Tafsir Al-Alusi — الإخلاص 112:1 – الناس 114:6
المحتويات
الإخلاص 112:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ المَشْهُورُ أنَّ هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، ومِثْلُها لا يَكُونُ لَها رابِطٌ؛ لِأنَّها عَيْنُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، والسِّرُّ في تَصْدِيرِها بِهِ التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ جَلِيلٌ فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما أمامَهُ مِمّا يُفَسِّرُهُ ويُزِيلُ إبْهامَهُ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلُ تَمَكُّنٍ.
وقَوْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ: إنَّ لَهُ مَعَ «إنَّ» حُسْنًا بَلْ لا يَصِحُّ بِدُونِها غَيْرَ مُسَلَّمٍ. نَعَمْ قالَ الشِّهابُ القاسِمِيُّ: إنَّ هاهُنا إشْكالًا لِأنَّهُ إنْ جُعِلَ الخَبَرُ مَجْمُوعَ مَعْنى الجُمْلَةِ المُبَيَّنِ في بابِ القَضِيَّةِ أعْنِي مَجْمُوعَ اللَّهِ ومَعْنى «أحَدٌ» والنِّسْبَةُ بَيْنَهُما فَفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ لَيْسَ هو الشَّأْنَ وإنَّما الشَّأْنُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ؛ أعْنِي الوَحْدانِيَّةَ وإنْ جُعِلَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ فَتَخْصِيصُ عَدَمِ الرّابِطِ بِالجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنْ
صفحة 270
ضَمِيرِ الشَّأْنِ غَيْرُ مُتَّجِهٍ؛ إذْ كُلُّ جُمْلَةٍ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ مِنَ اتِّحادِهِ بِالمُبْتَدَأِ بِحَسْبِ الذّاتِ، ولا يَتَّحِدُ بِهِ كَذَلِكَ إلّا مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ. وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ تَعْبِيرُهم عَنْ هَذا الضَّمِيرِ أحْيانًا بِضَمِيرِ القِصَّةِ ضَرُورَةً أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ لَيْسَ بِقِصَّةٍ، وإنَّما القِصَّةُ مَعْناها المُبَيَّنُ في بابِ القَضِيَّةِ، وأيْضًا هم يَعُدُّونَ مِثْلَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أحَقُّ ما قالَ العَبْدُ وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ: لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ»».
مِنَ الجُمَلِ الَّتِي هي عَيْنُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى الغَيْرِ المُحْتاجَةِ إلى الضَّمِيرِ لِذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنْ يُقالَ: لَيْسَ المَضْمُونُ الَّذِي هو مُفْرَدٌ بَلْ هو الجُمْلَةُ بِذَلِكَ المَعْنى، ولِذا تَراهم يُوجِبُونَ كَسْرَ هَمْزَةِ إنَّ بَعْدَ القَوْلِ وكَذا تَمْثِيلُهم لَها بِنُطْقِي: اللَّهُ حَسْبِي وكَفى؛ أيْ: مَنطُوقِي الَّذِي أنْطِقُ بِهِ ذَلِكَ؛ إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ما نَطَقَ بِهِ هو الجُمْلَةُ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وقَدْ دَلَّ كَلامُ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ عَلى المُرادِ بِكَوْنِ الجُمْلَةِ الَّتِي لا تَحْتاجُ إلى رابِطٍ عَيْنَ المُبْتَدَأِ أنَّها وقَعَتْ خَبَرًا عَنْ مُفْرَدٍ مَدْلُولُهُ جُمْلَةٌ وهو ظاهِرٌ فِيما قُلْنا أيْضًا، وكَوْنُ ذَلِكَ شَأْنًا أيْ: عَظِيمًا مِنَ الأُمُورِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ، ووَصْفُ الكَلامِ بِالعِظَمِ ومُقابِلُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ شائِعٌ ذائِعٌ. وقالَ العَلّامَةُ أحْمَدُ الغُنَيْمِيُّ: إنْ أُرِيدَ أنَّها عَيْنُهُ بِحَسْبِ المَفْهُومِ فَهو مُشْكِلٌ لِعَدَمِ الفائِدَةِ، وإنْ أُرِيدَ عَيْنُهُ بِحَسَبِ المُصَدِّقِ مَعَ التَّغايُرِ في المَفْهُومِ كَما هو شَأْنُ سائِرِ المَوْضُوعاتِ مَعَ مَحْمُولاتِها فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مُشْكِلٌ أيْضًا؛ إذْ ما صَدَقَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ أعَمُّ مِنَ «اللَّهِ أحَدٌ» والخاصُّ لا يُحْمَلُ عَلى العامِّ في القَضايا الكُلِّيَّةِ، ودَعْوى الجُزْئِيَّةِ في هَذا المَقامِ يَنْبُو عَنْهُ تَصْرِيحُهم بِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يَخْلُو عَنْ إبْهامٍ. وبِعِبارَةٍ أُخْرى وهِيَ: إنَّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُفْرَدٌ، وما صَدَقَ الجُمْلَةُ مُرَكَّبٌ ولا شَيْءَ مِنَ المُفْرَدِ بِمُرَكَّبٍ، ولِذا تَراهم يُؤَوِّلُونَ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا بِمُفْرَدٍ صادِقٍ عَلى المُبْتَدَأِ لِيَصِحَّ وُقُوعُها خَبَرًا، والتِزامُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِأنَّها غَيْرُ مُؤَوَّلَةٍ بِالمُفْرَدِ وإنْ كانَتْ في مَوْقِعِهِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ أنَّهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ، ومَوْضُوعٌ مَوْضِعَهُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ لِلْإيذانِ بِأنَّ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ وعَلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ، وقَوْلُهم في عَدِّ الضَّمائِرِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً مِنها ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَإنَّهُ راجِعٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ مُسامَحَةٌ ارْتَكَبُوها؛ لِأنَّ بَيانَ الشَّأْنِ وتَعْيِينَ المُرادِ بِهِ بِها فَماصْدَقُ الضَّمِيرِ هو بِعَيْنِهِ ماصْدَقُ الشَّأْنِ الَّذِي عادَ هو عَلَيْهِ فَيُخْتارُ الشَّقُّ الثّانِي، فَإمّا أنْ يُرادَ بِالشَّأْنِ الشَّأْنُ المَعْهُودُ ادِّعاءً وتُجْعَلَ القَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً نَظِيرَ: هَذا زَيْدٌ، وإمّا أنْ يُرادَ المَعْنى الكُلِّيُّ وتُجْعَلَ القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً وهي في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْضُ الشَّأْنِ اللَّهُ أحَدٌ.
وجاءَ الإبْهامُ الَّذِي ادُّعِيَ تَصْرِيحُهم بِهِ مِن عَدَمِ تَعَيُّنِ البَعْضِ قَبْلَ ذِكْرِ الجُمْلَةِ وحِمْلِها عَلَيْهِ وما صَدَقَ عَلَيْهِ الشَّأْنُ كَما يَكُونُ مُفْرَدًا يَكُونُ جُمْلَةً فَلْيَكُنْ هُنا كَذَلِكَ، واسْتُمْجِدَ الأوَّلُ، واحْتِمالُ الكُلِّيَّةِ مُبالَغَةً نَحْوَ: كُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا. كَما تَرى فَلْيُتَأمَّلْ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ أوِ المَطْلُوبِ صِفَتُهُ أوْ نِسْبَتُهُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ عاصِمٍ في السُّنَّةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنا رَبَّكَ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾» السُّورَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وآخِرُونَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾» إلَخْ.
وفِي المَعالِمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أتَيا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عامِرٌ: إلامَ تَدْعُونا يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: «إلى اللَّهِ» قالا: صِفْهُ لَنا. أمِن ذَهَبٍ هو أمْ مِن فِضَّةٍ أوْ مِن حَدِيدٍ أوْ مِن خَشَبٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَدَ بِالصّاعِقَةِ وعامِرًا بِالطّاعُونِ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
صفحة 271
والسَّلامُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى السُّورَةَ».
وكَوْنٌ السّائِلِينَ اليَهُودَ مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ وهو ظاهِرٌ في أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ. وجازَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ السُّؤالِ، وجَرى ذِكْرُهُ فِيهِ و«هُوَ» عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ، و«أحَدٌ» خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى ما هو المُخْتارُ مِن جَوازِ إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أحَدٌ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الأعْظَمُ بَدَلًا مِن «هُوَ» و«أحَدٌ» خَبَرُهُ، و«اللَّهُ» تَعالى وتَقَدَّسَ عَلَمٌ عَلى الذّاتِ الواجِبُ الوُجُودُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ وغَيْرُهم خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قالُوا: العَلَمُ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ لِأنَّ أحَدًا لا يَعْلَمُ ذاتَهُ تَعالى المَخْصُوصَ بِخُصُوصِيَّةٍ حَتّى يُوضَعَ لَهُ وإنَّما يُعْلَمُ بِمَفْهُوماتٍ كُلِّيَّةٍ مُنْحَصِرَةٍ في فَرْدٍ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِأمْثالِ تِلْكَ المَفْهُوماتِ الكُلِّيَّةِ فَلا يَكُونُ عَلَمًا، ورُدَّ بِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِخُصُوصِيَّةِ ذاتِهِ فَيَجُوزُ أنْ يَضَعَ لَفْظًا بِإزائِهِ بِخُصُوصِهِ فَيَكُونُ عَلَمًا وهَذا عَلى مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ الوَضْعَ هو اللَّهُ تَعالى ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ما يُفْهَمُ مِن لَفْظِ اللَّهِ غَيْرَ ما وُضِعَ لَهُ؛ إذْ لا يَعْلَمُ غَيْرُهُ تَعالى خُصُوصِيَّةَ ذاتِهِ تَعالى الَّتِي هي المَوْضُوعُ لَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْهُومُ الكُلِّيُّ آلَةً لِلْوَضْعِ ويَكُونَ المَوْضُوعُ لَهُ هو الخُصُوصِيَّةُ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها المَفْهُومُ الكُلِّيُّ كَما قِيلَ في هَذا ونَظائِرِهِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَكُونَ وضْعُ اللَّفْظِ لِما لا يُفْهَمُ مِنهُ؛ فَإنّا لا نَفْهَمُ مِن أسْمائِهِ تَعالى إلّا تِلْكَ المَفْهُوماتِ الكُلِّيَّةَ. والظّاهِرُ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَذَلِكَ؛ لِاحْتِجابِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ومِن هُنا اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ ما نُقِلَ عَنِ حُجَّةِ الإسْلامِ أنَّ الأشْبَهَ أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ جارٍ في الدَّلالَةِ عَلى المَوْجُودِ الحَقِّ الجامِعِ لِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ المَنعُوتِ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْفَرِدِ بِالوُجُودِ الحَقِيقِيِّ مَجْرى الأعْلامِ، أيْ: ولَيْسَ بِعَلَمٍ وقَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
بَقِيَ في هَذا المَقامِ بَحْثٌ وهو أنِ الأعْلامَ الشَّخْصِيَّةَ كَزَيْدٍ إمّا أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنها مَوْضُوعًا لِلشَّخْصِ المُعَيَّنِ كَما هو المُتَبادَرُ المَشْهُورُ، فَإذا أُخْبِرَ أحَدٌ بِتَوَلُّدِ ابْنٍ لَهُ فَسَمّاهُ زَيْدًا مَثَلًا مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَهُ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفْظُ اسْمًا لِلصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ في مُخَيِّلَتِهِ، وحِينَئِذٍ إذا لَمْ يَكُنِ المَوْلُودُ بِهَذِهِ السُّورَةِ لَمْ يَكُنْ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِحَسْبِ ذَلِكَ الوَضْعِ، ولَوْ قِيلَ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْمَفْهُومِ الكُلِّيِّ المُنْحَصِرِ في ذَلِكَ الفَرْدِ لَمْ يَكُنْ عَلَمًا كَما سَبَقَ. ثُمَّ إذا سَمِعْنا عَلَمًا مِن تِلْكَ الأعْلامِ الشَّخْصِيَّةِ ولَمْ نُبْصِرْ مُسَمّاهُ أصْلًا فَإنّا لا نَفْهَمُ الخُصُوصِيَّةَ الَّتِي هو عَلَيْها، بَلْ رُبَّما تَخَيَّلْناهُ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمِيعُ تِلْكَ الصُّوَرِ الخالِيَةِ مَوْضُوعًا لَهُ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ مَعانٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ لَهُ هو الخُصُوصِيَّةَ الَّتِي هو عَلَيْها فَقَطْ فَيَكُونُ غَيْرُها خارِجًا عَنِ المَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ فَهْمُ غَيْرِها مِنَ الخُصُوصِيّاتِ مِنهُ غَلَطًا، فَإمّا أنْ يَتْرُكَ دَعْوى كَوْنِ تِلْكَ الأعْلامِ جُزْئِيّاتٍ حَقِيقِيَّةً، ويُقالُ: إنَّها مَوْضُوعاتٌ لِلْمَفْهُوماتِ الكُلِّيَّةِ المُنْحَصِرَةِ في الفَرْدِ، أوْ يَلْتَزِمُ أحَدَ الِاحْتِمالاتِ الأُخَرِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ مَحَلُّ تَأمُّلٍ كَما تَرى فَتَأمَّلْ.
و«أحَدٌ» قالُوا: هَمْزَتُهُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ وأصْلُهُ وحَدٌ وإبْدالُ الواوِ المَفْتُوحَةِ هَمْزَةً قَلِيلٌ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: امْرَأةٌ أناةٌ. يُرِيدُونَ: وناةٌ. لِأنَّهُ مِنَ الوَنى وهو الفُتُورُ وهَذا بِخِلافِ أحَدٍ الَّذِي يُلازِمُ النَّفْيَ ونَحْوَهُ. ويُرادُ بِهِ العُمُومُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾، «وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي»».
وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ فَإنَّ هَمْزَتَهُ أصْلِيَّةٌ. وقِيلَ: الهَمْزَةُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ كالهَمْزَةِ في الآخَرِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما قالَ الرّاغِبُ: إنَّ المُخْتَصَّ بِالنَّفْيِ مِنهُما لِاسْتِغْراقِ جِنْسِ النّاطِقِينَ ويَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ عَلى طَرِيقِ الِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ نَحْوَ: ما في الدّارِ
صفحة 272
أحَدٌ. أيْ: لا واحِدٌ ولا اثْنانِ فَصاعِدًا لا مُجْتَمِعِينَ ولا مُفْتَرِقِينَ، ولِهَذا لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ في الإثْباتِ لِأنَّ نَفْيَ المُتَضادَّيْنِ يَصِحُّ ولا يَصِحُّ إثْباتُهُما. فَلَوْ قِيلَ: في الدّارِ أحَدٌ، لَكانَ فِيهِ إثْباتُ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ مَعَ إثْباتِ ما فَوْقَ الواحِدِ مُجْتَمِعِينَ ومُفْتَرِقِينَ وذَلِكَ ظاهِرُ الإحالَةِ ولِتَناوُلِ ذَلِكَ ما فَوْقَ الواحِدِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ما مِن أحَدٍ فاضِلِينَ. وعَلَيْهِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا.
والمُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنْ يُضَمَّ إلى العَشَراتِ نَحْوَ: أحَدَ عَشَرَ، وأحَدٌ وعِشْرُونَ.
والثّانِي: أنْ يُسْتَعْمَلَ مُضافًا أوْ مُضافًا إلَيْهِ بِمَعْنى الأوَّلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ وقَوْلِهِمْ: يَوْمُ الأحَدِ؛ أيْ: يَوْمُ الأوَّلِ. والثّالِثُ: أنْ يُسْتَعْمَلَ مُطْلَقًا وصْفًا ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا في وصْفِ اللَّهِ تَعالى؛ وهو وإنْ كانَ أصْلُهُ واحِدًا إلّا أنَّ أحَدًا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ سُبْحانَهُ نَحْوَ قَوْلِ النّابِغَةِ:
كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنَسٍ وحَدِ
انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ أحَدٍ واحِدٌ، فَأبْدَلُوا الواوَ هَمْزَةً فاجْتَمَعَ ألْفانِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ تُشْبِهُ الألِفَ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا. وفَرَّقَ ثَعْلَبٌ بَيْنَ أحَدٍ وواحِدٍ؛ بِأنَّ أحَدًا لا يُبْنى عَلَيْهِ العَدَدُ ابْتِداءً، فَلا يُقالُ: أحَدٌ واثْنانِ كَما يُقالُ: واحِدٌ واثْنانِ، ولا يُقالُ: رَجُلٌ أحَدٌ كَما يُقالُ: رَجُلٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ اخْتَصَّ بِهِ سُبْحانَهُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما أيْضًا بِأنَّ الأحَدَ في النَّفْيِ نَصٌّ في العُمُومِ بِخِلافِ الواحِدِ فَإنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْعُمُومِ وغَيْرِهِ، فَيُقالُ: ما في الدّارِ أحَدٌ، ولا يُقالُ: بَلِ اثْنانِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: ما في الدّارِ واحِدٌ بَلِ اثْنانِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ الحَنَفِيَّةِ أنَّهُ قالَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما: إنَّ الأحَدِيَّةَ لا تَحْتَمِلُ الجُزْئِيَّةَ والعَدَدِيَّةَ بِحالٍ، والواحِدِيَّةُ تَحْتَمِلُها؛ لِأنَّهُ يُقالُ: مِائَةٌ واحِدَةٌ، وألْفٌ واحِدٌ، ولا يُقالُ: مِائَةٌ أحَدٌ إلّا ألْفٌ أحَدٌ، وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ مَسْألَةُ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الَّتِي ذَكَرَها في الجامِعِ الكَبِيرِ إذا كانَ لِرَجُلٍ أرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقالَ: واللَّهِ لا أقْرَبُ واحِدَةً مِنكُنَّ صارَ مُولِيًا مِنهُنَّ جَمِيعًا ولَمْ يَجُزْ أنْ يَقْرُبَ واحِدَةً مِنهُنَّ إلّا بِكَفّارَةٍ، ولَوْ قالَ: واللَّهِ لا أقْرَبُ إحْداكُنَّ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا إلّا مِن إحْداهُنَّ والبَيانُ إلَيْهِ.
