Tafsir Al-Baydawi — يوسف 12:1 – إبراهيم 14:52
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:51
- إبراهيم 14:52
يوسف 12:1
(p-154)سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ تِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ وهي المُرادُ بِـ ﴿الكِتابِ﴾، أيْ تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الظّاهِرِ أمْرُها في الإعْجازِ أوِ الواضِحَةِ مَعانِيها، أوِ المُبِينَةِ لِمَن تَدَبَّرَها أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ لِلْيَهُودِ ما سَألُوا إذْ رُوِيَ أنَّ عُلَماءَهم قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ سَمّى البَعْضَ قُرْآنًا لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْكُلِّ بِالغَلَبَةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو في نَفْسِهِ إمّا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي ﴿عَرَبِيًّا﴾ أوْ حالٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و ﴿عَرَبِيًّا﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ وفي كُلِّ ذَلِكَ خِلافٌ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أيْ أنْزَلْناهُ مَجْمُوعًا أوْ مَقْرُوءًا بِلُغَتِكم كَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِمَعانِيهِ، أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّ اقْتِصاصَهُ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ القَصَصَ مُعْجِزٌ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالإيحاءِ.
يوسف 12:2
(p-154)سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ تِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ وهي المُرادُ بِـ ﴿الكِتابِ﴾، أيْ تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الظّاهِرِ أمْرُها في الإعْجازِ أوِ الواضِحَةِ مَعانِيها، أوِ المُبِينَةِ لِمَن تَدَبَّرَها أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ لِلْيَهُودِ ما سَألُوا إذْ رُوِيَ أنَّ عُلَماءَهم قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ سَمّى البَعْضَ قُرْآنًا لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْكُلِّ بِالغَلَبَةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو في نَفْسِهِ إمّا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي ﴿عَرَبِيًّا﴾ أوْ حالٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و ﴿عَرَبِيًّا﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ وفي كُلِّ ذَلِكَ خِلافٌ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أيْ أنْزَلْناهُ مَجْمُوعًا أوْ مَقْرُوءًا بِلُغَتِكم كَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِمَعانِيهِ، أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّ اقْتِصاصَهُ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ القَصَصَ مُعْجِزٌ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالإيحاءِ.
يوسف 12:3
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ لِأنَّ اقْتَصَّ عَلى أبْدَعِ الأسالِيبِ، أوْ أحْسَنَ ما يُقَصُّ لِاشْتِمالِهِ عَلى العَجائِبِ والحِكَمِ والآياتِ والعِبَرِ فَعَلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالنَّقْضِ والسَّلْبِ، واشْتِقاقُهُ مِن قَصَّ أثَرَهُ إذا تَبِعَهُ ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ بِإيحائِنا. ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ يَعْنِي السُّورَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ هَذا مَفْعُولَ نَقُصُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ. ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ لَمْ تَخْطُرْ بِبالِكَ ولَمْ تَقْرَعْ سَمْعَكَ قَطُّ، وهو تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مُوحًى وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
يوسف 12:4
﴿إذْ قالَ يُوسُفُ﴾ بَدَلٌ مِن أحْسَنَ القَصَصِ إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا بَدَلَ الِاشْتِمالِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ و ﴿يُوسُفُ﴾ عِبْرِيٌّ ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَصُرِفَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى التَّلَعُّبِ بِهِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ مِن آسَفَ لِأنَّ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعُجْمَتِهِ. ﴿لأبِيهِ﴾ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ» .
﴿يا أبَتِ﴾ أصْلُهُ يا أبِي فَعُوِّضَ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتُناسِبَهُما في الزِّيادَةِ ولِذَلِكَ قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وكَسَرَها لِأنَّها عِوَضُ حَرْفٍ يُناسِبُها، وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ في كُلِّ القُرْآنِ (p-155)لِأنَّها حَرَكَةُ أصْلِها أوْ لِأنَّهُ كانَ يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ وبَقِيَ الفَتْحَةُ، وإنَّما جازَ يا أبَتا ولَمْ يَجُزْ يا أبَتِي لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ كَأصْلِها لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ. ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ مِنَ الرُّؤْيا لا مِنَ الرُّؤْيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ . رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ، فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ إذا أخْبَرْتُكَ هَلْ تُسْلِمُ قالَ نَعَمْ، قالَ جَرَيانُ والطّارِقُ والذَّيّالُ وقابِسٌ وعَمُودانِ والفُلَّيْقُ والمُصْبِحُ والضَّرُوحُ والفُرُغُ ووَثّابٌ وذُو الكَتِفَيْنِ رَآها يُوسُفُ والشَّمْسُ والقَمَرُ نَزَلْنَ مِنَ السَّماءِ وسَجَدْنَ لَهُ فَقالَ اليَهُودِيُّ إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها» ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي رَآهم عَلَيْها فَلا تَكْرِيرَ وإنَّما أُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ لِوَصْفِها بِصِفاتِهِمْ.
يوسف 12:5
﴿قالَ يا بُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ ابْنٍ، صَغَّرَهُ لِلشَّفَقَةِ أوْ لِصِغَرِ السِّنِّ، لِأنَّهُ كانَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً. وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي « الصّافّاتِ» بِفَتْحِ الياءِ. ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِكَ حِيلَةً، فَهِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رُؤْياهُ أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِيهِ لِرِسالَتِهِ ويُفَوِّقُهُ عَلى إخْوَتِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَهم وبِغْيَهم والرُّؤْيا كالرُّؤْيَةِ غَيْرَ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما يَكُونُ في النَّوْمِ، فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كالقُرْبَةِ والقُرْبى وهي انْطِباعُ الصُّورَةِ المُنْحَدِرَةِ مِن أُفُقِ المُتَخَيَّلَةِ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ، والصّادِقَةُ مِنها إنَّما تَكُونُ بِاتِّصالِ النَّفْسِ بِالمَلَكُوتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ عِنْدَ فَراغِها مِن تَدْبِيرِ البَدَنِ أدْنى فَراغٍ، فَتَتَصَوَّرُ بِما فِيها مِمّا يَلِيقُ بِها مِنَ المَعانِي الحاصِلَةِ هُناكَ، ثُمَّ إنَّ المُتَخَيَّلَةَ تُحاكِيهِ بِصُورَةٍ تُناسِبُهُ فَتُرْسِلُها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشاهَدَةً، ثُمَّ إنْ كانَتْ شَدِيدَةَ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ المَعْنى بِحَيْثُ لا يَكُونُ التَّفاوُتُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتِ الرُّؤْيا عَنِ التَّعْبِيرِ وإلّا احْتاجَتْ إلَيْهِ، وإنَّما عَدّى كادَ بِاللّامِ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى فَعَلَ يُعَدّى بِهِ تَأْكِيدًا ولِذَلِكَ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ لِما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَوّاءَ فَلا يَأْلُوا جُهْدًا في تَسْوِيلِهِمْ وإثارَةِ الحَسَدِ فِيهِمْ حَتّى يَحْمِلَهم عَلى الكَيْدِ.
يوسف 12:6
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ وكَما اجْتَباكَ لِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى شَرَفٍ وعِزٍّ وكَمالِ نَفْسٍ. ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ أوْ لِأُمُورٍ عِظامٍ، والِاجْتِباءُ مِن جَبَيْتَ الشَّيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ. ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ وهو يُعَلِّمُكَ. ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ مِن تَعْبِيرِ الرُّؤْيا لِأنَّها أحادِيثُ المَلِكِ إنْ كانَتْ صادِقَةً، وأحادِيثُ النَّفْسِ أوِ الشَّيْطانِ إنْ كانَتْ كاذِبَةً. أوْ مِن تَأْوِيلِ غَوامِضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وسُنَنِ الأنْبِياءِ وكَلِماتِ الحُكَماءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ كَأباطِيلَ اسْمُ جَمْعٍ لِلْباطِلِ. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِأنْ يَصِلَ نِعْمَةَ الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ. ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ يُرِيدُ بِهِ سائِرَ بَنِيهِ، ولَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى نَبُّوتِهِمْ بِضَوْءِ الكَواكِبِ أوْ نَسْلِهِ. ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ﴾ بِالرِّسالَةِ وقِيلَ عَلى إبْراهِيمَ بِالخَلَّةِ والإنْجاءِ مِنَ النّارِ وعَلى إسْحاقَ بِإنْقاذِهِ مِنَ الذَّبْحِ وفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِكَ أوْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ. ﴿إبْراهِيمَ (p-156)وَإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِأبَوَيْكَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ الأشْياءَ عَلى ما يَنْبَغِي.
يوسف 12:7
﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ في قِصَّتِهِمْ. ﴿آياتٌ﴾ دَلائِلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، أوْ عَلاماتُ نُبُوَّتِكَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « آيَةٌ» . ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ لِمَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ، والمُرادُ بِإخْوَتِهِ بَنُو عِلّاتِهِ العَشَرَةُ وهم: يَهُوذا ورُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى وزَبالُونُ ويَشْخَرُ ودِينَةُ مِن بِنْتِ خالَتِهِ لَيا تَزَوَّجَها يَعْقُوبُ أوَّلًا فَلَمّا تُوُفِّيَتْ تَزَوَّجَ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ. وقِيلَ جَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَكُنِ الجَمْعُ مُحَرَّمًا حِينَئِذٍ وأرْبَعَةٌ آخَرُونَ: دانُ ونَفْتالِي وجادُ وأشَرُ مِن سَرِيَّتَيْنِ زُلْفَةَ وبَلْهَةَ.
يوسف 12:8
﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ﴾ بِنْيامِينُ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُخُوَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. ﴿أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ وحْدَهُ لِأنَّ أفْعَلَ مَن لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ، والمُذَكَّرُ وما يُقابِلُهُ بِخِلافِ أخَوَيْهِ فَإنَّ الفَرْقَ واجِبٌ في المُحَلّى جائِزٌ في المُضافِ. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ والحالُ أنّا جَماعَةٌ أقْوِياءُ أحَقُّ بِالمَحَبَّةِ مِن صَغِيرَيْنِ لا كِفايَةَ فِيهِما، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ الأُمُورَ تُعْصَبُ بِهِمْ. ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لِتَفْضِيلِهِ المَفْضُولَ أوْ لِتَرْكِ التَّعْدِيلِ في المَحَبَّةِ.
رُوِيَ أنَّهُ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ لِما يَرى فِيهِ مِنَ المَخايِلِ وكانَ إخْوَتُهُ يَحْسُدُونَهُ، فَلَمّا رَأى الرُّؤْيا ضاعَفَ لَهُ المَحِبَّةَ بِحَيْثُ لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ، فَتَبالَغَ حَسَدُهم حَتّى حَمَلَهم عَلى التَّعَرُّضِ لَهُ.
يوسف 12:9
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ مِن جُمْلَةِ المَحْكِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ إذْ قالُوا كَأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ الأمْرِ إلّا مَن قالَ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ . وقِيلَ إنَّما قالَهُ شَمْعُونُ أوْ دانُ ورَضِيَ بِهِ الآخَرُونَ.
﴿أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ مَنكُورَةً بَعِيدَةً مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإبْهامِها ولِذَلِكَ نُصِبَتْ كالظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ. ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ. والمَعْنى يَصْفُ لَكم وجْهَ أبِيكم فَيُقْبِلُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْكم ولا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكم ولا يُنازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ. ﴿وَتَكُونُوا﴾ جُزِمَ بِالعَطْفِ عَلى يَخْلُ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنْ. ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ يُوسُفَ أوِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ أوْ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ. ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ تائِبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جَنَيْتُمْ أوْ صالِحِينَ مَعَ أبِيكم بِصُلْحِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِعُذْرٍ تُمَهِّدُونَهُ، أوْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكم.
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي يَهُوذا وكانَ أحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا. وقِيلَ رُوبِيلُ. ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَإنَّ القَتْلَ عَظِيمٌ. ﴿وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ في قَعْرِهِ، سُمِّيَ بِها لِغَيْبُوبَتِهِ عَنْ أعْيُنِ النّاظِرِينَ. وقَرَأ نافِعٌ في « غَياباتِ» في المَوْضِعَيْنِ عَلى الجَمْعِ كَأنَّهُ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٌ. وقُرِئَ « غَيْبَةِ» و « غَياباتِ» بِالتَّشْدِيدِ. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يَأْخُذْهُ.
﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ بَعْضُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الأرْضِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ بِمَشُورَتِي أوْ إنْ كُنْتُمْ عَلى أنْ تَفْعَلُوا ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.(p-157)
يوسف 12:10
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ مِن جُمْلَةِ المَحْكِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ إذْ قالُوا كَأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ الأمْرِ إلّا مَن قالَ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ . وقِيلَ إنَّما قالَهُ شَمْعُونُ أوْ دانُ ورَضِيَ بِهِ الآخَرُونَ.
﴿أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ مَنكُورَةً بَعِيدَةً مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإبْهامِها ولِذَلِكَ نُصِبَتْ كالظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ. ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ. والمَعْنى يَصْفُ لَكم وجْهَ أبِيكم فَيُقْبِلُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْكم ولا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكم ولا يُنازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ. ﴿وَتَكُونُوا﴾ جُزِمَ بِالعَطْفِ عَلى يَخْلُ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنْ. ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ يُوسُفَ أوِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ أوْ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ. ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ تائِبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جَنَيْتُمْ أوْ صالِحِينَ مَعَ أبِيكم بِصُلْحِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِعُذْرٍ تُمَهِّدُونَهُ، أوْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكم.
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي يَهُوذا وكانَ أحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا. وقِيلَ رُوبِيلُ. ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَإنَّ القَتْلَ عَظِيمٌ. ﴿وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ في قَعْرِهِ، سُمِّيَ بِها لِغَيْبُوبَتِهِ عَنْ أعْيُنِ النّاظِرِينَ. وقَرَأ نافِعٌ في « غَياباتِ» في المَوْضِعَيْنِ عَلى الجَمْعِ كَأنَّهُ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٌ. وقُرِئَ « غَيْبَةِ» و « غَياباتِ» بِالتَّشْدِيدِ. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يَأْخُذْهُ.
﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ بَعْضُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الأرْضِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ بِمَشُورَتِي أوْ إنْ كُنْتُمْ عَلى أنْ تَفْعَلُوا ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.(p-157)
يوسف 12:11
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ. ﴿وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ونَحْنُ نُشْفِقُ عَلَيْهِ ونُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ، أرادُوا بِهِ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما تَنَسَّمَ مِن حَسَدِهِمْ، والمَشْهُورُ ﴿تَأْمَنّا﴾ بِالإدْغامِ بِإشْمامٍ. وعَنْ نافِعٍ بِتَرْكِ الإشْمامِ ومِنَ الشَّواذِّ تَرْكُ الإدْغامِ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ و « تِيمَنّا» بِكَسْرِ التّاءِ.
﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ إلى الصَّحْراءِ. (نَرْتَعْ) نَتْسِعْ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها مِنَ الرَّتْعَةِ وهي الخِصْبُ.
﴿وَنَلْعَبُ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (نَرْتَعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ مِنِ ارْتَعى يَرْتَعِي ونافِعٌ بِالكَسْرِ والياءُ فِيهِ وفي (يَلْعَبْ) . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ بِالياءِ والسُّكُونِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى يُوسُفَ. وقُرِئَ « يَرْتَعْ» مِن أرْتَعَ ماشِيَتَهُ و « يَرْتَعِ» بِكَسْرِ العَيْنِ ويَلْعَبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.
يوسف 12:12
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ. ﴿وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ونَحْنُ نُشْفِقُ عَلَيْهِ ونُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ، أرادُوا بِهِ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما تَنَسَّمَ مِن حَسَدِهِمْ، والمَشْهُورُ ﴿تَأْمَنّا﴾ بِالإدْغامِ بِإشْمامٍ. وعَنْ نافِعٍ بِتَرْكِ الإشْمامِ ومِنَ الشَّواذِّ تَرْكُ الإدْغامِ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ و « تِيمَنّا» بِكَسْرِ التّاءِ.
﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ إلى الصَّحْراءِ. (نَرْتَعْ) نَتْسِعْ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها مِنَ الرَّتْعَةِ وهي الخِصْبُ.
﴿وَنَلْعَبُ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (نَرْتَعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ مِنِ ارْتَعى يَرْتَعِي ونافِعٌ بِالكَسْرِ والياءُ فِيهِ وفي (يَلْعَبْ) . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ بِالياءِ والسُّكُونِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى يُوسُفَ. وقُرِئَ « يَرْتَعْ» مِن أرْتَعَ ماشِيَتَهُ و « يَرْتَعِ» بِكَسْرِ العَيْنِ ويَلْعَبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.
يوسف 12:13
﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ. ﴿وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مَذْأبَةً. وقِيلَ رَأى في المَنامِ أنَّ الذِّئْبَ قَدْ شَدَّ عَلى يُوسُفَ وكانَ يَحْذَرُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ هَمَزَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وفي رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ دَرْجًا واشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.
﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ضُعَفاءُ مَغْبُونُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والواوُ في و (نَحْنُ عُصْبَةٌ) لِلْحالِ.
يوسف 12:14
﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ. ﴿وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مَذْأبَةً. وقِيلَ رَأى في المَنامِ أنَّ الذِّئْبَ قَدْ شَدَّ عَلى يُوسُفَ وكانَ يَحْذَرُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ هَمَزَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وفي رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ دَرْجًا واشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.
﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ضُعَفاءُ مَغْبُونُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والواوُ في و (نَحْنُ عُصْبَةٌ) لِلْحالِ.
يوسف 12:15
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ وعَزَمُوا عَلى إلْقائِهِ فِيها، والبِئْرُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ بِئْرٌ بِأرْضِ الأُرْدُنِ أوْ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، أوْ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا بَرَزُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ أخَذُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ ويَسْتَغِيثُ فَقالَ يَهُوذا: أما عاهَدْتُمُونِي أنْ لا تَقْتُلُوهُ فَأتَوْا بِهِ إلى البِئْرِ، فَدَلُّوهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ لِيُلَطِّخُوهُ بِالدَّمِ ويَحْتالُوا بِهِ عَلى أبِيهِمْ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ فَقالُوا: ادْعُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ يُلْبِسُوكَ ويُؤْنِسُوكَ، فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ وكانَ فِيها ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ آوى إلى صَخْرَةٍ كانَتْ فِيها فَقامَ عَلَيْها يَبْكِي فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ. كَما قالَ: ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ وكانَ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ كانَ مُراهِقًا أُوحِيَ إلَيْهِ في صِغَرِهِ كَما أُوحِيَ إلى يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَفِي القَصَصِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ فَألْبَسَهُ إيّاهُ، فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ فَجَعَلَهُ في تَمِيمَةٍ عَلَّقَها بِيُوسُفَ فَأخْرَجَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وألْبَسَهُ إيّاهُ. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ لَتُحَدِّثَنَّهم بِما فَعَلُوا بِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ يُوسُفُ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وبُعْدِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ وطُولِ العَهْدِ المُغَيِّرِ لِلْحِلى والهَيْئاتِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قالَ لَهم بِمِصْرَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ ﴿فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . بَشَّرَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ إيناسًا لَهُ (p-158)وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ. وقِيلَ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِـ (أوْحَيْنا) أيْ آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وهم لا يَشْعُرُونَ ذَلِكَ.
