Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الهمزة 104:1 – المسد 111:5

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الهمزة 104:1
  2. الهمزة 104:2
  3. الهمزة 104:3
  4. الهمزة 104:4
  5. الهمزة 104:5
  6. الهمزة 104:6
  7. الهمزة 104:7
  8. الهمزة 104:8
  9. الهمزة 104:9
  10. الفيل 105:1
  11. الفيل 105:2
  12. الفيل 105:3
  13. الفيل 105:4
  14. الفيل 105:5
  15. قريش 106:1
  16. قريش 106:2
  17. قريش 106:3
  18. قريش 106:4
  19. الماعون 107:1
  20. الماعون 107:2
  21. الماعون 107:3
  22. الماعون 107:4
  23. الماعون 107:5
  24. الماعون 107:6
  25. الماعون 107:7
  26. الكوثر 108:1
  27. الكوثر 108:2
  28. الكوثر 108:3
  29. الكافرون 109:1
  30. الكافرون 109:2
  31. الكافرون 109:3
  32. الكافرون 109:4
  33. الكافرون 109:5
  34. الكافرون 109:6
  35. النصر 110:1
  36. النصر 110:2
  37. النصر 110:3
  38. المسد 111:1
  39. المسد 111:2
  40. المسد 111:3
  41. المسد 111:4
  42. المسد 111:5

الهمزة 104:1

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ بِلا خِلافٍ في الأمْرَيْنِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ سِوى مَنِ اسْتَثْنى في خُسْرٍ بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ فِيها أحْوالَ بَعْضِ الخاسِرِينَ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والهُمَزُ الكَسْرُ كالهَزْمِ، واللَّمْزُ الطَّعْنُ كاللَّهْزِ شاعا في الكَسْرِ مِن أعْراضِ النّاسِ والغَضِّ مِنهم واغْتِيابِهِمْ والطَّعْنِ فِيهِمْ، وأصْلُ ذَلِكَ كانَ اسْتِعارَةً لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الكَسْرُ والطَّعْنُ الحَقِيقِيّانِ في الأجْسامِ، فَصارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً ذَلِكَ وبِناءُ فُعَلَةٍ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِيادِ فَلا يُقالُ: ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ إلّا لِلْمُكْثِرِ المُتَعَوِّدِ قالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: إذا لَقِيَتُكَ عَنْ شَحْطٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ صفحة 230 وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ: الهُمَزَةُ الطَّعّانُ في النّاسِ واللُّمَزَةُ الطَّعّانُ في الأنْسابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: الهَمْزُ في الوَجْهِ واللَّمْزُ في الخَلْفِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: الهَمْزُ بِالعَيْنِ والشِّدْقِ واليَدِ، واللَّمْزُ بِاللِّسانِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وما تَقَدَّمَ أجْمَعُ. وقَرَأ الباقِرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «ويْلٌ لِكُلِّ هُمْزَةٍ لُمْزَةٍ» بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما عَلى البِناءِ الشّائِعِ في مَعْنى المَفْعُولِ وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ فَيُضْحَكُ مِنهُ ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ، ونَزَلَ ذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عُمَرَ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وعَلى ما أخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ في أُبَيِّ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ الشَّهِيرِ بِالأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ فَإنَّهُ كانَ مُغْتابًا كَثِيرَ الوَقِيعَةِ وعَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ وكانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَعِيبُهُ، وعَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ، وعَلى ما قِيلَ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ واغْتِيابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وغَضِّهِ مِنهُ، وعَلى قَوْلٍ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نازِلًا في جَمِيعِ مَن ذُكِرَ لَكِنِ اسْتُشْكِلَ نُزُولُها في الأخْنَسِ بِأنَّهُ عَلى ما صَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ أسْلَمَ وكانَ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم فَلا يَتَأتّى الوَعِيدُ الآتِي في حَقِّهِ، فَإمّا أنْ لا يَصِحَّ ذَلِكَ أوْ لا يَصِحَّ إسْلامُهُ. وأيْضًا اسْتُشْكِلَتْ قِراءَةُ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ في مَعْناها، وكَوْنُ الآيَةِ نازِلَةً في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَحْوِهِ مِن عُظَماءِ قُرَيْشٍ وبِهِ انْدَفَعَ ما في التَّأْوِيلاتِ مِن أنَّهُ كَيْفَ عِيبَ الكافِرُ بِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ مَعَ أنَّ فِيهِ حالًا أقْبَحَ مِنهُما وهو الكُفْرُ، وأمّا ما أجابَ بِهِ مِن أنَّ الكُفْرَ غَيْرُ قَبِيحٍ لِنَفْسِهِ بِخِلافِهِما فَلا يَخْفى ضَعْفُهُ لِأنَّ فَوْتَ الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ أقْبَحُ مِن كُلِّ شَيْءٍ قَبِيحٍ.

الهمزة 104:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالا﴾ بَدَلٌ مِن «كُلٍّ» بَدَلُ كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقالَ الجارْبَرْدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ إذْ جَعَلَ جُمْلَةَ (مَعَها سائِقٌ) حالًا مِن (كُلُّ نَفْسٍ) لِذَلِكَ ولا يَخْفى ما فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا عَلى الذَّمِّ، وتَنْكِيرُ «مالًا» لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، وقَدْ كانَ عِنْدَ القائِلِينَ أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أقَلُّ وأحْقَرُ شَيْءٍ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: «جَمَّعَ» بِشَدِّ المِيمِ لِلتَّكْثِيرِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَّدَهُ﴾ أيْ: عَدَّهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حُبًّا لَهُ وشَغَفًا بِهِ. وقِيلَ: جَعَلَهُ أصْنافًا وأنْواعًا كَعَقارٍ ونُقُودٍ حَكاهُ في التَّأْوِيلاتِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ: جَعَلَهُ عُدَّةً ومُدَّخَرًا لِنَوائِبِ الدَّهْرِ ومَصائِبِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ: «وعَدَدَهُ» بِالتَّخْفِيفِ؛ فَقِيلَ مَعْناهُ وعَدَّهُ فَهو فِعْلٌ ماضٍ فُكَّ إدْغامُهُ عَلى خِلافِ القِياسِ كَما في قَوْلِهِ: مَهْلًا أعاذِلُ هَلْ جَرَّبْتِ مِن خُلُقِي أنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا وقِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى العَدَدِ المَعْرُوفِ مَعْطُوفٌ عَلى ( مالَهُ ) أيْ: جَمَعَ مالَهُ وضَبَطَ عَدَدَهُ وأحْصاهُ ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ مِن بابِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا؛ لِأنَّ جَمْعَ العَدَدِ عِبارَةٌ عَنْ ضَبْطِهِ وإحْصائِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ. وعَلى الوَجْهَيْنِ أُيِّدَ بِالقِراءَةِ المَذْكُورَةِ المَعْنى الأوَّلُ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى الأتْباعِ والأنْصارِ يُقالُ: فُلانٌ ذُو عَدَدٍ وعُدَدٍ إذا كانَ لَهُ عَدَدٌ وافِرٌ مِنَ الأنْصارِ وما يُصْلِحُهم وهو مَعْطُوفٌ عَلى (مالَهُ) أيْضًا أيْ: جَمَعَ مالَهُ وقَوْمَهُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ.

الهمزة 104:3

﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ وأخْلَدَهُ وخَلَّدَهُ بِمَعْنًى: أيْ: تَرَكَهُ خالِدًا أيْ ماكِثًا مُكْثًا لا يَتَناهى أوْ مُكْثًا طَوِيلًا جِدًّا؛ والكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والمُرادُ أنَّ المالَ طَوَّلَ أمَلَهُ، ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ فَهو يَعْمَلُ مِن تَشْيِيدِ البُنْيانِ وغَرْسِ الأشْجارِ وكَرْيِ صفحة 231 الأنْهارِ ونَحْوِ ذَلِكَ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ أبْقاهُ حَيًّا، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِلْمُبالَغَةِ في المَعْنى المُرادِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ أنَّهُ حاسِبٌ ذَلِكَ حَقِيقَةً لِفَرْطِ غُرُورِهِ واشْتِغالِهِ بِالجَمْعِ والتَّكاثُرِ عَمّا أمامَهُ مِن قَوارِعِ الآخِرَةِ أوْ لِزَعْمِهِ أنَّ الحَياةَ والسَّلامَةَ عَنِ الأمْراضِ والآفاتِ تَدُورُ عَلى مُراعاةِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وأنَّ المالَ هو المِحْوَرُ لِكَرَّتِها والمَلِكُ المُطاعُ في مَدِينَتِها. وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ يَحْسَبُ المالَ مِنَ المُخَلِّداتِ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى أنَّ الخُلُودَ دُنْيَوِيٌّ أوْ أُخْرَوِيٌّ ذِكْرًا أوْ عَيْنًا إنَّما النَّظَرُ في إثْباتِ هَذِهِ الخاصَّةِ لِلْمالِ والغَرَضُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأنَّ ثَمَّ مُخَلِّدًا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يُكِبَّ عَلَيْهِ وهو السَّعْيُ لِلْآخِرَةِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا ولِذا لَمْ يَجْعَلُ بَعْضُ الأجِلَّةِ التَّعْرِيضَ وجْهًا مُسْتَقِلًّا. وزَعَمَ عِصامُ الدِّينِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ أخْلَدَ الحاسِبَ، ومَفْعُولُهُ المالَ، أيْ: يَظُنُّ أنْ يَحْفَظَ مالَهُ أبَدًا ولا يَعْرِفَ أنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْحَوادِثِ أوْ لِلْمُفارَقَةِ بِالمَوْتِ كَما قِيلَ: بَشِّرْ مالَ البَخِيلِ بِحادِثٍ أوْ وارِثٍ. وهو لَعَمْرِي مِمّا لا عِصامَ لَهُ.

الهمزة 104:4

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ الباطِلِ أوْ عَنْهُ وعَنْ جَمْعِ المالِ وحُبِّهِ المُفْرِطِ عَلى ما قِيلَ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ رَدْعٌ عَنِ الهَمْزِ واللَّمْزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنا لا أرى بَأْسًا في كَوْنِ ذَلِكَ رَدْعًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعِلَّةِ الرَّدْعِ؛ أيْ: واللَّهِ لِيُطْرَحَنَّ بِسَبَبِ أفْعالِهِ المَذْكُورَةِ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ أيْ: في النّارِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَحْطِمَ كُلَّ مَن يَلْقى فِيها، وبِناءُ فُعَلَةٍ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ لِكَوْنِهِ طَبِيعِيًّا مَنزِلَةَ المُعْتادِ. والحَطْمُ كَسْرُ الشَّيْءِ كالهَشْمِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ كَسْرٍ مُتَناهٍ وأنْشَدُوا: إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبا يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ويُقالُ: رَجُلٌ حُطَمَةٌ؛ أيْ: أكُولٌ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالنّارِ ولِذا قِيلَ في أكُولٍ كَأنَّما في جَوْفِهِ تَنُّورٌ. وفَسَّرَ الضَّحّاكُ الحُطَمَةَ هُنا بِالدَّرْكِ الرّابِعِ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ. وحَكى القُشَيْرِيُّ عَنْهُ أنَّها الدَّرْكُ الثّانِي. وقالَ الواحِدِيُّ: هي بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، وزَعَمَ أبُو صالِحٍ أنَّها النّارُ الَّتِي في قُبُورِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

الهمزة 104:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ لِتَهْوِيلِ أمْرِها بِبَيانِ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَنالُها عُقُولُ الخَلْقِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لِيُنْبَذانِ» بِضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ العائِدِ عَلى الهُمَزَةِ ومالِهِ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: «لِيُنْبَذُنَّ» بِضَمِّ الذّالِ وحَذْفِ ضَمِيرِ الجَمْعِ فَقِيلَ: هو راجِعٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ، وقِيلَ لَهُ ولِعَدَدِهِ أيِ أتْباعِهِ وأنْصارِهِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ في قِراءَتِهِ هُناكَ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: «لَنَنْبِذَنَّهُ» بِنُونِ العَظَمَةِ وهاءِ النَّصْبِ ونُونِ التَّأْكِيدِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «فِي الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ».

الهمزة 104:6

﴿نارُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ لِبَيانِ شَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْها أيْ هي نارُ اللَّهِ ﴿المُوقَدَةُ﴾ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفي إضافَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ ووَصْفِها بِالإيقادِ مِن تَهْوِيلِ أمْرِها ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَعْلُو أوْساطَ القُلُوبِ وتَغْشاها، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الفُؤادَ ألْطَفُ ما في الجَسَدِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى أذًى يَمَسُّهُ، أوْ لِأنَّهُ مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والنِّيّاتِ الخَبِيثَةِ والمَلَكاتِ القَبِيحَةِ، ومَنشَأُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ؛ فَهو أنْسَبُ بِما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ أجْزاءِ الجَسَدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى فُؤادِهِ، فَإذا بَلَغَتْ فُؤادَهُ ابْتَدَأ خَلْقُهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ الِاطِّلاعُ العِلْمِيُّ والكَلامُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ لِكُلٍّ مِنَ المُعَذَّبِينَ عَذابٌ مِنَ النّارِ عَلى قَدْرِ ذَنْبِهِ المُتَوَلِّدِ مِن صِفاتِ قَلْبِهِ قِيلَ إنَّها تُطالِعُ الأفْئِدَةَ الَّتِي هي مَعادِنُ الذُّنُوبِ فَتَعْلَمُ ما فِيها فَتُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ. وأرْبابُ الإشارَةِ يَقُولُونَ: إنَّ صفحة 232 ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى العَذابِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو أشَدُّ العَذابِ.

الهمزة 104:7

﴿نارُ اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ لِبَيانِ شَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْها أيْ هي نارُ اللَّهِ ﴿المُوقَدَةُ﴾ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفي إضافَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ ووَصْفِها بِالإيقادِ مِن تَهْوِيلِ أمْرِها ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ: تَعْلُو أوْساطَ القُلُوبِ وتَغْشاها، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الفُؤادَ ألْطَفُ ما في الجَسَدِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى أذًى يَمَسُّهُ، أوْ لِأنَّهُ مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والنِّيّاتِ الخَبِيثَةِ والمَلَكاتِ القَبِيحَةِ، ومَنشَأُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ؛ فَهو أنْسَبُ بِما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ أجْزاءِ الجَسَدِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى فُؤادِهِ، فَإذا بَلَغَتْ فُؤادَهُ ابْتَدَأ خَلْقُهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ الِاطِّلاعُ العِلْمِيُّ والكَلامُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ لِكُلٍّ مِنَ المُعَذَّبِينَ عَذابٌ مِنَ النّارِ عَلى قَدْرِ ذَنْبِهِ المُتَوَلِّدِ مِن صِفاتِ قَلْبِهِ قِيلَ إنَّها تُطالِعُ الأفْئِدَةَ الَّتِي هي مَعادِنُ الذُّنُوبِ فَتَعْلَمُ ما فِيها فَتُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ. وأرْبابُ الإشارَةِ يَقُولُونَ: إنَّ صفحة 232 ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى العَذابِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو أشَدُّ العَذابِ.

الهمزة 104:8

﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ، وتَمامُ الكَلامِ مَرَّ في سُورَةِ البَلَدِ. ﴿فِي عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عَمُودٍ كَما قالَ الرّاغِبُ والفَرّاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ، وفي البَحْرِ وهو اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: «عُمُدٍ». بِضَمَّتَيْنِ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ وهو في القِراءَتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ صِفَةُ عَمَدٍ في القِراءاتِ الثَّلاثِ أيْ طِوالٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( عَلَيْهِمْ ) أيْ كائِنَيْنِ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أيْ مُوثَقِينَ فِيها مِثْلَ المَقاطِرِ؛ وهي خَشَبٌ أوْ جُذُوعٌ كِبارٌ فِيها خُرُوقٌ يُوضَعُ فِيها أرْجُلُ المَحْبُوسِينَ مِنَ اللُّصُوصِ ونَحْوِهِمْ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هم كائِنُونَ في عَمَدٍ مُوثَقُونَ فِيها وهي والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَمَدٌ مِن حَدِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مِن نارٍ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ تُمَدَّدُ عَلى الأبْوابِ بَعْدَ أنْ تُؤْصَدَ عَلَيْهِمْ تَأْكِيدًا لِيَأْسِهِمْ واسْتِيثاقًا في اسْتِيثاقٍ. وفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ النّارِ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ وأطُولَهم مُكْثًا فِيها مَن يَمْكُثُ سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ يَبْعَثُ عَزَّ وجَلَّ إلى أهْلِ النّارِ مَلائِكَةً بِأطْباقٍ مِن نارِ ومَسامِيرَ مِن نارٍ وعَمَدٍ مِن نارٍ، فَيُطْبَقُ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأطْباقِ، ويُشَدُّ بِتِلْكَ المَسامِيرِ، وتُمَدَّدُ تِلْكَ العَمَدُ ولا يَبْقى فِيها خَلَلٌ يَدْخُلُ فِيهِ رُوحٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ غَمٌّ، ويَنْساهُمُ الجَبّارُ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ ويَتَشاغَلُ أهْلُ الجَنَّةِ بِنَعِيمِهِمْ ولا يَسْتَغِيثُونَ بَعْدَها أبَدًا ويَنْقَطِعُ الكَلامُ فَيَكُونُ كَلامُهم زَفِيرًا وشَهِيقًا»». وفِيهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ اللَّهُمَّ أجِرْنا مِنَ النّارِ يا خَيْرَ مُسْتَجارٍ. وعَلى هَذا يَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِ «مُؤْصَدَةٌ» حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيها كَما قالَ صاحِبُ الكَشْفِ وحَكاهُ الطِّيبِيُّ. وفي الإرْشادِ عَنْ أبِي البَقاءِ أنَّهُ صِفَةٌ لِ «مُؤْصَدَةٌ». وقالَ بَعْضٌ: لا مانِعَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ صِلَةَ «مُؤْصَدَةٌ» عَلى مَعْنى الأبْوابِ أُوصِدَتْ بِالعَمَدِ وسُدَّتْ بِها وأُيِّدَ بِما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ وتَمَدَّدَتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمُ السَّلاسِلُ فَسُدَّتْ بِها الأبْوابُ ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ لِإشْعارِهِ بِالخُلُودِ وأشَدِّيَّةِ العَذابِ يُناسِبُ كَوْنَ المُحَدَّثِ عَنْهم كُفّارًا هَمَزُوا ولَمَزُوا خَيْرَ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما تَقَدَّمَ مِن حَمْلِ العَمَدِ عَلى المَقاطِرِ قِيلَ: يُناسِبُ العُمُومَ؛ لِأنَّ المُغْتابَ كَأنَّهُ سارِقٌ مِنَ أعْراضِ النّاسِ فَيُناسِبُ أنْ يُعَذَّبَ بِالمَقاطِرِ كاللُّصُوصِ فَلا يَلْزَمُ الخُلُودُ. وقَدْ يُقالُ: مَن تَأمَّلَ في هَذِهِ السُّورَةِ ظَهَرَ لَهُ العَجَبُ العُجابُ مِنَ التَّناسُبِ فَإنَّهُ لَمّا بُولِغَ في الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قِيلَ ( الحُطَمَةِ ) لِلتَّعادُلِ، ولَمّا أفادَ ذَلِكَ كَسْرَ الأعْراضِ قُوبِلَ بِكَسْرِ الأضْلاعِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحُطَمَةِ، وجِيءَ بِالنَّبْذِ المُنْبِئِ عَنِ الِاسْتِحْقارِ في مُقابَلَةِ ما ظَنَّ الهامِزُ اللّامِزُ بِنَفْسِهِ مِنَ الكَرامَةِ، ولَمّا كانَ مَنشَأُ جَمْعِ المالِ اسْتِيلاءَ حُبِّهِ عَلى القَلْبِ جِيءَ في مُقابِلِهِ: ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ جامِعِ المالِ المُحِبِّ لَهُ أنْ يَأْصُدَ عَلَيْهِ قِيلَ في مُقابِلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ طُولَ الأمَلِ قِيلَ في مُقابِلِهِ: ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الأجِلَّةِ فَلْيُتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:9

﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ، وتَمامُ الكَلامِ مَرَّ في سُورَةِ البَلَدِ. ﴿فِي عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عَمُودٍ كَما قالَ الرّاغِبُ والفَرّاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ، وفي البَحْرِ وهو اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: «عُمُدٍ». بِضَمَّتَيْنِ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ وهو في القِراءَتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ صِفَةُ عَمَدٍ في القِراءاتِ الثَّلاثِ أيْ طِوالٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( عَلَيْهِمْ ) أيْ كائِنَيْنِ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أيْ مُوثَقِينَ فِيها مِثْلَ المَقاطِرِ؛ وهي خَشَبٌ أوْ جُذُوعٌ كِبارٌ فِيها خُرُوقٌ يُوضَعُ فِيها أرْجُلُ المَحْبُوسِينَ مِنَ اللُّصُوصِ ونَحْوِهِمْ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هم كائِنُونَ في عَمَدٍ مُوثَقُونَ فِيها وهي والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَمَدٌ مِن حَدِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مِن نارٍ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ تُمَدَّدُ عَلى الأبْوابِ بَعْدَ أنْ تُؤْصَدَ عَلَيْهِمْ تَأْكِيدًا لِيَأْسِهِمْ واسْتِيثاقًا في اسْتِيثاقٍ. وفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ النّارِ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ وأطُولَهم مُكْثًا فِيها مَن يَمْكُثُ سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ يَبْعَثُ عَزَّ وجَلَّ إلى أهْلِ النّارِ مَلائِكَةً بِأطْباقٍ مِن نارِ ومَسامِيرَ مِن نارٍ وعَمَدٍ مِن نارٍ، فَيُطْبَقُ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأطْباقِ، ويُشَدُّ بِتِلْكَ المَسامِيرِ، وتُمَدَّدُ تِلْكَ العَمَدُ ولا يَبْقى فِيها خَلَلٌ يَدْخُلُ فِيهِ رُوحٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ غَمٌّ، ويَنْساهُمُ الجَبّارُ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ ويَتَشاغَلُ أهْلُ الجَنَّةِ بِنَعِيمِهِمْ ولا يَسْتَغِيثُونَ بَعْدَها أبَدًا ويَنْقَطِعُ الكَلامُ فَيَكُونُ كَلامُهم زَفِيرًا وشَهِيقًا»». وفِيهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ اللَّهُمَّ أجِرْنا مِنَ النّارِ يا خَيْرَ مُسْتَجارٍ. وعَلى هَذا يَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِ «مُؤْصَدَةٌ» حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيها كَما قالَ صاحِبُ الكَشْفِ وحَكاهُ الطِّيبِيُّ. وفي الإرْشادِ عَنْ أبِي البَقاءِ أنَّهُ صِفَةٌ لِ «مُؤْصَدَةٌ». وقالَ بَعْضٌ: لا مانِعَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ صِلَةَ «مُؤْصَدَةٌ» عَلى مَعْنى الأبْوابِ أُوصِدَتْ بِالعَمَدِ وسُدَّتْ بِها وأُيِّدَ بِما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ وتَمَدَّدَتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمُ السَّلاسِلُ فَسُدَّتْ بِها الأبْوابُ ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ لِإشْعارِهِ بِالخُلُودِ وأشَدِّيَّةِ العَذابِ يُناسِبُ كَوْنَ المُحَدَّثِ عَنْهم كُفّارًا هَمَزُوا ولَمَزُوا خَيْرَ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما تَقَدَّمَ مِن حَمْلِ العَمَدِ عَلى المَقاطِرِ قِيلَ: يُناسِبُ العُمُومَ؛ لِأنَّ المُغْتابَ كَأنَّهُ سارِقٌ مِنَ أعْراضِ النّاسِ فَيُناسِبُ أنْ يُعَذَّبَ بِالمَقاطِرِ كاللُّصُوصِ فَلا يَلْزَمُ الخُلُودُ. وقَدْ يُقالُ: مَن تَأمَّلَ في هَذِهِ السُّورَةِ ظَهَرَ لَهُ العَجَبُ العُجابُ مِنَ التَّناسُبِ فَإنَّهُ لَمّا بُولِغَ في الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قِيلَ ( الحُطَمَةِ ) لِلتَّعادُلِ، ولَمّا أفادَ ذَلِكَ كَسْرَ الأعْراضِ قُوبِلَ بِكَسْرِ الأضْلاعِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحُطَمَةِ، وجِيءَ بِالنَّبْذِ المُنْبِئِ عَنِ الِاسْتِحْقارِ في مُقابَلَةِ ما ظَنَّ الهامِزُ اللّامِزُ بِنَفْسِهِ مِنَ الكَرامَةِ، ولَمّا كانَ مَنشَأُ جَمْعِ المالِ اسْتِيلاءَ حُبِّهِ عَلى القَلْبِ جِيءَ في مُقابِلِهِ: ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ جامِعِ المالِ المُحِبِّ لَهُ أنْ يَأْصُدَ عَلَيْهِ قِيلَ في مُقابِلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ طُولَ الأمَلِ قِيلَ في مُقابِلِهِ: ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الأجِلَّةِ فَلْيُتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الفيل 105:1