وفَرَّقَ الخَطابِيُّ بِأنَّ الأحَدِيَّةَ لِتَفَرُّدِ الذّاتِ، والواحِدِيَّةُ لِنَفْيِ المُشارَكَةِ في الصِّفاتِ، ونُقِلَ عَنِ المُحَقِّقِينَ التَّفْرِقَةُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَنْفَكَّ في شَأْنِهِ تَعالى أحَدُ الأمْرَيْنِ مِنَ الآخَرِ قِيلَ: الواحِدُ الأحَدُ في حُكْمِ اسْمٍ واحِدٍ، وفَسَّرَ الأحَدَ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ كَما قالَ الجَوْزِيُّ بِالواحِدِ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ الأعْمَشِ: «قُلْ هو اللَّهُ الواحِدُ». وفُسِّرَ بِما لا يَتَجَزَّأُ ولا يَنْقَسِمُ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الواحِدَ مَقُولٌ عَلى ما تَحْتَهُ بِالتَّشْكِيكِ، فالمُرادُ بِهِ هُنا حَيْثُ أُطْلِقَ المُتَّصِفُ بِالواحِدِيَّةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أزْيَدَ مِنها ولا أكْمَلَ فَهو ما يَكُونُ مُنَزَّهَ الذّاتِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ خارِجًا وذِهْنًا وما يَسْتَلْزِمُ أحَدَهُما كالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والمُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها كَوُجُوبِ الوُجُودِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الرَّئِيسِ أبِي عَلِيِّ بْنِ سِينا في تَفْسِيرِهِ السُّورَةَ الجَلِيلَةَ حَيْثُ قالَ: إنَّ أحَدًا دالٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى واحِدٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا كَثْرَةَ هُناكَ أصْلًا لا كَثْرَةً مَعْنَوِيَّةً وهي كَثْرَةُ المُقَوِّماتِ والأجْناسِ والفُصُولِ وكَثْرَةُ الأجْزاءِ الخارِجِيَّةِ المُتَمايِزَةِ عَقْلًا كَما في المادَّةِ والصُّورَةِ، والكَثْرَةُ الحِسِّيَّةُ بِالقُوَّةِ أوْ بِالفِعْلِ كَما في الجِسْمِ؛ وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الجِنْسِ والفَصْلِ والمادَّةِ والصُّورَةِ والأعْراضِ والأبْعاضِ والأعْضاءِ والأشْكالِ والألْوانِ وسائِرِ ما يَثْلِمُ الوَحْدَةَ الكامِلَةَ والبَساطَةَ الحَقَّةَ اللّائِقَةَ بِكَرَمِ وجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ أوْ يُساوِيَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ. وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيُّ: الَّذِي يَصِحُّ لَنا مِنَ القَوْلِ مَعَ إثْباتِ الصِّفاتِ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ في إلَهِيَّتِهِ لا غَيْرَ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ السُّفْلِيِّينَ كالحافِظِ ابْنِ رَجَبٍ: هو سُبْحانَهُ الواحِدُ في إلَهِيَّتِهِ
صفحة 273
ورُبُوبِيَّتَهُ فَلا مَعْبُودَ ولا رَبَّ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، واخْتارَ بَعْدَ وصْفِهِ تَعالى بِما ورَدَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الصِّفاتِ أنَّ المُرادَ الواحِدِيَّةُ الكامِلَةُ؛ وذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ: كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشَّأْنِ وكَوْنُهُ لِلْمَسْؤُولِ عَنْهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ الواحِدُ بِالعَدَدِ أصْلًا؛ إذْ يَخْلُو الكَلامُ عَلَيْهِ مِنَ الفائِدَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وهي الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ. ويُقالُ لَها صِفاتُ الإكْرامِ أيْضًا. والأحَدُ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ وهي الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ، ويَتَضَمَّنُ الكَلامُ عَلى كَوْنِهِما خَبَرَيْنِ الإخْبارَ بِكَوْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَلالِيَّةِ والكَمالِيَّةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإلَهِيَّةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى كَذَلِكَ لِأنَّ الهُوِيَّةَ إلَهِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْها لِجَلالَتِها وعَظَمَتِها إلّا بِأنَّهُ هو هُوَ، وشَرَحَ تِلْكَ الهُوِيَّةَ بِلَوازِمَ مِنها ثُبُوتِيَّةٌ ومِنها سَلْبِيَّةٌ، واسْمُ اللَّهِ تَعالى مُتَناوِلٌ لَهُما جَمِيعًا؛ فَهو إشارَةٌ إلى هُوِيَّتِهِ تَعالى، واللَّهُ سُبْحانَهُ كالتَّعْرِيفِ لَها؛ فَلِذا عُقِّبَ بِهِ، وكَلامُ الرَّئِيسِ يُنادِي بِذَلِكَ وسَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ: «هُوَ اللَّهُ أحَدٌ» بِغَيْرِ «قُلْ» وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنها فِي: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ولا تَجُوزُ في «تَبَّتْ»، فَقِيلَ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ سُورَةَ الكافِرِينَ مُشاقَّةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ مُوادَعَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم ومِثْلُ ذَلِكَ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِالإنْذارِ والجِهادِ، وسُورَةَ «تَبَّتْ» مُعاتَبَةٌ لِأبِي لَهَبِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وأدَبٍ جَسِيمٍ، فَلَوْ أُمِرَ بِذَلِكَ لَزِمَ مُواجَهَتُهُ بِهِ وهو عَمُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ السُّورَةُ تَوْحِيدٌ وهو يُناسِبُ أنْ يَقُولَ بِهِ تارَةً ويُؤْمَرَ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ أُخْرى. وقِيلَ في وجْهِ «قُلْ» في سُورَةِ الكافِرُونَ: إنَّ فِيها ما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَلا بُدَّ فِيها مِن ذِكْرِ «قُلْ» وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ بِهَذا اللَّفْظِ فافْهَمْ. وقالَ الدَّوانِيُّ في وجْهِ تَرْكِ «قُلْ» فِي«تَبَّتْ»: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْلَ بِمُعاتَبَةِ أبِي لَهَبٍ إذا كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ أدْخَلَ في زَجْرِهِ وتَفْضِيحِهِ. وقِيلَ: فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لِكَوْنِهِ عَلى العِلّاتِ عَمَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنْبَغِي أنَّ يُهِينَهُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ؛ إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَتَأذّى مُسْلِمٌ مِن أقارِبِهِ لَوْ سَبَّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ المَنقُولَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «مَرَّتْ دُرَّةُ ابْنَةُ أبِي لَهَبٍ بِرَجُلٍ، فَقالَ: هَذِهِ ابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ أبِي لَهَبٍ. فَأقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقالَتْ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أبِي بِنَباهَتِهِ وشَرَفِهِ وتَرَكَ أباكَ بِجَهالَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَخَطَبَ فَقالَ: «لا يُؤْذَيَنَّ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».
ثُمَّ إنَّ إثْباتَ «قُلْ» عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ في المُصْحَفِ والتِزامِ قِراءَتِها في هَذِهِ السُّورَةِ ونَظائِرِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِن دَأْبِ المَأْمُورِ بِقُلْ أنْ يُتَلَفَّظَ في مَقامِ الِائْتِمارِ إلّا بِالمَقُولِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: لِأنَّ المَأْمُورَ لَيْسَ المُخاطَبَ بِهِ فَقَطْ بَلْ كُلُّ أحَدٍ ابْتُلِيَ بِما ابْتُلِيَ بِهِ المَأْمُورُ فَأُثْبِتَ لِيَبْقى عَلى مَرِّ الدُّهُورِ مَنًّا عَلى العِبادِ. وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُخاطَبُ بِ «قْلُ» نَفْسُ التّالِي كَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَ بِهِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ عِنْدَ مَقامِ هَذا المُضَمَّنِ يَنْبَغِي أنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ بِالقَوْلِ بِهِ، وعَدَمِ التَّجاوُزِ عَنْهُ. فَتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
الإخلاص 112:2
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقِيلَ: ﴿الصَّمَدُ﴾ نَعْتٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. و«الصَّمَدُ» قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ النّاسُ في حَوائِجِهِمْ وأُمُورِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ ويَصْمُدُ إلَيْهِ؛ أيْ: يَقْصِدُهُ كُلُّ شَيْءٍ وأنْشَدُوا:
لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقَوْلَهُ:
عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خُزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ، والشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعَظِيمُ
صفحة 274
الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عَظَمَتِهِ، والحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِلْمِهِ، والعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ، وهو الَّذِي قَدْ كَمُلَ في أنْواعِ الشَّرَفِ والسُّؤْدُدِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: هو المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ، المُحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وعَنِ الرَّبِيعِ هو الَّذِي لا تَعْتَرِيهِ الآفاتُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: هو الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، وعَنْ قَتادَةَ: هو الباقِي بَعْدَ خَلْقِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُ مَعْمَرٍ: هو الدّائِمُ، وقَوْلُ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ: هو الَّذِي لا يَبْلى ولا يَفْنى، وعَنْهُ أيْضًا: هو الَّذِي يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ ما يَشاءُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا رادَّ لِقَضائِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا قَدْ رَفَعَهُ قالَ: ««الصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ»». ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ومِنهُ قَوْلُهُ:
شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا
وعَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أحْشاءٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ: هو الَّذِي لا يَطْعَمُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وعَنْ طائِفَةٍ مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ كَأنَّهم جَعَلُوا ما بَعْدَهُ تَفْسِيرَ إلَهٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا بِالسَّيِّدِ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ في الحَوائِجِ والمَطالِبِ، وتَفْسِيرُهُ بِالَّذِي لا جَوْفَ لَهُ وما عَداهُما إمّا راجِعٌ إلَيْهِما أوْ هو مِمّا لا تُساعِدُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، وجُعِلَ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَيِّدًا أنَّهُ مَبْدَأُ الكُلِّ، وفي مَعْناهُ تَفْسِيرُهُ بِالغَنِيِّ المُطْلَقِ المُحْتاجِ إلَيْهِ ما سِواهُ. وقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادًا فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ تَعالى بِمَجْمُوعِ السَّلْبِ والإيجابِ وهو ظاهِرٌ في جَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، والَّذِي اخْتارَهُ تَفْسِيرُهُ بِالسَّيِّدِ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ، وإطْلاقُ الصَّمَدِ بِمَعْنى السَّيِّدِ عَلَيْهِ تَعالى مِمّا لا خِلافَ فِيهِ وإنْ كانَ في إطْلاقِ السَّيِّدِ نَفْسِهِ خِلافٌ والصَّحِيحُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في الحَدِيثِ: ««السَّيِّدُ اللَّهُ»».
وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعالى مُضافًا فَلا يُقالُ سَيِّدُ المَلائِكَةِ والنّاسِ مَثَلًا، وقَصْدُ الخَلْقِ إيّاهُ تَعالى بِالحَوائِجِ أعَمُّ مِنَ القَصْدِ الإرادِيِّ والقَصْدِ الطَّبِيعِيِّ والقَصْدِ بِحَسْبِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ الثّابِتِ لِجَمِيعِ الماهِيّاتِ إذْ هي كُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى المَبْدَأِ تَعالى في طَلَبِ كِمالاتِها مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَعْرِيفِهِ دُونَ أحَدٍ قِيلَ: لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ تَعالى دُونَ أحَدِيَّتِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ؛ لِأنَّ عِلْمَ المُخاطَبِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ لا يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنْ لا يُلْقى إلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ لِأنَّ إفادَةَ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا المَقامِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْرِيفَ لِإفادَةِ الحَصْرِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الرَّجُلُ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِناءً عَلى أنَّ مَفْهُومَ أحَدٍ المُنَزَّهِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ مَعَ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ أحَدِيَّتَهُ تَعالى ولا يَعْتَرِفُونَ بِها. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الخَبَرَ إذا كانَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ لا يُخْبَرُ بِهِ إلّا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ أوْ إفادَتِهِ لازِمَ فائِدَةِ الخَبَرِ أوْ إذا قُصِدَ الحَصْرُ؛ وهو يُنافِي ما تَقَرَّرَ في المَعانِي مِن أنَّ كَوْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْلُومَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ الكَلامِ مُفِيدًا لِلسّامِعِ فائِدَةً مَجْهُولَةً؛ لِأنَّ ما يَسْتَفِيدُهُ السّامِعُ مِنَ الكَلامِ هو انْتِسابُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، وكَوْنُهُ هو هو فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ هُنا: إنَّهم يَعْرِفُونَهُ تَعالى بِوَجْهٍ ما ويَعْرِفُونَ مَعْنى المَقْصُودِ سَواءٌ كانَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْ غَيْرَهُ عِنْدَهُمْ، ولَكِنْ لا يَعْرِفُونَ أنَّهُ هو سَواءٌ كانَ بِمَعْنى الفَرْدِ الكامِلِ أوِ الجِنْسِ فَعَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم. وقِيلَ: إنَّ «أحَدٌ» في غَيْرِ النَّفْيِ والعَدَدُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَعْرِيفِهِ بِخِلافِ الصَّمَدِ؛ فَإنَّهُ جاءَ في كَلامِهِمْ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: كَما في البَيْتَيْنِ السّابِقَيْنِ فَلِذا عُرِفَ. وتَكْرارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالصَّمَدِيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ وذَلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الدَّوانِيُّ مَأْخُوذٌ مِن إفادَةِ تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ الحَصْرَ، فَإذا قُلْتَ: السُّلْطانُ العادِلُ، أشْعَرَ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ
صفحة 275
بِالعَدْلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلْطَنَةَ، وقِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيقَ الصَّمَدِ بِاللَّهِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ وإذا كانَتِ الصَّمَدِيَّةُ نَتِيجَةً لِلْأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِها، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ فِيما يَظْهَرُ لِلصَّمَدِيَّةِ لِأنَّهُ إنَّما يُعْبَدُ لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ دُونَ العَكْسِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَبْدَؤُها وما تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِالفِعْلِ، وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِمَسْنَدٍ إلَيْهِ واحِدٌ لِأحَدٍ، والصَّمَدُ هو الِاسْمُ الجَلِيلُ بِأنْ يُقالَ: اللَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في تَعْيِينِ الذّاتِ، وتُرِكَ العاطِفُ في الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ لِأنَّها كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ مَن كانَ غَنِيًّا لِذاتِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ جَمِيعُ ما سِواهُ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا أوْ ما سِواهُ لا يَكُونُ إلّا مُمْكِنًا مُحْتاجًا إلَيْهِ، أوْ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الأحَدِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ الصَّمَدِيَّةَ والغِنى المُطْلَقَ. وبِالجُمْلَةِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن وجْهٍ تُشْبِهُ الدَّلِيلَ ومِن وجْهٍ تُشْبِهُ النَّتِيجَةَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُؤَكَّدَةٌ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ سِيرِينَ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّالِ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ يُونُسَ ومَحْبُوبٍ والأصْمَعِيِّ واللُّؤْلُؤِيِّ وعُبَيْدٍ «أحَدُ اللَّهُ» بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُّؤَلِيِّ:
فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللَّهِ إلّا قَلِيلا
وقَوْلِ الآخَرِ:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِضَيْفِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
والجَيِّدُ هو التَّنْوِينُ وكَسْرُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
الإخلاص 112:3
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إلَخْ. عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ. ونَفْيُ ذَلِكَ عَنْهُ تَعالى لِأنَّ الوِلادَةَ تَقْتَضِي انْفِصالَ مادَّةٍ مِنهُ سُبْحانَهُ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ المُنافِيَ لِلصَّمَدِيَّةِ والأحَدِيَّةِ، أوْ لِأنَّ الوَلَدَ مِن جِنْسِ أبِيهِ ولا يُجانِسُهُ تَعالى أحَدٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ واجِبٌ وغَيْرُهُ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ الوَلَدَ عَلى ما قِيلَ يَطْلُبُهُ العاقِلُ إمّا لِإعانَتِهِ أوْ لِيَخْلُفَهُ بَعْدَهُ، وهو سُبْحانُهُ دائِمٌ باقٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والِاقْتِصارُ عَلى الماضِي دُونَ أنْ يُقالَ: لَنْ يَلِدَ لِوُرُودِهِ رَدًّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ وهو لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الماضِي ونَفْيُ المَوْلُودِيَّةِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لِاقْتِضائِها المادَّةَ فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ المُنافِي لِلْغِنى المُطْلَقِ والأحَدِيَّةِ الحَقِيقِيِّةِ، أوْ لِاقْتِضائِها سَبْقَ العَدَمِ ولَوْ بِالذّاتِ أوْ لِاقْتِضائِها المُجانِسَةَ المُسْتَحِيلَةَ عَلى واجِبِ الوُجُودِ، وقَدَّمَ نَفْيَ الوِلادَةِ لِأنَّهُ الأهَمُّ؛ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ الكُفّارِ تَوَهَّمُوا خِلافَهُ بِخِلافِ نَفْيِ المَوْلُودِيَّةِ أوْ لِكَثْرَةِ مُتَوَهِّمِي خِلافِ الأوَّلِ دُونَ خِلافِ الثّانِي بِناءً عَلى أنَّ النَّصارى يَلْزَمُهم بِواسِطَةِ دَعْوى الِاتِّحادِ القَوْلُ بِالوِلادَةِ والمَوْلُودِيَّةِ فِيمَن يَعْتَقِدُونَهُ إلَهًا؛ وذَلِكَ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهم أنَّهم يَقُولُونَ: الأبُ هو الأُقْنُومُ الأوَّلُ مِنَ الثّالُوثِ، والِابْنُ هو الثّانِي الصّادِرُ مِنهُ صُدُورًا أزَلِيًّا مُساوِيًا بِالأزَلِيَّةِ لَهُ، ورُوحُ القُدُسِ هو الثّالِثُ الصّادِرُ عَنْهُما كَذَلِكَ، والطَّبِيعَةُ الإلَهِيَّةُ واحِدَةٌ وهي لِكُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ، وكُلٌّ مِنها مُتَّحِدٌ مَعَها ومَعَ ذَلِكَ هم ثَلاثَةُ جَواهِرَ لا جَوْهَرٌ واحِدٌ، فالأبُ لَيْسَ هو الِابْنَ، والِابْنُ لَيْسَ هو الأبَ، ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ هو الأبَ ولا الِابْنَ، وهُما لَيْسا رُوحَ القُدُسِ ومَعَ ذا هم إلَهٌ واحِدٌ؛ إذْ لَهم لاهُوتٌ واحِدٌ وطَبِيعَةٌ واحِدَةٌ وجَوْهَرٌ واحِدٌ وكُلٌّ مِنهم مُتَّحِدٌ مَعَ اللّاهُوتِ، وإنْ كانَ بَيْنَهم تَمايُزٌ، والأوَّلُ هو الوُجُودُ الواجِبُ الجَوْهَرِيُّ، والثّانِي هو العَقْلُ الجَوْهَرِيُّ ويُقالُ لَهُ العَلَمُ، والثّالِثُ هو الإدارَةُ الجَوْهَرِيَّةُ ويُقالُ لَها المَحَبَّةُ، فاللَّهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ جَوْهَرِيَّةٍ؛ وهي عَلى تَمايُزِها تَمايُزًا حَقِيقِيًّا وقَدْ يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ إضافِيًّا؛ أيْ: بِإضافَةِ بَعْضِها إلى بَعْضِ جَوْهَرٍ وطَبِيعَةٍ واحِدَةٍ هو اللَّهُ ولَيْسَ يُوجَدُ فِيهِ غَيْرُهُ، بَلْ كُلُّ ما هو داخِلٌ فِيهِ عَيْنُ ذاتِهِ، ويَقُولُونَ: إنَّ فِيهِ -تَعالى عَمّا يَقُولُونَ- أرْبَعَ إضافاتٍ؛ أُولاها: فاعِلِيَّةُ التَّعْقِيلِ في الأُقْنُومِ الأوَّلِ، ثانِيَتُها: مَفْعُولِيَّةُ التَّعَقُّلِ في الأُقْنُومِ الثّانِي
صفحة 276
الَّذِي هو صُورَةُ عَقْلِ الأبِ، ثالِثَتُها: فاعِلِيَّةُ الِانْبِثاقِ في الأُقْنُومِ الأوَّلِ والثّانِي اللَّذَيْنِ لَهُما الإرادَةُ، رابِعَتُها: مَفْعُولِيَّةُ هَذا الِانْبِثاقِ في الأُقْنُومِ الثّالِثِ الَّذِي هو حُبُّ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لِلْأُقْنُومِ الأوَّلِ والثّانِي، وزَعَمُوا أنَّ التَّعْبِيرَ بِالفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ في الأقانِيمِ الإلَهِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، ولَيْسَتِ الفاعِلِيَّةُ في الأبِ نَحْوَ الِابْنِ إلّا الأُبُوَّةَ وفِيهِ وفي الِابْنِ نَحْوَ رُوحِ القُدْسِ لَيْسَتْ إلّا بَدْءَ صُدُورِهِ مِنهُما ولَيْسَتِ المَفْعُولِيَّةُ في الِابْنِ ورُوحِ القُدْسِ إلّا البُنُوَّةَ في الِابْنِ والِانْبِثاقَ في الرُّوحِ، ويَقُولُونَ: كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وإنْ كانَ فَوْقَ الطَّوْرِ البَشَرِيِّ، ويَزْعُمُونَ أنَّ لِتِلْكَ الأقانِيمِ أسْماءً تَلَقَّوْها مِنَ الحَوارِيِّينَ. فالأُقْنُومُ الأوَّلُ في الطَّبْعِ الإلَهِيِّ يُدْعى أبًا، والثّانِي ابْنًا وكَلِمَةً وحِكْمَةً ونُورًا وضِياءً وشُعاعًا، والثّالِثُ رُوحَ القُدُسِ ومُغْرِيًا وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ بِاليُونانِيَّةِ: أراكْلِيطْ. وقالُوا في بَيانِ وجْهِ الإطْلاقِ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الأُقْنُومَ الأوَّلَ بِمَنزِلَةِ يَنْبُوعٍ ومَبْدَأٍ أعْطى الأُقْنُومَ الثّانِيَ الصّادِرَ عَنْهُ بِفِعْلٍ يَقْتَضِي شِبْهَ فاعِلِهِ وهو فِعْلُ العَقْلِ طَبِيعَتَهُ وجَوْهَرَهُ كُلَّهُ حَتّى أنَّ الأُقْنُومَ الثّانِيَ الَّذِي هو صُورَةُ الأوَّلِ الجَوْهَرِيَّةُ الإلَهِيَّةُ مُساوٍ لَهُ كَمالَ المُساواةِ وحَدُّ الإيلادِ هو صُدُورُ حَيٍّ مِن حَيٍّ بِآلَةٍ ومَبْدَأٍ مُقارِنٍ يَقْتَضِي شِبْهَ طَبِيعَتِهِ وهُنا كَذَلِكَ بَلْ أبْلَغُ لِأنَّ لِلثّانِي الطَّبِيعَةَ الإلَهِيَّةَ نَفْسَها فَلا بِدْعَ إذا سُمِّيَ الأوَّلُ أبًا والثّانِي ابْنًا، وإنَّما قِيلَ لِلثّانِي كَلِمَةً؛ لِأنَّ الإيلادَ لَيْسَ عَلى نَحْوِ إيلادِ الحَيَوانِ والنَّباتِ بَلْ يَفْعَلُ العَقْلُ أيْ يَتَصَوَّرُ الأبُ لاهُوتَهُ وفَهْمَهُ ذاتَهُ ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ كَلِمَةٌ لِأنَّها مَفْهُومِيَّةَ العَقْلِ ونُطْقَهُ، وقِيلَ لَها حِكْمَةٌ لِأنَّهُ كانَ مَوْلُودًا مِنَ الأبِ بِفِعْلِ عَقْلِهِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو حِكْمَةٌ، وقِيلَ لَهُ نُورٌ وشُعاعٌ وضِياءٌ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ كانَ حِكْمَةً كانَ بِهِ مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ وانْكِشافُها كالمَذْكُوراتِ، وقِيلَ لِلثّالِثِ رُوحُ قُدُسٍ لِأنَّهُ صادِرٌ مِنَ الأبِ والِابْنِ بِفِعْلِ الإرادَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ لِلْأبِ والِابْنِ، ومُنْبَثِقٌ مِنهُما بِفِعْلٍ هو كَهَيَجانِ الإرادَةِ بِالحُبِّ نَحْوَ مَحْبُوبِها فَهو حُبُّ اللَّهِ، واللَّهُ نَفْسُهُ هو الرُّوحُ الصِّرْفُ والتَّقَدُّسُ عَيْنُهُ، ولِكُلٍّ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي وجْهٌ لِأنْ يُدْعى رُوحًا لِمَكانِ الِاتِّحادِ، لَكِنْ لَمّا دُعِيَ الأوَّلُ بِاسْمٍ يَدُلُّ عَلى رُتْبَتِهِ وإضافَتِهِ إلى الثّانِي والثّانِي كَذَلِكَ اخْتَصَّ الثّالِثُ بِالِاسْمِ المُشاعِ ولَمْ يُدْعَ ابْنًا وإنْ كانَ لَهُ طَبِيعَةُ الأبِ وجَوْهَرُهُ كالِابْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الأبِ بِفِعْلٍ يَقْتَضِي شِبْهَ فاعِلِهِ، يَعْنِي بِفِعْلِ العَقْلِ، بَلْ صَدَرَ مِنهُ فِعْلُ الإرادَةِ فالثّانِي مِنَ الأوَّلِ كَهابِيلَ مِن آدَمَ، والثّالِثُ كَحَوّاءَ مِنهُ والكُلُّ حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ لَكِنْ يُقالُ لِهابِيلَ ابْنٌ ولا يُقالُ لَها بِنْتٌ، وقِيلَ لَهُ مَغْزًى؛ لِأنَّهُ كانَ عَتِيدًا لِأنْ يَأْتِيَ الحَوارِيِّينَ فَيُغْرِيَهم لِفَقْدِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا الفاعِلِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ فَلِأنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ حَقِيقَةً، والأُبُوَّةُ والنُّبُوَّةُ هاهُنا لا تَقْتَضِيهِما كَما في المُحْدَثاتِ؛ ولِذا لا يُقالُ هُنا لِلْأبِ عِلَّةٌ وسَبَبٌ لِابْنِهِ وإنْ قِيلَ هُناكَ فالثَّلاثَةُ مُتَساوِيَةٌ في الجَوْهَرِ والذّاتِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ والفَضْلِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ثُمَّ إنَّهم زَعَمُوا تَجَسُّدَ الأُقْنُومِ الثّانِي وهو الكَلِمَةُ واتِّحادُهُ بِأشْرَفِ أجْزاءِ البَتُولِ مِنَ الدَّمِ بِقُوَّةِ رُوحِ القُدُسِ فَكانَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُرَكَّبُ مِنَ النّاسُوتِ والكَلِمَةِ، والكَلِمَةُ مَعَ اتِّحادِها لَمْ تَخْرُجْ عَنْ بَساطَتِها ولَمْ تَتَغَيَّرْ لِأنَّها الحَدُّ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ الِاتِّحادُ فَلا مانِعَ في جِهَتِها مِنَ الِاتِّحادِ، وكَذا لا مانِعَ في جانِبِ النّاسُوتِ فَلا يَتَعاصى اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ. زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إلَهًا تامًّا وإنْسانًا تامًّا ذا طَبِيعَتَيْنِ ومَشِيئَتَيْنِ قائِمَتَيْنِ بِأُقْنُومٍ إلَهِيٍّ وهو أُقْنُومُ الكَلِمَةِ ومِن ثَمَّ تُحْمَلُ عَلَيْهِ الصِّفاتُ الإلَهِيَّةُ والبَشَرِيَّةُ مَعًا لَكِنْ مِن حَيْثِيَّتَيْنِ، ثُمَّ إنَّهم زادُوا في الطُّنْبُورِ رَنَّةً وقالُوا: إنَّ المَسِيحَ أطْعَمَ يَوْمًا الحَوارِيِّينَ خُبْزًا وسَقاهم خَمْرًا فَقالَ: (أكَلْتُمْ لَحْمِي وشَرِبْتُمْ دَمِي فاتَّحَدْتُمْ مَعِي، وأنا مُتَّحِدٌ مَعَ الأبِ). إلى رَنّاتٍ أُخَرَ هي أشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ.
ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهم بَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَسِيحُ. وبَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّ المَسِيحَ ابْنُهُ. وبَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولِذا جاءَ في التَّنْزِيلِ كُلٌّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ مَنسُوبًا إلَيْهِمْ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ كُلِّ قَوْلٍ لِقَوْمٍ مِنهم كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ
صفحة 277
مِنَ المُفَسِّرِينَ والمُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ لا يَخْفى مُنافاةُ ما ذَكَرُوهُ لِلْأحَدِيَّةِ والصَّمَدِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ الأقانِيمَ مَعَ كَوْنِها ثَلاثَ جَواهِرَ مُتَمايِزَةٍ تَمايُزًا حَقِيقِيًّا جَوْهَرٌ واحِدٌ لِبَداهَةِ بُطْلانِهِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي.
وما يَذْكُرُونَهُ مِنَ المِثالِ لِإيضاحِ ذَلِكَ فَهو عَنِ الإيضاحِ بِمَعْزِلٍ وبَعِيدٌ عَنِ المَقْصُودِ بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ. وكُنّا ذَكَرْنا في ضِمْنِ هَذا الكِتابِ ما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ عَقائِدِهِمْ مَعَ رَدِّهِ إلّا أنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّظَرِ في كُتُبِهِمْ وقَدِ اعْتَمَدْنا فِيهِ ما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ عَنْهم واليَوْمَ لَنا عَزْمٌ عَلى تَأْلِيفِ رِسالَةٍ تَتَضَمَّنُ تَحْرِيرَ اعْتِقاداتِهِمْ في الواجِبِ تَعالى وذِكْرَ شُبَهِهِمُ العَقْلِيِّةَ والنَّقْلِيَّةَ الَّتِي يَسْتَنِدُونَ إلَيْها ويُعَوِّلُونَ في التَّثْلِيثِ عَلَيْها حَسْبَما وقَفْنا عَلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، مَعَ رَدِّها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ. وأنْ يَسْلُكَ سُبْحانَهُ بِنا في جَمِيعِ أُمُورِنا أقْوَمَ المَسالِكِ؛ فَهو سُبْحانُهُ الجَوادُ الأجْوَدُ الَّذِي لَمْ يَجْبَهْ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ بِالرَّدِّ.
الإخلاص 112:4
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ أيْ: لَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ ولَمْ يُماثِلْهُ ولَمْ يُشاكِلْهُ مِن صاحِبَةٍ وغَيْرِها. وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِلْكَفاءَةِ المُعْتَبَرَةِ بَيْنَ الأزْواجِ وهو كَما تَرى.
و«لَهُ» صِلَةُ ﴿كُفُوًا﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ، والأصْلُ أنْ يُؤَخَّرَ إلّا أنَّهُ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِلِاهْتِمامِ أيْضًا قُدِّمَ الخَبَرُ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ. قِيلَ لَهُ إنَّ الظَّرْفَ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ خَيِّرًا مُبْطِلٌ سُقُوطُهُ مَعْنى الكَلامِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لَمْ يَكُنْ كُفُوًا أحَدٌ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى، فَلَمّا احْتِيجَ إلَيْهِ صارَ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ فَحَسُنَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو حَيّانَ: كَلامُ سِيبَوَيْهِ في الظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وهو الظَّرْفُ التّامُّ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: قُدِّمَ الظَّرْفُ لِلْفَواصِلِ ورِعايَتِها ولَمْ يُقَدَّمْ عَلى «أحَدٌ» لِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ حالًا مِن ( أحَدٌ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ ولِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالصِّفَةِ أوِ الصِّلَةِ وأنْ يَكُونَ خَبَرًا لِيَكُنْ، ويَكُونُ ( كُفُوًا ) حالًا مِن ( أحَدٌ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا، وهَذا الوَجْهُ نَقَلَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ ورُدَّ بِأنَّهُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا عَنْ أبِي حَيّانَ ظَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَإنْ قُدِّرَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ خاصٌّ وهو مُماثِلٌ ونَحْوَهُ مِمّا تَتِمُّ بِهِ الفائِدَةُ يَكُونُ ( كُفُوًا ) زائِدًا.
ولَعَلَّ وُقُوعَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مُتَعاطِفَةً دُونَ ما عَداها مِن هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها سِيقَتْ لِمَعْنًى وغَرَضٍ واحِدٍ وهو نَفْيُ المُماثَلَةِ والمُناسَبَةِ عَنْهُ تَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وما تَضَمَّنَتْهُ أقْسامُها لِأنَّ المُماثِلَ إمّا ولَدٌ أوْ والِدٌ أوْ نَظِيرُ غَيْرِهِما فَلِتَغايُرِ الأقْسامِ واجْتِماعِها في المُقَسَّمِ لَزِمَ العَطْفُ فِيها بِالواوِ كَما هو مُقْتَضى قَواعِدِ المَعانِي. وفي ( كُفُوًا ) لُغاتٌ: ضَمُّ الكافِ وكَسْرُها وفَتْحُها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، وضَمُّ الكافِ مَعَ ضَمِّ الفاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: «كُفُؤًا» بِالهَمْزِ والتَّخْفِيفِ وحَفْصٌ بِالحَرَكَةِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا وباقِي السَّبْعَةِ بِالحَرَكَةِ مَهْمُوزًا، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ: «كُفًى» مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: «كِفاءٌ» بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ والمَدِّ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ.
أيْ: لا مِثْلَ لَهُ كَما قالَ الأعْلَمُ، وهَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ قَدِ انْطَوَتْ مَعَ تَقارُبِ قُطْرِها عَلى أشْتاتِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعَقائِدِ الإسْلامِيَّةِ؛ ولِذا جاءَ فِيها ما جاءَ مِنَ الأخْبارِ، ووَرَدَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ، ودَلَّ عَلى تَحْقِيقِ مَعْنى الآلِهَةِ بِالصَّمَدِيَّةِ الَّتِي مَعْناها وُجُوبُ الوُجُودِ أوِ المَبْدَئِيَّةُ لِوُجُودِ كُلِّ ما عَداهُ مِنَ المَوْجُوداتِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ غَيْرُهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ عَنْ غَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ إلَهًا لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ فَيّاضًا لِلْوُجُودِ عَلَيْها
صفحة 278
فَلا يَجُوزُ أنْ يَفِيضَ الوُجُودَ عَلى مِثْلِهِ كَما لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ ما يُساوِيهِ في قُوَّةِ الوُجُودِ، فَمِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى ﴿الصَّمَدُ﴾ في بَيانِ ماهِيَّتِهِ تَعالى ولَوازِمِ ماهِيَّتِهِ ووَحْدَةِ حَقِيقَتِهِ، وإنَّهُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ أصْلًا، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إلى: ﴿أحَدٌ﴾ في بَيانِ أنَّهُ لَيْسَ ما يُساوِيهِ مِن نَوْعِهِ ولا مِن جِنْسِهِ لا بِأنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ مُتَوَلِّدًا، ولا بِأنْ يَكُونَ مُتَوَلَّدًا عَنْهُ، ولا بِأنْ يَكُونَ مُوازًى في الوُجُودِ، وبِهَذا المَبْلَغِ يَحْصُلُ تَمامُ مَعْرِفَةِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ. انْتَهى.
