Lafzullah

Tafsir Al-Baydawi — يونس 10:1 – هود 11:123

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Baydawi

المحتويات
  1. يونس 10:1
  2. يونس 10:2
  3. يونس 10:3
  4. يونس 10:4
  5. يونس 10:5
  6. يونس 10:6
  7. يونس 10:7
  8. يونس 10:8
  9. يونس 10:9
  10. يونس 10:10
  11. يونس 10:11
  12. يونس 10:12
  13. يونس 10:13
  14. يونس 10:14
  15. يونس 10:15
  16. يونس 10:16
  17. يونس 10:17
  18. يونس 10:18
  19. يونس 10:19
  20. يونس 10:20
  21. يونس 10:21
  22. يونس 10:22
  23. يونس 10:23
  24. يونس 10:24
  25. يونس 10:25
  26. يونس 10:26
  27. يونس 10:27
  28. يونس 10:28
  29. يونس 10:29
  30. يونس 10:30
  31. يونس 10:31
  32. يونس 10:32
  33. يونس 10:33
  34. يونس 10:34
  35. يونس 10:35
  36. يونس 10:36
  37. يونس 10:37
  38. يونس 10:38
  39. يونس 10:39
  40. يونس 10:40
  41. يونس 10:41
  42. يونس 10:42
  43. يونس 10:43
  44. يونس 10:44
  45. يونس 10:45
  46. يونس 10:46
  47. يونس 10:47
  48. يونس 10:48
  49. يونس 10:49
  50. يونس 10:50
  51. يونس 10:51
  52. يونس 10:52
  53. يونس 10:53
  54. يونس 10:54
  55. يونس 10:55
  56. يونس 10:56
  57. يونس 10:57
  58. يونس 10:58
  59. يونس 10:59
  60. يونس 10:60
  61. يونس 10:61
  62. يونس 10:62
  63. يونس 10:63
  64. يونس 10:64
  65. يونس 10:65
  66. يونس 10:66
  67. يونس 10:67
  68. يونس 10:68
  69. يونس 10:69
  70. يونس 10:70
  71. يونس 10:71
  72. يونس 10:72
  73. يونس 10:73
  74. يونس 10:74
  75. يونس 10:75
  76. يونس 10:76
  77. يونس 10:77
  78. يونس 10:78
  79. يونس 10:79
  80. يونس 10:80
  81. يونس 10:81
  82. يونس 10:82
  83. يونس 10:83
  84. يونس 10:84
  85. يونس 10:85
  86. يونس 10:86
  87. يونس 10:87
  88. يونس 10:88
  89. يونس 10:89
  90. يونس 10:90
  91. يونس 10:91
  92. يونس 10:92
  93. يونس 10:93
  94. يونس 10:94
  95. يونس 10:95
  96. يونس 10:96
  97. يونس 10:97
  98. يونس 10:98
  99. يونس 10:99
  100. يونس 10:100
  101. يونس 10:101
  102. يونس 10:102
  103. يونس 10:103
  104. يونس 10:104
  105. يونس 10:105
  106. يونس 10:106
  107. يونس 10:107
  108. يونس 10:108
  109. يونس 10:109
  110. هود 11:1
  111. هود 11:2
  112. هود 11:3
  113. هود 11:4
  114. هود 11:5
  115. هود 11:6
  116. هود 11:7
  117. هود 11:8
  118. هود 11:9
  119. هود 11:10
  120. هود 11:11
  121. هود 11:12
  122. هود 11:13
  123. هود 11:14
  124. هود 11:15
  125. هود 11:16
  126. هود 11:17
  127. هود 11:18
  128. هود 11:19
  129. هود 11:20
  130. هود 11:21
  131. هود 11:22
  132. هود 11:23
  133. هود 11:24
  134. هود 11:25
  135. هود 11:26
  136. هود 11:27
  137. هود 11:28
  138. هود 11:29
  139. هود 11:30
  140. هود 11:31
  141. هود 11:32
  142. هود 11:33
  143. هود 11:34
  144. هود 11:35
  145. هود 11:36
  146. هود 11:37
  147. هود 11:38
  148. هود 11:39
  149. هود 11:40
  150. هود 11:41
  151. هود 11:42
  152. هود 11:43
  153. هود 11:44
  154. هود 11:45
  155. هود 11:46
  156. هود 11:47
  157. هود 11:48
  158. هود 11:49
  159. هود 11:50
  160. هود 11:51
  161. هود 11:52
  162. هود 11:53
  163. هود 11:54
  164. هود 11:55
  165. هود 11:56
  166. هود 11:57
  167. هود 11:58
  168. هود 11:59
  169. هود 11:60
  170. هود 11:61
  171. هود 11:62
  172. هود 11:63
  173. هود 11:64
  174. هود 11:65
  175. هود 11:66
  176. هود 11:67
  177. هود 11:68
  178. هود 11:69
  179. هود 11:70
  180. هود 11:71
  181. هود 11:72
  182. هود 11:73
  183. هود 11:74
  184. هود 11:75
  185. هود 11:76
  186. هود 11:77
  187. هود 11:78
  188. هود 11:79
  189. هود 11:80
  190. هود 11:81
  191. هود 11:82
  192. هود 11:83
  193. هود 11:84
  194. هود 11:85
  195. هود 11:86
  196. هود 11:87
  197. هود 11:88
  198. هود 11:89
  199. هود 11:90
  200. هود 11:91
  201. هود 11:92
  202. هود 11:93
  203. هود 11:94
  204. هود 11:95
  205. هود 11:96
  206. هود 11:97
  207. هود 11:98
  208. هود 11:99
  209. هود 11:100
  210. هود 11:101
  211. هود 11:102
  212. هود 11:103
  213. هود 11:104
  214. هود 11:105
  215. هود 11:106
  216. هود 11:107
  217. هود 11:108
  218. هود 11:109
  219. هود 11:110
  220. هود 11:111
  221. هود 11:112
  222. هود 11:113
  223. هود 11:114
  224. هود 11:115
  225. هود 11:116
  226. هود 11:117
  227. هود 11:118
  228. هود 11:119
  229. هود 11:120
  230. هود 11:121
  231. هود 11:122
  232. هود 11:123

يونس 10:1

(p-104)سُورَةُ يُونُسَ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ فَخَّمَها ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ وحَفْصٍ وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وأمالَها الباقُونَ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى المُنْقَلِبَةِ مِنَ الياءِ. ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ والمُرادُ مِنَ الكِتابِ أحَدُهُما، ووَصْفُهُ بِالحَكِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحُكْمِ أوْ لِأنَّهُ كَلامٌ حَكِيمٌ، أوْ مُحْكَمٌ آياتُهُ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنها. ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِلتَّعَجُّبِ و ﴿عَجَبًا﴾ خَبَرُ كانَ واسْمُهُ: ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ أوْ عَلى « أنَّ كانَ» تامَّةٌ و ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿عَجَبًا﴾، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جَعَلُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ إنْكارَهم واسْتِهْزاءَهم. ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ مِن أفَناءِ رِجالِهِمْ دُونَ عَظِيمٍ مِن عُظَمائِهِمْ. قِيلَ كانُوا يَقُولُونَ العَجَبَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، وهو مِن فَرْطِ حَماقَتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الأُمُورِ العاجِلَةِ وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. هَذا وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ عَنْ عُظَمائِهِمْ فِيما يَعْتَبِرُونَهُ إلّا في المالِ وخِفَّةُ الحالِ أعُونُ شَيْءٍ في هَذا البابِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ تَعَجَّبُوا مِن أنَّهُ بَعَثَ بَشَرًا رَسُولًا كَما سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» . ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ أوِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَكُونُ في مَوْقِعِ مَفْعُولِ أوْحَيْنا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَمَّمَ الإنْذارَ إذْ قَلَّما مِن أحَدٍ لَيْسَ فِيهِ ما يَنْبَغِي أنْ يُنْذَرَ مِنهُ، وخَصَّصَ البِشارَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لِلْكَفّارِ ما يَصِحُّ أنْ يُبَشَّرُوا بِهِ حَقِيقَةً ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ بِأنَّ لَهم ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةٌ ومَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ سُمِّيَتْ قَدَمًا لِأنَّ السَّبْقَ بِها كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ، وإضافَتُها إلى الصِّدْقِ لِتَحَقُّقِها والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم إنَّما يَنالُونَها بِصِدْقِ القَوْلِ والنِّيَّةِ. ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا﴾ يَعْنُونَ الكِتابَ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ « لَساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وفِيهِ اعْتِرافٌ بِأنَّهم صادَفُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أُمُورًا خارِقَةً لِلْعادَةِ مُعْجِزَةً إيّاهم عَنِ المُعارَضَةِ. وقُرِئَ « ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ» .

يونس 10:2

(p-104)سُورَةُ يُونُسَ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ فَخَّمَها ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ وحَفْصٍ وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وأمالَها الباقُونَ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى المُنْقَلِبَةِ مِنَ الياءِ. ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ والمُرادُ مِنَ الكِتابِ أحَدُهُما، ووَصْفُهُ بِالحَكِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحُكْمِ أوْ لِأنَّهُ كَلامٌ حَكِيمٌ، أوْ مُحْكَمٌ آياتُهُ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنها. ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِلتَّعَجُّبِ و ﴿عَجَبًا﴾ خَبَرُ كانَ واسْمُهُ: ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ أوْ عَلى « أنَّ كانَ» تامَّةٌ و ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿عَجَبًا﴾، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جَعَلُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ إنْكارَهم واسْتِهْزاءَهم. ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ مِن أفَناءِ رِجالِهِمْ دُونَ عَظِيمٍ مِن عُظَمائِهِمْ. قِيلَ كانُوا يَقُولُونَ العَجَبَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، وهو مِن فَرْطِ حَماقَتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الأُمُورِ العاجِلَةِ وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. هَذا وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ عَنْ عُظَمائِهِمْ فِيما يَعْتَبِرُونَهُ إلّا في المالِ وخِفَّةُ الحالِ أعُونُ شَيْءٍ في هَذا البابِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ تَعَجَّبُوا مِن أنَّهُ بَعَثَ بَشَرًا رَسُولًا كَما سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» . ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ أوِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَكُونُ في مَوْقِعِ مَفْعُولِ أوْحَيْنا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَمَّمَ الإنْذارَ إذْ قَلَّما مِن أحَدٍ لَيْسَ فِيهِ ما يَنْبَغِي أنْ يُنْذَرَ مِنهُ، وخَصَّصَ البِشارَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لِلْكَفّارِ ما يَصِحُّ أنْ يُبَشَّرُوا بِهِ حَقِيقَةً ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ بِأنَّ لَهم ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةٌ ومَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ سُمِّيَتْ قَدَمًا لِأنَّ السَّبْقَ بِها كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ، وإضافَتُها إلى الصِّدْقِ لِتَحَقُّقِها والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم إنَّما يَنالُونَها بِصِدْقِ القَوْلِ والنِّيَّةِ. ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا﴾ يَعْنُونَ الكِتابَ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ « لَساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وفِيهِ اعْتِرافٌ بِأنَّهم صادَفُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أُمُورًا خارِقَةً لِلْعادَةِ مُعْجِزَةً إيّاهم عَنِ المُعارَضَةِ. وقُرِئَ « ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ» .

يونس 10:3

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الَّتِي هي أُصُولُ المُمْكِناتِ. ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ يُقَدِّرُ أمْرَ الكائِناتِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وسَبَقَتْ بِهِ كَلِمَتُهُ ويُهَيِّئُ بِتَحْرِيكِهِ أسْبابَها ويَنْزِلُها مِنهُ، والتَّدْبِيرُ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ لِتَجِيءَ مَحْمُودَةَ العاقِبَةِ. ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وعِزِّ جَلالِهِ، ورَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وفِيهِ إثْباتُ الشَّفاعَةِ لِمَن أُذِنَ لَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ (p-105)المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ﴿رَبَّكُمُ﴾ لا غَيْرَ إذْ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ وحِّدُوهُ بِالعِبادَةِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَفَكَّرُونَ أدْنى تَفَكُّرٍ فَيُنَبِّهُكم عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والعِبادَةِ لا ما تَعْبُدُونَهُ.

يونس 10:4

﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ. ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ . ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ بَدْئِهِ وإهْلاكِهِ. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِعَدْلِهِ أوْ بِعَدالَتِهِمْ وقِيامِهِمْ عَلى العَدْلِ في أُمُورِهِمْ أوْ بِإيمانِهِمْ لِأنَّهُ العَدْلُ القَوِيمُ كَما أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ وهو الأوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِشَرابٍ مِن حَمِيمٍ ﴿وَعَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهُ غَيَّرَ النَّظْمَ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِقابِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِنَ الإبْداءِ والإعادَةِ هو الإثابَةُ والعِقابُ واقِعٌ بِالعَرَضِ، وأنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى إثابَةَ المُؤْمِنِينَ بِما يَلِيقُ بِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَيَّنْهُ، وأمّا عِقابُ الكَفَرَةِ فَكَأنَّهُ داءٌ ساقَهُ إلَيْهِمْ سُوءُ اعْتِقادِهِمْ وشُؤْمُ أفْعالِهِمْ. والآيَةُ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ فَإنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الإبْداءِ والإعادَةِ مُجازاةَ اللَّهِ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ كانَ مَرْجِعُ الجَمِيعِ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنَّهُ يَبْدَأُ) بِالفَتْحِ أيْ لِأنَّهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا بِما نَصَبَ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أوْ بِما نَصَبَ ﴿حَقًّا﴾ .

يونس 10:5

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أيْ ذاتَ ضِياءٍ وهو مَصْدَرٌ كَقِيامٍ أوْ جَمْعُ ضَوْءٍ كَسِياطٍ وسَوْطٍ والياءُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلَ هُنا وفي « الأنْبِياءِ» وفي « القَصَصِ»: « ضِئاءَ» بِهَمْزَتَيْنِ عَلى القَلْبِ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ. ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ أيْ ذا نُورٍ أوْ سُمِّيَ نُورًا لِلْمُبالَغَةِ وهو أعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ كَما عَرَفْتَ، وقِيلَ ما بِالذّاتِ ضَوْءٌ وما بِالعَرَضِ نُورٌ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ نَيِّرَةً في ذاتِها والقَمَرَ نَيِّرًا بِعَرَضِ مُقابَلَةِ الشَّمْسِ والِاكْتِسابِ مِنها. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ واحِدٍ أيْ قَدَّرَ مَسِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ أوْ لِلْقَمَرِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ومُعايَنَةِ مَنازِلِهِ وإناطَةِ أحْكامِ الشَّرْعِ بِهِ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ حِسابَ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ في مُعامَلاتِكم وتَصَرُّفاتِكم. ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ مُراعِيًا فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّأمُّلِ فِيها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ وحَفْصٌ (يُفَصِّلُ) بِالياءِ. ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن أنْواعِ الكائِناتِ. ﴿لآياتٍ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ العَواقِبَ فَإنَّهُ يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ.

يونس 10:6

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أيْ ذاتَ ضِياءٍ وهو مَصْدَرٌ كَقِيامٍ أوْ جَمْعُ ضَوْءٍ كَسِياطٍ وسَوْطٍ والياءُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلَ هُنا وفي « الأنْبِياءِ» وفي « القَصَصِ»: « ضِئاءَ» بِهَمْزَتَيْنِ عَلى القَلْبِ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ. ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ أيْ ذا نُورٍ أوْ سُمِّيَ نُورًا لِلْمُبالَغَةِ وهو أعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ كَما عَرَفْتَ، وقِيلَ ما بِالذّاتِ ضَوْءٌ وما بِالعَرَضِ نُورٌ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ نَيِّرَةً في ذاتِها والقَمَرَ نَيِّرًا بِعَرَضِ مُقابَلَةِ الشَّمْسِ والِاكْتِسابِ مِنها. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ واحِدٍ أيْ قَدَّرَ مَسِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ أوْ لِلْقَمَرِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ومُعايَنَةِ مَنازِلِهِ وإناطَةِ أحْكامِ الشَّرْعِ بِهِ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ حِسابَ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ في مُعامَلاتِكم وتَصَرُّفاتِكم. ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ مُراعِيًا فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّأمُّلِ فِيها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ وحَفْصٌ (يُفَصِّلُ) بِالياءِ. ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن أنْواعِ الكائِناتِ. ﴿لآياتٍ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ العَواقِبَ فَإنَّهُ يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ.

يونس 10:7

(p-106)﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَهُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ وذُهُولِهِمْ بِالمَحْسُوساتِ عَمّا وراءَها. ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ مِنَ الآخِرَةِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْها. ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ وسَكَنُوا إلَيْها مُقْصِرِينَ هِمَمَهم عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها، أوْ سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا يُزْعَجُ عَنْها. ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها لِانْهِماكِهِمْ فِيما يُضادُّها والعَطْفُ إمّا لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الذُّهُولِ عَنِ الآياتِ رَأْسًا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ الآخِرَةُ بِبالِهِمْ أصْلًا، وإمّا لِتَغايُرِ الفَرِيقَيْنِ والمُرادُ بِالأوَّلِينَ مَن أنْكَرَ البَعْثَ ولَمْ يَرَ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا وبِالآخِرِينَ مَن ألْهاهُ حُبُّ العاجِلِ عَنِ التَّأمُّلِ في الآجِلِ والإعْدادِ لَهُ. ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِما واظَبُوا عَلَيْهِ وتَمَرَّنُوا بِهِ مِنَ المَعاصِي.

يونس 10:8

(p-106)﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَهُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ وذُهُولِهِمْ بِالمَحْسُوساتِ عَمّا وراءَها. ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ مِنَ الآخِرَةِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْها. ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ وسَكَنُوا إلَيْها مُقْصِرِينَ هِمَمَهم عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها، أوْ سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا يُزْعَجُ عَنْها. ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها لِانْهِماكِهِمْ فِيما يُضادُّها والعَطْفُ إمّا لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الذُّهُولِ عَنِ الآياتِ رَأْسًا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ الآخِرَةُ بِبالِهِمْ أصْلًا، وإمّا لِتَغايُرِ الفَرِيقَيْنِ والمُرادُ بِالأوَّلِينَ مَن أنْكَرَ البَعْثَ ولَمْ يَرَ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا وبِالآخِرِينَ مَن ألْهاهُ حُبُّ العاجِلِ عَنِ التَّأمُّلِ في الآجِلِ والإعْدادِ لَهُ. ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِما واظَبُوا عَلَيْهِ وتَمَرَّنُوا بِهِ مِنَ المَعاصِي.

يونس 10:9

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى سُلُوكِ سَبِيلٍ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ، أوْ لِإدْراكِ الحَقائِقِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» . أوْ لِما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ، ومَفْهُومُ التَّرْتِيبِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ الهِدايَةِ هو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لَكِنْ دَلَّ مَنطُوقُ قَوْلِهِ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ عَلى اسْتِقْلالِ الإيمانِ بِالسَّبَبِيَّةِ وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لَهُ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ عَلى المَعْنى الأخِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، أوْ مِنَ الأنْهارِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿تَجْرِي﴾ أوْ بِيَهْدِي. ﴿دَعْواهم فِيها﴾ أيْ دُعاؤُهم. ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم. ﴿فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ وآخِرُ دُعائِهِمْ. ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، ولَعَلَّ المَعْنى أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ وكِبْرِياءَهُ مَجَّدُوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ أوِ اللَّهُ تَعالى فَحَمِدُوهُ وأثْنَوْا عَلَيْهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ، و (أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وقَدْ قُرِئَ بِها وبِنَصْبِ « الحَمْدُ» .

يونس 10:10

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى سُلُوكِ سَبِيلٍ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ، أوْ لِإدْراكِ الحَقائِقِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» . أوْ لِما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ، ومَفْهُومُ التَّرْتِيبِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ الهِدايَةِ هو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لَكِنْ دَلَّ مَنطُوقُ قَوْلِهِ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ عَلى اسْتِقْلالِ الإيمانِ بِالسَّبَبِيَّةِ وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لَهُ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ عَلى المَعْنى الأخِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، أوْ مِنَ الأنْهارِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿تَجْرِي﴾ أوْ بِيَهْدِي. ﴿دَعْواهم فِيها﴾ أيْ دُعاؤُهم. ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم. ﴿فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ وآخِرُ دُعائِهِمْ. ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، ولَعَلَّ المَعْنى أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ وكِبْرِياءَهُ مَجَّدُوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ أوِ اللَّهُ تَعالى فَحَمِدُوهُ وأثْنَوْا عَلَيْهِ بِصِفاتِ الإكْرامِ، و (أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وقَدْ قُرِئَ بِها وبِنَصْبِ « الحَمْدُ» .

يونس 10:11

﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ ولَوْ يُسْرِعُهُ إلَيْهِمْ. ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم بِالخَيْرِ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم في الخَيْرِ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِهِ تَعْجِيلٌ لَهم أوْ بِأنَّ المُرادَ شَرٌّ اسْتَعْجَلُوهُ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ، ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لِلْخَيْرِ حِينَ اسْتَعْجَلُوهُ اسْتِعْجالًا كاسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، فَحُذِفَ مِنهُ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (لَقَضى) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ « لَقَضَيْنا» . ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عُطِفَ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لا نُعَجِّلُ ولا نَقْضِي فَنَذْرُهم إمْهالًا لَهم واسْتِدْراجًا.

يونس 10:12

(p-107)﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ لِإزالَتِهِ مُخْلِصًا فِيهِ. ﴿لِجَنْبِهِ﴾ مُلْقًى لِجَنْبِهِ أيْ مُضْطَجِعًا. ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وفائِدَةُ التَّرْدِيدِ تَعْمِيمُ الدُّعاءِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ أوْ لِأصْنافِ المَضارِّ. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ يَعْنِي مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ واسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ. ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخُفِّفَ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ كَما قالَ: ؎ ونَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْنِ. . . كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ ﴿إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ إلى كَشْفِ ضُرٍّ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ. ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإعْراضِ عَنِ العِباداتِ.

يونس 10:13

﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ. ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ حِينَ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ واسْتِعْمالِ القُوى والجَوارِحِ لا عَلى ما يَنْبَغِي ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وهو حالٌ مِنَ الواوِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ عَطْفٍ عَلى ظَلَمُوا. ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ لَهم وعِلْمِهِ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كَفْرِهِمْ، واللّامِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو إهْلاكُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ بِحَيْثُ تَحَقَّقَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ نَجْزِي كُلَّ مُجْرِمٍ أوْ نَجْزِيكم فَوُضِعَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ جُرْمِهِمْ وأنَّهم أعْلامٌ فِيهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ اسْتَخْلَفْناكم فِيها بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها اسْتِخْلافَ مَن يُخْتَبَرُ. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى مُقْتَضى أعْمالِكم، وكَيْفَ مَعْمُولُ تَعْمَلُونَ فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ يَحْجُبُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الجَزاءِ جِهاتُ الأفْعالِ وكَيْفِيّاتُها لا هي مِن حَيْثُ ذاتِها ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الفِعْلُ تارَةً ويَقَبَحُ أُخْرى.

يونس 10:14

﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ. ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ حِينَ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ واسْتِعْمالِ القُوى والجَوارِحِ لا عَلى ما يَنْبَغِي ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وهو حالٌ مِنَ الواوِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ عَطْفٍ عَلى ظَلَمُوا. ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ لَهم وعِلْمِهِ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كَفْرِهِمْ، واللّامِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو إهْلاكُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ بِحَيْثُ تَحَقَّقَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ نَجْزِي كُلَّ مُجْرِمٍ أوْ نَجْزِيكم فَوُضِعَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ جُرْمِهِمْ وأنَّهم أعْلامٌ فِيهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ اسْتَخْلَفْناكم فِيها بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها اسْتِخْلافَ مَن يُخْتَبَرُ. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى مُقْتَضى أعْمالِكم، وكَيْفَ مَعْمُولُ تَعْمَلُونَ فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ يَحْجُبُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الجَزاءِ جِهاتُ الأفْعالِ وكَيْفِيّاتُها لا هي مِن حَيْثُ ذاتِها ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الفِعْلُ تارَةً ويَقَبَحُ أُخْرى.

يونس 10:15

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ. ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن مَعايِبِ آلِهَتِنا. ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم سَألُوا ذَلِكَ كَيْ يُسْعِفَهم إلَيْهِ فَيَلْزَمُوهُ. ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي﴾ ما يَصِحُّ لِي. ﴿أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ مِن قِبَلِ نَفْسِي وهو مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، وإنَّما اكْتُفِيَ بِالجَوابِ عَنِ التَّبْدِيلِ لِاسْتِلْزامِ امْتِناعِهِ امْتِناعَ الإتْيانِ بِقُرْآنٍ آخَرَ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَكُونُ فَإنَّ المُتْبِعَ لِغَيْرِهِ في أمْرٍ لا يَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وجَوابٌ لِلنَّقْضِ بِنَسْخِ بَعْضِ الآياتِ بِبَعْضٍ ورَدٌّ لِما عَرَضُوا لَهُ بِهَذا السُّؤالِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ واخْتِراعُهُ ولِذَلِكَ قَيَّدَ التَّبْدِيلَ في الجَوابِ وسَمّاهُ عِصْيانًا فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ بِالتَّبْدِيلِ. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِهَذا الِاقْتِراحِ.

يونس 10:16

(p-108)﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ غَيْرَ ذَلِكَ. ﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ « ولَأدْراكم» بِلامِ التَّأْكِيدِ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولَأعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِي. والمَعْنى أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ لَوْ لَمْ أُرْسَلْ بِهِ لَأرْسَلَ بِهِ غَيْرِي. وقُرِئَ « ولا أدْرَأكم» « ولا أدْرَأْتُكم» بِالهَمْزِ فِيهِما عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الألِفَ المُبْدَلَةَ مِنَ الياءِ هَمْزَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ أيْ ولا جَعَلْتُكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ، والمَعْنى أنَّ الأمْرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لا بِمَشِيئَتِي حَتّى أجْعَلَهُ عَلى نَحْوِ ما تَشْتَهُونَهُ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ مِقْدارًا عُمُرَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ لا أتْلُوهُ ولا أعْلَمُهُ، فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَإنَّ مَن عاشَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُمارِسْ فِيها عِلْمًا ولَمْ يُشاهِدْ عالِمًا ولَمْ يُنْشِئْ قَرِيضًا ولا خُطْبَةً، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِمْ كِتابًا بَزَّتْ فَصاحَتُهُ فَصاحَةَ كُلِّ مِنطِيقٍ وعَلا مِن كُلِّ مَنثُورٍ ومَنظُومٍ، واحْتَوى عَلى قَواعِدَ عِلْمَيِ الأُصُولِ والفُرُوعِ وأعْرَبَ عَنْ أقاصِيصِ الأوَّلِينَ وأحادِيثِ الآخِرِينَ عَلى ما هي عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّهُ مَعْلُومٌ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ أفَلا تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكم بِالتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ.

يونس 10:17

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تُفادُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ كِنايَةً، أوْ تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ. ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ فَكَفَرَ بِها. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ فَإنَّهُ جَمادٌ لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، والمَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُثِيبًا ومُعاقِبًا حَتّى تَعُودَ عِبادَتُهُ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ﴾ الأوْثانُ. ﴿شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَشْفَعُ لَنا فِيما يَهُمُّنا مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ، وكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ فِيهِ وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ المُوجِدِ الضّارِّ النّافِعِ إلى عِبادَةِ ما يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ رُبَّما يَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ. ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ أتُخْبِرُونَهُ. ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ هَؤُلاءِ شُفَعاءُ عِنْدَهُ وما لا يَعْلَمُهُ العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ ما وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إمّا سَماوِيٌّ وإمّا أرْضِيٌّ، ولا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ فِيهِما إلّا وهو حادِثٌ مَقْهُورٌ مِثْلُهم لا يَلِيقُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ. ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المَوْضِعَيْنِ في أوَّلِ « النَّحْلِ» و « الرُّومِ» بِالتّاءِ.

يونس 10:18

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تُفادُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ كِنايَةً، أوْ تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ. ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ فَكَفَرَ بِها. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ فَإنَّهُ جَمادٌ لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، والمَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُثِيبًا ومُعاقِبًا حَتّى تَعُودَ عِبادَتُهُ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ﴾ الأوْثانُ. ﴿شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَشْفَعُ لَنا فِيما يَهُمُّنا مِن أُمُورِ الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ، وكَأنَّهم كانُوا شاكِّينَ فِيهِ وهَذا مِن فَرْطِ جَهالَتِهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ المُوجِدِ الضّارِّ النّافِعِ إلى عِبادَةِ ما يُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ رُبَّما يَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ. ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ أتُخْبِرُونَهُ. ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ وهو أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ هَؤُلاءِ شُفَعاءُ عِنْدَهُ وما لا يَعْلَمُهُ العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ ما وفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إمّا سَماوِيٌّ وإمّا أرْضِيٌّ، ولا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ فِيهِما إلّا وهو حادِثٌ مَقْهُورٌ مِثْلُهم لا يَلِيقُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ. ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي المَوْضِعَيْنِ في أوَّلِ « النَّحْلِ» و « الرُّومِ» بِالتّاءِ.

يونس 10:19

﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُوَحَّدِينَ عَلى الفِطْرَةِ أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ، وذَلِكَ في عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ عَلى الضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِاتِّباعِ الهَوى والأباطِيلِ، أوْ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَبِعَتْهم طائِفَةٌ وأصَرَّتْ أُخْرى. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ الحُكْمِ بَيْنَهم أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ. ﴿لَقُضِيَ (p-109)بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا. ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها. ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ فَلَعَلَّهُ يَعْلَمُ في إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ مِن مَفاسِدِ تَصَرِّفٍ عَنْ إنْزالِها. ﴿فانْتَظِرُوا﴾ لِنُزُولِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ. ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ بِكم بِجُحُودِكم ما نَزَلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ العِظامِ واقْتِراحِكم غَيْرَهُ.

يونس 10:20

﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُوَحَّدِينَ عَلى الفِطْرَةِ أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ، وذَلِكَ في عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ عَلى الضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِاتِّباعِ الهَوى والأباطِيلِ، أوْ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَبِعَتْهم طائِفَةٌ وأصَرَّتْ أُخْرى. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ الحُكْمِ بَيْنَهم أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ. ﴿لَقُضِيَ (p-109)بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا. ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها. ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ فَلَعَلَّهُ يَعْلَمُ في إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ مِن مَفاسِدِ تَصَرِّفٍ عَنْ إنْزالِها. ﴿فانْتَظِرُوا﴾ لِنُزُولِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ. ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ بِكم بِجُحُودِكم ما نَزَلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ العِظامِ واقْتِراحِكم غَيْرَهُ.

يونس 10:21

﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ صِحَّةً وسِعَةً. ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ كَقَحْطٍ ومَرَضٍ. ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ بِالطَّعْنِ فِيها والِاحْتِيالِ في دَفْعِها. قِيلَ قَحِطَ أهْلُ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلَكُونَ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِالحَيا فَطَفِقُوا يَقْدَحُونَ في آياتِ اللَّهِ ويَكِيدُونَ رَسُولَهُ. ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ مِنكم قَدْ دَبَّرَ عِقابَكم قَبْلَ أنْ تُدَبِّرُوا كَيْدَكم، وإنَّما دَلَّ عَلى سُرْعَتِهِمُ المُفَضَّلِ عَلَيْها كَلِمَةُ المُفاجَأةِ الواقِعَةُ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ والمَكْرُ إخْفاءُ الكَيْدِ، وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا الِاسْتِدْراجُ أوِ الجَزاءُ عَلى المَكْرِ. ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ لَمْ يَخْفَ عَلى الحَفَظَةِ فَضْلًا أنْ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَنْ يَعْقُوبَ يَمْكُرُونَ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ.

يونس 10:22

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ يَحْمِلُكم عَلى السَّيْرِ ويُمَكِّنُكم مِنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « يَنْشُرُكم» بِالنُّونِ والشِّينِ مِنَ النَّشْرِ. ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ في السُّفُنِ، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ بِمَن فِيها، عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغِيبَةِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِغَيْرِهِمْ لِيَتَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ. ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ بِتِلْكَ الرِّيحِ. ﴿جاءَتْها﴾ جَوابُ إذا والضَّمِيرُ لِلْفُلْكِ أوْ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، بِمَعْنى تَلَقَّتْها. ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ ذاتُ عَصْفٍ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ. ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ يَجِيءُ المَوْجُ مِنهُ. ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُهْلِكُوا وسُدَّتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ الخَلاصِ كَمَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِن غَيْرِ إشْراكٍ لِتَراجُعِ الفِطْرَةِ وزَوالِ المُعارِضِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، وهو بَدَلٌ مَن ﴿ظَنُّوا﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمْ. ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ مَفْعُولُ ﴿دَعَوُا﴾ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ. ﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ إجابَةً لِدُعائِهِمْ. ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ فاجَئُوا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ. ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُبْطِلِينَ فِيهِ وهو احْتِرازٌ عَنْ تَخْرِيبِ المُسْلِمِينَ دِيارَ الكَفَرَةِ وإحْراقِ زُرُوعِهِمْ وقَلْعِ أشْجارِهِمْ فَإنَّها إفْسادٌ بِحَقٍّ. ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْكم أوْ أنَّهُ عَلى أمْثالِكم أبْناءِ جِنْسِكم. ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مَنفَعَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لا تَبْقى ويَبْقى عِقابُها، ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ﴿بَغْيُكُمْ﴾ وعَلى أنْفُسِكم صِلَتُهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا و ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُ ﴿بَغْيُكُمْ﴾، ونَصَبَهُ حَفْصٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا أوْ مَفْعُولُ البَغْيِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الطَّلَبِ فَيَكُونُ الجارُّ مِن صِلَتِهِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْذُورٌ أوْ ضَلالٌ، أوْ مَفْعُولُ (p-110)فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ البَغْيُ وعَلى أنْفُسِكم خَبَرُهُ. ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القِيامَةِ. ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأجْزاءٍ عَلَيْهِ.

