Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الملك 67:1 – الحاقة 69:52

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الملك 67:1
  2. الملك 67:2
  3. الملك 67:3
  4. الملك 67:4
  5. الملك 67:5
  6. الملك 67:6
  7. الملك 67:7
  8. الملك 67:8
  9. الملك 67:9
  10. الملك 67:10
  11. الملك 67:11
  12. الملك 67:12
  13. الملك 67:13
  14. الملك 67:14
  15. الملك 67:15
  16. الملك 67:16
  17. الملك 67:17
  18. الملك 67:18
  19. الملك 67:19
  20. الملك 67:20
  21. الملك 67:21
  22. الملك 67:22
  23. الملك 67:23
  24. الملك 67:24
  25. الملك 67:25
  26. الملك 67:26
  27. الملك 67:27
  28. الملك 67:28
  29. الملك 67:29
  30. الملك 67:30
  31. القلم 68:1
  32. القلم 68:2
  33. القلم 68:3
  34. القلم 68:4
  35. القلم 68:5
  36. القلم 68:6
  37. القلم 68:7
  38. القلم 68:8
  39. القلم 68:9
  40. القلم 68:10
  41. القلم 68:11
  42. القلم 68:12
  43. القلم 68:13
  44. القلم 68:14
  45. القلم 68:15
  46. القلم 68:16
  47. القلم 68:17
  48. القلم 68:18
  49. القلم 68:19
  50. القلم 68:20
  51. القلم 68:21
  52. القلم 68:22
  53. القلم 68:23
  54. القلم 68:24
  55. القلم 68:25
  56. القلم 68:26
  57. القلم 68:27
  58. القلم 68:28
  59. القلم 68:29
  60. القلم 68:30
  61. القلم 68:31
  62. القلم 68:32
  63. القلم 68:33
  64. القلم 68:34
  65. القلم 68:35
  66. القلم 68:36
  67. القلم 68:37
  68. القلم 68:38
  69. القلم 68:39
  70. القلم 68:40
  71. القلم 68:41
  72. القلم 68:42
  73. القلم 68:43
  74. القلم 68:44
  75. القلم 68:45
  76. القلم 68:46
  77. القلم 68:47
  78. القلم 68:48
  79. القلم 68:49
  80. القلم 68:50
  81. القلم 68:51
  82. القلم 68:52
  83. الحاقة 69:1
  84. الحاقة 69:2
  85. الحاقة 69:3
  86. الحاقة 69:4
  87. الحاقة 69:5
  88. الحاقة 69:6
  89. الحاقة 69:7
  90. الحاقة 69:8
  91. الحاقة 69:9
  92. الحاقة 69:10
  93. الحاقة 69:11
  94. الحاقة 69:12
  95. الحاقة 69:13
  96. الحاقة 69:14
  97. الحاقة 69:15
  98. الحاقة 69:16
  99. الحاقة 69:17
  100. الحاقة 69:18
  101. الحاقة 69:19
  102. الحاقة 69:20
  103. الحاقة 69:21
  104. الحاقة 69:22
  105. الحاقة 69:23
  106. الحاقة 69:24
  107. الحاقة 69:25
  108. الحاقة 69:26
  109. الحاقة 69:27
  110. الحاقة 69:28
  111. الحاقة 69:29
  112. الحاقة 69:30
  113. الحاقة 69:31
  114. الحاقة 69:32
  115. الحاقة 69:33
  116. الحاقة 69:34
  117. الحاقة 69:35
  118. الحاقة 69:36
  119. الحاقة 69:37
  120. الحاقة 69:38
  121. الحاقة 69:39
  122. الحاقة 69:40
  123. الحاقة 69:41
  124. الحاقة 69:42
  125. الحاقة 69:43
  126. الحاقة 69:44
  127. الحاقة 69:45
  128. الحاقة 69:46
  129. الحاقة 69:47
  130. الحاقة 69:48
  131. الحاقة 69:49
  132. الحاقة 69:50
  133. الحاقة 69:51
  134. الحاقة 69:52

الملك 67:1

صفحة 2 سُورَةُ المُلْكِ وتُسَمّى تَبارَكَ والمانِعَةَ والمُنْجِيَةَ والمُجادِلَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نُسَمِّيها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المانِعَةَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ضَرَبَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خِباءَهُ عَلى قَبْرٍ وهو لا يَحْسَبُ أنَّهُ قَبْرٌ فَإذا قَبْرُ إنْسانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ المُلْكِ حَتّى خَتَمَها فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هِيَ المانِعَةُ هي المُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِن عَذابِ القَبْرِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مَسْنَدِهِ واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ: ألا أُتْحِفُكَ بِحَدِيثٍ تَفْرَحُ بِهِ؟ قالَ: بَلى قالَ اقْرَأْ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [المُلْكِ: 1] وعَلِّمْها أهْلَكَ وجَمِيعَ ولَدِكَ وصِبْيانَ بَيْتِكَ وجِيرانَكَ فَإنَّها المُنْجِيَةُ والمُجادِلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّها لِقارِئِها وتَطْلُبُ لَهُ أنْ تُنْجِيَهُ مِن عَذابِ النّارِ ويَنْجُوَ بِها صاحِبُها مِن عَذابِ القَبْرِ الخَبَرُ. وفِي جَمالِ القُرّاءِ تُسَمّى أيْضًا الواقِيَةَ المَنّاعَةَ وهي مَكِّيَّةٌ عَلى الأصَحِّ. وقِيلَ غَيْرَ ثَلاثِ آياتٍ مِنها وأخْرَجَ ابْنُ جُوَيْبِرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي قَوْلٍ غَرِيبٍ إنَّها مَدَنِيَّةٌ وآيُها إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ وثَلاثُونَ في الباقِي وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يُرَجِّحُهُ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ضَرَبَ مَثَلًا لِلْكَفّارِ بِتِينِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيَّيْنِ عَظِيمَيْنِ ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِآسِيَةَ ومَرْيَمَ وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالسَّعادَةِ وإنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِما كُفّارٌ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِما يَدُلُّ عَلى إحاطَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وقَهْرِهِ وتَصَرُّفِهِ في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ. صفحة 3 وقِيلَ إنَّ أوَّلِ هَذِهِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى آخِرِ الطَّلاقِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [الطَّلاقِ: 12] لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ البَسْطِ لِما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وفَصَلَ بِسُورَةِ التَّحْرِيمِ لِأنَّها كالقِطْعَةِ مِن سُورَةِ الطَّلاقِ والتَّتِمَّةِ لَها، وقَدْ جاءَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مِنها ما مَرَّ آنِفًا ومِنها ما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَّةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ سُورَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ما هي إلّا ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتّى غُفِرَ لَهُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾»» . ومِنها ما جاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وآخَرَ رَواهُ عَنْهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ: «مَن قَرَأها في لَيْلَةٍ فَقَدْ أكْثَرَ وأطْيَبَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ الم ( تَنْزِيلُ ) السَّجْدَةُ ( وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ) كُلَّ لَيْلَةٍ لا يَدْعُهُما سَفَرٍ ولا حَضَرٍ» . ولِهَذا ونَحْوِهِ قِيلَ يُنْدَبُ قِراءَتُها كُلَّ لَيْلَةٍ. والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَنِي لِقِراءَتِها كَذَلِكَ مُنْذُ بَلَغْتُ سِنَّ التَّمْيِيزِ إلى اليَوْمِ، وأسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما بَعْدُ والقَبُولَ. ورَأيْتُ في بَعْضِ شُرُوحِ البُخارِيِّ نَدْبَ قِراءَتِها عِنْدَ رُؤْيَةِ الهِلالِ رَجاءَ الحِفْظِ مِنَ المَكارِهِ في ذَلِكَ الشَّهْرِ بِبَرَكَةِ آيِها الثَّلاثِينَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ البَرَكَةُ النَّماءُ والزِّيادَةُ حِسِّيَّةً كانَتْ أوْ عَقْلِيَّةً وكَثْرَةُ الخَيْرِ ودَوامُهُ، ونِسْبَتُها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وهو الألْيَقُ بِالمَقامِ بِاعْتِبارِ تَعالِيهِ جَلَّ وعَلا عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وصِيغَةُ التَّفاعُلِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الصِّيَغِ كالتَّكَبُّرِ. وعَلى الثّانِي بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ ما يَفِيضُ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ مِن فُنُونِ الخَيْراتِ والصِّيغَةُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِإفادَةِ نَماءِ تِلْكَ الخَيْراتِ وازْدِيادِها شَيْئًا فَشَيْئًا وآنًا فَآنًا بِحَسَبِ حُدُوثِها أوْ حُدُوثِ مُتَعَلِّقاتِها. قِيلَ: ولِاسْتِقْلالِها بِالدَّلالَةِ عَلى غايَةِ الكَمالِ وإنْبائِها عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُها في حَقِّ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ولا اسْتِعْمالُ غَيْرِها مِنَ الصِّيَغِ في حَقِّهِ تَبارَكَ وتَعالى. وقَدْ ( مَرَّ ) تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ وإسْنادُها إلى المَوْصُولِ لِلِاسْتِشْهادِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ كامِلُ الإحاطَةِ والِاسْتِيلاءِ بِناءً عَلى أنَّ بِيَدِهِ المُلْكُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِذَلِكَ ولا تَجُوزُ في شَيْءٍ مِن مُفْرَداتِهِ، أوْ أنَّ المُلْكَ عَلى حَقِيقَتِهِ واليَدُ مَجازٌ عَنِ الإحاطَةِ والِاسْتِيلاءِ كَما قِيلَ، ولِاسْتِدْعاءِ ذَلِكَ اسْتِغْناءُ المُتَّصِفِ بِهِ مَعَ افْتِقارِ الغَيْرِ إلَيْهِ في وُجُودِهِ وكِمالاتِ وجُودِهِ كانَ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالمَوْجُودِ وكَذَلِكَ في العُرْفِ العامِّيِّ لا يُطْلَقُ المُلْكُ عَلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ فَلِذا قِيلَ هُنا في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ: تَعالى وتَعاظَمَ بِالذّاتِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ذاتًا وصِفَةً وفِعْلًا الكامِلُ الإحاطَةِ الِاسْتِيلاءِ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَكْمِيلٌ لِذَلِكَ لِأنَّ القَرِينَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى التَّصَرُّفِ التّامِّ في المَوْجُوداتِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ولا مُدافِعٍ لا مُتَصَرِّفَ فِيها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ الشّامِلَةِ، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى الأُولى لَأوْهَمَ أنَّ تَصَرُّفَهُ تَعالى مَقْصُورٌ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالِ المَلِكِ كَما يُشاهَدُ مِن تَصَرُّفِ المُلّاكِ المَجازِيِّ، فَقُرِنَتْ بِالثّانِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّهُ ( عَزَّ ) سُلْطانُهُ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ وعَلى إيجادِ الأعْيانِ المُتَصَرِّفِ فِيها وعَلى إيجادِ عَوارِضِها الذّاتِيَّةِ وغَيْرِها، ومِن ثَمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ المُتَضَمِّنِ لِلْعَوارِضِ وهَذا ما اخْتارَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، وصاحِبُ الكَشّافِ اخْتارَ في القَرِينَةِ الأُولى ما ذَكَرْناهُ فِيها مِنَ التَّخْصِيصِ بِالمَوْجُودِ فَقالَ: أيْ تَعالى وتَعاظَمَ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ لِما سَمِعْتَ، وفي الثّانِيَةِ التَّخْصِيصُ بِالمَعْدُومِ فَقالَ: وهو عَلى كُلِّ ما لَمْ يُوجَدْ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ القُدْرَةِ قَدِيرٌ ووَجْهُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الشَّيْءَ وإنْ كانَ عامًّا في كُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ لَكِنْ لَمّا قَرَنَ بِالقُدْرَةِ اخْتَصَّ بِالمَعْدُومِ لِاسْتِغْناءِ المَوْجُودِ عَنِ الفاعِلِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ القائِلِينَ بِأنَّ عِلَّةَ الِاحْتِياجِ الحُدُوثُ وعَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وأصْحابُهُ. وأمّا عِنْدَ صفحة 4 القائِلِينَ بِأنَّ عِلَّةَ الِاحْتِياجِ الإمْكانُ كالمُحَقِّقِينَ فَلِأنَّ الِاخْتِيارَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ العَدَمِ. وجِيءَ بِالقَرِينَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَكْمِيلًا أيْضًا لِأنَّ الِاخْتِصاصَ بِالمَوْجُودِ فِيهِ إيهامُ نَقَصٍ واخْتارَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ مُطْلَقٌ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عامٌّ لِما وُضِعَ لَهُ الشَّيْءُ فَيَكُونُ قَدْ قَصَدَ بَيانَ القُدْرَةِ أوَّلًا وعُمُومَها ثانِيًا، ولَمْ يُرْتَضَ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الشَّيْءَ إمّا أنْ يَخْتَصَّ بِالمَوْجُودِ أوْ يَشْمَلَ المَوْجُودَ والمَعْدُومَ، وعَلى المَذْهَبَيْنِ فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِما لَمْ يُوجَدْ مَعَ انْضِمامِ كُلٍّ إلَيْهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ خَصَّصَهُ بِهِ لِيُغايِرَ ما قَبْلَهُ إذْ خَصَّصَهُ بِالمَوْجُودِ، وفِيهِ أيْضًا نَظَرٌ إذْ لَوْ عَمَّمَ الثّانِي لَتَحَقَّقَ التَّغايُرُ أيْضًا مَعَ أنَّ اليَدَ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ فَإنْ تَخَصَّصَتْ بِهِ كَما هو مَذْهَبُهُ تَخَصَّصَ الأوَّلُ بِالمَعْدُومِ وإنْ لَمْ تَتَخَصَّصْ لَمْ يَتَخَصَّصِ الثّانِي بِالمَعْدُومِ وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ سُقُوطَهُ بِما نَقَلْناهُ عَنْهُ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ فَلْيُتَأمَّلْ. ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ( المُلْكُ ) عَلى المَوْجُوداتِ وجَعَلَ إلَيْهِ مَجازًا عَنِ القُدْرَةِ فَيَكُونُ المَعْنى في قُدْرَتِهِ المَوْجُودَةِ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ فِيهِ رَكاكَةً وأشارَ إلى أنَّ الخَلاصَ مِنها إمّا بِجَعْلِ اليَدِ مَجازًا عَنِ التَّصَرُّفِ أوْ بِتَفْسِيرِ المُلْكِ بِالتَّصَرُّفِ، وقِيلَ المُرادُ مِن كَوْنِ المُلْكِ بِيَدِهِ تَعالى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مالِكُهُ فَمَعْنى ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ مالِكُ المُلْكِ وفَسَّرَ الرّاغِبُ ( المُلْكُ ) في مِثْلِ ذَلِكَ بِضَبْطِ الشَّيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ بِالحُكْمِ، وشاعَ تَخْصِيصُهُ بِعالَمِ الشَّهادَةِ ويُقابِلُهُ حِينَئِذٍ المَلَكُوتُ ولَيْسَ بِمُرادٍ هُنا كَما لا يَخْفى.

الملك 67:2

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ وبَيانِ ابْتِنائِهِما عَلى قَوانِينِ الحُكْمِ والمَصالِحِ واسْتِتْباعِهِما لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ وصِلَتُهُ كَصِلَتِهِ في الشَّهادَةِ بِتَعالِيهِ عَزَّ وجَلَّ. وجَوَزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الَّذِي إلَخْ. والمَوْتُ عَلى ما ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تُضادُّ الحَياةَ، واسْتَدَلَّ عَلى وُجُودِيَّتِهِ بِتَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِ وهو لا يَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِيِّ لِأزَلِيَّةِ الإعْدامِ. وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ بَلْقاءَ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رائِحَتَها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ فَهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ لا يُعْقَلُ ظاهِرُهُ. وقِيلَ: هو وارِدٌ عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ وذَهَبَ القَدَرِيَّةُ وبَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ إلى أنَّهُ أمْرٌ عَدَمِيٌّ هو عَدَمُ الحَياةِ عَمّا هي مِن شَأْنِهِ وهو المُتَبادِرُ الأقْرَبُ وأُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ بِأنَّ الخَلْقَ فِيها بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وهو يَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِيِّ كَما يَتَعَلَّقُ بِالوُجُودِيِّ، أوْ أنَّ ﴿المَوْتَ﴾ لَيْسَ عَدَمًا مُطْلَقًا صَرْفًا بَلْ هو عَدَمُ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ ومِثْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الخَلْقُ والإيجادُ بِناءً عَلى أنَّهُ إعْطاءُ الوُجُودِ ولَوْ لِلْغَيْرِ دُونَ إعْطاءِ الوُجُودِ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ، أوْ أنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإثْباتِ دُونَ الإيجادِ وهو بِهَذا المَعْنى يَجْرِي في العَدَمِيّاتِ، أوْ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَلَقَ أسْبابَ المَوْتِ أوْ أنَّ المُرادَ بِخَلْقِ ﴿المَوْتَ والحَياةَ﴾ خَلْقُ زَمانٍ ومُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُما لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى فَإيجادُهُما عِبارَةٌ عَنْ إيجادِ زَمانِهِما مَجازًا ولا يَخْفى الحالُ في هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ. ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ إنَّهُ كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا إذْ هو واقِعٌ فِيها، وبِالحَياةِ عَنِ الآخِرَةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها فَكَأنَّهُ قِيلَ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ والحَقُّ أنَّهُما بِمَعْناهُما الحَقِيقِيِّ والمَوْتُ عَلى ما سَمِعْتَ والحَياةُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ بِلا خِلافٍ وهي ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ أوْ مَعْنى زائِدٌ عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ يُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ حالًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مِن صِحَّةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَدَمًا مُطْلَقًا أعْنِي عَدَمَ الحَياةِ عَمّا هي مِن شَأْنِهِ ظاهِرٌ لِسَبْقِهِ عَلى الوُجُودِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ العَدَمَ اللّاحِقَ كَما هو الأنْسَبُ بِالإرادَةِ هُنا أعْنِي عَدَمَ الحَياةِ عَمّا اتَّصَفَ بِها فُلانٌ فِيهِ مَزِيدُ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ وزَجْرٍ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي وحَثٍّ عَلى حُسْنِ العَمَلِ، ولِذا ورَدَ: «أكْثِرُوا مِن ذِكْرِ هاذِمِ اللَّذّاتِ والحَياةِ» . وإنْ كانَتْ داعِيَةً لِذَلِكَ ضَرُورَةُ أنَّ مَن عَرَفَ أنَّها نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ ذا بَصِيرَةٍ عَمِلَ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْها لَكِنَّها لَيْسَتْ بِمَثابَةِ المَوْتِ في ذَلِكَ، فَمَن زَعَمَ أنَّها لا داعِيَةَ فِيها أصْلًا وإنَّما صفحة 5 ذُكِرَتْ بِاعْتِبارِ تَوَقُّفِ العَمَلِ عَلَيْها لَمْ يُدَقِّقِ النَّظَرَ. وألْ في المَوْضِعَيْنِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيِ الَّذِي خَلَقَ مَوْتَكُمُ الطّارِئَ وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ أصْوَبَهُ وأخْلَصَهُ فَيُجازِيَكم عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِ أعْمالِكم. وأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ ولِأنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ العِلْمِ بِما اخْتَبَرَهُ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ وحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ واعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ فِيهِ دُونَها دُونٌ في البَلاغَةِ والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ عَمَلَ القَلْبِ وعَمَلَ الجَوارِحِ ولِذا قالَ ﷺ في الآيَةِ: ««أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» . أيْ أيُّكم أتَمُّ فَهْمًا لِما يَصْدُرُ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى وأكْمَلُ ضَبْطًا لِما يُؤْخَذُ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الِابْتِلاءَ شامِلٌ لِلْمُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحَسَنِ والقَبِيحِ أيْضًا لا إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ والمَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ الِابْتِلاءِ هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ مَعَ تَحَقُّقِ أصْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ في الباقِينَ أيْضًا لِكَمالِ تَعاضُدِ المُوجِباتِ لَهُ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَهُ لِوُقُوعِ فَضْلًا عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الغايَةِ أوِ الفَرْضِ عِنْدَ مَن يَراهُ لِأفْعالِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ ولا تَقْرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّرَقِّي إلى مَعارِجِ العُلُومِ ومَدارِجِ الطّاعاتِ والزَّجْرِ عَنْ مُباشَرَةِ نَقائِصِها ما لا يَخْفى. وجَعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ أوْ مِن بابِ ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مَرْيَمَ: 73] لَيْسَ بِذاكَ ( وأيُّكم أحْسَنُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ وذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، وهَلْ يُسَمّى نَحْوُ هَذا تَعْلِيقًا أمْ لا؟ قِيلَ: فِيهِ خِلافٌ فَفي البَحْرِ لِأبِي حَيّانِ نَقْلًا عَنْ أصْحابِهِ أنَّهُ يُسَمّى بِذَلِكَ قالَ: إذا عُدِّيَ الفِعْلُ إلى اثْنَيْنِ ونَصَبَ الأوَّلَ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ أوْ مَقْرُونَةٌ بِلامِ الِابْتِداءِ أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ، وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وفي الكَشّافِ هُنا لا يُسَمّى تَعْلِيقًا إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ يُوقِعَ بَعْدَ الفِعْلِ الَّذِي يُعَلَّقُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما زَيْدٌ وعَلِمْتُ أزْيَدٌ مُنْطَلِقٌ، وأمّا إذا ذُكِرَ بَعْدَهُ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ نَحْوَ عَلِمْتُ القَوْمَ أيُّهم أفْضَلُ فَلا يَكُونُ تَعْلِيقًا. والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ واعْتَرَضَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ العِلْمَ مُضْمَرٌ وهو المُعَلِّقُ كَما قالَ الفَرّاءُ والزَّجاجُ ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ المَفْعُولِ مَعَهُ بَلِ التَّقْدِيرُ لِيَبْلُوَكم فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ. وأيْضًا لا تَقَعُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَفْعُولًا ثانِيًا لَعَلِمْتُ وإنَّما تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولَيْنِ في عَلِمْتُ أيُّهم خَرَجَ لِأنَّ المَعْنى عَلِمْتُ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ ولا مَعْنى لِتَقْدِيرٍ مِثْلِهِ في عَلِمْتُهُ أيُّهم خَرَجَ وأُجِيبُ بِأنَّ التَّضْمِينَ يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ وكَوْنُ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لا تَقَعُ مَفْعُولًا ثانِيًا ضَعِيفٌ لِأنَّها إذا وقَعَتْ مَفْعُولًا أوَّلًا في نَحْوِ ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ﴾ [مَرْيَمَ: 69] عَلى مَعْنى لِنَنْزِعُنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ كَما قالَ الخَلِيلُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ وُقُوعُها مَفْعُولًا ثانِيًا بِتَأْوِيلٍ لِيَعْلَمَكُمُ الَّذِينَ يُقالُ في حَقِّهِمْ ﴿أيُّهم أحْسَنُ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: وقَدْ أنْصَفَ صاحِبُ الِانْتِصافِ حَيْثُ قالَ: التَّعْلِيقُ عَنْ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ خِلافٌ والأصَحُّ هو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهَذا النَّحْوُ عُشُّهُ فِيهِ يَدْرُجُ ويَدْرِي كَيْفَ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ في سُورَةِ هُودٍ أنَّ في الآيَةِ تَعْلِيقًا لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا فَجَعَلُوا بَيْنَ كَلامَيْهِ تَنافِيًا وفي الكَشْفِ أنَّ كَلامَهُ هُناكَ صَرِيحٌ بِأنَّ التَّعْلِيقَ فِيهِ بِمَعْنى تَعْلِيقِ فِعْلِ القَلْبِ عَلى ما فِيهِ اسْتِفْهامٌ وهو بِهَذا المَعْنى خاصٌّ بِفِعْلِ القَلْبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالسَّبْعَةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ. وفي الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً دُونَ ما فِيهِ لامُ الِابْتِداءِ ونَحْوُها صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ نَصًّا فَلا يُنافِي ما ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ، فَإنَّما نَفِيُ التَّعْلِيقِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ. وأمّا صفحة 6 الحَمْلُ عَنِ الإضْمارِ في آيَةِ هُودٍ والتَّضْمِينُ في آيَةِ المُلْكِ لِلتَّفَنُّنِ فَلا وجْهَ لَهُ بَعْدَ تَصْرِيحِهِ بِأنَّهُ اسْتِعارَةٌ انْتَهى. وكَذا عَلى هَذا لا وجْهَ لِكَوْنِ ما هُناكَ اخْتِيارًا لِمَذْهَبِ الفَرّاءِ والزَّجاجِ وما هُنا اخْتِيارٌ لِمَذْهَبٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ وتَذَكَّرْ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُسْألُ عَنْ ذَلِكَ قَدِيمًا وحَدِيثًا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ. ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ عِقابُ مَن أساءَ ﴿الغَفُورُ﴾ لِمَن شاءَ مِنهم أوْ لِمَن تابَ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ.

الملك 67:3

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ قِيلَ هو نَعْتٌ لِلْعَزِيزِ الغَفُورِ أوْ بَيانٌ أوْ بَدَلٌ. واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ نَصْبٌ أوْ رَفْعٌ عَلى المَدْحِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَوْصُولَيْنِ السّابِقَيْنِ مَعْنى وإنْ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُما إعْرابًا مُنْتَظِمٌ مَعَهُما في سِلْكِ الشَّهادَةِ بِتَعالِيمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ومَعَ المَوْصُولِ الثّانِي في كَوْنِهِ مَدارًا لِلْبَلاءِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [هُودٍ: 7] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿طِباقًا﴾ صِفَةٌ لِسَبْعٍ وكَوْنُ الوَصْفِ لِلْمُضافِ إلَيْهِ العَدَدُ لَيْسَ بِلازِمٍ بَلْ أكْثَرِيٌّ وهو مَصْدَرٌ طابَقْتُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ إذا خَصَفْتَها، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ أيْ ذاتِ طِباقٍ أوْ بِتَأْوِيلِ اسْمِ المَفْعُولِ أيْ مُطابَقَةً، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُؤَكِّدًا لِمَحْذُوفٍ أيْ طُوبِقَتْ طِباقًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وأنْ يَكُونَ جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ أوْ جَمْعَ طَبَقَةٍ كَرَحْبَةٍ بِفَتْحِ الحاءِ ورِحابٍ والكَلامُ بِتَقْدِيرٍ مُضافٍ لِأنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ لا يُوصَفُ بِهِ أيْ ذاتُ طِباقٍ وقِيلَ يَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مِن ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لِقُرْبِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِشُمُولِهِ الكُلَّ وعَدَمِ فَرْدٍ وراءَ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قُصارى ذَلِكَ بَعْدَ القِيلِ والقالِ أنْ يَكُونَ نَحْوَ شَمْسٍ مِمّا انْحَصَرَ في فَرْدٍ وهو لا تَجِيءُ الحالُ المُتَأخِّرَةُ مِنهُ فَلا يُقالُ طَلَعَتْ عَلَيْنا شَمْسٌ مُشْرِقَةٌ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ عَلى تَلاصُقِها كَما زَعَمَهُ مُتَقَدِّمُو الفَلاسِفَةِ ومَن وافَقَهم مِنَ الإسْلامِيِّينَ مُخالِفِينَ لِما نَطَقَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ وإنْ لَمْ يَكْفُرْ مُنْكِرُ ذَلِكَ فِيما أرى. واخْتُلِفَ في مَوادِّها فَقِيلَ: الأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا أظُنُّكَ تَجِدُ خَبَرًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيما قِيلَ ولَوْ طِرْتَ إلى السَّماءِ، وأظُنُّكَ لَوْ وجَدَتْ لَأوَّلْتَ مَعَ اعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى ما ﴿تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى عَلى ما في الكَشّافِ لِسَبْعِ سَماواتٍ وضَعَ فِيها ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّابِطِ لِلتَّعْظِيمِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَتَرَتَّبَ قِياسٌ مِنَ الشَّكْلِ الأوَّلِ يُنْتِجُ نَفْيَ رُؤْيَةِ تَفاوُتٍ فِيها، وبِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَها بِقُدْرَتِهِ القاهِرَةِ رَحْمَةً وتَفَضُّلًا، وبِأنَّ في إبْداعِها نِعَمًا جَلِيلَةً. وما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الرّابِعِ مِنَ المُغْنِي مِن أنَّ الجُمْلَةَ المَوْصُوفَ بِها لا يَرْبُطُها إلّا الضَّمِيرُ إمّا مَذْكُورًا وإمّا مُقَدَّرًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلى جارِّ اللَّهِ، والتَّوْفِيقُ بِأنَّ ذَلِكَ إذا لَمْ يَقْصِدِ التَّعْظِيمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن نُكْتَةٍ سَواءً كانَتِ التَّعْظِيمَ أوْ غَيْرَهُ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانٍ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وإنَّ خَلْقَ الرَّحْمَنِ عامٌّ لِلسَّماواتِ وغَيْرِها والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى ومَن لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ ما تَرى شَيْئًا ﴿مِن تَفاوُتٍ﴾ أيِ اخْتِلافٍ وعَدَمِ تَناسُبٍ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ مِنَ الفَوْتِ فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَفاوِتِينَ يَفُوتُ مِنهُ بَعْضُ ما في الآخَرِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّفاوُتَ بِتَجاوُزِ الشَّيْءِ الحَدَّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ زِيادَةً أوْ نَقْصًا وهو المَعْنِيُّ بِالِاخْتِلافِ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ: تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ مِن عَيْبٍ وإلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ مَن قالَ أيْ مِن تَفاوُتٍ يُورِثُ نَقْصًا وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: صفحة 7 أيْ مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ، وقِيلَ أيْ مِنِ اضْطِرابٍ، وقِيلَ أيْ مِنِ اعْوِجاجٍ، وقِيلَ أيْ مِن تَناقُضٍ. ومَآلُ الكُلِّ ما ذَكَرْنا ومِنَ الغَرِيبِ ما قالَهُ شَيْخُ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ في زَمانِنا مِن أنَّ بَيْنَ الأشْياءِ جَمِيعِها رَبْطًا وهو نَوْعٌ مِنَ التَّجاذُبِ لا يَفُوتُ بِسَبَبِهِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَلاسِفَةُ اليَوْمَ فَزَعَمُوا أنَّ بَيْنَ الأجْرامِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها تَجاذُبًا عَلى مَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ بِهِ حَفِظَتْ أوْضاعَها وارْتَبَطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، لَكِنْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ما بِهِ التَّجاذُبُ والِارْتِباطُ يَضْعُفُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى وجْهٍ لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ إلّا في مُدَدٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا. واسْتَشْعَرُوا مِن ذَلِكَ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن خُرُوجِ هَذا العالَمِ المُشاهَدِ عَنْ هَذا النِّظامِ المَحْسُوسِ فَيَحْصُلُ التَّصادُمُ ونَحْوُهُ بَيْنَ الأجْرامِ وقالُوا إنْ كانَ قِيامَةً فَهو ذاكَ ولا يَخْفى حالُ ما قالَهُ وما قالُوهُ وإنَّ الآيَةَ عَلى ما سُمِعَتْ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأُسُودُ وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «مِن ( تَفَوُّتٍ)» بِشَدِّ الواوِ مَصْدَرُ تَفَوَّتَ، وحَكى أبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ «فِي تَفاوُتٍ» فَتْحَ الواوِ وضَمَّها وكَسْرَها والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ كَما في البَحْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى التَّسَبُّبِ أيْ عَنِ الإخْبارِ بِذَلِكَ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِلْأمْرِ بِالرُّجُوعِ دَفْعًا لِما يُتَوَهَّمُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَهو في المَعْنى جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ أيْ إنْ كُنْتَ في رَيْبٍ مِن ذَلِكَ فَأرْجِعِ البَصَرَ حَتّى يَتَّضِحَ الحالُ ولا يَبْقى لَكَ رَيْبٌ وشُبْهَةٌ في تَحَقُّقِ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ المَقالُ مِن تَناسُبِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ واسْتِجْماعِهِ ما يَنْبَغِي لَهُ. والفُطُورُ قالَمُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ جَمْعُ فَطْرٍ وهو الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَهُ فانْفَطَرَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الشَّقُّ مُطْلَقًا لا الشَّقُّ طُولًا عَلى ما هو أصْلُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ. وفي مَعْناهُ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: الصُّدُوعُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَقَبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ وقَوْلُ السُّدِّيِّ: الخُرُوقُ، وأُرِيدَ بِكُلِّ ذَلِكَ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ الخَلَلُ وبِهِ فَسَّرَهُ قَتادَةُ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِالوَهْنِ وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تَرى﴾ إلَخِ قالَ أبُو حَيّانٍ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى أوْ ضِمْنَ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ.

الملك 67:4

﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ رُجْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ في ارْتِيادِ الخَلَلِ والمُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ كَما قالُوا في لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ أيْ رَجْعَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ أيْ رُجُعاتٌ كَثِيرَةٌ بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ، وهَذا كَما أُرِيدَ بِأصْلِ المُثَنّى التَّكْثِيرُ في قَوْلِهِ: لِوَعْدِ قَبْرٍ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الذّامِّ فَإنَّهُ يُرِيدُ لَوْ عُدْتَ قُبُورَ كَثِيرَةً وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ وأُمِرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ إذْ يُمْكِنُ غَلَطٌ في الأُولى فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ أوِ الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ فَإنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والجَوابِيَّةُ تَقْتَضِي المُلازِمَةَ وما تَضَمَّنَهُ لا يَلْزَمُ مِنَ المَرَّتَيْنِ غالِبًا، والمَعْنى يَعُدْ إلَيْكَ البَصَرُ مَحْرُومًا مِن إصابَةِ ما التَمَسَهُ مِن إصابَةِ العَيْبِ والخَلَلِ كَأنَّهُ طَرَدَ عَنْهُ طَرْدًا بِالصِّغارِ بِناءً عَلى ما قِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مَن خَسَأ الكَلْبُ المُتَعَدِّي أيْ طَرَدَهُ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ، لَكِنْ في الصِّحاحِ يُقالُ: خَسّا بَصَرَهُ خَسًّا وخَسْوَأً أيْ سَدَرَ والسِّدْرُ تُحَيِّرُ النَّظَرِ فَكانَ تَفْسِيرُ ﴿خاسِئًا﴾ بِـ (مُتَحِيِّرًا) أخْذًا لَهُ مِن ذَلِكَ أقْرَبَ. وكَأنَّهُمُ اخْتارُوا ما تَقَدَّمَ لِأنَّ فِيهِ مُبالَغَةً وبَلاغَةً ظاهِرَةً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ عَنِ التَّكْرارِ مَآلًا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ حَسِيرٌ﴾ أيْ كَلَيْلٌ مِن طُولِ المُعاوَدَةِ وكَثْرَةِ المُراجَعَةِ. يُقالُ: حَسِرَ بَعِيرُهُ يَحْسَرُ حُسُورًا أيْ ( كَلَّ ) وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ. وقالَ الرّاغِبُ: الحَسْرُ كَشْفُ المَلْبَسِ عَمّا عَلَيْهِ، يُقالُ: حَسِرَتْ عَنِ الذِّراعِ أيْ كَشَفَتْ، والحاسِرُ مَن لا دِرْعَ عَلَيْهِ ولا مِغْفَرَ. وناقَةٌ حَسِيرٌ انْحَسَرَ عَنْها اللَّحْمُ والقُوَّةُ، ونُوقٌ حَسْرى، والحاسِرُ أيْضًا المَعْنى لِانْكِشافِ قُواهُ ويُقالُ لَهُ أيْضًا مَحْسُورٌ أمّا الحاسِرُ فَتَصَوَّرَ أنَّهُ قَدْ حَسَرَ بِنَفْسِهِ قُواهُ، وأمّا المَحْسُورُ فَتَصَوَّرْ أنَّ التَّعَبَ قَدْ صفحة 8 حَسَرَهُ وحَسِيرٌ في الآيَةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاسِرٍ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَحْسُورٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ كالوَصْفِ السّابِقِ مِنَ البَصَرِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ. وقَرَأ الخَوارِزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ «يَنْقَلِبُ» بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ حالٍ مُقَدَّرَةٍ.

الملك 67:5

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ﴾ إلَخِ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْحَثِّ عَلى النَّظَرِ قُدْرَةً وامْتِنانًا. وفي الإرْشادِ بَيانٌ لِكَوْنِ خَلْقِ السَّماواتِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهاءِ إثْرَ بَيانِ ( خُلُوِّها ) عَنْ شائِبَةِ العَيْبِ والقُصُورِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ زَيَّنا السَّماءَ ﴿الدُّنْيا﴾ مِنكم أيِ الَّتِي هي أتَمُّ دُنُوًّا مِنكم مِن غَيْرِها فَدُنُوُّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتُ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن حَوْلَ العَرْشِ فَبِالعَكْسِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ جَمْعُ مِصْباحٍ وهو السِّراجُ، وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الكَوْكَبِ ثُمَّ جُمِعَ أوْ تُجُوِّزَ بِالمَصابِيحِ ابْتِداءً عَنِ الكَواكِبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِمَقَرِّ السِّراجِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَجَوُّزًا عَلى تَجَوُّزٍ ولا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأنَّ المِصْباحَ نَفْسُ السِّراجِ أيْضًا وتَنْكِيرُها لِلتَّعْظِيمِ أيْ بِمَصابِيحَ عَظِيمَةٍ لَيْسَتْ كَمَصابِيحِكُمُ الَّتِي تَعْرِفُونَها. وقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الكَواكِبُ المُضِيئَةُ بِاللَّيْلِ إضاءَةَ السِّراجِ مِنَ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ بِناءً عَلى أنَّها كُلَّها في أفْلاكٍ ومَجارٍ مُتَفاوِتَةٌ قُرْبًا وبُعْدًا في ثِخَنِ السَّماءِ الدُّنْيا، وكَوْنُ السَّماءِ هي الفُلْكَ خِلافُ المَعْرُوفِ عَنِ السَّلَفِ وإنَّما هو قَوْلٌ قالَهُ مَن أرادَ الجَمْعَ بَيْنَ كَلامِ الفَلاسِفَةِ الأُولى وكَلامِ الشَّرِيعَةِ فَشاعَ فِيما بَيْنَ الإسْلامِ واعْتَقَدَهُ مَنِ اعْتَقَدَهُ. وعَنْ عَطاءٍ أنَّ الكَواكِبَ في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ في أيْدِي مَلائِكَةٍ وعَلَيْهِ فَ ﴿زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: زَيَّنْتُ السَّقْفَ بِالقَنادِيلِ وهو ظاهِرٌ لَكِنَّ الخَبَرَ لا يَكادُ يَصِحُّ. ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ السَّماءَ الدُّنْيا فَلَكُ القَمَرِ والسِّتُّ الباقِيَةُ أفْلاكُ السَّيّاراتِ الباقِيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ المَشْهُورِ وأنَّ لِلثَّوابِتِ فَلَكًا مَخْصُوصًا يُسَمّى بِلِسانِ الشَّرْعِ بِالكُرْسِيِّ، أوْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ في فَلَكِ زُحَلَ وهو السَّماءُ السّابِعَةُ، أوْ يَكُونَ بَعْضُها في فَلَكٍ وبَعْضُها الآخَرُ في آخَرَ فَوْقَهُ، أوْ كُلٌّ مِنها في فَلَكٍ وسَماءٍ غَيْرِ السَّبْعِ. والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ القَلِيلِ لا يَنْفِي الكَثِيرَ قالَ: إنَّ تَخْصِيصَ السَّماءِ بِالتَّزْيِينِ بِها لِأنَّها إنَّما تُرى عَلَيْها ولا تَرى جُرْمَ ما فَوْقَها أوْ رِعايَةً لِمُقْتَضى إفْهامِ العامَّةِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ سَماءٍ وسَماءٍ عَلَيْهِمْ، فَهم يَرَوْنَ الكَواكِبَ كَجَواهِرَ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلى بِساطِ الفَلَكِ الأزْرَقِ الأقْرَبِ، ومَنِ اعْتَبَرَ ما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ اليَوْمَ مِن أنَّ الكَواكِبَ فَلَكُ عَجائِبِ القُدْرَةِ مَواخِرُ في بَحْرِ جَوِّ الفَضاءِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ومَجارِيها فِيهِ هي أفْلاكُها وقَدْ تَحَرَّكَتْ إذْ تَحَرَّكَتْ في خَلاءٍ أوْ ما يُشْبِهُهُ مَعَ قُوًى بِها تَجاذَبَتْ وارْتَبَطَتْ ولَها حَرَكاتٌ عَلى أنْفُسِها وحَرَكاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَتْ مَرْكُوزَةً كَما اشْتُهِرَ في أجْرامٍ صُلْبَةٍ شَفّافَةٍ لا ثَقِيلَةٍ ولا خَفِيفَةٍ تُسَمّى أفْلاكًا أوْ سَماءً وهي مُتَفاوِتَةٌ قُرْبًا وبُعْدًا تَفاوُتًا كُلِّيًّا، وإنْ رُؤِيَتْ كُلُّها قَرِيبَةً لِسَبَبٍ خَفِيَ إلى الآنِ عَلَيْهِمْ حَتّى أنَّ مِنها ما لا يَصِلُ شُعاعُهُ إلَيْنا إلّا في عِدَّةِ سِنِينَ مَعَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ وبَيْنَنا وبَيْنَها أرْبَعَةٌ وثَلاثُونَ مِلْيُونًا مِنَ الفَراسِخِ، والمِلْيُونُ ألْفُ ألْفٍ يَصِلُ إلَيْنا في ثَمانِ دَقائِقَ وثَلاثَ عَشْرَةَ ثانِيَةٍ إلى آخَرِ ما زَعَمُوا فِيها. قالَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ الدُّنْيا طَبَقَةٌ مَخْصُوصَةٌ في هَذا الفَضاءِ، وبِالمَصابِيحِ كَواكِبُ فِيها نَفْسِها قَدْ زَيَّنَتْ تِلْكَ الطَّبَقَةَ بِها تَزْيِينُ فَضاءِ دارٍ بِطُيُورٍ يَطِرْنَ وحائِماتٍ فِيهِ مَثَلًا، أوْ جَمِيعِ ما يُرى مِنَ الكَواكِبِ وإنْ كانَ فَوْقَها وتَزْيِينُها بِذَلِكَ بِإظْهارِهِ فِيها كَما مَرَّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن تَصَدّى لِتَطْبِيقِ الآياتِ والأخْبارِ عَلى ما قالَهُ الفَلاسِفَةُ مُطْلَقًا فَقَدْ تَصَدّى لِأمْرٍ لا يَكادُ يَتِمُّ لَهُ واللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ. نَعْمَ تَأْوِيلُ النَّقْلِيِّ إنَّما يَنْبَغِي إذا قامَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى خِلافِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، وأكْثَرُ أدِلَّةِ الفَلاسِفَةِ قاعِدَةٌ عَلى العَجْزِ عَنْ إثْباتِها إثْباتًا صَحِيحًا ما يُخالِفُ أدِلَّةَ أهْلِ الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى عَلى مَنِ اسْتَضاءَ بِمَصابِيحِهِ. ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَصابِيحِ عَلى ما هو الظّاهِرُ لا لِلسَّماءِ الدُّنْيا عَلى مَعْنى (جَعَلْنا مِنها أيْ مِن جِهَتِها كَما قِيلَ والرُّجُومُ جَمْعُ صفحة 9 رَجْمٍ بِالفَتْحِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ أيْ يُرْمى فَصارَ لَهُ حُكْمُ الأسْماءِ الجامِدَةِ ولِذا جُمِعَ وإنْ كانَ الأصْلُ في المَصادِرِ أنَّها لا تُجْمَعُ. وقِيلَ إنَّهُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّجْمِ أيْضًا. والمُرادُ بِالشَّياطِينِ مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، ورَجْمُهم عَلى ما اشْتُهِرَ بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُسَبَّبَةِ عَنِ الكَواكِبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما قَرَّرَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ مِن أنَّ الكَواكِبَ نَفْسَها غَيْرُ مُنْقَضَّةٍ وإنَّما المُنْقَضُّ شُعَلٌ نارِيَّةٌ تَحْدُثُ مِن أجْزاءٍ مُتَصاعِدَةٍ لِكُرَةِ النّارِ لَكِنَّها بِواسِطَةِ تَسْخِينِ الكَواكِبِ لِلْأرْضِ، فالتَّجَوُّزُ في إسْنادِ الجَعْلِ إلَيْها أوْ في لَفْظِها وهو مَجازٌ بِوَسائِطَ. وقالَ الشِّهابُ: لا مانِعَ مِن جَعْلِ المُنْقَضِّ نَفْسِهِ مِن جِنْسِ الكَواكِبِ وإنْ خالَفَ اعْتِقادَ الفَلاسِفَةِ وأهْلِ الهَيْئَةِ، ولَكِنْ في النُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ ما فِيهِ رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ انْتَهى. وأقُولُ لا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ المَبْنى لا يَتِمُّ أيْضًا إلّا بِثُبُوتِ كُرَةِ النّارِ الَّذِي لا تَراهم يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ إلّا بِحُدُوثٍ هَذِهِ الشُّهُبِ وسَلَفُ الأُمَّةِ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ وكَذا أهْلُ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُحَقِّقُوا إلى الآنِ أمْرَ هَذِهِ الشُّهُبِ لَكِنْ يَمِيلُونَ إلى أنَّها أجْسامٌ انْفَصَلَتْ عَنِ الكَواكِبِ الَّتِي يَزْعُمُونَها عَوالِمَ مُشْتَمِلَةً عَلى جِبالٍ ونَحْوِها اشْتِمالَ الأرْضِ عَلى ذَلِكَ، وخَرَجَتْ لِبَعْضِ الحَوادِثِ عَنْ حَدِّ القُوى الجاذِبَةِ لَها إلى ما انْفَصَلَتْ عَنْهُ ولَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ جَذْبِ قُوَّةِ الأرْضِ لَها فَبَقِيَتْ تَدُورُ عِنْدَ مُنْتَهى كُرَةِ الأرْضِ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الهَواءِ، فَإذا عَرَضَ لَها الدُّخُولُ في هَواءِ الأرْضِ أثْناءَ حَرَكَتِها احْتَرَقَتْ كُلًّا أوْ بَعْضًا كَما تَحْتَرِقُ بَعْضُ الأجْسامِ المَحْفُوظَةِ عَنِ الهَواءِ إذا صادَمَها الهَواءُ، ورُبَّما تَصِلُ في بَعْضِ حَرَكاتِها إلى حَدِّ جَذْبِ الأرْضِ فَتَقَعَ عَلَيْها. وبَعْضُهم يَزْعُمُ في الحِجارَةِ السّاقِطَةِ مِنَ الجَوِّ الَّتِي تُسَمّى عِنْدَهم بِالأبْرُولِيتِ يَعْنُونَ حِجارَةَ الهَواءِ أنَّها مِن تِلْكَ الأجْسامِ وكُلُّ ذَلِكَ حَدِيثُ خُرافَةٍ ورَجْمٌ بِظُنُونٍ فاسِدَةٍ، وقُصارى ما يُقالُ في هَذِهِ الشُّهُبِ أنَّها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ ناشِئَةً مِن أجْرامٍ مِن جِنْسِ الكَواكِبِ فِيها قُوَّةُ الإحْراقِ سَواءٌ كانَ كُلُّ مُضِيءٍ مُحْرِقًا أمْ لا مُتَكَوِّنَةً في جَوِّ هَذا الفَضاءِ المُشاهَدِ إلّا أنَّها لِغايَةِ صِغَرِها لا تُشاهَدُ ولَوْ بِالنَّظّاراتِ حَتّى إذا قُرِّبَتْ بِانْقِضاضِها شُوهِدَتْ وقَدْ تُصادِفُ في انْقِضاضِها أجْسامًا مُتَصاعِدَةً مِنَ الأرْضِ فَتُحْرِقُها، ورُبَّما يَتَّصِلُ الحَرِيقُ إلى ما يَقْرُبُ مِنَ الأرْضِ جِدًّا ورُبَّما تَكَوَّنَتِ الحِجارَةُ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ العَقْلَ يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ لَها دَوَرانٌ عَلى شَكْلٍ مِنَ الأشْكالِ فَتَرْجِعُ بَعْدَ ما يُشاهَدُ لَها مِنَ الِانْقِضاضِ، وأنْ تَتَلاشى بَعْدَ انْقِضاضِها ويَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَها مِن مادَّةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو عَزَّ وجَلَّ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( جَعَلْناها ) وإنْ عادَ عَلى المَصابِيحِ لَكِنْ لَمْ يَعُدْ عَلَيْها إلّا بِاعْتِبارِ الجِنْسِ دُونَ خُصُوصِيَّةِ كَوْنِها مُزَيَّنَةً بِها السَّماءُ الدُّنْيا نَظِيرَ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطِرٍ: 11] وعِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ لِما أنَّ التَّزْيِينَ بِاعْتِبارِ الظُّهُورِ ولا ظُهُورَ لِهَذِهِ الأجْرامِ قَبْلَ انْقِضاضِها وإنِ اعْتَبَرَ في كَوْنِها مَصابِيحَ أوْ كَواكِبَ أوْ نُجُومًا ظُهُورَها في نَفْسِها ولِمَن يَقْرُبُ مِنها دُونَ خُصُوصِيَّةِ ظُهُورِها لَنا، وفي كَوْنِها زِينَةً لِلسَّماءِ كَوْنَها زِينَةً لَها في الجُمْلَةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ جِدًّا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ناشِئَةً مِنَ المَصابِيحِ المُشاهَدَةِ المُزَيَّنِ بِها بِأنْ يَنْفَصِلَ عَنْها وهي في مَحَلِّها شُعَلٌ هي الشُّهُبُ وما ذاكَ إلّا كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِن نارٍ والنّارُ ثابِتَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجِبائِيُّ وكَثِيرٌ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنَّ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنها قابِلِيَّةُ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ القابِلِيَّةُ لِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ وهَذا لِعَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وأحْوالِها في أنْفُسِها. والكَلامُ نَحْوَ قَوْلِكَ أسْكَنَ الأمِيرُ قَبِيلَةَ كَذا في ثَغْرِ كَذا وجَعَلَها تَرْمِي بِالبَنادِقِ مَن يَقْرُبُ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قابِلِيَّةُ الرَّمْيِ، ثُمَّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يُشاهَدُ مِنَ الشُّهُبِ قَبَسًا مِنَ المَصابِيحِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ وهو الَّذِي تَرْمِي بِهِ الشَّياطِينُ مِنها وبَعْضُهُ مِن أُمُورٍ تَحْدُثُ في الجَوِّ مِنَ اصْطِكاكٍ أوْ نَحْوِهِ. وتَفاوُتُ الشُّهُبِ قِلَّةً وكَثْرَةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِتَفاوُتِ حَوادِثِ الجَوِّ، وأنْ يَكُونَ لِتَفاوُتِ الِاسْتِراقِ ولَيْسَ في الآياتِ والأخْبارِ ما هو نَصٌّ في أنَّ الشُّهُبَ لا تَكُونُ إلّا لِرَمْيِ الشَّياطِينِ فَيُحْتَمَلُ صفحة 10 أنْ يَكُونَ أكْثَرُ الشُّهُبِ مِنَ الحَوادِثِ الجَوِّيَّةِ وذَواتِ الأذْنابِ مِنها في رَأْيِ المُتَقَدِّمِينَ، وهي في أنْفُسِها دُونَ أذْنابِها نُجُومٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَدُورُ لا كَما يَدُورُ غَيْرُها مِنَ النُّجُومِ فَتَقْرُبُ تارَةً وتَبْعُدُ أُخْرى فَتَخْرُجُ عَنْ مَداراتِ السَّيّاراتِ إلى حَيْثُ لا تُشاهَدُ أصْلًا عِنْدَ فَلاسِفَةِ العَصْرِ ولَهم فِيها كَلامٌ أطْوَلُ مِن أذْنابِها. وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا الفَصْلِ أسْئِلَةً وشُبَهًا أجابَ عَنْها بِما أجابَ ونَحْنُ فَعَلْنا نَحْوَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ أتَمَّ فَلْيُتَذَكَّرْ. وقَدْ أطْنَبْنا هُناكَ الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ ( إلّا ) أنَّ بَعْضًا مِمّا ذَكَّرْناهُ هُناكَ فَخُذْ مِنَ المَوْضِعَيْنِ ما صَفا ودَعْ ما كَدُرَ بَعْدَ أنْ تَتَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ وتَتَدَبَّرَ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وجَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ المُنَجِّمُونَ المُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونَحْوِهِما وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِمْ أيْ رَدَّ فِيما تَقَدَّمَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا. ﴿وأعْتَدْنا لَهُمْ﴾ وهَيَّأْنا لِلشَّياطِينِ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ عَذابَ النّارِ المُسَعَّرَةِ المُشْعِلَةِ في الآخِرَةِ بَعْدَ الإحْراقِ في الدُّنْيا بِالشُّهُبِ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نارٍ لِأنَّهم لَيْسُوا نارًا فَقَطْ بَلْ هي أغْلَبُ عَناصِرِهِمْ فَهي مِنهم كالتُّرابِ مِن بَنِي آدَمَ فَيَتَأثَّرُونَ مِن ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَكُونُ نارًا أقْوى مِن نارٍ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ وعَلى أنَّ الشَّياطِينَ مُكَلَّفُونَ.