وأشارَ فِيهِ إلى أنَّهُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وكَأنْ قَدْ قالَ قَبْلُ: إنَّ كُلَّ ما كانَ مادِّيًّا أوْ كانَ لَهُ عَلاقَةٌ بِالمادَّةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن غَيْرِهِ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّدْ، والإشارَةُ إلى دَلِيلِهِ بِ «هُوَ» أوَّلَ السُّورَةِ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ماهِيَّةٌ واعْتِبارٌ سِوى أنَّهُ هو لِذاتِهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُتَوَلِّدًا عَنْ غَيْرِهِ وإلّا لَكانَتْ هُوِيَّتُهُ مُسْتَفادَةً عَنْ غَيْرِهِ فَلا يَكُونُ هو لِذاتِهِ، وظاهِرُ العَطْفِ يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبارِ ما أشارَ إلَيْهِ مِنَ العِلِّيَّةِ وقَدْ عَلِمْتَ فِيما سَبَقَ وجْهَ ذِكْرِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ فِيهِ قَرِيبًا مِن عَطْفِ: «لا يَسْتَقْدِمُونَ» عَلى:«لا يَسْتَأْخِرُونَ». وأشارَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ أمِن كَذا أمْ مِن كَذا. ومِمَّنْ ورِثَ الدُّنْيا ولِمَن يُورِّثُها؟ وقالَ الإمامُ: إنَّ هو اللَّهُ أحَدُ ثَلاثَةِ ألْفاظٍ، وكُلِّ واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى مَقامٍ مِن مَقاماتِ الطّالِبِينَ، فالمَقامُ الأوَّلُ مَقامُ المُقَرَّبِينَ وهو أعْلى مَقاماتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَؤُلاءِ نَظَرُوا بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها مِن حَيْثُ هي فَما رَأوْا مَوْجُودًا سِوى الحَقِّ لِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ وُجُودُهُ لِذاتِهِ وما عَداهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ فَهو مِن حَيْثُ ذاتُهُ لَيْسَ، فَقالُوا: هو إشارَةٌ إلى الحَقِّ؛ إذْ لَيْسَ هُناكَ في نَظَرِهِمْ مَوْجُودٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ لِيَحْتاجَ إلى التَّمْيِيزِ، والمَقامُ الثّانِي لِأصْحابِ اليَمِينِ هَؤُلاءِ شاهَدُوا الحَقَّ سُبْحانَهُ مَوْجُودًا وكَذا شاهَدُوا الخَلْقَ فَحَصَلَتْ كَثْرَةٌ في المَوْجُوداتِ في نَظَرِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ هو كافِيًا في الإشارَةِ إلى الحَقِّ بَلْ لا بُدَّ مِن مُمَيِّزٍ فاحْتاجُوا إلى أنْ يَقْرِنُوا لَفْظَةَ اللَّهِ بِلَفْظٍ فَقِيلَ لِأجْلِهِمْ: هو اللَّهُ.
والمَقامُ الثّالِثُ: مَقامُ أصْحابِ الشِّمالِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ واجِبُ الوُجُودِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ، والإلَهُ كَذَلِكَ فَجِيءَ بِ «أحَدٌ» رَدًّا عَلَيْهِمْ وإبْطالًا لِمَقالَتِهِمُ انْتَهى.
وبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ عَدَّ لَفْظَةَ «هُوَ» مِن عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى، بَلْ قالَ: إنَّ هاءَ الغَيْبَةِ هي اسْمُهُ تَعالى الحَقِيقِيُّ لِدَلالَتِهِ عَلى الهُوِيَّةِ المُطْلَقَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن ضَرُورِيّاتِ التَّنَفُّسِ الَّذِي بِهِ بَقاءُ حَياةِ النَّفْسِ وإشْغارُ رَسْمِهِ بِالإحاطَةِ ومَرْتَبَتِهِ مِنَ العَدَدِ إلى دَوامِهِ وعَدَمِ فَنائِهِ. ونَقَلَ الدَّوانِيُّ عَنِ الإمامِ أنَّهُ قالَ: عَلَّمَنِي بَعْضُ المَشايِخِ: يا هُوَ، يا مَن هُوَ، يا مَن لا إلَهَ إلّا هُوَ، وعَلى ذَلِكَ اعْتِقادُ أكْثَرِ المَشايِخِ اليَوْمَ. ولَمْ يَرِدْ ذَلِكَ في الأخْبارِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الفلق 113:1
سُورَةُ الفَلَقِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ ورِوايَةِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِها سِحْرُ اليَهُودِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهم إنَّما سَحَرُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَدِينَةِ كَما جاءَ في الصِّحاحِ فَلا يُلْتَفَتُ لِمَن صَحَّحَ كَوْنَها مَكِّيَّةً وكَذا الكَلامُ في سُورَةِ النّاسِ وآيُها الخَمْسُ بِلا خِلافٍ. ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها جِيءَ بِها بَعْدَها شَرْحًا لِما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في مَراتِبِ العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، وهي والسُّورَةُ الَّتِي بَعْدَها نَزَلَتا مَعًا كَما في الدَّلائِلِ لِلْبَيْهَقِيِّ؛ فَلِذَلِكَ قُرِنَتا مَعَ ما اشْتَرَكَتا فِيهِ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ ومِنَ الِافْتِتاحِ بِ «قُلْ أعُوذُ».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آياتٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُنَّ قَطُّ:
صفحة 279
قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ»».
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا أوى إلى فِراشِهِ كُلَّ لَيْلَةِ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِما فَقَرَأ فِيهِما: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ» ثُمَّ تَمَسَّحَ بِهِما ما اسْتَطاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِما عَلى رَأْسِهِ ووَجْهِهِ وما أقْبَلَ مِن جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ».
وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ مَن قَرَأهُما مَعَ سُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثًا حِينَ يُمْسِي وثَلاثًا حِينَ يُصْبِحُ كَفَتَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
وفِي فَضْلِهِما أخْبارٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أنْكَرَ قُرْآنِيَّتَهُما.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَحُكُّ المُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ المُصْحَفِ ويَقُولُ: لا تَخْلِطُوا القُرْآنَ بِما لَيْسَ مِنهُ؛ إنَّهُما لَيْسَتا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، إنَّما أُمِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما. وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لا يَقْرَأُ بِهِما قالَ البَزّارُ: لَمْ يُتابِعِ ابْنَ مَسْعُودٍ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قَرَأ بِهِما في الصَّلاةِ وأُثْبِتَتا في المُصْحَفِ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهم عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: «أتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا المُنْذِرِ، إنِّي رَأيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ لا يَكْتُبُ المُعَوِّذَتَيْنِ في مُصْحَفِهِ. فَقالَ: أما والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحَقِّ لَقَدْ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْهُما وما سَألَنِي عَنْهُما أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ غَيْرَكَ. فَقالَ: قِيلَ لِي: قُلْ فَقُلْتُ: فَقُولُوا: فَنَحْنُ نَقُولُ كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وبِهَذا الِاخْتِلافِ قَدَحَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ في إعْجازِ القُرْآنِ قالَ: لَوْ كانَتْ بَلاغَةُ ذَلِكَ بَلَغَتْ حَدَّ الإعْجازِ لَتَمَيَّزَ بِهِ غَيْرُ القُرْآنِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ في كَوْنِهِ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى قُرْآنِيَّتِهِما. وقالُوا: إنَّ إنْكارَ ذَلِكَ اليَوْمِ كُفْرٌ، ولَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ اخْتِلافَ الصَّحابَةِ في بَعْضِ سُوَرِ القُرْآنِ مَرْوِيٌّ بِالآحادِ المُفِيدَةِ لِلظَّنِّ، ومَجْمُوعُ القُرْآنِ مَنقُولٌ بِالتَّواتُرِ المُفِيدِ لِلْيَقِينِ الَّذِي يَضْمَحِلُّ الظَّنُّ في مُقابَلَتِهِ، فَتِلْكَ الآحادُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا اخْتِلافَهم فِيما ذُكِرَ قُلْنا: إنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا في نُزُولِهِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا في بُلُوغِهِ في البَلاغَةِ حَدَّ الإعْجازِ بَلْ في مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مِنَ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ لا يَضُرُّ فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ. انْتَهى.
وعَكْسُ هَذا القَوْلِ في السُّورَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قِيلَ في سُورَتَيِ الخَلْعِ والحَفْدِ وفي ألْفاظِهِما رِواياتٌ مِنها ما يَقْنُتُ بِهِ الحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُما في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وفي مُصْحَفِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهُما إنْ صَحَّ أنَّهُما كَلامُ اللَّهِ تَعالى مَنسُوخا التِّلاوَةِ ولَيْسا مِنَ القُرْآنِ كَما لا يَخْفى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ﴾ أيْ: ألْتَجِئُ وأعْتَصِمُ وأتَحَرَّزُ ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كَقَصَصٍ بِمَعْنى مَقْصُوصٍ مِن فَلَقَ شَقَّ وفَرَّقَ وهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ فَإنَّهُ تَعالى فَلَقَ بِنُورِ الإيجادِ عَنْها سِيما ما يَخْرُجُ مِن أصْلٍ كالعُيُونِ مِنَ الجِبالِ والأمْطارِ مِنَ السَّحابِ والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ والأوْلادِ مِنَ الأرْحامِ، وخُصَّ عُرْفًا بِالصُّبْحِ، وإطْلاقُهُمُ المَفْلُوقَ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِمْ فَلَقَ اللَّهُ تَعالى اللَّيْلَ عَنِ الصُّبْحِ عَلى نَحْوِ إطْلاقِ المَسْلُوخِ عَلى الشّاةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: سَلَخْتُ الجِلْدَ مِنَ الشّاةِ وتَفْسِيرُهُ بِالمَعْنى العامِّ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَفْظُهُ: «الفَلَقُ» الخَلْقُ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالصُّبْحِ.
وأنْشَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
الفارِجُ الهَمِّ مَسْدُوَلًا عَساكِرُهُ كَما يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الفَلَقُ
وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ فَتَعْلِيقُ العِياذِ بِاسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى الفَلَقِ المُنْبِئِ عَنِ النُّورِ عَقِيبَ الظُّلْمَةِ والسِّعَةِ بَعْدَ الضِّيقِ، والفَتْقِ بَعْدَ الرَّتْقِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعاذَةِ العائِذِ مِمّا يَعُوذُ مِنهُ وإنْجائِهِ
صفحة 280
مِنهُ وتَقْوِيَةٌ لِرَجائِهِ بِتَذْكِيرِ بَعْضِ نَظائِرِهِ ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ لَهُ في الجَلَدِ والِاعْتِناءِ بِقَرْعِ بابِ الِالتِجاءِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ في تَخْصِيصِ «الفَلَقِ» بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أُنْمُوذَجٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ فالدُّورُ كالقُبُورِ والنَّوْمُ أخُو المَوْتِ، والخارِجُونَ مِن مَنازِلِهِمْ صَباحًا مِنهم مَن يَذْهَبُ لِنَضْرَةٍ وسُرُورٍ، ومِنهم مَن يَكُونُ مِن مُطالَبَةِ دُيُونٍ في غُمُومٍ وشُرُورٍ إلى أحْوالٍ أُخَرَ تَكُونُ لِلْعِبادِ هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِما يَكُونُ لَهم في المَعادِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي: إنَّ لَفْظَ الرَّبِّ هاهُنا أوْقَعُ مِن سائِرِ الأسْماءِ أيِ الَّتِي يَجُوزُ إضافَتُها إلى الفَلَقِ عَلى ما قِيلَ لِأنَّ الإعاذَةَ مِنَ المَضارِّ تَرْبِيَةٌ وهو عَلى تَعْمِيمِ الفَلَقِ ظاهِرٌ لِشُمُولِهِ لِلْمُسْتَعِيذِ والمُسْتَعاذِ مِنهُ، وعَلى تَخْصِيصِهِ بِالصُّبْحِ قِيلَ: لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ مُغَيِّرٌ لِلْأحْوالِ مُقْلِقٌ لِلْأطْوارِ فَيُزِيلُ الهُمُومَ والأكْدارَ. وقالَ الرَّئِيسُ ابْنُ سِينا بَعْدَ أنْ حَمَلَ الفَلَقَ عَلى ظُلْمَةِ العَدَمِ المَفْلُوقَةِ بِنُورِ الوُجُودِ: إنَّ في ذِكْرِ الرَّبِّ سِرًّا لَطِيفًا مِن حَقائِقِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْبُوبَ لا يَسْتَغْنِي في شَيْءٍ مِن حالاتِهِ عَنِ الرَّبِّ كَما يُشاهَدُ في الطِّفْلِ ما دامَ مَرْبُوبًا، ولَمّا كانَتِ الماهِيّاتُ المُمْكِنَةُ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ إفاضَةِ المَبْدَأِ الأوَّلِ لا جَرَمَ ذُكِرَ لَفْظُ الرَّبِّ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ وفِيهِ إشارَةٌ أُخْرى مِن خَفِيّاتِ العُلُومِ؛ وهو أنَّ العَوْذَ والعِياذَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الِالتِجاءِ إلى الغَيْرِ، فَلَمّا أُمِرَ بِمُجَرَّدِ الِالتِجاءِ إلى الغَيْرِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِالرَّبِّ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عَدَمَ الحُصُولِ لَيْسَ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى المُسْتَعاذِ بِهِ المُفِيضِ لِلْخَيْراتِ، بَلْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى قابِلِها؛ فَإنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الكَمالاتِ وغَيْرِها مَبْخُولًا بِهِ مِن جانِبِ المَبْدَأِ الأوَّلِ سُبْحانَهُ، بَلِ الكُلُّ حاصِلٌ مَوْقُوفٌ عَلى أنْ يَصْرِفَ المُسْتَعِدُّ جِهَةَ قَبُولِهِ إلَيْهِ وهو المَعْنِيُّ بِالإشارَةِ النَّبَوِيَّةِ:
««إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ مِن رَحْمَتِهِ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها»».
بَيَّنَ أنَّ نَفَحاتِ الألْطافِ دائِمَةٌ، وإنَّما الخَلَلُ مِنَ المُسْتَعِدِّ انْتَهى. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ أنَّ الفَلَقَ جُبٌّ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ قالَ: «هُوَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ يُحْبَسُ فِيهِ الجَبّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وإنَّ جَهَنَّمَ لَتَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ قالَ: صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فَقالَ: «يا ابْنَ عَنْبَسَةَ، أتَدْرِي ما الفَلَقُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «بِئْرٌ في جَهَنَّمَ فَإذا سُعِّرَتِ البِئْرُ فَمِنها تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ لِتَتَأذّى مِنهُ كَما يَتَأذّى ابْنُ آدَمَ مِن جَهَنَّمَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: الفَلَقُ بَيْتٌ في جَهَنَّمَ إذا فُتِحَ صاحَ أهْلُ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقِيلَ: هو جَهَنَّمُ، وهو عَلى ما في الكَشّافِ مِن قَوْلِهِمْ لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ والجَمْعُ فُلْقانٌ، كَخَلْقٍ وخِلْقانٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِأنَّهُ مَسْكَنُ اليَهُودِ؛ فَعَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ قَدِمَ الشّامَ فَرَأى دُورَ أهْلِ الذِّمَّةِ وما هم فِيهِ مِن خَفْضِ العَيْشِ وما وُسِّعَ عَلَيْهِمْ مِن دُنْياهم فَقالَ: لا أُبالِي ألَيْسَ مِن ورائِهِمُ الفَلَقُ. وفُسِّرَ بِما رُوِيَ آنِفًا عَنْ كَعْبٍ. ومِنهُمُ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَفي تَعْلِيقِ العِياذِ بِالرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعاذَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن شَرِّهِمْ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يُثْلِجُ الصَّدْرَ، وأظُنُّ ضَعْفَ الأخْبارِ السّالِفَةِ ويَتَرَجَّحُ في نَظَرِي المَعْنى الأوَّلُ لِلْفَلَقِ.