يونس 10:23

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ يَحْمِلُكم عَلى السَّيْرِ ويُمَكِّنُكم مِنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « يَنْشُرُكم» بِالنُّونِ والشِّينِ مِنَ النَّشْرِ. ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ في السُّفُنِ، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ بِمَن فِيها، عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغِيبَةِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِغَيْرِهِمْ لِيَتَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ. ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ بِتِلْكَ الرِّيحِ. ﴿جاءَتْها﴾ جَوابُ إذا والضَّمِيرُ لِلْفُلْكِ أوْ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، بِمَعْنى تَلَقَّتْها. ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ ذاتُ عَصْفٍ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ. ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ يَجِيءُ المَوْجُ مِنهُ. ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُهْلِكُوا وسُدَّتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ الخَلاصِ كَمَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِن غَيْرِ إشْراكٍ لِتَراجُعِ الفِطْرَةِ وزَوالِ المُعارِضِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، وهو بَدَلٌ مَن ﴿ظَنُّوا﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمْ. ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ مَفْعُولُ ﴿دَعَوُا﴾ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ. ﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ إجابَةً لِدُعائِهِمْ. ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ فاجَئُوا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ. ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُبْطِلِينَ فِيهِ وهو احْتِرازٌ عَنْ تَخْرِيبِ المُسْلِمِينَ دِيارَ الكَفَرَةِ وإحْراقِ زُرُوعِهِمْ وقَلْعِ أشْجارِهِمْ فَإنَّها إفْسادٌ بِحَقٍّ. ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْكم أوْ أنَّهُ عَلى أمْثالِكم أبْناءِ جِنْسِكم. ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مَنفَعَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لا تَبْقى ويَبْقى عِقابُها، ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ﴿بَغْيُكُمْ﴾ وعَلى أنْفُسِكم صِلَتُهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا و ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُ ﴿بَغْيُكُمْ﴾، ونَصَبَهُ حَفْصٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا أوْ مَفْعُولُ البَغْيِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الطَّلَبِ فَيَكُونُ الجارُّ مِن صِلَتِهِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْذُورٌ أوْ ضَلالٌ، أوْ مَفْعُولُ (p-110)فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ البَغْيُ وعَلى أنْفُسِكم خَبَرُهُ. ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القِيامَةِ. ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأجْزاءٍ عَلَيْهِ.

يونس 10:24

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالُها العَجِيبَةُ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وذَهابِ نَعِيمِها بَعْدَ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها. ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ فاشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا. ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والبُقُولِ والحَشِيشِ. ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ حُسْنَها وبَهْجَتَها. ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ تَزَيَّنَتْ بِأصْنافِ النَّباتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ كَعَرُوسٍ أخَذَتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ والزِّيَنِ فَتَزَيَّنَتْ بِها، ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ أصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَ وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ « وأزْيَنَتْ» عَلى أفْعَلَتْ مِن غَيْرِ إعْلالٍ كَأغْيَلَتْ، والمَعْنى صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ « وازْيانَتْ» كابْياضَّتْ. ﴿وَظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِن حَصْدِها ورَفْعِ غَلَّتِها. ﴿أتاها أمْرُنا﴾ ضَرَبَ زَرْعَها ما يَجْتاحُهُ. ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها﴾ فَجَعَلْنا زَرْعَها. ﴿حَصِيدًا﴾ شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ. ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ كَأنْ لَمْ يَغْنَ زَرْعُها أيْ لَمْ يَلْبَثْ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ. ﴿بِالأمْسِ﴾ فِيما قَبِيلُهُ وهو مَثَلٌ في الوَقْتِ القَرِيبِ والمُمَثَّلِ بِهِ مَضْمُونُ الحِكايَةِ وهو زَوالُ خُضْرَةِ النَّباتِ فَجْأةً وذَهابُهُ حُطامًا بَعْدَ ما كانَ غَضًّا والتَفَّ، وزَيَّنَ الأرْضَ حَتّى طَمِعَ فِيهِ أهْلُهُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الجَوائِحِ لا الماءِ وإنْ ولِيَهُ حَرْفُ التَّشْبِيهِ لِأنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

يونس 10:25

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ دارِ السَّلامَةِ مِنَ التَّقَضِّي والآفَةِ، أوْ دارِ اللَّهِ وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ أيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها والمُرادُ الجَنَّةُ. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طَرِيقُها وذَلِكَ الإسْلامُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّ المُصِرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى. ﴿وَزِيادَةٌ﴾ وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ والزِّيادَةُ عَشْرُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ هي اللِّقاءُ. ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ لا يَغْشاها. ﴿قَتَرٌ﴾ غُبَرَةٌ فِيها سَوادٌ. ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ هَوانٌ، والمَعْنى لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلُ النّارِ أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن حُزْنٍ وسُوءِ حالٍ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ لا زَوالَ فِيها ولا انْقِراضَ لِنَعِيمِها بِخِلافِ الدُّنْيا وزَخارِفِها.

يونس 10:26

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ دارِ السَّلامَةِ مِنَ التَّقَضِّي والآفَةِ، أوْ دارِ اللَّهِ وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ أيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها والمُرادُ الجَنَّةُ. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طَرِيقُها وذَلِكَ الإسْلامُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّ المُصِرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى. ﴿وَزِيادَةٌ﴾ وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ والزِّيادَةُ عَشْرُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ هي اللِّقاءُ. ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ لا يَغْشاها. ﴿قَتَرٌ﴾ غُبَرَةٌ فِيها سَوادٌ. ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ هَوانٌ، والمَعْنى لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلُ النّارِ أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن حُزْنٍ وسُوءِ حالٍ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ لا زَوالَ فِيها ولا انْقِراضَ لِنَعِيمِها بِخِلافِ الدُّنْيا وزَخارِفِها.

يونس 10:27

(p-111)﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ: في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، أوِ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ عَلى تَقْدِيرِ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أيْ أنْ تُجازى سَيِّئَةٌ بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها لا يُزادُ عَلَيْها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الفَضْلُ أوِ التَّضْعِيفُ أوْ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾، أوْ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ فَـ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، أوْ بِمِثْلِها عَلى زِيادَةِ الباءِ أوْ تَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ بِمِثْلِها. ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ. ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ ما مِن أحَدٍ يَعْصِمُهم مِن سَخَطِ اللَّهِ، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ ومَن عِنْدَهُ كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ﴾ غُطِّيَتْ. ﴿وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها ومُظْلِمًا حالٌ مِنَ اللَّيْلِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ لِأنَّهُ العامِلُ في قِطَعًا وهو مَوْصُوفٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ في المَوْصُوفِ عامِلٌ في الصِّفَةِ أوْ مَعْنى الفِعْلِ في ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿قِطَعًا﴾ بِالسُّكُونِ فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿مُظْلِمًا﴾ صِفَةً لَهُ أوْ حالًا مِنهُ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ. والجَوابُ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ لِاشْتِمالِ السَّيِّئاتِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ ولِأنَّ الَّذِينَ أحْسَنُوا يَتَناوَلُ أصْحابَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَلا يَتَناوَلُهم قَسِيمُهُ. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ الزَمُوا مَكانَكم حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. ﴿أنْتُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِن عامِلِهِ. ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ. ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَّعَنا الوُصُلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم. ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ مَجازٌ عَنْ بَراءَةِ ما عَبَدُوهُ مِن عِبادَتِهِمْ فَإنَّهم إنَّما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ أهْواءَهم لِأنَّها الآمِرَةُ بِالإشْراكِ لا ما أشْرَكُوا بِهِ. وقِيلَ يُنْطِقُ اللَّهُ الأصْنامَ فَتُشافِهُهم بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَ مِنها. وقِيلَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وقِيلَ الشَّياطِينُ.

يونس 10:28

(p-111)﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ: في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، أوِ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ عَلى تَقْدِيرِ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أيْ أنْ تُجازى سَيِّئَةٌ بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها لا يُزادُ عَلَيْها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الفَضْلُ أوِ التَّضْعِيفُ أوْ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾، أوْ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ فَـ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها واقِعٌ، أوْ بِمِثْلِها عَلى زِيادَةِ الباءِ أوْ تَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ بِمِثْلِها. ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ. ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ ما مِن أحَدٍ يَعْصِمُهم مِن سَخَطِ اللَّهِ، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ ومَن عِنْدَهُ كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ﴾ غُطِّيَتْ. ﴿وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها ومُظْلِمًا حالٌ مِنَ اللَّيْلِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ لِأنَّهُ العامِلُ في قِطَعًا وهو مَوْصُوفٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ في المَوْصُوفِ عامِلٌ في الصِّفَةِ أوْ مَعْنى الفِعْلِ في ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿قِطَعًا﴾ بِالسُّكُونِ فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿مُظْلِمًا﴾ صِفَةً لَهُ أوْ حالًا مِنهُ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ. والجَوابُ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ لِاشْتِمالِ السَّيِّئاتِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ ولِأنَّ الَّذِينَ أحْسَنُوا يَتَناوَلُ أصْحابَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَلا يَتَناوَلُهم قَسِيمُهُ. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ الزَمُوا مَكانَكم حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. ﴿أنْتُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِن عامِلِهِ. ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ. ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَّعَنا الوُصُلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم. ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ مَجازٌ عَنْ بَراءَةِ ما عَبَدُوهُ مِن عِبادَتِهِمْ فَإنَّهم إنَّما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ أهْواءَهم لِأنَّها الآمِرَةُ بِالإشْراكِ لا ما أشْرَكُوا بِهِ. وقِيلَ يُنْطِقُ اللَّهُ الأصْنامَ فَتُشافِهُهم بِذَلِكَ مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَ مِنها. وقِيلَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وقِيلَ الشَّياطِينُ.

يونس 10:29

﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ العالِمُ بِكُنْهِ الحالِ. ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. ﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ تَخْتَبِرُ ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضَرَّهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَتْلُو» مِنَ التِّلاوَةِ أيْ تَقْرَأُ ذِكْرَ ما قَدَّمَتْ، أوْ مِنَ التِّلْوِ أيْ تَتَّبِعُ عَمَلَها فَيَقُودُها إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ. وقُرِئَ « نَبْلُو» بِالنُّونِ ونُصِبَ ﴿كُلُّ﴾ وإبْدالُ ﴿ما﴾ مِنهُ والمَعْنى نَخْتَبِرُها أيْ نَفْعَلُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرُ لِحالِها المُتَعَرِّفِ لِسَعادَتِها وشَقاوَتِها بِتَعَرُّفِ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيْ بِالعَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ﴿ما﴾ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ. ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إلى جَزائِهِ إيّاهم بِما أسْلَفُوا. ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ رَبِّهِمْ ومُتَوَلِّي أمْرِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ لا ما اتَّخَذُوهُ مَوْلًى، وقُرِئَ « الحَقَّ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وضاعَ عَنْهم. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها آلِهَةٌ.

يونس 10:30

﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ العالِمُ بِكُنْهِ الحالِ. ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ. ﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ. ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ تَخْتَبِرُ ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ فَتُعايِنُ نَفْعَهُ وضَرَّهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَتْلُو» مِنَ التِّلاوَةِ أيْ تَقْرَأُ ذِكْرَ ما قَدَّمَتْ، أوْ مِنَ التِّلْوِ أيْ تَتَّبِعُ عَمَلَها فَيَقُودُها إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ. وقُرِئَ « نَبْلُو» بِالنُّونِ ونُصِبَ ﴿كُلُّ﴾ وإبْدالُ ﴿ما﴾ مِنهُ والمَعْنى نَخْتَبِرُها أيْ نَفْعَلُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرُ لِحالِها المُتَعَرِّفِ لِسَعادَتِها وشَقاوَتِها بِتَعَرُّفِ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نُصِيبُ بِالبَلاءِ أيْ بِالعَذابِ كُلَّ نَفْسٍ عاصِيَةٍ بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ فَتَكُونُ ﴿ما﴾ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ. ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ إلى جَزائِهِ إيّاهم بِما أسْلَفُوا. ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ رَبِّهِمْ ومُتَوَلِّي أمْرِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ لا ما اتَّخَذُوهُ مَوْلًى، وقُرِئَ « الحَقَّ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وضاعَ عَنْهم. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها آلِهَةٌ.

يونس 10:31

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ أوْ ﴿مَن﴾ كَلِّ واحِدٍ مِنهُما تَوْسِعَةً عَلَيْكم. وقِيلَ مَن لِبَيانِ مِن عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ (p-112)والأرْضِ. ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما، أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِها مِن أدْنى شَيْءٍ. ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ ومَن يُحْيِي ويُمِيتُ، أوْ مَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةَ مِنهُ. ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ إذْ لا يَقْدِرُونَ عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ في ذَلِكَ لِفَرْطِ وُضُوحِهِ. ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أنْفُسَكم عِقابَهُ بِإشْراكِكم إيّاهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِهَذِهِ الأُمُورِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو رَبُّكُمُ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ لِأنَّهُ الَّذِي أنْشَأكم وأحْياكم ورَزَقَكم ودَبَّرَ أُمُورَكم. ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَمَن تَخَطّى الحَقَّ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وقَعَ في الضَّلالِ. ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ.

يونس 10:32

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ أوْ ﴿مَن﴾ كَلِّ واحِدٍ مِنهُما تَوْسِعَةً عَلَيْكم. وقِيلَ مَن لِبَيانِ مِن عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ (p-112)والأرْضِ. ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما، أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِها مِن أدْنى شَيْءٍ. ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ ومَن يُحْيِي ويُمِيتُ، أوْ مَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةَ مِنهُ. ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ إذْ لا يَقْدِرُونَ عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ في ذَلِكَ لِفَرْطِ وُضُوحِهِ. ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أنْفُسَكم عِقابَهُ بِإشْراكِكم إيّاهُ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِهَذِهِ الأُمُورِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو رَبُّكُمُ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ لِأنَّهُ الَّذِي أنْشَأكم وأحْياكم ورَزَقَكم ودَبَّرَ أُمُورَكم. ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَمَن تَخَطّى الحَقَّ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وقَعَ في الضَّلالِ. ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ.

يونس 10:33

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ كَما حَقَّتِ الرُّبُوبِيَّةُ لِلَّهِ أوْ إنَّ الحَقَّ بَعْدَهُ الضَّلالُ، أوْ أنَّهم مَصْرُوفُونُ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وحُكْمُهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « كَلِماتُ» هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ وُفِّيَ « غافِرٍ» ﴿عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ الِاسْتِصْلاحِ. ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِحَقِّيَّتِها والمُرادُ بِها العُدَّةُ بِالعَذابِ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ جَعَلَ الإعادَةَ كالإبْداءِ في الإلْزامِ بِها لِظُهُورِ بُرْهانِها وإنْ لَمْ يُساعِدُوا عَلَيْها، ولِذَلِكَ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَنُوبَ عَنْهم في الجَوابِ فَقالَ ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِأنَّ لُجاجَهم لا يَدَعُهم أنْ يَعْتَرِفُوا بِها. ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ تُصْرَفُونَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.

يونس 10:34

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ كَما حَقَّتِ الرُّبُوبِيَّةُ لِلَّهِ أوْ إنَّ الحَقَّ بَعْدَهُ الضَّلالُ، أوْ أنَّهم مَصْرُوفُونُ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وحُكْمُهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « كَلِماتُ» هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ وُفِّيَ « غافِرٍ» ﴿عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ الِاسْتِصْلاحِ. ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِحَقِّيَّتِها والمُرادُ بِها العُدَّةُ بِالعَذابِ. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ جَعَلَ الإعادَةَ كالإبْداءِ في الإلْزامِ بِها لِظُهُورِ بُرْهانِها وإنْ لَمْ يُساعِدُوا عَلَيْها، ولِذَلِكَ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَنُوبَ عَنْهم في الجَوابِ فَقالَ ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِأنَّ لُجاجَهم لا يَدَعُهم أنْ يَعْتَرِفُوا بِها. ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ تُصْرَفُونَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.

يونس 10:35

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، وهَدى كَما يُعَدّى بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ يُعَدّى بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةُ الهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ نَحْوَهُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ ولِذَلِكَ عَدّى بِها ما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى﴾ أمِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى مِن قَوْلِهِمْ: هُدِيَ بِنَفْسِهِ إذا اهْتَدى، أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ وهَذا حالُ أشْرافِ شُرَكائِهِمْ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَأُدْغِمَ وفَتَحَتِ الهاءُ بِحَرَكَةِ التّاءِ أوْ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ ﴿يَهْدِي﴾ بِإتْباعِ الياءِ الهاءَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ ولَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّ المُدْغَمَ في حُكْمِ المُتَحَرِّكِ. وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ قالُونَ مِثْلُهُ وقُرِئَ « إلّا أنْ يَهْدِيَ» لِلْمُبالَغَةِ ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِما يَقْتَضِي صَرِيحُ العَقْلِ بُطْلانَهُ. ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. ﴿إلا ظَنًّا﴾ مَسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ فاسِدَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ والخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ أوْ مَن يَنْتَمِي مِنهم إلى تَمْيِيزٍ ونَظَرٍ ولا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ الصِّرْفِ. ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ﴾ مِنَ العِلْمِ والِاعْتِقادِ (p-113)الحِقِّ. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ و ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ حالًا مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الأُصُولِ واجِبٌ والِاكْتِفاءَ بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وعِيدٌ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلظَّنِّ وإعْراضِهِمْ عَنِ البُرْهانِ.

يونس 10:36

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، وهَدى كَما يُعَدّى بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ يُعَدّى بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةُ الهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ نَحْوَهُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ ولِذَلِكَ عَدّى بِها ما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى﴾ أمِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى مِن قَوْلِهِمْ: هُدِيَ بِنَفْسِهِ إذا اهْتَدى، أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ وهَذا حالُ أشْرافِ شُرَكائِهِمْ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَأُدْغِمَ وفَتَحَتِ الهاءُ بِحَرَكَةِ التّاءِ أوْ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ ﴿يَهْدِي﴾ بِإتْباعِ الياءِ الهاءَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ ولَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّ المُدْغَمَ في حُكْمِ المُتَحَرِّكِ. وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ قالُونَ مِثْلُهُ وقُرِئَ « إلّا أنْ يَهْدِيَ» لِلْمُبالَغَةِ ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِما يَقْتَضِي صَرِيحُ العَقْلِ بُطْلانَهُ. ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. ﴿إلا ظَنًّا﴾ مَسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ فاسِدَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ والخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ أوْ مَن يَنْتَمِي مِنهم إلى تَمْيِيزٍ ونَظَرٍ ولا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ الصِّرْفِ. ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ﴾ مِنَ العِلْمِ والِاعْتِقادِ (p-113)الحِقِّ. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ و ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ حالًا مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الأُصُولِ واجِبٌ والِاكْتِفاءَ بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وعِيدٌ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلظَّنِّ وإعْراضِهِمْ عَنِ البُرْهانِ.

يونس 10:37

﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ افْتِراءٌ مِنَ الخَلْقِ. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مُطاِبِقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المَشْهُودِ عَلى صِدْقِها ولا يَكُونُ كَذِبًا كَيْفَ وهو لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا دُونَها عَيّارٌ عَلَيْها شاهِدٌ عَلى صِحَّتِها، ونَصْبُهُ بِأنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرًا أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ. ﴿وَتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ وتَفْصِيلَ ما حُقِّقَ وأُثْبِتَ مِنَ العَقائِدِ والشَّرائِعِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ وهو خَبَرٌ ثالِثٌ داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا. ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ تَقْدِيرُهُ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقٍ أوْ تَفْصِيلٍ، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعْتِراضٌ أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فِيهِ﴾، ومَساقُ الآيَةِ بَعْدُ المَنعُ عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ. ﴿افْتَراهُ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإنْكارِ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وقُوَّةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا في النَّظْمِ والعِبارَةِ. ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فاسْتَعِينُوا بِمَن أمْكَنَكم أنْ تَسْتَعِينُوا بِهِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ وحْدَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ اخْتَلَقَهُ.

يونس 10:38

﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ افْتِراءٌ مِنَ الخَلْقِ. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مُطاِبِقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المَشْهُودِ عَلى صِدْقِها ولا يَكُونُ كَذِبًا كَيْفَ وهو لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا دُونَها عَيّارٌ عَلَيْها شاهِدٌ عَلى صِحَّتِها، ونَصْبُهُ بِأنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرًا أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ. ﴿وَتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ وتَفْصِيلَ ما حُقِّقَ وأُثْبِتَ مِنَ العَقائِدِ والشَّرائِعِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ وهو خَبَرٌ ثالِثٌ داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا. ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ تَقْدِيرُهُ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقٍ أوْ تَفْصِيلٍ، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعْتِراضٌ أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فِيهِ﴾، ومَساقُ الآيَةِ بَعْدُ المَنعُ عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ. ﴿افْتَراهُ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإنْكارِ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وقُوَّةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا في النَّظْمِ والعِبارَةِ. ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فاسْتَعِينُوا بِمَن أمْكَنَكم أنْ تَسْتَعِينُوا بِهِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ وحْدَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ اخْتَلَقَهُ.

يونس 10:39

﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ. ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ بِالقُرْآنِ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا آياتِهِ ويُحِيطُوا بِالعِلْمِ بِشَأْنِهِ، أوْ بِما جَهِلُوهُ ولَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا مِن ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ وسائِرِ ما يُخالِفُ دِينَهم. ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى تَأْوِيلِهِ ولَمْ تَبْلُغْ أذْهانُهم مَعانِيَهُ، أوْ ولَمْ يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى ثُمَّ إنَّهم فاجَؤُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَحَّصُوا مَعْناهُ ومَعْنى التَّوَقُّعِ في لَمّا أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَهم بِالآخِرَةِ إعْجازُهُ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ فَزادُوا قُواهم في مُعارَضَتِهِ فَتَضاءَلَتْ دُونَها، أوْ لَمّا شاهَدُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ طِبْقًا لِإخْبارِهِ مِرارًا فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنِ التَّكْذِيبِ تَمَرُّدًا وعِنادًا. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أنْبِياءَهم. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لَهم بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ مَن قَبْلَهم.

يونس 10:40

﴿وَمِنهُمْ﴾ ومِنَ المُكَذِّبِينَ. ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنْ يُعانِدُ، أوْ مَن (p-114)سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في نَفْسِهِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُ بَلْ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ بِالمُعانِدِينَ أوِ المُصِرِّينَ. ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ وإنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ. ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ فَتَبَرَّأْ مِنهم فَقَدْ أعْذَرْتَ، والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا. ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخِذُ بِعَمَلِكم، ولِما فِيهِ مِن إيهامِ الإعْراضِ عَنْهم وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ قِيلَ إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

يونس 10:41

﴿وَمِنهُمْ﴾ ومِنَ المُكَذِّبِينَ. ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنْ يُعانِدُ، أوْ مَن (p-114)سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في نَفْسِهِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُ بَلْ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ بِالمُعانِدِينَ أوِ المُصِرِّينَ. ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ وإنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ. ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ فَتَبَرَّأْ مِنهم فَقَدْ أعْذَرْتَ، والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا. ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخِذُ بِعَمَلِكم، ولِما فِيهِ مِن إيهامِ الإعْراضِ عَنْهم وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ قِيلَ إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

يونس 10:42

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلَّمَتَ الشَّرائِعَ ولَكِنْ لا يَقْبَلُونَ كالأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ أصْلًا. ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِهِمْ. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ تَعَقُّلِهِمْ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ اسْتِماعِ الكَلامِ فَهْمُ المَعْنى المَقْصُودِ مِنهُ ولِذَلِكَ لا تُوصَفُ بِهِ البَهائِمُ، وهو لا يَتَأتّى إلّا بِاسْتِعْمالِ العَقْلِ السَّلِيمِ في تَدَبُّرِهِ وعُقُولُهم لَمّا كانَتْ مُؤفة بِمُعارَضَةِ الوَهْمِ ومُشايَعَةِ الإلْفِ والتَّقْلِيدِ، تَعَذَّرَ إفْهامُهُمُ الحِكَمَ والمَعانِيَ الدَّقِيقَةَ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِسَرْدِ الألْفاظِ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ البَهائِمُ مِن كَلامِ النّاعِقِ. ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ يُعايِنُونَ دَلائِلَ نُبُوَّتِكَ ولَكِنْ لا يُصَدِّقُونَكَ. ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ﴾ تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ وإنِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ البَصَرِ عَدَمُ البَصِيرَةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْصارِ هو الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ البَصِيرَةُ، ولِذَلِكَ يَحْدُسُ الأعْمى المُسْتَبْصَرَ ويَتَفَطَّنُ لِما لا يُدْرِكُهُ البَصِيرُ الأحْمَقُ. والآيَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّبَرِّي والإعْراضِ عَنْهم.

يونس 10:43

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ وعَلَّمَتَ الشَّرائِعَ ولَكِنْ لا يَقْبَلُونَ كالأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ أصْلًا. ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِهِمْ. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ تَعَقُّلِهِمْ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ اسْتِماعِ الكَلامِ فَهْمُ المَعْنى المَقْصُودِ مِنهُ ولِذَلِكَ لا تُوصَفُ بِهِ البَهائِمُ، وهو لا يَتَأتّى إلّا بِاسْتِعْمالِ العَقْلِ السَّلِيمِ في تَدَبُّرِهِ وعُقُولُهم لَمّا كانَتْ مُؤفة بِمُعارَضَةِ الوَهْمِ ومُشايَعَةِ الإلْفِ والتَّقْلِيدِ، تَعَذَّرَ إفْهامُهُمُ الحِكَمَ والمَعانِيَ الدَّقِيقَةَ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِسَرْدِ الألْفاظِ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ البَهائِمُ مِن كَلامِ النّاعِقِ. ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ يُعايِنُونَ دَلائِلَ نُبُوَّتِكَ ولَكِنْ لا يُصَدِّقُونَكَ. ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ﴾ تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ وإنِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ البَصَرِ عَدَمُ البَصِيرَةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْصارِ هو الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ البَصِيرَةُ، ولِذَلِكَ يَحْدُسُ الأعْمى المُسْتَبْصَرَ ويَتَفَطَّنُ لِما لا يُدْرِكُهُ البَصِيرُ الأحْمَقُ. والآيَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّبَرِّي والإعْراضِ عَنْهم.

يونس 10:44

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ. ﴿وَلَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِإفْسادِها وتَفْوِيتِ مَنافِعِها عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْلُوبِ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ كَما زَعَمَتِ المُجْبِرَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِمَعْنى أنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ لا يَظْلِمُهم بِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاقْتِرافِ أسْبابِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (النّاسُ) . ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ لِهَوْلِ ما يَرَوْنَ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً، أوْ صِفَةٌ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ. ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وهَذا أوَّلُ ما نُشِرُوا ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّعارُفُ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وهي حالٌ أُخْرى مُقَدَّرَةٌ، أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أوْ مُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ والتَّقْدِيرُ يَتَعارَفُونَ يَوْمَ يَحْشُرُهم. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلشَّهادَةِ عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَعارَفُونَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لِطُرُقِ اسْتِعْمالِ ما مُنِحُوا مِنَ المَعاوِنِ في تَحْصِيلِ المَعارِفِ فاسْتَكْسَبُوا بِها جَهالاتٍ أدَّتْ بِهِمْ إلى الرَّدى والعَذابِ الدّائِمِ.

يونس 10:45

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ. ﴿وَلَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِإفْسادِها وتَفْوِيتِ مَنافِعِها عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْلُوبِ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ كَما زَعَمَتِ المُجْبِرَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِمَعْنى أنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ لا يَظْلِمُهم بِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاقْتِرافِ أسْبابِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (النّاسُ) . ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ لِهَوْلِ ما يَرَوْنَ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً، أوْ صِفَةٌ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ. ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وهَذا أوَّلُ ما نُشِرُوا ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّعارُفُ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وهي حالٌ أُخْرى مُقَدَّرَةٌ، أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أوْ مُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ والتَّقْدِيرُ يَتَعارَفُونَ يَوْمَ يَحْشُرُهم. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلشَّهادَةِ عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَعارَفُونَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لِطُرُقِ اسْتِعْمالِ ما مُنِحُوا مِنَ المَعاوِنِ في تَحْصِيلِ المَعارِفِ فاسْتَكْسَبُوا بِها جَهالاتٍ أدَّتْ بِهِمْ إلى الرَّدى والعَذابِ الدّائِمِ.

يونس 10:46

(p-115)وَإمّا نُرِيَنَّكَ نُبَصِّرَنَّكَ. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ في حَياتِكَ كَما أراهُ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ. ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ وهو جَوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وجَوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَذاكَ. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ مَجازٌ عَلَيْهِ ذَكَرَ الشَّهادَةَ وأرادَ نَتِيجَتَها ومُقْتَضاها ولِذَلِكَ رَتَّبَها عَلى الرُّجُوعِ بِـ ﴿ثُمَّ﴾، أوْ مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. ﴿رَسُولٌ﴾ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ. ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهُ. ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُكَذِّبِيهِ. ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ فَأُنْجِيَ الرَّسُولُ وأُهْلِكَ المُكَذِّبُونَ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ وقِيلَ مَعْناهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وعِقابِ الكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ .

يونس 10:47

(p-115)وَإمّا نُرِيَنَّكَ نُبَصِّرَنَّكَ. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ في حَياتِكَ كَما أراهُ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ. ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ وهو جَوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وجَوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَذاكَ. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ مَجازٌ عَلَيْهِ ذَكَرَ الشَّهادَةَ وأرادَ نَتِيجَتَها ومُقْتَضاها ولِذَلِكَ رَتَّبَها عَلى الرُّجُوعِ بِـ ﴿ثُمَّ﴾، أوْ مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ. ﴿رَسُولٌ﴾ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ. ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهُ. ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُكَذِّبِيهِ. ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ فَأُنْجِيَ الرَّسُولُ وأُهْلِكَ المُكَذِّبُونَ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ وقِيلَ مَعْناهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وعِقابِ الكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ .

يونس 10:48

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِبْعادًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ خِطابٌ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكم فَأسْتَعْجِلَ في جَلْبِ العَذابِ إلَيْكم. ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أمْلِكَهُ أوْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ مَضْرُوبٌ لِهَلاكِهِمْ. ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ فَلا تَسْتَعْجِلُونَ فَسَيَحِينُ وقْتُكم ويُنْجَزُ وعْدُكم.

يونس 10:49

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِبْعادًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ خِطابٌ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكم فَأسْتَعْجِلَ في جَلْبِ العَذابِ إلَيْكم. ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أمْلِكَهُ أوْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ مَضْرُوبٌ لِهَلاكِهِمْ. ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ فَلا تَسْتَعْجِلُونَ فَسَيَحِينُ وقْتُكم ويُنْجَزُ وعْدُكم.

يونس 10:50

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. ﴿بَياتًا﴾ وقْتَ بَياتٍ واشْتِغالٍ بِالنَّوْمِ. ﴿أوْ نَهارًا﴾ حِينَ كُنْتُمْ مُشْتَغِلِينَ بِطَلَبِ مَعاشِكم. ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُونَهُ، وكُلُّهُ مَكْرُوهٌ لا يُلائِمُ الِاسْتِعْجالَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، والمُجْرِمُونَ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن مَجِيءِ العَذابِ لا أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا خَطَأهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ماذا كَقَوْلِكَ إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُعْطِينِي وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ بِمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، وماذا يَسْتَعْجِلُ اعْتِراضٌ ودُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى « ثُمَّ» لِإنْكارِ التَّأْخِيرِ. ﴿آلآنَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ. وعَنْ نافِعٍ (آلانَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والفاءُ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً.

يونس 10:51

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. ﴿بَياتًا﴾ وقْتَ بَياتٍ واشْتِغالٍ بِالنَّوْمِ. ﴿أوْ نَهارًا﴾ حِينَ كُنْتُمْ مُشْتَغِلِينَ بِطَلَبِ مَعاشِكم. ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُونَهُ، وكُلُّهُ مَكْرُوهٌ لا يُلائِمُ الِاسْتِعْجالَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، والمُجْرِمُونَ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن مَجِيءِ العَذابِ لا أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا خَطَأهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ماذا كَقَوْلِكَ إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُعْطِينِي وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ بِمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، وماذا يَسْتَعْجِلُ اعْتِراضٌ ودُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى « ثُمَّ» لِإنْكارِ التَّأْخِيرِ. ﴿آلآنَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ. وعَنْ نافِعٍ (آلانَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والفاءُ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً.

يونس 10:52

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عُطِفَ عَلى قِيلَ المُقَدَّرِ. ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ المُؤْلِمَ عَلى الدَّوامِ. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. (p-116)﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ ويَسْتَخْبِرُونَكَ. ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ أحَقٌّ ما تَقُولُ مِنَ الوَعْدِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ تَقُولُهُ بِجِدٍّ أمْ باطِلٍ تَهْزِلُ بِهِ قالَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ، والأظْهَرُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ عَلى أصْلِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ وقِيلَ إنَّهُ لِلْإنْكارِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « آلْحَقُّ هو» فَإنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ باطِلٌ، وأحَقُّ مُبْتَدَأٌ والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ (يَسْتَنْبِئُونَكَ) . ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ إنَّ العَذابَ لَكائِنٌ أوْ ما ادَّعَيْتُهُ لَثابِتٌ. وقِيلَ كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْقُرْآنِ، وإي بِمَعْنى نَعَمْ وهو مِن لَوازِمِ القَسَمِ ولِذَلِكَ يُوصَلُ بِواوِهِ في التَّصْدِيقِ فَيُقالُ إي واللَّهِ ولا يُقالُ إي وحْدَهُ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفائِتِينَ العَذابَ.

يونس 10:53

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عُطِفَ عَلى قِيلَ المُقَدَّرِ. ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ المُؤْلِمَ عَلى الدَّوامِ. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. (p-116)﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ ويَسْتَخْبِرُونَكَ. ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ أحَقٌّ ما تَقُولُ مِنَ الوَعْدِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ تَقُولُهُ بِجِدٍّ أمْ باطِلٍ تَهْزِلُ بِهِ قالَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ، والأظْهَرُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ عَلى أصْلِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ وقِيلَ إنَّهُ لِلْإنْكارِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « آلْحَقُّ هو» فَإنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ باطِلٌ، وأحَقُّ مُبْتَدَأٌ والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ (يَسْتَنْبِئُونَكَ) . ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ إنَّ العَذابَ لَكائِنٌ أوْ ما ادَّعَيْتُهُ لَثابِتٌ. وقِيلَ كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْقُرْآنِ، وإي بِمَعْنى نَعَمْ وهو مِن لَوازِمِ القَسَمِ ولِذَلِكَ يُوصَلُ بِواوِهِ في التَّصْدِيقِ فَيُقالُ إي واللَّهِ ولا يُقالُ إي وحْدَهُ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفائِتِينَ العَذابَ.