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ بِلا خِلافٍ فِيهِما، وكَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ الهَمْزَ واللَّمْزَ مِنَ الكَفَرَةِ نَوْعَ كَيْدٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الفِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عُقْبى كَيْدِهِمْ في الدُّنْيا تَدْمِيرُهُمْ؛ فَإنَّ عِنايَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْوى وأتَمُّ مِن عِنايَتِهِ سُبْحانَهُ بِالبَيْتِ، فالسُّورَةُ مُشِيرَةٌ إلى مَآلِهِمْ في الدُّنْيا إثْرَ بَيانِ مَآلِهِمْ في الأُخْرى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كالِاسْتِدْلالِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما قَبْلَها مِن أنَّ المالَ لا يُغْنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا، أوْ عَلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى إنْفاذِ ما تَوَعَّدَ بِهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ في صفحة 233 قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ إلَخْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والهَمْزَةُ لِتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْكارِ عَدَمِها وهي بَصَرِيَّةٌ تُجُوِّزَ بِها عَنِ العِلْمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّها سَبَبِيَّةٌ، ويَجُوزُ جَعْلُها عِلْمِيَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّ ذاكَ أبْلَغُ وعِلْمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ سَمِعَهُ مُتَواتِرًا. و«كَيْفَ» في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِ «فَعَلَ»، والمَعْنى: أيَّ فِعْلٍ فَعَلَ. وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ، والكَيْفِيَّةُ حَقِيقَةٌ لِلْفِعْلِ بِ ( ألَمْ تَرَ ) لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِـ «تَرَ». وجَوَّزَ بَعْضُهم نَصْبَ: «كَيْفَ» بِ «تَرَ» لِانْسِلاخِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنْهُ كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ. وصَرَّحَ أبُو حَيّانَ بِامْتِناعِهِ لِأنَّهُ يُراعِي صَدارَتَهُ إبْقاءً لِحُكْمِ أصْلِهِ وتَعْلِيقِ الرُّؤْيَةِ بِكَيْفِيَّةِ فِعْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ لا بِنَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَ ما فَعَلَ رَبُّكَ إلَخْ. لِتَهْوِيلِ الحادِثَةِ والإيذانِ بِوُقُوعِها عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ وهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ دالَّةٍ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وغَرِيبَتِهِ وشَرَفِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: مِنَ الإرْهاصاتِ لِما رُوِيَ أنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ شَيْخُ البُخارِيِّ: لا يَشُكُّ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ وعَلَيْهِ الإجْماعُ، وكُلُّ ما خالَفَهُ وهْمٌ؛ أيْ: مِن أنَّها كانَتْ قَبْلُ بِعَشْرِ سِنِينَ أوْ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً أوْ بِثَلاثِينَ سَنَةً أوْ بِأرْبَعِينَ سَنَةً أوْ بِسَبْعِينَ سَنَةً، الأقْوالُ المَذْكُورَةُ في كُتُبِ السِّيَرِ، وعَلى الأوَّلِ المُرَجَّحُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ قِيلَ وِلادَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ الطَّيْرَ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن ذَلِكَ العامِ وهو المَذْكُورُ في تارِيخِ ابْنِ حِبّانَ وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: وُلِدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الفِيلِ، وذَهَبَ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وُلِدَ بَعْدَها بِخَمْسِينَ يَوْمًا وكانَتْ في المُحَرَّمِ، والوِلادَةُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ. وقالَ الحافِظُ الدِّمْياطِيُّ: بِخَمْسَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ، وقِيلَ: بِشَهْرٍ. والمَشْهُورُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( رَبُّكَ ) نَوْعُ رَمْزٍ إلى الإرْهاصِ وكَوْنِ ذَلِكَ لِشَرَفِ البَيْتِ ودَعْوَةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنافِي الإرْهاصَ وكَذا لا يُنافِيهِ «قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الحُدَيْبِيَةِ لَمّا بَرَكَتْ ناقَتُهُ وقالَ النّاسُ: خَلَأتْ؛ أيْ: حَرَنَتْ: «ما خَلَأتْ ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ»». إذْ لَمْ يَدَّعِ أنَّ ما كانَ لِلْإرْهاصِ لا غَيْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ العِلَلِ لا يَضُرُّ تَعَدُّدُها، ويُؤَيِّدُ الإرْهاصَ قِصَّةُ القَرامِطَةِ وغَيْرِهِمْ. وتَفْصِيلُ القِصَّةِ أنَّ أبْرَهَةَ الأشْرَمَ بْنَ الصَّباحِ الحَبَشِيَّ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ وهو الَّذِي يُكَنّى بِأبِي يَكْسُومَ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ ولا يَأْباهُ التَّسْمِيَةُ بِأبْرَهَةَ بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ بِالحَبَشَةِ الأبْيَضُ الوَجْهِ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ: إنَّهُ الحِمْيَرِيُّ خَرَجَ عَلى أرْباطِ مَلِكِ اليَمَنِ مِن قَبْلِ أصْحَمَةَ النِّجاشِيِّ - بِكَسْرِ النُّونِ - بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِن سُلْطانِهِ فَتَبارَزا وقَدْ أرْصَدَ الأشْرَمُ خَلْفَهُ غُلامَهُ عُتُورَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أرْباطُ بِحَرْبَةٍ فَضَرَبَهُ يُرِيدُ يافُوخَهُ فَوَقَعَتْ عَلى جَبْهَتِهِ فَشَرَمَتْ حاجِبَهُ وأنْفَهُ وعَيْنَهُ وشَفَتَهُ ولِذا سُمِّيَ الأشْرَمَ، فَحَمَلَ عَتُّورَةُ مِن خَلْفِ أبْرَهَةَ فَقَتَلَهُ ومَلَكَ مَكانَهُ، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ فاسْتَرْضاهُ فَرَضِيَ فَأثْبَتَهُ. ثُمَّ إنَّهُ بَنى بِصَنْعاءَ كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُها في زَمانِها سَمّاها القُلَّيْسَ بِقافٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ كَما في دِيوانِ الأدَبِ أوْ مُخَفَّفَةٍ كَما قِيلَ وبَعْدَها ياءٌ مُثَنّاةٌ سُفْلِيَّةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وكانَ يَنْقُلُ إلَيْها الرُّخامَ المُجَزَّعَ والحِجارَةَ المَنقُوشَةَ بِالذَّهَبِ عَلى ما يُقالُ مِن قَصْرِ بِلْقِيسَ زَوْجِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَتَبَ إلى النِّجاشِيِّ: إنَّنِي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أيُّها المَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُها قِبَلَكَ، ولَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَلَمّا تَحَدَّثَتِ العَرَبُ بِكِتابِهِ ذَلِكَ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسّاءَةِ، أحَدُ بَنِي فَقِيمِ بْنِ عَدِيٍّ مِن كِنانَةَ؛ فَخَرَجَ حَتّى أتاها فَقَعَدَ فِيها؛ أيْ أحْدَثَ ولَطَّخَ قِبْلَتَها بِحَدَثِهِ ثُمَّ خَرَجَ ولَحِقَ بِأرْضِهِ، فَأُخْبِرَ أبْرَهَةُ، صفحة 234 فَقالَ: مَن صَنَعَ هَذا؟ فَقِيلَ: رَجُلٌ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ إلَيْهِ العَرَبُ بِمَكَّةَ غَضِبَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَكَ: أصْرِفُ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فاسْتَشاطَ أبْرَهَةُ غَضَبًا وحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى البَيْتِ حَتّى يَهْدِمَهُ. وقِيلَ: أجَّجَتْ رُفْقَةٌ مِنَ العَرَبِ نارًا حَوْلَها فَحَمَلَتْها الرِّيحُ فَأحْرَقَتْها؛ فَغَضِبَ لِذَلِكَ فَأمَرَ الحَبَشَةَ فَتَهَيَّأتْ وتَجَهَّزَتْ، فَخَرَجَ في سِتِّينَ ألْفًا عَلى ما قِيلَ مِنهم ومَعَهُ فِيلٌ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، وكانَ قَوِيًّا عَظِيمًا واثْنا عَشَرَ فِيلًا غَيْرَهُ، وقِيلَ: ثَمانِي؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وقِيلَ: مَعَهُ مَحْمُودٌ فَقَطْ؛ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ الأوْفَقُ بِظاهِرِ الآيَةِ، فَسَمِعَتِ العَرَبُ بِذَلِكَ فَأعْظَمُوهُ وقَلِقُوا بِهِ ورَأوْا جِهادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن أشْرافِ اليَمَنِ ومُلُوكِهِمْ يُقالُ لَهُ: ذُو نَفَرٍ بِمَن أطاعَهُ مِن قَوْمِهِ وسائِرِ العَرَبِ فَقاتَلَهُ فَهَزَمَ وأُخِذَ أسِيرًا فَأرادَ قَتْلَهُ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، لا تَقْتُلْنِي فَعَسى أنْ يَكُونَ بَقائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِن قَتْلِي، فَتَرَكَهُ وحَبَسَهُ عِنْدَهُ حَتّى إذا كانَ بِأرْضِ خَثْعَمَ عَرَضَ لَهُ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الخَثْعَمِيُّ بِمَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ فَقاتَلَهُ فَهُزِمَ وأُخِذَ أسِيرًا فَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَقالَ نَحْوَ ما سَبَقَ فَخَلّى سَبِيلَهُ، وخَرَجَ بِهِ يَدُلُّهُ حَتّى إذا مَرَّ بِالطّائِفِ خَرَجَ إلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبِ بْنِ مالِكٍ الثَّقَفِيُّ في رِجالٍ مِن ثَقِيفٍ فَقالَ لَهُ: أيُّها المَلِكُ، إنَّما نَحْنُ عَبِيدُكَ سَمّاعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ. لَيْسَ لَكَ عِنْدَنا خِلافٌ ولَيْسَ بَيْتَنا هَذا الَّذِي تُرِيدُ -يَعْنُونَ بَيْتَ اللّاتِ- إنَّما تُرِيدُ البَيْتَ الَّذِي بِمَكَّةَ ونَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَن يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَجاوَزَ عَنْهم فَبَعَثُوا مَعَهُ أبا رِغالٍ فَخَرَجَ ومَعَهُ أبُو رِغالٍ حَتّى أنْزَلَهُ المُغَمَّسَ - كَمُعَظَّمٍ - مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الطّائِفِ مَعْرُوفٌ، فَلَمّا نَزَلَهُ ماتَ أبُو رِغالٍ ودُفِنَ هُناكَ فَرَجَمَتْ قَبْرَهُ العَرَبُ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: القَبْرُ الَّذِي هُناكَ لِأبِي رِغالٍ رَجُلٍ مِن ثَمُودَ وهو أبُو ثَقِيفٍ كانَ بِالحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمّا خَرَجَ مِنهُ أصابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أصابَتْ قَوْمَهُ بِالمُغْمَسِ فَدُفِنَ فِيهِ واخْتارَهُ صاحِبُ القامُوسِ ذاكِرًا فِيهِ حَدِيثًا رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وقالَ فِيما تَقَدَّمَهُ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وجَمَعَ بَعْضٌ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَبْرانِ لِرَجُلَيْنِ كُلٌّ مِنهُما أبُو رِغالٍ ثُمَّ إنَّ أبْرَهَةَ بَعَثَ وهو بِالمُغْمَسِ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ بْنُ مَقْصُورٍ حَتّى انْتَهى إلى مَكَّةَ فَساقَ أمْوالَ أهْلِ تِهامَةَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ وأصابَ فِيها مِائَتَيْ بَعِيرٍ وقِيلَ أرْبَعُمِائَةِ بَعِيرٍ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَ قُرَيْشٍ، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وهُذَيْلٌ ومَن كانَ بِالحَرَمِ بِحَرْبِهِ فَعَرِفُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِ فَكَفُّوا. وبَعَثَ أبْرَهَةُ حِياطَةَ الحِمْيَرِيَّ إلى مَكَّةَ وقالَ: قُلْ لِسَيِّدِ أهْلِ هَذا البَلَدِ: إنَّ المَلِكَ يَقُولُ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكم إنَّما جِئْتُ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، فَإنْ لَمْ تَعْرِضُوا دُونَهُ بِحَرْبٍ فَلا حاجَةَ لِي بِدِمائِكُمْ، فَإنْ هو لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ، فَلَمّا دَخَلَ حِياطَةُ دُلَّ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقالَ لَهُ ما أُمِرَ بِهِ فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: واللَّهِ ما نُرِيدُ حَرْبَهُ وما لَنا بِهِ طاقَةٌ، هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنْ يَمْنَعْهُ مِنهُ فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَواللَّهِ ما عِنْدَنا دَفْعٌ عَنْهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ ومَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ حَتّى أتى العَسْكَرَ فَسَألَ عَنْ ذِي نَفَرٍ وكانَ صَدِيقَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مِن غَناءٍ فِيما نَزَلَ بِنا؟ فَقالَ: وما غَناءُ رَجُلٍ أسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أنْ يَقْتُلَهُ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما عِنْدِي غَناءٌ في شَيْءٍ مِمّا نَزَلَ بِكَ إلّا أنَّ أنِيسًا سائِسَ الفِيلِ سَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ وأُعَظِّمُ عَلَيْهِ حَقَّكَ وأسْألُهُ أنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلى المَلِكِ فَتُكَلِّمُهُ بِما بَدا لَكَ ويَشْفَعُ لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرٍ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ. فَقالَ: حَسْبِي، فَبَعَثَ إلَيْهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ وصاحِبُ عَيْنِ مَكَّةَ ويُطْعِمُ النّاسَ بِالسَّهْلِ والوُحُوشَ في رُؤُوسِ الجِبالِ، وقَدْ أصابَ المَلِكُ لَهُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ وأنْفِعْهُ عِنْدَهُ بِما اسْتَطَعْتَ. فَقالَ: أفْعَلُ. فَكَلَّمَ أبْرَهَةَ ووَصَفَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بِما وصَفَهُ بِهِ ذُو نَفَرٍ فَأذِنَ لَهُ، وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أوْسَمَ النّاسِ وأجْمَلَهُمْ، فَلَمّا رَآهُ أكْرَمَهُ عَنْ أنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ وكَرِهَ أنْ تَراهُ الحَبَشَةُ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلى بِساطِهِ وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلى جَنْبِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ أعْظَمَهُ لِما رَأى مِن نُورِ النُّبُوَّةِ الَّذِي كانَ في وجْهِهِ ضَعِيفٌ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ صفحة 235 القِصَّةِ قَبْلَ وِلادَةِ عَبْدِ اللَّهِ وهو خِلافُ ما عَلِمْتَ مِنَ القَوْلِ المُرَجَّحِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَجَلّى فِيهِ ذَلِكَ النُّورُ وإنْ كانَ قَدِ انْتَقَلَ. ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ؟ فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ = عَلَيَّ المَلِكُ إبِلِي. فَقالَ أبْرَهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: قَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصَبْتُها لَكَ وتَتْرُكُ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ فَلا تُكَلِّمُنِي فِيهِ. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ إنِّي رَبُّ الإبِلِ، وإنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ. قالَ: ما كانَ لِيَمْنَعَ مِنِّي. قالَ: أنْتَ وذاكَ. وفي رِوايَةٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ مَعَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ثُفانَةُ بْنُ عَدِيٍّ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ وخُوَيْلِدُ بْنُ واثِلَةَ سَيِّدُ هُذَيْلٍ فَعَرَضا عَلَيْهِ ثُلْثَ أمْوالِ أهْلِ تِهامَةَ عَلى أنْ يَرْجِعَ ولا يَهْدِمَ البَيْتَ فَأبى فَرَدَّ الإبِلَ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ فانْصَرَفَ إلى قُرَيْشٍ فَأُخْبِرُهُمُ الخَبَرَ فَتَحَرَّزُوا في شَعَفِ الجِبالِ تَخَوُّفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ ثُمَّ قامَ فَأخَذَ بِحَلْقَةِ بابِ الكَعْبَةِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ويَسْتَنْصِرُونَهُ فَقالَ وهو آخِذٌ بِالحَلْقَةِ: لا هُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِي ∗∗∗ بِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم عَدْوًا مِحالَكْ جَرُّوا جُمُوعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ عَمَدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ إنْ كُنْتَ تارَكَهم وكَعْبَ ∗∗∗ تَنا فَأْمُرْ ما بَدا لَكْ وقالَ أيْضًا: يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ عَنْهم حِماكا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا فِناكا ثُمَّ أرْسَلَ الحَلْقَةَ وانْطَلَقَ هو ومَن مَعَهُ إلى شَعَفِ الجِبالِ يَنْتَظِرُونَ ما أبْرَهَةُ فاعِلٌ بِمَكَّةَ إذا دَخَلَها، فَلَمّا أصْبَحَ تَهَيَّأ لِلدُّخُولِ وعَبّى جَيْشَهُ وهَيَّأ الفِيلَ، فَلَمّا وجَّهُوهُ إلى مَكَّةَ أقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حَتّى قامَ إلى جَنْبِهِ فَأخَذَ بِأُذُنِهِ، فَقالَ: ابْرُكْ مَحْمُودُ وارْجِعْ راشِدًا مِن حَيْثُ جِئْتَ؛ فَإنَّكَ في بَلَدِ اللَّهِ الحَرامِ، ثُمَّ أرْسَلَ أُذُنَهُ فَبَرَكَ؛ أيْ سَقَطَ وخَرَجَ نُفَيْلٌ يَشْتَدُّ حَتّى أصْعَدَ في الجَبَلِ فَضَرَبُوا الفِيلَ وأوْجَعُوهُ لِيَقُومَ فَأبى ووَجَّهُوهُ راجِعًا إلى اليَمَنِ فَقامَ يُهَرْوِلُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى مَكَّةَ فَبَرَكَ، فَسَقَوْهُ الخَمْرَ لِيَذْهَبَ تَمْيِيزُهُ فَلَمْ يُنْجِعْ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ هو الَّذِي عَرَكَ أُذُنَهُ وقالَ لَهُ ما ذُكِرَ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ وادِي مُحَسِّرٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى طَيْرًا مِنَ البَحْرِ قِيلَ سُودًا وقِيلَ خُضْرًا وقِيلَ بَيْضًا مِثْلَ الخَطاطِيفِ مَعَ كُلِّ طائِرٍ مِنها ثَلاثَةُ أحْجارٍ يَحْمِلُها؛ حَجْرٌ في مِنقارِهِ، وحَجَرانِ في رِجْلَيْهِ أمْثالَ الحِمَّصِ والعَدَسِ لا تُصِيبُ أحَدًا مِنهم إلّا هَلَكَ، ويُرْوى أنَّهُ يُلْقِيها عَلى رَأْسِ أحَدِهِمْ فَتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ ويَتَساقَطُ لَحْمُهُ، فَخَرَجُوا هارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي مِنهُ جاءُوا يَسْألُونَ عَنْ نُفَيْلٍ لِيَدُلَّهم عَلى الطَّرِيقِ إلى اليَمَنِ، فَقالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأى ما نَزَلَ بِهِمْ: أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ وقالَ أيْضًا: ألا حُيِّيتِ عَنّا يا رُدَيْنا ∗∗∗ نَعِمْناكُمُ عَنِ الإصْباحِ عَيْنا رُدَيْنَةُ لَوْ رَأيْتِ ولا تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جَنْبِ المُحَصَّبِ ما رَأيْنا إذًا لَعَذَرْتِنِي وحَمِدْتِ أمْرِي ∗∗∗ ولا تَأسَيْ عَلى ما فاتَ بَيْنا فَكُلُّ القَوْمِ تَسْألُ عَنْ نُفَيْلٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلَيْهِ لِلْحُبْشانِ دَيْنا وجَعَلُوا يَتَساقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ ويَهْلَكُونَ في كُلِّ مَنهَلٍ، وأُصِيبَ أبْرَهَةُ في جَسَدِهِ وخَرَجُوا بِهِ مَعَهم تَسْقُطُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً كُلَّما سَقَطَتْ أُنْمُلَةٌ تَبِعَها مِنهُ مِدَّةٌ ثُمَّ دَمٌ وقَيْحٌ حَتّى قَدِمُوا صَنْعاءَ وهو مِثْلُ فَرْخِ الطّائِرِ، فَما ماتَ صفحة 236 حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ ابْنُ الزِّبَعْرى بِقَوْلِهِ مِن أبْياتٍ يَذْكُرُ فِيها مَكَّةَ: سائِلْ أمِيرَ الحُبْشِ عَنّا ما تَرى ∗∗∗ ولَسَوْفَ يُنْبِي الجاهِلِينَ عَلِيمُها سِتُّونَ ألْفًا لَمْ يَؤُوبُوا أرْضَهم ∗∗∗ بَلْ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الإيابِ سَقِيمُها ولَهم في ذَلِكَ شِعْرٌ كَثِيرٌ، ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ جُمْلَةً مِنهُ في سِيَرِهِ، وفِيها أنَّ الطَّيْرَ لَمْ تُصِبْ كُلَّهُمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنهم غَيْرُ واحِدٍ دَخَلَ عَلى النِّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ والطَّيْرُ عَلى رَأْسِهِ، فَلَمّا فَرَغَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الحَجَرُ فَخَرَقَتِ البِناءَ ونَزَلَتْ عَلى رَأْسِهِ فَألْحَقَتْهُ بِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ سائِسَ الفِيلِ وقائِدَهُ تَخَلَّفا في مَكَّةَ فَسَلِما. فَعَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أدْرَكْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِسَهُ بِمَكَّةَ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ مَن أصابَهُ الحَجَرُ جَدَرَتْهُ، وهو أوَّلُ جُدَرِيٍّ ظَهَرَ؛ أيْ بِأرْضِ العَرَبِ، فَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ أنَّهُ حَدَّثَ أنَّ أوَّلَ ما رُئِيَتِ الحَصْبَةُ والجُدَرِيُّ بِأرْضِ العَرَبِ ذَلِكَ العامَ، وأنَّهُ أوَّلُ ما رُئِيَ بِها مَرائِرُ الشَّجَرِ: الحَرْمَلُ والحَنْظَلُ والعُشَرُ ذَلِكَ العامَ أيْضًا. ويُرْوى أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا ذَهَبَ إلى شَعَفِ الجِبالِ بِمَن مَعَهُ بَقِيَ يَنْتَظِرُ ما يَفْعَلُ القَوْمُ وما يُفْعَلُ بِهِمْ، فَلَمّا أصْبَحَ بَعَثَ أحَدَ أوْلادِهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ يَنْظُرُ ما لَقُوا فَذَهَبَ فَإذا القَوْمُ مُشَدَّخِينَ جَمِيعًا فَرَجَعَ رافِعًا رَأْسَهُ كاشِفًا عَنْ فَخْذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: ألا إنَّ ابْنِي أفَرَسُ العَرَبِ، وما كَشَفَ عَنْ عَوْرَتِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا، فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ إلَيْهِمْ فَأخَذُوا أمْوالَهُمْ، وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنْتَ مَنَعْتَ الحَبَشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأحْبالا وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكُلَّ أمْرٍ مِنهُمُ مِعْضالا شُكْرًا وحَمْدًا لَكَ ذا الجَلالا هَذا ومَن أرادَ اسْتِيفاءَ القِصَّةِ عَلى أتَمَّ مِمّا ذُكِرَ فَعَلَيْهِ بِمُطَوَّلاتِ كُتُبِ السِّيَرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: «ألَمْ تَرْ» بِسُكُونِ الرّاءِ جِدًّا في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ لِأنَّ جَزْمَهُ بِحَذْفِ آخِرِهِ، فَإسْكانُ ما قَبْلَ الآخِرِ لِلِاجْتِهادِ في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ، قِيلَ: والسِّرُّ فِيهِ هُنا الإسْراعُ إلى ذِكْرِ ما يَهُمُّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أمْرِ الأُلُوهِيَّةِ والنُّبُوَّةِ أوِ الإشارَةِ إلى الحَثِّ في الإسْراعِ بِالرُّؤْيَةِ إيماءً إلى أنَّ أمْرَهم عَلى كَثْرَتِهِمْ كانَ كَلَمْحِ البَصَرِ مَن لَمْ يُسارِعْ إلى رُؤْيَتِهِ لَمْ يُدْرِكْهُ حَقَّ إدْراكِهِ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ تَقْلِيلَ البِنْيَةِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ المَعْنى وهو الرُّؤْيَةُ لا عَلى قِلَّةِ زَمانِهِ. وقِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ الرَّمْزُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى كَثْرَةِ الحَذْفِ في أُولَئِكَ القَوْمِ فَتَدَبَّرْ.

الفيل 105:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ إلَخْ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ كَما سَبَقَ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ما بَعْدَها كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جُعِلَ كَيْدُهم في تَعْطِيلِ الكَعْبَةِ وتَخْرِيبِها وصَرْفِ شَرَفِ أهْلِها لَهم في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ؛ بِأنْ دَمَّرَهم أشْنَعَ تَدْمِيرٍ، وأصْلُ التَّضْلِيلِ مِن ضَلَّ عَنْهُ إذا ضاعَ فاسْتُعِيرَ هُنا لِلْإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ الضِّلِّيلُ؛ لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ وضَيَّعَهُ.

الفيل 105:3

﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ أيْ جَماعاتٍ؛ جَمْعُ إبّالَةٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وحَكى الفَرّاءُ إبالَةً مُخَفَّفًا وهي حُزْمَةُ الحَطَبِ الكَبِيرَةُ شُبِّهَتْ بِها الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ في تَضامِّها، وتُسْتَعْمَلُ أيْضًا في غَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ وقِيلَ: واحِدُهُ أُبُولٌ؛ مِثْلَ عُجُولٍ، وقِيلَ: إبِّيلٌ مِثْلَ سِكِّينٍ، وقِيلَ أبالٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ؛ الفِرَقُ مِنَ النّاسِ الذّاهِبُونَ في كُلِّ وجْهٍ، والشَّماطِيطِ؛ القِطَعُ المُتَفَرِّقَةُ. وجاءَتْ هَذِهِ الطَّيْرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِن جِهَةِ البَحْرِ ولَمْ تَكُنْ نَجْدِيَّةً ولا تِهامِيَّةً ولا حِجازِيَّةَ. وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ حَمامَ صفحة 237 الحَرَمِ مِن نَسْلِها؛ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنْ حَياةِ الحَيَوانِ مِن أنَّها تُعَشِّشُ وتُفَرِّخُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في لَوْنِها، وعَنْ عِكْرِمَةَ: كَأنَّ وُجُوهَها مِثْلُ وُجُوهِ السِّباعِ لَمْ تُرَ قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ.

الفيل 105:4

﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِطَيْرٍ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ واسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يَعْمُرَ وعِيسى وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ: «يَرْمِيهِمْ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلطَّيْرِ أيْضًا والتَّذْكِيرِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وهو عَلى ما حَكى الخَفاجِيُّ لازِمُ التَّذْكِيرِ فَتَأْنِيثُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ الأمْرانِ وهو ظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ ولَيْسَ بِذاكَ، ونِسْبَةُ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَكاها في البَحْرِ، وعَنْ صاحِبِ النَّشْرِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا قِراءَةَ لَهُ، وأنَّ القِراءاتِ المَنسُوبَةَ لَهُ مَوْضُوعَةٌ. ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ صِفَةُ حِجارَةٍ؛ أيْ: كائِنَةٌ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ مُعَرَّبُ«سنك كل». وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مِنَ السِّجْلِ بِالكَسْرِ وهو الدَّلْوُ الكَبِيرَةُ، ومَعْنى كَوْنِ الحِجارَةِ مِنَ الدَّلْوِ أنَّها مُتَتابِعَةٌ كَثِيرَةٌ كالماءِ الَّذِي يُصَبُّ مِنَ الدَّلْوِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ. وقِيلَ: مِنَ الإسْجالِ بِمَعْنى الإرْسالِ والمَعْنى مِن مِثْلِ شَيْءٍ مُرْسَلٍ، و«مِن» في جَمِيعِ ذَلِكَ ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: مِنَ السِّجِلِّ وهو الكِتابُ أُخِذَ مِنهُ السِّجِّينُ، وجُعِلَ عَلَمًا لِلدِّيوانِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ عَذابُ الكُفّارِ، والمَعْنى مِن جُمْلَةِ العَذابِ المَكْتُوبِ المُدَوَّنِ، فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ. واخْتُلِفَ في حَجْمِ تِلْكَ الطَّيْرِ وكَذا في حَجْمِ تِلْكَ الحِجارَةِ فَمَرَّ أنَّها مِثْلُ الخَطاطِيفِ، وأنَّ الحِجارَةَ أمْثالُ الحِمَّصِ والعَدَسِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلِمِيِّ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلُ الحِمَّصِ وأكْبَرُ مِنَ العَدَسِ حُمْرٌ بِحُتْمَةٍ كَأنَّها جَزْعُ ظَفارٍ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حِجارَةٌ مِثْلُ البُنْدُقِ. وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ: مِثْلُ بَعْرِ الغَنَمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هي طَيْرٌ خَرَجَتْ مِن قِبْلَةِ البَحْرِ كَأنَّها رِجالُ السَّنَدِ مَعَها حِجارَةٌ أمْثالُ الإبِلِ البَوارِكِ وأصْغَرُها مِثْلُ رُؤُوسِ الرِّجالِ لا تُرِيدُ أحَدًا مِنهم إلّا أصابَتْهُ ولا أصابَتْهُ إلّا قَتَلَتْهُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ الطَّيْرَ في الحَجْمِ كالخَطاطِيفِ، وأنَّ الحِجارَةَ مِنها ما هو كالحِمَّصَةِ ودُوَيْنَها وفُوَيْقَها. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلى الحَجَرِ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ، واسْمُ أبِيهِ، وأنَّهُ رَأى ذَلِكَ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ.

الفيل 105:5

﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ كَوَرَقِ زَرْعٍ وقَعَ فِيهِ الأكّالُ وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ أوْ أُكِلَ حُبُّهُ فَبَقِيَ صِفْرًا مِنهُ، والكَلامُ عَلى هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والتَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِذَهابِ أرْواحِهِمْ وبَقاءِ أجْسادِهِمْ، أوْ لِأنَّ الحَجَرَ بِحَرارَتِهِ يَحْرِقُ أجْوافَهم. وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المَعْنى كَتِبْنٍ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتْهُ، والمُرادُ كَرَوْثٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بِهَذا اللَّفْظِ لِهُجْنَتِهِ فَجاءَ عَلى الآدابِ القُرْآنِيَّةِ فَشُبِّهَ تَقَطُّعُ أوْصالِهِمْ بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ الرَّوْثِ، فَفِيهِ إظْهارُ تَشْوِيهِ حالِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كَتِبْنٍ تَأْكُلُهُ الدَّوابُّ وتَرُوثُهُ، والمُرادُ جَعَلَهم في حُكْمِ التِّبْنِ الَّذِي لا يُمْنَعُ عَنْهُ الدَّوابُّ؛ أيْ مُبْتَذَلِينَ ضائِعِينَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ أحَدٌ ولا يَجْمَعُهم ولا يَدْفِنُهم كَتِبْنٍ في الصَّحْراءِ تَفْعَلُ بِهِ الدَّوابُّ ما شاءَتْ لِعَدَمِ حافِظٍ لَهُ إلّا أنَّهُ وضَعَ «مَأْكُولٍ» مَوْضِعَ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ لِحِكايَةِ الماضِي في صُورَةِ الحالِ وهو كَما تَرى، وكَأنَّهُ لَمّا أنَّ مَجِيئَهم لِهَدْمِ الكَعْبَةِ ناسَبَ إهْلاكَهم بِالحِجارَةِ ولَمّا أنَّ الَّذِي أثارَ غَضَبَهم عُذْرَةُ الكِنانِيِّ شَبَّهَهم فِيما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِهِمْ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ بِالرَّوْثِ أوْ لِما أنَّ الَّذِي أثارَهُ احْتِراقُها بِما حَمَلَتْهُ الرِّيحُ مِن نارِ العَرَبِ عَلى ما سَمِعْتَ شَبَّهَهم عَزَّ وجَلَّ فِيما فَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِمْ بِعَصْفٍ أُكِلَ حُبُّهُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أخِيرًا، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: «مَأكُولٍ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ وهَذا كَما أتْبَعُوا في قَوْلِهِمْ «مَحَمُومٍ» بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قريش 106:1

صفحة 238 سُورَةُ قُرَيْشٍ ويُقالُ: سُورَةُ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ وابْنِ السّائِبِ، وآيُها خَمْسٌ في الحِجازِيِّ وأرْبَعٌ في غَيْرِهِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى، بَلْ قالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ بِما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأزْدِيِّ قالَ: صَلَّيْتُ المَغْرِبَ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولى: والتِّينِ، وفي الثّانِيَةِ: ألَمْ تَرَ ولِإيلافِ قُرَيْشٍ مِن غَيْرِ أنْ يَفْصِلَ بِالبَسْمَلَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ جَمْعًا أثْبَتُوا الفَصْلَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، وبِأنَّ خَبَرَ ابْنِ مَيْمُونٍ إنْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ مُحْتَمِلٌ لِعَدَمِ سَماعِهِ ولَعَلَّهُ قَرَأها سِرًّا، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِها سُورَةً مُسْتَقِلَّةً ما أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الخِلافِيّاتِ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««فَضَّلَ اللَّهُ تَعالى قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصالٍ لَمْ يُعْطَها أحَدٌ قَبْلَهم ولا يُعْطاها أحَدٌ بَعْدَهُمْ: أنِّي فِيهِمْ، وفي لَفْظٍ: النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، والخِلافَةُ فِيهِمْ، والحِجابَةُ فِيهِمْ، والسِّقايَةُ فِيهِمْ، ونُصِرُوا عَلى الفِيلِ، وعَبَدُوا اللَّهَ تَعالى سَبْعَ سِنِينَ. وفي لَفْظٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَعْبُدْهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يُذْكَرْ فِيها أحَدٌ غَيْرُهُمْ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ»». وجاءَ نَحْوُ هَذا الأخِيرِ في خَبَرَيْنِ آخَرَيْنِ أحَدُهُما عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ يَرْفَعُهُ والثّانِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ويُؤَيِّدُ الِاسْتِقْلالَ كَوْنُ آيِها لَيْسَتْ عَلى نَمَطِ آيِ ما قَبْلَها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ تَواتُرِ الفَصْلِ لا يُحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الإيلافُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مَصْدَرُ ألِفْتُ الشَّيْءَ وآلَفْتُهُ مِنَ الإلْفِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ اجْتِماعٌ مَعَ التِئامٍ. وقالَ الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ: الإيلافُ عُهُودٌ بَيْنَهم وبَيْنَ المُلُوكِ فَكانَ هاشِمٌ يُؤالِفُ مَلِكَ الشّامِ، والمُطَّلِبُ كِسْرى، وعَبْدُ شَمْسٍ ونَوْفَلٌ يُؤالِفانِ مَلِكَ مِصْرَ والحَبَشَةِ، قالَ: ومَعْنى يُؤالِفُ: يُعاهِدُ ويُصالِحُ، وفِعْلُهُ آلَفَ عَلى وزْنِ فاعَلَ، ومَصْدَرُهُ إلافٌ بِغَيْرِ ياءٍ بِزِنَةِ قِبالٍ أوْ ألَفَ الثُّلاثِيِّ كَكَتَبَ كِتابًا، ويَكُونُ الفِعْلُ مِنهُ أيْضًا عَلى وزْنِ أفْعَلَ مِثْلَ: آمَنَ ومَصْدَرُهُ إيلافٌ كَإيمانٍ، وحَمْلُ الإيلافِ عَلى العُهُودِ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ. وفي البَحْرِ: إيلافٌ مَصْدَرُ آلَفَ رُباعِيًّا، وإلافُ مَصْدَرُ ألِفَ ثُلاثِيًّا. يُقالُ: ألِفَ الرَّجُلُ الأمْرَ ألْفًا وآلافًا، وآلَفَ غَيْرُهُ إيّاهُ وقَدْ يَأْتِي آلَفَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ كَألِفَ ومِنهُ قَوْلُهُ: مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٍ شُعاعُ الضُّحى في جِيدِها يَتَوَضَّحُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما في ذَلِكَ مِنَ القِراءاتِ، وقُرَيْشٌ ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ وأثْبَتُها عِنْدَ القُرْطُبِيِّ. قِيلَ: وعَلَيْهِ الفُقَهاءُ لِظاهِرِ ما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ: مَن قُرَيْشٌ؟ فَقالَ: «مِن ولَدِ النَّضْرِ»». وقِيلَ: ولَدِ فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأكْثَرِينَ، بَلْ قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ: أجْمَعَ النَّسّابُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرُهم عَلى أنَّ قُرَيْشًا إنَّما تَفَرَّقَتْ عَنْ فِهْرٍ واسْمُهُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ قُرَيْشٌ وفِهْرٌ لَقَبُهُ، ويُكَنّى بِأبِي غالِبٍ. وقِيلَ: ولَدُ مُخَلَّدِ بْنِ النَّضْرِ وهو ضَعِيفٌ. وفِي بَعْضِ السِّيَرِ أنَّهُ لا عَقِبَ لِلنَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ إلّا مالِكٌ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ بَلْ هو قَوْلٌ رافِضِيٌّ يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ حَقِّيَّةِ خِلافَةِ الشَّيْخَيْنِ أنَّهم ولَدُ قُصَيِّ بْنِ حَكِيمٍ، وقِيلَ: عُرْوَةُ المَشْهُورُ بِلَقَبِهِ كِلابٌ لِكَثْرَةِ صَيْدِهِ أوْ لِمُكالَبَتِهِ أيْ مُواثَبَتِهِ في الحَرْبِ لِلْأعْداءِ. نَعَمْ قُصَيٌّ جَمَعَ قُرَيْشًا في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا بَعْدَ أنْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِهِ وهَذا الَّذِي عَناهُ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: صفحة 239 أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ فَلا يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ أصْلًا وهو في الأصْلِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ اسْمٌ لِدابَّةٍ في البَحْرِ أقْوى دَوابِّهِ تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ وتَعْلُو ولا تُعْلى؛ وبِذَلِكَ أجابَ ابْنُ عَبّاسٍ مُعاوِيَةَ لَمّا سَألَهُ: لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟ وتِلْكَ الدّابَّةُ تُسَمّى قَرْشًا كَما هو المَذْكُورُ في كَلامِ الحَبْرِ، وتُسَمّى قُرَيْشًا وعَلَيْهِ قَوْلُ تُبَّعٍ كَما حَكاهُ عَنْهُ أبُو الوَلِيدِ الأزْرَقِيُّ وأنْشَدَهُ أيْضًا الحَبْرُ لِمُعاوِيَةَ إلّا أنَّهُ نَسَبَهُ لِلْجُمَحِيِّ: وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ولَهم آخِرَ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وقالَ الفَرّاءُ: هو مِنَ التَّقَرُّشِ بِمَعْنى التَّكَسُّبِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِتِجارَتِهِمْ. وقِيلَ مِنَ التَّقْرِيشِ وهو التَّفْتِيشُ ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَنا إبْقاءُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ أباهم كانَ يُفَتِّشُ عَنْ أرْبابِ الحَوائِجِ لِيَقْضِيَ حَوائِجَهم وكَذا كانُوا هم يُفَتِّشُونَ عَلى ذِي الخَلَّةِ مِنَ الحاجِّ لِيَسُدُّوها، وقِيلَ: مِنَ التَّقَرُّشِ وهو التَّجَمُّعُ ومِنهُ قَوْلُهُ: إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّصْغِيرُ إذا كانَ مِنَ المَزِيدِ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، وإذا كانَ مِن ثَلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ فَهو عَلى أصْلِهِ وأيًّا ما كانَ فَهو لِلتَّعْظِيمِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: وكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهم ∗∗∗ دُوَيْهِيَّةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ قُرَشِيٌّ وقُرَيْشِيٌّ كَما في القامُوسِ، وأجْمَعُوا عَلى صَرْفِهِ هُنا راعَوْا فِيهِ مَعْنى الحَيِّ، ويَجُوزُ مَنعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى القَبِيلَةِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ في نَحْوِ مَعَدٍّ وقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ هَذِهِ لِلْأحْياءِ أكْثَرُ، أوْ إنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلْقَبائِلِ فَجائِزٌ حَسَنٌ، واللّامُ في ﴿لإيلافِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ الخَلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُوا﴾ . والفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوا لِسائِرِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ فَلْيَعْبُدُوا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقِيَّةِ زائِدَةً فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها.