الملك 67:6

﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مِن غَيْرِ الشَّياطِينِ أوْ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ عَلى أنَّهُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِدَفْعِ إيهامِ اخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والحَصْرُ إضافِيٌّ بِقَرِينَةِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في تَعْذِيبِ العُصاةِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن قالَ مِنَ المُرْجِئَةِ: لا يُعَذِّبُ غَيْرَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزْنِي وحَسَنٌ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ «عَذابَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيْ وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَهَنَّمُ.

الملك 67:7

﴿إذا أُلْقُوا فِيها﴾ أيْ طُرِحُوا فِيها كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ﴿سَمِعُوا لَها﴾ أيْ لِجَهَنَّمَ نَفْسِها كَما هو الظّاهِرُ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهِيقًا﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَتُهُ فَلَمّا صارَتْ حالًا أيْ ﴿سَمِعُوا﴾ كائِنًا ﴿لَها شَهِيقًا﴾ أيْ صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ وهو حَسِيسُها المُنْكَرُ الفَظِيعُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الشَّهِيقُ لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها ومِن أنْفُسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هُودٍ: 106] والكَلامُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ أوْ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهم بَعْدَ القَرارِ في النّارِ وبَعْدَ ما يُقالُ لَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ [المُؤْمِنُونَ: 108] . وهو بَعْدَ سِتَّةِ آلافِ سَنَةٍ مِن دُخُولِهِمْ كَما في بَعْضِ الآثارِ ورَدَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْحِصارِ حالِهِمْ حِينَئِذٍ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ لا عَلى عَدَمِ وُقُوعِها مِنهم قَبْلُ.

الملك 67:8

﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ أيْ والحالُ أنَّها تَغْلِي بِهِمْ غَلَيانَ المِرْجَلِ بِما فِيهِ ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ أيْ يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ قالَ الرّاغِبُ الغَيْظُ أشَدُّ الغَضَبِ وقالَ المَرْزُوقِيُّ في الفَصِيحِ إنَّهُ الغَضَبُ أوْ أسْوَؤُهُ، وقَدْ شَبَّهَ اشْتِعالَ النّارِ بِهِمْ في قُوَّةِ تَأْثِيرِها فِيهِمْ وإيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِمْ بِاغْتِياظِ المُغْتاظِ عَلى غَيْرِهِ المُبالِغِ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هُنا تَخْيِيلِيَّةً تابِعَةً لِلْمَكْنِّيَةِ بِأنَّ تُشَبَّهَ جَهَنَّمُ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدٍ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ فَتَوَهَّمَ لَها صُورَةً كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ، واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهِّمَةِ لِلْغَيْظِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ في ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ إلى جَهَنَّمَ مَجازًا وإنَّما الإسْنادُ الحَقِيقِيُّ إلى الزَّبانِيَةِ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَمَيَّزُ زَبانِيَتَها مِنَ الغَيْظِ وقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيها إدْراكًا فَتَغْتاظُ عَلَيْهِمْ فَلا مَجازَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا حاجَةَ لِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ لِمَكانِ ﴿تَكادُ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ [النُّورِ: 35] وفِيهِ ما فِيهِ والجُمْلَةُ صفحة 11 إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَفُورُ﴾ أوْ خَبَرٌ آخَرُ وقَرَأ طَلْحَةُ «تَتَمَيَّزُ» بِتاءَيْنِ وأبُو عَمْرٍو «تَكادُ تَمَيَّزُ» بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ والضَّحّاكُ «تَمايَزُ» عَلى وزْنِ تَفاعَلُ وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبى عَبْلَةَ «تَمِيزُ» مِن مازَ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ أهْلِها بَعْدَ بَيانِ نَفْسِها، وقِيلَ لِبَيانِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ أهْلِها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِها أيْ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ وهم مالِكٌ وأعْوانُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والسّائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا ولَيْسَ السُّؤالُ سُؤالَ اسْتِعْلامٍ بَلْ هو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وفِيهِ عَذابٌ رُوحانِيٌّ لَهم مُنْضَمٌّ إلى عَذابِهِمُ الجُسْمانِيِّ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ ويُنْذِرُكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا.

الملك 67:9

﴿قالُوا﴾ اعْتِرافًا بِأنَّهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ وجَمَعُوا بَيْنَ حَرْفِ الجَوابِ ونَفْسِ الجُمْلَةِ المُجابِ بِها مُبالَغَةً في الِاعْتِرافِ بِمَجِيءِ النَّذِيرِ، وتَحَسُّرًا عَلى ما فاتَهم مِنَ السَّعادَةِ في تَصْدِيقِهِمْ، وتَمْهِيدًا لِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّفْرِيطِ تَنَدُّمًا واغْتِمامًا عَلى ذَلِكَ، أيْ قالَ كُلُّ فَوْجٍ مِن تِلْكَ الأفْواجِ قَدْ جاءَ لَها نَذِيرٌ أيْ واحِدٌ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كَنُذُرِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم في حُكْمِ نَذِيرٍ واحِدٍ فَأنْذَرَنا وتَلا عَلَيْنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن آياتِهِ. ﴿فَكَذَّبْنا﴾ ذَلِكَ النَّذِيرَ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا﴾ في حَقِّ ما تَلاهُ مِنَ الآياتِ إفْراطًا في التَّكْذِيبِ وتَمادِيًا في النَّكِيرِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ عَلى أحَدٍ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ فَضْلًا عَنْ تَنْزِيلِ الآياتِ عَلى بَشَرٍ مِثْلِكم ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ ما أنْتُمْ في ادِّعاءِ ما تَدَّعُونَهُ ﴿إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ. وجَمَعَ ضَمِيرَ الخِطابِ مَعَ أنَّ مُخاطَبَ كُلِّ فَوْجِ نَذِيرُهُ لِتَغْلِيبِهِ عَلى أمْثالِهِ ولَوْ فَرْضًا لِيَشْمَلَ أوَّلَ فَوْجٍ أنْذَرَهم نَذِيرٌ. والأصْلُ أنْتَ وأمْثالُكَ مِمَنِ ادَّعى أوْ يَدَّعِي دَعْواكَ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ وتَمادِيًا في التَّضْلِيلِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْمِيمُ المُنَزَّلِ مَعَ تَرْكِ ذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ فَإنَّهُ مُلَوِّحٌ بِعُمُومِهِ حَتْمًا، وأمّا إقامَةُ تَكْذِيبِ الواحِدِ مَقامَ تَكْذِيبِ الكُلِّ فَقِيلَ أمْرٌ تَحْقِيقِيٌّ يُصارُ إلَيْهِ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الجِنايَةِ لَكِنْ لا مَساغَ لِاعْتِبارِهِ مِن جِهَتِهِمْ ولا لِإدْراجِهِ تَحْتَ عِبارَتِهِمْ. كَيْفَ لا وهو مَنُوطٌ بِمُلاحَظَةِ اجْتِماعِ النُّذُرِ عَلى ما لا يَخْتَلِفُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأعْوامِ، وأيْنَ هم مِن ذَلِكَ وقَدْ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ؟ هَذا إذا جَعَلَ ما ذِكِرَ حِكايَةً عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأفْواجِ كَما هو الظّاهِرُ. وأمّا إذا جَعَلَ حِكايَةً عَنِ الكُلِّ فالنَّذِيرُ إمّا بِمَعْنى الجَمْعِ لِأنَّهُ فَعِيلٌ وهو يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِمُضافٍ عامٍّ أيْ أهْلِ نَذِيرٍ أوْ مَنعُوتٍ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَيَتَّفِقُ كِلا طَرَفَيِ الخِطابِ في الجَمْعِيَّةِ. ويُسْتَشْعَرُ مِن بَعْضِ العِباراتِ جَوازُ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ بِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا وفِيهِ بَحْثٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ عَلى أنَّ مُرادَهم بِالضَّلالِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا أوْ هَلاكُهم أوْ عِقابُ ضَلالِهِمْ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ سَبَبِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى. وكَذا ما قِيلَ مِن جَوازِ كَوْنِهِ مِن كَلامِ النَّذِيرِ لِلْكَفَرَةِ حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ وفي الكَشْفِ هَذا الوَجْهُ فِيهِ تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ كَأنَّهُ قِيلَ بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ قالَ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ فَكَذَّبْنا وقُلْنا وقَدَّمَ فَكَذَّبْنا وقُلْنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا عَلى قَوْلِهِمْ هَذا وإمّا أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ واقِعًا عَلى الجُمْلَةِ أعْنِي ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى كَذَّبْنا، قُدِّمَ عَلى صِلَتِهِ لِيَجْرِيَ مَجْرى الِاعْتِراضِ مُؤَكَّدًا لِحُكْمِ التَّكْذِيبِ ودالًّا عَلى عَدَمِ القَصْرِ أيْضًا والأوَّلُ أوْلى انْتَهى. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ وحَمْلُ النَّذِيرِ عَلى ما في العُقُولِ مِنَ الأدِلَّةِ مِمّا لا يَقْبَلُهُ مُنْصِفُ ذَوِي العُقُولِ.

الملك 67:10

﴿وقالُوا﴾ أيْضًا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ كَأنَّ الخَزَنَةَ قالُوا لَهم في تَضاعِيفِ التَّوْبِيخِ ألَمْ تَسْمَعُوا آياتِ رَبِّكم ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَها فَأجابُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ كَلامًا ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ صفحة 12 شَيْئًا ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ في عِدادِهِمْ ومَن جُمْلَتِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ قِيلُ الشَّياطِينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ وقِيلُ الكُفّارِ مُطْلَقًا واخْتِصاصُ إعْدادِ السَّعِيرِ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ [الإنْسانِ: 4] . والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لَعَلَّكَ تَعْرِفُها مِمّا يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا فَلا تَغْفُلْ. ونَفْيُهُمُ السَّماعَ والعَقْلَ لِتَنْزِيلِهِمْ ما عِنْدَهم مِنهُما لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وفي ذَلِكَ مَعَ اعْتِبارِ عُمُومِ المَسْمُوعِ والمَعْقُولِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، واعْتَبَرَهُما بَعْضُ الأجِلَّةِ خاصِّينَ قالَ: أيْ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ كَلامَ النَّذِيرِ فَنَقْبَلُهُ جُمْلَةً مِن غَيْرِ بَحْثٍ وتَفْتِيشٍ اعْتِمادًا عَلى ما لاحَ مِن صِدْقِهِ بِالمُعْجِزِ أوْ نَعْقِلُ فَنُفَكِّرُ في حِكَمِهِ ومَعانِيهِ تُفَكِّرَ المُسْتَبْصِرِينَ ما كُنّا إلَخْ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّماعَ والعَقْلَ هُنا بِمَعْنى القَبُولِ والتَّفَكُّرِ ( وأوْ ) لِلتَّرْدِيدِ لِأنَّهُ يَكْفِي انْتِفاءُ كُلٍّ مِنهُما لِخَلاصِهِمْ مِنَ السَّعِيرِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَلا يُنافِي الجَمْعَ. وقِيلَ: أُشِيرَ فِيهِ إلى قِسْمَيِ الإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ والتَّحْقِيقِيِّ أوْ إلى الأحْكامِ التَّعَبُّدِيَّةِ وغَيْرِها، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ كَما قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في القَواطِعِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما تُشْعِرُ بِهِ أنَّ العَقْلَ يُرْشِدُ إلى العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي بِها النَّجاةُ مِنَ العَسِيرِ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ العَقْلَ حاكِمٌ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ فَلا. واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ ومِنَ العَجِيبِ اسْتِدْلالُ بَعْضِهِمْ بِها عَلى أنَّهُ لا يُقالُ لِلْكافِرِ عاقِلٌ.

الملك 67:11

﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ الَّذِي هو كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ونَذُرِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ﴿فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ فَبَعُدا لَهم مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ «فَسُحْقًا» بِضَمِّ الحاءِ والسُّحْقُ مُطْلَقًا البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ أيْ سَحَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى سَحْقًا قالَ الشّاعِرُ: يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مَغْرِبًا وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصِّبا كُلَّ مُسْحَقِ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ إمّا فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِنَ المَزِيدِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما في قَوْلِهِ: وإنْ أهْلِكُ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي أيْ تَقْدِيرِي والتَّقْدِيرُ فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ سَحْقًا أيْ إسْحاقًا، أوْ بِفِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ أيْ فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَسُحِقُوا سَحْقًا كَما في قَوْلِهِ: وعَضَّةَ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مَسَحَتْ أوْ مُجَلَّفِ أيْ لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَسَحَتْ وإلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والزَّجاجُ، وبَعْدَ ثُبُوتِ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي كَما في البَيْتِ وبِهِ قالَ أبُو حَيّانٍ لا يَحْتاجُ إلى ما ذَكَرَ. واللّامُ في ﴿لأصْحابِ﴾ لِلتَّبْيِينِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يُوسُفَ: 23] وسَقْيًا لَكَ وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ تَغْلِيبٌ، ولَعَلَّ وجْهَهُ عِنْدَ القائِلِ وهو أنَّ السُّوقَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ فَسَحْقًا لَهم ولِأصْحابِ السَّعِيرِ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا أحْوال الشَّياطِينِ حَيْثُ قالَهُ سُبْحانَهُ ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ والأوْفَقُ بِقِراءَةِ النَّصْبِ والأبْعَدُ مِن شُبْهَةِ التَّكْرارِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ غَيْرُ الشَّياطِينِ ثُمَّ قالَ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ فَكَأنَّ السَّوْقُ يَقْتَضِي فَسُحْقًا لَهم ولِأصْحابِ السَّعِيرِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ لِأجْلِ التَّغْلِيبِ حَيْثُ أطْلَقَ أصْحابَ السَّعِيرِ عَلى الشَّياطِينِ والكُفّارِ جَمِيعًا. ولا يَضُرُّ في هَذا دَلالَةُ غَيْرِ آيَةٍ عَلى عَدَمِ اخْتِصاصِ أصْحابِ السَّعِيرِ بِالشَّياطِينِ بَلْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ أيْضًا لِأنَّهُ يَكْفِي في التَّغْلِيبِ الِاخْتِصاصُ المُتَبادِرُ مِنَ السَّوْقِ هُنا ولا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى عَدَمِ جَوازِ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ الشَّياطِينِ في شَيْءٍ مِنَ المَواضِعِ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لا حاجَةَ إلى التِزامِ اخْتِصاصِ أصْحابِ السَّعِيرِ بِالشَّياطِينِ أصْلًا ولَوْ بِحَسَبِ السَّوْقِ، بَلى يَكْفِي لِصِحَّةِ التَّوْجِيهِ كَوْنُهم أصِيلًا في دُخُولِ السَّعِيرِ والكُفّارُ مُلْحَقِينَ بِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ بِمَعْنى في عِدادِهِمْ وجُمْلَتِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الدّاخِلُ في السَّعِيرِ قِسْمَيْنِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ ذِكْرُهُما مَعًا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالسَّحْقِ كَما يَشْهَدُ بِهِ سِياقُ الآيَةِ، لَكِنَّهُ عَدَّلَ وغَلَّبَ صفحة 13 أصْحابَ السَّعِيرِ الدّالِّ عَلى الأصالَةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ التَّوابِعِ وذَكَرَ أنَّ في هَذا التَّغَلُّبِ إيجازًا وهو ظاهِرٌ، ومُبالَغَةً أيْ في الإبْعادِ إذْ لَوْ أُفْرِدَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالذِّكْرِ لَأمْكَنَ أنْ يُتَوَهَّمَ تَفاوُتُ الإبْعادَيْنِ بِأنْ يَكُونَ إبْعادُ الكَفَرَةِ دُونَ إبْعادِ الشَّياطِينِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ جَعْلُهُمُ الشَّياطِينَ أصِيلًا وأنْفُسَهم مُلْحَقَةً بِهِمْ، فَلَمّا ضُمُّوا إلَيْهِمْ في الحُكْمِ بِهِ دَلَّ عَلى أنَّ إبْعادَهم لَمْ يَقْصُرْ عَنْ إبْعادِ أُولَئِكَ وأيْضًا لَمّا غَلَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى أصْحابَ السَّعِيرِ وهُمُ الشَّياطِينُ عَلى الكُفّارِ فَقَدْ جَعَلَ الكَفّارَ مِن قَبِيلِ الشَّياطِينِ فَكَأنَّهم هم بِأعْيانِهِمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى وتَعْلِيلًا فَإنَّ تَرَقُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ وكَذا تَعَلُّقُهُ بِهِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَتِهِ لَهُ فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأنَّ الإبْعادَ حَصَلَ لَهم لِأجْلِ كَوْنِهِمْ أصْحابَ السَّعِيرِ. وقِيلَ في تَوْجِيهِ التَّغْلِيبِ وما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ غَيْرُ هَذا، وقَدْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المُشْكِلاتِ وغَدا مُعْتَرَكًا لِعُلَماءِ الرُّومِ وغَيْرِهِمْ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ إلى الأفْهامِ وأبْعَدُ عَنِ النِّزاعِ والخِصامِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الأفْهامِ.

الملك 67:12

﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ يَخافُونَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهم أوْ غائِبِينَ عَنْهُ أوْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ غَيْرَ مُرائِينَ أوْ بِما خَفِيَ مِنهم وهو قُلُوبُهم ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الأجْرِ لِأنَّ دَرْءَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ قِيلَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ.

الملك 67:13

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ خَطابٌ عامٌّ لِلْمُكَلَّفِينَ كَما في قَوْلِهِ أوَّلًا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ قالَ في الكَشْفِ أصْلُ الكَلامِ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنكم أيُّها المُكَلَّفُونَ المُبْتَلُونَ ولِلَّذِينَ يَخْشَوْنَ مِنكم فَقَطَعَ هَذا الثّانِي جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي يَقْطُرُ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ مَعَ أنَّ ذِكْرَهم بِالعَرْضِ وهو ماذا حالُ مَن أحْسَنُ عَمَلًا ومَن خَرَجَ مُمَحَّصًا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ إلَخِ فَأثْبَتَ لَهم كَمالَ العِلْمِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: 28] . وكَمالَ التَّقْوى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بِالغَيْبِ﴾ وفي هَذا القَطْعِ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى المَرْمُوزِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكُمْ﴾ المُتَّقِي تَخْصِيصًا لَهم بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ ولَوْ عُطِفَ لَدَلَّ عَلى التَّساوِي، ثُمَّ قِيلَ فاتَّقُوهُ في السِّرِّ والعَلَنِ ودُومُوا أنْتُمْ أيُّها الخاشِعُونَ عَلى خَشْيَتِكم وأنِيبُوا إلى الخَشْيَةِ والتَّقْوى أيُّها المُغْتَرُّونَ، واعْتَقِدُوا اسْتِواءَ أسْرارِكم وجَهْرِكم في عِلْمِ رَبِّكم فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ واخْشَوْهُ حَقَّ الخَشْيَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى هَذا المُضْمَرِ. وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ الكُفّارِ وجَزائِهِمْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وأسِرُّوا﴾ ﴿أوِ اجْهَرُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلى أصْحابِ السَّعِيرِ لِبُعْدِ العَهْدِ وزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ولِلْكافِرِينَ بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ثُمَّ قِيلَ مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتُ، وإسْرارُكم بِالقَوْلِ وجَهْرُكم بِهِ أيُّها الكافِرُونَ سِيّانِ فَلا تَفُوتُونَنا جَهَرْتُمْ بِالكُفْرِ والبَغْضاءِ، أوْ أبْطَنْتُمُوهُما فَهو مِن تَتِمَّةِ الوَعِيدِ ثُمَّ قالَ والأوَّلُ امْلَأُ بِالقَبُولِ انْتَهى ويَظْهَرُ لِي بُعْدُ الأوَّلِ ويُؤَيِّدُ الثّانِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ نَزَلَتْ ﴿وأسِرُّوا﴾ إلَخِ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَنالُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم كَيْلا يَسْمَعَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهم أسِرُّوا ذَلِكَ أوِ اجْهُرُوا بِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ. وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُبالَغَةُ في شُمُولِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كَأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يَجْهَرُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الجَهْرِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يَجْهَرُ بِهِ إلّا وهو أوْ مَبادِئُهُ مُضْمَرٌ في القَلْبِ غالِبًا فَتَعَلُّقُ عِلْمُهُ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لَهُ وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ ووَصْفُ الضَّمائِرِ بِصاحِبَتِها مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمِراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ صفحة 14 بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفارِقُها أصْلًا فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وتَجْهَرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذاتِ الصُّدُورِ القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها.

الملك 67:14

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَن فاعِلُ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مَن أوْجَدَ بِمُوجِبِ حِكْمَتِهِ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْلَمُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ ألا يَعْلَمُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ تَعالى المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ وقِيلَ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿خَلَقَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ وقُدِّرَ مَفْعُولُ يَعْلَمُ بِما سَمِعْتَ ولَمْ يَجْعَلِ الفِعْلَ مِن بابِ يُعْطِي ويَمْنَعُ لِمَكانِ هَذِهِ الحالِ عَلى ما قِيلَ إذْ لَوْ قُلْتَ ألا يَكُونُ عالِمًا مَن هو خالِقٌ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ لَمْ يَكُنْ مَعْنًى صَحِيحًا لِاعْتِمادِ ألا يَعْلَمُ عَلى الحالِ والشَّيْءُ لا يُوَقَّتُ بِنَفْسِهِ فَلا يُقالُ: ألا يَعْلَمُ وهو عالِمٌ، ولَكِنْ ألا يَعْلَمُ كَذا وهو عالِمٌ كُلَّ شَيْءٍ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّطِيفَ هو العالِمُ بِالخَفِيّاتِ فَيَكُونُ المَعْنى ألا يَكُونَ عالِمًا وهو عالِمٌ بِالخَفِيّاتِ وهو مُسْتَقِيمٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ لا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ البابِ وهو عَلى ما قَرَّرَهُ السَّكّاكِيُّ مُسْتَغْرِقٌ في المَقامِ الخِطابِيِّ ( واللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) مَن يُوَصِّلُ عِلْمَهُ إلى ما ظَهَرَ مَن خَلْقِهِ وما بَطَنَ فَهُما سَواءٌ في الِاسْتِغْراقِ والإطْلاقِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ غَيْرُ لازِمٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القَصَصِ: 23] . الآيَةُ ولَوْ سَلَّمَ فالوَجْهُ مُخْتَلِفٌ لِأنَّ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ الثّانِي لَيْسَ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ الأوَّلِ، فَإنَّ اللُّطْفَ لِلْعِلْمِ بِالخَفايا خاصَّةً ويَلْزَمُ العِلْمُ بِالجَلايا مِن طَرِيقِ الدَّلالَةِ، ثُمَّ إنَّ الغَزالِي اعْتَبَرَ في مَفْهُومِ اللَّطِيفِ مَعَ العِلْمِ بِخَفايا الأُمُورِ سُلُوكَ سَبِيلِ الرِّفْقِ في إيصالِ ما يُصْلِحُها فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ الخَبِيرِ بِناءً عَلى أنَّهُ العالِمُ بِالخَفايا أيْضًا. والوَجْهُ في الحاجَةِ إلى التَّقْدِيرِ كَما قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ﴾ تَذْيِيلٌ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَرَبْطُ المَعْنى أنَّ يُقالَ ﴿ألا يَعْلَمُ﴾ هَذا الخَفِيَّ أعْنِي قَوْلَكُمُ المُسَرَّ بِهِ أوْ ألا يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الخَفايا وجَلائِلَها جُمَلُها وتَفاصِيلُها، ولَوْ قِيلَ ألا يَكُونُ عالِمًا بَلِيغَ العِلْمِ مَن هو كَذا لَمْ يَرْتَبِطْ ولَكانَ فِيهِ عَيٌّ وقُصُورٌ وجَوَّزَ كَوْنَ مَن مَفْعُولَ خَلَقَ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانٍ أيْ ألا يَعْلَمُ مَخْلُوقَهُ وهَذِهِ حالُهُ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ إقامَةَ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الرَّبِّ وهو أدَلُّ عَلى المَحْذُوفِ أعْنِي السِّرَّ والجَهْرَ وتَعْمِيمُ المَخْلُوقِ المُتَناوِلِ لَهُما تَناوُلًا أوَّلِيًّا ولِهَذا قَدَّرُوا مَن خَلَقَ الأشْياءَ دَلالَةً عَلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ لِلتَّعْمِيمِ.

الملك 67:15

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ غَيْرَ صَعْبَةٍ يَسْهُلُ جِدًّا عَلَيْكُمُ السُّلُوكُ فِيها فَهو فَعَوْلٌ لِلْمُبالِغَةِ في الذُّلِّ مِن ذُلٍّ بِالضَّمِّ ويُكْسَرُ ضِدَّ الصُّعُوبَةِ، ويُسْتَعْمَلُ المَضْمُومُ فِيما يُقابِلُ العِزَّ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ القامُوسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَذْلُولَةٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ وإنَّما يُعَدّى بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ فَلا يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، واسْتَظْهَرَ أنْ مَذْلُولَةً خَطَأٌ وقالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُونَ لِلدّابَّةِ إذا كانَتْ مُنْقادَةً غَيْرَ صَعْبَةٍ ذَلُولٌ مِنَ الذِّلِّ بِالكَسْرِ وهو سُهُولَةُ الِانْقِيادِ وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ وقِيلَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وتَقْدِيمٌ لَكم عَلى مَفْعُولَيِ الجَعْلِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُما لِلِاهْتِمامِ بِما قَدَّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أخَّرَ فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ تُبْقِي النَّفْسَ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ ذِكْرِهِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الجَعْلِ المَذْكُورِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها فَصِيحَةٌ والمُرادُ بِمَناكِبِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما: جِبالُها. وقالَ الحَسَنُ: طُرُقُها وفِجاجُها. وأصْلُ المَنكِبِ مُجْتَمَعُ ما بَيْنَ العَضُدِ والكَتِفِ، واسْتِعْمالُهُ فِيما ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّحْقِيقِيَّةِ وهي قَرِينَةُ المَكْنِيَّةِ في الأرْضِ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِالبَعِيرِ كَما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ تَكُونُ مَكْنِيَّةً وقَدْ ذَكَرَ طَرَفُها الآخَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلُولا﴾ قُلْتُ: هو بِتَقْدِيرِ أرْضًا ذَلُولًا فالمَذْكُورُ جِنْسُ الأرْضِ المُطْلَقُ، والمُشَبَّهُ هو صفحة 15 الفَرْدُ الخارِجِيُّ وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فَيَجُوزُ كَوْنُ ذَلُولًا اسْتِعارَةً، والمَكْنِيَّةُ حِينَئِذٍ هي مَدْلُولُ الضَّمِيرِ لا المُصَرَّحُ بِها في النَّظْمِ الكَرِيمِ والمانِعُ مِنَ الِاسْتِعارَةِ ذِكْرُ المُشَبَّهِ بِعَيْنِهِ لا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. وفِي الكَشّافِ: المَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ وإنْباهٌ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ بَقِيَّةً مِنَ التَّذْلِيلِ، والمُرادُ أنَّهُ لَيْسَ هُنا أمْرٌ بِالمَشْيِ حَقِيقَةً وإنَّما القَصْدُ بِهِ إلى جَعْلِهِ مَثَلًا لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ سَواءٌ كانَتِ المَناكِبُ مُفَسَّرَةً بِالجِبالِ أوْ غَيْرِها وسَواءٌ كانَ ما قَبْلُ اسْتِعارَةً أوْ تَشْبِيهًا ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ انْتَفَعُوا بِما أنْعَمَ جَلَّ شَأْنُهُ وكَثِيرًا ما يُعَيِّرُ عَنْ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِالأكْلِ لِأنَّهُ الأهَمُّ الأعَمُّ. وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أيِ التَمِسُوا مِن نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ الأكْلَ مَجازٌ عَنِ الِالتِماسِ مِن قَبِيلِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى (اِمْشُوا) وجَوَّزَ بَعْضٌ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ ولَيْسَ بِذاكَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى نَدْبِ التَّسَبُّبِ والكَسْبِ. وفِي الحَدِيثِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ العَبْدَ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ»» وهَذا لا يُنافِي التَّوَكُّلَ. بَلْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْمٍ فَقالَ: مَن أنْتُمْ؟ فَقالُوا: المُتَوَكِّلُونَ. قالَ: أنْتُمُ المُتّاكِلُونَ، إنَّما المُتَوَكِّلُ رَجُلٌ ألْقى حَبَّهُ في بَطْنِ الأرْضِ وتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَمامُ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ في مَحَلِّهِ. والمَشْهُورُ أنَّ الأمْرَ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإباحَةِ وجَوَّزَ كَوَّنَهُ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ لِأنَّ مِنَ المَشْيِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ ما هو واجِبٌ كَما لا يَخْفى. ﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيِ المَرْجِعُ بَعْدَ البَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَبالِغُوا في شُكْرِ نِعَمِهِ الَّتِي مِنها تَذْلِيلُ الأرْضِ وتَمْكِينُكم مِنها وبَثُّ الرِّزْقِ فِيها، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ جَوازُ عَوْدِ ضَمِيرِ رِزْقِهِ عَلى الأرْضِ بِاعْتِبارِ أنَّها مَبْدَأٌ أوْ عُنْصُرٌ مِنَ العَناصِرِ، أوْ ذَلُولٌ وهو يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ أيْ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي خَلَقَ عَلَيْها، وكَذا ضَمِيرُ إلَيْهِ أيْ وإلى الأرْضِ نَشُورُكم ورُجُوعُكم فَتَخْرُجُونَ مِن بُيُوتِكم وقُصُورِكم إلى قُبُورِكم. وجُمْلَةُ إلَيْهِ النُّشُورُ قِيلَ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ بَعْدَ مُلاحَظَةِ ما تَرَتَّبُ عَلَيْها وقِيلَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المَرْفُوعِ فَتَدَبَّرْ.

الملك 67:16

﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ فَقِيلَ عَلى تَأْوِيلِ ﴿مَن في السَّماءِ﴾ أمْرُهُ سُبْحانَهُ وقَضاؤُهُ يَعْنِي أنَّهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ أوْ أنَّ فِيهِ مُضافًا مُقَدَّرًا وأصْلُهُ مَن في السَّماءِ أمْرُهُ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ارْتَفَعَ واسْتَتَرَ. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ خالِقِ مَن في السَّماءِ وقِيلَ: ﴿فِي﴾ بِمَعْنى عَلى ويُرادُ العُلُوُّ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ العَرَبِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( أأمِنتُمْ ) مَن تَزْعُمُونَ أنَّهُ ﴿فِي السَّماءِ﴾ وهو مُتَعالٍ عَنِ المَكانِ وهَذا في غايَةِ السَّخافَةِ فَكَيْفَ يُناسِبُ بِناءُ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ عَلى زَعْمِ بَعْضِ زَعْمِ الجَهَلَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، أوْ هو غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُوَكَّلُونَ بِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وقِيلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَلِكُ المُوَكَّلُ بِالخَسْفِ، وأئِمَّةُ السَّلَفِ لَمْ يَذْهَبُوا إلى غَيْرِهِ تَعالى والآيَةُ عِنْدَهم مِنَ المُتَشابِهِ. وقَدْ قالَ ﷺ: ««آمَنُوا بِمُتَشابِهِهِ»» . ولَمْ يَقُلْ أوَّلُوهُ فَهم مُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) في السَّماءِ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ مَعَ كَمالِ التَّنْزِيهِ، وحَدِيثُ الجارِيَةِ مِن أقْوى الأدِلَّةِ لَهم في هَذا البابِ وتَأْوِيلُهُ بِما أوَّلَ ابْنُ الخَلَفِ خُرُوجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ عِنْدَ أُولِي الألْبابِ. وفي فَتْحِ البارِي لِلْحافِظِ ابْنِ حَجْرٍ أُسْنِدَ الَّلكائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: اتِّفاقُ الفُقَهاءِ كُلِّهِمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ والأحادِيثِ الَّتِي جاءَتْ بِها الثِّقاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صِفَةِ الرَّبِّ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ولا تَفْسِيرٍ. وأسْنَدَ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيَنْةَ: كُلُّ ما وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ فَتَفْسِيرُهُ تِلاوَتُهُ والسُّكُوتُ عَنْهُ وهَذِهِ طَرِيقَةُ صفحة 16 الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الرِّسالَةِ النِّظامِيَّةِ: اخْتَلَفَ مَسالِكُ العُلَماءِ في هَذِهِ الظَّواهِرِ فَرَأى بَعْضُهم تَأْوِيلَها والتَزَمَ ذَلِكَ في آيِ الكِتابِ وما يَصِحُّ مِنَ السُّنَنِ، وذَهَبَ أئِمَّةُ السَّلَفِ إلى الِانْكِفافِ عَنِ التَّأْوِيلِ وإجْراءِ الظَّواهِرِ عَلى مَوارِدِها وتَفْوِيضِ مَعانِيها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ عَقِيدَةً اتِّباعُ سَلَفِ الأُمَّةِ لِلدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، فَلَوْ كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّواهِرِ حَتْمًا لَأوْشَكَ أنْ يَكُونَ اهْتِمامُهم بِهِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، إذِ انْصَرَمَ عَصْرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى الإضْرابِ عَنِ التَّأْوِيلِ كانَ ذَلِكَ هو الوَجْهَ المُتَّبَعَ انْتَهى كَلامُ الإمامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ في ذَلِكَ عَنْ أهْلِ العَصْرِ الثّالِثِ وهم فُقَهاءُ الأمْصارِ كالثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ ومالِكٍ واللَّيْثِ ومَن عاصَرَهم وكَذا مَن أخَذَ عَنْهم مِنَ الأئِمَّةِ، فَكَيْفَ لا يُوثَقُ بِما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ وهم خَيْرُ القُرُونِ بِشَهادَةِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ انْتَهى كَلامُ الحافِظِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ. ونَقَلَ نُصُوصَ الأئِمَّةِ في إجْراءِ ذَلِكَ عَلى الظّاهِرِ مَعَ التَّنْزِيهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ يُفْضِي إلى مَزِيدِ بَسْطٍ وتَطْوِيلٍ وقَدْ أُلِّفَتْ فِيهِ كُتُبٌ مُعْتَبَرَةً مُطَوَّلَةٌ ومُخْتَصَرَةٌ. وفي تَنْبِيهِ العُقُولِ لِشَيْخِ مَشايِخِنا إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّ إجْماعَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ عَلى إجْراءِ المُتَشابِهاتِ عَلى مَوارِدِها مَعَ التَّنْزِيهِ بِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: 11] دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشّارِعَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ أرادَ بِها ظَواهِرَها والجَزْمُ بِصِدْقِهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى نَقِيضِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ تَوَهَمَهُ العاقِلُ في طَوْرِ النَّظَرِ والفِكْرِ. فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا النَّحْوِ مِنَ الصِّفاتِ طَوْرٌ وراءَ ذَلِكَ انْتَهى. وأنا أقُولُ في التَّأْوِيلِ اتِّباعُ الظَّنِّ وقَوْلُ في اللَّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) بِغَيْرِ عِلْمٍ وإلّا لاتَّحَدَ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ المَعْنى فِيهِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ حَيْثُ يَذْكُرُونَ في تَأْوِيلِ شَيْءٍ واحِدٍ وُجُوهًا مِنَ الِاحْتِمالاتِ وفِيما عَلَيْهِ السَّلَفُ سَلامَةٌ مِن ذَلِكَ ويَكْفِي هَذا في كَوْنِهِ أحْسَنَ المَسالِكِ. وما ( عَلَيَّ ) إذا ما قُلْتُ مُعْتَقَدِي دَعِ الجَهُولَ يَظُنُّ الجَهْلَ عُدْوانًا وقَرَأ نافِعٌ «أأمِنتُمْ» بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ الأُولى وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ وأدْخَلَ أبُو عَمْرٍو وقالُونَ بَيْنَهُما ألِفًا. وقَرَأ قُنْبُلٌ بِإبْدالِ الأُولى واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها وهو راءُ النُّشُورِ وعَنْهُ وعَنْ ورْشٍ غَيْرُ ذَلِكَ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( مَن ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ مِن أنْ يَخْسِفَ ومَحَلُّهُ حِينَئِذٍ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والأرْضُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَخْسِفَ والخَسْفُ قَدْ يَتَعَدّى قالَ الرّاغِبُ يُقالُ خَسَفَهُ اللَّهُ تَعالى وخَسَفَ هو قالَ تَعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القَصَصِ: 81] . أيْ أأمِنتُمْ مِن أنْ يُذْهِبَ الأرْضَ إلى سُفْلٍ مُلْتَبِسَةً بِكم وزَعَمَ بَعْضُهم لُزُومَ لُزُومِهِ وأنَّ ﴿الأرْضَ﴾ نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أنْ يَخْسِفَ بِكم في الأرْضِ ولَيْسَ كَذَلِكَ ﴿فَإذا هِيَ﴾ حِينَ الخَسْفِ ﴿تَمُورُ﴾ تَرْتَجُّ وتَهْتَزُّ اهْتِزازًا شَدِيدًا، وأصْلُ المَوْرِ التَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ.