يونس 10:54

﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بِالشِّرْكِ أوِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ ما في الأرْضِ مِن خَزائِنِها وأمْوالِها. ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، مِن قَوْلِهِمُ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ. ﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ لِأنَّهم بُهِتُوا بِما عايَنُوا مِمّا لَمْ يَحْتَسِبُوهُ مِن فَظاعَةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَنْطِقُوا. وقِيلَ أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، أوْ لِأنَّهُ يُقالُ سَرَّ الشَّيْءَ لِخالِصَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَخْفى ويَضِنُّ بِها. وقِيلَ أظْهَرُوها مِن قَوْلِهِمْ أسَرَّ الشَّيْءَ وأشَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لَيْسَ تَكْرِيرًا لِأنَّ الأوَّلَ قَضاءٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ ومُكَذِّبِيهِمْ والثّانِيَ مُجازاةُ المُشْرِكِينَ عَلى الشِّرْكِ أوِ الحُكُومَةِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ، والضَّمِيرُ إنَّما يَتَناوَلَهم لِدَلالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ.

يونس 10:55

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الإثابَةِ والعِقابِ. ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ما وعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ كائِنٌ لا خُلْفَ فِيهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا. ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا فَهو يَقْدِرُ عَلَيْهِما في العُقْبى لِأنَّ القادِرَ لِذاتِهِ لا تَزُولُ قُدْرَتُهُ، والمادَّةُ القابِلَةُ بِالذّاتِ لِلْحَياةِ والمَوْتِ لَهُما أبَدًا. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ.

يونس 10:56

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الإثابَةِ والعِقابِ. ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ما وعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ كائِنٌ لا خُلْفَ فِيهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا. ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا فَهو يَقْدِرُ عَلَيْهِما في العُقْبى لِأنَّ القادِرَ لِذاتِهِ لا تَزُولُ قُدْرَتُهُ، والمادَّةُ القابِلَةُ بِالذّاتِ لِلْحَياةِ والمَوْتِ لَهُما أبَدًا. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ.

يونس 10:57

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِلْحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الكاشِفَةِ عَنْ مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَقابِحِها المُرَغِّبَةِ في المَحاسِنِ والزّاجِرَةِ عَنِ المَقابِحِ، والحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وهُدًى إلى الحَقِّ واليَقِينِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فَنَجَوْا بِها مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَبَدَّلَتْ مَقاعِدُهم مِن طَبَقاتِ النِّيرانِ بِمَصاعِدَ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا أوْ فَلْيَفْرَحُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والبَيانُ بَعْدَ الإجْمالِ وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ أوْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ﴾، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِهِ أيْ فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا والفاءُ بِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِيهِما فَلْيَفْرَحُوا (p-117)أوْ لِلرَّبْطِ بِما قَبْلَها، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مُوجِبٌ لِلْفَرَحِ وتَكْرِيرُها لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: وَإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلْتَفْرَحُوا» بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ المَرْفُوضِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « فافْرَحُوا» . ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ وهو ضَمِيرُ ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَهُ أيُّها المُخاطَبُونَ.

يونس 10:58

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِلْحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الكاشِفَةِ عَنْ مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَقابِحِها المُرَغِّبَةِ في المَحاسِنِ والزّاجِرَةِ عَنِ المَقابِحِ، والحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وهُدًى إلى الحَقِّ واليَقِينِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فَنَجَوْا بِها مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَبَدَّلَتْ مَقاعِدُهم مِن طَبَقاتِ النِّيرانِ بِمَصاعِدَ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا أوْ فَلْيَفْرَحُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والبَيانُ بَعْدَ الإجْمالِ وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ أوْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ﴾، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِهِ أيْ فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا والفاءُ بِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِيهِما فَلْيَفْرَحُوا (p-117)أوْ لِلرَّبْطِ بِما قَبْلَها، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مُوجِبٌ لِلْفَرَحِ وتَكْرِيرُها لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: وَإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلْتَفْرَحُوا» بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ المَرْفُوضِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « فافْرَحُوا» . ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ وهو ضَمِيرُ ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَهُ أيُّها المُخاطَبُونَ.

يونس 10:59

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ جُعِلَ الرِّزْقُ مُنَزَّلًا لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ مُحَصَّلٌ بِأسْبابٍ مِنها، وما في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿أنْزَلَ﴾ أوْ بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ فَإنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكم دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَلَّ ولِذَلِكَ وبَّخَ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ مِثْلَ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى] ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ فَتَقُولُونَ ذَلِكَ بِحُكْمِهِ. ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُنْفَصِلَةُ مُتَّصِلَةً بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ وقُلْ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ وأنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، و ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها تَقْرِيرٌ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ. ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يُجازَوْا عَلَيْهِ، وهو مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ كائِنٌ، وفي إبْهامِ الوَعِيدِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ وهَداهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:60

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ جُعِلَ الرِّزْقُ مُنَزَّلًا لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ مُحَصَّلٌ بِأسْبابٍ مِنها، وما في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿أنْزَلَ﴾ أوْ بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ فَإنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكم دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَلَّ ولِذَلِكَ وبَّخَ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ مِثْلَ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى] ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ فَتَقُولُونَ ذَلِكَ بِحُكْمِهِ. ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُنْفَصِلَةُ مُتَّصِلَةً بِـ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ وقُلْ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ وأنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، و ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها تَقْرِيرٌ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ. ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يُجازَوْا عَلَيْهِ، وهو مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ كائِنٌ، وفي إبْهامِ الوَعِيدِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ وهَداهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

يونس 10:61

﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ ولا تَكُونُ في أمْرٍ، وأصْلُهُ الهَمْزُ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتُ قَصْدَهُ والضَّمِيرُ في ﴿وَما تَتْلُو مِنهُ﴾ لَهُ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ مُعَظِّمٌ شَأْنَ الرَّسُولِ، أوْ لِأنَّ القِراءَةَ تَكُونُ لِشَأْنٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن أجْلِهِ ومَفْعُولُ تَتْلُو ﴿مِن قُرْآنٍ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أوْ لِـ ﴿قُرْآنٍ﴾، وإضْمارُهُ قَبْلَ الذِّكْرِ ثُمَّ بَيانُهُ تَفْخِيمٌ لَهُ أوْ لِلَّهِ. ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِمَن هو رَأْسُهم، ولِذَلِكَ ذُكِرَ حَيْثُ خَصَّ ما فِيهِ فَخامَةٌ وذُكِرَ حَيْثُ عَمَّ ما يَتَناوَلُ الجَلِيلَ والحَقِيرَ. ﴿إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ. ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ تَخُوضُونَ فِيهِ وتَنْدَفِعُونَ. ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ ولا يَبْعُدُ عَنْهُ ولا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزّايِ هُنا وفي « سَبَأٍ» . ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ مُوازِنُ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ هَباءٍ. ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ في الوُجُودِ والإمْكانِ فَإنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ مُمْكِنًا غَيْرَهُما لَيْسَ فِيهِما ولا مُتَعَلِّقًا بِهِما، وتَقْدِيمُ الأرْضِ لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها والمَقْصُودُ مِنهُ البُرْهانُ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِها. ﴿وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كَلامٌ بِرَأْسِهِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ و (لا) نافِيَةٌ و ﴿أصْغَرَ﴾ اسْمُها و ﴿فِي كِتابٍ﴾ خَبَرُها. وقَرَأ (p-118)حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَن عَطَفَ عَلى لَفْظِ ﴿مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ وجَعَلَ الفَتْحَ بَدَلَ الكَسْرِ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ أوْ عَلى مَحَلِّهِ مَعَ الجارِّ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا، والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

يونس 10:62

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ. ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِفَواتِ مَأْمُولٍ. والآيَةُ كَمُجْمَلٍ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ. ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما بَشَّرَ بِهِ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ وما يُرِيهِمْ مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ وما يَسْنَحُ لَهم مِنَ المُكاشَفاتِ، وبُشْرى المَلائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ بِتَلَقِّي المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِ لَهم، ومَحَلُّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى وصْفِ الأوْلِياءِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ . ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ ولا إخْلافَ لِمَواعِيدِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ كَلامٌ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ.

يونس 10:63

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ. ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِفَواتِ مَأْمُولٍ. والآيَةُ كَمُجْمَلٍ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ. ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما بَشَّرَ بِهِ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ وما يُرِيهِمْ مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ وما يَسْنَحُ لَهم مِنَ المُكاشَفاتِ، وبُشْرى المَلائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ بِتَلَقِّي المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِ لَهم، ومَحَلُّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى وصْفِ الأوْلِياءِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ . ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ ولا إخْلافَ لِمَواعِيدِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ كَلامٌ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ.

يونس 10:64

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ. ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ. ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِفَواتِ مَأْمُولٍ. والآيَةُ كَمُجْمَلٍ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ. ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما بَشَّرَ بِهِ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ وما يُرِيهِمْ مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ وما يَسْنَحُ لَهم مِنَ المُكاشَفاتِ، وبُشْرى المَلائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ بِتَلَقِّي المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِ لَهم، ومَحَلُّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى وصْفِ الأوْلِياءِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ . ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ ولا إخْلافَ لِمَواعِيدِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ كَلامٌ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ.

يونس 10:65

﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ إشْراكُهم وتَكْذِيبُهم وتَهْدِيدُهم. وقَرَأ نافِعٌ ﴿يَحْزُنْكَ﴾ مَن أحْزَنَهُ وكِلاهُما بِمَعْنى. ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالفَتْحِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِهِمْ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لا يَمْلِكُ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنها فَهو يَقْهَرُهم ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ. ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِعَزَماتِهِمْ فَيُكافِئُهم عَلَيْها.

يونس 10:66

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، وإذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المُمْكِناتِ عَبِيدًا لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ فَما لا يَعْقِلُ مِنها أحَقُّ أنْ لا يَكُونَ لَهُ نِدًّا أوْ شَرِيكًا فَهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيْ شُرَكاءُ عَلى الحَقِيقَةِ وإنْ كانَ يُسَمُّونَها شُرَكاءَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿شُرَكاءَ﴾ مَفْعُولَ يَدْعُونَ ومَفْعُولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا وإنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهم أنَّها شُرَكاءُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِـ ﴿يَتَّبِعُ﴾ أوْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى مَن وقُرِئَ « تَدْعُونَ» بِالتّاءِ الخِطابِيَّةِ والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ إلّا اللَّهَ ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَما لَكم لا تَتَّبِعُونَهم فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَيَكُونُ إلْزامًا بَعْدَ بُرْهانٍ وما بَعْدَهُ مَصْرُوفٌ عَنْ خِطابِهِ لِبَيانِ سَنَدِهِمْ ومَنشَإ رَأْيِهِمْ. ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ أوْ يَحْزِرُونَ ويُقَدِّرُونَ أنَّها شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِظَمِ نِعْمَتِهِ المُتَوَحِّدُ هو (p-119)بِهِما لِيَدُلَّهم عَلى تَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وإنَّما قالَ ﴿مُبْصِرًا﴾ ولَمْ يَقُلْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الظَّرْفِ المُجَرَّدِ والظَّرْفِ الَّذِي هو سَبَبٌ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ.

يونس 10:67

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، وإذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المُمْكِناتِ عَبِيدًا لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ فَما لا يَعْقِلُ مِنها أحَقُّ أنْ لا يَكُونَ لَهُ نِدًّا أوْ شَرِيكًا فَهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيْ شُرَكاءُ عَلى الحَقِيقَةِ وإنْ كانَ يُسَمُّونَها شُرَكاءَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿شُرَكاءَ﴾ مَفْعُولَ يَدْعُونَ ومَفْعُولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا وإنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهم أنَّها شُرَكاءُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِـ ﴿يَتَّبِعُ﴾ أوْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى مَن وقُرِئَ « تَدْعُونَ» بِالتّاءِ الخِطابِيَّةِ والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ إلّا اللَّهَ ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ فَما لَكم لا تَتَّبِعُونَهم فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ فَيَكُونُ إلْزامًا بَعْدَ بُرْهانٍ وما بَعْدَهُ مَصْرُوفٌ عَنْ خِطابِهِ لِبَيانِ سَنَدِهِمْ ومَنشَإ رَأْيِهِمْ. ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ أوْ يَحْزِرُونَ ويُقَدِّرُونَ أنَّها شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِظَمِ نِعْمَتِهِ المُتَوَحِّدُ هو (p-119)بِهِما لِيَدُلَّهم عَلى تَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وإنَّما قالَ ﴿مُبْصِرًا﴾ ولَمْ يَقُلْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الظَّرْفِ المُجَرَّدِ والظَّرْفِ الَّذِي هو سَبَبٌ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ.

يونس 10:68

﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ أيْ تَبَنّاهُ. ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنِ التَّبَنِّي فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ لَهُ الوَلَدُ وتَعَجُّبٌ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقاءِ. ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ عِلَّةٌ لِتَنْزِيهِهِ فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مُسَبَّبٌ عَنِ الحاجَةِ. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِغِناهُ. ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ نَفْيٌ لِمُعارِضِ ما أقامَهُ مِنَ البُرْهانِ مُبالَغَةً في تَجْهِيلِهِمْ وتَحْقِيقًا لِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ، و ﴿بِهَذا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿سُلْطانٍ﴾ أوْ نَعْتٌ لَهُ أوْ بِـ ﴿عِنْدَكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ عِنْدَكم في هَذا مِن سُلْطانٍ. ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ عَلى اخْتِلافِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو جَهالَةٌ وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن قاطِعٍ وأنَّ التَّقْلِيدَ فِيها غَيْرُ سائِغٍ.

يونس 10:69

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ وإضافَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ. ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يَنْجُونَ مِنَ النّارِ ولا يَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ. ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ افْتِراؤُهم مَتاعٌ في الدُّنْيا يُقِيمُونَ بِهِ رِئاسَتَهم في الكُفْرِ أوْ حَياتَهم أوْ تَقَلُّبَهم، مَتاعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهم تَمَتُّعٌ في الدُّنْيا. ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ بِالمَوْتِ فَيَلْقَوْنَ الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

يونس 10:70

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ وإضافَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ. ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يَنْجُونَ مِنَ النّارِ ولا يَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ. ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ افْتِراؤُهم مَتاعٌ في الدُّنْيا يُقِيمُونَ بِهِ رِئاسَتَهم في الكُفْرِ أوْ حَياتَهم أوْ تَقَلُّبَهم، مَتاعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهم تَمَتُّعٌ في الدُّنْيا. ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ بِالمَوْتِ فَيَلْقَوْنَ الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

يونس 10:71

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ خَبَرَهُ مَعَ قَوْمِهِ. ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ عَظُمَ عَلَيْكم وشَقَّ. ﴿مَقامِي﴾ نَفْسِي كَقَوْلِكَ فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، أوْ كَوْنِي وإقامَتِي بَيْنَكم مُدَّةً مَدِيدَةً أوْ قِيامِي عَلى الدَّعْوَةِ. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إيّاكم. ﴿بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وثِقْتُ بِهِ. ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ فَأعْزِمُوا عَلَيْهِ. ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ أيْ مَعَ شُرَكائِكم ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، وجازَ مِن غَيْرِ أنْ يُؤَكِّدَ لِلْفَصْلِ وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أمْرَكُمْ﴾ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ وأمْرَ شُرَكائِكم. وقِيلَ إنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وادْعُوا شُرَكاءَكم وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وعَنْ نافِعٍ (فَأجْمَعُوا) مِنَ الجَمْعِ، والمَعْنى أمَرَهم بِالعَزْمِ أوِ الِاجْتِماعِ عَلى قَصْدِهِ والسَّعْيِ في إهْلاكِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ يُمْكِنُهم ثِقَةً بِاللَّهِ وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ. ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ﴾ في قَصْدِي. ﴿عَلَيْكم غُمَّةً﴾ مَسْتُورًا واجْعَلُوهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ أوْ ثُمَّ لا يَكُنْ حالُكم عَلَيْكم غَمًّا إذا أهْلَكْتُمُونِي وتَخَلَّصْتُمْ مِن ثِقَلِ مَقامِي وتَذْكِيرِي. ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ أدُّوا. ﴿إلَيَّ﴾ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَ بِي، وقُرِئَ « ثُمَّ أفْضُوا إلَيَّ» بِالفاءِ أيِ انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم أوِ ابْرُزُوا إلَيَّ، مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ. ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ ولا تُمْهِلُونِي.

يونس 10:72

(p-120)﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي. ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ يُوجِبُ تَوَلِّيَكم لِثِقَلِهِ عَلَيْكم واتِّهامِكم إيّايَ لِأجْلِهِ، أوْ يَفُوتُنِي لِتَوَلِّيكم. ﴿إنْ أجْرِيَ﴾ ما ثَوابِي عَلى الدَّعْوَةِ والتَّذْكِيرِ. ﴿إلا عَلى اللَّهِ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكم يُثِيبُنِي بِهِ آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ. ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ لا أُخالِفُ أمْرَهُ ولا أرْجُو غَيْرَهُ. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فَأصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ بَعْدَ ما ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وبَيَّنَ أنَّ تُوَلِّيَهم لَيْسَ إلّا لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا جَرَمَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ. ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿وَمَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ وكانُوا ثَمانِينَ. ﴿وَجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ مِنَ الهالِكِينَ بِهِ. ﴿وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بِالطُّوفانِ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ.

يونس 10:73

(p-120)﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي. ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ يُوجِبُ تَوَلِّيَكم لِثِقَلِهِ عَلَيْكم واتِّهامِكم إيّايَ لِأجْلِهِ، أوْ يَفُوتُنِي لِتَوَلِّيكم. ﴿إنْ أجْرِيَ﴾ ما ثَوابِي عَلى الدَّعْوَةِ والتَّذْكِيرِ. ﴿إلا عَلى اللَّهِ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكم يُثِيبُنِي بِهِ آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ. ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ لا أُخالِفُ أمْرَهُ ولا أرْجُو غَيْرَهُ. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فَأصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ بَعْدَ ما ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وبَيَّنَ أنَّ تُوَلِّيَهم لَيْسَ إلّا لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا جَرَمَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ. ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿وَمَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ وكانُوا ثَمانِينَ. ﴿وَجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ مِنَ الهالِكِينَ بِهِ. ﴿وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بِالطُّوفانِ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ.

يونس 10:74

﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ أرْسَلْنا. ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ نُوحٍ. ﴿رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كُلُّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ. ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ المُثْبِتَةِ لِدَعْواهم. ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ فَما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ وخِذْلانِ اللَّهِ إيّاهم. ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَعَوُّدِهِمْ تَكْذِيبَ الحَقِّ وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ بِخِذْلانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ واتِّباعِ المَأْلُوفِ، وفي أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأفْعالَ واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَسْبِ العَبْدِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

يونس 10:75

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ. ﴿مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا﴾ بِالآياتِ التِّسْعِ. ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ اتِّباعِهِما. ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مُعْتادِينَ الإجْرامَ فَلِذَلِكَ تَهاوَنُوا بِرِسالَةِ رَبِّهِمْ واجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها. ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ وعَرَفُوهُ بِتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ المُزِيلَةِ لِلشَّكِّ. ﴿قالُوا﴾ مِن فَرْطِ تَمَرُّدِهِمْ. ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ أنَّهُ سِحْرٌ، أوْ فائِقٌ في فَنِّهِ واضِحٌ فِيما بَيْنَ إخْوانِهِ.

يونس 10:76

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ. ﴿مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا﴾ بِالآياتِ التِّسْعِ. ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ اتِّباعِهِما. ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مُعْتادِينَ الإجْرامَ فَلِذَلِكَ تَهاوَنُوا بِرِسالَةِ رَبِّهِمْ واجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها. ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ وعَرَفُوهُ بِتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ المُزِيلَةِ لِلشَّكِّ. ﴿قالُوا﴾ مِن فَرْطِ تَمَرُّدِهِمْ. ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ أنَّهُ سِحْرٌ، أوْ فائِقٌ في فَنِّهِ واضِحٌ فِيما بَيْنَ إخْوانِهِ.

يونس 10:77

﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾ إنَّهُ لَسِحْرٌ فَحُذِفَ المَحْكِيُّ المَقُولُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ. ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ لِأنَّهم بَتُّوا القَوْلَ بَلْ هو اسْتِئْنافٌ بِإنْكارِ ما قالُوهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ والمَحْكِيُّ مَفْهُومُ قَوْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ أتَعِيبُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَخافُ القالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَيَسْتَغْنِي عَنِ المَفْعُولِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ فَإنَّهُ لَوْ كانَ سِحْرًا لاضْمَحَلَّ ولَمْ يُبْطِلْ سِحْرَ السَّحَرَةِ، ولِأنَّ العالِمَ بِأنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ لا يَسْحَرُ، أوْ مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ إنْ جُعِلَ أسِحْرٌ هَذا مَحْكِيًّا كَأنَّهم قالُوا أجِئْتَنا بِالسِّحْرِ تَطْلُبُ بِهِ الفَلّاحَ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ.(p-121)

يونس 10:78

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ لِتَصْرِفَنا واللَّفْتُ والفَتْلُ أخَوانِ. ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ﴿وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ المُلْكُ فِيها سُمِّيَ بِها لِاتِّصافِ المُلُوكِ بِالكِبْرِ، أوِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ. ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكُلِّ « سَحّارٍ» . ﴿عَلِيمٍ﴾ حاذِقٍ فِيهِ. ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ .

يونس 10:79

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ لِتَصْرِفَنا واللَّفْتُ والفَتْلُ أخَوانِ. ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ﴿وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ المُلْكُ فِيها سُمِّيَ بِها لِاتِّصافِ المُلُوكِ بِالكِبْرِ، أوِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ. ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكُلِّ « سَحّارٍ» . ﴿عَلِيمٍ﴾ حاذِقٍ فِيهِ. ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ .

يونس 10:80

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ لِتَصْرِفَنا واللَّفْتُ والفَتْلُ أخَوانِ. ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ﴿وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ المُلْكُ فِيها سُمِّيَ بِها لِاتِّصافِ المُلُوكِ بِالكِبْرِ، أوِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ. ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكُلِّ « سَحّارٍ» . ﴿عَلِيمٍ﴾ حاذِقٍ فِيهِ. ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ .

يونس 10:81

﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ لا ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سِحْرًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (السِّحْرُ) عَلى أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ وجِئْتُمْ بِهِ خَبَرُها والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أهْوَ السِّحْرُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيِ السِّحْرُ هو. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ما بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَقْدِيرُهُ أيَّ شَيْءٍ أتَيْتُمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سَيَمْحَقُهُ أوْ سَيُظْهِرُ بُطْلانَهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا يُثْبِتُهُ ولا يُقَوِّيهِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ إفْسادٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ويُثْبِتُهُ. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بِأوامِرِهِ وقَضاياهُ وقُرِئَ « بِكَلِمَتِهِ» . ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ.

يونس 10:82

﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ لا ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سِحْرًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (السِّحْرُ) عَلى أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ وجِئْتُمْ بِهِ خَبَرُها والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أهْوَ السِّحْرُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيِ السِّحْرُ هو. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ما بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَقْدِيرُهُ أيَّ شَيْءٍ أتَيْتُمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سَيَمْحَقُهُ أوْ سَيُظْهِرُ بُطْلانَهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ لا يُثْبِتُهُ ولا يُقَوِّيهِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ إفْسادٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ويُثْبِتُهُ. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بِأوامِرِهِ وقَضاياهُ وقُرِئَ « بِكَلِمَتِهِ» . ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ.

يونس 10:83

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ أيْ في مَبْدَإ أمْرِهِ. ﴿إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ إلّا أوْلادٌ مِن أوْلادِ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ دَعاهم فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ إلّا طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والذُّرِّيَّةُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ آمَنُوا بِهِ، أوْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ آسِيَةُ وخازِنُهُ وزَوْجَتُهُ وماشِطَتُهُ ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ أيْ مَعَ خَوْفٍ مِنهم، والضَّمِيرُ لِـ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وجَمْعُهُ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمِيرِ العُظَماءِ، أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ آلُهُ كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ، أوْ لِلْـ ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ أوْ لِلْقَوْمِ. ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أنْ يُعَذِّبَهم فِرْعَوْنُ، وهو بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَفْعُولُ خَوْفٍ وإفْرادُهُ بِالضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَوْفَ مِنَ المَلَإ كانَ بِسَبَبِهِ. ﴿وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ لَغالِبٌ فِيها. ﴿وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ واسْتَرَقَ أسْباطَ الأنْبِياءِ.

يونس 10:84

﴿وَقالَ مُوسى﴾ لَمّا رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَثِقُوا بِهِ واعْتَمِدُوا عَلَيْهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ، فَإنَّ المُعَلَّقَ بِالإيمانِ وُجُوبُ التَّوَكُّلِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ، والمَشْرُوطَ بِالإسْلامِ حُصُولُهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مَعَ التَّخْلِيطِ ونَظِيرُهُ إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ. ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ (p-122)مَوْضِعَ فِتْنَةٍ. ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا. ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مِن كَيْدِهِمْ ومِن شُؤْمِ مُشاهَدَتِهِمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ أوَّلًا لِتُجابَ دَعْوَتُهُ.

يونس 10:85

﴿وَقالَ مُوسى﴾ لَمّا رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَثِقُوا بِهِ واعْتَمِدُوا عَلَيْهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ، فَإنَّ المُعَلَّقَ بِالإيمانِ وُجُوبُ التَّوَكُّلِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ، والمَشْرُوطَ بِالإسْلامِ حُصُولُهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مَعَ التَّخْلِيطِ ونَظِيرُهُ إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ. ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ (p-122)مَوْضِعَ فِتْنَةٍ. ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا. ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مِن كَيْدِهِمْ ومِن شُؤْمِ مُشاهَدَتِهِمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ أوَّلًا لِتُجابَ دَعْوَتُهُ.

يونس 10:86

﴿وَقالَ مُوسى﴾ لَمّا رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَثِقُوا بِهِ واعْتَمِدُوا عَلَيْهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ، فَإنَّ المُعَلَّقَ بِالإيمانِ وُجُوبُ التَّوَكُّلِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ، والمَشْرُوطَ بِالإسْلامِ حُصُولُهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مَعَ التَّخْلِيطِ ونَظِيرُهُ إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ. ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ (p-122)مَوْضِعَ فِتْنَةٍ. ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا. ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مِن كَيْدِهِمْ ومِن شُؤْمِ مُشاهَدَتِهِمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ أوَّلًا لِتُجابَ دَعْوَتُهُ.

يونس 10:87

﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ﴾ أيِ اتَّخِذا مَباءَةً. ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ تَسْكُنُونَ فِيها أوْ تَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ. ﴿واجْعَلُوا﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما. ﴿بُيُوتَكُمْ﴾ تِلْكَ البُيُوتَ. ﴿قِبْلَةً﴾ مُصَلًّى وقِيلَ مَساجِدَ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ، وكانَ مُوسى ﷺ يُصَلِّي إلَيْها. ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فِيها، أُمِرُوا بِذَلِكَ أوَّلَ أمْرِهِمْ لِئَلّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ. ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا والجَنَّةِ في العُقْبى، وإنَّما ثَنّى الضَّمِيرَ أوَّلًا لِأنَّ التَّبَوُّأ لِلْقَوْمِ واتِّخاذَ المَعابِدِ مِمّا يَتَعاطاهُ رُؤُوسُ القَوْمِ بِتَشاوُرٍ، ثُمَّ جَمَعَ لِأنَّ جَعْلَ البُيُوتِ مَساجِدَ والصَّلاةَ فِيها مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ كُلُّ أحَدٍ، ثُمَّ وحَّدَ لِأنَّ البِشارَةَ في الأصْلِ وظِيفَةُ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ.

يونس 10:88

﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ ونَحْوِهِما. ﴿وَأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وأنْواعًا مِنَ المالِ. ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ بِما عَلِمَ مِن مُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَقَوْلِكَ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ. وقِيلَ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿آتَيْتَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ لِأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ عَلى الكُفْرِ اسْتِدْراجٌ وتَثْبِيتٌ عَلى الضَّلالِ، ولِأنَّهم لَمّا جَعَلُوها سَبَبًا لِلضَّلالِ فَكَأنَّهم أُوتُوها لِيَضِلُّوا فَيَكُونُ ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ أيْ أهْلِكْها، والطَّمْسُ المَحْقُ وقُرِئَ (اطْمُسْ) بِالضَّمِّ. ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ وأقْسِها اطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وما بَيْنَهم دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ. ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ لِأنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُ. ﴿فاسْتَقِيما﴾ فاثْبُتا عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُما كائِنٌ ولَكِنْ في وقْتِهِ. رُوِيَ: أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ طَرِيقَ الجَهَلَةِ في الِاسْتِعْجالِ أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ والِاطْمِئْنانُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وكَسْرُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ مَن تَبِعَ ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ أيْضًا.

يونس 10:89

﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ ونَحْوِهِما. ﴿وَأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وأنْواعًا مِنَ المالِ. ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ بِما عَلِمَ مِن مُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَقَوْلِكَ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ. وقِيلَ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿آتَيْتَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ لِأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ عَلى الكُفْرِ اسْتِدْراجٌ وتَثْبِيتٌ عَلى الضَّلالِ، ولِأنَّهم لَمّا جَعَلُوها سَبَبًا لِلضَّلالِ فَكَأنَّهم أُوتُوها لِيَضِلُّوا فَيَكُونُ ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ أيْ أهْلِكْها، والطَّمْسُ المَحْقُ وقُرِئَ (اطْمُسْ) بِالضَّمِّ. ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ وأقْسِها اطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وما بَيْنَهم دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ. ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ لِأنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُ. ﴿فاسْتَقِيما﴾ فاثْبُتا عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُما كائِنٌ ولَكِنْ في وقْتِهِ. رُوِيَ: أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ طَرِيقَ الجَهَلَةِ في الِاسْتِعْجالِ أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ والِاطْمِئْنانُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وكَسْرُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ مَن تَبِعَ ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ أيْضًا.

يونس 10:90

﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ أيْ جَوَّزْناهم في البَحْرِ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ حافِظِينَ لَهم، وقُرِئَ « جَوَّزْنا» وهو مِن فَعَّلَ المُرادِفِ لِفاعِلٍ كَضَعَّفَ وضاعَفَ. ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ فَأدْرَكَهم يُقالُ تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ. ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ (p-123)بَغْيًا وعَدْوًا﴾ باغِينَ وعادِينَ، أوْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ وقُرِئَ « وعُدُوًّا» . ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ لَحِقَهُ. ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ﴾ أيْ بِأنَّهُ. ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ أنَّهُ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوِ الِاسْتِئْنافِ بَدَلًا وتَفْسِيرًا لِـ ﴿آمَنتُ﴾ فَنَكَبَ عَنِ الإيمانِ أوانُ القَبُولِ وبالَغَ فِيهِ حِينَ لا يَقْبَلُ. ﴿آلآنَ﴾ أتُؤْمَنُ آلْآنَ وقَدْ أيَسْتَ مِن نَفْسِكَ ولَمْ يُبْقَ لَكَ اخْتِيارُ. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ قَبْلُ ذَلِكَ مُدَّةُ عُمْرِكَ. ﴿وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ اَلضّالِّينَ المُضِلِّينَ عَنِ الإيمانِ.

يونس 10:91

﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ أيْ جَوَّزْناهم في البَحْرِ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ حافِظِينَ لَهم، وقُرِئَ « جَوَّزْنا» وهو مِن فَعَّلَ المُرادِفِ لِفاعِلٍ كَضَعَّفَ وضاعَفَ. ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ فَأدْرَكَهم يُقالُ تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ. ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ (p-123)بَغْيًا وعَدْوًا﴾ باغِينَ وعادِينَ، أوْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ وقُرِئَ « وعُدُوًّا» . ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ لَحِقَهُ. ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ﴾ أيْ بِأنَّهُ. ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ أنَّهُ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوِ الِاسْتِئْنافِ بَدَلًا وتَفْسِيرًا لِـ ﴿آمَنتُ﴾ فَنَكَبَ عَنِ الإيمانِ أوانُ القَبُولِ وبالَغَ فِيهِ حِينَ لا يَقْبَلُ. ﴿آلآنَ﴾ أتُؤْمَنُ آلْآنَ وقَدْ أيَسْتَ مِن نَفْسِكَ ولَمْ يُبْقَ لَكَ اخْتِيارُ. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ قَبْلُ ذَلِكَ مُدَّةُ عُمْرِكَ. ﴿وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ اَلضّالِّينَ المُضِلِّينَ عَنِ الإيمانِ.

يونس 10:92

﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نُنْقِذُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا، أوْ نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ لِيَراكَ بَنُو إسْرائِيلَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (نُنَجِّيكَ) مَن أنْجى، وقُرِئَ « نُنْحِيكَ» بِالحاءِ أيْ نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِنَ السّاحِلِ. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ بِبَدَنِكَ عارِيًا عَنِ الرُّوحِ، أوْ كامِلًا سَوِّيًا أوْ عُرْيانًا مِن غَيْرِ لِباسٍ. أوْ بِدِرْعِكَ وكانَتْ لَهُ دِرْعً مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها. وقُرِئَ « بِأبْدانِكَ» أيْ بِأجْزاءِ البَدَنِ كُلِّها كَقَوْلِهِمْ هَوى بِإجْرامِهِ أوْ بِدُرُوعَكَ كَأنَّهُ كانَ مُظاهِرًا بَيْنَها. ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن وراءَكَ عَلّامَةٌ وهم بَنُو إسْرائِيلَ إذْ كانَ في نُفُوسِهِمْ مَن عَظَمَتِهِ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَهْلَكْ، حَتّى كَذَّبُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَهم بِغَرَقِهِ إلى أنْ عايَنُوهُ مَطْرُحًَا عَلى مُمَرِّهَمْ مِنَ السّاحِلِ، أوْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ إذا سَمِعُوا مَآلَ أمْرِكَ مِمَّنْ شاهَدَكَ عِبْرَةً ونَكالًا عَنِ الطُّغْيانِ، أوْ حُجَّةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ الإنْسانَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِظَمِ الشَّأْنِ وكِبْرِياءِ المُلْكِ مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ بَعِيدٌ عَنْ مَظانِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وقُرِئَ « لِمَن خَلَقَكَ» أيْ لِخالِقِكَ آيَةٌ أيْ كَسائِرِ الآياتِ فَإنَّ إفْرادَهُ إيّاكَ بِالإلْقاءِ إلى السّاحِلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعَمَّدَ مِنهُ لِكَشْفِ تَزْوِيرِكَ وإماطَةِ الشُّبْهَةِ في أمْرِكَ. وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وإرادَتِهِ، وهَذا الوَجْهُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ عَلى المَشْهُورِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

يونس 10:93

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا﴾ أنْزَلْنا. ﴿بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ مَنزِلًا صالِحًا مُرْضِيًا وهو الشَّأْمُ ومِصْرُ. ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ. ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ فَما اخْتَلَفُوا في أمْرِ دِينِهِمْ إلّا مِن بَعْدِ ما قَرَءُوا التَّوْراةَ وعَلِمُوا أحْكامَها، أوْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا صِدْقَهُ بِنُعُوتِهِ وتَظاهُرِ مُعْجِزاتِهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ بِالإنْجاءِ والإهْلاكِ.