قريش 106:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ بَدَلٌ مِن (إيلافِ قُرَيْشٍ) و«رِحْلَةَ» مَفْعُولٌ بِهِ لِإيلافِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ الأُلْفَةِ، أمّا إذا كانَ مِنَ المُؤالَفَةِ بِمَعْنى المُعاهَدَةِ فَهو مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ مُعاهَدَتَهم عَلى أوْ لِأجْلِ رِحْلَةِ... إلَخْ. وإطْلاقُ لِإيلافِ ثُمَّ إبْدالُ المُقَيَّدِ مِنهُ لِلتَّفْخِيمِ. ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ؛ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِن إهْلاكِ أصْحابِ الفِيلِ لِإيلافِ قُرَيْشٍ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَدَّرا الفِعْلَ بِدَلالَةِ السِّياقِ؛ أعَجِبُوا كَأنَّهُ قِيلَ: أعَجِبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أعَزَّهم ورَزَقَهم وآمَنَهم فَلِذا أُمِرُوا بِعِبادَةِ رَبِّهِمُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والأمْنِ عَقَّبَهُ وقُرِنَ بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ. وعَنِ الأخْفَشِ أيْضًا أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «جَعَلَهُمْ» كَعَصْفٍ في السُّورَةِ قَبْلَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ؛ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالبَسْمَلَةِ خِلافًا لِجَمْعٍ. والمَعْنى: أهْلَكَ سُبْحانَهُ مَن قَصَدَهم مِنَ الحَبَشَةِ ولَمْ يُسَلِّطْهم عَلَيْهِمْ لِيَبْقَوْا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ أوْ أهْلَكَ عَزَّ وجَلَّ مَن قَصَدَهم لِيَعْتَبِرَ النّاسُ ولا يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ فَيَتِمَّ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتِهِمْ، ولا يُنافِي هَذا كَوْنُ إهْلاكِهِمْ صفحة 240 لِكُفْرِهِمْ بِاسْتِهانَةِ البَيْتِ لِجَوازِ تَعْلِيلِهِ بِأمْرَيْنِ؛ فَإنَّ كَلّا مِنهُما لَيْسَ عِلَّةً حَقِيقِيَّةً لِيَمْتَنِعَ التَّعَدُّدُ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ وكانَ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ؛ رِحْلَةٌ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةٌ في الصَّيْفِ إلى بُصْرى مِن أرْضِ الشّامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانُوا في رِحْلَتَيْهِمْ آمِنِينَ لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى ووُلاةُ بَيْتِهِ العَزِيزِ؛ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، والنّاسُ بَيْنَ مُتَخَطَّفٍ ومَنهُوبٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهم كانُوا يَرْحَلُونَ في الصَّيْفِ إلى الطّائِفِ حَيْثُ الماءُ والظِّلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، وأُفْرِدَتِ الرِّحْلَةُ مَعَ أنَّ المُرادَ رِحْلَتا الشِّتاءِ والصَّيْفِ لِأمْنِ اللَّبْسِ وظُهُورِ المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: بَطْنَيِ الوادِيَيْنِ، وقَوْلُهُ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: بُطُونِكم بِالجَمْعِ لِذَلِكَ. وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ فِيهِ نَظَرٌ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ. وفي البَحْرِ: لا يَنْبَغِي أنْ يُرَدَّ؛ فَإنَّ أصْحابَ الإيلافِ كانُوا أرْبَعَةَ إخْوَةٍ وهُمْ: بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: هاشِمٌ كانَ يُؤالِفُ مَلِكَ الشّامِ، أخَذَ مِنهُ خَيْلًا فَأمِنَ بِهِ في تِجارَتِهِ إلى الشّامِ، وعَبْدُ شَمْسٍ يُؤالِفُ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلٌ إلى فارِسَ فَكانَ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ المُتَّجِرِينَ فَيَخْتَلِفُ تَجْرُ قُرَيْشٍ بِخَيْلِ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم. قالَ الأزْهَرِيُّ: الإيلافُ شِبْهُ الإجارَةِ بِالخِفارَةِ؛ فَإنْ كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ لَهم رِحَلٌ أرْبَعٌ بِاعْتِبارِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي كانَتِ التِّجارَةُ في خِفارَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ فِيها فَيَكُونُ «رِحْلَةَ» هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ ولِلْأكْثَرِ، وفي هَؤُلاءِ الإخْوَةِ يَقُولُ الشّاعِرُ: يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي انْتَهى. وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما نَقَلْناهُ سابِقًا عَنِ الهَرَوِيِّ، ثُمَّ إنَّ إرادَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الرَّحْلِ الأرْبَعِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: «لِإلافِ قُرَيْشٍ» بِلا ياءٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ ما مَرَّ. ولَمْ تَخْتَلِفِ السَّبْعَةُ في قِراءَةِ: ﴿إيلافِهِمْ﴾ بِالياءِ كَما اخْتُلِفَ في قِراءَةِ الأوَّلِ، ومَعَ هَذا رُسِمَ الأوَّلُ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ بِالياءِ، ورُسِمَ الثّانِي بِغَيْرِ ياءٍ كَما قالَهُ السَّمِينُ وجَعَلَ ذَلِكَ أحَدَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ القُرّاءَ يَتَقَيَّدُونَ بِالرِّوايَةِ سَماعًا دُونَ رَسْمِ المُصْحَفِ وذُكِرَ في وجْهِ ذَلِكَ أنَّها رُسِمَتْ في الأوَّلِ عَلى الأصْلِ، وتُرِكَتْ في الثّانِي اكْتِفاءً بِالأوَّلِ وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما الثّانِيَةُ ساكِنَةٌ وهَذا شاذٌّ وإنْ كانَ الأصْلَ، وكَأنَّهم إنَّما أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ النَّقّارُ عَنْ عاصِمٍ: «إئِيلافِهِمْ» بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ لَمّا أُشْبِعَتْ، والصَّحِيحُ رُجُوعُهُ عَنِ القِراءَةِ بِهَمْزَتَيْنِ وأنَّهُ قَرَأ كالجَماعَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ فِيما حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ: «لِإلْفِ قُرَيْشٍ» وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ: «إلْفِهِمْ». وحُكِيَتْ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا: زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا وابْنِ عامِرٍ: «إلافِهِمْ» عَلى وزْنِ فِعالٍ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا: «لِيلافِ» بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ اللّامِ، ووَجْهَّهُ بِأنَّهُ لَمّا أبْدَلَ الثّانِيَةَ ياءً حَذَفَ الأُولى حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: «لِتَأْلَفَ قُرَيْشٌ» عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ المَنصُوبِ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ اللّامِ ورَفْعِ قُرَيْشٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وعَنْهُ أيْضًا: «لِتَأْلِيفِ» عَلى الأمْرِ، وعَنْهُ وعَنْ هِلالِ بْنِ فِتْيانَ بِفَتْحِ لامِ صفحة 241 الأمْرِ. والظّاهِرُ أنَّ «إيلافَهُمْ» عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: «رُحْلَةَ» بِضَمِّ الرّاءِ وهي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الجِهَةِ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها، وأمّا مَكْسُورُ الرّاءِ فَهو مَصْدَرٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ.

قريش 106:3

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ هو الكَعْبَةُ الَّتِي حُمِيَتْ مِن أصْحابِ الفِيلِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ صَلّى بِالنّاسِ بِمَكَّةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَلَمّا قَرَأ ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) جَعَلَ يُومِي بِإصْبَعِهِ إلَيْها وهو في الصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى. ﴿الَّذِي أطْعَمَهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَيْنِكَ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَمَكَّنُوا مِنهُما بِواسِطَةِ كَوْنِهِمْ مِن جِيرانِهِ ﴿مِن جُوعٍ﴾ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ القَحْطُ الَّذِي أكَلُوا فِيهِ الجِيَفَ والعِظامَ. ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، أوْ خَوْفُ الجُذامِ؛ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَلا يُصِيبُهم في بَلَدِهِمْ فَضْلًا مِنهُ تَعالى كالطّاعُونِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ حَيْثُ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ . و«مِن» قِيلَ: تَعْلِيلِيَّةٌ؛ أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم. ويُقَدَّرُ المُضافُ لِتَظْهَرَ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ أوْ يُقالُ: الجُوعُ عِلَّةٌ باعِثَةٌ ولا تَقْدِيرَ. وقِيلَ: بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وحَكى الكِرْمانِيُّ في غَرائِبِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ أنَّ الخِلافَةَ لا تَكُونُ إلّا فِيهِمْ؛ وهَذا مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ المُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: «مِن خَوْفٍ» بِإخْفاءِ النُّونِ في الخاءِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وكَذا إخْفاؤُها مَعَ العَيْنِ نَحْوَ «مِن عَلى» مَثَلًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قريش 106:4

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ هو الكَعْبَةُ الَّتِي حُمِيَتْ مِن أصْحابِ الفِيلِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ صَلّى بِالنّاسِ بِمَكَّةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَلَمّا قَرَأ ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) جَعَلَ يُومِي بِإصْبَعِهِ إلَيْها وهو في الصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى. ﴿الَّذِي أطْعَمَهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَيْنِكَ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَمَكَّنُوا مِنهُما بِواسِطَةِ كَوْنِهِمْ مِن جِيرانِهِ ﴿مِن جُوعٍ﴾ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ القَحْطُ الَّذِي أكَلُوا فِيهِ الجِيَفَ والعِظامَ. ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، أوْ خَوْفُ الجُذامِ؛ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَلا يُصِيبُهم في بَلَدِهِمْ فَضْلًا مِنهُ تَعالى كالطّاعُونِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ حَيْثُ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ . و«مِن» قِيلَ: تَعْلِيلِيَّةٌ؛ أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم. ويُقَدَّرُ المُضافُ لِتَظْهَرَ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ أوْ يُقالُ: الجُوعُ عِلَّةٌ باعِثَةٌ ولا تَقْدِيرَ. وقِيلَ: بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وحَكى الكِرْمانِيُّ في غَرائِبِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ أنَّ الخِلافَةَ لا تَكُونُ إلّا فِيهِمْ؛ وهَذا مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ المُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: «مِن خَوْفٍ» بِإخْفاءِ النُّونِ في الخاءِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وكَذا إخْفاؤُها مَعَ العَيْنِ نَحْوَ «مِن عَلى» مَثَلًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الماعون 107:1

سُورَةُ الماعُونِ وتُسَمّى سُورَةَ أرَأيْتَ والدِّينِ والتَّكْذِيبِ. وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ. وفي البَحْرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وحُكِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ. وقالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها في المَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ. وآيُها سَبْعٌ في العِراقِيِّ وسِتٌّ في الباقِيَةِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ قُرَيْشٍ: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ ذَمَّ عَزَّ وجَلَّ هُنا مَن لَمْ يَحُضَّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، ولَمّا قالَ تَعالى هُناكَ: ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) ذَمَّ سُبْحانَهُ هُنا مَن سَها عَنْ صَلاتِهِ أوْ لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى عَلى قُرَيْشٍ وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ أتْبَعَ سُبْحانَهُ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى تَعَرُّفِ المُكَذِّبِ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلى المُتَدَيِّنِ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ وعَنْ فِعْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا تَعْجِيبٌ مِنهُ والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ. وقالَ الحُوفِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ بِذَلِكَ عَنِ الإخْبارِ فَيَكُونُ المُرادُ بِ أرَأيْتَ أخْبِرْنِي وحِينَئِذٍ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما المَوْصُولُ وثانِيهِما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَن هو أوَألَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا تَكُونُ الرُّؤْيَةُ المُتَجَوَّزُ بِها إلّا بَصَرِيَّةً فِيهِ نَظَرٌ، وكَذا إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ؛ إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ بَعْدَ التَّجَوُّزِ فَلا يُرَجَّحُ كَوْنُها عِلْمِيَّةً قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: «أرَأيْتُكَ» بِكافِ الخِطابِ المَزِيدَةِ لِتَأْكِيدِ التّاءِ. و(الدِّينِ) الجَزاءُ وهو أحَدُ مَعانِيهِ ومِنهُ: كَما تَدِينُ تُدانُ. وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: الحِسابُ أوِ الإسْلامُ. كَما هو الأشْهَرُ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن فَسَّرَهُ بِالقُرْآنِ. وكَذا مَن فَسَّرَهُ كابْنِ عَبّاسٍ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: «أرَيْتَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَأنَّهُ حَمَلَ الماضِيَ في حَذْفِ هَمْزَتِهِ عَلى مُضارِعِهِ صفحة 242 المُطَّرِدِ فِيهِ حَذْفُها، وهَذا كَما أُلْحِقَ تَعَدَّ بِيَعِدُ في الإعْلالِ، ولَعَلَّ تَصْدِيرَ الفِعْلِ هُنا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ سَهَّلَ أمْرَ الحَذْفِ فِيهِ لِمُشابَهَتِهِ لِلَفْظِ المُضارِعِ المَبْدُوءِ بِالهَمْزَةِ، ومِن هَنا كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أقْوى تَوْجِيهًا مِمّا في قَوْلِهِ: صاحِ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِراعٍ رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرى في العِلابِ وقِيلَ: أُلْحِقَ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِأرى ماضِي الأفْعالِ لِشَدَّةِ مُشابَهَتِهِ بِهِ وعَدَمِ التَّفاوُتِ إلّا بِفَتْحَةٍ هي لِخِفَّتِها في حُكْمِ السُّكُونِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإنْ زُعِمَ أنَّهُ الأوْجَهُ.

الماعون 107:2

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ قِيلَ: لِلسَّبَبِيَّةِ وما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَنِ التَّشْوِيقِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ. وقِيلَ: واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ. والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ أوْ بِالإسْلامِ إنْ لَمْ تَعْرِفْهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِذَلِكَ هو الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ؛ أيْ: يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا ويَزْجُرُهُ زَجْرًا قَبِيحًا، ووُضِعَ اسْمُ الإشارَةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيرِ، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْضًا وفي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الصِّلَةِ ما لا يَخْفى. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ «يَدَعُ» بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ يَتْرُكُ اليَتِيمَ لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ.

الماعون 107:3

﴿ولا يَحُضُّ﴾ أيْ: ولا يَبْعَثُ أحَدًا مَن أهْلِهِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُوسِرِينَ ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ وهو ما يُتَناوَلُ مِنَ الغِذاءِ، والتَّعْبِيرُ بِالطَّعامِ دُونَ الإطْعامِ مَعَ احْتِياجِهِ لِتَقْدِيرِ المُضافِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المِسْكِينَ كَأنَّهُ مالِكٌ لِما يُعْطى لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ فَهو بَيانٌ لِشِدَّةِ الِاسْتِحْقاقِ. وفِيهِ إشارَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِامْتِنانِ. وقِيلَ: الطَّعامُ هُنا بِمَعْنى الإطْعامِ وكَلامُ الرّاغِبِ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ لِمُضافٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «لا يَحاضُّ» مُضارِعَ حاضَضْتُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ التَّعْرِيفِ لِلْمُكَذِّبِ، فَيَكُونُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ جَعَلَ عَلامَتَهُ الإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ وعَدَمِ بَذْلِ المَعْرُوفِ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ ولَوازِمِ جِنْسِهِ.

الماعون 107:4

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ أيْ: غافِلُونَ غَيْرُ مُبالِينَ بِها حَتّى تَفُوتَهم بِالكُلِّيَّةِ أوْ يَخْرُجَ وقْتُها أوْ لا يُصْلُّونَها كَما صَلّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والسَّلَفُ ولَكِنْ يَنْقُرُونَها نَقْرًا ولا يَخْشَعُونَ ويُنْجِدُونَ فِيها ويُتْهِمُونَ وفي كُلِّ وادٍ مِنَ الأفْكارِ الغَيْرِ المُناسِبَةِ لَها يَهِيمُونَ. فَيُسَلِّمُ أحَدُهم مِنها ولا يَدْرِي ما قَرَأ فِيها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِها. ولِلسَّلَفِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في المُرادِ بِهَذا السَّهْوِ، ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، فَعَنْ أبِي العالِيَةِ هو الِالتِفاتُ عَنِ اليَمِينِ واليَسارِ، وعَنْ قَتادَةَ عَدَمُ مُبالاةِ المَرْءِ أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ تَأْخِيرُها عَنْ وقْتِها، وفِيهِ حَدِيثٌ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ مَرْفُوعًا وقالَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ: وقْفُهُ أصَحُّ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: هو أنْ لا يَدْرِيَ المَرْءُ عَنْ كَمِ انْصَرَفَ عَنْ شَفْعٍ أوْ عَنْ وتْرٍ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّهْوَ عَنْها بِتَرْكِها وقالَ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ المُتَّسِمُونَ بِسِمَةِ أهْلِ الصَّلاةِ إنْ أُرِيدَ بِالتَّرْكِ التَّرْكُ رَأْسًا وعَدَمُ الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوِ المُصَلُّونَ في الجُمْلَةِ إنْ أُرِيدَ بِالتَّرْكِ التَّرْكُ أحْيانًا.

الماعون 107:5

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ أيْ: غافِلُونَ غَيْرُ مُبالِينَ بِها حَتّى تَفُوتَهم بِالكُلِّيَّةِ أوْ يَخْرُجَ وقْتُها أوْ لا يُصْلُّونَها كَما صَلّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والسَّلَفُ ولَكِنْ يَنْقُرُونَها نَقْرًا ولا يَخْشَعُونَ ويُنْجِدُونَ فِيها ويُتْهِمُونَ وفي كُلِّ وادٍ مِنَ الأفْكارِ الغَيْرِ المُناسِبَةِ لَها يَهِيمُونَ. فَيُسَلِّمُ أحَدُهم مِنها ولا يَدْرِي ما قَرَأ فِيها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِها. ولِلسَّلَفِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في المُرادِ بِهَذا السَّهْوِ، ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، فَعَنْ أبِي العالِيَةِ هو الِالتِفاتُ عَنِ اليَمِينِ واليَسارِ، وعَنْ قَتادَةَ عَدَمُ مُبالاةِ المَرْءِ أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ تَأْخِيرُها عَنْ وقْتِها، وفِيهِ حَدِيثٌ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ مَرْفُوعًا وقالَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ: وقْفُهُ أصَحُّ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: هو أنْ لا يَدْرِيَ المَرْءُ عَنْ كَمِ انْصَرَفَ عَنْ شَفْعٍ أوْ عَنْ وتْرٍ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّهْوَ عَنْها بِتَرْكِها وقالَ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ المُتَّسِمُونَ بِسِمَةِ أهْلِ الصَّلاةِ إنْ أُرِيدَ بِالتَّرْكِ التَّرْكُ رَأْسًا وعَدَمُ الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوِ المُصَلُّونَ في الجُمْلَةِ إنْ أُرِيدَ بِالتَّرْكِ التَّرْكُ أحْيانًا.

الماعون 107:6

﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ النّاسَ فَيَعْمَلُونَ حَيْثُ يُرُوا النّاسَ ويَرَوْنَهم طَلَبًا لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ.

الماعون 107:7

﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ أيِ الزَّكاةَ كَما جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والكَلْبِيِّ: المَعْرُوفُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَفْسِيرَهُ بِما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم مِنَ القِدْرِ والدَّلْوِ والفَأْسِ ونَحْوِها مِن مَتاعِ البَيْتِ، وجاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في خَبَرٍ رَواهُ عَنْهُ الضِّياءُ في صفحة 243 المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُمْ، ورَوَوْا فِيهِ عِدَّةَ أحادِيثَ مَرْفُوعَةٍ، ومَنعُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَحْظُورًا في الشَّرِيعَةِ كَما إذا اسْتُعِيرَ عَنِ اضْطِرارٍ، وقَبِيحًا في المُرُوءَةِ كَما إذا اسْتُعِيرَ في غَيْرِ حالِ الضَّرُورَةِ وهو عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: هو في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأُرِيدَ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ. واخْتُلِفَ في أصْلِهِ فَقالَ قُطْرُبٌ: أصْلُهُ فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، وقالُوا: ما لَهُ مَعَنَةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ قَلِيلٌ. وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ، والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ كَمَكْرَمٍ فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا ما فَعَلَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، وأصْلُهُ مَعْوُونٌ؛ فَقُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ فائِهِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا فَصارَ ماعُونًا مَفْعُولٌ بِتَقْدِيمِ العَيْنِ عَلى الفاءِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَوَيْلٌ ) إلَخْ جَزائِيَّةٌ، والكَلامُ تَرَقٍّ مِن ذَلِكَ المُعَرَّفِ إلى مُعَرَّفٍ أقْوى أيْ إذا كانَ دَعُّ اليَتِيمِ والحَضُّ بِهَذِهِ المَثابَةِ فَما بالُ المُصَلِّي الَّذِي هو ساهٍ عَنْ صَلاتِهِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ والفارِقُ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ مُرْتَكِبٌ لِلرِّياءِ في أعْمالِهِ الَّذِي هو شُعْبَةٌ مِنَ الشِّرْكِ، ومانِعٌ لِلزَّكاةِ الَّتِي هي شَقِيقَةُ الصَّلاةِ وقَنْطَرَةُ الإسْلامِ أوْ مانِعٌ لِإعارَةِ الشَّيْءِ الَّذِي تَعارَفَ النّاسُ إعارَتَهُ فَضْلًا عَنْ إخْراجِ الزَّكاةِ مِن مالِهِ فَذاكَ العَلَمُ عَلى التَّكْذِيبِ الَّذِي لا يَخْفى، والمُعَرَّفُ لَهُ الَّذِي لا يُوَفّى، والغَرَضُ التَّغْلِيظُ في أمْرِ هَذِهِ الرَّذائِلِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وأنَّها لَمّا كانَتْ مِن سِيماءِ المُكَذِّبِ بِالدِّينِ كانَ عَلى المُؤْمِنِ المُعْتَقِدِ لَهُ أنْ يَبْعُدَ عَنْها بِمَراحِلَ ويَتَبَيَّنَ أنَّ أُمَّ كُلِّ مَعْصِيَةٍ التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، والمُرادُ بِالمُكَذِّبِ عَلى هَذا الجِنْسُ، والإشارَةُ لا تَمْنَعُ مِنهُ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ وكانَ وصِيًّا لِيَتِيمٍ فَأتاهُ عُرْيانًا يَسْألُهُ مِن مالِ نَفْسِهِ فَدَفَعَهُ دَفْعًا شَنِيعًا. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أبُو سُفْيانَ نَحَرَ جَزُورًا فَسَألَهُ يَتِيمٌ لَحْمًا فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ. وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: العاصُ بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ: عَمْرُو بْنُ عائِذٍ، وقِيلَ: مُنافِقٌ بَخِيلٌ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ مُعَيَّنًا، وحِينَئِذٍ فالقَوْلُ بِأنَّ السّاهِينَ عَنِ الصَّلاةِ المُرائِينَ أيْضًا مُعَرَّفٌ. قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: غَيْرُ مُلائِمٍ بَلْ يَكُونُ شِبْهَ اسْتِطْرادٍ مُسْتَفادٍ مِنَ الوَصْفِ المُعَرَّفِ؛ أعْنِي دَعَّ اليَتِيمِ عَلى مَعْنى أنَّ الدَّعَّ إذا كانَ حالُهُ أنَّهُ عَلَمُ المُكَذِّبِ فَما حالُ السَّهْوِ عَنِ الصَّلاةِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وهُما أشَدُّ مِن ذَلِكَ وأشَدُّ؟ وإنَّما جُعِلَ شِبْهَ اسْتِطْرادٍ عَلى ما قالَ لِأنَّ الكَلامَ في التَّكْذِيبِ لا في التَّحْذِيرِ مِنَ الدَّعِّ بِالأصالَةِ، والمُرادُ الجِنْسُ الصّادِقُ بِالجَمْعِ وكَوْنُ ذَلِكَ تَكَلُّفًا واضِحًا كَما قِيلَ غَيْرُ واضِحٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي ما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وفِيمَن يُؤْذُونَ اليَتِيمَ أحَسَنٌ حالُهم وما يَصْنَعُونَ أمْ قَبِيحٌ؟ والغَرَضُ بَتُّ القَوْلِ بِالقُبْحِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ثُمَّ قِيلَ: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ عَلى مَعْنى إذا عُلِمَ أنَّ حالَهم قَبِيحٌ فَوَيْلٌ لَهُمْ، فَوَضَعَ المُصَلِّينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ دَلالَةً عَلى أنَّهم مَعَ الِاتِّصافِ بِالتَّكْذِيبِ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الأشْياءِ أيْضًا. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الفاءَ في ( فَوَيْلٌ ) عَلى العَطْفِ المَذْكُورِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي اتِّحادَ المُصَلِّينَ والمُكَذِّبِينَ، وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُنافِقُونَ بَلْ رُوِيَ إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّهُمُ المُرادُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والإمامِ مالِكٍ. وقالَ في البَحْرِ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُصَلِّينَ عَلى الِاتِّحادِ المُكَلَّفُونَ بِالصَّلاةِ ولَوْ كُفّارًا غَيْرَ مُنافِقِينَ وبِسَهْوِهِمْ عَنِ الصَّلاةِ تَرْكُهم إيّاها بِالكُلِّيَّةِ، ويُلْتَزَمُ القَوْلُ بِأنَّ الكُفّارَ مُكَلَّفُونَ بِالفُرُوعِ مُطْلَقًا. واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ ذَلِكَ الوَجْهَ بِأنَّ التَّرْكِيبَ عَلَيْهِ تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، وهو كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنِي فَذاكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيَّ، والمُتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ مِنهُ أنَّ ( فَذَلِكُ ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ بِالعَطْفِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنِي فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيَّ، واسْمُ الإشارَةِ فِيهِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ؛ إذْ لا حاجَةَ إلَيْهِ بَلِ الفَصِيحُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنِي فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيَّ، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنِي فَيُحْسِنُ إلَيَّ، وقِيلَ: إنَّ اسْمَ الإشارَةِ هُنا مُقْحَمٌ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ المَنزِلَةِ في الشَّرِّ والفَسادِ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَطْفَ ذاتٍ صفحة 244 عَلى ذاتٍ، فالِاسْتِخْبارُ عَنْ حالِ المُكَذِّبِينَ وحالِ الدّاعِينَ أحَسَنٌ هو أمْ قَبِيحٌ عَلى قِياسِ ما مَرَّ. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ المَقامَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى الطّائِفَتَيْنِ حَتّى يُوضَعَ مَوْضِعَ المُصَلِّينَ فافْهَمْ. وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ والأشْهَبُ: «يَرُؤُّونَ» بِالقَصْرِ وتَشْدِيدِ الهَمْزَةِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ وتَرْكِ التَّشْدِيدِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكوثر 108:1

سُورَةُ الكَوْثَرِ وتُسَمّى كَما قالَ البِقاعِيُّ سُورَةَ النَّحْرِ. وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ونُسِبَ في البَحْرِ إلى الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وفي الإتْقانِ أنَّهُ الصَّوابُ ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وغَيْرُهم عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إغْفاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقالَ: «إنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ حَتّى خَتَمَها...» الحَدِيثَ. وفِي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يَقْتَضِي كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ وسَتَسْمَعُ بَعْضًا مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومِن هُنا اسْتُشْكِلَ أمْرُها، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ لِبَعْضِهِمْ تَأْلِيفًا صَحَّحَ فِيهِ أنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ. وآيُها ثَلاثٌ بِلا خِلافٍ ولَيْسَ في القُرْآنِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ سُورَةٌ آيُها أقَلُّ مِن ذَلِكَ بَلْ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّها أقْصَرُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، وقالَ الإمامُ: هي كالمُقابِلَةِ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ السّابِقَةَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى فِيها المُنافِقَ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ: البُخْلِ وتَرْكِ الصَّلاةِ والرِّياءِ ومَنعِ الزَّكاةِ. فَذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ في مُقابَلَةِ البُخْلِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيِ الخَيْرَ الكَثِيرَ، وفي مُقابَلَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ: ﴿فَصَلِّ﴾ أيْ: دُمْ عَلى الصَّلاةِ، وفي مُقابَلَةِ الرِّياءِ: ﴿لِرَبِّكَ﴾ أيْ: لِرِضاهُ لا لِلنّاسِ، وفي مُقابَلَةِ مَنعِ الماعُونِ: ﴿وانْحَرْ﴾ . وأرادَ بِهِ سُبْحانَهُ التَّصَدُّقَ بِلُحُومِ الأضاحِيِّ. ثُمَّ قالَ: فاعْتُبِرَ هَذِهِ المُناسَبَةُ العَجِيبَةُ. انْتَهى فَلا تَغْفُلْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزَّعْفَرانِيُّ: «أنْطَيْناكَ» بِالنُّونِ وهي عَلى ما قالَ التَّبْرِيزِيُّ لُغَةُ العَرَبِ العَرْباءِ مِن أُولى قُرَيْشٍ، وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وأهْلِ اليَمَنِ ولَيْسَتْ مِنَ الإبْدالِ الصِّناعِيِّ في شَيْءٍ. ومِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اليَدُ العُلْيا المُنْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى المُنْطاةُ»». «وكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِوائِلٍ: «أنْطُوا الثَّبْجَةَ - أيِ الوَسَطَ - في الصَّدَقَةِ»». ﴿الكَوْثَرَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ. فَذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخِرِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا المَرْوِيِّ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ ومَن مَعَهُما: ««هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟» قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «هُوَ نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الكَواكِبِ، يَخْتَلِجُ العَبْدُ مِنهم فَأقُولُ: يا رَبِّ، إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثَ بَعْدَكَ»». وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخَرُونَ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَإذا أنا بِنَهْرٍ حافَّتاهُ خِيامُ اللُّؤْلُؤِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إلى ما يَجْرِي فِيهِ الماءُ فَإذا مِسْكٌ أذْفَرُ، قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَهُ اللَّهُ تَعالى»». وجاءَ في حَدِيثٍ عَنْ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: «قَدْ أُعْطِيتُ الكَوْثَرَ». قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الكَوْثَرُ؟» قالَ: «نَهْرٌ في الجَنَّةِ عَرْضُهُ وطُولُهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ فَيَظْمَأُ ولا يَتَوَضَّأُ مِنهُ أحَدٌ فَيَشْعَثُ أبَدًا، لا يَشْرَبُ مِنهُ مَن أخَفَرَ ذِمَّتِي ولا مَن قَتَلَ أهْلَ بَيْتِي»». ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ عُمْقُهُ سَبْعُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ ماؤُهُ أشَدُّ بَياضًا صفحة 245 مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، شاطِئاهُ الدُّرُّ والياقُوتُ والزَّبَرْجَدُ، خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَتْ: لَيْسَ أحَدٌ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ إلّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ. وهُوَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وقِيلَ: هو حَوْضٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَحْشَرِ. وقَوْلُ بَعْضِهِمُ الِاخْتِلافُ في الرِّواياتِ سَبَبُهُ مُلاحَظَةُ اخْتِلافِ سُرْعَةِ السَّيْرِ وعَدِمِها وهو قَبْلَ المِيزانِ والصِّراطِ عِنْدَ بَعْضٍ، وبَعْدَهُما قَرِيبًا مِن بابِ الجَنَّةِ حَيْثُ يُحْبَسُ أهْلُها مِن أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَتَحالَلُوا مِنَ المَظالِمِ الَّتِي بَيْنَهم عِنْدَ آخَرِينَ، ويَكُونُ عَلى هَذا في الأرْضِ المُبْدَلَةِ. وقِيلَ: لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَوْضانِ: حَوْضٌ قَبْلَ الصِّراطِ وحَوْضٌ بَعْدَهُ، ويُسَمّى كُلٌّ مِنهُما عَلى ما حَكاهُ القاضِي زَكَرِيّا كَوْثَرًا، وصَحَّحَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ الصِّراطِ، وأنَّ الكَوْثَرَ في الجَنَّةِ، وأنَّ ماءَهُ يَنْصَبُّ فِيهِ؛ ولِذا يُسَمّى كَوْثَرًا ولَيْسَ هو مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالنَّهْرِ السّابِقِ بَلْ يَكُونُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَرِدُهُ مُؤْمِنُو أُمَمِهِمْ. فَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: ««إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وإنَّهم يَتَباهَوْنَ أيُّهم أكْثَرُ وارِدَةً، وإنِّي أرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم وارِدَةً»». وهُوَ كَما قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وهَذِهِ الحِياضُ لا يَجِبُ الإيمانُ بِها كَما يَجِبُ الإيمانُ بِحَوْضِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَنا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ النّافِينَ لَهُ لِكَوْنِ أحادِيثِهِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ بِخِلافِ أحادِيثِها فَإنَّها آحادٌ. بَلْ قِيلَ: لا تَكادُ تَبْلُغُ الصِّحَّةَ. ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الكَوْثَرَ هو النَّهْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلًا وهو الحَوْضُ وهو عَلى ظَهْرِ مَلَكٍ عَظِيمٍ يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ يَكُونُ فَيَكُونُ في المَحْشَرِ؛ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ، وفي الجَنَّةِ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ. وقِيلَ: هو أوْلادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن عابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم -والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى- كَثِيرُونَ قَدْ مَلَئُوا البَسِيطَةَ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبّاسٍ ويَمانُ بْنُ وثّابٍ: أصْحابُهُ وأشْياعُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: عُلَماءُ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم أيْضًا كَثِيرُونَ في كُلِّ قُطْرٍ وإنْ كانُوا اليَوْمَ في بَعْضِ الأقْطارِ، والأمْرُ لِلَّهِ تَعالى أقَلُّ قَلِيلٍ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ القُرْآنُ، وفَضائِلُهُ لا تُحْصى. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو تَيْسِيرُ القُرْآنِ وتَخْفِيفُ الشَّرائِعِ. وقِيلَ: هو الإسْلامُ. وقالَ هِلالٌ: هو التَّوْحِيدُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو نُورُ قَلْبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقِيلَ: هو العِلْمُ والحِكْمَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو الإيثارُ. وقِيلَ: هو الفَضائِلُ الكَثِيرَةُ المُتَّصِفُ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: المَقامُ المَحْمُودُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرَ في التَّحْرِيرِ سِتَّةً وعِشْرِينَ قَوْلًا فِيهِ وصَحَّحَ في البَحْرِ قَوْلَ النَّهْرِ، وجَماعَةٌ أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ والنِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو المَشْهُورُ عَنِ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكَوْثَرُ الخَيْرُ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ أبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ. قالَ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وحُكِيَ هَذا الجَوابُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَفْسِهِ أيْضًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما صَحَّ في الأحادِيثِ مِن تَفْسِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ بِالنَّهْرِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْصِيصِ لِنُكْتَةٍ؛ وإلّا فَبَعْدَ أنْ صَحَّ الحَدِيثُ في ذَلِكَ بَلْ كادَ يَكُونُ مُتَواتِرًا كَيْفَ يُعْدَلُ عَنْهُ إلى تَفْسِيرٍ آخَرَ؟ وكَذا يُقالُ في سائِرِ ما في الأقْوالِ السّابِقَةِ وغَيْرِها. وهو فَوْعَلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: الشَّيْءُ الكَثِيرُ كَثْرَةً مُفْرِطَةً. قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ: بِمَ آبَ ابْنُكِ؟ قالَتْ: بِكَوْثَرٍ. وقالَ الكُمَيْتُ: وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا صفحة 246 وفِي حَذْفِ مَوْصُوفِهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، وفي إسْنادِ الإعْطاءِ إلَيْهِ دُونَ الإيتاءِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ إيتاءٌ عَلى جِهَةِ التَّمْلِيكِ؛ فَإنَّ الإعْطاءَ دُونَهُ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ . وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعْطى وإنْ كانَ كَثِيرًا في نَفْسِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ الإيتاءَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ العَظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ والإعْطاءُ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ فَفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بِالتَّفَضُّلِ أشْبَهُ بِخِلافِ الإيتاءِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ واجِبًا فَفِيهِ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ والتَّزايُدِ أبَدًا؛ لِأنَّ التَّفَضُّلَ نَتِيجَةُ كَرَمِ اللَّهِ تَعالى الغَيْرِ المُتَناهِي. وفي جَعْلِ المَفْعُولِ الأوَّلِ ضَمِيرَ المُخاطَبِ دُونَ الرَّسُولِ أوْ نَحْوِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الإعْطاءَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بَلْ هو مِن مَحْضِ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ. وفِيهِ أيْضًا مِن تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخِطابِ ما لا يَخْفى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ الإعْطاءِ إلى «نا» إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا سَعى فِيهِ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي التَّعْبِيرِ بِالماضِي قِيلَ: إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ الإعْطاءِ، وأنَّهُ أمْرٌ مَرْعِيٌّ لَمْ يُتْرَكْ إلى أنْ يُفْعَلَ بَعْدُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى بِشارَةٍ أُخْرى كَأنْ قِيلَ: إنّا هَيَّأْنا أسْبابَ سَعادَتِكَ قَبْلَ دُخُولِكَ في الوُجُودِ فَكَيْفَ نُهْمِلُ أمْرَكَ بَعْدَ وُجُودِكَ واشْتِغالِكَ بِالعُبُودِيَّةِ؟ وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِالإغْناءِ والإفْقارِ والإسْعادِ والإشْقاءِ لَيْسَ أمْرًا مُحْدَثًا بَلْ هو حاصِلٌ في الأزَلِ. وبُنِيَ الفِعْلُ عَلى المُبْتَدَأِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقَوِّي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الكَوْثَرِ وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِأنَّ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ وقِيلَ لِرَدِّ اسْتِبْعادِ السّامِعِ الإعْطاءَ لِما أنَّهُ لَمْ يُعَلَّلْ والمُعْطى في غايَةِ الكَثْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الإنْكارِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في الكَوْثَرِ أيْضًا.