الملك 67:17

﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ إضْرابٌ عَنِ الوَعِيدِ بِما تَقَدَّمَ إلى الوَعِيدِ بِوَجْهٍ آخَرَ أيْ بَلْ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ إلَخِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الحاصِبِ والوَعِيدِ بِالخَسْفِ أوَّلًا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الأرْضِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ وقَدْ ذَكَرَ المِنَّةَ في تَسْهِيلِ المَشْيِ في مَناكِبِها وذِكْرِ إرْسالِ الحاصِبِ ثانِيًا وهَذا في مُقابَلَةِ الِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّارِياتِ: 22] قالَهُ في الكَشْفِ. وفِي غُرَّةِ التَّنْزِيلِ لِلرّاغِبِ في وجْهِ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ بِالخَسْفِ عَلى التَّوَعُّدِ بِالحاصِبِ إنَّهُ لَمّا كانَتِ الأرْضُ الَّتِي مَهَّدَها سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم لِاسْتِقْرارِهِمْ يَعْبُدُونَ فِيها خالِقَها فَعَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي هي شَجَرُها أوْ حَجَرُها خُوِّفُوا بِما هو أقْرَبُ إلَيْهِمْ، والتَّخْوِيفُ بِالحاصِبِ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَصاعِدُ كَلِمِهِمُ الطَّيِّبَةِ ومَعارِجُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لِأجْلِ أنَّهم بَدَّلُوهُما بِسَيِّئاتِ كُفْرِهِمْ وقَبائِحِ أعْمالِهِمْ، ولَعَلَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ إنْذارِي فَنَذِيرٌ مَصْدَرٌ مِثْلُهُ في قَوْلِ حَسّانٍ: صفحة 17 فَأُنْذِرُ مِثْلَها نُصْحًا قُرَيْشًا مِنَ الرَّحْمَنِ إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي وهُوَ مُضافٌ إلى ياءِ الضَّمِيرِ والقُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيها فَمِنهم مَن حَذَفَها وصْلًا وأثْبَتَها وقْفًا ومِنهم مَن حَذَفَها في الحالَيْنِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، والمَعْنى فَسَتَعْلَمُونَ ما حالُ إنْذارِي وقُدْرَتِي عَلى إيقاعِهِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِلْمُنْذَرِ بِهِ ولَكِنْ لا يَنْفَعُكُمُ العِلْمُ حِينَئِذٍ وقُرِئَ شاذًّا «فَسَيَعْلَمُونَ» بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

الملك 67:18

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وأضْرابُهم والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِإبْرارِ الإعْراضِ عَنْهم ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ أيْ كانَ عَلى غايَةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهَذا هو مَوْرِدُ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ لا تَكْذِيبُهم فَقَطِ الكَلامُ في ﴿نَكِيرِ﴾ كالكَلامِ في ﴿نَذِيرِ﴾ وفي الكَلامِ مِنَ المُبالَغَةِ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ ما لا يَخْفى.

الملك 67:19

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أغْفَلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا ﴿إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها أعْنِي ما تَقَدَّمَ مِن رِيشِها صَفًّا ونَصْبُ ﴿صافّاتٍ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أوْ مِن ضَمِيرِها في ﴿فَوْقَهُمْ﴾ وهو في مَوْضِعِ الحالِ فَتَكُونُ الحالُ مُتَداخِلَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصافّاتٍ أوْ لِيَرَوْا ومَفْعُولُ صافّاتٍ عَلى الِاحْتِمالاتِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وناسَبَ ذِكْرُ الِاعْتِبارِ بِالطَّيْرِ ذِكْرَ التَّوَعُّدِ بِالحاصِبِ لا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِالحِجارَةِ إذْ قَدْ أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أصْحابَ الفِيلِ حِينَما رَمَتْهم بِهِ الطَّيْرُ، فَفي ذَلِكَ إذْكارُ قُرَيْشٍ بِتِلْكَ القِصَّةِ ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ويَضْمُمْنَ أجْنِحَتَهُنَّ إذا ضَرَبْنَ بِها جَنُوبَهُنَّ والعَطْفُ عَلى ﴿صافّاتٍ﴾ لِأنَّ المَعْنى يَصْفُفْنَ ويَقْبِضْنَ، أوْ صافّاتٍ وقابِضاتٍ وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ في مِثْلِهِ فَصِيحٌ شائِعٌ وعَكْسُهُ جائِزٌ حَسَنٌ إلّا عِنْدَ السُّهَيْلِيِّ فَإنَّهُ عِنْدَهُ قَبِيحٌ نَحْوَ قَوْلِهِ: باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبِ باتِرٍ يَقْصِدُ في أسُوقُها وجائِرِ فَإنَّهُ أرادَ قاصِدٌ وجائِرٌ ولَمّا كانَ أصْلُ الطَّيَرانِ هو صَفُّ الأجْنِحَةِ لِأنَّ الطَّيَرانَ في الهَواءِ كالسِّباحَةِ في الماءِ، والأصْلُ فِيها مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها وكانَ القَبْضُ طارِئًا عَلى البَسْطِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، جِيءَ بِما هو طارَ غَيْرَ أصْلٍ بِلَفْظِ الفِعْلِ وبِما هو أصْلٌ بِلَفْظِ الِاسْمِ عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ صافّاتٌ ويَكُونُ مِنهُنَّ القَبْضُ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ ويَتَجَدَّدُ حِينًا إثْرَ حِينٍ كَما يَكُونُ مِنَ السّابِحِ ما ﴿يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ عِنْدَ الصَّفِّ والقَبْضِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى طَبِيعَةِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ مِنَ النُّزُولِ إلى الأرْضِ والِانْجِذابِ إلَيْها﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ الواسِعُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيْثُ بَرَّأهُنَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى أشْكالٍ وخَصائِصَ وألْهَمَهُنَّ حَرَكاتٍ قَدْ تَأتّى مِنها الجَرْيُ في الهَواءِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَقْبِضْنَ ) وقَرَأ الزَّهْرِيُّ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ دَقِيقُ العِلْمِ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفِيَّةَ إبْداعِ المُبْدِعاتِ وتَدْبِيرَ المَصْنُوعاتِ ومَن هَذا خَلْقُهُ عَزَّ وجَلَّ لِلطَّيْرِ عَلى وجْهٍ تَأتّى بِهِ جَرْيُهُ في الجَوِّ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعالى أنْ يُجْرِيَهُ فِيهِ بِدُونِ ذَلِكَ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ رَبْطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها، ولَيْسَ فِيما ذَكَرْنا نُزُوعٌ إلى ما يَضُرُّ مِن أقْوالِ أهْلِ الطَّبِيعَةِ لِأنَّ كَوْنَ طَبِيعَةِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ ما سَمِعْتَ أمْرٌ مَحْسُوسٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن كابَرَ حِسَّهُ، ومَثَلُهُ كَوْنُ الإمْساكِ بِالسَّبَبِ السّابِقِ وكَوْنُهُ سَبَبًا مِن آثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى الواسِعَةِ. وأبى ذَلِكَ أبُو حَيّانٍ تَوَهُّمًا مِنهُ أنَّهُ نُزُوعٌ إلى ما يَضُرُّ مِن أقْوالِ أهْلِ الطَّبِيعَةِ وقالَ: نَحْنُ نَقُولُ إنَّ أثْقَلَ الأشْياءِ إذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إمْساكَهُ في الهَواءِ واسْتِعْلاءَهُ إلى العَرْشِ كانَ ذَلِكَ، وإذا أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ إنْزالَ ما هو أخَفُّ سُفْلًا إلى مُنْتَهى ما يَنْزِلُ كانَ أيْضًا ولَيْسَ ذَلِكَ لِشَكْلٍ أوْ ثِقْلٍ أوْ خِفَّةٍ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وأنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى السَّبَبِ عَقْلًا بَيْدَ أنا نَقُولُ إنَّهُ تَعالى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ في هَذا العالَمِ ذَلِكَ الرَّبْطَ، وهو أمْرٌ عادِيٌّ اخْتارَهُ تَعالى حِكْمَةً وتَفَضُّلًا ولَوْ صفحة 18 شاءَ جَلَّ وعَلا غَيْرَهُ لَكانَ كَما شاءَ وتَقْدِيمُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى ﴿بَصِيرٌ﴾ لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُ عَدَمَ شُمُولِ عِلْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ.

الملك 67:20

﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ كَثِيرٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ فَقالَ في الإرْشادِ هو تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم ناصِرٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى كَما يَلُوحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ما ﴿يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ﴾ أوْ ناصِرٌ مِن عَذابِهِ تَعالى كَما هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنْبِياءِ: 43] في المَعْنَيَيْنِ مَعًا خَلا أنَّ الِاسْتِفْهامَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْسِ المانِعِ وتَحَقُّقُهُ هُنا مُتَوَجِّهٌ إلى تَعْيِينِ النّاصِرِ لِتَبْكِيَتِهِمْ بِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِهِ و(أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ التَّأمُّلِ فِيما يُشاهِدُونَهُ مِن أحْوالِ الطَّيْرِ المُنْبِئَةِ عَنْ تَعاجِيبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى التَّبْكِيتِ بِما ذَكَرَ والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَقْدِيرِ الهَمْزَةِ مَعَها لِأنَّ بَعْدَها مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةَ والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ عَلى الِاسْتِفْهامِ في المَعْرُوفِ عِنْدَهم وهي مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُهُ وفي المَوْصُولِ هُنا الِاحْتِمالاتُ المَشْهُورَةُ في مِثْلِهِ. وجُمْلَةُ ( يَنْصُرُكم ) صِفَةٌ لِجُنْدٍ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ ( ومِن دُونِ الرَّحْمَنِ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ وعَلى الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِيَنْصُرُكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ﴾ [هُودٍ: 63] فالمَعْنى مَن هَذا الحَقِيرُ الَّذِي هو في زَعْمِكم جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مُتَجاوِزًا نَصْرَ الرَّحْمَنِ أوْ يَنْصُرُكم نَصْرًا كائِنًا مَن دُونِ نَصْرِهِ تَعالى أوْ يَنْصُرُكم مِن عَذابٍ كائِنٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما هم فِيهِ مِن غايَةِ الضَّلالِ أيْ ما هم في زَعْمِهِمْ أنَّهم مَحْفُوظُونَ مِنَ النَّوائِبِ بِحِفْظِ آلِهَتِهِمْ لا بِحِفْظِهِ تَعالى فَقَطْ، وأنَّ آلِهَتَهم تَحَفُّظُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى إلّا في غُرُورٍ عَظِيمٍ وضَلالٍ فاحِشٍ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ لَيْسَ لَهم في ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ في الجُمْلَةِ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمُ الإعْراضَ عَنْهم وبَيانِ قَبائِحِهِمْ لِلْغَيْرِ والإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ غُرُورِهِمْ بِهِ.

الملك 67:21

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿رِزْقَهُ﴾ بِإمْساكِ المَطَرِ وسائِرُ مَبادِئِهِ كالَّذِي مَرَّ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ إلَخِ مُنْبِئٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ أثَرُ التَّبْكِيتِ والتَّعْجِيزِ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِذَلِكَ ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ بَلْ لَجُّوا وتَمادَوْا ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ في عِنادٍ واسْتِكْبارٍ وطُغْيانٍ ﴿ونُفُورٍ﴾ شِرادٍ عَنِ الحَقِّ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ ناصِرَ الدِّينِ أمْ مَن هَذا الَّذِينَ هو إلَخِ عَدِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَلى مَعْنى ألَمْ يَنْظُرُوا في أمْثالِ هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ والإمْساكِ وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ فَلَمْ يَعْلُمُوا قُدْرَتَنا عَلى تَعْذِيبِهِمْ بِنَحْوِ خَسْفٍ وإرْسالِ حاصِبٍ أمْ لَكم جُنْدٌ يَنْصُرُكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرْسَلَ عَلَيْكم عَذابَهُ. وقالَ إنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرِجَ الِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ مَن يَنْصُرُهم إشْعارًا بِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا هَذا القِسْمَ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ إلَخِ عَلى مَعْنى أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ ويُقالُ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم فَقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ في الأُولى (أمْ مُتَّصِلَةً و(مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وجَعَلَ في الثّانِيَةِ (أمْ مُنْقَطِعَةً و(مَن مَوْصُولَةٌ ( وهَذا الَّذِي ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ واقِعٌ صِلَةً عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ وقَدَّرَ لِاسْتِهْجانِ أنْ يُقالَ الَّذِي هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم ويَجْعَلُ هَذا قائِمًا مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ ومَن قِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ رازِقٍ لَكُمْ، وكَأنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى صِحَّةِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ. وحَدِيثُ لُزُومِ اجْتِماعِ الاسْتِفْهامَيْنِ في بَعْضِ الصُّوَرِ ودُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ لَيْسَ بِضائِرٍ إذْ لا مانِعَ مِنَ اجْتِماعِ الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا قُصِدَ التَّأْكِيدُ وقَدْ نَقَلَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ عَنْ جَمِيعِ البَصْرِيِّينَ أنَّ أمَ المُنْقَطِعَةَ أبَدًا بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ أيْ ولَوْ دَخَلَتْ عَلى اسْتِفْهامٍ نَحْوَ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ﴾ [الرَّعْدِ: 16] و﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: 84] . صفحة 19 ومَذْهَبُ غَيْرِهِمْ أنَّها قَدْ تَأْتِي بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ المُجَرَّدِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وأنَّها قَدْ تَأْتِي لِلْإضْرابِ المُجَرَّدِ وقَدْ تَتَضَمَّنُهُ والِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أوِ الطَّلَبِيِّ. والزَّمَخْشَرِيُّ قالَ في المَوْضِعَيْنِ: أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ ويُقالُ هَذا الَّذِي وجَوَّزَ في هَذا أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَفْرُوضٍ وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى جَمِيعِ الأوْثانِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يُحْفَظُونَ مِنَ النَّوائِبِ ويُرْزَقُونَ بِبَرَكَةِ آلِهَتِهِمْ، فَكَأنَّهُمُ الجُنْدُ والنّاصِرُ والرّازِقُ والآيَةُ عَلى هَذا لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَلى ما حَقَّقَهُ صاحِبُ الكَشْفِ قالَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ كَلامَهُ: إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ﴾ مُتَعَلِّقًا بِحَدِيثِ الخَسْفِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ بِحَدِيثِ إرْسالِ الحاصِبِ عَلى سَبِيلِ النَّشْرِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ فَتَضْطَرِبُ نافِرَةً بَعْدَ ما كانَتْ في غايَةِ الذِّلَّةِ عَقَّبَ بِقَوْلِ أمْ آمَنَكُمُ الفَوْجُ الَّذِي هو في زَعْمِكم هو جُنْدٌ لَكم يَمْنَعُكم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى وبَأْسِهِ عَلى أنَّ (أمْ مُنْقَطِعَةٌ والِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ، وكَذَلِكَ لَمّا قِيلَ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ بَدَلَ ما يُرْسِلُ عَلَيْكم رَحْمَتَهُ ذَنَبَ بِقَوْلِ أمْ آمَنَكُمُ الَّذِي تَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ يَرْزُقُكم. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فاعْتِراضٌ يَشُدُّ مِن عَضُدِ التَّحْذِيرِ وأنَّ في الأُمَمِ الماضِينَ المَخْسُوفِ بِهِمْ والمُرْسَلِ عَلَيْهِمُ الحَواصِبُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَسْلُبُهُمُ الطُّمَأْنِينَةَ والوَقارَ لَوِ اعْتَبَرُوا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ تَصْوِيرٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ وإنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ كانَ الخَسْفُ وإرْسالُ الحاصِبِ عَلَيْهِ أهْوَنَ شَيْءٍ، وفِيهِ كَما أنَّهُ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ أمْسَكَ الطَّيْرَ كَذَلِكَ إمْساكُهُ العَذابَ وإلّا فَهَؤُلاءِ يَسْتَحِقُّونَ كُلَّ نَكالٍ، وفي الإتْيانِ بِهَذا مِنَ التَّحْقِيرِ الدّالِّ عَلى تَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وتَقْدِيرِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى الزَّعْمِ والتَّأْكِيدِ بِالمَوْصُولَيْنِ الدّالِّ عَلى تَأكُّدِ اعْتِقادِهِمْ في ذَلِكَ الباطِلِ إنْ كانَ إشارَةً إلى الأصْنامِ أوْ كَمالِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَأنَّهم مُحَقَّقُونَ مَعْلُومُونَ إنْ كانَ إشارَةً إلى فَوْجٍ مَفْرُوضٍ لِأنَّ حالَهم في الأمْنِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وهَذا أبْلَغُ ولِذا قَدَّمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ويَلُوحُ الإعْجازُ التَّنْزِيلِيُّ كَأنَّهُ رَأْيُ العَيْنِ ثُمَّ قالَ: فَهَذا ما هُدِيتُ إلَيْهِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ الِاعْتِرافَ مِن تَيّارِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَهُ رِجالٌ ما أبْعَدَ مِثْلِي عَنْهم ولَكِنْ أتَسَلّى بِقَوْلِ إمامِنا الشّافِعِيِّ: أُحِبُّ الصّالِحِينَ ولَسْتُ مِنهُمْ انْتَهى ولَعَمْرِي قَدْ أبْدَعَ وتَبَوَّأ ما قالَهُ مِنَ القَبُولِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ المَحَلَّ الأرْفَعَ ويُعْجِبُنِي طَرْفٌ تَدِرُّ دُمُوعُهُ. عَلى فَضْلِهِ العالِي فَلِلَّهِ دَرُّهُ. وظاهِرُهُ أنَّ مَن في المَوْضِعَيْنِ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أعْنِي أمَّنَكم لا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَما قِيلَ فِيما سَبَقَ وقَدْ جَوَّزَ في الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ وهو أنْ يَكُونَ مَن خَبَرًا مُقَدَّمًا وهَذا مُبْتَدَأٌ ورَجَّحَ عَلى ما مَرَّ مَن عَكَسَهُ بِأنَّهُ سالِمٌ عَمّا فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ وجَوازُهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ أوْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ في الأُولى «أمَن» بِتَخْفِيفِ المِيمِ وشَدَّدَ في الثّانِيَةِ كالجَماعَةِ.

الملك 67:22

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُشْرِكِ والمُوَحَّدِ تَوْضِيحًا لِحالَيْهِما في الدُّنْيا وتَحْقِيقًا لِشَأْنِ مَذْهَبَيْهِما والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذَلِكَ عَلى ما ظَهَرَ مِن سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ وخَرُورِهِمْ في مَهاوِي الغُرُورِ ورُكُوبِهِمْ مَتْنَ عَشْواءِ العُتُوِّ والنُّفُورِ، فَإنَّ تَقَدُّمَ الهَمْزَةِ عَلَيْها صُورَةٌ إنَّما هو لِاقْتِضاءِ الصَّدارَةِ، وأمّا بِحَسْبَ المَعْنى فالمَعْنى بِالعَكْسِ عَلى ما هو المَشْهُورُ حَتّى لَوْ كانَ مَكانَ الهَمْزَةِ هَلْ لَقِيلَ فَهَلْ مَن يَمْشِي إلَخِ و(مَن مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ ( ويَمْشِي ) صِلَتُهُ ( ومُكِبًّا ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ. وعَلى وجْهِهِ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُكِبًّا أوْ مُسْتَقِرٌّ حالٌ والأوَّلُ أوْلى ( وأهْدى ) خَبَرُ مَن و(مَنِ الثّانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى وهو مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ كَما في قَوْلِكَ أزِيدٌ أفْضَلُ أمْ عَمْرٌو، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ الأُولى عَلَيْهِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ لِما سَمِعْتَ. والمُكِبُّ السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ يُقالُ: أكَبَّ ( خَرَّ ) عَلى صفحة 20 وجْهِهِ وهو مِن بابِ الأفْعالِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ لازِمٌ وثُلاثِيُّهُ مُتَعَدٍّ فَيُقالُ: ( كَبَّهُ ) اللَّهُ تَعالى فَأكَبَّ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ ولَهُ نَظائِرُ يَسِيرَةٌ كَأمَرَّتِ النّاقَةُ دَرَّتْ ومَرَّ تِيهًا وأشْنَقَ البَعِيرُ رَفَعَ رَأسَهُ وشَنَقْتُهُ، وأقْشَعَ الغَيْمُ وقَشَعَتْهُ الرِّيحُ أيْ أزالَتْهُ وكَشَفَتْهُ، وأنْزَفَتِ البِئْرُ ونَزَفْتُها أخْرَجَتْ ماءَها، وأنْسَلَ رِيشُ الطّائِرِ ونَسَلْتُهُ. وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّحْقِيقُ أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ فَمَعْنى أكَبَّ صارَ ذا كَبٍّ ودَخَلَ فِيهِ كَما في ألْأمَ إذا صارَ لَئِيمًا وانْفَضَّ إذا صارَ نافِضًا لِما في مُزَوَّدَتِهِ ولَيْسَتْ لِلْمُطاوَعَةِ، ومُطاوِعُ كَبَّ إنَّما هو انْكَبَّ وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدِهِ في المُحْكَمِ تَبَعًا لِلْجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ، وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ وأكْثَرُ شُرّاحِ المُفَصَّلِ إلّا أنَّ كَلامَ بَعْضِ الأجِلَّةِ ظاهِرٌ في التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُطاوَعَةِ والصَّيْرُورَةِ، وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَبَّهُ اللَّهُ تَعالى وأكَبَّهُ بِالتَّعْدِيَةِ وفي القامُوسِ ما هو نَصٌّ فِيهِ وعَلَيْهِ لا مُخالَفَةَ لِلْقِياسِ، والمَعْنى أفَمَن يَمْشِي وهو يَعْثُرُ في كُلِّ ساعَةٍ ( ويَخِرُّ ) عَلى وجْهِهِ في كُلِّ خُطْوَةٍ لِتَوَعُّرِ طَرِيقِهِ واخْتِلافِ أجْزائِهِ بِانْخِفاضِ بَعْضٍ وارْتِفاعِ بَعْضٍ آخَرَ أهْدى وأرْشَدُ إلى المَقْصِدِ الَّذِي يَؤُمُّهُ أمْ مَن يَمْشِي قائِمًا سالِمًا مِنَ الخَبْطِ والعِثارِ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِي الأجْزاءِ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا انْحِرافَ؟ ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَرِيقِ الكافِرِ بَلْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِما دَلَّ عَلى تَوَعُّرِهِ وعَدَمِ اسْتِقامَتِهِ، أعْنِي مُكِبًّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما عَلَيْهِ لا يَلِيقُ أنْ يُسَمّى طَرِيقًا. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّوِيَّ بِمُسْتَوِي الجِهَةِ قَلِيلِ الِانْحِرافِ عَلى أنَّ المُكِبَّ المُتَعَسِّفَ الَّذِي يَنْحَرِفُ هَكَذا وهَكَذا وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَصِيرُ كالمُكَرَّرِ وأفْعَلُ هُنا مَثَّلَهُ عَلى ما في البَحْرِ في قَوْلِكَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ. والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمُرادُ العُمُومُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ والضَّحاكِ. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ مُخْبِرَةً عَنْ حالِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في الآخِرَةِ فالكُفّارُ يَمْشُونَ فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ والمُؤْمِنُونَ يَمْشُونَ عَلى اسْتِقامَةٍ. ورُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ الَّذِي أمْشاهُ في الدُّنْيا عَلى رِجْلَيْهِ قادِرٌ عَلى أنْ يُمَشِّيَهُ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ»» . وعَلَيْهِ فَلا تَمْثِيلَ وقِيلَ المُرادُ بِالمُكِبِّ الأعْمى وبِالسَّوِيِّ البَصِيرُ وذَلِكَ إمّا مِن بابِ الكِنايَةِ أوْ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ وهو لا يَأْبى جَعْلَهُ بَعْدُ تَمْثِيلًا لِمَن سَمِعْتَ كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ. .

الملك 67:23

﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيِ القُلُوبَ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تِلْكَ النِّعَمَ كَأنْ تَسْتَعْمِلُونَ السَّمْعَ في سَماعِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ عَلى وجْهِ الِانْتِفاعِ بِها والإبْصارَ في النَّظَرِ بِها إلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِشُؤُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والأفْئِدَةَ بِالتَّفَكُّرِ بِها فِيما تَسْمَعُونَهُ وتُشاهِدُونَهُ ونُصِبَ ﴿قَلِيلا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ شُكْرًا قَلِيلًا وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّقْلِيلِ والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ والقِلَّةُ عَلى ظاهِرِها أوْ بِمَعْنى النَّفْيِ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ وجَوَّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً والأوَّلُ أوْلى.

الملك 67:24

﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ خَلَقَكم وكَثَّرَكم فِيها لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اشْتِراكًا أوِ اسْتِقْلالًا فابْنُوا أمْرَكم عَلى ذَلِكَ ﴿ويَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ عُتُوِّهِمْ ونُفُورِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيِ الحَشْرُ المَوْعُودُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ( وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كانُوا مُشارِكِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الوَعْدِ وتِلاوَةِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لَهُ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تُخْبِرُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والحَشْرِ فَبَيَّنُوا وقْتَهُ.

الملك 67:25

﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ خَلَقَكم وكَثَّرَكم فِيها لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اشْتِراكًا أوِ اسْتِقْلالًا فابْنُوا أمْرَكم عَلى ذَلِكَ ﴿ويَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ عُتُوِّهِمْ ونُفُورِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيِ الحَشْرُ المَوْعُودُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ( وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كانُوا مُشارِكِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الوَعْدِ وتِلاوَةِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لَهُ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تُخْبِرُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والحَشْرِ فَبَيَّنُوا وقْتَهُ.

الملك 67:26

﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ﴾ أيِ العِلْمُ بِوَقْتِهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعْرافِ: 187] ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وُقُوعَ المَوْعُودِ لا مَحالَةَ وأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ وُقُوعِهِ فَلَيْسَ مِن وظائِفِ الإنْذارِ.

الملك 67:27

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ وتَرْتِيبِ الشُّرْطِيَّةِ عَلَيْهِما كَأنَّهُ قِيلَ وقَدْ أتاهُمُ المَوْعُودُ فَرَأوْهُ فَلَمّا رَأوْهُ إلَخْ، وهَذا صفحة 21 نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النَّمْلِ: 40] إلّا أنَّ المُقَدَّرَ هُناكَ أمْرٌ واقِعٌ مُرَتَّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ وهاهُنا أمْرٌ مُنَزَلٌ مَنزِلَةَ الواقِعِ وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿زُلْفَةً﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ رَأوْهُ إمّا بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ مُزْدَلِفًا أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ نَعْتٍ بِهِ مُبالَغَةٌ أوْ ظَرْفٌ أيْ رَأوْهُ في مَكانِ ذِي زُلْفَةٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزُّلْفَةَ بِالقَرِيبِ والأمْرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وكَذا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالحاضِرِ. وقالَ الرّاغِبُ: الزُّلْفَةُ المَنزِلَةُ والحُظْوَةُ وما في الآيَةِ قِيلَ مَعْناهُ زُلْفَةُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ زُلْفَةٌ لَهم. واسْتَعْمَلَ الزُّلْفَةَ في مَنزِلَةِ العَذابِ كَما اسْتُعْمِلَتِ البِشارَةُ ونَحْوُها مِنَ الألْفاظِ انْتَهى. ولا زُلْفَةَ في كِلا القَوْلَيْنِ ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سامَتْها رُؤْيَتُهُ بِأنْ غَشِيَتْها بِسَبِّها الكَآبَةُ ورَهَقَها القَتَرُ والذِّلَّةُ ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ السّاءَةِ بِهِ وأشَمَّ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ كَسْرُ سِينِ «سِيئَتِ» الضَّمُّ ( وقِيلَ ) تَوْبِيخًا لَهم وتَشْدِيدَ العَذابِ بِهِمْ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ تَطْلُبُونَهُ في الدُّنْيا وتَسْتَعْجِلُونَهُ إنْكارًا واسْتِهْزاءً عَلى أنَّهُ تَفْتَعِلُونَ مِنَ الدُّعاءِ والباءِ صِلَةُ الفِعْلِ وقِيلَ هو مِنَ الدَّعْوى أيْ تَدْعُونَ أنْ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ فالباءُ سَبَبِيَّةٌ أوْ لِلْمُلابَسَةِ بِاعْتِبارِ الذِّكْرِ. وأُيِّدَ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ بِقِراءَةِ أبِي رَجاءٍ والضَّحاكِ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ يَسارٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ وسَلامٍ ويَعْقُوبَ «تَدْعُونَ» بِسُكُونِ الدّالِ وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ وأبِي زَيْدٍ وعِصْمَةَ عَنْ أبِي بَكْرٍ والأصْمَعِيِّ عَنْ نافِعٍ وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ المَعارِجِ أنْ يَدْعُونَ مُخَفَّفًا مِن قَوْلِهِمْ دَعا بِكَذا إذا اسْتَدْعاهُ وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ مَن دَعَوْتُ أدْعُو والمَعْنى هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ وتَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى بِتَعْجِيلِهِ يَعْنِي قَوْلَهم ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنْفالِ: 32] إلَخِ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَوْعُودَ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ وهو بَعِيدٌ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَوْعُودَ الخَسْفُ والحاصِبُ وقَدْ وقَعا لِأنَّ المُرادَ بِالخَسْفِ الذُّلُّ كَما في قَوْلِهِ: ولا يُقِيمُ عَلى خَسْفٍ يُرادُ بِهِ إلّا الأذَلّانِ عِيرُ الحَيِّ والوَتَدِ وبِالحاصِبِ الحَصى وقَدْ رَمى ﷺ بِهِ في وُجُوهِهِمْ كَما في الخَبَرِ المَشْهُورِ، أوْ لَمْ يَقَعا بِناءً عَلى ما عُرِفَ أوَّلًا مَنَ المُرادُ بِهِما ولا يَضُرُّ ذَلِكَ إذْ تَخَلَّفَ الوَعِيدُ لا ضَيْرَ فِيهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وكانَ كَفّارُ مَكَّةَ يَدْعُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِالهَلاكِ فَقالَ سُبْحانُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الملك 67:28

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أرُونِي كَما هو المَشْهُورُ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ ﴿إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أوْ رَحِمَنا﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْكم ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ فَمَن يُجِيرُكم مِن عَذابِ النّارِ، وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ المُخاطَبِ دَلالَةً عَلى أنَّ مُوجِبَ البَوارِ مُحَقَّقٌ ( فَأنّى ) لَهُمُ الإجارَةُ والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ واحِدٌ وحاصِلُ المَعْنى لا مُجِيرَ لَكم مِن عَذابِ النّارِ لِكُفْرِكُمُ المُوجِبِ لَهُ انْقَلَبْنا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِالهَلاكِ كَما تُمَنُّونَ لِأنَّ فِيهِ الفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ أوْ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْكُمْ، والأدِلَّةُ لِلْإسْلامِ كَما نَرْجُو لِأنَّ في ذَلِكَ الظَّفَرِ بِالبُغْيَتَيْنِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ حَثَّهم عَلى طَلَبِ الخَلاصِ بِالإيمانِ وأنَّ فِيما هم فِيهِ شُغْلًا شاغِلًا عَنْ تَمَنِّي هَلاكِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا أوْجَهُ أوْجُهٍ ثَلاثَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ. ثانِيها أنَّ المَعْنى أنْ أهْلَكَنا اللَّهُ تَعالى بِالمَوْتِ ونَحْنُ هُداتُكم والآخِذُونَ بِحُجُزِكم فَمَن يُجِيرُكم مِنَ النّارِ وإنْ رَحِمَنا بِالغَلَبَةِ عَلَيْكم وقَتَلَكم عَكْسَ ما تُمَنُّونَ فَمَن يُجِيرُكم لِأنَّ المَقْتُولَ عَلى أيْدِينا هالِكٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَلى هَذا الجَوابِ مُتَعَدِّدٌ لِتَعَدُّدِ مُوجِبِهِ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ تَسْفِيهًا لِرَأْيِهِمْ لِطَلَبِهِمْ ما هو سَعادَةُ أعْدائِهِمْ ثُمَّ الحَثُّ عَلى ما هو أحْرى وهو الخَلاصُ مِمّا هم فِيهِ مِن مُوجِبِ الهَلاكِ صفحة 22 وهَذا فِيهِ الأوَّلُ مِن حَيْثُ إنَّهم لِمَ يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَ مَن يُجِيرُهم مِن عَذابٍ بِإرْشادِهِ والسِّياقُ ادْعى لِلْأوَّلِ. وثالِثُها أنَّ المَعْنى إنْ أهْلَكَنا اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ بِذُنُوبِنا ونَحْنُ مُسْلِمُونَ فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ وهم أوْلى بِالهَلاكِ لِكُفْرِهِمْ وإنَّ رَحِمَنا بِالإيمانِ فَمَن يُجِيرُ مَن لا إيمانَ لَهُ وعَلى هَذا الجَوابُ مُتَعَدِّدٌ أيْضًا، والهَلاكُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ دُونَ الحَقِيقَةِ كَما في سابِقِهِ، والغَرَضُ الجَزْمُ بِأنَّهم لا مُجِيرَ لَهم وأنَّ حالَهم إذا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الهَلاكِ بِالذَّنْبِ والرَّحْمَةِ بِالإيمانِ وهم مُؤْمِنُونَ فَماذا يَكُونُ حالُ مَن لا إيمانَ لَهُ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.

الملك 67:29

﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم جَوابًا عَنْ تَمَنِّيهِمْ ما لا يُجْدِيهِمْ بَلْ يُرْدِيهِمْ مُعَرِّضًا بِسُوءٍ ما هم عَلَيْهِ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيْ فَيُجِيرُنا بِرَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولَمْ نَكْفُرْ مِثْلَكم حَتّى لا نُجازَ البَتَّةَ ولَمّا جَعَلَ الكُفْرَ سَبَبَ الإساءَةِ في الآيَةِ الأُولى جَعَلَ الإيمانَ سَبَبَ الإجارَةِ في هَذِهِ لِيَتِمَّ التَّقابُلُ ويَقَعَ التَّعْرِيضُ مَوْقِعَهُ ولَمْ يُقَدِّمْ مَفْعُولَ ﴿آمَنّا﴾ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ بِهِ آمَنّا كانَ ذَهابًا إلى التَّعْرِيضِ بِإيمانِهِمْ بِالأصْنامِ وكانَ خُرُوجًا عَمّا سِيقَ لَهُ الكَلامُ. وحُسْنُ التَّقْدِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى ( وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ) لِاقْتِضاءِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ في أمْرِ التَّوَكُّلِ ذَلِكَ أيْ وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا ونَعِمَ الوَكِيلُ فَنَصْرُنا لا عَلى العَدَدِ والعُدَدِ كَما أنْتُمْ عَلَيْهِ والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلُ الإهْلاكَ والرَّحْمَةَ وفَسَّرَ بِرَحْمَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أكَّدَ هاهُنا بِحُصُولِها لَهم في الدّارَيْنِ لِإيمانِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقُ عَدَمِ حُصُولِها لِلْكافِرِينَ لِانْتِفاءِ المُوجِبِينَ ثُمَّ في الآيَةِ خاتِمَةٌ عَلى مِنوالِ السّابِقَةِ وتَبْيِينٌ أنَّ أحْسَنَ العَمَلِ الإيمانُ والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وهو حَقِيقَةُ التَّقْوى وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في الدّارَيْنِ وعِيدٌ بَعْدَ تَلْخِيصِ المُوجِبِ لَكِنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرِجَ الكَلامِ المُنْصِفِ أيْ مَن هو مِنّا ومِنكم في إلَخِ وقَرَأ الكِسائِيُّ «فَسَيَعْلَمُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ .

الملك 67:30

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبَرُونِي ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا ذاهِبًا في الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ وعَنِ الكَلْبِي لا تَنالُهُ الدِّلاءُ وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ الفاعِلِ. وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِالماءِ ماءً مَعِينًا وإنْ كانَتِ الآيَةُ كَما رَوى ابْنُ المُنْذِرِ والفاكِهِيُّ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ نازِلَةً في بِئْرِ زَمْزَمَ وبِئْرِ مَيْمُونِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ جارٍ أوْ ظاهِرٍ سَهْلِ المَأْخَذِ لِوُصُولِ الأيْدِي إلَيْهِ وهو فَعِيلٌ مِن مَعَنَ أوْ مَفْعُولٌ مِن عَيَنَ وعِيدٌ في الدُّنْيا خاصَّةً. وأرْدَفَ الوَعِيدَ السّابِقَ بِهِ تَنْبِيهًا بِالأدْنى عَلى الأعْلى، وأنَّكم إذا لَمَّ تَعْبُدُوهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْحَياةِ الباقِيَةِ فاعْبُدُوهُ لِلْفانِيَةِ، وتُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ بَعْضِ المُسْتَهْزِئِينَ فَلَمّا سَمِعَ ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ﴾ إلَخِ قالَ تَجِيءُ بِهِ الفُؤُوسُ والمَعاوِلُ، فَذَهَبَ ماءُ عَيْنَيْهِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ وآياتِهِ وتَفْسِيرُ الآياتِ عَلى هَذا الطَّرْزِ هو ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ وهو أبْعَدُ مَغْزى مِن غَيْرِهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

القلم 68:1

سُورَةُ القَلَمِ هِيَ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ فَقَدْ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقِ: 1] ثُمَّ هَذِهِ ثُمَّ المُزَّمِّلُ ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وفي البَحْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ فِيها بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ وفي الإتْقانِ اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ - إلى- ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [القَلَمِ: 17- 33] ومِن ﴿فاصْبِرْ﴾ - إلى- ﴿الصّالِحِينَ﴾ [القَلَمِ: 48- 50] فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ حَكاهُ السَّخاوِيُّ. وفِي جَمالِ القُرّاءِ وآيُها ثَنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً بِالإجْماعِ ومُناسَبَتُها لِسُورَةِ المُلْكِ عَلى ما قِيلَ مِن جِهَةِ خَتْمِ تِلْكَ بِالوَعِيدِ وافْتِتاحِ هَذِهِ بِهِ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ في آخِرِ المُلْكِ التَّهْدِيدَ بِتَغْوِيرِ الماءِ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ في هَذِهِ بِإذْهابِ ثَمَرِ أصْحابِ البُسْتانِ في لَيْلَةٍ بِطائِفٍ طافَ عَلَيْهِمْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحُوا ولَمْ يَجِدُوا لَهُ أثَرًا حَتّى ظَنُّوا أنَّهم ضَلُّوا الطَّرِيقَ، وإذا كانَ هَذا في الثِّمارِ وهي أجْرامٌ كَثِيفَةٌ فالماءُ الَّذِي هو لَطِيفٌ أقْرَبُ إلى الإذْهابِ ولِهَذا قالَ صفحة 23 سُبْحانَهُ هُنا ﴿وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القَلَمِ: 19، 20] وقالَ جَلَّ وعَلا هُنا ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ [المُلْكِ: 30] إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُسْرى عَلَيْهِ في لَيْلَةٍ كَما أسْرى عَلى الثَّمَرِ في لَيْلَةٍ انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وقالَ أبُو حَيّانٍ فِيهِ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أشْياءَ مِن أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ وذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وعِلْمَهُ تَعالى الواسِعَ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَوْ شاءَ لَخَسَفَ بِهِمُ الأرْضَ أوْ لَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ حاصِبًا وكانَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ هو ما أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ فَتَلاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ في ذَلِكَ مَرَّةً إلى الشِّعْرِ ومَرَّةً إلى السِّحْرِ ومَرَّةً إلى الجُنُونِ فَبَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ بِبَراءَتِهِ ﷺ مِمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ وتَعْظِيمِ أجْرِهِ عَلى صَبْرِهِ عَلى أذاهُمْ، وبِالثَّناءِ عَلى خُلُقِهِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ وقَرَأ الأكْثَرُونَ بِسُكُونِ النُّونِ وإدْغامِها في واوِ ﴿والقَلَمِ﴾ بِغُنَّةٍ عِنْدَ بَعْضٍ وبِدُونِها عِنْدَ آخَرِينَ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ بِفَتْحِها وكَلٌّ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في مَوْضِعِ الجَرِّ كَقَوْلِهِمُ اللَّهُ لِأفْعَلُنَّ بِالجَرِّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارٍ اذَّكَّرَ ونَحْوِهِ لا فَتْحًا وامْتِناعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ ثُمَّ إنْ جَعَلَ اسْمًا لِلْحَرْفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِلتَّحَدِّي عَلى ما اشْتُهِرَ وبُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ مَنصُوبًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ أوْ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالُوا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿والقَلَمِ﴾ لِلْقَسَمِ وإنْ جَعَلَ مُقْسَمًا بِهِ فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ عَلى الشّائِعِ واخْتارَ السَّلَفُ أنْ ن مِنَ المُتَشابِهِ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الخَلْفِ أنَّهُ هُنا مِن أسْماءِ الحُرُوفِ. وقالُوا: يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ أوْ عَلَمًا لَأُعْرِبَ مُنَوَّنًا أوْ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ ولَكُتِبَ كَما يُتَلَفَّظُ بِهِ، وكَوْنُ كِتابَتِهِ كَما تَرى لِنِيَّةِ الوَقْفِ وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْراهُ خِلافَ الأصْلِ وكَوْنُ خَطِّ المُصْحَفِ لا يُقاسُ مُسَلَّمٌ إلّا أنَّ الأصْلَ إجْراؤُهُ عَلى القِياسِ ما أمْكَنَ وقِيلَ هو اسْمٌ لِحُوتٍ عَلَيْهِ الأرْضُ يُقالُ لَهُ اليَهْمُوتُ بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الهاءِ فَفي حَدِيثٍ رَواهُ الضِّياءُ في المُخْتارِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. . وجَمَعَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى النُّونَ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتْ بِالجِبالِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ن والقَلَمِ﴾ إلَخْ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحاكِ أنَّهُ اسْمٌ لِلدَّواةِ وأنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وُرُودَ النُّونِ بِمَعْنى الدَّواةِ في اللُّغَةِ أوْ في الِاسْتِعْمالِ المُعْتَدِّ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أوْ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً عَرَبِيَّةً وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: إذا ما الشَّوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ ألْقَتِ النُّونُ بِالدَّمْعِ السُّجُومِ والأوَّلُونَ مِنهم مَن فَسَّرَ القَلَمَ بِالَّذِي خَطَّ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِقَلَمِ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ، وألْ فِيهِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ لِلْعَهْدِ والآخَرُونَ مِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالجِنْسِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ جِنْسِيٌّ، ومِنهم وهم قَلِيلٌ مِن فَسَّرَهُ بِما تَقَدِّمَ أيْضًا لَكِنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِهِمْ أنَّ الدَّواةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ الدَّواةِ المَعْرُوفَةِ بَلْ هي دَواةٌ خُلِقَتْ يَوْمَ خُلِقَ ذَلِكَ القَلَمُ وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ يَرْفَعُهُ: ««إنَّ ن لَوْحٌ مِن نُورِ والقَلَمَ قَلَمٌ مِن نُورٍ يَجْرِي بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمٍ القِيامَةِ»» . وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: إنَّهُ نَهْرٌ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ. وفي البَحْرِ لَعَلَّهُ لا يَصْحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أيْ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ في ن ما عَدا كَوْنَهُ اسْمًا مِن أسْماءِ الحُرُوفِ وكَأنَّهُ إنْ كانَ مُطَّلِعًا عَلى الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها لَمْ يَعْتَبِرْ تَصْحِيحَ الحاكِمِ فِيما رُوِيَ أوَّلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا كَوْنَ أحَدِ رُواتِهِ الضِّياءَ في المُخْتارَةِ الَّتِي هي في الِاعْتِبارِ قَرِينَةٌ مِنَ الصِّحاحِ ولا كَثْرَةَ راوِيَةٍ عَنْهُ وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ لِكَثْرَةِ الِاخْتِلافِ فِيما رُوِيَ عَنْهُ في تَعْيِينِ المُرادِ بِهِ حَتّى أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، وأنَّ هَذا الِاسْمَ الجَلِيلَ فُرِّقَ في الر وحَم ون ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ أُرِيدَ الحُوتُ أوْ نَهْرٌ في الجَنَّةِ يَصِيرُ الكَلامُ مِن بابِ كَمِ الخَلِيفَةُ وألْفُ باذِنْجانَةٍ وأمّا إنْ أُرِيدَ الدَّواةُ فالتَّنْكِيرُ آبَ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ عَلى أنَّهُ كَما سَمِعْتَ صفحة 24 عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ لُغَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، والرَّدُّ عَلَيْهِ إنَّما يَتَأتّى بِإثْباتِ ذَلِكَ عَنِ الثِّقاتِ. ( وأنّى ) بِهِ، وذِكْرُ صاحِبِ القامُوسِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وفي صِحَّةِ الرِّواياتِ كَلامٌ والبَيْتُ الَّذِي أنْشَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَثْبُتْ عَرَبِيًّا وكَوْنُهُ بِمَعْنى الحُوتِ أُطْلِقَ عَلى الدَّواةِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ فَإنَّ بَعْضَ الحِيتانِ يُسْتَخْرَجُ مِنهُ شَيْءٌ أشَدُّ سَوادًا مِنَ النَّقْسِ يُكْتَبُ بِهِ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ السَّماجَةِ فَإنَّ ذَلِكَ البَعْضَ لَمْ يَشْتَهِرْ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ مُشَبَّهًا بِهِ مَعَ أنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْمُنْكِرِ عَلى ذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى الحَرْفِ مَجازًا عَنْها أدْهى وأمَرُّ كَذا قِيلَ، ولِلْبَحْثِ في البَعْضِ مَجالٌ ولِلْقُصّاصِ هَذا الفَصْلُ رِواياتٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يَنْبَغِي الإصْغاءُ إلَيْها ثُمَّ إنَّ اسْتِحْقاقَ القَلَمِ لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ إذا أُرِيدَ بِهِ قَلَمُ اللَّوْحِ الَّذِي جاءَ في الأخْبارِ أنَّهُ أوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ قَلَمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ ظاهِرٌ. وأمّا اسْتِحْقاقُ ما في أيْدِي النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ لِذَلِكَ فَلِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةً سِوى كَوْنِهِ آلَةً لِتَحْرِيرٍ كُتِبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُوجِبًا لِتَعْظِيمِهِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ يَكْتُبُونَ إمّا لِلْقَلَمِ مُرادًا بِهِ قَلَّمُ اللَّوْحِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ أوْ لَهُ مُرادًا بِهِ جِنْسُ ما بِهِ الخَطُّ، فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِتَعَدُّدِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكاتِبٍ حَقِيقَةً بَلْ هو آلَةٌ لِلْكاتِبِ فالإسْنادُ إلَيْهِ إسْنادٌ إلى الآلَةِ مَجازًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِقِيامِهِ مَقامَهم وجَعْلِهِ فاعِلًا أوْ لِلْكَتَبَةِ أوِ الحَفَظَةِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ القَلَمِ أوَّلَهم بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالقَلَمِ أصْحابُهُ تَجَوُّزًا أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ما هو الأوْجَهُ مِن ذَلِكَ، وأمّا كَوْنُهُ لِما وهي بِمَعْنى مَن فَتَكَلُّفٌ بارِدٌ والظّاهِرُ فِيها أنَّها إمّا مَوْصُولَةٌ أيْ والَّذِي يَسْطُرُونَهُ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ وسَطْرُهم.

