Lafzullah

Tafsir Al-Baydawi — الأنفال 8:1 – التوبة 9:129

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Baydawi

المحتويات
  1. الأنفال 8:1
  2. الأنفال 8:2
  3. الأنفال 8:3
  4. الأنفال 8:4
  5. الأنفال 8:5
  6. الأنفال 8:6
  7. الأنفال 8:7
  8. الأنفال 8:8
  9. الأنفال 8:9
  10. الأنفال 8:10
  11. الأنفال 8:11
  12. الأنفال 8:12
  13. الأنفال 8:13
  14. الأنفال 8:14
  15. الأنفال 8:15
  16. الأنفال 8:16
  17. الأنفال 8:17
  18. الأنفال 8:18
  19. الأنفال 8:19
  20. الأنفال 8:20
  21. الأنفال 8:21
  22. الأنفال 8:22
  23. الأنفال 8:23
  24. الأنفال 8:24
  25. الأنفال 8:25
  26. الأنفال 8:26
  27. الأنفال 8:27
  28. الأنفال 8:28
  29. الأنفال 8:29
  30. الأنفال 8:30
  31. الأنفال 8:31
  32. الأنفال 8:32
  33. الأنفال 8:33
  34. الأنفال 8:34
  35. الأنفال 8:35
  36. الأنفال 8:36
  37. الأنفال 8:37
  38. الأنفال 8:38
  39. الأنفال 8:39
  40. الأنفال 8:40
  41. الأنفال 8:41
  42. الأنفال 8:42
  43. الأنفال 8:43
  44. الأنفال 8:44
  45. الأنفال 8:45
  46. الأنفال 8:46
  47. الأنفال 8:47
  48. الأنفال 8:48
  49. الأنفال 8:49
  50. الأنفال 8:50
  51. الأنفال 8:51
  52. الأنفال 8:52
  53. الأنفال 8:53
  54. الأنفال 8:54
  55. الأنفال 8:55
  56. الأنفال 8:56
  57. الأنفال 8:57
  58. الأنفال 8:58
  59. الأنفال 8:59
  60. الأنفال 8:60
  61. الأنفال 8:61
  62. الأنفال 8:62
  63. الأنفال 8:63
  64. الأنفال 8:64
  65. الأنفال 8:65
  66. الأنفال 8:66
  67. الأنفال 8:67
  68. الأنفال 8:68
  69. الأنفال 8:69
  70. الأنفال 8:70
  71. الأنفال 8:71
  72. الأنفال 8:72
  73. الأنفال 8:73
  74. الأنفال 8:74
  75. الأنفال 8:75
  76. التوبة 9:1
  77. التوبة 9:2
  78. التوبة 9:3
  79. التوبة 9:4
  80. التوبة 9:5
  81. التوبة 9:6
  82. التوبة 9:7
  83. التوبة 9:8
  84. التوبة 9:9
  85. التوبة 9:10
  86. التوبة 9:11
  87. التوبة 9:12
  88. التوبة 9:13
  89. التوبة 9:14
  90. التوبة 9:15
  91. التوبة 9:16
  92. التوبة 9:17
  93. التوبة 9:18
  94. التوبة 9:19
  95. التوبة 9:20
  96. التوبة 9:21
  97. التوبة 9:22
  98. التوبة 9:23
  99. التوبة 9:24
  100. التوبة 9:25
  101. التوبة 9:26
  102. التوبة 9:27
  103. التوبة 9:28
  104. التوبة 9:29
  105. التوبة 9:30
  106. التوبة 9:31
  107. التوبة 9:32
  108. التوبة 9:33
  109. التوبة 9:34
  110. التوبة 9:35
  111. التوبة 9:36
  112. التوبة 9:37
  113. التوبة 9:38
  114. التوبة 9:39
  115. التوبة 9:40
  116. التوبة 9:41
  117. التوبة 9:42
  118. التوبة 9:43
  119. التوبة 9:44
  120. التوبة 9:45
  121. التوبة 9:46
  122. التوبة 9:47
  123. التوبة 9:48
  124. التوبة 9:49
  125. التوبة 9:50
  126. التوبة 9:51
  127. التوبة 9:52
  128. التوبة 9:53
  129. التوبة 9:54
  130. التوبة 9:55
  131. التوبة 9:56
  132. التوبة 9:57
  133. التوبة 9:58
  134. التوبة 9:59
  135. التوبة 9:60
  136. التوبة 9:61
  137. التوبة 9:62
  138. التوبة 9:63
  139. التوبة 9:64
  140. التوبة 9:65
  141. التوبة 9:66
  142. التوبة 9:67
  143. التوبة 9:68
  144. التوبة 9:69
  145. التوبة 9:70
  146. التوبة 9:71
  147. التوبة 9:72
  148. التوبة 9:73
  149. التوبة 9:74
  150. التوبة 9:75
  151. التوبة 9:76
  152. التوبة 9:77
  153. التوبة 9:78
  154. التوبة 9:79
  155. التوبة 9:80
  156. التوبة 9:81
  157. التوبة 9:82
  158. التوبة 9:83
  159. التوبة 9:84
  160. التوبة 9:85
  161. التوبة 9:86
  162. التوبة 9:87
  163. التوبة 9:88
  164. التوبة 9:89
  165. التوبة 9:90
  166. التوبة 9:91
  167. التوبة 9:92
  168. التوبة 9:93
  169. التوبة 9:94
  170. التوبة 9:95
  171. التوبة 9:96
  172. التوبة 9:97
  173. التوبة 9:98
  174. التوبة 9:99
  175. التوبة 9:100
  176. التوبة 9:101
  177. التوبة 9:102
  178. التوبة 9:103
  179. التوبة 9:104
  180. التوبة 9:105
  181. التوبة 9:106
  182. التوبة 9:107
  183. التوبة 9:108
  184. التوبة 9:109
  185. التوبة 9:110
  186. التوبة 9:111
  187. التوبة 9:112
  188. التوبة 9:113
  189. التوبة 9:114
  190. التوبة 9:115
  191. التوبة 9:116
  192. التوبة 9:117
  193. التوبة 9:118
  194. التوبة 9:119
  195. التوبة 9:120
  196. التوبة 9:121
  197. التوبة 9:122
  198. التوبة 9:123
  199. التوبة 9:124
  200. التوبة 9:125
  201. التوبة 9:126
  202. التوبة 9:127
  203. التوبة 9:128
  204. التوبة 9:129

الأنفال 8:1

(p-49)سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ أيِ الغَنائِمِ يَعْنِي حُكْمَها، وإنَّما سُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٌ كَما سُمِّيَ بِهِ ما يَشْرُطُهُ الإمامُ لِمُقْتَحِمِ خَطَرٍ عَطِيَّةً لَهُ وزِيادَةً عَلى سَهْمِهِ. ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ أمْرُها مُخْتَصٌّ بِهِما يُقَسِّمُها الرَّسُولُ عَلى ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ. وسَبَبُ نُزُولِهِ اخْتِلافُ المُسْلِمِينَ في غَنائِمِ بَدْرٍ أنَّها كَيْفَ تُقَسَّمُ ومَن يُقَسِّمُ المُهاجِرُونَ مِنهم أوِ الأنْصارُ. وقِيلَ شَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن كانَ لَهُ غَناءٌ أنْ يَنْفُلَهُ، فَتَسارَعَ شُبّانُهم حَتّى قَتَلُوا سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ ثُمَّ طَلَبُوا نَفْلَهم. وكانَ المالُ قَلِيلًا. فَقالَ الشُّيُوخُ والوُجُوهُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ الرّاياتِ: كُنّا رِدْءًا لَكم وفِئَةً تَنْحازُونَ إلَيْنا، فَنَزَلَتْ فَقَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ، ولِهَذا قِيلَ: لا يَلْزَمُ الإمامُ أنْ يَفِيَ بِما وعَدَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ فَقَتَلْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واسْتَوْهَبْتُهُ مِنهُ فَقالَ: لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ اطْرَحْهُ في القَبْضِ فَطَرَحْتُهُ، وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتَنِي السَّيْفَ ولَيْسَ لِي وأنَّهُ قَدْ صارَ لِي فاذْهَبْ فَخُذْهُ» . وَقُرِئَ « يَسْألُونَكَ الأنْفالَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والفاءُ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ وإدْغامُ نُونٍ عَنْ فِيها، و « يَسْألُونَكَ الأنْفالَ» أيْ يَسْألُكَ الشُّبّانُ ما شَرَطْتَ لَهم. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الِاخْتِلافِ والمُشاجَرَةِ. ﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحالُ الَّتِي بَيْنَكم بِالمُواساةِ والمُساعَدَةِ فِيما رَزَقَكُمُ اللَّهُ وتَسْلِيمِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ كامِلِي الإيمانِ فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ: طاعَةُ الأوامِرِ، والِاتِّقاءُ عَنِ المَعاصِي، وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ.

الأنفال 8:2

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ. ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا مِن جَلالِهِ. وقِيلَ هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ. وقُرِئَ « وجَلَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ، وفَرَقَتْ أيْ خافَتْ. ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ لِزِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، أوْ لِاطْمِئْنانِ النَّفْسِ ورُسُوخِ اليَقِينِ بِتَظاهُرِ الأدِلَّةِ، أوْ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها وهو قَوْلُ مَن قالَ الإيمانُ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ بِناءً عَلى أنَّ العَمَلَ داخِلٌ فِيهِ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ولا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ. (p-50)﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ . ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ مَكارِمَ أعْمالِ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ومَحاسِنَ أفْعالِ الجَوارِحِ الَّتِي هي العِيارُ عَلَيْها مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، و ﴿حَقًّا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَقَوْلِهِ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا» . ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كَرامَةٌ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ. وَقِيلَ دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَنْتَهِي أمَدُهُ.

الأنفال 8:3

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ. ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا مِن جَلالِهِ. وقِيلَ هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ. وقُرِئَ « وجَلَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ، وفَرَقَتْ أيْ خافَتْ. ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ لِزِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، أوْ لِاطْمِئْنانِ النَّفْسِ ورُسُوخِ اليَقِينِ بِتَظاهُرِ الأدِلَّةِ، أوْ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها وهو قَوْلُ مَن قالَ الإيمانُ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ بِناءً عَلى أنَّ العَمَلَ داخِلٌ فِيهِ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ولا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ. (p-50)﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ . ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ مَكارِمَ أعْمالِ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ومَحاسِنَ أفْعالِ الجَوارِحِ الَّتِي هي العِيارُ عَلَيْها مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، و ﴿حَقًّا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَقَوْلِهِ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا» . ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كَرامَةٌ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ. وَقِيلَ دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَنْتَهِي أمَدُهُ.

الأنفال 8:4

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ. ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا مِن جَلالِهِ. وقِيلَ هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ. وقُرِئَ « وجَلَتْ» بِالفَتْحِ وهي لُغَةٌ، وفَرَقَتْ أيْ خافَتْ. ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ لِزِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، أوْ لِاطْمِئْنانِ النَّفْسِ ورُسُوخِ اليَقِينِ بِتَظاهُرِ الأدِلَّةِ، أوْ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِها وهو قَوْلُ مَن قالَ الإيمانُ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ بِناءً عَلى أنَّ العَمَلَ داخِلٌ فِيهِ. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ولا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ. (p-50)﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ . ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ مَكارِمَ أعْمالِ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ومَحاسِنَ أفْعالِ الجَوارِحِ الَّتِي هي العِيارُ عَلَيْها مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، و ﴿حَقًّا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَقَوْلِهِ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا» . ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كَرامَةٌ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ. وَقِيلَ دَرَجاتُ الجَنَّةِ يَرْتَقُونَها بِأعْمالِهِمْ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَنْتَهِي أمَدُهُ.

الأنفال 8:5

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ في كَراهَتِهِمْ إيّاها كَحالِ إخْراجِكَ لِلْحَرْبِ في كَراهَتِهِمْ لَهُ، وهي كَراهَةُ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ الغُزاةِ. أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيِ الأنْفالُ ثَبَتَتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ، يَعْنِي المَدِينَةَ لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومَسْكَنُهُ أوْ بَيْتُهُ فِيها مَعَ كَراهَتِهِمْ. ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِهِمْ، وذَلِكَ «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ وفِيها تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ وعَمْرُو بْنُ العاصِ ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّيها لِكَثْرَةِ المالِ وقِلَّةِ الرِّجالِ، فَلَمّا خَرَجُوا بَلَغَ الخَبَرُ أهْلَ مَكَّةَ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ يا أهْلَ مَكَّةَ النَّجاءَ النَّجاءَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، عِيرُكم أمْوالُكم إنْ أصابَها مُحَمَّدٌ لَنْ تُفْلِحُوا بَعْدَها أبَدًا، وقَدْ رَأتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثٍ عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَ صَخْرَةً مِنَ الجَبَلِ ثُمَّ حَلَّقَ بِها فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ في مَكَّةَ إلّا أصابَهُ شَيْءٌ مِنها، فَحَدَّثَتْ بِها العَبّاسَ وبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ فَقالَ: ما تَرْضى رِجالُهم أنْ يَتَنَبَّؤُوا حَتّى تَتَنَبَّأ نِساؤُهم، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أهْلِ مَكَّةَ ومَضى بِهِمْ إلى بَدْرٍ وهو ماءٌ كانَتِ العَرَبُ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِسُوقِهِمْ يَوْمًا في السَّنَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوادِي ذَفِرانَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَعْدِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ إمّا العِيرُ وإمّا قُرَيْشٌ، فاسْتَشارَ فِيهِ أصْحابَهُ فَقالَ بَعْضُهم: هَلّا ذَكَرْتَ لَنا القِتالَ حَتّى نَتَأهَّبَ لَهُ إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ، فَرَدَّدَ عَلَيْهِمْ وقالَ: إنَّ العِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْكَ بِالعِيرِ ودَعِ العَدُوَّ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقامَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالا فَأحْسَنا، ثُمَّ قامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: انْظُرْ أمْرَكَ فامْضِ فِيهِ فَواللَّهِ لَوْ سِرْتَ إلى عَدَنَ أبْيَنَ ما تَخَلَّفَ عَنْكَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ قالَ مِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو: امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ فَأنا مَعَكَ حَيْثُما أحْبَبْتَ، لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى (اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلًا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: « أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ» وهو يُرِيدُ الأنْصارَ لِأنَّهم كانُوا عَدَدَهم وقَدْ شَرَطُوا حِينَ بايَعُوهُ بِالعَقَبَةِ أنَّهم بُرَآءُ مِن ذِمامِهِ حَتّى يَصِلَ إلى دِيارِهِمْ، فَتَخَوَّفَ أنْ لا يَرَوْا نُصْرَتَهُ إلّا عَلى عَدُوٍّ دَهَمَهُ بِالمَدِينَةِ، فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: أجَلْ، قالَ: قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا، وإنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الحَرْبِ صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقاءِ ولَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى، فَنَشَّطَهُ قَوْلُهُ ثُمَّ قالَ: « سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى وأبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مُصارِعِ القَوْمِ» . وَقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بَدْرٍ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالعِيرِ فَناداهُ العَبّاسُ وهو في وِثاقِهِ لا يَصْلُحُ فَقالَ لَهُ « لِمَ» فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ، فَكَرِهَ بَعْضُهم قَوْلَهُ.(p-51)

الأنفال 8:6

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ في إيثارِكَ الجِهادَ بِإظْهارِ الحَقِّ لِإيثارِهِمْ تَلَقِّي العِيرِ عَلَيْهِ. ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ لَهُمُ أنَّهم يُنْصَرُونَ أيْنَما تَوَجَّهُوا بِإعْلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَكْرَهُونَ القِتالَ كَراهَةَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ وهو يُشاهِدُ أسْبابَهُ، وكانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ إذْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا رَجّالَةً وما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُجادَلَتَهم إنَّما كانَتْ لِفَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ.

الأنفال 8:7

﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، وإحْدى ثانِي مَفْعُولَيْ يَعِدُكُمُ وقَدْ أُبْدِلَ مِنها ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلَ الِاشْتِمالِ. ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي العِيرَ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا ولِذَلِكَ يَتَمَنَّوْنَها ويَكْرَهُونَ مُلاقاةَ النَّفِيرِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وعُدَدِهِمْ والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ يُثْبِتَهُ ويُعْلِيَهِ. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ المُوحى بِها في هَذِهِ الحالِ، أوْ بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ، وقُرِئَ « بِكَلِمَتِهِ» . ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ويَسْتَأْصِلَهم، والمَعْنى: أنَّكم تُرِيدُونَ أنْ تُصِيبُوا مالًا ولا تَلْقَوْا مَكْرُوهًا، واللَّهُ يُرِيدُ إعْلاءَ الدِّينِ وإظْهارَ الحَقِّ وما يَحْصُلُ لَكم فَوْزُ الدّارَيْنِ. ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ لِبَيانِ المُرادِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ، والثّانِي لِبَيانِ الدّاعِي إلى حَمْلِ الرَّسُولِ عَلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِ عَلَيْها. ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ.

الأنفال 8:8

﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، وإحْدى ثانِي مَفْعُولَيْ يَعِدُكُمُ وقَدْ أُبْدِلَ مِنها ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلَ الِاشْتِمالِ. ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي العِيرَ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا ولِذَلِكَ يَتَمَنَّوْنَها ويَكْرَهُونَ مُلاقاةَ النَّفِيرِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وعُدَدِهِمْ والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ يُثْبِتَهُ ويُعْلِيَهِ. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ المُوحى بِها في هَذِهِ الحالِ، أوْ بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ، وقُرِئَ « بِكَلِمَتِهِ» . ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ويَسْتَأْصِلَهم، والمَعْنى: أنَّكم تُرِيدُونَ أنْ تُصِيبُوا مالًا ولا تَلْقَوْا مَكْرُوهًا، واللَّهُ يُرِيدُ إعْلاءَ الدِّينِ وإظْهارَ الحَقِّ وما يَحْصُلُ لَكم فَوْزُ الدّارَيْنِ. ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ لِبَيانِ المُرادِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ، والثّانِي لِبَيانِ الدّاعِي إلى حَمْلِ الرَّسُولِ عَلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِ عَلَيْها. ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ.

الأنفال 8:9

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾، أوْ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، واسْتَغاثَتُهم أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ عَنِ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ أغِثْنا يا غَيّاثَ المُسْتَغِيثِينَ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ يَدْعُو: « اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ.» ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ بِأنِّي مُمِدُّكم، فَحَذَفَ الجارَّ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الفِعْلَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ القَوْلِ. ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ مُتَّبَعِينَ المُؤْمِنِينَ أوْ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أرْدَفْتُهُ أنا إذا جِئْتُ بَعْدَهُ، أوْ مُتَّبَعِينَ بَعْضَهم بَعْضَ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن أرْدَفْتُهُ إيّاهُ فَرَدَفَهُ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِّ أيْ مُتَّبَعِينَ أوْ مُتَّبِعِينَ بِمَعْنى أنَّهم كانُوا مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ أوْ ساقَتُهم. وقُرِئَ « مُرِدِفِينَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها وأصْلُهُ مُرْتَدِفَيْنِ بِمَعْنى مُتَرادِفَيْنِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فالتَقى ساكِنانِ فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ أوْ بِالضَّمِّ عَلى الِإتْباعِ. وقُرِئَ « بِآلافٍ» لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ « آلِ عِمْرانَ»، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألِفِ الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ أوِ السّاقَةِ، أوْ وُجُوهُهم وأعْيانُهم، أوْ مَن قاتَلَ مِنهم واخْتُلِفَ في مُقاتَلَتِهِمْ وقَدْ رُوِيَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلَيْها. ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ الإمْدادُ إلّا بُشْرى إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فَيَزُولُ ما بِها (p-52)مِنَ الوَجَلِ لِقِلَّتِكم وذِلَّتِكم. ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإمْدادُ المَلائِكَةِ وكَثْرَةُ العَدَدِ والأُهَبِ ونَحْوُهُما وسائِطُ لا تَأْثِيرَ لَها فَلا تَحْسَبُوا النَّصْرَ مِنها ولا تَيْأسُوا مِنهُ بِفَقْدِها.

الأنفال 8:10

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾، أوْ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، واسْتَغاثَتُهم أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ عَنِ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ أغِثْنا يا غَيّاثَ المُسْتَغِيثِينَ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ يَدْعُو: « اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ.» ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ بِأنِّي مُمِدُّكم، فَحَذَفَ الجارَّ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الفِعْلَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ القَوْلِ. ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ مُتَّبَعِينَ المُؤْمِنِينَ أوْ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أرْدَفْتُهُ أنا إذا جِئْتُ بَعْدَهُ، أوْ مُتَّبَعِينَ بَعْضَهم بَعْضَ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن أرْدَفْتُهُ إيّاهُ فَرَدَفَهُ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِّ أيْ مُتَّبَعِينَ أوْ مُتَّبِعِينَ بِمَعْنى أنَّهم كانُوا مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ أوْ ساقَتُهم. وقُرِئَ « مُرِدِفِينَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها وأصْلُهُ مُرْتَدِفَيْنِ بِمَعْنى مُتَرادِفَيْنِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فالتَقى ساكِنانِ فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ أوْ بِالضَّمِّ عَلى الِإتْباعِ. وقُرِئَ « بِآلافٍ» لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ « آلِ عِمْرانَ»، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألِفِ الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ أوِ السّاقَةِ، أوْ وُجُوهُهم وأعْيانُهم، أوْ مَن قاتَلَ مِنهم واخْتُلِفَ في مُقاتَلَتِهِمْ وقَدْ رُوِيَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلَيْها. ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ الإمْدادُ إلّا بُشْرى إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فَيَزُولُ ما بِها (p-52)مِنَ الوَجَلِ لِقِلَّتِكم وذِلَّتِكم. ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإمْدادُ المَلائِكَةِ وكَثْرَةُ العَدَدِ والأُهَبِ ونَحْوُهُما وسائِطُ لا تَأْثِيرَ لَها فَلا تَحْسَبُوا النَّصْرَ مِنها ولا تَيْأسُوا مِنهُ بِفَقْدِها.

الأنفال 8:11

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن (إذْ يَعِدُكُمُ) لِإظْهارِ نِعْمَةٍ ثالِثَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِجَعْلِ أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ مِن أغْشَيْتَهُ الشَّيْءَ إذا غَشَّيْتَهُ إيّاهُ والفاعِلُ عَلى القِراءَتَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» بِالرَّفْعِ. ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ أمْنًا مِنَ اللَّهِ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى تَنْعَسُونَ، و « يَغْشاكم» بِمَعْناهُ، والـ ﴿أمَنَةً﴾ فِعْلٌ لِفاعِلِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الإيمانُ فَيَكُونُ فِعْلَ المَغْشِيِّ، وأنْ تَجْعَلَ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ فِعْلَ النُّعاسِ عَلى المَجازِ لِأنَّها لِأصْحابِهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَغْشاهم لِشِدَّةِ الخَوْفِ فَلَمّا غَشِيَهم فَكَأنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ لَوْلاها لَمْ يَغْشُهم كَقَوْلِهِ: ؎ بَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا. . . تَهابُكَ فَهو نَفّارٌ شَرُودُ وَقُرِئَ « أمْنَةً» كَرَحْمَةٍ وهي لُغَةٌ. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ مِنَ الحَدَثِ والجَنابَةِ. ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي الجَنابَةَ لِأنَّها مِن تَخْيِيلِهِ، أوْ وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ إيّاهم مِنَ العَطَشِ. رُوِيَ أنَّهم نَزَلُوا في كَثِيبٍ أغْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الأقْدامُ عَلى غَيْرِ ماءٍ ونامُوا فاحْتَلَمَ أكْثَرُهم وقَدْ غَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ وقالَ: كَيْفَ تُنْصَرُونَ، وقَدْ غُلِبْتُمْ عَلى الماءِ وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ مُجْنِبِينَ وتَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وفِيكم رَسُولُهُ فَأشْفَقُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ، فُمُطِرُوا لَيْلًا حَتّى جَرى الوادِي واتَّخَذُوا الحِياضَ عَلى عُدْوَتِهِ وسَقَوُا الرِّكابَ واغْتَسَلُوا وتَوَضَّؤُوا، وتَلَبَّدَ الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ وزالَتِ الوَسْوَسَةُ. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِالوُثُوقِ عَلى لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ أيْ بِالمَطَرِ حَتّى لا تَسُوخَ في الرَّمْلِ، أوْ بِالرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ حَتّى تَثْبُتَ في المَعْرَكَةِ.

الأنفال 8:12

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ﴾ بَدَلٌ ثالِثٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيُثَبِّتَ. ﴿إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ في إعانَتِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ وهو مَفْعُولُ ﴿يُوحِي﴾ . وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ الوَحْيِ مَجْراهُ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالبِشارَةِ أوْ بِتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، أوْ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا﴾، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قاتَلُوا ومَن مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ الخِطابَ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ إمّا عَلى تَغْيِيرِ الخِطابِ أوْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأُلْقِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنانٍ﴾ تَلْقِينٌ لِلْمَلائِكَةِ ما يُثَبِّتُونَ المُؤْمِنِينَ بِهِ كَأنَّهُ قالَ: قُولُوا لَهم قَوْلِي هَذا. ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أعالِيها الَّتِي هي المَذابِحُ أوِ الرُّؤُوسَ. ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ أصابِعَ أيْ جُزُّوا رِقابَهم واقْطَعُوا أطْرافَهم.

الأنفال 8:13

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ أوِ الأمْرِ بِهِ والخِطابُ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطِبِينَ قَبْلُ. ﴿بِأنَّهم (p-53)شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما واشْتِقاقُهُ مِنَ الشَّقِّ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِينَ في شَقٍّ خِلافَ شَقِّ الآخَرِ كالمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ الخَصْمِ وهو الجانِبُ. ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْلِيلِ أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أوْ ذَلِكم واقِعٌ أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أوْ غَيْرُهُ مِثْلُ باشَرُوا أوْ عَلَيْكم فَتَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً. ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ عُطِفَ عَلى ذَلِكم أوْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والمَعْنى ذُوقُوا ما عُجِّلَ لَكم مَعَ ما أُجِّلَ لَكم في الآخِرَةِ. ووُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ سَبَبُ العَذابِ الآجِلِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما. وَقُرِئَ (وَإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأنفال 8:14

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ أوِ الأمْرِ بِهِ والخِطابُ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطِبِينَ قَبْلُ. ﴿بِأنَّهم (p-53)شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما واشْتِقاقُهُ مِنَ الشَّقِّ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِينَ في شَقٍّ خِلافَ شَقِّ الآخَرِ كالمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ الخَصْمِ وهو الجانِبُ. ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْلِيلِ أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أوْ ذَلِكم واقِعٌ أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أوْ غَيْرُهُ مِثْلُ باشَرُوا أوْ عَلَيْكم فَتَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً. ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ عُطِفَ عَلى ذَلِكم أوْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والمَعْنى ذُوقُوا ما عُجِّلَ لَكم مَعَ ما أُجِّلَ لَكم في الآخِرَةِ. ووُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ سَبَبُ العَذابِ الآجِلِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما. وَقُرِئَ (وَإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأنفال 8:15

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُرى لِكَثْرَتِهِمْ كَأنَّهم يَزْحَفُونَ، وهو مَصْدَرُ زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى مَقْعَدِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِهِ وجُمِعَ عَلى زُحُوفٍ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ بِالِانْهِزامِ فَضْلًا أنْ يَكُونُوا مِثْلَكم أوْ أقَلَّ مِنكم، والأظْهَرُ أنَّها مَحْكَمَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ زَحْفًا حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ أيْ: إذا لَقِيتُمُوهم مُتَزاحِفِينَ يَدِبُّونَ إلَيْكم وتَدِبُّونَ إلَيْهِمْ فَلا تَنْهَزِمُوا، أوْ مِنَ الفاعِلِ وحْدَهُ ويَكُونُ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا. ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يُرِيدُ الكَرَّ بَعْدَ الفَرِّ وتَغْرِيرَ العَدُوِّ، فَإنَّهُ مِن مَكايِدِ الحَرْبِ. ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أوْ مُنْحازًا إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى القُرْبِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ، ومِنهم مَن لَمْ يَعْتَبِرِ القُرْبَ لِما رَوى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ بَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَرُّوا إلى المَدِينَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ فَقالَ: « بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» . وانْتِصابُ مُتَحَرِّفًا ومُتَحَيِّزًا عَلى الحالِ وإلّا لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، أوِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ أيْ إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا لِأنَّهُ مِن حازَ يَحُوزُ. ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا إذا لَمْ يَزِدِ العَدُوُّ عَلى الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.

الأنفال 8:16

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُرى لِكَثْرَتِهِمْ كَأنَّهم يَزْحَفُونَ، وهو مَصْدَرُ زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى مَقْعَدِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِهِ وجُمِعَ عَلى زُحُوفٍ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ بِالِانْهِزامِ فَضْلًا أنْ يَكُونُوا مِثْلَكم أوْ أقَلَّ مِنكم، والأظْهَرُ أنَّها مَحْكَمَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ زَحْفًا حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ أيْ: إذا لَقِيتُمُوهم مُتَزاحِفِينَ يَدِبُّونَ إلَيْكم وتَدِبُّونَ إلَيْهِمْ فَلا تَنْهَزِمُوا، أوْ مِنَ الفاعِلِ وحْدَهُ ويَكُونُ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا. ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يُرِيدُ الكَرَّ بَعْدَ الفَرِّ وتَغْرِيرَ العَدُوِّ، فَإنَّهُ مِن مَكايِدِ الحَرْبِ. ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أوْ مُنْحازًا إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى القُرْبِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ، ومِنهم مَن لَمْ يَعْتَبِرِ القُرْبَ لِما رَوى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ بَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَرُّوا إلى المَدِينَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ فَقالَ: « بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» . وانْتِصابُ مُتَحَرِّفًا ومُتَحَيِّزًا عَلى الحالِ وإلّا لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، أوِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ أيْ إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا لِأنَّهُ مِن حازَ يَحُوزُ. ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا إذا لَمْ يَزِدِ العَدُوُّ عَلى الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.