يونس 10:94

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ القِصَصِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ عَلى نَحْوِ ما ألْقَيْنا إلَيْكَ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ والِاسْتِشْهادُ بِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما فِيها، أوْ وصْفُ أهْلِ الكِتابِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ بِصِحَّةِ ما أُنْزِلُ إلَيْهِ، أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ ﷺ وزِيادَةُ تَثْبِيتِهِ لا إمْكانَ وُقُوعِ الشَّكِّ لَهُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وَقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ أيْ إنْ كُنْتَ أيُّها (p-124)السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِالرُّجُوعِ إلى أهْلِ العِلْمِ. ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ واضِحًا أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْمَرِيَّةِ فِيهِ بِالآياتِ القاطِعَةِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ بِالتَّزَلْزُلِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزْمِ واليَقِينِ. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيْضًا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والتَّثْبِيتِ وقَطْعِ الأطْماعِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ .

يونس 10:95

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ القِصَصِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ عَلى نَحْوِ ما ألْقَيْنا إلَيْكَ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ والِاسْتِشْهادُ بِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما فِيها، أوْ وصْفُ أهْلِ الكِتابِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ بِصِحَّةِ ما أُنْزِلُ إلَيْهِ، أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ ﷺ وزِيادَةُ تَثْبِيتِهِ لا إمْكانَ وُقُوعِ الشَّكِّ لَهُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وَقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ أيْ إنْ كُنْتَ أيُّها (p-124)السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِالرُّجُوعِ إلى أهْلِ العِلْمِ. ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ واضِحًا أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْمَرِيَّةِ فِيهِ بِالآياتِ القاطِعَةِ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ بِالتَّزَلْزُلِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزْمِ واليَقِينِ. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيْضًا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والتَّثْبِيتِ وقَطْعِ الأطْماعِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ .

يونس 10:96

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ. ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويُخَلَّدُونَ في العَذابِ. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ لا يُكْذَّبُ كَلامُهُ ولا يُنْتَقَضُ قَضاؤُهُ. ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ فَإنَّ السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِإيمانِهِمْ وهو تَعَلُّقُ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ مَفْقُودٌ. ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُهم كَما لا يَنْفَعُ فِرْعَوْنَ.

يونس 10:97

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ. ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويُخَلَّدُونَ في العَذابِ. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ لا يُكْذَّبُ كَلامُهُ ولا يُنْتَقَضُ قَضاؤُهُ. ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ فَإنَّ السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِإيمانِهِمْ وهو تَعَلُّقُ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ مَفْقُودٌ. ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُهم كَما لا يَنْفَعُ فِرْعَوْنَ.

يونس 10:98

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إلَيْها كَما أخَّرَ فِرْعَوْنُ. ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ مِنها ويَكْشِفَ العَذابَ عَنْها. ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ أوَّلَ ما رَأوْا أمارَةَ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلى حُلُولِهِ. ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ لِتَضَمُّنِ حَرْفِ التَّحْضِيضِ مَعْناهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِأنَّ المُرادَ مِنَ القُرى أهالِيها كَأنَّهُ قالَ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. ﴿وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ إلى آجالِهِمْ. رُوِيَ: أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أهْلِ نَيْنَوى مِنَ المَوْصِلِ، فَكَذَّبُوهُ وأصَرُّوا عَلَيْهِ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ إلى ثَلاثٍ. وقِيلَ إلى ثَلاثِينَ. وقِيلَ إلى أرْبَعِينَ، فَلَمّا دَنا المَوْعِدُ أغامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ ذا دُخانٍ شَدِيدٍ فَهَبَطَ حَتّى غَشِيَ مَدِينَتَهم، فَهابُوا فَطَلَبُوا يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأيْقَنُوا صِدْقَهُ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وبَرَزُوا إلى الصَّعِيدِ بِأنْفُسِهِمْ ونِسائِهِمْ وصِبْيانِهِمْ ودَوابِّهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها فَحَنَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وعَلَتِ الأصْواتُ والعَجِيجُ وأخْلَصُوا التَّوْبَةَ وأظْهَرُوا الإيمانَ وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَحِمَهم وكَشَفَ عَنْهم وكانَ يَوْمُ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمُعَةَ.

يونس 10:99

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ. ﴿جَمِيعًا﴾ مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى القَدَرِيَّةِ في أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ إيمانَهم أجْمَعِينَ، وأنَّ مَن شاءَ إيمانَهُ يُؤْمِنُ لا مَحالَةَ، والتَّقْيِيدُ بِمَشِيئَةِ الإلْجاءِ خِلافُ الظّاهِرِ. ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ بِما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنهم. ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وتَرْتِيبُ الإكْراهِ عَلى المَشِيئَةِ بِالفاءِ وإيلاؤُها حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خِلافَ المَشِيئَةِ مُسْتَحِيلٌ فَلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالإكْراهِ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ إذْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِهِ فَنَزَلَتْ. وَلِذَلِكَ قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ:(p-125)

يونس 10:100

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ﴾ بِاللَّهِ. ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ إلّا بِإرادَتِهِ وألْطافِهِ وتَوْفِيقِهِ فَلا تُجْهِدْ نَفْسَكَ في هُداها فَإنَّهُ إلى اللَّهِ. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ فَإنَّهُ سَبَبُهُ. وقُرِئَ بِالزّايِ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « ونَجْعَلُ» بِالنُّونِ. ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ دَلائِلَهُ وأحْكامَهُ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أيْ تَفَكَّرُوا. ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن عَجائِبِ صُنْعِهِ لِتَدُلَّكم عَلى وحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وماذا إنْ جُعِلَتِ اسْتِفْهامِيَّةً عَلَّقَتِ ﴿انْظُرُوا﴾ عَنِ العَمَلِ. ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ وحُكْمِهِ وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ.

يونس 10:101

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ﴾ بِاللَّهِ. ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ إلّا بِإرادَتِهِ وألْطافِهِ وتَوْفِيقِهِ فَلا تُجْهِدْ نَفْسَكَ في هُداها فَإنَّهُ إلى اللَّهِ. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ فَإنَّهُ سَبَبُهُ. وقُرِئَ بِالزّايِ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « ونَجْعَلُ» بِالنُّونِ. ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ دَلائِلَهُ وأحْكامَهُ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أيْ تَفَكَّرُوا. ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن عَجائِبِ صُنْعِهِ لِتَدُلَّكم عَلى وحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وماذا إنْ جُعِلَتِ اسْتِفْهامِيَّةً عَلَّقَتِ ﴿انْظُرُوا﴾ عَنِ العَمَلِ. ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ وحُكْمِهِ وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ.

يونس 10:102

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَهُ مِن قَوْلِهِمْ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها. ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِذَلِكَ أوْ فانْتَظَرُوا هَلاكِي إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ هَلاكَكم. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنْجِي رُسُلَنا ومَن آمَنَ بِهِمْ، عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ كَذَلِكَ الإنْجاءُ أوْ إنْجاءٌ كَذَلِكَ نُنْجِي مُحَمَّدًا وصَحْبَهُ حِينَ نُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، و ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعْتِراضٌ ونَصْبُهُ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ. وقِيلَ بَدَلٌ مِن كَذَلِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ والكِسائِيُّ (نُنْجِي) مُخَفَّفًا.

يونس 10:103

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَهُ مِن قَوْلِهِمْ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها. ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِذَلِكَ أوْ فانْتَظَرُوا هَلاكِي إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ هَلاكَكم. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنْجِي رُسُلَنا ومَن آمَنَ بِهِمْ، عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ كَذَلِكَ الإنْجاءُ أوْ إنْجاءٌ كَذَلِكَ نُنْجِي مُحَمَّدًا وصَحْبَهُ حِينَ نُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، و ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعْتِراضٌ ونَصْبُهُ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ. وقِيلَ بَدَلٌ مِن كَذَلِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ والكِسائِيُّ (نُنْجِي) مُخَفَّفًا.

يونس 10:104

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ وصِحَّتِهِ. ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ فَهَذا خُلاصَةُ دِينِي اعْتِقادًا وعَمَلًا فاعْرِضُوها عَلى العَقْلِ الصِّرْفِ وانْظُرُوا فِيها بِعَيْنِ الإنْصافِ لِتَعْلَمُوا صِحَّتَها وهو أنِّي لا أعْبُدُ ما تَخْلُقُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ، ولَكِنْ أعْبُدُ خالِقَكُمُ الَّذِي هو يُوجِدُكم ويَتَوَفّاكم. وإنَّما خَصَّ التَّوَفِّي بِالذِّكْرِ لِلتَّهْدِيدِ. ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ ونَطَقَ بِهِ الوَحْيُ، وحَذْفُ الجارِّ مِن أنْ يَجُوزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُطَّرِدِ مَعَ أنْ وأنْ يَكُونَ مِن غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: ؎ أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ. . . فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَسَبِ ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنْ أكُونَ﴾ غَيْرَ أنَّ صِلَةَ أنْ مَحْكِيَّةٌ بِصِيغَةِ الأمْرِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما في الغَرَضِ لِأنَّ المَقْصُودَ وصْلُها بِما يَتَضَمَّنُ مَعْنى المَصْدَرِ لِتَدُلَّ مَعَهُ عَلَيْهِ، وصِيَغُ الأفْعالِ كُلُّها كَذَلِكَ سَواءٌ الخَبَرُ مِنها والطَّلَبُ، والمَعْنى وأُمِرْتُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والِاسْتِبْدادِ فِيهِ بِأداءِ الفَرائِضِ، والِانْتِهاءِ عَنِ القَبائِحِ، أوْ في الصَّلاةِ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ الدِّينِ أوِ الوَجْهِ. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

يونس 10:105

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ وصِحَّتِهِ. ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ فَهَذا خُلاصَةُ دِينِي اعْتِقادًا وعَمَلًا فاعْرِضُوها عَلى العَقْلِ الصِّرْفِ وانْظُرُوا فِيها بِعَيْنِ الإنْصافِ لِتَعْلَمُوا صِحَّتَها وهو أنِّي لا أعْبُدُ ما تَخْلُقُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ، ولَكِنْ أعْبُدُ خالِقَكُمُ الَّذِي هو يُوجِدُكم ويَتَوَفّاكم. وإنَّما خَصَّ التَّوَفِّي بِالذِّكْرِ لِلتَّهْدِيدِ. ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ ونَطَقَ بِهِ الوَحْيُ، وحَذْفُ الجارِّ مِن أنْ يَجُوزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُطَّرِدِ مَعَ أنْ وأنْ يَكُونَ مِن غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: ؎ أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ. . . فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَسَبِ ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنْ أكُونَ﴾ غَيْرَ أنَّ صِلَةَ أنْ مَحْكِيَّةٌ بِصِيغَةِ الأمْرِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما في الغَرَضِ لِأنَّ المَقْصُودَ وصْلُها بِما يَتَضَمَّنُ مَعْنى المَصْدَرِ لِتَدُلَّ مَعَهُ عَلَيْهِ، وصِيَغُ الأفْعالِ كُلُّها كَذَلِكَ سَواءٌ الخَبَرُ مِنها والطَّلَبُ، والمَعْنى وأُمِرْتُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والِاسْتِبْدادِ فِيهِ بِأداءِ الفَرائِضِ، والِانْتِهاءِ عَنِ القَبائِحِ، أوْ في الصَّلاةِ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ الدِّينِ أوِ الوَجْهِ. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

يونس 10:106

(p-126)﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ بِنَفْسِهِ إنْ دَعَوْتَهُ أوْ خَذَلْتَهُ. ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ فَإنْ دَعْوَتَهُ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ تَبَعَةِ الدُّعاءِ. ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ وإنْ يُصِبْكَ بِهِ. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ يَرْفَعُهُ. ﴿إلا هُوَ﴾ إلّا اللَّهُ. ﴿وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ﴾ فَلا دافِعَ. ﴿لِفَضْلِهِ﴾ الَّذِي أرادَكَ بِهِ ولَعَلَّهُ ذَكَرَ الإرادَةَ مَعَ الخَيْرِ والمَسَّ مَعَ الضُّرِّ مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ وأنَّ الضُّرَّ إنَّما مَسَّهم لا بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ووُضِعَ الفَضْلُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ لا اسْتِحْقاقَ لَهم عَلَيْهِ، ولَمْ يُسْتَثْنَ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بِالخَيْرِ. ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَرَّضُوا لِرَحْمَتِهِ بِالطّاعَةِ ولا تَيْأسُوا مِن غُفْرانِهِ بِالمَعْصِيَةِ.

يونس 10:107

(p-126)﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ بِنَفْسِهِ إنْ دَعَوْتَهُ أوْ خَذَلْتَهُ. ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ فَإنْ دَعْوَتَهُ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ تَبَعَةِ الدُّعاءِ. ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ وإنْ يُصِبْكَ بِهِ. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ يَرْفَعُهُ. ﴿إلا هُوَ﴾ إلّا اللَّهُ. ﴿وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ﴾ فَلا دافِعَ. ﴿لِفَضْلِهِ﴾ الَّذِي أرادَكَ بِهِ ولَعَلَّهُ ذَكَرَ الإرادَةَ مَعَ الخَيْرِ والمَسَّ مَعَ الضُّرِّ مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ وأنَّ الضُّرَّ إنَّما مَسَّهم لا بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ووُضِعَ الفَضْلُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ لا اسْتِحْقاقَ لَهم عَلَيْهِ، ولَمْ يُسْتَثْنَ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بِالخَيْرِ. ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَتَعَرَّضُوا لِرَحْمَتِهِ بِالطّاعَةِ ولا تَيْأسُوا مِن غُفْرانِهِ بِالمَعْصِيَةِ.

يونس 10:108

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ رَسُولُهُ أوِ القُرْآنُ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ. ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِالإيمانِ والمُتابَعَةِ. ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ لَها. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بِالكُفْرِ بِهِما. ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِأنَّ وبالَ الضَّلالِ عَلَيْها. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلى أمْرِكم، وإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ بِالِامْتِثالِ والتَّبْلِيغِ. ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى دَعْوَتِهِمْ وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِالنُّصْرَةِ أوْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى السَّرائِرِ اطِّلاعُهُ عَلى الظَّواهِرِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ يُونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِيُونُسَ وكَذَّبَ بِهِ وبِعَدَدِ مَن غَرِقَ مَعَ فِرْعَوْنَ» .

يونس 10:109

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ رَسُولُهُ أوِ القُرْآنُ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ. ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِالإيمانِ والمُتابَعَةِ. ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ لَها. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بِالكُفْرِ بِهِما. ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِأنَّ وبالَ الضَّلالِ عَلَيْها. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلى أمْرِكم، وإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ بِالِامْتِثالِ والتَّبْلِيغِ. ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى دَعْوَتِهِمْ وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِالنُّصْرَةِ أوْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى السَّرائِرِ اطِّلاعُهُ عَلى الظَّواهِرِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ يُونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِيُونُسَ وكَذَّبَ بِهِ وبِعَدَدِ مَن غَرِقَ مَعَ فِرْعَوْنَ» .

هود 11:1

(p-127)سُورَةُ هُودٍ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتابٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يَعْتَرِيهِ إخْلالٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، أوْ مُنِعَتْ مِنَ الفَسادِ والنَّسْخِ فَإنَّ المُرادَ آياتُ السُّورَةِ ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، أوْ أُحْكِمَتْ بِالحُجَجِ والدَّلائِلِ أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً مَنقُولٌ مِن حُكِمَ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَكِيمًا لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بِالفَوائِدِ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والأخْبارِ، أوْ بِجَعْلِها سُوَرًا أوْ بِالإنْزالِ نَجْمًا نَجْمًا، أوْ فَصَّلَ فِيها ولَخَّصَ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وقُرِئَ « ثُمَّ فَصَّلَتْ» أيْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وأحْكَمَتْ آياتِهِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمُتَكَلِّمِ، و ﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّفاوُتِ في الحُكْمِ أوْ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ. ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ ﴿كِتابٌ﴾، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِلَةٌ لِـ ﴿أُحْكِمَتْ﴾ أوْ ﴿فُصِّلَتْ﴾، وهو تَقْرِيرٌ لِأحْكامِها وتَفْصِيلِها عَلى أكْمَلِ ما يَنْبَغِي بِاعْتِبارِ ما ظَهَرَ أمْرُهُ وما خَفِيَ.

هود 11:2

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لِأنْ لا تَعْبُدُوا. وقِيلَ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً لِلْإغْراءِ عَلى التَّوْحِيدِ أوِ الأمْرُ بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الغَيْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنى الزَمُوهُ أوِ اتْرُكُوها تَرْكًا. ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ. ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ بِالعِقابِ عَلى الشِّرْكِ والثَّوابِ عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ألّا تَعْبُدُوا. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلى مَطْلُوبِكم بِالتَّوْبَةِ فَإنَّ المَعْرِضَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ تُوبُوا إلى اللَّهِ بِالطّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ. ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ يُعَيِّشُكم في أمْنٍ ودَعَةٍ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو آخِرُ أعْمارِكُمُ المُقَدَّرَةِ، أوْ لا يُهْلِكُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ والأرْزاقِ والآجالِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْمارِ لَكِنَّها مُسَمّاةٌ بِالإضافَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا تَتَغَيَّرُ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في دِينِهِ جَزاءَ فَضْلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو وعْدٌ لِلْمُوَحِّدِ التّائِبِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ وإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ يَوْمَ الشَّدائِدِ وقَدِ ابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ. وقُرِئَ وإنْ ﴿تَوَلَّوْا﴾ مِن ولِيَ.

هود 11:3

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لِأنْ لا تَعْبُدُوا. وقِيلَ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً لِلْإغْراءِ عَلى التَّوْحِيدِ أوِ الأمْرُ بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الغَيْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنى الزَمُوهُ أوِ اتْرُكُوها تَرْكًا. ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ. ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ بِالعِقابِ عَلى الشِّرْكِ والثَّوابِ عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ألّا تَعْبُدُوا. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلى مَطْلُوبِكم بِالتَّوْبَةِ فَإنَّ المَعْرِضَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ تُوبُوا إلى اللَّهِ بِالطّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ. ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ يُعَيِّشُكم في أمْنٍ ودَعَةٍ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو آخِرُ أعْمارِكُمُ المُقَدَّرَةِ، أوْ لا يُهْلِكُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ والأرْزاقِ والآجالِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْمارِ لَكِنَّها مُسَمّاةٌ بِالإضافَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا تَتَغَيَّرُ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في دِينِهِ جَزاءَ فَضْلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو وعْدٌ لِلْمُوَحِّدِ التّائِبِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ وإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ يَوْمَ الشَّدائِدِ وقَدِ ابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ. وقُرِئَ وإنْ ﴿تَوَلَّوْا﴾ مِن ولِيَ.

هود 11:4

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو شاذٌّ عَنِ القِياسِ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ (p-128)عَلى تَعْذِيبِكم أشَدَّ عَذابٍ وكَأنَّهُ تَقْدِيرٌ لِكِبَرِ اليَوْمِ. ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يَثْنُونَها عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، أوْ يَعْطِفُونَها عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ يُوَلُّونَ ظُهُورَهم. وقُرِئَ « يَثْنُونِي» بِالياءِ والتّاءِ مَنِ اثْنُونِي، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ. و « تَثْنُونَ»، وأصْلُهُ تَثْنُونَنِ مِنَ الثِّنِّ وهو الكَلَأُ الضَّعِيفُ أرادَ بِهِ ضَعْفَ قُلُوبِهِمْ أوْ مُطاوَعَةَ صُدُورِهِمْ لِلثَّنْيِ، و « يَثْنِئْنَ» مِنَ اثْنَأنَّ كابْياضَّ بِالهَمْزَةِ و « تَثْنَوِي» . ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ بِسِرِّهِمْ فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ. قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وطَوَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ يَعْلَمُ. وَقِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ حَدَّثَ بِالمَدِينَةِ. ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ألا حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ في قُلُوبِهِمْ. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ بِأفْواهِهِمْ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ سِرُّهم وعَلَنُهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما عَسى يُظْهِرُونَهُ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِالأسْرارِ ذاتِ الصُّدُورِ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها.

هود 11:5

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو شاذٌّ عَنِ القِياسِ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ (p-128)عَلى تَعْذِيبِكم أشَدَّ عَذابٍ وكَأنَّهُ تَقْدِيرٌ لِكِبَرِ اليَوْمِ. ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يَثْنُونَها عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، أوْ يَعْطِفُونَها عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ يُوَلُّونَ ظُهُورَهم. وقُرِئَ « يَثْنُونِي» بِالياءِ والتّاءِ مَنِ اثْنُونِي، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ. و « تَثْنُونَ»، وأصْلُهُ تَثْنُونَنِ مِنَ الثِّنِّ وهو الكَلَأُ الضَّعِيفُ أرادَ بِهِ ضَعْفَ قُلُوبِهِمْ أوْ مُطاوَعَةَ صُدُورِهِمْ لِلثَّنْيِ، و « يَثْنِئْنَ» مِنَ اثْنَأنَّ كابْياضَّ بِالهَمْزَةِ و « تَثْنَوِي» . ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ بِسِرِّهِمْ فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ. قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وطَوَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ يَعْلَمُ. وَقِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ حَدَّثَ بِالمَدِينَةِ. ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ألا حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ في قُلُوبِهِمْ. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ بِأفْواهِهِمْ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ سِرُّهم وعَلَنُهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما عَسى يُظْهِرُونَهُ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِالأسْرارِ ذاتِ الصُّدُورِ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها.

هود 11:6

﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ غِذاؤُها ومَعاشُها لِتَكَفُّلِهِ إيّاهُ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً، وإنَّما أتى بِلَفْظِ الوُجُوبِ تَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ وحَمْلًا عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ أماكِنَها في الحَياةِ والمَماتِ، أوِ الأصْلابِ والأرْحامِ أوْ مَساكِنَها مِنَ الأرْضِ حِينَ وُجِدَتْ بِالفِعْلِ ومَوْدَعَها مِنَ المَوادِّ والمُقارِّ حِينَ كانَتْ بَعْدُ بِالقُوَّةِ. ﴿كُلٌّ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّوابِّ وأحْوالِها. ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ بَيانُ كَوْنِهِ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وبِما بَعْدَها بَيانُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ بِأسْرِها تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ ولِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

هود 11:7

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ خَلَقَهُما وما فِيهِما كَما مَرَّ بَيانُهُ في « الأعْرافِ»، أوْ ما في جِهَتَيِ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجَمَعَ السَّمَواتِ دُونَ الأرْضِ لِاخْتِلافِ العُلْوِيّاتِ بِالأصْلِ والذّاتِ دُونَ السُّفْلِيّاتِ. ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ قَبْلَ خَلْقِهِما لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ مِن أجْرامِ هَذا العالَمِ. وقِيلَ كانَ الماءُ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ. ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿خَلَقَ﴾ أيْ خَلَقَ ذَلِكَ كَخَلْقِ مَن خَلَقَ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَإنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أسْبابٌ ومَوادُّ لِوُجُودِكم ومَعاشِكم وما تَحْتاجُ إلَيْهِ أعْمالُكم ودَلائِلُ وأماراتٌ تَسْتَدِلُّونَ بِها وتَسْتَنْبِطُونَ مِنها، وإنَّما جازَ تَعْلِيقُ فَعْلِ البَلْوى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ كالنَّظَرِ والِاسْتِماعِ، وإنَّما ذِكْرُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ والِاخْتِبارِ شامِلٌ لِفِرَقِ المُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ الحُسْنِ والقُبْحِ لِلتَّحْرِيضِ عَلى أحاسِنِ المَحاسِنِ، والتَّحْضِيضِ عَلى التَّرَقِّي دائِمًا في مَراتِبِ العِلْمِ والعَمَلِ فَإنَّ المُرادَ بِالعَمَلِ ما يَعُمُّ عَمَلَ القَلْبِ والجَوارِحِ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» . والمَعْنى أيُّكم أكْمَلُ عِلْمًا وعَمَلًا. ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما البَعْثُ أوِ القَوْلُ بِهِ أوِ القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ لِذِكْرِهِ إلّا كالسِّحْرِ في الخَدِيعَةِ أوِ البُطْلانِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « إلّا ساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى القائِلِ. وقُرِئَ (أنَّكُمْ) بِالفَتْحِ عَلى تَضَمُّنِ قُلْتَ مَعْنى ذَكَرْتَ أوْ أنْ يَكُونَ أنَّ بِمَعْنى عَلى أيْ ولَئِنْ قُلْتَ عَلَّكم مَبْعُوثُونَ، بِمَعْنى تَوَقَّعُوا بَعْثَكم ولا تَبُتُّوا بِإنْكارِهِ لَعَدُّوهُ مِن قَبِيلِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ مُبالَغَةً في إنْكارِهِ.(p-129)

هود 11:8

﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ المَوْعُودَ. ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ إلى جَماعَةٍ مِنَ الأوْقاتِ قَلِيلَةٍ. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ اسْتِهْزاءً. ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ ما يَمْنَعُهُ مِنَ الوُقُوعِ. ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كَيَوْمِ بَدْرٍ. ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ لَيْسَ العَذابُ مَدْفُوعًا عَنْهم، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِخَبَرِ لَيْسَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِها عَلَيْها. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ وأحاطَ بِهِمْ وُضِعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا ومُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيِ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ، فَوُضِعَ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مَوْضِعَ يَسْتَعْجِلُونَ لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ اسْتِهْزاءً.

هود 11:9

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ ولَئِنْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ﴾ ثُمَّ سَلَبْنا تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ. ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وعَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ. ﴿كَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ ما سَلَفَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ. ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وغِنًى بَعْدَ عَدَمٍ، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي. ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها. ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى النّاسِ مَشْغُولٌ عَنِ الشُّكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها، وفي لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ النِّعَمِ والمِحَنِ كالأُنْمُوذَجِ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ لِأنَّ الذَّوْقَ إدْراكُ الطَّعْمِ والمَسَّ مُبْتَدَأُ الوُصُولِ. ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الضَّرّاءِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا لِآلائِهِ سابِقِها ولاحِقِها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أُقِلُّهُ الجَنَّةُ والِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإذا كانَ مُحَلّى بِاللّامِ أفادَ الِاسْتِغْراقَ ومَن حَمَلَهُ عَلى الكافِرِ لِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا.

هود 11:10

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ ولَئِنْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ﴾ ثُمَّ سَلَبْنا تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ. ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وعَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ. ﴿كَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ ما سَلَفَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ. ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وغِنًى بَعْدَ عَدَمٍ، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي. ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها. ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى النّاسِ مَشْغُولٌ عَنِ الشُّكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها، وفي لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ النِّعَمِ والمِحَنِ كالأُنْمُوذَجِ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ لِأنَّ الذَّوْقَ إدْراكُ الطَّعْمِ والمَسَّ مُبْتَدَأُ الوُصُولِ. ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الضَّرّاءِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا لِآلائِهِ سابِقِها ولاحِقِها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أُقِلُّهُ الجَنَّةُ والِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإذا كانَ مُحَلّى بِاللّامِ أفادَ الِاسْتِغْراقَ ومَن حَمَلَهُ عَلى الكافِرِ لِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا.

هود 11:11

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ ولَئِنْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ﴾ ثُمَّ سَلَبْنا تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ. ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وعَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ. ﴿كَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ ما سَلَفَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ. ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وغِنًى بَعْدَ عَدَمٍ، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي. ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها. ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى النّاسِ مَشْغُولٌ عَنِ الشُّكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها، وفي لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ النِّعَمِ والمِحَنِ كالأُنْمُوذَجِ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ لِأنَّ الذَّوْقَ إدْراكُ الطَّعْمِ والمَسَّ مُبْتَدَأُ الوُصُولِ. ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الضَّرّاءِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا لِآلائِهِ سابِقِها ولاحِقِها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أُقِلُّهُ الجَنَّةُ والِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإذا كانَ مُحَلّى بِاللّامِ أفادَ الِاسْتِغْراقَ ومَن حَمَلَهُ عَلى الكافِرِ لِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا.

هود 11:12

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ تَتْرُكُ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ وهو ما يُخالِفُ رَأْيَ المُشْرِكِينَ مَخافَةَ رَدِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَوَقُّعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ ما يَدْعُو إلَيْهِ وُقُوعُهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ما يَصْرِفُ عَنْهُ وهو عِصْمَةُ الرُّسُلِ عَنِ الخِيانَةِ في الوَحْيِ والثِّقَةُ في التَّبْلِيغِ ها هُنا. ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وعارِضٌ لَكَ أحْيانًا ضِيقُ صَدْرِكَ بِأنْ تَتْلُوَهُ عَلَيْهِمْ مَخافَةَ. ﴿أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يُنْفِقُهُ في الِاسْتِتْباعِ كالمُلُوكِ. ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقُهُ وقِيلَ الضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ . ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ ولا عَلَيْكَ رَدُّوا أوِ اقْتَرَحُوا فَما بالُكَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ عالِمٌ بِحالِهِمْ وفاعِلٌ بِهِمْ جَزاءَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

هود 11:13

(p-130)﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ والهاءُ لِـ ﴿ما يُوحى﴾ . ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَيانِ وحَسُنِ النَّظْمِ تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ ثُمَّ لَمّا عَجَزُوا عَنْها سَهَّلَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ وتَحَدّاهم بِسُورَةٍ، وتَوْحِيدُ المِثْلِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدَةٍ. ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مُخْتَلَقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي تَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ بَلْ أنْتُمْ أقْدَرُ لِتَعَلُّمِكُمُ القِصَصَ والأشْعارَ وتَعَوُّدِكُمُ القَرِيضَ والنَّظْمَ. ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ مُفْتَرًى ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ بِإتْيانِ ما دَعَوْتُمْ إلَيْهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ إمّا لِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا أيْضًا يَتَحَدَّوْنَهم، وكانَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ مُتَناوِلًا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ أتْباعُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ أمْرٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحَدِّيَ مِمّا يُوجِبُ رُسُوخَ إيمانِهِمْ وقُوَّةَ يَقِينِهِمْ فَلا يَغْفُلُونَ عَنْهُ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ. ﴿وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ واعْلَمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّهُ العالِمُ القادِرُ بِما لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ولِظُهُورِ عَجْزِ آلِهَتِهِمْ ولِتَنْصِيصِ هَذا الكَلامِ الثّابِتِ صِدْقُهُ بِإعْجازِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ آلِهَتُهم. ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثابِتُونَ عَلى الإسْلامِ راسِخُونَ فِيهِ مُخْلِصُونَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَكم إعْجازُهُ مُطْلَقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ والضَّمِيرُ في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إلى المُظاهَرَةِ لِعَجْزِهِمْ وقَدْ عَرَفْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ القُصُورَ عَنِ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّهُ نَظْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ حَقٌّ فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، وفي مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجِبِ وزَوالِ العُذْرِ.

هود 11:14

(p-130)﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ والهاءُ لِـ ﴿ما يُوحى﴾ . ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَيانِ وحَسُنِ النَّظْمِ تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ ثُمَّ لَمّا عَجَزُوا عَنْها سَهَّلَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ وتَحَدّاهم بِسُورَةٍ، وتَوْحِيدُ المِثْلِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدَةٍ. ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مُخْتَلَقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي تَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ بَلْ أنْتُمْ أقْدَرُ لِتَعَلُّمِكُمُ القِصَصَ والأشْعارَ وتَعَوُّدِكُمُ القَرِيضَ والنَّظْمَ. ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ مُفْتَرًى ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ بِإتْيانِ ما دَعَوْتُمْ إلَيْهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ إمّا لِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا أيْضًا يَتَحَدَّوْنَهم، وكانَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ مُتَناوِلًا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ أتْباعُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ أمْرٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحَدِّيَ مِمّا يُوجِبُ رُسُوخَ إيمانِهِمْ وقُوَّةَ يَقِينِهِمْ فَلا يَغْفُلُونَ عَنْهُ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ. ﴿وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ واعْلَمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّهُ العالِمُ القادِرُ بِما لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ولِظُهُورِ عَجْزِ آلِهَتِهِمْ ولِتَنْصِيصِ هَذا الكَلامِ الثّابِتِ صِدْقُهُ بِإعْجازِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ آلِهَتُهم. ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثابِتُونَ عَلى الإسْلامِ راسِخُونَ فِيهِ مُخْلِصُونَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَكم إعْجازُهُ مُطْلَقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ والضَّمِيرُ في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إلى المُظاهَرَةِ لِعَجْزِهِمْ وقَدْ عَرَفْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ القُصُورَ عَنِ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّهُ نَظْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ حَقٌّ فَهَلْ أنْتُمْ داخِلُونَ في الإسْلامِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، وفي مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْهامِ إيجابٌ بَلِيغٌ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى قِيامِ المُوجِبِ وزَوالِ العُذْرِ.