يوسف 12:16
﴿وَجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ أيْ آخِرَ النَّهارِ. وقُرِئَ « عُشِيًّا» وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ و « عُشى» بِالضَّمِّ والقَصْرِ جَمْعُ أعْشى أيْ عَشَوْا مِنَ البُكاءِ. ﴿يَبْكُونَ﴾ مُتَباكِينَ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم فَزِعَ وقالَ ما لَكَمَ يا بَنِيَّ وأيْنَ يُوسُفُ.
﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ نَتَسابَقُ في العَدْوِ أوْ في الرَّمْيِ، وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ. ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ لَنا بِمُصَدِّقٍ لَنا ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ لِسُوءِ ظَنِّكَ بِنا وفَرْطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ.
يوسف 12:17
﴿وَجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ أيْ آخِرَ النَّهارِ. وقُرِئَ « عُشِيًّا» وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ و « عُشى» بِالضَّمِّ والقَصْرِ جَمْعُ أعْشى أيْ عَشَوْا مِنَ البُكاءِ. ﴿يَبْكُونَ﴾ مُتَباكِينَ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم فَزِعَ وقالَ ما لَكَمَ يا بَنِيَّ وأيْنَ يُوسُفُ.
﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ نَتَسابَقُ في العَدْوِ أوْ في الرَّمْيِ، وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ. ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ لَنا بِمُصَدِّقٍ لَنا ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ لِسُوءِ ظَنِّكَ بِنا وفَرْطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ.
يوسف 12:18
﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ بِمَعْنى مَكْذُوبٍ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الواوِ أيْ جاءُوا كاذِبِينَ و « كَدِبٍ» بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ أيْ كَدِرٍ أوْ طَرِيٍّ. وقِيلَ: أصْلُهُ البَياضُ الخارِجُ عَلى أظْفارِ الأحْداثِ فَشَبَّهَ بِهِ الدَّمَ اللّاصِقَ عَلى القَمِيصِ، وعَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ أيْ فَوْقَ قَمِيصِهِ أوْ عَلى الحالِ مِنَ الدَّمِ إنْ جُوِّزَ تَقْدِيمُها عَلى المَجْرُورِ.
رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ يُوسُفَ صاحَ وسَألَ عَنْ قَمِيصِهِ فَأخَذَهُ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ وقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمَ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهُ.
وَلِذَلِكَ قالَ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ سَهَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم وهَوَّنَتْ في أعْيُنِكم أمْرًا عَظِيمًا مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلَ، وفي الحَدِيثِ «الصَّبْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ إلى الخَلْقِ» .
﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن إهْلاكِ يُوسُفَ وهَذِهِ الجَرِيمَةُ كانَتْ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ إنْ صَحَّ.
يوسف 12:19
﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ رُفْقَةٌ يَسِيرُونَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثٍ مِن إلْقائِهِ فِيهِ. ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ. ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ فَأرْسَلَها في الجُبِّ لِيَمْلَأها فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَلَمّا رَآهُ. ﴿قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ هو اسْمٌ لِصاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ. وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ « يا بُشْرايَ» بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ. وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وقُرِئَ « يا بُشْرى» بِالإدْغامِ وهو لُغَةٌ و « بُشْرايَ» بِالسُّكُونِ عَلى قَصْدِ الوَقْفِ. ﴿وَأسَرُّوهُ﴾ أيِ الوارِدُ وأصْحابُهُ مِن سائِرِ الرُّفْقَةِ. وقِيلَ أخْفَوْا أمْرَهُ وقالُوا لَهم دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ وذَلِكَ أنَّ يَهُوذا كانَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فِيها فَأخْبَرَهُ إخْوَتُهُ فَأتَوُا الرُّفْقَةَ وقالُوا: هَذا غُلامُنا أبْقِ مِنّا فاشْتَرَوْهُ، فَسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ. ﴿بِضاعَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البِضْعِ فَإنَّهُ ما (p-159)بُضِعَ مِنَ المالِ لِلتِّجارَةِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم أوْ صَنِيعُ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ.
يوسف 12:20
﴿وَشَرَوْهُ﴾ وباعُوهُ، وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ الوَجْهانِ أوِ اشْتَرَوْهُ مِنَ إخْوَتِهِ. ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ مَبْخُوسٍ لِزَيْفِهِ أوْ نُقْصانِهِ. ﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الثَّمَنِ. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ فَإنَّهم يَزِنُونَ ما بَلَغَ الأُوقِيَّةَ ويَعُدُّونَ ما دُونَها. قِيلَ كانَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وقِيلَ كانَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا. ﴿وَكانُوا فِيهِ﴾ في يُوسُفَ. ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ الرّاغِبِينَ عَنْهُ والضَّمِيرُ في ﴿وَكانُوا﴾ إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزَهَّدَهم فِيهِ، لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ خائِفٌ مِنَ انْتِزاعِهِ مُسْتَعْجِلٌ في بَيْعِهِ، وإنْ كانُوا مُبْتاعِينَ فَلِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ آبِقٌ وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِالزّاهِدِينَ إنْ جُعِلَ اللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى الَّذِي فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُبَيِّنُهُ الزّاهِدِينَ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ.
يوسف 12:21
﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ واسْمُهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيَّ وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وماتَ في حَياتِهِ. وقِيلَ كانَ فِرْعَوْنَ مُوسى عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ . والمَشْهُورُ أنَّهُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ. والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ.
رُوِيَ: أنَّهُ اشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَبِثَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.
واخْتُلِفَ فِيما اشْتَراهُ بِهِ مَن جَعَلَ شِراءَهُ بِهِ غَيْرَ الأوَّلِ: عِشْرُونَ دِينارًا وزَوْجا نَعْلٍ وثَوْبانِ أبْيَضانِ. وقِيلَ مِلْؤُهُ فِضَّةً وقِيلَ ذَهَبًا. ﴿لامْرَأتِهِ﴾ راعِيلَ أوْ زُلَيْخا. ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ اجْعَلِي مَقامَهُ عِنْدَنا كَرِيمًا أيْ حَسَنًا والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ. ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ في ضِياعِنا وأمْوالِنا ونَسْتَظْهِرَ بِهِ في مَصالِحِنا. ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ نَتَبَنّاهُ وكانَ عَقِيمًا لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِنَ الرُّشْدِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ عَزِيزُ مِصْرَ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ الَّتِي قالَتْ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ وكَما مَكَّنا مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ العَزِيزِ أوْ كَما مَكَّنّاهُ في مَنزِلِهِ أوْ كَما أنْجَيْناهُ وعَطَفْنا عَلَيْهِ العَزِيزَ مَكَّنا لَهُ فِيها. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عُطِفَ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لِيَتَصَرَّفَ فِيها بِالعَدْلِ ولِنُعَلِّمَهُ أيْ كانَ القَصْدُ في إنْجائِهِ وتَمْكِينِهِ إلى أنْ يُقِيمَ العَدْلَ ويُدَبِّرَ أُمُورَ النّاسِ، ويَعْلَمَ مَعانِيَ كُتِبِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ فَيُنَفِّذَها، أوْ تَعْبِيرَ المَناماتِ المُنَبِّهَةِ عَلى الحَوادِثِ الكائِنَةِ لِيَسْتَعِدَّ لَها ويَشْتَغِلَ بِتَدْبِيرِها قَبْلَ أنْ تَحِلَّ كَما فَعَلَ لِسِنِيهِ. ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا يُنازِعُهُ فِيما يَشاءُ أوْ عَلى أمْرِ يُوسُفَ أرادَ بِهِ إخْوَتَهُ شَيْئًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ فَلَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَهُ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، أوْ لَطائِفَ صُنْعِهِ وخَفايا لُطْفِهِ.
يوسف 12:22
﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ مُنْتَهى اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وقِيلَ سِنُّ الشَّبابِ ومَبْدَؤُهُ بُلُوغُ الحُلُمِ. ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ حِكْمَةً وهو العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ، أوْ حَكَمًا بَيْنَ النّاسِ.
﴿وَعِلْمًا﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما آتاهُ ذَلِكَ جَزاءً (p-160)عَلى إحْسانِهِ في عَمَلِهِ وإتْقانِهِ في عُنْفُوانِ أمْرِهِ.
يوسف 12:23
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ طَلَبَتْ مِنهُ وتَمَحَّلَتْ أنْ يُواقِعَها، مِن رادَ يَرُودُ إذا جاءَ وذَهَبَ لِطَلَبِ شَيْءٍ ومِنهُ الرّائِدُ. ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ قِيلَ كانَتْ سَبْعَةً والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في الإيثاقِ.
﴿وَقالَتْ هَيْتَ﴾ لَكَ أيْ أقْبِلْ وبادِرْ، أوْ تَهَيَّأْتُ والكَلِمَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْمُ فِعْلٍ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَأيْنَ واللّامُ لِلتَّبْيِينِ كالَّتِي في سُقْيًا لَكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ وفَتْحِ الهاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحَيْثُ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ وكَسْرِ الهاءِ كَعِيطٍ. وقَرَأ هُشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَهْمِزُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ضَمُّ التّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. وقُرِئَ « هِيتَ» كَجِيرٍ و « هِئْتُ» كَجِئْتُ مِن هاءَ يَهِيءُ إذا تَهَيَّأ وقُرِئَ « هُيِّئْتُ» وعَلى هَذا فاللّامُ مِن صِلَتِهِ. ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا. ﴿إنَّهُ﴾ إنَّ الشَّأْنَ. ﴿رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ سَيِّدِي قِطْفِيرُ أحْسَنَ تَعَهُّدِي إذْ قالَ لَكِ فِيَّ ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ فَما جَزاؤُهُ أنْ أخُونَهُ في أهْلِهِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أيْ إنَّهُ خالِقِي أحْسَنَ مَنزِلَتِي بِأنْ عَطَفَ عَلى قَلْبِهِ فَلا أعْصِيَهُ. ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ المُجازُونَ الحَسَنَ بِالسَّيِّئِ. وقِيلَ الزُّناةُ فَإنَّ الزِّنا ظُلْمٌ عَلى الزّانِي والمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ.
يوسف 12:24
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ وقَصَدَتْ مُخالَطَتَهُ وقَصَدَ مُخالَطَتَها، والهَمُّ بِالشَّيْءِ قَصْدُهُ والعَزْمُ عَلَيْهِ ومِنهُ الهُمامُ وهو الَّذِي إذا هَمَّ بِالشَّيْءِ أمْضاهُ، والمُرادُ بِهَمِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَيْلُ الطَّبْعِ ومُنازَعَةُ الشَّهْوَةِ لا القَصْدُ الِاخْتِيارِيُّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلِ الحَقِيقُ بِالمَدْحِ والأجْرِ الجَزِيلِ مِنَ اللَّهِ مَن يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الفِعْلِ عِنْدَ قِيامِ هَذا الهَمِّ، أوْ مُشارَفَةِ الهَمِّ كَقَوْلِكَ قَتَلْتُهُ لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ. ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ في قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ مَغَبَّتِهِ لَخالَطَها لِشَبَقِ الغُلْمَةِ وكَثْرَةِ المُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ﴿وَهَمَّ بِها﴾ جَوابَ ﴿لَوْلا﴾ فَإنَّها في حُكْمِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها جَوابُها، بَلِ الجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ. وقِيلَ قِطْفِيرُ. وقِيلَ نُودِيَ يا يُوسُفُ أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوِ الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ خِيانَةَ السَّيِّدِ. ﴿والفَحْشاءَ﴾ الزِّنا. ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالكَسْرِ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ في أوَّلِهِ الألِفُ واللّامُ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ.
يوسف 12:25
﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ تَسابَقا إلى البابِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى الِابْتِدارِ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ فَرَّ مِنها لِيَخْرُجَ وأسْرَعَتْ وراءَهُ لِتَمْنَعَهُ الخُرُوجَ. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن ورائِهِ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ والقَدُّ الشَّقُّ طُولًا والقَطُّ الشَّقُّ عَرْضًا. ﴿وَألْفَيا سَيِّدَها﴾ وصادَفا زَوْجَها. ﴿لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ إيهامًا بِأنَّها فَرَّتْ مِنهُ تَبْرِئَةً لِساحَتِها عِنْدَ زَوْجِها وتَغْيِيرَهُ عَلى يُوسُفَ وإغْراءَهُ بِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ جَزاءَهُ إلّا السِّجْنُ.(p-161)
يوسف 12:26
﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ طالَبَتْنِي بِالمُؤاتاةِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِما عَرَّضَتْهُ لَهُ مِنَ السَّجْنِ أوِ العَذابِ الألِيمِ، ولَوْ لَمْ تَكْذِبْ عَلَيْهِ لَما قالَهُ. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قِيلَ ابْنُ عَمٍّ لَها. وقِيلَ ابْنُ خالٍ لَها صَبِيًّا في المَهْدِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ صِغارًا ابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» وإنَّما ألْقى اللَّهُ الشَّهادَةَ عَلى لِسانِ أهْلِها لِتَكُونَ ألْزَمَ عَلَيْها. ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها، أوْ أنَّهُ أسْرَعَ خَلْفَها فَتَعْثَرَ بِذَيْلِهِ فانْقَدَّ جَيْبُهُ.
﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَبِعَتْهُ فاجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ.
والشَّرْطِيَّةُ مَحْكِيَّةٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ عَلى أنَّ فِعْلَ الشَّهادَةِ مِنَ القَوْلِ، وتَسْمِيَتُها شَهادَةٌ لِأنَّها أدَّتْ مُؤَدّاها والجَمْعُ بَيْنَ إنْ وكانَ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ كانَ ونَحْوَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلى اليَوْمِ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ مَعْناهُ أنْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ أمْنُنْ عَلَيْكَ بِإحْسانِي لَكَ السّابِقِ. وقُرِئَ « مِن قُبُلٍ» « ومِن دُبُرٍ» بِالضَّمِّ لِأنَّهُما قُطِعا عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ، وبِالفَتْحِ كَأنَّهُما جُعِلا عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمُنِعا الصَّرْفَ وبِسُكُونِ العَيْنِ.
يوسف 12:27
﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ طالَبَتْنِي بِالمُؤاتاةِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِما عَرَّضَتْهُ لَهُ مِنَ السَّجْنِ أوِ العَذابِ الألِيمِ، ولَوْ لَمْ تَكْذِبْ عَلَيْهِ لَما قالَهُ. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قِيلَ ابْنُ عَمٍّ لَها. وقِيلَ ابْنُ خالٍ لَها صَبِيًّا في المَهْدِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ صِغارًا ابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» وإنَّما ألْقى اللَّهُ الشَّهادَةَ عَلى لِسانِ أهْلِها لِتَكُونَ ألْزَمَ عَلَيْها. ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها، أوْ أنَّهُ أسْرَعَ خَلْفَها فَتَعْثَرَ بِذَيْلِهِ فانْقَدَّ جَيْبُهُ.
﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَبِعَتْهُ فاجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ.
والشَّرْطِيَّةُ مَحْكِيَّةٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ عَلى أنَّ فِعْلَ الشَّهادَةِ مِنَ القَوْلِ، وتَسْمِيَتُها شَهادَةٌ لِأنَّها أدَّتْ مُؤَدّاها والجَمْعُ بَيْنَ إنْ وكانَ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ كانَ ونَحْوَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلى اليَوْمِ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ مَعْناهُ أنْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ أمْنُنْ عَلَيْكَ بِإحْسانِي لَكَ السّابِقِ. وقُرِئَ « مِن قُبُلٍ» « ومِن دُبُرٍ» بِالضَّمِّ لِأنَّهُما قُطِعا عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ، وبِالفَتْحِ كَأنَّهُما جُعِلا عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمُنِعا الصَّرْفَ وبِسُكُونِ العَيْنِ.
يوسف 12:28
﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ أوْ إنَّ السُّوءَ أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ. ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ مِن حِيلَتِكُنَّ والخِطابُ لَها ولِأمْثالِها أوْ لِسائِرِ النِّساءِ. ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّ كَيْدَ النِّساءِ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ والشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ بِهِ مُسارَقَةً.
﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وتَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ. ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ اكْتُمْهُ ولا تَذْكُرْهُ.
﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ يا راعِيلُ. ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ مِنَ القَوْمِ المُذْنِبِينَ مِن خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.
يوسف 12:29
﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ أوْ إنَّ السُّوءَ أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ. ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ مِن حِيلَتِكُنَّ والخِطابُ لَها ولِأمْثالِها أوْ لِسائِرِ النِّساءِ. ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّ كَيْدَ النِّساءِ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ والشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ بِهِ مُسارَقَةً.
﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وتَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ. ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ اكْتُمْهُ ولا تَذْكُرْهُ.
﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ يا راعِيلُ. ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ مِنَ القَوْمِ المُذْنِبِينَ مِن خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.
يوسف 12:30
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ هي اسْمٌ لِجَمْعِ امْرَأةٍ وتَأْنِيثُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِذَلِكَ جُرِّدَ فِعْلُهُ وضَمُّ النُّونِ لُغَةٌ فِيها. ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ ظَرْفٌ لِقالَ أيْ أشَعْنَ الحِكايَةَ في مِصْرَ، أوْ صِفَةُ نِسْوَةٍ وكُنَّ خَمْسًا زَوْجَةُ الحاجِبِ والسّاقِي والخَبّازُ والسَّجّانُ وصاحِبُ الدَّوابِّ. ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ تَطْلُبُ مُواقَعَةَ غُلامِها إيّاها.
والعَزِيزُ بِلِسانِ العَرَبِ المَلِكُ وأصْلُ فَتى فَتِيَ لِقَوْلِهِمْ فِتْيانٌ والفُتُوَّةُ شاذَّةٌ. ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ شَقَّ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها حُبًّا، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ لِصَرْفِ الفِعْلِ عَنْهُ. وقُرِئَ « شَعَفَها» مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذا هَنَأهُ بِالقَطْرانِ فَأحْرَقَهُ. ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ.
يوسف 12:31
(p-162)﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ، وإنَّما سَمّاهُ مَكْرًا لِأنَّهُنَّ أخْفَيْنَهُ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ، أوْ قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ أوْ لِأنَّها اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها. ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً فِيهِنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ. ﴿وَأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الوَسائِدِ. ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ حَتّى يَتَّكِئْنَ والسَّكاكِينُ بِأيْدِيهِنَّ فَإذا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُبْهَتْنَ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها فَيُبَكَّتْنَ بِالحُجَّةِ، أوْ يَهابُ يُوسُفُ مَكْرَها إذا خَرَجَ وحْدَهُ عَلى أرْبَعِينَ امْرَأةً في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ. وقِيلَ ﴿مُتَّكَأً﴾ طَعامًا أوْ مَجْلِسَ طَعامٍ فَإنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ تَرَفًا ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ. قالَ جَمِيلٌ:
؎ فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَكَأْنا. . . وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ
وَقِيلَ المُتَّكَأُ طَعامٌ يُحَزُّ حَزًّا كَأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ بِالسِّكِّينِ. وقُرِئَ « مُتَّكًا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ و « مُتَّكاءً» بِإشْباعِ الفَتْحَةِ كَمُنْتَزاحٍ و « مُتَّكًا» وهو الأُتْرُجُّ أوْ ما يُقْطَعُ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ و « مُتَّكَأً» مِن تَكِئَ يُتَّكَأُ إذا اتَّكَأ. ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ عَظَّمْنَهُ وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» وقِيلَ كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ. وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ مِن أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ لِأنَّها تَدْخُلُ الكِبَرَ بِالحَيْضِ، والهاءُ ضَمِيرٌ لِلْمَصْدَرِ أوْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حَذْفِ اللّامِ أيْ حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ كَما قالَ المُتَنَبِّي:
؎ خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعٍ. . . ∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ
﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ جَرَحْنَها بِالسَّكاكِينِ مِن فَرْطِ الدَّهْشَةِ. ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن صِفاتِ العَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ، وأصْلُهُ « حاشا» كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرْجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا وهو حَرْفٌ يُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ.