الأنفال 8:17

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بِقُوَّتِكم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ تَناوَلَ كَفًّا مِنَ الحَصْباءِ فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ وقالَ « شاهَتِ الوُجُوهُ»، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا ورَدِفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم، ثُمَّ لَمّا انْصَرَفُوا أقْبَلُوا عَلى التَّفاخُرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ (p-54)قَتَلَهم. ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ رَمْيًا تَوَصِّلُهُ إلى أعْيُنِهِمْ ولَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ. ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ إذْ أتَيْتَ بِصُورَةِ الرَّمْيِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أتى بِما هو غايَةُ الرَّمْيِ فَأوْصَلَها إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا حَتّى انْهَزَمُوا وتَمَكَّنْتُمْ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلى المُسَمّى وعَلى ما هو كَمالُهُ والمَقْصُودُ مِنهُ. وقِيلَ مَعْناهُ ما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى بِالرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ إنَّهُ نَزَلَ في طَعْنَةٍ طُعِنَ بِها أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ. أوْ رَمْيَةِ سَهْمٍ رَماهُ يَوْمَ خَيْبَرٍ نَحْوَ الحِصْنِ فَأصابَ كِنانَةَ بْنَ أبِي الحَقِيقِ عَلى فِراشِهِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَلَكِنْ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ. ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ولِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ ومُشاهَدَةِ الآياتِ فَعَلَ ما فَعَلَ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِاسْتِغاثَتِهِمْ ودُعائِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، أوِ القَتْلِ أوِ الرَّمْيِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ المَقْصُودُ أوِ الأمْرُ ذَلِكم وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ المَقْصُودُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿مُوهِنُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وحَفْصٌ ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ بِالإضافَةِ والتَّخْفِيفِ.

الأنفال 8:18

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بِقُوَّتِكم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ تَناوَلَ كَفًّا مِنَ الحَصْباءِ فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ وقالَ « شاهَتِ الوُجُوهُ»، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا ورَدِفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم، ثُمَّ لَمّا انْصَرَفُوا أقْبَلُوا عَلى التَّفاخُرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ (p-54)قَتَلَهم. ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ رَمْيًا تَوَصِّلُهُ إلى أعْيُنِهِمْ ولَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ. ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ إذْ أتَيْتَ بِصُورَةِ الرَّمْيِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أتى بِما هو غايَةُ الرَّمْيِ فَأوْصَلَها إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا حَتّى انْهَزَمُوا وتَمَكَّنْتُمْ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلى المُسَمّى وعَلى ما هو كَمالُهُ والمَقْصُودُ مِنهُ. وقِيلَ مَعْناهُ ما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى بِالرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ إنَّهُ نَزَلَ في طَعْنَةٍ طُعِنَ بِها أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ. أوْ رَمْيَةِ سَهْمٍ رَماهُ يَوْمَ خَيْبَرٍ نَحْوَ الحِصْنِ فَأصابَ كِنانَةَ بْنَ أبِي الحَقِيقِ عَلى فِراشِهِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَلَكِنْ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ. ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ولِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ ومُشاهَدَةِ الآياتِ فَعَلَ ما فَعَلَ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِاسْتِغاثَتِهِمْ ودُعائِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، أوِ القَتْلِ أوِ الرَّمْيِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ المَقْصُودُ أوِ الأمْرُ ذَلِكم وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ المَقْصُودُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ. وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿مُوهِنُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وحَفْصٌ ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ بِالإضافَةِ والتَّخْفِيفِ.

الأنفال 8:19

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ. ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ ومُعاداةِ الرَّسُولِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِتَضَمُّنِهِ سَلامَةَ الدّارَيْنِ وخَيْرَ المَنزِلَيْنِ. ﴿وَإنْ تَعُودُوا﴾ لِمُحارَبَتِهِ. ﴿نَعُدْ﴾ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ ولَنْ تَدْفَعَ. ﴿عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ جَماعَتُكم. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ أوِ المَضارِّ. ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ فِئَتُكم. ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (وَأنَّ) بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ في القِتالِ والرَّغْبَةِ عَمّا يَسْتَأْثِرُهُ الرَّسُولُ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ أوْ تَهْيِيجِ العَدُوِّ، ولَنْ تُغْنِيَ حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكم بِالنَّصْرِ فَإنَّهُ مَعَ الكامِلِينَ في إيمانِهِمْ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ.

الأنفال 8:20

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ ولا تَتَوَلَّوْا عَنِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الأمْرُ بِطاعَتِهِ والنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ، وذَكَرَ طاعَةَ اللَّهِ لِلتَّوْطِئَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ في طاعَةِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجِهادِ أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الطّاعَةُ. ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ القُرْآنَ والمَواعِظَ سَماعَ فَهْمٍ وتَصْدِيقٍ. ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ كالكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ. ﴿وَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَكَأنَّهم لا يَسْمَعُونَ رَأْسًا.

الأنفال 8:21

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ ولا تَتَوَلَّوْا عَنِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الأمْرُ بِطاعَتِهِ والنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ، وذَكَرَ طاعَةَ اللَّهِ لِلتَّوْطِئَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ في طاعَةِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجِهادِ أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الطّاعَةُ. ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ القُرْآنَ والمَواعِظَ سَماعَ فَهْمٍ وتَصْدِيقٍ. ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ كالكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ. ﴿وَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَكَأنَّهم لا يَسْمَعُونَ رَأْسًا.

الأنفال 8:22

(p-55)﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أوْ شَرَّ البَهائِمِ. ﴿الصُّمُّ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿البُكْمُ﴾ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ إيّاهُ، عَدَّهم مِنَ البَهائِمِ ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها لِإبْطالِهِمْ ما مُيِّزُوا بِهِ وفُضِّلُوا لِأجْلِهِ. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ سَعادَةً كُتِبَتْ لَهم أوِ انْتِفاعًا بِالآياتِ. ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ. ﴿وَلَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وقَدْ عَلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، أوِ ارْتَدُّوا بَعْدَ التَّصْدِيقِ والقَبُولِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ لِعِنادِهِمْ. وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أحْيِ لَنا قُصَيًّا فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ. والمَعْنى لَأسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ.

الأنفال 8:23

(p-55)﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أوْ شَرَّ البَهائِمِ. ﴿الصُّمُّ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿البُكْمُ﴾ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ إيّاهُ، عَدَّهم مِنَ البَهائِمِ ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها لِإبْطالِهِمْ ما مُيِّزُوا بِهِ وفُضِّلُوا لِأجْلِهِ. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ سَعادَةً كُتِبَتْ لَهم أوِ انْتِفاعًا بِالآياتِ. ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ. ﴿وَلَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وقَدْ عَلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، أوِ ارْتَدُّوا بَعْدَ التَّصْدِيقِ والقَبُولِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ لِعِنادِهِمْ. وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أحْيِ لَنا قُصَيًّا فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ. والمَعْنى لَأسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ.

الأنفال 8:24

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بِالطّاعَةِ. ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ وحَدَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِما سَبَقَ ولِأنَّ دَعْوَةَ اللَّهِ تُسْمَعُ مِنَ الرَّسُولِ. وَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَرَّ عَلى أُبَيٌّ وهو يُصَلِّي فَدَعاهُ فَعَجَّلَ في صِلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما مَنَعَكَ عَنْ إجابَتِي قالَ: كُنْتُ أصَلِّي، قالَ: « ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ» ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ .» واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هَذا لِأنَّ إجابَتَهُ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ فَإنَّ الصَّلاةَ أيْضًا إجابَةٌ. وقِيلَ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ لِأمْرٍ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ وظاهِرُ الحَدِيثِ يُناسِبُ الأوَّلَ. ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ فَإنَّها حَياةُ القَلْبِ والجَهْلُ مَوْتُهُ. قالَ: ؎ لا تَعْجَبَنَّ الجَهُولَ حِلَّتُهُ. . . فَذاكَ مَيِّتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ أوْ مِمّا يُورِثُكُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، أوْ مِنَ الجِهادِ فَإنَّهُ سَبَبُ بَقائِكم إذْ لَوْ تَرَكُوهُ لَغَلَبَهُمُ العَدُوُّ وقَتَلَهم، أوِ الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِغايَةِ قُرْبِهِ مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى مَكْنُوناتِ القُلُوبِ مِمّا عَسى يَغْفُلُ عَنْهُ صاحِبُها، أوْ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها قَبْلَ أنْ يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ بِالمَوْتِ أوْ غَيْرِهِ، أوْ تَصْوِيرٌ وتَخْيِيلٌ لِتَمَلُّكِهِ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ مَقاصِدَهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إنْ أرادَ سَعادَتَهُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ إنْ قَضى شَقاوَتَهُ. وقُرِئَ (بَيْنَ المَرِّ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الرّاءِ وإجْراءُ الوَصْلِ والوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يُشَدِّدُ فِيهِ. ﴿وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم.

الأنفال 8:25

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ اتَّقُوا ذَنْبًا يَعُمُّكم أثَرُهُ كَإقْرارِ المُنْكَرِ بَيْنَ أظْهُرِكم والمُداهَنَةِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وافْتِراقِ الكَلِمَةِ وظُهُورِ البِدَعِ والتَّكاسُلِ في الجِهادِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لا تُصِيبُنَّ إمّا جَوابُ الأمْرِ عَلى مَعْنى أنَّ إصابَتَكم لا تُصِيبُ الظّالِمِينَ مِنكم خاصَّةً بَلْ تَعُمُّكم، وفِيهِ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ فَلا يَلِيقُ بِهِ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ لَكِنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ مَعْنى النَّهْيِ ساغَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وأمّا صِفَةٌ لِـ ﴿فِتْنَةً﴾، ولا لِلنَّفْيِ وفِيهِ شُذُوذٌ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ المَنفِيَّ في غَيْرِ القَسَمِ، أوْ لِنَهْيٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ: ؎ حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطَ. . . جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطُّ وَإمّا جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ لَتُصِيبَنَّ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا بَعْدَ الأمْرِ بِاتِّقاءِ الذَّنْبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَإنَّ وبالَهُ يُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً ويَعُودُ عَلَيْهِ، ومَن في مِنكم عَلى الوُجُوهِ (p-56)الأوَّلِ لِلتَّبْعِيضِ وعَلى الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْيِينِ وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِن غَيْرِكم. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

الأنفال 8:26

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ يَسْتَضْعِفُكم قُرَيْشٌ، والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ. وَقِيلَ لِلْعَرَبِ كافَّةً فَإنَّهم كانُوا أذِلّاءَ في أيْدِي فارِسٍ والرُّومِ. ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ مَن عَداهم فَإنَّهم كانُوا جَمِيعًا مُعادِينَ لَهم مُضادِّينَ لَهم. ﴿فَآواكُمْ﴾ إلى المَدِينَةِ، أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ عَنْ أعادِيكم. ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ عَلى الكُفّارِ أوْ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ.

الأنفال 8:27

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ بِتَعْطِيلِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، أوْ بِأنْ تُضْمِرُوا خِلافَ ما تُظْهِرُونَ، أوْ بِالغُلُولِ في المَغانِمِ. وَرُوِيَ: « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوهُ الصُّلْحَ كَما صالَحَ إخْوانَهم بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرْيِحاءَ بِأرْضِ الشّامِ، فَأبى إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ وكانَ مُناصِحًا لَهم لِأنَّ عِيالَهُ ومالَهُ في أيْدِيهِمْ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَقالُوا ما تَرى هَلْ نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، قالَ أبُو لُبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ. فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ في المَسْجِدِ وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ فَحُلَّ نَفْسَكَ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ فَقالَ إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ)» . وَأصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، واسْتِعْمالُهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ. ﴿وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ فِيما بَيْنَكم وهو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الجَوابِ بِالواوِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم تَخُونُونَ، أوْ وأنْتُمْ عُلَماءٌ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في الإثْمِ أوِ العِقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِيَبْلُوَكم فِيهِمْ فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّهم عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ رِضا اللَّهِ عَلَيْهِمْ وراعى حُدُودَهُ فِيهِمْ، فَأنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ.

الأنفال 8:28

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ بِتَعْطِيلِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، أوْ بِأنْ تُضْمِرُوا خِلافَ ما تُظْهِرُونَ، أوْ بِالغُلُولِ في المَغانِمِ. وَرُوِيَ: « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوهُ الصُّلْحَ كَما صالَحَ إخْوانَهم بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرْيِحاءَ بِأرْضِ الشّامِ، فَأبى إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ وكانَ مُناصِحًا لَهم لِأنَّ عِيالَهُ ومالَهُ في أيْدِيهِمْ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَقالُوا ما تَرى هَلْ نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، قالَ أبُو لُبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ. فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ في المَسْجِدِ وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ فَحُلَّ نَفْسَكَ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ فَقالَ إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ)» . وَأصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، واسْتِعْمالُهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ. ﴿وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ فِيما بَيْنَكم وهو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الجَوابِ بِالواوِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم تَخُونُونَ، أوْ وأنْتُمْ عُلَماءٌ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في الإثْمِ أوِ العِقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِيَبْلُوَكم فِيهِمْ فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّهم عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ رِضا اللَّهِ عَلَيْهِمْ وراعى حُدُودَهُ فِيهِمْ، فَأنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ.

الأنفال 8:29

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ هِدايَةً في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبَهاتِ، أوْ نَجاةً عَمّا تَحْذَرُونَ في الدّارَيْنِ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَبُثُّ صِيتَكم مِن قَوْلِهِمْ بَتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ أيِ (p-57)الصُّبْحُ. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ ويَسْتُرْها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بِالتَّجاوُزِ والعَفْوِ عَنْكم. وقِيلَ السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ والذُّنُوبُ الكَبائِرُ. وقِيلَ المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِأنَّها في أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ غَفَرَهُما اللَّهُ تَعالى لَهم. ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ وإحْسانٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُوجِبُ تَقْواهم عَلَيْهِ كالسَّيِّدِ إذا وعَدَ عَبْدَهُ إنْعامًا عَلى عَمَلٍ.

الأنفال 8:30

﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تِذْكارٌ لَمّا مَكَرَ قُرَيْشٌ بِهِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ لِيَشْكُرَ نِعْمَةَ اللَّهِ في خَلاصِهِ. مِن مَكْرِهِمْ واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُونَ بِكَ. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بِالوَثاقِ أوِ الحَبْسِ، أوِ الإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وقُرِئَ (لِيُثَبِّتُوكَ) بِالتَّشْدِيدِ و « لِيُبَيِّتُوكَ» مِنَ البَياتِ و « لِيُقَيِّدُوكَ» . ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بِسُيُوفِهِمْ. ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا بِإسْلامِ الأنْصارِ ومُبايَعَتِهِمْ فَرَقُوا واجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ مُتَشاوِرِينَ في أمْرِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ وقالَ: أنا مِن نَجْدٍ سَمِعْتُ اجْتِماعَكم فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم ولَنْ تَعْدَمُوا مِنِّي رَأْيًا ونُصْحًا فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ وتَسُدُّوا مَنافِذَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها حَتّى يَمُوتَ، فَقالَ الشَّيْخُ بِئْسَ الرَّأْيُ يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكم، فَقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ فَتُخْرِجُوهُ مِن أرْضِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ، فَقالَ بِئْسَ الرَّأْيُ يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكم ويُقاتِلُكم بِهِمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا وتُعْطُوهُ سَيْفًا صارِمًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ. فَقالَ صَدَقَ هَذا الفَتى فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِهِ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ عَلَيْهِما السَّلامُ وأخْبَرَهُ الخَبَرَ وأمَرَهُ بِالهِجْرَةِ، فَبَيَّتَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في مَضْجَعِهِ وخَرَجَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الغارِ. ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بِرَدِّ مَكْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ بِمُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ بِمُعامَلَةِ الماكِرِينَ مَعَهم بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرِهِمْ دُونَ مَكْرِهِ، وإسْنادُ أمْثالِ هَذا مِمّا يَحْسُنُ لِلْمُزاوَجَةِ ولا يَجُوزُ إطْلاقُها ابْتِداءً لِما فِيهِ مِن إيهامِ الذَّمِّ.

الأنفال 8:31

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ إسْنادُ ما فَعَلَهُ رَئِيسُ القَوْمِ إلَيْهِمْ فَإنَّهُ كانَ قاصَّهم، أوْ قَوْلُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا غايَةُ مُكابَرَتِهِمْ وفَرْطُ عِنادِهِمْ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ فَما مَنَعَهم أنْ يَشاءُوا وقَدْ تَحَدّاهم وقَرَّعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا سُورَةً مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا خُصُوصًا في بابِ البَيانِ. ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ مِنَ القِصَصِ. ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا أيْضًا مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ أبْلَغُ في الجُحُودِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ النَّضْرُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ» فَقالَ ذَلِكَ. والمَعْنى إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا فَأمْطِرِ الحِجارَةَ عَلَيْنا عُقُوبَةً عَلى (p-58)إنْكارِهِ، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا. وقُرِئَ « الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ غَيْرُ فَصْلٍ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ.

الأنفال 8:32

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ إسْنادُ ما فَعَلَهُ رَئِيسُ القَوْمِ إلَيْهِمْ فَإنَّهُ كانَ قاصَّهم، أوْ قَوْلُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا غايَةُ مُكابَرَتِهِمْ وفَرْطُ عِنادِهِمْ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ فَما مَنَعَهم أنْ يَشاءُوا وقَدْ تَحَدّاهم وقَرَّعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا سُورَةً مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا خُصُوصًا في بابِ البَيانِ. ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ مِنَ القِصَصِ. ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا أيْضًا مِن كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ أبْلَغُ في الجُحُودِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ النَّضْرُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ» فَقالَ ذَلِكَ. والمَعْنى إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا فَأمْطِرِ الحِجارَةَ عَلَيْنا عُقُوبَةً عَلى (p-58)إنْكارِهِ، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا. وقُرِئَ « الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ غَيْرُ فَصْلٍ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ.

الأنفال 8:33

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ بَيانٌ لِما كانَ المُوجِبُ لِإمْهالِهِمْ والتَّوَقُّفُ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم عَذابُ اسْتِئْصالٍ والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ خارِجٌ عَنْ عادَتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في قَضائِهِ، والمُرادُ بِاسْتِغْفارِهِمْ إمّا اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، أوْ فَرْضُهُ عَلى مَعْنى لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ . ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وما لَهم مِمّا يَمْنَعُ تَعْذِيبَهم مَتى زالَ ذَلِكَ وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ. ﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وحالُهم ذَلِكَ ومِن صَدِّهِمْ عَنْهُ إلْجاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إلى الهِجْرَةِ وإحْصارُهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ أمْرِهِ مَعَ شِرْكِهِمْ، وهو رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ. ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ، وقِيلَ الضَّمِيرانِ لِلَّهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنْ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ كَأنَّهُ نَبَّهَ بِالأكْثَرِ أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ويُعانِدُ، أوْ أرادَ بِهِ الكُلَّ كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.

الأنفال 8:34

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ بَيانٌ لِما كانَ المُوجِبُ لِإمْهالِهِمْ والتَّوَقُّفُ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم عَذابُ اسْتِئْصالٍ والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ خارِجٌ عَنْ عادَتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في قَضائِهِ، والمُرادُ بِاسْتِغْفارِهِمْ إمّا اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، أوْ فَرْضُهُ عَلى مَعْنى لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ . ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وما لَهم مِمّا يَمْنَعُ تَعْذِيبَهم مَتى زالَ ذَلِكَ وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ. ﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وحالُهم ذَلِكَ ومِن صَدِّهِمْ عَنْهُ إلْجاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إلى الهِجْرَةِ وإحْصارُهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ أمْرِهِ مَعَ شِرْكِهِمْ، وهو رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ. ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ، وقِيلَ الضَّمِيرانِ لِلَّهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنْ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ كَأنَّهُ نَبَّهَ بِالأكْثَرِ أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ويُعانِدُ، أوْ أرادَ بِهِ الكُلَّ كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.

الأنفال 8:35

﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ دُعاؤُهم أوْ ما يُسَمُّونَهُ صَلاةً، أوْ ما يَضَعُونَ مَوْضِعَها. ﴿إلا مُكاءً﴾ صَفِيرًا فَعالٌ مِن مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ. وقُرِئَ بِالقَصْرِ كالبُكا. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تَصْفِيقًا تَفْعَلُهُ مِنَ الصَّدا، أوْ مِنَ الصَّدِّ عَلى إبْدالِ أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ بِالياءِ. وقُرِئَ « صَلاتَهم» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ المُقَدَّمُ، ومَساقُ الكَلامِ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ أوْ عَدَمِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ فَإنَّها لا تَلِيقُ بِمَن هَذِهِ صِلاتُهُ. رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ. وَقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ ويَرَوْنَ أنَّهم يُصَلُّونَ أيْضًا. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ يَعْنِي القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ عَذابُ الآخِرَةِ واللّامُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابٍ﴾ . (بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اعْتِقادًا وعَمَلًا.

الأنفال 8:36

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ، أوْ في أبِي سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ لِيَوْمِ أُحُدٍ ألِفَيْنِ مِنَ العَرَبِ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وأنْفَقَ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. أوْ في أصْحابِ العِيرِ فَإنَّهُ لَمّا أُصِيبَ قُرَيْشٌ (p-59)بِبَدْرٍ قِيلَ لَهم أعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نُدْرِكُ مِنهُ ثَأْرَنا فَفَعَلُوا، والمُرادُ بِـ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دِينُهُ واتِّباعُ رَسُولِهِ. ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ بِتَمامِها ولَعَلَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ في تِلْكَ الحالِ وهو إنْفاقُ بَدْرٍ، والثّانِي إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ فِيما يُسْتَقْبَلُ وهو إنْفاقُ أُحُدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ عَلى أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِبَيانِ غَرَضِ الإنْفاقِ ومَساقَ الثّانِي لِبَيانِ عاقِبَتِهِ وإنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ نَدَمًا وغَمًّا لِفَواتِها مِن غَيْرِ مَقْصُودٍ جَعَلَ ذاتَها تَصِيرُ حَسْرَةً وهي عاقِبَةُ إنْفاقِها مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ آخِرَ الأمْرِ وإنْ كانَ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى الكُفْرِ مِنهم إذا أسْلَمَ بَعْضُهم. ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يُساقُونَ.

الأنفال 8:37

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أوْ ﴿يُغْلَبُونَ﴾ أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ (لِيُمَيِّزَ) مِنَ التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِنَ المَيْزِ. ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فَيَجْمَعُهُ ويَضُمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَبُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ لِيَزِيدَ بِهِ عَذابُهُ كَمالِ الكانِزِينَ. ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ كُلَّهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالفَرِيقِ الخَبِيثِ أوْ إلى المُنْفِقِينَ. ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ والمَعْنى قُلْ لِأجْلِهِمْ. ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَنْ مُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ. ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، وقُرِئَ بِالتّاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم و « يَغْفِرْ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى. ﴿وَإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ بِالتَّدْمِيرِ كَما جَرى عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.

الأنفال 8:38

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أوْ ﴿يُغْلَبُونَ﴾ أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ (لِيُمَيِّزَ) مِنَ التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِنَ المَيْزِ. ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فَيَجْمَعُهُ ويَضُمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَبُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ لِيَزِيدَ بِهِ عَذابُهُ كَمالِ الكانِزِينَ. ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ كُلَّهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالفَرِيقِ الخَبِيثِ أوْ إلى المُنْفِقِينَ. ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ والمَعْنى قُلْ لِأجْلِهِمْ. ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَنْ مُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ. ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، وقُرِئَ بِالتّاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم و « يَغْفِرْ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى. ﴿وَإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ بِالتَّدْمِيرِ كَما جَرى عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.

الأنفال 8:39

﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِمْ شِرْكَ. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتَضْمَحِلُّ عَنْهُمُ الأدْيانُ الباطِلَةُ. ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنْهُ وإسْلامِهِمْ. وعَنْ يَعْقُوبَ « تَعْمَلُونَ» بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَإنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ والإخْراجِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ بَصِيرٌ، فَيُجازِيكم ويَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِانْتِهائِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَما يَسْتَدْعِي إثابَتَهم لِلْمُباشَرَةِ يَسْتَدْعِي إثابَةَ مُقاتِلِيهِمْ لِلتَّسَبُّبِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ. ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يَضِيعُ مَن تَوَلّاهُ. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

الأنفال 8:40

﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِمْ شِرْكَ. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتَضْمَحِلُّ عَنْهُمُ الأدْيانُ الباطِلَةُ. ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنْهُ وإسْلامِهِمْ. وعَنْ يَعْقُوبَ « تَعْمَلُونَ» بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَإنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ والإخْراجِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ بَصِيرٌ، فَيُجازِيكم ويَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِانْتِهائِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَما يَسْتَدْعِي إثابَتَهم لِلْمُباشَرَةِ يَسْتَدْعِي إثابَةَ مُقاتِلِيهِمْ لِلتَّسَبُّبِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا. ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ. ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يَضِيعُ مَن تَوَلّاهُ. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

الأنفال 8:41

(p-60)﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ أيِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ قَهْرًا. ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطَ. ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَثابِتٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ . وأنَّ المُرادَ قَسْمُ الخَمُسِ عَلى الخَمْسَةِ المَعْطُوفِينَ ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ يُصْرَفُ إلى هَؤُلاءِ الأخَصِّينَ بِهِ. وحُكْمُهُ بَعْدَهُ، باقٍ غَيْرَ أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يُصْرَفُهُ إلَيْهِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كَما فَعَلَهُ الشَّيْخانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ إلى الإمامِ. وقِيلَ إلى الأصْنافِ الأرْبَعَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى بِوَفاتِهِ وصارَ الكُلُّ مَصْرُوفًا إلى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ. وعَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ يَصْرِفُهُ إلى ما يَراهُ أهَمَّ، وذَهَبَ أبُو العالِيَةِ إلى ظاهِرِ الآيَةِ فَقالَ يُقَسَّمُ سِتَّةَ أقْسامٍ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَأْخُذُ قَبْضَةً مِنهُ فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ. وَقِيلَ سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ. وقِيلَ هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ . وذَوُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ. لَمّا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى عَلَيْهِما فَقالَ لَهُ عُثْمانُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهم، أرَأيْتَ إخْوانَنا مِن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» . وَقِيلَ بَنُو هاشِمٍ وحْدَهم. وقِيلَ جَمِيعُ قُرَيْشٍ الغَنِيُّ والفَقِيرُ فِيهِ سَواءٌ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِفُقَرائِهِمْ كَسَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ. وقِيلَ الخُمُسُ كُلُّهُ لَهم والمُرادُ بِاليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مَن كانَ مِنهم والعَطْفُ لِلتَّخْصِيصِ. والآيَةُ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ. وقِيلَ الخُمُسُ كانَ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿واعْلَمُوا﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاعْلَمُوا أنَّهُ جَعَلَ الخُمُسَ لِهَؤُلاءِ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ واقْتَنِعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ، فَإنَّ العِلْمَ العَمَلِيَّ إذا أمَرَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ مِنهُ العِلْمُ المُجَرَّدُ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالعَرْضِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو العَمَلُ. ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والنَّصْرِ. وقُرِئَ (عُبُدِنا) بِضَمَّتَيْنِ أيِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ المُسْلِمُونَ والكافِرُونَ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ والإمْدادِ بِالمَلائِكَةِ.

الأنفال 8:42

﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، والعُدْوَةُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ شَطُّ الوادِي وقَدْ قُرِئَ بِها، والمَشْهُورُ الضَّمُّ والكَسْرُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ. ﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ، تَأْنِيثُ الأقْصى وكانَ قِياسُهُ قَلْبَ الواوِ ياءً كالدُّنْيا والعُلْيا تَفْرِقَةً بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ فَجاءَ عَلى الأصْلِ كالقَوْدِ وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ القُصْيا. ﴿والرَّكْبُ﴾ أيِ العِيرُ أوْ قُوّادُها. ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكم يَعْنِي السّاحِلَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ واسْتِظْهارِهِمْ بِالرَّكْبِ وحِرْصِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ عَنْها وتَوْطِينِ نُفُوسِهِمْ عَلى أنْ لا يُخَلُّوا مَراكِزَهم ويَبْذُلُوا مُنْتَهى جُهْدِهِمْ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثِ أمْرِهِمْ واسْتِبْعادِ غَلَبَتِهِمْ عادَةً، وكَذا ذَكَرَ (p-61)مَراكِزَ الفَرِيقَيْنِ فَإنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ ولا يَمْشِي فِيها إلّا بِتَعَبٍ ولَمْ يَكُنْ بِها ماءٌ، بِخِلافِ العُدْوَةِ القُصْوى وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ ثُمَّ عَلِمْتُمْ حالَكم وحالَهم لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم، ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا أنَّ ما اتَّفَقَ لَهم مِنَ الفَتْحِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى خارِقًا لِلْعادَةِ فَيَزْدادُوا إيمانًا وشُكْرًا. ﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَ بَيْنَكم عَلى هَذِهِ الحالِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يُفْعَلَ وهو نَصْرُ أوْلِيائِهِ وقَهْرُ أعْدائِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَفْعُولًا والمَعْنى: لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ عايَنَها ويَعِيشَ مَن يَعِيشُ عَنْ حُجَّةٍ شاهَدَها لِئَلّا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ ومَعْذِرَةٌ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ. أوْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ عَلى اسْتِعارَةِ الهَلاكِ والحَياةِ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، والمُرادُ بِمَن هَلَكَ ومَن حَيَّ المَشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ، أوْ مَن هَذا حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ. وَقُرِئَ « ليَهْلَكَ» بِالفَتْحِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ مَن حَيِيَ بِفَكِّ الإدْغامِ لِلْحَمْلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الأمْرَيْنِ عَلى القَوْلِ والِاعْتِقادِ.

الأنفال 8:43

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ. ﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لَجَبُنْتُمْ. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها. ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿قَلِيلا﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ . ﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

الأنفال 8:44

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ. ﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لَجَبُنْتُمْ. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها. ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿قَلِيلا﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ . ﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

الأنفال 8:45

(p-62)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ حارَبْتُمْ جَماعَةً ولَمْ يَصِفْها لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ. ﴿فاثْبُتُوا﴾ لِلِقائِهِمْ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مُواطِنِ الحَرْبِ داعِينَ لَهُ مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويُقْبِلَ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ فارِغَ البالِ واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابُ النَّهْيِ. وَقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُرِئَ: « ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾» بِالجَزْمِ، والرِّيحُ مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشْبِهَةٌ بِها في هُبُوبِها ونُفُوذِها. وقِيلَ المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ وفي الحَدِيثِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالكَلاءَةِ والنُّصْرَةِ.

الأنفال 8:46

(p-62)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ حارَبْتُمْ جَماعَةً ولَمْ يَصِفْها لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ. ﴿فاثْبُتُوا﴾ لِلِقائِهِمْ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مُواطِنِ الحَرْبِ داعِينَ لَهُ مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويُقْبِلَ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ فارِغَ البالِ واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابُ النَّهْيِ. وَقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُرِئَ: « ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾» بِالجَزْمِ، والرِّيحُ مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشْبِهَةٌ بِها في هُبُوبِها ونُفُوذِها. وقِيلَ المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ وفي الحَدِيثِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالكَلاءَةِ والنُّصْرَةِ.