هود 11:15

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ بِإحْسانِهِ وبِرِّهِ. ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ نُوَصِّلُ إلَيْهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والرِّئاسَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ. وقُرِئَ « يُوَفِّ» بِالياءِ أيْ يُوفِّ اللَّهُ و « تُوَفَّ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « نُوَفِّ» بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ لِأنَّ الشَّرْطَ ماضٍ كَقَوْلِهِ: ؎ وإنْ أتاهُ كَرِيمٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ. . . يَقُولُ لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرَمُ ﴿وَهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ لا يُنْقُصُونَ شَيْئًا مِن أُجُورِهِمْ. والآيَةُ في أهْلِ الرِّياءِ. وقِيلَ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ في الكَفَرَةِ وغَرَضِهِمْ وبِرِّهِمْ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ مُطْلَقًا في مُقابَلَةِ ما عَمِلُوا لِأنَّهُمُ اسْتَوْفَوْا ما تَقْتَضِيهِ صُوَرُ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ وبَقِيَتْ لَهم أوْزارُ العَزائِمِ السَّيِّئَةِ. ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم ثَوابٌ في الآخِرَةِ، أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهِ وجْهَ اللَّهِ والعُمْدَةُ في اقْتِضاءِ ثَوابِها هو الإخْلاصُ، ويَجُوزُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِـ ﴿صَنَعُوا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ ﴿الدُّنْيا﴾ . ﴿وَباطِلٌ﴾ في نَفْسِهِ. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُعْمَلْ عَلى ما يَنْبَغِي، وكَأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِما قَبْلِها. وقُرِئَ « باطِلًا» عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَعْمَلُونَ و ﴿ما﴾ إبْهامِيَّةٌ أوْ في مَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ؎ ولا خارِجًا مِن في زُورُ كَلامٍ وَبَطَلَ عَلى الفِعْلِ.(p-131)

هود 11:16

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ بِإحْسانِهِ وبِرِّهِ. ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ نُوَصِّلُ إلَيْهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والرِّئاسَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ. وقُرِئَ « يُوَفِّ» بِالياءِ أيْ يُوفِّ اللَّهُ و « تُوَفَّ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « نُوَفِّ» بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ لِأنَّ الشَّرْطَ ماضٍ كَقَوْلِهِ: ؎ وإنْ أتاهُ كَرِيمٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ. . . يَقُولُ لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرَمُ ﴿وَهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ لا يُنْقُصُونَ شَيْئًا مِن أُجُورِهِمْ. والآيَةُ في أهْلِ الرِّياءِ. وقِيلَ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ في الكَفَرَةِ وغَرَضِهِمْ وبِرِّهِمْ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ مُطْلَقًا في مُقابَلَةِ ما عَمِلُوا لِأنَّهُمُ اسْتَوْفَوْا ما تَقْتَضِيهِ صُوَرُ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ وبَقِيَتْ لَهم أوْزارُ العَزائِمِ السَّيِّئَةِ. ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم ثَوابٌ في الآخِرَةِ، أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهِ وجْهَ اللَّهِ والعُمْدَةُ في اقْتِضاءِ ثَوابِها هو الإخْلاصُ، ويَجُوزُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِـ ﴿صَنَعُوا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ ﴿الدُّنْيا﴾ . ﴿وَباطِلٌ﴾ في نَفْسِهِ. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُعْمَلْ عَلى ما يَنْبَغِي، وكَأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِما قَبْلِها. وقُرِئَ « باطِلًا» عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَعْمَلُونَ و ﴿ما﴾ إبْهامِيَّةٌ أوْ في مَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ؎ ولا خارِجًا مِن في زُورُ كَلامٍ وَبَطَلَ عَلى الفِعْلِ.(p-131)

هود 11:17

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّهُ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَعْقُبَ مَن هَذا شَأْنُهُ هَؤُلاءِ المُقْصِرِينَ هِمَمَهم وأفْكارَهم عَلى الدُّنْيا وأنْ يُقارِبَ بَيْنَهم في المَنزِلَةِ، وهو الَّذِي أغْنى عَنْ ذِكْرِ الخَبَرِ وتَقْدِيرُهُ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، وهو حُكْمٌ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُخْلِصٍ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وقِيلَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانُ الَّذِي هو دَلِيلُ العَقْلِ. ﴿شاهِدٌ مِنهُ﴾ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وهو القُرْآنُ. ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ ومِن قَبْلِ القُرْآنِ. ﴿كِتابُ مُوسى﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ فَإنَّها أيْضًا تَتْلُوهُ في التَّصْدِيقِ، أوِ البَيِّنَةُ هو القُرْآنُ ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ مِنَ التِّلاوَةِ والشّاهِدُ جِبْرِيلُ، أوْ لِسانُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ أوْ مِنَ التَّلْوِ والشّاهِدُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ. والضَّمِيرُ في يَتْلُوهُ إمّا لِمَن أوْ لِلْبَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ. وقُرِئَ (كِتابَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (يَتْلُوهُ) أيْ يَتْلُو القُرْآنَ شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ويُقْرَأُ مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ. ﴿إمامًا﴾ كِتابًا مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِّينِ. ﴿وَرَحْمَةً﴾ عَلى المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ الوَصْلَةُ إلى الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يَرِدُها لا مَحالَةَ. ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ مِنَ المَوْعِدِ، أوِ القُرْآنِ وقُرِئَ (مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ وهُما الشَّكُّ. ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ واخْتِلالِ فِكْرِهِمْ.

هود 11:18

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَأنَّ أسْنَدَ إلَيْهِ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ أوْ نَفى عَنْهُ ما أنْزَلَهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الكاذِبُونَ. ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ في المَوْقِفِ بِأنْ يُحْبَسُوا وتُعْرَضَ أعْمالُهم. ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أوْ مِن جَوارِحِهِمْ، وهو جَمْعُ شاهِدٍ كَأصْحابٍ أوْ شَهِيدٍ كَأشْرافٍ جَمْعُ شَرِيفٍ. ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ مِمّا يَحِيقُ بِهِمْ حِينَئِذٍ لِظُلْمِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنْ دِينِهِ. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَصِفُونَها بِالِانْحِرافِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَعْوَجُّوا بِالرِّدَّةِ. ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ والحالُ أنَّهم كافِرُونَ بِالآخِرَةِ وتَكْرِيرُهم لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ.

هود 11:19

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَأنَّ أسْنَدَ إلَيْهِ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ أوْ نَفى عَنْهُ ما أنْزَلَهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الكاذِبُونَ. ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ في المَوْقِفِ بِأنْ يُحْبَسُوا وتُعْرَضَ أعْمالُهم. ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أوْ مِن جَوارِحِهِمْ، وهو جَمْعُ شاهِدٍ كَأصْحابٍ أوْ شَهِيدٍ كَأشْرافٍ جَمْعُ شَرِيفٍ. ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ مِمّا يَحِيقُ بِهِمْ حِينَئِذٍ لِظُلْمِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنْ دِينِهِ. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَصِفُونَها بِالِانْحِرافِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَعْوَجُّوا بِالرِّدَّةِ. ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ والحالُ أنَّهم كافِرُونَ بِالآخِرَةِ وتَكْرِيرُهم لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ.

هود 11:20

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ ما كانُوا مُعْجِزِينَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم. ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَمْنَعُونَهم مِنَ العِقابِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ عِقابَهم إلى هَذا اليَوْمِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأدْوَمَ. (p-132)﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (يُضَعَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وبُغْضِهِمْ لَهُ. ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ العِلَّةُ لِمُضاعَفَةِ العَذابِ. وَقِيلَ هو بَيانُ ما نَفاهُ مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ لا يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ وقَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضٌ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها، أوْ خَسِرُوا بِما بَدَّلُوا وضاعَ عَنْهم ما حَصَلُوا فَلَمْ يَبْقَ مَعَهم سِوى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ. لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ لا أحَدَ أبْيَنُ وأكْثُرُ خُسْرانًا مِنهم.

هود 11:21

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ ما كانُوا مُعْجِزِينَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم. ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَمْنَعُونَهم مِنَ العِقابِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ عِقابَهم إلى هَذا اليَوْمِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأدْوَمَ. (p-132)﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (يُضَعَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وبُغْضِهِمْ لَهُ. ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ العِلَّةُ لِمُضاعَفَةِ العَذابِ. وَقِيلَ هو بَيانُ ما نَفاهُ مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ لا يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ وقَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضٌ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها، أوْ خَسِرُوا بِما بَدَّلُوا وضاعَ عَنْهم ما حَصَلُوا فَلَمْ يَبْقَ مَعَهم سِوى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ. لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ لا أحَدَ أبْيَنُ وأكْثُرُ خُسْرانًا مِنهم.

هود 11:22

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ ما كانُوا مُعْجِزِينَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم. ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَمْنَعُونَهم مِنَ العِقابِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ عِقابَهم إلى هَذا اليَوْمِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأدْوَمَ. (p-132)﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (يُضَعَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وبُغْضِهِمْ لَهُ. ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ العِلَّةُ لِمُضاعَفَةِ العَذابِ. وَقِيلَ هو بَيانُ ما نَفاهُ مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ لا يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ وقَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضٌ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها، أوْ خَسِرُوا بِما بَدَّلُوا وضاعَ عَنْهم ما حَصَلُوا فَلَمْ يَبْقَ مَعَهم سِوى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ. لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ لا أحَدَ أبْيَنُ وأكْثُرُ خُسْرانًا مِنهم.

هود 11:23

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ وخَشَعُوا لَهُ مِنَ الخَبْتِ وهو الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ. ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ الكافِرِ والمُؤْمِنِ. ﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ تَشْبِيهُ الكافِرِ بِالأعْمى لِتَعامِيهِ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وبِالأصَمِّ لِتَصامِّهِ عَنْ إسْماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وتَأبِّيهِ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيهِ، وتَشْبِيهُ المُؤْمِنِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ لِأنَّ أمْرَهُ بِالضِّدِّ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشَبَّهًا بِاثْنَيْنِ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ، أوْ تَشْبِيهُ الكافِرِ بِالجامِعِ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ والمُؤْمِنِ بِالجامِعِ بَيْنَ ضِدَّيْهِما والعاطِفُ لِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: ؎ الصّائِحُ فالغانِمُ فالآئِبُ وَهَذا مِن بابِ اللَّفِّ والطِّباقِ. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ. ﴿مَثَلا﴾ أيْ تَمْثِيلًا أوْ صِفَةً أوْ حالًا. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِضَرْبِ الأمْثالِ والتَّأمُّلِ فِيها.

هود 11:24

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ وخَشَعُوا لَهُ مِنَ الخَبْتِ وهو الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ. ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ الكافِرِ والمُؤْمِنِ. ﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ تَشْبِيهُ الكافِرِ بِالأعْمى لِتَعامِيهِ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وبِالأصَمِّ لِتَصامِّهِ عَنْ إسْماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وتَأبِّيهِ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيهِ، وتَشْبِيهُ المُؤْمِنِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ لِأنَّ أمْرَهُ بِالضِّدِّ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشَبَّهًا بِاثْنَيْنِ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ، أوْ تَشْبِيهُ الكافِرِ بِالجامِعِ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ والمُؤْمِنِ بِالجامِعِ بَيْنَ ضِدَّيْهِما والعاطِفُ لِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: ؎ الصّائِحُ فالغانِمُ فالآئِبُ وَهَذا مِن بابِ اللَّفِّ والطِّباقِ. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ. ﴿مَثَلا﴾ أيْ تَمْثِيلًا أوْ صِفَةً أوْ حالًا. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِضَرْبِ الأمْثالِ والتَّأمُّلِ فِيها.

هود 11:25

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ﴾ بِأنِّي لَكم. قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُبَيِّنُ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ. ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن إنِّي لَكم، أوْ مَفْعُولٌ مُبَيِّنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿أرْسَلْنا﴾ أوْ بِـ ﴿نَذِيرٌ﴾ . ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ مُؤْلِمٍ وهو في الحَقِيقَةِ صِفَةُ المُعَذِّبِ لَكِنْ يُوصَفُ بِهِ العَذابُ وزَمانُهُ عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ ونَهارُهُ صائِمٌ لِلْمُبالَغَةِ.

هود 11:26

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ﴾ بِأنِّي لَكم. قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُبَيِّنُ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ. ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن إنِّي لَكم، أوْ مَفْعُولٌ مُبَيِّنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً مُتَعَلِّقَةً بِـ ﴿أرْسَلْنا﴾ أوْ بِـ ﴿نَذِيرٌ﴾ . ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ مُؤْلِمٍ وهو في الحَقِيقَةِ صِفَةُ المُعَذِّبِ لَكِنْ يُوصَفُ بِهِ العَذابُ وزَمانُهُ عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ ونَهارُهُ صائِمٌ لِلْمُبالَغَةِ.

هود 11:27

﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ لا مَزِيَّةَ لَكَ عَلَيْنا تَخُصُّكَ بِالنُّبُوَّةِ ووُجُوبِ الطّاعَةِ. ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ أخِسّاؤُنا جَمْعُ أرْذَلَ فَإنَّهُ بِالغَلَبَةِ صارَ مِثْلَ الِاسْمِ كالأكْبَرِ، أوْ أرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ. ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ ظاهِرَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ مِنَ البَدْوِ، أوْ أوَّلَ الرَّأْيِ مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزَةِ وانْتِصابُهُ بِالظَّرْفِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: وقْتَ حُدُوثِ بادِي الرَّأْيِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿اتَّبَعَكَ﴾ . وإنَّما اسْتَرْذَلُوهم لِذَلِكَ أوْ لِفَقْرِهِمْ فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرًا مِنَ (p-133)الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأحَظُّ بِها أشْرَفَ عِنْدَهم والمَحْرُومُ مِنها أرْذَلَ. ﴿وَما نَرى لَكُمْ﴾ لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ. ﴿عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ واسْتِحْقاقِ المُتابَعَةِ. ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ إيّاكَ في دَعْوى النُّبُوَّةِ وإيّاهم في دَعْوى العِلْمِ بِصِدْقِكَ فَغَلَبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِينَ.

هود 11:28

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي. ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ حُجَّةٍ شاهِدَةٍ بِصِحَّةِ دَعْوايَ. ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ بِإيتاءِ البَيِّنَةِ أوِ النُّبُوَّةِ. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم فَلَمْ تَهْدِكم وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِأنَّ البَيِّنَةَ في نَفْسِها هي الرَّحْمَةُ، أوْ لِأنَّ خَفاءَها يُوجِبُ خَفاءَ النُّبُوَّةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ فَعَمِيَتْ بَعْدَ البَيِّنَةِ وحَذْفُها لِلِاخْتِصارِ أوْ لِأنَّهُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ. وقُرِئَ « فَعَمّاها» عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ. ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها. ﴿وَأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ لا تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ ولَيْسَ أحَدُهُما مَرْفُوعًا وقُدِّمَ الأعْرَفُ مِنهُما جازَ في الثّانِي الفَصْلُ والوَصْلُ. ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ عَلى التَّبْلِيغِ وهو وإنْ لَمْ يُذْكَرْ فَمَعْلُومٌ مِمّا ذُكِرَ. ﴿مالا﴾ جُعْلًا ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ المَأْمُولُ مِنهُ. ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابٌ لَهم حِينَ سَألُوا طَرْدَهم. ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ، أوْ أنَّهم يُلاقُونَهُ ويَفُوزُونَ بِقُرْبِهِ فَكَيْفَ أطْرُدُهم. ﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بِلِقاءِ رَبِّكم أوْ بِأقْدارِهِمْ أوْ في التِماسِ طَرْدِهِمْ، أوْ تَتَسَفَّهُونَ عَلَيْهِمْ بِأنْ تَدْعُوهم أراذِلَ.

هود 11:29

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي. ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ حُجَّةٍ شاهِدَةٍ بِصِحَّةِ دَعْوايَ. ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ بِإيتاءِ البَيِّنَةِ أوِ النُّبُوَّةِ. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم فَلَمْ تَهْدِكم وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِأنَّ البَيِّنَةَ في نَفْسِها هي الرَّحْمَةُ، أوْ لِأنَّ خَفاءَها يُوجِبُ خَفاءَ النُّبُوَّةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ فَعَمِيَتْ بَعْدَ البَيِّنَةِ وحَذْفُها لِلِاخْتِصارِ أوْ لِأنَّهُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ. وقُرِئَ « فَعَمّاها» عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ. ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها. ﴿وَأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ لا تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ ولَيْسَ أحَدُهُما مَرْفُوعًا وقُدِّمَ الأعْرَفُ مِنهُما جازَ في الثّانِي الفَصْلُ والوَصْلُ. ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ عَلى التَّبْلِيغِ وهو وإنْ لَمْ يُذْكَرْ فَمَعْلُومٌ مِمّا ذُكِرَ. ﴿مالا﴾ جُعْلًا ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ المَأْمُولُ مِنهُ. ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابٌ لَهم حِينَ سَألُوا طَرْدَهم. ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ، أوْ أنَّهم يُلاقُونَهُ ويَفُوزُونَ بِقُرْبِهِ فَكَيْفَ أطْرُدُهم. ﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بِلِقاءِ رَبِّكم أوْ بِأقْدارِهِمْ أوْ في التِماسِ طَرْدِهِمْ، أوْ تَتَسَفَّهُونَ عَلَيْهِمْ بِأنْ تَدْعُوهم أراذِلَ.

هود 11:30

﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ بِدَفْعِ انْتِقامِهِ. ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ وهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ والمَثابَةِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ لِتَعْرِفُوا أنَّ التِماسَ طَرْدِهِمْ وتَوْقِيفَ الإيمانِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَوابٍ. ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ رِزْقُهُ وأمْوالُهُ حَتّى جَحَدْتُمْ فَضْلِي. ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: ولا أقُولُ لَكم أنا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى تُكَذِّبُونِي اسْتِبْعادًا، أوْ حَتّى أعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ اتَّبَعُونِي بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ بَصِيرَةٍ وعَقْدِ قَلْبٍ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى أقُولُ. ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تَقُولُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا. ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ ولا أقُولُ في شَأْنِ مَنَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ فَإنَّ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم في الدُّنْيا. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنْ قُلْتُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، والِازْدِراءُ بِهِ افْتِعالٌ مِن زَرى عَلَيْهِ إذا عابَهُ قُلِبَتْ تاؤُهُ دالًا لِتَجانُسِ الرّاءِ في الجَهْرِ وإسْنادُهُ إلى الأعْيُنِ لِلْمُبالَغَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَرْذَلُوهم بادِيَ الرُّؤْيَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ بِما عايَنُوا مِن رَثاثَةِ حالِهِمْ وقِلَّةِ مَنالِهِمْ دُونَ تَأمُّلٍ في مَعانِيهِمْ وكَمالاتِهِمْ.

هود 11:31

﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ بِدَفْعِ انْتِقامِهِ. ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ وهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ والمَثابَةِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ لِتَعْرِفُوا أنَّ التِماسَ طَرْدِهِمْ وتَوْقِيفَ الإيمانِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَوابٍ. ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ رِزْقُهُ وأمْوالُهُ حَتّى جَحَدْتُمْ فَضْلِي. ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: ولا أقُولُ لَكم أنا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى تُكَذِّبُونِي اسْتِبْعادًا، أوْ حَتّى أعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ اتَّبَعُونِي بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ بَصِيرَةٍ وعَقْدِ قَلْبٍ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى أقُولُ. ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تَقُولُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا. ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ ولا أقُولُ في شَأْنِ مَنَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ فَإنَّ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم في الدُّنْيا. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنْ قُلْتُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، والِازْدِراءُ بِهِ افْتِعالٌ مِن زَرى عَلَيْهِ إذا عابَهُ قُلِبَتْ تاؤُهُ دالًا لِتَجانُسِ الرّاءِ في الجَهْرِ وإسْنادُهُ إلى الأعْيُنِ لِلْمُبالَغَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَرْذَلُوهم بادِيَ الرُّؤْيَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ بِما عايَنُوا مِن رَثاثَةِ حالِهِمْ وقِلَّةِ مَنالِهِمْ دُونَ تَأمُّلٍ في مَعانِيهِمْ وكَمالاتِهِمْ.

هود 11:32

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ خاصَمْتَنا. ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ فَأطَلْتَهُ أوْ أتَيْتَ بِأنْواعِهِ. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ (p-134)العَذابِ. ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في الدَّعْوى والوَعِيدِ فَإنَّ مُناظَرَتَكَ لا تُؤَثِّرُ فِينا. ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ عاجِلًا أوْ آجِلًا. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ أوِ الهَرَبِ مِنهُ.

هود 11:33

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ خاصَمْتَنا. ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ فَأطَلْتَهُ أوْ أتَيْتَ بِأنْواعِهِ. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ (p-134)العَذابِ. ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في الدَّعْوى والوَعِيدِ فَإنَّ مُناظَرَتَكَ لا تُؤَثِّرُ فِينا. ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ عاجِلًا أوْ آجِلًا. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ أوِ الهَرَبِ مِنهُ.

هود 11:34

﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ شَرْطٌ ودَلِيلُ جَوابٍ والجُمْلَةُ دَلِيلُ جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، ولِذَلِكَ نَقُولُ لَوْ قالَ الرَّجُلَ أنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَدَخَلَتْ ثُمَّ كَلَّمَتْ لَمْ تُطَلَّقْ، وهو جَوابٌ لِما أوْهَمُوا مَن جِدالُهُ كَلامٌ بِلا طائِلٍ. وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِالإغْواءِ وأنَّ خِلافَ مُرادِهِ مُحالٌ. وقِيلَ﴿أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أنْ يُهْلِكَكم مِن غَوى الفَصِيلُ غَوًى إذا بَشِمَ فَهَلَكَ. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ هو خالِقُكم والمُتَصَرِّفُ فِيكم وفْقَ إرادَتِهِ. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ وبالُهُ وقُرِئَ « أجْرامِي» عَلى الجَمْعِ. ﴿وَأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ.

هود 11:35

﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ شَرْطٌ ودَلِيلُ جَوابٍ والجُمْلَةُ دَلِيلُ جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، ولِذَلِكَ نَقُولُ لَوْ قالَ الرَّجُلَ أنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَدَخَلَتْ ثُمَّ كَلَّمَتْ لَمْ تُطَلَّقْ، وهو جَوابٌ لِما أوْهَمُوا مَن جِدالُهُ كَلامٌ بِلا طائِلٍ. وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِالإغْواءِ وأنَّ خِلافَ مُرادِهِ مُحالٌ. وقِيلَ﴿أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أنْ يُهْلِكَكم مِن غَوى الفَصِيلُ غَوًى إذا بَشِمَ فَهَلَكَ. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ هو خالِقُكم والمُتَصَرِّفُ فِيكم وفْقَ إرادَتِهِ. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ وبالُهُ وقُرِئَ « أجْرامِي» عَلى الجَمْعِ. ﴿وَأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ.

هود 11:36

﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَلا تَحْزَنْ ولا تَتَأسَّفْ. ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أقْنَطَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِهِمْ ونَهاهُ أنْ يَغْتَمَّ بِما فَعَلُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والإيذاءِ. ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِأعْيُنِنا، عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّذِي يُحْفَظُ بِهِ الشَّيْءُ ويُراعى عَنِ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ. ﴿وَوَحْيِنا﴾ إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تُراجِعْنِي فِيهِمْ ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهم. ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ.

هود 11:37

﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَلا تَحْزَنْ ولا تَتَأسَّفْ. ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أقْنَطَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِهِمْ ونَهاهُ أنْ يَغْتَمَّ بِما فَعَلُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والإيذاءِ. ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِأعْيُنِنا، عَبَّرَ بِكَثْرَةِ آلَةِ الحِسِّ الَّذِي يُحْفَظُ بِهِ الشَّيْءُ ويُراعى عَنِ الِاخْتِلالِ والزَّيْغِ عَنِ المُبالَغَةِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ. ﴿وَوَحْيِنا﴾ إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تُراجِعْنِي فِيهِمْ ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهم. ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ.

هود 11:38

﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ فَإنَّهُ كانَ يَعْمَلُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الماءِ أوانَ عِزَّتِهِ، وكانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ لَهُ: صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا. ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ إذا أخَذَكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِالسُّخْرِيَةِ الِاسْتِجْهالُ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ يَعْنِي بِهِ إيّاهم وبِالعَذابِ الغَرَقَ. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ ويَنْزِلُ عَلَيْهِ، أوْ يَحِلُّ عَلَيْهِ حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا انْفِكاكَ عَنْهُ. ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ.

هود 11:39

﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ فَإنَّهُ كانَ يَعْمَلُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الماءِ أوانَ عِزَّتِهِ، وكانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ لَهُ: صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا. ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ إذا أخَذَكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِالسُّخْرِيَةِ الِاسْتِجْهالُ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ يَعْنِي بِهِ إيّاهم وبِالعَذابِ الغَرَقَ. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ ويَنْزِلُ عَلَيْهِ، أوْ يَحِلُّ عَلَيْهِ حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا انْفِكاكَ عَنْهُ. ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ.

هود 11:40

﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ غايَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ (p-135)بَعْدَها الكَلامُ. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ نَبَعَ الماءُ مِنهُ وارْتَفَعَ كالقِدْرِ تَفُورُ، و ﴿التَّنُّورُ﴾ تَنُّورُ الخَبْزِ ابْتَدَأ مِنهُ النُّبُوعُ عَلى خَرْقِ العادَةِ وكانَ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها، أوْ في الهِنْدِ أوْ بِعَيْنِ ورْدَةَ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ وقِيلَ التَّنُّورُ وجْهُ الأرْضِ أوْ أشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيها. ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ في السَّفِينَةِ. ﴿مِن كُلٍّ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها. ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى هَذا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ والباقُونَ أضافُوا عَلى مَعْنى احْمِلِ اثْنَيْنِ مِن كُلِّ صِنْفٍ ذَكَرٍ وصِنْفٍ أُنْثى. ﴿وَأهْلَكَ﴾ عُطِفَ عَلى زَوْجَيْنِ أوِ اثْنَيْنِ، والمُرادُ امْرَأتُهُ وبَنُوهُ ونِساؤُهم. ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنَّهُ مِنَ المُغْرَقِينَ يُرِيدُ ابْنَهُ كَنْعانَ وأُمَّهُ واعِلَةَ فَإنَّهُما كانا كافِرَيْنِ. ﴿وَمَن آمَنَ﴾ والمُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِهِمْ. ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ قِيلَ كانُوا تِسْعَةً وسَبْعِينَ زَوْجَتُهُ المُسْلِمَةُ وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ سامٌ وحامٌ ويافِثٌ ونِساؤُهم واثْنانِ وسَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأةً مِن غَيْرِهِمْ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اتَّخَذَ السَّفِينَةَ في سَنَتَيْنِ مِنَ السّاجِ وكانَ طُولُها ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ وعَرَضُها خَمْسِينَ وسُمْكُها ثَلاثِينَ، وجَعَلَ لَها ثَلاثَةَ بُطُونٍ فَحَمَلَ في أسْفَلِها الدَّوابَّ والوَحْشَ وفي أوْسَطِها الإنْسَ وفي أعْلاها الطَّيْرَ.

هود 11:41

﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ أيْ صِيرُوا فِيها وجَعَلَ ذَلِكَ رُكُوبًا لِأنَّها في الماءِ كالمَرْكُوبِ في الأرْضِ. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ مُتَّصِلٌ بِـ ﴿ارْكَبُوا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيِ ارْكَبُوا فِيها مُسَمِّينَ اللَّهَ أوْ قائِلِينَ بِاسْمِ اللَّهِ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها، أوْ مَكانَهُما عَلى أنَّ المَجْرى والمَرْسى لِلْوَقْتِ أوِ المَكانِ أوِ المَصْدَرِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِمْ: آتِيكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، وانْتِصابُهُما بِما قَدَّرْناهُ حالًا ويَجُوزُ رَفْعُهُما بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِما المَصْدَرُ أوْ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أيْ إجْراؤُها بِسْمِ اللَّهِ عَلى أنَّ بِسْمِ اللَّهِ خَبَرٌ أوْ صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ وهي إمّا جُمْلَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الواوِ أوِ الهاءِ. وَرُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ قالَ بِسْمِ اللَّهِ فَجَرَتْ، وإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ قالَ بِسْمِ اللَّهِ فَرَسَتْ. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كَقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ بِرِوايَةِ حَفْصٍ ﴿مَجْراها﴾ بِالفَتْحِ مَن جَرى وقُرِئَ « مَرْساها» أيْضًا مِن رَسا وكِلاهُما يَحْتَمِلُ الثَّلاثَةَ و « مُجْرِيها ومُرْسِيها» بِلَفْظِ الفاعِلِ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ. ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لَوْلا مَغْفِرَتُهُ لِفُرُطاتِكم ورَحْمَتُهُ إيّاكم لَما نَجّاكم.

هود 11:42

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ارْكَبُوا﴾ فَرَكِبُوا مُسَمِّينَ وهي تَجْرِي وهم فِيها. ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ في مَوْجٍ مِنَ الطُّوفانِ، وهو ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ كُلُّ مَوْجَةٍ مِنها كَجَبَلٍ في تَراكُمِها وارْتِفاعِها، وما قِيلَ مِن أنَّ الماءَ طَبَقَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وكانَتِ السَّفِينَةُ تَجْرِي في جَوْفِهِ لَيْسَ بِثابِتٍ، والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلا شَوامِخَ الجِبالِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا وإنْ صَحَّ فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّطْبِيقِ. ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كَنْعانَ، وقُرِئَ « ابْنَها» و « ابْنَهُ» بِحَذْفِ الألِفِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِامْرَأتِهِ، وكانَ رَبِيبَهُ وقِيلَ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ وهو خَطَأٌ إذِ الأنْبِياءُ عُصِمْنَ مِن ذَلِكَ والمُرادُ بِالخِيانَةِ الخِيانَةُ في الدِّينِ، وقُرِئَ « ابْناهُ» عَلى النُّدْبَةِ ولِكَوْنِها حِكايَةً سُوَّغَ حَذْفُ الحَرْفِ. ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ أوْ عَنْ دِينِهِ مَفْعِلٍ لِلْمَكانِ مِن عَزَلَهُ عَنْهُ إذا أبْعَدَهُ. ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ في السَّفِينَةِ، والجُمْهُورُ كَسَرُوا الياءَ لِيَدُلَّ عَلى ياءِ الإضافَةِ المَحْذُوفَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ فَإنَّهُ وقَفَ عَلَيْها في « لُقْمانَ» في المَوْضِعِ الأوَّلِ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ وفي الثّالِثِ في رِوايَةِ قُنْبُلَ وعاصِمٍ فَإنَّهُ فَتَحَ ها هُنا اقْتِصارًا عَلى الفَتْحِ مِنَ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ في سائِرِ المَواضِعِ وقَدْ أدْغَمَ الباءَ في المِيمِ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وحَفْصٌ لِتَقارُبِهِما. ﴿وَلا (p-136)تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ في الدِّينِ والِانْعِزالِ.

هود 11:43

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ أنْ يُغْرِقَنِي ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ إلّا الرّاحِمَ وهو اللَّهُ تَعالى أوْ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، رَدَّ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ يَعْصِمُ اللّائِذَ بِهِ إلّا مُعْتَصَمَ المُؤْمِنِينَ وهو السَّفِينَةُ. وقِيلَ لا عاصِمَ بِمَعْنى لا ذا عِصْمَةٍ كَقَوْلِهِ:﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْصِمُهُ. ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ أوْ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ. ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المُهْلَكِينَ بِالماءِ. ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ نُودِيا بِما يُنادى بِهِ أُولُو العِلْمِ وأُمِرا بِما يُؤْمَرُونَ بِهِ، تَمْثِيلًا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وانْقِيادِهِما لِما يَشاءُ تَكْوِينُهُ فِيهِما بِالأمْرِ المُطاعِ الَّذِي يَأْمُرُ المُنْقادَ لِحُكْمِهِ المُبادِرَ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ، مَهابَةً مِن عَظَمَتِهِ وخَشْيَةً مِن ألِيمِ عِقابِهِ، والبَلْعُ النَّشَفُ والإقْلاعُ الإمْساكَ. ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ نَقَصَ. ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ وأُنْجِزَ ما وُعِدَ مِن إهْلاكِ الكافِرِينَ وإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿واسْتَوَتْ﴾ واسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ. ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ جَبَلٍ بِالمَوْصِلِ وقِيلَ بِالشّامِ وقِيلَ بِآمَلَ. رُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ السَّفِينَةَ عاشِرَ رَجَبٍ ونَزَلَ عَنْها عاشِرَ المُحَرَّمِ فَصامَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً. ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هَلاكًا لَهم، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعْدًا، إذا بَعُدَ بُعْدًا بَعِيدًا بِحَيْثُ لا يُرْجى عُودُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، والآيَةُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِفَخامَةِ لَفْظِها وحَسُنِ نَظْمِها والدَّلالَةِ عَلى كُنْهِ الحالِ مَعَ الإيجازِ الخالِي عَنِ الإخْلالِ، وفي إيرادِ الأخْبارِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةٌ عَلى تَعْظِيمِ الفاعِلِ، وأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ في نَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ، إذْ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوى الواحِدِ القَهّارِ.

هود 11:44

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ أنْ يُغْرِقَنِي ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ إلّا الرّاحِمَ وهو اللَّهُ تَعالى أوْ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، رَدَّ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ يَعْصِمُ اللّائِذَ بِهِ إلّا مُعْتَصَمَ المُؤْمِنِينَ وهو السَّفِينَةُ. وقِيلَ لا عاصِمَ بِمَعْنى لا ذا عِصْمَةٍ كَقَوْلِهِ:﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْصِمُهُ. ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ أوْ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ. ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المُهْلَكِينَ بِالماءِ. ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ نُودِيا بِما يُنادى بِهِ أُولُو العِلْمِ وأُمِرا بِما يُؤْمَرُونَ بِهِ، تَمْثِيلًا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وانْقِيادِهِما لِما يَشاءُ تَكْوِينُهُ فِيهِما بِالأمْرِ المُطاعِ الَّذِي يَأْمُرُ المُنْقادَ لِحُكْمِهِ المُبادِرَ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ، مَهابَةً مِن عَظَمَتِهِ وخَشْيَةً مِن ألِيمِ عِقابِهِ، والبَلْعُ النَّشَفُ والإقْلاعُ الإمْساكَ. ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ نَقَصَ. ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ وأُنْجِزَ ما وُعِدَ مِن إهْلاكِ الكافِرِينَ وإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ. ﴿واسْتَوَتْ﴾ واسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ. ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ جَبَلٍ بِالمَوْصِلِ وقِيلَ بِالشّامِ وقِيلَ بِآمَلَ. رُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ السَّفِينَةَ عاشِرَ رَجَبٍ ونَزَلَ عَنْها عاشِرَ المُحَرَّمِ فَصامَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً. ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هَلاكًا لَهم، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعْدًا، إذا بَعُدَ بُعْدًا بَعِيدًا بِحَيْثُ لا يُرْجى عُودُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، والآيَةُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِفَخامَةِ لَفْظِها وحَسُنِ نَظْمِها والدَّلالَةِ عَلى كُنْهِ الحالِ مَعَ الإيجازِ الخالِي عَنِ الإخْلالِ، وفي إيرادِ الأخْبارِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةٌ عَلى تَعْظِيمِ الفاعِلِ، وأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ في نَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ، إذْ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوى الواحِدِ القَهّارِ.