وَقُرِئَ « حاشَ اللَّهُ» بِغَيْرِ لامٍ بِمَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ، و « حاشًا لِلَّهِ» بِالتَّنْوِينِ عَلى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقِيلَ « حاشا» فاعِلٌ مِنَ الحَشا الَّذِي هو النّاحِيَةُ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ أيْ صارَ في ناحِيَةِ اللَّهِ مِمّا يُتَوَهَّمُ فِيهِ. ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ لِأنَّ هَذا الجَمالَ غَيْرُ مَعْهُودٍ لِلْبَشَرِ، وهو عَلى لُغَةِ الحِجازِ في إعْمالِ ما عَمَلَ لَيْسَ لِمُشارَكَتِها في نَفْيِ الحالِ.
وَقُرِئَ « بَشَرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « بِشَرى» أيْ بِعَبْدٍ مُشْتَرى لَئِيمٍ. ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَمالِ الرّائِقِ والكَمالِ الفائِقِ والعِصْمَةِ البالِغَةِ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّ جَمالَهُ فَوْقَ جَمالِ البَشَرِ ولا يَفُوقُهُ فِيهِ إلّا المَلَكُ.
يوسف 12:32
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أيْ فَهو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي في الِافْتِنانِ بِهِ قَبْلَ أنْ تَتَصَوَّرْنَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ، ولَوْ تَصَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي أوْ فَهَذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ هَذا رَفْعًا لِمَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ. ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ فامْتَنَعَ طَلَبًا لِلْعِصْمَةِ، أقَرَّتْ لَهُنَّ حِينَ عَرَفَتْ أنَّهُنَّ يَعْذُرْنَها كَيْ يُعاوِنَّها عَلى إلانَةِ عَرِيكَتِهِ. ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ أيْ ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ أمْرِي إيّاهُ بِمَعْنى مُوجِبِ أمْرِي فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ. ﴿لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ مِنَ الأذِلّاءِ وهو مِن صَغِرَ بِالكَسْرِ يَصْغُرُ صِغَرًا وصَغارًا والصَّغِيرُ مِن صَغُرَ بِالضَّمِّ صُغْرًا. وقُرِئَ « لَيَكُونَنَّ» وهو يُخالِفُ خَطَّ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ فِيهِ بِالألِفِ « كَنَسْفَعًا» عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وذَلِكَ في الخَفِيفَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ.
يوسف 12:33
(p-163)﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ. ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي مِن مُؤاتاتِها زِنًا نَظَرًا إلى العاقِبَةِ وإنْ كانَ هَذا مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وذَلِكَ مِمّا تَكْرَهُهُ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها. أوْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ، وقِيلَ إنَّما ابْتُلِيَ بِالسَّجْنِ لِقَوْلِهِ هَذا وإنَّما كانَ الأوْلى بِهِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ العافِيَةَ ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ. ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ وإنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ عِنْدِي بِالتَّثْبِيتِ عَلى العِصْمَةِ. ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أمِلْ إلى جانِبِهِنَّ أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ بِطَبْعِي ومُقْتَضى شَهْوَتِي، والصَّبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَّبا لِأنَّ النُّفُوسَ تَسْتَطِيبُها وتَمِيلُ إلَيْها. وقُرِئَ ﴿أصْبُ﴾ مِنَ الصَّبابَةِ وهي الشَّوْقُ. ﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ فَإنَّهم والجُهّالُ سَواءٌ.
﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإلا تَصْرِفْ﴾ . ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فَثَبَّتَهُ بِالعِصْمَةِ حَتّى وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى مَشَقَّةِ السَّجْنِ وآثَرَها عَلى اللَّذَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْيانِ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يُصْلِحُهم.
يوسف 12:34
(p-163)﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ. ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي مِن مُؤاتاتِها زِنًا نَظَرًا إلى العاقِبَةِ وإنْ كانَ هَذا مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وذَلِكَ مِمّا تَكْرَهُهُ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها. أوْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ، وقِيلَ إنَّما ابْتُلِيَ بِالسَّجْنِ لِقَوْلِهِ هَذا وإنَّما كانَ الأوْلى بِهِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ العافِيَةَ ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ. ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ وإنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ عِنْدِي بِالتَّثْبِيتِ عَلى العِصْمَةِ. ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أمِلْ إلى جانِبِهِنَّ أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ بِطَبْعِي ومُقْتَضى شَهْوَتِي، والصَّبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَّبا لِأنَّ النُّفُوسَ تَسْتَطِيبُها وتَمِيلُ إلَيْها. وقُرِئَ ﴿أصْبُ﴾ مِنَ الصَّبابَةِ وهي الشَّوْقُ. ﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ فَإنَّهم والجُهّالُ سَواءٌ.
﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإلا تَصْرِفْ﴾ . ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فَثَبَّتَهُ بِالعِصْمَةِ حَتّى وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى مَشَقَّةِ السَّجْنِ وآثَرَها عَلى اللَّذَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْيانِ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يُصْلِحُهم.
يوسف 12:35
﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ كَشَهادَةِ الصَّبِيِّ وقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ واسْتِعْصامِهِ عَنْهُنَّ وفاعِلُ بَدا مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها خَدَعَتْ زَوْجَها وحَمَلَتْهُ عَلى سَجْنِهِ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، أوْ يَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ فَلَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ. وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ عَلى التَّعْظِيمِ أوِ العَزِيزِ ومَن يَلِيهِ، و « عَتّى» بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ أيْ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْنَ واتَّفَقَ أنَّهُ أُدْخِلَ حِينَئِذٍ آخَرانِ مِن عَبِيدِ المَلِكِ شَرّابِيُّهُ وخَبّازُهُ لِلِاتِّهامِ بِأنَّهُما يُرِيدانِ أنْ يَسُمّاهُ. ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ يَعْنِي الشَّرّابِيُّ. ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ في المَنامِ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ عِنَبًا وسَمّاهُ خَمْرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ. ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ أيِ الخَبّازُ. ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ تَنْهَشُ مِنهُ. ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، أوْ مِنَ العالِمِينَ وإنَّما قالا ذَلِكَ لِأنَّهُما رَأياهُ في السِّجْنِ يُذَكِّرُ النّاسَ ويُعَبِّرُ رُؤْياهم، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْنا إنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ.
يوسف 12:36
﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ كَشَهادَةِ الصَّبِيِّ وقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ واسْتِعْصامِهِ عَنْهُنَّ وفاعِلُ بَدا مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها خَدَعَتْ زَوْجَها وحَمَلَتْهُ عَلى سَجْنِهِ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، أوْ يَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ فَلَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ. وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ عَلى التَّعْظِيمِ أوِ العَزِيزِ ومَن يَلِيهِ، و « عَتّى» بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ أيْ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْنَ واتَّفَقَ أنَّهُ أُدْخِلَ حِينَئِذٍ آخَرانِ مِن عَبِيدِ المَلِكِ شَرّابِيُّهُ وخَبّازُهُ لِلِاتِّهامِ بِأنَّهُما يُرِيدانِ أنْ يَسُمّاهُ. ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ يَعْنِي الشَّرّابِيُّ. ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ في المَنامِ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ عِنَبًا وسَمّاهُ خَمْرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ. ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ أيِ الخَبّازُ. ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ تَنْهَشُ مِنهُ. ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، أوْ مِنَ العالِمِينَ وإنَّما قالا ذَلِكَ لِأنَّهُما رَأياهُ في السِّجْنِ يُذَكِّرُ النّاسَ ويُعَبِّرُ رُؤْياهم، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْنا إنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ.
يوسف 12:37
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ، أوْ بِتَأْوِيلِ الطَّعامِ يَعْنِي بَيانَ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّهُ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَهُما إلى التَّوْحِيدِ ويُرْشِدَهُما إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ قَبْلَ أنْ يُسْعِفَ إلى ما سَألاهُ مِنهُ كَما هو طَرِيقَةُ الأنْبِياءِ والنّازِلِينَ مَنازِلَهم مِنَ العُلَماءِ في الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدَّمَ ما يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ لِيَدُلَّهُما عَلى صِدْقِهِ في الدَّعْوَةِ والتَّعْبِيرِ. ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما﴾ أيْ (p-164)ذَلِكَ التَّأْوِيلُ. ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِالإلْهامِ والوَحْيِ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّكَهُّنِ أوِ التَّنْجِيمِ. ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ عَلَّمَنِي ذَلِكَ لِأنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ.
﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِتَمْهِيدِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والوُثُوقِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ لِلْحامِلِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ حَتّى يُعْرَفَ فَيُقْتَبَسُ مِنهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ وتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ. ﴿ما كانَ لَنا﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ. ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيِّ شَيْءٍ كانَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ. ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ بِالوَحْيِ. ﴿وَعَلى النّاسِ﴾ وعَلى سائِرِ النّاسِ يَبْعَثُنا لِإرْشادِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذا الفَضْلَ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَتَنَبَّهُونَ، أوْ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ إلَيْها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها فَيُلْغُونَها كَمَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُها.
يوسف 12:38
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ، أوْ بِتَأْوِيلِ الطَّعامِ يَعْنِي بَيانَ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّهُ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَهُما إلى التَّوْحِيدِ ويُرْشِدَهُما إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ قَبْلَ أنْ يُسْعِفَ إلى ما سَألاهُ مِنهُ كَما هو طَرِيقَةُ الأنْبِياءِ والنّازِلِينَ مَنازِلَهم مِنَ العُلَماءِ في الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدَّمَ ما يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ لِيَدُلَّهُما عَلى صِدْقِهِ في الدَّعْوَةِ والتَّعْبِيرِ. ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما﴾ أيْ (p-164)ذَلِكَ التَّأْوِيلُ. ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِالإلْهامِ والوَحْيِ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّكَهُّنِ أوِ التَّنْجِيمِ. ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ عَلَّمَنِي ذَلِكَ لِأنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ.
﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِتَمْهِيدِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والوُثُوقِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ لِلْحامِلِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ حَتّى يُعْرَفَ فَيُقْتَبَسُ مِنهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ وتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ. ﴿ما كانَ لَنا﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ. ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيِّ شَيْءٍ كانَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ. ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ بِالوَحْيِ. ﴿وَعَلى النّاسِ﴾ وعَلى سائِرِ النّاسِ يَبْعَثُنا لِإرْشادِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذا الفَضْلَ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَتَنَبَّهُونَ، أوْ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ إلَيْها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها فَيُلْغُونَها كَمَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُها.
يوسف 12:39
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْ يا ساكِنِيهِ، أوْ يا صاحِبَيَّ فِيهِ فَأضافَهُما إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ:
؎ يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ
﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ شَتّى مُتَعَدِّدَةٌ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ. ﴿خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ. ﴿القَهّارُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُعادِلُهُ ولا يُقاوِمُهُ غَيْرُهُ.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ. ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ إلّا أشْياءَ بِاعْتِبارِ أسامٍ أطْلَقْتُمْ عَلَيْها مِن غَيْرِ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مُسَمَّياتِها فِيها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا الأسْماءَ المُجَرَّدَةَ. والمَعْنى أنَّكم سَمَّيْتُمْ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ الأُلُوهِيَّةَ عَقَلٌ ولا نَقْلٌ آلِهَةً، ثُمَّ أخَذْتُمْ تَعْبُدُونَها بِاعْتِبارِ ما تُطْلِقُونَ عَلَيْها. ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ ما الحُكْمُ في أمْرِ العِبادَةِ. ﴿إلا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الواجِبُ لِذاتِهِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ. ﴿أمَرَ﴾ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الحَقُّ وأنْتُمْ لا تُمَيِّزُونَ المُعْوَجَّ عَنِ القَوِيمِ، وهَذا مِنَ التَّدَرُّجِ في الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ لَهم أوَّلًا رُجْحانَ التَّوْحِيدِ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ عَلى طَرِيقِ الخَطابَةِ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلى أنَّ ما يُسَمُّونَها آلِهَةً ويَعْبُدُونَها لا تَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ إمّا بِالذّاتِ وإمّا بِالغَيْرِ وكِلا القَسَمَيْنِ مُنْتَفٍ عَنْها، ثُمَّ نَصَّ عَلى ما هو الحَقُّ القَوِيمُ والدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَقْتَضِي العَقْلُ غَيْرَهُ ولا يَرْتَضِي العِلْمُ دُونَهُ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَخْبُطُونَ في جَهالاتِهِمْ.
يوسف 12:40
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْ يا ساكِنِيهِ، أوْ يا صاحِبَيَّ فِيهِ فَأضافَهُما إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ:
؎ يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ
﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ شَتّى مُتَعَدِّدَةٌ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ. ﴿خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ. ﴿القَهّارُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُعادِلُهُ ولا يُقاوِمُهُ غَيْرُهُ.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ. ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ إلّا أشْياءَ بِاعْتِبارِ أسامٍ أطْلَقْتُمْ عَلَيْها مِن غَيْرِ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مُسَمَّياتِها فِيها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا الأسْماءَ المُجَرَّدَةَ. والمَعْنى أنَّكم سَمَّيْتُمْ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ الأُلُوهِيَّةَ عَقَلٌ ولا نَقْلٌ آلِهَةً، ثُمَّ أخَذْتُمْ تَعْبُدُونَها بِاعْتِبارِ ما تُطْلِقُونَ عَلَيْها. ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ ما الحُكْمُ في أمْرِ العِبادَةِ. ﴿إلا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الواجِبُ لِذاتِهِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ. ﴿أمَرَ﴾ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الحَقُّ وأنْتُمْ لا تُمَيِّزُونَ المُعْوَجَّ عَنِ القَوِيمِ، وهَذا مِنَ التَّدَرُّجِ في الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ لَهم أوَّلًا رُجْحانَ التَّوْحِيدِ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ عَلى طَرِيقِ الخَطابَةِ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلى أنَّ ما يُسَمُّونَها آلِهَةً ويَعْبُدُونَها لا تَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ إمّا بِالذّاتِ وإمّا بِالغَيْرِ وكِلا القَسَمَيْنِ مُنْتَفٍ عَنْها، ثُمَّ نَصَّ عَلى ما هو الحَقُّ القَوِيمُ والدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَقْتَضِي العَقْلُ غَيْرَهُ ولا يَرْتَضِي العِلْمُ دُونَهُ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَخْبُطُونَ في جَهالاتِهِمْ.
يوسف 12:41
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ يَعْنِي الشَّرابِيَّ. ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ كَما كانَ يَسْقِيهِ قَبْلُ ويَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ. ﴿وَأمّا الآخَرُ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَبّازَ. ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ فَقالا كَذَبَنا فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ قُطِعَ الأمْرُ الَّذِي تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ، وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، فَإنَّهُما وإنِ اسْتَفْتَيا في أمْرَيْنِ لَكِنَّهُما أرادا اسْتِبانَةَ عاقِبَةِ ما نَزَلَ بِهِما.(p-165)
يوسف 12:42
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ الظّانُّ يُوسُفُ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ وإنْ ذَكَرَهُ عَنْ وحْيٍ فَهو النّاجِي إلّا أنْ يُؤَوَّلَ الظَّنُّ بِاليَقِينِ. ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ اذْكُرْ حالِي عِنْدَ المَلِكِ كَيْ يُخَلِّصَنِي. ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فَأنْسى الشَّرّابِيَّ أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فَأضافَ إلَيْهِ المَصْدَرَ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ أوْ عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ أخْبارِ رَبِّهِ، أوْ أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ اللَّهِ حَتّى اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الخَمْسِ» .
والِاسْتِعانَةُ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ وإنْ كانَتْ مَحْمُودَةً في الجُمْلَةِ لَكِنَّها لا تَلِيقُ بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ. ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ مِنَ البِضْعِ وهو القَطْعُ.
يوسف 12:43
﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُهُ رَأى المَلِكُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ مَهازِيلَ فابْتَلَعَتِ المَهازِيلُ السِّمانَ. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها. ﴿وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أُدْرِكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضَرِ حَتّى غَلَبَتْ عَلَيْها، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ حالِها بِما قَصَّ مِن حالِ البَقَراتِ، وأجْرى السِّمانَ عَلى المُمَيَّزِ دُونَ المُمَيِّزِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بِها ووَصِفَ السَّبْعُ الثّانِي بِالعِجافِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِها مُجَرَّدًا عَنِ المَوْصُوفِ فَإنَّهُ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِياسُهُ عُجُفٌ لِأنَّهُ جَمْعُ عَجْفاءَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى سِمانٍ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ. ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ عَبِّرُوها. ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ عالِمِينَ بِعِبارَةِ الرُّؤْيا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ إلى المَعانِي النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِثالُها مِنَ العُبُورِ وهي المُجاوَزَةُ، وعَبَّرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُّ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا واللّامُ لِلْبَيانِ أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَإنَّ الفِعْلَ لَمّا أُخِّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ ضَعُفَ فَقُوِّيَ بِاللّامِ كاسْمِ الفاعِلِ، أوْ لِتَضَمُّنِ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِاللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا.
﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ هَذِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وهي تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحِزَمٍ فاسْتُعِيرَ لِلرُّؤْيا الكاذِبَةِ، وإنَّما جَمَعُوا لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ الحِلْمِ بِالبُطْلانِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، أوْ لِتَضَمُّنِهِ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يُرِيدُونَ بِالأحْلامِ المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً أيْ لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدِنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ فَهو كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ ثانِيَةٌ لِلْعُذْرِ في جَهْلِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ.
يوسف 12:44
﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُهُ رَأى المَلِكُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ مَهازِيلَ فابْتَلَعَتِ المَهازِيلُ السِّمانَ. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها. ﴿وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أُدْرِكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضَرِ حَتّى غَلَبَتْ عَلَيْها، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ حالِها بِما قَصَّ مِن حالِ البَقَراتِ، وأجْرى السِّمانَ عَلى المُمَيَّزِ دُونَ المُمَيِّزِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بِها ووَصِفَ السَّبْعُ الثّانِي بِالعِجافِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِها مُجَرَّدًا عَنِ المَوْصُوفِ فَإنَّهُ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِياسُهُ عُجُفٌ لِأنَّهُ جَمْعُ عَجْفاءَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى سِمانٍ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ. ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ عَبِّرُوها. ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ عالِمِينَ بِعِبارَةِ الرُّؤْيا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ إلى المَعانِي النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِثالُها مِنَ العُبُورِ وهي المُجاوَزَةُ، وعَبَّرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُّ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا واللّامُ لِلْبَيانِ أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَإنَّ الفِعْلَ لَمّا أُخِّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ ضَعُفَ فَقُوِّيَ بِاللّامِ كاسْمِ الفاعِلِ، أوْ لِتَضَمُّنِ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِاللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا.
﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ هَذِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وهي تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحِزَمٍ فاسْتُعِيرَ لِلرُّؤْيا الكاذِبَةِ، وإنَّما جَمَعُوا لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ الحِلْمِ بِالبُطْلانِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، أوْ لِتَضَمُّنِهِ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يُرِيدُونَ بِالأحْلامِ المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً أيْ لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدِنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ فَهو كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ ثانِيَةٌ لِلْعُذْرِ في جَهْلِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ.