الأنفال 8:47

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا مِنها لِحِمايَةِ العِيرِ. ﴿بَطَرًا﴾ فَخْرًا وأشَرًا. ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَلَغُوا الجَحْفَةَ وافاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ أنِ ارْجِعُوا فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكم فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا واللَّهِ حَتّى نَقْدِمَ بَدْرًا ونَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفُ عَلَيْنا القِيانُ ونُطْعِمُ بِها مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ، فَوافَوْها ولَكِنْ سُقُوا كَأْسَ المَنايا وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ، فَنَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا أمْثالَهم بَطِرِينَ مُرائِينَ، وأمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا أهْلَ تَقْوى وإخْلاصٍ مِن حَيْثُ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَطَرًا إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ وكَذا إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَهُ لَكِنْ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ. ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

الأنفال 8:48

﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ. ﴿أعْمالَهُمْ﴾ في مُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ وغَيْرَها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ. ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ مَقالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى في رَوْعِهِمْ وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ ولا يُطاقُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتُ مُجِيرٍ لَهم حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، ولَكم خَبَرُ لا غالِبَ أوْ صِفَتُهُ ولَيْسَ صِلَتُهُ وإلّا لانْتَصَبَ كَقَوْلِكَ: لا ضارِبًا زَيْدًا عِنْدَنا. ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ تَلاقى الفَرِيقانِ. ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ القَهْقَرى أيْ بَطَلَ كَيْدُهُ وعادَ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ. ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيْ تَبَرَّأ مِنهم وخافَ عَلَيْهِمْ وأيِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ المُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ، وقِيلَ: لَمّا اجْتَمَعَتْقُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ وكادَ ذَلِكَ يَثْنِيهِمْ، فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانِيِّ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ وإنِّي مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ وكانَ يَدُهُ في يَدِ الحَرْثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالَةِ فَقالَ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْطَلَقَ وانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ قالُوا هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ ما (p-63)شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ. وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ إنِّي أخافُهُ أنْ يُصِيبَنِي مَكْرُوهٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ يُهْلِكَنِي ويَكُونُ الوَقْتُ هو الوَقْتُ المَوْعُودُ إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَ قَبْلَهُ، والأوَّلُ ما قالَهُ الحَسَنُ واخْتارَهُ ابْنُ بَحْرٍ. ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

الأنفال 8:49

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والَّذِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلى الإيمانِ بَعْدُ وبَقِيَ في قُلُوبِهِمْ شُبْهَةٌ. وقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ المُنافِقُونَ والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ. ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ. ﴿دِينُهُمْ﴾ حَتّى تَعَرَّضُوا لِما لا يَدِيَ لَهم بِهِ فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ جَوابٌ لَهم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُذِلُّ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ وإنَّ قَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ.

الأنفال 8:50

﴿وَلَوْ تَرى﴾ ولَوْ رَأيْتَ فَإنَّ لَوْ تَجْعَلُ المُضارِعَ ماضِيًا عَكْسَ إنْ. ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ بِبَدْرٍ، وإذْ ظَرْفُ تَرى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ أوْ حالَهم حِينَئِذٍ، والمَلائِكَةُ فاعِلُ يَتَوَفّى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتّاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، واسْتُغْنِيَ فِيهِ بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهم أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى الضَّمِيرَيْنِ. ﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ ظُهُورَهم أوْ أسْتاهَهم، ولَعَلَّ المُرادَ تَعْمِيمُ الضَّرْبِ أيْ يَضْرِبُونَ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ عَلى يَضْرِبُونَ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ ويَقُولُونَ ذُوقُوا بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِتَقْطِيعِ الأمْرِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرْبُ والعَذابُ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو خَبَرٌ لِذَلِكَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عُطِفَ عَلى « ما» لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ. فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ وظَلّامٍ التَّكْثِيرُ لِأجْلِ العَبِيدِ.

الأنفال 8:51

﴿وَلَوْ تَرى﴾ ولَوْ رَأيْتَ فَإنَّ لَوْ تَجْعَلُ المُضارِعَ ماضِيًا عَكْسَ إنْ. ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ بِبَدْرٍ، وإذْ ظَرْفُ تَرى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ أوْ حالَهم حِينَئِذٍ، والمَلائِكَةُ فاعِلُ يَتَوَفّى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتّاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، واسْتُغْنِيَ فِيهِ بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهم أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى الضَّمِيرَيْنِ. ﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ ظُهُورَهم أوْ أسْتاهَهم، ولَعَلَّ المُرادَ تَعْمِيمُ الضَّرْبِ أيْ يَضْرِبُونَ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ عَلى يَضْرِبُونَ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ ويَقُولُونَ ذُوقُوا بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِتَقْطِيعِ الأمْرِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرْبُ والعَذابُ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو خَبَرٌ لِذَلِكَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عُطِفَ عَلى « ما» لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ. فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ وظَلّامٍ التَّكْثِيرُ لِأجْلِ العَبِيدِ.

الأنفال 8:52

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ دَأْبُ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وهو عَمَلُهم وطَرِيقُهُمُ الَّذِي دَأبُوا فِيهِ أيْ دامُوا عَلَيْهِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ. ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كَما أخَذَ هَؤُلاءِ. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يَغْلِبُهُ في دَفْعِهِ شَيْءٌ. (p-64)﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِهِمْ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ مُبَدِّلًا إيّاها بِالنِّقْمَةِ. ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ يُبَدِّلُوا ما بِهِمْ مِنَ الحالِ إلى حالٍ أسْوَأ، كَتَغْيِيرِ قُرَيْشٍ حالَهم في صِلَةِ الرَّحِمِ والكَفِّ عَنْ تَعَرُّضِ الآياتِ والرُّسُلِ بِمُعاداةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ مِنهم، والسَّعْيِ في إراقَةِ دِمائِهِمْ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحْدَثُوهُ بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ تَغْيِيرِ اللَّهِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا حالَهم بَلْ ما هو المَفْهُومُ لَهُ وهو جَرْيُ عادَتِهِ عَلى تَغْيِيرِهِ مَتى يُغَيِّرُوا حالَهم، وأصْلُ يَكُ يَكُونُ فَحُذِفَتِ الحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ ثُمَّ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ثُمَّ النُّونُ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ تَخْفِيفًا. ﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَفْعَلُونَ. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرانِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ وبَيانُ ما أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ الأوَّلُ لِتَشْبِيهِ الكُفْرِ والأخْذِ بِهِ والثّانِي لِتَشْبِيهِ التَّغْيِيرِ في النِّعْمَةِ بِسَبَبِ تَغْيِيرِهِمْ ما بِأنْفُسِهِمْ. وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المُكَذِّبَةِ، أوْ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ. ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

الأنفال 8:53

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ دَأْبُ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وهو عَمَلُهم وطَرِيقُهُمُ الَّذِي دَأبُوا فِيهِ أيْ دامُوا عَلَيْهِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ. ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كَما أخَذَ هَؤُلاءِ. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يَغْلِبُهُ في دَفْعِهِ شَيْءٌ. (p-64)﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِهِمْ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ مُبَدِّلًا إيّاها بِالنِّقْمَةِ. ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ يُبَدِّلُوا ما بِهِمْ مِنَ الحالِ إلى حالٍ أسْوَأ، كَتَغْيِيرِ قُرَيْشٍ حالَهم في صِلَةِ الرَّحِمِ والكَفِّ عَنْ تَعَرُّضِ الآياتِ والرُّسُلِ بِمُعاداةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ مِنهم، والسَّعْيِ في إراقَةِ دِمائِهِمْ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحْدَثُوهُ بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ تَغْيِيرِ اللَّهِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا حالَهم بَلْ ما هو المَفْهُومُ لَهُ وهو جَرْيُ عادَتِهِ عَلى تَغْيِيرِهِ مَتى يُغَيِّرُوا حالَهم، وأصْلُ يَكُ يَكُونُ فَحُذِفَتِ الحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ ثُمَّ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ثُمَّ النُّونُ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ تَخْفِيفًا. ﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَفْعَلُونَ. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرانِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ وبَيانُ ما أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ الأوَّلُ لِتَشْبِيهِ الكُفْرِ والأخْذِ بِهِ والثّانِي لِتَشْبِيهِ التَّغْيِيرِ في النِّعْمَةِ بِسَبَبِ تَغْيِيرِهِمْ ما بِأنْفُسِهِمْ. وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المُكَذِّبَةِ، أوْ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ. ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

الأنفال 8:54

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ دَأْبُ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وهو عَمَلُهم وطَرِيقُهُمُ الَّذِي دَأبُوا فِيهِ أيْ دامُوا عَلَيْهِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ. ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كَما أخَذَ هَؤُلاءِ. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يَغْلِبُهُ في دَفْعِهِ شَيْءٌ. (p-64)﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِهِمْ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ مُبَدِّلًا إيّاها بِالنِّقْمَةِ. ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ يُبَدِّلُوا ما بِهِمْ مِنَ الحالِ إلى حالٍ أسْوَأ، كَتَغْيِيرِ قُرَيْشٍ حالَهم في صِلَةِ الرَّحِمِ والكَفِّ عَنْ تَعَرُّضِ الآياتِ والرُّسُلِ بِمُعاداةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ مِنهم، والسَّعْيِ في إراقَةِ دِمائِهِمْ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أحْدَثُوهُ بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَيْسَ السَّبَبُ عَدَمَ تَغْيِيرِ اللَّهِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا حالَهم بَلْ ما هو المَفْهُومُ لَهُ وهو جَرْيُ عادَتِهِ عَلى تَغْيِيرِهِ مَتى يُغَيِّرُوا حالَهم، وأصْلُ يَكُ يَكُونُ فَحُذِفَتِ الحَرَكَةُ لِلْجَزْمِ ثُمَّ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ثُمَّ النُّونُ لِشَبَهِهِ بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ تَخْفِيفًا. ﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَفْعَلُونَ. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرانِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ وبَيانُ ما أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ الأوَّلُ لِتَشْبِيهِ الكُفْرِ والأخْذِ بِهِ والثّانِي لِتَشْبِيهِ التَّغْيِيرِ في النِّعْمَةِ بِسَبَبِ تَغْيِيرِهِمْ ما بِأنْفُسِهِمْ. وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المُكَذِّبَةِ، أوْ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ. ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

الأنفال 8:55

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ورَسَخُوا فِيهِ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلا يُتَوَقَّعُ مِنهم إيمانٌ، ولَعَلَّهُ إخْبارٌ عَنْ قَوْمٍ مَطْبُوعِينَ عَلى الكَفْرِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلَ البَعْضِ لِلْبَيانِ والتَّخْصِيصِ، وهم يَهُودُ قُرَيْظَةَ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُمالِئُوا عَلَيْهِ فَأعانُوا المُشْرِكِينَ بِالسِّلاحِ وقالُوا: نَسِينا ثُمَّ عاهَدَهم فَنَكَثُوا ومالَؤُوهم عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ورَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى مَكَّةَ فَحالَفَهم. ومِن لِتَضْمِينِ المُعاهَدَةِ مَعْنى الأخْذِ والمُرادُ بِالمَرَّةِ مَرَّةُ المُعاهَدَةِ أوِ المُحارَبَةِ. ﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ سُبَّةُ الغَدْرِ ومَغَبَّتُهُ، أوْ لا يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِ أوْ نَصْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَسْلِيطَهُ إيّاهم عَلَيْهِمْ.

الأنفال 8:56

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ورَسَخُوا فِيهِ. ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلا يُتَوَقَّعُ مِنهم إيمانٌ، ولَعَلَّهُ إخْبارٌ عَنْ قَوْمٍ مَطْبُوعِينَ عَلى الكَفْرِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلَ البَعْضِ لِلْبَيانِ والتَّخْصِيصِ، وهم يَهُودُ قُرَيْظَةَ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُمالِئُوا عَلَيْهِ فَأعانُوا المُشْرِكِينَ بِالسِّلاحِ وقالُوا: نَسِينا ثُمَّ عاهَدَهم فَنَكَثُوا ومالَؤُوهم عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ورَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى مَكَّةَ فَحالَفَهم. ومِن لِتَضْمِينِ المُعاهَدَةِ مَعْنى الأخْذِ والمُرادُ بِالمَرَّةِ مَرَّةُ المُعاهَدَةِ أوِ المُحارَبَةِ. ﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ سُبَّةُ الغَدْرِ ومَغَبَّتُهُ، أوْ لا يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِ أوْ نَصْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَسْلِيطَهُ إيّاهم عَلَيْهِمْ.

الأنفال 8:57

﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ، ﴿فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ ونَكِّلْ عَنْها بِقَتْلِهِمْ والنِّكايَةِ فِيهِمْ ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ والتَّشْرِيدُ تَفْرِيقٌ عَلى اضْطِرابٍ. وقُرِئَ « فَشَرِّذْ» بِالذّالِ المُعْجَمَةِ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ شَذَرَ و ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾، والمَعْنى واحِدٌ فَإنَّهُ إذا شَرَدَ مَن وراءَهم فَقَدْ فَعَلَ التَّشْرِيدُ في الوَراءِ. ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ لَعَلَّ المُشَرَّدِينَ يَتَّعِظُونَ. ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ﴾ مُعاهَدِينَ. ﴿خِيانَةً﴾ نَقْضَ عَهْدٍ بِأماراتٍ تَلُوحُ لَكَ. ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم. ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى عَدْلٍ وطَرِيقِ قَصْدٍ في العَداوَةِ ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ فَإنَّهُ يَكُونُ خِيانَةً مِنكَ، أوْ عَلى سَواءٍ في الخَوْفِ أوِ العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّابِذِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْ ثابِتًا عَلى طَرِيقٍ سَوِيٍّ أوْ مِنهُ أوْ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ أوْ مِنهُما عَلى غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ والنَّهْيِ عَنْ مُناجَزَةِ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحالِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ.

الأنفال 8:58

﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ، ﴿فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ ونَكِّلْ عَنْها بِقَتْلِهِمْ والنِّكايَةِ فِيهِمْ ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ والتَّشْرِيدُ تَفْرِيقٌ عَلى اضْطِرابٍ. وقُرِئَ « فَشَرِّذْ» بِالذّالِ المُعْجَمَةِ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ شَذَرَ و ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾، والمَعْنى واحِدٌ فَإنَّهُ إذا شَرَدَ مَن وراءَهم فَقَدْ فَعَلَ التَّشْرِيدُ في الوَراءِ. ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ لَعَلَّ المُشَرَّدِينَ يَتَّعِظُونَ. ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ﴾ مُعاهَدِينَ. ﴿خِيانَةً﴾ نَقْضَ عَهْدٍ بِأماراتٍ تَلُوحُ لَكَ. ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم. ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى عَدْلٍ وطَرِيقِ قَصْدٍ في العَداوَةِ ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ فَإنَّهُ يَكُونُ خِيانَةً مِنكَ، أوْ عَلى سَواءٍ في الخَوْفِ أوِ العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّابِذِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْ ثابِتًا عَلى طَرِيقٍ سَوِيٍّ أوْ مِنهُ أوْ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ أوْ مِنهُما عَلى غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ والنَّهْيِ عَنْ مُناجَزَةِ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحالِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ.

الأنفال 8:59

(وَلا تَحْسَبَنَّ) خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مَفْعُولاهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ (p-65)بِالياءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ أحَدٍ أوْ ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾، أوِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ أنْفُسُهم فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ سَبَقُوا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ كالمَوْصُولِ فَلا تُحْذَفُ أوْ عَلى إيقاعِ الفِعْلِ عَلى (أنَّهم لا يُعْجِزُونَ) بِالفَتْحِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وأنَّ ﴿لا﴾ صِلَةٌ و ﴿سَبَقُوا﴾ حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ أيْ مُفْلِتِينَ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّهم سَبَقُوا فَأفْلَتُوا لِأنَّهم لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، أوْ لا يَجِدُونَ طالِبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ وكَذا إنْ كَسَرْتَ إنَّ إلّا أنَّهُ تَعْلِيلٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، ولَعَلَّ الآيَةَ إزاحَةٌ لِما يُحَذِّرُ بِهِ مِن نَبْذِ العَهْدِ وإيقاظِ العَدُوِّ، وقِيلَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فُلِّ المُشْرِكِينَ.

الأنفال 8:60

﴿وَأعِدُّوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿لَهُمْ﴾ لِناقِضِي العَهْدِ أوِ الكُفّارِ. ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ. وَعَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا» ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أقْواهُ. ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابَطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ. وقُرِئَ « رُبُطِ الخَيْلِ» بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها جَمْعُ رِباطٍ وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تُخَوِّفُونَ بِهِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿تُرْهِبُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ والضَّمِيرُ لِـ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أوْ لِلْإعْدادِ. ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ. ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ. قِيلَ هُمُ اليَهُودُ وقِيلَ المُنافِقُونَ وقِيلَ الفُرْسُ. ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يَعْرِفُهم. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ جَزاؤُهُ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ بِتَضْيِيعِ العَمَلِ أوْ نَقْصِ الثَّوابِ. ﴿وَإنْ جَنَحُوا﴾ مالُوا ومِنهُ الجَناحُ. وقَدْ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ لِلصُّلْحِ أوِ الِاسْتِسْلامِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالكَسْرِ. ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ وعاهِدْ مَعَهم وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِحَمْلِ السَّلْمِ عَلى نَقِيضِها فِيهِ. قالَ: ؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيَتْ بِهِ. . . والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جَرَعُ وَقُرِئَ « فاجْنُحْ» بِالضَّمِّ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَخْفَ مِن إبْطانِهِمْ خِداعًا فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ ويُحِيقُهُ بِهِمْ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيّاتِهِمْ. والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ لِاتِّصالِها بِقِصَّتِهِمْ وقِيلَ عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

الأنفال 8:61

﴿وَأعِدُّوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿لَهُمْ﴾ لِناقِضِي العَهْدِ أوِ الكُفّارِ. ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ. وَعَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا» ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أقْواهُ. ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابَطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ. وقُرِئَ « رُبُطِ الخَيْلِ» بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها جَمْعُ رِباطٍ وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تُخَوِّفُونَ بِهِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿تُرْهِبُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ والضَّمِيرُ لِـ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أوْ لِلْإعْدادِ. ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ. ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ. قِيلَ هُمُ اليَهُودُ وقِيلَ المُنافِقُونَ وقِيلَ الفُرْسُ. ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يَعْرِفُهم. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ جَزاؤُهُ. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ بِتَضْيِيعِ العَمَلِ أوْ نَقْصِ الثَّوابِ. ﴿وَإنْ جَنَحُوا﴾ مالُوا ومِنهُ الجَناحُ. وقَدْ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ لِلصُّلْحِ أوِ الِاسْتِسْلامِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالكَسْرِ. ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ وعاهِدْ مَعَهم وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِحَمْلِ السَّلْمِ عَلى نَقِيضِها فِيهِ. قالَ: ؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيَتْ بِهِ. . . والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جَرَعُ وَقُرِئَ « فاجْنُحْ» بِالضَّمِّ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَخْفَ مِن إبْطانِهِمْ خِداعًا فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ ويُحِيقُهُ بِهِمْ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيّاتِهِمْ. والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ لِاتِّصالِها بِقِصَّتِهِمْ وقِيلَ عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

الأنفال 8:62

﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ فَإنَّ مَحْسَبَكَ اللَّهُ وكافِيكَ قالَ جَرِيرٌ: ؎ إنِّي وجَدْتُ مِنَ المَكارِمْ حَسْبَكم. . . أنْ تَلْبِسُوا حُرَّ الثِّيابِ وتَشْبَعُوا ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ جَمِيعًا. ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مَعَ ما فِيهِمْ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ، والتَّهالُكُ عَلى الِانْتِقامِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا كَنَفْسِ واحِدَةٍ، وهَذا مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ، وبَيانُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ لَوْ أنْفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ ما فى الأرْضِ (p-66)مِنَ الأمْوالِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الأُلْفَةِ والإصْلاحِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بِقُدْرَتِهِ البالِغَةِ، فَإنَّهُ المالِكُ لِلْقُلُوبِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ. ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لا يَعْصى عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُهُ، وقِيلَ الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم مِحَنٌ لا أمَدَ لَها ووَقائِعُ هَلَكَتْ فِيها ساداتُهم، فَأنْساهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا.

الأنفال 8:63

﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ فَإنَّ مَحْسَبَكَ اللَّهُ وكافِيكَ قالَ جَرِيرٌ: ؎ إنِّي وجَدْتُ مِنَ المَكارِمْ حَسْبَكم. . . أنْ تَلْبِسُوا حُرَّ الثِّيابِ وتَشْبَعُوا ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ جَمِيعًا. ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مَعَ ما فِيهِمْ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ، والتَّهالُكُ عَلى الِانْتِقامِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا كَنَفْسِ واحِدَةٍ، وهَذا مِن مُعْجِزاتِهِ ﷺ، وبَيانُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ لَوْ أنْفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ ما فى الأرْضِ (p-66)مِنَ الأمْوالِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الأُلْفَةِ والإصْلاحِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بِقُدْرَتِهِ البالِغَةِ، فَإنَّهُ المالِكُ لِلْقُلُوبِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ. ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ لا يَعْصى عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُهُ، وقِيلَ الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم مِحَنٌ لا أمَدَ لَها ووَقائِعُ هَلَكَتْ فِيها ساداتُهم، فَأنْساهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا.

الأنفال 8:64

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كافِيكَ. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ كَقَوْلِهِ: ؎ إذا كانَتِ الهَيْجاءُ واشْتَجَرَ القَنا. . . فَحَسْبُكَ والضَّحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ أوِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى المَكْنِيِّ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، أوِ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ. والآيَةُ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وقِيلَ أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَزَلَتْ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ في إسْلامِهِ.

الأنفال 8:65

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ بالَغَ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ الحَرَضُ وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يَشْفِيَ عَلى المَوْتِ وقُرِئَ « حَرِّصِ» مِنَ الحِرْصِ. ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِمُصابَرَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، والوَعْدُ بِأنَّهم إنْ صَبَرُوا غَلَبُوا بِعَوْنِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « تَكُنْ» بِالتّاءِ في الآيَتَيْنِ ووافَقَهُمُ البَصْرِيّانِ في (وَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ) . ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ بِسَبَبٍ أنَّهم جَهَلَةٌ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُثْبِتُونَ ثِيابَ المُؤْمِنِينَ رَجاءَ الثَّوابِ وعَوالِي الدَّرَجاتِ قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ اللَّهِ إلّا الهَوانَ والخِذْلانَ. ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لَمّا أوْجَبَ عَلى الواحِدِ مُقاوَمَةَ العَشَرَةِ والثَّباتَ لَهم وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خَفَّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ عَنْهم، وتَكْرِيرُ المَعْنى الواحِدِ بِذِكْرِ الأعْدادِ المُتَناسِبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَ القَلِيلِ والكَثِيرِ واحِدٌ والضَّعْفَ ضَعْفُ البَدَنِ. وقِيلَ ضَعْفُ البَصِيرَةِ وكانُوا مُتَفاوِتِينَ فِيها، وفِيهِ لُغَتانِ الفَتْحُ وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والضَّمُّ وهو قِراءَةُ الباقِينَ. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ فَكَيْفَ لا يَغْلِبُونَ.

الأنفال 8:66

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ بالَغَ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ الحَرَضُ وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يَشْفِيَ عَلى المَوْتِ وقُرِئَ « حَرِّصِ» مِنَ الحِرْصِ. ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِمُصابَرَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، والوَعْدُ بِأنَّهم إنْ صَبَرُوا غَلَبُوا بِعَوْنِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « تَكُنْ» بِالتّاءِ في الآيَتَيْنِ ووافَقَهُمُ البَصْرِيّانِ في (وَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ) . ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ بِسَبَبٍ أنَّهم جَهَلَةٌ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُثْبِتُونَ ثِيابَ المُؤْمِنِينَ رَجاءَ الثَّوابِ وعَوالِي الدَّرَجاتِ قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ اللَّهِ إلّا الهَوانَ والخِذْلانَ. ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لَمّا أوْجَبَ عَلى الواحِدِ مُقاوَمَةَ العَشَرَةِ والثَّباتَ لَهم وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خَفَّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ عَنْهم، وتَكْرِيرُ المَعْنى الواحِدِ بِذِكْرِ الأعْدادِ المُتَناسِبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَ القَلِيلِ والكَثِيرِ واحِدٌ والضَّعْفَ ضَعْفُ البَدَنِ. وقِيلَ ضَعْفُ البَصِيرَةِ وكانُوا مُتَفاوِتِينَ فِيها، وفِيهِ لُغَتانِ الفَتْحُ وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والضَّمُّ وهو قِراءَةُ الباقِينَ. ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ فَكَيْفَ لا يَغْلِبُونَ.

الأنفال 8:67

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ وقُرِئَ « لِلنَّبِيِّ» عَلى العَهْدِ. ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالتّاءِ. ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يُكْثِرَ القَتْلَ ويُبالِغَ فِيهِ حَتّى يَذِلَّ الكُفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ ويَعِزَّ الإسْلامُ ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، مِن أثْخَنَهُ المَرَضُ إذا (p-67)أثْقَلَهُ وأصْلُهُ الثَّخانَةُ، وقُرِئَ « يُثَخِّنَ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ حُطامَها بِأخْذِكُمُ الفِداءَ. ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ أوْ سَبَبَ نَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ مِن إعْزازِ دِينِهِ وقَمْعِ أعْدائِهِ. وقُرِئَ بِجَرِّ (الآخِرَةِ) عَلى إضْمارِ المُضافِ كَقَوْلِهِ: ؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً. . . ونارٌ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغَلِّبُ أوْلِياءَهُ عَلى أعْدائِهِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ ويَخُصُّهُ بِها، كَما أمَرَ بِالإثْخانِ ومَنَعَ عَنِ الِافْتِداءِ حِينَ كانَتِ الشَّوْكَةُ لِلْمُشْرِكِينَ وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ وصارَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ فاسْتَشارَ فِيهِمْ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي بِها أصْحابَكَ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اضْرِبْ أعْناقَهم فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ وإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، مَكِّنِي مِن فُلانٍ - لِنَسِيبٍ لَهُ- ومَكِّنْ عَلِّيًا وحَمْزَةَ مِن أخَوَيْهِما فَلْنَضْرِبْ أعْناقَهم، فَلَمْ يَهْوَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مِثْلَكَ يا أبا بَكْرٍ مِثْلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومِثْلَكَ يا عُمَرُ مِثْلُ نُوحٍ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ فَخَيَّرَ أصْحابَهُ فَأخَذُوا الفِداءَ، فَنَزَلَتْ فَدَخَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ فَقالَ: « يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي فَإنْ أجِدُ بُكاءً بِكَيْتُ وإلّا تَباكَيْتُ فَقالَ: ابْكِ عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ» . والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْتَهِدُونَ وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً ولَكِنْ لا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ.

الأنفال 8:68

﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لَوْلا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَبَدْرٍ أوْ قَوْمًا بِما لَمْ يُصَرِّحْ لَهم بِالنَّهْيِ عَنْهُ، أوْ أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَحِلُّ لَهم. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لَنالَكم. ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَوْ نَزَلَ العَذابُ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدَ بْنَ مُعاذٍ» . وَذَلِكَ لِأنَّهُ أيْضًا أشارَ بِالإثْخانِ. ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ. وقِيلَ أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ فَنَزَلَتْ. والفاءُ لِلتَّسَبُّبِ والسَّبَبُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وبِنَحْوِهِ تَشَبَّثَ مَن زَعَمَ أنَّ الأمْرَ الوارِدَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ. ﴿حَلالا﴾ حالٌ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ أكْلًا حَلالًا، وفائِدَتُهُ إزاحَةُ ما وقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِنهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُعاتَبَةِ، أوْ حُرْمَتِها عَلى الأوَّلِينَ ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غَفَرَ لَكم ذَنْبَكم ﴿رَحِيمٌ﴾ أباحَ لَكم ما أخَذْتُمْ.

الأنفال 8:69

﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لَوْلا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَبَدْرٍ أوْ قَوْمًا بِما لَمْ يُصَرِّحْ لَهم بِالنَّهْيِ عَنْهُ، أوْ أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَحِلُّ لَهم. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لَنالَكم. ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَوْ نَزَلَ العَذابُ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدَ بْنَ مُعاذٍ» . وَذَلِكَ لِأنَّهُ أيْضًا أشارَ بِالإثْخانِ. ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ. وقِيلَ أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ فَنَزَلَتْ. والفاءُ لِلتَّسَبُّبِ والسَّبَبُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وبِنَحْوِهِ تَشَبَّثَ مَن زَعَمَ أنَّ الأمْرَ الوارِدَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ. ﴿حَلالا﴾ حالٌ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ أكْلًا حَلالًا، وفائِدَتُهُ إزاحَةُ ما وقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِنهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُعاتَبَةِ، أوْ حُرْمَتِها عَلى الأوَّلِينَ ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غَفَرَ لَكم ذَنْبَكم ﴿رَحِيمٌ﴾ أباحَ لَكم ما أخَذْتُمْ.