الفلق 113:2
﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أيْ مِن شَرِّ الَّذِي خَلَقَهُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِمْ كائِنًا ما كانَ مِن ذَواتِ الطِّباعِ والِاخْتِيارِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الشَّرِّ لِلْمَضارِّ البَدَنِيَّةِ وغَيْرِها. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِعاذَةَ هاهُنا مِنَ المَضارِّ البَدَنِيَّةِ وأنَّها تَعُمُّ الإنْسانَ وغَيْرَهُ مِمّا لَيْسَ بِصَدَدِ الِاسْتِعاذَةِ، ثُمَّ جُعِلَ عُمُومُها مَدارَ إضافَةِ الرَّبِّ إلى الفَلَقِ بِالمَعْنى العامِّ وهو كَما تَرى. نَعَمْ الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ عُمُومَهُ لِشُرُورِ الدُّنْيا، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: هو عامٌّ لِكُلِّ شَرٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وشَرِّ الإنْسِ والجِنِّ والشَّياطِينِ وشَرِّ السِّباعِ والهَوامِّ وشَرِّ النّارِ وشَرِّ الذُّنُوبِ والهَوى وشَرِّ النَّفْسِ وشَرِّ العَمَلِ، وظاهِرُهُ تَعْمِيمُ ما خَلَقَ بِحَيْثُ يَشْمَلُ
صفحة 281
نَفْسَ المُسْتَعِيذِ ولا يَأْبى ذَلِكَ نُزُولَ السُّورَةِ لِيَسْتَعِيذَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم جَعْلَ ما مَصْدَرِيَّةً مَعَ تَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وإضافَةُ الشَّرِّ إلى ( ما خَلَقَ ) قِيلَ: لِاخْتِصاصِهِ بِعالَمِ الخَلْقِ المُؤَسَّسِ عَلى امْتِزاجِ المَوادِّ المُتَبايِنَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْكَوْنِ والفَسادِ، وأمّا عالَمُ الأمْرِ الَّذِي أُوجِدَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ كُنْ مِن غَيْرِ مادَّةٍ فَهو خَيْرٌ مَحْضٌ مُنَزَّهٌ عَنْ شَوائِبِ الشَّرِّ بِالمَرَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِعالَمِ الأمْرِ عالَمَ المُجَرَّداتِ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأُورِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ غَضِّ الطَّرْفِ عَنْ عَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ في لِسانِ الشَّرْعِ أنَّ مِنهم مَن يَصْدُرُ مِنهُ شَرٌّ كَخَسْفِ البِلادِ وتَعْذِيبِ العِبادِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ بِأمْرِهِ تَعالى فَلَمْ يَصْدُرْ إلّا لِامْتِثالِ الأمْرِ لا لِقَصْدِ الشَّرِّ مِن حَيْثُ هو شَرٌّ فَلا إيرادُ نَعَمْ يَرُدُّ أنَّ كَوْنَهم مُجَرَّدِينَ خِلافُ المُخْتارِ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ ومَن تَبِعَهُمْ، بَلْ هم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورِيَّةٌ ولَوْ سَلِمَ تَجَرُّدُهم قُلْنا بِعَدَمِ حَصْرِ المُجَرَّداتِ فِيهِمْ كَيْفَ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ بِتَجَرُّدِ الجِنِّ فَقالُوا: إنَّها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا حالَّةً فِيها بَلْ هي جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ بَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ وبَعْضُها كَرِيمَةٌ حُرَّةٌ مُحِبَّةٌ لِلْخَيْراتِ وبَعْضُها دَنِيَّةٌ خَسِيسَةٌ مُحِبَّةٌ لِلشُّرُورِ والآفاتِ، وبِالجُمْلَةِ ما خَلَقَ أعَمُّ مِنَ المُجَرَّدِ عَلى القَوْلِ بِهِ وغَيْرِهِ، والكُلُّ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى أيْ مُوجَدٍ بِالِاخْتِيارِ بَعْدَ العَدَمِ إلّا أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِمّا فِيهِ شَرٌّ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ عَلى ما في البَحْرِ: «مِن شَرٍّ» بِالتَّنْوِينِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ. وحَمَلُوا «ما» عَلى النَّفْيِ وجَعَلُوا الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ أيْ مِن شَرِّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى ولا أوْجَدَهُ، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القِراءَةَ بِالرِّوايَةِ ولا يَتَعَيَّنُ في هَذِهِ القِراءَةِ هَذا التَّوْجِيهُ بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ «ما» بَدَلًا مِن ( شَرِّ ) عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ مِن شَرِّ شَرِّ ما خَلَقَ.
الفلق 113:3
﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ﴾ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الشُّرُورِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلُ لِزِيادَةِ مِساسِ الحاجَةِ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِنهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِأنَّ تَعْيِينَ المُسْتَعاذِ مِنهُ أدَلُّ عَلى الِاغْتِناءِ بِالِاسْتِعاذَةِ وأدْعى إلى الإعاذَةِ، والغاسِقُ اللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، وأصْلُ الغَسَقِ الِامْتِلاءُ. يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا. وقِيلَ: هو السَّيَلانُ، وغَسَقُ اللَّيْلِ انْصِبابُ ظَلامِهِ عَلى الِاسْتِعارَةِ وغَسَقُ العَيْنِ سَيَلانُ دَمْعِها، وإضافَةُ الشَّرِّ إلى اللَّيْلِ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ لِحُدُوثِهِ فِيهِ عَلى حَدِّ: نَهارُهُ صائِمٌ. وتَنْكِيرُهُ لِعُمُومِ شُمُولِ الشَّرِّ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ ولِكُلِّ أجْزائِهِ.
﴿إذا وقَبَ﴾ أيْ: إذا دَخَلَ ظَلامُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وأصْلُ الوَقْبُ النُّقْرَةُ والحُفْرَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الدُّخُولِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
وقَبَ العَذابُ عَلَيْهُمُ فَكَأنَّهم لِحَقَتْهُمُ نارُ السَّمُومِ فَأُخْمِدُوا
وكَذا في المَغِيبِ لِما أنْ ذَلِكَ كالدُّخُولِ في الوَقْبِ أيِ النُّقْرَةِ والحُفْرَةِ، وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِالمَجِيءِ أيْضًا، والتَّقْيِيدُ بِهَذا الوَقْتِ لِأنَّ حُدُوثَ الشَّرِّ فِيهِ أكْثَرُ والتَّحَرُّزُ مِنهُ أصْعَبُ وأعْسَرُ، ومِن أمْثالِهِمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ. وتَفْسِيرُ الغاسِقِ بِاللَّيْلِ والوُقُوبُ بِدُخُولِ ظَلامِهِ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الغاسِقَ بِمَعْنى البارِدِ وقالَ: أُطْلِقَ عَلى اللَّيْلِ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو النَّهارُ، و«وقَبَ» بِمَعْنى دَخَلَ في اللَّيْلِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: القَمَرُ إذا امْتَلَأ نُورًا عَلى أنَّ الغَسَقَ الِامْتِلاءُ ووُقُوبُهُ دُخُولُهُ في الخُسُوفِ واسْوِدادُهُ. وقِيلَ: التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالغاسِقِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ وقَطْعِهِ البُرُوجَ عَلى أنَّ الغَسَقَ مُسْتَعارٌ مِنَ السَّيَلانِ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِأنَّ جِرْمَهُ مُظْلِمٌ وإنَّما يَسْتَنِيرُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ، ووُقُوبُهُ عَلى القَوْلَيْنِ المِحاقُ في آخِرِ الشَّهْرِ، والمُنَجِّمُونَ يَعُدُّونَهُ نَحْسًا ولِذَلِكَ لا تَشْتَغِلُ السَّحَرَةُ بِالسِّحْرِ المُوَرِّثِ لِلْمَرَضِ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ. قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِسَبَبِ نُزُولٍ، واسْتُدِلَّ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالقَمَرِ بِما أخْرَجَهُ
صفحة 282
الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا إلى القَمَرِ لَمّا طَلَعَ فَقالَ: «يا عائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ تَعالى مِن شَرِّ هَذا فَإنَّ هَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ»».
ومَن سَلَّمَ صِحَّةَ هَذا لا يَنْبَغِي لَهُ العُدُولُ إلى تَفْسِيرٍ آخَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ: الغاسِقُ إذا وقَبَ الشَّمْسُ إذا غَرَبَتْ، وكَأنَّ إطْلاقَ الغاسِقِ عَلَيْها لِامْتِلائِها نُورًا. ونَقَلَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ أنَّ الغاسِقَ الثُّرَيّا ووُقُوبُها سُقُوطُها وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ ذَلِكَ، ورَوى تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وفِي الحَدِيثِ: ««إذا طَلَعَ النَّجْمُ ارْتَفَعَتِ العاهَةُ»».
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ زِيادَةُ: «عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ».
وفِي بَعْضِها: ««ما طَلَعَ النَّجْمُ ذاتَ غَداةٍ إلّا رُفِعَتْ كُلُّ آفَةٍ أوْ عاهَةٍ أوْ خَفَّتْ»».
وفِيهِ رِواياتٌ أُخَرُ فَلْيُراجَعْ شَرْحُ المِناوِيِّ الكَبِيرُ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ الحَيَّةُ إذا لَدَغَتْ، وإطْلاقُ الغاسِقِ عَلَيْها لِامْتِلائِها سُمًّا وقَتْلًا، أُرِيدَ سُمُّها إذا دَخَلَ في الجَسَدِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الغاسِقُ لِسَيَلانِهِ مِن نابِها، وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو كُلُّ شَرٍّ يَعْتَرِي الإنْسانَ، والشَّرُّ يُوصَفُ بِالظُّلْمَةِ والسَّوادِ، ووُقُوبُهُ هُجُومُهُ. وذَكَرَ المَجْدُ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في القامُوسِ في مادَّةِ «وقَبَ» قَوْلًا في مَعْنى الآيَةِ زَعَمَ أنَّهُ حَكاهُ الغَزالِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ؛ لِظُهُورِ أنَّهُ عَوْرَةٌ بَيْنَ الأقْوالِ.
الفلق 113:4
﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ أيْ: ومِن شَرِّ النُّفُوسِ السَّواحِرِ اللّاتِي يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها، فالنَّفّاثاتُ صِفَةٌ لِلنُّفُوسِ واعْتُبِرَ ذَلِكَ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ إنَّما هو مِن جِهَةِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ والأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ وسُلْطانُهُ مِنها. وقَدَّرَ بَعْضُهم النِّساءَ مَوْصُوفًا، والأوَّلُ أوْلى لِيَشْمَلَ الرِّجالَ ويَتَضَمَّنَ الإشارَةَ السّابِقَةَ ويُطابِقَ سَبَبَ النُّزُولِ، فَإنَّ الَّذِي سَحَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ رَجُلًا عَلى المَشْهُورِ كَما سَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: أعانَهُ بَعْضُ النِّساءِ ولِكَوْنِ مِثْلِ ذَلِكَ مِن عَمَلِ النِّساءِ وكَيْدِهِنَّ غَلَبَ المُؤَنَّثُ عَلى المُذَكَّرِ هُنا، وهو جائِزٌ عَلى ما فَصَّلَهُ الخَفاجِيُّ في شَرْحِ دُرَّةِ الغَوّاصِ. والنَّفْثُ النَّفْخُ مَعَ رِيقٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو شِبْهُ النَّفْخِ يَكُونُ في الرُّقْيَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإنْ كانَ يُرِيقُ فَهو تَفْلٌ، والأوَّلُ هو الأصَحُّ؛ لِما نَقَلَهُ ابْنُ القَيِّمِ مِن أنَّهم إذا سَحَرُوا، واسْتَعانُوا عَلى تَأْثِيرِ فِعْلِهِمْ بِنَفَسٍ يُمازِجُهُ بَعْضُ أجْزاءِ أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: «النُّفّاثاتِ» بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ هو أيْضًا وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ: «النّافِثاتِ» وأبُو الرَّبِيعِ والحَسَنُ أيْضًا «النَّفِثاتِ» بِغَيْرِ ألِفٍ كالحَذِراتِ، وتَعْرِيفُها إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْإيذانِ بِشُمُولِ الشَّرِّ لِجَمِيعِ أفْرادِهِنَّ، وتَمَحُّضِهِنَّ فِيهِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ، حَتّى إذا كانَ ذاتَ يَوْمٍ أوْ ذاتَ لَيْلَةٍ دَعا اللَّهَ ثُمَّ دَعا ثُمَّ دَعا ثُمَّ قالَ: «أشَعَرْتِ يا عائِشَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟» قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: «جاءَنِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي والآخِرُ عِنْدَ رِجْلِي فَقالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلِي أوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: ما وجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبُوبٌ. قالَ: مَن طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ. قالَ: في أيِّ شَيْءٍ؟ قالَ: في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قالَ: فَأيْنَ هُوَ؟ قالَ في بِئْرِ ذِي أرْوانَ».
قالَتْ: فَأتاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أُناسٍ مِن أصْحابِهِ ثُمَّ قالَ: «يا عائِشَةُ، واللَّهِ لَكَأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ، ولَكَأنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ». قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا أحْرَقْتَهُ؟ قالَ: «لا، أمّا أنا فَقَدْ عافانِي اللَّهُ تَعالى وكَرِهْتُ أنْ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا. فَأمَرْتُ بِها فَدُفِنَتْ»».
وهَذانِ المَلَكانِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوايَةُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ومِن حَدِيثِهِما في الدَّلائِلِ لِلْبَيْهَقِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ المَلَكَيْنِ «فَما أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَدًا ومَعَهُ أصْحابُهُ إلى البِئْرِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فاسْتَخْرَجَ جُفَّ طَلْعَةٍ مِن تَحْتِ الرّاعُوفَةِ فَإذا فِيها مُشْطُ رَسُولِ اللَّهِ
صفحة 283
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِن مُشاطَةِ رَأْسِهِ، وإذا تِمْثالٌ مِن شَمْعِ تِمْثالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإذا فِيها إبَرٌ مَغْرُوزَةٌ وإذا وتَرٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وحَلَّ عُقْدَةً ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ وحَلَّ عُقْدَةً، حَتّى فَرَغَ مِنهُما، وحَلَّ العُقَدَ كُلَّها وجَعَلَ لا يَنْزِعُ إلّا وجَدَ لَها ألَمًا، ثُمَّ يَجِدُ بَعْدَ ذَلِكَ راحَةً، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَتَلْتَ اليَهُودِيَّ؟ قالَ: «قَدْ عافانِي اللَّهُ تَعالى وما يَراهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أشَدُّ»».
وفِي رِوايَةٍ: «إنِ الَّذِي تَوَلّى السِّحْرَ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ وبَناتُهُ، فَمَرِضَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ، وأخْبَرَهُ بِمَوْضِعِ السِّحْرِ وبِمَن سَحَرَهُ وبِمَ سَحَرَهُ، فَأرْسَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والزُّبَيْرَ وعَمّارًا فَنَزَحُوا ماءَ البِئْرِ وهو كَنُقاعَةِ الحِنّاءِ، ثُمَّ رَفَعُوا راعُوثَةَ البِئْرِ فَأخْرَجُوا أسْنانَ المُشْطِ ومَعَها وتَرٌ قَدْ عُقِدَ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مُغَرَّزَةً بِالإبَرِ، فَجاءُوا بِها النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ المُعَوِّذَتَيْنِ عَلَيْها، فَكانَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ عِنْدَ تَمامِ السُّورَتَيْنِ.
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّما أنْشَطُ مِن عِقالٍ...» الخَبَرَ.
والرِّوايَةُ الأُولى أصَحُّ مِن هَذِهِ.
وقالَ الإمامُ المازِرِيُّ: قَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ الحَدِيثَ المُبْتَدِعَةُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَحُطُّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويُشَكِّكُ فِيها، وإنَّ تَجْوِيزَهُ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِالشَّرْعِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ، وهو غَيْرُ مُراغِمٍ لِلنَّصِّ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَطُّ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ والتَّشْكِيكُ فِيها؛ لِأنَّ الكُفّارَ أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: مَسْحُورٌ أنَّهُ مَجْنُونٌ وحاشاهُ، ولَوْ سُلِّمَ إرادَةُ ظاهِرِهِ فَهو كانَ قَبْلَ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ مُرادُهم أنَّ السِّحْرَ أثَّرَ فِيهِ وأنَّ ما يَأْتِيهِ مِنَ الوَحْيِ مِن تَخَيُّلاتِ السِّحْرِ وهو كَذِبٌ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِها وهي مِمّا يَعْرِضُ لِلْبَشَرِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إنَّما كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ وطِئَ زَوْجاتِهِ ولَيْسَ بِواطِئٍ، وقَدْ يَتَخَيَّلُ الإنْسانُ مِثْلَ هَذا في المَنامِ فَلا يَبْعُدُ تَخَيُّلُهُ في اليَقَظَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُخَيَّلُ أنَّهُ فَعَلَهُ وما فَعَلَهُ، ولَكِنْ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ما تَخَيَّلَهُ فَتَكُونُ اعْتِقاداتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى السَّدادِ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ: قَدْ جاءَتْ رِواياتُ حَدِيثِ عائِشَةَ مُبَيِّنَةً أنَّ السِّحْرَ إنَّما تَسَلَّطَ عَلى جَسَدِهِ الشَّرِيفِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وظَواهِرِ جَوارِحِهِ لا عَلى عَقْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَلْبِهِ واعْتِقادِهِ، ويَكُونُ مَعْنى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ حَتّى يَظُنَّ أنَّهُ يَأْتِي أهْلَهُ ولا يَأْتِيهِنَّ، وفي بَعْضٍ أنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ... إلَخْ: أنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ مِن نَشاطِهِ ومُتَقَدِّمِ عادَتِهِ القُدْرَةُ عَلَيْهِنَّ فَإذا دَنا مِنهُنَّ أخَذَتْهُ أخْذَةُ السِّحْرِ فَلَمْ يَأْتِهِنَّ ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ كَما يَعْتَرِي المَسْحُورَ، وكُلُّ ما جاءَ في الرِّواياتِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ ولَمْ يَفْعَلْهُ ونَحْوَهُ فَمَحْمُولٌ عَلى التَّخَيُّلِ بِالبَصَرِ لا لِخَلَلٍ تَطَرَّقَ إلى العَقْلِ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُدْخِلُ لَبْسًا عَلى الرِّسالَةِ ولا طَعْنًا لِأهْلِ الضَّلالَةِ انْتَهى.