الكوثر 108:2

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذُكِرَ مِنَ العَطِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها أحَدًا مِنَ العالَمِينَ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ أيِ اسْتَجابَ. أيْ: فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ لِرَبِّكَ الَّذِي أفاضَ عَلَيْكَ ما أفاضَ مِنَ الخَيْرِ خالِصًا لِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ خِلافَ السّاهِينَ عَنْها المُرائِينَ فِيها أداءً لِحَقِّ شُكْرِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ أقْسامِ الشُّكْرِ، ولِذا قِيلَ: ﴿فَصَلِّ﴾ دُونَ «فاشْكُرْ». ﴿وانْحَرْ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ بِاسْمِهِ تَعالى وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ خِلافًا لِمَن يَدَعُّهم ويَمْنَعُ مِنهُمُ الماعُونَ كَذا قِيلَ. وجَعْلُ السُّورَةِ عَلَيْهِ كالمُقابِلَةِ لِما قَبْلَها كَما فَعَلَ الإمامُ، ولَمْ يَذْكُرُوا مُقابِلَ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ. وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: إنَّ الكَوْثَرَ بِمَعْنى الخَيْرِ الكَثِيرِ الشّامِلِ لِلْأُخْرَوِيِّ يُقابِلُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إثْباتِهِ ضِمْنًا، وكَذا إذا كانَ بِمَعْنى النَّهْرِ والحَوْضِ والأمْرُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالإسْلامِ وتَفْسِيرِ الدِّينِ بِهِ أيْضًا في غايَةِ الظُّهُورِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ أبِي مُسْلِمٍ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وأخْرَجَهُ الأوَّلُ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّها جِنْسُ الصَّلاةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِها صَلاةُ العِيدِ وبِالنَّحْرِ التَّضْحِيَةُ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: انْحَرْ وارْجِعْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَطَبَ خُطْبَةَ الأضْحى ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى البُدْنِ فَنَحَرَها؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾» . واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّلاةِ عَلى التَّضْحِيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قالُوا: المُرادُ صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ والنَّحْرُ بِمِنًى، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّحْرِ نَحْرُ الأضاحِيِّ واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ لِمَكانِ الأمْرِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ( فاتَّبِعُوهُ ) وأُجِيبَ بِالتَّخَصُّصِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمُ: الضُّحى صفحة 247 والأُضْحِيَّةُ والوَتْرُ»». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ: ﴿وانْحَرْ﴾ أيِ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ (الفَرّاءُ) وقالَ: يُقالُ: مَنازِلُهم تَتَناحَرُ؛ أيْ تَتَقابَلُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطَحِ المُتَناحِرِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ إلَخْ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أمَرَنِي بِها رَبِّي؟». فَقالَ: إنَّها لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ، ولَكِنْ يَأْمُرُكَ إذا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلاةِ أنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إذا كَبَّرْتَ وإذا رَكَعْتَ، وإذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَإنَّها صَلاتُنا وصَلاةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم في السَّماواتِ السَّبْعِ، وإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً، وزِينَةُ الصَّلاةَ رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: تَرْفَعُ يَدَيْكَ أوَّلَ ما تُكَبِّرُ في الِافْتِتاحِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وآخَرُونَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: ضَعْ يَدَكَ اليُمْنى عَلى ساعِدِ اليُسْرى ثُمَّ ضَعْهُما عَلى صَدْرِكَ في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ورَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَبّاسٌ - ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ مَعْناهُ: اقْعُدْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ، وعَنِ الضَّحّاكِ وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ أنَّهُما قالا: مَعْناهُ: ارْفَعْ يَدَيْكَ عَقِيبَ الصَّلاةِ عِنْدَ الدُّعاءِ إلى نَحْرِكَ ولَعَلَّ في صِحَّةِ الأحادِيثِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَقالًا، وإلّا فَمًا قالُوا الَّذِي قالُوا وقَدْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الأوَّلِ: أنَّهُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وقالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، بَلْ أخْرَجَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المَوْضُوعاتِ. وقالَ الجَلالُ في الحَدِيثِ الآخَرِ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ، ويَرْجِعُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ إنْ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُخالِفُهُ أنَّ الأشْهَرَ اسْتِعْمالُ النَّحْرِ في نَحْرِ الإبِلِ دُونَ تِلْكَ المَعانِي، وأنَّ سُنَّةَ القُرْآنِ ذِكْرُ الزَّكاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وما ذُكِرَ بِذَلِكَ المَعْنى قَرِيبٌ مِنها بِخِلافِهِ عَلى تِلْكَ المَعانِي، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ المَعانِي يَرْجِعُ إلى آدابِ الصَّلاةِ أوْ أبْعاضِها فَيَدْخُلُ تَحْتَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ويَبْعُدُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ دُونَ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مَعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يُصَلُّونَ ويَنْحَرُونَ لِلْأوْثانِ فالأنْسَبُ أنْ يُؤْمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مُقابَلَتِهِمْ بِالصَّلاةِ والنَّحْرِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا واعْتِبارُ الخُلُوصِ في «فَصَلِّ» إلَخْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِدَلالَةِ لامِ الِاخْتِصاصِ. وفي الِالتِفاتِ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ إلى خُصُوصِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدٌ لِتَرْغِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أداءِ ما أُمِرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

الكوثر 108:3

﴿إنَّ شانِئَكَ﴾ أيْ: مُبْغَضَكَ كائِنًا مَن كانَ ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ حَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ نَسْلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ البَيانِ. وأصْلُ البَتْرِ القَطْعُ وشاعَ في قَطْعِ الذَّنَبِ؛ وقِيلَ لِمَن لا عَقِبَ لَهُ: أبْتَرُ عَلى الِاسْتِعارَةِ، شُبِّهَ الوَلَدُ والأثَرُ الباقِي بِالذَّنَبِ لِكَوْنِهِ خَلْفَهُ فَكَأنَّهُ بَعْدَهُ، وعَدَمُهُ بِعَدَمِهِ وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالحَقِيرِ الذَّلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ سَبَبُ النُّزُولِ وفِيها عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ. واسْمُ الفاعِلِ أعْنِي شانِئَ هاهُنا قِيلَ بِمَعْنى الماضِي لِيَكُونَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ فَيَكُونُ الأبْتَرُ خَبَرَهُ ولا يُشْكِلُ بِمَن كانَ يُبْغِضُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ الإيمانِ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ وذاقَ حَلاوَتَهُ فَكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأعَزَّ عَلَيْهِ مِن رُوحِهِ ولَمْ يَكُنْ أبْتَرَ؛ لِما أنَّ الحُكْمَ عَلى المُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلْيَةَ مَأْخَذِهِ فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ الأبْتَرِيَّةَ مُعَلَّلَةٌ صفحة 248 بِالبُغْضِ فَتَدُورُ مَعَهُ، وقَدْ زالَ في أُولَئِكَ الأكابِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واخْتارَ بَعْضُهم في دَفْعِ ذَلِكَ حَمْلَ اسْمَ الفاعِلِ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَهم لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلى البُغْضِ، والظّاهِرُ أنَّهُ انْقَطَعَ نَسْلُ كُلِّ مَن كانَ مُبْغِضًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً، وقِيلَ: انْقَطَعَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ مِن نَسْلِ المُبْغِضِينَ انْقَطَعَ انْتِفاعُ أبِيهِ مِنهُ بِالدُّعاءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لا عِصْمَةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكافِرٍ. وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ «هُوَ» ضَمِيرُ فَصْلٍ هو الأظْهَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿الأبْتَرُ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ ﴿شانِئَكَ﴾ وحِينَئِذٍ يَجُوزُ صِناعَةُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ. وحَمْلُ ﴿شانِئَكَ﴾ عَلى الجِنْسِ هو الظّاهِرُ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِمَن جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا وفِيهِ رِواياتٌ: أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أكْبَرُ ولَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القاسِمَ ثُمَّ زَيْنَبَ ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فاطِمَةَ ثُمَّ رُقَيَّةَ، فَماتَ القاسِمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَيِّتٍ مِن ولَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ ماتَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ: قَدِ انْقَطَعَ نَسْلُهُ فَهو أبْتَرُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَبْقى لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَقِبٌ، وهو أبْتَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: «لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَشى المُشْرِكُونَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: إنَّ هَذا الصّابِئَ قَدْ بُتِرَ اللَّيْلَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ السُّورَةَ». وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو أبُو جَهْلٍ؛ أيْ لِأنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، وهَذا المِقْدارُ في الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا بَأْسَ بِهِ. وحِكايَةُ أبِي حَيّانَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ أبُو جَهْلٍ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ لا تَكادُ تَصِحُّ؛ لِأنَّ هَلاكَ اللَّعِينِ أبِي جَهْلٍ عَلى التَّحْقِيقِ قَبْلَ وفاةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، والجُمْهُورُ عَلى نُزُولِها في العاصِ بْنِ وائِلٍ، وأيًّا ما كانَ فَلا رَيْبَ في ظُهُورِ عُمُومِ الحُكْمِ والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْطَيْناكَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ مِنَ النِّعَمِ فَصَلِّ وانْحَرْ خالِصًا لِوَجْهِ رَبِّكَ ولا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِ الشّانِئِ الكَرِيهِ؛ فَإنَّهُ هو الأبْتَرُ لا أنْتَ، وتَأْكِيدُها قِيلَ: لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَضْمُونِها، وقِيلَ: هو مِثْلُهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ وذَلِكَ لِمَكانِ: فَلا تَكْتَرِثْ... إلَخِ. المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ. وفي التَّعْبِيرِ بِالأبْتَرِ دُونَ المَبْتُورِ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وعَمَّمَ هَذا الشَّيْخُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كُلًّا مِن جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتُرُ شانِئِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كُلِّ خَيْرٍ فَيُبْتَرُ أهْلَهُ ومالَهُ فَيَخْسَرُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ويُبْتَرُ حَياتَهُ فَلا يَنْتَفِعُ بِها ولا يَتَزَوَّدُ فِيها صالِحًا لِمَعادِهِ، ويُبْتَرُ قَلْبَهُ فَلا يَعِي الخَيْرَ ولا يُؤَهِّلُهُ لِمَعْرِفَتِهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والإيمانِ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُبْتَرُ أعْمالَهُ فَلا يَسْتَعْمِلُهُ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ويَبْتُرُهُ مِنَ الأنْصارِ فَلا يَجِدُ لَهُ ناصِرًا ولا عَوْنًا، ويَبْتُرُهُ مِن جَمِيعِ القُرَبِ فَلا يَذُوقُ لَها طَعْمًا ولا يَجُدْ لَها حَلاوَةً وإنْ باشَرَها بِظاهِرِهِ فَقَلْبُهُ شارِدٌ عَنْها وهَذا جَزاءُ كُلِّ مَن شَنَأ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأجْلِ هَواهُ كَمَن تَأوَّلَ آياتِ الصِّفاتِ أوْ أحادِيثَها عَلى غَيْرِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ومُرادِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ تَمَنّى أنْ لا تَكُونَ نَزَلَتْ أوْ قِيلَتْ. ومِن أقْوى العَلاماتِ عَلى شَنَآنِهِ نُفْرَتُهُ عَنْها إذا سَمِعَها حِينَ يَسْتَدِلُّ بِها السَّلَفِيُّ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وأيُّ شَنَآنٍ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أهْلُ السَّماعِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى سَماعِ الغِناءِ والدُّفُوفِ والشَّبّاباتِ فَإذا سَمِعُوا القُرْآنَ يُتْلى أوْ قُرِئَ في مَجْلِسِهِمُ اسْتَطالُوهُ واسْتَثْقَلُوهُ، وكَذَلِكَ مَن آثَرَ كَلامَ النّاسِ وعُلُومَهم عَلى القُرْآنِ والسُّنَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولِكُلٍّ نَصِيبٌ مِنَ الِانْبِتارِ عَلى قَدْرِ شَنَآنِهِ انْتَهى. وفي بَعْضِهِ نَظَرٌ لا يَخْفى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: «شَنِيكَ» بِغَيْرِ صفحة 249 ألِفٍ فَقِيلَ: مَقْصُورٌ مِن شانِي كَما قالُوا بَرْدٌ في بارِدٍ، وبَرٌّ في بارٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فِعْلٍ. هَذا وأعْلَمُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ عَلى قِصَرِها وإيجازِها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ما يُنادِي عَلى عَظِيمِ إعْجازِها، وقَدْ أطالَ الإمامُ فِيها الكَلامَ وأتى بِكَثِيرٍ مِمّا يَسْتَحْسِنُهُ ذَوُو الأفْهامِ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وانْحَرْ﴾ مُتَضَمِّنٌ الإخْبارَ بِالغَيْبِ وهو سِعَةُ ذاتِ يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتِهِ، وقِيلَ مِثْلُهُ في ذَلِكَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ عارَضَها بِقَوْلِهِ: إنّا أعْطَيْناكَ الزَّماجِرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وهاجِرْ إنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ كافِرٌ. ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ وهو لَعَمْرِي مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، ومَن أرادَ الِاطِّلاعَ عَلى أزْيَدَ مِمّا ذُكِرَ فَلْيَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الإمامِ. واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ والإنْعامِ.

الكافرون 109:1

سُورَةُ الكافِرُونَ وتُسَمّى المُقَشْقِشَةَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَلى زُرارَةَ بْنِ أوْفى وهو مِن قَشْقَشَ المَرِيضُ إذا صَحَّ وبَرَأ أيِ المُبَرِّئَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وتُسَمّى أيْضًا كَما في جَمالِ القُرّاءِ سُورَةَ العِبادَةِ، وكَذا تُسَمّى سُورَةَ الإخْلاصِ وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ والجُمْهُورِ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنْ قَتادَةَ عَلى خِلافِ ما في مَجْمَعِ البَيانِ مِن أنَّهُ قائِلٌ بِمَكِّيَّتِها وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُ الدَّوانِيِّ إنَّها مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ. وآيُها سِتٌّ بِلا خِلافٍ، وفِيها إعْلانُ ما فُهِمَ مِمّا قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْفِي ذَلِكَ في المُناسَبَةِ بَيْنَهُما. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِجَبَلَةَ بْنِ حارِثَةَ وهو أخُو زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وقَدْ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي نَحْوَ ذَلِكَ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَسًا بِأنْ يَقْرَأها عِنْدَ مَنامِهِ أيْضًا مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِما ذُكِرَ كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَبّابًا بِذَلِكَ أيْضًا كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ألا أدُلُّكم عَلى كَلِمَةٍ تُنْجِيكم مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى؟ تَقْرَءُونَ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ عِنْدَ مَنامِكُمْ»». ورَوى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرادٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «المُنافِقُ لا يُصَلِّي الضُّحى ولا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾»». ويُسَنُّ قِراءَتُها أيْضًا مَعَ سُورَةِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ في رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الفَجْرِ الَّتِي هي عِنْدَ الأكْثَرِينَ أفْضَلُ السُّنَنِ الرَّواتِبِ وكَذا في الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وهي حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ مِنَ الأئِمَّةِ إنَّهُ لا يُسَنُّ في سُنَّةِ الفَجْرِ ضَمُّ سُورَةٍ إلى الفاتِحَةِ. وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وفي آخَرَ أخْرَجَهُ في الصَّغِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ كَذَلِكَ أنَّها تَعْدِلُ رُبْعَ القُرْآنِ. ووَجَّهَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ بِالمَأْمُوراتِ والنَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وكُلٌّ مِنهُما إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَلْبِ أوْ بِالجَوارِحِ فَيَكُونُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقَلْبِ فَتَكُونُ كَرُبْعِ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ العِبادَةَ صفحة 250 أعَمُّ مِنَ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ المُتَعَلِّقانِ بِها لا يَخْتَصّانِ بِالمَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، وأنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ العَظِيمِ لا تَنْحَصِرُ في الأمْرِ والنَّهْيِ المَذْكُورَيْنِ بَلْ هو مُشْتَمِلٌ عَلى مَقاصِدَ أُخْرى كَأحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ ومِن هُنا قِيلَ: لَعَلَّ الأقْرَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ التَّوْحِيدُ والأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ وأحْوالُ المَعادِ، والتَّوْحِيدُ عِبارَةٌ عَنْ تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وهو الَّذِي دَعا إلَيْهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوَّلًا بِالذّاتِ والتَّخْصِيصُ إنَّما يَحْصُلُ بِنَفْيِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى وعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ إذِ التَّخْصِيصُ لَهُ جُزْآنِ؛ النَّفْيُ عَنِ الغَيْرِ والإثْباتُ لِلْمُخَصَّصِ بِهِ، فَصارَتِ المَقاصِدُ بِهَذا الِاعْتِبارِ أرْبَعَةً، وهَذِهِ السُّورَةُ تَشْتَمِلُ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ والتَّبَرِّي مِنها فَصارَتْ بِهَذا الِاعْتِبارِ رُبْعَ القُرْآنِ ولِكَوْنِها لَيْسَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما أنَّ فِيها التَّصْرِيحَ بِتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى لَمْ تَكُنْ كَنِصْفِ القُرْآنِ وقِيلَ: إنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ صِفاتُهُ تَعالى والنُّبُوّاتُ والأحْكامُ والمَواعِظُ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أساسِ الأوَّلِ وهو التَّوْحِيدُ ولِذا عَدَلَتْ رُبْعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أحْبابِي المُعاصِرِينَ أوْجُهًا في ذَلِكَ أحْسَنُها فِيما أرى أنَّ الدِّينَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ أرْبَعَةُ أنْواعٍ: عِباداتٌ ومُعامَلاتٌ وجِناياتٌ ومُناكَحاتٌ، والسُّورَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّوْعِ الأوَّلِ فَكانَتْ رُبْعًا. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أرادَ فَكانَتْ رُبْعًا مِنَ القُرْآنِ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّةَ تَفْرِيعِهِ عَلى كَوْنِ الدِّينِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ أرْبَعَةَ أنْواعٍ، وإنْ أرادَ فَكانَتْ رُبْعًا مِنَ الدِّينِ فَلَيْسَ الكَلامُ فِيهِ إنَّما الكَلامُ في كَوْنِها تَعْدِلُ رُبْعًا مِنَ القُرْآنِ؛ إذْ هو الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ الأخْبارُ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِها، والتَّلازُمُ بَيْنَهُما غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى أنَّ المُقابَلَةَ الحَقِيقِيَّةَ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْواعِ غَيْرِ تامَّةٍ. وأُجِيبَ بِاحْتِمالِ أنَّهُ أرادَ أنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ هي تِلْكَ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي الدِّينُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَ واحِدًا مِنها عَدَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ مَقاصِدَهُ وغَيْرَها. ولا يَرِدُ عَلى الحَصْرِ أنَّ مِن مَقاصِدِهِ أحْوالَ المَبْدَأِ والمَعادِ؛ فَبِدُخُولِ ذَلِكَ في العِباداتِ بِنَوْعِ عِنايَةٍ وعَدَمِ التَّقابُلِ الحَقِيقِيِّ لا يَضُرُّ؛ إذْ يَكْفِي في الغَرَضِ عَدُّ أهْلِ العُرْفِ تِلْكَ الأُمُورَ مُتَقابِلَةً ولَوْ بِالِاعْتِبارِ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأقْوَمِ المَسالِكِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ قالَ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِمْ كَفَرَةٌ مِن قُرَيْشٍ مَخْصُوصُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أبَدًا. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِيناءَ مَوْلى أبِي البُخْتُرِيِّ قالَ: «لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ ونَعْبُدُ ما تَعْبُدُ ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ أصَحَّ مِنَ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ مِنهُ حَظًّا، وإنْ كانَ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ أصَحَّ مِنَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ كُنّا قَدْ أخَذْنا مِنهُ حَظًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ حَتّى انْقَضَتِ السُّورَةُ». وفِي رِوايَةٍ: «أنَّ رَهْطًا مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ قالُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلُمَّ فاتَّبِعْ دِينَنا ونَتَّبِعْ دِينَكَ تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ أُشْرِكَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرَهُ». فَقالُوا: فاسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا نُصَدِّقُكَ ونَعْبُدُ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ فَعَدا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ فَأيِسُوا». ولَعَلَّ نِداءَهم «بِيّا أيُّها» لِلْمُبالَغَةِ في طَلَبِ إقْبالِهِمْ لِئَلّا يَفُوتَهم شَيْءٌ مِمّا يُلْقى إلَيْهِمْ، وبِ «الكافِرُونَ» دُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ كانَ دِينَهُمُ القَدِيمَ ولَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُمْ، أوْ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ الَّذِينَ يُعْلَمُ اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ فَهو كاللّازِمِ لَهم أوْ لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ ما يُقالُ لَهم لِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ وبِهِ دُونَ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ والأكْثَرُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ أنْكى لَهم فَيَكُونُ أبْلَغَ في قَطْعِ رَجائِهِمُ الفارِغِ. وقِيلَ: هَذا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ ولا يَبْعُدُ أنْ صفحة 251 يَكُونَ في هَذِهِ الإشارَةِ إنْكاءٌ لَهم أيْضًا وفي نِدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ في نادِيهِمْ ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ؛ إذِ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ، والمُرادُ حَقِيقَةُ الأمْرِ خِلافًا لِصاحِبِ التَّأْوِيلاتِ لِلْكافِرِينَ: ﴿يا أيُّها الكافِرُونَ﴾