القلم 68:2

﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جَوابُ القَسَمِ والباءُ الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، ومَجْنُونٌ خَبَرُ ما والباءُ الأُولى لِلْمُلابَسَةِ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ مَجْنُونٌ وباؤُهُ لا تَمْنَعُ العَمَلَ لِأنَّها مَزِيدَةٌ، وتَعَقَّبَهُ ناصِرُ الدِّينِ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا مِن حَيْثُ المَعْنى ووَجَّهَ بِأنَّ مُحَصِّلَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّهُ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ وقْتَ التِباسِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، ولا يُفْهَمُ مِنهُ انْتِفاءُ مُطْلَقِ الجُنُونِ عَنْهُ ﷺ وهَلِ المُرادُ إلّا هَذا وقِيلَ عَلَيْهِ لا يَخْفى أنَّهُ وارِدٌ عَلى ما اخْتارَهُ هو أيْضًا أيْ وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ انْتَفى عَنْكَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الجُنُونُ ولا يُفْهَمُ مِنهُ انْتِفاؤُهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ وهو المُرادُ. وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ لازِمَةٌ لَهُ ﷺ غَيْرُ مُنْفَكَّةٍ عَنْهُ فَنَفْيُهُ عَنْهُ فِيها مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِهِ عَنْهُ دائِمًا وسائِرُ الحالاتِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُتَأتٍّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما إذْ يَصِيرُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ العامِلِ ”مَجْنُونٌ“ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أنَّهُ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ الواقِعُ عَلَيْكَ حالَةَ الِالتِباسِ المَذْكُورِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إمْكانِ وُقُوعِهِ في تِلْكَ الحالَةِ بَلْ عَلى تَحَقُّقِهِ أيْضًا وهو مَعْنًى لاغٍ إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الجُنُونِ ووُقُوعُهُ وقْتَ التِباسِهِ ﷺ بِالنِّعْمَةِ، ومِن جُمْلَتِها الحَصافَةُ ولا يَرِدُ هَذا عَلى التَّقْدِيرِ المُخْتارِ إذِ الِانْتِفاءُ المَفْهُومُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ وارِدًا عَلى الجُنُونِ المُقَيَّدِ بِما ذَكَرَ وهو وإنْ كانَ مُقَيَّدًا فِيهِ أيْضًا لا ضَيْرَ بِهِ لِكَوْنِ قَيْدِهِ لازِمًا لَذّاتِ المَنفِيِّ عَنْهُ كَما عَرَفْتَ هَذا، وقِيلَ: إذا حَمَلَ الباءَ عَلى السَّبَبِيَّةِ واعْتَبَرَ الظَّرْفَ لَغْوًا يَظْهَرُ عَدَمُ جَوازِ تَعَلُّقِهِ بِما بَعْدَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى: ظُهُورُ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عِلْمٍ ولَهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ والحالِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ النَّفْيِ كَلامٌ ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ وحَقَّقَ أنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّما يَلْزَمُ انْتِفاءُ مُقارَنَةِ الحالِ لِذِي الحالِ لا نَفْيُها نَفْسُها فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وجَوَّزَ كَوْنَ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قِسْمًا مُتَوَسِّطًا في الكَلامِ لِتَأْكِيدِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ جَوابٍ، صفحة 25 أوْ يُقَدَّرُ لَهُ جَوابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ المَذْكُورُ، واسْتَظْهَرَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانٍ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ والإيذانِ بِأنَّهُ تَعالى يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ ويُبَلِّغُهُ في العُلُوِّ إلى غايَةٍ لا غايَةَ وراءَها، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ ﷺ عَمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ ﷺ مِنَ الجُنُونِ حَسَدًا وعَداوَةً ومُكابَرَةً، فَحاصِلُ الكَلامِ أنْتَ مُنَزَّهٌ عَمّا يَقُولُونَ.

القلم 68:3

﴿وإنَّ لَكَ﴾ بِمُقابَلَةِ مُقاساتِكَ ألْوانَ الشَّدائِدِ مِن جِهَتِهِمْ وتَحَمُّلِكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ ﴿لأجْرًا﴾ لَثَوابًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ مَعَ عِظَمِهِ أوْ غَيْرَ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ فَإنَّهُ عَطاؤُهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِأنَّكَ حَبِيبُ اللَّهِ تَعالى وهو عَزَّ وجَلَّ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ، ومِن شِيمَةِ الأكارِمِ أنْ لا تَمُنُّوا بِإنْعامِهِمْ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى أحْبابِهِمْ كَما قالَ: سَأشْكُرُ عُمُرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ

القلم 68:4

﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ أحَدٌ مِنَ الخِلْقِ ولِذَلِكَ تَحْتَمِلُ مِن جِهَتِهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ أمْثالُكَ مِن أُولِي العَزْمِ. وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والإمامِ أحْمَدَ والدّارِمِيِّ وابْنِ ماجَّةَ والنِّسائِيِّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلى قالَتْ: فَإنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ كانَ القُرْآنَ» . وأرادَتْ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ ما فِيهِ مِنَ المَكارِمِ كُلَّهُ كانَ فِيهِ ﷺ، وما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنْ سَفْسافِ الأخْلاقِ كانَ مُنْزَجِرًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالخِطابِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفَرْقانِ: 32] ورُبَّما يَرْجِعُ إلى هَذا قَوْلُها كَما فِي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وغَيْرِهِ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ سَألَها عَنْ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وقالَ العارِفُ بِاللَّهِ تَعالى المَرْصَفِيُّ أرادَتْ بِقَوْلِها: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ تَخَلُّقَهُ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى لَكِنَّها لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ تَأدُّبًا مِنها. وفي الكَشْفِ أنَّهُ أُدْمِجَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ ﷺ مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿عَظِيمٍ﴾ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ رَمَزًا إلى أنَّ الأخْلاقَ الحَسَنَةَ مِمّا لا تُجامِعُ الجُنُونَ، وأنَّ كُلَّما كانَ الإنْسانُ أحْسَنَ أخْلاقًا كانَ أبْعَدَ عَنِ الجُنُونِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ سُوءَ الأخْلاقِ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ.

القلم 68:5

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ أيِ المَجْنُونُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وأُطْلِقَ عَلى المَجْنُونِ لِأنَّهُ فُتِنَ أيْ مُحِنَ بِالجُنُونِ، وقِيلَ لِأنَّ العَرَبَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجُنُونَ مِن تَخْبِيلِ الجِنِّ وهُمُ الفَتّانُ لِلْفَتّاكِ مِنهم والباءُ مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَأِ وجَوَّزَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ أوِ الفِتْنَةِ فالمَفْتُونُ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ أيُ الجُنُونِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ وأبِي الجَوْزاءِ وهو بِناءٌ عَلى أنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ عَلى وزْنِ المَفْعُولِ كَما جَوَّزَهُ بَعْضُهم والباءُ عَلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ الجُنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أمْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ أيْ في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ وهو تَعْرِيضٌ بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما. . والباءُ عَلى هَذا بِمَعْنى في وقَدَّرَ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم دَفْعًا لِما قِيلَ مِن أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَماعَةِ قُرَيْشٍ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ وواحِدٍ في أيِّكم زَيْدٌ، وأيَّدَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً وجَوابُ التَّأْيِيدِ أنَّ الخِطابَ بِظاهِرِهِ خُصَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَجْرِيَ الكَلامُ عَلى نَهْجِ السَّوابِقِ ولا يَتَنافَرُ لَكِنَّهُ لَيْسَ كالسَّوابِقِ في الِاخْتِصاصِ حَقِيقَةً لِدُخُولِ الأُمَّةِ فِيهِ أيْضًا فَيَصِحُّ تَقْدِيرُ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْجَهُ الأوْجُهِ لِإفادَتِهِ التَّعْرِيضَ وسَلامَتِهِ عَنِ اسْتِعْمالِ النّادِرِ يَعْنِي زِيادَةَ الباءِ في المُبْتَدَأِ، وكَوْنَ المَصْدَرِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ في «أيُّكُمُ» وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْمُولٌ لِما قَبْلَهُ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، والمُرادُ فَسَتَعْلَمُ صفحة 26 ويَعْلَمُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عاقِبَةِ الأمْرِ بِغَلَبَةِ الإسْلامِ واسْتِيلائِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ وصَيْرُورَتِكَ مَهِيبًا مُعَظَّمًا في قُلُوبِ العالَمِينَ، وكَوْنِهِمْ أذِلَّةً صاغِرِينَ ويَشْمَلُ هَذا ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ. . وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ وقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّرْدادُ بَيْنَ أمْرَيْنِ مَعْلُومُ نَفْيِ الحُكْمِ عَنْ أحَدِهِمْ وتَعْيِينُ وجُودِهِ لِلْآخَرِ وهو كَما تَرى.

القلم 68:6

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ أيِ المَجْنُونُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وأُطْلِقَ عَلى المَجْنُونِ لِأنَّهُ فُتِنَ أيْ مُحِنَ بِالجُنُونِ، وقِيلَ لِأنَّ العَرَبَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجُنُونَ مِن تَخْبِيلِ الجِنِّ وهُمُ الفَتّانُ لِلْفَتّاكِ مِنهم والباءُ مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَأِ وجَوَّزَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ أوِ الفِتْنَةِ فالمَفْتُونُ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ أيُ الجُنُونِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ وأبِي الجَوْزاءِ وهو بِناءٌ عَلى أنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ عَلى وزْنِ المَفْعُولِ كَما جَوَّزَهُ بَعْضُهم والباءُ عَلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ الجُنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أمْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ أيْ في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ وهو تَعْرِيضٌ بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما. . والباءُ عَلى هَذا بِمَعْنى في وقَدَّرَ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم دَفْعًا لِما قِيلَ مِن أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَماعَةِ قُرَيْشٍ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ وواحِدٍ في أيِّكم زَيْدٌ، وأيَّدَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً وجَوابُ التَّأْيِيدِ أنَّ الخِطابَ بِظاهِرِهِ خُصَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَجْرِيَ الكَلامُ عَلى نَهْجِ السَّوابِقِ ولا يَتَنافَرُ لَكِنَّهُ لَيْسَ كالسَّوابِقِ في الِاخْتِصاصِ حَقِيقَةً لِدُخُولِ الأُمَّةِ فِيهِ أيْضًا فَيَصِحُّ تَقْدِيرُ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْجَهُ الأوْجُهِ لِإفادَتِهِ التَّعْرِيضَ وسَلامَتِهِ عَنِ اسْتِعْمالِ النّادِرِ يَعْنِي زِيادَةَ الباءِ في المُبْتَدَأِ، وكَوْنَ المَصْدَرِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ في «أيُّكُمُ» وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْمُولٌ لِما قَبْلَهُ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، والمُرادُ فَسَتَعْلَمُ صفحة 26 ويَعْلَمُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عاقِبَةِ الأمْرِ بِغَلَبَةِ الإسْلامِ واسْتِيلائِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ وصَيْرُورَتِكَ مَهِيبًا مُعَظَّمًا في قُلُوبِ العالَمِينَ، وكَوْنِهِمْ أذِلَّةً صاغِرِينَ ويَشْمَلُ هَذا ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ. . وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ وقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّرْدادُ بَيْنَ أمْرَيْنِ مَعْلُومُ نَفْيِ الحُكْمِ عَنْ أحَدِهِمْ وتَعْيِينُ وجُودِهِ لِلْآخَرِ وهو كَما تَرى.

القلم 68:7

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما قَبْلَهُ وتَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ هو سُبْحانَهُ ﴿أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ المُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ وهامَ في تِيهِ الضَّلالِ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الشَّقاوَةِ الأبَدِيَّةِ ومَزِيدِ النَّكالِ، وهَذا هو المَجْنُونُ الَّذِي لا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بَلْ يَحْسَبُ الضَّرَرَ نَفْعًا فَيُؤْثِرُهُ والنَّفْعَ ضَرَرًا فَيَهْجُرُهُ ( وهو ) عَزَّ وجَلَّ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، النّاجِينَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ، وهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ والثَّوابِ. . وفِي الكَشّافِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ أوْ يَكُونُ وعِيدًا ووَعْدًا، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِجَزاءِ الفَرِيقَيْنِ. قالَ في الكَشْفِ هو عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما رَمَزَ إلَيْهِ في السّابِقِ مِن أنَّ المَفْتُونَ مَن قَرَفَكَ بِهِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ المُؤَكَّدِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ ولَكِنْ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ لا تَعْيِينَ فِيهِ بِوَجْهٍ وهَذا بَدَلٌ ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ بِالمَجْنُونِ. . وبِالعاقِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجُنُونَ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِما تَوَهَّمُوهُ وثَبَتَ لَهم صَرْفُ الضَّلالِ في عَيْنِ هَذا الزَّعْمِ، وعَلى الثّانِي هو تَذْيِيلٌ أيْضًا ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأنَّ ﴿بِمَن ضَلَّ﴾ أُقِيمَ مَقامَ (بِهِمْ ( وبِالمُهْتَدِينَ ) أُقِيمَ مَقامَ (بِكم ولَعَلَّ ما اعْتَبَرْناهُ أمَلًا بِالفائِدَةِ، وكَأنَّ تَقْدِيمَ الوَعِيدِ لِيَتَّصِلَ بِما أشْعَرَ بِهِ أوَّلًا والتَّعْبِيرَ في جانِبِ الضَّلالِ بِالفِعْلِ لِلْإيماءِ بِأنَّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ وزِيادَةُ هو أعْلَمُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مَعَ الإيذانِ بِاخْتِلافِ الجَزاءِ.

القلم 68:8

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اهْتِدائِهِ ﷺ وضَلالِهِمْ أوْ عَلى جَمِيعِ ما فَضَّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وهَذا تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مَعاصاتِهِمْ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَتِهِمْ وتَصَلَّبْ في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ مُداهَنَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ بِإظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ ﷺ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ لا عَنْ طاعَتِهِمْ حَقِيقَةً، ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لِأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِلِانْتِهاءِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالطّاعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ أيْ أحَبُّوا لَوْ تُلايِنُهم وتُسامِحُهم في بَعْضِ الأُمُورِ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ طَمَعًا في ادِّهانِكَ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسَبَّبَةٍ عَمّا قَبْلَها، وقَدَّرَ المُبْتَدَأ لِمَكانِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ. والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهم تَمَنَّوْا لَوْ تُدْهِنُ فَتَتَرَتَّبُ مُداهَنَتُهم عَلى مُداهَنَتِكَ، فَفِيهِ تُرَتَّبُ إحْدى المُداهَنَتَيْنِ عَلى الأُخْرى في الخارِجِ ( ولَوْ ) فِيهِ غَيْرُ مَصْدَرِيَّةٍ، وعَلى الثّانِي هي مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّرَتُّبُ ذِهْنِيٌّ عَلى وِدادَتِهِمْ وتَمَنِّيهِمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِعَطْفِ يُدْهِنُونَ عَلى ﴿تُدْهِنُ﴾ عَلى أنَّهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ لَوْ مُتَمَنًّى مِثْلُهُ، والمَعْنى ودُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ عَقِيبَ إدْهانِكَ وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُعْتَبَرُ في جانِبِهِمْ حَقِيقَةُ الإدْهانِ الَّذِي هو لِإظْهارِ المُلايَنَةِ وإضْمارِ خِلافِها، وأمّا في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى وِدادَتِهِمْ هو إظْهارُ المُلايَنَةِ فَقَطْ، وأمّا إضْمارُ خِلافِها فَلَيْسَ في حَيِّزِ الِاعْتِبارِ بَلْ هم في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، وإنَّما اعْتِبارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ كَما قالَ هارُونُ «فَيُدْهِنُوا» بِدُونِ نُونِ الرَّفْعِ، فَقِيلَ: هو مَنصُوبٌ في جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مِن ﴿ودُّوا﴾ وقِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿تُدْهِنُ﴾ بِناءً عَلى أنَّ ( لَوْ ) بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لَوَدُّوا صفحة 27 كَأنَّهُ قِيلَ ودُّوا أنَّ تُدْهِنَ فَيُدْهِنُوا، ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ، وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى أنَّ ( لَوْ ) عَلى حَقِيقَتِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ. وكَذا مَفْعُولُ ﴿ودُّوا﴾ أيْ ودُّوا إدْهانَكَ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ.

القلم 68:9

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اهْتِدائِهِ ﷺ وضَلالِهِمْ أوْ عَلى جَمِيعِ ما فَضَّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وهَذا تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مَعاصاتِهِمْ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَتِهِمْ وتَصَلَّبْ في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ مُداهَنَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ بِإظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ ﷺ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ لا عَنْ طاعَتِهِمْ حَقِيقَةً، ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لِأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِلِانْتِهاءِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالطّاعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ أيْ أحَبُّوا لَوْ تُلايِنُهم وتُسامِحُهم في بَعْضِ الأُمُورِ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ طَمَعًا في ادِّهانِكَ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسَبَّبَةٍ عَمّا قَبْلَها، وقَدَّرَ المُبْتَدَأ لِمَكانِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ. والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهم تَمَنَّوْا لَوْ تُدْهِنُ فَتَتَرَتَّبُ مُداهَنَتُهم عَلى مُداهَنَتِكَ، فَفِيهِ تُرَتَّبُ إحْدى المُداهَنَتَيْنِ عَلى الأُخْرى في الخارِجِ ( ولَوْ ) فِيهِ غَيْرُ مَصْدَرِيَّةٍ، وعَلى الثّانِي هي مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّرَتُّبُ ذِهْنِيٌّ عَلى وِدادَتِهِمْ وتَمَنِّيهِمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِعَطْفِ يُدْهِنُونَ عَلى ﴿تُدْهِنُ﴾ عَلى أنَّهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ لَوْ مُتَمَنًّى مِثْلُهُ، والمَعْنى ودُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ عَقِيبَ إدْهانِكَ وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُعْتَبَرُ في جانِبِهِمْ حَقِيقَةُ الإدْهانِ الَّذِي هو لِإظْهارِ المُلايَنَةِ وإضْمارِ خِلافِها، وأمّا في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى وِدادَتِهِمْ هو إظْهارُ المُلايَنَةِ فَقَطْ، وأمّا إضْمارُ خِلافِها فَلَيْسَ في حَيِّزِ الِاعْتِبارِ بَلْ هم في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، وإنَّما اعْتِبارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ كَما قالَ هارُونُ «فَيُدْهِنُوا» بِدُونِ نُونِ الرَّفْعِ، فَقِيلَ: هو مَنصُوبٌ في جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مِن ﴿ودُّوا﴾ وقِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿تُدْهِنُ﴾ بِناءً عَلى أنَّ ( لَوْ ) بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لَوَدُّوا صفحة 27 كَأنَّهُ قِيلَ ودُّوا أنَّ تُدْهِنَ فَيُدْهِنُوا، ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ، وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى أنَّ ( لَوْ ) عَلى حَقِيقَتِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ. وكَذا مَفْعُولُ ﴿ودُّوا﴾ أيْ ودُّوا إدْهانَكَ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ.

القلم 68:10

﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ وكَفى بِهَذا مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ لِأنَّهُ جَعَلَ فاتِحَةَ المَثالِبِ وأساسَ الباقِي، وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اسْتِشْعارِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو أُمُّ كُلِّ شَرٍّ عَقْدًا وعَمَلًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ مَذْمُومَةٌ ولَوْ في الحَقِّ لِما فِيها مِنَ الجُرْأةِ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ أيْضًا أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَةِ كُلِّ حَلّافٍ ﴿مَهِينٍ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: المَهِينُ الوَضِيعُ لِإكْثارِهِ مِنَ القَبِيحِ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو المِكْثارُ في الشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكَذّابُ ﴿هَمّازٍ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ قالَ أبُو حَيّانٍ: هو مِنَ الهَمْزِ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الضَّرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أوْ بِالعَصا ونَحْوِها، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ ( مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ نَقّالٍ ) لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ الإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ مَصْدَرانِ بِمَعْنى السِّعايَةِ والإفْسادِ. وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ يُرِيدُونَ بِهِ الجِنْسَ وأصْلُ النَّمِيمَةِ الهَمْسُ والحَرَكَةُ الخَفِيفَةُ، ومِنهُ أسْكَتَ اللَّهُ تَعالى نامَّتَهُ أيْ ما يَنِمُّ عَلَيْهِ مِن حَرَكَتِهِ.

القلم 68:11

﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ وكَفى بِهَذا مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ لِأنَّهُ جَعَلَ فاتِحَةَ المَثالِبِ وأساسَ الباقِي، وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اسْتِشْعارِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو أُمُّ كُلِّ شَرٍّ عَقْدًا وعَمَلًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ مَذْمُومَةٌ ولَوْ في الحَقِّ لِما فِيها مِنَ الجُرْأةِ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ أيْضًا أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَةِ كُلِّ حَلّافٍ ﴿مَهِينٍ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: المَهِينُ الوَضِيعُ لِإكْثارِهِ مِنَ القَبِيحِ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو المِكْثارُ في الشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكَذّابُ ﴿هَمّازٍ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ قالَ أبُو حَيّانٍ: هو مِنَ الهَمْزِ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الضَّرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أوْ بِالعَصا ونَحْوِها، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ ( مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ نَقّالٍ ) لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ الإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ مَصْدَرانِ بِمَعْنى السِّعايَةِ والإفْسادِ. وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ يُرِيدُونَ بِهِ الجِنْسَ وأصْلُ النَّمِيمَةِ الهَمْسُ والحَرَكَةُ الخَفِيفَةُ، ومِنهُ أسْكَتَ اللَّهُ تَعالى نامَّتَهُ أيْ ما يَنِمُّ عَلَيْهِ مِن حَرَكَتِهِ.

القلم 68:12

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ بَخِيلٍ مُمْسِكٍ مِن مَنَعَ مَعْرُوفَهُ عَنْهُ إذا أمْسَكَهُ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ والخَيْرُ عَلى ما قِيلَ المالُ أوْ مَنّاعُ النّاسِ الخَيْرَ وهو الإسْلامُ مِن مَنَعْتَ زِيدا مِنَ الكُفْرِ إذا حَمَلَتْهُ عَلى الكَفِّ، فَذِكْرُ المَمْنُوعِ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ مَنّاعٌ مِنَ الخَيْرِ دُونَ المَمْنُوعِ وهو النّاسُ عَكْسُ وجْهِ الأوَّلِ والتَّعْمِيمُ هُنالِكَ وعَدَمُ ذِكْرِ المَمْنُوعِ مِنهُ أوْقَعُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُجاوِزٍ في الظُّلْمِ حَدَّهُ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرٍ الآثامِ وهي الأفْعالُ البَطِيئَةُ عَنِ الثَّوابِ والمُرادُ بِها المَعاصِي والذُّنُوبُ ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ الشَّدِيدُ الفاتِكِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ. . وقالَ مُعَمَّرٌ وقَتادَةُ: الفاحِشُ اللَّئِيمُ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَعْتَلُ النّاسَ أيْ يَجُرُّهم إلى حَبْسٍ أوْ عَذابٍ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ويُقالُ عَتَنَهُ بِالنُّونِ كَما يُقالُ عَتَلَهُ بِاللّامِ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وقَرَأ الحَسَنُ ( عُتُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِن مَثالِبِهِ وقَبائِحِهِ ( وبَعْدَ ) هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدُ أعْظَمُ في القَباحَةِ وفي الكَشْفِ أشْعَرَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِعُتُلٍّ فَلَزِمَ تَبايُنُهُ مِنَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ وتَبايُنُ ما بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّهُ في سِلْكِهِ ﴿زَنِيمٍ﴾ دَعِيٍّ مُلْحَقٍ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنهم كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والمُرادُ بِهِ ولَدُ الزِّنا كَما جاءَ بِهَذا اللَّفْظِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنْشَدَ الحَسّانُ: زَنِيمٌ تَداعَتْهُ الرِّجالُ زِيادَةً كَمًّا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وكَذا جاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ وأنْشَدَ: زَنِيمٌ لَيْسَ يَعْرِفُ مَن أبُوهُ ∗∗∗ ( بِغَيُّ ) الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمٌ مِنَ الزَّنَمَةِ بِفَتَحاتٍ وهي ما يَتَدَلّى مِنَ الجِلْدِ في حَلْقِ المَعْزِ والفِلْقَةُ مِن أُذُنِهِ تُشَقُّ فَتُتْرَكُ مُعَلَّقَةً، وإنَّما كانَ هَذا أشَدَّ المَعايِبِ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ النّاشِئُ مِنها ومِن ثَمَّ قالَ ﷺ: ««فَرْخُ الزِّنا أيْ ولَدُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةُ»» . فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلى الغالِبِ فَإنَّهُ في الغالِبِ لِخَباثَةِ نُطْفَتِهِ يَكُونُ خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا فَلا يَعْمَلُ عَمَلًا يَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هَذا خارِجٌ مُخْرَجَ التَّهْدِيدِ والتَّعْرِيضِ بِالزّانِي، وحُمِلَ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَعَ السّابِقِينِ لِحَدِيثِ الدّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا ولَدُ زَنْيَةٍ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»» . فَإنَّهُ سُلِكَ في قَرْنِ العاقِّ والمَنّانِ ومُدْمِنِ الخَمْرِ ولا ارْتِيابَ أنَّهم عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَيْسُوا مِن زُمْرَةِ مَن لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أبَدًا. وقِيلَ المُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِ أبَوَيْهِ إذا ماتَ صَغِيرًا بَلْ يَدْخُلُها بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى صفحة 28 ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ كَأطْفالِ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزَّنِيمَ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِالزَّنَمَةِ. وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ والمالُ واحِدٌ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ المَعْرُوفُ بِالأُبْنَةِ ولا يَخْفى أنَّ المَأْبُونَ مَعْدِنُ الشُّرُورِ بَلْ مَن لَمْ يَصِلْ في ذَلِكَ الأمْرِ الشَّنِيعِ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ كَذَلِكَ في الأغْلَبِ ولا حاجَةَ إلى كَثْرَةِ الِاسْتِشْهادِ في هَذا البابِ. وفي قَوْلِ الشّاعِرِ الِاكْتِفاءُ وهُوَ: ولَكَمْ بَذَلْتُ لَكَ المَوَدَّةَ ناصِحًا ∗∗∗ فَغَدَرْتَ تَسْلُكُ في الطَّرِيقِ الأعْوَجِ ولَكَمْ رَجَوْتُكَ لِلْجَمِيلِ وفِعْلِهِ ∗∗∗ يَوْمًا فَنادانِي النَّهْيُ لا تَرْتَجُّ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ عَلى ( النَّبِيِّ صَلّى ) اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ إلَخِ فَلَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشّاةِ»، واسْتَشْكَلَ هَذا بِأنَّ الزَّنِيمَ عَلَيْهِ لَيْسَ صِفَةَ ذَمٍّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أعْظَمَ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَ ذَلِكَ عَلى ما يُفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَحْسُنُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِهِ عَلى أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ لِمَكانِ ﴿كُلَّ﴾ ويُحْمَلُ ما جاءَ في الرِّواياتِ مِن أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ وكانَ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ لَيْسَ مِن سَنِخِهِمُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ، أوِ الحَكَمُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الأخْنَسُ بْنُ سَرِيقٍ وكانَ أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعَدادُهُ في زَهْرَةَ أوِ الأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، أوْ أبُو جَهْلٍ عَلى بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وقِيلَ في ذَلِكَ أنَّ المُرادَ ذَمُّهُ بِقُبْحِ الخَلْقِ بَعْدَ ذَمِّهِ بِما تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ فَلَعَلَّكَ تَظْفَرُ بِما يُرِيحُ البالَ ويُزِيحُ الإشْكالَ.

القلم 68:13

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ بَخِيلٍ مُمْسِكٍ مِن مَنَعَ مَعْرُوفَهُ عَنْهُ إذا أمْسَكَهُ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ والخَيْرُ عَلى ما قِيلَ المالُ أوْ مَنّاعُ النّاسِ الخَيْرَ وهو الإسْلامُ مِن مَنَعْتَ زِيدا مِنَ الكُفْرِ إذا حَمَلَتْهُ عَلى الكَفِّ، فَذِكْرُ المَمْنُوعِ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ مَنّاعٌ مِنَ الخَيْرِ دُونَ المَمْنُوعِ وهو النّاسُ عَكْسُ وجْهِ الأوَّلِ والتَّعْمِيمُ هُنالِكَ وعَدَمُ ذِكْرِ المَمْنُوعِ مِنهُ أوْقَعُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُجاوِزٍ في الظُّلْمِ حَدَّهُ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرٍ الآثامِ وهي الأفْعالُ البَطِيئَةُ عَنِ الثَّوابِ والمُرادُ بِها المَعاصِي والذُّنُوبُ ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ الشَّدِيدُ الفاتِكِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ. . وقالَ مُعَمَّرٌ وقَتادَةُ: الفاحِشُ اللَّئِيمُ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَعْتَلُ النّاسَ أيْ يَجُرُّهم إلى حَبْسٍ أوْ عَذابٍ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ويُقالُ عَتَنَهُ بِالنُّونِ كَما يُقالُ عَتَلَهُ بِاللّامِ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وقَرَأ الحَسَنُ ( عُتُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِن مَثالِبِهِ وقَبائِحِهِ ( وبَعْدَ ) هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدُ أعْظَمُ في القَباحَةِ وفي الكَشْفِ أشْعَرَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِعُتُلٍّ فَلَزِمَ تَبايُنُهُ مِنَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ وتَبايُنُ ما بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّهُ في سِلْكِهِ ﴿زَنِيمٍ﴾ دَعِيٍّ مُلْحَقٍ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنهم كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والمُرادُ بِهِ ولَدُ الزِّنا كَما جاءَ بِهَذا اللَّفْظِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنْشَدَ الحَسّانُ: زَنِيمٌ تَداعَتْهُ الرِّجالُ زِيادَةً كَمًّا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وكَذا جاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ وأنْشَدَ: زَنِيمٌ لَيْسَ يَعْرِفُ مَن أبُوهُ ∗∗∗ ( بِغَيُّ ) الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمٌ مِنَ الزَّنَمَةِ بِفَتَحاتٍ وهي ما يَتَدَلّى مِنَ الجِلْدِ في حَلْقِ المَعْزِ والفِلْقَةُ مِن أُذُنِهِ تُشَقُّ فَتُتْرَكُ مُعَلَّقَةً، وإنَّما كانَ هَذا أشَدَّ المَعايِبِ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ النّاشِئُ مِنها ومِن ثَمَّ قالَ ﷺ: ««فَرْخُ الزِّنا أيْ ولَدُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةُ»» . فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلى الغالِبِ فَإنَّهُ في الغالِبِ لِخَباثَةِ نُطْفَتِهِ يَكُونُ خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا فَلا يَعْمَلُ عَمَلًا يَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هَذا خارِجٌ مُخْرَجَ التَّهْدِيدِ والتَّعْرِيضِ بِالزّانِي، وحُمِلَ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَعَ السّابِقِينِ لِحَدِيثِ الدّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا ولَدُ زَنْيَةٍ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»» . فَإنَّهُ سُلِكَ في قَرْنِ العاقِّ والمَنّانِ ومُدْمِنِ الخَمْرِ ولا ارْتِيابَ أنَّهم عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَيْسُوا مِن زُمْرَةِ مَن لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أبَدًا. وقِيلَ المُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِ أبَوَيْهِ إذا ماتَ صَغِيرًا بَلْ يَدْخُلُها بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى صفحة 28 ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ كَأطْفالِ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزَّنِيمَ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِالزَّنَمَةِ. وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ والمالُ واحِدٌ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ المَعْرُوفُ بِالأُبْنَةِ ولا يَخْفى أنَّ المَأْبُونَ مَعْدِنُ الشُّرُورِ بَلْ مَن لَمْ يَصِلْ في ذَلِكَ الأمْرِ الشَّنِيعِ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ كَذَلِكَ في الأغْلَبِ ولا حاجَةَ إلى كَثْرَةِ الِاسْتِشْهادِ في هَذا البابِ. وفي قَوْلِ الشّاعِرِ الِاكْتِفاءُ وهُوَ: ولَكَمْ بَذَلْتُ لَكَ المَوَدَّةَ ناصِحًا ∗∗∗ فَغَدَرْتَ تَسْلُكُ في الطَّرِيقِ الأعْوَجِ ولَكَمْ رَجَوْتُكَ لِلْجَمِيلِ وفِعْلِهِ ∗∗∗ يَوْمًا فَنادانِي النَّهْيُ لا تَرْتَجُّ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ عَلى ( النَّبِيِّ صَلّى ) اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ إلَخِ فَلَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشّاةِ»، واسْتَشْكَلَ هَذا بِأنَّ الزَّنِيمَ عَلَيْهِ لَيْسَ صِفَةَ ذَمٍّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أعْظَمَ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَ ذَلِكَ عَلى ما يُفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَحْسُنُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِهِ عَلى أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ لِمَكانِ ﴿كُلَّ﴾ ويُحْمَلُ ما جاءَ في الرِّواياتِ مِن أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ وكانَ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ لَيْسَ مِن سَنِخِهِمُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ، أوِ الحَكَمُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الأخْنَسُ بْنُ سَرِيقٍ وكانَ أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعَدادُهُ في زَهْرَةَ أوِ الأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، أوْ أبُو جَهْلٍ عَلى بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وقِيلَ في ذَلِكَ أنَّ المُرادَ ذَمُّهُ بِقُبْحِ الخَلْقِ بَعْدَ ذَمِّهِ بِما تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ فَلَعَلَّكَ تَظْفَرُ بِما يُرِيحُ البالَ ويُزِيحُ الإشْكالَ.

القلم 68:14

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لا ﴿تُطِعْ﴾ أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِأنَّ كانَ مُتَمَوِّلًا مُتَقَوِّيًا بِالبَنِينَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِأنَّ مُتَعَلِّقًا بِنَحْوِ كَذَّبَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الحَصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ كَذَّبَ لِأنَّ كانَ إلَخِ والمُرادُ أنَّهُ بَطِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّها ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بَقالَ المَذْكُورِ بَعْدُ لِأنَّ ما بَعْدَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِاطِّرادِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وكَذا مَن يَجْعَلُ إذا هُنا ظَرْفِيَّةً. . وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِعُتُلٍّ وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ قَوْلٌ كُوفِيٌّ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِزَنِيمٍ ويَحْسُنُ ذَلِكَ إذا فُسِّرَ بِقَبِيحِ الأفْعالِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ «أأنَّ كانَ» عَلى الِاسْتِفْهامِ وحَقَّقَ الهَمْزَتَيْنِ حَمْزَةُ وسَهَّلَ الثّانِيَةَ باقِيهم عَلى ما في البَحْرِ. وقالَ بَعْضٌ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةِ ومَدَّةٍ والمَعْنى أكَذَّبَ بِها لِأنْ كانَ ذا مالٍ أوْ أطَيَعَهُ لِأنْ كانَ إلَخْ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ عَنْهُ «إنْ كانَ» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ شَرْطَ الغِنى في النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ كالتَّعْلِيلِ بِالفَقْرِ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ بِمَعْنى النَّهْيِ في غَيْرِ ذَلِكَ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الأُولى فَيُثْبَتُ بِدَلالَةِ النَّصِّ والشَّرْطِ والعِلَّةِ في مِثْلِهِ مِمّا لا مَفْهُومَ لَهُ، أوْ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلْمُخاطَبِ. وحاصِلُ المَعْنى لا ﴿تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ إلَخِ شارِطًا يَسارَهُ لِأنَّ إطاعَةَ الكافِرِ لِغِناهُ بِمَنزِلَةِ اشْتِراطِ غِناهُ في الطّاعَةِ. وفِيهِ تَنْزِيلُ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ مَن شَرَطَ ذَلِكَ وحَقَّقَهُ زِيادَةً لِلْإلْهابِ والثَّباتِ، وتَعْرِيضًا بِمَن يَحْسَبُ الغِنى مَكَرَمَةً. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ بَعْدَ اسْتِئْنافٍ وقِيلَ: هَذا مِمّا اجْتَمَعَ فِيهِ شَرْطانِ ولَيْسا مِنَ الشُّرُوطِ المُتَرَتِّبَةِ الوُقُوعَ فالمُتَأخِّرُ لَفْظًا هو المُتَقَدِّمُ، والمُتَقَدِّمُ لَفْظًا هو شَرْطٌ في الثّانِي فَهو كَقَوْلِهِ: فَإنْ عَثَرْتُ بَعْدَها إنْ وألَتْ نَفْسِي مِن هاتا فَقُولا لا لَعا وقَرَأ الحَسَنُ «أئِذا» عَلى الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ عَلى قَوْلِهِ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

القلم 68:15

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لا ﴿تُطِعْ﴾ أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِأنَّ كانَ مُتَمَوِّلًا مُتَقَوِّيًا بِالبَنِينَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِأنَّ مُتَعَلِّقًا بِنَحْوِ كَذَّبَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الحَصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ كَذَّبَ لِأنَّ كانَ إلَخِ والمُرادُ أنَّهُ بَطِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّها ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بَقالَ المَذْكُورِ بَعْدُ لِأنَّ ما بَعْدَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِاطِّرادِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وكَذا مَن يَجْعَلُ إذا هُنا ظَرْفِيَّةً. . وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِعُتُلٍّ وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ قَوْلٌ كُوفِيٌّ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِزَنِيمٍ ويَحْسُنُ ذَلِكَ إذا فُسِّرَ بِقَبِيحِ الأفْعالِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ «أأنَّ كانَ» عَلى الِاسْتِفْهامِ وحَقَّقَ الهَمْزَتَيْنِ حَمْزَةُ وسَهَّلَ الثّانِيَةَ باقِيهم عَلى ما في البَحْرِ. وقالَ بَعْضٌ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةِ ومَدَّةٍ والمَعْنى أكَذَّبَ بِها لِأنْ كانَ ذا مالٍ أوْ أطَيَعَهُ لِأنْ كانَ إلَخْ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ عَنْهُ «إنْ كانَ» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ شَرْطَ الغِنى في النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ كالتَّعْلِيلِ بِالفَقْرِ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ بِمَعْنى النَّهْيِ في غَيْرِ ذَلِكَ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الأُولى فَيُثْبَتُ بِدَلالَةِ النَّصِّ والشَّرْطِ والعِلَّةِ في مِثْلِهِ مِمّا لا مَفْهُومَ لَهُ، أوْ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلْمُخاطَبِ. وحاصِلُ المَعْنى لا ﴿تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ إلَخِ شارِطًا يَسارَهُ لِأنَّ إطاعَةَ الكافِرِ لِغِناهُ بِمَنزِلَةِ اشْتِراطِ غِناهُ في الطّاعَةِ. وفِيهِ تَنْزِيلُ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ مَن شَرَطَ ذَلِكَ وحَقَّقَهُ زِيادَةً لِلْإلْهابِ والثَّباتِ، وتَعْرِيضًا بِمَن يَحْسَبُ الغِنى مَكَرَمَةً. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ بَعْدَ اسْتِئْنافٍ وقِيلَ: هَذا مِمّا اجْتَمَعَ فِيهِ شَرْطانِ ولَيْسا مِنَ الشُّرُوطِ المُتَرَتِّبَةِ الوُقُوعَ فالمُتَأخِّرُ لَفْظًا هو المُتَقَدِّمُ، والمُتَقَدِّمُ لَفْظًا هو شَرْطٌ في الثّانِي فَهو كَقَوْلِهِ: فَإنْ عَثَرْتُ بَعْدَها إنْ وألَتْ نَفْسِي مِن هاتا فَقُولا لا لَعا وقَرَأ الحَسَنُ «أئِذا» عَلى الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ عَلى قَوْلِهِ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

القلم 68:16

﴿سَنَسِمُهُ﴾ سَنَجْعَلُ لَهُ سِمَةً وعَلامَةً ﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ عَلى الأنْفِ وهو مِن بابِ إطْلاقِ مُشَفَّرٍ عَلى شَفَةٍ غَلِيظَةٍ لِإنْسانٍ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ صفحة 29 إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شِينٌ حَتّى أنَّهُ ﷺ نَهى عَنْهُ في الحَيَواناتِ ولَعَنَ فاعِلَهُ فَكَيْفَ عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ وهو الأنْفُ لِتَقَدُّمِهِ، وقَدْ قِيلَ الجَمالُ في الأنْفِ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ: وحُسْنُ الفَتى في الأنْفِ والأنْفُ عاطِلُ فَكَيْفَ إذا ما الخالُ كانَ لَهُ حُلِيًّا وجَعَلُوهُ مَكانَ العِزَّةِ والحَمِيَّةِ واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ وقالُوا: الأنْفُ في الأنْفِ وحَمى أنْفَهُ وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ وقالُوا في الذَّلِيلِ: جَدَعَ أنْفَهُ ورَغِمَ أنْفُهُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗ وعَلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ وفِي لَفْظٍ ﴿الخُرْطُومِ﴾ اسْتِهانَةً لِأنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الفِيلِ والخِنْزِيرِ، فَفي التَّعْبِيرِ عَنِ الأنْفِ بِهَذا الِاسْمِ تَرْشِيحٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الوَسْمُ عَلى العُضْوِ المَخْصُوصِ مِنَ الإذْلالِ والمُرادُ سَنُهِينُهُ في الدُّنْيا ونُذِلُّهُ غايَةَ الإذْلالِ، وكَوْنُ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في الدُّنْيا هو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ إلّا أنَّهم قالُوا: المَعْنى سَنَفْعَلُ بِهِ في الدُّنْيا مِنَ الذَّمِّ والمَقْتِ والِاشْتِهارِ بِالشَّرِّ ما يَبْقى فِيهِ ولا يَخْفى، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ ثابِتًا ( بَيِّنًا ) كَما تَقُولُ: سَأُطَوِّقُكَ طَوْقَ الحَمامَةِ أيْ أُثْبِتُ لَكَ الأمْرَ ( بَيِّنًا ) فِيكَ، وزادَ ذَلِكَ حُسْنًا ذِكْرُ ﴿الخُرْطُومِ﴾ انْتَهى. . وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ فَرْقٌ لا يَخْفى وقالَ بَعْضٌ: هو في الآخِرَةِ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا وعِيدٌ بِأمْرٍ يَكُونُ فِيها مَن قالَ هو تَعْذِيبٌ بِنارٍ عَلى أنْفِهِ في جَهَنَّمَ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ المُبَرِّدِ وقالَ آخَرُونَ مِنهم يُوسَمُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنْفِهِ بَسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها كُفْرُهُ وانْحِطاطُ قَدْرِهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ واخْتارَهُ الفَرّاءُ المُرادُ يُسَوَّدُ وجْهُهُ يَوْمَ القِيامَةِ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، وذِكْرُ ﴿الخُرْطُومِ﴾ والمُرادُ الوَجْهُ مَجازًا ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّهُ يَكُونُ في الدُّنْيا مَن قالَ هو وعِيدٌ بِما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ خَطَمَ فِيهِ بِالسَّيْفِ فَبَقِيَتْ سِمَةٌ عَلى خُرْطُومِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْرُوفُ في كُتُبِ السِّيَرِ والأحادِيثِ أنَّ أبا جَهْلٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ والباقِينَ ما عَدا الحَكَمَ ماتُوا قَبْلَهُ فَلَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم بِذَلِكَ الوَسْمِ، وكَذا الحَكَمُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ وسِمَ بِذَلِكَ وإنْ كانَ لَمْ يَمُتْ قَبْلُ. وعَنِ النَّضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ أنَّ الخُرْطُومَ الخَمْرُ وأنْشَدَ: تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي لَعِبِ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وإنَّ المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِها وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَنْفِيهِ الرِّوايَةُ بِأنَّهُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ هَلَكُوا قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ما عَدا الحَكَمَ وهو لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ حُدَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُلْتَزِمِي الأحْكامِ والدِّرايَةِ أيْضًا لِتَعْقِيدِ اللَّفْظِ وفَواتِ فَخامَةِ المَعْنى.