وبَعْضُهم أنْكَرَ أصْلَ السِّحْرِ ونَفى حَقِيقَتَهُ وأضافَ ما يَقَعُ مِنهُ إلى خَيالاتٍ باطِلَةٍ لا حَقائِقَ لَها، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ وعُلَماءِ الأُمَّةِ عَلى إثْباتِهِ وأنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ لِدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى ذَلِكَ ولا يُسْتَنْكَرُ في العَقْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْرُقُ العادَةَ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلامٍ مُلَفَّقٍ أوْ تَرْكِيبِ أجْسامٍ مَخْصُوصَةٍ. والمَزْجُ بَيْنَ قُوًى عَلى تَرْتِيبٍ لا يَعْرِفُهُ إلّا السّاحِرُ وإذا شاهَدَ الإنْسانُ بَعْضَ الأجْسامِ مِنها قاتِلَةٌ كالسُّمُومِ ومِنها مُسْقِمَةٌ كالأدْوِيَةِ الحادَّةِ ومِنها مُضِرَّةٌ كالأدْوِيَةِ المُضادَّةِ لِلْمَرَضِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ عَقْلُهُ أنْ يَنْفَرِدَ السّاحِرُ بِعِلْمِ قُوًى قَتّالَةٍ أوْ كَلامٍ مُهْلِكٍ أوْ مُؤَدٍّ
صفحة 284
إلى التَّفْرِقَةِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن تَأْثِيرٍ نَفْسانِيٍّ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهِ اخْتَلَفُوا في القَدْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَزِيدُ تَأْثِيرُهُ عَلى قَدْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِما يَكُونُ عِنْدَهُ وتَهْوِيلًا لَهُ، فَلَوْ وقَعَ بِهِ أعْظَمُ مِنهُ لَذَكَرَهُ لِأنَّ المَثَلَ لا يُضْرَبُ عِنْدَ المُبالَغَةِ إلّا بِأعْلى أحْوالِ المَذْكُورِ، ومَذْهَبُ الأشاعِرَةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ بِهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وهو الصَّحِيحُ عَقْلًا لِأنَّهُ لا فاعِلَ إلّا اللَّهُ، وما يَقَعُ مِن ذَلِكَ فَهو عادَةٌ أجْراها اللَّهُ تَعالى، ولا تَفْتَرِقُ الأفْعالُ في ذَلِكَ ولَيْسَ بَعْضُها بِأوْلى مِن بَعْضٍ، ولِوُرُودِ الشَّرْعِ بِقُصُورِهِ عَنْ مَرْتَبَةٍ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ولَكِنْ لا يُوجَدُ شَرْعٌ قاطِعٌ يُوجِبُ الِاقْتِصارَ عَلى ما قالَهُ القائِلُ الأوَّلُ، وذِكْرُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ في الآيَةِ لَيْسَ بِنَصٍّ في مَنعِ الزِّيادَةِ وإنَّما النَّظَرُ في أنَّهُ ظاهِرٌ أمْ لا، والفَرْقُ بَيْنَ السّاحِرِ وبَيْنَ النَّبِيِّ والوَلِيِّ عَلى قَوْلِ الأشاعِرَةِ بِأنَّهُ يَجُوزُ خَرْقُ العادَةِ عَلى يَدِ السّاحِرِ مُبَيَّنٌ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وغَيْرِها مِن شُرُوحِ الصِّحاحِ.
وقِيلَ في الآيَةِ: المُرادُ بِالنَّفْثِ في العُقَدِ إبْطالُ عَزائِمِ الرِّجالِ بِالحِيَلِ. مُسْتَعارٌ مِن تَلْيِينِ العُقَدِ بِنَفْثِ الرِّيقِ لِيَسْهُلَ حَلُّها وهو يَقْرُبُ مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ.
الفلق 113:5
﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أيْ: إذا أظْهَرَ ما في نَفْسِهِ مِنَ الحَسَدِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ بِتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الشَّرِّ ومَبادِي الإضْرارِ بِالمَحْسُودِ قَوْلًا وفِعْلًا، ومِن ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ النَّظَرُ إلى المَحْسُودِ وتَوْجِيهُ نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ نَحْوَهُ عَلى وجْهِ الغَضَبِ؛ فَإنَّ نَفْسَ الحاسِدِ حِينَئِذٍ تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ رُبَّما تُؤَثِّرُ في المَحْسُودِ بِحَسْبِ ضَعْفِهِ وقُوَّةِ نَفْسِ الحاسِدِ شَرًّا قَدْ يَصِلُ إلى حَدِّ الإهْلاكِ، ورُبَّ حاسِدٍ يُؤْذِي بِنَظَرِهِ بِعَيْنِ حَسَدِهِ نَحْوَ ما يُؤْذِي بَعْضُ الحَيّاتِ بِنَظَرِهِنَّ. وذَكَرُوا أنَّ العائِنَ والحاسِدَ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما تَتَكَيَّفُ نَفْسُهُ وتَتَوَجَّهُ نَحْوَ مَن تُرِيدُ أذاهُ إلّا أنَّ العائِنَ تَتَكَيَّفُ نَفْسُهُ عِنْدَ مُقابَلَةِ العَيْنِ والمُعايَنَةِ والحاسِدُ يَحْصُلُ حَسَدُهُ في الغَيْبَةِ والحُضُورِ. وأيْضًا العائِنُ قَدْ يَعِينُ مَن لا يَحْسُدُهُ مِن حَيَوانٍ وزَرْعٍ وإنْ كانَ لا يَنْفَكُّ مَن حَسَدِ صاحِبِهِ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ إذْ لا ضَرَرَ، بَلْ قِيلَ: إنَّ ضَرَرَ الحَسَدِ إنَّما يَحِيقُ بِالحاسِدِ لا غَيْرَ كَما قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لِلَّهِ دَرُّ الحَسَدِ ما أعْدَلَهُ بَدَأ بِصاحِبِهِ فَقَتَلَهُ.
وقالَ ابْنُ المُعْتَزِّ:
اصْبِرْ عَلى حَسَدِ الحَسُو دِ فَإنَّ صَبْرَكَ قاتِلُهْ
فالنّارُ تَأْكُلُ بَعْضَها ∗∗∗ إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ
ولْيُعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ يُطْلَقُ عَلى تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ الغَيْرِ، وعَلى تَمَنِّي اسْتِصْحابِ عَدَمِ النِّعْمَةِ ودَوامِ ما في الغَيْرِ مِن نَقْصٍ أوْ فَقْرٍ أوْ نَحْوِهِ، والإطْلاقُ الأوَّلُ هو الشّائِعُ، والحاسِدُ بِكِلا الإطْلاقَيْنِ مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ عِبادِهِ -عَزَّ وجَلَّ- آتٍ بابًا مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما اشْتُهِرَ بَيْنَهُمْ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الحَسَدَ الغَرِيزِيَّ الجِبِلِّيَّ إذا لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضاهُ مِنَ الأذى مُطْلَقًا بَلْ عامَلَ المُتَّصِفُ بِهِ أخاهُ بِما يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى مُجاهِدًا نَفْسَهُ لا إثْمَ فِيهِ بَلْ يُثابُ صاحِبُهُ عَلى جِهادِ نَفْسِهِ وحُسْنِ مُعامَلَتِهِ أخاهُ ثَوابًا عَظِيمًا لِما في ذَلِكَ مِن مَشَقَّةِ مُخالِفَةِ الطَّبْعِ كَما لا يَخْفى، ويُطْلَقُ الحَسَدُ عَلى الغِبْطَةِ مَجازًا، وكانَ ذَلِكَ شائِعًا في العُرْفِ الأوَّلِ وهي تَمَنِّي أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لِأخِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ تَمَنِّي زَوالِها وهَذا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا وسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُها النّاسَ»».
وقالَ أبُو تَمامٍ:
هم حَسَدُوهُ لا مَلُومِينَ مَجْدَهُ ∗∗∗ وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بِحاسِدِ
وقالَ أيْضًا:
واعْذُرْ حَسُودَكَ فِيما قَدْ خُصِصْتَ بِهِ ∗∗∗ إنَّ العُلا حَسَنٌ في مِثْلِها الحَسَدُ
هَذا وقالَ الرَّئِيسُ ابْنُ سِينا: الغاسِقُ القُوَّةُ الحَيَوانِيَّةُ فَهي ظُلْمَةٌ غاسِقَةٌ مُنْكَدِرَةٌ عَلى خِلافِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي هي المُسْتَعِيذَةُ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ في جَوْهَرِها نَقِيَّةً صافِيَةً مُبَرَّأةً عَنْ كُدُوراتِ المادَّةِ وعَلائِقِها قابِلَةً لِجَمِيعِ الصُّوَرِ والحَقائِقِ، وإنَّما تَتَلَوَّثُ مِنَ الحَيَوانِيَّةِ، والنَّفّاثاتُ في العُقَدِ إشارَةٌ إلى القُوى النَّباتِيَّةِ
صفحة 285
مِن حَيْثُ إنَّها تَزِيدُ في المِقْدارِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ؛ فَكَأنَّها تَنْفُثُ في العُقَدِ الثَّلاثِ، ولَمّا كانَتِ العَلاقَةُ بَيْنَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ والقُوى النَّباتِيَّةِ بِواسِطَةِ الحَيَوانِيَّةِ لا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ القُوى الحَيَوانِيَّةَ عَلى القُوى النَّباتِيَّةِ، والشَّرُّ اللّازِمُ مِن هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ هو اسْتِحْكامُ عَلائِقِ البَدَنِ وامْتِناعُ تَغَذِّيها بِالغِذاءِ المُوافِقِ لَها واللّائِقِ بِجَوْهَرِها وهو الإحاطَةُ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والِانْتِقاشُ بِالنُّقُوشِ الباقِيَةِ. وعَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ النِّزاعَ الحاصِلَ بَيْنَ البَدَنِ وقُواهُ وبَيْنَ النَّفْسِ، فالحاسِدُ هو البَدَنُ مِن حَيْثُ لَهُ القُوَّتانِ والمَحْسُودُ هو النَّفْسُ؛ فالبَدَنُ وبالٌ عَلَيْها، فَما أحْسَنَ حالَها عِنْدَ الإعْراضِ عَنْهُ، وما أعْظَمَ لَذَّتَها بِالمُفارَقَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ تَلَوَّثَتْ مِنهُ.
وقِيلَ: الغاسِقُ إشارَةً إلى المَعْدِنِ، والنَّفّاثاتُ إلى النَّباتاتِ، والحاسِدُ إلى الحَيَوانِ، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَتَضَرَّرُ عَنِ الأجْسامِ الفَلَكِيَّةِ وإنَّما يَتَضَرَّرُ عَنِ الأجْسامِ العُنْصُرِيَّةِ وهي إمّا مَعْدِنٌ أوْ نَباتٌ أوْ حَيَوانٌ أُمِرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ كُلٍّ مِنها، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الناس 114:1
سُورَةُ النّاسِ
وتُسَمّى مَعَ ما قَبْلَها كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ بِكَسْرِ الواوِ، والفَتْحُ خَطَأٌ، وكَذا بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْرِ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها، وهي سِتُّ آياتٍ لا سَبْعٌ، وإنِ اخْتارَهُ بَعْضُهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ كَما قُرِئَ:«فَخُذَ ارْبَعَةً» .
﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهُمْ، وأمالَ «النّاسِ» هَنا أبُو عَمْرٍو والدُّورِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مَجْرُورًا.
﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مُلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ سِياسَتِهِمْ والتَّوَلِّي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً وإيجادًا وإعْدامًا. وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ أيْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، ثُمَّ ما هُنا -وإنْ لَمْ يَكُنْ جامِدًا- فَهو في حُكْمِهِ، ولَعَلَّ الجَزالَةَ دَعَتْ إلى اخْتِيارِهِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ إلى النّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ عَلى ما في الإرْشادِ لِلْإرْشادِ إلى مِنهاجِ الِاسْتِعاذَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِالإعاذَةِ فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ وانْتِسابَهُ إلَيْهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ شَرُّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمْزٌ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في بَيانِ وجْهِ التَّخْصِيصِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِعاذَةِ هُنا مِن شَرِّ ما يَخُصُّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وهي الوَسْوَسَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا فِيهِ مِنَ القُصُورِ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ بِأنَّ شَرَّ المُوَسْوِسِ كَما يَلْحَقُ النُّفُوسَ يَلْحَقُ الأبْدانَ أيْضًا، وفِيهِ شَيْءٌ سَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، واخْتارَ هَذا الباحِثُ في ذَلِكَ أنَّهُ
صفحة 286
لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيما سَبَقَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أُضِيفَ الرَّبُّ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ أيْ بِناءً عَلى عُمُومِ الفَلَقِ، ولَمّا كانَتْ هُنا مِن شَرِّ الوَسْواسِ لَمْ يُضَفْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ النَّظَرُ إلى السُّورَةِ السّابِقَةِ يَقْتَضِي الإضافَةَ إلى الوَسْواسِ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ حَطًّا لِدَرَجَتِهِ عَنْ إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ بَلْ إلى المُسْتَعِيذِ، وكانَ في هَذا الحَطِّ رَمْزًا إلى الوَعْدِ بِالإعاذَةِ وهو الَّذِي يَجْعَلُ لِما ذُكِرَ حَظًّا في أداءِ حَقِّ المَقامِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ في آخِرِ سُورَةٍ مِن كِتابِهِ تَذْكِيرَ الأوَّلِ أمْرٌ عَرَفُوهُ في عالَمِ الذَّرِّ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِهِ فِيما بَعْدُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ الآيَةَ.. فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ لِئَلّا يَتَدَنَّسُ أمْرُ ذَلِكَ العَهْدِ، وفِيهِ أيْضًا رَمْزٌ إلى الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشْعارًا بِمَراتِبِ النّاظِرِ المُتَوَجِّهِ لِمَعْرِفَةِ خالِقِهِ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما يَرى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفُ أمْرِهِ مِنهُ؛ فَهو المَلِكُ الحَقُّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ. ويَنْدَرِجُ في وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ فَإنَّ عادَةَ مَن ألَمَّ بِهِ هَمٌّ أنْ يَرْفَعَ أمْرَهُ لِسَيِّدِهِ ومُرَبِّيهِ كَوالِدَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى رَفْعِهِ رَفَعَهُ لِمَلِكِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنْ لَمْ يُزِلْ ظُلامَتَهُ شَكاهُ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ومَن إلَيْهِ المُشْتَكى والمَفْزَعُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها.
ولِابْنِ سِينا هاهُنا كَلامٌ تَتَحَرَّجُ مِنهُ الأقْلامُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألَمَّ بِهِ وكانَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ أدْنى إلْمامٍ.
وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعامِّ بَعْضُ أفْرادِهِ فالنّاسُ الأوَّلُ بِمَعْنى الأجِنَّةِ والأطْفالِ المُحْتاجِينَ لِلتَّرْبِيَةِ، والثّانِي الكُهُولُ والشُّبّانُ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمَن يَسُوسُهُمْ، والثّالِثُ الشُّيُوخُ المُتَعَبِّدُونَ المُتَوَجِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلى ما فِيهِ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً وإنْ كانَ أغْلَبِيًّا. والوَسْواسُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، والمَصْدَرُ بِالكَسْرِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسُ الخَفِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخَطِرَةِ الرَّدِيَّةِ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا الشَّيْطانُ، سَمِّي بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفَسَ الوَسْوَسَةَ أوِ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذِي الوَسْواسِ. وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ فَعْلَلَ ضَرْبانِ: صَحِيحٌ كَدَحْرَجَ، وثَنائِيٌّ مُكَرَّرٌ كَصَلْصَلَ، ولَهُما مَصْدَرانِ مُطَّرِدانِ: فَعْلَلَةٌ وفِعْلالٌ بِالكَسْرِ وهو أقْيَسُ، والفَتْحُ شاذٌّ لَكِنَّهُ كَثُرَ في المُكَرَّرِ كَتَمْتامٍ وفَأْفَأةٍ، ويَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَفَعّالٍ في الثُّلاثِيِّ كَما قالُوا وطْواطٌ لِلضَّعِيفِ وثَرْثارٌ لِلْمُكْثِرِ، والحَقُّ أنَّهُ صِفَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزِّلْزالِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الوَسْواسِ مِن حَيْثُ هو وسْواسٌ، ومَآلُهُ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ وسْوَسَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِعاذَةُ مِن جَمِيعِ شُرُورِهِ؛ ولِذا قِيلَ: مِن شَرِّ الوَسْواسِ ولَمْ يُقَلْ: مِن وسْوَسَةِ الوَسْواسِ. قِيلَ: وعَلَيْهِ يَكُونُ القَوْلُ بِأنَّ شَرَّهُ يَلْحَقُ البَدَنَ كَما يَلْحَقُ النَّفْسَ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ، وعُدَّ مِن شَرِّهِ أنَّهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ «يَعْقِدُ عَلى قافِيَةِ رَأْسِ العَبْدِ إذْ هو نامَ ثَلاثَ عُقَدٍ،» مُرادُهُ بِذَلِكَ مَنعُهُ مِنَ اليَقَظَةِ، وفي عَدِّ هَذا مِنَ الشَّرِّ البَدَنِيِّ خَفاءٌ، وبَعْضُهم عَدَّ مِنهُ التَّخَبُّطَ إذا لَحِقَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن مَسِّهِ كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَنّاسِ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ أوْ نِسْبَةٌ؛ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ ويَتَأخَّرَ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
أخْرَجَ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى قَلْبِهِ الوَسْواسُ، فَإذا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ، ولَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ، ويُقالُ: إنَّ رَأْسَهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ
صفحة 287
تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِلْوَسْواسِ خَطْمًا كَخَطْمِ الطّائِرِ، فَإذا غَفَلَ ابْنُ آدَمَ وضَعَ ذَلِكَ المِنقارَ في أُذُنِ القَلْبِ يُوَسْوِسُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى نَكَصَ وخَنِسَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْواسَ الخَنّاسَ»».