الكافرون 109:2

﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَتَراءى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا لِلتَّأْكِيدِ، فالجُمْلَةُ الثّالِثَةُ المَنفِيَّةُ عَلى ما في البَحْرِ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى عَلى وجْهِهِ أبْلَغَ لِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والرّابِعَةُ تَوْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وذَهَبَ إلَيْهِ (الفَرّاءُ) وقالَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ ومِن عادَتِهِمْ تَكْرارُ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ والإفْهامِ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: بَلى بَلى. والمُمْتَنِعُ: لا لا. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: كائِنٌ وكَمْ عِنْدِي لَهم مِن صَنِيعَةٍ أيادِيَ سَنُّوها عَلَيَّ وأوْجَبُوا وقَوْلَهُ: نَعَقَ الغُرابُ بِبَيْنِ لَيْلى غُدْوَةً ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ بِفِراقِ لَيْلى يَنْعَقُ وقَوْلَهُ: هَلّا سَألْتِ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وهُوَ كَثِيرٌ نَظْمًا ونَثْرًا، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هاهُنا قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ وتَحْقِيقُ أنَّهم باقُونَ عَلى الكُفْرِ أبَدًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْكِيدَ الجُمَلِ لا يَكُونُ مَعَ العاطِفِ إلّا بِثُمَّ وكَأنَّ القائِلَ بِذاكَ قاسَ الواوَ عَلى ثُمَّ، والظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ بِالتَّأْكِيدِ جَعَلَ الجُمْلَةَ الرّابِعَةَ مَعْطُوفَةً عَلى الثّالِثَةِ، وجَعَلَ المَجْمُوعَ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَهُناكَ مَجْمُوعانِ مُتَعاطِفانِ يُؤَكِّدُ ثانِيهِما أوَّلَهُما ولِمُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ، ويَتَضَمَّنْ ذَلِكَ مَعْنى تَأْكِيدِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ وتَأْكِيدِ الجُزْءِ الثّانِي مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَظاهِرُ ما في البَحْرِ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ كَما لا يَخْفى، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا تَكْرارَ فِيهِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لا أعْبُدُ ) أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ العِبادَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ «لا» لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما أنَّ ما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، وما كُنْتُ عابِدًا قَطُّ فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، وما عَبَدْتُمْ في وقْتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ وأنَّهُ حَمَلَ المُضارِعَ فِيها عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتَغْرَقَ النَّفْيُ لِلْأزْمِنَةِ الماضِيَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ جَعَلَ القَرِينَتَيْنِ لِلْأُولَيَيْنِ لِلِاسْتِقْبالِ والأُخْرَيَيْنِ لِلْماضِي، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنِ الحَصْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما في لا وما غَيَرُ صَحِيحٍ، وإنْ كانا يُشْعِرُ بِهِما ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: ما ذُكِرَ أغْلَبِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ القَرِينَةِ القائِمَةِ عَلى ما يُخالِفُهُ، أوْ هو كُلِّيٌّ ولا حَجَرَ في التَّجَوُّزِ والحَمْلِ عَلى غَيْرِهِ لِمُقْتَضٍ كَدَفْعِ التَّكْرارِ هُنا وإنْ قِيلَ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِغْرابِ عَلى القَوْلِ بِاشْتِراطِهِ في الحِكايَةِ في عابِدِ الأوَّلِ وعَدَمِ ضَرَرِ فَقْدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ النَّصْبَ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: القَرِينَتانِ الأُولَيانِ لِلِاسْتِقْبالِ كَما مَرَّ، والأُخْرَيانِ لِلْحالِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدِ مَعْبُودِيكُمْ، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِي مَعْبُودِي. وقِيلَ بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ ومُحْيِي السُّنَّةِ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِلْماضِي والأُخْرَيانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ حِكايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، ونُقِلَ أيْضًا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الفِعْلِ لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيَ قَبُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قابِلًا لِذَلِكَ ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ إمْكانِهِ الشَّرْعِيِّ، ونُوقِشَ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَفْيُ القَبُولِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ نَفْيُ الفِعْلِ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْناها نَفْيُ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذا المَفْهُومِ مُطْلَقًا صفحة 252 مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلزَّمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنا مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ أصْلًا وأنْتُمْ مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَفْهُومُ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِنَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الكافِرُونَ، والأُخْرَيانِ لِلنَّفْيِ عَلى العُمُومِ؛ أيْ: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ صَنَمَكم. ثُمَّ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَذا أنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وإيثارِ ما في «ما» أعْبُدُ قِيلَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ عَلى «مَن» لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: لَمّا أُطْلِقَتْ «ما» عَلى الأصْنامِ أوَّلًا وهو إطْلاقٌ في مَحَزِّهِ أُطْلِقَتْ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن يَقُولُ: إنَّ «ما» يَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلى «مَن» يَعْلَمُ ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: «ما» في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولٌ بِهِ، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ؛ أيْ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى. وفي الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ مِثْلَ عِبادَتِكُمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الشَّكِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى الشِّرْكِ المُخْرِجِ لَها عَنْ كَوْنِها عِبادَةً حَقِيقَةً ولا أنْتُمْ عابِدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ تَكْرارٌ أيْضًا. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في هَذا المَقامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إمّا كِلاهُما نَفْيُ الحالِ أوْ كِلاهُما نَفْيُ الِاسْتِقْبالِ، أوْ أحَدُهُما لِلْحالِ والآخَرُ لِلِاسْتِقْبالِ، وعَلى التَّقادِيرِ فَلَفْظُ ما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ في المَوْضِعَيْنِ وإمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ فِيهِما، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ في أحَدِهِما ومَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في الآخَرِ، وهَذِهِ سِتَّةُ احْتِمالاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ الثَّلاثَةِ في الِاثْنَيْنِ. ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَقْسِيمِ صُورَةِ الِاخْتِلافِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الأُولى والأُخْرى، ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ لِتَكْثُرَ الأقْسامُ؛ لِأنَّ صُوَرَ الِاخْتِلافِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في دَفْعِ التَّكْرارِ، ومُؤَدّى المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ مُتَقارِبانِ فَيُكْتَفى بِإحْداهُما، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ) في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَكْرارَ في صُورَةِ الِاخْتِلافِ سَواءٌ كانَ بِاعْتِبارِ الحالِ والِاسْتِقْبالِ أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ما في أحَدِهِما مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وفي الآخَرِ مَصْدَرِيَّةً ونَفْيُ عِبادَتِهِمْ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ مَعْبُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعِبادَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى مَعَ الإشْراكِ المُحْبِطِ لَها وجَعْلِها هَباءً مَنثُورًا كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في إخْراجِ الآيَةِ عَنِ التَّكْرارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَقُولُوا لِغَفْلَةٍ عَنِ المُرادِ أوْ نَحْوِها: كَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أنْ تَنْفِيَ عَنْكَ عِبادَةَ ما نَعْبُدُ وعَنّا عِبادَةَ ما تَعْبُدُ ونَحْنُ أيْضًا نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، غايَةُ ما في البابِ أنّا نَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إلَخْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا قالُوا إنَّهُ اللَّهُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وراءَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الإلَهَ الَّذِي عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّكم عَبَدْتُمْ شَيْئًا تَخَيَّلْتُمُوهُ وذَلِكَ بِعُنْوانِ ما تَخَيَّلْتُمْ لَيْسَ بِالإلَهِ الَّذِي أعْبُدُهُ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ؛ لِأنِّي إنَّما أعْبُدُ الإلَهَ المُتَّصِفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي قامَ البُرْهانُ عَلى أنَّها صِفاتُ الإلَهِ. النَّفَسُ الأمْرِيُّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّعْبِيرِ بِ «الكافِرُونَ» دُونَ «المُشْرِكُونَ» وكَأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِالقَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِهَذا المَعْنى ويُكْتَفى بِهِما عَنِ الأُخْرَيَيْنِ لِأنَّهُما أوْفَقُ بِجَوابِهِمْ مَعَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ أنْكى لَهم فَلا تَغْفُلْ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اخْتارَ كَوْنَ ما في القَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا بِهِ لِما قَبْلَها، والمُرادُ بِها أوَّلًا آلِهَتُهم وثانِيًا إلَهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ نَفْيُ العِبادَةِ مُلاحَظًا مَعَها صفحة 253 التَّعَلُّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ المَفْعُولِ بَلْ هو المَقْصُودُ ومَحَطُّ النَّظَرِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ وُقُوعَ القَرِينَتَيْنِ في الجَوابِ، ويَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ رِعايَةً لِلْغالِبِ في اسْتِعْمالِ «لا» داخِلَةً عَلى المُضارِعِ مَعَ كَوْنِهِ أوْفَقَ بِالجَوابِ أيْضًا، ويَكُونُ قَدْ تَمَّ بِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَعْبُدُونَ في الحالِ مِنَ الآلِهَةِ؛ أيْ؛ لا أُحْدِثُ ذَلِكَ حَسْبَما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي وتَدْعُونَنِي إلَيْهِ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ في الحالِ، وكَوْنُها في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةً مُؤَوَّلَةً مَعَ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِما قَبْلُ كَما فَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الإشارَةَ إلى بَيانِ حالِ العِبادَةِ في نَفْسِها مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ وإنْ كانَتْ لا تَخْلُو عَنْهُ في الواقِعِ إثْرَ الإشارَةِ إلى بَيانِ حالِها مَعَ مُلاحَظَةِ تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ، ويُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ في كِلْتَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وفي ذَلِكَ مِن إنْكائِهِمْ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى ما تَمَّ بِهِ الجَوابُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِكُمُ الَّتِي أذْهَبْتُمْ بِها أعْمارَكُمْ؛ لِأنَّ عِبادَتِي مَأْمُورٌ بِها وعِبادَتَكم مَنهِيٌّ عَنْها، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِي الَّتِي أنا مُسْتَمِرٌّ عَلَيْها؛ لِأنَّكُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ وإنِّي الحَبِيبُ المَبْعُوثُ بِالحَقِّ، فَلا زِلْتُمْ في عِبادَةٍ مَنهِيٍّ عَنْها ولا زِلْتُ في عِبادَةٍ مَأْمُورٍ بِها، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الفَرْقَ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ، واعْتِبارُ الِاسْتِمْرارِ في «ما أعْبُدُ» يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ ما عَبَدْتُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما عَبَدْتُمْ قَبْلَهُ إلَيْهِ، وعَنِ العُدُولِ في الثّانِيَةِ إلى ذَلِكَ لِأنَّ أنْواعَ عِبادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ تامَّةً بَعْدُ بَلْ كانَتْ تَتَجَدَّدُ لَها أنْواعٌ أُخَرُ فَأتى بِما يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ التَّجَدُّدِيَّ لِلْإشارَةِ إلى حَقِّيَّةِ جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَقُلْ: ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قَبْلَ البَعْثَةِ. ونَصَّ أبُو الوَفاءِ عَلى ابْنِ عَقِيلٍ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَدَيِّنًا قَبْلَ بَعْثِهِ بِما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا بَعْدَ البَعْثِ فَقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في كِتابِ الوَفاءِ: فِيهِ رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ؛ إحْداهُما: أنَّهُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِما صَحَّ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا مِن جِهَتِهِمْ ولا نَقْلِهِمْ ولا كُتُبِهِمُ المُبَدَّلَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا إلّا بِما يُوحى إلَيْهِ مِن شَرِيعَتِهِ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ كالرِّوايَتَيْنِ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ فَقِيلَ: كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: بِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا ما نُسِخَ في شَرْعِنا، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تَزَلِ العَرَبُ عَلى بَقايا دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والدِّيَةِ والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ وتَحْرِيمِ المُحَرَّمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمُ. انْتَهى. والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً وهو إيجابُ النُّفْرَةِ. نَعَمْ مِن أُصُولِهِمْ وُجُوبُ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وأدِلَّةِ تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يُمْكِنُ أنْ يُخِلَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ: العِبادَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ الواقِعَةِ عَلى سَبِيلِ القِرْبَةِ فالإيمانُ والنِّيَّةُ والإخْلاصُ شُرُوطٌ؛ ومِنهُ: «لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ». واخْتُلِفَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِهَذا المَعْنى قَبْلَ نُبُوَّتِهِ بِشَرْعٍ أوْ لا، فَمَيْلُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصَرِيِّ وأتْباعِهِ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، وأجابُوا عَنِ الطَّوافِ والتَّحَنُّثِ صفحة 254 وغَيْرِهِما مِنَ المَكارِمِ أنَّها لا تَحْرُمُ مِن غَيْرِ شَرْعٍ حَتّى يُقالَ الآتِي بِها لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بَلْ هي مِنَ اقْتِضاءِ العاداتِ المُسْتَمِرَّةِ والمَكارِمِ الغَرِيزِيَّةِ دُونَ نَظَرٍ إلى قُرْبَةٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ ذَلِكَ القَوْلَ وعَلَيْهِ بَنى تَفْسِيرَهُ. وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ أصْلَهُ في وُجُوبِ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في الآياتِ وأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ حَمْلُ ( ما أعْبُدُ ) عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ ما كانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما مَضى عِبادَةً كانَتْ أوْ لا، بَلْ كانُوا يُعَظِّمُونَهُ ويُلَقِّبُونَهُ بِالأمِينِ إنَّما كانَ المُنْكَرُ ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ ثانِيًا: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إذْ لَوْ قِيلَ: ما عَبَدْتُ لَمْ يُطابِقِ المَقامَ، وفِيهِ أنَّ ما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُوافَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ انْتَهى. فَتَدَبَّرْهُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَغايُرَ الأسالِيبِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَغايُرِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَكْلِيفِ مِثْلِ هَؤُلاءِ المُخاطِبِينَ بِما ذُكِرَ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ بِالإيمانِ بَحْثٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأُصُولِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ تَبَّتْ إشارَةٌ ما إلى ذَلِكَ.

الكافرون 109:3

﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَتَراءى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا لِلتَّأْكِيدِ، فالجُمْلَةُ الثّالِثَةُ المَنفِيَّةُ عَلى ما في البَحْرِ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى عَلى وجْهِهِ أبْلَغَ لِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والرّابِعَةُ تَوْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وذَهَبَ إلَيْهِ (الفَرّاءُ) وقالَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ ومِن عادَتِهِمْ تَكْرارُ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ والإفْهامِ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: بَلى بَلى. والمُمْتَنِعُ: لا لا. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: كائِنٌ وكَمْ عِنْدِي لَهم مِن صَنِيعَةٍ أيادِيَ سَنُّوها عَلَيَّ وأوْجَبُوا وقَوْلَهُ: نَعَقَ الغُرابُ بِبَيْنِ لَيْلى غُدْوَةً ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ بِفِراقِ لَيْلى يَنْعَقُ وقَوْلَهُ: هَلّا سَألْتِ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وهُوَ كَثِيرٌ نَظْمًا ونَثْرًا، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هاهُنا قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ وتَحْقِيقُ أنَّهم باقُونَ عَلى الكُفْرِ أبَدًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْكِيدَ الجُمَلِ لا يَكُونُ مَعَ العاطِفِ إلّا بِثُمَّ وكَأنَّ القائِلَ بِذاكَ قاسَ الواوَ عَلى ثُمَّ، والظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ بِالتَّأْكِيدِ جَعَلَ الجُمْلَةَ الرّابِعَةَ مَعْطُوفَةً عَلى الثّالِثَةِ، وجَعَلَ المَجْمُوعَ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَهُناكَ مَجْمُوعانِ مُتَعاطِفانِ يُؤَكِّدُ ثانِيهِما أوَّلَهُما ولِمُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ، ويَتَضَمَّنْ ذَلِكَ مَعْنى تَأْكِيدِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ وتَأْكِيدِ الجُزْءِ الثّانِي مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَظاهِرُ ما في البَحْرِ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ كَما لا يَخْفى، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا تَكْرارَ فِيهِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لا أعْبُدُ ) أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ العِبادَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ «لا» لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما أنَّ ما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، وما كُنْتُ عابِدًا قَطُّ فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، وما عَبَدْتُمْ في وقْتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ وأنَّهُ حَمَلَ المُضارِعَ فِيها عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتَغْرَقَ النَّفْيُ لِلْأزْمِنَةِ الماضِيَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ جَعَلَ القَرِينَتَيْنِ لِلْأُولَيَيْنِ لِلِاسْتِقْبالِ والأُخْرَيَيْنِ لِلْماضِي، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنِ الحَصْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما في لا وما غَيَرُ صَحِيحٍ، وإنْ كانا يُشْعِرُ بِهِما ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: ما ذُكِرَ أغْلَبِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ القَرِينَةِ القائِمَةِ عَلى ما يُخالِفُهُ، أوْ هو كُلِّيٌّ ولا حَجَرَ في التَّجَوُّزِ والحَمْلِ عَلى غَيْرِهِ لِمُقْتَضٍ كَدَفْعِ التَّكْرارِ هُنا وإنْ قِيلَ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِغْرابِ عَلى القَوْلِ بِاشْتِراطِهِ في الحِكايَةِ في عابِدِ الأوَّلِ وعَدَمِ ضَرَرِ فَقْدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ النَّصْبَ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: القَرِينَتانِ الأُولَيانِ لِلِاسْتِقْبالِ كَما مَرَّ، والأُخْرَيانِ لِلْحالِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدِ مَعْبُودِيكُمْ، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِي مَعْبُودِي. وقِيلَ بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ ومُحْيِي السُّنَّةِ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِلْماضِي والأُخْرَيانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ حِكايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، ونُقِلَ أيْضًا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الفِعْلِ لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيَ قَبُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قابِلًا لِذَلِكَ ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ إمْكانِهِ الشَّرْعِيِّ، ونُوقِشَ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَفْيُ القَبُولِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ نَفْيُ الفِعْلِ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْناها نَفْيُ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذا المَفْهُومِ مُطْلَقًا صفحة 252 مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلزَّمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنا مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ أصْلًا وأنْتُمْ مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَفْهُومُ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِنَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الكافِرُونَ، والأُخْرَيانِ لِلنَّفْيِ عَلى العُمُومِ؛ أيْ: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ صَنَمَكم. ثُمَّ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَذا أنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وإيثارِ ما في «ما» أعْبُدُ قِيلَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ عَلى «مَن» لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: لَمّا أُطْلِقَتْ «ما» عَلى الأصْنامِ أوَّلًا وهو إطْلاقٌ في مَحَزِّهِ أُطْلِقَتْ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن يَقُولُ: إنَّ «ما» يَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلى «مَن» يَعْلَمُ ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: «ما» في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولٌ بِهِ، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ؛ أيْ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى. وفي الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ مِثْلَ عِبادَتِكُمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الشَّكِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى الشِّرْكِ المُخْرِجِ لَها عَنْ كَوْنِها عِبادَةً حَقِيقَةً ولا أنْتُمْ عابِدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ تَكْرارٌ أيْضًا. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في هَذا المَقامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إمّا كِلاهُما نَفْيُ الحالِ أوْ كِلاهُما نَفْيُ الِاسْتِقْبالِ، أوْ أحَدُهُما لِلْحالِ والآخَرُ لِلِاسْتِقْبالِ، وعَلى التَّقادِيرِ فَلَفْظُ ما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ في المَوْضِعَيْنِ وإمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ فِيهِما، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ في أحَدِهِما ومَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في الآخَرِ، وهَذِهِ سِتَّةُ احْتِمالاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ الثَّلاثَةِ في الِاثْنَيْنِ. ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَقْسِيمِ صُورَةِ الِاخْتِلافِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الأُولى والأُخْرى، ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ لِتَكْثُرَ الأقْسامُ؛ لِأنَّ صُوَرَ الِاخْتِلافِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في دَفْعِ التَّكْرارِ، ومُؤَدّى المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ مُتَقارِبانِ فَيُكْتَفى بِإحْداهُما، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ) في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَكْرارَ في صُورَةِ الِاخْتِلافِ سَواءٌ كانَ بِاعْتِبارِ الحالِ والِاسْتِقْبالِ أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ما في أحَدِهِما مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وفي الآخَرِ مَصْدَرِيَّةً ونَفْيُ عِبادَتِهِمْ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ مَعْبُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعِبادَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى مَعَ الإشْراكِ المُحْبِطِ لَها وجَعْلِها هَباءً مَنثُورًا كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في إخْراجِ الآيَةِ عَنِ التَّكْرارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَقُولُوا لِغَفْلَةٍ عَنِ المُرادِ أوْ نَحْوِها: كَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أنْ تَنْفِيَ عَنْكَ عِبادَةَ ما نَعْبُدُ وعَنّا عِبادَةَ ما تَعْبُدُ ونَحْنُ أيْضًا نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، غايَةُ ما في البابِ أنّا نَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إلَخْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا قالُوا إنَّهُ اللَّهُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وراءَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الإلَهَ الَّذِي عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّكم عَبَدْتُمْ شَيْئًا تَخَيَّلْتُمُوهُ وذَلِكَ بِعُنْوانِ ما تَخَيَّلْتُمْ لَيْسَ بِالإلَهِ الَّذِي أعْبُدُهُ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ؛ لِأنِّي إنَّما أعْبُدُ الإلَهَ المُتَّصِفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي قامَ البُرْهانُ عَلى أنَّها صِفاتُ الإلَهِ. النَّفَسُ الأمْرِيُّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّعْبِيرِ بِ «الكافِرُونَ» دُونَ «المُشْرِكُونَ» وكَأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِالقَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِهَذا المَعْنى ويُكْتَفى بِهِما عَنِ الأُخْرَيَيْنِ لِأنَّهُما أوْفَقُ بِجَوابِهِمْ مَعَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ أنْكى لَهم فَلا تَغْفُلْ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اخْتارَ كَوْنَ ما في القَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا بِهِ لِما قَبْلَها، والمُرادُ بِها أوَّلًا آلِهَتُهم وثانِيًا إلَهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ نَفْيُ العِبادَةِ مُلاحَظًا مَعَها صفحة 253 التَّعَلُّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ المَفْعُولِ بَلْ هو المَقْصُودُ ومَحَطُّ النَّظَرِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ وُقُوعَ القَرِينَتَيْنِ في الجَوابِ، ويَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ رِعايَةً لِلْغالِبِ في اسْتِعْمالِ «لا» داخِلَةً عَلى المُضارِعِ مَعَ كَوْنِهِ أوْفَقَ بِالجَوابِ أيْضًا، ويَكُونُ قَدْ تَمَّ بِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَعْبُدُونَ في الحالِ مِنَ الآلِهَةِ؛ أيْ؛ لا أُحْدِثُ ذَلِكَ حَسْبَما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي وتَدْعُونَنِي إلَيْهِ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ في الحالِ، وكَوْنُها في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةً مُؤَوَّلَةً مَعَ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِما قَبْلُ كَما فَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الإشارَةَ إلى بَيانِ حالِ العِبادَةِ في نَفْسِها مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ وإنْ كانَتْ لا تَخْلُو عَنْهُ في الواقِعِ إثْرَ الإشارَةِ إلى بَيانِ حالِها مَعَ مُلاحَظَةِ تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ، ويُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ في كِلْتَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وفي ذَلِكَ مِن إنْكائِهِمْ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى ما تَمَّ بِهِ الجَوابُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِكُمُ الَّتِي أذْهَبْتُمْ بِها أعْمارَكُمْ؛ لِأنَّ عِبادَتِي مَأْمُورٌ بِها وعِبادَتَكم مَنهِيٌّ عَنْها، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِي الَّتِي أنا مُسْتَمِرٌّ عَلَيْها؛ لِأنَّكُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ وإنِّي الحَبِيبُ المَبْعُوثُ بِالحَقِّ، فَلا زِلْتُمْ في عِبادَةٍ مَنهِيٍّ عَنْها ولا زِلْتُ في عِبادَةٍ مَأْمُورٍ بِها، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الفَرْقَ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ، واعْتِبارُ الِاسْتِمْرارِ في «ما أعْبُدُ» يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ ما عَبَدْتُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما عَبَدْتُمْ قَبْلَهُ إلَيْهِ، وعَنِ العُدُولِ في الثّانِيَةِ إلى ذَلِكَ لِأنَّ أنْواعَ عِبادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ تامَّةً بَعْدُ بَلْ كانَتْ تَتَجَدَّدُ لَها أنْواعٌ أُخَرُ فَأتى بِما يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ التَّجَدُّدِيَّ لِلْإشارَةِ إلى حَقِّيَّةِ جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَقُلْ: ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قَبْلَ البَعْثَةِ. ونَصَّ أبُو الوَفاءِ عَلى ابْنِ عَقِيلٍ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَدَيِّنًا قَبْلَ بَعْثِهِ بِما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا بَعْدَ البَعْثِ فَقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في كِتابِ الوَفاءِ: فِيهِ رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ؛ إحْداهُما: أنَّهُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِما صَحَّ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا مِن جِهَتِهِمْ ولا نَقْلِهِمْ ولا كُتُبِهِمُ المُبَدَّلَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا إلّا بِما يُوحى إلَيْهِ مِن شَرِيعَتِهِ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ كالرِّوايَتَيْنِ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ فَقِيلَ: كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: بِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا ما نُسِخَ في شَرْعِنا، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تَزَلِ العَرَبُ عَلى بَقايا دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والدِّيَةِ والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ وتَحْرِيمِ المُحَرَّمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمُ. انْتَهى. والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً وهو إيجابُ النُّفْرَةِ. نَعَمْ مِن أُصُولِهِمْ وُجُوبُ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وأدِلَّةِ تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يُمْكِنُ أنْ يُخِلَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ: العِبادَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ الواقِعَةِ عَلى سَبِيلِ القِرْبَةِ فالإيمانُ والنِّيَّةُ والإخْلاصُ شُرُوطٌ؛ ومِنهُ: «لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ». واخْتُلِفَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِهَذا المَعْنى قَبْلَ نُبُوَّتِهِ بِشَرْعٍ أوْ لا، فَمَيْلُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصَرِيِّ وأتْباعِهِ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، وأجابُوا عَنِ الطَّوافِ والتَّحَنُّثِ صفحة 254 وغَيْرِهِما مِنَ المَكارِمِ أنَّها لا تَحْرُمُ مِن غَيْرِ شَرْعٍ حَتّى يُقالَ الآتِي بِها لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بَلْ هي مِنَ اقْتِضاءِ العاداتِ المُسْتَمِرَّةِ والمَكارِمِ الغَرِيزِيَّةِ دُونَ نَظَرٍ إلى قُرْبَةٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ ذَلِكَ القَوْلَ وعَلَيْهِ بَنى تَفْسِيرَهُ. وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ أصْلَهُ في وُجُوبِ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في الآياتِ وأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ حَمْلُ ( ما أعْبُدُ ) عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ ما كانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما مَضى عِبادَةً كانَتْ أوْ لا، بَلْ كانُوا يُعَظِّمُونَهُ ويُلَقِّبُونَهُ بِالأمِينِ إنَّما كانَ المُنْكَرُ ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ ثانِيًا: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إذْ لَوْ قِيلَ: ما عَبَدْتُ لَمْ يُطابِقِ المَقامَ، وفِيهِ أنَّ ما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُوافَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ انْتَهى. فَتَدَبَّرْهُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَغايُرَ الأسالِيبِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَغايُرِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَكْلِيفِ مِثْلِ هَؤُلاءِ المُخاطِبِينَ بِما ذُكِرَ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ بِالإيمانِ بَحْثٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأُصُولِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ تَبَّتْ إشارَةٌ ما إلى ذَلِكَ.

الكافرون 109:4

﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَتَراءى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا لِلتَّأْكِيدِ، فالجُمْلَةُ الثّالِثَةُ المَنفِيَّةُ عَلى ما في البَحْرِ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى عَلى وجْهِهِ أبْلَغَ لِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والرّابِعَةُ تَوْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وذَهَبَ إلَيْهِ (الفَرّاءُ) وقالَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ ومِن عادَتِهِمْ تَكْرارُ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ والإفْهامِ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: بَلى بَلى. والمُمْتَنِعُ: لا لا. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: كائِنٌ وكَمْ عِنْدِي لَهم مِن صَنِيعَةٍ أيادِيَ سَنُّوها عَلَيَّ وأوْجَبُوا وقَوْلَهُ: نَعَقَ الغُرابُ بِبَيْنِ لَيْلى غُدْوَةً ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ بِفِراقِ لَيْلى يَنْعَقُ وقَوْلَهُ: هَلّا سَألْتِ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وهُوَ كَثِيرٌ نَظْمًا ونَثْرًا، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هاهُنا قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ وتَحْقِيقُ أنَّهم باقُونَ عَلى الكُفْرِ أبَدًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْكِيدَ الجُمَلِ لا يَكُونُ مَعَ العاطِفِ إلّا بِثُمَّ وكَأنَّ القائِلَ بِذاكَ قاسَ الواوَ عَلى ثُمَّ، والظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ بِالتَّأْكِيدِ جَعَلَ الجُمْلَةَ الرّابِعَةَ مَعْطُوفَةً عَلى الثّالِثَةِ، وجَعَلَ المَجْمُوعَ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَهُناكَ مَجْمُوعانِ مُتَعاطِفانِ يُؤَكِّدُ ثانِيهِما أوَّلَهُما ولِمُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ، ويَتَضَمَّنْ ذَلِكَ مَعْنى تَأْكِيدِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ وتَأْكِيدِ الجُزْءِ الثّانِي مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَظاهِرُ ما في البَحْرِ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ كَما لا يَخْفى، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا تَكْرارَ فِيهِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لا أعْبُدُ ) أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ العِبادَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ «لا» لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما أنَّ ما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، وما كُنْتُ عابِدًا قَطُّ فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، وما عَبَدْتُمْ في وقْتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ وأنَّهُ حَمَلَ المُضارِعَ فِيها عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتَغْرَقَ النَّفْيُ لِلْأزْمِنَةِ الماضِيَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ جَعَلَ القَرِينَتَيْنِ لِلْأُولَيَيْنِ لِلِاسْتِقْبالِ والأُخْرَيَيْنِ لِلْماضِي، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنِ الحَصْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما في لا وما غَيَرُ صَحِيحٍ، وإنْ كانا يُشْعِرُ بِهِما ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: ما ذُكِرَ أغْلَبِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ القَرِينَةِ القائِمَةِ عَلى ما يُخالِفُهُ، أوْ هو كُلِّيٌّ ولا حَجَرَ في التَّجَوُّزِ والحَمْلِ عَلى غَيْرِهِ لِمُقْتَضٍ كَدَفْعِ التَّكْرارِ هُنا وإنْ قِيلَ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِغْرابِ عَلى القَوْلِ بِاشْتِراطِهِ في الحِكايَةِ في عابِدِ الأوَّلِ وعَدَمِ ضَرَرِ فَقْدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ النَّصْبَ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: القَرِينَتانِ الأُولَيانِ لِلِاسْتِقْبالِ كَما مَرَّ، والأُخْرَيانِ لِلْحالِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدِ مَعْبُودِيكُمْ، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِي مَعْبُودِي. وقِيلَ بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ ومُحْيِي السُّنَّةِ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِلْماضِي والأُخْرَيانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ حِكايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، ونُقِلَ أيْضًا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الفِعْلِ لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيَ قَبُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قابِلًا لِذَلِكَ ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ إمْكانِهِ الشَّرْعِيِّ، ونُوقِشَ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَفْيُ القَبُولِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ نَفْيُ الفِعْلِ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْناها نَفْيُ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذا المَفْهُومِ مُطْلَقًا صفحة 252 مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلزَّمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنا مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ أصْلًا وأنْتُمْ مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَفْهُومُ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِنَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الكافِرُونَ، والأُخْرَيانِ لِلنَّفْيِ عَلى العُمُومِ؛ أيْ: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ صَنَمَكم. ثُمَّ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَذا أنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وإيثارِ ما في «ما» أعْبُدُ قِيلَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ عَلى «مَن» لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: لَمّا أُطْلِقَتْ «ما» عَلى الأصْنامِ أوَّلًا وهو إطْلاقٌ في مَحَزِّهِ أُطْلِقَتْ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن يَقُولُ: إنَّ «ما» يَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلى «مَن» يَعْلَمُ ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: «ما» في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولٌ بِهِ، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ؛ أيْ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى. وفي الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ مِثْلَ عِبادَتِكُمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الشَّكِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى الشِّرْكِ المُخْرِجِ لَها عَنْ كَوْنِها عِبادَةً حَقِيقَةً ولا أنْتُمْ عابِدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ تَكْرارٌ أيْضًا. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في هَذا المَقامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إمّا كِلاهُما نَفْيُ الحالِ أوْ كِلاهُما نَفْيُ الِاسْتِقْبالِ، أوْ أحَدُهُما لِلْحالِ والآخَرُ لِلِاسْتِقْبالِ، وعَلى التَّقادِيرِ فَلَفْظُ ما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ في المَوْضِعَيْنِ وإمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ فِيهِما، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ في أحَدِهِما ومَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في الآخَرِ، وهَذِهِ سِتَّةُ احْتِمالاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ الثَّلاثَةِ في الِاثْنَيْنِ. ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَقْسِيمِ صُورَةِ الِاخْتِلافِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الأُولى والأُخْرى، ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ لِتَكْثُرَ الأقْسامُ؛ لِأنَّ صُوَرَ الِاخْتِلافِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في دَفْعِ التَّكْرارِ، ومُؤَدّى المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ مُتَقارِبانِ فَيُكْتَفى بِإحْداهُما، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ) في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَكْرارَ في صُورَةِ الِاخْتِلافِ سَواءٌ كانَ بِاعْتِبارِ الحالِ والِاسْتِقْبالِ أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ما في أحَدِهِما مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وفي الآخَرِ مَصْدَرِيَّةً ونَفْيُ عِبادَتِهِمْ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ مَعْبُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعِبادَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى مَعَ الإشْراكِ المُحْبِطِ لَها وجَعْلِها هَباءً مَنثُورًا كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في إخْراجِ الآيَةِ عَنِ التَّكْرارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَقُولُوا لِغَفْلَةٍ عَنِ المُرادِ أوْ نَحْوِها: كَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أنْ تَنْفِيَ عَنْكَ عِبادَةَ ما نَعْبُدُ وعَنّا عِبادَةَ ما تَعْبُدُ ونَحْنُ أيْضًا نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، غايَةُ ما في البابِ أنّا نَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إلَخْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا قالُوا إنَّهُ اللَّهُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وراءَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الإلَهَ الَّذِي عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّكم عَبَدْتُمْ شَيْئًا تَخَيَّلْتُمُوهُ وذَلِكَ بِعُنْوانِ ما تَخَيَّلْتُمْ لَيْسَ بِالإلَهِ الَّذِي أعْبُدُهُ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ؛ لِأنِّي إنَّما أعْبُدُ الإلَهَ المُتَّصِفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي قامَ البُرْهانُ عَلى أنَّها صِفاتُ الإلَهِ. النَّفَسُ الأمْرِيُّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّعْبِيرِ بِ «الكافِرُونَ» دُونَ «المُشْرِكُونَ» وكَأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِالقَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِهَذا المَعْنى ويُكْتَفى بِهِما عَنِ الأُخْرَيَيْنِ لِأنَّهُما أوْفَقُ بِجَوابِهِمْ مَعَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ أنْكى لَهم فَلا تَغْفُلْ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اخْتارَ كَوْنَ ما في القَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا بِهِ لِما قَبْلَها، والمُرادُ بِها أوَّلًا آلِهَتُهم وثانِيًا إلَهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ نَفْيُ العِبادَةِ مُلاحَظًا مَعَها صفحة 253 التَّعَلُّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ المَفْعُولِ بَلْ هو المَقْصُودُ ومَحَطُّ النَّظَرِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ وُقُوعَ القَرِينَتَيْنِ في الجَوابِ، ويَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ رِعايَةً لِلْغالِبِ في اسْتِعْمالِ «لا» داخِلَةً عَلى المُضارِعِ مَعَ كَوْنِهِ أوْفَقَ بِالجَوابِ أيْضًا، ويَكُونُ قَدْ تَمَّ بِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَعْبُدُونَ في الحالِ مِنَ الآلِهَةِ؛ أيْ؛ لا أُحْدِثُ ذَلِكَ حَسْبَما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي وتَدْعُونَنِي إلَيْهِ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ في الحالِ، وكَوْنُها في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةً مُؤَوَّلَةً مَعَ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِما قَبْلُ كَما فَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الإشارَةَ إلى بَيانِ حالِ العِبادَةِ في نَفْسِها مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ وإنْ كانَتْ لا تَخْلُو عَنْهُ في الواقِعِ إثْرَ الإشارَةِ إلى بَيانِ حالِها مَعَ مُلاحَظَةِ تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ، ويُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ في كِلْتَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وفي ذَلِكَ مِن إنْكائِهِمْ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى ما تَمَّ بِهِ الجَوابُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِكُمُ الَّتِي أذْهَبْتُمْ بِها أعْمارَكُمْ؛ لِأنَّ عِبادَتِي مَأْمُورٌ بِها وعِبادَتَكم مَنهِيٌّ عَنْها، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِي الَّتِي أنا مُسْتَمِرٌّ عَلَيْها؛ لِأنَّكُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ وإنِّي الحَبِيبُ المَبْعُوثُ بِالحَقِّ، فَلا زِلْتُمْ في عِبادَةٍ مَنهِيٍّ عَنْها ولا زِلْتُ في عِبادَةٍ مَأْمُورٍ بِها، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الفَرْقَ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ، واعْتِبارُ الِاسْتِمْرارِ في «ما أعْبُدُ» يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ ما عَبَدْتُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما عَبَدْتُمْ قَبْلَهُ إلَيْهِ، وعَنِ العُدُولِ في الثّانِيَةِ إلى ذَلِكَ لِأنَّ أنْواعَ عِبادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ تامَّةً بَعْدُ بَلْ كانَتْ تَتَجَدَّدُ لَها أنْواعٌ أُخَرُ فَأتى بِما يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ التَّجَدُّدِيَّ لِلْإشارَةِ إلى حَقِّيَّةِ جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَقُلْ: ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قَبْلَ البَعْثَةِ. ونَصَّ أبُو الوَفاءِ عَلى ابْنِ عَقِيلٍ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَدَيِّنًا قَبْلَ بَعْثِهِ بِما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا بَعْدَ البَعْثِ فَقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في كِتابِ الوَفاءِ: فِيهِ رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ؛ إحْداهُما: أنَّهُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِما صَحَّ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا مِن جِهَتِهِمْ ولا نَقْلِهِمْ ولا كُتُبِهِمُ المُبَدَّلَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا إلّا بِما يُوحى إلَيْهِ مِن شَرِيعَتِهِ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ كالرِّوايَتَيْنِ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ فَقِيلَ: كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: بِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا ما نُسِخَ في شَرْعِنا، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تَزَلِ العَرَبُ عَلى بَقايا دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والدِّيَةِ والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ وتَحْرِيمِ المُحَرَّمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمُ. انْتَهى. والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً وهو إيجابُ النُّفْرَةِ. نَعَمْ مِن أُصُولِهِمْ وُجُوبُ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وأدِلَّةِ تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يُمْكِنُ أنْ يُخِلَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ: العِبادَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ الواقِعَةِ عَلى سَبِيلِ القِرْبَةِ فالإيمانُ والنِّيَّةُ والإخْلاصُ شُرُوطٌ؛ ومِنهُ: «لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ». واخْتُلِفَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِهَذا المَعْنى قَبْلَ نُبُوَّتِهِ بِشَرْعٍ أوْ لا، فَمَيْلُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصَرِيِّ وأتْباعِهِ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، وأجابُوا عَنِ الطَّوافِ والتَّحَنُّثِ صفحة 254 وغَيْرِهِما مِنَ المَكارِمِ أنَّها لا تَحْرُمُ مِن غَيْرِ شَرْعٍ حَتّى يُقالَ الآتِي بِها لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بَلْ هي مِنَ اقْتِضاءِ العاداتِ المُسْتَمِرَّةِ والمَكارِمِ الغَرِيزِيَّةِ دُونَ نَظَرٍ إلى قُرْبَةٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ ذَلِكَ القَوْلَ وعَلَيْهِ بَنى تَفْسِيرَهُ. وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ أصْلَهُ في وُجُوبِ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في الآياتِ وأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ حَمْلُ ( ما أعْبُدُ ) عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ ما كانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما مَضى عِبادَةً كانَتْ أوْ لا، بَلْ كانُوا يُعَظِّمُونَهُ ويُلَقِّبُونَهُ بِالأمِينِ إنَّما كانَ المُنْكَرُ ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ ثانِيًا: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إذْ لَوْ قِيلَ: ما عَبَدْتُ لَمْ يُطابِقِ المَقامَ، وفِيهِ أنَّ ما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُوافَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ انْتَهى. فَتَدَبَّرْهُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَغايُرَ الأسالِيبِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَغايُرِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَكْلِيفِ مِثْلِ هَؤُلاءِ المُخاطِبِينَ بِما ذُكِرَ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ بِالإيمانِ بَحْثٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأُصُولِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ تَبَّتْ إشارَةٌ ما إلى ذَلِكَ.