الأنفال 8:70

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو « مَنِ الأسارى» . ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ إيمانًا وإخْلاصًا. ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. رُوِيَ «أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-68)كَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحَرْثِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ فَقالَ: أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ وقُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ وقُثَمَ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ، قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي تَعالى، قالَ: فَأشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُهُ واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، قالَ العَبّاسُ فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّكم يَعْنِي المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .» ﴿وَإنْ يُرِيدُوا﴾ يَعْنِي الأسْرى. ﴿خِيانَتَكَ﴾ نَقْضَ ما عاهَدُوكَ. ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ﴾ بِالكُفْرِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ المَأْخُوذِ بِالعَقْلِ. ﴿مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ أيْ فَأمْكَنَكَ مِنهم كَما فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنْ أعادُوا الخِيانَةَ فَسَيُمَكِّنُكَ مِنهم. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

الأنفال 8:71

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو « مَنِ الأسارى» . ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ إيمانًا وإخْلاصًا. ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. رُوِيَ «أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-68)كَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحَرْثِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ فَقالَ: أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ وقُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ وقُثَمَ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ، قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي تَعالى، قالَ: فَأشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُهُ واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، قالَ العَبّاسُ فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّكم يَعْنِي المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .» ﴿وَإنْ يُرِيدُوا﴾ يَعْنِي الأسْرى. ﴿خِيانَتَكَ﴾ نَقْضَ ما عاهَدُوكَ. ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ﴾ بِالكُفْرِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ المَأْخُوذِ بِالعَقْلِ. ﴿مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ أيْ فَأمْكَنَكَ مِنهم كَما فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنْ أعادُوا الخِيانَةَ فَسَيُمَكِّنُكَ مِنهم. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

الأنفال 8:72

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ هُمُ المُهاجِرُونَ هاجَرُوا أوْطانَهم حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. ﴿وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ فَصَرَفُوها في الكُراعِ والسِّلاحِ وأنْفَقُوها عَلى المَحاوِيجِ. ﴿وَأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِمُباشَرَةِ القِتالِ. ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ آوَوُا المُهاجِرِينَ إلى دِيارِهِمْ ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في المِيراثِ، وكانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ دُونَ الأقارِبِ حَتّى نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ أوْ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ أيْ مِن تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿وَلايَتِهِمْ﴾ بِالكَسْرِ تَشْبِيهًا لَها بِالعَمَلِ والصِّناعَةِ كالكِتابَةِ والإمارَةِ كَأنَّهُ بِتَوَلِّيهِ صاحِبُهُ يُزاوِلُ عَمَلًا. ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ. ﴿إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ عَهْدٌ فَإنَّهُ لا يُنْقَضُ عَهْدُهم لِنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في المِيراثِ أوِ المُؤازَرَةِ، وهو بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلى مَنعِ التَّوارُثِ أوِ المُؤازَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ. ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ إلّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّواصُلِ بَيْنَكم وتَوَلِّي بَعْضِكم لِبَعْضٍ حَتّى في التَّوارُثِ وقَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ فِيها عَظِيمَةٌ، وهي ضَعْفُ الإيمانِ وظُهُورُ الكُفْرِ. ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدِّينِ وقُرِئَ « كَثِيرٌ» .

الأنفال 8:73

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ هُمُ المُهاجِرُونَ هاجَرُوا أوْطانَهم حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. ﴿وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ فَصَرَفُوها في الكُراعِ والسِّلاحِ وأنْفَقُوها عَلى المَحاوِيجِ. ﴿وَأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِمُباشَرَةِ القِتالِ. ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ آوَوُا المُهاجِرِينَ إلى دِيارِهِمْ ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في المِيراثِ، وكانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ دُونَ الأقارِبِ حَتّى نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ أوْ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ أيْ مِن تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿وَلايَتِهِمْ﴾ بِالكَسْرِ تَشْبِيهًا لَها بِالعَمَلِ والصِّناعَةِ كالكِتابَةِ والإمارَةِ كَأنَّهُ بِتَوَلِّيهِ صاحِبُهُ يُزاوِلُ عَمَلًا. ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ. ﴿إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ عَهْدٌ فَإنَّهُ لا يُنْقَضُ عَهْدُهم لِنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في المِيراثِ أوِ المُؤازَرَةِ، وهو بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلى مَنعِ التَّوارُثِ أوِ المُؤازَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ. ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ إلّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّواصُلِ بَيْنَكم وتَوَلِّي بَعْضِكم لِبَعْضٍ حَتّى في التَّوارُثِ وقَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ فِيها عَظِيمَةٌ، وهي ضَعْفُ الإيمانِ وظُهُورُ الكُفْرِ. ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدِّينِ وقُرِئَ « كَثِيرٌ» .

الأنفال 8:74

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لَمّا قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ ثَلاثَةَ أقْسامٍ بَيَّنَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِتَحْصِيلِ مُقْتَضاهُ مِنَ الهِجْرَةِ والجِهادِ (p-69)وَبَذْلِ المالِ ونُصْرَةِ الحَقِّ، ووَعَدَ لَهُمُ المَوْعِدَ الكَرِيمَ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، ثُمَّ ألْحَقَ بِهِمْ في الأمْرَيْنِ مَن سَيَلْحَقُ بِهِمْ ويَتَّسِمُ بِسِمَتِهِمْ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم أيُّها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ مِنَ الأجانِبِ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في حُكْمِهِ، أوْ في اللَّوْحِ أوْ في القُرْآنِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِنَ المَوارِيثِ والحِكْمَةِ في إناطَتِها بِنِسْبَةِ الإسْلامِ والمُظاهَرَةِ، أوَّلًا واعْتِبارِ القَرابَةِ ثانِيًا. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْفالِ وبَراءَةَ فَأنا شَفِيعٌ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وشاهِدٌ أنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ النِّفاقِ، وأُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُنافِقَةٍ، وكانَ العَرْشُ وحَمَلَتُهُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ أيّامَ حَياتِهِ» .

الأنفال 8:75

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لَمّا قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ ثَلاثَةَ أقْسامٍ بَيَّنَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِتَحْصِيلِ مُقْتَضاهُ مِنَ الهِجْرَةِ والجِهادِ (p-69)وَبَذْلِ المالِ ونُصْرَةِ الحَقِّ، ووَعَدَ لَهُمُ المَوْعِدَ الكَرِيمَ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، ثُمَّ ألْحَقَ بِهِمْ في الأمْرَيْنِ مَن سَيَلْحَقُ بِهِمْ ويَتَّسِمُ بِسِمَتِهِمْ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم أيُّها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ مِنَ الأجانِبِ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في حُكْمِهِ، أوْ في اللَّوْحِ أوْ في القُرْآنِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِنَ المَوارِيثِ والحِكْمَةِ في إناطَتِها بِنِسْبَةِ الإسْلامِ والمُظاهَرَةِ، أوَّلًا واعْتِبارِ القَرابَةِ ثانِيًا. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْفالِ وبَراءَةَ فَأنا شَفِيعٌ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وشاهِدٌ أنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ النِّفاقِ، وأُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُنافِقَةٍ، وكانَ العَرْشُ وحَمَلَتُهُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ أيّامَ حَياتِهِ» .

التوبة 9:1

(p-70)سُورَةُ بَراءَةَ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ ولَها أسْماءٌ أُخَرُ، « التَّوْبَةُ» و « المُقَشْقِشَةُ» و « البُحُوثُ» و « المُبَعْثِرَةُ» و « المُنَقِّرَةُ» و « المُثِيرَةُ» و « الحافِرَةُ» و « المُخْزِيَةُ» و « الفاضِحَةُ» و « المُنَكِّلَةُ» و « المُشَرِّدَةُ» و « المُدَمْدِمَةُ» و « سُورَةُ العَذابِ» لِما فِيها مِنَ التَّوْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ والقَشْقَشَةِ مِنَ النِّفاقِ وهي التَّبَرِّي مِنهُ، والبَحْثِ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ وإثارَتِها، والحَفْرِ عَنْها وما يُخْزِيهِمْ ويَفْضَحُهم ويُنَكِّلُهم ويُشَرِّدُهم ويُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ. وَأيُّها مِائَةٌ وثَلاثُونَ وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وإنَّما تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ فِيها لِأنَّها نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ وبِسْمِ اللَّهِ أمانٌ. وقِيلَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ بَيَّنَ مَوْضِعَها، وتُوُفِّيَ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها وكانَتْ قِصَّتُها تُشابِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ وتُناسِبُها لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ وفي بَراءَةَ نَبْذُها فَضُمَّتْ إلَيْها. وقِيلَ لَمّا اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ في أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ هي سابِعَةُ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ سُورَتانِ تُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ ولَمْ تُكْتَبْ بِسْمِ اللَّهِ. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ واصِلَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿بَراءَةٌ﴾ مُبْتَدَأً لِتَخَصُّصِها بِصِفَتِها والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى اسْمَعُوا بَراءَةً، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَبْذُ عُهُودِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ صادِرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ فَإنَّهُما بَرِئا مِنها، وذَلِكَ أنَّهم عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ فَنَكَثُوا إلّا أُناسًا مِنهم بَنُو ضُمْرَةَ وبَنُو كِنانَةَ فَأمَرَهم بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأمْهَلَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا أيْنَ شاءُوا فَقالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ لِأنَّها نَزَلَتْ في شَوّالَ. وقِيلَ هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٌ ورَبِيعٌ الأوَّلُ وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخَرَ لِأنَّ التَّبْلِيغَ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ لِما رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ راكِبًا العَضْباءَ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، وكانَ قَدْ بَعَثَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي، فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ قالَ مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم، فَقالُوا بِماذا فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ قالَ: أمَرَتْ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.» (وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﷺ «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» لَيْسَ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِأنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُونُوا مِن عِتْرَتِهِ، بَلْ هو مَخْصُوصٌ بِالعُهُودِ فَإنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى العَهْدَ ونَقَضَهُ عَلى القَبِيلَةِ إلّا رَجُلٌ (p-71)مِنها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي» . ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم. ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ.

التوبة 9:2

(p-70)سُورَةُ بَراءَةَ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ ولَها أسْماءٌ أُخَرُ، « التَّوْبَةُ» و « المُقَشْقِشَةُ» و « البُحُوثُ» و « المُبَعْثِرَةُ» و « المُنَقِّرَةُ» و « المُثِيرَةُ» و « الحافِرَةُ» و « المُخْزِيَةُ» و « الفاضِحَةُ» و « المُنَكِّلَةُ» و « المُشَرِّدَةُ» و « المُدَمْدِمَةُ» و « سُورَةُ العَذابِ» لِما فِيها مِنَ التَّوْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ والقَشْقَشَةِ مِنَ النِّفاقِ وهي التَّبَرِّي مِنهُ، والبَحْثِ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ وإثارَتِها، والحَفْرِ عَنْها وما يُخْزِيهِمْ ويَفْضَحُهم ويُنَكِّلُهم ويُشَرِّدُهم ويُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ. وَأيُّها مِائَةٌ وثَلاثُونَ وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وإنَّما تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ فِيها لِأنَّها نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ وبِسْمِ اللَّهِ أمانٌ. وقِيلَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ بَيَّنَ مَوْضِعَها، وتُوُفِّيَ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها وكانَتْ قِصَّتُها تُشابِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ وتُناسِبُها لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ وفي بَراءَةَ نَبْذُها فَضُمَّتْ إلَيْها. وقِيلَ لَمّا اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ في أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ هي سابِعَةُ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ سُورَتانِ تُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ ولَمْ تُكْتَبْ بِسْمِ اللَّهِ. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ واصِلَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿بَراءَةٌ﴾ مُبْتَدَأً لِتَخَصُّصِها بِصِفَتِها والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى اسْمَعُوا بَراءَةً، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَبْذُ عُهُودِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ صادِرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ فَإنَّهُما بَرِئا مِنها، وذَلِكَ أنَّهم عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ فَنَكَثُوا إلّا أُناسًا مِنهم بَنُو ضُمْرَةَ وبَنُو كِنانَةَ فَأمَرَهم بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأمْهَلَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا أيْنَ شاءُوا فَقالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ لِأنَّها نَزَلَتْ في شَوّالَ. وقِيلَ هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٌ ورَبِيعٌ الأوَّلُ وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخَرَ لِأنَّ التَّبْلِيغَ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ لِما رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ راكِبًا العَضْباءَ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، وكانَ قَدْ بَعَثَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي، فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ قالَ مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم، فَقالُوا بِماذا فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ قالَ: أمَرَتْ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.» (وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﷺ «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» لَيْسَ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِأنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُونُوا مِن عِتْرَتِهِ، بَلْ هو مَخْصُوصٌ بِالعُهُودِ فَإنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى العَهْدَ ونَقَضَهُ عَلى القَبِيلَةِ إلّا رَجُلٌ (p-71)مِنها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي» . ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم. ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ.

التوبة 9:3

﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ﴾ أيْ إعْلامٌ فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ كالأمانِ والعَطاءِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةٌ عَلى الوَجْهَيْنِ. ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ يَوْمَ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ ولِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حِجَّةِ الوَداعِ فَقالَ «هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» وقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «الحَجُّ عَرَفَةُ» . وَوُصِفَ الحَجُّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ. ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ. ﴿بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ مِن عُهُودِهِمْ. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾، أوْ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها في قِراءَةِ مَن كَسَرَها إجْراءً لِلْأذانِ مَجْرى القَوْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ولا تَكْرِيرَ فِيهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالنّاسِ ولَمْ يَخُصَّهُ بِالمُعاهِدِينَ. ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّوْبُ ﴿خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا ولا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا في الدُّنْيا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ في الآخِرَةِ. ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اسْتِدْراكٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدُوا مِنهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ ولَمْ يَنْكُثُوهُ أوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنكم ولَمْ يَضُرُّوكم قَطُّ. ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إتْمامَ عَهْدِهِمْ مِن بابِ التَّقْوى.

التوبة 9:4

﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ﴾ أيْ إعْلامٌ فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ كالأمانِ والعَطاءِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةٌ عَلى الوَجْهَيْنِ. ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ يَوْمَ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ ولِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حِجَّةِ الوَداعِ فَقالَ «هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» وقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «الحَجُّ عَرَفَةُ» . وَوُصِفَ الحَجُّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ. ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ. ﴿بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ مِن عُهُودِهِمْ. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾، أوْ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها في قِراءَةِ مَن كَسَرَها إجْراءً لِلْأذانِ مَجْرى القَوْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ولا تَكْرِيرَ فِيهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالنّاسِ ولَمْ يَخُصَّهُ بِالمُعاهِدِينَ. ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّوْبُ ﴿خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا ولا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا في الدُّنْيا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ في الآخِرَةِ. ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اسْتِدْراكٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدُوا مِنهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ ولَمْ يَنْكُثُوهُ أوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنكم ولَمْ يَضُرُّوكم قَطُّ. ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إتْمامَ عَهْدِهِمْ مِن بابِ التَّقْوى.

التوبة 9:5

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ انْقَضى، وأصْلُ الِانْسِلاخِ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِمّا لابَسَهُ مِن سَلْخِ الشّاةِ. ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها. وقِيلَ هي رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهَذا مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ إذْ لَيْسَ فِيما نَزَلَ بَعْدُ ما يَنْسَخُها. ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ النّاكِثِينَ. ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأْسِرُوهم، والأخِيذُ الأسِيرُ. ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ واحْبِسُوهم أوْ حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في البِلادِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ. ﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ. (p-72)﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فَدَعُوهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ ومانِعَ الزَّكاةِ لا يُخَلّى سَبِيلُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ فَخَلُّوهم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفَرَ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وعَدَلَهُمُ الثَّوابَ بِالتَّوْبَةِ. ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المَأْمُورُ بِالتَّعَرُّضِ لَهم. ﴿اسْتَجارَكَ﴾ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مِنكَ جِوارَكَ. ﴿فَأجِرْهُ﴾ فَأمِّنْهُ. ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ. ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ مَوْضِعَ أمْنِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وأحَدٌ رُفِعَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لا بِالِابْتِداءِ لِأنَّ إنَّ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ. ﴿ذَلِكَ﴾ الأمْنُ أوِ الأمْرُ. ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما الإيمانُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمانِهِمْ رَيْثَما يَسْمَعُونَ ويَتَدَبَّرُونَ.

التوبة 9:6

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ انْقَضى، وأصْلُ الِانْسِلاخِ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِمّا لابَسَهُ مِن سَلْخِ الشّاةِ. ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها. وقِيلَ هي رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهَذا مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ إذْ لَيْسَ فِيما نَزَلَ بَعْدُ ما يَنْسَخُها. ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ النّاكِثِينَ. ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأْسِرُوهم، والأخِيذُ الأسِيرُ. ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ واحْبِسُوهم أوْ حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في البِلادِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ. ﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ. (p-72)﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فَدَعُوهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ ومانِعَ الزَّكاةِ لا يُخَلّى سَبِيلُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ فَخَلُّوهم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفَرَ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وعَدَلَهُمُ الثَّوابَ بِالتَّوْبَةِ. ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المَأْمُورُ بِالتَّعَرُّضِ لَهم. ﴿اسْتَجارَكَ﴾ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مِنكَ جِوارَكَ. ﴿فَأجِرْهُ﴾ فَأمِّنْهُ. ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ. ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ مَوْضِعَ أمْنِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وأحَدٌ رُفِعَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لا بِالِابْتِداءِ لِأنَّ إنَّ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ. ﴿ذَلِكَ﴾ الأمْنُ أوِ الأمْرُ. ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما الإيمانُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمانِهِمْ رَيْثَما يَسْمَعُونَ ويَتَدَبَّرُونَ.

التوبة 9:7

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَكُونَ لَهم عَهْدٌ ولا يَنْكُثُوهُ مَعَ وغْرَةِ صُدُورِهِمْ، أوْ لِأنْ يَفِيَ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالعَهْدِ وهم نَكَثُوهُ، وخَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ عِنْدَ اللَّهِ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ صِفَةٌ لِـ ﴿عَهْدٌ﴾ أوْ ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِـ ﴿يَكُونُ﴾، و ﴿كَيْفَ﴾ عَلى الأخِيرَيْنِ حالٌ مِنَ الـ ﴿عَهْدٌ﴾ ولِلْمُشْرِكِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرًا فَتَبْيِينٌ. ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ قَبْلُ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أيْ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم فَإنِ اسْتَقامُوا عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا عَلى الوَفاءِ وهو كَقَوْلِهِ ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ غَيْرَ أنَّهُ مُطْلَقٌ وهَذا مُقَيَّدٌ وما تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ.

التوبة 9:8

﴿كَيْفَ﴾ تَكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ أوْ بَقاءِ حُكْمِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ وحُذِفَ الفِعْلُ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ؎ وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى. . . فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ أيْ فَكَيْفَ ماتَ. ﴿وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْفَرُوا بِكم. ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ لا يُراعُوا فِيكم. ﴿إلا﴾ حِلْفًا وقِيلَ قَرابَةٌ قالَ حَسّانُ: ؎ لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ. . . ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَألِ النَّعامِ وَقِيلَ رُبُوبِيَّةٌ ولَعَلَّهُ اشْتُقَّ لِلْحِلْفِ مِنَ الإلِّ وهو الجُؤارُ لِأنَّهم كانُوا إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْقَرابَةِ لِأنَّها تَعْقِدُ بَيْنَ الأقارِبِ ما لا يَعْقِدُهُ الحِلْفُ، ثُمَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ. وقِيلَ اشْتِقاقُهُ مَن ألَّلَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ أوْ مِن آلَ البَرْقُ إذا لَمَعَ. وقِيلَ إنَّهُ عِبْرِيٌّ بِمَعْنى الإلَهِ لِأنَّهُ قُرِئَ إيلًا كَجِبْرَئِلَ وجِبْرَئِيلَ. ﴿وَلا ذِمَّةً﴾ عَهْدًا أوْ حَقًّا يُعابُ عَلى إغْفالِهِ. ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ المُنافِيَةِ لِثَباتِهِمْ عَلى العُهَدِ المُؤَدِّيَةِ إلى عَدَمِ مُراقَبَتِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن فاعِلِ لا يَرْقُبُوا فَإنَّهم بَعْدَ ظُهُورِهِمْ لا يُرْضُونَ ولِأنَّ المُرادَ إثْباتُ إرْضائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ الإيمانِ والطّاعَةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ في الحالِ، واسْتِبْطانِ الكُفْرِ والمُعاداةِ بِحَيْثُ إنْ ظَفَرُوا لَمْ يُبْقُوا عَلَيْهِمْ والحالِيَّةُ تُنافِيهِ وتَأْبى قُلُوبُهم ما تَتَفَوَّهُ بِهِ أفْواهُهم. ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ مُتَمَرِّدُونَ لا عَقِيدَةَ تَزَعُهم ولا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِما في بَعْضِ (p-73)الكَفَرَةِ مِنَ التَّفادِي عَنِ الغَدْرِ والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ إلى أُحْدُوثَةِ السُّوءِ.

التوبة 9:9

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ اسْتَبْدَلُوا بِالقُرْآنِ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا وهو اتِّباعُ الأهْواءِ والشَّهَواتِ. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دِينِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، أوْ سَبِيلِ بَيْتِهِ بِحَصْرِ الحُجّاجِ والعُمّارِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اشْتَراءَهم أدّاهم إلى الصَّدِّ. ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَمَلُهم هَذا أوْ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ فَهو تَفْسِيرٌ لا تَكْرِيرٌ. وقِيلَ الأوَّلُ عامٌّ في النّاقِضِينَ وهَذا خاصٌّ بِالَّذِينِ اشْتَرَوْا وهُمُ اليَهُودُ، أوِ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ وأطْعَمَهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ في الشَّرارَةِ.

التوبة 9:10

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ اسْتَبْدَلُوا بِالقُرْآنِ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا وهو اتِّباعُ الأهْواءِ والشَّهَواتِ. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دِينِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، أوْ سَبِيلِ بَيْتِهِ بِحَصْرِ الحُجّاجِ والعُمّارِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اشْتَراءَهم أدّاهم إلى الصَّدِّ. ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَمَلُهم هَذا أوْ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ فَهو تَفْسِيرٌ لا تَكْرِيرٌ. وقِيلَ الأوَّلُ عامٌّ في النّاقِضِينَ وهَذا خاصٌّ بِالَّذِينِ اشْتَرَوْا وهُمُ اليَهُودُ، أوِ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ وأطْعَمَهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ في الشَّرارَةِ.

التوبة 9:11

﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُعاهِدِينَ أوْ خِصالِ التّائِبِينَ. ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ وإنْ نَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ. ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ. ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، فَوَضْعُ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ في الكُفْرِ أحِقّاءَ بِالقَتْلِ. وقِيلَ المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ فالتَّخْصِيصُ إمّا لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ وهم أحَقُّ بِهِ أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و (رُوحٌ) عَنْ يَعْقُوبَ ﴿أئِمَّةَ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ والتَّصْرِيحُ بِالياءِ لَحْنٌ. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ وإلّا لَما طَعَنُوا ولَمْ يَنْكُثُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، واسْتَشْهَدَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الوُثُوقِ عَلَيْها لا أنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ لا أيْمانَ لَهم بِمَعْنى لا أمانَ أوْ لا إسْلامَ، وتَشَبَّثَ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ وهو ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لا يُؤَمِّنُونَ عَلى الإخْبارِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أوْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ فَيُراقِبُوا لِأجْلِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ « قاتِلُوا» أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في المُقاتَلَةِ أنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو طَرِيقَةُ المُؤْذِينَ.

التوبة 9:12

﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُعاهِدِينَ أوْ خِصالِ التّائِبِينَ. ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ وإنْ نَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ. ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ. ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، فَوَضْعُ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ في الكُفْرِ أحِقّاءَ بِالقَتْلِ. وقِيلَ المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ فالتَّخْصِيصُ إمّا لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ وهم أحَقُّ بِهِ أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و (رُوحٌ) عَنْ يَعْقُوبَ ﴿أئِمَّةَ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ والتَّصْرِيحُ بِالياءِ لَحْنٌ. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ وإلّا لَما طَعَنُوا ولَمْ يَنْكُثُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، واسْتَشْهَدَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الوُثُوقِ عَلَيْها لا أنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ لا أيْمانَ لَهم بِمَعْنى لا أمانَ أوْ لا إسْلامَ، وتَشَبَّثَ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ وهو ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لا يُؤَمِّنُونَ عَلى الإخْبارِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أوْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ فَيُراقِبُوا لِأجْلِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ « قاتِلُوا» أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في المُقاتَلَةِ أنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو طَرِيقَةُ المُؤْذِينَ.

التوبة 9:13

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الهَمْزَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ لِلْإنْكارِ فَأفادَتِ المُبالَغَةَ في الفِعْلِ. ﴿نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْهِمْ فَعاوَنُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ. ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ حِينَ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ بِدارِ النَّدْوَةِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ نَكَثُوا عَهْدَ الرَّسُولِ وهَمُّوا بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ. ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بِالمُعاداةِ والمُقاتَلَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَأهم بِالدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالكِتابِ والتَّحَدِّي (p-74)بِهِ، فَعَدَلُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ إلى المُعاداةِ والمُقاتَلَةِ فَما يَمْنَعُكم أنْ تُعارِضُوهم وتُصادِمُوهم. ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَقاتِلُوا أعْداءَهُ ولا تَتْرُكُوا أمْرَهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.

التوبة 9:14

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أمْرٌ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ والتَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِهِ والتَّوَعُّدُ عَلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ وعْدٌ لَهم إنْ قاتَلُوهم بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والتَّمَكُّنِ مِن قَتْلِهِمْ وإذْلالِهِمْ. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي خُزاعَةَ. وَقِيلَ بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ» . ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِما لَقُوا مِنهم وقَدْ أوْفى اللَّهُ بِما وعَدَهم والآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَهم يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا، وقُرِئَ « ويَتُوبَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ فَإنَّ القِتالَ كَما تَسَبَّبَ لِتَعْذِيبِ قَوْمٍ تَسَبَّبُ لِتَوْبَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما كانَ وما سَيَكُونُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَحْكُمُ إلّا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.

التوبة 9:15

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أمْرٌ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ والتَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِهِ والتَّوَعُّدُ عَلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ وعْدٌ لَهم إنْ قاتَلُوهم بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والتَّمَكُّنِ مِن قَتْلِهِمْ وإذْلالِهِمْ. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي خُزاعَةَ. وَقِيلَ بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ» . ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِما لَقُوا مِنهم وقَدْ أوْفى اللَّهُ بِما وعَدَهم والآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَهم يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا، وقُرِئَ « ويَتُوبَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ فَإنَّ القِتالَ كَما تَسَبَّبَ لِتَعْذِيبِ قَوْمٍ تَسَبَّبُ لِتَوْبَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما كانَ وما سَيَكُونُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَحْكُمُ إلّا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.

التوبة 9:16

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ كَرِهَ بَعْضُهُمُ القِتالَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها التَّوْبِيخُ عَلى الحُسْبانِ. ﴿أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ ولَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصَ مِنكم وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا مَن غَيْرَهم، نَفى العِلْمَ وأرادَ نَفْيَ المَعْلُومِ لِلْمُبالَغَةِ فَإنَّهُ كالبُرْهانِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِهِ. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عُطِفَ عَلى جاهَدُوا داخِلٌ في الصِّلَةِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ بِطانَةً يُوالُونَهم ويُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَهم. وما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ.﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْلَمُ غَرَضَكم مِنهُ وهو كالمَزِيجِ لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ .

التوبة 9:17

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم. ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ فَضْلًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وقِيلَ هو المُرادُ وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها فَعامِرُهُ كَعامِرِ الجَمِيعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِإظْهارِ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ والمَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ وعِبادَةِ غَيْرِهِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وأغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القَوْلِ فَقالَ: ما بالُكم تَذْكُرُونَ « مَساوِينا» وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَفُكَّ العانِيَ فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الشِّرْكِ. ﴿وَفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِأجْلِهِ.

التوبة 9:18

(p-75)﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ أيْ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَمارَتُها لِهَؤُلاءِ الجامِعِينَ لِلْكِمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ ومِن عِمارَتِها تَزْيِينُها بِالفَرْشِ وتَنْوِيرُها بِالسُّرُجِ وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودَرْسُ العِلْمِ فِيها وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قالَ اللَّهُ تَعالى إنَّ بُيُوتِي في أرْضِي المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ» . وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالرَّسُولِ ﷺ لِما عُلِمَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ قَرِينُهُ وتَمامُهُ الإيمانُ بِهِ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ عَلَيْهِ. ﴿وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ في أبْوابِ الدِّينِ فَإنَّ الخَشْيَةَ عَنِ المَحاذِيرِ جِبِلِّيَّةٌ لا يَكادُ العاقِلُ يَتَمالَكُ عَنْها. ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قَطْعًا لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ في الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم بِالقَطْعِ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ هَؤُلاءِ مَعَ كَمالِهِمْ إذا كانَ اهْتِداؤُهم دائِرًا بَيْنَ عَسى ولَعَلَّ فَما ظَنُّكَ بِأضْدادِهِمْ، ومَنعًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَغْتَرُّوا بِأحْوالِهِمْ ويَتَّكِلُوا عَلَيْها.

التوبة 9:19

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ فَلا يُشَبَّهانِ بِالجُثَثِ بَلْ لا بُدَّ مِن إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ كَمَن آمَنَ، أوْ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ كَإيمانِ مَن آمَنَ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُقاةُ الحاجِّ وعُمْرَةُ المَسْجِدِ» والمَعْنى إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمِ المُثْبَتَةِ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ عَدَمَ تُساوِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الكَفَرَةُ ظَلَمَةٌ بِالشِّرْكِ ومُعاداةٌ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْهَمِكُونَ في الضَّلالَةِ فَكَيْفَ يُساوُونَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ووَفَّقَهم لِلْحَقِّ والصَّوابِ، وقِيلَ المُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

التوبة 9:20

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

التوبة 9:21

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

التوبة 9:22

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم. ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

التوبة 9:23

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ (p-76)قالُوا: إنْ هاجَرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا وذَهَبَتْ تِجاراتِنا وبَقِينا ضائِعِينَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نَهْيًا عَنْ مُوالاةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، والمَعْنى لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ يَمْنَعُونَكم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّونَكم عَنِ الطّاعَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ إنِ اخْتارُوهُ وحَرَصُوا عَلَيْهِ. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

التوبة 9:24

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقْرِباؤُكم مَأْخُوذٌ مِنَ العِشْرَةِ. وقِيلَ مِنَ العَشَرَةِ فَإنَّ العَشِيرَةَ جَماعَةٌ تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ كَعَقْدِ العَشَرَةِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « وعَشِيراتُكم» وقُرِئَ « وعَشائِرُكم» . ﴿وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكْتَسَبْتُمُوها. ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ فَواتَ وقْتِ نِفاقِها. ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ الحُبُّ الِاخْتِيارِيُّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ في التَّحَفُّظِ عَنْهُ. ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ جَوابٌ ووَعِيدٌ والأمْرُ عُقُوبَةٌ عاجِلَةٌ أوْ آجِلَةٌ. وقِيلَ فَتْحُ مَكَّةَ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ لا يُرْشِدُهم، وفي الآيَةِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وقَلَّ مَن يَتَخَلَّصُ مِنهُ.