الناس 114:2
سُورَةُ النّاسِ
وتُسَمّى مَعَ ما قَبْلَها كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ بِكَسْرِ الواوِ، والفَتْحُ خَطَأٌ، وكَذا بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْرِ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها، وهي سِتُّ آياتٍ لا سَبْعٌ، وإنِ اخْتارَهُ بَعْضُهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ كَما قُرِئَ:«فَخُذَ ارْبَعَةً» .
﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهُمْ، وأمالَ «النّاسِ» هَنا أبُو عَمْرٍو والدُّورِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مَجْرُورًا.
﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مُلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ سِياسَتِهِمْ والتَّوَلِّي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً وإيجادًا وإعْدامًا. وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ أيْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، ثُمَّ ما هُنا -وإنْ لَمْ يَكُنْ جامِدًا- فَهو في حُكْمِهِ، ولَعَلَّ الجَزالَةَ دَعَتْ إلى اخْتِيارِهِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ إلى النّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ عَلى ما في الإرْشادِ لِلْإرْشادِ إلى مِنهاجِ الِاسْتِعاذَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِالإعاذَةِ فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ وانْتِسابَهُ إلَيْهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ شَرُّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمْزٌ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في بَيانِ وجْهِ التَّخْصِيصِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِعاذَةِ هُنا مِن شَرِّ ما يَخُصُّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وهي الوَسْوَسَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا فِيهِ مِنَ القُصُورِ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ بِأنَّ شَرَّ المُوَسْوِسِ كَما يَلْحَقُ النُّفُوسَ يَلْحَقُ الأبْدانَ أيْضًا، وفِيهِ شَيْءٌ سَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، واخْتارَ هَذا الباحِثُ في ذَلِكَ أنَّهُ
صفحة 286
لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيما سَبَقَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أُضِيفَ الرَّبُّ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ أيْ بِناءً عَلى عُمُومِ الفَلَقِ، ولَمّا كانَتْ هُنا مِن شَرِّ الوَسْواسِ لَمْ يُضَفْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ النَّظَرُ إلى السُّورَةِ السّابِقَةِ يَقْتَضِي الإضافَةَ إلى الوَسْواسِ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ حَطًّا لِدَرَجَتِهِ عَنْ إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ بَلْ إلى المُسْتَعِيذِ، وكانَ في هَذا الحَطِّ رَمْزًا إلى الوَعْدِ بِالإعاذَةِ وهو الَّذِي يَجْعَلُ لِما ذُكِرَ حَظًّا في أداءِ حَقِّ المَقامِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ في آخِرِ سُورَةٍ مِن كِتابِهِ تَذْكِيرَ الأوَّلِ أمْرٌ عَرَفُوهُ في عالَمِ الذَّرِّ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِهِ فِيما بَعْدُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ الآيَةَ.. فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ لِئَلّا يَتَدَنَّسُ أمْرُ ذَلِكَ العَهْدِ، وفِيهِ أيْضًا رَمْزٌ إلى الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشْعارًا بِمَراتِبِ النّاظِرِ المُتَوَجِّهِ لِمَعْرِفَةِ خالِقِهِ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما يَرى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفُ أمْرِهِ مِنهُ؛ فَهو المَلِكُ الحَقُّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ. ويَنْدَرِجُ في وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ فَإنَّ عادَةَ مَن ألَمَّ بِهِ هَمٌّ أنْ يَرْفَعَ أمْرَهُ لِسَيِّدِهِ ومُرَبِّيهِ كَوالِدَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى رَفْعِهِ رَفَعَهُ لِمَلِكِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنْ لَمْ يُزِلْ ظُلامَتَهُ شَكاهُ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ومَن إلَيْهِ المُشْتَكى والمَفْزَعُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها.
ولِابْنِ سِينا هاهُنا كَلامٌ تَتَحَرَّجُ مِنهُ الأقْلامُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألَمَّ بِهِ وكانَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ أدْنى إلْمامٍ.
وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعامِّ بَعْضُ أفْرادِهِ فالنّاسُ الأوَّلُ بِمَعْنى الأجِنَّةِ والأطْفالِ المُحْتاجِينَ لِلتَّرْبِيَةِ، والثّانِي الكُهُولُ والشُّبّانُ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمَن يَسُوسُهُمْ، والثّالِثُ الشُّيُوخُ المُتَعَبِّدُونَ المُتَوَجِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلى ما فِيهِ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً وإنْ كانَ أغْلَبِيًّا. والوَسْواسُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، والمَصْدَرُ بِالكَسْرِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسُ الخَفِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخَطِرَةِ الرَّدِيَّةِ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا الشَّيْطانُ، سَمِّي بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفَسَ الوَسْوَسَةَ أوِ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذِي الوَسْواسِ. وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ فَعْلَلَ ضَرْبانِ: صَحِيحٌ كَدَحْرَجَ، وثَنائِيٌّ مُكَرَّرٌ كَصَلْصَلَ، ولَهُما مَصْدَرانِ مُطَّرِدانِ: فَعْلَلَةٌ وفِعْلالٌ بِالكَسْرِ وهو أقْيَسُ، والفَتْحُ شاذٌّ لَكِنَّهُ كَثُرَ في المُكَرَّرِ كَتَمْتامٍ وفَأْفَأةٍ، ويَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَفَعّالٍ في الثُّلاثِيِّ كَما قالُوا وطْواطٌ لِلضَّعِيفِ وثَرْثارٌ لِلْمُكْثِرِ، والحَقُّ أنَّهُ صِفَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزِّلْزالِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الوَسْواسِ مِن حَيْثُ هو وسْواسٌ، ومَآلُهُ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ وسْوَسَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِعاذَةُ مِن جَمِيعِ شُرُورِهِ؛ ولِذا قِيلَ: مِن شَرِّ الوَسْواسِ ولَمْ يُقَلْ: مِن وسْوَسَةِ الوَسْواسِ. قِيلَ: وعَلَيْهِ يَكُونُ القَوْلُ بِأنَّ شَرَّهُ يَلْحَقُ البَدَنَ كَما يَلْحَقُ النَّفْسَ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ، وعُدَّ مِن شَرِّهِ أنَّهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ «يَعْقِدُ عَلى قافِيَةِ رَأْسِ العَبْدِ إذْ هو نامَ ثَلاثَ عُقَدٍ،» مُرادُهُ بِذَلِكَ مَنعُهُ مِنَ اليَقَظَةِ، وفي عَدِّ هَذا مِنَ الشَّرِّ البَدَنِيِّ خَفاءٌ، وبَعْضُهم عَدَّ مِنهُ التَّخَبُّطَ إذا لَحِقَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن مَسِّهِ كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَنّاسِ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ أوْ نِسْبَةٌ؛ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ ويَتَأخَّرَ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
أخْرَجَ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى قَلْبِهِ الوَسْواسُ، فَإذا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ، ولَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ، ويُقالُ: إنَّ رَأْسَهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ
صفحة 287
تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِلْوَسْواسِ خَطْمًا كَخَطْمِ الطّائِرِ، فَإذا غَفَلَ ابْنُ آدَمَ وضَعَ ذَلِكَ المِنقارَ في أُذُنِ القَلْبِ يُوَسْوِسُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى نَكَصَ وخَنِسَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْواسَ الخَنّاسَ»».
الناس 114:3
سُورَةُ النّاسِ
وتُسَمّى مَعَ ما قَبْلَها كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ بِكَسْرِ الواوِ، والفَتْحُ خَطَأٌ، وكَذا بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْرِ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها، وهي سِتُّ آياتٍ لا سَبْعٌ، وإنِ اخْتارَهُ بَعْضُهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ كَما قُرِئَ:«فَخُذَ ارْبَعَةً» .
﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهُمْ، وأمالَ «النّاسِ» هَنا أبُو عَمْرٍو والدُّورِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مَجْرُورًا.
﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مُلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ سِياسَتِهِمْ والتَّوَلِّي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً وإيجادًا وإعْدامًا. وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ أيْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، ثُمَّ ما هُنا -وإنْ لَمْ يَكُنْ جامِدًا- فَهو في حُكْمِهِ، ولَعَلَّ الجَزالَةَ دَعَتْ إلى اخْتِيارِهِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ إلى النّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ عَلى ما في الإرْشادِ لِلْإرْشادِ إلى مِنهاجِ الِاسْتِعاذَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِالإعاذَةِ فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ وانْتِسابَهُ إلَيْهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ شَرُّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمْزٌ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في بَيانِ وجْهِ التَّخْصِيصِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِعاذَةِ هُنا مِن شَرِّ ما يَخُصُّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وهي الوَسْوَسَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا فِيهِ مِنَ القُصُورِ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ بِأنَّ شَرَّ المُوَسْوِسِ كَما يَلْحَقُ النُّفُوسَ يَلْحَقُ الأبْدانَ أيْضًا، وفِيهِ شَيْءٌ سَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، واخْتارَ هَذا الباحِثُ في ذَلِكَ أنَّهُ
صفحة 286
لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيما سَبَقَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أُضِيفَ الرَّبُّ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ أيْ بِناءً عَلى عُمُومِ الفَلَقِ، ولَمّا كانَتْ هُنا مِن شَرِّ الوَسْواسِ لَمْ يُضَفْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ النَّظَرُ إلى السُّورَةِ السّابِقَةِ يَقْتَضِي الإضافَةَ إلى الوَسْواسِ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ حَطًّا لِدَرَجَتِهِ عَنْ إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ بَلْ إلى المُسْتَعِيذِ، وكانَ في هَذا الحَطِّ رَمْزًا إلى الوَعْدِ بِالإعاذَةِ وهو الَّذِي يَجْعَلُ لِما ذُكِرَ حَظًّا في أداءِ حَقِّ المَقامِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ في آخِرِ سُورَةٍ مِن كِتابِهِ تَذْكِيرَ الأوَّلِ أمْرٌ عَرَفُوهُ في عالَمِ الذَّرِّ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِهِ فِيما بَعْدُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ الآيَةَ.. فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ لِئَلّا يَتَدَنَّسُ أمْرُ ذَلِكَ العَهْدِ، وفِيهِ أيْضًا رَمْزٌ إلى الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشْعارًا بِمَراتِبِ النّاظِرِ المُتَوَجِّهِ لِمَعْرِفَةِ خالِقِهِ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما يَرى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفُ أمْرِهِ مِنهُ؛ فَهو المَلِكُ الحَقُّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ. ويَنْدَرِجُ في وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ فَإنَّ عادَةَ مَن ألَمَّ بِهِ هَمٌّ أنْ يَرْفَعَ أمْرَهُ لِسَيِّدِهِ ومُرَبِّيهِ كَوالِدَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى رَفْعِهِ رَفَعَهُ لِمَلِكِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنْ لَمْ يُزِلْ ظُلامَتَهُ شَكاهُ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ومَن إلَيْهِ المُشْتَكى والمَفْزَعُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها.
ولِابْنِ سِينا هاهُنا كَلامٌ تَتَحَرَّجُ مِنهُ الأقْلامُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألَمَّ بِهِ وكانَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ أدْنى إلْمامٍ.
وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعامِّ بَعْضُ أفْرادِهِ فالنّاسُ الأوَّلُ بِمَعْنى الأجِنَّةِ والأطْفالِ المُحْتاجِينَ لِلتَّرْبِيَةِ، والثّانِي الكُهُولُ والشُّبّانُ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمَن يَسُوسُهُمْ، والثّالِثُ الشُّيُوخُ المُتَعَبِّدُونَ المُتَوَجِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلى ما فِيهِ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً وإنْ كانَ أغْلَبِيًّا. والوَسْواسُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، والمَصْدَرُ بِالكَسْرِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسُ الخَفِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخَطِرَةِ الرَّدِيَّةِ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا الشَّيْطانُ، سَمِّي بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفَسَ الوَسْوَسَةَ أوِ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذِي الوَسْواسِ. وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ فَعْلَلَ ضَرْبانِ: صَحِيحٌ كَدَحْرَجَ، وثَنائِيٌّ مُكَرَّرٌ كَصَلْصَلَ، ولَهُما مَصْدَرانِ مُطَّرِدانِ: فَعْلَلَةٌ وفِعْلالٌ بِالكَسْرِ وهو أقْيَسُ، والفَتْحُ شاذٌّ لَكِنَّهُ كَثُرَ في المُكَرَّرِ كَتَمْتامٍ وفَأْفَأةٍ، ويَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَفَعّالٍ في الثُّلاثِيِّ كَما قالُوا وطْواطٌ لِلضَّعِيفِ وثَرْثارٌ لِلْمُكْثِرِ، والحَقُّ أنَّهُ صِفَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزِّلْزالِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الوَسْواسِ مِن حَيْثُ هو وسْواسٌ، ومَآلُهُ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ وسْوَسَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِعاذَةُ مِن جَمِيعِ شُرُورِهِ؛ ولِذا قِيلَ: مِن شَرِّ الوَسْواسِ ولَمْ يُقَلْ: مِن وسْوَسَةِ الوَسْواسِ. قِيلَ: وعَلَيْهِ يَكُونُ القَوْلُ بِأنَّ شَرَّهُ يَلْحَقُ البَدَنَ كَما يَلْحَقُ النَّفْسَ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ، وعُدَّ مِن شَرِّهِ أنَّهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ «يَعْقِدُ عَلى قافِيَةِ رَأْسِ العَبْدِ إذْ هو نامَ ثَلاثَ عُقَدٍ،» مُرادُهُ بِذَلِكَ مَنعُهُ مِنَ اليَقَظَةِ، وفي عَدِّ هَذا مِنَ الشَّرِّ البَدَنِيِّ خَفاءٌ، وبَعْضُهم عَدَّ مِنهُ التَّخَبُّطَ إذا لَحِقَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن مَسِّهِ كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَنّاسِ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ أوْ نِسْبَةٌ؛ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ ويَتَأخَّرَ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
أخْرَجَ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى قَلْبِهِ الوَسْواسُ، فَإذا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ، ولَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ، ويُقالُ: إنَّ رَأْسَهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ
صفحة 287
تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِلْوَسْواسِ خَطْمًا كَخَطْمِ الطّائِرِ، فَإذا غَفَلَ ابْنُ آدَمَ وضَعَ ذَلِكَ المِنقارَ في أُذُنِ القَلْبِ يُوَسْوِسُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى نَكَصَ وخَنِسَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْواسَ الخَنّاسَ»».
الناس 114:4
سُورَةُ النّاسِ
وتُسَمّى مَعَ ما قَبْلَها كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ بِكَسْرِ الواوِ، والفَتْحُ خَطَأٌ، وكَذا بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْرِ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها، وهي سِتُّ آياتٍ لا سَبْعٌ، وإنِ اخْتارَهُ بَعْضُهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ كَما قُرِئَ:«فَخُذَ ارْبَعَةً» .
﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهُمْ، وأمالَ «النّاسِ» هَنا أبُو عَمْرٍو والدُّورِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مَجْرُورًا.
﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مُلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ سِياسَتِهِمْ والتَّوَلِّي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً وإيجادًا وإعْدامًا. وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ أيْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، ثُمَّ ما هُنا -وإنْ لَمْ يَكُنْ جامِدًا- فَهو في حُكْمِهِ، ولَعَلَّ الجَزالَةَ دَعَتْ إلى اخْتِيارِهِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ إلى النّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ عَلى ما في الإرْشادِ لِلْإرْشادِ إلى مِنهاجِ الِاسْتِعاذَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِالإعاذَةِ فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ وانْتِسابَهُ إلَيْهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ شَرُّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمْزٌ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في بَيانِ وجْهِ التَّخْصِيصِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِعاذَةِ هُنا مِن شَرِّ ما يَخُصُّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وهي الوَسْوَسَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا فِيهِ مِنَ القُصُورِ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ بِأنَّ شَرَّ المُوَسْوِسِ كَما يَلْحَقُ النُّفُوسَ يَلْحَقُ الأبْدانَ أيْضًا، وفِيهِ شَيْءٌ سَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، واخْتارَ هَذا الباحِثُ في ذَلِكَ أنَّهُ
صفحة 286
لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيما سَبَقَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أُضِيفَ الرَّبُّ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ أيْ بِناءً عَلى عُمُومِ الفَلَقِ، ولَمّا كانَتْ هُنا مِن شَرِّ الوَسْواسِ لَمْ يُضَفْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ النَّظَرُ إلى السُّورَةِ السّابِقَةِ يَقْتَضِي الإضافَةَ إلى الوَسْواسِ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ حَطًّا لِدَرَجَتِهِ عَنْ إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ بَلْ إلى المُسْتَعِيذِ، وكانَ في هَذا الحَطِّ رَمْزًا إلى الوَعْدِ بِالإعاذَةِ وهو الَّذِي يَجْعَلُ لِما ذُكِرَ حَظًّا في أداءِ حَقِّ المَقامِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ في آخِرِ سُورَةٍ مِن كِتابِهِ تَذْكِيرَ الأوَّلِ أمْرٌ عَرَفُوهُ في عالَمِ الذَّرِّ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِهِ فِيما بَعْدُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ الآيَةَ.. فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ لِئَلّا يَتَدَنَّسُ أمْرُ ذَلِكَ العَهْدِ، وفِيهِ أيْضًا رَمْزٌ إلى الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشْعارًا بِمَراتِبِ النّاظِرِ المُتَوَجِّهِ لِمَعْرِفَةِ خالِقِهِ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما يَرى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفُ أمْرِهِ مِنهُ؛ فَهو المَلِكُ الحَقُّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ. ويَنْدَرِجُ في وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ فَإنَّ عادَةَ مَن ألَمَّ بِهِ هَمٌّ أنْ يَرْفَعَ أمْرَهُ لِسَيِّدِهِ ومُرَبِّيهِ كَوالِدَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى رَفْعِهِ رَفَعَهُ لِمَلِكِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنْ لَمْ يُزِلْ ظُلامَتَهُ شَكاهُ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ومَن إلَيْهِ المُشْتَكى والمَفْزَعُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها.