يوسف 12:45
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ وهو الشَّرّابِيُّ. ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وتَذَكَّرَ يُوسُفَ بَعْدَ جَماعَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُجْتَمِعَةٍ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً. وقُرِئَ « إمَّةٍ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي النِّعْمَةُ أيْ بَعْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، و « أُمَّهْ» أيْ نِسْيانٍ يُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ ومَقُولُ القَوْلِ. ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ أوْ إلى السِّجْنِ.
(p-166)﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ فَأرْسَلَ إلى يُوسُفَ فَجاءَهُ فَقالَ يا يُوسُفُ، وإنَّما وصَفَهُ بِالصِّدِّيقِ وهو المُبالِغُ في الصِّدْقِ لِأنَّهُ جَرَّبَ أحْوالَهُ وعَرَفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ. ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ. ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أعُودُ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إذْ قِيلَ إنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ. ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ تَأْوِيلَها أوْ فَضْلَكَ ومَكانَكَ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ فِيهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ جازِمًا بِالرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ ولا يُعْلِمُهم.
يوسف 12:46
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ وهو الشَّرّابِيُّ. ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وتَذَكَّرَ يُوسُفَ بَعْدَ جَماعَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُجْتَمِعَةٍ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً. وقُرِئَ « إمَّةٍ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي النِّعْمَةُ أيْ بَعْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، و « أُمَّهْ» أيْ نِسْيانٍ يُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ ومَقُولُ القَوْلِ. ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ أوْ إلى السِّجْنِ.
(p-166)﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ فَأرْسَلَ إلى يُوسُفَ فَجاءَهُ فَقالَ يا يُوسُفُ، وإنَّما وصَفَهُ بِالصِّدِّيقِ وهو المُبالِغُ في الصِّدْقِ لِأنَّهُ جَرَّبَ أحْوالَهُ وعَرَفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ. ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ. ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أعُودُ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إذْ قِيلَ إنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ. ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ تَأْوِيلَها أوْ فَضْلَكَ ومَكانَكَ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ فِيهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ جازِمًا بِالرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ ولا يُعْلِمُهم.
يوسف 12:47
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى دائِبِينَ، أوِ المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا. وقَرَأ حَفْصٌ (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ. وقِيلَ تَزْرَعُونَ أمْرٌ أخْرَجَهُ في صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، وهو عَلى الأوَّلِ نَصِيحَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العِبارَةِ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أيْ يَأْكُلُ أهْلَهُنَّ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِنَّ عَلى المَجازِ تَطْبِيقًا بَيْنَ المُعَبِّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزُونَ لِبُذُورِ الزِّراعَةِ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ مِنَ الغَوْثِ.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ما يُعْصَرُ كالعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الثِّمارِ. وقِيلَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ المُسْتَفْتِي، وقُرِئَ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ مِنهُ أيْ يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ فَعُدِّيَ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَطَرِ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها بَعْدَ أنْ أوَّلَ البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، وابْتِلاعَ العِجافِ السِّمانَ بِأكْلِ ما جُمِعَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ، ولَعَلَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ أوْ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ بِالخِصْبِ، أوْ بِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
يوسف 12:48
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى دائِبِينَ، أوِ المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا. وقَرَأ حَفْصٌ (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ. وقِيلَ تَزْرَعُونَ أمْرٌ أخْرَجَهُ في صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، وهو عَلى الأوَّلِ نَصِيحَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العِبارَةِ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أيْ يَأْكُلُ أهْلَهُنَّ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِنَّ عَلى المَجازِ تَطْبِيقًا بَيْنَ المُعَبِّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزُونَ لِبُذُورِ الزِّراعَةِ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ مِنَ الغَوْثِ.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ما يُعْصَرُ كالعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الثِّمارِ. وقِيلَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ المُسْتَفْتِي، وقُرِئَ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ مِنهُ أيْ يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ فَعُدِّيَ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَطَرِ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها بَعْدَ أنْ أوَّلَ البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، وابْتِلاعَ العِجافِ السِّمانَ بِأكْلِ ما جُمِعَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ، ولَعَلَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ أوْ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ بِالخِصْبِ، أوْ بِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
يوسف 12:49
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى دائِبِينَ، أوِ المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا. وقَرَأ حَفْصٌ (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ. وقِيلَ تَزْرَعُونَ أمْرٌ أخْرَجَهُ في صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، وهو عَلى الأوَّلِ نَصِيحَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العِبارَةِ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أيْ يَأْكُلُ أهْلَهُنَّ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِنَّ عَلى المَجازِ تَطْبِيقًا بَيْنَ المُعَبِّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزُونَ لِبُذُورِ الزِّراعَةِ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ مِنَ الغَوْثِ.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ما يُعْصَرُ كالعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الثِّمارِ. وقِيلَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ المُسْتَفْتِي، وقُرِئَ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ مِنهُ أيْ يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ فَعُدِّيَ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَطَرِ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها بَعْدَ أنْ أوَّلَ البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، وابْتِلاعَ العِجافِ السِّمانَ بِأكْلِ ما جُمِعَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ، ولَعَلَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ أوْ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ بِالخِصْبِ، أوْ بِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
يوسف 12:50
﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ بَعْدَ ما جاءَهُ الرَّسُولُ بِالتَّعْبِيرِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ لِيُخْرِجَهُ. ﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ إنَّما تَأنّى في الخُرُوجِ وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ وفَحْصَ حالِهِنَّ لِتَظْهَرَ بَراءَةُ ساحَتِهِ ويُعْلَمَ أنَّهُ سُجِنَ ظُلْمًا فَلا يَقْدِرُ الحاسِدُ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَهَدَ في نَفْيِ التُّهَمِ ويُتَّقى مَواقِعُها.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ» وإنَّما قالَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ حالِهِنَّ تَهْيِيجًا لَهُ عَلى البَحْثِ وتَحْقِيقِ الحالِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِسَيِّدَتِهِ مَعَ ما صَنَعَتْ بِهِ كَرَمًا ومُراعاةً لِلْأدَبِ وقُرِئَ « النُّسْوَةِ» بِضَمِّ النُّونِ. ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حِينَ قُلْنَ لِي أطِعْ مَوْلاتَكَ، وفِيهِ تَعْظِيمُ كَيْدِهِنَّ والِاسْتِشْهادُ بِعِلْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قُذِفَ بِهِ والوَعِيدُ لَهُنَّ عَلى كَيْدِهِنَّ.
يوسف 12:51
(p-167)﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ قالَ المَلِكُ لَهُنَّ ما شَأْنُكُنَّ والخَطْبُ أمْرٌ يَحِقُّ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ صاحِبُهُ. ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ وتَعَجَّبٌ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ. ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ مِن ذَنْبٍ. ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ قالَ:
؎ فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ. . . وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما
أوْ ظَهَرَ مِن حَصَّ شَعْرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشْرَةُ رَأْسِهِ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ قالَهُ يُوسُفُ لَمّا عادَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ. ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بِظَهْرِ الغَيْبِ وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي أوْ ظَرْفٌ أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الفِعْلَ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِراعِيلَ في خِيانَتِها زَوْجَها وتَوْكِيدٌ لِأمانَتِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:
يوسف 12:52
(p-167)﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ قالَ المَلِكُ لَهُنَّ ما شَأْنُكُنَّ والخَطْبُ أمْرٌ يَحِقُّ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ صاحِبُهُ. ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ وتَعَجَّبٌ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ. ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ مِن ذَنْبٍ. ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ قالَ:
؎ فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ. . . وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما
أوْ ظَهَرَ مِن حَصَّ شَعْرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشْرَةُ رَأْسِهِ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ قالَهُ يُوسُفُ لَمّا عادَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ. ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بِظَهْرِ الغَيْبِ وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي أوْ ظَرْفٌ أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الفِعْلَ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِراعِيلَ في خِيانَتِها زَوْجَها وتَوْكِيدٌ لِأمانَتِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:
يوسف 12:53
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ لا أُنَزِّهُها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ والعُجْبَ بِحالِهِ، بَلْ إظْهارُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ ولا حِينَ هَمَمْتَ فَقالَ ذَلِكَ. ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ مِن حَيْثُ إنَّها بِالطَّبْعِ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ فَتَهُمُّ بِها، وتَسْتَعْمِلُ القُوى والجَوارِحُ في أثَرِها كُلَّ الأوْقاتِ. ﴿إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي، أوْ إلّا ما رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَهُ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ. وقِيلَ الآيَةُ حِكايَةُ قَوْلِ راعِيلَ والمُسْتَثْنى نَفْسُ يُوسُفَ وأضْرابِهِ. وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ (بِالسُّوِّ) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا ثُمَّ الإدْغامِ. ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ هَمَّ النَّفْسِ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالعِصْمَةِ أوْ يَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِ لِذَنْبِهِ المُعْتَرِفِ عَلى نَفْسِهِ ويَرْحَمُهُ ما اسْتَغْفَرَهُ واسْتَرْحَمَهُ مِمّا ارْتَكَبَهُ.
يوسف 12:54
﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي. ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أيْ فَلَمّا أتَوْا بِهِ فَكَلَّمَهُ وشاهَدَ مِنهُ الرُّشْدَ والدَّهاءَ. ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ. ﴿أمِينٌ﴾ مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرِيَّةِ فَقالَ المَلِكُ: ما هَذا اللِّسانُ قالَ: لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَعْرِفُ سَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ فَقالَ: أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ، فَحَكاها ونَعَتَ لَهُ البَقَراتِ والسَّنابِلَ وأماكِنَها عَلى ما رَآها فَأجْلَسَهُ عَلى السَّرِيرِ وفَوَّضَ إلَيْهِ أمْرَهُ.
وَقِيلَ تُوُفِّيَ قِطْفِيرُ في تِلْكَ اللَّيالِي فَنَصَّبَهُ مَنصِبَهُ وزَوَّجَ مِنهُ راعِيلَ فَوَجَدَها عَذْراءَ ووُلِدَ لَهُ مِنها أفْرائِيمُ ومِيشا.
يوسف 12:55
(p-168)﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ ولِّنِي أمْرَها والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ. ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في أمْرِهِ لا مَحالَةَ آثَرَ ما تَعُمُّ فَوائِدُهُ وتُجِلُّ عَوائِدُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَها والتَّوَلِّي مِن يَدِ الكافِرِ إذا عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إقامَةِ الحَقِّ وسِياسَةِ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِظْهارِ بِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ في أرْضِ مِصْرَ. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها حَيْثُ يَهْوى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « نَشاءُ» بِالنُّونِ. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والفَواحِشَ لِعَظَمِهِ ودَوامِهِ.
يوسف 12:56
(p-168)﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ ولِّنِي أمْرَها والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ. ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في أمْرِهِ لا مَحالَةَ آثَرَ ما تَعُمُّ فَوائِدُهُ وتُجِلُّ عَوائِدُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَها والتَّوَلِّي مِن يَدِ الكافِرِ إذا عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إقامَةِ الحَقِّ وسِياسَةِ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِظْهارِ بِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ في أرْضِ مِصْرَ. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها حَيْثُ يَهْوى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « نَشاءُ» بِالنُّونِ. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والفَواحِشَ لِعَظَمِهِ ودَوامِهِ.
يوسف 12:57
(p-168)﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ ولِّنِي أمْرَها والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ. ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في أمْرِهِ لا مَحالَةَ آثَرَ ما تَعُمُّ فَوائِدُهُ وتُجِلُّ عَوائِدُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَها والتَّوَلِّي مِن يَدِ الكافِرِ إذا عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إقامَةِ الحَقِّ وسِياسَةِ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِظْهارِ بِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ في أرْضِ مِصْرَ. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها حَيْثُ يَهْوى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « نَشاءُ» بِالنُّونِ. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والفَواحِشَ لِعَظَمِهِ ودَوامِهِ.
يوسف 12:58
﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا اسْتَوْزَرَهُ المَلِكُ أقامَ العَدْلَ واجْتَهَدَ في تَكْثِيرِ الزِّراعاتِ وضَبْطِ الغَلّاتِ، حَتّى دَخَلَتِ السُّنُونُ المُجْدِبَةُ وعَمَّ القَحْطُ مِصْرَ والشَّأْمَ ونَواحِيَهُما، وتَوَجَّهَ إلَيْهِ النّاسُ فَباعَها أوَّلًا بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ ثُمَّ بِالدَّوابِّ ثُمَّ بِالضِّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا ثُمَّ عَرَضَ الأمْرَ عَلى المَلِكِ فَقالَ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ فَأعْتَقَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ أمْوالَهم، وكانَ قَدْ أصابَ كَنْعانَ ما أصابَ سائِرَ البِلادِ فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ- غَيْرَ بِنْيامِينَ- إلَيْهِ لِلْمِيرَةِ.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أيْ عَرَفَهم يُوسُفُ ولَمْ يَعْرِفُوهُ لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِمْ إيّاهُ في سِنِّ الحَداثَةِ ونِسْيانِهِمْ إيّاهُ، وتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ وبَعْدَ حالِهِ الَّتِي رَأوْهُ عَلَيْها مِن حالِهِ حِينَ فارَقُوهُ وقِلَّةِ تَأمُّلِهِمْ في حِلاهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ.
يوسف 12:59
﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أصْلَحَهم بِعِدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ، والجَهازُ ما يُعَدُّ مِنَ الأمْتِعَةِ لِلنَّقْلَةِ كَعُدَدِ السَّفَرِ وما يُحْمَلُ مِن بَلْدَةٍ إلى أُخْرى وما تُزَفُّ بِهِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقُرِئَ « بِجِهازِهِمْ» بِالكَسْرِ.
﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالَ: مَن أنْتُمْ وما أمْرُكم لَعَلَّكم عُيُونٌ ؟ قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ إنَّما نَحْنُ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أحَدُنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، قالَ: فَكَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا عَشَرَةٌ، قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ ؟ قالُوا: عِنْدَ أبِينا يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم. قالُوا: لا يَعْرِفُنا أحَدٌ ها هُنا فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتْ شَمْعُونَ. وقِيلَ كانَ يُوسُفُ يُعْطِي لِكُلِّ نَفَرٍ حِمْلًا فَسَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا لِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ فَأعْطاهم وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِيَعْلَمَ صِدْقَهم.
﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ. ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِلضَّيْفِ والمُضِيفِينَ لَهم وكانَ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم.
﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ ولا تَقْرَبُونِي ولا تَدْخُلُوا دِيارِي، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ (p-169)نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى الجَزاءِ.
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنَجْتَهِدُ في طَلَبِهِ مِن أبِيهِ. ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ذَلِكَ لا نَتَوانى فِيهِ.
يوسف 12:60
﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أصْلَحَهم بِعِدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ، والجَهازُ ما يُعَدُّ مِنَ الأمْتِعَةِ لِلنَّقْلَةِ كَعُدَدِ السَّفَرِ وما يُحْمَلُ مِن بَلْدَةٍ إلى أُخْرى وما تُزَفُّ بِهِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقُرِئَ « بِجِهازِهِمْ» بِالكَسْرِ.
﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالَ: مَن أنْتُمْ وما أمْرُكم لَعَلَّكم عُيُونٌ ؟ قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ إنَّما نَحْنُ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أحَدُنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، قالَ: فَكَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا عَشَرَةٌ، قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ ؟ قالُوا: عِنْدَ أبِينا يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم. قالُوا: لا يَعْرِفُنا أحَدٌ ها هُنا فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتْ شَمْعُونَ. وقِيلَ كانَ يُوسُفُ يُعْطِي لِكُلِّ نَفَرٍ حِمْلًا فَسَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا لِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ فَأعْطاهم وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِيَعْلَمَ صِدْقَهم.
﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ. ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِلضَّيْفِ والمُضِيفِينَ لَهم وكانَ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم.
﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ ولا تَقْرَبُونِي ولا تَدْخُلُوا دِيارِي، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ (p-169)نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى الجَزاءِ.
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنَجْتَهِدُ في طَلَبِهِ مِن أبِيهِ. ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ذَلِكَ لا نَتَوانى فِيهِ.
يوسف 12:61
﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أصْلَحَهم بِعِدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ، والجَهازُ ما يُعَدُّ مِنَ الأمْتِعَةِ لِلنَّقْلَةِ كَعُدَدِ السَّفَرِ وما يُحْمَلُ مِن بَلْدَةٍ إلى أُخْرى وما تُزَفُّ بِهِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقُرِئَ « بِجِهازِهِمْ» بِالكَسْرِ.
﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالَ: مَن أنْتُمْ وما أمْرُكم لَعَلَّكم عُيُونٌ ؟ قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ إنَّما نَحْنُ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أحَدُنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، قالَ: فَكَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا عَشَرَةٌ، قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ ؟ قالُوا: عِنْدَ أبِينا يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم. قالُوا: لا يَعْرِفُنا أحَدٌ ها هُنا فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتْ شَمْعُونَ. وقِيلَ كانَ يُوسُفُ يُعْطِي لِكُلِّ نَفَرٍ حِمْلًا فَسَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا لِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ فَأعْطاهم وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِيَعْلَمَ صِدْقَهم.
﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ. ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِلضَّيْفِ والمُضِيفِينَ لَهم وكانَ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم.
﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ ولا تَقْرَبُونِي ولا تَدْخُلُوا دِيارِي، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ (p-169)نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى الجَزاءِ.
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنَجْتَهِدُ في طَلَبِهِ مِن أبِيهِ. ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ذَلِكَ لا نَتَوانى فِيهِ.
يوسف 12:62
﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ لِغِلْمانِهِ الكَيّالِينَ جَمْعُ فَتًى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ عَلى أنَّهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ لِيُوافِقَ قَوْلَهُ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ فَإنَّهُ وكَلَ بِكُلِّ رَحْلٍ واحِدًا يُعَبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي شَرَوْا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدُمًا وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ تَوْسِيعًا وتَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وتَرَفُّعًا مِن أنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ الطَّعامِ مِنهم، وخَوْفًا مِن أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها. أوْ لِكَيْ يَعْرِفُوها. ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ انْصَرَفُوا ورَجَعُوا. ﴿إلى أهْلِهِمْ﴾ وفَتَحُوا أوْعِيَتَهم. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ مَعْرِفَتَهم ذَلِكَ تَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ.
يوسف 12:63
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حُكِمَ بِمَنعِهِ بَعْدَ هَذا إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِبِنْيامِينَ. ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ نَرْفَعِ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ ونَكْتَلْ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى الأخِ أيْ يَكْتَلْ لِنَفْسِهِ فَيَنْضَمُّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا. ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.
﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ في يُوسُفَ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ فَأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأُفَوِّضُ أمْرِي إلَيْهِ، وانْتِصابُ « حِفْظًا» عَلى التَّمْيِيزِ و ﴿حافِظًا﴾ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ يَحْتَمِلُهُ والحالُ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا، وقُرِئَ « خَيْرُ حافِظٍ» و « خَيْرُ الحافِظِينَ» .
﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعُ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ.
يوسف 12:64
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حُكِمَ بِمَنعِهِ بَعْدَ هَذا إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِبِنْيامِينَ. ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ نَرْفَعِ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ ونَكْتَلْ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى الأخِ أيْ يَكْتَلْ لِنَفْسِهِ فَيَنْضَمُّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا. ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.
﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ في يُوسُفَ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ فَأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأُفَوِّضُ أمْرِي إلَيْهِ، وانْتِصابُ « حِفْظًا» عَلى التَّمْيِيزِ و ﴿حافِظًا﴾ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ يَحْتَمِلُهُ والحالُ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا، وقُرِئَ « خَيْرُ حافِظٍ» و « خَيْرُ الحافِظِينَ» .
﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعُ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ.
يوسف 12:65
﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ « رِدَّتْ» بِنَقْلِ كَسْرَةِ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ نَقْلَها في بِيعَ وقِيلَ. ﴿قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي﴾ ماذا نَطْلُبُ هَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى ذَلِكَ أكْرَمَنا وأحْسَنَ مَثْوانا وباعَ مِنّا ورَدَّ عَلَيْنا مَتاعَنا. أوْ لا نَطْلُبُ وراءَ ذَلِكَ إحْسانًا أوْ لا نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَزِيدُ فِيما حَكَيْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ.
وَقُرِئَ « ما تَبْغِي» عَلى الخِطابِ أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُ وراءَ هَذا مِنَ الإحْسانِ، أوْ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِنا ؟ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ اسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما نَبْغِي﴾ . ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ رُدَّتْ إلَيْنا فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا بِالرُّجُوعِ إلى المَلِكِ. ﴿وَنَحْفَظُ أخانا﴾ عَنِ المَخاوِفِ في ذَهابِنا وإيابِنا. ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ وسْقَ بَعِيرٍ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، هَذا إذا كانَتْ ﴿ما﴾ اسْتِفْهامِيَّةً فَأمّا إذا كانَتْ نافِيَةً احْتَمَلَ ذَلِكَ واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمَلُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ما نَبْغِي﴾، أيْ لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا﴾ .
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أيْ مَكِيلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، اسْتَقَلُّوا ما كِيلَ لَهم فَأرادُوا أنْ يُضاعِفُوهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَلِكِ ويَزْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كَيْلِ بَعِيرٍ أيْ ذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ (p-170)المَلِكُ ولا يَتَعاظَمُهُ، وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ ومَعْناهُ، إنَّ حِمْلَ بِعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ.
يوسف 12:66
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ إذْ رَأيْتُ مِنكم ما رَأيْتُ. ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ حَتّى تُعْطُونِي ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ عَهْدًا مُؤَكَّدًا بِذِكْرِ اللَّهِ. ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابُ القَسَمِ إذِ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ. ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلا تُطِيقُوا ذَلِكَ أوْ إلّا أنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكم، أوْ مِن أعَمِّ العِلَلِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، في تَأْوِيلِ النَّفْيِ أيْ لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ إلّا لِلْإحاطَةِ بِكم كَقَوْلِهِمْ: أقْسَمْتُ بِاللَّهِ إلّا فَعَلْتُ، أيْ ما أطْلُبُ إلّا فِعْلَكَ. ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عَهْدَهم. ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِن طَلَبِ المُوَثَّقِ وإتْيانِهِ. ﴿وَكِيلٌ﴾ رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ.
يوسف 12:67
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وأُبَّهَةٍ مُشْتَهِرِينَ في مِصْرَ بِالقُرْبَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا، ولَعَلَّهُ لَمْ يُوصِهِمْ بِذَلِكَ في الكَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ حِينَئِذٍ، أوْ كانَ الدّاعِي إلَيْها خَوْفَهُ عَلى بِنْيامِينَ. ولِلنَّفْسِ آثارٌ مِنها العَيْنُ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَوْذَتِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
﴿وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا قَضى عَلَيْكم بِما أشَرْتُ بِهِ إلَيْكم فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ. ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ يُصِيبُكم لا مَحالَةَ إنْ قَضى عَلَيْكم سُوءًا ولا يَنْفَعُكم ذَلِكَ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لَتَقَدُّمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ كَأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ والفاءَ لِإفادَةِ التَّسَبُّبِ، فَإنَّ فِعْلَ الأنْبِياءِ سَبَبٌ لِأنَّ يُقْتَدى بِهِمْ.
﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ في البَلَدِ. ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ رَأْيُ يَعْقُوبَ واتِّباعُهم لَهُ. ﴿مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَسُرِقُوا وأُخِذَ بِنْيامِينُ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعَفَتِ المُصِيبَةُ عَلى يَعْقُوبَ. ﴿إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ حاجَةً في نَفْسِهِ، يَعْنِي شَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ وحَرازَتَهُ مِن أنْ يُعانُوا. ﴿قَضاها﴾ أظْهَرَها ووَصّى بِها. ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الحُجَجِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ولَمْ يَغْتَرَّ بِتَدْبِيرِهِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ سِرَّ القَدَرِ وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ.
يوسف 12:68
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وأُبَّهَةٍ مُشْتَهِرِينَ في مِصْرَ بِالقُرْبَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا، ولَعَلَّهُ لَمْ يُوصِهِمْ بِذَلِكَ في الكَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ حِينَئِذٍ، أوْ كانَ الدّاعِي إلَيْها خَوْفَهُ عَلى بِنْيامِينَ. ولِلنَّفْسِ آثارٌ مِنها العَيْنُ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَوْذَتِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
﴿وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا قَضى عَلَيْكم بِما أشَرْتُ بِهِ إلَيْكم فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ. ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ يُصِيبُكم لا مَحالَةَ إنْ قَضى عَلَيْكم سُوءًا ولا يَنْفَعُكم ذَلِكَ. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لَتَقَدُّمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ كَأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ والفاءَ لِإفادَةِ التَّسَبُّبِ، فَإنَّ فِعْلَ الأنْبِياءِ سَبَبٌ لِأنَّ يُقْتَدى بِهِمْ.
﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ في البَلَدِ. ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ رَأْيُ يَعْقُوبَ واتِّباعُهم لَهُ. ﴿مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَسُرِقُوا وأُخِذَ بِنْيامِينُ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعَفَتِ المُصِيبَةُ عَلى يَعْقُوبَ. ﴿إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ حاجَةً في نَفْسِهِ، يَعْنِي شَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ وحَرازَتَهُ مِن أنْ يُعانُوا. ﴿قَضاها﴾ أظْهَرَها ووَصّى بِها. ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الحُجَجِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ولَمْ يَغْتَرَّ بِتَدْبِيرِهِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ سِرَّ القَدَرِ وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ.
يوسف 12:69
﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ ضَمَّ إلَيْهِ بِنْيامِينَ عَلى الطَّعامِ أوْ في المَنزِلِ رُوِيَ: أنَّهُ أضافَهم (p-171)فَأجْلَسَهم مَثْنى مَثْنى فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحِيدًا فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَجَلَسَ مَعِي، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ ثُمَّ قالَ: لِيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي فَباتَ عِنْدَهُ وقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ، قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ و ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَلا تَحْزَنْ. افْتِعالٌ مِنَ البُؤْسِ. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في حَقِّنا فِيما مَضى.
يوسف 12:70
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ المَشْرَبَةَ. ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قِيلَ كانَتْ مَشْرَبَةً جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ وقِيلَ. كانَتْ تُسْقى الدَّوابُّ بِها ويُكالُ بِها وكانَتْ مِن فِضَّةٍ. وقِيلَ مِن ذَهَبٍ وقُرِئَ « وجُعِلَ» عَلى حَذْفِ جَوابِ فَلَمّا تَقْدِيرُهُ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا. ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُنادٍ. ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْهُ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كانَ تَعْبِيَةُ السِّقايَةِ والنِّداءُ عَلَيْها بِرِضا بِنْيامِينَ. وقِيلَ مَعْناهُ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ أوْ أإنَّكم لَسارِقُونَ، والعِيرُ القافِلَةُ وهو اسْمُ الإبِلِ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَتَرَدَّدُ، فَقِيلَ لِأصْحابِها كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» .
وَقِيلَ جَمْعُ عِيرٍ وأصْلُهُ فَعَلَ كَسَقَفَ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبَيَضَ تَجُوزُ بِهِ لِقافِلَةِ الحَمِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ قافِلَةٍ.
﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيُّ شَيْءٍ ضاعَ مِنكم ؟ والفَقْدُ: غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنِ الحِسِّ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ مَكانَهُ، وقُرِئَ « تَفْقِدُونَ» مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ فَقِيدًا.
يوسف 12:71
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ المَشْرَبَةَ. ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قِيلَ كانَتْ مَشْرَبَةً جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ وقِيلَ. كانَتْ تُسْقى الدَّوابُّ بِها ويُكالُ بِها وكانَتْ مِن فِضَّةٍ. وقِيلَ مِن ذَهَبٍ وقُرِئَ « وجُعِلَ» عَلى حَذْفِ جَوابِ فَلَمّا تَقْدِيرُهُ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا. ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُنادٍ. ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْهُ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كانَ تَعْبِيَةُ السِّقايَةِ والنِّداءُ عَلَيْها بِرِضا بِنْيامِينَ. وقِيلَ مَعْناهُ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ أوْ أإنَّكم لَسارِقُونَ، والعِيرُ القافِلَةُ وهو اسْمُ الإبِلِ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَتَرَدَّدُ، فَقِيلَ لِأصْحابِها كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» .
وَقِيلَ جَمْعُ عِيرٍ وأصْلُهُ فَعَلَ كَسَقَفَ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبَيَضَ تَجُوزُ بِهِ لِقافِلَةِ الحَمِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ قافِلَةٍ.
﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيُّ شَيْءٍ ضاعَ مِنكم ؟ والفَقْدُ: غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنِ الحِسِّ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ مَكانَهُ، وقُرِئَ « تَفْقِدُونَ» مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ فَقِيدًا.
يوسف 12:72
﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ وقُرِئَ « صاعَ» و « صَوْعَ» بِالفَتْحِ والضَّمِّ والعَيْنِ والغَيْنِ و « صُواغَ» مِنَ الصِّياغَةِ. ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعامِ جُعْلًا لَهُ. ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى مَن رَدَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الجَعالَةِ وضَمانِ الجُعْلِ قَبْلَ تَمامِ العَمَلِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ قَسَمٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، التّاءُ بَدَلٌ مِنَ الباءِ مُخْتَصَّةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ عَلى بَراءَةِ أنْفُسِهِمْ لَمّا عَرَفُوا مِنهم في كَرَّتَيْ مَجِيئِهِمْ ومُداخَلَتِهِمْ لِلْمَلِكِ مِمّا يَدُلُّ عَلى فَرْطِ أمانَتِهِمْ كَرَدِّ البِضاعَةِ الَّتِي جُعِلَتْ في رِحالِهِمْ وكَعْمِ الدَّوابِّ لِئَلّا تَتَناوَلَ زَرْعًا أوْ طَعامًا لِأحَدٍ.
يوسف 12:73
﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ وقُرِئَ « صاعَ» و « صَوْعَ» بِالفَتْحِ والضَّمِّ والعَيْنِ والغَيْنِ و « صُواغَ» مِنَ الصِّياغَةِ. ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعامِ جُعْلًا لَهُ. ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى مَن رَدَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الجَعالَةِ وضَمانِ الجُعْلِ قَبْلَ تَمامِ العَمَلِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ قَسَمٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، التّاءُ بَدَلٌ مِنَ الباءِ مُخْتَصَّةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ عَلى بَراءَةِ أنْفُسِهِمْ لَمّا عَرَفُوا مِنهم في كَرَّتَيْ مَجِيئِهِمْ ومُداخَلَتِهِمْ لِلْمَلِكِ مِمّا يَدُلُّ عَلى فَرْطِ أمانَتِهِمْ كَرَدِّ البِضاعَةِ الَّتِي جُعِلَتْ في رِحالِهِمْ وكَعْمِ الدَّوابِّ لِئَلّا تَتَناوَلَ زَرْعًا أوْ طَعامًا لِأحَدٍ.
يوسف 12:74
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ فَما جَزاءُ السّارِقِ أوِ السَّرْقِ أوِ الـ ﴿صُواعَ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في ادِّعاءِ البَراءَةِ.
﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَتِهِ أُخِذَ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ واسْتِرْقاقِهِ، هَكَذا كانَ شَرْعُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْحَكَمِ وإلْزامٌ لَهُ، أوْ خَبَرُ ﴿مَن﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ أوْ جَوابٌ لَها عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ. والجُمْلَةُ كَما هي خَبَرُ ﴿جَزاؤُهُ﴾ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها (p-172)مَقامَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهو هو. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بِالسَّرِقَةِ.
يوسف 12:75
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ فَما جَزاءُ السّارِقِ أوِ السَّرْقِ أوِ الـ ﴿صُواعَ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في ادِّعاءِ البَراءَةِ.
﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَتِهِ أُخِذَ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ واسْتِرْقاقِهِ، هَكَذا كانَ شَرْعُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْحَكَمِ وإلْزامٌ لَهُ، أوْ خَبَرُ ﴿مَن﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ أوْ جَوابٌ لَها عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ. والجُمْلَةُ كَما هي خَبَرُ ﴿جَزاؤُهُ﴾ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها (p-172)مَقامَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهو هو. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بِالسَّرِقَةِ.
يوسف 12:76
﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ فَبَدَأ المُؤَذِّنُ. وقِيلَ يُوسُفُ لِأنَّهم رُدُّوا إلى مِصْرَ. ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ بِنْيامِينَ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ وبِقَلْبِها هَمْزَةً. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ. ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ بِأنْ عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا بِهِ إلَيْهِ. ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ مَلِكِ مِصْرَ لِأنَّ دِينَهُ الضَّرْبُ وتَغْرِيمُ ضَعْفِ ما أخَذَ دُونَ الِاسْتِرْقاقِ وهو بَيانٌ لِلْكَيْدِ.
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمَ المَلِكِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ أخْذَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالعِلْمِ كَما رَفَعْنا دَرَجَتَهُ. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ إذْ لَوْ كانَ ذا عِلْمٍ لَكانَ فَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ. والجَوابُ أنَّ المُرادَ كُلُّ ذِي عِلْمٍ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولِأنَّ العَلِيمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْناهُ الَّذِي لَهُ العِلْمُ البالِغُ لُغَةً ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِنا فَوْقَ كُلِّ العُلَماءِ عَلِيمٌ وهو مَخْصُوصٌ.
يوسف 12:77
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ بِنْيامِينُ. ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ. قِيلَ ورِثَتْ عَمَّتُهُ مِن أبِيها مِنطَقَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ انْتِزاعَهُ مِنها فَشَدَّتِ المِنطَقَةَ عَلى وسَطِهِ، ثُمَّ أظْهَرَتْ ضَياعَها فَتَفَحَّصَ عَنْها فَوُجِدَتْ مَحْزُومَةً عَلَيْهِ فَصارَتْ أحَقَّ بِهِ في حُكْمِهِمْ. وقِيلَ كانَ لِأبِي أُمِّهِ صَنَمٌ فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ وألْقاهُ في الجِيَفِ. وقِيلَ كانَ في البَيْتِ عَناقٌ أوْ دَجاجَةٌ فَأعْطاها السّائِلَ. وقِيلَ دَخَلَ كَنِيسَةً وأخَذَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِنَ الذَّهَبِ. ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أكَنَّها ولَمْ يُظْهِرْها لَهم، والضَّمِيرُ لِلْإجابَةِ أوِ المَقالَةِ أوْ نِسْبَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِ وقِيلَ إنَّها كِنايَةٌ بِشَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُفَسِّرُها قَوْلُهُ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن أسَرَّها. والمَعْنى قالَ في نَفْسِهِ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا أيْ مَنزِلَةً في السَّرِقَةِ لِسَرِقَتِكم أخاكم، أوْ في سُوءِ الصَّنِيعِ مِمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، وتَأْنِيثُها بِاعْتِبارِ الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ المُفَسَّرُ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ وهو يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ.
يوسف 12:78
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ في السِّنِّ أوِ القَدْرِ، ذَكَرُوا لَهُ حالَهُ اسْتِعْطافًا لَهُ عَلَيْهِ.
﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ بَدَلَهُ فَإنَّ أباهُ ثَكْلانُ عَلى أخِيهِ الهالِكِ مُسْتَأْنِسٌ بِهِ. ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلَيْنا فَأتْمِمْ إحْسانَكَ، أوْ مِنَ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ فَلا تُغَيِّرْ عادَتَكَ.
﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ فَإنَّ أخْذَ غَيْرِهِ ظُلْمٌ عَلى فَتْواكم فَلَوْ أخَذْنا أحَدَكم مَكانَهُ. ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ في مَذْهَبِكم هَذا، وإنَّ مُرادَهُ أنَّ اللَّهَ أذِنَ في أخْذِ مَن وجَدْنا الصّاعَ في رَحْلِهِ لِمَصْلَحَتِهِ ورِضاهُ عَلَيْهِ فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا.
يوسف 12:79
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ في السِّنِّ أوِ القَدْرِ، ذَكَرُوا لَهُ حالَهُ اسْتِعْطافًا لَهُ عَلَيْهِ.
﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ بَدَلَهُ فَإنَّ أباهُ ثَكْلانُ عَلى أخِيهِ الهالِكِ مُسْتَأْنِسٌ بِهِ. ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلَيْنا فَأتْمِمْ إحْسانَكَ، أوْ مِنَ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ فَلا تُغَيِّرْ عادَتَكَ.
﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ فَإنَّ أخْذَ غَيْرِهِ ظُلْمٌ عَلى فَتْواكم فَلَوْ أخَذْنا أحَدَكم مَكانَهُ. ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ في مَذْهَبِكم هَذا، وإنَّ مُرادَهُ أنَّ اللَّهَ أذِنَ في أخْذِ مَن وجَدْنا الصّاعَ في رَحْلِهِ لِمَصْلَحَتِهِ ورِضاهُ عَلَيْهِ فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا.
يوسف 12:80
(p-173)﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ إيّاهم، وزِيادَةُ السِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿خَلَصُوا﴾ انْفَرَدُوا واعْتَزَلُوا. ﴿نَجِيًّا﴾ مُتَناجِينَ، وإنَّما وحَّدَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ بِزِنَتِهِ كَما قِيلَ هو صِدِّيقٌ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ كَنَدِيٍّ وأنْدِيَةٍ. ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، أوْ في الرَّأْيِ وهو شَمْعُونُ وقِيلَ يَهُوذا. ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ عَهْدًا وثِيقًا، وأنَّما جَعَلَ حَلِفَهم بِاللَّهِ مَوْثِقًا مِنهُ لِأنَّهُ بِإذْنٍ مِنهُ وتَأْكِيدٍ مِن جِهَتِهِ.
﴿وَمِن قَبْلُ﴾ ومِن قَبْلِ هَذا. ﴿ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، و ﴿ما﴾ مَزِيدَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ تَعْلَمُوا، ولا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، أوْ عَلى اسْمِ ﴿أنَّ﴾ وخَبَرُهُ في ﴿يُوسُفَ﴾ أوْ (مِن قَبْلُ) أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ (مِن قَبْلُ) وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ ﴿قَبْلُ﴾ إذا كانَ خَبَرًا أوْ صِلَةً لا يُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ حَتّى لا يَنْقُصَ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: ما فَرَّطْتُمُوهُ بِمَعْنى ما قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّهِ مِنَ الجِنايَةِ ومَحَلُّهُ ما تَقَدَّمَ. ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ. ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في الرُّجُوعِ. ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ أوْ يَقْضِيَ لِي بِالخُرُوجِ مِنها، أوْ بِخَلاصِ أخِي مِنهم أوْ بِالمُقاتَلَةِ مَعَهم لِتَخْلِيصِهِ.