هود 11:45

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ وأرادَ نِداءَهُ بِدَلِيلِ عَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَإنَّهُ النِّداءُ. ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وإنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ حَقٌّ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الخُلْفُ، وقَدْ وعَدْتَ أنْ تُنْجِيَ أهْلِي فَما حالُهُ، أوْ فَما لَهُ لَمْ يَنْجُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ قَبْلَ غَرَقِهِ. ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهم، أوْ لِأنَّكَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحِكَمِ عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحِكْمَةِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ. ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ لِقَطْعِ الوِلايَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ كَوْنِهِ مِن أهْلِهِ، وأصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ فاسِدٍ فَجُعِلَ ذاتُهُ ذاتَ العَمَلِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِ الخَنْساءِ تَصِفُ ناقَةً: ؎ تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادْكَّرَتْ. . . فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ ثُمَّ بَدَّلَ الفاسِدَ بِغَيْرِ الصّالِحِ تَصْرِيحًا بِالمُناقَضَةِ بَيْنَ وصْفَيْهِما وانْتِفاءَ ما أوْجَبَ النَّجاةَ لِمَن نَجا مِن أهْلِهِ عَنْهُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أيْ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ. ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَ نِداءَهُ سُؤالًا لِتُضَمُّنِ ذِكْرِ الوَعْدِ بِنَجاةِ أهْلِهِ اسْتِنْجازَهُ (p-137)فِي شَأْنِ ولَدِهِ أوِ اسْتِفْسارُ المانِعِ لِلنَّجازِ في حَقِّهِ، وإنَّما سَمّاهُ جَهْلًا وزَجَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ اسْتِثْناءَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ قَدْ دَلَّهُ عَلى الحالِ وأغْناهُ عَنِ السُّؤالِ، لَكِنْ أشْغَلَهُ حُبُّ الوَلَدِ عَنْهُ حَتّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ اللّامِ والنُّونِ الشَّدِيدَةِ وكَذَلِكَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُما كَسَرا النُّونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَسْألَنَّنِي فَحُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ وكُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ لِلْياءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ إثْباتُها في الوَصْلِ.

هود 11:46

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ وأرادَ نِداءَهُ بِدَلِيلِ عَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَإنَّهُ النِّداءُ. ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وإنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ حَقٌّ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الخُلْفُ، وقَدْ وعَدْتَ أنْ تُنْجِيَ أهْلِي فَما حالُهُ، أوْ فَما لَهُ لَمْ يَنْجُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ قَبْلَ غَرَقِهِ. ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهم، أوْ لِأنَّكَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحِكَمِ عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحِكْمَةِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ. ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ لِقَطْعِ الوِلايَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ كَوْنِهِ مِن أهْلِهِ، وأصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ فاسِدٍ فَجُعِلَ ذاتُهُ ذاتَ العَمَلِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِ الخَنْساءِ تَصِفُ ناقَةً: ؎ تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادْكَّرَتْ. . . فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ ثُمَّ بَدَّلَ الفاسِدَ بِغَيْرِ الصّالِحِ تَصْرِيحًا بِالمُناقَضَةِ بَيْنَ وصْفَيْهِما وانْتِفاءَ ما أوْجَبَ النَّجاةَ لِمَن نَجا مِن أهْلِهِ عَنْهُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أيْ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ. ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَ نِداءَهُ سُؤالًا لِتُضَمُّنِ ذِكْرِ الوَعْدِ بِنَجاةِ أهْلِهِ اسْتِنْجازَهُ (p-137)فِي شَأْنِ ولَدِهِ أوِ اسْتِفْسارُ المانِعِ لِلنَّجازِ في حَقِّهِ، وإنَّما سَمّاهُ جَهْلًا وزَجَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ اسْتِثْناءَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ قَدْ دَلَّهُ عَلى الحالِ وأغْناهُ عَنِ السُّؤالِ، لَكِنْ أشْغَلَهُ حُبُّ الوَلَدِ عَنْهُ حَتّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ اللّامِ والنُّونِ الشَّدِيدَةِ وكَذَلِكَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُما كَسَرا النُّونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَسْألَنَّنِي فَحُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ وكُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ لِلْياءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ إثْباتُها في الوَصْلِ.

هود 11:47

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ. ﴿وَإلا تَغْفِرْ لِي﴾ وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي ما فَرَطَ مِنِّي في السُّؤالِ. ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بِالتَّوْبَةِ والتَّفَضُّلِ عَلَيَّ. ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أعْمالًا. ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ انْزِلْ مِنَ السَّفِينَةِ مُسَلَّمًا مِنَ المَكارِهِ مِن جِهَتِنا أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ. ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ ومُبارَكًا عَلَيْكَ أوْ زِياداتٍ في نَسْلِكَ حَتّى تَصِيرَ آدَمًا ثانِيًا. وقُرِئَ « اهْبُطَ» بِالضَّمِّ « وبَرَكَةً» عَلى التَّوْحِيدِ وهو الخَيْرُ النّامِي. ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ وعَلى أُمَمٍ هُمُ الَّذِينَ مَعَكَ، سُمُّوا أُمَمًا لِتَحَزُّبِهِمْ أوْ لِتَشَعُّبِ الأُمَمِ مِنهم، أوْ وعَلى أُمَمٍ ناشِئَةٍ مِمَّنْ مَعَكَ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم في الدُّنْيا. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ والمُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ مِن ذُرِّيَّةٍ مَن مَعَهُ. وقِيلَ هم قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ، والعَذابُ ما نَزَلَ بِهِمْ.

هود 11:48

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ. ﴿وَإلا تَغْفِرْ لِي﴾ وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي ما فَرَطَ مِنِّي في السُّؤالِ. ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بِالتَّوْبَةِ والتَّفَضُّلِ عَلَيَّ. ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أعْمالًا. ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ انْزِلْ مِنَ السَّفِينَةِ مُسَلَّمًا مِنَ المَكارِهِ مِن جِهَتِنا أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ. ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ ومُبارَكًا عَلَيْكَ أوْ زِياداتٍ في نَسْلِكَ حَتّى تَصِيرَ آدَمًا ثانِيًا. وقُرِئَ « اهْبُطَ» بِالضَّمِّ « وبَرَكَةً» عَلى التَّوْحِيدِ وهو الخَيْرُ النّامِي. ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ وعَلى أُمَمٍ هُمُ الَّذِينَ مَعَكَ، سُمُّوا أُمَمًا لِتَحَزُّبِهِمْ أوْ لِتَشَعُّبِ الأُمَمِ مِنهم، أوْ وعَلى أُمَمٍ ناشِئَةٍ مِمَّنْ مَعَكَ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم في الدُّنْيا. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ والمُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ مِن ذُرِّيَّةٍ مَن مَعَهُ. وقِيلَ هم قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ، والعَذابُ ما نَزَلَ بِهِمْ.

هود 11:49

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ بَعْضُها. ﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوحاةٌ إلَيْكَ، أوْ حالٌ مِنَ الـ ﴿أنْباءِ﴾ أوْ هو الخَبَرُ و ﴿مِن أنْباءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في ﴿نُوحِيها﴾ . ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ مِن قِبَلِ إيحائِنا إلَيْكَ، أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في نُوحِيها أوِ الكافِ في ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: جاهِلًا أنْتَ وقَوْمُكَ بِها، وفي ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْها إذْ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم وأنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَمّا لَمْ يَسْمَعُوها فَكَيْفَ بِواحِدٍ مِنهم. ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ القَوْمِ كَما صَبَرَ نُوحٌ. ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ في الدُّنْيا بِالظَّفَرِ وفي الآخِرَةِ بِالفَوْزِ. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي.

هود 11:50

﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ و ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقُرِئَ بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى المَجْرُورِ وحْدَهُ. ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ عَلى اللَّهِ بِاتِّخاذِ الأوْثانِ شُرَكاءَ وجَعْلِها شُفَعاءَ. ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطَبَ كُلُّ رَسُولٍ بِهِ قَوْمَهُ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ (p-138)وَتَمْحِيضًا لِلنَّصِيحَةِ فَإنَّها لا تُنْجِعُ ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفَلا تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكم فَتَعْرِفُوا المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ والصَّوابَ مِنَ الخَطَإ.

هود 11:51

﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ و ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقُرِئَ بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى المَجْرُورِ وحْدَهُ. ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ عَلى اللَّهِ بِاتِّخاذِ الأوْثانِ شُرَكاءَ وجَعْلِها شُفَعاءَ. ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطَبَ كُلُّ رَسُولٍ بِهِ قَوْمَهُ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ (p-138)وَتَمْحِيضًا لِلنَّصِيحَةِ فَإنَّها لا تُنْجِعُ ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفَلا تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكم فَتَعْرِفُوا المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ والصَّوابَ مِنَ الخَطَإ.

هود 11:52

﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ اطْلُبُوا مَغْفِرَةَ اللَّهِ بِالإيمانِ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْها بِالتَّوْبَةِ وأيْضًا التَّبَرِّي مِنَ الغَيْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ كَثِيرَ الدَّرِّ. ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ويُضاعِفْ قُوَّتَكم، وإنَّما رَغَّبَهم بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعٍ وعِماراتٍ. وقِيلَ حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ بِكَثْرَةِ الأمْطارِ وتَضاعُفِ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ. ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ. ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم. ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ وهو لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِما جاءَهم مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ بِتارِكِي عِبادَتِهِمْ. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تارِكِي. ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إقْناطٌ لَهُ مِنَ الإجابَةِ والتَّصْدِيقِ.

هود 11:53

﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ اطْلُبُوا مَغْفِرَةَ اللَّهِ بِالإيمانِ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلَيْها بِالتَّوْبَةِ وأيْضًا التَّبَرِّي مِنَ الغَيْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ كَثِيرَ الدَّرِّ. ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ويُضاعِفْ قُوَّتَكم، وإنَّما رَغَّبَهم بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعٍ وعِماراتٍ. وقِيلَ حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ بِكَثْرَةِ الأمْطارِ وتَضاعُفِ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ. ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تُعْرِضُوا عَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ. ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم. ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ وهو لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِما جاءَهم مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ بِتارِكِي عِبادَتِهِمْ. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تارِكِي. ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إقْناطٌ لَهُ مِنَ الإجابَةِ والتَّصْدِيقِ.

هود 11:54

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ ما نَقُولُ إلّا قَوْلَنا اعْتَراكَ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ إذا أصابَهُ. ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ بِجُنُونٍ لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْها ومِن ذَلِكَ تَهْذِي وتَتَكَلَّمُ لِخُرافاتٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ . ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أجابَ بِهِ عَنْ مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ بِأنْ أشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى بَراءَتِهِ مِن آلِهَتِهِمْ وفَراغِهِ عَنْ إضْرارِهِمْ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ وتَثْبِيتًا لَهُ، وأمَرَهم بِأنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ اسْتِهانَةً بِهِمْ، وأنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكَيْدِ في إهْلاكِهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ حَتّى إذا اجْتَهَدُوا فِيهِ ورَأوْا أنَّهم عَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ وهُمُ الأقْوِياءُ الأشِدّاءُ أنْ يَضُرُّوهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي جَمادٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا تَتَمَكَّنُ مِن إضْرارِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ فَإنَّ مُواجَهَةَ الواحِدِ الجَمَّ الغَفِيرَ مِنَ الجَبابِرَةِ الفُتّاكِ العِطاشِ إلى إراقَةِ دَمِهِ بِهَذا الكَلامِ لَيْسَ إلّا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ وتُثَبِّطُهم عَنْ إضْرارِهِ لَيْسَ إلّا بِعِصْمَتِهِ إيّاهُ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لَهُ والمَعْنى أنَّكم وإنْ بَذَلْتُمْ غايَةَ وُسْعِكم لَنْ تَضُرُّونِي فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ واثِقٌ بِكِلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَحِيقُ بِي ما لَمْ يُرِدْهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ إلّا وهو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها عَلى ما يُرِيدُ بِها والأخْذُ بِالنَّواصِي تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ أنَّهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ.

هود 11:55

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ ما نَقُولُ إلّا قَوْلَنا اعْتَراكَ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ إذا أصابَهُ. ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ بِجُنُونٍ لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْها ومِن ذَلِكَ تَهْذِي وتَتَكَلَّمُ لِخُرافاتٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ . ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أجابَ بِهِ عَنْ مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ بِأنْ أشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى بَراءَتِهِ مِن آلِهَتِهِمْ وفَراغِهِ عَنْ إضْرارِهِمْ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ وتَثْبِيتًا لَهُ، وأمَرَهم بِأنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ اسْتِهانَةً بِهِمْ، وأنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكَيْدِ في إهْلاكِهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ حَتّى إذا اجْتَهَدُوا فِيهِ ورَأوْا أنَّهم عَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ وهُمُ الأقْوِياءُ الأشِدّاءُ أنْ يَضُرُّوهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي جَمادٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا تَتَمَكَّنُ مِن إضْرارِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ فَإنَّ مُواجَهَةَ الواحِدِ الجَمَّ الغَفِيرَ مِنَ الجَبابِرَةِ الفُتّاكِ العِطاشِ إلى إراقَةِ دَمِهِ بِهَذا الكَلامِ لَيْسَ إلّا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ وتُثَبِّطُهم عَنْ إضْرارِهِ لَيْسَ إلّا بِعِصْمَتِهِ إيّاهُ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لَهُ والمَعْنى أنَّكم وإنْ بَذَلْتُمْ غايَةَ وُسْعِكم لَنْ تَضُرُّونِي فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ واثِقٌ بِكِلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَحِيقُ بِي ما لَمْ يُرِدْهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ إلّا وهو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها عَلى ما يُرِيدُ بِها والأخْذُ بِالنَّواصِي تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ أنَّهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ.

هود 11:56

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ ما نَقُولُ إلّا قَوْلَنا اعْتَراكَ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ إذا أصابَهُ. ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ بِجُنُونٍ لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْها ومِن ذَلِكَ تَهْذِي وتَتَكَلَّمُ لِخُرافاتٍ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ. ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ . ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أجابَ بِهِ عَنْ مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ بِأنْ أشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى بَراءَتِهِ مِن آلِهَتِهِمْ وفَراغِهِ عَنْ إضْرارِهِمْ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ وتَثْبِيتًا لَهُ، وأمَرَهم بِأنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ اسْتِهانَةً بِهِمْ، وأنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكَيْدِ في إهْلاكِهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ حَتّى إذا اجْتَهَدُوا فِيهِ ورَأوْا أنَّهم عَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ وهُمُ الأقْوِياءُ الأشِدّاءُ أنْ يَضُرُّوهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي جَمادٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا تَتَمَكَّنُ مِن إضْرارِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ فَإنَّ مُواجَهَةَ الواحِدِ الجَمَّ الغَفِيرَ مِنَ الجَبابِرَةِ الفُتّاكِ العِطاشِ إلى إراقَةِ دَمِهِ بِهَذا الكَلامِ لَيْسَ إلّا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ وتُثَبِّطُهم عَنْ إضْرارِهِ لَيْسَ إلّا بِعِصْمَتِهِ إيّاهُ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لَهُ والمَعْنى أنَّكم وإنْ بَذَلْتُمْ غايَةَ وُسْعِكم لَنْ تَضُرُّونِي فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ واثِقٌ بِكِلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَحِيقُ بِي ما لَمْ يُرِدْهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ إلّا وهو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها عَلى ما يُرِيدُ بِها والأخْذُ بِالنَّواصِي تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ أنَّهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ.

هود 11:57

(p-139)﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ فَقَدْ أدَّيْتُ ما عَلَيَّ مِنَ الإبْلاغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكم فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ بِالفاءِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالجَزْمِ عَلى المَوْضِعِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَتَوَلَّوْا يَعْذُرْنِي رَبِّي ويَسْتَخْلِفْ. ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ بِتَوَلِّيكم. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ ومَن جَزَمَ يَسْتَخْلِفْ أسْقَطَ النُّونَ مِنهُ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رَقِيبٌ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفَلُ عَنْ مُجازاتِكم، أوْ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ. ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عَذابُنا أوْ أمَرْنا العَذابَ. ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ. ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِبَيانِ ما نَجّاهم مِنهُ وهو السَّمُومُ، كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَ الكَفَرَةِ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُ أعْضاءَهم، أوِ المُرادُ بِهِ تَنْجِيَتُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا، والتَّعْرِيضُ بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ.

هود 11:58

(p-139)﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ فَقَدْ أدَّيْتُ ما عَلَيَّ مِنَ الإبْلاغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكم فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ بِالفاءِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالجَزْمِ عَلى المَوْضِعِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَتَوَلَّوْا يَعْذُرْنِي رَبِّي ويَسْتَخْلِفْ. ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ بِتَوَلِّيكم. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ ومَن جَزَمَ يَسْتَخْلِفْ أسْقَطَ النُّونَ مِنهُ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رَقِيبٌ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفَلُ عَنْ مُجازاتِكم، أوْ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ. ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عَذابُنا أوْ أمَرْنا العَذابَ. ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ. ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِبَيانِ ما نَجّاهم مِنهُ وهو السَّمُومُ، كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَ الكَفَرَةِ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُ أعْضاءَهم، أوِ المُرادُ بِهِ تَنْجِيَتُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا، والتَّعْرِيضُ بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ.

هود 11:59

﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ أوْ لِأنَّ الإشارَةَ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ. ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَفَرُوا بِها. ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لِأنَّهم عَصَوْا رَسُولَهم ومَن عَصى رَسُولًا فَكَأنَّما عِصِيَ الكُلَّ لِأنَّهم أُمِرُوا بِطاعَةِ كُلِّ رَسُولٍ. ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ يَعْنِي كُبَراءَهُمُ الطّاغِينَ و ﴿عَنِيدٍ﴾ مِن عَنَدَ عَنَدًا وعِنْدًا وعُنُودًا إذا طَغى، والمَعْنى عَصَوْا مَن دَعاهم إلى الإيمانِ وما يُنْجِيهِمْ وأطاعُوا مَن دَعاهم إلى الكُفْرِ وما يُرْدِيهِمْ. ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم في العَذابِ. ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ جَحَدُوهُ أوْ كَفَرُوا نِعَمَهُ أوْ كَفَرُوا بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ. ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ، والمُرادُ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم كانُوا مُسْتَوْجِبِينَ لَما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما حُكِيَ عَنْهم، وإنَّما كَرَّرَ ألا وأعادَ ذِكْرَهم تَفْظِيعًا لِأمْرِهِمْ وحَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ. ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ، وفائِدَتُهُ تَمْيِيزُهم عَنْ عادٍ الثّانِيَةِ عادِ إرَمَ، والإيماءُ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ.

هود 11:60

﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ أوْ لِأنَّ الإشارَةَ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ. ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَفَرُوا بِها. ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لِأنَّهم عَصَوْا رَسُولَهم ومَن عَصى رَسُولًا فَكَأنَّما عِصِيَ الكُلَّ لِأنَّهم أُمِرُوا بِطاعَةِ كُلِّ رَسُولٍ. ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ يَعْنِي كُبَراءَهُمُ الطّاغِينَ و ﴿عَنِيدٍ﴾ مِن عَنَدَ عَنَدًا وعِنْدًا وعُنُودًا إذا طَغى، والمَعْنى عَصَوْا مَن دَعاهم إلى الإيمانِ وما يُنْجِيهِمْ وأطاعُوا مَن دَعاهم إلى الكُفْرِ وما يُرْدِيهِمْ. ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم في العَذابِ. ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ جَحَدُوهُ أوْ كَفَرُوا نِعَمَهُ أوْ كَفَرُوا بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ. ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ، والمُرادُ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم كانُوا مُسْتَوْجِبِينَ لَما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما حُكِيَ عَنْهم، وإنَّما كَرَّرَ ألا وأعادَ ذِكْرَهم تَفْظِيعًا لِأمْرِهِمْ وحَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ. ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ، وفائِدَتُهُ تَمْيِيزُهم عَنْ عادٍ الثّانِيَةِ عادِ إرَمَ، والإيماءُ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ.

هود 11:61

﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ هو كَوْنُكم مِنها لا غَيْرُهُ فَإنَّهُ خَلَقَ آدَمَ ومَوادَّ النُّطَفِ الَّتِي خَلَقَ نَسْلَهُ مِنها مِنَ التُّرابِ. ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ عَمَّرَكم فِيها واسْتَبَقاكم مِنَ العُمُرِ، أوْ أقْدَرَكم عَلى عِمارَتِها وأمْرِكم بِها، وقِيلَ هو مِنَ العُمُرِيِّ بِمَعْنى أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم ويَرِثُها مِنكم بَعْدَ انْصِرامِ أعْمارِكم، أوْ جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم تَسْكُنُونَها مُدَّةَ عُمُرِكم ثُمَّ تَتْرُكُونَها لِغَيْرِكم. ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ قَرِيبُ الرَّحْمَةِ. ﴿مُجِيبٌ﴾ لِداعِيهِ.

هود 11:62

(p-140)﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ لِما نَرى فِيكَ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والسَّدادِ أنْ تَكُونَ لَنا سَيِّدًا ومُسْتَشارًا في الأُمُورِ، أوْ أنْ تُوافِقَنا في الدِّينِ فَلَمّا سَمِعْنا هَذا القَوْلَ مِنكَ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ. ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. ﴿وَإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّبَرِّي عَنِ الأوْثانِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مَوْقِعٌ في الرِّيبَةِ مِن أرابَهُ، أوْ ذِي رِيبَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن أرابَ في الأمْرِ. ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ بَيانٍ وبَصِيرَةٍ وحَرَفَ الشَّكَّ بِاعْتِبارِ المُخاطَبِينَ. ﴿وَآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً. ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ إنْ عَصَيْتُهُ في تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ والمَنعِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ. ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ. ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ غَيْرَ أنْ تُخَسِّرُونِي بِإبْطالِ ما مَنَحَنِي اللَّهُ بِهِ والتَّعَرُّضِ لِعَذابِهِ، أوْ فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ.

هود 11:63

(p-140)﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ لِما نَرى فِيكَ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والسَّدادِ أنْ تَكُونَ لَنا سَيِّدًا ومُسْتَشارًا في الأُمُورِ، أوْ أنْ تُوافِقَنا في الدِّينِ فَلَمّا سَمِعْنا هَذا القَوْلَ مِنكَ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ. ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. ﴿وَإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّبَرِّي عَنِ الأوْثانِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مَوْقِعٌ في الرِّيبَةِ مِن أرابَهُ، أوْ ذِي رِيبَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن أرابَ في الأمْرِ. ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ بَيانٍ وبَصِيرَةٍ وحَرَفَ الشَّكَّ بِاعْتِبارِ المُخاطَبِينَ. ﴿وَآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً. ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ إنْ عَصَيْتُهُ في تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ والمَنعِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ. ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ. ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ غَيْرَ أنْ تُخَسِّرُونِي بِإبْطالِ ما مَنَحَنِي اللَّهُ بِهِ والتَّعَرُّضِ لِعَذابِهِ، أوْ فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ.

هود 11:64

﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ انْتَصَبَ آيَةً عَلى الحالِ وعامِلُها مَعْنى الإشارَةِ، ولَكم حالٌ مِنها تَقَدَّمَتْ عَلَيْها لِتَنْكِيرِها. ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ تَرْعَ نَباتَها وتَشْرَبْ ماءَها. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجِلٌ لا يَتَراخى عَنْ مَسِّكم لَها بِالسُّوءِ إلّا يَسِيرًا وهو ثَلاثَةُ أيّامٍ. ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ﴾ عِيشُوا في مَنازِلِكم أوْ في دارِكُمُ الدُّنْيا. ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ الأرْبِعاءَ والخَمِيسَ والجُمُعَةَ ثُمَّ تَهْلَكُونَ. ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ فاتَّسَعَ فِيهِ بِإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ: وَيَوْمَ شَهِدْناهُ سُلِيمًا وعامِرًا أوْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ عَلى المَجازِ، وكَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ أفِي بِكَ فَإنْ وفى بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالمَجْلُودِ والمَعْقُولِ.

هود 11:65

﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ انْتَصَبَ آيَةً عَلى الحالِ وعامِلُها مَعْنى الإشارَةِ، ولَكم حالٌ مِنها تَقَدَّمَتْ عَلَيْها لِتَنْكِيرِها. ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ تَرْعَ نَباتَها وتَشْرَبْ ماءَها. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجِلٌ لا يَتَراخى عَنْ مَسِّكم لَها بِالسُّوءِ إلّا يَسِيرًا وهو ثَلاثَةُ أيّامٍ. ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ﴾ عِيشُوا في مَنازِلِكم أوْ في دارِكُمُ الدُّنْيا. ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ الأرْبِعاءَ والخَمِيسَ والجُمُعَةَ ثُمَّ تَهْلَكُونَ. ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ فاتَّسَعَ فِيهِ بِإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ: وَيَوْمَ شَهِدْناهُ سُلِيمًا وعامِرًا أوْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ عَلى المَجازِ، وكَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ أفِي بِكَ فَإنْ وفى بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالمَجْلُودِ والمَعْقُولِ.

هود 11:66

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ أوْ ذُلُّهم وفَضِيحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وعَنْ نافِعٍ (يَوْمَئِذٍ) بِالفَتْحِ عَلى اكْتِسابِ المُضافِ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ هُنا وفي « المَعارِجِ» في قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ. ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ « الأعْرافِ» . ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ نَوَنَّهُ أبُو بَكْرٍ ها هُنا وفي « النَّجْمِ» والكِسائِيُّ في جَمِيعِ القُرْآنِ وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ذَهابًا إلى الحَيِّ أوِ الأبِ الأكْبَرِ.

هود 11:67

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ أوْ ذُلُّهم وفَضِيحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وعَنْ نافِعٍ (يَوْمَئِذٍ) بِالفَتْحِ عَلى اكْتِسابِ المُضافِ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ هُنا وفي « المَعارِجِ» في قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ. ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ « الأعْرافِ» . ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ نَوَنَّهُ أبُو بَكْرٍ ها هُنا وفي « النَّجْمِ» والكِسائِيُّ في جَمِيعِ القُرْآنِ وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ذَهابًا إلى الحَيِّ أوِ الأبِ الأكْبَرِ.

هود 11:68

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ أوْ ذُلُّهم وفَضِيحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وعَنْ نافِعٍ (يَوْمَئِذٍ) بِالفَتْحِ عَلى اكْتِسابِ المُضافِ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ هُنا وفي « المَعارِجِ» في قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ. ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ « الأعْرافِ» . ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ نَوَنَّهُ أبُو بَكْرٍ ها هُنا وفي « النَّجْمِ» والكِسائِيُّ في جَمِيعِ القُرْآنِ وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ذَهابًا إلى الحَيِّ أوِ الأبِ الأكْبَرِ.

هود 11:69

(p-141)﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، قِيلَ: كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ ثَلاثَةٌ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. ﴿بِالبُشْرى﴾ بِبِشارَةِ الوَلَدِ. وقِيلَ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ. ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِـ ﴿قالُوا﴾ عَلى مَعْنى ذَكَرُوا سَلامًا. ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ أمْرُكم أوْ جَوابِي سَلامٌ أوْ وعَلَيْكم سَلامٌ، رَفَعَهُ إجابَةً بِأحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « سَلَّمَ» وكَذَلِكَ في « الذّارِياتِ» وهُما لُغَتانِ كَحَرَّمَ وحَرامٍ وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصُّلْحُ. ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ بِهِ، أوْ فَما أبْطَأ في المَجِيءِ بِهِ، أوْ فَما تَأخَّرَ عَنْهُ والجارُّ في ﴿أنْ﴾ مُقَدَّرٌ أوْ مَحْذُوفٌ والحَنِيذُ المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ. وقِيلَ الَّذِي يَقْطُرُ ودَكُهُ مِن حَنَذْتُ الفَرَسَ إذا عَرَّفْتُهُ بِالجَلالِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ .

هود 11:70

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم. ﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ أنْكَرَ ذَلِكَ مِنهم وخافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، ونَكِرَ وأنْكَرَ واسْتَنْكَرَ بِمَعْنى والإيجاسُ الإدْراكُ وقِيلَ الإضْمارُ ﴿قالُوا﴾ لَهُ لَمّا أحَسُّوا مِنهُ أثَرَ الخَوْفِ. ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ إنّا مَلائِكَةٌ مُرْسَلَةٌ إلَيْهِمْ بِالعَذابِ، وإنَّما لَمْ نَمُدَّ إلَيْهِ أيْدِيَنا لِأنّا لا نَأْكُلُ. ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم أوْ عَلى رُؤُوسِهِمْ لِلْخِدْمَةِ. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ أوْ بِإصابَةِ رَأْيِها فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أعْلَمُ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ. وقِيلَ فَضَحِكَتْ فَحاضَتْ قالَ الشّاعِرُ: ؎ وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبابَةٍ. . . ولَمْ يَعْدُ حُقًّا ثَدْيُها أنْ تَحَلَّما وَمِنهُ ضَحِكَتِ السَّمُرَةُ إذا سالَ صَمْغُها وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ. ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ نَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وتَقْدِيرُهُ: ووَهَبْناها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِإسْحاقَ﴾ أوْ عَلى لَفْظِ ﴿إسْحاقَ﴾، وفَتْحَتُهُ لِلْجَرِّ فَإنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ ورَدَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالظَّرْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ. وَخَبَرُهُ الظَّرْفُ أيْ و ﴿يَعْقُوبَ﴾ مَوْلُودٌ مِن بَعْدِهِ. وقِيلَ الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ولَعَلَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ بَعْدَ الوَلَدِ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَتُهُ إلى إسْحاقَ لَيْسَ مِن حَيْثُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وراءَهُ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ وراءَ إبْراهِيمَ مِن جِهَتِهِ وفِيهِ نَظَرٌ. والِاسْمانِ يَحْتَمِلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ كَيَحْيى، ويَحْتَمِلُ وُقُوعُهُما في الحِكايَةِ بَعْدَ أنْ وُلِدا فَسُمِّيا بِهِ، وتَوْجِيهُ البِشارَةِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ المُبَشَّرَ بِهِ يَكُونُ مِنها لا مِن هاجَرَ ولِأنَّها كانَتْ عَقِيمَةً حَرِيصَةً عَلى الوَلَدِ.

هود 11:71

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم. ﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ أنْكَرَ ذَلِكَ مِنهم وخافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، ونَكِرَ وأنْكَرَ واسْتَنْكَرَ بِمَعْنى والإيجاسُ الإدْراكُ وقِيلَ الإضْمارُ ﴿قالُوا﴾ لَهُ لَمّا أحَسُّوا مِنهُ أثَرَ الخَوْفِ. ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ إنّا مَلائِكَةٌ مُرْسَلَةٌ إلَيْهِمْ بِالعَذابِ، وإنَّما لَمْ نَمُدَّ إلَيْهِ أيْدِيَنا لِأنّا لا نَأْكُلُ. ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم أوْ عَلى رُؤُوسِهِمْ لِلْخِدْمَةِ. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ أوْ بِإصابَةِ رَأْيِها فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أعْلَمُ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ. وقِيلَ فَضَحِكَتْ فَحاضَتْ قالَ الشّاعِرُ: ؎ وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبابَةٍ. . . ولَمْ يَعْدُ حُقًّا ثَدْيُها أنْ تَحَلَّما وَمِنهُ ضَحِكَتِ السَّمُرَةُ إذا سالَ صَمْغُها وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ. ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ نَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وتَقْدِيرُهُ: ووَهَبْناها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِإسْحاقَ﴾ أوْ عَلى لَفْظِ ﴿إسْحاقَ﴾، وفَتْحَتُهُ لِلْجَرِّ فَإنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ ورَدَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالظَّرْفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ. وَخَبَرُهُ الظَّرْفُ أيْ و ﴿يَعْقُوبَ﴾ مَوْلُودٌ مِن بَعْدِهِ. وقِيلَ الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ولَعَلَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ بَعْدَ الوَلَدِ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَتُهُ إلى إسْحاقَ لَيْسَ مِن حَيْثُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وراءَهُ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ وراءَ إبْراهِيمَ مِن جِهَتِهِ وفِيهِ نَظَرٌ. والِاسْمانِ يَحْتَمِلُ وُقُوعُهُما في البِشارَةِ كَيَحْيى، ويَحْتَمِلُ وُقُوعُهُما في الحِكايَةِ بَعْدَ أنْ وُلِدا فَسُمِّيا بِهِ، وتَوْجِيهُ البِشارَةِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ المُبَشَّرَ بِهِ يَكُونُ مِنها لا مِن هاجَرَ ولِأنَّها كانَتْ عَقِيمَةً حَرِيصَةً عَلى الوَلَدِ.

هود 11:72

﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ يا عَجَبًا، وأصْلُهُ في الشَّرِّ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ. وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ. ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ. ﴿وَهَذا بَعْلِي﴾ زَوْجِي وأصْلُهُ القائِمُ بِالأمْرِ. ﴿شَيْخًا﴾ ابْنُ مِائَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها مَعْنى اسْمِ الإشارَةِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ وبَعْلِي بَدَلٌ. ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَعْنِي الوَلَدَ مِن هَرِمَيْنِ، وهو اسْتِعْجابٌ مِن حَيْثُ العادَةِ دُونَ القُدْرَةِ ولِذَلِكَ: (p-142)﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ مُنْكِرِينَ عَلَيْها فَإنَّ خَوارِقَ العاداتِ بِاعْتِبارِ أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ، وتَخْصِيصُهم بِمَزِيدِ النِّعَمِ والكَراماتِ لَيْسَ بِبِدْعٍ ولا حَقِيقَ بِأنْ يَسْتَغْرِبَهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَمَّنْ نَشَأتْ وشابَتْ في مُلاحَظَةِ الآياتِ، وأهْلَ البَيْتِ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ النِّداءِ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ. ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ. ﴿مَجِيدٌ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ.