الكافرون 109:5

﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَتَراءى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا لِلتَّأْكِيدِ، فالجُمْلَةُ الثّالِثَةُ المَنفِيَّةُ عَلى ما في البَحْرِ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى عَلى وجْهِهِ أبْلَغَ لِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والرّابِعَةُ تَوْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وذَهَبَ إلَيْهِ (الفَرّاءُ) وقالَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ ومِن عادَتِهِمْ تَكْرارُ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ والإفْهامِ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: بَلى بَلى. والمُمْتَنِعُ: لا لا. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: كائِنٌ وكَمْ عِنْدِي لَهم مِن صَنِيعَةٍ أيادِيَ سَنُّوها عَلَيَّ وأوْجَبُوا وقَوْلَهُ: نَعَقَ الغُرابُ بِبَيْنِ لَيْلى غُدْوَةً ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ بِفِراقِ لَيْلى يَنْعَقُ وقَوْلَهُ: هَلّا سَألْتِ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وهُوَ كَثِيرٌ نَظْمًا ونَثْرًا، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هاهُنا قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ وتَحْقِيقُ أنَّهم باقُونَ عَلى الكُفْرِ أبَدًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْكِيدَ الجُمَلِ لا يَكُونُ مَعَ العاطِفِ إلّا بِثُمَّ وكَأنَّ القائِلَ بِذاكَ قاسَ الواوَ عَلى ثُمَّ، والظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ بِالتَّأْكِيدِ جَعَلَ الجُمْلَةَ الرّابِعَةَ مَعْطُوفَةً عَلى الثّالِثَةِ، وجَعَلَ المَجْمُوعَ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَهُناكَ مَجْمُوعانِ مُتَعاطِفانِ يُؤَكِّدُ ثانِيهِما أوَّلَهُما ولِمُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ، ويَتَضَمَّنْ ذَلِكَ مَعْنى تَأْكِيدِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ وتَأْكِيدِ الجُزْءِ الثّانِي مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَظاهِرُ ما في البَحْرِ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ كَما لا يَخْفى، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا تَكْرارَ فِيهِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لا أعْبُدُ ) أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ العِبادَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ «لا» لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما أنَّ ما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، وما كُنْتُ عابِدًا قَطُّ فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، وما عَبَدْتُمْ في وقْتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ وأنَّهُ حَمَلَ المُضارِعَ فِيها عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتَغْرَقَ النَّفْيُ لِلْأزْمِنَةِ الماضِيَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ جَعَلَ القَرِينَتَيْنِ لِلْأُولَيَيْنِ لِلِاسْتِقْبالِ والأُخْرَيَيْنِ لِلْماضِي، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنِ الحَصْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما في لا وما غَيَرُ صَحِيحٍ، وإنْ كانا يُشْعِرُ بِهِما ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: ما ذُكِرَ أغْلَبِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ القَرِينَةِ القائِمَةِ عَلى ما يُخالِفُهُ، أوْ هو كُلِّيٌّ ولا حَجَرَ في التَّجَوُّزِ والحَمْلِ عَلى غَيْرِهِ لِمُقْتَضٍ كَدَفْعِ التَّكْرارِ هُنا وإنْ قِيلَ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِغْرابِ عَلى القَوْلِ بِاشْتِراطِهِ في الحِكايَةِ في عابِدِ الأوَّلِ وعَدَمِ ضَرَرِ فَقْدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ النَّصْبَ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: القَرِينَتانِ الأُولَيانِ لِلِاسْتِقْبالِ كَما مَرَّ، والأُخْرَيانِ لِلْحالِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدِ مَعْبُودِيكُمْ، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِي مَعْبُودِي. وقِيلَ بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ ومُحْيِي السُّنَّةِ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِلْماضِي والأُخْرَيانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ حِكايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، ونُقِلَ أيْضًا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الفِعْلِ لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيَ قَبُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قابِلًا لِذَلِكَ ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ إمْكانِهِ الشَّرْعِيِّ، ونُوقِشَ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَفْيُ القَبُولِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ نَفْيُ الفِعْلِ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْناها نَفْيُ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذا المَفْهُومِ مُطْلَقًا صفحة 252 مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلزَّمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنا مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ أصْلًا وأنْتُمْ مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَفْهُومُ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: الأُولَيانِ لِنَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الكافِرُونَ، والأُخْرَيانِ لِلنَّفْيِ عَلى العُمُومِ؛ أيْ: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ صَنَمَكم. ثُمَّ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَذا أنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وإيثارِ ما في «ما» أعْبُدُ قِيلَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ عَلى «مَن» لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: لَمّا أُطْلِقَتْ «ما» عَلى الأصْنامِ أوَّلًا وهو إطْلاقٌ في مَحَزِّهِ أُطْلِقَتْ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن يَقُولُ: إنَّ «ما» يَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلى «مَن» يَعْلَمُ ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: «ما» في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولٌ بِهِ، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ؛ أيْ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى. وفي الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ مِثْلَ عِبادَتِكُمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الشَّكِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى الشِّرْكِ المُخْرِجِ لَها عَنْ كَوْنِها عِبادَةً حَقِيقَةً ولا أنْتُمْ عابِدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ تَكْرارٌ أيْضًا. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في هَذا المَقامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إمّا كِلاهُما نَفْيُ الحالِ أوْ كِلاهُما نَفْيُ الِاسْتِقْبالِ، أوْ أحَدُهُما لِلْحالِ والآخَرُ لِلِاسْتِقْبالِ، وعَلى التَّقادِيرِ فَلَفْظُ ما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ في المَوْضِعَيْنِ وإمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ فِيهِما، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ في أحَدِهِما ومَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في الآخَرِ، وهَذِهِ سِتَّةُ احْتِمالاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ الثَّلاثَةِ في الِاثْنَيْنِ. ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَقْسِيمِ صُورَةِ الِاخْتِلافِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الأُولى والأُخْرى، ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ لِتَكْثُرَ الأقْسامُ؛ لِأنَّ صُوَرَ الِاخْتِلافِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في دَفْعِ التَّكْرارِ، ومُؤَدّى المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ مُتَقارِبانِ فَيُكْتَفى بِإحْداهُما، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ) في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَكْرارَ في صُورَةِ الِاخْتِلافِ سَواءٌ كانَ بِاعْتِبارِ الحالِ والِاسْتِقْبالِ أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ما في أحَدِهِما مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وفي الآخَرِ مَصْدَرِيَّةً ونَفْيُ عِبادَتِهِمْ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ مَعْبُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعِبادَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى مَعَ الإشْراكِ المُحْبِطِ لَها وجَعْلِها هَباءً مَنثُورًا كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في إخْراجِ الآيَةِ عَنِ التَّكْرارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَقُولُوا لِغَفْلَةٍ عَنِ المُرادِ أوْ نَحْوِها: كَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أنْ تَنْفِيَ عَنْكَ عِبادَةَ ما نَعْبُدُ وعَنّا عِبادَةَ ما تَعْبُدُ ونَحْنُ أيْضًا نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، غايَةُ ما في البابِ أنّا نَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ إلَخْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا قالُوا إنَّهُ اللَّهُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وراءَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الإلَهَ الَّذِي عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّكم عَبَدْتُمْ شَيْئًا تَخَيَّلْتُمُوهُ وذَلِكَ بِعُنْوانِ ما تَخَيَّلْتُمْ لَيْسَ بِالإلَهِ الَّذِي أعْبُدُهُ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ؛ لِأنِّي إنَّما أعْبُدُ الإلَهَ المُتَّصِفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي قامَ البُرْهانُ عَلى أنَّها صِفاتُ الإلَهِ. النَّفَسُ الأمْرِيُّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّعْبِيرِ بِ «الكافِرُونَ» دُونَ «المُشْرِكُونَ» وكَأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِالقَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِهَذا المَعْنى ويُكْتَفى بِهِما عَنِ الأُخْرَيَيْنِ لِأنَّهُما أوْفَقُ بِجَوابِهِمْ مَعَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ أنْكى لَهم فَلا تَغْفُلْ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اخْتارَ كَوْنَ ما في القَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا بِهِ لِما قَبْلَها، والمُرادُ بِها أوَّلًا آلِهَتُهم وثانِيًا إلَهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ نَفْيُ العِبادَةِ مُلاحَظًا مَعَها صفحة 253 التَّعَلُّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ المَفْعُولِ بَلْ هو المَقْصُودُ ومَحَطُّ النَّظَرِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ وُقُوعَ القَرِينَتَيْنِ في الجَوابِ، ويَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ رِعايَةً لِلْغالِبِ في اسْتِعْمالِ «لا» داخِلَةً عَلى المُضارِعِ مَعَ كَوْنِهِ أوْفَقَ بِالجَوابِ أيْضًا، ويَكُونُ قَدْ تَمَّ بِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَعْبُدُونَ في الحالِ مِنَ الآلِهَةِ؛ أيْ؛ لا أُحْدِثُ ذَلِكَ حَسْبَما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي وتَدْعُونَنِي إلَيْهِ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ في الحالِ، وكَوْنُها في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةً مُؤَوَّلَةً مَعَ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِما قَبْلُ كَما فَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الإشارَةَ إلى بَيانِ حالِ العِبادَةِ في نَفْسِها مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ وإنْ كانَتْ لا تَخْلُو عَنْهُ في الواقِعِ إثْرَ الإشارَةِ إلى بَيانِ حالِها مَعَ مُلاحَظَةِ تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ، ويُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ في كِلْتَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وفي ذَلِكَ مِن إنْكائِهِمْ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى ما تَمَّ بِهِ الجَوابُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِكُمُ الَّتِي أذْهَبْتُمْ بِها أعْمارَكُمْ؛ لِأنَّ عِبادَتِي مَأْمُورٌ بِها وعِبادَتَكم مَنهِيٌّ عَنْها، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِي الَّتِي أنا مُسْتَمِرٌّ عَلَيْها؛ لِأنَّكُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ وإنِّي الحَبِيبُ المَبْعُوثُ بِالحَقِّ، فَلا زِلْتُمْ في عِبادَةٍ مَنهِيٍّ عَنْها ولا زِلْتُ في عِبادَةٍ مَأْمُورٍ بِها، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الفَرْقَ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ، واعْتِبارُ الِاسْتِمْرارِ في «ما أعْبُدُ» يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ ما عَبَدْتُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما عَبَدْتُمْ قَبْلَهُ إلَيْهِ، وعَنِ العُدُولِ في الثّانِيَةِ إلى ذَلِكَ لِأنَّ أنْواعَ عِبادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ تامَّةً بَعْدُ بَلْ كانَتْ تَتَجَدَّدُ لَها أنْواعٌ أُخَرُ فَأتى بِما يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ التَّجَدُّدِيَّ لِلْإشارَةِ إلى حَقِّيَّةِ جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَقُلْ: ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قَبْلَ البَعْثَةِ. ونَصَّ أبُو الوَفاءِ عَلى ابْنِ عَقِيلٍ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَدَيِّنًا قَبْلَ بَعْثِهِ بِما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا بَعْدَ البَعْثِ فَقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في كِتابِ الوَفاءِ: فِيهِ رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ؛ إحْداهُما: أنَّهُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِما صَحَّ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا مِن جِهَتِهِمْ ولا نَقْلِهِمْ ولا كُتُبِهِمُ المُبَدَّلَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا إلّا بِما يُوحى إلَيْهِ مِن شَرِيعَتِهِ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ كالرِّوايَتَيْنِ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ فَقِيلَ: كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: بِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا ما نُسِخَ في شَرْعِنا، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تَزَلِ العَرَبُ عَلى بَقايا دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والدِّيَةِ والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ وتَحْرِيمِ المُحَرَّمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمُ. انْتَهى. والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً وهو إيجابُ النُّفْرَةِ. نَعَمْ مِن أُصُولِهِمْ وُجُوبُ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وأدِلَّةِ تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يُمْكِنُ أنْ يُخِلَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ: العِبادَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ الواقِعَةِ عَلى سَبِيلِ القِرْبَةِ فالإيمانُ والنِّيَّةُ والإخْلاصُ شُرُوطٌ؛ ومِنهُ: «لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ». واخْتُلِفَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِهَذا المَعْنى قَبْلَ نُبُوَّتِهِ بِشَرْعٍ أوْ لا، فَمَيْلُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصَرِيِّ وأتْباعِهِ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، وأجابُوا عَنِ الطَّوافِ والتَّحَنُّثِ صفحة 254 وغَيْرِهِما مِنَ المَكارِمِ أنَّها لا تَحْرُمُ مِن غَيْرِ شَرْعٍ حَتّى يُقالَ الآتِي بِها لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بَلْ هي مِنَ اقْتِضاءِ العاداتِ المُسْتَمِرَّةِ والمَكارِمِ الغَرِيزِيَّةِ دُونَ نَظَرٍ إلى قُرْبَةٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ ذَلِكَ القَوْلَ وعَلَيْهِ بَنى تَفْسِيرَهُ. وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ أصْلَهُ في وُجُوبِ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في الآياتِ وأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ حَمْلُ ( ما أعْبُدُ ) عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ ما كانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما مَضى عِبادَةً كانَتْ أوْ لا، بَلْ كانُوا يُعَظِّمُونَهُ ويُلَقِّبُونَهُ بِالأمِينِ إنَّما كانَ المُنْكَرُ ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ ثانِيًا: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إذْ لَوْ قِيلَ: ما عَبَدْتُ لَمْ يُطابِقِ المَقامَ، وفِيهِ أنَّ ما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُوافَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ انْتَهى. فَتَدَبَّرْهُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَغايُرَ الأسالِيبِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَغايُرِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَكْلِيفِ مِثْلِ هَؤُلاءِ المُخاطِبِينَ بِما ذُكِرَ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ بِالإيمانِ بَحْثٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأُصُولِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ تَبَّتْ إشارَةٌ ما إلى ذَلِكَ.

الكافرون 109:6

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ هو عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ عِنْدَهم تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والمَعْنى: أنَّ دِينَكم وهو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكم لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ فَلا تُعَلِّقُوا بِهِ أمانِيَكُمُ الفارِغَةَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينَيِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكم أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكم لِسُوءِ اسْتِعْدادِكم أوْ لِأنَّكم عَلَّقْتُمُوهُ بِالمُحالِ الَّذِي هو عِبادَتِي لِآلِهَتِكم أوِ اسْتِلامِي لَها، أوْ لِأنَّ ما وعَدْتُمُوهُ عَيْنُ الإشْراكِ، وحَيْثُ إنَّ مَقْصُودَهم شَرِكَةُ الفَرِيقَيْنِ في كِلْتا العِبادَتَيْنِ كانَ القَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَسْنَدِ قَصْرَ إفْرادٍ حَتْمًا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ والآيَةُ عَلى ما ذُكِرَ مُحْكَمَةٌ غَيْرَ مَنسُوخَةٍ كَما لا يَخْفى، أوِ المُرادُ المُتارَكَةُ عَلى مَعْنى: إنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكم لِأدْعُوَكم إلى الحَقِّ والنَّجاةِ، فَإذا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ولَمْ تَتَّبِعُونِي فَدَعُونِي كَفافًا ولا تَدْعُونِي إلى الشِّرْكِ فَهي عَلى هَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وفُسِّرَ الدِّينُ بِالحِسابِ؛ أيْ: لَكم حِسابُكم ولِي حِسابِي لا يَرْجِعُ إلى كُلٍّ مِنّا مِن عَمَلِ صاحِبِهِ أثَرٌ. وبِالجَزاءِ أيْ: لَكم جَزاؤُكم ولِي جَزائِي. قِيلَ: والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَكُونُ إذا بَقِينا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِنا وإذا بَقِيتُ عَلى عِبادَةِ إلَهِكَ؟ فَقِيلَ: ( لَكم ) إلَخْ. والمُرادُ: يَكُونُ لَهُمُ الشَّرُّ ويَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخَيْرُ، لَكِنْ أتى بِاللّامِ في ( لَكم ) لِلْمُشاكَلَةِ وعَلَيْهِ لا نَسْخَ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا تَكُونُ عَلَيْهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، ولَعَلَّهُ لا يَخْفى. وقَدْ يُفَسَّرُ الدِّينُ بِالحالِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ حَسْبَما ذَكَرَهُ القالِي في أمالِيهِ وغَيْرُهُ؛ أيْ: لَكم حالُكُمُ اللّائِقُ بِكُمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سُوءُ اسْتِعْدادِكُمْ، ولِي حالِي اللّائِقُ بِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ اسْتِعْدادِي، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ كالتَّعْلِيلِ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ فَلا نَسْخَ. والأوْلى أنْ تُفَسَّرَ بِما لا تَكُونُ عَلَيْهِ مَنسُوخَةً؛ لِأنَّ النَّسْخَ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولِلْإمامِ الرّازِيِّ أوْجُهٌ في تَفْسِيرِها لا يَخْلُو بَعْضُها عَنْ نَظَرٍ. وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ النّاسَ يَتَمَثَّلُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ المُتارَكَةِ؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ القُرْآنَ ما أُنْزِلَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ، بَلْ لِيُهْتَدى بِهِ، وفِيهِ مَيْلٌ إلى سَدِّ بابِ الِاقْتِباسِ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ؛ فَقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَلامِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ والتّابِعِينَ، ولِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ رِسالَةٌ وافِيَةٌ كافِيَةٌ في إزالَةِ الِالتِباسِ عَنْ وجْهِ جَوازِ الِاقْتِباسِ وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ فَأظْهَرُ مِن أنْ يُنَبَّهَ عَلى ضَعْفِهِ. وقَرَأ سَلّامٌ ويَعْقُوبُ: «دِينِي» بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النصر 110:1

صفحة 255 سُورَةُ النَّصْرِ وتُسَمّى سُورَةَ إذا جاءَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ؛ لِما فِيها مِنَ الإيماءِ إلى وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْدِيعِهِ الدُّنْيا وما فِيها. وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: «نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي»». وفِي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ دَعا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وقالَ: «إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي». فَبَكَتْ ثُمَّ ضَحِكَتْ، فَقِيلَ لَها فَقالَتْ: أخْبَرَنِي أنَّهُ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أخْبَرَنِي بِأنَّكِ أوَّلُ أهْلِي لَحاقًا بِي فَضَحِكْتُ». وقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ مِنها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ يَفْعَلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَها فِعْلَ مُوَدِّعٍ. وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى القَوْلِ الأصَحِّ في تَعْرِيفِ المَدَنِيِّ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ وصَدَقَةُ بْنُ بَشّارٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْسَطَ أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى وهو في حَجَّةِ الوَداعِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ حَتّى خَتَمَها». الخَبَرَ. وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما، لَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: إنَّ إسْنادَهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ قالَ أحْمَدُ: لا تَحِلُّ الرِّوايَةُ عَنْهُ وعَلَيْهِ إنْ صَحَّ يَكُونُ نُزُولُها قَرِيبًا جِدًّا مِن زَمانِ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ ما بَيْنَ حَجَّةِ الوَداعِ وإجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ داعِيَ الحَقِّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ونَيِّفٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما عاشَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قَلِيلًا سَنَتَيْنِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وفِي البَحْرِ: إنَّ نُزُولَها عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن خَيْبَرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كانَتْ في سَنَةِ سَبْعٍ أواخِرَ المُحَرَّمِ فَيَكُونُ ما في البَيْنِ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّتِها أيْضًا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في القُرْآنِ جَمِيعًا: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وآيُها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ، وفِيها إشارَةٌ إلى اضْمِحْلالِ مِلَّةِ الأصْنامِ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وهو وجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها. ويُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ وهي عَلى ما أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ رُبْعُ القُرْآنِ. ولَمْ أظْفَرْ بِوَجْهِ ذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: إعانَتُهُ تَعالى وإظْهارُهُ إيّاكَ عَلى عَدُوِّكَ وهَذا مَعْنى النَّصْرِ المُعَدّى بِعَلى، وفُسِّرَ بِهِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفَتْحُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُعَدّى بِمَن ومَعْناهُ الحِفْظُ والفَتْحُ يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الكَلامُ مُشْتَمِلًا عَلى إفادَةِ النَّصْرَيْنِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ. و«إذا» مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وأبُو حَيّانَ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَها ولَيْسَتْ مُضافَةً إلَيْهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَوْلٌ آخَرُ. والمُرادُ بِهَذا النَّصْرِ ما كانَ في أمْرِ مَكَّةَ مِن غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قُرَيْشٍ، وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّصْرَ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وأمّا الفَتْحُ فَقَدْ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ وعَنْ عائِشَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ الجُمْهُورُ وكانَ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: لِثَلاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ عَلى رَأْسِ ثَمانِ سِنِينَ ونِصْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أحْمَدَ لِثَمانِ عَشْرَةَ، وفي أُخْرى لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ لِسِتَّ عَشْرَةَ. وقالَ الواقِدِيُّ: خَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ بَعْدَ العَصْرِ، وضَعَّفَهُ القَسْطَلانِيُّ وكانَ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ عَشَرَةَ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وطَوائِفَ مِنَ العَرَبِ. وفي الإكْلِيلِ: اثْنَيْ صفحة 256 عَشَرَ ألْفًا، وجُمِعَ بِأنَّ العَشَرَةَ خَرَجَ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المَدِينَةِ ثُمَّ تَلاحَقَ الألْفانِ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ النَّصْرُ عَلى ما كانَ مَعَ الفَتْحِ المَذْكُورِ فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ نازِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وتَتَضَمَّنُ الإعْلامَ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ وهو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وإذا كانَتْ نازِلَةً بَعْدَهُ فَقالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: إنَّ «إذا» بِمَعْنى «إذْ» الَّتِي لِلْماضِي، ومَجِيئُها بِهَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ وعَلَيْهِ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمُقَدَّرٍ كَكَمَّلَ الأمْرَ أوْ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلى العِبادِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا بِ «سَبِّحْ» لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ نَحْوَ: أضْرِبُ زَيْدًا أمْسِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هي لِما يُسْتَقْبَلُ كَما هو الأكْثَرُ في اسْتِعْمالِها، وحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مُسْتَقْبَلًا مُتَرَقِّيًا بِاعْتِبارِ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ أُمَّ الفُتُوحِ والدُّسْتُورَ لِما يَكُونُ مِن بَعْدِهِ فَهو مُتَرَقَّبٌ بِاعْتِبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مُتَحَقِّقًا بِاعْتِبارِهِ في نَفْسِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِقْبالُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ ما في حَيِّزِ إذا، فَمِنهُ ما هو مُسْتَقْبَلٌ وهو ما تَضَمَّنَهُ

النصر 110:2

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ولَوْ بِاعْتِبارٍ آخَرَ داخِلٍ؛ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنِ النُّزُولُ بَعْدَ تَمامِ الدُّخُولِ. وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، وجِنْسُ الفَتْحِ؛ فَيَعُمُّ ما كانَ في أمْرِ مَكَّةَ -زادَها اللَّهُ تَعالى شَرَفًا- وغَيْرِهِ، وأمْرُ الِاسْتِقْبالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَجِيءِ الحُصُولُ وهو حَقِيقَةٌ فِيهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ. وقالَ القاضِي: مَجازٌ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في «رَأيْتَ» لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أوْ عِلْمِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولَيْنِ، و«النّاسَ» العَرَبُ. و«دِينِ اللَّهِ» مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي لا دِينَ لَهُ تَعالى يُضافُ إلَيْهِ غَيْرُها، والأفْواجُ جَمْعُ فَوْجٍ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: الجَماعَةُ المارَّةُ المُسْرِعَةُ ويُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الجَماعَةِ. قالَ الحُوفِيُّ: وقِياسُ جَمْعِهِ أفْوُجٌ؛ ولَكِنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَعُدِّلَ إلى أفْواجٍ. وفي البَحْرِ: قِياسُ فِعْلٍ صَحِيحِ العَيْنِ أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعُلٍ لا عَلى أفْعالٍ، ومُعْتَلُّ العَيْنِ بِالعَكْسِ، فالقِياسُ فِيهِ أفْعالٌ كَحَوْضٍ وأحْواضٍ، وشَذَّ فِيهِ أفْعُلٌ كَثَوْبٍ وأثْوُبٌ. ونَصْبُ ( أفْواجًا ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْخُلُونَ ) وأمّا جُمْلَةُ ( يَدْخُلُونَ ) فَهي حالٌ مِنَ النّاسِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في الرُّؤْيَةِ ومَعْفُولٌ ثانٍ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فِيها، وكَوْنُها حالًا أيْضًا بِجَعْلِ رَأيْتَ بِمَعْنى عَرَفْتَ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: لا نَعْلَمُ أنْ رَأيْتَ جاءَتْ بِمَعْنى عَرَفْتَ، فَيُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى اسْتِثْباتٍ، والمُرادُ بِدُخُولِ النّاسِ في دِينِهِ تَعالى أفْواجًا أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً إسْلامُهم مِن غَيْرِ قَتّالٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بَيْنَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا قَبْلَ الفَتْحِ يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قالَ: لَمّا كانَ الفَتْحُ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَتِ الأحْياءُ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ فَيَقُولُونَ: دَعَوْهُ وقَوْمَهُ؛ فَإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيٌّ. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ قالَتِ الأعْرابُ: أمّا إذا ظَفِرَ بِأهْلِ مَكَّةَ وقَدْ أجارَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أصْحابِ الفِيلِ فَلَيْسَ لَكم بِهِ يَدانِ، فَدَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ تَعالى أفْواجًا. وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يُتَوَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدْ وافَدَهُ وتَأوَّلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: المُرادُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- العَرَبُ عَبَدَةُ الأوْثانِ؛ فَإنَّ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ ما أراهم أسْلَمُوا في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهم لَمْ يُسْلِمُوا إذْ ذاكَ فالمُرادُ بِالنّاسِ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ ونَحْوِهِمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ وأسْلَمُوا واحْتَجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحُصَيْنِ بْنِ عِيسى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَدِينَةِ إذْ قالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وجاءَ أهْلُ اليَمَنِ». قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أهْلُ اليَمَنِ؟ قالَ «قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهم صفحة 257 لَيِّنَةٌ طاعَتُهُمُ الإيمانُ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ»». وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ الأعْلى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««الإيمانُ يَمانٍ»» جاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ««أتاكم أهْلُ اليَمَنِ هم أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوبًا، الإيمانُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ»». فَقِيلَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ لِأنَّ مَكَّةَ يَمانِيَةٌ؛ ومِنها بُعِثَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَشا الإيمانُ. وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدْحَ الأنْصارِ لِأنَّهم يَمانُونَ وقَدْ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الخَبَرِ في المَدِينَةِ يُعارِضُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَبُوكَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَمَنِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ وهُما دارا الإيمانِ ومَظْهَراهُ ويُحْتَمَلُ تَكْرارُ القَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ ثَناءٌ عَلى أهْلِ اليَمَنِ لِإسْراعِهِمْ إلى الإيمانِ وقَبُولِهِمْ لَهُ بِلا سَيْفٍ، ويَشْمَلُ الأنْصارَ مِن أهْلِ اليَمَنِ وغَيْرَهُمْ، فَكَأنَّ الإيمانَ كانَ في سِنْخِ قُلُوبِهِمْ فَقَبِلُوهُ كَما أنْهى إلَيْهِمْ كَمَن يَجِدُ ضالَّتَهُ، ومِثْلُهُ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ»». وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ فِي: «رَأيْتَ النّاسَ» عامًّا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ثُمَّ قالَ: وما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ أنَّ المُناسِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ أنْ يَحْمِلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿والفَتْحُ﴾ عَلى فَتْحِ بابِ الدِّينِ عَلَيْهِمُ انْتَهى. وكِلا الأمْرَيْنِ كَما تَرى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ: «إذا جاءَ فَتْحُ اللَّهِ والنَّصْرُ». وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: «يُدْخَلُونَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