القلم 68:17

﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أيْ أصَبْنا أهْلَ مَكَّةَ بِبَلِيَّةٍ وهي القَحْطُ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَوْلُهُ: ««اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتْكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»» . ﴿كَما بَلَوْنا﴾ أيْ مِثْلَ ما بَلَوْنا، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةِ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ و(ما مَصْدَرِيَّةٌ وقِيلَ بِمَعْنى الَّذِي أيْ كالبَلاءِ الَّذِي بَلَوْناهُ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ المَعْرُوفِ خَيْرُها عِنْدَهم كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ بِالقُرْبِ مِنهم قَرِيبًا مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ كانَ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِنها فَماتَ فَصارَتْ إلى ولَدِهِ فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنها، فَكانَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وكانَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِأرْضٍ في اليَمَنِ يُقالُ لَها صَوْرانُ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ سِتَّةُ أمْيالٍ. . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ فَماتَ فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ حِينَ يُطْعِمُ المَساكِينَ فَأقْسَمُوا عَلى أنْ لا يُطْعِمُوا مِنها مِسْكِينًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ لِشَيْخٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ يُمْسِكُ قُوتَ سَنَتِهِ ويَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ، وكانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ فَلَمّا ماتَ أقْسَمُوا عَلى مَنعِ المَساكِينِ. وفِي رِوايَةٍ أنَّها كانَتْ لِرَجُلٍ صالِحٍ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ وكانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما أخْطَأهُ المِنجَلُ وما في أسْفَلِ الأكْداسِ وما أخْطَأهُ القِطافُ مِنَ العِنَبِ وما بَقِيَ عَلى البِساطِ تَحْتَ النَّخْلَةِ إذا صَرُمَتْ فَكانَ يَجْتَمِعُ لَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلَمّا ماتَ قالَ بَنُوهُ: إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ ونَحْنُ أُولُو عِيالٍ فَحَلَفُوا لِيَصْرِمُنَّها وقْتَ الصَّباحِ صفحة 30 خُفْيَةً عَنِ المَساكِينِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿إذْ أقْسَمُوا﴾ مَعْمُولُ لَبَلَوْنا ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ لِيَقْطَعَنَّ مِن ثِمارِها بَعْدَ اسْتِوائِها ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ وهَذا حِكايَةٌ لِقَسَمِهِمْ لا عَلى مَنطُوقِهِمْ وإلّا لَقِيلَ لَنَصْرُمَنَّها بِنُونِ المُتَكَلِّمِينَ وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزٌ في مِثْلِهِ.

القلم 68:18

﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ قِيلَ أيْ ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ وتَسْمِيَتُهُ اسْتِثْناءً مَعَ أنَّهُ شَرْطٌ مِن حَيْثُ إنَّ مُؤَدّاهُ مُؤَدّى الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ قَوْلَكَ لَأخْرُجَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ولا أخْرُجُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ الإمامُ أصْلُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الثَّنْيِ وهو الكَفُّ والرَّدُّ وفي التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ رَدٌّ لِانْعِقادِ ذَلِكَ اليَمِينِ فَإطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وقِيلَ أيْ ولا يَنْثَنُونَ عَمّا هَمُّوا بِهِ مِن مَنعِ المَساكِينِ والظّاهِرُ عَلى القَوْلَيْنِ عَطْفُهُ عَلى ﴿أقْسَمُوا﴾ فَمُقْتَضى الظّاهِرِ وما اسْتَثْنَوْا وكَأنَّهُ إنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلَيْهِ اسْتِحْضارٌ لِلصُّورَةِ لِما فِيها مِن نَوْعِ غَرابَةٍ لِأنَّ اللّائِقَ في الحَلِفِ عَلى ما يُلْزَمُ مِنهُ تُرْكُ طاعَةٍ الِاسْتِثْناءُ، وفي الكَشْفِ هو حالٌ أيْ غَيْرَ مُسْتَثْنِينَ وفي العُدُولِ إلى المُضارِعِ نَوْعُ تَعْبِيرٍ وتَنْبِيهٍ عَلى مَكانِ خَطَئِهِمْ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذَكَرْنا وقِيلَ: المَعْنى ولا يَسْتَثْنُونَ حِصَّةَ المَساكِينِ كَما كانَ يُخْرِجُ أبُوهم وعَلَيْهِ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ ومُقْسَمٌ عَلَيْهِ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ الحالِ وهو مَعْنى لا غُبارَ عَلَيْهِ.

القلم 68:19

﴿فَطافَ عَلَيْها﴾ أيْ أحاطَ نازِلًا عَلى الجَنَّةِ ﴿طائِفٌ﴾ أيْ بَلاءٌ مُحِيطٌ فَهو صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، وقَوْلُ قَتادَةَ ﴿طائِفٌ﴾ أيْ عَذابٌ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ أمْرٌ وعَنِ الفَرّاءِ تَخْصِيصُ الطّائِفِ بِالأمْرِ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عُنُقًا مِن نارٍ خَرَجَ مِن وادِي جَنَّتِهِمْ وقِيلَ: الطّائِفُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْتَلَعَها وطافَ بِها حَوْلَ البَلَدِ ثُمَّ وضَعَها قُرْبَ مَكَّةَ حَيْثُ مَدِينَةُ الطّائِفِ اليَوْمَ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالطّائِفِ ولَيْسَ في أرْضِ الحِجازِ بَلْدَةٌ فِيها الماءُ والشَّجَرُ والأعْنابُ غَيْرُها ولا يَصِحُّ هَذا عِنْدِي كالقَوْلِ بِأنَّ الطّائِفَ المَدِينَةَ المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالشّامِ فَنَقَلَها اللَّهُ تَعالى إلى الحِجازِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا القَوْلُ بِأنَّها طافَتْ عَلى الماءِ في الطُّوفانِ ولَوْ قِيلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ حَدِيثُ خُرافَةٍ لا يُعَدُّ حَدِيثَ خُرافَةٍ وقَرَأ النَّخْعِيُّ «طَيْفٌ» ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُبْتَدِئٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والمُرادُ أتاها لَيْلًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. وقِيلَ المُرادُ وهم غافِلُونَ غَفْلَةً تامَّةً عَمّا جَرَتْ بِهِ المَقادِيرُ والأوَّلُ أظْهَرُ مِن جِهَةِ السِّباقِ واللَّحاقِ.

القلم 68:20

﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالرَّمادِ الأسْوَدِ وهو بِهَذا المَعْنى لُغَةُ خُزَيْمَةَ، وعَنْهُ أيْضًا الصَّرِيمُ رَمَلَةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. . وقالَ مُؤَرَّجٌ كالرَّمَلَةِ انْصَرَمَتْ مِن مُعْظَمِ الرَّمْلِ وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يَنْفَعُ وقالَ مُنْذِرٌ والفِراءُ وجَماعَةٌ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والمُرادُ أصْبَحَتْ مُحْتَرِقَةً تُشْبِهُ اللَّيْلَ في السَّوادِ وقالَ الثَّوْرِيُّ: كالصُّبْحِ مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ وقالَ بَعْضُهم يُسَمّى كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ صَرِيمًا لِانْصِرامِ كُلٍّ عَنْ صاحِبِهِ وانْقِطاعِهِ عَنْهُ.

القلم 68:21

﴿فَتَنادَوْا﴾ نادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ لِقَسَمِهِمُ السّابِقِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ أيِ اخْرُجُوا عَلى أنَّ ( أنِ ) تَفْسِيرِيَّةٌ ( واغْدُوا ) بِمَعْنى اخْرُجُوا، أوْ بِأنِ اغْدُوا عَلى أنَّ ( أنِ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَهُما حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ وهي يَجُوزُ أنْ تُوصَلَ بِالأمْرِ عَلى الأصَحِّ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ أيْ بُسْتانِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ وقَطْعِ الثِّمارِ فاغْدُوا، وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عَزْمٍ وإقْدامٍ عَلى رَأْيِكم مِن قَوْلِهِمْ سَيْفٌ صارِمٌ ولَيْسَ بِذاكَ. وظاهِرُ كَلامِ جارِ اللَّهِ أنَّ غَدًا بِمَعْنى بَكْرٍ يَتَعَدّى بِإلى وعُدِّيَ هاهُنا بِعَلى لِتَضْمِينِ الغَدِ، ومَعْنى الإقْبالِ كَما في قَوْلِهِمْ يُغَدّى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن غَدا عَلَيْهِ إذا غارَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ غُدُوَّهم لِقَطْعِ الثِّمارِ بِغُدُوِّ الجَيْشِ عَلى شَيْءٍ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ مَوْجُودٌ فِيهِ وهو الصَّرْمُ والقَطْعُ، صفحة 31 ويَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً وجَوَّزَ أنْ تُعْتَبَرَ الِاسْتِعارَةُ تَمْثِيلِيَّةً وقالَ أبُو حَيّانٍ الَّذِي في حِفْظِي أنَّ غَدًا يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ: وقَدْ نَغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرامِ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ وكَذا بَكْرٌ مُرادِفُهُ كَما في قَوْلِهِ: بَكَّرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فَرَأيْتُهُ ∗∗∗ قُعُودًا لَدَيْهِ بِالصَّرِيمِ عَواذِلُهُ

القلم 68:22

﴿فَتَنادَوْا﴾ نادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ لِقَسَمِهِمُ السّابِقِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ أيِ اخْرُجُوا عَلى أنَّ ( أنِ ) تَفْسِيرِيَّةٌ ( واغْدُوا ) بِمَعْنى اخْرُجُوا، أوْ بِأنِ اغْدُوا عَلى أنَّ ( أنِ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَهُما حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ وهي يَجُوزُ أنْ تُوصَلَ بِالأمْرِ عَلى الأصَحِّ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ أيْ بُسْتانِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ وقَطْعِ الثِّمارِ فاغْدُوا، وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عَزْمٍ وإقْدامٍ عَلى رَأْيِكم مِن قَوْلِهِمْ سَيْفٌ صارِمٌ ولَيْسَ بِذاكَ. وظاهِرُ كَلامِ جارِ اللَّهِ أنَّ غَدًا بِمَعْنى بَكْرٍ يَتَعَدّى بِإلى وعُدِّيَ هاهُنا بِعَلى لِتَضْمِينِ الغَدِ، ومَعْنى الإقْبالِ كَما في قَوْلِهِمْ يُغَدّى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن غَدا عَلَيْهِ إذا غارَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ غُدُوَّهم لِقَطْعِ الثِّمارِ بِغُدُوِّ الجَيْشِ عَلى شَيْءٍ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ مَوْجُودٌ فِيهِ وهو الصَّرْمُ والقَطْعُ، صفحة 31 ويَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً وجَوَّزَ أنْ تُعْتَبَرَ الِاسْتِعارَةُ تَمْثِيلِيَّةً وقالَ أبُو حَيّانٍ الَّذِي في حِفْظِي أنَّ غَدًا يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ: وقَدْ نَغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرامِ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ وكَذا بَكْرٌ مُرادِفُهُ كَما في قَوْلِهِ: بَكَّرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فَرَأيْتُهُ ∗∗∗ قُعُودًا لَدَيْهِ بِالصَّرِيمِ عَواذِلُهُ

القلم 68:23

﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُخافَتَةِ، وخَفى بِفَتْحِ الفاءِ وخَفَّتْ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى الكَتْمِ ومِنهُ الخَفْدُودُ لِلْخُفّاشِ والخَفُودُ لِلنّاقَةِ الَّتِي تُلْقِي ولَدَها قَبْلَ أنْ يَسْتَبِينَ خَلْقُهُ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ﴾ أيِ الجَنَّةِ ﴿عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّخافُتِ مِن مَعْنى القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ بِإسْقاطِها، وعَلَيْهِ قِيلَ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ لِتَضْمُنِّهِ مَعْنى القَوْلِ وهو المَذْهَبُ الكُوفِيُّ فِيهِ وفي أمْثالِهِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ لا أرَيْنَكَ هاهُنا.

القلم 68:24

﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُخافَتَةِ، وخَفى بِفَتْحِ الفاءِ وخَفَّتْ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى الكَتْمِ ومِنهُ الخَفْدُودُ لِلْخُفّاشِ والخَفُودُ لِلنّاقَةِ الَّتِي تُلْقِي ولَدَها قَبْلَ أنْ يَسْتَبِينَ خَلْقُهُ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ﴾ أيِ الجَنَّةِ ﴿عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّخافُتِ مِن مَعْنى القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ بِإسْقاطِها، وعَلَيْهِ قِيلَ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ لِتَضْمُنِّهِ مَعْنى القَوْلِ وهو المَذْهَبُ الكُوفِيُّ فِيهِ وفي أمْثالِهِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ لا أرَيْنَكَ هاهُنا.

القلم 68:25

﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أيْ مَنعٍ كَما قالَ أبُو عَبِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ حارَدَتِ الإبِلُ إذا ( قَلَّتْ ) ألْبانُها وحارَدَتِ السَّنَةُ قُلْ مَطَرُها وخَيْرُها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قادِرِينَ﴾ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ ورِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ وغَدَوْا قادِرِينَ عَلى مَنعٍ لا غَيْرَ والمَعْنى أنَّهم عَزَمُوا عَلى مَنعِ المَساكِينِ وطَلَبُوا حِرْمانَهم ونَكَدَهم وهم قادِرُونَ عَلى نَفْعِهِمْ فَغَدَوْا بِحالٍ لا يَقْدِرُونَ فِيها إلّا عَلى المَنعِ والحِرْمانِ، وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا حِرْمانَ المَساكِينِ فَتَعَجَّلُوا الحِرْمانَ أوْ غَدَوْا عَلى مُحارَدَةِ جَنَّتِهِمْ وذَهابِ خَيْرِها بَدَلَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى إصابَةِ خَيْرِها ومَنافِعِها أيْ غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى حِرْمانِ أنْفُسِهِمْ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ، والحَصْرُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى هَذا إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى انْتِفاعِهِمْ مِن جَنَّتِهِمْ والحَرَمانُ عَلَيْهِ خاصٌّ بِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِغَدَوْا، والمُرادُ بِالحَرْدِ حَرْدُ الجَنَّةِ جِيءَ بِهِ مُشاكَلَةً لِلْحَرْثِ كَأنَّهُ لَمّا قالُوا ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ وقَدْ خَبُثَتْ نِيَّتُهم عاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حارَدَتْ جَنَّتُهم وحُرِمُوا خَيْرَها فَلَمْ يَغْدُوا عَلى حَرْثٍ وإنَّما غَدَوْا عَلى حَرْدٍ ( وقادِرِينَ ) مِن عَكْسِ الكَلامِ لِلتَّهَكُّمِ أيْ قادِرِينَ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ. . وقِيلَ الحَرْدُ بِفَتْحِ الرّاءِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وهو بِمَعْنى الغَيْظِ والغَضَبِ كَما قالَ أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ حاتِمٍ صاحِبُ الأصْمَعِيِّ وأنْشَدَ: إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرَدِّي مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرَدِ أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى إغْضابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القَلَمِ: 30] ورُوِيَ هَذا عَنْ سُفْيانَ والسُّدِّيِّ والحَصْرُ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ أوْ إضافِيٌّ. وقِيلَ بِمَعْنى القَصْدِ والسُّرْعَةِ وأنْشَدَ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرَدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ أيْ غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَ ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالٌ مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) و(قادِرِينَ ) حالٌ أيْضًا إلّا أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ حالٌ حَقِيقِيَّةٌ بِناءً عَلى القَيْدِ بِعِنْدِ أنْفُسِهِمْ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ لِأنَّ ثِمارَ جَنَّتِهِمْ هالِكَةٌ فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى صِرامِها وقَدْ فَنِيَتْ: وقالَ الأزْهَرِيُّ ( حَرْدٍ ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ وفي رِوايَةٍ عَنِ السُّدِّيِّ اسْمُ جَنَّتِهِمْ ولا أظُنُّ ذَلِكَ مُرادًا وقِيلَ الحَرْدُ الِانْفِرادُ يُقالُ: حَرَدَ عَنْ قَوْمِهِ إذا تَنَحّى عَنْهم ونَزَلَ مُنْفَرِدًا وكَوْكَبٌ حَرُودٌ مُعْتَزِلٌ عَنِ الكَواكِبِ والمَعْنى وغَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ المَساكِينِ لَيْسَ أحَدٌ مِنهم مَعَهم قادِرِينَ عَلى صِرامِها وهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ قادِرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى التَّضْيِيقِ أيْ مُضَيِّقِينَ عَلى المَساكِينِ إذْ حَرَمُوهم ما صفحة 32 كانَ أبُوهم يُنِيلُهم مِنها وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

القلم 68:26

﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أوَّلَ ما وقَعَ نَظَرُهم عَلَيْها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ طَرِيقَ جَنَّتِنا وما هي بِها قالَهُ قَتادَةُ: وقِيلَ ﴿لَضالُّونَ﴾ عَنِ الصَّوابِ في غُدُوِّنا عَلى نِيَّةِ مَنعِ المَساكِينِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالُوهُ بَعْدَ ما تَأمَّلُوا ووَقَفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ مُضْرِبِينَ عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ أيْ لَسْنا ضالِّينَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرَها بِجِنايَتِنا عَلى أنْفُسِنا.

القلم 68:27

﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أوَّلَ ما وقَعَ نَظَرُهم عَلَيْها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ طَرِيقَ جَنَّتِنا وما هي بِها قالَهُ قَتادَةُ: وقِيلَ ﴿لَضالُّونَ﴾ عَنِ الصَّوابِ في غُدُوِّنا عَلى نِيَّةِ مَنعِ المَساكِينِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالُوهُ بَعْدَ ما تَأمَّلُوا ووَقَفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ مُضْرِبِينَ عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ أيْ لَسْنا ضالِّينَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرَها بِجِنايَتِنا عَلى أنْفُسِنا.

القلم 68:28

﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أحْسَنُهم وأرْجَحُهم عَقْلًا ورَأيا أوْ أوْسَطُهم سِنًّا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ لَوْلا تَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن خُبْثِ نِيَّتِكم وقَدْ كانَ قالَ لَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى وتُوبُوا إلَيْهِ عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ الخَبِيثَةِ مِن فَوْرِكم وسارِعُوا إلى حَسْمِ شَرِّهًا قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ فَعَصَوْهُ فَعَيَّرَهم ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ لِأنَّ التَّسْبِيحَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ( وإنّا كُنّا ) إلَخِ نَدامَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنَبِ فَهو تَوْبَةٌ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما تَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ عَلى أثَرِ مُقارَفَةِ الخَطِيئَةِ ولَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الِاسْتِثْناءُ لِالتِقائِهِما في مَعْنى التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ تَفْوِيضٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والتَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى وكُلُّ واحِدٍ مِنَ التَّفْوِيضِ والتَّنْزِيهِ تَعْظِيمٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تَسْتَثْنُونَ أيْ تَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ أنَّهُما قالا كانَ اسْتِثْناؤُهم في ذَلِكَ الزَّمانِ التَّسْبِيحَ كَما نَقُولُ نَحْنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ اسْتِثْناءَ اليَوْمِ فَعِنْدَهُ لَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ أنْتَ طالِقٌ سُبْحانَ اللَّهِ لا تُطَلَّقُ، ونَسَبَ إلى الإمامِ ابْنِ الهُمامِ وادَّعى أنَّهُ قالَهُ في فَتاوِيهِ، ووُجِهَ بِأنَّ المُرادَ بِسُبْحانَ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ أُنَزِّهُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَخْلُقَ البَغِيضَ إلَيْهِ وهو الطَّلاقُ فَإنَّهُ قَدْ ورَدَ أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ تَعالى الطَّلاقُ وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ نِسْبَتَهُ إلى ذَلِكَ الإمامِ المُتَقَدِّمِ ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ فَتاوى. واعْتَرَضَ التَّوْجِيهَ المَذْكُورَ بِما اعْتَرَضَ وهو لَعَمْرِي أدْنى مِن أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ. وأنا أقُولُ أوْلى مِنهُ قَوْلُ النَّحّاسِ في تَوْجِيهِ جَعْلِ التَّسْبِيحِ مَوْضِعَ الِاسْتِثْناءِ أنَّ المَعْنى تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بَنى الأمْرَ عَلى صِحَّةِ ما رُوِيَ وإنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ عَلَيْنا مِن غَيْرِ نَكِيرٍ وهَذا عَلى عِلّاتِهِ أحْسَنُ مِمّا قِيلَ في تَوْجِيهِهِ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ: المَعْنى لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ ووَجْهُ التَّجَوُّزِ يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ.

القلم 68:29

﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أحْسَنُهم وأرْجَحُهم عَقْلًا ورَأيا أوْ أوْسَطُهم سِنًّا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ لَوْلا تَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن خُبْثِ نِيَّتِكم وقَدْ كانَ قالَ لَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى وتُوبُوا إلَيْهِ عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ الخَبِيثَةِ مِن فَوْرِكم وسارِعُوا إلى حَسْمِ شَرِّهًا قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ فَعَصَوْهُ فَعَيَّرَهم ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ لِأنَّ التَّسْبِيحَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ( وإنّا كُنّا ) إلَخِ نَدامَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنَبِ فَهو تَوْبَةٌ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما تَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ عَلى أثَرِ مُقارَفَةِ الخَطِيئَةِ ولَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الِاسْتِثْناءُ لِالتِقائِهِما في مَعْنى التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ تَفْوِيضٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والتَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى وكُلُّ واحِدٍ مِنَ التَّفْوِيضِ والتَّنْزِيهِ تَعْظِيمٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تَسْتَثْنُونَ أيْ تَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ أنَّهُما قالا كانَ اسْتِثْناؤُهم في ذَلِكَ الزَّمانِ التَّسْبِيحَ كَما نَقُولُ نَحْنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ اسْتِثْناءَ اليَوْمِ فَعِنْدَهُ لَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ أنْتَ طالِقٌ سُبْحانَ اللَّهِ لا تُطَلَّقُ، ونَسَبَ إلى الإمامِ ابْنِ الهُمامِ وادَّعى أنَّهُ قالَهُ في فَتاوِيهِ، ووُجِهَ بِأنَّ المُرادَ بِسُبْحانَ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ أُنَزِّهُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَخْلُقَ البَغِيضَ إلَيْهِ وهو الطَّلاقُ فَإنَّهُ قَدْ ورَدَ أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ تَعالى الطَّلاقُ وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ نِسْبَتَهُ إلى ذَلِكَ الإمامِ المُتَقَدِّمِ ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ فَتاوى. واعْتَرَضَ التَّوْجِيهَ المَذْكُورَ بِما اعْتَرَضَ وهو لَعَمْرِي أدْنى مِن أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ. وأنا أقُولُ أوْلى مِنهُ قَوْلُ النَّحّاسِ في تَوْجِيهِ جَعْلِ التَّسْبِيحِ مَوْضِعَ الِاسْتِثْناءِ أنَّ المَعْنى تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بَنى الأمْرَ عَلى صِحَّةِ ما رُوِيَ وإنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ عَلَيْنا مِن غَيْرِ نَكِيرٍ وهَذا عَلى عِلّاتِهِ أحْسَنُ مِمّا قِيلَ في تَوْجِيهِهِ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ: المَعْنى لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ ووَجْهُ التَّجَوُّزِ يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ.

القلم 68:30

﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنَّ مِنهم عَلى ما قِيلَ مَن أشارَ بِذَلِكَ ومِنهم مَنِ اسْتَصْوَبَهُ ومِنهم مَن سَكَتَ راضِيًا بِهِ ومِنهم مَن أنْكَرَهُ ولا يَأْبى ذَلِكَ إسْنادُ الأفْعالِ فِيما سَبَقَ إلى جَمِيعِهِمْ لِما عُلِمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى.

القلم 68:31

﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنَّ مِنهم عَلى ما قِيلَ مَن أشارَ بِذَلِكَ ومِنهم مَنِ اسْتَصْوَبَهُ ومِنهم مَن سَكَتَ راضِيًا بِهِ ومِنهم مَن أنْكَرَهُ ولا يَأْبى ذَلِكَ إسْنادُ الأفْعالِ فِيما سَبَقَ إلى جَمِيعِهِمْ لِما عُلِمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى.

القلم 68:32

﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا﴾ أيْ يُعْطِيَنا بَدَلًا مِنها بِبَرَكَةِ التَّوْبَةِ والِاعْتِرافِ بِالخَطِيئَةِ ﴿خَيْرًا مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ الجَنَّةِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا﴾ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿راغِبُونَ﴾ راجُونَ العَفْوَ طالِبُونَ الخَيْرَ ( وإلى ) لِانْتِهاءِ الرَّغْبَةِ أوْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الرُّجُوعِ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها ورُوِيَ أنَّهم تَعاقَدُوا وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا فَدَعَوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَلَغَنِي أنَّ القَوْمَ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى وأخْلَصُوا وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَلَهم بِها جَنَّةً يُقالُ لَها الحَيَوانُ فِيها عِنَبٌ يُحْمَلُ عَلى البَغْلِ مِنها عُنْقُودٌ وقالَ أبُو خالِدٍ اليَمانِيُّ رَأيْتُ تِلْكَ الجَنَّةَ وكُلُّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانٍ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ أصابُوا مَعْصِيَةً وتابُوا، وحُكِيَ عَنْ بَعْضٍ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ وعَنِ التَّسَتُّرِي أنَّ المُعْظَمَ يَقُولُونَ إنَّهم تابُوا وأخْلَصُوا وتَوَقَّفَ الحَسَنُ في إيمانِهِمْ فَقالَ: لا أدْرِي أكانَ قَوْلُهم ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ إيمانًا أوْ عَلى حَدِّ ما يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا أصابَتْهُمُ الشِّدَّةُ. . وسُئِلَ قَتادَةُ عَنْهم أهَمْ مِن صفحة 33 أهْلِ الجَنَّةِ أمْ مِن أهْلِ النّارِ؟ فَقالَ لِلسّائِلِ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي تَعَنُّتًا وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو «يُبَدِّلُنا» مُشَدَّدًا.

القلم 68:33

﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِإفادَةِ القَصْرِ وألْ لِلْعَهْدِ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْنا بِهِ أهْلَ مَكَّةَ مِنَ الجَدَبِ الشَّدِيدِ وأصْحابَ الجَنَّةِ مِمّا قَصَّ عَذابُ الدُّنْيا، والكَلامُ قِيلَ وارِدٌ تَحْذِيرًا لَهم كَأنَّهُ لَمّا نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ وخاصَّةَ رُؤَسائِهِمْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ تَمَرُّدَهم لِما أتَوْهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ وعَقَّبَ جَلَّ وعَلا بِأنَّهُما إذا لَمْ يَشْكُرا المُنْعِمَ عَلَيْهِما يَؤُولُ حالُ صاحِبِهِما إلى حالِ أصْحابِ الجَنَّةِ مُدْمَجًا فِيهِ أنَّ خُبْثَ النِّيَّةِ والزَّوَّيَ عَنِ المَساكِينِ إذا أفْضى بِهِمْ إلى ما ذَكَرَ فَمُعانَدَةُ الحَقِّ تَعالى بِعِنادِ مَن هو عَلى خَلْقِهِ وأشْرَفُ المَوْجُوداتِ وقَطْعُ رَحِمِهِ أوْلى بِأنْ يُفْضِيَ بِأهْلِ مَكَّةَ إلى البَوارِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ أيْ أعْظَمُ وأشَدُّ تَحْذِيرٍ عَنِ العِنادِ بِوَجْهٍ أبْلَغَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ نَعى عَلَيْهِمْ بِالغَفْلَةِ أيْ لَوْ كانُوا مِن أهْلِ العِلْمِ لَعَلِمُوا أنَّهُ أكْبَرُ ولَأخَذُوا مِنهُ حِذْرَهم.

القلم 68:34

﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ كَما في البَحْرِ أوْ مِنهُ ومِنَ المَعاصِي كَما في الإرْشادِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ جَلَّ جَلالُهُ أوْ في جِوارٍ قَدَّسَهُ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ الخالِصُ عَنْ شائِبَةِ ما يُنَغِّصُهُ مِنَ الكُدُوراتِ وخَوْفِ الزَّوالِ وأخَذَ الحَصْرَ مِنَ الإضافَةِ إلى ﴿النَّعِيمِ﴾ لِإفادَتِها التَّمَيُّزَ مِن جَنّاتِ الدُّنْيا والتَّعْرِيضِ بِأنَّ جَنّاتِ الدُّنْيا لغالِبٌ عَلَيْها النَّغَصُ: طُبِعَتْ عَلى كَدَرٍ وأنْتَ تُرِيدُها صَفْوًا مِنَ الأقْذارِ والأكْدارِ

القلم 68:35

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن فَوْزِ المُتَّقِينَ ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِحَدِيثِ الآخِرَةِ وما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن مَعَهُ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا ( وإلّا ) لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنا ولَمْ يَفْضِلُونا، وأقْصى أمْرِهِمْ أنْ يُساوُونا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقالُ أيْ فَيَحِيفُ في الحُكْمِ الحَكَمُ فَيَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ ثُمَّ قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ وتَشْدِيدِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَعَجُّبًا مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ إذْ مَعْنى ما ( لَكم ) أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم مِن خَلَلِ الفِكْرِ وفَسادِ الرَّأْيِ.

القلم 68:36

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن فَوْزِ المُتَّقِينَ ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِحَدِيثِ الآخِرَةِ وما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن مَعَهُ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا ( وإلّا ) لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنا ولَمْ يَفْضِلُونا، وأقْصى أمْرِهِمْ أنْ يُساوُونا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقالُ أيْ فَيَحِيفُ في الحُكْمِ الحَكَمُ فَيَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ ثُمَّ قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ وتَشْدِيدِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَعَجُّبًا مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ إذْ مَعْنى ما ( لَكم ) أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم مِن خَلَلِ الفِكْرِ وفَسادِ الرَّأْيِ.

القلم 68:37

﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ ( فِيهِ ) أيْ في الكِتابِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ تَقْرَءُونَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةُ كِتابٍ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ أوْ هو الصِّفَةُ والضَّمِيرُ لِلْحُكْمِ أوِ الأمْرِ ( وتَدْرُسُونَ ) مُسْتَأْنِفٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لِلَّذِي تَخْتارُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ يُقالُ: تَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ أخَذَ خَيِّرَهُ وشاعَ في أخْذِ ما يُرِيدُهُ مُطْلَقًا مَفْعُولُ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ إذْ هو المَدْرُوسُ فَهو واقِعُ مَوْقِعٍ المُفْرَدِ وأصْلُهُ أنَّ لَكم فِيهِ ما تَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ «أنَّ» وتَرْكِ اللّامِ في خَبَرِها فَلَمّا جِيءَ بِاللّامِ كَسَرَتِ الهَمْزَةَ وعُلِّقَ الفِعْلُ عَنِ العَمَلِ ومِن هُنا قِيلَ إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْمِينِ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ مَعْنى العِلْمِ لِيَجْرِيَ فِيهِ العَمَلُ في الجُمَلِ والتَّعْلِيقِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ كَما هو عَلَيْهِ فَيَكُونُ بِعَيْنِهِ لَفْظَ الكِتابِ مِن غَيْرِ تَحْوِيلٍ مِنَ الفَتْحِ لِلْكَسْرِ وضَمِيرُ ( فِيهِ ) عَلى الأوَّلِ لِلْكِتابِ وأُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ وعَلى هَذا يَعُودُ لِأمْرِهِمْ أوْ لِلْحُكْمِ فَيَكُونُ مُحَصِّلُ ما خَطَّ في الكِتابِ أوِ الحُكْمِ أوِ الأمْرِ مُفَوَّضًا لَهم فَسَقَطَ قَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ أنَّ لَفْظَ ( فِيهِ ) لا يُساعِدُهُ لِلِاسْتِغْناءِ بِفِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِ ضَمِيرِ ( فِيهِ ) لِيَوْمِ القِيامَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ أوْ لِلْمَكانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعَلى الِاسْتِئْنافِ هو لِلْحُكْمِ أيْضًا وجَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ عَلى مَعْنى إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ ما تَتَخَيَّرُونَ وهو كَما تَرى. . والظّاهِرُ أنَّ ﴿أمْ لَكُمْ﴾ إلَخِ مُقابِلٌ لِما قَبْلَهُ نَظَرًا لِحاصِلِ المَعْنى إذْ مُحَصِّلُهُ أفَسَدَ عَقْلُكم حَتّى حَكَّمْتُكم بِهَذا أمْ جاءَكم كِتابٌ صفحة 34 فِيهِ تَخْيِيرُكم وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْكم وقَرَأ طَلْحَةُ والضَّحاكُ «أنْ لَكُمْ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامُ في ﴿لَما﴾ زائِدَةٌ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ «ألا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ» بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم وقَرَأ الأعْرَجُ «أنْ لَكُمْ» بِالِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

القلم 68:38

﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ ( فِيهِ ) أيْ في الكِتابِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ تَقْرَءُونَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةُ كِتابٍ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ أوْ هو الصِّفَةُ والضَّمِيرُ لِلْحُكْمِ أوِ الأمْرِ ( وتَدْرُسُونَ ) مُسْتَأْنِفٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لِلَّذِي تَخْتارُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ يُقالُ: تَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ أخَذَ خَيِّرَهُ وشاعَ في أخْذِ ما يُرِيدُهُ مُطْلَقًا مَفْعُولُ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ إذْ هو المَدْرُوسُ فَهو واقِعُ مَوْقِعٍ المُفْرَدِ وأصْلُهُ أنَّ لَكم فِيهِ ما تَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ «أنَّ» وتَرْكِ اللّامِ في خَبَرِها فَلَمّا جِيءَ بِاللّامِ كَسَرَتِ الهَمْزَةَ وعُلِّقَ الفِعْلُ عَنِ العَمَلِ ومِن هُنا قِيلَ إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْمِينِ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ مَعْنى العِلْمِ لِيَجْرِيَ فِيهِ العَمَلُ في الجُمَلِ والتَّعْلِيقِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ كَما هو عَلَيْهِ فَيَكُونُ بِعَيْنِهِ لَفْظَ الكِتابِ مِن غَيْرِ تَحْوِيلٍ مِنَ الفَتْحِ لِلْكَسْرِ وضَمِيرُ ( فِيهِ ) عَلى الأوَّلِ لِلْكِتابِ وأُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ وعَلى هَذا يَعُودُ لِأمْرِهِمْ أوْ لِلْحُكْمِ فَيَكُونُ مُحَصِّلُ ما خَطَّ في الكِتابِ أوِ الحُكْمِ أوِ الأمْرِ مُفَوَّضًا لَهم فَسَقَطَ قَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ أنَّ لَفْظَ ( فِيهِ ) لا يُساعِدُهُ لِلِاسْتِغْناءِ بِفِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِ ضَمِيرِ ( فِيهِ ) لِيَوْمِ القِيامَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ أوْ لِلْمَكانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعَلى الِاسْتِئْنافِ هو لِلْحُكْمِ أيْضًا وجَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ عَلى مَعْنى إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ ما تَتَخَيَّرُونَ وهو كَما تَرى. . والظّاهِرُ أنَّ ﴿أمْ لَكُمْ﴾ إلَخِ مُقابِلٌ لِما قَبْلَهُ نَظَرًا لِحاصِلِ المَعْنى إذْ مُحَصِّلُهُ أفَسَدَ عَقْلُكم حَتّى حَكَّمْتُكم بِهَذا أمْ جاءَكم كِتابٌ صفحة 34 فِيهِ تَخْيِيرُكم وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْكم وقَرَأ طَلْحَةُ والضَّحاكُ «أنْ لَكُمْ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامُ في ﴿لَما﴾ زائِدَةٌ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ «ألا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ» بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم وقَرَأ الأعْرَجُ «أنْ لَكُمْ» بِالِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

القلم 68:39

﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أيْ إقْسامٌ، وفُسِّرَتْ بِالعُهُودِ وإطْلاقُ الإيمانِ عَلَيْها مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ أوِ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ أقْصى ما يُمْكِنُ، والمُرادُ مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بالِغَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( عَلَيْنا ) أوْ ( لَكم ) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن إيمانٍ لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في ( لَكم ) أيْ ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها إلّا يَوْمَئِذٍ إذا حَكَمْناكم وأعْطَيْناكم ما تَحْكُمُونَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِبالِغَةٍ أيْ إيمانٍ تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَنْتَهِي إلَيْهِ وافِرَةٍ لَمْ يَبْطُلْ مِنها يَمِينٌ فَإلى عَلى الأوَّلِ لِغايَةِ الثُّبُوتِ المُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَهو كَأجَلِ الدَّيْنِ وعَلى الثّانِي لِغايَةِ البُلُوغِ فَهي قَيْدُ اليَمِينِ أيْ يَمِينًا مُؤَكَّدًا لا يَنْحَلُّ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ولَيْسَ مِن تَأْجِيلِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ في شَيْءٍ إذْ لا مَدْخَلَ لِبالِغَةٍ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ لِأنَّ مَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا أمْ أقْسَمْنا لَكم وهو جارٍ عَلى تَفْسِيرِ الأيْمانِ بِمَعْنى العُهُودِ لِأنَّ العَهْدَ كاليَمِينِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ فَيُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ وقَرَأ الأعْرَجُ «آنَ لَكُمْ» بِالِاسْتِفْهامِ أيْضًا.

القلم 68:40

﴿سَلْهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ أيْ سَلْهم مُبَكِّتًا لَهم ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ الحُكْمِ الخارِجِيِّ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ ﴿زَعِيمٌ﴾ قائِمٌ يَتَصَدّى لِتَصْحِيحِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَعْمُولِ الثّانِي لِسَلْ والفِعْلُ عِنْدَ أبِي حَيّانٍ وجَماعَةٍ مُعَلَّقٌ عَنْها لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وكَوْنُ السُّؤال مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِحُصُولِهِ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ ويَذْهَبُونَ مَذْهَبَهم ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دَعْواهم إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّقْلِيدِ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الآياتِ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ في تَحْقِيقِ دَعْواهم حَيْثُ نَبَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وعَلى نَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ إلَخِ وعَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى وعَدَهم بِذَلِكَ ووَعْدُ الكَرِيمِ دَيْنٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ إلَخِ وعَلى نَفْيِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو أوْهَنُ مِن حِبالِ القَمَرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ وقِيلَ المَعْنى أمْ لَهم آلِهَةٌ عَدُّوها شُرَكاءَ في الأُلُوهِيَّةِ تَجْعَلُهم كالمُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ» والمُرادُ بِهِ ما أُرِيدَ بِشُرَكائِهِمْ.

القلم 68:41

﴿سَلْهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ أيْ سَلْهم مُبَكِّتًا لَهم ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ الحُكْمِ الخارِجِيِّ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ ﴿زَعِيمٌ﴾ قائِمٌ يَتَصَدّى لِتَصْحِيحِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَعْمُولِ الثّانِي لِسَلْ والفِعْلُ عِنْدَ أبِي حَيّانٍ وجَماعَةٍ مُعَلَّقٌ عَنْها لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وكَوْنُ السُّؤال مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِحُصُولِهِ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ ويَذْهَبُونَ مَذْهَبَهم ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دَعْواهم إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّقْلِيدِ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الآياتِ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ في تَحْقِيقِ دَعْواهم حَيْثُ نَبَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وعَلى نَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ إلَخِ وعَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى وعَدَهم بِذَلِكَ ووَعْدُ الكَرِيمِ دَيْنٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ إلَخِ وعَلى نَفْيِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو أوْهَنُ مِن حِبالِ القَمَرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ وقِيلَ المَعْنى أمْ لَهم آلِهَةٌ عَدُّوها شُرَكاءَ في الأُلُوهِيَّةِ تَجْعَلُهم كالمُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ» والمُرادُ بِهِ ما أُرِيدَ بِشُرَكائِهِمْ.