التوبة 9:25

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ يَعْنِي مَواطِنَ الحَرْبِ وهي مَواقِفُها. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ في أيّامِ مُواطِنَ أوْ يُفَسَّرَ المَوْطِنُ بِالوَقْتِ كَمَقْتَلِ الحُسَيْنِ ولا يَمْنَعُ إبْدالُ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ مِنهُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَوْضِعِ في ﴿مَواطِنَ﴾ فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي تَشارُكَهُما فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ المَعْطُوفُ حَتّى يَقْتَضِيَ كَثْرَتَهم وإعْجابَها إيّاهم في جَمْعِ المُواطِنِ. و﴿حُنَيْنٍ﴾ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ «حارَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ- وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، العَشَرَةُ الَّذِينَ حَضَرُوا فَتْحَ مَكَّةَ وألْفانِ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ مِنَ الطُّلَقاءِ- هَوازِنَ وثَقِيفًا وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ فَلَمّا التَقَوْا قالَ النَّبِيُّ ﷺ أوْ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، إعْجابًا بِكَثْرَتِهِمْ واقْتَتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا فَأدْرَكَ المُسْلِمِينَ إعْجابُهم واعْتِمادُهم عَلى كَثْرَتِهِمْ فانْهَزَمُوا حَتّى بَلَغَ فُلَّهم مَكَّةَ وبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرْكَزِهِ لَيْسَ مَعَهُ إلّا عَمُّهُ العَبّاسُ آخِذًا بِلِجامِهِ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ، وناهِيكَ بِهَذا شَهادَةً عَلى تَناهِي شَجاعَتِهِ فَقالَ لِلْعَبّاسِ- وكانَ صَيِّتًا- « صَيِّحْ بِالنّاسِ»، فَنادى: يا عِبادَ اللَّهِ يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَرُّوا عُنُقًا واحِدًا يَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فالتَقَوْا مَعَ المُشْرِكِينَ فَقالَ ﷺ « هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ثُمَّ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ فَرَماهم ثُمَّ قالَ: « انْهَزِمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ» فانْهَزَمُوا.» ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ أيِ الكَثْرَةُ. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ أوْ مِن أمْرِ العَدُوِّ. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ بِرَحَبِها أيْ بِسِعَتِها لا تَجِدُونَ فِيها مَفَرًّا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نُفُوسُكم مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ أوْ لا تَثْبُتُونَ فِيها كَمَن لا يَسَعُهُ مَكانُهُ. ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ﴾ الكُفّارَ ظُهُورَكم. ﴿مُدْبِرِينَ﴾ مُنْهَزِمِينَ والإدْبارُ الذَّهابُ إلى خَلْفٍ خِلافِ الإقْبالِ.

التوبة 9:26

(p-77)﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ رَحْمَتَهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها وأمِنُوا. ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَفِرُّوا. ﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بِأعْيُنِكم أيِ المَلائِكَةُ وكانُوا خَمْسَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةً أوْ سِتَّةَ عَشَرَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ. ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ أيْ ما فَعَلَ بِهِمْ جَزاءَ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ مِنهم بِالتَّوْفِيقِ لِلْإسْلامِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ. رُوِيَ « (أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأسْلَمُوا وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّهم وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا. وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى. فَقالَ ﷺ: اخْتارُوا إمّا سَباياكم وإمّا أمْوالَكم ؟ فَقالُوا ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُوا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِي والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا فَمَن كانَ بِيَدِهِ سَبْيٌ وطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ فَقالُوا: رَضِينا وسَلَّمْنا فَقالَ: إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عَرْفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا إلَيْنا فَرَفَعُوا أنَّهم قَدْ رَضُوا)» .

التوبة 9:27

(p-77)﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ رَحْمَتَهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها وأمِنُوا. ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَفِرُّوا. ﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بِأعْيُنِكم أيِ المَلائِكَةُ وكانُوا خَمْسَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةً أوْ سِتَّةَ عَشَرَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ. ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ أيْ ما فَعَلَ بِهِمْ جَزاءَ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ مِنهم بِالتَّوْفِيقِ لِلْإسْلامِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ. رُوِيَ « (أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأسْلَمُوا وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّهم وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا. وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى. فَقالَ ﷺ: اخْتارُوا إمّا سَباياكم وإمّا أمْوالَكم ؟ فَقالُوا ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُوا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِي والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا فَمَن كانَ بِيَدِهِ سَبْيٌ وطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ فَقالُوا: رَضِينا وسَلَّمْنا فَقالَ: إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عَرْفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا إلَيْنا فَرَفَعُوا أنَّهم قَدْ رَضُوا)» .

التوبة 9:28

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لِخُبْثِ باطِنِهِمْ أوْ لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهم كَما يُجْتَنَبُ عَنِ الأنْجاسِ، أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَتَجَنَّبُونَ عَنِ النَّجاساتِ فَهم مُلابِسُونَ لَها غالِبًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما الغالِبُ نَجاسَتُهُ نَجِسٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ. وقُرِئَ « نِجْسٌ» بِالسُّكُونِ وكَسْرِ النُّونِ وهو كَكِبْدٍ في كَبِدٍ وأكْثَرُ ما جاءَ تابِعًا لِرِجْسٍ. ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ لِنَجاسَتِهِمْ، وإنَّما نَهى عَنِ الِاقْتِرابِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلْمَنعِ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ لا عَنِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقاسَ مالِكٌ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ في المَنعِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ. ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ يَعْنِي سَنَةَ بَراءَةٍ وهي التّاسِعَةُ. وَقِيلَ سَنَةَ حِجَّةِ الوَداعِ. ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِنَ الحَرَمِ وانْقِطاعِ ما كانَ لَكم مِن قُدُومِهِمْ مِنَ المَكاسِبِ والأرْفاقِ. ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِن عَطائِهِ أوْ تَفَضُّلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِأنْ أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ووَفَّقَ أهْلَ تَبالَةَ وجَرْشٍ فَأسْلَمُوا وامْتارُوا لَهم، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ وتَوَجَّهَ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن أقْطارِ الأرْضِ. وقُرِئَ « عائِلَةٌ» عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ أوْ حالٌ. ﴿إنْ شاءَ﴾ قَيَّدَهُ بِالمَشِيئَةِ لِتَنْقَطِعَ الآمالُ إلى اللَّهِ تَعالى ولِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ في ذَلِكَ وأنَّ الغِنى المَوْعُودَ يَكُونُ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ وفي عامٍ دُونَ عامٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِكم. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.

التوبة 9:29

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِهِما عَلى ما يَنْبَغِي كَما بَيَّناهُ في أوَّلِ « البَقَرَةِ» فَإنَّ إيمانَهم كَلا إيمانَ. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وقِيلَ رَسُولُهُ هو الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ والمَعْنى أنَّهم يُخالِفُونَ أصْلَ دِينِهِمُ المَنسُوخِ اعْتِقادًا وعَمَلًا. ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ الثّابِتِ الَّذِي هو ناسِخٌ سائِرَ الأدْيانِ ومُبْطِلُها. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ. ﴿حَتّى (p-78)يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ مُشْتَقٌّ مِن جَزى دِينَهُ إذا قَضاهُ. ﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ بِمَعْنى مُنْقادِينَ، أوْ عَنْ يَدِهِمْ بِمَعْنى مُسْلِمِينَ بِأيْدِيهِمْ غَيْرِ باعِثِينَ بِأيْدِي غَيْرِهِمْ ولِذَلِكَ مَنَعَ مِنَ التَّوْكِيلِ فِيهِ، أوْ عَنْ غِنًى ولِذَلِكَ قِيلَ: لا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ، أوْ عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى عاجِزِينَ أذِلّاءَ أوْ مِنَ الجِزْيَةِ بِمَعْنى نَقْدًا مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ فَإنَّ إبْقاءَهم بِالجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ أذِلّاءُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ وتُوجَأُ عُنُقُهُ. ومَفْهُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الجِزْيَةِ بِأهْلِ الكِتابِ ويُؤَيِّدُهُ أنْ عَمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ. وأنَّهُ قالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهِلِ الكِتابِ» وذَلِكَ لِأنَّهم لَهم شُبْهَةُ كِتابٍ فَأُلْحِقُوا بِالكِتابِيِّينَ، وأمّا سائِرُ الكَفَرَةِ فَلا تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عِنْدَنا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تُؤْخَذُ مِنهم إلّا مُشْرِكِي العَرَبِ لِما رَوى الزُّهْرِيُّ أنَّهُ ﷺ صالَحَ عَبَدَةَ الأوْثانِ إلّا مَن كانَ مِنَ العَرَبِ، وعِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تُؤْخَذُ مِن كُلِّ كافِرٍ إلّا المُرْتَدَّ، وأقَلُّها في كُلِّ سَنَةٍ دِينارٌ سَواءً فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَنِيِّ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا وعَلى المُتَوَسِّطِ نِصْفُها وعَلى الفَقِيرِ الكَسُوبِ رُبُعُها ولا شَيْءَ عَلى الفَقِيرِ غَيْرِ الكَسُوبِ.

التوبة 9:30

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ إنَّما قالَهُ بَعْضُهم مِن مُتَقَدِّمِيهِمْ أوْ مِمَّنْ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ بَعْدَ وقْعَةِ بَخْتُنَصَّرَ مَن يَحْفَظُ التَّوْراةَ، وهو لَمّا أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ أمْلى عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ حِفْظًا فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وقالُوا: ما هَذا إلّا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ فِيهِمْ أنَّ الآيَةَ قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُكَذِّبُوا مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿عُزَيْرٌ﴾ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِابْنٍ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهِ وحَذْفُهُ في القِراءَةِ الأُخْرى إمّا لِمَنعِ صَرْفِهِ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ، أوْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ تَشْبِيهًا لِلنُّونِ بِحُرُوفِ اللِّينِ أوْ لِأنَّ الِابْنَ وصْفٌ والخَبَرَ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مَعْبُودِنا أوْ صاحِبِنا وهو مُزَيَّفٌ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَسْلِيمِ النَّسَبِ وإنْكارِ الخَبَرِ المُقَدَّرِ. ﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ هو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِحالَةً لِأنْ يَكُونَ ولَدٌ بِلا أبٍ أوْ لِأنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَهُ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى مَن لَمْ يَكُنْ إلَهًا. ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ إمّا تَأْكِيدٌ لِنِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلَيْهِمْ ونَفْيٌ لِلتَّجَوُّزِ عَنْها، أوْ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ عَنْ بُرْهانٍ وتَحْقِيقٍ مُماثِلٍ لِلْمُهْمَلِ الَّذِي يُوجَدُ في الأفْواهِ ولا يُوجَدُ مَفْهُومُهُ في الأعْيانِ. ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ يُضاهِي قَوْلُهم قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِهِمْ والمُرادُ قُدَماؤُهم عَلى مَعْنى أنَّ الكُفْرَ قَدِيمٌ فِيهِمْ، أوِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوِ اليَهُودُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى، والمُضاهاةُ المُشابِهَةُ والهَمْزُ لُغَةٌ فِيهِ. وقَرَأ بِهِ عاصِمٌ ومِنهُ قَوْلُهُمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ عَلى فَعِيلٍ لِلَّتِي شابَهَتِ الرِّجالَ في أنَّها لا تَحِيضُ. ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ فَإنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ. ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

التوبة 9:31

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ أوْ بِالسُّجُودِ لَهم. ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ. ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أيْ وما أُمِرَ المُتَّخِذُونَ أوِ المُتَّخَذُونَ (p-79)أرْبابًا فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الِاتِّخاذِ. ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ لِيُطِيعُوا. ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ وهو اللَّهُ تَعالى وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ طاعَةُ اللَّهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ. ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ. ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ يُخْمِدُوا. ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيِّتِهِ وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنَ أوْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ بِشِرْكِهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿وَيَأْبى اللَّهُ﴾ أيْ لا يَرْضى. ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ الإسْلامِ. وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في طَلَبِهِمْ إبْطالَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ والفِعْلُ مُوجَبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

التوبة 9:32

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ أوْ بِالسُّجُودِ لَهم. ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ. ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أيْ وما أُمِرَ المُتَّخِذُونَ أوِ المُتَّخَذُونَ (p-79)أرْبابًا فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الِاتِّخاذِ. ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ لِيُطِيعُوا. ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ وهو اللَّهُ تَعالى وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ طاعَةُ اللَّهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ. ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ. ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ يُخْمِدُوا. ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيِّتِهِ وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنَ أوْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ بِشِرْكِهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿وَيَأْبى اللَّهُ﴾ أيْ لا يَرْضى. ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ الإسْلامِ. وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في طَلَبِهِمْ إبْطالَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ والفِعْلُ مُوجَبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

التوبة 9:33

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ولِذَلِكَ كَرَّرَ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ غَيْرَ أنَّهُ وُضِعَ المُشْرِكُونَ مَوْضِعَ الكافِرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ضَمُّوا الكُفْرَ بِالرَّسُولِ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ لِلدِّينِ الحَقِّ، أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واللّامُ في الدِّينِ لِلْجِنْسِ أيْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ فَيَنْسَخُها، أوْ عَلى أهْلِها فَيَخْذُلُهم.

التوبة 9:34

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَأْخُذُونَها بِالرِّشا في الأحْكامِ سُمِّيَ أخْذُ المالِ أكْلًا لِأنَّهُ الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دِينِهِ. ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ فَيَكُونُ مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالحِرْصِ عَلى المالِ والضَّنِّ بِهِ وأنْ يُرادَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ المالَ ويَقْتَنُونَهُ ولا يُؤَدُّونَ حَقَّهُ ويَكُونُ اقْتِرانُهُ بِالمُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِلتَّغْلِيظِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ كَبُرَ عَلى المُسْلِمِينَ فَذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بَكَنْزٍ» أيْ بِكَنْزٍ أُوعِدُ عَلَيْهِ، فَإنَّ الوَعِيدَ عَلى الكَنْزِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ أنْ يُنْفَقَ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها» ونَحْوَهُ فالمُرادُ مِنها ما لَمْ يُؤَدَّ حَقُّها لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أوْرَدَهُ الشَّيْخانِ مَرْوِيًّا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحَ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَبِينُهُ وجَنْبُهُ وظَهْرُهُ» ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هو الكَيُّ بِهِما.

التوبة 9:35

﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يَوْمَ تُوقَدُ النّارُ ذاتُ حِمًى شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ فَجُعِلَ الإحْماءُ لِلنّارِ مُبالَغَةً ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ (p-80)التَّأْنِيثِ إلى صِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وإنَّما قالَ عَلَيْها والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِما دَنانِيرُ ودَراهِمُ كَثِيرَةٌ كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أرْبَعَةُ آلافٍ وما دُونِها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ. وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ فِيهِما لِلْكُنُوزِ أوْ لِلْأمْوالِ فَإنَّ الحُكْمَ عامٌّ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما قانُونُ التَّمَوُّلِ، أوْ لِلْفِضَّةِ وتَخْصِيصُها لِقُرْبِها ودَلالَةُ حُكْمِها عَلى أنَّ الذَّهَبَ أوْلى بِهَذا الحُكْمِ. ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ لِأنَّ جَمْعَهم وإمْساكَهم إيّاهُ كانَ لِطَلَبِ الوَجاهَةِ بِالغِنى والتَّنَعُّمِ بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ، أوْ لِأنَّهُمُ ازْوَرُّوا عَنِ السّائِلِ وأعْرَضُوا عَنْهُ ووَلُّوهُ ظُهُورَهم، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، أوْ لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرُهُ وجَنْباهُ. ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ لِمَنفَعَتِها وكانَ عَيْنَ مَضَرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها. ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ وبالَ كَنْزِكم أوْ ما تَكْنِزُونَهُ وقُرِئَ « تَكْنُزُونَ» بِضَمِّ النُّونِ.

التوبة 9:36

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ مَبْلَغُ عَدَدِها. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَعْمُولُ عِدَّةَ لِأنَّها مَصْدَرٌ. ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في حُكْمِهِ وهو صِفَةٌ لِاثْنَيْ عَشَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ أوْ بِالكِتابِ إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا والمَعْنى: أنَّ هَذا أمْرٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ مُذْ خَلَقَ اللَّهُ الأجْرامَ والأزْمِنَةَ. ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ واحِدٌ فَرْدٌ وهو رَجَبٌ وثَلاثَةٌ سَرْدٌ ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيْ تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ هو الدِّينُ القَوِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والعَرَبُ ورِثُوهُ مِنهُما. ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِها وارْتِكابِ حَرامِها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ فِيها مَنسُوخَةٌ، وأوَّلُوا الظُّلْمَ بِارْتِكابِ المَعاصِي فِيهِنَّ فَإنَّهُ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ وحالَ الإحْرامِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ وفي الأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا ويُؤَيِّدُ الأوَّلُ ما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ الطّائِفَ وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ)» . ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ جَمِيعًا وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ فَإنَّ الجَمِيعَ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم.

التوبة 9:37

﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ أيْ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ، كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ حَتّى رَفَضُوا خُصُوصَ الأشْهُرِ واعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ العَدَدِ، وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ ورْشٍ (إنَّما النَّسِيُّ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها. وقُرِئَ « النَّسِي» بِحَذْفِها و « النَّسْءُ» و « النَّساءُ» وثَلاثَتُها مَصادِرُ نَسَأهُ إذا أخَّرَهُ. ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ لِأنَّهُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ وتَحْلِيلُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ فَهو كَفْرٌ آخَرُ ضَمُّوهُ إلى كَفْرِهِمْ. ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَلالًا زائِدًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿يُضَلُّ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ يَعْقُوبَ (يُضِلُّ) عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا﴾ يُحِلُّونَ المَنسِيَّ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ سَنَةً ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ. ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ فَيَتْرُكُونَهُ عَلى حُرْمَتِهِ. قِيلَ: أوَّلُ مَن أحْدَثَ ذَلِكَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ كانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ فَيُنادِي: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحِلُّوهُ ثُمَّ يُنادِي في القَبائِلِ إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ. والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ أوْ حالٌ. ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأرْبَعَةِ المُحَرَّمَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ (p-81)بِيُحَرِّمُونَهُ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الفِعْلَيْنِ ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بِمُواطَأةِ العِدَّةِ وحْدَها مِن غَيْرِ مُراعاةِ الوَقْتِ. ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى خَذَلَهم وأضَلَّهم حَتّى حَسِبُوا قَبِيحَ أعْمالِهِمْ حَسَنًا. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى الِاهْتِداءِ.

التوبة 9:38

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ﴾ تَباطَأْتُمْ، وقُرِئَ « تَثاقَلْتُمْ» عَلى الأصْلِ و ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ. ﴿إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإخْلادِ والمَيْلِ فَعُدِّي بِإلى، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أُمِرُوا بِها بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَيْظٍ مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ. ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ وغُرُورِها. ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها. ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَما التَّمَتُّعُ بِها. ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ في جَنْبِ الآخِرَةِ. ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ مُسْتَحْقَرٌ. ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ إنْ لا تَنْفِرُوا إلى ما اسْتُنْفِرْتُمْ إلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ كَقَحْطٍ وظُهُورِ عَدُوٍّ. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ويَسْتَبْدِلْ بِكم آخَرِينَ مُطِيعِينَ كَأهْلِ اليَمَنِ وأبْناءِ فارِسٍ. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ إذْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نَصْرِ دِينِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ ولا تَضُرُّوهُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَ لَهُ بِالعِصْمَةِ والنَّصْرِ ووَعْدُهُ حَقٌّ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ كَما قالَ:

التوبة 9:39

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ﴾ تَباطَأْتُمْ، وقُرِئَ « تَثاقَلْتُمْ» عَلى الأصْلِ و ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ. ﴿إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإخْلادِ والمَيْلِ فَعُدِّي بِإلى، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أُمِرُوا بِها بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَيْظٍ مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ. ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ وغُرُورِها. ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها. ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَما التَّمَتُّعُ بِها. ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ في جَنْبِ الآخِرَةِ. ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ مُسْتَحْقَرٌ. ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ إنْ لا تَنْفِرُوا إلى ما اسْتُنْفِرْتُمْ إلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ كَقَحْطٍ وظُهُورِ عَدُوٍّ. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ويَسْتَبْدِلْ بِكم آخَرِينَ مُطِيعِينَ كَأهْلِ اليَمَنِ وأبْناءِ فارِسٍ. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ إذْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نَصْرِ دِينِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ ولا تَضُرُّوهُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَ لَهُ بِالعِصْمَةِ والنَّصْرِ ووَعْدُهُ حَقٌّ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ كَما قالَ:

التوبة 9:40

﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ إنْ لَمْ تَنْصُرْهُ فَسَيَنْصُرُهُ اللَّهُ كَما نَصَرَهُ. ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، فَحُذِفَ الجَزاءُ وأُقِيمُ ما هو كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّصْرَ حَتّى نَصَرَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَنْ يَخْذُلَهُ في غَيْرِهِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى الكَفَرَةِ لِأنَّ هَمَّهم بِإخْراجِهِ أوْ قَتْلِهِ تَسَبَّبَ لِإذْنِ اللَّهِ لَهُ بِالخُرُوجِ. وقُرِئَ « ثانِي اثْنَيْنِ» بِالسُّكُونِ عَلى لُغَةِ مَن يُجْرِي المَنقُوصَ مَجْرى المَقْصُورِ في الإعْرابِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ بَدَلَ البَعْضِ إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ، والغارُ نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا. ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ أوْ ظَرْفٌ لِثانِي. ﴿لِصاحِبِهِ﴾ وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ بِالعِصْمَةِ والمَعُونَةِ. رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الغارِ فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»، فَأعْماهُمُ اللَّهُ عَنِ الغارِ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ.» وَقِيلَ لَمّا دَخَلا الغارَ بَعَثَ اللَّهُ حَمامَتَيْنِ فَباضَتا في أسْفَلِهِ والعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ. ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أمَنَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ. ﴿عَلَيْهِ﴾ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، أوْ عَلى صاحِبِهِ وهو الأظْهَرُ لِأنَّهُ كانَ مُنْزَعِجًا. ﴿وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ أنْزَلَهم لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ أوْ لِيُعِينُوهُ عَلى العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ والأحْزابِ وحُنَيْنٍ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ . ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ أوْ دَعْوَةَ الكُفْرِ. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ أوْ دَعْوَةَ الإسْلامِ، والمَعْنى وجَعَلَ ذَلِكَ بِتَخْلِيصِ (p-82)الرَّسُولِ ﷺ عَنْ أيْدِي الكُفّارِ إلى المَدِينَةِ فَإنَّهُ المَبْدَأُ لَهُ، أوْ بِتَأْيِيدِهِ إيّاهُ بِالمَلائِكَةِ في هَذِهِ المَواطِنِ أوْ بِحِفْظِهِ ونَصْرِهِ لَهُ حَيْثُ حَضَرَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ ﴿الَّذِينَ﴾، والرَّفْعُ أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ (كَلِمَةُ اللَّهِ) عالِيَةٌ في نَفْسِها وإنْ فاقَ غَيْرُها فَلا ثَباتَ لِتَفَوُّقِهِ ولا اعْتِبارَ ولِذَلِكَ وسَّطَ الفَصْلَ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ.

التوبة 9:41

﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ لِنَشاطِكم لَهُ. ﴿وَثِقالا﴾ عَنْهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكم، أوْ لِقِلَّةِ عِيالِكم ولِكَثْرَتِها أوْ رُكْبانًا ومُشاةً، أوْ خِفافًا وثِقالًا مِنَ السِّلاحِ، أوْ صِحاحًا ومُراضًا ولِذَلِكَ لَمّا «قالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ قالَ « نَعَمْ» . حَتّى نَزَلَ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ .» ﴿وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِما أمْكَنَ لَكم مِنهُما كِلَيْهِما أوْ أحَدَهَما. ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن تَرْكِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ إذْ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى بِهِ صِدْقٌ فَبادِرُوا إلَيْهِ.

التوبة 9:42

﴿لَوْ كانَ عَرَضًا﴾ أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا. ﴿قَرِيبًا﴾ سَهْلَ المَأْخَذِ. ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ مُتَوَسِّطًا. ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ لَوافَقُوكَ. ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ. وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ المُتَخَلِّفُونَ إذا رَجَعْتَ مِن تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ. ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ أوِ البَدَنِ. وقُرِئَ « لَوُ اسْتَطَعْنا» بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ . ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ، وهَذا مِنَ المُعْجِزاتِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ. ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، وهو بَدَلٌ مِن سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إيقاعٌ لِلنَّفْسِ في الهَلاكِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في ذاكَ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كِنايَةٌ لا عَنْ خَطَئِهِ في الإذْنِ فَإنَّ العَفْوَ مِن رَوادِفِهِ. ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِالعَفُوِّ ومُعاتَبَةٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ حِينَ اسْتَأْذَنُوكَ واعْتَلُّوا بِأكاذِيبَ وهَلّا تَوَقَّفْتَ. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الِاعْتِذارِ. ﴿وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ فِيهِ. قِيلَ إنَّما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئَيْنِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِما، أخْذُهُ لِلْفِداءِ وإذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِما.

التوبة 9:43

﴿لَوْ كانَ عَرَضًا﴾ أيْ لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا. ﴿قَرِيبًا﴾ سَهْلَ المَأْخَذِ. ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ مُتَوَسِّطًا. ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ لَوافَقُوكَ. ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ. وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ المُتَخَلِّفُونَ إذا رَجَعْتَ مِن تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ. ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ أوِ البَدَنِ. وقُرِئَ « لَوُ اسْتَطَعْنا» بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ . ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ، وهَذا مِنَ المُعْجِزاتِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ. ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، وهو بَدَلٌ مِن سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إيقاعٌ لِلنَّفْسِ في الهَلاكِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في ذاكَ لِأنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ. ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كِنايَةٌ لا عَنْ خَطَئِهِ في الإذْنِ فَإنَّ العَفْوَ مِن رَوادِفِهِ. ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِالعَفُوِّ ومُعاتَبَةٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ حِينَ اسْتَأْذَنُوكَ واعْتَلُّوا بِأكاذِيبَ وهَلّا تَوَقَّفْتَ. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الِاعْتِذارِ. ﴿وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ فِيهِ. قِيلَ إنَّما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئَيْنِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِما، أخْذُهُ لِلْفِداءِ وإذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِما.

التوبة 9:44

﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ: أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا فَإنَّ الخُلَّصَ مِنهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ ولا يَتَوَقَّفُونَ عَلى الإذْنِ فِيهِ فَضْلًا أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، أوْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ شَهادَةٌ لَهم بِالتَّقْوى وعَدَهُ لَهم بِثَوابِهِ. ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التَّخَلُّفِ. ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَخْصِيصُ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-83)واليَوْمِ الآخِرِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الباعِثَ عَلى الجِهادِ والوازِعَ عَنْهُ الإيمانُ وعَدَمُ الإيمانِ بِهِما. ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ.

التوبة 9:45

﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ: أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا فَإنَّ الخُلَّصَ مِنهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ ولا يَتَوَقَّفُونَ عَلى الإذْنِ فِيهِ فَضْلًا أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، أوْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ شَهادَةٌ لَهم بِالتَّقْوى وعَدَهُ لَهم بِثَوابِهِ. ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التَّخَلُّفِ. ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَخْصِيصُ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-83)واليَوْمِ الآخِرِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الباعِثَ عَلى الجِهادِ والوازِعَ عَنْهُ الإيمانُ وعَدَمُ الإيمانِ بِهِما. ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ.

التوبة 9:46

﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ﴾ لِلْخُرُوجِ. ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وقُرِئَ « عُدَّهُ» بِحَذْفِ التّاءِ عِنْدَ الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: ؎ إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا. . . وأخْلَفُوكَ عَدّا الأمْرَ الَّذِي وعَدُوا وَ « عِدَّهُ» بِكَسْرِ العَيْنِ بِالإضافَةِ و « عِدَّةً» بِغَيْرِها. ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ اسْتَدْرَكَ عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ كَأنَّهُ قالَ ما خَرَجُوا ولَكِنْ تُثَبِّطُوا لِأنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم أيْ نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ فَحَبَسَهم بِالجُبْنِ والكَسَلِ. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِإلْقاءِ اللَّهِ كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ، أوْ وسْوَسَةٌ الشَّيْطانِ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ، أوْ حِكايَةُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أوْ إذْنُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم والقاعِدِينَ يَحْتَمِلُ المَعْذُورِينَ وغَيْرَهم وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ ذَمٍّ.

التوبة 9:47

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكُمْ﴾ بِخُرُوجِهِمْ شَيْئًا. ﴿إلا خَبالا﴾ فَسادًا وشَرًّا ولا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهم خَبالٌ حَتّى لَوْ خَرَجُوا زادُوهُ لَأنَّ الزِّيادَةَ بِاعْتِبارِ أعَمِّ العامِّ الَّذِي وقَعَ مِنهُ الِاسْتِثْناءُ، ولِأجْلِ هَذا التَّوَهُّمِ جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مُفَرَّغًا. ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ ولَأسْرَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكم بِالنَّمِيمَةِ والتَّضْرِيبِ، أوِ الهَزِيمَةِ والتَّخْذِيلِ مِن وضَعَ البَعِيرُ وضَعًا إذا أسْرَعَ. ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم أوِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في « أوْضَعُوا» . ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ ضَعْفَةٌ يَسْمَعُونَ قَوْلَهم ويُطِيعُونَهم، أوْ نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم لِلنَّقْلِ إلَيْهِمْ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ فَيَعْلَمُ ضَمائِرَهم وما يَتَأتّى مِنهم.

التوبة 9:48

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ تَشْتِيتَ أمْرِكَ وتَفْرِيقَ أصْحابِكَ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ كَما تَخَلَّفُوا عَنْ تَبُوكَ بَعْدَ ما خَرَجُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِي جَدَّةَ أسْفَلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ ودَبَّرُوا لَكَ المَكايِدَ والحِيَلَ ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ. ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ. ﴿وَظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وعَلا دِينُهُ. ﴿وَهم كارِهُونَ﴾ أيْ عَلى رَغْمٍ مِنهم، والآيَتانِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ وبَيانِ ما ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ لِأجْلِهِ وكَرِهَ انْبِعاثَهم لَهُ وهَتَكَ أسْتارَهم وكَشْفَ أسْرارِهِمْ وإزاحَةَ اعْتِذارِهِمْ تَدارُكًا لِما فَوَّتَ الرَّسُولُ ﷺ بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْنِ ولِذَلِكَ عُوتِبَ عَلَيْهِ. ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القُعُودِ. ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ ولا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيْ في العِصْيانِ والمُخالَفَةِ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ أمْ لَمْ يَأْذَنْ، أوْ في الفِتْنَةِ بِسَبَبِ ضَياعِ المالِ والعِيالِ إذْ لا كافِلَ لَهم بَعْدِي. أوْ في الفِتْنَةِ لِنِساءِ الرُّومِ لِما رُوِيَ: أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ قالَ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُولَعٌ بِالنِّساءِ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ (p-84)وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي فاتْرُكْنِي. ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ إنَّ الفِتْنَةَ هي الَّتِي سَقَطُوا فِيها وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ أوْ ظُهُورِ النِّفاقِ لا ما احْتَرَزُوا عَنْهُ. ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ جامِعًا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ لِأنَّ إحاطَةَ أسْبابِها بِهِمْ كَوُجُودِها.