هود 11:73

﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ يا عَجَبًا، وأصْلُهُ في الشَّرِّ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ. وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ. ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ. ﴿وَهَذا بَعْلِي﴾ زَوْجِي وأصْلُهُ القائِمُ بِالأمْرِ. ﴿شَيْخًا﴾ ابْنُ مِائَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها مَعْنى اسْمِ الإشارَةِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ وبَعْلِي بَدَلٌ. ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَعْنِي الوَلَدَ مِن هَرِمَيْنِ، وهو اسْتِعْجابٌ مِن حَيْثُ العادَةِ دُونَ القُدْرَةِ ولِذَلِكَ: (p-142)﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ مُنْكِرِينَ عَلَيْها فَإنَّ خَوارِقَ العاداتِ بِاعْتِبارِ أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ، وتَخْصِيصُهم بِمَزِيدِ النِّعَمِ والكَراماتِ لَيْسَ بِبِدْعٍ ولا حَقِيقَ بِأنْ يَسْتَغْرِبَهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَمَّنْ نَشَأتْ وشابَتْ في مُلاحَظَةِ الآياتِ، وأهْلَ البَيْتِ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ النِّداءِ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ. ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الحَمْدَ. ﴿مَجِيدٌ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ.

هود 11:74

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِرْفانِهِمْ. ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى﴾ بَدَلُ الوَرَعِ. ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ يُجادِلُ رُسُلَنا في شَأْنِهِمْ ومُجادَلَتُهُ إيّاهم قَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وهو إمّا جَوابٌ لِما جِيءَ بِهِ مُضارِعًا عَلى حِكايَةِ الحالِ أوْ لِأنَّهُ في سِياقِ الجَوابِ بِمَعْنى الماضِي كَجَوابِ لَوْ، أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مِثْلَ اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا أوْ شَرَعَ في جِدالِنا، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أُقِيمَ مَقامَهُ مِثْلَ أخَذَ أوْ أقْبَلَ يُجادِلُنا. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ إلَيْهِ. ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ. ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ الحامِلِ لَهُ عَلى المُجادَلَةِ وهو رِقَّةُ قَلْبِهِ وفَرْطُ تَرَحُّمِهِ. ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا إبْراهِيمُ. ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ قَدَرُهُ بِمُقْتَضى قَضائِهِ الأزَلِيِّ بِعَذابِهِمْ وهو أعْلَمُ بِحالِهِمْ. ﴿وَإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ مَصْرُوفٍ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

هود 11:75

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِرْفانِهِمْ. ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى﴾ بَدَلُ الوَرَعِ. ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ يُجادِلُ رُسُلَنا في شَأْنِهِمْ ومُجادَلَتُهُ إيّاهم قَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وهو إمّا جَوابٌ لِما جِيءَ بِهِ مُضارِعًا عَلى حِكايَةِ الحالِ أوْ لِأنَّهُ في سِياقِ الجَوابِ بِمَعْنى الماضِي كَجَوابِ لَوْ، أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مِثْلَ اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا أوْ شَرَعَ في جِدالِنا، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أُقِيمَ مَقامَهُ مِثْلَ أخَذَ أوْ أقْبَلَ يُجادِلُنا. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ إلَيْهِ. ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ. ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ الحامِلِ لَهُ عَلى المُجادَلَةِ وهو رِقَّةُ قَلْبِهِ وفَرْطُ تَرَحُّمِهِ. ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا إبْراهِيمُ. ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ قَدَرُهُ بِمُقْتَضى قَضائِهِ الأزَلِيِّ بِعَذابِهِمْ وهو أعْلَمُ بِحالِهِمْ. ﴿وَإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ مَصْرُوفٍ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

هود 11:76

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِرْفانِهِمْ. ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى﴾ بَدَلُ الوَرَعِ. ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ يُجادِلُ رُسُلَنا في شَأْنِهِمْ ومُجادَلَتُهُ إيّاهم قَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وهو إمّا جَوابٌ لِما جِيءَ بِهِ مُضارِعًا عَلى حِكايَةِ الحالِ أوْ لِأنَّهُ في سِياقِ الجَوابِ بِمَعْنى الماضِي كَجَوابِ لَوْ، أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مِثْلَ اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا أوْ شَرَعَ في جِدالِنا، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أُقِيمَ مَقامَهُ مِثْلَ أخَذَ أوْ أقْبَلَ يُجادِلُنا. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ إلَيْهِ. ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ. ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ الحامِلِ لَهُ عَلى المُجادَلَةِ وهو رِقَّةُ قَلْبِهِ وفَرْطُ تَرَحُّمِهِ. ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا إبْراهِيمُ. ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ قَدَرُهُ بِمُقْتَضى قَضائِهِ الأزَلِيِّ بِعَذابِهِمْ وهو أعْلَمُ بِحالِهِمْ. ﴿وَإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ مَصْرُوفٍ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

هود 11:77

﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءَهُ مَجِيئُهم لِأنَّهم جاءُوهُ في صُورَةِ غِلْمانٍ فَظَنَّ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ فَيَعْجَزُ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضاقَ بِمَكانِهِمْ صَدْرُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ. ﴿وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ مِن عَصَبَهُ إذا شَدَّهُ. ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يُسْرِعُونَ إلَيْهِ كَأنَّهم يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ. ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ. ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الفَواحِشَ فَتَمَرَّنُوا بِها ولَمْ يَسْتَحْيُوا مِنها حَتّى جاءُوا يُهْرَعُونَ لَها مُجاهِرِينَ. ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَدى بِهِنَّ أضْيافَهُ كَرَمًا وحَمِيَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ بَناتِي فَتَزَوَّجُوهُنَّ، وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ قَبْلُ فَلا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِحُرْمَةِ المُسْلِماتِ عَلى الكُفّارِ فَإنَّهُ شَرْعٌ طارِئٌ أوْ مُبالَغَةٌ في تَناهِي خُبْثِ ما يَرُومُونَهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ أهْوَنُ مِنهُ، أوْ إظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ مِن ذَلِكَ كَيْ يَرِقُّوا لَهُ. وقِيلَ المُرادُ بِالبَناتِ نِساؤُهم فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ مِن حَيْثُ الشَّفَقَةِ والتَّرْبِيَةِ وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْظَفُ فِعْلًا وأقَلُّ فُحْشًا كَقَوْلِكَ: المَيْتَةُ أطْيَبُ مِنَ المَغْصُوبِ وأحَلُّ مِنهُ. وقُرِئَ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ عَلى أنَّ ﴿هُنَّ﴾ خَبَرُ بَناتِيُّ كَقَوْلِكَ: هَذا أخِي هو لا فَصْلَ فَإنَّهُ لا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ الفَواحِشِ أوْ بِإيثارِهِنَّ عَلَيْهِمْ. ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ ولا تَفْضَحُونِي مِنَ الخِزْيِ، أوْ ولا تُخْجِلُونِي مِنَ الخَزايَةِ بِمَعْنى الحَياءِ. ﴿فِي ضَيْفِي﴾ في شَأْنِهِمْ فَإنَّ (p-143)إخْزاءَ ضَيْفِ الرَّجُلِ إخْزاؤُهُ. ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يَهْتَدِي إلى الحَقِّ ويَرْعَوِي عَنِ القَبِيحِ.

هود 11:78

﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءَهُ مَجِيئُهم لِأنَّهم جاءُوهُ في صُورَةِ غِلْمانٍ فَظَنَّ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ فَيَعْجَزُ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضاقَ بِمَكانِهِمْ صَدْرُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ. ﴿وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ مِن عَصَبَهُ إذا شَدَّهُ. ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يُسْرِعُونَ إلَيْهِ كَأنَّهم يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ. ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ. ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الفَواحِشَ فَتَمَرَّنُوا بِها ولَمْ يَسْتَحْيُوا مِنها حَتّى جاءُوا يُهْرَعُونَ لَها مُجاهِرِينَ. ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَدى بِهِنَّ أضْيافَهُ كَرَمًا وحَمِيَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ بَناتِي فَتَزَوَّجُوهُنَّ، وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ قَبْلُ فَلا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِحُرْمَةِ المُسْلِماتِ عَلى الكُفّارِ فَإنَّهُ شَرْعٌ طارِئٌ أوْ مُبالَغَةٌ في تَناهِي خُبْثِ ما يَرُومُونَهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ أهْوَنُ مِنهُ، أوْ إظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ مِن ذَلِكَ كَيْ يَرِقُّوا لَهُ. وقِيلَ المُرادُ بِالبَناتِ نِساؤُهم فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ مِن حَيْثُ الشَّفَقَةِ والتَّرْبِيَةِ وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْظَفُ فِعْلًا وأقَلُّ فُحْشًا كَقَوْلِكَ: المَيْتَةُ أطْيَبُ مِنَ المَغْصُوبِ وأحَلُّ مِنهُ. وقُرِئَ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ عَلى أنَّ ﴿هُنَّ﴾ خَبَرُ بَناتِيُّ كَقَوْلِكَ: هَذا أخِي هو لا فَصْلَ فَإنَّهُ لا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ الفَواحِشِ أوْ بِإيثارِهِنَّ عَلَيْهِمْ. ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ ولا تَفْضَحُونِي مِنَ الخِزْيِ، أوْ ولا تُخْجِلُونِي مِنَ الخَزايَةِ بِمَعْنى الحَياءِ. ﴿فِي ضَيْفِي﴾ في شَأْنِهِمْ فَإنَّ (p-143)إخْزاءَ ضَيْفِ الرَّجُلِ إخْزاؤُهُ. ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يَهْتَدِي إلى الحَقِّ ويَرْعَوِي عَنِ القَبِيحِ.

هود 11:79

﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ مِن حاجَةٍ ﴿وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ وهو إتْيانُ الذُّكْرانِ. ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ لَوْ قَوِيتُ بِنَفْسِي عَلى دَفْعِكم. ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قَوِيٍّ أتَمَنَّعُ بِهِ عَنْكم. شَبَّهَهُ بِرُكْنِ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» . وَقُرِئَ « أوْ آوِيَ» بِالنَّصْبِ بِإضْمارٍ أنْ كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ أوْيًا وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَدَفَعْتُكم. رُوِيَ أنَّهُ أغْلَقَ بابَهُ دُونَ أضْيافِهِ وأخَذَ يُجادِلُهم مِن وراءِ البابِ فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما عَلى لُوطٍ مِنَ الكَرْبِ.

هود 11:80

﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ مِن حاجَةٍ ﴿وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ وهو إتْيانُ الذُّكْرانِ. ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ لَوْ قَوِيتُ بِنَفْسِي عَلى دَفْعِكم. ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ إلى قَوِيٍّ أتَمَنَّعُ بِهِ عَنْكم. شَبَّهَهُ بِرُكْنِ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» . وَقُرِئَ « أوْ آوِيَ» بِالنَّصْبِ بِإضْمارٍ أنْ كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ أوْيًا وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَدَفَعْتُكم. رُوِيَ أنَّهُ أغْلَقَ بابَهُ دُونَ أضْيافِهِ وأخَذَ يُجادِلُهم مِن وراءِ البابِ فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما عَلى لُوطٍ مِنَ الكَرْبِ.

هود 11:81

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ لَنْ يَصِلُوا إلى إضْرارِكَ بِإضْرارِنا فَهَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْنا وإيّاهم، فَخَلّاهم أنْ يَدْخُلُوا فَضَرَبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم وأعْماهم، فَخَرَجُوا يَقُولُونَ النَّجاءَ النَّجاءَ فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ سَحَرَةً. ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ بِالقَطْعِ مِنَ الإسْراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِالوَصْلِ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ السُّرى. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ. ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ ولا يَتَخَلَّفْ أوْ لا يَنْظُرْ إلى ورائِهِ والنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِأحَدٍ وفي المَعْنى لِلُوطٍ. ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى تَأْوِيلِ الِالتِفاتِ بِالتَّخَلُّفِ فَإنَّهُ إنْ فُسِّرَ بِالنَّظَرِ إلى الوَراءِ في الذَّهابِ ناقَضَ ذَلِكَ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، ولا يَجُوزُ حَمْلُ القِراءَتَيْنِ عَلى الرِّوايَتَيْنِ في أنَّهُ خَلَّفَها مَعَ قَوْمِها أوْ أخْرَجَها فَلَمّا سَمِعَتْ صَوْتَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ يا قَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها، لِأنَّ القَواطِعَ لا يَصِحُّ حَمْلُها عَلى المَعانِي المُتَناقِضَةِ، والأوْلى جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ في القِراءَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ﴾ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى غَيْرِ الأفْصَحِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أمْرُها بِالِالتِفاتِ بَلْ عَدَمُ نَهْيِها عَنْهُ اسْتِصْلاحًا ولِذَلِكَ عَلَّلَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ ولا يَحْسُنُ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ. ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الأمْرِ بِالإسْراءِ. ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جَوابٌ لِاسْتِعْجالِ لُوطٍ واسْتِبْطائِهِ العَذابَ.

هود 11:82

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عَذابُنا أوْ أمْرُنا بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ الأصْلُ وجُعِلَ التَّعْذِيبُ مُسَبَّبًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ فَإنَّهُ جَوابٌ لِما وكانَ حَقُّهُ: جَعَلُوا عالِيَها سافِلَها أيِ المَلائِكَةُ المَأْمُورُونَ بِهِ، فَأُسْنِدَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ المُسَبَّبُ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ فَإنَّهُ رُوِيَ: « (أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِهِمْ ورَفَعَها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ)» . ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ عَلى المُدُنِ أوْ عَلى شُذّاذِها. ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ وأصْلُهُ سنك كل فَعُرِّبَ. وَقِيلَ إنَّهُ مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ أوْ أدَرَّ عَطِيَّتَهُ، والمَعْنى مِن مِثْلِ الشَّيْءِ المُرْسَلِ أوْ مِن مِثْلِ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، (p-144)أوْ مِنَ السِّجِلِّ أيْ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِهِ وقِيلَ أصْلُهُ مِن سِجِّينٍ أيْ مِن جَهَنَّمَ فَأُبْدِلَتْ نُونُهُ لامًا. ﴿مَنضُودٍ﴾ نَضَدَ مُعَدًّا لِعَذابِهِمْ، أوْ نَضَدَ في الإرْسالِ بِتَتابُعِ بَعْضِهِ بَعْضًا كَقَطارِ الأمْطارِ، أوْ نَضَدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ وأُلْصَقَ بِهِ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً لِلْعَذابِ. وقِيلَ مُعَلَّمَةً بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ. أوْ بِسِيما تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ حِجارَةِ الأرْضِ، أوْ بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ. ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ فَإنَّهم بِظُلْمِهِمْ حَقِيقٌ بِأنْ تُمْطَرَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعَرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ» . وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقُرى أيْ هي قَرِيبَةٌ مِن ظالِمِي مَكَّةَ يَمُرُّونَ بِها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحَجَرِ أوِ المَكانِ.

هود 11:83

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ عَذابُنا أوْ أمْرُنا بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ الأصْلُ وجُعِلَ التَّعْذِيبُ مُسَبَّبًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ فَإنَّهُ جَوابٌ لِما وكانَ حَقُّهُ: جَعَلُوا عالِيَها سافِلَها أيِ المَلائِكَةُ المَأْمُورُونَ بِهِ، فَأُسْنِدَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ المُسَبَّبُ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ فَإنَّهُ رُوِيَ: « (أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِهِمْ ورَفَعَها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ)» . ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ عَلى المُدُنِ أوْ عَلى شُذّاذِها. ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ وأصْلُهُ سنك كل فَعُرِّبَ. وَقِيلَ إنَّهُ مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ أوْ أدَرَّ عَطِيَّتَهُ، والمَعْنى مِن مِثْلِ الشَّيْءِ المُرْسَلِ أوْ مِن مِثْلِ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، (p-144)أوْ مِنَ السِّجِلِّ أيْ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِهِ وقِيلَ أصْلُهُ مِن سِجِّينٍ أيْ مِن جَهَنَّمَ فَأُبْدِلَتْ نُونُهُ لامًا. ﴿مَنضُودٍ﴾ نَضَدَ مُعَدًّا لِعَذابِهِمْ، أوْ نَضَدَ في الإرْسالِ بِتَتابُعِ بَعْضِهِ بَعْضًا كَقَطارِ الأمْطارِ، أوْ نَضَدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ وأُلْصَقَ بِهِ. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً لِلْعَذابِ. وقِيلَ مُعَلَّمَةً بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ. أوْ بِسِيما تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ حِجارَةِ الأرْضِ، أوْ بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ. ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ فَإنَّهم بِظُلْمِهِمْ حَقِيقٌ بِأنْ تُمْطَرَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعَرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ» . وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقُرى أيْ هي قَرِيبَةٌ مِن ظالِمِي مَكَّةَ يَمُرُّونَ بِها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحَجَرِ أوِ المَكانِ.

هود 11:84

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ أرادَ أوْلادَ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ أهْلَ مَدْيَنَ وهو بَلَدٌ بَناهُ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ أوَّلًا فَإنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ ثُمَّ نَهاهم عَمّا اعْتادُوهُ مِنَ البَخْسِ المُنافِي لِلْعَدْلِ المُخِلِّ بِحِكْمَةِ التَّعاوُضِ. ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ بِسَعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ البَخْسِ، أوْ بِنِعْمَةِ حَقِّها أنْ تَتَفَضَّلُوا عَلى النّاسِ شُكْرًا عَلَيْها لا أنْ تَنْقُصُوا حُقُوقَهم، أوْ بِسِعَةٍ فَلا تُزِيلُوها بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ وهو في الجُمْلَةِ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ. ﴿وَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ لا يَشِذُّ مِنهُ أحَدٌ مِنكم. وقِيلَ عَذابٌ مُهْلِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ . والمُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، ووُصِفَ اليَوْمُ بِالإحاطَةِ وهي صِفَةُ العَذابِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ.

هود 11:85

﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِالإيفاءِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ مُبالَغَةً وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَكْفِيهِمُ الكَفُّ عَنْ تَعَمُّدِهِمُ التَّطْفِيفَ، بَلْ يَلْزَمُهُمُ السَّعْيُ في الإيفاءِ ولَوْ بِزِيادَةٍ لا يَتَأتّى بِدُونِها. ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ والسَّوِيَّةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، فَإنَّ الِازْدِيادَ إيفاءٌ وهو مَندُوبٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وقَدْ يَكُونُ مَحْظُورًا. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في المِقْدارِ، أوْ في غَيْرِهِ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ العَثْوَ يَعُمُّ تَنْقِيصَ الحُقُوقِ وغَيْرَهُ مِن أنْواعِ الفَسادِ. وقِيلَ المُرادُ بِالبَخْسِ المَكْسُ كَأخْذِ العُشُورِ في المُعامَلاتِ، والعَثْوُ السَّرِقَةُ وقَطْعُ الطَّرِيقِ والغارَةُ. وفائِدَةُ الحالِ إخْراجُ ما يُقْصَدُ بِهِ الإصْلاحُ كَما فَعَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ مَعْناهُ ولا تَعْثُوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ في أمْرِ دِينِكم ومَصالِحِ آخِرَتِكم.

هود 11:86

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ ما أبْقاهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ التَّنَزُّهِ عَمّا حَرَّمَ عَلَيْكم. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا تَجْمَعُونَ بِالتَّطْفِيفِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا فَإنَّ خَيْرِيَّتَها بِاسْتِتْباعِ الثَّوابِ مَعَ النَّجاةِ وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ. أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي لَكم. وقِيلَ البَقِيَّةُ الطّاعَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ وقُرِئَ « تَقِيَّةُ اللَّهِ» بِالتّاءِ وهي تَقْواهُ الَّتِي تَكُفُّ عَنِ المَعاصِي. ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُكم عَنِ القَبائِحِ، أوْ أحْفَظُ عَلَيْكم أعْمالَكم فَأُجازِيكم عَلَيْها وإنَّما أنا (p-145)ناصِحٌ مُبَلِّغٌ وقَدْ أعْذَرْتُ حِينَ أنْذَرْتُ، أوْ لَسْتُ بِحافِظٍ عَلَيْكم نِعَمَ اللَّهِ لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا سُوءَ صَنِيعِكم.

هود 11:87

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأصْنامِ، أجابُوا بِهِ آمِرَهم بِالتَّوْحِيدِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ والتَّهَكُّمِ بِصَلَواتِهِ والإشْعارِ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ عَقْلِيٌّ، وإنَّما دَعاكَ إلَيْهِ خَطِراتٌ ووَساوِسُ مِن جِنْسِ ما تُواظِبُ عَلَيْهِ. وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ فَلِذَلِكَ جَمَعُوا وخَصُّوا الصَّلاةَ بِالذِّكْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَلى الإفْرادِ والمَعْنى: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ بِتَكْلِيفِ أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ عُطِفَ عَلى ما أيْ وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَنا ما نَشاءُ في أمْوالِنا. وَقُرِئَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿أنْ نَتْرُكَ﴾ وهو جَوابُ النَّهْيِ عَنِ التَّطْفِيفِ والأمْرِ بِالإيفاءِ. وقِيلَ كانَ يَنْهاهم عَنْ تَقْطِيعِ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ فَأرادُوا بِهِ ذَلِكَ. ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ تَهَكَّمُوا بِهِ وقَصَدُوا وصْفَهُ بِضِدِّ ذَلِكَ، أوْ عَلَّلُوا إنْكارَ ما سَمِعُوا مِنهُ واسْتِبْعادَهُ بِأنَّهُ مَوْسُومٌ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ المانِعَيْنِ عَنِ المُبادَرَةِ إلى أمْثالِ ذَلِكَ.

هود 11:88

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ. ﴿وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وهو اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، والضَّمِيرُ في ﴿مِنهُ﴾ لِلَّهِ أيْ مِن عِنْدِهِ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ مِنِّي في تَحْصِيلِهِ. ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ وما أُرِيدُ أنْ آتِيَ ما أنْهاكم عَنْهُ لِأسْتَبِدَّ بِهِ دُونَكم، فَلَوْ كانَ صَوابًا لَآثَرْتُهُ ولَمْ أُعْرِضْ عَنْهُ فَضْلًا عَنْ أنْ أنْهى عَنْهُ، يُقالُ خالَفْتُ زَيْدًا إلى كَذا إذا قَصَدْتُهُ وهو مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفْتُهُ عَنْهُ إذا كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، ﴿إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِأمْرِي بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِي عَنِ المُنْكَرِ ما دُمْتُ أسْتَطِيعُ الإصْلاحَ، فَلَوْ وجَدْتُ الصَّلاحَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَما نَهَيْتُكم عَنْهُ، ولِهَذِهِ الأجْوِبَةِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا النَّسَقِ شَأْنٌ: وهو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ أحَدَ حُقُوقِ ثَلاثَةٍ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ، وثالِثُها حَقُّ النّاسِ. وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ آمُرَكم بِما أمَرْتُكم بِهِ وأنْهاكم عَمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ. و ﴿ما﴾ مَصْدَرِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ وقِيلَ خَبَرِيَّةٌ بَدَلٌ مِنَ ﴿الإصْلاحَ﴾ أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ إصْلاحُ ما اسْتَطَعْتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ. ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ﴾ وما تَوْفِيقِي لِإصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ إلّا بِهِدايَتِهِ ومَعُونَتِهِ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَإنَّهُ القادِرُ المُتَمَكِّنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وما عَداهُ عاجِزٌ في حَدِّ ذاتِهِ، بَلْ مَعْدُومٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أقْصى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ. ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ. وفي هَذِهِ الكَلِماتِ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعانَةُ بِهِ في مَجامِعِ أمْرِهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ، وحَسْمُ أطْماعِ الكُفّارِ وإظْهارُ الفَراغِ عَنْهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِمُعاداتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ لِلْجَزاءِ.

هود 11:89

(p-146)﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يَكْسِبَنَّكم. ﴿شِقاقِي﴾ مُعاداتِي. ﴿أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ مِنَ الرِّيحِ. ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مِنَ الرَّجْفَةِ وأنْ بِصِلَتِها ثانِي مَفْعُولَيْ جَرَمَ، فَإنَّهُ يُعَدّى إلى واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ كَكَسَبَ. وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بِالضَّمِّ وهو مَنقُولٌ مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والأوَّلُ أفْصَحُ فَإنَّ أجْرَمَ أقَلُّ دَوَرانًا عَلى ألْسِنَةِ الفُصَحاءِ. وقُرِئَ (مَثَلُ) بِالفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى المَبْنى كَقَوْلِهِ: ؎ لَمْ يُمْنَعِ الشُّرْبُ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ. . . حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أرْقالِ ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا أوْ مَكانًا فَإنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلَهم فاعْتُبِرُوا بِهِمْ، أوْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمُساوِي فَلا يَبْعُدُ عَنْكم ما أصابَهم، وإفْرادُ البَعِيدِ لِأنَّ المُرادَ وما إهْلاكُهم أوْ وما هم بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُسَوِّيَ في أمْثالِهِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ لِأنَّها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ كالصَّهِيلِ والشَّهِيقِ. ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ. ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ. ﴿وَدُودٌ﴾ فاعِلٌ بِهِمْ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةِ بِمَن يَوَدُّهُ، وهو وعْدٌ عَلى التَّوْبَةِ بَعْدَ الوَعِيدِ عَلى الإصْرارِ.

هود 11:90

(p-146)﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يَكْسِبَنَّكم. ﴿شِقاقِي﴾ مُعاداتِي. ﴿أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ مِنَ الرِّيحِ. ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مِنَ الرَّجْفَةِ وأنْ بِصِلَتِها ثانِي مَفْعُولَيْ جَرَمَ، فَإنَّهُ يُعَدّى إلى واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ كَكَسَبَ. وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بِالضَّمِّ وهو مَنقُولٌ مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والأوَّلُ أفْصَحُ فَإنَّ أجْرَمَ أقَلُّ دَوَرانًا عَلى ألْسِنَةِ الفُصَحاءِ. وقُرِئَ (مَثَلُ) بِالفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى المَبْنى كَقَوْلِهِ: ؎ لَمْ يُمْنَعِ الشُّرْبُ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ. . . حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أرْقالِ ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا أوْ مَكانًا فَإنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلَهم فاعْتُبِرُوا بِهِمْ، أوْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمُساوِي فَلا يَبْعُدُ عَنْكم ما أصابَهم، وإفْرادُ البَعِيدِ لِأنَّ المُرادَ وما إهْلاكُهم أوْ وما هم بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُسَوِّيَ في أمْثالِهِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ لِأنَّها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ كالصَّهِيلِ والشَّهِيقِ. ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ. ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ. ﴿وَدُودٌ﴾ فاعِلٌ بِهِمْ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةِ بِمَن يَوَدُّهُ، وهو وعْدٌ عَلى التَّوْبَةِ بَعْدَ الوَعِيدِ عَلى الإصْرارِ.

هود 11:91

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ﴾ ما نَفْهَمُ. ﴿كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ كَوُجُوبِ التَّوْحِيدِ وحُرْمَةِ البَخْسِ وما ذَكَرْتَ دَلِيلًا عَلَيْهِما، وذَلِكَ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ. وقِيلَ قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِكَلامِهِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يُلْقُوا إلَيْهِ أذْهانَهم لِشِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ عَنْهُ. ﴿وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ فَتَمْتَنِعُ مِنّا إنْ أرَدْنا بِكَ سُوءًا، أوْ مَهِينًا لا عِزَّ لَكَ، وقِيلَ أعْمى بِلُغَةِ حِمْيَرٍ وهو مَعَ عَدَمِ مُناسَبَتِهِ يَرُدُّهُ التَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ، ومَنعُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ اسْتِنْباءَ الأعْمى قِياسًا عَلى القَضاءِ والشَّهادَةِ والفَرْقُ بَيِّنٌ. ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ قَوْمُكَ وعِزَّتُهم عِنْدَنا لِكَوْنِهِمْ عَلى مِلَّتِنا لا لِخَوْفٍ مِن شَوْكَتِهِمْ، فَإنَّ الرَّهْطَ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ وقِيلَ إلى التِّسْعَةِ. ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ لَقَتَلْناكَ بِرَمْيِ الأحْجارِ أوْ بِأصْعَبِ وجْهٍ. ﴿وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ فَتَمْنَعُنا عِزَّتُكَ عَنِ الرَّجْمِ، وهَذا دَيْدَنُ السَّفِيهِ المَحْجُوجِ يُقابِلُ الحُجَجَ والآياتِ بِالسَّبِّ، والتَّهْدِيدِ وفي إيلاءِ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكَلامَ فِيهِ لا في ثُبُوتِ العِزَّةِ، وأنَّ المانِعَ لَهم عَنْ إيذائِهِ عِزَّةُ قَوْمِهِ ولِذَلِكَ.

هود 11:92

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ وجَعَلْتُمُوهُ كالمَنسِيِّ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ بِإشْراكِكم بِهِ والإهانَةِ بِرَسُولِهِ فَلا تُبْقُونَ عَلَيَّ لِلَّهِ وتُبْقُونَ عَلَيَّ لِرَهْطِي، وهو يَحْتَمِلُ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ والرَّدَّ والتَّكْذِيبَ، و﴿ظِهْرِيًّا﴾ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ. ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَيُجازِي عَلَيْها. ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» والفاءُ في فَـ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثَمَّةَ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الإصْرارَ والتَّمَكُّنَ فِيما هم عَلَيْهِ سَبَبٌ لِذَلِكَ، وحَذْفُها ها هُنا لِأنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَهو أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ. ﴿وَمَن هو كاذِبٌ﴾ عُطِفَ عَلى مَن يَأْتِيهِ لا لِأنَّهُ قَسِيمٌ لَهُ كَقَوْلِكَ: سَتَعْلَمُ الكاذِبَ والصّادِقَ، بَلْ لِأنَّهم لَمّا أوْعَدُوهُ وكَذَّبُوهُ قالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ والكاذِبُ مِنِّي ومِنكم. وقِيلَ كانَ قِياسُهُ ومَن هو صادِقٌ لِيَنْصَرِفَ الأوَّلُ إلَيْهِمْ والثّانِي إلَيْهِ لَكِنَّهم (p-147)لَمّا كانُوا يَدْعُونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ عَلى زَعْمِهِمْ. ﴿وارْتَقِبُوا﴾ وانْتَظِرُوا ما أقُولُ لَكم. ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ مُنْتَظِرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى الرّاقِبِ كالصَّرِيمِ، أوِ المُراقِبُ كالعَشِيرِ أوِ المُرْتَقَبُ كالرَّفِيعِ.

هود 11:93

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ وجَعَلْتُمُوهُ كالمَنسِيِّ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ بِإشْراكِكم بِهِ والإهانَةِ بِرَسُولِهِ فَلا تُبْقُونَ عَلَيَّ لِلَّهِ وتُبْقُونَ عَلَيَّ لِرَهْطِي، وهو يَحْتَمِلُ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ والرَّدَّ والتَّكْذِيبَ، و﴿ظِهْرِيًّا﴾ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ. ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَيُجازِي عَلَيْها. ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» والفاءُ في فَـ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثَمَّةَ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الإصْرارَ والتَّمَكُّنَ فِيما هم عَلَيْهِ سَبَبٌ لِذَلِكَ، وحَذْفُها ها هُنا لِأنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَهو أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ. ﴿وَمَن هو كاذِبٌ﴾ عُطِفَ عَلى مَن يَأْتِيهِ لا لِأنَّهُ قَسِيمٌ لَهُ كَقَوْلِكَ: سَتَعْلَمُ الكاذِبَ والصّادِقَ، بَلْ لِأنَّهم لَمّا أوْعَدُوهُ وكَذَّبُوهُ قالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ والكاذِبُ مِنِّي ومِنكم. وقِيلَ كانَ قِياسُهُ ومَن هو صادِقٌ لِيَنْصَرِفَ الأوَّلُ إلَيْهِمْ والثّانِي إلَيْهِ لَكِنَّهم (p-147)لَمّا كانُوا يَدْعُونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ عَلى زَعْمِهِمْ. ﴿وارْتَقِبُوا﴾ وانْتَظِرُوا ما أقُولُ لَكم. ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ مُنْتَظِرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى الرّاقِبِ كالصَّرِيمِ، أوِ المُراقِبُ كالعَشِيرِ أوِ المُرْتَقَبُ كالرَّفِيعِ.

هود 11:94

﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ إنَّما ذَكَرَهُ بِالواوِ كَما في قِصَّةِ عادٍ إذْ لَمْ يَسْبِقْهُ ذِكْرُ وعْدٍ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لَهُ بِخِلافِ قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ فَإنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فَلِذَلِكَ جاءَ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ. ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَلَكُوا. ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ مَيِّتِينَ، وأصْلُ الجُثُومِ اللُّزُومُ في المَكانِ. ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا فِيها. ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ شَبَّهُهم بِهِمْ لِأنَّ عَذابَهم كانَ أيْضًا بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أنَّ صَيْحَتَهم كانَتْ مِن تَحْتِهِمْ وصَيْحَةَ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ. وقُرِئَ « بَعُدَتْ» بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ فَإنَّ الكَسْرَ تَغْيِيرٌ لِتَخْصِيصِ مَعْنى البُعْدِ بِما يَكُونُ بِسَبَبِ الهَلاكِ، والبُعْدُ مَصْدَرٌ لَهُما والبَعْدُ مَصْدَرُ المَكْسُورِ.

هود 11:95

﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ إنَّما ذَكَرَهُ بِالواوِ كَما في قِصَّةِ عادٍ إذْ لَمْ يَسْبِقْهُ ذِكْرُ وعْدٍ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لَهُ بِخِلافِ قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ فَإنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فَلِذَلِكَ جاءَ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ. ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَلَكُوا. ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ مَيِّتِينَ، وأصْلُ الجُثُومِ اللُّزُومُ في المَكانِ. ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا فِيها. ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ شَبَّهُهم بِهِمْ لِأنَّ عَذابَهم كانَ أيْضًا بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أنَّ صَيْحَتَهم كانَتْ مِن تَحْتِهِمْ وصَيْحَةَ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ. وقُرِئَ « بَعُدَتْ» بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ فَإنَّ الكَسْرَ تَغْيِيرٌ لِتَخْصِيصِ مَعْنى البُعْدِ بِما يَكُونُ بِسَبَبِ الهَلاكِ، والبُعْدُ مَصْدَرٌ لَهُما والبَعْدُ مَصْدَرُ المَكْسُورِ.