النصر 110:3

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: فَنَزِّهْهُ تَعالى بِكُلِّ ذِكْرٍ يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ حامِدًا لَهُ جَلَّ وعَلا زِيادَةً في عِبادَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِزِيادَةِ إنْعامِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْكَ، فالتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ لا التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ سُبْحانَ اللَّهِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، والحَمْدُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى عَلى الجَمْعِ بَيْنَ تَسْبِيحِهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّقائِصِ وتَحْمِيدُهُ وهو إثْباتُ ما يَلِيقُ بِهِ تَعالى مِنَ المَحامِدِ لَهُ لِعِظَمِ ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: أيْ نَزِّهْهُ تَعالى عَنِ العَجْزِ في تَأْخِيرِ ظُهُورِ الفَتْحِ، وأحْمَدْهُ عَلى التَّأْخِيرِ، وصَفَهُ تَعالى بِأنَّ تَوْقِيتَ الأُمُورِ مِن عِنْدِهِ لَيْسَ إلّا لِحِمْكَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو عَزَّ وجَلَّ وهو كَما تَرى، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»». يَتَأوَّلُ القُرْآنَ؛ تَعْنِي هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾ أيِ اطْلُبْ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ، وكَذا بِما في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ في آخِرِ أمْرِهِ مِن قَوْلِ: «سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ». وقالَ: «إنَّ رَبِّي أخْبَرَنِي أنْ سَأرى عَلّامَةً في أُمَّتِي وأمَرَنِي إذا رَأيْتُها أنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وأسْتَغْفِرَهُ»». إلَخْ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخِرِ أمْرِهِ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجِيءُ إلّا قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ» قالَ: «إنِّي أُمِرْتُ بِها» وقَرَأ السُّورَةَ». وهو غَرِيبٌ. وفِي المُسْنَدِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ كانَ يُكْثِرُ إذا قَرَأها ورَكَعَ أنْ يَقُولَ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ». ثَلاثًا». وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، والحَمْدُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ؛ أيْ سُبْحانَهُ بِما حَمِدَ سُبْحانَهُ بِهِ نَفْسَهُ. قالَ ابْنُ رَجَبٍ: إذْ لَيْسَ كُلُّ تَسْبِيحٍ بِمَحْمُودٍ، فَتَسْبِيحُ المُعْتَزِلَةِ يَقْتَضِي تَعْطِيلَ كَثِيرٍ مِنَ الصِّفاتِ، وقَدْ كانَ بِشْرٌ المَرِيسِيُّ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأسْفَلِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. والظّاهِرُ المُلابَسَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ مَجازًا عَنِ التَّعَجُّبِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ؛ فَإنَّ مَن رَأى أمْرًا عَجِيبًا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، أيْ: فَتَعَجَّبْ لِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ وبالِ أحَدٍ مِن أنْ يَغْلِبَ أحَدٌ عَلى أهْلِ الحَرَمِ، وأحْمَدْهُ تَعالى عَلى صُنْعِهِ، وهَذا التَّعَجُّبُ تَعَجُّبٌ صفحة 258 مُتَأمِّلٌ شاكِرٌ يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ ولَيْسَ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ بِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن شَأْنِها أنْ يَتَعَجَّبَ مِنها كَما زَعَمَ ابْنُ المُنَيِّرِ. والتَّعْلِيلُ بِأنَّ الأمْرَ في صِيغَةِ التَّعَجُّبِ لَيْسَ أمْرًا بَيِّنَ السُّقُوطِ. نَعَمْ هَذا الوَجْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ والأخْبارُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِعْدادِ لِلتَّوَجُّهِ إلى رَبِّهِ تَعالى والِاسْتِعْدادِ لِلِقائِهِ بَعْدَ ما أكْمَلَ دِينَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ. وأيْضًا ما ذَكَرْناهُ مِنَ الآثارِ آنِفًا لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ، ونَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أيْ: فَصَلِّ لَهُ تَعالى حامِدًا عَلى نِعَمِهِ. وقَدْ رُوِيَ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ صَلّى في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ ثَمانِيَ رَكَعاتٍ،» وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ صَلّاها داخِلَ الكَعْبَةِ. ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ. وأيًّا ما كانَ فَهي صَلاةُ الفَتْحِ وهي سُنَّةٌ وقَدْ صَلّاها سَعْدٌ يَوْمَ فَتْحِ المَدائِنِ وقِيلَ: الضُّحى، وقِيلَ: أرْبَعٌ مِنها لِلْفَتْحِ وأرْبَعٌ لِلضُّحى وعَلى كُلٍّ لَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، والأخْبارُ أيْضًا تُساعِدُ عَلى خِلافِهِ واسْتِغْفارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ: لِأنَّهُ كانَ دائِمًا في التَّرَقِّي فَإذا تَرَقّى إلى مَرْتَبَةٍ اسْتَغْفَرَ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: مِمّا هو في نَظَرِهِ الشَّرِيفِ خِلافُ الأوْلى بِمَنصِبِهِ المُنِيفِ. وقِيلَ: عَمّا كانَ مِن سَهْوٍ ولَوْ قِيلَ النُّبُوَّةُ وقِيلَ لِتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو اسْتِغْفارٌ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيْ. واسْتَغْفِرْهُ لِأُمَّتِكَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ في «رَأيْتَ» عامًّا. وقالَ: هاهُنا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ لِمَن سِواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإدْخالُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأمْرِ تَغْلِيبٌ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ مُقَصِّرٌ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى كَما يَنْبَغِي وأدائِها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظَمَتُهُ سُبْحانَهُ وإنَّما يُؤَدِّيها عَلى قَدْرِ ما يَعْرِفُ، والعارِفُ يَعْرِفُ أنَّ قَدْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أعْلى وأجَلُّ مِن ذَلِكَ؛ فَهو يَسْتَحِي مِن عَمَلِهِ ويَرى أنَّهُ مُقَصِّرٌ، وكُلَّما كانَ الشَّخْصُ بِاللَّهِ تَعالى أعْرَفَ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ أخْوَفَ وبِرُؤْيَةِ تَقْصِيرِهِ أبْصَرَ، وقَدْ كانَ كَهْمَسٌ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ ألْفَ رَكْعَةٍ، فَإذا صَلّى أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: قُومِي يا مَأْوى كُلِّ سُوءٍ، فَواللَّهِ ما رَضِيتُكِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أُوصِيَ إذا مِتُّ أنْ يُنْطَلَقَ بِي كَما يُنْطَلَقُ بِالعَبْدِ الآبِقِ إلى سَيِّدِهِ، فَإذا سَألَنِي قُلْتُ: يا رَبِّ، إنِّي لَمْ أرْضَ لَكَ نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما يَعْرِفُ مِن عَظِيمِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ فَيَرى أنَّ عِبادَتَهُ وإنْ كانَتْ أجَلَّ مَن عِبادَةِ جَمِيعِ العابِدِينَ دُونَ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ الجَلالِ وتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي هي وراءَ ما يَخْطُرُ بِالبالِ فَيَسْتَحْيِي ويَهْرَعُ إلى الِاسْتِغْفارِ. وقَدْ صَحَّ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً،» ولِلْإشارَةِ إلى قُصُورِ العابِدِ عَنِ الإتْيانِ بِما يَلِيقُ بِجَلالِ المَعْبُودِ، وأنَّ بَذْلَ المَجْهُودِ شُرِعَ الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ كَثِيرٍ مِنَ الطّاعاتِ فَذَكَرُوا أنَّهُ يُشْرَعُ لِمُصَلِّي المَكْتُوبَةِ أنْ يَسْتَغْفِرَ عَقِبَها ثَلاثًا ولِلْمُتَهَجِّدِ في الأسْحارِ أنْ يَسْتَغْفِرَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولِلْحاجِّ أنْ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَ الحَجِّ؛ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ يُشْرَعُ لِخَتْمِ الوُضُوءِ، وقالُوا: يُشْرَعُ لِخَتْمِ كُلِّ مَجْلِسٍ. وقَدْ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ».» فَفِي الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ رَمْزٌ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى ما قِيلَ إلى ما فُهِمَ مِنَ النَّعْيِ، والمَشْهُورُ أنْ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى مُشارَفَةِ تَمامِ أمْرِ الدَّعْوَةِ وتَكامُلِ أمْرِ الدِّينِ، والكَلامُ وإنْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى التَّعْلِيقِ وتَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ ثُمَّ الحَمْدِ عَلى الِاسْتِغْفارِ قِيلَ: عَلى طَرِيقَةِ النُّزُولِ مِنَ الخالِقِ إلى الخَلْقِ كَما قِيلَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ صفحة 259 تَعالى قِبَلَهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَرايا لِتَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في التَّسْبِيحِ والحَمْدِ تَوَجُّهًا بِالذّاتِ لِجَلالِ الخالِقِ وكَمالِهِ، وفي الِاسْتِغْفارِ تَوَجُّهًا بِالذّاتِ لِحالِ العَبْدِ وتَقْصِيراتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهُما لِما أشَرْنا إلَيْهِ في مَشْرُوعِيَّةِ تَعْقِيبِ العِبادَةِ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ في تَقْدِيمِها عَلَيْهِ تَعْلِيمُ أدَبِ الدُّعاءِ؛ وهو أنْ لا يَسْألَ فَجْأةً مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ الثَّناءِ عَلى المَسْؤُولِ مِنهُ. ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ أيْ: مُنْذُ خَلَقَ المُكَلَّفِينَ؛ أيْ: مُبالِغًا في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فَلْيَكُنِ المُسْتَغْفِرُ التّائِبُ مُتَوَقِّعًا لِلْقَبُولِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، واخْتِيارُ ( تَوّابًا ) عَلى «غَفّارًا» مَعَ أنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ «اسْتَغْفِرْهُ» ظاهِرًا لِلتَّنْبِيهِ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ إنَّما يَنْفَعُ إذا كانَ مَعَ التَّوْبَةِ. وذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ أنَّ الِاسْتِغْفارَ المُجَرَّدَ هو التَّوْبَةُ مَعَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالدُّعاءِ والمَقْرُونِ بِالتَّوْبَةِ، فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى وأتُوبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالدُّعاءِ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا: إنَّ المُجَرَّدَ طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الماضِي بِالدُّعاءِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ ووِقايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ المُتَوَقَّعِ بِالعَزْمِ عَلى الإقْلاعِ عَنْهُ، وهَذا الَّذِي يَمْنَعُ الإصْرارَ كَما جاءَ: ««ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ»». والمَقْرُونُ بِالتَّوْبَةِ مُخْتَصٌّ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ؛ فَإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلى الذَّنْبِ الماضِي فَهو دُعاءٌ مَحْضٌ، وإنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهو تَوْبَةٌ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ المَحْضَ غَيْرُ مَقْبُولٍ وفِيهِ مِن سُوءِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى ما فِيهِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ في الآيَةِ احْتِباكًا، والأصْلُ: «واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ غَفّارًا، وتُبْ إلَيْهِ إنَّهُ كانَ تَوّابًا». وأُيِّدَ بِما قَدَّمْناهُ مِن حَدِيثِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وحَمْلُ الزَّمانِ الماضِي عَلى زَمانِ خَلْقِ المُكَلَّفِينَ هو ما ارْتَضاهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: أيْ: لَمْ يَزَلْ تَوّابًا لا أنَّهُ سُبْحانَهُ تَوّابٌ بِأمْرٍ اكْتَسَبَهُ وأحْدَثَهُ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ صارَ تَوّابًا إذْ أنْشَأ الخَلْقَ فَتابُوا فَقَبِلَ تَوْبَتَهُمْ، فَأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَوّابًا، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ ولا نِزاعَ في حُدُوثِها، واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَهَبَ إلَيْهِ الماتُرِيدِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ بِحَيْثُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ومَآلُهُ قِدَمُ مَنشَأِ قَبُولِها مِنَ الصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفي ذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي الرَّجاءَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ. وصَحَّ: ««لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ تَعالى بِكم ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم. وفي الِاسْتِغْفارِ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ»». أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««مَن قالَ حِينَ يَأْوِي إلى فِراشِهِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ، وإنْ كانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ، وإنْ كانَتْ عَدَدَ ورَقِ الشَّجَرِ»». وأخْرَجَ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: ««مَن أكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مَن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا»». وأنا أقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى وأتُوبُ إلَيْهِ، وأسْألُهُ أنْ يَجْعَلَ لِي مَن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومَن كُلِّ ضَيِّقٍ مَخْرَجًا، بِحُرْمَةِ كِتابِهِ وسَيِّدِ أحْبابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

المسد 111:1

سُورَةُ المَسَدِ وتُسَمّى سُورَةَ المَسَدِ، وهي مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ بِلا خِلافٍ في الأمْرَيْنِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ دُخُولَ النّاسِ في مِلَّةِ الإسْلامِ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ هَلاكِ بَعْضٍ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيها وخُسْرانِهِ. عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُهُ ولَيْسَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ كَذا قِيلَ في وجْهِ الِاتِّصالِ، وقِيلَ: هو مِنَ اتِّصالِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ وفي كُلٍّ مَسَرَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ الإمامُ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إلَهِي، فَما جَزائِي؟» فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لَكَ النَّصْرُ والفَتْحُ فَقالَ: «فَما جَزاءُ عَمِّي الَّذِي دَعانِي إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؟» فَقالَ: تَبَّتْ يَداهُ. وقَدَّمَ الوَعْدَ عَلى الوَعِيدِ صفحة 260 لِيَكُونَ النَّصْرُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ والوَعِيدُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى حَدِّ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الآيَةَ... فَتَأمَّلْ هَذِهِ المُجانَسَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ هَذِهِ السُّوَرِ مَعَ أنَّ سُورَةَ النَّصْرِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وتَبَّتْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ لِتَعْلَمَ أنَّ تَرْتِيبَها مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ قالَ: ووَجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهِي ما جَزاءُ المُطِيعِ؟ قالَ: حُصُولُ النَّصْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ قِيلَ: فَما جَزاءُ العاصِي؟ قالَ: الخَسارُ في الدُّنْيا والعِقابُ في العُقْبى، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ تَبَّتْ. انْتَهى وهو كَما تَرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ؟ يُرِيدُونَ أمْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ؛ أيْ: خَسِرَتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وقَتادَةُ، وعَنِ الأوَّلِ أيْضًا خابَتْ، وعَنْ يَمانِ بْنِ وثّابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ وهي عَلى ما في البَحْرِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقالَ الشِّهابُ: إنَّ مادَّةَ التَّبابِ تَدُورُ عَلى القَطْعِ وهو مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ؛ ولِذا فُسِّرَ بِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: هو الِاسْتِمْرارُ في الخُسْرانِ ولِتَضَمُّنِهِ الِاسْتِمْرارَ قِيلَ: اسْتَتَبَّ لِفُلانٍ كَذا أيِ اسْتَمَرَّ، ويَرْجِعُ هَذا المَعْنى إلى الهَلاكِ. ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ شَدِيدَ المُعاداةِ والمُناصَبَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِن ذَلِكَ ما في المَجْمَعِ عَنْ طارِقٍ المُحارِبِيِّ قالَ: «بَيْنا أنا بِسُوقِ ذِي المَجازِ إذا أنا بِرَجُلٍ حَدِيثِ السِّنِّ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وإذا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ قَدْ أدْمى ساقَيْهِ وعُرْقُوبَيْهِ ويَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تُصَدِّقُوهُ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ فَقالُوا: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وهَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ يَزْعُمُ أنَّهُ كَذّابٌ». وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: «يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ». لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم. أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ»؟ قالُوا: نَعَمْ؛ ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ». فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ الأيّامِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتْ». ويُرْوى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ القَوْلِ أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِها رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن هَذا يُعْلَمُ وجْهُ إيثارِ التَّبابِ عَلى الهَلاكِ ونَحْوِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ وكَذا مِمّا رَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ أبا لَهَبٍ قالَ لَمّا خَرَجَ مِنَ الشِّعْبِ وظاهَرَ قُرَيْشًا: إنَّ مُحَمَّدًا يَعِدُنا أشْياءَ لا نَراها كائِنَةً؛ يَزْعُمُ أنَّها كائِنَةٌ بَعْدَ المَوْتِ، فَماذا وضَعَ في يَدَيْهِ ثُمَّ نَفَخَ في يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: تَبًّا لَكُما ما أرى فِيكُما شَيْئًا مِمّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ . ومِمّا رُوِيَ عَنْ طارِقٍ يُعْلَمُ وجْهُ الثّانِي فَقَطْ؛ فاليَدانِ عَلى المَعْنى المَعْرُوفِ والكَلامُ دُعاءٌ بِهَلاكِهِما. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتَبَّ﴾ دُعاءٌ بِهَلاكِ كُلِّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا إخْبارَيْنِ بِهَلاكِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في المَوْضِعَيْنِ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأوَّلُ دُعاءٌ بِهَلاكِ جُمْلَتِهِ عَلى أنَّ اليَدَيْنِ إمّا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ كَما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ، والقَوْلُ في رَدِّهِ أنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ يَعْدَمُ بِعَدَمِهِ؛ كالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ واليَدِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِتَصْرِيحِ فُحُولٍ بِخِلافِهِ هُنا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ أوِ المُرادُ عَلى ما قِيلَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ يَعْدَمُ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كَما في إطْلاقِ العَيْنِ عَلى الرَّبِيئَةِ واليَدِ عَلى المُعْطِي أوِ المُتَعاطِي لِبَعْضِ الأفْعالِ؛ فَإنَّ الذّاتَ مِن حَيْثُ اتِّصافُها بِما قُصِدَ اتِّصافُها بِهِ تَعْدَمُ بِعَدَمِ ذَلِكَ العُضْوِ، والثّانِي إخْبارٌ بِالحُصُولِ؛ أيْ: وكانَ ذَلِكَ وحَصَلَ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ واسْتُظْهِرَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ وقَدْ مُقَدَّرَةٌ عَلى المَشْهُورِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ صفحة 261 فِي سَبَبِ النُّزُولِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: «تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ» وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُعاءً؛ لِأنَّ «قَدْ» لا تَدْخُلُ عَلى أفْعالِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: الأوَّلُ إخْبارٌ عَنْ هَلاكِ عَمَلِهِ حَيْثُ لَمْ يُفِدْهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّ الأعْمالَ تُزاوَلُ بِالأيْدِي غالِبًا. والثّانِي إخْبارٌ عَنْ هَلاكِ نَفْسِهِ. وفي التَّأْوِيلاتِ اليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ وكانَ يُحْسِنُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلى قُرَيْشٍ ويَقُولُ: إنْ كانَ الأمْرُ لِمُحَمَّدٍ فَلِي عِنْدَهُ يَدٌ، وإنْ كانَ لِقُرَيْشٍ فَكَذَلِكَ، فَأُخْبِرَ أنَّهُ خَسِرَتْ يَدُهُ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِنادِهِ لَهُ ويَدُهُ الَّتِي عِنْدَ قُرَيْشٍ أيْضًا بِخُسْرانِ قُرَيْشٍ وهَلاكِهِمْ في يَدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهَذا مَعْنى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ . والمُرادُ بِالثّانِي الإخْبارُ بِهَلاكِهِ نَفْسِهِ وذُكِرَ بِكُنْيَتِهِ لِاشْتِهارِهِ بِها وقَدْ أُرِيدَ تَشْهِيرُهُ بِدَعْوَةِ السُّوءِ، وأنْ تَبْقى سِمَةً لَهُ، وذِكْرُهُ بِأشْهَرِ عَلَمَيْهِ أوْفَقُ بِذَلِكَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: «يَدا أبُو لَهَبٍ» كَما قِيلَ عَلِيُّ بْنُ أبُو طالِبٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ أبُو سُفْيانَ؛ لِئَلّا يُغَيَّرَ مِنهُ شَيْءٌ فَيُشْكِلُ عَلى السّامِعِ، أوْ لِكَراهَةِ ذِكْرِ اسْمِهِ القَبِيحِ أوْ لِأنَّهُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ كانَ يُكَنّى بِذَلِكَ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، فَذُكِرَ بِذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِ وبِافْتِخارِهِ بِذَلِكَ، أوْ لِتَجانُسِ ذاتِ لَهَبٍ ويُوافِقُهُ لَفْظًا ومَعْنًى. والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَجْنِيسٍ لَفْظِيٍّ لِأنَّهُ لَيْسَ في الفاصِلَةِ وهْمٌ؛ فَإنَّهم لَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِيهِ أوْ لِجَعْلِهِ كِنايَةً عَنِ الجَهَنَّمِيِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَبَّتْ يَدا جَهَنَّمِيٍّ، وذَلِكَ لِأنَّ انْتِسابَهُ إلى اللَّهَبِ كانْتِسابِ الأبِ إلى الوَلَدِ يَدُلُّ عَلى مُلابَسَتِهِ لَهُ ومُلازَمَتِهِ إيّاهُ كَما يُقالُ: هو أبُو الخَيْرِ وأبُو الشَّرِّ وأخُو الفَضْلِ وأخُو الحَرْبِ لِمَن يُلابِسُ هَذِهِ الأُمُورَ ويُلازِمُها، ومُلازَمَتُهُ لِذَلِكَ تَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ جَهَنَّمِيًّا لَزْمًا عُرْفِيًّا فَإنَّ اللَّهَبَ الحَقِيقِيَّ هو لَهَبُ جَهَنَّمَ، فالِانْتِقالُ مِن أبِي لَهَبٍ إلى جَهَنَّمِيٍّ انْتِقالٌ مِنَ المَلْزُومِ إلى اللّازِمِ أوْ بِالعَكْسِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ في الكِنايَةِ؛ فَإنَّ التَّلازُمَ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ مُتَحَقِّقٌ في الخارِجِ والذِّهْنِ إلّا أنَّ هَذا اللُّزُومَ إنَّما هو بِحَسْبِ الوَضْعِ الأوَّلِ أعْنِي الإضافِيَّ دُونَ الثّانِي أعْنِي العَلَمِيِّ، وهم يَعْتَبِرُونَ في الكُنى المَعانِيَ الأصْلِيَّةَ. فَأبُو لَهَبٍ بِاعْتِبارِ الوَضْعِ العَلَمِيِّ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّخْصِ المُعَيَّنِ ويَنْتَقِلُ مِنهُ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ الأصْلِيِّ إلى مُلابِسِ اللَّهَبِ ومُلازِمِهِ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى أنَّهُ جَهَنَّمِيٌّ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الصِّفَةِ بِالواسِطَةِ وهَذا ما اخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي فَعِنْدَهُ كِنايَةٌ بِلا واسِطَةٍ لِأنَّ مَعْناهُ الأصْلِيَّ أعْنِي مَلابِسَ اللَّهَبِ مَلْحُوظٌ مَعَ مَعْناهُ العَلَمِيِّ وأحَقُّ مَعَ العَلامَةِ لِأنَّ أبا لَهَبٍ يُسْتَعْمَلُ في الشَّخْصِ المُعَيَّنِ والمُتَكَلِّمِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِمُ المَعانِيَ الأصْلِيَّةَ في الكُنى يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى المَعْنى الأصْلِيِّ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى الجَهَنَّمِيِّ، ولا يُلاحَظُ مَعَهُ مَعْناهُ الأصْلِيُّ وإلّا لَكانَ لَفْظُ أبِي لَهَبٍ في الآيَةِ مَجازًا سَواءً لُوحِظَ مَعَهُ مَعْناهُ الأصْلِيُّ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ أوِ التَّقْيِيدِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لِلْمَجْمُوعِ، وما قِيلَ: إنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ لا يَكُونُ مَقْصُودًا في الكِنايَةِ وأنَّ مَناطَ الفائِدَةِ والصِّدْقِ والكَذِبِ فِيها هو المَعْنى الثّانِي. وهاهُنا قُصِدَ الذّاتُ المُعَيَّنُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ مَعَ جَوازِ إرادَتِهِ مَعَهُ فَيَجُوزُ هاهُنا أنْ يَكُونَ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادًا. وفي المِفْتاحِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ في الكِنايَةِ هو المَعْنى الحَقِيقِيُّ ولازِمُهُ جَمِيعًا، وزَعَمَ السَّيِّدُ أيْضًا أنَّ الكِنايَةَ في أبِي لَهَبٍ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ بِهَذا الِاسْمِ وبِكَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا فَدَلَّ اسْمُهُ عَلى كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا دَلالَةَ حاتِمٍ عَلى أنَّهُ جَوادٌ، فَإذا أُطْلِقَ وقُصِدَ بِهِ الِانْتِقالُ إلى هَذا المَعْنى يَكُونُ كِنايَةً عَنْهُ، وفِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَكُونَ الكِنايَةُ في مِثْلِهِ مَوْقُوفَةً عَلى اشْتِهارِ الشَّخْصِ بِذَلِكَ العَلَمِ ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهم يَنْتَقِلُونَ مِنَ الكُنْيَةِ إلى ما يَلْزَمُ مُسَمّاها بِاعْتِبارِ الأصْلِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الشُّهْرَةِ قالَ الشّاعِرُ: قَصَدْتُ أنا المَحاسِنَ كَيْ أراهُ ∗∗∗ لِشَوْقٍ كادَ يَجْذِبُنِي إلَيْهِ فَلَمّا أنْ رَأيْتُ رَأيْتُ فَرْدًا ∗∗∗ ولَمْ أرَ مِن بَنِيهِ ابْنًا لَدَيْهِ صفحة 262 عَلى أنَّ فِيهِ بُعْدَ ما فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: «أبِي لَهْبٍ» بِسُكُونِ الهاءِ وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ عَلى ما في الكَشّافِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: الفَتْحُ والسُّكُونُ لُغَتانِ وهو قِياسٌ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ.

المسد 111:2

﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ حِينَ حَلَّ بِهِ التَّبابُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً في مَحَلِّ نَصْبٍ بِما بَعْدَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ؛ أيْ: أيَّ إغْناءٍ أوْ أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُ مالُهُ. ﴿وما كَسَبَ﴾ أيْ: والَّذِي كَسَبَهُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: وكَسَبَهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إذا كانَ ما الأُولى اسْتِفْهامِيَّةً فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كَذَلِكَ؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ كَسَبَ؛ أيْ: لَمْ يَكْسِبْ شَيْئًا. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، والمَعْنى: ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ مَضَرَّةً وما كَسَبَ مَنفَعَةً، وظاهِرُهُ أنَّهُ جَعَلَ فاعِلَ: ( كَسَبَ ) ضَمِيرَ المالِ وهو كَما تَرى. واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ مَوْصُولِيَّتَها فالعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ولِذِي كَسْبِهِ بِهِ مِنَ الأرْباحِ والنَّتائِجِ والمَنافِعِ والوَجاهَةِ والِاتِّباعِ، أوْ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ المَوْرُوثُ مِن أبِيهِ والَّذِي كَسَبَهُ بِنَفْسِهِ أوْ مالُهُ والَّذِي كَسَبَهُ مِن عَمَلِهِ الخَبِيثِ الَّذِي هو كَيْدُهُ في عَداوَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوْ مِن عَمَلِهِ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ كَما قالَ قَتادَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: ما كَسَبَ مِنَ الوَلَدِ؛ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»». ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي، وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ أبْناءٍ؛عُتْبَةَ ومُعَتِّبٍ وقَدْ أسْلَما يَوْمَ الفَتْحِ، وسُرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْلامِهِما ودَعا لَهُما، وشَهِدا حُنَيْنًا والطّائِفَ، وعُتَيْبَةُ بِالتَّصْغِيرِ ولَمْ يُسْلِمْ. وفي ذَلِكَ يَقُولُ صاحِبُ كِتابِ الألِبّاءِ: كَرِهْتُ عُتَيْبَةَ إذْ أجْرَما وأحْبَبْتُ عُتْبَةَ إذْ أسْلَما كَذا مُعْتِبٌ مُسْلِمٌ فاحْتَرِزْ ∗∗∗ وخَفْ أنْ تَسُبَّ فَتًى مُسْلِما وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ عُتَيْبَةَ، ورُقَيَّةُ أُخْتُها عِنْدَ أخِيهِ عُتْبَةَ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ قالَ أبُو لَهَبٍ لَهُما: رَأْسِي ورَأْسُكُما حَرامٌ إنْ لَمْ تُطَلِّقا ابْنَتَيْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطَلَّقاهُما، إلّا أنَّ عُتَيْبَةَ المُصَغَّرَ كانَ قَدْ أرادَ الخُرُوجَ إلى الشّامِ مَعَ أبِيهِ فَقالَ: لَآتِيَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُوذِيَنَّهُ. فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي كافِرٌ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِالَّذِي دَنا فَتَدَلّى، ثُمَّ تَفَلَ تُجاهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُصِبْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ، وطَلَّقَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ فَأغْضَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما قالَ وفَعَلَ. فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ»». وكانَ أبُو طالِبٍ حاضِرًا، فَكَرِهَ ذَلِكَ وقالَ لَهُ: ما أغْناكَ يا ابْنَ أخِي عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ. فَرَجَعَ إلى أبِيهِ ثُمَّ خَرَجُوا إلى الشّامِ فَنَزَلُوا مَنزِلًا فَأشْرَفَ عَلَيْهِمْ راهِبٌ مِن دَيْرٍ وقالَ لَهُمْ: إنَّ هَذِهِ أرْضٌ مَسْبَعَةٌ. فَقالَ أبُو لَهَبٍ: أغِيثُونِي يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ فَإنِّي أخافُ عَلى ابْنِي دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَجَمَعُوا جِمالَهم وأناخُوها حَوْلَهم خَوْفًا مِنَ الأسَدِ، فَجاءَ أسَدٌ يَتَشَمَّمُ وُجُوهَهم حَتّى أتى عُتَيْبَةَ فَقَتَلَهُ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ حَسّانُ: مِن يَرْجِعِ العامَ إلى أهْلِهِ ∗∗∗ فَما أكِيلُ السَّبْعِ بِالرّاجِعِ وهَلَكَ أبُو لَهَبٍ نَفْسُهُ بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ لِسَبْعِ لَيالٍ فاجْتَنَبَهُ أهْلُهُ مَخافَةَ العَدْوِي، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّقِيها كالطّاعُونِ، فَبَقِيَ ثَلاثًا حَتّى أنْتَنَ، فَلَمّا خافُوا العارَ اسْتَأْجَرُوا بَعْضَ السُّودانِ فاحْتَمَلُوهُ ودَفَنُوهُ، وفي رِوايَةٍ: حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً ودَفَعُوهُ بِعُودٍ حَتّى وقَعَ فِيها فَقَذَفُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى وارَوْهُ. وفي أُخْرى أنَّهم لَمْ يَحْفِرُوا لَهُ وإنَّما أسْنَدُوهُ لِحائِطٍ وقَذَفُوا عَلَيْهِ الحِجارَةَ مِن خَلْفِهِ حَتّى تَوارى فَكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «وما اكْتَسَبَ» بِتاءِ الِافْتِعالِ.

المسد 111:3

﴿سَيَصْلى نارًا﴾ سَيَدْخُلُها لا مَحالَةَ في الآخِرَةِ ويُقاسِي حَرَّها، صفحة 263 والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نارًا عَظِيمَةً. ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ ذاتَ اشْتِعالٍ وتَوَقُّدٍ عَظِيمٍ؛ وهي نارُ جَهَنَّمَ، وجُمْلَةُ: ﴿ما أغْنى﴾ إلَخْ قالَ في الكَشْفِ: اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَمّا كانَ يَقُولُ: أنا أفْتَدِي بِمالِي، ويَتَوَهَّمُ مِن صِدْقِهِ. وفِيهِ تَحْسِيرٌ لَهُ وتَهَكُّمٌ بِما كانَ يَفْتَخِرُ بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَصْوِيرٌ لِلْهَلاكِ بِما يَظْهَرُ مَعَهُ عَدَمُ إغْناءِ المالِ والوَلَدِ وهو ظاهِرٌ عَلى تَفْسِيرِ ما كَسَبَ بِالوَلَدِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: الأُولى إشارَةٌ لِهَلاكِ عَمَلِهِ وهَذِهِ إشارَةٌ لِهَلاكِ نَفْسِهِ، وهو أيْضًا عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ.

المسد 111:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى المُسْتَكِنَّ فِي: ﴿سَيَصْلى﴾ لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ، وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ لِلِاسْتِقْبالِ عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ عَنْ أبِيهِ مُحَمَّدٍ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ دَخَلَ عَلى مُعاوِيَةَ فَقالَ مُعاوِيَةُ لَهُ: أيْنَ تَرى عَمَّكَ أبا لَهَبٍ مِنَ النّارِ؟ فَقالَ لَهُ عَقِيلٌ: إذا دَخَلْتَها فَهو عَلى يَسارِكَ مُفْتَرِشٌ عَمَّتَكَ حَمّالَةَ الحَطَبِ والرّاكِبُ خَيْرٌ مِنَ المَرْكُوبِ. ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذا الخَبَرِ عَنِ الصّادِقِ لِأنَّ فِيهِ ما فِيهِ وكانَتْ عَلى ما في البَحْرِ عَوْراءَ، ووُسِمَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ كانَتْ تَأْتِي بِأغْصانِ الشَّوْكِ تَطْرَحُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ فَتَنْشُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَطَؤُهُ كَما يَطَأُ الحَرِيرَ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَعَ كَثْرَةِ مالِها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ عَلى ظَهْرِها لِشِدَّةِ بُخْلِها فَعُيِّرَتْ بِالبُخْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ويُقالُ لِمَن يَمْشِي بِها يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَ النّاسِ؛ أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ ويُؤَرِّثُ الشَّرَّ، فالحَطَبُ مُسْتَعارٌ لِلنَّمِيمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لامَةٍ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ وجَعَلَهُ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةٌ في الشَّرِّ فَفِيهِ إيغالٌ حَسَنٌ، وكَذا قَوْلُ الرّاجِزِ: إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضاءِ والغَضَبْ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَمّالَةُ الخَطايا والذُّنُوبِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى ظَهْرِهِ إذا كانَ يَكْتَسِبُ الآثامَ والخَطايا، والظّاهِرُ أنَّ الحَطَبَ عَلَيْهِ مُسْتَعارٌ لِلْخَطايا بِجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهُما مَبْدَأٌ لِلْإحْراقِ، وقِيلَ: الحَطَبُ جَمْعُ حاطِبٍ كَحارِسٍ وحَرَسٍ أيْ تَحْمِلُ الجُناةِ عَلى الجِناياتِ وهو مَحْمَلٌ بَعِيدٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٌ: «سَيُصْلى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ وشَدِّ اللّامِ. «ومُرِيئَتُهُ» بِالتَّصْغِيرِ والهَمْزِ، وقُرِئَ «ومُرَيْتُهُ» بِالتَّصْغِيرِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ «سَيُصْلى» بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ واخْتَلَسَ حَرَكَةَ الهاءِ فِي: «امْرَأتُهُ» أبُو عُمَرَ. وفِي رِوايَةٍ وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: «حامِلَةَ الحَطَبِ» عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مُضافًا. وقَرَأ الأكْثَرُونَ: «حَمّالَةُ الحَطَبِ» بِالرَّفْعِ والإضافَةِ، وقُرِئَ «حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ» بِالتَّنْوِينِ رَفْعًا ونَصْبًا وبِلامِ الجَرِّ في الحَطَبِ.