ولِابْنِ سِينا هاهُنا كَلامٌ تَتَحَرَّجُ مِنهُ الأقْلامُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألَمَّ بِهِ وكانَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ أدْنى إلْمامٍ.
وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعامِّ بَعْضُ أفْرادِهِ فالنّاسُ الأوَّلُ بِمَعْنى الأجِنَّةِ والأطْفالِ المُحْتاجِينَ لِلتَّرْبِيَةِ، والثّانِي الكُهُولُ والشُّبّانُ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمَن يَسُوسُهُمْ، والثّالِثُ الشُّيُوخُ المُتَعَبِّدُونَ المُتَوَجِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلى ما فِيهِ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً وإنْ كانَ أغْلَبِيًّا. والوَسْواسُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، والمَصْدَرُ بِالكَسْرِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسُ الخَفِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخَطِرَةِ الرَّدِيَّةِ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا الشَّيْطانُ، سَمِّي بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفَسَ الوَسْوَسَةَ أوِ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذِي الوَسْواسِ. وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ فَعْلَلَ ضَرْبانِ: صَحِيحٌ كَدَحْرَجَ، وثَنائِيٌّ مُكَرَّرٌ كَصَلْصَلَ، ولَهُما مَصْدَرانِ مُطَّرِدانِ: فَعْلَلَةٌ وفِعْلالٌ بِالكَسْرِ وهو أقْيَسُ، والفَتْحُ شاذٌّ لَكِنَّهُ كَثُرَ في المُكَرَّرِ كَتَمْتامٍ وفَأْفَأةٍ، ويَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَفَعّالٍ في الثُّلاثِيِّ كَما قالُوا وطْواطٌ لِلضَّعِيفِ وثَرْثارٌ لِلْمُكْثِرِ، والحَقُّ أنَّهُ صِفَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزِّلْزالِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الوَسْواسِ مِن حَيْثُ هو وسْواسٌ، ومَآلُهُ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ وسْوَسَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِعاذَةُ مِن جَمِيعِ شُرُورِهِ؛ ولِذا قِيلَ: مِن شَرِّ الوَسْواسِ ولَمْ يُقَلْ: مِن وسْوَسَةِ الوَسْواسِ. قِيلَ: وعَلَيْهِ يَكُونُ القَوْلُ بِأنَّ شَرَّهُ يَلْحَقُ البَدَنَ كَما يَلْحَقُ النَّفْسَ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ، وعُدَّ مِن شَرِّهِ أنَّهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ «يَعْقِدُ عَلى قافِيَةِ رَأْسِ العَبْدِ إذْ هو نامَ ثَلاثَ عُقَدٍ،» مُرادُهُ بِذَلِكَ مَنعُهُ مِنَ اليَقَظَةِ، وفي عَدِّ هَذا مِنَ الشَّرِّ البَدَنِيِّ خَفاءٌ، وبَعْضُهم عَدَّ مِنهُ التَّخَبُّطَ إذا لَحِقَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن مَسِّهِ كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَنّاسِ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ أوْ نِسْبَةٌ؛ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ ويَتَأخَّرَ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
أخْرَجَ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى قَلْبِهِ الوَسْواسُ، فَإذا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ، ولَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ، ويُقالُ: إنَّ رَأْسَهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ
صفحة 287
تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِلْوَسْواسِ خَطْمًا كَخَطْمِ الطّائِرِ، فَإذا غَفَلَ ابْنُ آدَمَ وضَعَ ذَلِكَ المِنقارَ في أُذُنِ القَلْبِ يُوَسْوِسُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى نَكَصَ وخَنِسَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْواسَ الخَنّاسَ»».
الناس 114:5
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ قِيلَ: أُرِيدَ قُلُوبُهم مَجازًا. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ الصَّدْرَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الدِّهْلِيزِ فَيُلْقِي مِنهُ ما يُرِيدُ إلْقاءَهُ إلى القَلْبِ ويُوَصِّلُهُ إلَيْهِ ولا مانِعَ عَقْلًا مِن دُخُولِهِ في جَوْفِ الإنْسانِ، وقَدْ ورَدَ السَّمْعُ بِهِ كَما سَمِعْتَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ والإيمانُ بِهِ، ومِن ذَلِكَ: ««إنَّ الشَّيْطانَ لِيَجْرِيَ مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ»».
ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَهُ عَلى التَّمْثِيلِ وقالَ في الآيَةِ: إنَّها لا تَقْتَضِي الدُّخُولَ كَما يُنادِي عَلَيْهِ البَيانُ الآتِي. وقالَ ابْنُ سِينا: الوَسْواسُ القُوَّةُ الَّتِي تُوقِعُ الوَسْوَسَةَ وهي القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ بِحَسْبِ صَيْرُورَتِها مُسْتَعْمِلَةً لِلنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ حَرَكَتَها تَكُونُ بِالعَكْسِ، فَإنَّ النَّفْسَ وِجْهَتُها إلى المَبادِئِ المُفارِقَةِ فالقُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ إذا أخَذَتْها إلّا الِاشْتِغالُ بِالمادَّةِ وعَلائِقِها فَتِلْكَ القُوَّةُ تَخْنِسُ؛ أيْ تَتَحَرَّكُ بِالعَكْسِ وتَجْذِبُ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ إلى العَكْسِ؛ فَلِذَلِكَ تُسَمّى خَنّاسًا، ونَحْوَهُ ما قِيلَ؛ إنَّهُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ فَهي تُساعِدُ العَقْلَ في المُقَدِّماتِ فَإذا آلَ الأمْرُ إلى النَّتِيجَةِ خَنِسَتْ وأخَذَتْ تُوَسْوِسُهُ وتُشَكِّكُهُ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِأمْثالِ ذَلِكَ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ. والقاضِي ذَكَرَ الأخِيرَ عَنْ سَبِيلِ التَّنْظِيرِ لا عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ والتَّفْسِيرِ بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَلى الوَصْفِ وإمّا الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الذَّمِّ والشَّتْمِ، ويَحْسُنُ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى ﴿الخَنّاسِ﴾ وأمّا عَلى الأوَّلِ فَفي الكَواشِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ، وتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ في عَدَمِ الجَوازِ نَظَرٌ لِلْفاصِلَةِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ إذا كانَ صِفَةً فالحُسْنُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى وجْهٍ؛ وهو أنَّ الوَقْفَ الحُسْنَ شامِلٌ لِمِثْلِهِ في فاصِلَةٍ خاصَّةٍ.
الناس 114:6
﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ بَيانٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ عَلى أنَّهُ ضَرْبانِ؛ جِنِّيٌّ وإنْسِيٌّ كَما قالَ تَعالى: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُوَسْوِسُ»، و«مِن» لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: يُوَسْوِسُ في صُدُورِهِمْ مِن جِهَةِ الجِنِّ مِثْلَ أنْ يُلْقِيَ في قَلْبِ المَرْءِ مِن جِهَتِهِمْ أنَّهم يَنْفَعُونَ ويَضُرُّونَ، ومِن جِهَةِ النّاسِ مِثْلَ أنْ يُلْقِيَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ المُنَجِّمِينَ والكُهّانِ وأنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ. وجُوِّزَ فِيهِ الحالِيَّةُ مِن ضَمِيرِ: ﴿يُوَسْوِسُ﴾ والبَدَلِيَّةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ﴾ بِإعادَةِ الجارِّ وتَقْدِيرِ المُضافِ، والبَدَلِيَّةُ مِنَ الوَسْواسِ عَلى أنَّ «مِن» تَبْعِيضِيَّةٌ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هو بَيانٌ لِلنّاسِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ أيْضًا فَيُقالُ كَما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ. كَما يُقالُ: نَفَرٌ ورِجالٌ مِنهُمْ، وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ النّاسِ خِلافُهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن شُبَهِ جَعْلِ قِسْمِ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ، ومِثْلُهُ لا يُناسِبُ بَلاغَةَ القُرْآنِ وإنْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الجِنِّ كَما يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الإنْسِ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. ولا يَجُوزُ جَعْلُ الآيَةِ دَلِيلًا لِما لا يَخْفى، وأقْرَبُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ النّاسِي بِالياءِ مِثْلُهُ في قِراءَةِ بَعْضِهِمْ: «مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسِ» بِالكَسْرِ ويُجْعَلُ سُقُوطُ الياءَ كَسُقُوطِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ثُمَّ يُبَيَّنُ بِالجِنَّةِ والنّاسِ؛ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفَرِيقَيْنِ مُبْتَلًى بِنِسْيانِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن تَدارَكَهُ شَوافِعُ عِصْمَتِهِ وتَناوَلَهُ واسِعُ رَحْمَتِهِ. جَعَلَنا اللَّهُ مِمَّنْ نالَ مِن عِصْمَتِهِ الحَظَّ الأوْفى وكالَ لَهُ مَوْلاهُ مِن رَحِمْتِهِ فَأوْفى.
ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: إنَّ حُرُوفَ هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ المُكَرَّرِ اثْنانِ وعِشْرُونَ حَرْفًا وكَذا حُرُوفُ الفاتِحَةِ؛ وذَلِكَ بِعَدَدِ السِّنِينَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ فَلْيُراجَعْ، وبَعْدَ أنْ يُوجَدَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَ سِنِي النُّزُولِ اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ. والمَشْهُورُ أنَّها ثَلاثٌ وعِشْرُونَ اه. ومِثْلُ هَذا الرَّمْزِ ما قِيلَ إنَّ أوَّلَ حُرُوفِهِ الباءُ وآخِرُها السِّينُ كَأنَّهُ قِيلَ «بَسْ» أيْ حَسْبُ؛ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كافٍ عَمّا سِواهُ، ورُمِزَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُ الفُرْسِ فَقالَ:
صفحة 288
أول وآخر قرآن زجه با آمد وسين يعني اندر دو جهان رهبر ما قرآن بس
ومِثْلُهُ مِنَ الرُّمُوزِ كَثِيرٌ، لَكِنْ قِيلَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ إنَّهُ مُرادُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. نَعَمْ قَدْ أرْشَدَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى الِاسْتِعانَةِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما أرْشَدَ جَلَّ وعَلا إلَيْها في الفاتِحَةِ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ تَعالى عَلى القَوْلِ بِأنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ بِوَحْيِهِ سُبْحانَهُ مِن خَتْمِ كِتابِهِ الكَرِيمِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِن شَرِّ الوَسْواسِ الإشارَةُ كَما في الفاتِحَةِ إلى جَلالَةِ شَأْنِ التَّقْوى والرَّمْزُ إلى أنَّها مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ وبِها يَحْصُلُ حُسْنُ الخاتِمَةِ، فَسُبْحانَهُ مِن مَلِكٍ جَلِيلٍ ما أجَّلَ كَلِمَتَهُ، ولِلَّهِ دَرُّ التَّنْزِيلِ ما أحْسَنَ فاتِحَتَهُ وخاتِمَتَهُ.
وبَعْدُ، فَهَذا والحَمْدُ لِلَّهِ تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا، فَأسْعَدَنِي ولَهُ الشُّكْرُ بِالتَّوْفِيقِ لِتَفْسِيرِ كِتابِهِ العَزِيزِ الَّذِي لا يَذِلُّ مَن لاذَ بِهِ ولا يَشْقى، فَإذْ وفَّقْتَنِي يا إلَهِي لِتَفْسِيرِ عِبارَتِهِ، ووَفَّقْتَنِي عَلى ما شِئْتَ مِن مُضْمَرِ إشارَتِهِ، فاجْعَلْنِي يا رَبّاهُ مِمَّنْ يَعْتَصِمُ بِمُحْكَمِ حَبْلِهِ، ويَتَمَسَّكُ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى، ويَأْوِي مِنَ المُتَشابِهاتِ إلى حِرْزِ مَعْقِلِهِ، ويَسْتَظِلُّ بِظِلالِ كَهْفِهِ الأوْفى، وأعِذْنِي بِهِ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ ومَكائِدِهِ، ومِنَ الِارْتِباكِ بِشِباكِ غُرُورِهِ ومَصائِدِهِ، واجْعَلْهُ وسِيلَةً لِي إلى أشْرَفِ مَنازِلِ الكَرامَةِ، وسُلَّمًا أعْرُجُ فِيهِ إلى مَحَلِّ السَّلامَةِ، فَطالَما يا إلَهِي أسْهَرَتْنِي آياتُهُ، حَتّى خَفَقَتْ بِرَأْسِي سِنَةُ الكَرى، فَلَمْ أفِقْ إلّا وقَدْ لَطَمَتْنِي مِن صِفاحِ صَحائِفِ سُورَةٍ ذاتِ سَوارٍ. وكَمْ وكَمْ سَرَتْ بِي يا مَوْلايَ عِباراتُهُ، حَتّى حُقِّقَتْ لِي دَعْوى: عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى. فَلَمْ أشْعُرْ إلّا وقَدْ تَلَفَّعْتُ نَواعِسَ السَّوادِي مِن فَضْلِ مِئْزَرِ مَهاةِ الصُّبْحِ بِخِمارٍ، ولَمْ أزَلْ أُسَوِّدُ الأوْراقَ في تَحْرِيرِ ما أفَضْتَ عَلَيَّ حَتّى بَيَّضَ نُسْخَةَ عُمْرِي المَشِيبُ، وأجْدَدَ النَّظَرُ بِتَحْدِيقِ الأحْداقِ، فِيما أُفِيضَتْ بِهِ مِنَ المَشايِخِ إلَيَّ حَتّى بَلِيَ بَرْدُ شَبابِي القَشِيبُ. هَذا مَعَ ما قاسَيْتُهُ مِن خَلِيلٍ غادِرٍ، وجَلِيلٍ جائِرٍ، وزَمانٍ غَشُومٍ، وغُيُومٍ وابِلُها غُمُومٌ، إلى أُمُورٍ أنْتَ بِها يا إلَهِي أعْلَمُ، ولَمْ يَكُنْ لِي فِيها سِواكَ مَن يَرْحَمُ. وأكْثَرُ ذَلِكَ يا إلَهِي قَدْ كانَتْ حَيْثُ أهَّلْتَنِي لِخِدْمَةِ كِتابِكَ، ومَنَنْتَ عَلَيَّ مِن غَيْرِ حَدٍّ بِالفَحْصِ عَنْ مُسْتَوْدَعاتِ خِطابِكَ فاكْفِنِي اللَّهُمَّ بِحُرْمَتِهِ مُؤْنَةَ مَعَرَّةِ العِبادِ، وهَبْ لِي أمْنَ يَوْمِ المَعادِ، وأعِذْنِي بِلُطْفِكَ وأعِذْنِي بِنِعْمَتِكَ ووَفِّقْنِي لِلَّتِي هي أزْكى، واسْتَعْمِلْنِي بِما هو أرْضى، واسْلُكْ بِيَ الطَّرِيقَةَ المُثْلى، وزَوِّدْنِي مَطِيّاتِ الهُدى وزَوِّدْنِي باقِياتِ التَقى، وأصْلِحْ ذُرِّيَّتِي، وبَلِّغْنِي بِهِمْ أُمْنِيَّتِي، واجْعَلْهم عُلَماءَ عامِلِينَ وهُداةً مَهْدِيِّينَ، وكُنْ لِي ولَهم في جَمِيعِ الأُمُورِ واحْفَظْنِي واحْفَظْهم مِن فِتَنِ دارِ الغُرُورِ وأيِّدِ اللَّهُمَّ خَلِيفَتَكَ في خَلِيقَتِكَ، ووَفِّقْهُ بِحُرْمَةِ كَلامِكَ لِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ، وصَلِّ وسَلِّمْ عَلى رُوحِ مَعانِي المُمْكِناتِ عَلى الإطْلاقِ، ورُوحِ مَعانِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، في سائِرِ الآفاقِ وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ وكُلِّ مَن سَلَكَ سُنَنَ سُنَّتِهِ، واقْتَفى وقالَ في ظِلالِ ظَلِيلِ شَرِيعَتِهِ قائِلًا: حَسْبِي ذَلِكَ وكَفى.
وقَدْ صادَفَ تَسْلِيمُ القَلَمِ رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ، في ظُلَمِ دَياجِي المِدادِ، واضْطِجاعِهِ في بَيْتِ الدَّواةِ، بَعْدَ قِيامِهِ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ لِكِتابِ رَبِّ العِبادِ، لَيْلَةَ الثُّلاثاءِ لِأرْبَعٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ سَنَةَ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وسَبْعٍ وسِتِّينَ، مِن هِجْرَةِ سَيِّدِ الأوائِلِ والأواخِرِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجاءَ تارِيخُهُ (أكْمَلَ تَفْسِيرِي رُوحَ المَعانِي والحَمْدُ لِلَّهِ باطِنًا وظاهِرًا ولَهُ سُبْحانُهُ الشُّكْرُ أوَّلًا وآخِرًا).