القلم 68:42

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ ويَجُوزَ تَعَلُّقُهُ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرْ أوْ يَكُونُ كَيْتَ وكَيْتَ وقِيلَ بِخاشِعَةٍ وقِيلَ بِتَرْهَقُهم ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ يَوْمُ القِيامَةِ، والسّاقُ ما فَوْقَ القَدَمِ وكَشْفُها والتَّشْمِيرُ عَنْها مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ حَتّى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ ساقٌ بِوَجْهٍ كَما في قَوْلِ حاتِمٍ: أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقَوْلِ الرّاجِزِ: عَجِبْتُ مِن نَفْسِي ومِن إشْفاقِها ∗∗∗ ومِن طِواءِ الخَيْلِ عَنْ أرْزاقِها فِي سَنَةٍ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءَ تَبِرِي اللَّحْمَ عَنْ عِراقِها وأصْلُهُ تَشْمِيرُ المُخَدِّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ فَإنَّهُنَّ لا يَفْعَلْنَ ذَلِكَ إلّا إذا عَظُمَ الخَطْبُ واشْتَدَّ الأمْرُ فَيُذْهَلْنَ عَنِ السَّتْرِ بِذَيْلِ الصِّيانَةِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ وعِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في صفحة 35 الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: صَبْرًا عَناقُ إنَّهُ شَرٌّ باقِ ∗∗∗ قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكِ ضَرْبَ الأعْناقِ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ والرِّواياتُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ وقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ والمُرادُ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُ الأُمُورِ وأُصُولُها بِحَيْثُ تَصِيرُ عِيانًا وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ الغِطاءُ وكَذا ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ حِينَ يُكْشَفُ الأمْرُ وتَبْدُو الأعْمالُ وفي السّاقِ عَلى هَذا المَعْنى اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وفي الكَشْفِ تَجَوُّزٌ آخَرُ أوْ هو تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ وتَنْكِيرُ ﴿ساقٍ﴾ قِيلَ لِلتَّهْوِيلِ عَلى الأوَّلِ ولِلتَّعْظِيمِ عَلى الثّانِي. . وقِيلَ لا يُنْظَرُ إلى شَيْءٍ مِنهُما عَلى الأوَّلِ لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ تَمْثِيلٌ وهو لا يُنْظَرُ فِيهِ لِلْمُفْرِداتِ أصْلًا وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالسّاقِ ساقُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ. واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ ويَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا»» . وأنْكَرَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: «إنَّ أقْوامًا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ وإنَّما يَكْشِفُ عَنِ الأمْرِ الشَّدِيدِ» وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما في الحَدِيثِ عَلى الأمْرِ الشَّدِيدِ أيْضًا وإضافَتُهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَهْوِيلِ أمْرِهِ وأنَّهُ أمْرٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وأرْبابُ الباطِنِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ يَقُولُونَ بِالظّاهِرِ ويَدَّعُونَ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّجَلِّي الصُّورِيِّ. وعَلَيْهِ حَمَلُوا أيْضًا ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ ويَنْزِلُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ فَيُنادِي مُنادٍ يا أيُّها النّاسُ ألَمْ تَرْضُوا مِن رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم وصَوَّرَكم ورَزَقَكم أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ إنْسانٍ مِنكم ما كانَ يَعْبُدُ في الدُّنْيا ويَتَوَلّى ألَيْسَ ذَلِكَ عَدْلًا مِن رَبِّكم قالُوا: بَلى قالَ: «فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم إلى ما كانَ يَتَوَلّى في الدُّنْيا ويَتَمَثَّلُ لَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ في الدُّنْيا ويُمَثَّلُ لِمَن كانَ يَعْبُدُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْطانُ عِيسى وكَذا يُمَثَّلُ لِمَن كانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا حَتّى تُمَثَّلَ لَهُمُ الشَّجَرَةُ والعُودُ والحَجَرُ ويَبْقى أهْلُ الإسْلامِ جُثُومًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ فَيُقالُ لَهم ما لَكم لَمْ تَنْطَلِقُوا كَما انْطَلَقَ النّاسُ فَيَقُولُونَ: إنَّ لَنا رَبًّا ما رَأيْناهُ بَعْدُ فَيَقُولُ فَبِمَ تَعْرِفُونَ رَبَّكم إنْ رَأيْتُمُوهُ؟ قالُوا: بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَلامَةٌ إنْ رَأيْناهُ عَرَفْناهُ، قالَ: وما هِيَ؟ قالُوا يَكْشِفُ عَنْ ساقٍ فَيَكْشِفُ عِنْدَ ذَلِكَ»» الحَدِيثُ. وهُوَ ونَظائِرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ السَّلَفِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ يُكْشَفُ بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «نَكْشِفُ» بِالنُّونِ وقُرِئَ «يُكْشِفُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشِفُ إذا دَخَلَ في الكَشْفِ ومِنهُ اكْشِفِ الرِّجْلَ فَهو مُكَشَّفٌ انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا. . وقُرِئَ «تَكْشِفُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ السّاعَةِ المَعْلُومَةِ مِن ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ أوِ الحالُ المَعْلُومَةُ مِن دَلالَةِ الحالِ وبِها، والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ وجَعْلُ الضَّمِيرِ لِلسّاعَةِ أوِ الحالِ أيْضًا وتُعْقِّبَ بِأنَّهُ يَكُونُ الأصْلُ حِينَئِذٍ يَكْشِفُ اللَّهُ السّاعَةَ عَنْ ساقِها مَثَلًا ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لِاسْتِدْعائِهِ إبْداءَ السّاقِ وإذْهابَ السّاعَةِ كَما تَقُولُ: كَشَفَتْ عَنْ وجْهِها القِناعَ والسّاعَةُ لَيْسَتْ سِتْرًا عَلى السّاقِ حَتّى تَكْشِفَ، وأُجِيبَ أنَّها جُعِلَتْ سِتْرا مُبالَغَةً لِأنَّ المُخَدِّرَةَ تُبالِغُ في السَّتْرِ جُهْدَها فَكَأنَّها نَفْسُ السِّتْرِ فَقِيلَ تَكْشِفُ السّاعَةُ وهَذا كَما تَقُولُ كَشَفْتُ زَيْدًا عَنْ جَهْلِهِ إذا بالَغْتَ في إظْهارِ جَهْلِهِ لِأنَّهُ كانَ سِتْرًا عَلى جَهْلِهِ يَسْتُرُ مَعايِبَهُ فَأبَنْتَهُ وأظْهَرْتَهُ إظْهارًا لَمْ يُخْفَ عَلى أحَدٍ. وقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ الإذْهابَ حِينَئِذٍ ادِّعائِيٌّ صفحة 36 ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ولا عِبْرَةَ بِما ذَكَرَ مِنَ المِثالِ المَصْنُوعِ وأقَلُّ تَكَلُّفًا مِنهُ جَعْلُ ﴿عَنْ ساقٍ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ مِنهُ. والأصْلُ يَكْشِفُ عَنْها أيْ عَنِ السّاعَةِ أوِ الحالِ فَنَزَعَ الخافِضَ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إبْدالَ الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَصِحُّ بِحَسْبِ قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ فَهو ضِغْثٌ عَلى إبالَةٍ وتَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ وقِيلَ إنَّ ﴿عَنْ ساقٍ﴾ نائِبُ الفاعِلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ حَقَّ الفِعْلِ التَّذْكِيرُ كَصَرَفَ عَنْ هِنْدٍ ومُرَّ بِدَعْدٍ ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمْ إيّاهُ في الدُّنْيا وتَحْسِيرًا لَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في ذَلِكَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِزَوالِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَقْصِدُونَهُ فَلا يَتَأتّى مِنهُمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تُعَقَّمُ أصْلابُهم أيْ تُرَدُّ عِظامًا بِلا مَفاصِلَ لا تَنْثَنِي عِنْدَ الرَّفْعِ والخَفْضِ وتَقَدَّمَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ ومَن مَعَهُ ما سَمِعَتْ وفي حَدِيثٍ تَصِيرُ أصْلابُ المُنافِقِينَ والكُفّارِ كَصَياصِيِّ البَقَرِ عَظْمًا واحِدًا. . والظّاهِرُ أنَّ الدّاعِيَ اللَّهُ تَعالى أوِ المَلِكُ وقِيلَ هو ما يَرَوْنَهُ مِن سُجُودِ المُؤْمِنِينَ واسْتَدَلَّ أبُو مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ يَوْمَ الكَشْفِ في الدُّنْيا قالَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ فَيُرادُ مِنهُ إمّا آخِرُ أيّامِ الشَّخْصِ في دُنْياهُ حِينَ يَرى المَلائِكَةَ وإمّا وقْتَ المَرَضِ والهَرَمِ والمُعْجِزَةِ ويُدْفَعُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ.

القلم 68:43

﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّ أبْصارَهم مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ونْسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها (تَرْهَقُهم ) تَلْحَقُهم وتَغْشاهم (ذِلَّةٌ) شَدِيدَةٌ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ في الدُّنْيا والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ كَما قالَ النَّخْعِيُّ والشَّعْبِيُّ أوْ جَمِيعُ الطّاعاتِ كَما قِيلَ. والدَّعْوَةُ دَعْوَةُ التَّكْلِيفِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا يَسْمَعُونَ الأذانَ والنِّداءَ لِلصَّلاةِ فَلا يُجِيبُونَ ﴿وهم سالِمُونَ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ أقْوى تَمَكُّنٍ أيْ فَلا يُجِيبُونَ إلَيْهِ ويَأْبَوْنَهُ وتَرَكَ ذِكْرَ هَذا ثِقَةً بِظُهُورِهِ.

القلم 68:44

﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ إذا كانَ حالُهم ما سَمِعْتَ فَكُلُّ مَن يُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ إلَيَّ واسْتَكْفِنِيهِ فَإنَّ فِيَّ ما يُفْرِغُ بالَكَ ويُخَلِّي هَمَّكَ وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ يُفِيدُ أنَّ المُتَكَلِّمَ واثِقٌ بِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنَ الوَفاءِ بِأقْصى ما يَدُورُ حَوْلَ أُمْنِيَةِ المُخاطَبِ وبِما يَزِيدُ عَلَيْهِ، وقَدْ حَقَّقَهُ جارُ اللَّهِ بِما حاصِلُهُ أنَّ مَنِ اسْتَكْفى أحَدًا تَرَكَ الأمْرَ إلَيْهِ وإلّا كانَ اسْتِعانَةً لا اسْتِكْفاءً فَأُقِيمَ الرّادِفُ أعْنِي التَّخْلِيَةَ وإنْ يَذْرُهُ وإيّاهُ مَقامَ الِاسْتِكْفاءِ مُبالَغَةً وإنْباءً عَنِ الكِفايَةِ البالِغَةِ كَيْفَ وهَذا الكافِي طَلَبَ الِاسْتِكْفاءَ وقِيلَ: قَوْلُهُ (ذَرْنِي وأبْرَزَ تَرْكَ الِاسْتِكْفاءِ في صُورَةِ المَنعِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الوُثُوقِ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ الوَفاءِ أقْصى التَّمَكُّنِ وفَوْقَ ما يَحُومُ حَوْلَ خاطِرِ المُسْتَكْفِي لَما كانَ لِلطَّلَبِ عَلى هَذا الوَجْهِ ألْأبْلَغِ وجْهٌ ( ومَن ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في (ذَرْنِي أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ المُسْتَفادِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إجْمالًا والضَّمِيرُ لِمَن والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في ﴿يُكَذِّبُ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِها أيْ سَنَسْتَنْزِلُهم إلى العَذابِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً بِالإمْهالِ وإدامَةِ الصِّحَّةِ وازْدِيادِ النِّعْمَةِ ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ إيثارٌ لَهم وتَفَضُّلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.

القلم 68:45

﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأُمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا وهم يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ لِإرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لا يُدْفَعُ بِشَيْءٍ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَيْدًا وهو ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِيالِ لِكَوْنِهِ في صُورَتِهِ حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ مَعَهم ما هو نَفْعٌ لَهم ظاهِرًا ومُرادُهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ الضَّرَرُ لِما عَلِمَ مِن خُبْثِ جِبِلَّتِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والكُفْرانِ.

القلم 68:46

﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ عَلى الإبْلاغِ والإرْشادِ ﴿أجْرًا﴾ دُنْيَوِيًّا ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ أيْ غَرامَةٍ مالِيَّةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ مُكَلَّفُونَ حِمْلًا ثَقِيلًا فَيُعْرِضُونَ عَنْكَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ صفحة 37 ابْنُ الشَّيْخِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ .

القلم 68:47

﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيِ المُغَيَّباتُ أوْ لِلَّوْحِ وأُطْلِقَ ﴿الغَيْبُ﴾ عَلَيْهِ مَجازًا لِأنَّهُ مَحَلٌّ لِكِتابَةِ المُغَيَّباتِ أوْ لِظُهُورِ صُوَرِها بِناءً عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ فِيهِ والقَرِينَةُ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما يَحْكُمُونَ بِهِ ويَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنْ عِلْمِكَ.

القلم 68:48

﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ لَمّا آذَوْهُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتْ وقِيلَ أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْعُوَ عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا بِأُحُدٍ حِينَ اشْتَدَّ بِالمُسْلِمِينَ الأمْرُ فَنَزَلَتْ وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ هو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أنَّهُ المُرادُ مِن ذِي النُّونِ إلّا أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ ذِي وصاحِبٍ بِأنْ «ذِي» أبْلَغُ مِن صاحِبٍ قالَ ابْنُ حَجَرٍ لِاقْتِضائِها تَعْظِيمَ المُضافِ إلَيْها والمَوْصُوفِ بِها بِخِلافِهِ ومِن ثَمَّ قالَ سُبْحانَهُ في مَعْرِضِ مَدْحِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وذا النُّونِ﴾ [الأنْبِياءِ: 87] والنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ إذِ النُّونُ لِكَوْنِهِ جُعِلَ فاتِحَةَ سُورَةٍ أفْخَمَ وأشْرَفَ مِن لَفْظِ الحُوتِ ونَقَلَ مِثْلَ ذَلِكَ السَّرْمِينِيُّ عَنِ العَلامَةِ السُّهَيْلِيِّ وفَرَّقَ بَعْضُهم بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في حَواشِينا عَلى رِسالَةِ ابْنِ عِصامٍ في عِلْمِ البَيانِ ( إذْ ) نادى في بَطْنِ الحُوتِ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أيْ مَمْلُوءٌ غَيْظًا عَلى قَوْمِهِ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ وهو مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا مَلَأهُ ومِنِ اسْتِعْمالِهِ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وأنْتَ مِن حُبِّ ميِّ مُضْمِرٌ حُزْنًا عانِي الفُؤادِ قَرِيحَ القَلْبِ مَكْظُومُ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ نادى وعَلَيْها يَدُورُ النَّهْيُ لا عَلى النِّداءِ فَإنَّهُ آمِرٌ مُسْتَحْسَنٌ ولِذا لَمْ يُذْكِرِ المُنادى و( إذْ ) مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا يَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ أيْ لا يُوجَدُ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والمُغاضَبَةِ فَتُبْتَلى بِنَحْوِ بَلائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

القلم 68:49

﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ وهو تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ وقَبُولُها مِنهُ وقُرِئَ «رَحْمَةٌ» وتَذْكِيرُ الفِعْلِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ مَعَ الفَصْلِ بِالضَّمِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ «تَدارَكَتْهُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ «﴿تَدارَكَهُ﴾» بِتَشْدِيدِ الدّالِّ وأصْلُهُ تَتَدارَكَهُ فَأُبْدِلَ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الدّالِ والمُرادُ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ عَلى مَعْنى لَوْلا أنْ كانَ يُقالُ فِيهِ تَتَدارَكُهُ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ بِالأرْضِ الخالِيَةِ مِنَ الأشْجارِ أيْ في الدُّنْيا، وقِيلَ بِعَراءِ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصّافّاتِ: 143، 144] ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَرْفُوعِ نُبِذَ وعَلَيْها يَعْتَمِدُ جَوابُ ﴿لَوْلا﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ امْتِناعُ نَبْذِهِ مَذْمُومًا وإلّا فَقَدَ حَصَلَ النَّبْذُ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهُ كانَتْ عَلى خِلافِ الذَّمِّ والغَرَضُ أنَّ حالَةَ النَّبْذِ والِانْتِهاءِ كانَتْ مُخالَفَةً لِحالَةِ الإلامَةِ والِابْتِداءِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصّافّاتِ: 142] وفي الإرْشادِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ كَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ أمْرًا مَحْذُورًا مُسْتَتْبَعًا لِلْغائِلَةِ.

القلم 68:50

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَتَدارَكَتْهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ( فاجْتَباهُ ) أيِ اصْطَفاهُ بِأنْ رَدَّ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ الوَحْيَ وأرْسَلَهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ وقِيلَ اسْتَنْبَأهُ إنَّ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ وإنَّما كانَ رَسُولًا لِبَعْضِ المُرْسَلِينَ في أرْضِ الشّامِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مِنَ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ بِأنْ عَصَمَهُ سُبْحانَهُ مِن أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَكُونُ تَرْكُهُ أوْلى وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الجَعْلَ مِنَ الصّالِحِينَ تَفْسِيرٌ لِلِاجْتِباءِ قِيلَ وفُسِّرَ ”الصّالِحِينَ“ بِالأنْبِياءِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الواقِعَةِ نَبِيًّا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى خَلْقِ الأفْعالِ لِأنَّ جَعْلَهُ صالِحًا بِجَعْلِ صَلاحِهِ وخَلْقِهِ فِيهِ وهو مِن جُمْلَةِ الأفْعالِ ولا قائِلَ بِالفَرْقِ والمُعْتَزِلَةُ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ تارَةً بِالإخْبارِ بِصَلاحِهِ وأُخْرى بِاللُّطْفِ بِهِ حَتّى صَلُحَ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالصّالِحِينَ الأنْبِياءُ كَما قِيلَ فَلا تُفِيدُ الآيَةُ أكْثَرَ مِن كَوْنِ النُّبُوَّةِ مَجْعُولَةً وهو مِمّا اتَّفَقَ صفحة 38 عَلَيْهِ الفَرِيقانِ فَتَدَبَّرْ.

القلم 68:51

﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ دَلِيلُها لِأنَّها لا تَدْخُلُ بَعْدَ النّافِيَةِ ولِذا تُسَمّى الفارِقَةَ عَلى عُرْفٍ عِنْدَ النُّحاةِ والمَعْنى أنَّهم لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ شَزْرًا بِحَيْثُ يَكادُونَ يَزِلُّونَ قَدَمَكَ فَيَرْمُونَكَ مِن قَوْلِهِمْ نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي أوْ يَكادُ يَأْكُلُنِي أيْ لَوْ أمْكَنَهُ بِنَظَرِهِ الصَّرْعُ أوِ الأكْلُ لَفَعَلَهُ وجَعَلَ مُبالَغَةً في عَداوَتِهِمْ حَتّى كَأنَّها سَرَتْ مِنَ القَلْبِ والجَوارِحِ إلى النَّظَرِ فَعادَ يُعْمِلُ الجَوارِحَ وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَرًا يَزِلُّ مَواطِئَ الأقْدامِ أوْ أنَّهم يَكادُونَ يُصِيبُونَكَ بِالعَيْنِ إذْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي أسَدٍ عَيّانُونَ فَأرادَ بَعْضُهم أنْ يُعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. . وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ يَمْكُثُ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً لا يَأْكُلُ ثُمَّ يَرْفَعُ جانِبَ خِبائِهِ فَيَقُولُ لَمْ أرَ كاليَوْمِ إبِلًا ولا غَنَمًا أحْسَنَ مِن هَذِهِ فَتَسْقُطُ طائِفَةٌ مِنها وتَهْلِكُ، فاقْتَرَحَ الكُفّارُ مِنهُ أنْ يُصِيبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأجابَهم وأنْشَدَ: قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسِبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وأخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ فَعَصَمَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ وأنْزَلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقَدْ قِيلَ إنَّ قِراءَتَها تَدْفَعُ ضَرَرَ العَيْنِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وفي كِتابِ الأحْكامِ أنَّها أصْلٌ في أنَّ العَيْنَ حَقٌّ والأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ بِما ورَدَ وصَحَّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ أنَّ العَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ وبِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجالُهُ -كَما قالَ الهَيْثَمِيُّ - ثِقاتٌ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا ««إنَّ العَيْنَ لِتُولَعُ بِالرَّجُلِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَصْعَدَ حالِقًا ثُمَّ يَتَرَدّى مِنهُ»» . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ الكَثِيرَةِ وذَلِكَ مِن خَصائِصِ بَعْضِ النُّفُوسِ ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ ما شاءَ مِنها بِما شاءَ وإضافَتُهُ إلى العَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ النَّفْسَ تُؤَثِّرُ بِواسِطَتِها غالِبًا وقَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ بِلا واسِطَتِها بِأنْ يُوصَفَ لِلْعائِنِ شَيْءٌ فَتَتَوَجَّهُ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَتُفْسِدُهُ ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى العادَةَ بِخَلْقِ ما شاءَ عِنْدَ مُقابَلَةِ عَيْنِ العائِنِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ أصْلًا فَقَدْ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ بابَ العِلَلِ والتَّأْثِيراتِ والأسْبابِ والمُسَبِّباتِ وخالَفَ جَمِيعَ العُقَلاءِ قالَهُ ابْنُ القَيِّمِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ الطَّبائِعِ إنَّهُ يَنْبَعِثُ مِنَ العَيْنِ قُوَّةٌ سُمِيَّةٌ تُؤَثِّرُ فِيما نَظَرَهُ كَما فَصَلَ في شَرْحِ مُسْلِمٍ وهَذا لا يَتِمُّ عِنْدِي فِيما لَمْ يَرَهُ ولا في نَحْوِ ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ المُتَقَدِّمِ آنِفًا ولا في إصابَةِ الإنْسانِ عَيْنَ نَفْسِهِ كَما حَكاهُ المُناوِيُّ فَإنَّهُ لا يَقْتُلُ الصُّلَّ سُمُّهُ. . ومِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الغَسّانِيُّ قالَ نَظَرَ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ في المِرْآةِ فَأعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَقالَ: كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ نَبِيًّا، وكانَ أبُو بَكْرٍ صِدِّيقًا، وكانَ عُمَرُ فارُوقًا، وعُثْمانُ حَيِيًّا، ومُعاوِيَةُ حَلِيمًا، ويَزِيدُ صَبُورًا، وعَبْدُ المَلِكِ سائِسًا، والوَلِيدُ جَبّارًا، وأنا المَلِكُ الشّابُّ، وأنا المَلِكُ الشّابُّ فَما دارَ عَلَيْهِ الشَّهْرُ حَتّى ماتَ. ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ مِن بابِ التَّأْثِيرِ في القُوَّةِ المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ بِالقُوَّةِ الكَهْرَبائِيَّةِ عِنْدَ الطَّباعِيِّينَ المُحْدَثِينَ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ بَعْضَ النّاسِ يُكَرِّرُ النَّظَرَ إلى بَعْضِ الأشْخاصِ مِن فَوْقِهِ إلى قَدَمِهِ فَيَصْرَعُهُ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ورُبَّما يَقِفُ وراءَهُ جاعِلًا أصابِعَهُ حِذاءَ نَقْرَةِ رَأْسِهِ ويُوَجِّهُ نَفْسَهُ إلَيْهِ حَتّى تَضْعُفَ قُواهُ فَيَغْشاهُ نَحْوُ النَّوْمِ ويَتَكَلَّمُ إذْ ذاكَ بِما لا يَتَكَلَّمُ بِهِ في وقْتٍ آخَرَ، وأنا لا أزِيدُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِن تَأْثِيراتِ النُّفُوسِ ولا أُكَيِّفُ ذَلِكَ فالنَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ مِن أعْجَبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكَمْ طُوِيَ فِيهِ أسْرارُ وعَجائِبُ تَتَحَيَّرُ فِيها العُقُولُ ولا يُنْكِرُها إلّا مَجْنُونٌ أوْ جَهُولٌ، ولا يَسَعُنِي أنْ أُنْكِرَ العَيْنَ لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيها ومُشاهَدَةِ آثارِها عَلى اخْتِلافِ الأعْصارِ ولا أخَصُّ ذَلِكَ بِالنُّفُوسِ الخَبِيثَةِ كَما قِيلَ فَقَدْ يَكُونُ مِنَ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ. والمَشْهُورُ أنَّ الإصابَةَ لا تَكُونُ مَعَ كَراهَةِ الشَّيْءِ وبُغْضِهِ وإنَّما تَكُونُ مَعَ اسْتِحْسانِهِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القُشَيْرِيُّ وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى الطَّعْنِ في صِحَّةِ الرِّوايَةِ هاهُنا لِأنَّ الكَفّارَ كانُوا يُبْغِضُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا تَتَأتّى لَهم إصابَتُهُ بِالعَيْنِ وفِيهِ صفحة 39 نَظَرٌ. وحُكْمُ العائِنِ عَلى ما قالَ القاضِي عِياضٌ أنْ يُجْتَنَبَ ويَنْبَغِي لِلْإمامِ حَبْسُهُ ومَنعُهُ عَنْ مُخالَطَةِ النّاسِ كَفًّا لِضَرَرِهِ ما أمْكَنَ ويَرْزُقُهُ حِينَئِذٍ مِن بَيْتِ المالِ. . هَذا وقَرَأ نافِعٌ «لَيُزْلِقُونَكَ» بِفَتْحِ الياءِ مِن زَلَقَهُ بِمَعْنى أزْلَقَهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ والأعْمَشُ وعِيسى «لَيُزْهِقُونَكَ» بِالهاءِ بَدَلَ اللّامِ أيْ لَيُهْلِكُونَكَ ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ وقْتَ سَماعِهِمُ القُرْآنَ وذَلِكَ لِاشْتِدادِ بُغْضِهِمْ وحَسَدِهِمْ عِنْدَ سَماعِهِ. ( ولَمّا ) كَما أشَرْنا إلَيْهِ ظَرْفِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُزْلِقُونَكَ ومَن قالَ إنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ ذَهَبَ إلى أنَّ جَوابَها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كادُوا يُزْلِقُونَكَ ﴿ويَقُولُونَ﴾ لِغايَةِ حَيْرَتِهِمْ في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونِهايَةِ جَهْلِهِمْ بِما في تَضاعِيفِ القُرْآنِ مِن عَجائِبِ الحِكَمِ وبَدائِعِ العُلُومِ ولِتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْهُ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وحَيْثُ كانَ مَدارُ حُكْمِهِمُ الباطِلِ ما سَمِعُوا مِنهُ ﷺ رَدَّ ذَلِكَ بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِهِ وسُطُوعٍ بِرِهانِهِ فَقِيلَ.

القلم 68:52

﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ يَقُولُونَ والرّابِطُ الواوُ فَقَطْ أوْ مَعَ عُمُومِ العالَمِينَ كَما قِيلَ مُفِيدٌ لِغايَةِ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ وتَعْجِيبٌ لِلسّامِعِينَ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ذِكْرٌ لِلْعالِمِينَ أيْ تَذْكِيرٌ وبَيانٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ فَأيْنَ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وهو مُطَّلِعٌ عَلى أسْرارِهِ ( طُرًّا ) ومُحِيطٌ بِجَمِيعِ حَقائِقِهِ خَبَرًا مِمّا قالُوهُ وقِيلَ مَعْناهُ شَرَفٌ وفَضْلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: 44] وعُمُومِ العالَمِينَ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِما يَنْفَعُهم وقِيلَ الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَوْنُهُ مُذَكِّرًا وشَرَّفًا لِلْعالَمِينَ لا رَيْبَ فِيهِ ورَجَّحَ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْهِ تَكُونُ صَرِيحَةً في رَدِّ دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوَّلَ أوْلى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الحاقة 69:1

سُورَةُ ( الحاقَّةِ ) مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى وخَمْسُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ فِيهِما ويَدُلُّ لِلْأوَّلِ ما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «خَرَجْتُ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إلى المَسْجِدِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الحاقَّةِ فَجَعَلْتُ أعْجَبُ مِن تَأْلِيفِ القُرْآنِ هَذا واللَّهِ شاعِرٌ فَقالَ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقَّةِ: 41] قُلْتُ كاهِنٌ فَقالَ لا ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ [الحاقَّةِ: 42، 43] إلى آخَرِ السُّورَةِ فَوَقَعَ الإسْلامُ في قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ» . ولَمّا وقَعَ في نُونْ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ مُجْمَلًا شَرَحَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ نَبَأ ذَلِكَ اليَوْمِ وشَأْنَهُ العَظِيمَ وضَمَنَهُ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ أحْوالِ أُمَمٍ كَذَّبُوا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما جَرى عَلَيْهِمْ لِيُزْدَجَرَ المُكَذِّبُونَ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ السّاعَةُ أوِ الحاقَّةُ الَّتِي يَحِقُّ ويَجِبُ وُقُوعُها أوِ الَّتِي تَحَقَّقُ وتَثْبُتُ فِيها الأُمُورُ الحَقَّةُ مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ أوِ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ أيْ تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن حَقَّهُ يُحِقُّهُ إذا عَرَفَ حَقِيقَتَهُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ وإسْنادُ الفِعْلِ لَها عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ مَجازٌ وهو حَقِيقَةٌ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ أوْ لِمَن فِيها مِن أُولِي العِلْمِ وفي الكَشْفِ كَوْنُ الإسْنادِ مَجازِيًا إنَّما هو عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَيَحْتَمِلُ الإسْنادَ المَجازِيَّ أيْضًا لِأنَّ الثُّبُوتَ والوُجُوبَ لِما فِيها ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ذُو الحاقَّةِ مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يُلابِسُهُ وهَذا أرْجَحُ لِأنَّ السّاعَةَ وما فِيها سَواءٌ في وُجُوبِ الثُّبُوتِ فَيَضْعُفُ قَرِينَةُ الإسْنادِ المَجازِيِّ والتَّجَوُّزُ فِيهِ تَصْوِيرٌ ومُبالَغَةٌ انْتَهى. . وبَحَثَ فِيهِ الجَلَبِيُّ بِما فِيهِ بَحْثٌ فارْجِعْ إلَيْهِ وتَدَبَّرْ وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿الحاقَّةُ﴾ القِيامَةُ مِن حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أيْ غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ فَهي حاقَّةٌ لِأنَّها تُحِقُّ كُلَّ مُحاقِّ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالباطِلِ أيْ كُلَّ مُخاصِمٍ فَتَغْلِبُهُ وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّها عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ وصْفٌ حُذِفَ مَوْصُوفُهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وجَرَيانِهِ مَجْرى الِاسْمِ. وقِيلَ إنَّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ صفحة 40 ابْنِ عَبّاسٍ مِن كَوْنِها مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ اسْمٌ جامِدٌ لا يُعْتَبَرُ مَوْصُوفَ مَحْذُوفٍ وقِيلَ هي مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وأيًّا ما كانَ فَهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُها جُمْلَةُ.

الحاقة 69:2

﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ مُبْتَدَأ ( والحاقَّةُ ) خَبَرٌ أوْ بِالعَكْسِ ورَجَحَ مَعْنًى والأوَّلُ هو المَشْهُورُ والرّابِطُ إعادَةُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ والأصْلُ ما هي أيْ أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها وصِفَتِها فَإنَّ ما قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا لِأمْرِها. .

الحاقة 69:3

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي تَأْكِيدٌ لِهَوْلِها وفَظاعَتِها بِبَيانِ خُرُوجِها عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ المَخْلُوقاتِ عَلى مَعْنى أنَّ أعْظَمَ شَأْنِها ومَدى هَوْلِها وشِدَّتِها بِحَيْثُ لا يَكادُ تَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي وراءُ ذَلِكَ وأعْظَمُ وأعْظَمُ فَلا يَتَسَنّى الإعْلامُ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازِمِهِ مِن أنَّها لا تُعْلَمُ ولا يَصِلُ إلَيْها دِرايَةُ دارٍ ولا تَبْلُغُها الأوْهامُ والأفْكارُ وما في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وإدْراكُ خَبَرِهِ ولا مَساغَ هاهُنا لِلْعَكْسِ ( وما الحاقَّةُ ) جُمْلَةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ لا إنَّ أدْرِي يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يُونُسَ: 16] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلَّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وتَعْلِيقُ هَذا الفِعْلِ عَلى ما قِيلَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ والجُمْلَةُ أعْنِي ما أدْراكَ إلَخِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ الصُّغْرى.

الحاقة 69:4

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ بِالقِيامَةِ الَّتِي تُقَرِّعُ النّاسَ بِالإفْزاعِ والأهْوالِ والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ ووَضَعَها مَوْضِعَ ضَمِيرِ ﴿الحاقَّةُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى القَرْعِ وهو ضَرْبُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فِيها تَشْدِيدًا لِهَوْلِها. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أثَرُ تَقْرِيراتِهِ ما أدْراهُ ﷺ بِها أحَدٌ والمُبِينُ كَوْنَها بِحَيْثُ يَحِقُّ إهْلاكُ مَن يُكَذِّبُ بِها كَأنَّهُ قِيلَ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ كَذَّبَتْ بِها ثَمُودُ وعادٌ فَأُهْلِكُوا.

الحاقة 69:5

﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا﴾ أيْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «فَهَلَكُوا» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيِ الواقِعَةِ المُجاوَزَةِ لِلْحَدِّ وهي الصَّيْحَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى في [هُودٍ: 67] ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وبِها فُسِّرَتِ الصّاعِقَةُ في حم السَّجْدَةِ أوِ الرَّجْفَةُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في [الأعْرافِ: 78، 91] / ( فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) وهي الزَّلْزَلَةُ المُسَبَّبَةُ عَنِ الصَّيْحَةِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآياتِ لِأنَّ الإسْنادَ في بَعْضٍ إلى السَّبَبِ القَرِيبِ وفي بَعْضٍ آخَرَ إلى البَعِيدِ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أيْ بِالصَّيْحَةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ كُلِّ صَيْحَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ الطّاغِيَةُ مَصْدَرٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ بِطُغْيانِهِمْ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشَّمْسِ: 11] والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى.

الحاقة 69:6

﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ فِيها جَمْعٌ وتَفْرِيقٌ، فَلَوْ قِيلَ أُهْلِكَ هَؤُلاءِ بِالطُّغْيانِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ جالِبٌ وهَؤُلاءِ بِالرِّيحِ عَلى أنَّهُ سَبَبٌ آلِيٌّ لَمْ يَكُنْ طِباقٌ إذْ جازَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ أيْضًا هَلَكُوا بِسَبَبِ الطُّغْيانِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَضْعِيفِ الثّانِي لِعَدَمِ الطِّباقِ بَيْنَها وبَيْنَ ﴿بِرِيحٍ﴾ لا أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ أحَدَهُما عَيْنٌ والآخَرُ حَدَثٌ وما ذُكِرَ مِنَ التَّأْيِيدِ لا يَخْفى حالُهُ. وكَذا يُرَجَّحُ الأوَّلُ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ أيْضًا أيْ بِسَبَبِ الفِعْلَةِ الطّاغِيَةِ الَّتِي فَعَلُوها وهي عَقْرُ النّاقَةِ وعَلى ما قِيلَ الطّاغِيَةُ عاقِرُ النّاقَةِ والهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ كَما في رَجُلٍ راوِيَةٍ وأُهْلِكُوا كُلُّهم بِسَبَبِهِ لِرِضاهم بِفِعْلِهِ وما قِيلَ أيْضًا بِسَبَبِ الفِئَةِ الطّاغِيَةِ ووَجْهُ الرُّجْحانِ يُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ ومَرَّ الكَلامُ في الصَّرْصَرِ فَتَذَكَّرْ وهو صِفَةُ رِيحٍ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿عاتِيَةٍ﴾ أيْ شَدِيدَةِ العَصْفِ أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى رَدِّها والخَلاصِ مِنها بِحِيلَةٍ مِنِ اسْتِتارٍ بِبِناءٍ أوْ لِياذٍ بِجَبَلٍ أوِ اخْتِفاءٍ في حُفْرَةٍ فَإنَّها كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكانِهِمْ وتُهْلِكُهم والعُتُوُّ عَلَيْهِما اسْتِعارَةٌ وأصْلُهُ تَجاوُزُ الحَدِّ وهو قَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ وقَدْ لا يَكُونُ، ومِنهُ يُعْلَمُ الفَرْقُ صفحة 41 بَيْنَ الوَجْهَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ إلّا بِمِكْيالٍ عَلى يَدَيْ مَلَكٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ فَإنَّهُ أذِنَ لِلْماءِ دُونَ الخَزّانِ فَطَغى الماءُ عَلى الخَزّانِ فَخَرَجَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقَّةِ: 11] ولَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إلّا بِمِكْيالٍ عَلى يَدَيْ مَلَكٍ إلّا يَوْمَ عادٍ فَإنَّهُ أذِنَ لَها دُونَ الخَزّانِ فَخَرَجَتْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلى الخَزّانِ. وفِي صَحِيحِيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما ما يُوافِقُهُ فَهو تَفْسِيرٌ مَأْثُورٌ. وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ في الكَشّافِ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّها عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ والإفْراطِ فِيها، وخَرَجَ ذَلِكَ في الكَشْفِ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ثُمَّ قالَ: إنَّ المَثَلَ إذا صارَ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ المَقْصُودُ مِن دُونِ نَظَرٍ إلى أصْلِ القِصَّةِ جازَ أنْ يُقالَ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مِنَ العُتُوِّ وهو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ.

الحاقة 69:7

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ بِالرِّيحِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى وأنَّهُ جِيءَ بِهِ لِنَفِيِ ما يَتَوَهَّمُ مِن أنَّها كانَتْ مِنِ اقْتِراناتِ بَعْضِ الكَواكِبِ بِبَعْضٍ ونُزُولِها في بَعْضِ المَنازِلِ إذْ لَوْ وُجِدَتِ الِاقْتِراناتُ المُقْتَضِيَةُ لِبَعْضِ الحَوادِثِ كانَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِهِ تَعالى وتُسَبُّبِهِ عَزَّ وجَلَّ لا مِن ذاتِها اسْتِقْلالًا والسَّبَبُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الطَّبائِعِيُّونَ لِلرِّيحِ تَكاثُفُ الهَواءِ في الجِهَةِ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إلَيْها وتَراكُمُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ بِانْخِفاضِ دَرَجَةِ حَرارَتِهِ فَيَقِلُّ تَمَدُّدُهُ ويَتَكاثَفُ ويَتْرُكُ أكْثَرَ المَحَلِّ الَّذِي كانَ مَشْغُولًا بِهِ خالِيًا أوْ بِتَجَمُّعٍ فُجائِيٍّ يَحْصُلُ في الأبْخِرَةِ المُنْتَشِرَةِ في الهَواءِ فَتَخْلُو مَحالُّها. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَجْرِي إلى ذَلِكَ المَحَلِّ الهَواءُ المُجاوِرُ بِقُوَّةٍ لِيَشْغَلَهُ فَيَحْدُثُ ويَسْتَمِرُّ حَتّى يَمْتَلِئَ ذَلِكَ الفَضاءُ ويَتَعادَلَ فِيهِ الهَواءُ فَيَسْكُنُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَتَفاوَتُ سَيْرُها سُرْعَةً وبُطْأً فَتَقْطَعُ الرِّيحُ المُعْتَدِلَةُ عَلى ما قِيلَ في السّاعَةِ الواحِدَةِ نَحْوَ فَرْسَخٍ والمُتَوَسِّطِ فِيها نَحْوَ أرْبَعَةِ فَراسِخَ والقَوِيَّةُ نَحْوَ ثَمانِيَةِ فَراسِخَ وما هي أقْوى مِنها نَحْوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وما هي أقْوى وتُسَمّى المُؤْتَفِكَةَ نَحْوَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ فَرْسَخًا وقَدْ تَقْطَعُ في ساعَةٍ نَحْوَ سِتَّةٍ وثَلاثِينَ فَرْسَخًا وهَذا أكْثَرُ ما قِيلَ في سُرْعَةِ الرِّيحِ. . وقَدْ عَمِلُوا آلَةً يَزْعُمُونَ أنَّها مِقْياسٌ يُسْتَعْلَمُ بِها قُوَّةُ هُبُوبِ الرِّيحِ وضَعْفُهُ وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ ويُقالُ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ السَّبَبِ نَحْوُ ما سَمِعْتَ آنِفًا ومَعْنى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ سَلَّطَها عَزَّ وجَلَّ بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ أيْ مُتَتابِعاتٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو عُبَيْدَةَ جَمْعُ حاسِمٍ كَشُهُودٍ جَمْعُ شاهِدٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ إذا تابَعْتَ كَيَّها عَلى الدّاءِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى يَنْحَسِمَ فَهي مَجازٌ مُرْسَلٌ مِنِ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ وهو الحَسْمُ الَّذِي هو تَتابُعُ الكَيِّ في مُطْلَقِ التَّتابُعِ وفي الكَشْفِ هو مُسْتَعارٌ مِنَ الحَسْمِ بِمَعْنى الكَيِّ شَبَّهَ الأيّامَ بِالحاسِمِ والرِّيحَ لِمُلابَسَتِها بِها وهُبُوبِها فِيها واسْتِمْرارُ وصْفِها بِوَصْفِها في قَوْلِهِمْ يَوْمٌ بارِدٌ وحارٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ بِفِعْلِ الأيّامِ كُلُّ هِبَةٍ مِنها كَيَّةٌ وتَتابُعُها بِتَتابُعِ الكَيّاتِ حَتّى يَحْصُلَ الِانْحِسامُ أيِ اسْتِئْصالُ الدّاءِ الَّذِي هو المَقْصُودُ. . والمَعْنى بَعْدَ التَّلْخِيصِ مُتَتابِعَةً هُبُوبَ الرِّياحِ حَتّى أتَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَأْصَلَتْهم أوْ نَحِساتٍ مَشْؤُوماتٍ كَما قالَ الخَلِيلُ قِيلَ والمَعْنى قاطِعاتِ الخَيْرِ بِنُحُوسَتِها وشُؤْمِها فَمَعْمُولُ ﴿حُسُومًا﴾ مَحْذُوفٌ أوْ قاطِعاتٍ قَطَعَتْ دابِرَهم وأهْلَكَتْهم عَنْ آخِرِهِمْ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الرّاغِبُ الحَسْمُ إزالَةُ أثَرِ الشَّيْءِ يُقالُ: قَطَعَهُ فَحَسَمَهُ أيْ أزالَ مادَّتَهُ وبِهِ سُمِّيَ السَّيْفُ حُسامًا وحَسْمُ الدّاءِ إزالَةُ أثَرِهِ بِالكَيِّ وقِيلَ لِلشُّؤْمِ المُزِيلِ لِأثَرِ ما نالَهُ حُسُومٌ ( وحُسُومًا ) في الآيَةِ قِيلَ حاسِمًا أثَرَهم وقِيلَ حاسِمًا خَبَرَهم وقِيلَ قاطِعًا لِعُمْرِهِمْ وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في عُمُومِهِ فَلا تَغْفُلْ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حُسُومًا مَصْدَرًا لا جَمْعَ حاسِمٍ وانْتِصابُهُ إمّا بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ حالًا أيْ بِحَسْمِهِمْ حُسُومًا بِمَعْنى تَسْتَأْصِلُهُمُ اسْتِئْصالًا أوْ عَلى العِلَّةِ أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الِاسْتِئْصالِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أيْ ذاتِ حُسُومٍ. وأُيِّدَتِ المَصْدَرِيَّةُ بِقِراءَةِ السُّدِّيِّ «حَسُومًا» بِفَتْحِ الحاءِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرِّيحِ صفحة 42 أيْ سَخَّرَها مُسْتَأْصِلَةً لِتَعَيُّنِ كَوْنِهِ مُفْرَدًا عَلى ذَلِكَ وهي كانَتْ أيّامَ العَجُوزِ مِن صُبْحِ الأرْبِعاءِ لِثَمانٍ بَقِينَ مِن شَوّالٍ إلى غُرُوبِ الأرْبِعاءِ الآخَرِ، وإنَّما سُمِّيَتْ أيّامَ العَجُوزِ، لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ وأهْلَكَتْها، أوْ لِأنَّها عَجُزُ الشِّتاءِ فالعَجُوزُ بِمَعْنى العَجُزِ وأسْماؤُها الصَّنُّ والصَّنْبَرُ والوَبَرُ والآمِرُ والمُؤْتَمَرُ والمُعَلِّلُ ومُطْفِئُ الجَمْرِ ومُطْفِئُ الظَّعْنِ ولَمْ يَذْكُرْ هَذا الثّامِنَ مَن قالَ إنَّها سَبْعَةٌ لا ثَمانِيَةَ كَما هو المُخْتارُ ﴿فَتَرى القَوْمَ﴾ أيْ إنْ كُنْتَ حاضِرًا حِينَئِذٍ فالخِطابُ فِيهِ فَرَضِيَ ﴿فِيها﴾ أيْ في الأيّامِ واللَّيالِي وقِيلَ في مَهابِّ الرِّيحِ وقِيلَ في دِيارِهِمْ والأوَّلُ أظْهَرُ ﴿صَرْعى﴾ أيْ هَلْكى جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ أيْ أُصُولُ نَخِيلٍ وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ: «أعْجَزُ» عَلى وزْنِ أفْعَلُ كَضَبْعٍ وأضْبَعَ وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ قُرِئَ «نَخِيلٍ» بِالياءِ ﴿خاوِيَةٍ﴾ خَلَتْ أجْوافُها بِلًى وفَسادًا وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَشْوِ مِن أدْبارِهِمْ فَصارُوا كَأعْجازِ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ خَلَتْ أبْدانُهم مِن أرْواحِهِمْ فَكانُوا كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانُوا في سَبْعَةِ أيّامٍ في عَذابٍ ثُمَّ في الثّامِنِ ماتُوا وألْقَتْهُمُ الرِّيحُ في البَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى.

الحاقة 69:8

﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ الباقِيَةَ اسْمٌ كالبَقِيَّةِ لا وصْفٌ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ مُقَدَّرٌ والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْ باقٍ والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالطّاغِيَةِ والكاذِبَةِ أيْ بَقاءٍ والتّاءُ لِلْوَحْدَةِ.

الحاقة 69:9

﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فَإنَّ مِنهم عادًا وثَمُودًا وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبانَ والنَّحْوِيّانِ وأبانُ «ومَن قِبَلَهُ» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ ومَن في جِهَتِهِ وجانِبِهِ والمُرادُ ومَن عِنْدَهُ مِن أتْباعِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ ومَن مَعَهُ ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ أيْ قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُرادُ أهْلُها مَجازًا بِإطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وعَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ والقَرِينَةُ العَطْفُ عَلى مَن يَتَّصِفُ بِالمَجِيءِ وقَرَأ الحَسَنُ هُنا «والمُؤْتَفِكَةُ» عَلى الإفْرادِ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ بِالخَطَأِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى زِنَةِ فاعِلَةٍ أوْ بِالفِعْلَةِ أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ العَظِيمِ عَلى أنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ وهو حَقِيقَةٌ لِأصْحابِها واعْتِبارُ العِظَمِ لِأنَّهُ لا يَجْعَلُ الفِعْلَ خاطِئًا إلّا إذا كانَ صاحِبُهُ بَلِيغَ الخَطَأِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ لِلنِّسْبَةِ.

