بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ بِصُحُفِهِ عَزَّ وجَلَّ المُنَزَّلَةِ عَلى إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، وسَمّاها سُبْحانَهُ كَلِماتٍ لِقِصَرِها ﴿وكُتُبِهِ﴾ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ والمُرادُ بِهِ ما عَدا الصُّحُفَ مِمّا في طُولٍ، أوِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ، وعُدَّ المُصْحَفُ مِن ذَلِكَ وإيمانُها بِهِ ولَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بَعْدُ كالإيمانِ بِالنَّبِيِّ المَوْعُودِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَذْكُورًا بِكِتابِهِ في الكُتُبِ الثَّلاثَةِ، وتَفْسِيرُ الكَلِماتِ والكُتُبِ بِذَلِكَ هو ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ بِالكَلِماتِ ما أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِالكُتُبِ ما عُرِفَ فِيها مِمّا يَشْمَلُ الصُّحُفَ وغَيْرَها، وقِيلَ: جَمِيعُ ما كُتِبَ مِمّا يَشْمَلُ اللَّوْحَ وغَيْرَهُ، وأنْ يُرادَ بِالكَلِماتِ وعْدُهُ تَعالى ووَعِيدُهُ أوْ ذَلِكَ وأمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ونَهْيُهُ سُبْحانَهُ، وبِالكُتُبِ أحَدُ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وإرادَةُ كَلامِهِ تَعالى القَدِيمِ القائِمِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الكَلِماتِ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ «صَدَقَتْ» بِالتَّخْفِيفِ، ويَرْجِعُ إلى مَعْنى المُشَدَّدِ وفي البَحْرِ أيْ كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى وما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَها مِنَ الكَراماتِ وفِيهِ قُصُورٌ لا يَخْفى.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ - بِكَلِمَةٍ - عَلى التَّوْحِيدِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، وأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ ذَلِكَ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ - وكِتابَهُ - عَلى الإفْرادِ فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «وكُتْبَهُ» بِسُكُونِ التّاءِ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبِهِ وبِفَتْحِ الكافِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ الِاسْمُ عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ.
﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ أيْ مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ - فَمِن - لِلتَّبْعِيضِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، والإشْعارِ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعَةِ الرِّجالِ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِنا: وكانَتْ مِنَ القانِتاتِ، أوْ قانِتَةً، وقِيلَ: مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمُرادُ كانَتْ مِن نَسْلِ القانِتِينَ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَدْحُها بِذَلِكَ لِما أنَّ الغالِبَ أنَّ الفَرْعَ تابِعٌ لِأصْلِهِ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعْرافَ: 58] وهي عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ سَيِّدَةُ النِّساءِ ومِن أكْمَلِهِنَّ، رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ ثُمَّ فاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ ثُمَّ عائِشَةُ»، وفي الصَّحِيحِ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ» وخُصَّ الثَّرِيدُ - وهو خُبْزٌ يُجْعَلُ في مَرَقٍ وعَلَيْهِ لَحْمٌ - كَما قِيلَ:
إذا ما الخُبْزُ تَأدَمَّهُ بِلَحْمٍ فَذاكَ أمانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ
لا اللَّحْمُ فَقَطْ كَما قِيلَ لِأنَّ العَرَبَ لا يُؤُثِرُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى سَمَّوْهُ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، والسِّرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ جامِعٌ بَيْنَ الغِذاءِ واللَّذَّةِ والقُوَّةِ وسُهُولَةِ التَّناوُلِ وقِلَّةِ المَئُونَةِ في المَضْغِ وسُرْعَةِ المُرُورِ في المَرِيءِ فَضَرَبَ بِهِ مَثَلًا لِيُؤْذِنَ بِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أُعْطِيَتْ مَعَ حُسْنِ الخُلُقِ حَلاوَةَ المَنطِقِ وفَصاحَةَ اللَّهْجَةِ وجَوْدَةَ القَرِيحَةِ ورَزانَةَ الرَّأْيِ ورَصانَةَ العَقْلِ والتَّحَبُّبَ لِلْبَعْلِ فَهي تَصْلُحُ لِلْبَعْلِ والتَّحَدُّثِ والِاسْتِئْناسِ بِها والإصْغاءِ إلَيْها، وحَسْبُكَ أنَّها عَقَلَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ما لَمْ يَعْقِلْ غَيْرُها مِنَ النِّساءِ ورَوَتْ ما لَمْ يَرْوِ مِثْلُها مِنَ الرِّجالِ، وعَلى مَزِيدِ فَضْلِها في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن عِتابِها وعِتابِ صاحِبَتِها حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما لا يَخْفى، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن حَيْثُ البِضْعِيَّةُ لا يُعَدَّ لَها في الفَضْلِ أحَدٌ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.
وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ مَرْيَمَ وآسِيَةَ زَوْجا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ جُنادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي في الجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ وامْرَأةَ فِرْعَوْنَ وأُخْتَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ»» وزَعْمُ نُبُوَّتِها كَزَعْمِ نُبُوَّةِ غَيْرِهِما مِنَ النِّساءِ كَهاجَرَ وسارَّةَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاشْتِراطِ الذُّكُورَةِ في النُّبُوَّةِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِلْأشْعَرِيِّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا الزَّعْمِ العَلّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ في الآياتِ البَيِّناتِ وهو غَرِيبٌ فَلْيُحْفَظْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.