رُوِيَ: أنَّهم كَلَّمُوا العَزِيزَ في إطْلاقِهِ فَقالَ رُوبِيلُ: أيُّها المَلِكُ واللَّهِ لَتَتْرُكْنا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً تَضَعُ مِنها الحَوامِلُ، ووَقَفَتْ شُعُورُ جَسَدِهِ فَخَرَجَتْ مِن ثِيابِهِ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِهِ: قُمْ إلى جَنْبِهِ فَمِسَّهُ، وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا غَضِبَ أحَدُهم فَمَسَّهُ الآخَرُ ذَهَبَ غَضَبُهُ. فَقالَ رُوبِيلُ مَن هَذا إنَّ في هَذا البَلَدِ لَبَزْرًا مَن بَزْرِ يَعْقُوبَ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ حُكْمَهُ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ.
يوسف 12:81
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ عَلى ما شاهَدْناهُ مِن ظاهِرِ الأمْرِ. وقُرِئَ « سُرِّقَ» أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ. ﴿وَما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ. ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ بِأنْ رَأيْنا أنَّ الصُّواعَ اسْتُخْرِجَ مِن وِعائِهِ. ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ لِباطِنِ الحالِ. ﴿حافِظِينَ﴾ فَلا نَدْرِي أنَّهُ سَرَقَ أوْ سِرِّقَ ودُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ، أوْ وما كُنّا لِلْعَواقِبِ عالِمِينَ فَلَمْ نَدْرِ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ أنَّهُ سَيَسْرِقُ، أوْ أنَّكَ تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ.
﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ أوْ قَرْيَةً بِقُرْبِها لَحِقَهُمُ المُنادِي فِيها، والمَعْنى أرْسِلْ إلى أهْلِها واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ. ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ وأصْحابَ العِيرِ الَّتِي تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم. ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.
يوسف 12:82
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ عَلى ما شاهَدْناهُ مِن ظاهِرِ الأمْرِ. وقُرِئَ « سُرِّقَ» أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ. ﴿وَما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ. ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ بِأنْ رَأيْنا أنَّ الصُّواعَ اسْتُخْرِجَ مِن وِعائِهِ. ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ لِباطِنِ الحالِ. ﴿حافِظِينَ﴾ فَلا نَدْرِي أنَّهُ سَرَقَ أوْ سِرِّقَ ودُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ، أوْ وما كُنّا لِلْعَواقِبِ عالِمِينَ فَلَمْ نَدْرِ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ أنَّهُ سَيَسْرِقُ، أوْ أنَّكَ تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ.
﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ أوْ قَرْيَةً بِقُرْبِها لَحِقَهُمُ المُنادِي فِيها، والمَعْنى أرْسِلْ إلى أهْلِها واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ. ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ وأصْحابَ العِيرِ الَّتِي تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم. ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.
يوسف 12:83
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهم قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وسَهَّلَتْ. ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ فَقَدَّرْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى المَلِكَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ. ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بِيُوسُفَ وبِنْيامِينَ وأخِيهِما الَّذِي تَوَقَّفَ بِمِصْرَ. ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي وحالِهِمْ. ﴿الحَكِيمُ﴾ في تَدْبِيرِهِما.
﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ وأعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما صادَفَ مِنهم. ﴿وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ أيْ يا أسَفًا تَعالَ فَهَذا أوانُكَ، والأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ (p-174)أخَوَيْهِ والحادِثُ رُزْؤُهُما لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ المُصِيباتِ وكانَ غَضًّا آخِذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ، ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما دُونَ حَياتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ» .
ألا تَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ﴿يا أسَفى﴾ .
﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ مِنَ الحُزْنِ كَأنَّ العَبْرَةَ مَحَقَتْ سَوادَهُما. وقِيلَ ضَعُفَ بَصَرُهُ. وقِيلَ عَمِيَ، وقُرِئَ « مِنَ الحَزَنِ» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ التَّفَجُّعِ، ولَعَلَّ أمْثالَ ذَلِكَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: «القَلْبُ يَجْزَعُ والعَيْنُ تَدْمَعُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنَّما عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلْئِهِ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ مِن كَظَمَ الغَيْظَ إذا اجْتَرَعَهُ، وأصْلُهُ كَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ.
يوسف 12:84
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهم قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وسَهَّلَتْ. ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ فَقَدَّرْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى المَلِكَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ. ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بِيُوسُفَ وبِنْيامِينَ وأخِيهِما الَّذِي تَوَقَّفَ بِمِصْرَ. ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي وحالِهِمْ. ﴿الحَكِيمُ﴾ في تَدْبِيرِهِما.
﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ وأعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما صادَفَ مِنهم. ﴿وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ أيْ يا أسَفًا تَعالَ فَهَذا أوانُكَ، والأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ (p-174)أخَوَيْهِ والحادِثُ رُزْؤُهُما لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ المُصِيباتِ وكانَ غَضًّا آخِذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ، ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما دُونَ حَياتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ» .
ألا تَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ﴿يا أسَفى﴾ .
﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ مِنَ الحُزْنِ كَأنَّ العَبْرَةَ مَحَقَتْ سَوادَهُما. وقِيلَ ضَعُفَ بَصَرُهُ. وقِيلَ عَمِيَ، وقُرِئَ « مِنَ الحَزَنِ» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ التَّفَجُّعِ، ولَعَلَّ أمْثالَ ذَلِكَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: «القَلْبُ يَجْزَعُ والعَيْنُ تَدْمَعُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنَّما عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلْئِهِ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ مِن كَظَمَ الغَيْظَ إذا اجْتَرَعَهُ، وأصْلُهُ كَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ.
يوسف 12:85
﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ تَذْكُرُهُ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ، فَحَذَفَ لا كَما في قَوْلِهِ:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا
لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ بِالإثْباتِ، فَإنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلاماتُ الإثْباتِ كانَ عَلى النَّفْيِ. ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ. وقِيلَ الحَرَضُ الَّذِي أذابَهُ هَمٌّ أوْ مَرَضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ ولا يُجْمَعُ والنَّعْتُ بِالكَسْرِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ. وقَدْ قُرِئَ بِهِ وبِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ. ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مِنَ المَيِّتِينَ.
يوسف 12:86
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي﴾ هَمِّي الَّذِي لا أقْدِرُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ مِنَ البَثِّ بِمَعْنى النَّشْرِ. ﴿إلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكم، فَخَلُّونِي وشِكايَتِي. ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُخَيِّبُ داعِيَهُ ولا يَدْعُ المُلْتَجِئَ إلَيْهِ، أوْ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ مِنَ الإلْهامِ. ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ. قِيلَ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَقالَ هو حَيٌّ. وقِيلَ عَلِمَ مِن رُؤْيا يُوسُفَ أنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَخِرَّ لَهُ إخْوَتُهُ سُجَّدًا.
﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ فَتَعَرَّفُوا مِنهُما وتَفَحَّصُوا عَنْ حالِهِما والتَّحَسُّسُ تَطَلُّبُ الإحْساسِ: ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ ولا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ. وقُرِئَ « مِن رُوحِ اللَّهِ» أيْ مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي يُحْيِي بِها العِبادَ. ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ المُؤْمِنَ لا يَقْنَطُ مَن رَحْمَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.
يوسف 12:87
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي﴾ هَمِّي الَّذِي لا أقْدِرُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ مِنَ البَثِّ بِمَعْنى النَّشْرِ. ﴿إلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكم، فَخَلُّونِي وشِكايَتِي. ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُخَيِّبُ داعِيَهُ ولا يَدْعُ المُلْتَجِئَ إلَيْهِ، أوْ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ مِنَ الإلْهامِ. ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ. قِيلَ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَقالَ هو حَيٌّ. وقِيلَ عَلِمَ مِن رُؤْيا يُوسُفَ أنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَخِرَّ لَهُ إخْوَتُهُ سُجَّدًا.
﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ فَتَعَرَّفُوا مِنهُما وتَفَحَّصُوا عَنْ حالِهِما والتَّحَسُّسُ تَطَلُّبُ الإحْساسِ: ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ ولا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ. وقُرِئَ « مِن رُوحِ اللَّهِ» أيْ مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي يُحْيِي بِها العِبادَ. ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ المُؤْمِنَ لا يَقْنَطُ مَن رَحْمَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.
يوسف 12:88
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ رَجْعَةً ثانِيَةً. ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ شِدَّةُ الجُوعِ. ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ رَدِيئَةٍ أوْ قَلِيلَةٍ تُرَدُّ وتُدْفَعُ رَغْبَةً عَنْها، مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ ومِنهُ تَزْجِيَةُ الزَّمانِ.
(p-175)قِيلَ كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا وقِيلَ صُوفًا وسَمْنًا. وقِيلَ الصَّنَوْبَرُ والحَبَّةُ الخَضْراءُ. وقِيلَ الأقْطُ وسَوِيقُ المَقْلِ.
﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ فَأتْمِمْ لَنا الكَيْلَ. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ بِرَدِّ أخِينا أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها. واخْتُلِفَ في أنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ تَعُمُّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ تَخْتَصُّ بِنَبِيِّنا ﷺ . ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أحْسَنَ الجَزاءِ والتَّصَدُّقُ التَّفَضُّلُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في القَصْرِ «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .
لَكِنَّهُ اخْتُصَّ عُرْفًا بِما يُبْتَغى بِهِ ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
يوسف 12:89
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيْ هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ عَنْهُ وفِعْلُهم بِأخِيهِ إفْرادُهُ عَنْ يُوسُفَ وإذْلالُهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ. ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ قُبْحَهُ فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ أوْ عاقَبْتَهُ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ تَنْصِيحًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ، وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ لِما رَأى مِن عَجْزِهِمْ وتَمَسْكُنِهِمْ لا مُعاتَبَةً وتَثْرِيبًا. وقِيلَ أعْطَوْهُ كِتابَ يَعْقُوبَ في تَخْلِيصِ بِنْيامِينَ وذَكَرُوا لَهُ ما هو فِيهِ مِنَ الحُزْنِ عَلى فَقْدِ يُوسُفَ وأخِيهِ فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنَّما جَهَّلَهم لِأنَّ فِعْلَهم كانَ فِعْلَ الجُهّالِ، أوْ لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ صِبْيانًا طَيّاشِينَ.
يوسف 12:90
﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ حُقِّقَ بِأنَّ ودُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الإيجابِ. قِيلَ عَرَفُوهُ بِرَوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِهِ، وقِيلَ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ. وقِيلَ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَرَأوْا عَلامَةً بِقَرْنِهِ تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ وكانَتْ لِسارَّةَ ويَعْقُوبَ مِثْلُها. ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ مِن أبِي وأُمِّي ذَكَرَهُ تَعْرِيفًا لِنَفْسِهِ بِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وإدْخالًا لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ بِالسَّلامَةِ والكَرامَةِ. ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ يَتَّقِ اللَّهَ. ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَلى البَلِيّاتِ أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُحْسِنَ مَن جَمَعَ بَيْنَ التَّقْوى والصَّبْرِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ اخْتارَكَ عَلَيْنا بِحُسْنِ الصُّورَةِ وكَمالِ السِّيرَةِ. ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ والحالُ أنَّ شَأْنَنا إنّا كُنّا مُذْنِبِينَ بِما فَعَلْنا مَعَكَ.
يوسف 12:91
﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ حُقِّقَ بِأنَّ ودُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الإيجابِ. قِيلَ عَرَفُوهُ بِرَوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِهِ، وقِيلَ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ. وقِيلَ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَرَأوْا عَلامَةً بِقَرْنِهِ تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ وكانَتْ لِسارَّةَ ويَعْقُوبَ مِثْلُها. ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ مِن أبِي وأُمِّي ذَكَرَهُ تَعْرِيفًا لِنَفْسِهِ بِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وإدْخالًا لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ بِالسَّلامَةِ والكَرامَةِ. ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ يَتَّقِ اللَّهَ. ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَلى البَلِيّاتِ أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُحْسِنَ مَن جَمَعَ بَيْنَ التَّقْوى والصَّبْرِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ اخْتارَكَ عَلَيْنا بِحُسْنِ الصُّورَةِ وكَمالِ السِّيرَةِ. ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ والحالُ أنَّ شَأْنَنا إنّا كُنّا مُذْنِبِينَ بِما فَعَلْنا مَعَكَ.
يوسف 12:92
﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا تَأْنِيبَ عَلَيْكم تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي يَغْشى الكِرْشَ لِلْإزالَةِ كالتَّجْلِيدِ، فاسْتُعِيرَ لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ العِرْضَ ويُذْهِبُ ماءَ الوَجْهِ. ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ أوْ بِالمُقَدَّرِ لِلْجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِـ ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ والمَعْنى لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ الَّذِي هو مَظِنَّتُهُ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامِ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ صَفَحَ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ واعْتَرَفُوا بِها. ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَإنَّهُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ وقالُوا: إنَّكَ تَدْعُونا بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ إلى الطَّعامِ ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ لِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ، فَقالَ إنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكم وعَظُمْتُ في عُيُونِهِمْ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-176)﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ القَمِيصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ. وقِيلَ القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذِ.
﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَرْجِعُ بَصِيرًا أيْ ذا بَصَرٍ. ﴿وَأْتُونِي﴾ أنْتُمْ وأبِي. ﴿بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ بِنِسائِكم وذَرارِيكم ومُوالِيكم.
يوسف 12:93
﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا تَأْنِيبَ عَلَيْكم تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي يَغْشى الكِرْشَ لِلْإزالَةِ كالتَّجْلِيدِ، فاسْتُعِيرَ لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ العِرْضَ ويُذْهِبُ ماءَ الوَجْهِ. ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ أوْ بِالمُقَدَّرِ لِلْجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِـ ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ والمَعْنى لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ الَّذِي هو مَظِنَّتُهُ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامِ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ صَفَحَ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ واعْتَرَفُوا بِها. ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَإنَّهُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ وقالُوا: إنَّكَ تَدْعُونا بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ إلى الطَّعامِ ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ لِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ، فَقالَ إنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكم وعَظُمْتُ في عُيُونِهِمْ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-176)﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ القَمِيصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ. وقِيلَ القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذِ.
﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَرْجِعُ بَصِيرًا أيْ ذا بَصَرٍ. ﴿وَأْتُونِي﴾ أنْتُمْ وأبِي. ﴿بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ بِنِسائِكم وذَرارِيكم ومُوالِيكم.
يوسف 12:94
﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ مِن مِصْرَ وخَرَجَتْ مِن عُمْرانِها. ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ لِمَن حَضَرَهُ. ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْجَدَهُ اللَّهُ رِيحَ ما عَبَقَ بِقَمِيصِهِ مِن رِيحِهِ حِينَ أقْبَلَ بِهِ إلَيْهِ يَهُوذا مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا. ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تَنْسِبُونِي إلى الفَنَدِ وهو نُقْصانُ عَقْلٍ يَحْدُثُ مِن هِرَمٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأنَّ نُقْصانَ عَقْلِها ذاتِيٌّ. وجَوابُ ﴿لَوْلا﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَصَدَّقْتُمُونِي أوْ لَقُلْتُ إنَّهُ قَرِيبٌ.
﴿قالُوا﴾ أيِ الحاضِرُونَ. ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا بِالإفْراطِ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وإكْثارِ ذِكْرِهِ والتَّوَقُّعِ لِلِقائِهِ.
يوسف 12:95
﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ مِن مِصْرَ وخَرَجَتْ مِن عُمْرانِها. ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ لِمَن حَضَرَهُ. ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْجَدَهُ اللَّهُ رِيحَ ما عَبَقَ بِقَمِيصِهِ مِن رِيحِهِ حِينَ أقْبَلَ بِهِ إلَيْهِ يَهُوذا مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا. ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تَنْسِبُونِي إلى الفَنَدِ وهو نُقْصانُ عَقْلٍ يَحْدُثُ مِن هِرَمٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأنَّ نُقْصانَ عَقْلِها ذاتِيٌّ. وجَوابُ ﴿لَوْلا﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَصَدَّقْتُمُونِي أوْ لَقُلْتُ إنَّهُ قَرِيبٌ.
﴿قالُوا﴾ أيِ الحاضِرُونَ. ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا بِالإفْراطِ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وإكْثارِ ذِكْرِهِ والتَّوَقُّعِ لِلِقائِهِ.
يوسف 12:96
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ يَهُوذا. رُوِيَ: أنَّهُ قالَ كَما أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ فَأُفْرِحُهُ بِحَمْلِ هَذا إلَيْهِ.
﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ. ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ عادَ بَصِيرًا لِما انْتَعَشَ فِيهِ مِنَ القُوَّةِ. ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْزالِ الفَرَحِ. وقِيلَ ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ والمَقُولُ (لا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ)، أوْ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ .
يوسف 12:97
﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ومِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يَصْفَحَ عَنْهُ ويَسْألَهُ المَغْفِرَةَ.
﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أخَّرَهُ إلى السَّحَرِ أوْ إلى صَلاةِ اللَّيْلِ أوْ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ تَحَرِّيًا لِوَقْتِ الإجابَةِ، أوْ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَفا عَنْهم فَإنَّ عَفْوَ المَظْلُومِ شَرْطُ المَغْفِرَةِ. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ: أنَّهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ، وهو إنْ صَحَّ فَدَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِمْ، وأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم كانَ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ.
يوسف 12:98
﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ومِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يَصْفَحَ عَنْهُ ويَسْألَهُ المَغْفِرَةَ.
﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أخَّرَهُ إلى السَّحَرِ أوْ إلى صَلاةِ اللَّيْلِ أوْ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ تَحَرِّيًا لِوَقْتِ الإجابَةِ، أوْ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَفا عَنْهم فَإنَّ عَفْوَ المَظْلُومِ شَرْطُ المَغْفِرَةِ. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ: أنَّهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ، وهو إنْ صَحَّ فَدَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِمْ، وأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم كانَ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ.
يوسف 12:99
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ رَواحِلَ وأمْوالًا لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، واسْتَقْبَلَهُ يُوسُفُ والمَلِكُ بِأهْلِ مِصْرَ وكانَ أوْلادُهُ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُ مِصْرَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا وامْرَأةً، وكانُوا حِينَ خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةٍ وبِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا سِوى الذُّرِّيَّةِ والهَرْمى.
﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ ضَمَّ إلَيْهِ أباهُ وخالَتَهُ واعْتَنَقَهُما نَزَّلَها مَنزِلَةَ الأُمِّ تَنْزِيلَ العَمِّ مَنزِلَةَ الأبِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ (p-177)وَإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أوْ لِأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِنَ القَحْطِ وأصْنافِ المَكارِهِ، والمَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالدُّخُولِ المُكَيَّفِ بِالأمْنِ والدُّخُولُ الأوَّلُ كانَ في مَوْضِعٍ خارِجَ البَلَدِ حِينَ اسْتَقْبَلَهم.
يوسف 12:100
﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ تَحِيَّةً وتَكْرِمَةً لَهُ فَإنَّ السُّجُودَ كانَ عِنْدَهم يَجْرِي مَجْراها.