هود 11:96

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بِالتَّوْراةِ أوِ المُعْجِزاتِ. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ وهو المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ أوِ العَصا، وإفْرادُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أبْهَرُها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وسُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ أوْ مُوَضِّحًا إيّاها، فَإنَّ أبانَ جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الأمارَةَ، والدَّلِيلَ القاطِعَ والسُّلْطانَ يُخَصُّ بِالقاطِعِ والمُبِينَ يُخَصُّ بِما فِيهِ جَلاءٌ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِمُوسى أوْ فَما تَبِعُوا مُوسى الهادِي إلى الحَقِّ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، واتَّبَعُوا طَرِيقَةَ فِرْعَوْنَ المُنْهَمِكِ في الضَّلالِ والطُّغْيانِ الدّاعِي إلى ما لا يَخْفى فَسادُهُ عَلى مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ لِفَرْطِ جَهالَتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِبْصارِهِمْ. ﴿وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مُرْشِدٍ أوْ ذِي رُشْدٍ، وإنَّما هو غَيٌّ مَحْضٌ وضَلالٌ صَرِيحٌ.

هود 11:97

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بِالتَّوْراةِ أوِ المُعْجِزاتِ. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ وهو المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ أوِ العَصا، وإفْرادُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أبْهَرُها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وسُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ أوْ مُوَضِّحًا إيّاها، فَإنَّ أبانَ جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الأمارَةَ، والدَّلِيلَ القاطِعَ والسُّلْطانَ يُخَصُّ بِالقاطِعِ والمُبِينَ يُخَصُّ بِما فِيهِ جَلاءٌ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِمُوسى أوْ فَما تَبِعُوا مُوسى الهادِي إلى الحَقِّ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، واتَّبَعُوا طَرِيقَةَ فِرْعَوْنَ المُنْهَمِكِ في الضَّلالِ والطُّغْيانِ الدّاعِي إلى ما لا يَخْفى فَسادُهُ عَلى مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ لِفَرْطِ جَهالَتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِبْصارِهِمْ. ﴿وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ مُرْشِدٍ أوْ ذِي رُشْدٍ، وإنَّما هو غَيٌّ مَحْضٌ وضَلالٌ صَرِيحٌ.

هود 11:98

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى النّارِ كَما كانَ يَقْدُمُهم في الدُّنْيا إلى الضَّلالِ يُقالُ قَدِمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ. ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي مُبالَغَةً في تَحْقِيقِهِ ونَزَّلَ النّارَ لَهم مَنزِلَةَ الماءِ فَسَمّى إتْيانَها مَوْرِدًا ثُمَّ قالَ: ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ بِئْسَ المَوْرِدُ الَّذِي ورَدُوهُ فَإنَّهُ يُرادُ لِتَبْرِيدِ الأكْبادِ وتَسْكِينِ العَطَشِ والنّارُ بِالضِّدِّ، والآيَةُ كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فَإنَّ مَن كانَ هَذِهِ عاقِبَتُهُ لَمْ يَكُنْ في أمْرِهِ رُشْدٌ، أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّشِيدِ ما يَكُونُ مَأْمُونَ العاقِبَةِ حَمِيدَها. ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُلْعَنُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ أوِ العَطاءُ المُعْطى، وأصْلُ الرِّفْدِ ما يُضافُ إلى غَيْرِهِ لِيُعَمِّدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ رِفْدُهم وهو اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ.(p-148)

هود 11:99

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى النّارِ كَما كانَ يَقْدُمُهم في الدُّنْيا إلى الضَّلالِ يُقالُ قَدِمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ. ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي مُبالَغَةً في تَحْقِيقِهِ ونَزَّلَ النّارَ لَهم مَنزِلَةَ الماءِ فَسَمّى إتْيانَها مَوْرِدًا ثُمَّ قالَ: ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ بِئْسَ المَوْرِدُ الَّذِي ورَدُوهُ فَإنَّهُ يُرادُ لِتَبْرِيدِ الأكْبادِ وتَسْكِينِ العَطَشِ والنّارُ بِالضِّدِّ، والآيَةُ كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فَإنَّ مَن كانَ هَذِهِ عاقِبَتُهُ لَمْ يَكُنْ في أمْرِهِ رُشْدٌ، أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّشِيدِ ما يَكُونُ مَأْمُونَ العاقِبَةِ حَمِيدَها. ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُلْعَنُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ أوِ العَطاءُ المُعْطى، وأصْلُ الرِّفْدِ ما يُضافُ إلى غَيْرِهِ لِيُعَمِّدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ رِفْدُهم وهو اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ.(p-148)

هود 11:100

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّبَأُ. ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلَكَةِ. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ. ﴿مِنها قائِمٌ﴾ مِن تِلْكَ القُرى باقٍ كالزَّرْعِ القائِمِ. ﴿وَحَصِيدٌ﴾ ومِنها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ حالٌ مِنَ الهاءِ في نَقْصِهِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لا واوَ ولا ضَمِيرَ. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِإهْلاكِنا إيّاهم. ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ عَرَّضُوها لَهُ بِارْتِكابِ ما يُوجِبُهُ. ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فَما نَفَعَتْهم ولا قَدَرَتْ أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَلْ ضَرَّتْهم. ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ حِينَ جاءَهم عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ. ﴿وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ هَلاكٍ أوْ تَخْسِيرٍ.

هود 11:101

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّبَأُ. ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلَكَةِ. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ. ﴿مِنها قائِمٌ﴾ مِن تِلْكَ القُرى باقٍ كالزَّرْعِ القائِمِ. ﴿وَحَصِيدٌ﴾ ومِنها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ حالٌ مِنَ الهاءِ في نَقْصِهِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لا واوَ ولا ضَمِيرَ. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِإهْلاكِنا إيّاهم. ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ عَرَّضُوها لَهُ بِارْتِكابِ ما يُوجِبُهُ. ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فَما نَفَعَتْهم ولا قَدَرَتْ أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَلْ ضَرَّتْهم. ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ حِينَ جاءَهم عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ. ﴿وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ هَلاكٍ أوْ تَخْسِيرٍ.

هود 11:102

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ. ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ وقُرِئَ « أخَذَ رَبُّكَ» بِالفِعْلِ وعَلى هَذا يَكُونُ مَحَلُّ الكافِ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ. ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ أهْلَكَها وقُرِئَ « إذْ» لِأنَّ المَعْنى عَلى المُضِيِّ. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالٌ مِنَ القُرى وهي في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها لَكِنَّها لِما أُقِيمَتْ مَقامَهُ أُجْرِيَتْ عَلَيْها، وفائِدَتُها الإشْعارُ بِأنَّهم أُخِذُوا بِظُلْمِهِمْ وإنْذارُ كُلِّ ظالِمٍ ظَلَمَ نَفْسَهُ، أوْ غَيْرَهُ مِن وخامَةِ العاقِبَةِ. ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجِيعٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الخَلاصِ مِنهُ، وهو مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما نَزَلَ بِالأُمَمِ الهالِكَةِ أوْ فِيما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَصَصِهِمْ. ﴿لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً. ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ يَعْتَبِرُ بِهِ عَظَمَتَهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ما حاقَ بِهِمْ أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ، أوْ يَنْزَجِرُ بِهِ عَنْ مُوجِباتِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّها مِن إلَهٍ مُخْتارٍ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ. فَإنَّ مَن أنْكَرَ الآخِرَةَ وأحالَ فَناءَ هَذا العالَمِ لَمْ يَقُلْ بِالفاعِلِ المُخْتارِ، وجَعَلَ تِلْكَ الوَقائِعَ لِأسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ اتَّفَقَتْ في تِلْكَ الأيّامِ لا لِذُنُوبِ المُهْلَكِينَ بِها. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وعَذابُ الآخِرَةِ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أيْ يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ، والتَّغْيِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ وأنَّهُ مِن شَأْنِهِ لا مَحالَةَ وأنَّ النّاسَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ ومَعْنى الجَمْعِ لَهُ الجَمْعُ لِما فِيهِ مِنَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ مَشْهُودٌ فِيهِ أهْلُ السَّمَواتِ والأرَضِينَ فاتَّسَعَ فِيهِ بِإجْراءِ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ: في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي النّاسِ مَشْهُودٍ، أيْ كَثِيرٌ شاهَدُوهُ، ولَوْ جُعِلَ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لَبَطَلَ الغَرَضُ مِن تَعْظِيمِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ فَإنَّ سائِرَ الأيّامِ كَذَلِكَ.

هود 11:103

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ. ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ وقُرِئَ « أخَذَ رَبُّكَ» بِالفِعْلِ وعَلى هَذا يَكُونُ مَحَلُّ الكافِ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ. ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ أهْلَكَها وقُرِئَ « إذْ» لِأنَّ المَعْنى عَلى المُضِيِّ. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالٌ مِنَ القُرى وهي في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها لَكِنَّها لِما أُقِيمَتْ مَقامَهُ أُجْرِيَتْ عَلَيْها، وفائِدَتُها الإشْعارُ بِأنَّهم أُخِذُوا بِظُلْمِهِمْ وإنْذارُ كُلِّ ظالِمٍ ظَلَمَ نَفْسَهُ، أوْ غَيْرَهُ مِن وخامَةِ العاقِبَةِ. ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجِيعٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الخَلاصِ مِنهُ، وهو مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما نَزَلَ بِالأُمَمِ الهالِكَةِ أوْ فِيما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَصَصِهِمْ. ﴿لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً. ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ يَعْتَبِرُ بِهِ عَظَمَتَهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ما حاقَ بِهِمْ أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ، أوْ يَنْزَجِرُ بِهِ عَنْ مُوجِباتِهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّها مِن إلَهٍ مُخْتارٍ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ. فَإنَّ مَن أنْكَرَ الآخِرَةَ وأحالَ فَناءَ هَذا العالَمِ لَمْ يَقُلْ بِالفاعِلِ المُخْتارِ، وجَعَلَ تِلْكَ الوَقائِعَ لِأسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ اتَّفَقَتْ في تِلْكَ الأيّامِ لا لِذُنُوبِ المُهْلَكِينَ بِها. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وعَذابُ الآخِرَةِ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أيْ يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ، والتَّغْيِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ وأنَّهُ مِن شَأْنِهِ لا مَحالَةَ وأنَّ النّاسَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ ومَعْنى الجَمْعِ لَهُ الجَمْعُ لِما فِيهِ مِنَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ مَشْهُودٌ فِيهِ أهْلُ السَّمَواتِ والأرَضِينَ فاتَّسَعَ فِيهِ بِإجْراءِ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ: في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي النّاسِ مَشْهُودٍ، أيْ كَثِيرٌ شاهَدُوهُ، ولَوْ جُعِلَ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لَبَطَلَ الغَرَضُ مِن تَعْظِيمِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ فَإنَّ سائِرَ الأيّامِ كَذَلِكَ.

هود 11:104

﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمُ. ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ إلّا لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ مَعْدُودَةٍ مُتَناهِيَةٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإرادَةُ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ كُلِّها بِالأجَلِ لا مُنْتَهاها فَإنَّهُ غَيْرُ مَعْدُودٍ. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيِ الجَزاءُ أوِ اليَوْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ عَلى أنَّ ﴿يَوْمَ﴾ بِمَعْنى حِينَ أوِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ﴾ ونَحْوِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ (يَأْتِ) (p-149)بِحَذْفِ الياءِ اجْتِزاءً عَنْها بِالكَسْرِ. ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنْجِي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ ويَحْتَمِلُ نَصْبَهُ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ. ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ أوِ المَأْذُونُ فِيهِ هي الجَواباتُ الحَقَّةُ والمَمْنُوعُ عَنْهُ هي الأعْذارُ الباطِلَةُ. ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ﴾ وجَبَتْ لَهُ النّارُ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ. ﴿وَسَعِيدٌ﴾ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ بِمُوجِبِ الوَعْدِ والضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أوْ لِلنّاسِ.

هود 11:105

﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمُ. ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ إلّا لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ مَعْدُودَةٍ مُتَناهِيَةٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإرادَةُ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ كُلِّها بِالأجَلِ لا مُنْتَهاها فَإنَّهُ غَيْرُ مَعْدُودٍ. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيِ الجَزاءُ أوِ اليَوْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ عَلى أنَّ ﴿يَوْمَ﴾ بِمَعْنى حِينَ أوِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ﴾ ونَحْوِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ (يَأْتِ) (p-149)بِحَذْفِ الياءِ اجْتِزاءً عَنْها بِالكَسْرِ. ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنْجِي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ ويَحْتَمِلُ نَصْبَهُ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ. ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ أوِ المَأْذُونُ فِيهِ هي الجَواباتُ الحَقَّةُ والمَمْنُوعُ عَنْهُ هي الأعْذارُ الباطِلَةُ. ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ﴾ وجَبَتْ لَهُ النّارُ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ. ﴿وَسَعِيدٌ﴾ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ بِمُوجِبِ الوَعْدِ والضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أوْ لِلنّاسِ.

هود 11:106

﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، واسْتِعْمالُهُما في أوَّلِ النَّهِيقِ وآخِرِهِ والمُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى شِدَّةِ كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِمَنِ اسْتَوْلَتِ الحَرارَةُ عَلى قَلْبِهِ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ صُراخِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ وقُرِئَ (شُقُوا) بِالضَّمِّ. ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ لَيْسَ لِارْتِباطِ دَوامِهِمْ في النّارِ بِدَوامِهِما فَإنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ دَوامِهِمْ وانْقِطاعِ دَوامِهِما. بَلِ التَّعْبِيرُ عَنِ التَّأْبِيدِ والمُبالَغَةِ بِما كانَتِ العَرَبُ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَوْ كانَ لِلِارْتِباطِ لَمْ يَلْزَمْ أيْضًا مِن زَوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ زَوالُ عَذابِهِمْ ولا مِن دَوامِهِ دَوامُهُما إلّا مِن قَبِيلِ المَفْهُومِ، لِأنَّ دَوامَهُما كالمَلْزُومِ لِدَوامِهِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَفْهُومَ لا يُقاوِمُ المَنطُوقَ. وقِيلَ المُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ وإنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا بُدَّ لَهم مِن مُظِلٍّ ومُقِلٍّ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وجُودَهُ ودَوامَهُ، ومَن عَرَفَهُ فَإنَّما يَعْرِفُهُ بِما يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَلا يُجْدِي لَهُ التَّشْبِيهُ. ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ لِأنَّ بَعْضَهم وهم فُسّاقُ المُوَحِّدِينَ يَخْرُجُونَ مِنها، وذَلِكَ كافٍ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ زَوالَ الحُكْمِ عَنِ الكُلِّ يَكْفِيهِ زَوالُهُ عَنِ البَعْضِ، وهُمُ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ الثّانِي فَإنَّهم مُفارِقُونَ عَنِ الجَنَّةِ أيّامَ عَذابِهِمْ، فَإنَّ التَّأْبِيدَ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يُنْتَقَضُ بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ كَما يُنْتَقَضُ بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ، وهَؤُلاءِ وإنْ شَقَوْا بِعِصْيانِهِمْ فَقَدْ سَعِدُوا بِإيمانِهِمْ، ولا يُقالُ فَعَلى هَذا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ تَقْسِيمًا صَحِيحًا لِأنَّ مِن شَرْطِهِ أنْ تَكُونَ صِفَةُ كُلِّ قِسْمٍ مُنْتَفِيَةً عَنْ قَسِيمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حَيْثُ التَّقْسِيمُ لِانْفِصالٍ حَقِيقِيٍّ أوْ مانِعٍ مِنَ الجَمْعِ وها هُنا المُرادُ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنِ القِسْمَيْنِ، وأنَّ حالَهم لا يَخْلُو عَنِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ في شَخْصٍ بِاعْتِبارَيْنِ، أوْ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يُنْقَلُونَ مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أحْيانًا، وكَذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ يُنَعَّمُونَ بِما هو أعْلى مِنَ الجَنَّةِ كالِاتِّصالِ بِجَنابِ القُدُسِ والفَوْزِ بِرِضْوانِ اللَّهِ ولِقائِهِ، أوْ مِن أصْلِ الحُكْمِ والمُسْتَثْنى زَمانُ تَوَقُّفِهِمْ في المَوْقِفِ لِلْحِسابِ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في النّارِ حِينَ يَأْتِي اليَوْمُ، أوْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ إنْ كانَ الحُكْمُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِاليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ عَلى ما عَرَفْتَ. وقِيلَ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وقِيلَ إلّا ها هُنا بِمَعْنى سِوى كَقَوْلِكَ عَلى ألِفٍ إلّا الألِفانِ القَدِيمانِ والمَعْنى سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخَرَ لَها عَلى مُدَّةِ بَقاءِ السَّمَواتِ والأرْضِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ.

هود 11:107

﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، واسْتِعْمالُهُما في أوَّلِ النَّهِيقِ وآخِرِهِ والمُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى شِدَّةِ كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِمَنِ اسْتَوْلَتِ الحَرارَةُ عَلى قَلْبِهِ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ صُراخِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ وقُرِئَ (شُقُوا) بِالضَّمِّ. ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ لَيْسَ لِارْتِباطِ دَوامِهِمْ في النّارِ بِدَوامِهِما فَإنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ دَوامِهِمْ وانْقِطاعِ دَوامِهِما. بَلِ التَّعْبِيرُ عَنِ التَّأْبِيدِ والمُبالَغَةِ بِما كانَتِ العَرَبُ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَوْ كانَ لِلِارْتِباطِ لَمْ يَلْزَمْ أيْضًا مِن زَوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ زَوالُ عَذابِهِمْ ولا مِن دَوامِهِ دَوامُهُما إلّا مِن قَبِيلِ المَفْهُومِ، لِأنَّ دَوامَهُما كالمَلْزُومِ لِدَوامِهِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَفْهُومَ لا يُقاوِمُ المَنطُوقَ. وقِيلَ المُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ وإنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا بُدَّ لَهم مِن مُظِلٍّ ومُقِلٍّ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وجُودَهُ ودَوامَهُ، ومَن عَرَفَهُ فَإنَّما يَعْرِفُهُ بِما يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَلا يُجْدِي لَهُ التَّشْبِيهُ. ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ لِأنَّ بَعْضَهم وهم فُسّاقُ المُوَحِّدِينَ يَخْرُجُونَ مِنها، وذَلِكَ كافٍ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ زَوالَ الحُكْمِ عَنِ الكُلِّ يَكْفِيهِ زَوالُهُ عَنِ البَعْضِ، وهُمُ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ الثّانِي فَإنَّهم مُفارِقُونَ عَنِ الجَنَّةِ أيّامَ عَذابِهِمْ، فَإنَّ التَّأْبِيدَ مِن مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ يُنْتَقَضُ بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ كَما يُنْتَقَضُ بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ، وهَؤُلاءِ وإنْ شَقَوْا بِعِصْيانِهِمْ فَقَدْ سَعِدُوا بِإيمانِهِمْ، ولا يُقالُ فَعَلى هَذا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ تَقْسِيمًا صَحِيحًا لِأنَّ مِن شَرْطِهِ أنْ تَكُونَ صِفَةُ كُلِّ قِسْمٍ مُنْتَفِيَةً عَنْ قَسِيمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حَيْثُ التَّقْسِيمُ لِانْفِصالٍ حَقِيقِيٍّ أوْ مانِعٍ مِنَ الجَمْعِ وها هُنا المُرادُ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنِ القِسْمَيْنِ، وأنَّ حالَهم لا يَخْلُو عَنِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ في شَخْصٍ بِاعْتِبارَيْنِ، أوْ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يُنْقَلُونَ مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أحْيانًا، وكَذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ يُنَعَّمُونَ بِما هو أعْلى مِنَ الجَنَّةِ كالِاتِّصالِ بِجَنابِ القُدُسِ والفَوْزِ بِرِضْوانِ اللَّهِ ولِقائِهِ، أوْ مِن أصْلِ الحُكْمِ والمُسْتَثْنى زَمانُ تَوَقُّفِهِمْ في المَوْقِفِ لِلْحِسابِ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في النّارِ حِينَ يَأْتِي اليَوْمُ، أوْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ إنْ كانَ الحُكْمُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِاليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ عَلى ما عَرَفْتَ. وقِيلَ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وقِيلَ إلّا ها هُنا بِمَعْنى سِوى كَقَوْلِكَ عَلى ألِفٍ إلّا الألِفانِ القَدِيمانِ والمَعْنى سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخَرَ لَها عَلى مُدَّةِ بَقاءِ السَّمَواتِ والأرْضِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ.

هود 11:108

﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ (p-150)مَجْذُوذٍ﴾ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ الثَّوابَ لا يَنْقَطِعُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في الثَّوابِ لَيْسَ الِانْقِطاعُ، ولِأجْلِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوابِ والعِقابِ بِالتَّأْبِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿سُعِدُوا﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن سَعَدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ، و ﴿عَطاءً﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ أُعْطُوا عَطاءً أوِ الحالُ مِنَ الجَنَّةِ.

هود 11:109

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شَكٍّ بَعْدَ ما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن مَآلِ أمْرِ النّاسِ. ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في أنَّها ضَلالٌ مُؤَدٍّ إلى مِثْلِ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ سُوءَ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ، أوْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ في أنَّهُ يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ أيْ هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ، أيْ ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَةِ آبائِهِمْ أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ ما عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، وقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ آباءَهم مِن ذَلِكَ فَسَيَلْحَقُهم مِثْلُهُ، لِأنَّ التَّماثُلَ في الأسْبابِ يَقْتَضِي التَّماثُلَ في المُسَبَّباتِ، ومَعْنى ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ كَما كانَ يَعْبُدُ فَحُذِفَ لِلدَّلالَةِ مِن قَبْلُ عَلَيْهِ. ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَآبائِهِمْ، أوْ مِنَ الرِّزْقِ فَيَكُونُ عُذْرًا لِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ قِيامِ ما يُوجِبُهُ. ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مِنَ النَّصِيبِ لِتَقْيِيدِ التَّوْفِيَةِ فَإنَّكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ حَقَّهُ وتُرِيدُ بِهِ وفاءَ بَعْضِهِ ولَوْ مَجازًا.

هود 11:110

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ الإنْظارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ ما يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنِ المُحِقِّ. ﴿وَإنَّهُمْ﴾ وإنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ. ﴿وَإنَّ كُلا﴾ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ المُؤْمِنِينَ مِنهم والكافِرِينَ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ الإعْمالِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ. ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ والثّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ بِالعَكْسِ وما مَزِيدَةٌ بَيْنَهُما لِلْفَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمَن ما فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، والمَعْنى لَمَنِ الَّذِينَ يُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ. وقُرِئَ لَمًّا بِالتَّنْوِينِ أيْ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ ﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا﴾ عَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ و ﴿لَمّا﴾ بِمَعْنى إلّا وقَدْ قُرِئَ بِهِ. ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنهُ وإنْ خَفِيَ.

هود 11:111

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ الإنْظارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ ما يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنِ المُحِقِّ. ﴿وَإنَّهُمْ﴾ وإنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ. ﴿وَإنَّ كُلا﴾ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ المُؤْمِنِينَ مِنهم والكافِرِينَ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ الإعْمالِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ. ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ والثّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ بِالعَكْسِ وما مَزِيدَةٌ بَيْنَهُما لِلْفَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمَن ما فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، والمَعْنى لَمَنِ الَّذِينَ يُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ. وقُرِئَ لَمًّا بِالتَّنْوِينِ أيْ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ ﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا﴾ عَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ و ﴿لَمّا﴾ بِمَعْنى إلّا وقَدْ قُرِئَ بِهِ. ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنهُ وإنْ خَفِيَ.

هود 11:112

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أمْرَ المُخْتَلِفِينَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأطْنَبَ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ مِثْلَ ما أُمِرَ بِها وهي شامِلَةٌ لِلِاسْتِقامَةِ في العَقائِدِ كالتَّوَسُّطِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ بِحَيْثُ يَبْقى العَقْلُ مَصُونًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، والأعْمالِ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ وبَيانِ الشَّرائِعِ كَما أُنْزِلَ، والقِيامِ بِوَظائِفِ العِباداتِ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ مُفَوِّتٍ لِلْحُقُوقِ ونَحْوِها وهي في غايَةِ العُسْرِ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ» . ﴿وَمَن تابَ مَعَكَ﴾ أيْ تابَ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ وآمَنَ مَعَكَ، وهو عَطْفٌ عَلى المُسْتَكِنِّ في اسْتَقِمْ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدْ بِمُنْفَصِلٍ لِقِيامِ الفاصِلِ مَقامَهُ. ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ ولا تَخْرُجُوا عَمّا حُدَّ لَكم. ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَهو (p-151)مُجازِيكم عَلَيْهِ، وهو في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ النُّصُوصِ مِن غَيْرِ تَصَرُّفٍ وانْحِرافٍ بِنَحْوِ قِياسٍ واسْتِحْسانٍ.

هود 11:113

﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تَمِيلُوا إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ فَإنَّ الرُّكُونَ هو المَيْلُ اليَسِيرُ كالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ واسْتَدامَتِهِ. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ وإذا كانَ الرُّكُونُ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِالرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ أيِ المَوْسُومِينَ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ كُلَّ المَيْلِ، ثُمَّ بِالظُّلْمِ نَفْسِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ، ولَعَلَّ الآيَةَ أبْلَغُ ما يُتَصَوَّرُ في النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، وخِطابُ الرَّسُولِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِها لِلتَّثْبِيتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي العَدْلُ، فَإنَّ الزَّوالَ عَنْها بِالمَيْلِ إلى أحَدِ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ فَإنَّهُ ظُلْمٌ عَلى نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بَلْ ظُلْمٌ في نَفْسِهِ. وقُرِئَ « تِرْكَنُوا» « فَتِمَسَّكُمُ» بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « تُرْكَنُوا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنُهُ. ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكم والواوُ لِلْحالِ. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ ثُمَّ لا يَنْصُرُكُمُ اللَّهُ إذْ سَبَقَ في حُكْمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم ولا يُبْقِيَ عَلَيْكم، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهم بِالعَذابِ عَلَيْهِ وأوْجَبَهُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الفاءِ لِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهم وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا.

هود 11:114

﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ، فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ وهو جَمْعُ زُلْفَةٍ، وصَلاةُ الغَداةِ صَلاةُ الصُّبْحِ لِأنَّها أقْرَبُ الصَّلاةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ صَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ. وقُرِئَ « زُلُفًا» بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ كَبُسُرٍ وبُسْرٍ في بُسْرَةٍ و « زُلْفى» بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَقُرْبِي وقِرْبَةٍ. ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يُكَفِّرْنَها. (وَفِي الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةُ ما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وفي سَبَبِ النُّزُولِ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنَ امْرَأةٍ غَيْرَ أنِّي لَمْ آتِها فَنَزَلَتْ» . ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وما بَعْدَهُ وقِيلَ إلى القُرْآنِ. ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ. ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عُدُولٌ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ ودَلِيلًا عَلى أنَّ الصَّلاةَ والصَّبْرَ إحْسانٌ وإيماءٌ بِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِما دُونَ الإخْلاصِ.

هود 11:115

﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ، فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ وهو جَمْعُ زُلْفَةٍ، وصَلاةُ الغَداةِ صَلاةُ الصُّبْحِ لِأنَّها أقْرَبُ الصَّلاةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ صَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ. وقُرِئَ « زُلُفًا» بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ كَبُسُرٍ وبُسْرٍ في بُسْرَةٍ و « زُلْفى» بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَقُرْبِي وقِرْبَةٍ. ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يُكَفِّرْنَها. (وَفِي الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةُ ما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وفي سَبَبِ النُّزُولِ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنَ امْرَأةٍ غَيْرَ أنِّي لَمْ آتِها فَنَزَلَتْ» . ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وما بَعْدَهُ وقِيلَ إلى القُرْآنِ. ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ. ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عُدُولٌ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ ودَلِيلًا عَلى أنَّ الصَّلاةَ والصَّبْرَ إحْسانٌ وإيماءٌ بِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِما دُونَ الإخْلاصِ.

هود 11:116

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فَهَلّا كانَ. ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ أُولُو فَضْلٍ وإنَّما سُمِّيَ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي أفْضَلَ ما يُخْرِجُهُ، ومِنهُ يُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالتَّقِيَّةِ أيْ ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِنَ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « بَقْيَةٍ» وهي المَرَّةُ (p-152)مِن مَصْدَرِ بَقاهُ يُبْقِيهِ إذا راقَبَهُ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ لَكِنَّ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ اتِّصالُهُ إلّا إذا جُعِلَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْيِ اللّازِمِ لِلتَّحْضِيضِ. ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ ما أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ واهْتَمُّوا بِتَحْصِيلِ أسْبابِها وأعْرَضُوا عَمّا وراءَ ذَلِكَ. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافِرِينَ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ ما كانَ السَّبَبُ لِاسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ فِيهِمْ واتِّباعُهم لِلْهَوى وتَرْكُ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ﴾ عَلى مَعْطُوفٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ إذا المَعْنى: فَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الفَسادِ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وكانُوا مُجْرِمِينَ عُطِفَ عَلى (اتَّبَعَ) أوِ اعْتَرَضَ. وقُرِئَ « وأتْبَعَ» أيْ وأتْبَعُوا جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِهِ المَشْهُورَةُ ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ الإنْجاءِ. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ. ﴿وَأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فِيما بَيْنَهم لا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا وتَباغِيًا، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ حُقُوقَ العِبادِ. وقِيلَ المُلْكُ يَبْقى مَعَ الشِّرْكِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ.

هود 11:117

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فَهَلّا كانَ. ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ أُولُو فَضْلٍ وإنَّما سُمِّيَ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي أفْضَلَ ما يُخْرِجُهُ، ومِنهُ يُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالتَّقِيَّةِ أيْ ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِنَ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « بَقْيَةٍ» وهي المَرَّةُ (p-152)مِن مَصْدَرِ بَقاهُ يُبْقِيهِ إذا راقَبَهُ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ لَكِنَّ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ اتِّصالُهُ إلّا إذا جُعِلَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْيِ اللّازِمِ لِلتَّحْضِيضِ. ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ ما أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ واهْتَمُّوا بِتَحْصِيلِ أسْبابِها وأعْرَضُوا عَمّا وراءَ ذَلِكَ. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافِرِينَ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ ما كانَ السَّبَبُ لِاسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ فِيهِمْ واتِّباعُهم لِلْهَوى وتَرْكُ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ﴾ عَلى مَعْطُوفٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ إذا المَعْنى: فَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الفَسادِ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وكانُوا مُجْرِمِينَ عُطِفَ عَلى (اتَّبَعَ) أوِ اعْتَرَضَ. وقُرِئَ « وأتْبَعَ» أيْ وأتْبَعُوا جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِهِ المَشْهُورَةُ ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ الإنْجاءِ. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ. ﴿وَأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فِيما بَيْنَهم لا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا وتَباغِيًا، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ حُقُوقَ العِبادِ. وقِيلَ المُلْكُ يَبْقى مَعَ الشِّرْكِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ.

هود 11:118

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهو دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلِّ أحَدٍ وأنَّ ما أرادَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ لا تَكادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ يَتَّفِقانِ مُطْلَقًا. ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فاتَّفِقُوا عَلى ما هو أُصُولُ دِينِ الحَقِّ والعُمْدَةُ فِيهِ. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿النّاسُ﴾ فالإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ إلَيْهِ وإلى الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَ لِمَن فَإلى الرَّحْمَةِ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ أوْ قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أيْ مِن عُصاتِهِما ﴿أجْمَعِينَ﴾ أوْ مِنهُما أجْمَعِينَ لا مِن أحَدِهِما.

هود 11:119

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهو دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلِّ أحَدٍ وأنَّ ما أرادَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ لا تَكادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ يَتَّفِقانِ مُطْلَقًا. ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فاتَّفِقُوا عَلى ما هو أُصُولُ دِينِ الحَقِّ والعُمْدَةُ فِيهِ. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿النّاسُ﴾ فالإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ إلَيْهِ وإلى الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَ لِمَن فَإلى الرَّحْمَةِ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ أوْ قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أيْ مِن عُصاتِهِما ﴿أجْمَعِينَ﴾ أوْ مِنهُما أجْمَعِينَ لا مِن أحَدِهِما.

هود 11:120

﴿وَكُلا﴾ وكُلَّ نَبَأٍ. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ نُخْبِرُكَ بِهِ. ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بَيانٌ لِكُلًّا أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى المَقْصُودِ مِنَ الِاقْتِصاصِ وهو زِيادَةُ يَقِينِهِ وطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ وثَباتُ نَفْسِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ واحْتِمالِ أذى الكُفّارِ، أوْ مَفْعُولٌ ﴿وَكُلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِمَعْنى كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاقْتِصاصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ. ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السُّورَةِ أوِ الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ عَلَيْكَ. ﴿الحَقُّ﴾ ما هو حَقٌّ. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى سائِرِ فَوائِدِهِ العامَّةِ.

هود 11:121

﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى حالِكم. ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ عَلى حالِنا. ﴿وانْتَظِرُوا﴾ بِنا الدَّوائِرَ. ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما نَزَلَ عَلى أمْثالِكم.

هود 11:122

﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى حالِكم. ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ عَلى حالِنا. ﴿وانْتَظِرُوا﴾ بِنا الدَّوائِرَ. ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما نَزَلَ عَلى أمْثالِكم.

هود 11:123

(p-153)﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خاصَّةً لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا فِيهِما. ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ فَيَرْجِعُ لا مَحالَةَ أمْرُهم وأمْرُكَ إلَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ ﴿يُرْجَعُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ كافِيكَ. وفي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى التَّوَكُّلِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يَنْفَعُ العابِدَ. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أنْتَ وهم فَيُجازِي كُلًّا ما يَسْتَحِقُّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالياءِ هُنا وفي آخِرِ « النَّمْلِ» . عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ هُودٍ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِنُوحٍ ومَن كَذَّبَ بِهِ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ ولُوطٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وكانَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ السُّعَداءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» .