التوبة 9:49

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ تَشْتِيتَ أمْرِكَ وتَفْرِيقَ أصْحابِكَ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ كَما تَخَلَّفُوا عَنْ تَبُوكَ بَعْدَ ما خَرَجُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِي جَدَّةَ أسْفَلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ ودَبَّرُوا لَكَ المَكايِدَ والحِيَلَ ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ. ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ. ﴿وَظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وعَلا دِينُهُ. ﴿وَهم كارِهُونَ﴾ أيْ عَلى رَغْمٍ مِنهم، والآيَتانِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ وبَيانِ ما ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ لِأجْلِهِ وكَرِهَ انْبِعاثَهم لَهُ وهَتَكَ أسْتارَهم وكَشْفَ أسْرارِهِمْ وإزاحَةَ اعْتِذارِهِمْ تَدارُكًا لِما فَوَّتَ الرَّسُولُ ﷺ بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْنِ ولِذَلِكَ عُوتِبَ عَلَيْهِ. ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القُعُودِ. ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ ولا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيْ في العِصْيانِ والمُخالَفَةِ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ أمْ لَمْ يَأْذَنْ، أوْ في الفِتْنَةِ بِسَبَبِ ضَياعِ المالِ والعِيالِ إذْ لا كافِلَ لَهم بَعْدِي. أوْ في الفِتْنَةِ لِنِساءِ الرُّومِ لِما رُوِيَ: أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ قالَ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُولَعٌ بِالنِّساءِ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ (p-84)وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي فاتْرُكْنِي. ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ إنَّ الفِتْنَةَ هي الَّتِي سَقَطُوا فِيها وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ أوْ ظُهُورِ النِّفاقِ لا ما احْتَرَزُوا عَنْهُ. ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ جامِعًا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الآنَ لِأنَّ إحاطَةَ أسْبابِها بِهِمْ كَوُجُودِها.

التوبة 9:50

﴿إنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِ غَزَواتِكَ. ﴿حَسَنَةٌ﴾ ظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لِفَرْطِ حَسَدِهِمْ. ﴿وَإنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِها. ﴿مُصِيبَةٌ﴾ كَسْرٌ أوْ شِدَّةٌ كَما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ تَبَجَّحُوا بِانْصِرافِهِمْ واسْتَحْمَدُوا رَأْيَهم في التَّخَلُّفِ. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ مُتَحَدِّثِهِمْ بِذَلِكَ ومُجْتَمَعِهِمْ لَهُ، أوْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿وَهم فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ إلّا ما اخْتَصَّنا بِإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ النُّصْرَةِ، أوِ الشَّهادَةِ أوْ ما كُتِبَ لِأجْلِنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَتَغَيَّرُ بِمُوافَقَتِكم ولا بِمُخالَفَتِكم. وقُرِئَ « هَلْ يُصِيبُنا» و « هَلْ يُصِيبُنا» وهو مِن فَيْعَلَ لا مِن فَعَلَ لِأنَّهُ مِن بَناتِ الواوِ لِقَوْلِهِمْ صابَ السَّهْمُ يَصُوبُ واشْتِقاقُهُ مِنَ الصَّوابِ لِأنَّهُ وُقُوعُ الشَّيْءِ فِيما قُصِدَ بِهِ. وقِيلَ مِنَ الصَّوْبِ. ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ حَقَّهم أنْ لا يَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِهِ.

التوبة 9:51

﴿إنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِ غَزَواتِكَ. ﴿حَسَنَةٌ﴾ ظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لِفَرْطِ حَسَدِهِمْ. ﴿وَإنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِها. ﴿مُصِيبَةٌ﴾ كَسْرٌ أوْ شِدَّةٌ كَما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ تَبَجَّحُوا بِانْصِرافِهِمْ واسْتَحْمَدُوا رَأْيَهم في التَّخَلُّفِ. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ مُتَحَدِّثِهِمْ بِذَلِكَ ومُجْتَمَعِهِمْ لَهُ، أوْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿وَهم فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ. ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ إلّا ما اخْتَصَّنا بِإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ النُّصْرَةِ، أوِ الشَّهادَةِ أوْ ما كُتِبَ لِأجْلِنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَتَغَيَّرُ بِمُوافَقَتِكم ولا بِمُخالَفَتِكم. وقُرِئَ « هَلْ يُصِيبُنا» و « هَلْ يُصِيبُنا» وهو مِن فَيْعَلَ لا مِن فَعَلَ لِأنَّهُ مِن بَناتِ الواوِ لِقَوْلِهِمْ صابَ السَّهْمُ يَصُوبُ واشْتِقاقُهُ مِنَ الصَّوابِ لِأنَّهُ وُقُوعُ الشَّيْءِ فِيما قُصِدَ بِهِ. وقِيلَ مِنَ الصَّوْبِ. ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ حَقَّهم أنْ لا يَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِهِ.

التوبة 9:52

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنا. ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَلٌّ مِنهُما حُسْنى العَواقِبِ: النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أيْضًا إحْدى السَّوْأيَيْنِ ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ بِقارِعَةٍ مِنَ السَّماءِ. ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ أوْ بِعَذابٍ بِأيْدِينا وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ما هو عاقِبَتُنا ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقِبَتُكم. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أمُرُّ في مَعْنى الخَبَرِ، أيْ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم نَفَقاتُكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَساوِي الِإنْفاقَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يُمْتَحَنُوا فَيُنْفِقُوا ويَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم. وهو جَوابُ قَوْلِ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ وأُعِينُكَ بِمالِي. ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أنْ لا يُؤْخَذَ مِنهم وأنْ لا يُثابُوا عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَهُ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ.

التوبة 9:53

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنا. ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ إلّا إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَلٌّ مِنهُما حُسْنى العَواقِبِ: النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أيْضًا إحْدى السَّوْأيَيْنِ ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ بِقارِعَةٍ مِنَ السَّماءِ. ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ أوْ بِعَذابٍ بِأيْدِينا وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ما هو عاقِبَتُنا ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقِبَتُكم. ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أمُرُّ في مَعْنى الخَبَرِ، أيْ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم نَفَقاتُكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا. وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَساوِي الِإنْفاقَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يُمْتَحَنُوا فَيُنْفِقُوا ويَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم. وهو جَوابُ قَوْلِ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ وأُعِينُكَ بِمالِي. ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أنْ لا يُؤْخَذَ مِنهم وأنْ لا يُثابُوا عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَهُ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لَهُ.

التوبة 9:54

﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ وما مَنَعَهم قَبُولُ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهم. وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « أنْ يُقْبَلَ» بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفَقاتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقُرِئَ « يَقْبَلَ» عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ. ﴿وَلا (p-85)يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ مُتَثاقِلِينَ. ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ بِهِما ثَوابًا ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِهِما عِقابًا. ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ ووَبالٌ لَهم كَما قالَ. ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِسَبَبِ ما يُكابِدُونَ لِجَمْعِها وحِفْظِها مِنَ المَتاعِبِ وما يَرَوْنَ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والمَصائِبِ. ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ فَيَمُوتُوا كافِرِينَ مُشْتَغِلِينَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم. وأصْلُ الزَّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ.

التوبة 9:55

﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ وما مَنَعَهم قَبُولُ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهم. وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « أنْ يُقْبَلَ» بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفَقاتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقُرِئَ « يَقْبَلَ» عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ. ﴿وَلا (p-85)يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ مُتَثاقِلِينَ. ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ بِهِما ثَوابًا ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِهِما عِقابًا. ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ ووَبالٌ لَهم كَما قالَ. ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِسَبَبِ ما يُكابِدُونَ لِجَمْعِها وحِفْظِها مِنَ المَتاعِبِ وما يَرَوْنَ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والمَصائِبِ. ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ فَيَمُوتُوا كافِرِينَ مُشْتَغِلِينَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم. وأصْلُ الزَّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ.

التوبة 9:56

﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ إنَّهم لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. ﴿وَما هم مِنكُمْ﴾ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وَلَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُونَ بِالمُشْرِكِينَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حِصْنًا يَلْجَئُونَ إلَيْهِ أوْ مَغاراتٍ غِيرانًا. ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ نَفَقًا يَنْجَحِرُونَ فِيهِ مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿مُدَّخَلا﴾ مِن مَدْخَلٍ. وقُرِئَ « مُدْخَلًا» أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم و « مُتَدَخَّلًا» و « مُنْدَخَلًا» مَن تَدَخَّلَ وانْدَخَلَ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ. ﴿وَهم يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجُمُوحِ. وقُرِئَ « يَجْمَزُونَ» ومِنهُ الجَمازَةُ.

التوبة 9:57

﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ إنَّهم لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. ﴿وَما هم مِنكُمْ﴾ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وَلَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُونَ بِالمُشْرِكِينَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حِصْنًا يَلْجَئُونَ إلَيْهِ أوْ مَغاراتٍ غِيرانًا. ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ نَفَقًا يَنْجَحِرُونَ فِيهِ مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿مُدَّخَلا﴾ مِن مَدْخَلٍ. وقُرِئَ « مُدْخَلًا» أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم و « مُتَدَخَّلًا» و « مُنْدَخَلًا» مَن تَدَخَّلَ وانْدَخَلَ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ. ﴿وَهم يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجُمُوحِ. وقُرِئَ « يَجْمَزُونَ» ومِنهُ الجَمازَةُ.

التوبة 9:58

﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ يَعِيبُكَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (يَلْمُزُكَ) بِالضَّمِّ وابْنُ كَثِيرٍ « يُلامِزُكَ» . ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ في قَسْمِها. ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي الجَوّاظِ المُنافِقِ قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ ويَزْعُمُ أنَّهُ يَعْدِلُ. وَقِيلَ في ابْنِ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍ فاسْتَعْطَفَ قُلُوبَ أهْلِ مَكَّةَ بِتَوْفِيرِ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: « ويْلَكَ إنْ لَمْ أعْدِلْ فَمَن يَعْدِلُ» . وَ ﴿إذا﴾ لِلْمُفاجَأةِ نائِبٌ مَنابَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ. ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ما أعْطاهُمُ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ أوِ الصَّدَقَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِأمْرِهِ. ﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كَفانا فَضْلُهُ ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ صَدَقَةً أوْ غَنِيمَةً أُخْرى. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فَيُؤْتِينا أكْثَرَ مِمّا آتانا. ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في أنْ يُغْنِيَنا مِن فَضْلِهِ، والآيَةُ بِأسْرِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ خَيْرًا لَّهم. ثُمَّ بَيَّنَ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ تَصْوِيبًا وتَحْقِيقًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ:

التوبة 9:59

﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ يَعِيبُكَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (يَلْمُزُكَ) بِالضَّمِّ وابْنُ كَثِيرٍ « يُلامِزُكَ» . ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ في قَسْمِها. ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي الجَوّاظِ المُنافِقِ قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ ويَزْعُمُ أنَّهُ يَعْدِلُ. وَقِيلَ في ابْنِ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍ فاسْتَعْطَفَ قُلُوبَ أهْلِ مَكَّةَ بِتَوْفِيرِ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: « ويْلَكَ إنْ لَمْ أعْدِلْ فَمَن يَعْدِلُ» . وَ ﴿إذا﴾ لِلْمُفاجَأةِ نائِبٌ مَنابَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ. ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ما أعْطاهُمُ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ أوِ الصَّدَقَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِأمْرِهِ. ﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كَفانا فَضْلُهُ ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ صَدَقَةً أوْ غَنِيمَةً أُخْرى. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فَيُؤْتِينا أكْثَرَ مِمّا آتانا. ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في أنْ يُغْنِيَنا مِن فَضْلِهِ، والآيَةُ بِأسْرِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ خَيْرًا لَّهم. ثُمَّ بَيَّنَ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ تَصْوِيبًا وتَحْقِيقًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ:

التوبة 9:60

﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ أيِ الزِّكْواتُ لِهَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللَّمْزِ لَمْزُهم في قَسْمِ الزَّكَواتِ دُونَ الغَنائِمِ. والفَقِيرُ مَن لا مالَ لَهُ ولا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِن حاجَتِهِ مِنَ الفَقارِ كَأنَّهُ أُصِيبَ فَقارُهُ. والمِسْكِينُ مَن لَهُ مالٌ أوْ كَسْبٌ لا يَكْفِيهِ مِنَ السُّكُونِ كَأنَّ العَجْزَ أسْكَنَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ (p-86)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ وأنَّهُ ﷺ كانَ يَسْألُ المَسْكَنَةَ ويَتَعَوَّذُ مِنَ الفَقْرِ. وقِيلَ بِالعَكْسِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ . ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ السّاعِينَ في تَحْصِيلِها وجَمْعِها. ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قَوْمٌ أسْلَمُوا ونِيَّتُهم ضَعِيفَةٌ فِيهِ فَيَسْتَأْنِفُ قُلُوبَهم أوْ أشْرافٌ قَدْ يَتَرَتَّبُ بِإعْطائِهِمْ ومُراعاتِهِمْ إسْلامُ نُظَرائِهِمْ، وقَدْ أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ والأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ والعَبّاسَ بْنَ مِرْداسٍ لِذَلِكَ. وقِيلَ أشْرافٌ يُسْتَأْلَفُونَ عَلى أنْ يُسْلِمُوا فَإنَّهُ ﷺ كانَ يُعْطِيهِمْ والأصَحُّ أنَّهُ كانَ يُعْطِيهِمْ مِن خُمُسِ الخُمُسِ الَّذِي كانَ خاصَّ مالِهِ وقَدْ عَدَّ مِنهم مَن يُؤَلَّفُ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنها عَلى قِتالِ الكُفّارِ ومانِعِي الزَّكاةِ. وقِيلَ كانَ سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ لِتَكْثِيرِ سَوادِ الإسْلامِ فَلَمّا أعَزَّهُ اللَّهُ وأكْثَرَ أهْلَهُ سَقَطَ. ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ ولِلصَّرْفِ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يُعاوَنَ المَكاتَبُ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أداءِ النُّجُومِ. وقِيلَ بِأنْ تُبْتاعَ الرِّقابُ فَتُعْتَقَ وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ أوْ بِأنْ يَفْدِيَ الأسارى. والعُدُولُ عَنِ اللّامِ إلى (فِي) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِحْقاقَ لِلْجِهَةِ لا لِلرِّقابِ. وقِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّهم أحَقُّ بِها. ﴿والغارِمِينَ﴾ والمَدْيُونِينَ لِأنْفُسِهِمْ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ومِن غَيْرِ إسْرافٍ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم وفاءٌ، أوْ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ: لِغازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ لِغارِمٍ، أوْ لِرَجُلٍ اشْتَراها بِمالِهِ، أوْ لِرَجُلٍ لَهُ جارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلى المِسْكِينِ فَأهْدى المِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ أوْ لِعامِلٍ عَلَيْها» ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولِلصَّرْفِ في الجِهادِ بِالإنْفاقِ عَلى المُتَطَوِّعَةِ وابْتِياعِ الكُراعِ والسِّلاحِ. وقِيلَ وفي بِناءِ القَناطِرِ والمَصانِعِ. ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أيْ فَرَضَ لَهُمُ اللَّهُ الصَّدَقاتِ فَرِيضَةً، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ . وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تِلْكَ فَرِيضَةً. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يَضَعُ الأشْياءَ في مَواضِعِها، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ اسْتِحْقاقِ الزَّكاةِ بِالأصْنافِ الثَّمانِيَةِ ووُجُوبُ الصَّرْفِ إلى كُلِّ صِنْفٍ وُجِدَ مِنهم ومُراعاةُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهم قَضِيَّةٌ لِلِاشْتِراكِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ جَوازُ صَرْفِها إلى صِنْفٍ واحِدٍ وبِهِ قالَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ أصْحابِنا، وبِهِ كانَ يُفْتِي شَيْخِي ووالِدِي رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ الآيَةَ بَيانُ أنَّ الصَّدَقَةَ لا تَخْرُجُ مِنهم لا إيجابَ قَسْمِها عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:61

﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ، سَمِّي بِالجارِحَةِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ مِن فَرْطِ اسْتِماعِهِ صارَ جُمْلَتُهُ آلَةَ السَّماعِ كَما سُمِّيَ الجاسُوسُ عَيْنًا لِذَلِكَ، أوِ اشْتُقَّ لَهُ فِعْلٌ مِن أذِنَ أُذُنًا إذا اسْتَمَعَ كَأنِفَ وشَلِلَ. رُوِيَ أنَّهم قالُوا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ. ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ تَصْدِيقٌ لَهم بِأنَّهُ أُذُنٌ ولَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَمُّوا بِهِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ويَقْبَلُهُ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يُصَدِّقُ بِهِ لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ. ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ مِن خُلُوصِهِمْ، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ إيمانِ التَّصْدِيقِ فَإنَّهُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ وإيمانِ الأمانِ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أيْ وهو رَحْمَةٌ. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ لِمَن أظْهَرَ الإيمانَ حَيْثُ يَقْبَلُهُ ولا يَكْشِفُ سِرَّهُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ يَقْبَلُ قَوْلَكم جَهْلًا بِحالِكم بَلْ رِفْقًا بِكم وتَرَحُّمًا عَلَيْكم. وقَرَأ حَمْزَةُ (وَرَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ) . وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم رَحْمَةً. وقَرَأ نافِعٌ ﴿أُذُنٌ﴾ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما. وَقُرِئَ « أُذُنٌ خَيْرٌ» عَلى أنَّ ﴿خَيْرٍ﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِإيذائِهِ.

التوبة 9:62

(p-87)﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ عَلى مَعاذِيرِهِمْ فِيما قالُوا أوْ تَخَلَّفُوا. ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ لِتَرْضَوْا عَنْهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أحَقُّ بِالإرْضاءِ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِتَلازُمِ الرِّضاءَيْنِ أوْ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وإرْضائِهِ، أوْ لِأنَّ التَّقْدِيرَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ والرَّسُولُ كَذَلِكَ. ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ صِدْقًا. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ﴾ أنَّ الشَّأْنَ وقُرِئَ بِالتّاءِ. ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يُشاقِقُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحَدِّ. ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ أيْ فَحَقَّ أنَّ لَهُ أوْ عَلى تَكْرِيرِ أنَّ لِلتَّأْكِيدِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنَّهُ ويَكُونُ الجَوابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكُ، وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ. ﴿ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ يَعْنِي الهَلاكَ الدّائِمَ.

التوبة 9:63

(p-87)﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ عَلى مَعاذِيرِهِمْ فِيما قالُوا أوْ تَخَلَّفُوا. ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ لِتَرْضَوْا عَنْهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أحَقُّ بِالإرْضاءِ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِتَلازُمِ الرِّضاءَيْنِ أوْ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وإرْضائِهِ، أوْ لِأنَّ التَّقْدِيرَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ والرَّسُولُ كَذَلِكَ. ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ صِدْقًا. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ﴾ أنَّ الشَّأْنَ وقُرِئَ بِالتّاءِ. ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يُشاقِقُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحَدِّ. ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ أيْ فَحَقَّ أنَّ لَهُ أوْ عَلى تَكْرِيرِ أنَّ لِلتَّأْكِيدِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنَّهُ ويَكُونُ الجَوابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكُ، وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ. ﴿ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ يَعْنِي الهَلاكَ الدّائِمَ.

التوبة 9:64

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ. ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ وتَهْتِكُ عَلَيْهِمْ أسْتارَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ لِلْمُنافِقِينَ فَإنَّ النّازِلَ فِيهِمْ كالنّازِلِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْرُوءٌ ومُحْتَجٌّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرَدُّدِهِمْ أيْضًا في كُفْرِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَتٍّ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِشَيْءٍ. وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ. وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَهُ فِيما بَيْنَهُمُ اسْتِهْزاءً لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مُبْرِزٌ أوْ مُظْهِرٌ. ما تَحْذَرُونَ أيْ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ فِيكم، أوْ ما تَحْذَرُونَ إظْهارَهُ مِن مُساوِيكم. ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ رُوِيَ: «أنَّ رَكْبَ المُنافِقِينَ مَرُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالُوا: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَهُ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ فَدَعاهم فَقالَ: « قُلْتُمْ كَذا وكَذا» فَقالُوا لا واللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ وأمْرِ أصْحابِكَ ولَكِنْ كُنّا في شَيْءٍ مِمّا يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبِ لِيُقَصِّرَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ السَّفَرَ.» ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَوْبِيخًا عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِمَن لا يَصِحُّ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ، وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ولا تَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمُ الكاذِبِ.

التوبة 9:65

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ. ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ وتَهْتِكُ عَلَيْهِمْ أسْتارَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ لِلْمُنافِقِينَ فَإنَّ النّازِلَ فِيهِمْ كالنّازِلِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْرُوءٌ ومُحْتَجٌّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرَدُّدِهِمْ أيْضًا في كُفْرِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَتٍّ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِشَيْءٍ. وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ. وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَهُ فِيما بَيْنَهُمُ اسْتِهْزاءً لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مُبْرِزٌ أوْ مُظْهِرٌ. ما تَحْذَرُونَ أيْ ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ فِيكم، أوْ ما تَحْذَرُونَ إظْهارَهُ مِن مُساوِيكم. ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ رُوِيَ: «أنَّ رَكْبَ المُنافِقِينَ مَرُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالُوا: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَهُ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ فَدَعاهم فَقالَ: « قُلْتُمْ كَذا وكَذا» فَقالُوا لا واللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ وأمْرِ أصْحابِكَ ولَكِنْ كُنّا في شَيْءٍ مِمّا يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبِ لِيُقَصِّرَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ السَّفَرَ.» ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَوْبِيخًا عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِمَن لا يَصِحُّ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ، وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ولا تَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمُ الكاذِبِ.

التوبة 9:66

﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ لا تَشْتَغِلُوا بِاعْتِذاراتِكم فَإنَّها مَعْلُومَةُ الكَذِبِ. ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ قَدْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ والطَّعْنِ فِيهِ. ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ. ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، أوْ لِتَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ. (تُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ) مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ أوْ مُقْدِمِينَ عَلى الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِالنُّونِ فِيهِما. وقُرِئَ بِالياءِ وبِناءِ الفاعِلِ فِيهِما وهو اللَّهُ « وإنْ تُعْفَ» بِالتّاءِ والبِناءِ عَلى المَفْعُولِ ذَهابًا إلى المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: إنْ تُرْحَمْ طائِفَةٌ.

التوبة 9:67

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ مُتَشابِهَةٌ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ كَأبْعاضِ الشَّيْءِ (p-88)الواحِدِ. وقِيلَ إنَّهُ تَكْذِيبٌ لَهم في حَلِفِهِمْ بِاللَّهِ ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿وَما هم مِنكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ عَنِ المَبارِّ، وقَبْضُ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أغْفَلُوا ذِكْرَ اللَّهِ وتَرَكُوا طاعَتَهُ. ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فَتَرَكَهم مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في التَّمَرُّدِ والفُسُوقِ عَنْ دائِرَةِ الخَيْرِ. ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ عِقابًا وجَزاءً وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ عَذابِها. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وأهانَهم. ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ والمُرادُ بِهِ ما وُعِدُوهُ أوْ ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ.

التوبة 9:68

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ مُتَشابِهَةٌ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ كَأبْعاضِ الشَّيْءِ (p-88)الواحِدِ. وقِيلَ إنَّهُ تَكْذِيبٌ لَهم في حَلِفِهِمْ بِاللَّهِ ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿وَما هم مِنكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ عَنِ المَبارِّ، وقَبْضُ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أغْفَلُوا ذِكْرَ اللَّهِ وتَرَكُوا طاعَتَهُ. ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فَتَرَكَهم مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ. ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في التَّمَرُّدِ والفُسُوقِ عَنْ دائِرَةِ الخَيْرِ. ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ عِقابًا وجَزاءً وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ عَذابِها. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وأهانَهم. ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ والمُرادُ بِهِ ما وُعِدُوهُ أوْ ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ.

التوبة 9:69

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ، أوْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. ﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا﴾ بَيانٌ لِتَشْبِيهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلُ حالِهِمْ بِحالِهِمْ. ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ نَصِيبِهِمْ مِن مَلاذِّ الدُّنْيا، واشْتِقاقُهُ مِنَ الخُلُقِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ ما قُدِّرَ لِصاحِبِهِ. ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ ذَمَّ الأوَّلِينَ بِاسْتِمْتاعِهِمْ بِحُظُوظِهِمُ المُخْدِجَةِ مِنَ الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والتِهائِهِمْ بِها عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ والسَّعْيِ في تَحْصِيلِ اللَّذائِذِ الحَقِيقِيَّةِ تَمْهِيدًا لِذَمِّ المُخاطَبِينَ بِمُشابِهَتِهِمْ واقْتِفاءِ أثَرِهِمْ. ﴿وَخُضْتُمْ﴾ ودَخَلْتُمْ في الباطِلِ. ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ كالَّذِينِ خاضُوا، أوْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ لَمْ يَسْتَحِقُّوا عَلَيْها ثَوابًا في الدّارَيْنِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.

التوبة 9:70

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ. ﴿وَعادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ. ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ. ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أُهْلِكَ نَمْرُوذُ بِبَعُوضٍ وأُهْلِكَ أصْحابُهُ. ﴿وَأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وأهْلِ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِالنّارِ يَوْمَ الظُّلَّةِ. ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ فَصارَ عالِيها سافِلَها، وأُمْطِرُوا حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، وقِيلَ قُرَيّاتُ المُكَذِّبِينَ المُتَمَرِّدِينَ وائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ. ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ يَعْنِي الكُلَّ. ﴿بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَكُ مِن عادَتِهِ ما يُشابِهُ ظُلْمَ النّاسِ كالعُقُوبَةِ بِلا جُرْمٍ. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْعِقابِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

التوبة 9:71

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ الأُمُورِ. ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لا مَحالَةَ فَإنَّ السِّينَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْوُقُوعِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَمْتَنِعُ (p-89)عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها.

التوبة 9:72

﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ تَسْتَطِيبُها النَّفْسُ أوْ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ وفي الحَدِيثِ أنَّها قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ الأحْمَرِ. ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ إقامَةٌ وخُلُودٌ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَدْنٌ دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ لا يَسْكُنُها غَيْرُ ثَلاثَةٍ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: طُوبى لِمَن دَخَلَكِ. وَمَرْجِعُ العَطْفِ فِيها يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إلى تَعَدُّدِ المَوْعُودِ لِكُلِّ واحِدٍ أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ، أوْ إلى تَغايُرِ وصْفِهِ فَكَأنَّهُ وصَفَهُ أوَّلًا بِأنَّهُ مِن جِنْسِ ما هو أبْهى الأماكِنِ الَّتِي يَعْرِفُونَها لِتَمِيلَ إلَيْهِ طِباعُهم أوَّلَ ما يَقْرَعُ أسْماعَهم، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوفٌ بِطِيبِ العَيْشِ مُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الكُدُوراتِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْ شَيْءٍ مِنها أماكِنُ الدُّنْيا وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ دارُ إقامَةٍ وثَباتٍ في جِوارِ عِلِّيِّينَ لا يَعْتَرِيهِمْ فِيها فَناءٌ ولا تَغَيُّرٌ، ثُمَّ وعَدَهم بِما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ لِأنَّهُ المَبْدَأُ لِكُلِّ سَعادَةٍ وكَرامَةٍ والمُؤَدِّي إلى نَيْلِ الوُصُولِ والفَوْزِ بِاللِّقاءِ، وعَنْهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ فَيَقُولُ: أنا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وأيُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَيَقُولُ أحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا.» ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الرِّضْوانُ أوْ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ. ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي تُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الدُّنْيا وما فِيها.

التوبة 9:73

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَّيْفِ. ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِإلْزامِ الحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ. ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في ذَلِكَ ولا تُحابِهِمْ. ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ مَصِيرُهم. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَعِيبُ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِإخْوانِنا حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَحْضَرَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ فَتابَ الجُلاسُ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.» ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ وأظْهَرُوا الكَفْرَ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ. ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن فَتْكِ الرَّسُولِ، وهو أنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم تَوافَقُوا عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذْ تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ فَقالَ إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ فَهَرَبُوا، أوْ إخْراجُهُ وإخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ أوْ بِأنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما أنْكَرُوا أوْ ما وجَدُوا ما يُورِثُ نِقْمَتَهم. ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ كانُوا مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أثْرَوْا بِالغَنائِمِ وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أوِ العِلَلِ. ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وهو الَّذِي حَمَلَ الجُلاسَ عَلى التَّوْبَةِ والضَّمِيرُ في ﴿يَكُ﴾ (p-90)لِلتَّوْبِ. ﴿وَإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ. ﴿وَما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ.

التوبة 9:74

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَّيْفِ. ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِإلْزامِ الحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ. ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في ذَلِكَ ولا تُحابِهِمْ. ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ مَصِيرُهم. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَعِيبُ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِإخْوانِنا حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَحْضَرَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ فَتابَ الجُلاسُ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.» ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ وأظْهَرُوا الكَفْرَ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ. ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن فَتْكِ الرَّسُولِ، وهو أنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم تَوافَقُوا عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذْ تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ فَقالَ إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ فَهَرَبُوا، أوْ إخْراجُهُ وإخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ أوْ بِأنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما أنْكَرُوا أوْ ما وجَدُوا ما يُورِثُ نِقْمَتَهم. ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ كانُوا مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أثْرَوْا بِالغَنائِمِ وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أوِ العِلَلِ. ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وهو الَّذِي حَمَلَ الجُلاسَ عَلى التَّوْبَةِ والضَّمِيرُ في ﴿يَكُ﴾ (p-90)لِلتَّوْبِ. ﴿وَإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ. ﴿وَما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ.

التوبة 9:75

﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمى الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وانْقَطَعَ عَنِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ، فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ كَثُرَ مالُهُ حَتّى لا يَسَعَهُ وادٍ فَقالَ: يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقَيْنِ لِأخْذِ الصَّدَقاتِ فاسْتَقْبَلَهُما النّاسُ بِصَدَقاتِهِمْ ومَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ وأقْرَآهُ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ الفَرائِضُ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ فارْجِعا حَتّى أرى رَأْيِي فَنَزَلَتْ، فَجاءَ ثَعْلَبَةُ بِالصَّدَقَةِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ هَذا عَمَلُكَ قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في خِلافَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْها وهَلَكَ في زَمانِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ مِنهُ. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ عَنْها.