وَقِيلَ مَعْناهُ خَرُّوا لِأجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والواوُ لِأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ والرَّفْعُ مُؤَخَّرٌ عَنِ الخُرُورِ وإنْ قُدِّمَ لَفْظًا لِلِاهْتِمامِ بِتَعْظِيمِهِ لَهُما. ﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ الَّتِي رَأيْتُها أيّامَ الصِّبا.
﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا. ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الجُبَّ لِئَلّا يَكُونَ تَثْرِيبًا عَلَيْهِمْ. ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ مِنَ البادِيَةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ المَواشِي وأهْلَ البَدْوِ. ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أفْسَدَ بَيْنَنا وحَرَّشَ، مِن نَزْغِ الرّائِضِ الدّابَّةَ إذا نَخَسَها وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ. ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ ويَتَسَهَّلُ دُونَها. ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِوُجُودِ المَصالِحِ والتَّدابِيرِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ في وقْتِهِ وعَلى وجْهٍ يَقْتَضِي الحِكْمَةَ.
رُوِيَ: أنَّ يُوسُفَ طافَ بِأبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَزائِنِهِ فَلَمّا أدْخَلَهُ خِزانَةَ القَراطِيسِ قالَ: يا بَنِي ما أعَقَّكَ عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أوَما تَسْألُهُ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ مِنِّي إلَيْهِ فاسْألْهُ فَقالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ. لِقَوْلِكَ: ﴿وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ قالَ فَهَلّا خِفْتَنِي.
يوسف 12:101
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ بَعْضَ المُلْكِ وهو مُلْكُ مِصْرَ. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ الكُتُبِ أوِ الرُّؤْيا، ومِن أيْضًا لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ التَّأْوِيلِ. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعُهُما وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المُنادى أوْ مُنادى بِرَأْسِهِ. ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ ناصِرِي ومُتَوَلِّي أمْرِي. ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أوِ الَّذِي يَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ فِيهِما. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ اقْبِضْنِي. ﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ مِن آبائِي أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ.
رُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوفِّيَ وأوْصى أنْ يُدْفَنَ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ، فَذَهَبَ بِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّةَ ثُمَّ عادَ وعاشَ بَعْدَهُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المُلْكِ المُخَلَّدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في مَدْفَنِهِ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ، فَرَأوْا أنْ يَجْعَلُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن مَرْمَرٍ ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا فِيهِ، ثُمَّ نَقَلَهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَدْفَنِ آبائِهِ وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِن راعِيلَ إفْرائِيمُ ومِيشا وهو جَدُّ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، ورَحْمَةَ امْرَأةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
يوسف 12:102
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَبَإ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿مِن (p-178)أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرانِ لَهُ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِما والمَعْنى: أنَّ هَذا النَّبَأ غَيْبٌ لَمْ تَعْرِفْهُ إلّا بِالوَحْيِ لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ إخْوَةَ يُوسُفَ حِينَ عَزَمُوا عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، وهم يَمْكُرُونَ بِهِ وبِأبِيهِ لِيُرْسِلَهُ مَعَهم، ومِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مُكَذِّبِيكَ أنَّكَ ما لَقِيتَ أحَدًا سَمِعَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمْتَهُ مِنهُ، وإنَّما حُذِفَ هَذا الشِّقُّ اسْتِغْناءً بِذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ .
﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ﴾ عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ عَلَيْهِمْ. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِعِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
يوسف 12:103
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَبَإ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿مِن (p-178)أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرانِ لَهُ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِما والمَعْنى: أنَّ هَذا النَّبَأ غَيْبٌ لَمْ تَعْرِفْهُ إلّا بِالوَحْيِ لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ إخْوَةَ يُوسُفَ حِينَ عَزَمُوا عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، وهم يَمْكُرُونَ بِهِ وبِأبِيهِ لِيُرْسِلَهُ مَعَهم، ومِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مُكَذِّبِيكَ أنَّكَ ما لَقِيتَ أحَدًا سَمِعَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمْتَهُ مِنهُ، وإنَّما حُذِفَ هَذا الشِّقُّ اسْتِغْناءً بِذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ .
﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ﴾ عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ عَلَيْهِمْ. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِعِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
يوسف 12:104
﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ عَلى الإنْباءِ أوِ القُرْآنِ. ﴿مِن أجْرٍ﴾ مِن جُعْلٍ كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ. ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ عامَّةً.
﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ وكَمْ مِن آيَةٍ. والمَعْنى وكَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ. ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ عَلى الآياتِ ويُشاهِدُونَها. ﴿وَهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها. وقُرِئَ ﴿والأرْضِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَمُرُّونَ﴾، فَيَكُونُ لَها الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْها﴾ وبِالنَّصْبِ عَلى ويَطَؤُونَ الأرْضَ. وقُرِئَ و « الأرْضَ يَمْشُونَ عَلَيْها» أيْ يَتَرَدَّدُونَ فِيها فَيَرَوْنَ آثارَ الأُمَمِ الهالِكَةِ.
يوسف 12:105
﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ عَلى الإنْباءِ أوِ القُرْآنِ. ﴿مِن أجْرٍ﴾ مِن جُعْلٍ كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ. ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ عامَّةً.
﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ وكَمْ مِن آيَةٍ. والمَعْنى وكَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ. ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ عَلى الآياتِ ويُشاهِدُونَها. ﴿وَهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها. وقُرِئَ ﴿والأرْضِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَمُرُّونَ﴾، فَيَكُونُ لَها الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْها﴾ وبِالنَّصْبِ عَلى ويَطَؤُونَ الأرْضَ. وقُرِئَ و « الأرْضَ يَمْشُونَ عَلَيْها» أيْ يَتَرَدَّدُونَ فِيها فَيَرَوْنَ آثارَ الأُمَمِ الهالِكَةِ.
يوسف 12:106
﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ. ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ بِاتِّخاذِ الأحْبارِ أرْبابًا. ونِسْبَةُ التَّبَنِّي إلَيْهِ تَعالى، أوِ القَوْلِ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ أوِ النَّظَرِ إلى الأسْبابِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وقِيلَ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ في أهْلِ الكِتابِ.
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم. ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ يَعْنِي الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ والإعْدادَ لِلْمَعادِ ولِذَلِكَ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ هو حالٌ مِنَ الياءِ. ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ. ﴿أنا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَتِرِ في ﴿أدْعُو﴾ أوْ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ . ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ. ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وأُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ.
يوسف 12:107
﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ. ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ بِاتِّخاذِ الأحْبارِ أرْبابًا. ونِسْبَةُ التَّبَنِّي إلَيْهِ تَعالى، أوِ القَوْلِ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ أوِ النَّظَرِ إلى الأسْبابِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وقِيلَ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ في أهْلِ الكِتابِ.
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم. ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ يَعْنِي الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ والإعْدادَ لِلْمَعادِ ولِذَلِكَ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ هو حالٌ مِنَ الياءِ. ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ. ﴿أنا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَتِرِ في ﴿أدْعُو﴾ أوْ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ . ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ. ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وأُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ.
يوسف 12:108
﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ. ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ بِاتِّخاذِ الأحْبارِ أرْبابًا. ونِسْبَةُ التَّبَنِّي إلَيْهِ تَعالى، أوِ القَوْلِ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ أوِ النَّظَرِ إلى الأسْبابِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وقِيلَ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ في أهْلِ الكِتابِ.
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم. ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ يَعْنِي الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ والإعْدادَ لِلْمَعادِ ولِذَلِكَ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ هو حالٌ مِنَ الياءِ. ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ. ﴿أنا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَتِرِ في ﴿أدْعُو﴾ أوْ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ . ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ. ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وأُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ.
يوسف 12:109
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وقِيلَ مَعْناهُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ يُوحِي إلَيْهِمُ كَما يُوحِي إلَيْكَ ويُمَيَّزُونَ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿نُوحِي﴾ في كُلِّ القُرْآنِ ووافَقَهُ (p-179)حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في سُورَةِ « الأنْبِياءِ» . ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ لِأنَّ أهْلَها أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البَدْوِ. ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ، أوْ مِن مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا عَنْ حُبِّها. ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ. ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ. ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم لِيَعْرِفُوا أنَّها خَيْرٌ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ لَهم أفَلا تَعْقِلُونَ.
يوسف 12:110
﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ غايَةَ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لا يَغْرُرْهم تَمادِي أيّامِهِمْ فَإنَّ مَن قَبْلَهم أُمْهِلُوا حَتّى أيِسَ الرُّسُلُ عَنِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عَنْ إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ مُتَرَفِّهِينَ مُتَمادِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ وازِعٍ. ﴿وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ أيْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ، أوْ كَذَّبَهُمُ القَوْمُ بِوَعْدِ الإيمانِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم بِالدَّعْوَةِ والوَعِيدِ. وقِيلَ الأوَّلُ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ والثّانِي لِلرُّسُلِ أيْ وظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا وأخْلَفُوا فِيما وُعِدَ لَهم مِنَ النَّصْرِ وخَلَطَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الرُّسُلَ ظَنُّوا أنَّهم أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ، إنْ صَحَّ فَقَدْ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَهْجِسُ في القَلْبِ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ. هَذا وأنَّ المُرادَ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّراخِي والإمْهالِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ بِالتَّشْدِيدِ أيْ وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ القَوْمَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أوْعَدُوهم. وقُرِئَ « كَذَبُوا» بِالتَّخْفِيفِ وبِناءِ الفاعِلِ أيْ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا فِيما حَدَّثُوا بِهِ عِنْدَ قَوْمِهِمْ لَمّا تَراخى عَنْهم ولَمْ يَرَوْا لَهُ أثَرًا. ﴿جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهم لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَأْهِلُونَ إنْ يَشاءُ نَجاتَهم لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَلى لَفْظِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ « فَنَجا» ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِلْمَشِيئَيْنِ.
يوسف 12:111
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ أوْ في قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ. ﴿عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ المُبَرَّأةِ مِن شَوائِبِ الإلْفِ والرُّكُونِ إلى الحِسِّ. ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ ما كانَ القُرْآنُ حَدِيثًا يُفْتَرى. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ إذْ ما مِن أمْرٍ دِينِيٍّ إلّا ولَهُ سَنَدٌ مِنَ القُرْآنِ بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ. ﴿وَهُدًى﴾ مِنَ الضَّلالِ. ﴿وَرَحْمَةً﴾ يُنالُ بِها خَيْرُ الدّارَيْنِ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَهُ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «عَلِّمُوا أرِقّاءَكم سُورَةَ يُوسُفَ، فَإنَّهُ أيُّما مُسْلِمٍ تَلاها وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَراتِ المَوْتِ وأعْطاهُ القُوَّةَ أنْ لا يَحْسُدُ مُسْلِمًا» .
الرعد 13:1
(p-180)سُورَةُ الرَّعْدِ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . . . الآيَةَ وهي ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿المر﴾ قِيلَ مَعْناهُ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى. ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَعْنِي بِالكِتابِ السُّورَةَ وتِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِها أيْ: تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الكامِلَةِ أوِ القُرْآنِ. ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ هو القُرْآنُ كُلُّهُ ومَحَلُّهُ الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى ﴿الكِتابِ﴾ عُطِفَ العامُّ عَلى الخاصِّ أوْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿الحَقُّ﴾ والجُمْلَةُ كالحُجَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الأوْلى، وتَعْرِيفُ الخَبَرِ وإنْ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَهو أعَمُّ مِنَ المُنَزَّلِ صَرِيحًا أوْ ضِمْنًا، كالمُثْبَتِ بِالقِياسِ وغَيْرِهِ مِمّا نَطَقَ المُنَزَّلُ بِحُسْنِ اتِّباعِهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ.
الرعد 13:2
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً والخَبَرُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ . ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أساطِينَ جَمْعُ عِمادٍ كَإهابٍ وأهَبٍ، أوْ عَمُودٍ كَأدِيمٍ وأُدُمٍ وقُرِئَ « عُمُدٍ» كَرُسُلٍ. ﴿تَرَوْنَها﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿عَمَدٍ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِرُؤْيَتِهِمُ السَّمَواتِ كَذَلِكَ، وهو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَإنَّ ارْتِفاعَها عَلى سائِرِ الأجْسامِ السَّماوِيَّةِ لَها في حَقِيقَةِ الجِرْمِيَّةِ، واخْتِصاصِها بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصَّصٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ يُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِّناتِ عَلى بَعْضٍ بِإرادَتِهِ وعَلى هَذا المِنهاجِ سائِرُ ما ذَكَرَ مِنَ الآياتِ. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بِالحِفْظِ والتَّدْبِيرِ. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ ذَلَّلَهُما لِما أرادَ مِنهُما كالحَرَكَةِ المُسْتَمِرَّةِ عَلى حَدٍّ مِنَ السُّرْعَةِ يَنْفَعُ في حُدُوثِ الكائِناتِ وبَقائِها. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَتِمُّ فِيها أدْوارُهُ، أوْ لِغايَةٍ مَضْرُوبَةٍ يَنْقَطِعُ دُونَها سَيْرُهُ وهي ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أمْرَ مَلَكُوتِهِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ يُنَزِّلُها ويُبَيِّنُها مُفَصَّلَةً أوْ يُحْدِثُ الدَّلائِلَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ لِكَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها وتَتَحَقَّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ وتَدْبِيرِها قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ.
الرعد 13:3
(p-181)﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا لِتَثْبُتَ عَلَيْها الأقْدامُ ويَنْقَلِبَ عَلَيْها الحَيَوانُ. ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ، جَمْعُ راسِيَةٍ والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ عَلى أنَّها صِفَةُ أجْبَلَ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿وَأنْهارًا﴾ ضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ إنَّ الجِبالَ أسْبابٌ لِتُوَلُّدِها. ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ كالحُلْوِ والحامِضِ، والأسْوَدِ والأبْيَضِ والصَّغِيرِ والكَبِيرِ. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ﴿يُغْشِي﴾ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيها فَإنَّ تَكَوُّنَها وتَخَصُّصَها بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ صانِعٍ حَكِيمٍ دَبَّرَ أمَرَها وهَيَّأ أسْبابَها.
﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ بَعْضُها طَيِّبَةٌ وبَعْضُها سَبِخَةٌ، وبَعْضُها رَخْوَةٌ وبَعْضُها صُلْبَةٌ، وبَعْضُها تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ وبَعْضُها بِالعَكْسِ. ولَوْلا تَخْصِيصُ قادِرٍ مُوقِعٍ لِأفْعالِهِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لِاشْتِراكِ تِلْكَ القِطَعِ في الطَّبِيعَةِ الأرْضِيَّةِ وما يَلْزَمُها ويَعْرِضُ لَها بِتَوَسُّطِ ما يَعْرِضُ مِنَ الأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، مِن حَيْثُ إنَّها مُتَضامَّةٌ مُتَشارِكَةٌ في النِّسَبِ والأوْضاعِ. ﴿وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ وبَساتِينُ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ والزُّرُوعِ، وتَوْحِيدُ الزَّرْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿وَجَنّاتٌ﴾ . ﴿صِنْوانٌ﴾ نَخْلاتٌ أصْلُها واحِدٌ. ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ مُتَفَرِّقاتٌ مُخْتَلِفاتُ الأُصُولِ. وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ وهو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ كَـ ﴿قِنْوانٌ﴾ في جَمْعِ قِنْوٍ. (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ) في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَإنَّ اخْتِلافَها مَعَ اتِّحادِ الأُصُولِ والأسْبابِ لا يَكُونُ إلّا بِتَخْصِيصِ قادِرٍ مُخْتارٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُسْقى بِالتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَضِّلُ بِالياءِ لِيُطابِقَ قَوْلُهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالتَّفَكُّرِ.
الرعد 13:4
(p-181)﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا لِتَثْبُتَ عَلَيْها الأقْدامُ ويَنْقَلِبَ عَلَيْها الحَيَوانُ. ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ، جَمْعُ راسِيَةٍ والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ عَلى أنَّها صِفَةُ أجْبَلَ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿وَأنْهارًا﴾ ضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ إنَّ الجِبالَ أسْبابٌ لِتُوَلُّدِها. ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ كالحُلْوِ والحامِضِ، والأسْوَدِ والأبْيَضِ والصَّغِيرِ والكَبِيرِ. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ﴿يُغْشِي﴾ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيها فَإنَّ تَكَوُّنَها وتَخَصُّصَها بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ صانِعٍ حَكِيمٍ دَبَّرَ أمَرَها وهَيَّأ أسْبابَها.
﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ بَعْضُها طَيِّبَةٌ وبَعْضُها سَبِخَةٌ، وبَعْضُها رَخْوَةٌ وبَعْضُها صُلْبَةٌ، وبَعْضُها تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ وبَعْضُها بِالعَكْسِ. ولَوْلا تَخْصِيصُ قادِرٍ مُوقِعٍ لِأفْعالِهِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لِاشْتِراكِ تِلْكَ القِطَعِ في الطَّبِيعَةِ الأرْضِيَّةِ وما يَلْزَمُها ويَعْرِضُ لَها بِتَوَسُّطِ ما يَعْرِضُ مِنَ الأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، مِن حَيْثُ إنَّها مُتَضامَّةٌ مُتَشارِكَةٌ في النِّسَبِ والأوْضاعِ. ﴿وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ وبَساتِينُ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ والزُّرُوعِ، وتَوْحِيدُ الزَّرْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿وَجَنّاتٌ﴾ . ﴿صِنْوانٌ﴾ نَخْلاتٌ أصْلُها واحِدٌ. ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ مُتَفَرِّقاتٌ مُخْتَلِفاتُ الأُصُولِ. وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ وهو لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ كَـ ﴿قِنْوانٌ﴾ في جَمْعِ قِنْوٍ. (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ) في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَإنَّ اخْتِلافَها مَعَ اتِّحادِ الأُصُولِ والأسْبابِ لا يَكُونُ إلّا بِتَخْصِيصِ قادِرٍ مُخْتارٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُسْقى بِالتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَضِّلُ بِالياءِ لِيُطابِقَ قَوْلُهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالتَّفَكُّرِ.
الرعد 13:5
﴿وَإنْ تَعْجَبْ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ. ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ ما قَصَّ عَلَيْكَ كانَتِ الإعادَةُ أيْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْهِ، والآياتُ المَعْدُودَةُ كَما هي دالَّةٌ عَلى وُجُودِ المَبْدَإ فَهي دالَّةٌ عَلى إمْكانِ الإعادَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وقَبُولِ المَوادِّ لِأنْواعِ تَصَرُّفاتِهِ. ﴿أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ لِأنَّهم كَفَرُوا بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. ﴿وَأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُقَيَّدُونَ بِالضَّلالِ لا يُرْجى خَلاصُهم أوْ يُغَلُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها، وتَوْسِيطُ الفَصْلِ لِتَخْصِيصِ الخُلُودِ بِالكُفّارِ.