المسد 111:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: ﴿حَمّالَةَ﴾ وقِيلَ: مِن «امْرَأتُهُ» المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ. وقِيلَ: الظَّرْفُ حالٌ مِنها و«حَبْلٌ» مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وقِيلَ لَهُ خَبَرٌ لِامْرَأتِهِ وهي مُبْتَدَأٌ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ، و«حَبْلٌ» فاعِلٌ. وعَلى قِراءَةِ: «حَمّالَةُ» بِالرَّفْعِ قِيلَ: ( امْرَأتُهُ ) مُبْتَدَأٌ و«حَمّالَةُ» خَبَرٌ. و«فِي جِيدِها حَبْلٌ» خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿حَمّالَةَ﴾ أوِ الظَّرْفِ كَذَلِكَ. و«حَبْلٌ» مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ ( امْرَأتُهُ ) مُبْتَدَأٌ و«حَمّالَةُ» صِفَتُهُ؛ لِأنَّهُ لِلْماضِي فَيَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ والخَبَرِ عَلى ما سَمِعْتَ، أوْ ( امْرَأتُهُ ) عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ و«حَمّالَةُ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي حَمّالَةٌ وما بَعْدُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ «حَمّالَةُ» عَلى نَظِيرِ ما مَرَّ. وفي التَّرْكِيبِ غَيْرُ ذَلِكَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ سَيَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبَعْضُ ما ذَكَرْناهُ هاهُنا غَيْرُ مُطَّرِدٍ عَلى صفحة 264 جَمِيعِ الأوْجُهِ في مَعْنى الآيَةِ كَما لا يَخْفى عِنْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْها عَلى المُتَأمِّلِ. والمَسَدُ ما مُسِّدَ أيْ: فُتِلَ مِنَ الحِبالِ فَتْلًا شَدِيدًا مِن لِيفِ المُقْلِ، عَلى ما قالَ أبُو الفَتْحِ ومِن أيِّ لِيفٍ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: مِن لِحاءِ شَجَرٍ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقَدْ يَكُونُ كَما في البَحْرِ مِن جُلُودِ الإبِلِ أوْ أوْبارِها ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانِقِ لَيْسَتْ بِأنْيابٍ ولا حَقائِقِ أيْ: في عُنُقِها حَبَلٌ مِمّا مُسِّدَ مِنَ الحِبالِ، والمُرادُ تَصْوِيرُها بِصُوَرِ الحَطّابَةِ الَّتِي تَحْمِلُ الحُزْمَةَ وتَرْبُطُها في جِيدِها تَخْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها إذْ كانا في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجِدَّةِ. ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ فَقالَ: ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ غَرّاءُ شادِخَةٌ في المَجْدِ غُرَّتُها ∗∗∗ كانَتْ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ وقَدْ أغْضَبَها ذَلِكَ، فَيُرْوى أنَّها «لَمّا سَمِعَتِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: مُذَمَّمًا أبَيْنا ∗∗∗ ودِينَهُ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ لَها: هَلْ تَرَيْنَ مَعِي أحَدًا؟ فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟ لا أرى غَيْرَكَ. فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ وهي تَقُولُ: قُرَيْشٌ تَعْلَمُ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ حَجَبَنِي عَنْها مَلائِكَةٌ، فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ تَعالى شَرَّها»». وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِ في حَمّالَةِ الحَطَبِ. وفي الكَشّافِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ فَلا تَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ أوْ مِنَ الضَّرِيعِ وفي جِيدِها حَبَلٌ مِمّا مُسِّدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جِرْمِهِ، وعَلَيْهِ فالحَبْلُ مُسْتَعارٌ لِلسِّلْسِلَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٍ وسُفْيانَ. وأمْرُ الإعْرابِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ إنْ نُصِبَ: ﴿حَمّالَةَ﴾ يَكُونُ حالًا هو والجُمْلَةُ؛ أعْنِي: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ﴾ عَنِ المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ: ﴿سَيَصْلى﴾ أيْ سَتَصْلى امْرَأتُهُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أوْ يَكُونُ ﴿حَمّالَةَ﴾ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ، والجُمْلَةُ وحْدَها حالًا أوِ «امْرَأتُهُ في جِيدِها حَبْلٌ» جُمْلَةٌ وقَعَتْ حالًا عَنِ الضَّمِيرِ، ويُحْتَمَلُ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ عَلى ضَعْفٍ. وعَلى الرَّفْعِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا وأنْ يَكُونَ: ( امْرَأتَهُ ) عَطْفًا عَلى الفاعِلِ، «وحَمّالَةُ الحَطَبِ في جِيدِها» جُمْلَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وقَعَتْ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ صَلْيِها، أيْ: هي حَمّالَةُ الحَطَبِ. انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. وعَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ والِاحْتِمالاتِ إنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: «فِي عُنُقِها» والمَعْرُوفُ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ مَعَ الغُلِّ ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ امْتِهانٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿فِي أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ والجِيدُ مَعَ الحُلِيِّ كَقَوْلِهِ: أوْ أحْسَنُ مِن جِيدِ المَلِيحَةِ حَلْيُها. ولَوْ قالَ: «عُنُقِها» كانَ غَثًّا مِنَ الكَلامِ. قالَ في الرَّوْضِ الآنِفِ: لِأنَّهُ تَهَكُّمٌ نَحْوَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: لا جِيدَ لَها فَيُحَلّى، ولَوْ كانَ لَكانَتْ حِلْيَتُهُ هَذِهِ. ولِتَحْقِيرِها قِيلَ: ( امْرَأتَهُ ) ولَمْ يَقُلْ زَوْجُهُ انْتَهى. وهُوَ بَدِيعٌ جِدًّا إلّا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلى آخِرِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ ولَعَلَّهُ اسْتَعانَ هاهُنا عَلى ما قالَ بِالمَقامِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ كانَ في جِيدِها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ الحَسَنِ: مِن خَرَزٍ. وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ قِلادَةً فاخِرَةً مِن جَوْهَرٍ وأنَّها قالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لَأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ المُرادَ عَلى هَذا أنَّها تَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ ذاتَ قِلادَةٍ مِن حَدِيدٍ مَمْسُودٍ بَدَلَ قِلادَتِها الَّتِي كانَتْ تَقُولُ فِيها: صفحة 265 لَأُنْفِقَنَّها إلَخْ. وعَلى ما قَبْلَهُ تَهْجِينُ أمْرِ قِلادَتِها لِتَأْكِيدِ ذَمِّها بِالبُخْلِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ عَلى ما نَقَلْناهُ سابِقًا عَنْ قَتادَةَ، ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالجِيدِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا لا يَخْفى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْها بِالخَنْقِ بِالحَبْلِ وهو مِنَ الذِّهْنِ مَناطُ الثُّرَيّا. نَعَمْ ذُكِرَ أنَّها ماتَتْ يَوْمَ ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلٍ حَمَلَتْ بِهِ حُزْمَةَ حَطَبٍ، لَكِنَّ هَذا لا يَسْتَدْعِي حَمْلَ ما ذُكِرَ عَلى الدُّعاءِ. هَذا واسْتُشْكِلَ أمْرُ تَكْلِيفِ أبِي لَهَبٍ بِالإيمانِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَصْلى﴾ إلَخْ بِأنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ سَيَصْلى النّارَ لا بُدَّ أنْ يَصْلاها ولا يَصْلاها إلّا الكافِرُ فالإخْبارُ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا، فَمَتى كانَ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنهُ ما ذُكِرَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنْ لا يُؤْمِنَ أصْلًا وهو جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الإمْكانِ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ما كُلِّفَهُ هو الإيمانُ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إجْمالًا لا الإيمانُ بِتَفاصِيلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يُكَلَّفَ الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِ المُسْتَمِرِّ ويُقالَ نَحْوُ هَذا في الجَوابِ عَنْ تَكْلِيفِ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلَخْ بِالإيمانِ بِناءً عَلى تَعَيُّنِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إلَخْ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى اسْتِمْرارِ عَدَمِ عِبادَتِهِمْ ما يَعْبُدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَيَصْلى﴾ إلَخْ لَيْسَ نَصًّا في أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا؛ فَإنَّ صَلْيَ النّارِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالكُفّارِ فَيَجُوزُ أنْ يَفْهَمَ أبُو لَهَبٍ مِنهُ أنَّ دُخُولَهُ النّارَ لِفِسْقِهِ ومَعاصِيهِ لا لِكُفْرِهِ، ولا يَجْرِي هَذا في الجَوابِ عَنْ تَكْلِيفِ أُولَئِكَ الكافِرِينَ بِناءً عَلى فَهْمِهِمُ السُّورَةَ إرادَةَ الِاسْتِمْرارِ. وأجابَ بَعْضٌ آخَرُ بِأنَّ مَن جاءَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ وعَلِمَ بِهِ مُكَلَّفٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِما عَداهُ مِمّا جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وأجابَ الكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وكَذا القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِمّا رَدَّهُ الإمامُ، وقِيلَ في خُصُوصِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المَعْنى: سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ، ويُخَلَّدُ فِيها إنْ ماتَ ولَمْ يُؤْمِن فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمّا هو نَصٌّ في أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وما لِهَذِهِ الأجْوِبَةِ وما عَلَيْها يُطْلَبُ مِن مُطَوَّلاتِ كُتُبِ الأُصُولِ والكَلامِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وامْرَأتُهُ ) عَلى صِحَّةِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * سُورَةُ الإخْلاصِ وسُمِّيَتْ بِها لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ، ولِذا سُمِّيَتْ أيْضًا بِالأساسِ؛ فَإنَّ التَّوْحِيدَ أصْلٌ لِسائِرِ أُصُولِ الدِّينِ. وعَنْ كَعْبٍ كَما قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أُسِّسَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ . ورَواهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيٍّ وأنَسٍ مَرْفُوعًا ولَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ المُعْتَبَرِينَ كَذَلِكَ، وكَيْفَ كانَ فالمُرادُ بِهِ كَما قالَ: ما خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُونَ إلّا لِتَكُونَ دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ. وقِيلَ: مَعْنى تَأْسِيسِها عَلَيْها أنَّها إنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ وهو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ وهو إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى الأوَّلِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مُصَحِّحَ إيجادِهِما أيْ: بَعْدَ إمْكانِهِما الذّاتِيِّ ما أشارَتْ إلَيْهِ السُّورَةُ مِن وحْدَتِهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ؛ إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُهُما لِإمْكانِ التَّمانُعِ كَما قَرَّرَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ في تَوْجِيهِ بُرْهانِيَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وفِيهِ بُعْدٌ. وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ. كَما هو مَشْهُورٌ يُشِيرُ إلَيْهِ الأثَرُ أيْضًا، والمُقَشْقِشَةُ لِما سَمِعْتَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الكافِرُونَ، وسُورَةَ التَّوْحِيدِ، وسُورَةَ التَّفْرِيدِ، وسُورَةَ التَّجْرِيدِ، وسُورَةَ النَّجاةِ، وسُورَةَ الوِلايَةِ، وسُورَةَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى إنَّما تَتِمُّ بِمَعْرِفَةِ ما فِيها. وفِي أثَرٍ «أنَّ رَجُلًا صَلّى فَقَرَأها فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ هَذا عَبْدٌ عَرَفَ رَبَّهُ»». وسُورَةَ الجَمالِ قِيلَ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ صفحة 266 الجَمالَ». فَسَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «أحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ»». ولا أظُنُّ صِحَّةَ الخَبَرِ، وسُورَةَ النِّسْبَةِ لِوُرُودِها جَوابًا لِمَن قالَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: لِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرايِفِيِّ عَنِ الوازِعِ بْنِ نافِعٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لِكُلِّ شَيْءٍ نِسْبَةٌ، ونِسْبَةُ اللَّهِ تَعالى: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ»». وهُوَ كَما قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ضَعِيفٌ جِدًّا، وعُثْمانُ يَرْوِي المَناكِيرَ. وفي المِيزانِ أنَّهُ مَوْضُوعٌ، وسُورَةَ الصَّمَدِ، وسُورَةَ المُعَوِّذَةِ لِما أخْرَجَ النَّسائِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِي ثُمَّ قالَ: «قُلْ» فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَقُلْتُ حَتّى فَرَغْتُ مِنها. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فَقُلْتُ حَتّى فَرَغْتُ مِنها، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فَقُلْتُ حَتّى فَرَغْتُ مِنها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هَكَذا فَتَعَوَّذْ، وما تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِنَّ قَطُّ»». وسُورَةَ المانِعَةِ؛ قِيلَ: لِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ عُرِجَ بِهِ: أعْطَيْتُكَ سُورَةَ الإخْلاصِ؛ وهي مِن ذَخائِرِ كُنُوزِ عَرْشِي، وهي المانِعَةُ تَمْنَعُ كُرُباتِ القَبْرِ ونَفَحاتِ النِّيرانِ». والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، ويُعارِضُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ أبِي أُمامَةَ: ««أرْبَعُ آياتٍ نَزَلَتْ مِن كَنْزِ العَرْشِ لَمْ يَنْزِلْ مِنهُ غَيْرُهُنَّ: أُمُّ الكِتابِ، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، وخاتِمَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ، والكَوْثَرُ»». وحُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ، بَلْ أخْرَجَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حِبّانَ والدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُما بِالسَّنَدِ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، وسُورَةَ المَحْضَرِ قِيلَ: لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَحْضُرُ لِاسْتِماعِها إذا قُرِئَتْ، وسُورَةَ المُنَفِّرَةِ؛ قِيلَ: لِأنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِراءَتِها، وسُورَةَ البَراءَةِ؛ قِيلَ: «لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: «أمّا هَذا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ»». ولَمْ أدْرِ مَن رَوى ذَلِكَ. نَعَمْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُهاجِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ فَقالَ: «قَدْ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ»، وسَمِعَ آخَرَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَقالَ: «غُفِرَ لَهُ»». وعَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِهَذا الِاسْمِ سُورَةُ الكافِرُونَ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما في حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أنَسٍ: ««مَن أرادَ أنْ يَنامَ عَلى فِراشِهِ فَنامَ عَلى يَمِينِهِ ثُمَّ قَرَأ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ مِائَةَ مَرَّةٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بَراءَةً مِنَ النّارِ»». وسُورَةَ المُذَكِّرَةِ؛ لِأنَّها تُذَكِّرُ خالِصَ التَّوْحِيدِ، وسُورَةَ النُّورِ؛ قِيلَ: لِما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ نُورًا ونُورُ القُرْآنِ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»». وسُورَةَ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ بِدُونِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمَ هَذِهِ الأسْماءِ الإمامُ الرّازِيُّ وبَيَّنَ وجْهَ التَّسْمِيَةِ بِها بِما بَيَّنَ، والرَّجُلُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى- لَيْسَ بِإمامٍ في مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَرْوِيّاتِ لا يُمَيِّزُ غَثَّها مِن سَمِينِها أوْ لا يُبالِي بِذَلِكَ فَيَكْتُبُ ما ظَفِرَ بِهِ وإنْ عَرَفَ شِدَّةَ ضَعْفِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ قالَهُ في البَحْرِ. وخَبَرُ ابْنِ عَبّاسٍ السّابِقُ -إنْ صَحَّ- ظاهِرٌ في أنَّها عِنْدَهُ مَكِّيَّةٌ، وفي الإتْقانِ فِيها قَوْلانِ لِحَدِيثَيْنِ في سَبَبِ نُزُولِها مُتَعارِضَيْنِ وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِتَكَرُّرِ نُزُولِها، ثُمَّ ظَهَرَ لِي تَرْجِيحُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. اه. وعَلى ما في الكِتابَيْنِ لا يَخْفى ما في قَوْلِ الدَّوانِيِّ إنَّها مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ. وآيُها خَمْسٌ في المَكِّيِّ والشّامِيِّ، أرْبَعٌ في غَيْرِهِما. ووُضِعَتْ هُنا قِيلَ لِلْوِزانِ في اللَّفْظِ بَيْنَ فَواصِلِها ومَقْطَعِ سُورَةِ المَسَدِ، وقِيلَ -وهُوَ الأوْلى- إنَّها مُتَّصِلَةٌ بِ: «قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ» في المَعْنى فَهُما بِمَنزِلَةِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ في النَّفْيِ والإثْباتِ؛ ولِذا يُسَمَّيانِ المُقَشْقِشَتَيْنِ، وقُرِنَ بَيْنَهُما في القِراءَةِ في صَلَواتٍ كَثِيرَةِ ما قالَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ كَرَكْعَتِي الفَجْرِ والطَّوافِ والضُّحى وسُنَّةِ المَغْرِبِ وصُبْحِ المُسافِرِ ومَغْرِبِ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ إلّا أنَّهُ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالسُّورَتَيْنِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهِ ونَحْوِهِ، وكانَ في إيلائِها سُورَةَ تَبَّتْ رَدًّا عَلى أبِي لَهَبٍ بِخُصُوصِهِ، وجاءَ فِيها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِها، مِنها ما تَقَدَّمَ صفحة 267 آنِفًا. ورَوى مُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ قالَ: «إنَّ حُبَّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ»». وأخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ أبِي النَّضْرِ عَنْ مُبارَكٍ المَذْكُورِ عَنْ أنَسٍ. وذَكَرَ البُخارِيُّ أنَّ حُبَّها يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ تَعْلِيقًا. ورَوى مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أقْبَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وجَبَتْ» قُلْتُ: وما وجَبَتْ؟ قالَ: «الجَنَّةُ»». وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ. وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مالِكٍ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ بُرَيْدَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى»». وفِي المُسْنَدِ عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأدْرَعِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخْلَ المَسْجِدَ فَإذا هو بِرَجُلٍ قَدْ قَضى صَلاتَهُ وهو يَتَشَهَّدُ ويَقُولُ: إنِّي أسْألُكَ يا اللَّهُ الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ»». وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومالِكٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ يُرَدِّدُها، فَلَمّا أصْبَحَ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وكانَ الرَّجُلُ يَتَقالُّها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلْثَ القُرْآنِ»». وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِن طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أوْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ بِثُلْثِ القُرْآنِ»». وفِي رِوايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ الصَّفّارِ بِسَنَدِهِ عَنْ أُبَيٍّ مَرْفُوعًا: ««مَن قَرَأ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ ثُلْثَ القُرْآنِ، وكُتِبَ لَهُ مِنَ الحَسَناتِ بِعَدَدِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى وآمَنَ بِهِ»». وجاءَ أنَّها تَعْدِلُ ثُلْثَ القُرْآنِ في عِدَّةِ أخْبارٍ مَرْفُوعَةٍ ومَوْقُوفَةٍ. وفِي المُسْنَدِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «باتَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ يَقْرَأُ اللَّيْلَ كُلَّهُ بِ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ أوْ ثُلْثَهُ»». وحُمِلَ عَلى الشَّكِّ مِنَ الرّاوِي، والرِّواياتُ تُعَيِّنُ الثُّلْثَ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: المُرادُ أنَّها بِاعْتِبارِ مَعْناها ثُلْثٌ مِنَ القُرْآنِ المُجَزَّأِ إلى ثَلاثَةٍ، لا أنَّ ثَوابَ قِراءَتِها ثُلْثُ ثَوابِ القُرْآنِ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في بَيانِ ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى قِصَصٍ وأحْكامِها وعَقائِدَ، وهي كُلُّها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالعَقائِدِ فَكانَتْ ثُلْثًا بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ. وقالَ الغَزالِيُّ في الجَواهِرِ ما حاصِلُهُ: هي عِدْلُ ثُلْثِهِ بِاعْتِبارِ أنْواعِ العُلُومِ الثَّلاثَةِ الَّتِي هي أُمُّ ما في القُرْآنِ: عِلْمُ المَبْدَأِ، وعِلْمُ المَعادِ، وعِلْمُ ما بَيْنَهُما؛ أعْنِي الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ. وقالَ الجُونِيُّ: المَطالِبُ الَّتِي في القُرْآنِ مُعْظَمُها الأُصُولُ الثَّلاثَةُ الَّتِي بِها يَصِحُّ الإسْلامُ ويَحْصُلُ الإيمانُ؛ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِرافُ بِصِدْقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتِقادِ القِيامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ تُفِيدُ الأصْلَ الأوَّلَ؛ فَهي ثُلْثُهُ مِن هَذا الوَجْهِ. وقِيلَ: القُرْآنُ قِسْمانِ: خَبَرٌ وإنْشاءٌ، والخَبَرُ قِسْمانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ وخَبَرٌ عَنِ المَخْلُوقِ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أثْلاثٍ، وسُورَةُ الإخْلاصِ أخْلَصَتِ الخَبَرَ عَنِ الخالِقِ فَهي بِهَذا الِاعْتِبارِ ثُلْثٌ، وهَذا كَما تَرى. وأيًّا ما كانَ قِيلَ: لا تَنافِيَ بَيْنَ رِوايَةِ الثُّلْثِ ورِوايَةِ عِدْلِ القُرْآنِ كُلِّهِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِها لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هي عِدْلُ القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَقْصُودَ التَّوْحِيدُ وما عَداهُ ذَرائِعُ إلَيْهِ. ويُؤَيِّدُ اعْتِبارَ الأجْزاءِ أنْفُسِها دُونَ الثَّوابِ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ كُلَّ يَوْمٍ ثُلْثَ القُرْآنِ؟» قالُوا: نَعَمْ. قالَ: «فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَزَّأ القُرْآنَ صفحة 268 ثَلاثَةَ أجْزاءٍ؛ فَقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ثُلْثُ القُرْآنِ»». وقِيلَ: المُرادُ تَعْدِلُ الثُّلْثَ ثَوابًا لِظَواهِرِ الأحادِيثِ. وضَعَّفَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَلَهُ أجْرُ ثُلْثِ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ»». فَيَكُونُ ثَوابُ قِراءَةِ القُرْآنِ بِتَمامِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً بِالنِّسْبَةِ لِثَوابِ قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، والدَّوانِيُّ أوْرَدَ هَذا إشْكالًا عَلى هَذا القَوْلِ ثُمَّ أجابَ بِأنَّ لِلْقارِئِ ثَوابَيْنِ: تَفْصِيلِيًّا بِحَسْبِ قِراءَةِ الحُرُوفِ، وإجْمالِيًّا: بِسَبَبِ خَتْمِهِ القُرْآنَ؛ فَثَوابُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ يَعْدِلُ ثُلْثَ ثَوابِ الخَتْمِ الإجْمالِيِّ لا غَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ إذا عَيَّنَ أحَدٌ لِمَن يَبْنِي لَهُ دارًا في كُلِّ يَوْمٍ دَنانِيرَ، وعَيَّنَ لَهُ إذا أتَمَّهُ جائِزَةً أُخْرى غَيْرَ أُجْرَتِهِ اليَوْمِيَّةِ. وفِي شَرْحِ البُخارِيِّ لِلْكِرْمانِيِّ: فَإنْ قُلْتَ: المَشَقَّةُ في قِراءَةِ الثُّلْثِ أكْثَرُ مِنها في قِراءَتِها فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَها؟ قُلْتُ: يَكُونُ ثَوابُ قِراءَةِ الثُّلْثِ بِعَشْرٍ، وثَوابُ قِراءَتِها بِقَدْرِ ثَوابِ مَرَّةٍ مِنها؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ في الأصْلِ دُونَ الزّائِدِ، وتِسْعٌ مِنها في مُقابَلَةِ زِيادَةِ المَشَقَّةِ. وقالَ الخَفاجِيُّ بَعْدَ أنْ قالَ: لَيْسَ فِيما ذُكِرَ ما يُثْلِجُ الصَّدْرَ ويَطْمَئِنُّ لَهُ البالُ، والَّذِي عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ لِلنّاظِرِ في مَعْنى كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُتَدَبِّرِ لِآياتِهِ ثَوابًا ولِلتّالِي لَهُ وإنْ لَمْ يَفْهَمْهُ ثَوابٌ آخَرُ، فالمُرادُ أنَّ مَن تَلاها مُراعِيًا حُقُوقَ أدائِها فاهِمًا دَقِيقَ مَعانِيها كانَتْ تِلاوَتُهُ لَها مَعَ تَأمُّلِها وتَدَبُّرِها تَعْدِلُ ثَوابَ تِلاوَةِ ثُلْثِ القُرْآنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في مَعانِيهِ أوْ ثُلُثٍ لَيْسَ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، ولا بِدْعَ في أشْرَفِ المَعانِي إذا ضُمَّ لِبَعْضٍ مِن أشْرَفِ الألْفاظِ أنْ يَعْدِلَ مِن جِنْسِ تِلْكَ الألْفاظِ مِقْدارًا كَثِيرًا كَلَوْحِ ذَهَبٍ زِنْتُهُ عَشَرَةُ مَثاقِيلَ مُرَصَّعٍ بِأنْفَسِ الجَواهِرِ يُساوِي ألْفَ مِثْقالٍ ذَهَبًا فَصاعِدًا انْتَهى. ولا أرى لَهُ كَثِيرَ امْتِيازٍ عَلى غَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَ. والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يَخُصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْضَ العِباداتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها كَثِيرُ مَشَقَّةٍ بِثَوابٍ أكْثَرَ مِن ثَوابِ ما هو جِنْسُها وأشَقُّ مِنها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، وهو سُبْحانُهُ الَّذِي لا حَجْرَ عَلَيْهِ ولا يَتَناهى جُودُهُ وكَرَمُهُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَتَفَضَّلَ جَلَّ وعَلا عَلى قارِئِ القُرْآنِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ أضْعافًا مُضاعَفَةً جِدًّا لِقارِئِ الإخْلاصِ بِحَيْثُ يَعْدِلُ ثَوابُهُ ثَوابَ قارِئِ ثُلْثٍ مِنهُ غَيْرِ مُشْتَمِلٍ عَلى تِلْكَ السُّورَةِ، ويُفَوِّضُ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا يُقالُ في أمْثالِها وهَذا مُرادُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ ولَيْسَ هَذا بِأبْعَدَ ولا أبْدَعَ مِن تَخْصِيصِ بَعْضِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ المُتَّحِدَةِ الماهِيَّةِ بِأنَّ لِلْعِبادَةِ مِنهُ ولَوْ قَلِيلَةً مِنَ الثَّوابِ ما يَزِيدُ أضْعافًا مُضاعَفَةً عَلى ثَوابِ العِبادَةِ في مُجاوِرِهِ مَثَلًا ولَوْ كَثِيرَةً بَلْ قَدْ خَصَّ سُبْحانَهُ بَعْضَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ بِوُجُوبِ العِبادَةِ فِيهِ وبَعْضَها بِحُرْمَتِها فِيهِ، ولَهُ سُبْحانُهُ في كُلِّ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ ما هو بِهِ أعْلَمُ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: السُّكُوتُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أفْضَلُ مِنَ الكَلامِ فِيها وأسْلَمُ، وكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الإمامُ الكَلامَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو يَعْلى مِن طُرُقٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الوارِدَةُ فِيها تَكْفِي في فَضْلِها، بَلْ صفحة 269 قِيلَ لِذَلِكَ: إنَّها أفْضَلُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما رَوى الدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي المُغِيرَةِ عَنْ صَفْوانَ الكَلاعِيِّ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ سُوَرِ القُرْآنِ أعْظَمُ؟ قالَ: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ»». وفِي المُسْنَدِ مِن طَرِيقَيْ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ وأُسَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ ثَلاثِ سُوَرٍ أُنْزِلَتْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والقُرْآنِ العَظِيمِ؟» قُلْتُ: بَلى. قالَ: فَأقْرَأنِي: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ. ثُمَّ قالَ: «يا عُقْبَةُ، لا تَنْساهُنَّ ولا تَبِتْ لَيْلَةً حَتّى تَقْرَأهُنَّ»». ورَوى التِّرْمِذِيُّ بَعْضَ هَذا الحَدِيثِ وحَسَّنَهُ ولا يَدُلُّ عَلى أنَّها أفْضَلُ سُوَرِ القُرْآنِ مُطْلَقًا بَلْ عَلى أنَّها مِنَ الأفْضَلِ. وقالَ ابْنُ الحَصّادِ: العَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ الِاخْتِلافَ في الفَضْلِ مَعَ كَثْرَةِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ فِيهِ، واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّفْضِيلِ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الفَضْلُ راجِعٌ إلى عِظَمِ ومُضاعَفَةِ الثَّوابِ بِحَسْبِ انْتِقالاتِ النَّفْسِ وخَشْيَتِها وتَدَبُّرِها عِنْدَ أوْصافِ العُلا. وقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ لِذاتِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الإخْلاصِ مَثَلًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وصِفاتِهِ تَعالى لَيْسَ مَوْجُودًا في «تَبَّتْ» مَثَلًا، فالتَّفْضِيلُ إنَّما هو بِالمَعانِي العَجِيبَةِ وكَثْرَتِها. ونَقَلَ الحَلِيمِيُّ عَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّ مَعْنى التَّفْضِيلِ بَيْنَ الآياتِ والسُّوَرِ يَرْجِعُ إلى أشْياءَ: أحَدُها أنْ يَكُونَ العَمَلُ بِها أوْلى مِنَ العَمَلِ بِأُخْرى وأعْوَدُ عَلى النّاسِ، وعَلى هَذا يُقالُ في آياتِ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ خَيْرٌ مِن آياتِ القَصَصِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُرِيدَ بِها تَأْكِيدُ الأمْرِ والنَّهْيِ والإنْذارِ والتَّنْشِيرِ ولا غِنى لِلنّاسِ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، وقَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنِ القَصَصِ فَكانَ ما هو أعْوَدُ عَلَيْهِمْ وأنْفَعُ لَهم مِمّا يَجْرِي مَجْرى الأُصُولِ خَيْرٌ لَهم مِمّا يُجْعَلُ تَبَعًا لِما لا بُدَّ مِنهُ. الثّانِي أنْ يُقالَ: الآياتُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى تَعْدِيدِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ صِفاتِهِ والدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أفْضَلُ؛ بِمَعْنى أنَّها أسْنى وأجَلُّ قَدْرًا مِمّا لا تَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ. الثّالِثُ أنْ يُقالَ: سُورَةٌ خَيْرٌ مِن سُورَةٍ، أوْ آيَةٌ خَيْرٌ مِن آيَةٍ؛ بِمَعْنى أنَّ القارِئَ يَتَعَجَّلُ لَهُ بِقِراءَتِها فائِدَةً سِوى الثَّوابِ الآجِلِ ويَتَأدّى مِنهُ بِتِلاوَتِها عِبادَةٌ كَآيَةِ الكُرْسِيِّ والإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ؛ فَإنَّ قارِئَها يَتَعَجَّلُ بِقِراءَتِها الِاحْتِرازَ مِمّا يَخْشى والِاعْتِصامَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَتَأدّى بِتِلاوَتِها عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما فِيها مِن ذِكْرِهِ تَعالى بِالصِّفاتِ العُلا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ لَها وسُكُونِ النَّفْسِ إلى فَضْلِ ذَلِكَ الذِّكْرِ وبَرَكَتِهِ. وأمّا آياتُ الحِكَمِ فَلا يَقَعُ بِنَفْسِ تِلاوَتِها إقامَةُ حُكْمٍ وإنَّما يَقَعُ بِها عِلْمٌ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ سُورَةً أفْضَلُ مِن سُورَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ قِراءَتَها كَقِراءَةِ أضْعافِها مِمّا سِواها، وأوْجَبَ بِها مِنَ الثَّوابِ ما لَمْ يُوجِبْ سُبْحانَهُ لِغَيْرِها وإنْ كانَ المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ بَلَغَ بِها هَذا المِقْدارَ لا يَظْهَرُ لَنا، وهَذا نَظِيرُ ما يُقالُ في تَفْضِيلِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وبِالجُمْلَةِ التَّفْضِيلُ بِأحَدِ هَذِهِ الِاعْتِباراتِ لا يُنافِي كَوْنَ الكُلِّ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُتَّحِدَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما لا يَخْفى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.