التوبة 9:76

﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمى الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وانْقَطَعَ عَنِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ، فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ كَثُرَ مالُهُ حَتّى لا يَسَعَهُ وادٍ فَقالَ: يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقَيْنِ لِأخْذِ الصَّدَقاتِ فاسْتَقْبَلَهُما النّاسُ بِصَدَقاتِهِمْ ومَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ وأقْرَآهُ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ الفَرائِضُ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ فارْجِعا حَتّى أرى رَأْيِي فَنَزَلَتْ، فَجاءَ ثَعْلَبَةُ بِالصَّدَقَةِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ هَذا عَمَلُكَ قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في خِلافَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْها وهَلَكَ في زَمانِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ مِنهُ. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ عَنْها.

التوبة 9:77

﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ فَجَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ نِفاقًا وسُوءَ اعْتِقادٍ في قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبُخْلِ والمَعْنى فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِالمَوْتِ أوْ يَلْقَوْنَ عَمَلَهم أيْ جَزاءَهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ. ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وبِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيهِ فَإنَّ خُلْفَ الوَعْدِ مُتَضَمِّنٌ لِلْكَذِبِ مُسْتَقْبَحٌ مِنَ الوَجْهَيْنِ أوِ المَقالِ مُطْلَقًا وقُرِئَ « يُكَذِّبُونَ» بِالتَّشْدِيدِ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ أوْ مَن عاهَدَ اللَّهَ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ أوِ العَزْمِ عَلى الإخْلافِ. ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُطاعِنِ، أوْ تَسْمِيَةِ الزَّكاةِ جِزْيَةً. ﴿وَأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ.

التوبة 9:78

﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ فَجَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ نِفاقًا وسُوءَ اعْتِقادٍ في قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبُخْلِ والمَعْنى فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِالمَوْتِ أوْ يَلْقَوْنَ عَمَلَهم أيْ جَزاءَهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ. ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وبِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيهِ فَإنَّ خُلْفَ الوَعْدِ مُتَضَمِّنٌ لِلْكَذِبِ مُسْتَقْبَحٌ مِنَ الوَجْهَيْنِ أوِ المَقالِ مُطْلَقًا وقُرِئَ « يُكَذِّبُونَ» بِالتَّشْدِيدِ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ أوْ مَن عاهَدَ اللَّهَ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ أوِ العَزْمِ عَلى الإخْلافِ. ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُطاعِنِ، أوْ تَسْمِيَةِ الزَّكاةِ جِزْيَةً. ﴿وَأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ.

التوبة 9:79

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ ذَمٌّ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في سِرِّهِمْ. وقُرِئَ « يُلْمِزُونَ» بِالضَّمِّ. ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ المُتَطَوِّعِينَ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ حَثَّ عَلى الصَّدَقَةِ، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وقالَ كانَ لِي ثَمانِيَةُ آلافٍ فَأقْرَضْتُ رَبِّي أرْبَعَةً وأمْسَكَتْ لِعِيالِي أرْبَعَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ» فَبارَكَ اللَّهُ لَهُ حَتّى صُولِحَتْ إحْدى امْرَأتَيْهِ عَنْ نِصْفِ الثُّمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وتَصَدَّقَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ الأنْصارِيُّ بِصاعِ (p-91)تَمْرٍ فَقالَ بِتُّ لَيْلَتِي أجُرُّ بِالجَرِيرِ عَلى صاعَيْنِ فَتَرَكْتُ صاعًا لِعِيالِي وجِئْتُ بِصاعٍ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْثُرَهُ عَلى الصَّدَقاتِ فَلَمَزَهُمُ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أعْطى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ إلّا رِياءً ولَقَدْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ أبِي عَقِيلٍ ولَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يُذْكَرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ.» فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ إلّا طاقَتَهم. وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرُ جَهَدَ في الأمْرِ إذا بالَغَ فِيهِ. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ جازاهم عَلى سُخْرِيَتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ . ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ.

التوبة 9:80

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَّساوِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في عَدَمِ الإفادَةِ لَهم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِنَ المُخْلِصِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِ أبِيهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَفَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .» وَذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ مِنَ السَّبْعِينَ العَدَدَ المَخْصُوصَ لِأنَّهُ الأصْلُ فَجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا يُخالِفُهُ حُكْمُ ما وراءَهُ، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّكْثِيرُ دُونَ التَّحْدِيدِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ السَّبْعَةِ والسَّبْعِينَ والسَّبْعَمِائَةِ ونَحْوِها في التَّكْثِيرِ، لِاشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ فَكَأنَّهُ العَدَدُ بِأسْرِهِ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَأْسَ مِنَ المَغْفِرَةِ وعَدَمِ قَبُولِ اسْتِغْفارِكَ لَيْسَ لِبُخْلٍ مَنًّا ولا قُصُورٍ فِيكَ بَلْ لِعَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ بِسَبَبِ الكُفْرِ الصّارِفِ عَنْها. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ المُتَمَرِّدِينَ في كُفْرِهِمْ، وهو كالدَّلِيلِ عَلى الحُكْمِ السّابِقِ فَإنَّ مَغْفِرَةَ الكافِرِ بِالإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ، والمُنْهَمِكُ في كَفْرِهِ المَطْبُوعُ عَلَيْهِ لا يَنْقَلِعُ ولا يَهْتَدِي، والتَّنْبِيهُ عَلى عُذْرِ الرَّسُولِ في اسْتِغْفارِهِ وهو عَدَمُ يَأْسِهِ مِن إيمانِهِمْ ما لَمْ يَعْلَمْ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الضَّلالَةِ، والمَمْنُوعُ هو الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ العِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

التوبة 9:81

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِقُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ خَلْفَهُ يُقالُ أقامَ خِلافَ الحَيِّ أيْ بَعْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُخالَفَةِ فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ. ﴿وَكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إيثارًا لِلدَّعَةِ والخَفْضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آثَرُوا عَلَيْها تَحْصِيلَ رِضاهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ والمُهَجِ. ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ قالُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيطًا. ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ وقَدْ آثَرْتُمُوها بِهَذِهِ المُخالَفَةِ. ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أنَّ مَآبَهم إلَيْها، أوْ أنَّها كَيْفَ هي ما اخْتارُوها بِإيثارِ الدَّعَةِ عَلى الطّاعَةِ. ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إخْبارٌ عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ أخْرَجَهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ حَتْمٌ واجِبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّحِكُ والبُكاءُ كِنايَتَيْنِ عَنِ السُّرُورِ والغَمِّ والمُرادُ مِنَ القِلَّةِ العَدَمُ.(p-92)

التوبة 9:82

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِقُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ خَلْفَهُ يُقالُ أقامَ خِلافَ الحَيِّ أيْ بَعْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُخالَفَةِ فَيَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ. ﴿وَكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إيثارًا لِلدَّعَةِ والخَفْضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آثَرُوا عَلَيْها تَحْصِيلَ رِضاهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ والمُهَجِ. ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ قالُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيطًا. ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ وقَدْ آثَرْتُمُوها بِهَذِهِ المُخالَفَةِ. ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أنَّ مَآبَهم إلَيْها، أوْ أنَّها كَيْفَ هي ما اخْتارُوها بِإيثارِ الدَّعَةِ عَلى الطّاعَةِ. ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إخْبارٌ عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ أخْرَجَهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ حَتْمٌ واجِبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّحِكُ والبُكاءُ كِنايَتَيْنِ عَنِ السُّرُورِ والغَمِّ والمُرادُ مِنَ القِلَّةِ العَدَمُ.(p-92)

التوبة 9:83

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ فَإنْ رَدَّكَ إلى المَدِينَةِ وفِيها طائِفَةٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ فَإنَّ كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، أوْ مَن بَقِيَ مِنهم وكانَ المُتَخَلِّفُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ تَبُوكَ ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ وكانَ إسْقاطُهم عَنْ دِيوانِ الغُزاةِ عُقُوبَةً لَهم عَلى تَخَلُّفِهِمْ و ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخَرْجَةُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ لِعَدَمِ لِياقَتِهِمْ لِلْجِهادِ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ. وَقُرِئَ مَعَ « الخَلِفِينَ» عَلى قَصْرِ الخالِفِينَ.

التوبة 9:84

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ رُوِيَ: « (أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِهِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَألَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ويُكَفِّنَهُ في شِعارِهِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ويُصَلِّي عَلَيْهِ فَلَمّا ماتَ أرْسَلَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ وذَهَبَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ)» . وقِيلَ صَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ نَزَلَتْ، وإنَّما لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّكْفِينِ في قَمِيصِهِ ونَهى عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الضَّنَّ بِالقَمِيصِ كانَ مُخِلًّا بِالكَرَمِ ولِأنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِإلْباسِهِ العَبّاسَ قَمِيصَهُ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ الصَّلاةِ الدُّعاءُ لِلْمَيِّتِ والِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ في حَقِّ الكافِرِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ النَّهْيُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ماتَ أبَدًا﴾ يَعْنِي المَوْتَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّ إحْياءَ الكافِرِ لِلتَّعْذِيبِ دُونَ التَّمَتُّعِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْيَ. ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ ولا تَقِفْ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلدَّفْنِ أوِ الزِّيارَةِ. ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِتَأْبِيدِ المَوْتِ. ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والأمْرُ حَقِيقٌ بِهِ فَإنَّ الأبْصارَ طامِحَةٌ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والنُّفُوسَ مُغْتَبِطَةٌ عَلَيْها. ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ في طَرِيقٍ غَيْرِ الأوَّلِ.

التوبة 9:85

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ رُوِيَ: « (أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِهِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَألَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ويُكَفِّنَهُ في شِعارِهِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ويُصَلِّي عَلَيْهِ فَلَمّا ماتَ أرْسَلَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ وذَهَبَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ)» . وقِيلَ صَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ نَزَلَتْ، وإنَّما لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّكْفِينِ في قَمِيصِهِ ونَهى عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الضَّنَّ بِالقَمِيصِ كانَ مُخِلًّا بِالكَرَمِ ولِأنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِإلْباسِهِ العَبّاسَ قَمِيصَهُ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ الصَّلاةِ الدُّعاءُ لِلْمَيِّتِ والِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ في حَقِّ الكافِرِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ النَّهْيُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ماتَ أبَدًا﴾ يَعْنِي المَوْتَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّ إحْياءَ الكافِرِ لِلتَّعْذِيبِ دُونَ التَّمَتُّعِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْيَ. ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ ولا تَقِفْ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلدَّفْنِ أوِ الزِّيارَةِ. ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِتَأْبِيدِ المَوْتِ. ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والأمْرُ حَقِيقٌ بِهِ فَإنَّ الأبْصارَ طامِحَةٌ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والنُّفُوسَ مُغْتَبِطَةٌ عَلَيْها. ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ في طَرِيقٍ غَيْرِ الأوَّلِ.

التوبة 9:86

﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِنَ القُرْآنِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها بَعْضُها. ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بِأنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ. ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الَّذِينَ قَعَدُوا لِعُذْرٍ. ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مَعَ النِّساءِ جَمْعُ خالِفَةٍ وقَدْ يُقالُ الخالِفَةُ لِلَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجِهادِ ومُوافَقَةِ الرَّسُولِ مِنَ السَّعادَةِ وما في التَّخَلُّفِ عَنْهُ مِنَ الشَّقاوَةِ.

التوبة 9:87

﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِنَ القُرْآنِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها بَعْضُها. ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بِأنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ. ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الَّذِينَ قَعَدُوا لِعُذْرٍ. ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مَعَ النِّساءِ جَمْعُ خالِفَةٍ وقَدْ يُقالُ الخالِفَةُ لِلَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجِهادِ ومُوافَقَةِ الرَّسُولِ مِنَ السَّعادَةِ وما في التَّخَلُّفِ عَنْهُ مِنَ الشَّقاوَةِ.

التوبة 9:88

(p-93)﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ ولَمْ يُجاهِدُوا فَقَدْ جاهَدَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ مَنافِعُ الدّارَيْنِ النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ والكَرامَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ الحُورُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ تَخْفِيفُ خِيرَةٍ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالمُطالَبِ. ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ بَيانٌ لِما لَهم مِنَ الخَيْراتِ الأُخْرُوِيَّةِ.

التوبة 9:89

(p-93)﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ ولَمْ يُجاهِدُوا فَقَدْ جاهَدَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ مَنافِعُ الدّارَيْنِ النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ والكَرامَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ الحُورُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ تَخْفِيفُ خِيرَةٍ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالمُطالَبِ. ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ بَيانٌ لِما لَهم مِنَ الخَيْراتِ الأُخْرُوِيَّةِ.

التوبة 9:90

﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي أسَدًا وغَطَفانَ اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ مُعْتَذِرِينَ بِالجُهْدِ وكَثْرَةِ العِيالِ. وقِيلَ هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ قالُوا إنْ غَزْوَنا مَعَكَ أغارَتْ طَيِّئُ عَلى أهالِينا ومَواشِينا. والمُعَذِّرُ إمّا مِن عُذْرٍ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ مُوهِمًا أنَّ لَهُ عُذْرًا ولا عُذْرَ لَهُ، أوْ مَنِ اعْتَذَرَ إذا مَهَّدَ العُذْرَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، ويَجُوزُ كَسْرُ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وضَمُّها لِلْإتْباعِ لَكِنْ لَمْ يُقْرَأْ بِهِما. وَقَرَأ يَعْقُوبُ المُعْذِرُونَ مَن أعْذَرَ إذا اجْتَهَدَ في العُذْرِ. وقُرِئَ « المُعَّذِّرُونَ» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ عَلى أنَّهُ مِن تَعَذَّرَ بِمَعْنى اعْتَذَرَ وهو لَحْنٌ إذِ التّاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّهم كانُوا مُعْتَذِرِينَ بِالتَّصَنُّعِ أوْ بِالصِّحَّةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في غَيْرِهِمْ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في ادِّعاءِ الإيمانِ وإنْ كانُوا هُمُ الأوَّلِينَ فَكَذَّبَهم بِالِاعْتِذارِ. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ مَنِ الأعْرابِ أوْ مِنَ المُعَذِّرِينَ فَإنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ لا لِكَفْرِهِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ.

التوبة 9:91

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ كالهَرْمى والزَّمْنى. ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ لِفَقْرِهِمْ كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وبَنِي عُذْرَةَ. ﴿حَرَجٌ﴾ إثْمٌ في التَّأخُّرِ. ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما يَفْعَلُ المُوالِي النّاصِحُ، أوْ بِما قَدَرُوا عَلَيْهِ فِعْلًا أوْ قَوْلًا يَعُودُ عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ بِالصَّلاحِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ وإنَّما وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُنْخَرِطُونَ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ غَيْرَ مُعاتَبِينَ لِذَلِكَ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَهم أوْ لِلْمُسِيءِ فَكَيْفَ لِلْمُحْسِنِ. ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى الضُّعَفاءِ أوْ عَلى المُحْسِنِينَ، وهُمُ البَكّاؤُونَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ وصَخْرُ بْنُ خَنْساءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غُنْمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: قَدْ نَذَرْنا الخُرُوجَ فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُ مَعَكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ. وَقِيلَ هم بَنُو مُقْرِنٍ: مَعْقِلٌ وسُوِيدٌ والنُّعْمانُ. وقِيلَ أبُو مُوسى وأصْحابُهُ. ﴿قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في ﴿أتَوْكَ﴾ بِإضْمارِ قَدْ. ﴿تَوَلَّوْا﴾ جَوابُ إذا. ﴿وَأعْيُنُهم تَفِيضُ﴾ تَسِيلُ. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ دَمْعًا فَإنَّ مِن (p-94)لِلْبَيانِ وهي مَعَ المَجْرُورِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ صارَتْ دَمْعًا فَيّاضًا. ﴿حَزَنًا﴾ نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. ﴿ألا يَجِدُوا﴾ لِئَلّا يَجِدُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَزَنًا﴾ أوْ بِـ ﴿تَفِيضُ﴾ . ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في مَغْزاهم.

التوبة 9:92

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ كالهَرْمى والزَّمْنى. ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ لِفَقْرِهِمْ كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وبَنِي عُذْرَةَ. ﴿حَرَجٌ﴾ إثْمٌ في التَّأخُّرِ. ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما يَفْعَلُ المُوالِي النّاصِحُ، أوْ بِما قَدَرُوا عَلَيْهِ فِعْلًا أوْ قَوْلًا يَعُودُ عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ بِالصَّلاحِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ وإنَّما وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُنْخَرِطُونَ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ غَيْرَ مُعاتَبِينَ لِذَلِكَ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَهم أوْ لِلْمُسِيءِ فَكَيْفَ لِلْمُحْسِنِ. ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى الضُّعَفاءِ أوْ عَلى المُحْسِنِينَ، وهُمُ البَكّاؤُونَ سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ وصَخْرُ بْنُ خَنْساءَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غُنْمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: قَدْ نَذَرْنا الخُرُوجَ فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُ مَعَكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ. وَقِيلَ هم بَنُو مُقْرِنٍ: مَعْقِلٌ وسُوِيدٌ والنُّعْمانُ. وقِيلَ أبُو مُوسى وأصْحابُهُ. ﴿قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في ﴿أتَوْكَ﴾ بِإضْمارِ قَدْ. ﴿تَوَلَّوْا﴾ جَوابُ إذا. ﴿وَأعْيُنُهم تَفِيضُ﴾ تَسِيلُ. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ دَمْعًا فَإنَّ مِن (p-94)لِلْبَيانِ وهي مَعَ المَجْرُورِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ صارَتْ دَمْعًا فَيّاضًا. ﴿حَزَنًا﴾ نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أوِ الحالِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. ﴿ألا يَجِدُوا﴾ لِئَلّا يَجِدُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَزَنًا﴾ أوْ بِـ ﴿تَفِيضُ﴾ . ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في مَغْزاهم.

التوبة 9:93

﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ بِالمُعاتَبَةِ. ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ﴾ واجِدُونَ الأُهْبَةَ. ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو السَّبَبُ لِاسْتِئْذانِهِمْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ وهو رِضاهم بِالدَّناءَةِ والِانْتِظامِ في جُمْلَةِ الخَوالِفِ إيثارًا لِلدَّعَةِ. ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَتّى غَفَلُوا عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ. ﴿فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ مَغَبَّتَهُ. ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ في التَّخَلُّفِ. ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ. ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ لِأنَّهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكم لِأنَّهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بَعْضَ أخْبارِكم وهو ما في ضَمائِرِكم مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ. ﴿وَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ أتَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أمْ تَثْبُتُونَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ اسْتِتابَةٌ وإمْهالٌ لِلتَّوْبَةِ. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ إلَيْهِ فَوُضِعَ الوَصْفُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ لا يَفُوتُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالتَّوْبِيخِ والعِقابِ عَلَيْهِ.

التوبة 9:94

﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ بِالمُعاتَبَةِ. ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ﴾ واجِدُونَ الأُهْبَةَ. ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو السَّبَبُ لِاسْتِئْذانِهِمْ مِن غَيْرِ عُذْرٍ وهو رِضاهم بِالدَّناءَةِ والِانْتِظامِ في جُمْلَةِ الخَوالِفِ إيثارًا لِلدَّعَةِ. ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَتّى غَفَلُوا عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ. ﴿فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ مَغَبَّتَهُ. ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ في التَّخَلُّفِ. ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ. ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ لِأنَّهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكم لِأنَّهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بَعْضَ أخْبارِكم وهو ما في ضَمائِرِكم مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ. ﴿وَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ أتَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أمْ تَثْبُتُونَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ اسْتِتابَةٌ وإمْهالٌ لِلتَّوْبَةِ. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ إلَيْهِ فَوُضِعَ الوَصْفُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ لا يَفُوتُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالتَّوْبِيخِ والعِقابِ عَلَيْهِ.

التوبة 9:95

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فَلا تُعاتِبُوهم ) ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تُوَبِّخُوهم. ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّأْنِيبُ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّطْهِيرُ بِالحَمْلِ عَلى الإنابَةِ وهَؤُلاءِ أرْجاسٌ لا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَهو عِلَّةٌ لِإعْراضِ وتَرْكِ المُعاتَبَةِ. ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ وكَأنَّهُ قالَ: إنَّهم أرْجاسٌ مِن أهْلِ النّارِ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّوْبِيخُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ تَعْلِيلٌ ثانٍ والمَعْنى: أنَّ النّارَ كَفَتْهم عِتابًا فَلا تَتَكَلَّفُوا عِتابَهم. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ عِلَّةً. ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ بِحَلِفِهِمْ فَتَسْتَدِيمُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِهِمْ. ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيْ فَإنَّ رِضاكم لا يَسْتَلْزِمُ رِضا اللَّهِ ورِضاكم وحْدَكم لا يَنْفَعُهم إذا كانُوا في سُخْطِ اللَّهِ وبِصَدَدِ عِقابِهِ، وإنْ أمْكَنَهم أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْكم لا يُمْكِنُهم أنْ يُلْبِسُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَهْتِكُ سِتْرَهم ولا يُنْزِلُ الهَوانَ بِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الرِّضا عَنْهم والِاغْتِرارِ بِمَعاذِيرِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِالإعْراضِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ نَحْوَهم.

التوبة 9:96

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فَلا تُعاتِبُوهم ) ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تُوَبِّخُوهم. ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّأْنِيبُ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّطْهِيرُ بِالحَمْلِ عَلى الإنابَةِ وهَؤُلاءِ أرْجاسٌ لا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَهو عِلَّةٌ لِإعْراضِ وتَرْكِ المُعاتَبَةِ. ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ وكَأنَّهُ قالَ: إنَّهم أرْجاسٌ مِن أهْلِ النّارِ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّوْبِيخُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ تَعْلِيلٌ ثانٍ والمَعْنى: أنَّ النّارَ كَفَتْهم عِتابًا فَلا تَتَكَلَّفُوا عِتابَهم. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ عِلَّةً. ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ بِحَلِفِهِمْ فَتَسْتَدِيمُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِهِمْ. ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيْ فَإنَّ رِضاكم لا يَسْتَلْزِمُ رِضا اللَّهِ ورِضاكم وحْدَكم لا يَنْفَعُهم إذا كانُوا في سُخْطِ اللَّهِ وبِصَدَدِ عِقابِهِ، وإنْ أمْكَنَهم أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْكم لا يُمْكِنُهم أنْ يُلْبِسُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَهْتِكُ سِتْرَهم ولا يُنْزِلُ الهَوانَ بِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الرِّضا عَنْهم والِاغْتِرارِ بِمَعاذِيرِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِالإعْراضِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ نَحْوَهم.

التوبة 9:97

(p-95)﴿الأعْرابُ﴾ أهْلُ البَدْوِ. ﴿أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ لِتَوَحُّشِهِمْ وقَساوَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ لِأهْلِ العِلْمِ وقِلَّةِ اسْتِماعِهِمْ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ. ﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا﴾ وأحَقُّ بِأنْ لا يَعْلَمُوا. ﴿حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ فَرائِضِها وسَنَتِها. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِعِلْمِ حالِ كُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئُهم ومُحْسِنُهم عِقابًا وثَوابًا. ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ﴾ يَعُدُّ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ. ﴿مَغْرَمًا﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا إذْ لا يَحْتَسِبُهُ قُرْبَةً عِنْدَ اللَّهِ ولا يَرْجُو عَلَيْهِ ثَوابًا وإنَّما يُنْفِقُ رِياءً أوْ تَقِيَّةً. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ دَوائِرَ الزَّمانِ ونُوَبَهُ لِيَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْكم فَيَتَخَلَّصَ مِنَ الإنْفاقِ. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ اعْتِراضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ أوِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ عَلَيْهِمْ، والدّائِرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وسُمِّيَ بِهِ عَقَبَةُ الزَّمانِ، والسَّوْءِ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السَّوْءِ) هُنا. وفي الفَتْحِ بِضَمِّ السِّينِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ عِنْدَ الإنْفاقِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَ.

التوبة 9:98

(p-95)﴿الأعْرابُ﴾ أهْلُ البَدْوِ. ﴿أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ لِتَوَحُّشِهِمْ وقَساوَتِهِمْ وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ لِأهْلِ العِلْمِ وقِلَّةِ اسْتِماعِهِمْ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ. ﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا﴾ وأحَقُّ بِأنْ لا يَعْلَمُوا. ﴿حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ فَرائِضِها وسَنَتِها. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِعِلْمِ حالِ كُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئُهم ومُحْسِنُهم عِقابًا وثَوابًا. ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ﴾ يَعُدُّ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ. ﴿مَغْرَمًا﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا إذْ لا يَحْتَسِبُهُ قُرْبَةً عِنْدَ اللَّهِ ولا يَرْجُو عَلَيْهِ ثَوابًا وإنَّما يُنْفِقُ رِياءً أوْ تَقِيَّةً. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ دَوائِرَ الزَّمانِ ونُوَبَهُ لِيَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْكم فَيَتَخَلَّصَ مِنَ الإنْفاقِ. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ اعْتِراضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ أوِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ عَلَيْهِمْ، والدّائِرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وسُمِّيَ بِهِ عَقَبَةُ الزَّمانِ، والسَّوْءِ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السَّوْءِ) هُنا. وفي الفَتْحِ بِضَمِّ السِّينِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَ عِنْدَ الإنْفاقِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَ.

التوبة 9:99

﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ سَبَبَ ﴿قُرُباتٍ﴾ وهي ثانِي مَفْعُولَيْ يَتَّخِذُ، وعِنْدَ اللَّهِ صِفَتُها أوْ ظَرْفٌ لِـ (يَتَّخِذُ) . ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ وسَبَبَ صَلَواتِهِ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ ويَسْتَغْفِرُ لَهم، ولِذَلِكَ سَنَّ لِلْمُصَّدَّقِ عَلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُصَّدِّقِ عِنْدَ أخْذِ صَدَقَتِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَما قالَ ﷺ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»، لِأنَّهُ مَنصِبُهُ فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ. ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ مَعَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإنَّ المُحَقِّقَةَ لِلنِّسْبَةِ والضَّمِيرِ لِنَفَقَتِهِمْ وقَرَأ ورْشٌ ﴿قُرْبَةٌ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وعْدٌ لَهم بِإحاطَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ والسِّينُ لِتَحْقِيقِهِ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِتَقْرِيرِهِ. وقِيلَ الأُولى في أسَدٍ وغَطَفانَ وبَنِي تَمِيمٍ والثّانِيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ ذِي البِجادَيْنِ وقَوْمِهِ.

التوبة 9:100

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القُبْلَتَيْنِ أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا أوِ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ. ﴿والأنْصارِ﴾ أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى. وكانُوا سَبْعَةً وأهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانُوا سَبْعِينَ والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زَرارَةَ صَعْبُ بْنُ عُمَيْرٍ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿والسّابِقُونَ﴾ . ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ اللّاحِقُونَ بِالسّابِقِينَ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ، أوْ مَنِ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بِقَبُولِ طاعَتِهِمْ وارْتِضاءِ أعْمالِهِمْ. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بِما نالُوا مِن نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وَأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « مِن تَحْتِها الأنْهارُ» كَما في سائِرِ المَواضِعِ. ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

التوبة 9:101

(p-96)﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أيْ ومِمَّنْ حَوْلَ بَلْدَتِكم يَعْنِي المَدِينَةَ. ﴿مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةٌ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارٌ كانُوا نازِلِينَ حَوْلَها. ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عُطِفَ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ. ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ ونَظِيرُهُ في حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ قَوْلُهُ: أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا وعَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِالمَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ تَمَرُّنِهِمْ وتَمَهُّرِهِمْ في النِّفاقِ. ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ لا تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ وهو تَقْرِيرٌ لِمَهارَتِهِمْ فِيهِ وتَنَوُّقِهِمْ في تَحامِي مَواقِعِ التُّهَمِ إلى حَدٍّ أخْفى عَلَيْكَ حالَهم مَعَ كَمالِ فِطْنَتِكَ وصِدْقِ فِراسَتِكَ. ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ونَطَّلِعُ عَلى أسْرارِهِمْ إنْ قَدِرُوا أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُلْبِسُوا عَلَيْنا. ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ بِالفَضِيحَةِ والقَتْلِ أوْ بِأحَدِهِما وعَذابِ القَبْرِ، أوْ بِأخْذِ الزَّكاةِ ونَهْكِ الأبْدانِ. ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ إلى عَذابِ النّارِ.

التوبة 9:102

﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ولَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ، وهم طائِفَةٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ أوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ عَلى عادَتِهِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَرَآهم فَسَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى تَحُلَّهم فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنْ لا أحُلَّهم حَتّى أُومَرَ فِيهِمْ فَنَزَلَتْ فَأطْلَقُهم. ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ خَلَطُوا العَمَلَ الصّالِحَ الَّذِي هو إظْهارُ النَّدَمِ والِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ بِآخَرَ سَيِّئٍ هو التَّخَلُّفُ ومُوافَقَةُ أهْلِ النِّفاقِ، والواوُ إمّا بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا. أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ بِالآخَرِ. ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم وهي مَدْلُولٌ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.