الحاقة 69:10

﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصى كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها حِينَ نَهاها عَمّا كانَتْ تَتَعاطاهُ مِنَ القَبائِحِ، فَإفْرادُ الرَّسُولِ عَلى ظاهِرِهِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعًا أوْ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ لِأنَّهُ مُصَدَرٌ في الأصْلِ وأُرِيدَ مِنهُ التَّكْثِيرُ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ فَهو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ المُقْتَضِي لِانْقِسامِ الآحادِ أوْ أُطْلِقَ الفَرْدُ عَلَيْهِمْ لِاتِّحادِهِمْ مَعْنى فِيما أُرْسِلُوا بِهِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا بَيانٌ لِمَجِيئِهِمْ بِالخاطِئَةِ ﴿فَأخَذَهُمْ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ زائِدَةً في الشِّدَّةِ كَما زادَتْ قَبائِحُهم في القُبْحِ مِن رَبا الشَّيْءُ إذا زادَ.

الحاقة 69:11

﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ جاوَزَ حَدَّهُ المُعْتادَ حَتّى أنَّهُ عَلا عَلى أعْلى جَبَلٍ خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا أوْ طَغى عَلى خَزّانِهِ عَلى ما سَمِعْتَ قُبَيْلَ هَذا وذَلِكَ بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي ومُبالَغَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُ القِيامَةِ ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم أوْ حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ عَلى أنَّهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وقِيلَ عَلى التَّجَوُّزِ في المُخاطَبِينَ بِإرادَةِ آبائِهِمُ المَحْمُولِينَ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ وهو بَعِيدٌ ﴿فِي الجارِيَةِ﴾ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُرادُ بِحَمْلِهِمْ فِيها رَفْعُهم فَوْقَ الماءِ إلى انْقِضاءِ أيّامِ الطُّوفانِ لا مُجَرَّدُ رَفْعِهِمْ إلى السَّفِينَةِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ ( في ) فَإنَّها لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِلْحَمْلِ بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ وحَفِظْناكم حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ الجارِيَةِ بِأمْرِنا وحِفْظِنا وفِيهِ صفحة 43 تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ نَجاتِهِمْ مَحْضُ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما السَّفِينَةُ سَبَبٌ صُورِيٌّ وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجارِيَةِ في السَّفِينَةِ وعَلَيْهِ تِسْعُونَ جارِيَةً في بَطْنِ جارِيَةٍ.

الحاقة 69:12

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ عِبْرَةً ودَلالَةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وقُوَّةِ قَهْرِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ ﴿وتَعِيَها﴾ أيْ تَحْفَظُها والوَعْيُ أنْ تَحْفَظَ الشَّيْءَ في نَفْسِكَ، والإيعاءَ أنْ تَحْفَظَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ مِن وِعاءٍ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ مِن شَأْنِها أنْ تَحْفَظَ ما يَجِبُ حِفْظُهُ بِتَذَكُّرِهِ وإشاعَتِهِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ ولا تُضَيِّعُهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ. وعَنْ قَتادَةَ الواعِيَةُ هي الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وفي الخَبَرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «إنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ» قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَما سَمِعْتُ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ وما كانَ لِي أنْ أنْسى» . وفِي جَعْلِ الأُذُنِ واعِيَةً وكَذا جَعَلُها حافِظَةً ومُتَذَكِّرَةً ونَحْوِ ذَلِكَ تَجَوُّزٌ والفاعِلُ لِذَلِكَ إنَّما هو صاحِبُها ولا يُنْسَبُ لَها حَقِيقَةً إلّا السَّمْعُ، والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قِلَّتِها وإنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ مَعَ قَتْلِهِ بِنَسِيبٍ =لِنَجاةِ الجَمِّ الغَفِيرِ وإدامَةِ نَسَلِهِمْ وقِيلَ ضَمِيرُ نَجْعَلُها لِلْجارِيَةِ وجَعَلَها تَذْكِرَةً لِما أنَّهُ عَلى ما قالَ قَتادَةُ أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ أيْ أدْرَكُوا ألْواحَها عَلى الجُودِيِّ كَما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ. بَلْ قِيلَ إنَّ بَعْضَ النّاسِ وجَدَ شَيْئًا مِن أجْزائِها بَعْدَ الإسْلامِ بِكَثِيرٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ ولا يَخْفى أنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ عَنْهُ وقِيلَ بِخِلافٍ عَنْهُ «وتَعْيَها» بِإسْكانِ العَيْنِ عَلى التَّشْبِيهِ بِكَتِفٍ وكَبِدٍ كَما قِيلَ وقَرَأ حَمْزَةُ بِإخْفاءِ الكَسْرَةِ ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ الياءِ قالَ في البَحْرِ قِيلَ هو خَطَأٌ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شَدُّ بَيانِ الياءِ احْتِرازًا مِمَّنْ سَكَّنَها لا إدْغامُ حَرْفٍ في حَرْفٍ ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ في الوَقْفِ ثُمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ وإنْ كانَ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ ومُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَبْسِيِّ «وتَعِيَها» بِإسْكانِ الياءِ فاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنافَ وهو الظّاهِرُ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قِراءَةِ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم بِسُكُونِ الياءِ وقَرَأ نافِعٌ «أُذْنٌ» بِإسْكانِ الذّالِ لِلتَّخْفِيفِ.

الحاقة 69:13

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ شُرُوعُ بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها. والمُرادُ بِالنَّفْخَةِ الواحِدَةِ النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي عِنْدَها خَرابُ العالَمِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ ومُقاتِلٌ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ وإنْ كانَتِ الواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ لَكِنَّ مُخالَفَةَ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ والنَّفْخَةُ قالَ جارُ اللَّهِ في حَواشِي كَشّافِّهِ: المَرَّةُ ودَلالَتُها عَلى النَّفْخِ اتِّفاقِيَّةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ وحُدُوثُ الأمْرِ العَظِيمِ بِها وعَلى عَقِبِها إنَّما اسْتُعْظِمَ مِن حَيْثُ وُقُوعُ النَّفْخِ مَرَّةً واحِدَةً لا مِن حَيْثُ إنَّهُ نَفْخٌ فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿واحِدَةٌ﴾ . وعَنِ ابْنِ الحاجِبِ أنَّ ﴿نَفْخَةٌ﴾ لَمْ يُوضَعْ لِلدَّلالَةِ عَلى الوَحْدَةِ عَلى حِيالِها وإنَّما وُضِعَ لِلدَّلالَةِ عَلى النَّفْخِ والدَّلالَةُ عَلى الوَحْدَةِ اتِّفاقِيَّةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا بَعْدَ التَّسْلِيمِ لا يَضُرُّ لِأنَّ الكَلامَ في مُقْتَضى المَقامِ لا أصْلِ الوَضْعِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ يُجْعَلُ مُعْتَمِدًا حَتّى كانَ غَيْرُهُ = مَطْرُوحًا فالمَرَّةُ هي المُعْتَمِدَةُ نَظَرًا لِلْمَقامِ دُونَ النَّفْخِ نَفْسِهِ وإنْ كانَ النَّظَرُ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ يَقْتَضِي العَكْسَ فافْهَمْ. وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الفِعْلِ إلى نَفْخَةٍ لَيْسَ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ كَضَرَبَ =ضَرْبًا وإنْ لَمْ يُلاحِظْ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿واحِدَةٌ﴾ وحَسَّنَ تَذْكِيرَ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ وكَوْنِ المَرْفُوعِ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ وكَوْنِهِ مَصْدَرًا فَقَدْ ذَكَرَ = الجارَبِرَدِّي في شَرْحِ الشّافِيَةِ إنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ لِتَأْوِيلِهِ بِأنَّ والفِعْلِ والمَشْهُورُ أنَّ ﴿واحِدَةٌ﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ وأطْلَقَ عَلَيْها بَعْضُهُمُ التَّوْكِيدَ وبَعْضُهُمُ البَيانَ وذَكَرَ الطِّيِبِيُّ أنَّ التَّوابِعَ كالبَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ والصِّفَةِ بَيانٌ مِن وجْهٍ لِلْمَتْبُوعِ عِنْدَ أرْبابِ المَعانِي وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في المُطَوَّلِ. وقَرَأ أبُو =السَّمالِ «نَفْخَةً واحِدَةً» بِنَصْبِهِما عَلى إقامَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ صفحة 44 مَقامَ الفاعِلِ.

الحاقة 69:14

﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ رُفِعَتا مِن أحْيازِهِما بِمُجَرَّدِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَخْلُوقٍ أوْ بِتَوَسُّطِ نَحْوِ رِيحٍ أوْ مَلِكٍ قِيلَ أوْ بِتَوَسُّطِ الزَّلْزَلَةِ أيْ بِأنْ يَكُونَ لَها مُدْخَلٌ في الرَّفْعِ لا أنَّها رافِعَةٌ لَهُما حامِلَةٌ إيّاهُما لِيُقالَ إنَّها لَيْسَ فِيها حَمْلٌ، وإنَّما هي اضْطِرابٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ما فِيهِ قُوَّةُ جَذْبِ الجِبالِ ورَفْعِها عَنْ أماكِنِها أوْ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ المَوْجُودَةِ اليَوْمَ ما فِيهِ قُوَّةُ ذَلِكَ إلّا أنَّ في البَيْنِ مانِعًا مِنَ الجَذْبِ والرَّفْعِ وأنَّهُ يَزُولُ بَعْدُ فَيَحْصُلُ الرَّفْعُ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ وأنْ تَكُونَ قُوَّتا الجاذِبَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَإذا حَصَلَ رَفْعُ كُلٍّ إلى غايَةٍ يُرِيدُها اللَّهُ تَعالى حَدَثَ في ذَلِكَ الجاذِبِ ما لَمْ يَبْقَ مَعَهُ ذَلِكَ الجَذْبُ مِن زَوالِ مَسامَتِهِ ونَحْوِهِ وحَصَلَ بَيْنَ الجِبالِ والأرْضِ ما يُوجِبُ التَّصادُمَ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُحْدِثَ في الأرْضِ مِنَ القُوى ما يُوجِبُ قَذْفَها لِلْجِبالِ ويُحْدِثَ لِلْأرْضِ نَفْسِها ما يُوجِبُ رَفْعَها عَنْ حَيِّزِها وكَوْنُ القُوى مِنها ما هو مُتَنافِرٌ ومِنها ما هو مُتَحابٌّ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ، وقِيلَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُما بِمُصادَمَةِ بَعْضِ الأجْرامِ كَذَواتِ الأذْنابِ عَلى ما قِيلَ فِيها جَدِيدًا لِلْأرْضِ فَتَنْفَصِلُ الجِبالُ وتَرْتَفِعُ مِن شِدَّةِ المُصادَمَةِ. ورَفْعُ الأرْضِ مِن حَيِّزِها ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ ويَكْفِينا القَوْلُ بِأنَّ الرَّفْعَ بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مَقْسَمٍ والأعْمَشُ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ يَحْيى «وحُمِّلَتِ» بِتَشْدِيدِ المِيمِ وحُمِّلَ عَلى التَّكْثِيرِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَضْعِيفًا لِلنَّقْلِ فَيَكُونُ الأرْضُ والجِبالُ المَفْعُولَ الأوَّلَ أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ قُدْرَةً أوْ رِيحًا أوْ مَلائِكَةً أوْ يَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ والأوَّلُ مَحْذُوفٌ وهو أحَدُ المَذْكُوراتِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ فَضُرِبَتِ الجُمْلَتانِ إثَرَ رَفَعِهِما بَعْضُها بِبَعْضِ ضَرْبَةً واحِدَةً حَتّى تُفَتَّتَ وتَرْجِعَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المُزَّمِّلِ: 14] وقِيلَ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقِعَةِ: 6] وفَرَّقُوا بَيْنَ الدَّكِّ والدَّقِّ بِأنَّ في الأوَّلِ تَفَرُّقَ الأجْزاءِ وفي الثّانِي اخْتِلافَها. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أصْلُ الدَّكِّ الضَّرْبُ عَلى ما ارْتَفَعَ لِيَنْخَفِضَ ويَلْزَمَهُ التَّسْوِيَةُ غالِبًا فَلِذا شاعَ فِيها حَتّى صارَ حَقِيقَةً ومِنهُ أرْضٌ دَكّاءُ لِلْمُتَّسِعَةِ المُسْتَوِيَةِ وبَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ إذا ضَعُفا فَلَمْ يَرْتَفِعْ سَناماهُما واسْتَوَتْ خَدَجَتْهُما مَعَ ظَهْرَيْهِما فالمُرادُ هاهُنا فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً وسُوِّيَتا فَصارَتا أرْضًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ولَعَلَّ التَّفَتُّتَ مُقَدِّمَةٌ لِلتَّسْوِيَةِ أيْضًا وقالَ الرّاغِبُ الدَّكُّ الأرْضُ اللَّيِّنَةُ السَّهْلَةُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَدُكَّتا﴾ أيْ جُعِلَتا بِمَنزِلَةِ الأرْضِ اللَّيِّنَةِ وهَذا أيْضًا يَرْجِعُ إلى التَّسْوِيَةِ كَما لا يَخْفى. وحُكِيَ في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُما إذا دُكَّتا تَتَفَتَّتُ الجِبالُ وتَنْسِفُها الرِّيحُ وتَبْقى الأرْضُ مُسْتَوِيَةً وثُنِّيَ الضَّمِيرُ لِإرادَةِ الجُمْلَتَيْنِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

الحاقة 69:15

﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ فَحِينَئِذٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الوَقْتِ وهو هاهُنا مُتَّسِعٌ يَقَعُ فِيهِ ما يَقَعُ والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ فَيَوْمَ إذْ نُفِخَ في الصُّورِ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ ﴿وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ قامَتِ القِيامَةُ وتَفْسِيرُ الواقِعَةِ بِصَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ واقِعٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ.

الحاقة 69:16

﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ تَفَطَّرَتْ وتَمَيَّزَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ. ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ [الفَرْقانِ: 25] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النَّبَأِ: 19] ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما وكَذا لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الِانْشِقاقِ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وكَوْنِهِ لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الأمْرَ قَدْ يَكُونُ لَهُ عَلَلٌ شَتّى مِثْلُ هَذِهِ العِلَلِ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِنْسُها وقِيلَ السَّماواتُ السَّبْعُ وأيَّما كانَ فَلا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِانْشِقاقِ كَوْنُها أجْسامًا صُلْبَةً إذْ يَتَّصِفُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ما لَيْسَ بِصُلْبٍ أيْضًا فَقَدْ وُصِفَ البَحْرُ بِالِانْفِلاقِ ﴿فَهِيَ﴾ أيِ السَّماءُ ﴿يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ ضَعِيفَةٌ مِن وهى الشَّيْءُ ضَعُفَ وتَداعى لِلسُّقُوطِ وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ مِن قَوْلِهِمْ صفحة 45 وهِيَ السِّقاءُ إذا انْخَرَقَ ومِن أمْثالِهِمْ قَوْلُ الرّاجِزِ: خَلِّ سَبِيلَ مَن وهى سِقاؤُهُ ومَن هَرِيقَ بِالفَلاةِ ماؤُهُ

الحاقة 69:17

﴿والمَلَكُ﴾ أيِ الجِنْسُ المُتَعارَفُ بِالمَلَكِ وهو أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَماعَةٍ وقَدْ ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ أيْضًا وقالَ أبُو حَيّانٍ: المَلَكُ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ ولا يَظْهَرُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ وتَحْقِيقُ هَذا المَقامِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ لِلْعَلّامَةِ الثّانِي وحَواشِيهِ فارْجِعْ إنْ أرَدْتَ إلَيْهِ ﴿عَلى أرْجائِها﴾ أيْ جَوانِبِها جَمْعُ رَجى بِالقَصْرِ وهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولِذا بَرَزَتْ في التَّثْنِيَةِ قالَ الشّاعِرُ: كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا مُقَيَّدًا ولا رَجُلًا يَرْمِي بِهِ الرَّجَوانِ والضَّمِيرُ لِلسَّماءِ والمُرادُ بِجَوانِبِها أطْرافُها الَّتِي لَمْ تَنْشَقَّ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحاكِ قالَ إنَّهُما قالا ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ عَلى ما لَمْ يَنْشَقَّ مِنها، ولَعَلَّ ذَلِكَ التِجاءٌ مِنهم لِلْأطْرافِ مِمّا داخَلَهم مِن مُلاحَظَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوِ اجْتِماعٍ هُناكَ لِلنُّزُولِ. . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيِ المَلائِكَةُ عَلى شِقِّها يَنْظُرُونَ إلى شَقِّ الأرْضِ وما أتاهم مِنَ الفَزَعِ والأوَّلُ أظْهَرُ ولَعَلَّ هَذا الِانْشِقاقَ بَعْدَ مَوْتِ المَلائِكَةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وإحْيائِهِمْ وهم يَحْيَوْنَ قَبْلَ النّاسِ كَما تَقْتَضِيهِ الأخْبارُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ والنّاسُ في المَحْشَرِ فَفي بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِانْشِقاقِ كُلِّ سَماءٍ يَوْمَئِذٍ ونُزُولِ مَلائِكَتِها واليَوْمُ مُتَّسِعٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وقالَ الإمامُ يَحْتَمِلُ أنَّهم يَقِفُونَ عَلى الأرْجاءِ لَحْظَةً ثُمَّ يَمُوتُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ) [النَّمْلِ: 87، الزُّمَرِ: 68] . وعَلى الوَجْهَيْنِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: 68] فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهم يَقِفُونَ عَلى أرْجاءِ السَّماءِ وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ لَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ إلَخِ تَمْثِيلٌ لِخَرابِ العالَمِ بِخَرابِ المَبْنِيّاتِ وانْضِواءِ أهْلِها إلى أطْرافِها وإنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ فَلَعَلَّ مَوْتَ المَلائِكَةِ إثْرَ ذَلِكَ انْتَهى وأنا لا أقُولُ بِاحْتِمالِ التَّمْثِيلِ وفي البَحْرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحاكِ إنَّ ضَمِيرَ ﴿أرْجائِها﴾ لِلْأرْضِ وإنَّ بَعْدَ ذِكْرِها قالا إنَّهم يَنْزِلُونَ إلَيْها يَحْفَظُونَ أطْرافَها كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافاتِ الأرْضِ ثُمَّ مَلائِكَةَ الثّانِيَةِ فَيَصُفُّونَ حَوْلَهم ثُمَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ فَكُلَّما نَدَّ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ أُحِيطَ بِها ولَعَلَّ ما نَقَلْناهُ عَنْهُما أوْلى بِالِاعْتِمادِ. ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أيْ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى الأرْجاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِالمَلَكِ وقِيلَ فَوْقَ العالَمِ كُلِّهِمْ وقِيلَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ الحامِلِينَ أيْ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَ ظُهُورِهِمْ أوْ رُؤُوسِهِمْ ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ والمَرْجِعُ وإنْ تَأخَّرَ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ رُتْبَةً وفائِدَةُ فَوْقَهُمُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَحْمُولًا بِأيْدِيهِمْ كالمُعَلَّقِ مَثَلًا وأُيِّدَ هَذا واعْتِبارُ الظُّهُورِ بِما أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ ويَوْمَئِذٍ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ماجَّةَ «عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في حَدِيثِ وفَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةٌ أوْعالٍ بَيْنَ أظْلافِهِنَّ ووِرْكِهِنَّ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ فَوْقَ ظُهُورِهِنَّ العَرْشُ بَيْنَ أسْفَلِهِ وأعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ» . والمُرادُ بِالأوْعالِ فِيهِ مَلائِكَةٌ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ كَما قالَ ابْنُ الأثِيرِ وغَيْرُهُ وهي جَمْعُ وعِلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ تَيْسُ الجَبَلِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ المُرادَ ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ والأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ إلّا أنَّ فِيها تَدافُعًا مِن حَيْثُ دَلالَةُ بَعْضِها عَلى أنَّ بَعْضَهم عَلى صُورَةِ الإنْسانِ وبَعْضَهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ وبَعْضَهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ وبَعْضَهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ ودَلالَةُ بَعْضٍ آخَرَ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أرْبَعَةُ أوْجُهٍ وجْهُ ثَوْرٍ ووَجْهُ نَسْرٍ ووَجْهُ أسَدٍ ووَجْهُ إنْسانٍ وفِيهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ أمّا جَناحانِ فَعَلى وجْهِهِ مَخافَةَ مِن أنْ يَنْظُرَ إلى العَرْشِ فَيُصْعَقَ، وأمّا جَناحانِ فَيَطِيرُ بِهِما وأبُو حَيّانٍ لَمْ يَقُلْ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَيْثُ قالَ ذَكَرُوا في صِفاتِ هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ أشْكالًا مُتَكاذِبَةً ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ صفحة 46 عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ ويَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ»» . وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ لَمْ يُسَمِّ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ إلّا إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ وعَلَيْهِ فَمَن زَعَمَ أنَّهُما وجِبْرائِيلُ وعِزْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جُمْلَةِ حَمَلَتِهِ يَلْزَمُهُ إثْباتُ ذَلِكَ بِخَبَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. وفِي خَبَرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ لَيْسَ لَهم كَلامٌ إلّا قَوْلَهم قَدِّسُوا اللَّهَ القَوِيَّ الَّذِي مَلَأتْ عَظَمَتُهُ السَّماواتِ وأكْثَرُ الأخْبارِ في هَذا البابِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحاكِ أنَّهُ قالَ يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأخْرَجَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ كَمْ هم أثَمانِيَّةُ أصْنافٍ أمْ ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ المُؤَيَّدَ بِبَعْضِ الأخْبارِ المُصَحَّحَةِ أنَّهم ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ وأيًّا كانَ فالظّاهِرُ أنَّ هُناكَ حَمْلًا عَلى الحَقِيقَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلائِكَةً يَحْمِلُونَ العَرْشَ الَّذِي هو السَّرِيرُ عَلى كَواهِلِهِمْ هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ وغَدًا يَكُونُونَ ثَمانِيَةً لِأجْلِ الحَمْلِ إلى أرْضِ المَحْشَرِ. ولَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الثّالِثِ عَشَرَ مِن فُتُوحاتِهِ كَلامٌ واسِعٌ في حَمَلَةِ العَرْشِ لا سِيَّما عَلى تَفْسِيرِهِ بِالمُلْكِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَنِ اتَّسَعَ كُرْسِيُّ ذِهْنِهِ لِفَهْمِ كَلامِهِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما يُشاهِدُ مِن أحْوالِ السَّلاطِينِ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ عَلى النّاسِ لِلْقَضاءِ العامِّ فالمُرادُ تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ بِصِفَةِ العَظَمَةِ وجَعَلَ العَرْضَ في قَوْلِهِ تَعالى.

الحاقة 69:18

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ مَجازًا عَنِ الحِسابِ والمُرادُ يَوْمَئِذٍ تُحاسَبُونَ لَكِنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِيُعَرِّفَ أحْوالَهم فَعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ. وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ»» . والجُمْلَةُ المُعَوِّضُ عَنْها التَّنْوِينُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُهم ﴿نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وجُعِلَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ إلَخِ وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ الزَّمانَ مُتَّسِعٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ وغَيْرِهِ وقَوْلُهُ تَعالى لا ﴿تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ ﴿تُعْرَضُونَ﴾ أيْ تُعْرَضُونَ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ سِرٌّ مِن أسْرارِكم قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا وإنَّما العَرْضُ لِإفْشاءِ الحالِ وإقامَةِ الحُجَّةِ والمُبالَغَةِ في العَدْلِ أوْ غَيْرُ خافٍ يَوْمَئِذٍ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطّارِقِ: 9] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وابْنُ مِقْسَمٍ عَنْ عاصِمٍ وغَيْرُهم «لا يَخْفى» بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

الحاقة 69:19

﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ العَرْضِ والمُرادُ بِكِتابِهِ ما كَتَبَ المَلائِكَةُ فِيهِ ما فَعَلَهُ في الدُّنْيا. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ أعْمالَ كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تُكْتَبُ في صَحِيفَةٍ فَتَتَعَدَّدُ صُحُفُ العَبْدِ الواحِدِ فَقِيلَ تُوصِلُ لَهُ فَيُؤْتاها مَوْصُولَةً. وقِيلَ يُنْسَخُ ما في جَمِيعِها في صَحِيفَةٍ واحِدَةٍ وهَذا ما جَزَمَ بِهِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وعَلى القَوْلَيْنِ يُصَدِّقُ عَلى ما يُؤْتاهُ العَبْدُ كِتابٌ وقِيلَ إنَّ العَبْدَ يُكْتَبُ في قَبْرِهِ أعْمالُهُ في كِتابٍ وهو الَّذِي يُؤْتاهُ يَوْمَ القِيامَةِ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ كَيْفَ يُؤْتى العَبْدُ ذَلِكَ ﴿فَيَقُولُ﴾ تَبَجُّحًا وافْتِخارًا ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ قالَ الرَّضِيُّ (ها اسْمٌ لِخُذْ وفِيهِ ثَمانُ لُغاتٍ الأُولى بِالألْفِ مُفْرَدَةً ساكِنَةً لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ مُذَكَّرًا كانَ أوْ مُؤَنَّثًا. الثّانِيَةُ أنْ تَلْحَقَ هَذِهِ الألِفُ المُفْرَدَةُ كافُ الخِطابِ الحَرْفِيَّةُ كَما في ذَلِكَ وتَصَرُّفِها نَحْوُ هاكَ هاكُما هاكم هاكُنَّ. الثّالِثَةُ أنْ تَلْحَقَ الألْفَ هَمْزَةُ مَكانَ الكافِ وتَصْرِيفُها تَصْرِيفُ الكافِ نَحْوُها هاؤُها هاؤُمُ هاءَ هاؤُما هاؤُنَّ. الرّابِعَةُ أنْ تَلْحَقَ الألْفَ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ قَبْلَ كافِ الخِطابِ وتُصَرَّفُ الكافُ الخامِسَةِ هاءً بِهَمْزَةٍ صفحة 47 ساكِنَةٍ بَعْدَ الهاءِ لِلْكُلِّ السّادِسَةُ أنْ تُصَرَّفَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَصْرِيفَ دَعِ السّابِعَةُ أنَّ تَصَرُّفَها تَصْرِيفُ خَفَّ. ومِن ذَلِكَ ما حَكى الكِسائِيُّ مِن قَوْلِ مَن قِيلِ لَهُ هاءَ بِالفَتْحِ إلامَ إهاءَ وأهاءَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ وكَسْرِها الثّامِنَةُ أنْ تَلْحَقَ الألْفَ هَمْزَةٌ وتَصَرُّفُها تَصْرِيفُ نادٍ والثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ أفْعالٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفَةٍ لا ماضِيَ لَها ولا مُضارِعَ ولَيْسَتْ بِأسْماءِ أفْعالٍ قالَ الجَوْهَرِيُّ: هاءِ بِكَسْرَةِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى هاتِ وبِفَتْحِها بِمَعْنى خُذْ وإذا قِيلَ لَكَ هاءَ بِالفَتْحِ قُلْتَ ما أهاءَ أيْ ما آخُذُ وما أهاءَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ أيْ ما أعْطى وهَذا الَّذِي قالَ مَبْنِيٌّ عَلى السّابِعَةِ نَحْوَ ما أخافَ =وما أخافَ انْتَهى. . وقالَ أبُو القاسِمِ: فِيها لُغاتٌ أجْوَدُها ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ فَقالَ: العَرَبُ تَقُولُ: هاءَ يا رَجُلُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهاءِ يا امْرَأةُ بِكَسْرِها، وهاؤُما يا رَجُلانِ أوِ امْرَأتانِ، وهاؤُمْ يا رِجالُ، وهاؤُنِ يا نِسْوَةُ فالمِيمُ في هاؤُمْ كالمِيمِ في أنْتُمُ وضَمُّها كَضَمِّها في بَعْضِ الأحْيانِ وفُسِّرَ هاهُنا بِخُذُوا وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى المَفْعُولِ تَعْدِيَتَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أعْنِي ﴿كِتابِيَهْ﴾ وهو مَفْعُولُ ﴿اقْرَءُوا﴾ واخْتِيرَ هَذا دُونَ العَكْسِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولُ ﴿هاؤُمُ﴾ لَقِيلَ اقْرَؤُوهُ إذِ الأوْلى إضْمارُ الضَّمِيرِ إذْ أمْكَنَ كَما هُنا، وإنَّما لَمْ يَظْهَرْ في الأوَّلِ لِئَلّا يَعُودَ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً وهو مَنصُوبٌ مَعَ أنَّ العامِلَ عَلى اللُّغَةِ الجَيِّدَةِ اسْمُ فِعْلٍ فَلا يَتَّصِلُ بِهِ الضَّمِيرُ. . وقِيلَ ( هاؤُمُ ) بِمَعْنى تَعالَوْا فَيَتَعَدّى بِإلى وزَعَمَ = القَتْبِيُّ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الكافِ قِيلَ وهو ضَعِيفٌ إلّا إنْ كانَ قَدْ عَنى أنَّها تَحُلُّ مَحَلَّها في لُغَةٍ كَما سَمِعْتَ فَيُمْكِنُ لا أنَّهُ بَدَلٌ صِناعِيٌّ لِأنَّ الكافَ لا تُبَدَّلُ مِنَ الهَمْزَةِ ولا الهَمْزَةُ مِنها. وقِيلَ: ( هاؤُمُ ) كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِإجابَةِ الدّاعِي عِنْدَ الفَرَحِ والنَّشاطِ. وفِي الحَدِيثِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناداهُ أعْرابِيٌّ بِصَوْتٍ عالٍ فَجاوَبَهُ ﷺ هاؤُمُ بِصَوْلَةِ صَوْتِهِ» وجَوَّزَ إرادَةَ هَذا المَعْنى هُنا فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُنادِيَ ذَلِكَ المُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أقْرِباؤُهُ وأصْحابُهُ مَثَلًا لِيَقْرَؤُوا كِتابَهُ فَيُجِيبُهم لِمَزِيدِ فَرَحِهِ ونَشاطِهِ بِقَوْلِهِ ﴿هاؤُمُ﴾ وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّها مُرَكَّبَةٌ في الأصْلِ ها أُمُّوا أيِ اقْصِدُوا ثُمَّ نَقَلَهُ التَّخْفِيفُ والِاسْتِعْمالُ إلى ما ذُكِرَ. وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ المِيمَ ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ والهاءَ في ( كِتابِيَهْ ) وكَذا في ( حِسابِيَهْ ومالِيَهْ ) [الحاقَّةِ: 28] ( وسُلْطانِيَهْ ) [الحاقَّةِ: 29] وكَذا ( ما هِيَهْ ) في [القارِعَةِ: 10] لِلسَّكْتِ لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا وتَثْبُتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وصَلَ اسْتَغْنى عَنْها ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِأنَّهُ وصَلَ بِنِيَّةِ الوَقْفِ والقِراءاتُ مُخْتَلِفَةٌ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِها وصَلا ووَقْفًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ اتِّباعًا لِلْمُصْحَفِ الإمامِ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: تَقْلِيلُ القِراءَةِ بِاتِّباعِ المُصْحَفِ عَجِيبٌ مَعَ أنَّ المُعْتَقَدَ الحَقَّ أنَّ القِراءاتِ بِتَفاصِيلِها مَنقُولَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأطالَ في التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ وهو كَما قالَ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِحَذْفِها وصَلًا ووَقْفًا وإسْكانُ الياءِ فِيما ذُكِرَ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ في ما ﴿هِيَهْ﴾ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ بِطَرْحِ الهاءِ فِيهِنَّ في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ وطَرَحَها حَمْزَةُ في مالِيَ وسُلْطانِيَ وما هي في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ وفَتْحِ الياءِ فِيهِنَّ وما قالَهُ الزَّهْراوِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَواتِرٌ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

الحاقة 69:20

﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ عَمِلْتُ ذَلِكَ كَما قالَهُ الأكْثَرُونَ بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤْمِنِ تَيَقُّنُ أُمُورِ الآخِرَةِ كالحِسابِ، فالمَنقُولُ عَنْهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الأُمُورَ النَّظَرِيَّةَ لِكَوْنِ تَفاصِيلِها لا تَخْلُو عَنْ تَرَدُّدِ ما في بَعْضِها مِمّا لا يَفُوتُ اليَقِينُ فِيهِ كَسُهُولَةِ الحِسابِ وشِدَّتِهِ مَثَلًا عَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالظَّنِّ مَجازًا لِلْإشْعارِ بِذَلِكَ. وقِيلَ لَمّا كانَ الِاعْتِقادُ بِأُمُورِ الآخِرَةِ مُطْلَقًا مِمّا لا يَنْفَكُّ عَنِ الهَواجِسِ والخَطِراتِ النَّفْسِيَّةِ كَسائِرِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ نَزَلَ مُنْزِلَةَ الظَّنِّ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ لِذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ قادِحٍ في الإيمانِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن حِسابِهِ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الحِسابِ اليَسِيرِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقِينَ لَهُ بِهِ وإنَّما ظَنَّهُ ورَجَّحَهُ لِمَزِيدِ وُثُوقِهِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ولَعَلَّ صفحة 48 ذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ فَقَدْ دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُؤْمِنِ حِينَئِذٍ غَلَبَةُ الرَّجاءِ وحُسْنُ الظَّنِّ. وأمّا قَبْلَهُ فاسْتِواءُ الرَّجاءِ والخَوْفِ وعَلَيْهِ يَظْهَرُ جِدًّا وُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما تَشْعُرُ لَهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن حُسْنِ الحالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ إنِّي عَلى ما يَحْسُنُ مِنَ الأحْوالِ أوْ إنِّي فَرِحٌ مَسْرُورٌ لِأنِّي ظَنَنْتُ بِرَبِّي سُبْحانَهُ أنَّهُ يُحاسِبُنِي حِسابًا يَسِيرًا وقَدْ حاسَبَنِي كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَ عَلى الشِّدَّةِ والمُناقَشَةِ لِما سَلَفَ مِنِّي مِنَ الهَفَواتِ والآنَ أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي ذَلِكَ وفَرَّجَ هَمِّي وقِيلَ: يُطْلَقُ الظَّنُّ عَلى العِلْمِ حَقِيقَةً وهو ظاهِرُ كَلامِ الرَّضِيِّ في أفْعالِ القُلُوبِ وفِيهِ نَظَرٌ.

الحاقة 69:21

﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ أيْ مَرْضِيَّةٍ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ أيْ ذاتِ رِضًى عَلى أنَّهُ مِن بابِ النِّسْبَةِ بِالصِّيغَةِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، ومَعْنى ذاتِ رِضًى مُلْتَبِسَةً بِالرِّضا فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرَضِيَّةٍ أيْضًا وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ما أُرِيدَ بِهِ النِّسْبَةُ لا يُؤَنَّثُ كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ وهو هُنا مُؤَنَّثٌ فَلا يَصِحُّ هَذا التَّأْوِيلُ إلّا أنْ يُقالَ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ وفِيهِ بَحْثٌ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الحَقُّ أنَّ مُرادَهم أنَّ ما قُصِدَ بِهِ النِّسْبَةُ لا يَلْزَمُ تَأْنِيثُهُ وإنْ جاءَ فِيهِ عَلى خِلافِ الأصْلِ الغالِبِ أحْيانًا والمَشْهُورُ حَمْلُ ما ذُكِرَ عَلى أنَّهُ مَجازٌ في الإسْنادِ والأصْلُ في عِيشَةٍ راضٍ صاحِبُها فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها لِجَعْلِها لِخُلُوصِها دائِمًا عَنِ الشَّوائِبِ كَأنَّها نَفْسَها راضِيَةٌ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ كَما فُصِّلَ في مُطَوَّلِ كُتُبِ المَعانِي.

الحاقة 69:22

﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ فَنِسْبَةُ العُلُوِّ إلَيْها حَقِيقَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَجازًا وهي حَقِيقَةٌ لِدَرَجاتِها وما فِيها مِن بِناءٍ ونَحْوِهِ أوْ يَكُونُ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ عالِيَةٌ دَرَجاتُها أوْ بِناؤُها أوْ أشْجارُها وفي البَحْرِ عالِيَةٌ مَكانًا وقَدْرًا ولا يَخْفى ما في اسْتِعْمالِ العُلُوِّ فِيهِما مِنَ الكَلامِ.

الحاقة 69:23

﴿قُطُوفُها﴾ جَمْعَ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ وهو ما يُجْتَنى مِنَ الثَّمَرِ زادَ بَعْضُهم بِسُرْعَةٍ وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّها مِن شَأْنِ القَطْفِ بِفَتْحِ القافِ وهو مَصْدَرُ قَطَفَ ولَمْ يَجْعَلُوا قُطُوفَها جَمْعًا لَهُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَطَّرِدُ جَمْعُهُ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ قَرِيبَةٌ يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِنها وهو قائِمٌ كَما قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُدْرِكُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ البَراءِ التَّمْثِيلَ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: دَنَتْ فَلا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بَعْدُ ولا شَوْكَ وفَسَّرَ الدُّنُوَّ عَلَيْهِ بِسُهُولَةِ التَّناوُلِ.

الحاقة 69:24

﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ يُقالُ فِيها ذَلِكَ وجَمْعُ الضَّمِيرِ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى ﴿هَنِيئًا﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا بِهِ والأصْلُ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا أيْ غَيْرَ مُنَغَّصِينَ فَحُذِفَ المَفْعُولُ بِهِ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وصَحَّ جَعْلُهُ صِفَةً لِذَلِكَ مَعَ تَعَدُّدِهِ لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ فَما فَوْقَهُ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَحْذُوفَ مَصْدَرًا وكَذا صِفَتُهُ أعْنِي ﴿هَنِيئًا﴾ ووَجْهُ عَدَمِ تَثْنِيَتِهِ بِأنَّ المَصْدَرَ يَتَناوَلُ المُثَنّى أيْضًا فَلا تَغْفَلْ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ وفَعِيلٌ مِن صِيغِ المَصادِرِ كَما أنَّهُ مَن صِيغِ الصِّفاتِ أيْ هُنِّئْتُمْ هَنِيئًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والكَلامُ في مِثْلِها مَشْهُورٌ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿فِي الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيِ الماضِيَةِ وهي أيّامُ الدُّنْيا. وقِيلَ أيِ الخالِيَةِ مِنَ اللَّذائِذِ أيِ الحَقِيقِيَّةِ وهي أيّامُ الدُّنْيا أيْضًا، وقِيلَ أيِ الَّتِي أخْلَيْتُمُوها مِنَ الشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ وحُمِلَ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ووَكِيعٍ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الأيّامِ بِأيّامِ الصِّيامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَعْقُوبٍ الحَنَفِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «يا أوْلِيائِي طالَما نَظَرْتُ إلَيْكم في الدُّنْيا وقَدْ قُلِّصَتْ شِفاهُكم عَنِ الأشْرِبَةِ وغارَتْ أعْيُنُكم وخَمَصَتْ بُطُونُكم فَكُونُوا اليَوْمَ في نَعِيمِكم ( وكُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ)» . والظّاهِرُ أنَّ ما عَلى تَفْسِيرِ الأيّامِ الخالِيَةِ بِأيّامِ الصِّيامِ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ عَلى العُمُومِ والعُمُومُ في الآيَةِ هو الظّاهِرُ.

الحاقة 69:25

﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ صفحة 49 لِما يَرى مِن قُبْحِ العَمَلِ وانْجِلاءِ الحِسابِ عَمّا يَسُوءُهُ يا ﴿لَيْتَها﴾ أيِ المَوْتَةَ الَّتِي ( مُتُّها ) في الدُّنْيا ﴿كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيِ القاطِعَةَ لِأمْرِي ولَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها ولَمْ أُخْلَقْ ما ألْقى فالضَّمِيرُ لِلْمَوْتَةِ الدّالِّ عَلَيْها المَقامُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، ويَجُوزُ أنَّ يَكُونَ لِما شاهَدَهُ مِنَ الحالَةِ أيْ لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ لِما أنَّهُ وجَدَها أمَرَّ مِنَ المَوْتِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها وقَدْ قِيلَ أشَدُّ مِنَ المَوْتِ ما يُتَمَنّى المَوْتُ عِنْدَهُ. وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا المَفْهُومَةَ مِنَ السِّياقِ أيْضًا والمُرادُ بِالقاضِيَةِ المَوْتَةُ فَقَدِ اشْتُهِرَتْ في ذَلِكَ أيْ يا لَيْتَ الحَياةَ الدُّنْيا كانَتِ المَوْتَةَ ولَمْ أُخْلَقْ حَيًّا وبِتَفْسِيرِ ﴿القاضِيَةَ﴾ بِما ذَكَرَ انْدَفَعَ ما قِيلَ أنَّها تَقْتَضِي تَجَدُّدَ أمْرٍ ولا تَجَدُّدَ في الِاسْتِمْرارِ عَلى العَدَمِ نَعَمْ هَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

الحاقة 69:26

﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ صفحة 49 لِما يَرى مِن قُبْحِ العَمَلِ وانْجِلاءِ الحِسابِ عَمّا يَسُوءُهُ يا ﴿لَيْتَها﴾ أيِ المَوْتَةَ الَّتِي ( مُتُّها ) في الدُّنْيا ﴿كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيِ القاطِعَةَ لِأمْرِي ولَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها ولَمْ أُخْلَقْ ما ألْقى فالضَّمِيرُ لِلْمَوْتَةِ الدّالِّ عَلَيْها المَقامُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، ويَجُوزُ أنَّ يَكُونَ لِما شاهَدَهُ مِنَ الحالَةِ أيْ لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ لِما أنَّهُ وجَدَها أمَرَّ مِنَ المَوْتِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها وقَدْ قِيلَ أشَدُّ مِنَ المَوْتِ ما يُتَمَنّى المَوْتُ عِنْدَهُ. وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا المَفْهُومَةَ مِنَ السِّياقِ أيْضًا والمُرادُ بِالقاضِيَةِ المَوْتَةُ فَقَدِ اشْتُهِرَتْ في ذَلِكَ أيْ يا لَيْتَ الحَياةَ الدُّنْيا كانَتِ المَوْتَةَ ولَمْ أُخْلَقْ حَيًّا وبِتَفْسِيرِ ﴿القاضِيَةَ﴾ بِما ذَكَرَ انْدَفَعَ ما قِيلَ أنَّها تَقْتَضِي تَجَدُّدَ أمْرٍ ولا تَجَدُّدَ في الِاسْتِمْرارِ عَلى العَدَمِ نَعَمْ هَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

الحاقة 69:27

﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ صفحة 49 لِما يَرى مِن قُبْحِ العَمَلِ وانْجِلاءِ الحِسابِ عَمّا يَسُوءُهُ يا ﴿لَيْتَها﴾ أيِ المَوْتَةَ الَّتِي ( مُتُّها ) في الدُّنْيا ﴿كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيِ القاطِعَةَ لِأمْرِي ولَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها ولَمْ أُخْلَقْ ما ألْقى فالضَّمِيرُ لِلْمَوْتَةِ الدّالِّ عَلَيْها المَقامُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، ويَجُوزُ أنَّ يَكُونَ لِما شاهَدَهُ مِنَ الحالَةِ أيْ لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ لِما أنَّهُ وجَدَها أمَرَّ مِنَ المَوْتِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها وقَدْ قِيلَ أشَدُّ مِنَ المَوْتِ ما يُتَمَنّى المَوْتُ عِنْدَهُ. وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا المَفْهُومَةَ مِنَ السِّياقِ أيْضًا والمُرادُ بِالقاضِيَةِ المَوْتَةُ فَقَدِ اشْتُهِرَتْ في ذَلِكَ أيْ يا لَيْتَ الحَياةَ الدُّنْيا كانَتِ المَوْتَةَ ولَمْ أُخْلَقْ حَيًّا وبِتَفْسِيرِ ﴿القاضِيَةَ﴾ بِما ذَكَرَ انْدَفَعَ ما قِيلَ أنَّها تَقْتَضِي تَجَدُّدَ أمْرٍ ولا تَجَدُّدَ في الِاسْتِمْرارِ عَلى العَدَمِ نَعَمْ هَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

الحاقة 69:28

﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ ما أغْنى عَنِّي شَيْئًا الَّذِي كانَ لِي في الدُّنْيا مِنَ المالِ ونَحْوِهِ كالِاتِّباعِ عَلى أنَّ ما في ﴿ما أغْنى﴾ نافِيَةٌ. وما في مالِيَهْ مَوْصُولَةٌ فاعِلُ ( أغْنى ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ و(لَيَهْ جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الصِّلَةِ ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ( مالِيَهْ ) عِبارَةً عَنْ مالٍ مُضافٍ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ والأوَّلُ أظْهَرُ شُمُولًا لِلْإتْباعِ ونَحْوِها إذْ لا يَتَأتّى اعْتِبارُ ذَلِكَ عَلى الثّانِي إلّا بِاعْتِبارِ اللُّزُومِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ما ( أغْنى ) اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ ( ومالِيَهْ ) عَلى احْتِمالِيَّةٍ أيْ أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِيَ.