التوبة 9:103

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا» فَنَزَلَتْ. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ حُبِّ المالِ المُؤَدِّي بِهِمْ إلى مِثْلِهِ. وقُرِئَ « تَطَهَّرَهم» مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و « تُطَهِّرْهم» بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ. ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وتُنَمِّي بِها حَسَناتِهِمْ وتَرْفَعُهم إلى مَنازِلِ المُخْلِصِينَ. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم. ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَسْكُنُ إلَيْها نُفُوسُهم وتَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم، وجَمَعَها لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِاعْتِرافِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنَدامَتِهِمْ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ والمُرادُ أنْ يُمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ والِاعْتِدادَ بِصَدَقاتِهِمْ، أوْ لِغَيْرِهِمْ والمُرادُ بِهِ التَّحْضِيضُ عَلَيْهِما. ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ إذا صَحَّتْ وتَعْدِيَتُهُ بِـ ﴿عَنْ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يَقْبَلُها قَبُولَ مَن يَأْخُذُ شَيْئًا لِيُؤَدِّيَ بَدَلَهُ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وأنَّ مِن شَأْنِهِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ والتَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:104

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا» فَنَزَلَتْ. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ حُبِّ المالِ المُؤَدِّي بِهِمْ إلى مِثْلِهِ. وقُرِئَ « تَطَهَّرَهم» مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و « تُطَهِّرْهم» بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ. ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وتُنَمِّي بِها حَسَناتِهِمْ وتَرْفَعُهم إلى مَنازِلِ المُخْلِصِينَ. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم. ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَسْكُنُ إلَيْها نُفُوسُهم وتَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم، وجَمَعَها لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِاعْتِرافِهِمْ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنَدامَتِهِمْ. ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ والمُرادُ أنْ يُمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ والِاعْتِدادَ بِصَدَقاتِهِمْ، أوْ لِغَيْرِهِمْ والمُرادُ بِهِ التَّحْضِيضُ عَلَيْهِما. ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ إذا صَحَّتْ وتَعْدِيَتُهُ بِـ ﴿عَنْ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يَقْبَلُها قَبُولَ مَن يَأْخُذُ شَيْئًا لِيُؤَدِّيَ بَدَلَهُ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وأنَّ مِن شَأْنِهِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ والتَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:105

(p-97)﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شِئْتُمْ. ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. ﴿وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَنْهم كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكم. ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ بِالمَوْتِ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ. ﴿وَآخَرُونَ﴾ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ. ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مُؤَخَّرُونَ أيْ مَوْقُوفٌ أمْرُهم مِن أرْجَأْتَهُ إذا أخَّرْتَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ وهُما لُغَتانِ. ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ. ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ. ﴿وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا والتَّرْدِيدُ لِلْعِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ. وقُرِئَ « واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ أصْحابَهُ أنْ لا يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ولا يُكَلِّمُوهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ أخْلَصُوا نِيّاتِهِمْ وفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

التوبة 9:106

(p-97)﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شِئْتُمْ. ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. ﴿وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَنْهم كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكم. ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ بِالمَوْتِ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ. ﴿وَآخَرُونَ﴾ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ. ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مُؤَخَّرُونَ أيْ مَوْقُوفٌ أمْرُهم مِن أرْجَأْتَهُ إذا أخَّرْتَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ وهُما لُغَتانِ. ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ. ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ. ﴿وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا والتَّرْدِيدُ لِلْعِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ. وقُرِئَ « واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ أصْحابَهُ أنْ لا يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ولا يُكَلِّمُوهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ أخْلَصُوا نِيّاتِهِمْ وفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

التوبة 9:107

﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ وفِيمَن وصَفْنا الَّذِينَ اتَّخَذُوا أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ الواوِ ﴿ضِرارًا﴾ مُضارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ. وَرُوِيَ: « (أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا بَنَوْا مَسْجِدَ قِباءَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم فَأتاهم فَصَلّى فِيهِ فَحَسَدَتْهم إخْوانُهم بَنُو غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، فَبَنَوْا مَسْجِدًا عَلى قَصْدِ أنْ يَؤُمَّهم فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ فَلَمّا أتَمُّوهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي الحاجَةِ والعِلَّةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ فَصَلِّ فِيهِ حَتّى نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى فَأخَذَ ثَوْبَهُ لِيَقُومَ مَعَهم فَنَزَلَتْ، فَدَعا بِمالِكِ بْنِ الدِّخْشَمِ ومَعْنِ بْنِ عُدَيٍّ وعامِرِ بْنِ السَّكَنِ والوَحْشِيِّ فَقالَ لَهم: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ فَفُعِلَ واتُّخِذَ مَكانَهُ كُناسَةٌ.» ﴿وَكُفْرًا﴾ وتَقْوِيَةً لِلْكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ. ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُرِيدُ الَّذِي كانُوا يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلاةِ في مَسْجِدِ قِباءَ. ﴿وَإرْصادًا﴾ تَرَقُّبًا. ﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي الرّاهِبَ فَإنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم، فَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ حَتّى انْهَزَمَ مَعَ هَوازِنَ وهَرَبَ إلى الشّامِ لِيَأْتِيَ مِن قَيْصَرَ بِجُنُودٍ يُحارِبُ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وماتَ بِقَنْسَرِينَ وحِيدًا، وقِيلَ كانَ يَجْمَعُ الجُيُوشَ يَوْمَ الأحْزابِ فَلَمّا انْهَزَمُوا خَرَجَ إلى الشّامِ. (وَمِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حارَبَ﴾ أوْ بِـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ بِالتَّخَلُّفِ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ بُنِيَ قُبَيْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُ فَقالَ: أنا عَلى جَناحِ سَفَرٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ فَلَمّا قَفَلَ كَرَّرَ عَلَيْهِ. فَنَزَلَتْ» ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾ ما أرَدْنا بِبِنائِهِ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى أوِ الإرادَةَ الحُسْنى وهي الصَّلاةُ والذِّكْرُ والتَّوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمْ.

التوبة 9:108

﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ لِلصَّلاةِ. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قِباءَ أسَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى فِيهِ أيّامَ مَقامِهِ بِقِباءَ مِنَ الِاثْنَيْنِ إلى الجُمُعَةِ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلْقِصَّةِ، أوْ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَقالَ هو مَسْجِدُكم هَذا مَسْجِدُ المَدِينَةِ» . ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِ وُجُودِهِ ومِن يَعُمُّ الزَّمانَ والمَكانَ كَقَوْلِهِ: ؎ لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحَجَرِ. . . أقَوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن دَهْرٍ (p-98)﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أوْلى بِأنْ تُصَلِّيَ فِيهِ. ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِنَ المَعاصِي والخِصالِ المَذْمُومَةِ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ مِنَ الجَنابَةِ فَلا يَنامُونَ عَلَيْها. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ يَرْضى عَنْهم ويُدْنِيهِمْ مِن جَنابِهِ تَعالى إدْناءَ المُحِبِّ حَبِيبَهُ. قِيلَ «لَمّا نَزَلَتْ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قِباءَ فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ» ؟ فَسَكَتُوا. فَأعادَها فَقالَ عُمَرُ: إنَّهم مُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أتَرْضَوْنَ بِالقَضاءِ» ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ» ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: « أتُشْكَرُونَ في الرَّخاءِ» ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَقالَ ﷺ: « أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» . فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: « يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الوُضُوءِ وعِنْدَ الغائِطِ» ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نُتْبِعُ الغائِطَ الأحْجارَ الثَّلاثَةَ ثُمَّ نُتْبِعُ الأحْجارَ الماءَ فَتَلا ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ .»

التوبة 9:109

﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ بُنْيانَ دِينِهِ. ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ هي التَّقْوى مِنَ اللَّهِ وطَلَبُ مَرْضاتِهِ بِالطّاعَةِ. ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأرْخاها. ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَأدّى بِهِ لِخَوْرِهِ وقِلَّةِ اسْتِمْساكِهِ إلى السُّقُوطِ في النّارِ، وإنَّما وضَعَ شَفا الجَرْفِ وهو ما جَرَفَهُ الوادِي الهائِرُ في مُقابَلَةِ التَّقْوى تَمْثِيلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِمْ في البُطْلانِ وسُرْعَةِ الِانْطِماسِ، ثُمَّ رَشَّحَهُ بِانْهِيارِهِ بِهِ في النّارِ ووَضَعَهُ في مُقابَلَةِ الرِّضْوانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْسِيسَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَحْفَظُهُ مِنَ النّارِ ويُوَصِّلُهُ إلى رِضْوانِ اللَّهِ ومُقْتَضَياتِهِ الَّتِي الجَنَّةُ أدْناها، وتَأْسِيسُ هَذا عَلى ما هم بِسَبَبِهِ عَلى صَدَدِ الوُقُوعِ في النّارِ ساعَةً فَساعَةً ثُمَّ إنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ لا مَحالَةَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أُسِّسَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ « أساسَ بُنْيانِهِ» و « أسَسَ بُنْيانِهِ» عَلى الإضافَةِ و « أسَّسَ» و « آساسَ» بِالفَتْحِ والمَدِّ و « إساسَ» بِالكَسْرِ وثَلاثَتُها جَمْعُ أسَّ، و « تَقْوى» بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَتَتْرى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ﴿جُرُفٍ﴾ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى ما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاتُهم.

التوبة 9:110

﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ بِناؤُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ ولَيْسَ بِجَمْعٍ ولِذَلِكَ قَدْ تَدْخُلُهُ التّاءُ ووُصِفَ بِالمُفْرِدِ وأُخْبِرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ شَكًّا ونِفاقًا، والمَعْنى أنَّ بِناءَهم هَذا لا يَزالُ سَبَبَ شَكِّهِمْ وتَزايُدَ نِفاقِهِمْ فَإنَّهُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ ثُمَّ لَمّا هَدَمَهُ الرَّسُولُ ﷺ رَسَخَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وازْدادَ بِحَيْثُ لا يَزُولُ وسْمُهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قِطَعًا بِحَيْثُ لا يَبْقى لَها قابِلِيَّةُ الإدْراكِ والإضْمارِ وهو في غايَةِ المُبالَغَةِ والِاسْتِثْناءِ. مِن أعَمِّ الأزْمِنَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّقَطُّعِ ما هو كائِنٌ بِالقَتْلِ أوْ في القَبْرِ أوْ في النّارِ. وقِيلَ التَّقَطُّعُ بِالتَّوْبَةِ نَدَمًا وأسَفًا. وقَرَأ يَعْقُوبُ « إلى» بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ وتَقَطَّعَ بِمَعْنى تَتَقَطَّعُ وهو قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ. وقُرِئَ « يَقْطَعُ» بِالياءِ و « تُقْطَعَ» بِالتَّخْفِيفِ و « تَقَطَّعَ قُلُوبُهم» عَلى خِطابِ الرَّسُولِ، أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ ولَوْ قُطِّعَتْ ولَوْ قُطِّعَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما أمَرَ بِهَدْمِ بُنْيانِهِمْ.

التوبة 9:111

(p-99)﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ تَمْثِيلٌ لِإثابَةِ اللَّهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ في سَبِيلِهِ. ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ الشِّراءُ. وقِيلَ يُقاتِلُونَ في مَعْنى الأمْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وأنَّ فِعْلَ البَعْضِ قَدْ يُسْنَدُ إلى الكُلِّ. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الشِّراءُ فَإنَّهُ في مَعْنى الوَعْدِ. ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ مَذْكُورًا فِيهِما كَما أُثْبِتَ في القُرْآنِ. ﴿وَمَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ في الإنْجازِ وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا. ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافْرَحُوا بِهِ غايَةَ الفَرَحِ فَإنَّهُ أوْجَبَ لَكم عَظائِمَ المَطالِبِ كَما قالَ: ﴿وَذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

التوبة 9:112

﴿التّائِبُونَ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ أيْ هُمُ التّائِبُونَ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المَذْكُورُونَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ التّائِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا لِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أوْ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيِ التّائِبُونَ عَنِ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ. وقُرِئَ بِالياءِ نَصْبًا عَلى المَدْحِ أوْ جَرًّا صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿العابِدُونَ﴾ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. ﴿الحامِدُونَ﴾ لِنَعْمائِهِ أوْ لِما نابَهم مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. ﴿السّائِحُونَ﴾ الصّائِمُونَ لِقَوْلِهِ ﷺ «سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ» شُبِّهَ بِها لِأنَّهُ يَعُوقُ عَنِ الشَّهَواتِ أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ نَفْسانِيَّةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى الِاطِّلاعِ عَلى حَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ، أوِ السّائِحُونَ لِلْجِهادِ أوْ لِطَلَبِ العِلْمِ. ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ في الصَّلاةِ. ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والعاطِفُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ قالَ: الجامِعُونَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهُ وعَيْنُهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ مُفَصَّلُ الفَضائِلِ وهَذا مُجْمَلُها. وقِيلَ إنَّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّعْدادَ قَدْ تَمَّ بِالسّابِعِ مِن حَيْثُ أنَّ السَّبْعَةَ هو العَدَدُ التّامُّ والثّامِنُ ابْتِداءُ تَعْدادٍ آخَرَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ واوُ الثَّمانِيَةِ. ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الفَضائِلِ، ووَضَعَ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيمانَهم دَعاهم إلى ذَلِكَ، وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ وحُذِفَ المُبَشَّرُ بِهِ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبَشِّرْهم بِما يَجِلُّ عَنْ إحاطَةِ الأفْهامِ وتَعْبِيرِ الكَلامِ.

التوبة 9:113

﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأبِي طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: « قُلْ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ» فَأبى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ» فَنَزَلَتْ» وقِيلَ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ خَرَجَ إلى الأبْواءِ فَزارَ قَبْرَ أُمِّهِ ثُمَّ قامَ مُسْتَعْبِرًا فَقالَ: «إنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ الآيَتَيْنِ» . ﴿وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمْ فَإنَّهُ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ وبِهِ دَفْعُ النَّقْضِ بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ فَقالَ: (p-100)﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وعَدَها إبْراهِيمُ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أيْ لَأطْلُبَنَّ مَغْفِرَتَكَ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ فَإنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « أباهُ»، أوْ « وعَدَها إبْراهِيمَ أبُوهُ» وهي الوَعْدُ بِالإيمانِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ قَطَعَ اسْتِغْفارَهُ. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ﴾ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ وهو كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ. ﴿حَلِيمٌ﴾ صَبُورٌ عَلى الأذى، والجُمْلَةُ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ.

التوبة 9:114

﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأبِي طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: « قُلْ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ» فَأبى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ» فَنَزَلَتْ» وقِيلَ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ خَرَجَ إلى الأبْواءِ فَزارَ قَبْرَ أُمِّهِ ثُمَّ قامَ مُسْتَعْبِرًا فَقالَ: «إنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ الآيَتَيْنِ» . ﴿وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمْ فَإنَّهُ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ وبِهِ دَفْعُ النَّقْضِ بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ فَقالَ: (p-100)﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وعَدَها إبْراهِيمُ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أيْ لَأطْلُبَنَّ مَغْفِرَتَكَ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ فَإنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « أباهُ»، أوْ « وعَدَها إبْراهِيمَ أبُوهُ» وهي الوَعْدُ بِالإيمانِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ قَطَعَ اسْتِغْفارَهُ. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ﴾ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ وهو كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ. ﴿حَلِيمٌ﴾ صَبُورٌ عَلى الأذى، والجُمْلَةُ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ.

التوبة 9:115

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أيْ لِيُسَمِّيَهم ضُلّالًا ويُؤاخِذَهم مُؤاخَذَتَهم بَعْدَ إذْ هَداهم لِلْإسْلامِ. ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم حَظْرَ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، وكَأنَّهُ بَيانُ عُذْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ لِعَمِّهِ أوْ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِأسْلافِهِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ المَنعِ. وقِيلَ إنَّهُ في قَوْمٍ مَضَوْا عَلى الأمْرِ الأوَّلِ في القِبْلَةِ والخَمْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغافِلَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرَهم في الحالَيْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لَمّا مَنَعَهم عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وإنْ كانُوا أُولِي قُرْبى وتَضَمَّنَ ذَلِكَ وُجُوبَ التَّبَرُّؤِ عَنْهم رَأْسًا، بَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ مالِكٌ كُلَّ مَوْجُودٍ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ والغالِبُ عَلَيْهِ ولا يَتَأتّى لَهم وِلايَةٌ ولا نُصْرَةٌ إلّا مِنهُ، لِيَتَوَجَّهُوا بِشَراشِرِهِمْ إلَيْهِ ويَتَبَرَّؤُوا مِمّا عَداهُ حَتّى لا يَبْقى لَهم مَقْصُودٌ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ سِواهُ.

التوبة 9:116

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أيْ لِيُسَمِّيَهم ضُلّالًا ويُؤاخِذَهم مُؤاخَذَتَهم بَعْدَ إذْ هَداهم لِلْإسْلامِ. ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم حَظْرَ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، وكَأنَّهُ بَيانُ عُذْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ لِعَمِّهِ أوْ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِأسْلافِهِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ المَنعِ. وقِيلَ إنَّهُ في قَوْمٍ مَضَوْا عَلى الأمْرِ الأوَّلِ في القِبْلَةِ والخَمْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغافِلَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ أمْرَهم في الحالَيْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لَمّا مَنَعَهم عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وإنْ كانُوا أُولِي قُرْبى وتَضَمَّنَ ذَلِكَ وُجُوبَ التَّبَرُّؤِ عَنْهم رَأْسًا، بَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ مالِكٌ كُلَّ مَوْجُودٍ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ والغالِبُ عَلَيْهِ ولا يَتَأتّى لَهم وِلايَةٌ ولا نُصْرَةٌ إلّا مِنهُ، لِيَتَوَجَّهُوا بِشَراشِرِهِمْ إلَيْهِ ويَتَبَرَّؤُوا مِمّا عَداهُ حَتّى لا يَبْقى لَهم مَقْصُودٌ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ سِواهُ.

التوبة 9:117

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ مِن إذْنِ المُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ أوْ بَرَّأهم عَنْ عَلَقَةِ الذُّنُوبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ وقِيلَ: هو بُعِثَ عَلى التَّوْبَةِ والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ حَتّى النَّبِيُّ ﷺ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَقامٌ يَسْتَنْقِصُ دُونَهُ ما هو فِيهِ والتَّرَقِّي إلَيْهِ تَوْبَةٌ مِن تِلْكَ النَّقِيصَةِ وإظْهارٌ لِفَضْلِها بِأنَّها مَقامُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ في وقْتِها هي حالُهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانُوا في عُسْرَةِ الظَّهْرِ تَعْتَقِبُ العَشَرَةُ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ والزّادِ حَتّى قِيلَ إنَّ الرَّجُلَيْنِ كانا يَقْتَسِمانِ تَمْرَةً والماءِ حَتّى شَرِبُوا الفَظَّ. (مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ) عَنِ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ أوِ اتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي ﴿كادَ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ أوْ ضَمِيرُ القَوْمِ والعائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في ﴿مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ﴿يَزِيغُ﴾ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ القُلُوبِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقُرِئَ « مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم» يَعْنِي المُتَخَلِّفِينَ. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ ما كابَدُوا مِنَ العُسْرَةِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ. ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .

التوبة 9:118

(p-101)﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ﴾ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ. ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ أوْ خَلَفَ أمْرُهم فَإنَّهُمُ المُرْجَئُونَ. ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ بِرَحَبِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ قُلُوبُهم مِن فَرْطِ الوَحْشَةِ والغَمِّ بِحَيْثُ لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ. ﴿وَظَنُّوا﴾ وعَلِمُوا. ﴿أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن سُخْطِهِ. ﴿إلا إلَيْهِ﴾ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيُعَدُّوا مِن جُمْلَةِ التّائِبِينَ، أوْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ لِمَن تابَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما لا يَرْضاهُ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ وعُهُودِهِمْ، أوْ في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا. وقُرِئَ « مِنَ الصّادِقِينَ» أيْ في تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ وأضْرابُهم.

التوبة 9:119

(p-101)﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ﴾ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ. ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ أوْ خَلَفَ أمْرُهم فَإنَّهُمُ المُرْجَئُونَ. ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ بِرَحَبِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ قُلُوبُهم مِن فَرْطِ الوَحْشَةِ والغَمِّ بِحَيْثُ لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ. ﴿وَظَنُّوا﴾ وعَلِمُوا. ﴿أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن سُخْطِهِ. ﴿إلا إلَيْهِ﴾ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيُعَدُّوا مِن جُمْلَةِ التّائِبِينَ، أوْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ لِمَن تابَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما لا يَرْضاهُ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ وعُهُودِهِمْ، أوْ في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا. وقُرِئَ « مِنَ الصّادِقِينَ» أيْ في تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ وأضْرابُهم.

التوبة 9:120

﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نَهْيٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولا يَصُونُوا أنْفُسَهم عَمّا لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ عَنْهُ ويُكابِدُوا مَعَهُ ما يُكابِدُهُ مِنَ الأهْوالِ. رُوِيَ: «أنَّ أبا خَيْثَمَةَ بَلَغَ بُسْتانَهُ، وكانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ والماءَ البارِدَ، فَنَظَرَ فَقالَ: ظَلٌّ ظَلِيلٌ، ورُطَبٌ يانِعٌ وماءٌ بارِدٌ وامْرَأةٌ حَسْناءُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضِّحِّ والرِّيحِ ما هَذا بِخَيْرٍ، فَقامَ فَرَحَلَ ناقَتَهُ وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومَرَّ كالرِّيحِ، فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ فَقالَ: كُنْ أبا خَيْثَمَةَ فَكانَهُ فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتَغْفَرَ لَهُ» وفي (لا يَرْغَبُوا) يَجُوزُ النَّصْبُ والجَزْمُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما كانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّخَلُّفِ أوْ وُجُوبِ المُشايَعَةِ. ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ شَيْءٌ مِنَ العَطَشِ. ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ. ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ مَجاعَةٌ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ﴾ ولا يَدُوسُونَ. ﴿مَوْطِئًا﴾ مَكانًا. ﴿يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ يُغْضِبُهم وطْؤُهُ. ﴿وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ كالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ. ﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ إلّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ الثَّوابَ وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ المُشايَعَةَ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ، وهو تَعْلِيلٌ لِـ ﴿كُتِبَ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجِهادَ إحْسانٌ، أمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَلِأنَّهُ سَعى في تَكْمِيلِهِمْ بِأقْصى ما يُمْكِنُ كَضَرْبِ المُداوِي لِلْمَجْنُونِ، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَلِأنَّهُ صِيانَةٌ لَهم عَنْ سَطْوَةِ الكُفّارِ واسْتِيلائِهِمْ.

التوبة 9:121

﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولَوْ عَلّاقَةً. ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ مِثْلَ ما أنْفَقَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في جَيْشِ العُسْرَةِ. ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ في مَسِيرِهِمْ وهو كُلُّ مُنْعَرَجٍ يَنْفُذُ فِيهِ السَّيْلُ اسْمُ فاعِلٍ مِن وِدِيَ إذا سالَ فَشاعَ بِمَعْنى الأرْضِ. ﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أُثْبِتُ لَهم ذَلِكَ. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِذَلِكَ. ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ أوْ أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.(p-102)

التوبة 9:122

﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا لِنَحْوِ غَزْوٍ أوْ طَلَبِ عِلْمٍ كَما لا يَسْتَقِيمُ لَهم أنْ يَتَثَبَّطُوا جَمِيعًا فَإنَّهُ يُخِلُّ بِأمْرِ المَعاشِ. ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ فَهَلّا نَفَرَ مِن كُلِّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ كَقَبِيلَةٍ وأهْلِ بَلْدَةٍ جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ لِيَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ ويَتَجَشَّمُوا مَشاقَّ تَحْصِيلِها. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ ولِيَجْعَلُوا غايَةَ سَعْيِهِمْ ومُعْظَمَ غَرَضِهِمْ مِنَ الفَقاهَةِ إرْشادَ القَوْمِ وإنْذارَهم، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أهَمُّ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّفَقُّهَ والتَّذْكِيرَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضَ المُتَعَلِّمِ فِيهِ أنْ يَسْتَقِيمَ ويُقِيمَ لا التَّرَفُّعُ عَلى النّاسِ والتَّبَسُّطُ في البِلادِ. ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ إرادَةَ أنْ يَحْذَرُوا عَمّا يُنْذَرُونَ مِنهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أخْبارَ الآحادِ حُجَّةٌ لِأنَّ عُمُومَ كُلِّ فِرْقَةٍ يَقْتَضِي أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ ثَلاثَةٍ تَفَرَّدُوا بِقَرْيَةٍ طائِفَةٌ إلى التَّفَقُّهِ لِتُنْذِرَ فِرْقَتَها كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَحْذَرُوا، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الأخْبارُ ما لَمْ يَتَواتَرْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، وقَدْ أشْبَعْتُ القَوْلَ فِيهِ تَقْرِيرًا واعْتِراضًا في كِتابِي « المِرَصادُ» . وقَدْ قِيلَ لِلْآيَةِ مَعْنى آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ ما نَزَلَ سَبَقَ المُؤْمِنُونَ إلى النَّفِيرِ وانْقَطَعُوا عَنِ التَّفَقُّهِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ إلى الجِهادِ ويَبْقى أعْقابُهم يَتَفَقَّهُونَ حَتّى لا يَنْقَطِعَ التَّفَقُّهُ الَّذِي هو الجِهادُ الأكْبَرُ، لِأنَّ الجِدالَ بِالحُجَّةِ هو الأصْلُ والمَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في لِيَتَفَقَّهُوا ولِيُنْذِرُوا لِبَواقِي الفِرَقِ بَعْدَ الطَّوائِفِ النّافِرَةِ لِلْغَزْوِ، وفي رَجَعُوا لِلطَّوائِفِ أيْ ولِيُنْذِرُوا البَواقِي قَوْمَهُمُ النّافِرِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ بِما حَصَّلُوا أيّامَ غَيْبَتِهِمْ مِنَ العُلُومِ.

التوبة 9:123

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ أُمِرُوا بِقِتالِ الأقْرَبِ مِنهم فالأقْرَبَ كَما أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ، فَإنَّ الأقْرَبَ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والِاسْتِصْلاحِ. وقِيلَ هم يَهُودٌ حَوالِي المَدِينَةِ كَقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ. وقِيلَ الرُّومُ فَإنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ الشَّأْمَ وهو قَرِيبٌ مِنَ المَدِينَةِ. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ شِدَّةً وصَبْرًا عَلى القِتالِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها وهُما لُغَتانِ فِيها. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالحِراسَةِ والإعانَةِ.

التوبة 9:124

﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهُمْ﴾ فَمِنَ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَقُولُ﴾ إنْكارًا واسْتِهْزاءً. ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورَةُ. ﴿إيمانًا﴾ وقُرِئَ « أيَّكم» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿زادَتْهُ﴾ . ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ بِزِيادَةِ العِلْمِ الحاصِلِ مِن تَدَبُّرِ السُّورَةِ وانْضِمامِ الإيمانِ بِها وبِما فِيها إلى إيمانِهِمْ. ﴿وَهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِنُزُولِها لِأنَّهُ سَبَبٌ لِزِيادَةِ كَمالِهِمْ وارْتِفاعِ دَرَجاتِهِمْ. ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كُفْرٌ. ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ كُفْرًا بِها مَضْمُومًا إلى الكُفْرِ بِغَيْرِها. ﴿وَماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ حَتّى ماتُوا عَلَيْهِ.

التوبة 9:125

﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهُمْ﴾ فَمِنَ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَقُولُ﴾ إنْكارًا واسْتِهْزاءً. ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورَةُ. ﴿إيمانًا﴾ وقُرِئَ « أيَّكم» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿زادَتْهُ﴾ . ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ بِزِيادَةِ العِلْمِ الحاصِلِ مِن تَدَبُّرِ السُّورَةِ وانْضِمامِ الإيمانِ بِها وبِما فِيها إلى إيمانِهِمْ. ﴿وَهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِنُزُولِها لِأنَّهُ سَبَبٌ لِزِيادَةِ كَمالِهِمْ وارْتِفاعِ دَرَجاتِهِمْ. ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كُفْرٌ. ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ كُفْرًا بِها مَضْمُومًا إلى الكُفْرِ بِغَيْرِها. ﴿وَماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ حَتّى ماتُوا عَلَيْهِ.

التوبة 9:126

(p-103)﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ وقُرِئَ بِالتّاءِ. ﴿أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلَوْنَ بِأصْنافِ البَلِيّاتِ، أوْ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعايِنُونَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ. ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ لا يَنْتَهُونَ ولا يَتُوبُونَ مِن نِفاقِهِمْ. ﴿وَلا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ ولا يَعْتَبِرُونَ. ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لَها وسُخْرِيَةً، أوْ غَيْظًا لِما فِيها مِن عُيُوبِهِمْ. ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ أيْ يَقُولُونَ هَلْ يَراكم أحَدٌ إنْ قُمْتُمْ مِن حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ قامُوا وإنْ يَرَهم أحَدٌ أقامُوا. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عَنْ حَضْرَتِهِ مَخافَةَ الفَضِيحَةِ. ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ وهو يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والدُّعاءَ. ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لِسُوءِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.

التوبة 9:127

(p-103)﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ وقُرِئَ بِالتّاءِ. ﴿أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلَوْنَ بِأصْنافِ البَلِيّاتِ، أوْ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعايِنُونَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ. ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ لا يَنْتَهُونَ ولا يَتُوبُونَ مِن نِفاقِهِمْ. ﴿وَلا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ ولا يَعْتَبِرُونَ. ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لَها وسُخْرِيَةً، أوْ غَيْظًا لِما فِيها مِن عُيُوبِهِمْ. ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ أيْ يَقُولُونَ هَلْ يَراكم أحَدٌ إنْ قُمْتُمْ مِن حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ قامُوا وإنْ يَرَهم أحَدٌ أقامُوا. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عَنْ حَضْرَتِهِ مَخافَةَ الفَضِيحَةِ. ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ وهو يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والدُّعاءَ. ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لِسُوءِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.

التوبة 9:128

﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم عَرَبِيٌّ مِثْلُكم. وقُرِئَ « مِن أنْفَسِكم» أيْ مِن أشْرَفِكم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ شَدِيدٌ شاقٌّ. ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ عَنَتُكم ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ عَلى إيمانِكم وصَلاحِ شَأْنِكم. ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم. ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قَدَّمَ الأبْلَغَ مِنهُما وهو الرَّؤُوفُ لِأنَّ الرَّأْفَةَ شِدَّةُ الرَّحْمَةِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإيمانِ بِكَ. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ مَعَرَّتَهم ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ. ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ المَلِكُ العَظِيمُ، أوِ الجِسْمُ العَظِيمُ المُحِيطُ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الأحْكامُ والمَقادِيرُ. وقُرِئَ « العَظِيمُ» بِالرَّفْعِ. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ هاتانِ الآيَتانِ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما نَزَلَ القُرْآنُ عَلَيَّ إلّا آيَةً آيَةً وحَرْفًا حَرْفًا ما خَلا سُورَةَ بَراءَةٍ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، فَإنَّهُما أُنْزِلَتا عَلَيَّ ومَعَهُما سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ» واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:129

﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم عَرَبِيٌّ مِثْلُكم. وقُرِئَ « مِن أنْفَسِكم» أيْ مِن أشْرَفِكم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ شَدِيدٌ شاقٌّ. ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ عَنَتُكم ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ عَلى إيمانِكم وصَلاحِ شَأْنِكم. ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم. ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قَدَّمَ الأبْلَغَ مِنهُما وهو الرَّؤُوفُ لِأنَّ الرَّأْفَةَ شِدَّةُ الرَّحْمَةِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإيمانِ بِكَ. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ مَعَرَّتَهم ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ. ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ المَلِكُ العَظِيمُ، أوِ الجِسْمُ العَظِيمُ المُحِيطُ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الأحْكامُ والمَقادِيرُ. وقُرِئَ « العَظِيمُ» بِالرَّفْعِ. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ هاتانِ الآيَتانِ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما نَزَلَ القُرْآنُ عَلَيَّ إلّا آيَةً آيَةً وحَرْفًا حَرْفًا ما خَلا سُورَةَ بَراءَةٍ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، فَإنَّهُما أُنْزِلَتا عَلَيَّ ومَعَهُما سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ» واللَّهُ أعْلَمُ.