الحاقة 69:29

﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ بَطَلَتْ حُجَّتِيَ الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا وبِهِ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحاكُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وأكْثَرُ السَّلَفِ أوْ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا أوْ تَسَلُّطِي عَلى القُوى والآلاتِ الَّتِي خُلِقَتْ لِي فَعَجَزْتُ عَنِ اسْتِعْمالِها في الطّاعاتِ. يَقُولُ ذَلِكَ تَحَسُّرًا وتَأسُّفًا وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ مُشِيرًا إلى وجْهِ اخْتِيارِهِ دُونَ الثّانِي أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أما واللَّهِ ما كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ كانَ أمِيرَ قَرْيَةٍ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم وسَلَّطَهم عَلى أبْدانِهِمْ وأمْرَهم بِطاعَتِهِ ونَهاهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ وبِما أشارَ إلَيْهِ رَجَّحَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي أيْضًا لَكِنْ قِيلَ ما بَعْدُ أشَدُّ مُناسَبَةً لَهُ وسَتَطَّلِعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الأُسُودِ بْنِ عَبْدِ الأشَدِّ ويُحْكى عَنْ فَناخِسْرُو المُلَقَّبِ بِعَضُدِ الدَّوْلَةِ ابْنِ بُوَيْهِ أنَّهُ لَمّا أنْشَدَ قَوْلَهُ: لَيْسَ شُرْبُ الكَأْسِ إلّا في المَطَرِ وغِناءٍ مِن جَوارٍ في سَحَرِ غانِياتٍ سالِباتٍ لِلنُّهى ∗∗∗ ناعِماتٍ في تَضاعِيفِ الوَتَرِ مُبْرَزاتِ الكَأْسِ مِن مَطْلَعِها ∗∗∗ ساقِباتِ الرّاحِ مَن فاقَ البَشَرَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ وابْنَ رُكْنِها ∗∗∗ مَلِكَ الأمْلاكِ غَلّابَ القَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ بَعْدَهُ وجِنَّ وكانَ لا يَنْطَلِقُ لِسانُهُ إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ وفي يَتِيمَةِ الثَّعالِبِيِّ أنَّهُ لَمّا احْتَضَرَ لَمْ يَنْطَلِقْ لِسانُهُ إلّا بِتِلاوَةِ ما ﴿أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أُدْغِمَ هاءُ السَّكْتِ مِن ﴿مالِيَهْ﴾ في هاءِ ﴿هَلَكَ﴾ وهو ضَعِيفٌ قِياسًا لِأنَّ هاءَ السَّكْتِ لا تُدْغَمُ لِكَوْنِ الوَقْفِ عَلَيْها مُحَقَّقًا أوْ مُقَدَّرًا كَما في شَرْحِ التَّوْضِيحِ وفِيهِ رِوايَةُ الإدْغامِ فِيما ذُكِرَ عَنْ وِرَشٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَرْوِيَّ عَنْهُ إنَّما هو النَّقْلُ في ﴿كِتابِيَهْ﴾ إنِّي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الحاقة 69:30

﴿خُذُوهُ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلزَّبانِيَةِ خُذُوهُ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أيْ شُدُّوهُ بِالأغْلالِ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ وهي النّارُ العَظِيمَةُ الشَّدِيدَةُ التَّأجُّجِ لِعِظَمِ ما أُوتِيَ بِهِ مِنَ المَعْصِيَةِ وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى العَظِيمِ. وقِيلَ حَيْثُ كانَ يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ ما قَبْلُ بِالسَّلاطِينِ بِقَرِينَةِ تَعْظِيمِ أمْرِهِ وتَنْصِيصِ اللَّهِ تَعالى عَلى تَعْذِيبِهِ وأُجِيبُ عَمّا يَخْدِشُهُ مِمّا يَفْهَمُ مِن كَلامِ قَتادَةَ بِأنَّهُ لا ضَيْرَ في كَوْنِهِ بَيانًا لِحالِ بَعْضِ مَن أُوتِيَ صفحة 50 كِتابَهُ بِشَمالِهِ ومِثْلُهُ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا يَحُضُّ﴾ إلَخِ فَكَمْ مِن أهْلِ الشِّمالِ مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ وأيْضًا قَدْ ذَكَرُوا أنَّ الجَحِيمَ اسْمٌ لِطَبَقَةٍ مِنَ النّارِ فَتَأمَّلْ.

الحاقة 69:31

﴿خُذُوهُ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلزَّبانِيَةِ خُذُوهُ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أيْ شُدُّوهُ بِالأغْلالِ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ وهي النّارُ العَظِيمَةُ الشَّدِيدَةُ التَّأجُّجِ لِعِظَمِ ما أُوتِيَ بِهِ مِنَ المَعْصِيَةِ وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى العَظِيمِ. وقِيلَ حَيْثُ كانَ يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ ما قَبْلُ بِالسَّلاطِينِ بِقَرِينَةِ تَعْظِيمِ أمْرِهِ وتَنْصِيصِ اللَّهِ تَعالى عَلى تَعْذِيبِهِ وأُجِيبُ عَمّا يَخْدِشُهُ مِمّا يَفْهَمُ مِن كَلامِ قَتادَةَ بِأنَّهُ لا ضَيْرَ في كَوْنِهِ بَيانًا لِحالِ بَعْضِ مَن أُوتِيَ صفحة 50 كِتابَهُ بِشَمالِهِ ومِثْلُهُ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا يَحُضُّ﴾ إلَخِ فَكَمْ مِن أهْلِ الشِّمالِ مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ وأيْضًا قَدْ ذَكَرُوا أنَّ الجَحِيمَ اسْمٌ لِطَبَقَةٍ مِنَ النّارِ فَتَأمَّلْ.

الحاقة 69:32

﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها﴾ أيْ قِياسُها ومِقْدارُ طُولِها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ يَجُوزُ أنَّ يُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ العَدَدِ المَعْرُوفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحِكْمَةِ كَوْنِها عَلى هَذا العَدَدِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّكْثِيرُ فَقَدْ كَثُرَ السَّبْعَةُ والسَّبْعُونَ في التَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ ورَجَّحَ بِأنَّهُ أبْلَغُ مِن إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ والذِّراعُ مُؤَنَّثٌ قالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ وقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ عُكَلٍ فَيُقالُ الثَّوْبُ خَمْسُ أذْرُعٍ وخَمْسَةُ أذْرُعٍ والمُرادُ بِها المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العَرَبِ وهي ذِراعُ اليَدِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما خاطَبَهم بِما يَعْرِفُونَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ ذِراعُ المَلِكِ وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وجَماعَةٌ عَنْ نُوفِ البَكّالِيِّ أنَّهُ قالَ وهو يَوْمَئِذٌ بِالكُوفَةِ الذِّراعُ سَبْعُونَ باعًا والباعُ ما بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ وقالَ الحَسَنُ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هي والسِّلْسِلَةُ حَلَقٌ تَدْخُلُ في حَلْقٍ عَلى سَبِيلِ الطُّولِ كَأنَّها مِن تُسَلْسِلِ الشَّيْءِ اضْطَرَبَ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لَوْ وضَعَ مِنها حَلْقَةً عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَّصاصِ ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ فادْخُلُوهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: 21] وإدْخالُهُ فِيها بِأنْ تُلَفَّ عَلى جَسَدِهِ وتُلَوّى عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَيَبْقى مُرْهَقًا فِيما بَيْنَها لا يَسْتَطِيعُ حَراكًا ما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ النّارِ يَكُونُونَ فِيها كالتَّعْلَبِ في الجُبَّةِ والتَّعْلَبُ طَرَفُ خَشَبَةِ الرُّمْحِ والجُبَّةُ الزَّجُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّ السِّلْسِلَةَ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيها كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وفِي رِوايَةٍ أخْرَجَ عَنْهم أنَّها تُسْلَكُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن مَنخَرَيْهِ ومِن هُنا قِيلَ إنَّ في الآيَةِ قَلْبًا والأصْلُ فاسْلُكُوها فِيهِ والجُمْهُورُ عَلى الظّاهِرِ والفاءُ جَزائِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المُدَّثِّرِ: 3] والتَّقْدِيرُ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ إلَخِ فَقُدِّمَ الظَّرْفُ وما مَعَهُ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ ولِتَتَوَسَّطَ الفاءُ كَما هو حَقُّها ولِيَدُلَّ عَلى التَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ كَأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ مَواضِعِ الإرْهاقِ مِنَ الجَحِيمِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَكَذا ثُمَّ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَفي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا اسْلُكُوهُ فَفِيهِ تَقْدِيمانِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّخْصِيصِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الشَّرْطِ لِلتَّعْوِيضِ وتَوْسِيطُ الفاءِ ( وثُمَّ ) في المَوْضِعَيْنِ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ أنْواعِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ مِنَ الغِلِّ والتَّصْلِيَةِ والسَّلْكِ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها عَلى ظاهِرِها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُهْلَةِ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّهْدِيدِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ الثّانِيَةَ لِعَطْفِ قَوْلٍ مُضْمَرٍ عَلى ما أُضْمِرَ قَبْلُ ﴿خُذُوهُ﴾ إشْعارًا بِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ وفاءً ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ لِعَطْفِ المَقُولِ عَلى المَقُولِ لِئَلّا يَتَوارَدَ حَرْفا عَطْفٍ عَلى مَعْطُوفٍ واحِدٍ ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ عَلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِ القَوْلِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّوارُدُ المَذْكُورُ ومَبْنى هَذا التَّكَلُّفِ البادِرِ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرْناهُ فَلا تَغْفُلْ ويُعْلَمُ مِنهُ وهَنُ ما قِيلَ إنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُفِيدُ التَّخْصِيصُ لِأنَّ ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ لَيْسَ مَعْمُولًا لِاسْلُكُوهُ لِئَلّا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ حَرْفَيْ عَطْفٍ بَلْ هو مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ فَيُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلى الأصْلِ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الجَحِيمِ كالقَرِينَةِ عَلى كَوْنِ ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ مُقَدَّمًا عَلى عامِلِهِ.

الحاقة 69:33

﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ اسْتَحَقَّ هَذا فَقِيلَ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مُسْتَمِرًّا عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى العَظِيمِ وقِيلَ أيْ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ أنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِالإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وذِكْرُ ﴿العَظِيمِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى وجْهِ عِظَمِ عَذابِهِ، وقِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَحِقُّ لِلْعَظَمَةِ فَحَسْبُ فَمَن نَسَبَها إلى نَفْسِهِ اسْتَحَقَّ أعْظَمَ العُقُوباتِ.

الحاقة 69:34

﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ ولا يَحُثُّ عَلى بَذْلِ طَعامِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ في مالِ المُوسِرِ فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ لِأنَّ الحَثَّ إنَّما يَكُونُ عَلى الفِعْلِ، والطَّعامُ لَيْسَ صفحة 51 بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ بِمَعْنى الإطْعامِ بِوَضْعِ الِاسْمِ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ أيْ ولا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَبْذُلَ ما لَهُ فَلَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ ذُكِرَ الحَضُّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَكَيْفَ بِتارِكِ الفِعْلِ وما أحْسَنَ قَوْلَ زَيْنَبَ الطِّثْرِيَّةِ تَرْثِي أخاها يَزِيدَ: إذا نَزَلَ الأضْيافُ كانَ عَذُورًا عَلى الحَيِّ تَسْتَقِلُّ مَراجِلُهُ تُرِيدُ حَضَّهم عَلى القِرى واسْتَعْجَلَهم وتَشاكَسَ عَلَيْهِمْ وفِيهِ أوْجُهٌ مِنَ المَدْحِ. وكانَ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ المَرَقِ لِأجْلِ المَساكِينِ ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ أفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها اقْتَبَسَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ فَإنَّهُ جَعَلَ اسْتِحْقاقَ السِّلْسِلَةِ مُعَلَّلًا بِعَدَمِ الإيمانِ وعَدَمِ الحَضِّ وتَخْصِيصُ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِما أنَّ أقْبَحَ العَقائِدِ الكُفْرُ وأشْنَعَ الرَّذائِلِ البُخْلُ وقَسْوَةُ القَلْبِ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ كالهَوْلِ وإلّا لَمْ يُعاقَبُوا عَلى تَرْكِ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.

الحاقة 69:35

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ قَرِيبٌ مُشْفِقٌ يَحْمِيهِ ويَدْفَعُ عَنْهُ لِأنَّ أوْلِياءَهُ يَتَحامُونَهُ ويَفِرُّونَ مِنهُ ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ هو ما يَجْرِي مِنَ الجِراحِ إذا غُسِلَتْ فِعْلِينَ مِنَ الغَسْلِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّهُ الدَّمُ والماءُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِ أهْلِ النّارِ وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ في رِوايَتِهِما مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما الغِسْلِينُ ولَكِنِّي أظُنُّهُ الزَّقُّومُ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ بِأهْلِ الدُّنْيا» . وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُتَّحِدًا مَعَ الضَّرِيعِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هُما مُتَبايِنانِ وسَيَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ولَهُ خَبَرُ (لَيْسَ قالَ المَهْدَوِيُّ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هاهُنا ولَمْ يُبَيِّنْ ما المانِعُ مِن ذَلِكَ وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ. وقالَ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ ﴿إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ وهاهُنا مُتَعَلِّقٌ بِما في لَهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ انْتَهى. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانٍ فَقالَ: إذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ وكانَ الأكْلُ أكْلًا آخَرَ صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأُكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ كَما قالَ بَعْضُهم فَلا تَناقُضَ بَيْنَ هَذا الحَصْرِ والحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشِيَةِ: 6] إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو مِن شَيْءٍ واحِدٍ وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرَهُ وهو إنَّهُ إذا جَعَلْنا ﴿ها هُنا﴾ الخَبَرَ كانَ ( لَهُ ) و(اليَوْمَ ) مُتَعَلِّقِينَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ وهو العامِلُ في ﴿ها هُنا﴾ وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: 4] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِكُفُوًّا وهو خَبَرٌ لِيَكُنِ اهـ. وفي إطْلاقِ العامِلِ المَعْنَوِيِّ عَلى مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ المَحْذُوفِ بِحْثٌ.

الحاقة 69:36

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ قَرِيبٌ مُشْفِقٌ يَحْمِيهِ ويَدْفَعُ عَنْهُ لِأنَّ أوْلِياءَهُ يَتَحامُونَهُ ويَفِرُّونَ مِنهُ ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ هو ما يَجْرِي مِنَ الجِراحِ إذا غُسِلَتْ فِعْلِينَ مِنَ الغَسْلِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّهُ الدَّمُ والماءُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِ أهْلِ النّارِ وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ في رِوايَتِهِما مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما الغِسْلِينُ ولَكِنِّي أظُنُّهُ الزَّقُّومُ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ بِأهْلِ الدُّنْيا» . وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُتَّحِدًا مَعَ الضَّرِيعِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هُما مُتَبايِنانِ وسَيَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ولَهُ خَبَرُ (لَيْسَ قالَ المَهْدَوِيُّ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هاهُنا ولَمْ يُبَيِّنْ ما المانِعُ مِن ذَلِكَ وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ. وقالَ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ ﴿إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ وهاهُنا مُتَعَلِّقٌ بِما في لَهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ انْتَهى. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانٍ فَقالَ: إذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ وكانَ الأكْلُ أكْلًا آخَرَ صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأُكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ كَما قالَ بَعْضُهم فَلا تَناقُضَ بَيْنَ هَذا الحَصْرِ والحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشِيَةِ: 6] إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو مِن شَيْءٍ واحِدٍ وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرِ ما ذَكَرَهُ وهو إنَّهُ إذا جَعَلْنا ﴿ها هُنا﴾ الخَبَرَ كانَ ( لَهُ ) و(اليَوْمَ ) مُتَعَلِّقِينَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ وهو العامِلُ في ﴿ها هُنا﴾ وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: 4] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِكُفُوًّا وهو خَبَرٌ لِيَكُنِ اهـ. وفي إطْلاقِ العامِلِ المَعْنَوِيِّ عَلى مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ المَحْذُوفِ بِحْثٌ.

الحاقة 69:37

﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ أصْحابُ الخَطايا مِن خَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ لا مِنَ الخَطَأِ المُقابِلِ لِلصَّوابِ دُونَ المُقابِلِ لِلْعَمْدِ والمُرادُ بِهِمْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُشْرِكُونَ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في رِوايَةِ «الخاطِيُونَ» بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ أُخْرى ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ «الخاطُونَ» بِطَرْحِ الهَمْزَةِ بَعْدَ إبْدالِها تَخْفِيفًا عَلى أنَّهُ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُشْعِرُ بِإنْكارِ ذَلِكَ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما الخاطُونَ إنَّما هو الخاطِئُونَ ما الصّابُونَ إنَّما هو الصّابِئُونَ وفي رِوايَةٍ ما الخاطُونَ كُلُّنا نَخْطُو كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ التَّخْفِيفَ هَكَذا لَيْسَ قِياسًا وهو مُلْبِسٌ مَعَ ذَلِكَ فَلا يَرْتَكِبُ وقِيلَ هو مِن خَطا يَخْطُو فالمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ مِنَ الطّاعَةِ إلى العِصْيانِ ومِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ المُذْنِبِينَ أيْضًا هَذا وظَواهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُؤْمِنَ الطّائِعَ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ والكافِرَ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ ولَمْ يُعْلَمْ مِنها حالُ الفاسِقِ الَّذِي ماتَ عَلى فِسْقِهِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بَلْ قِيلَ لَيْسَ في القُرْآنِ بَيانُ حالِهِ صفحة 52 صَرِيحًا وقَدِ اخْتُلِفَ في أمْرِهِ فَجَزَمَ الماوَرْدِيُّ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ حَكى قَوْلًا بِالوَقْفِ وقالَ لا قائِلَ بِأنَّهُ يُؤْتاهُ بِشَمالِهِ وقالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ اخْتُلِفَ في عُصاةِ المُؤْمِنِينَ فَقِيلَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وقِيلَ بِشِمالِهِمْ، واخْتَلَفَ الأوَّلُونَ فَقِيلَ: يَأْخُذُونَها قَبْلَ الدُّخُولِ في النّارِ ويَكُونُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى عَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيها. وقِيلَ يَأْخُذُونَها بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن تَوَقَّفَ لِتَعارُضِ النُّصُوصِ ومَن حَفِظَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الآياتِ تَصْرِيحٌ بِقِراءَةِ العَبْدِ كِتابَهُ والوارِدُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ والَّذِي يَجْمَعُ الآياتِ والأحادِيثَ عَلى ما قالَ اللَّقانِيُّ أنَّ مِنَ الآخِذِينَ مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَخازِي والقَبائِحِ والجَرائِمِ والفَضائِحِ فَيَأْخُذُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الدَّهَشُ والرُّعْبُ حَتّى لا يَمِيزَ شَيْئًا كالكافِرِ ومِنهم مَن يَقْرَؤُهُ بِنَفْسِهِ ومِنهم مَن يَدْعُو أهْلَ حاضِرِهِ لِقِراءَتِهِ إعْجابًا بِما فِيهِ وظَواهِرُ النُّصُوصِ أنَّ القِراءَةَ حَقِيقِيَّةٌ وقِيلَ مَجازِيَّةٌ عَبَّرَ بِها عَنِ العِلْمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ولَفْظُ الحَسَنِ يَقْرَأُ كُلُّ إنْسانٍ كِتابَهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ وظَواهِرُ الآثارِ أنَّ الحَسَناتِ تُكْتَبُ مُتَمَيِّزَةً مِنَ السَّيِّئاتِ فَقِيلَ إنَّ سَيِّئاتِ المُؤْمِنِ أوَّلُ كِتابِهِ وآخِرُهُ هَذِهِ ذُنُوبُكَ قَدْ سَتَرْتُها وغَفَرْتُها وإنَّ حَسَناتِ الكافِرِ أوَّلُ كِتابِهِ وآخِرُهُ هَذِهِ حَسَناتُكَ قَدْ رَدَدْتُها عَلَيْكَ وما قَبِلْتُها. وقِيلَ يَقْرَأُ المُؤْمِنُ سَيِّئاتِ نَفْسِهِ ويَقْرَأُ النّاسُ حَسَناتِهِ حَتّى يَقُولُوا ما لِهَذا العَبْدِ سَيِّئَةٌ ويَقُولَ ما لِي حَسَنَةٌ. وقِيلَ كُلٌّ يَقْرَأُ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ وأوَّلُ سَطْرٍ مِن كِتابِ المُؤْمِنِ أبْيَضُ فَإذا قَرَأهُ ابْيَضَّ وجْهُهُ والكافِرُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ وظَواهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ عَدَمُ اخْتِصاصِ إيتاءِ الكُتُبِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ لِما في بَعْضِها مِمّا يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ فَفِي حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ وقَدْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ فِيما بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمَّتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ: «هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ لَيْسَ أحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرُهم وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ»» الحَدِيثُ وقَدْ تَقَدَّمَ فَتَذَكَّرْ والحَقُّ أنَّ الجِنَّ في هَذِهِ الأُمُورِ حُكْمُهم حُكْمُ الإنْسِ عَلى ما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ وصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ نَعَمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْخُذُونَ كِتابًا بَلْ إنَّ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ومِنهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَأْخُذُونَ أيْضًا كِتابًا وأوَّلُ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَلَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ وبَعْدَهُ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ وأوَّلُ مَن يَأْخُذُ كِتابَهُ بِشَمالِهِ أخُوهُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ والآثارُ في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ الكُتُبِ إلى أيْدِي أصْحابِها مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ ورَدَ أنَّ الرِّيحَ تُطِيرُها مِن خِزانَةٍ تَحْتَ العَرْشِ فَلا تُخْطِئُ صَحِيفَةٌ عُنُقَ صاحِبِها ووَرَدَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُدْعى فَيُعْطى كِتابَهُ وجَمْعٌ بِأخْذِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاها مِن أعْناقِهِمْ ووَضْعِهِمْ لَها في أيْدِيهِمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

الحاقة 69:38

﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقِعَةِ: 75] وما ( تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ ) المُشاهَداتُ والمُغَيَّباتُ وإلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ قَتادَةَ هو عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ عَطاءٌ ما ( تُبْصِرُونَ ) مِن آثارِ القُدْرَةِ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ الأجْسامُ والأرْواحُ وقِيلَ الدُّنْيا والآخِرَةُ وقِيلَ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ وقِيلَ الخَلْقُ والخالِقُ وقِيلَ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ والأوَّلُ شامِلٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما قالَ مُقاتِلٌ إنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ساحِرٌ وقالَ أبُو جَهْلٍ شاعِرٌ وقالَ عُتْبَةُ كاهِنٌ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ إلَخِ.

الحاقة 69:39

﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقِعَةِ: 75] وما ( تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ ) المُشاهَداتُ والمُغَيَّباتُ وإلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ قَتادَةَ هو عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ عَطاءٌ ما ( تُبْصِرُونَ ) مِن آثارِ القُدْرَةِ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ الأجْسامُ والأرْواحُ وقِيلَ الدُّنْيا والآخِرَةُ وقِيلَ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ وقِيلَ الخَلْقُ والخالِقُ وقِيلَ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ والأوَّلُ شامِلٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما قالَ مُقاتِلٌ إنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ساحِرٌ وقالَ أبُو جَهْلٍ شاعِرٌ وقالَ عُتْبَةُ كاهِنٌ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ إلَخِ.

الحاقة 69:40

﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿كَرِيمٍ﴾ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ إلَخِ قِيلَ دَلِيلٌ لِما قالَهُ الأكْثَرُونَ لِأنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ أنَّهُ صفحة 53 عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولٌ لا شاعِرٌ ولا كاهِنٌ كَما يِشْعِرُ بِذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ وتَوْضِيحُ ذَلِكَ أنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ في جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَذا وكَذا وإنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ أُرِيدَ بِرَسُولِ كَرِيمٍ جِبْرِيلٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفاتَ التَّقابُلُ ولَمْ يَحْسُنِ العَطْفُ كَما تَقُولُ إنَّهُ لِقَوْلُ عالِمٍ وما هو بِقَوْلِ جاهِلٍ ولَوْ قُلْتَ وما هو بِقَوْلِ شُجاعٍ نَسْبْتَ إلى ما تَكْرَهُ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ بِأنَّ هَذا صَحِيحٌ إنْ سَلِمَ أنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ رَسُولٍ لا شاعِرٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ لا قَوْلُ شاعِرٍ إثْباتًا لِلرِّسالَةِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أمّا إذا جُعِلَ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ إثْباتَ حَقِيَةِ المَنزِلِ وأنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِهَؤُلاءِ وحَسْرَةٌ لِمُقابِلِيهِمْ وهو في نَفْسِهِ صِدْقٌ ويَقِينٌ لا يَحُومُ حَوْلَهُ شَكٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ. فَلِلْقَوْلِ الثّانِي أيْضًا مَوْقِعٌ حَسَنٌ وكَأنَّهُ قِيلَ إنَّ هَذا القُرْآنَ لَقَوْلُ جِبْرِيلَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ وما هو مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما تَزْعُمُونَ وتَدَّعُونَ أنَّهُ شاعِرٌ وكاهِنٌ ويَكُونُ قَدْ نَفى عَنْهُ ﷺ الشِّعْرَ والكِهانَةَ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ انْتَهى وهو تَحَقُّقٌ حَسَنٌ. ﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ تُصَدِّقُونَ تَصْدِيقًا قَلِيلًا عَلى أنَّ ﴿قَلِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِتُؤْمِنُونَ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والقِلَّةُ بِمَعْناها الظّاهِرِ لِأنَّهم لِظُهُورِ صِدْقِهِ ﷺ لَزِمَ تَصْدِيقُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجُمْلَةِ وإنْ أظْهَرُوا خِلافَهُ عِنادًا وأبَوْهُ تَمَرُّدًا بِألْسِنَتِهِمْ وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ القِلَّةَ عَلى العَدَمِ والنَّفْيِ أيْ لا تُؤْمِنُونَ البَتَّةَ ولا كَلامَ فِيهِ سِوى أنَّهُ دُونَ الأوَّلِ في الظُّهُورِ. وقالَ أبُو حَيّانٍ: لا يُرادُ بِقَلِيلًا هُنا النَّفْيُ المَحْضُ كَما زَعَمَ فَذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلِّ نَحْوَ أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ كَذا إلّا زِيدٌ وفي قَلَّ نَحْوَ قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ كَذا إلّا زِيدٌ وقَدْ يَكُونُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ نَحْوَ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ: أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةٌ فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوَ قَلِيلًا ضَرَبْتُ أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ في قَلِيلًا ضَرَبْتُ مَنصُوبٌ بِضَرَبْتُ ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا بَلْ مُقابِلًا لِلْكَثِيرِ وأمّا في قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَيَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسْمَعُ عَلى مِثْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ ما قالَ ما قالَ إلّا عَنْ وُقُوفٍ وهو فارِسُ مَيْدانِ العَرَبِيَّةِ وجَوَّزَ كَوْنَهُ صِفَةً لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ زَمانًا قَلِيلًا تُؤَمِّنُونَ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم أوْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَإنَّهم يَقُولُونَ حِينَئِذٍ اللَّهُ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نُصِبَ ﴿قَلِيلا﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهم البَتَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وما يَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ وقَدْ صَدَقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَكَوْنِ الصِّلَةِ والعَفافِ اللَّذَيْنِ كانا يَأْمُرُ بِهِما عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقًّا وصَوابًا اهـ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَصْبُ ﴿قَلِيلا﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دالٍّ عَلَيْهِ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهُ إمّا أنْ تَكُونَ ما المُقَدِّرَةُ مَعَهُ نافِيَةً فالفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ وكَذا حَذْفُ ما فَلا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرِبُهُ عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرِبُ زَيْدًا ما أضْرِبُهُ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ إمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِقَلِيلًا أيْ قَلِيلًا إيمانُكم ويُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ عَمَلِهِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ونَصْبُهُ لا ناصِبَ لَهُ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ ويُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً بِلا خَبَرٍ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ «يُؤْمِنُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ.

الحاقة 69:41

﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿كَرِيمٍ﴾ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ إلَخِ قِيلَ دَلِيلٌ لِما قالَهُ الأكْثَرُونَ لِأنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ أنَّهُ صفحة 53 عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولٌ لا شاعِرٌ ولا كاهِنٌ كَما يِشْعِرُ بِذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ وتَوْضِيحُ ذَلِكَ أنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ في جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَذا وكَذا وإنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ أُرِيدَ بِرَسُولِ كَرِيمٍ جِبْرِيلٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفاتَ التَّقابُلُ ولَمْ يَحْسُنِ العَطْفُ كَما تَقُولُ إنَّهُ لِقَوْلُ عالِمٍ وما هو بِقَوْلِ جاهِلٍ ولَوْ قُلْتَ وما هو بِقَوْلِ شُجاعٍ نَسْبْتَ إلى ما تَكْرَهُ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ بِأنَّ هَذا صَحِيحٌ إنْ سَلِمَ أنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ رَسُولٍ لا شاعِرٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ لا قَوْلُ شاعِرٍ إثْباتًا لِلرِّسالَةِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أمّا إذا جُعِلَ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ إثْباتَ حَقِيَةِ المَنزِلِ وأنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِهَؤُلاءِ وحَسْرَةٌ لِمُقابِلِيهِمْ وهو في نَفْسِهِ صِدْقٌ ويَقِينٌ لا يَحُومُ حَوْلَهُ شَكٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ. فَلِلْقَوْلِ الثّانِي أيْضًا مَوْقِعٌ حَسَنٌ وكَأنَّهُ قِيلَ إنَّ هَذا القُرْآنَ لَقَوْلُ جِبْرِيلَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ وما هو مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما تَزْعُمُونَ وتَدَّعُونَ أنَّهُ شاعِرٌ وكاهِنٌ ويَكُونُ قَدْ نَفى عَنْهُ ﷺ الشِّعْرَ والكِهانَةَ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ انْتَهى وهو تَحَقُّقٌ حَسَنٌ. ﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ تُصَدِّقُونَ تَصْدِيقًا قَلِيلًا عَلى أنَّ ﴿قَلِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِتُؤْمِنُونَ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والقِلَّةُ بِمَعْناها الظّاهِرِ لِأنَّهم لِظُهُورِ صِدْقِهِ ﷺ لَزِمَ تَصْدِيقُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجُمْلَةِ وإنْ أظْهَرُوا خِلافَهُ عِنادًا وأبَوْهُ تَمَرُّدًا بِألْسِنَتِهِمْ وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ القِلَّةَ عَلى العَدَمِ والنَّفْيِ أيْ لا تُؤْمِنُونَ البَتَّةَ ولا كَلامَ فِيهِ سِوى أنَّهُ دُونَ الأوَّلِ في الظُّهُورِ. وقالَ أبُو حَيّانٍ: لا يُرادُ بِقَلِيلًا هُنا النَّفْيُ المَحْضُ كَما زَعَمَ فَذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلِّ نَحْوَ أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ كَذا إلّا زِيدٌ وفي قَلَّ نَحْوَ قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ كَذا إلّا زِيدٌ وقَدْ يَكُونُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ نَحْوَ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ: أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةٌ فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوَ قَلِيلًا ضَرَبْتُ أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ في قَلِيلًا ضَرَبْتُ مَنصُوبٌ بِضَرَبْتُ ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا بَلْ مُقابِلًا لِلْكَثِيرِ وأمّا في قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَيَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسْمَعُ عَلى مِثْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ ما قالَ ما قالَ إلّا عَنْ وُقُوفٍ وهو فارِسُ مَيْدانِ العَرَبِيَّةِ وجَوَّزَ كَوْنَهُ صِفَةً لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ زَمانًا قَلِيلًا تُؤَمِّنُونَ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم أوْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَإنَّهم يَقُولُونَ حِينَئِذٍ اللَّهُ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نُصِبَ ﴿قَلِيلا﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهم البَتَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وما يَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ وقَدْ صَدَقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَكَوْنِ الصِّلَةِ والعَفافِ اللَّذَيْنِ كانا يَأْمُرُ بِهِما عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقًّا وصَوابًا اهـ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَصْبُ ﴿قَلِيلا﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دالٍّ عَلَيْهِ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهُ إمّا أنْ تَكُونَ ما المُقَدِّرَةُ مَعَهُ نافِيَةً فالفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ وكَذا حَذْفُ ما فَلا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرِبُهُ عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرِبُ زَيْدًا ما أضْرِبُهُ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ إمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِقَلِيلًا أيْ قَلِيلًا إيمانُكم ويُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ عَمَلِهِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ونَصْبُهُ لا ناصِبَ لَهُ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ ويُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً بِلا خَبَرٍ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ «يُؤْمِنُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ.

الحاقة 69:42

﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَدَّعُونَ مَرَّةً أُخْرى ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا فَلِذَلِكَ يَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْكم وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ إعْرابًا كالكَلامِ فِيما قَبْلَهُ وكَذا القِراءَةُ وذِكْرُ الإيمانِ مَعَ نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ قِيلَ لِما أنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ الشِّعْرَ أمْرٌ بَيِّنٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ فَلا صفحة 54 عُذْرَ لِمُدَّعِيها في تَرْكِ الإيمانِ وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ بِخِلافِ مُبايَنَتِهِ لِلْكِهانَةِ فَإنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرِ أحْوالِهِ ﷺ ومَعانِي القُرْآنِ المُنافِيَةِ لِطَرِيقِ الكِهانَةِ ومَعانِي أقْوالِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأمُّلٍ قَطْعًا وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَكْفِي في الغَرَضِ الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ تَوَقُّفَ الأوَّلِ دُونَ تَوَقُّفِ الثّانِي.

الحاقة 69:43

﴿تَنْزِيلٌ﴾ أيْ هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ نَزَّلَهُ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ أبُو =السَّمالِ «تَنْزِيلًا» بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ نَزَّلَهُ تَنْزِيلًا ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ التَّقَوُّلُ الِافْتِراءُ وسُمِّي تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلِّفٌ والأقاوِيلُ الأقْوالُ المُفْتَراةُ وهي جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ جَمْعُ أقْوالٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ كَأناعِيمَ جَمْعُ أنْعامٍ، وأبابِيتَ جَمْعُ أبْياتٍ. وفِي الكَشّافِ سُمِّيَ الأقْوالُ المُتَقَوِّلَةُ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا كَقَوْلِكَ الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ =المُنِيرِ بِأنَّ أُفْعُولَةً مِنَ القَوْلِ غَرِيبٌ عَنِ القِياسِ التَّصْرِيفِيِّ وأُجِيبُ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِاخْتِصاصِهِ بِالِافْتِراءِ غَيْرَ ما ذُكِرَ والأحْسَنُ أنْ يُقالَ بِمَنعِ اخْتِصاصِهِ وضْعًا وأنَّهُ جَمْعٌ عَلى ما سَمِعْتَ والتَّحْقِيرُ جاءَ مِنَ السِّياقِ والمُرادُ لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ.

الحاقة 69:44

﴿تَنْزِيلٌ﴾ أيْ هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ نَزَّلَهُ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ أبُو =السَّمالِ «تَنْزِيلًا» بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ نَزَّلَهُ تَنْزِيلًا ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ التَّقَوُّلُ الِافْتِراءُ وسُمِّي تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلِّفٌ والأقاوِيلُ الأقْوالُ المُفْتَراةُ وهي جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ جَمْعُ أقْوالٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ كَأناعِيمَ جَمْعُ أنْعامٍ، وأبابِيتَ جَمْعُ أبْياتٍ. وفِي الكَشّافِ سُمِّيَ الأقْوالُ المُتَقَوِّلَةُ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا كَقَوْلِكَ الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ =المُنِيرِ بِأنَّ أُفْعُولَةً مِنَ القَوْلِ غَرِيبٌ عَنِ القِياسِ التَّصْرِيفِيِّ وأُجِيبُ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِاخْتِصاصِهِ بِالِافْتِراءِ غَيْرَ ما ذُكِرَ والأحْسَنُ أنْ يُقالَ بِمَنعِ اخْتِصاصِهِ وضْعًا وأنَّهُ جَمْعٌ عَلى ما سَمِعْتَ والتَّحْقِيرُ جاءَ مِنَ السِّياقِ والمُرادُ لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ.

الحاقة 69:45

﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ أيْ لَأمْسَكْناهُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بَيانٌ بِيَمِينِهِ بَعْدَ الإبْهامِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشَّرْحِ: 1] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيْ وتِينَهُ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ نِياطُ القَلْبِ الَّذِي إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الحَبْلُ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ هو عِرْقٌ بَيْنَ العِلْباءِ وهي عَصَبُ العُنُقِ والحُلْقُومِ وقِيلَ عِرْقٌ غَلِيظٌ تُصادِفُهُ شَفْرَةُ النّاحِرِ ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ بْنِ ضِرارٍ: إذا بَلَّغَتْنِي وحَمَلَتْ رَحْلِي عَرّابَةٌ فاشْرُقِي بِدَمِ الوَتِينِ وهَذا تَصْوِيرٌ لِلْإهْلاكِ بِأفْظَعِ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ وهو أنْ يَأْخُذَ القِتالَ بِيَمِينِهِ ويَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ ويَضْرِبَ عُنُقَهُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لَقَطَعْنا يَمِينَهُ ثُمَّ لَقَطْعْنا وتِينَهُ عِبْرَةً ونَكالًا والباءُ عَلَيْهِ زائِدَةٌ وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والمُرادُ أُخِذَ بِعُنْفٍ وشِدَّةٍ وضَعُفَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ مَجازٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وأنَّهُ يَفُوتُ فِيهِ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ ويَصِيرُ مِنهُ زائِدًا لا فائِدَةَ فِيهِ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ «ولَوْ يُقَوَّلُ» مُضارِعٌ قالَ وقُرِئَ «ولَوْ ﴿تَقَوَّلَ﴾» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَنائِبُ الفاعِلِ ﴿بَعْضَ﴾ إنْ كانَ قَدْ قُرِئَ مَرْفُوعًا وإنْ كانَ قَدْ قُرِئَ مَنصُوبًا فَهو عَلَيْنا.

الحاقة 69:46

﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ أيْ لَأمْسَكْناهُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بَيانٌ بِيَمِينِهِ بَعْدَ الإبْهامِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشَّرْحِ: 1] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيْ وتِينَهُ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ نِياطُ القَلْبِ الَّذِي إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الحَبْلُ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ هو عِرْقٌ بَيْنَ العِلْباءِ وهي عَصَبُ العُنُقِ والحُلْقُومِ وقِيلَ عِرْقٌ غَلِيظٌ تُصادِفُهُ شَفْرَةُ النّاحِرِ ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ بْنِ ضِرارٍ: إذا بَلَّغَتْنِي وحَمَلَتْ رَحْلِي عَرّابَةٌ فاشْرُقِي بِدَمِ الوَتِينِ وهَذا تَصْوِيرٌ لِلْإهْلاكِ بِأفْظَعِ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ وهو أنْ يَأْخُذَ القِتالَ بِيَمِينِهِ ويَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ ويَضْرِبَ عُنُقَهُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لَقَطَعْنا يَمِينَهُ ثُمَّ لَقَطْعْنا وتِينَهُ عِبْرَةً ونَكالًا والباءُ عَلَيْهِ زائِدَةٌ وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والمُرادُ أُخِذَ بِعُنْفٍ وشِدَّةٍ وضَعُفَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ مَجازٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وأنَّهُ يَفُوتُ فِيهِ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ ويَصِيرُ مِنهُ زائِدًا لا فائِدَةَ فِيهِ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ «ولَوْ يُقَوَّلُ» مُضارِعٌ قالَ وقُرِئَ «ولَوْ ﴿تَقَوَّلَ﴾» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَنائِبُ الفاعِلِ ﴿بَعْضَ﴾ إنْ كانَ قَدْ قُرِئَ مَرْفُوعًا وإنْ كانَ قَدْ قُرِئَ مَنصُوبًا فَهو عَلَيْنا.

الحاقة 69:47

﴿فَما مِنكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ ﴿مِن أحَدٍ عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ هَذا الفِعْلِ وهو القَتْلُ ﴿حاجِزِينَ﴾ أيْ مانِعِينَ يَعْنِي فَما يُمْنَعُ أحَدٌ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَظْهَرَ عَوْدُ ضَمِيرِ ( عَنْهُ ) لِمَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ( تَقَوَّلَ ) والمَعْنى فَما يَحُولُ أحَدٌ بَيْنَنا وبَيْنَهُ والظّاهِرُ في ﴿حاجِزِينَ﴾ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِما عَلى لُغَةِ الحِجازِيِّينَ لِأنَّهُ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ ( ومِن ) زائِدَةٌ ( وأحَدٍ ) اسْمُها ( ومِنكم ) قِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ فَلَمّا تَقَدَّمَ أُعْرِبَ حالًا كَما هو الشّائِعُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها ونُظِرَ في ذَلِكَ وقِيلَ لِلْبَيانِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِحاجِزِينَ كَما تَقُولُ ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا. ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنِ انْتِصابِ خَبَرِ (ما ) وقالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ إنَّ ( حاجِزِينَ ) نَعْتٌ لِأحَدٍ وجَمْعٌ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ ومِنهُ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: 285] ( و﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ ) [الأحْزابِ: 32] فَأحَدٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ( مِنكم ) وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ مِنكم فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ مَعَ أنَّهُ الحَقِيقُ بِتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِ.

الحاقة 69:48

﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وقِيلَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ والمَعْنى أنَّ مِنهم ناسًا سَيَكْفُرُونَ بِالقُرْآنِ ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَسْرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ وقالَ مُقاتِلٌ وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لِحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ فَأعادا الضَّمِيرَ لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ. صفحة 55

الحاقة 69:49

﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وقِيلَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ والمَعْنى أنَّ مِنهم ناسًا سَيَكْفُرُونَ بِالقُرْآنِ ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَسْرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ وقالَ مُقاتِلٌ وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لِحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ فَأعادا الضَّمِيرَ لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ. صفحة 55

الحاقة 69:50

﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وقِيلَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ والمَعْنى أنَّ مِنهم ناسًا سَيَكْفُرُونَ بِالقُرْآنِ ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَسْرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ وقالَ مُقاتِلٌ وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لِحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ فَأعادا الضَّمِيرَ لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ. صفحة 55

الحاقة 69:51

﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ لِلْيَقِينِ حَقُّ اليَقِينِ والمَعْنى لَعَيْنُ اليَقِينِ فَهو عَلى نَحْوِ عَيْنِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ عَلى ما صُرِّحَ بِهِ في الكَشْفِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ فِيهِ عَلى مَعْنى مِن أيِ الحَقِّ الثّابِتِ مِنَ اليَقِينِ وقَدْ تَقَدَّمَ في الواقِعَةِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْهُ وذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم أنَّ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ حَقُّ اليَقِينِ ودُونَهُ عَيْنُ اليَقِينِ ودُونَهُ عِلْمُ اليَقِينِ فالأوَّلُ كَعِلْمِ العاقِلِ بِالمَوْتِ إذا ذاقَهُ والثّانِي كَعِلْمِهِ بِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والثّالِثُ كَعِلْمِهِ بِهِ في سائِرِ أوْقاتِهِ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن كُتُبِهِمْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ فَسَبَّحِ اللَّهَ تَعالى بِذِكْرِ اسْمِهِ العَظِيمِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِ وشُكْرًا عَلى ما أوْحى إلَيْكَ مِن هَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ وقَدْ مَرَّ نَحْوُ هَذا في الواقِعَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

الحاقة 69:52

﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ لِلْيَقِينِ حَقُّ اليَقِينِ والمَعْنى لَعَيْنُ اليَقِينِ فَهو عَلى نَحْوِ عَيْنِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ عَلى ما صُرِّحَ بِهِ في الكَشْفِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ فِيهِ عَلى مَعْنى مِن أيِ الحَقِّ الثّابِتِ مِنَ اليَقِينِ وقَدْ تَقَدَّمَ في الواقِعَةِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْهُ وذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم أنَّ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ حَقُّ اليَقِينِ ودُونَهُ عَيْنُ اليَقِينِ ودُونَهُ عِلْمُ اليَقِينِ فالأوَّلُ كَعِلْمِ العاقِلِ بِالمَوْتِ إذا ذاقَهُ والثّانِي كَعِلْمِهِ بِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والثّالِثُ كَعِلْمِهِ بِهِ في سائِرِ أوْقاتِهِ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن كُتُبِهِمْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ فَسَبَّحِ اللَّهَ تَعالى بِذِكْرِ اسْمِهِ العَظِيمِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِ وشُكْرًا عَلى ما أوْحى إلَيْكَ مِن هَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ وقَدْ مَرَّ نَحْوُ هَذا في الواقِعَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.