الرعد 13:6
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ العافِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا ما هُدِّدُوا بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا اسْتِهْزاءً. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ عُقُوباتُ أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ فَما لَهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِها ولَمْ يُجَوِّزُوا حُلُولَ مِثْلِها عَلَيْهِمْ، والمَثُلَةُ بِفَتْحِ الثّاءِ وضَمِّها كالصَّدَقَةِ والصَّدُقَةِ، العُقُوبَةُ لِأنَّها مَثَلُ المُعاقَبِ عَلَيْهِ، ومِنهُ المِثالُ لِلْقِصاصِ وأمْثَلْتُ الرَّجُلَ مِن صاحِبِهِ إذا اقْتَصَصْتُهُ مِنهُ. وقُرِئَ « المَثُلاتُ» بِالتَّخْفِيفِ و « المُثُلاتُ» بِإتْباعِ الفاءِ العَيْنَ و « المُثُلاتُ» بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ الإتْباعِ، و « المَثَلاتُ» بِفَتْحِ الثّاءِ عَلى أنَّها جَمْعُ مَثَلَةٍ كَرَكَبَةٍ (p-182)وَرَكَباتٍ. ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ مَعَ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيهِ المَغْفِرَةُ والتَّقْيِيدُ بِهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ العَفْوِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنَّ التّائِبَ لَيْسَ عَلى ظُلْمِهِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ خَصَّ الظُّلْمَ بِالصَّغائِرِ المُكَفَّرَةِ لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ، أوْ أوَّلُ المَغْفِرَةِ بِالسَّتْرِ والإمْهالِ. ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ لِلْكَفّارِ أوْ لِمَن شاءَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وتَجاوُزُهُ لَما هَنَأ أحَدٌ العَيْشَ، ولَوْلا وعِيدُهُ وعِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ» .
الرعد 13:7
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ واقْتِراحًا لِنَحْوِ ما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ كَغَيْرِكَ مِنَ الرُّسُلِ وما عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما تَصِحُّ بِهِ نُبُوَّتُكَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ لا بِما يَقْتَرِحُ عَلَيْكَ. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ نَبِيٌّ مَخْصُوصٌ بِمُعْجِزاتٍ مِن جِنْسِ ما هو الغالِبُ عَلَيْهِمْ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ ويَدْعُوهم إلى الصَّوابِ، أوْ قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ وهو اللَّهُ تَعالى لَكِنْ لا يَهْدِي إلّا مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ بِما يُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ. ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وشُمُولِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إنْزالِ ما اقْتَرَحُوهُ وإنَّما لَمْ يَنْزِلْ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اقْتِراحَهم لِلْعِنادِ دُونَ الِاسْتِرْشادِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ وإنَّما لَمْ يَهْدِهِمْ لِسَبْقِ قَضائِهِ بِالكُفْرِ فَقالَ:
الرعد 13:8
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أيْ حَمْلَها أوْ ما تَحْمِلُهُ عَلى أيِّ حالٍ هو مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ. ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ وما تُنْقِصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجِنَّةِ والمُدَّةِ والعَدَدِ، وأقْصى مُدَّةُ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ عِنْدَنا وخَمْسٌ عِنْدَ مالِكٍ وسَنَتانِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.
رُوِيَ أنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وهَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعِ سِنِينَ وأعْلى عَدَدِهِ لا حَدَّ لَهُ.
وَقِيلَ نِهايَةُ ما عُرِفَ بِهِ أرْبَعَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ. وقِيلَ المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ، وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا وكَذا ازْدادَ قالَ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ تَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. وإسْنادُهُما إلى الأرْحامِ عَلى المَجازِ فَإنَّهُما لِلَّهِ تَعالى أوْ لِما فِيها. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَإنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ وحالٍ مُعَيَّنَيْنِ، وهَيَّأ لَهُ أسْبابًا مَسُوقَةً إلَيْهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿هادٍ﴾ و ﴿والٍ﴾ و و ﴿واقٍ﴾ ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ فَإذا وقَفَ وقَفَ بِالياءِ في هَذِهِ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ حَيْثُ وقَعَتْ لا غَيْرَ، والباقُونَ يَصِلُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ.
الرعد 13:9
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ الغائِبِ عَنِ الحِسِّ. ﴿والشَّهادَةِ﴾ الحاضِرِ لَهُ. ﴿الكَبِيرُ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ. ﴿المُتَعالِ﴾ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، أوِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ نَعْتِ المَخْلُوقِينَ وتَعالى عَنْهُ.
﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ في نَفْسِهِ. ﴿وَمَن جَهَرَ بِهِ﴾ لِغَيْرِهِ. ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ طالِبٌ لِلْخَفاءِ في مُخْتَبَأٍ بِاللَّيْلِ. ﴿وَسارِبٌ﴾ بارِزٌ. ﴿بِالنَّهارِ﴾ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ مِن سَرَبَ سُرُوبًا إذا بَرَزَ، وهو عَطْفٌ عَلى مَن أوْ مُسْتَخْفٍ عَلى أنَّ مَن في مَعْنى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ:
نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
(p-183)كَأنَّهُ قالَ سَواءٌ مِنكُمُ اثْنانِ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ، والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ وشُمُولِهِ.
الرعد 13:10
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ الغائِبِ عَنِ الحِسِّ. ﴿والشَّهادَةِ﴾ الحاضِرِ لَهُ. ﴿الكَبِيرُ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ. ﴿المُتَعالِ﴾ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، أوِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ نَعْتِ المَخْلُوقِينَ وتَعالى عَنْهُ.
﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ في نَفْسِهِ. ﴿وَمَن جَهَرَ بِهِ﴾ لِغَيْرِهِ. ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ طالِبٌ لِلْخَفاءِ في مُخْتَبَأٍ بِاللَّيْلِ. ﴿وَسارِبٌ﴾ بارِزٌ. ﴿بِالنَّهارِ﴾ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ مِن سَرَبَ سُرُوبًا إذا بَرَزَ، وهو عَطْفٌ عَلى مَن أوْ مُسْتَخْفٍ عَلى أنَّ مَن في مَعْنى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ:
نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
(p-183)كَأنَّهُ قالَ سَواءٌ مِنكُمُ اثْنانِ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ، والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ وشُمُولِهِ.
الرعد 13:11
﴿لَهُ﴾ لِمَن أسَرَّ أوْ جَهَرَ أوِ اسْتَخْفى أوْ سَرَبَ. ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ مَلائِكَةٌ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ، جَمْعُ مَعْقَبَةٍ مِن عَقَّبِهِ مُبالَغَةُ عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ كَأنَّ بَعْضَهم يَعْقُبُ بَعْضًا، أوْ لِأنَّهم يَعْقُبُونَ أقْوالَهُ وأفْعالَهُ فَيَكْتُبُونَها، أوِ اعْتَقَبَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ جَماعاتٌ. وقُرِئَ « مَعاقِيبُ» جَمْعُ مُعَقِّبٍ أوْ مُعَقِّبَةٍ عَلى تَعْوِيضِ الياءِ مِن حَذْفِ إحْدى القافَيْنِ. مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ مِن جَوانِبِهِ أوْ مِنَ الأعْمالِ ما قُدِّمَ وأُخِّرَ. ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ مِن بَأْسِهِ مَتى أذْنَبَ بِالِاسْتِمْهالِ أوِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، أوْ يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضارِّ أوْ يُراقِبُونَ أحْوالَهُ مِن أجْلِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ قُرِئَ بِهِ وقِيلَ مِن بِمَعْنى الباءِ. وقِيلَ مِن أمْرِ اللَّهِ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ . وقِيلَ المُعَقِّباتُ الحَرَسُ والجَلاوِزَةُ حَوْلَ السُّلْطانِ يَحْفَظُونَهُ في تَوَهُّمِهِ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ مِنَ العافِيَةِ والنِّعْمَةِ. ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأحْوالِ الجَمِيلَةِ بِالأحْوالِ القَبِيحَةِ ﴿وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ فَلا رادَّ لَهُ فالعامِلُ في (إذا) ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ.
﴿وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ مِمَّنْ يَلِي أمْرَهم فَيَدْفَعُ عَنْهُمُ السُّوءَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خِلافَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
الرعد 13:12
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾ مِن أذاهُ. ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ إرادَةُ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوِ التَّأْوِيلُ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، أوِ الحالُ مِنَ ﴿البَرْقَ﴾ أوِ المُخاطِبِينَ عَلى إضْمارِ ذُو، أوْ إطْلاقُ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ يَخافُ المَطَرَ مَن يَضُرُّهُ ويَطْمَعُ فِيهِ مَن يَنْفَعُهُ.
﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ﴾ الغَيْمَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ. ﴿الثِّقالَ﴾ وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ وإنَّما وُصِفَ بِهِ السَّحابُ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ ويَسَبِّحُ سامِعُوهُ. ﴿بِحَمْدِهِ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ فَيَضِجُّونَ بِسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، أوْ يَدُلُّ الرَّعْدُ بِنَفْسِهِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ مُلْتَبِسًا بِالدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ ونُزُولِ رَحْمَتِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرَّعْدِ فَقالَ: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ» .
﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى وإجْلالِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿الرَّعْدُ﴾ . ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ فَيُهْلِكُهُ. ﴿وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ حَيْثُ يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما يَصِفُهُ بِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وإعادَةِ النّاسِ ومُجازاتِهِمْ، والجِدالُ التَّشَدُّدُ في الخُصُومَةِ مِنَ الجَدْلِ وهو الفَتْلُ، والواوُ إمّا لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ أوْ لِلْحالِ فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ وفَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قاصِدَيْنِ لِقَتْلِهِ، فَأخَذَهُ عامِرٌ بِالمُجادَلَةِ ودارَ أرْبَدُ مِن خَلْفِهِ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَنَبَّهَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ، ورَمى عامِرًا بِغُدَّةٍ فَماتَ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، وكانَ يَقُولُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، فَنَزَلَتْ.»
﴿وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ المُماحَلَةُ المُكايَدَةُ لِأعْدائِهِ، مِن مَحَلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا كايَدَهُ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ، ومِنهُ تَمَحَّلَ إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ، (p-184)وَلَعَلَّ أصْلَهُ المَحْلُ بِمَعْنى القَحْطِ. وقِيلَ فَعالٌ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ. وقِيلَ مُفْعِلٌ مِنَ الحَوْلِ أوِ الحِيلَةِ أُعِلَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مُفْعِلٌ مِن حالَ يَحُولُ إذا احْتالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفَقارِ فَيَكُونُ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فَساعِدُ اللَّهِ أشُدُّ ومُوساهُ أحَدُّ.
الرعد 13:13
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾ مِن أذاهُ. ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ إرادَةُ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوِ التَّأْوِيلُ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، أوِ الحالُ مِنَ ﴿البَرْقَ﴾ أوِ المُخاطِبِينَ عَلى إضْمارِ ذُو، أوْ إطْلاقُ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ يَخافُ المَطَرَ مَن يَضُرُّهُ ويَطْمَعُ فِيهِ مَن يَنْفَعُهُ.
﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ﴾ الغَيْمَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ. ﴿الثِّقالَ﴾ وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ وإنَّما وُصِفَ بِهِ السَّحابُ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ ويَسَبِّحُ سامِعُوهُ. ﴿بِحَمْدِهِ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ فَيَضِجُّونَ بِسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، أوْ يَدُلُّ الرَّعْدُ بِنَفْسِهِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ مُلْتَبِسًا بِالدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ ونُزُولِ رَحْمَتِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرَّعْدِ فَقالَ: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ» .
﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى وإجْلالِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿الرَّعْدُ﴾ . ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ فَيُهْلِكُهُ. ﴿وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ حَيْثُ يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما يَصِفُهُ بِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وإعادَةِ النّاسِ ومُجازاتِهِمْ، والجِدالُ التَّشَدُّدُ في الخُصُومَةِ مِنَ الجَدْلِ وهو الفَتْلُ، والواوُ إمّا لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ أوْ لِلْحالِ فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ وفَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قاصِدَيْنِ لِقَتْلِهِ، فَأخَذَهُ عامِرٌ بِالمُجادَلَةِ ودارَ أرْبَدُ مِن خَلْفِهِ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَنَبَّهَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ، ورَمى عامِرًا بِغُدَّةٍ فَماتَ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، وكانَ يَقُولُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، فَنَزَلَتْ.»
﴿وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ المُماحَلَةُ المُكايَدَةُ لِأعْدائِهِ، مِن مَحَلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا كايَدَهُ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ، ومِنهُ تَمَحَّلَ إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ، (p-184)وَلَعَلَّ أصْلَهُ المَحْلُ بِمَعْنى القَحْطِ. وقِيلَ فَعالٌ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ. وقِيلَ مُفْعِلٌ مِنَ الحَوْلِ أوِ الحِيلَةِ أُعِلَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مُفْعِلٌ مِن حالَ يَحُولُ إذا احْتالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفَقارِ فَيَكُونُ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فَساعِدُ اللَّهِ أشُدُّ ومُوساهُ أحَدُّ.
الرعد 13:14
﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ الدُّعاءُ الحَقُّ فَإنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ويُدْعى إلى عِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ لَهُ الدَّعْوَةُ المُجابَةُ فَإنَّ مَن دَعاهُ أجابَهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ و ﴿الحَقِّ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ ما يُناقِضُ الباطِلَ وإضافَةُ الـ ﴿دَعْوَةُ﴾ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ دَعْوَةِ المَدْعُوِّ الحَقِّ. وقِيلَ الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى وكُلُّ دُعاءٍ إلَيْهِ دَعْوَةُ الحَقِّ، والمُرادُ بِالجُمْلَتَيْنِ إنْ كانَتِ الآيَةُ في أرْبَدَ وعامِرٍ أنَّ إهْلاكَهُما مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ مِحالٌ مِنَ اللَّهِ إجابَةً لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ ﷺ أوْ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلى الحَقِّ، وإنْ كانَتْ عامَّةً فالمُرادُ وعِيدُ الكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وتَهْدِيدُهم بِإجابَةِ دُعاءِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْهِمْ، أوْ بَيانُ ضَلالِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ والأصْنامُ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ المُشْرِكُونَ، فَحُذِفَ الرّاجِعُ أوْ والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الأصْنامَ فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ عَلَيْهِ. لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ مِنَ الطَّلَباتِ. ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ مَن بَسَطَ كَفَّيْهِ. ﴿إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَهُ. ﴿وَما هو بِبالِغِهِ﴾ لِأنَّهُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِدُعائِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى إجابَتِهِ والإتْيانُ بِغَيْرِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ آلِهَتُهم. وقِيلَ شُبِّهُوا في قِلَّةِ جَدْوى دُعائِهِمْ لَها بِمَن أرادَ أنْ يَغْتَرِفَ الماءَ لِيَشْرَبَهُ فَبَسَطَ كَفَّيْهِ لِيَشْرَبَهُ. وقُرِئَ « تَدْعُونَ» بِالتّاءِ وباسِطٌ بِالتَّنْوِينِ. ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ في ضَياعٍ وخَسارٍ وباطِلٍ.
الرعد 13:15
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، طَوْعًا حالَتَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ والكَفَرَةُ كَرْهًا حالَ الشَّدَّةِ والضَّرُورَةِ.
﴿وَظِلالُهُمْ﴾ بِالعَرْضِ وأنْ يُرادَ بِهِ انْقِيادُهم لِإحْداثِ ما أرادَهُ مِنهم شاءُوا أوْ كَرِهُوا، وانْقِيادُ ظِلالِهِمْ لِتَصْرِيفِهِ إيّاها بِالمَدِّ والتَّقْلِيصِ وانْتِصابُ ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ بِالحالِ أوِ العِلَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿يَسْجُدُ﴾ والمُرادُ بِهِما الدَّوامُ أوْ حالٌ مِنَ الظِّلالِ، وتَخْصِيصُ الوَقْتَيْنِ لِأنَّ الظِّلالَ إنَّما تَعْظُمُ وتَكْثُرُ فِيهِما، والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَقِنًى جَمْعُ قَناةٍ، و (الآصالِ) جَمْعُ أصِيلٍ وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ. وقِيلَ الغُدُوُّ مَصْدَرٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَدْ قُرِئَ و « الإيصالِ» وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ.
الرعد 13:16
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خالِقُهُما ومُتَوَلِّي أمْرِهِما. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أجِبْ عَنْهم بِذَلِكَ إذْ لا جَوابَ لَهم سِواهُ، ولِأنَّهُ البَيِّنُ الَّذِي لا يُمْكِنُ المِراءُ فِيهِ أوْ لَقِّنْهُمُ الجَوابَ بِهِ. ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ثُمَّ ألْزِمْهم بِذَلِكَ لِأنَّ اتِّخاذَهم مُنْكِرٌ بَعِيدٌ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ. ﴿أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَجْلِبُوا إلَيْها نَفْعًا أوْ يَدْفَعُوا عَنْها ضَرًّا فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ إنْفاعَ الغَيْرِ ودَفْعَ الضُّرِّ عَنْهُ، وهو دَلِيلٌ ثانٍ عَلى ضَلالِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ رَجاءَ أنْ يَشْفَعُوا لَهم. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ المُشْرِكُ (p-185)الجاهِلُ بِحَقِيقَةِ العِبادَةِ والمُوجِبُ لَها والمُوَحِّدُ العالِمُ بِذَلِكَ. وقِيلَ المَعْبُودُ الغافِلُ عَنْكم والمَعْبُودُ المُطَّلِعُ عَلى أحْوالِكم. ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ الشِّرْكُ والتَّوْحِيدُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ بَلْ أجَعَلُوا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صِفَةٌ لِشُرَكاءَ داخِلَةٌ في حُكْمِ الإنْكارِ.
﴿فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ خَلْقُ اللَّهِ وخَلْقُهم، والمَعْنى أنَّهم ما اتَّخَذُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خالِقِينَ مِثْلَهُ حَتّى يَتَشابَهَ عَلَيْهِمُ الخَلْقُ فَيَقُولُوا هَؤُلاءِ خَلَقُوا كَما خَلَقَ اللَّهُ فاسْتَحَقُّوا العِبادَةَ كَما اسْتَحَقَّها، ولَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا شُرَكاءَ عاجِزِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ فَضْلًا عَمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ. ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ لا خالِقَ غَيْرُهُ فَيُشارِكَهُ في العِبادَةِ، جَعَلَ الخَلْقَ مُوجَبَ العِبادَةِ ولازِمَ اسْتِحْقاقِها ثُمَّ نَفاهُ عَمَّنْ سِواهُ لِيَدُلَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ. ﴿القَهّارُ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
الرعد 13:17
﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ أوْ مِنَ السَّماءِ نَفْسِها فَإنَّ المَبادِئَ مِنها.
﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ أنْهارٌ جَمْعُ وادٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ فِيهِ بِكَثْرَةٍ فاتَّسَعَ فِيهِ، واسْتُعْمِلَ لِلْماءِ الجارِي فِيهِ وتَنْكِيرُها لِأنَّ المَطَرَ يَأْتِي عَلى تَناوُبٍ بَيْنَ البِقاعِ. ﴿بِقَدَرِها﴾ بِمِقْدارِها الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ نافِعٌ غَيْرُ ضارٍّ أوْ بِمِقْدارِها في الصِّغَرِ والكِبَرِ. ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ رَفَعَهُ والزَّبَدُ وضَرُ الغَلَيانِ. ﴿رابِيًا﴾ عالِيًا. (وَمِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ) يَعُمُّ الفِلِزّاتِ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والنُّحاسِ عَلى وجْهِ التَّهاوُنِ بِها إظْهارًا لِكِبْرِيائِهِ.
﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ أيْ طَلَبُ حُلِيٍّ. ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ كالأوانِي وآلاتِ الحَرْبِ والحَرْثِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ مَنافِعِها. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ وهو خُبْثُهُ، و ﴿مِنَ﴾ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ وإضْمارُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ مِثْلَ الحَقِّ والباطِلِ فَإنَّهُ مِثْلُ الحَقِّ في إفادَتِهِ وثَباتِهِ بِالماءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَسِيلُ بِهِ الأوْدِيَةُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ والمَصْلَحَةِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ أنْواعُ المَنافِعِ، ويَمْكُثُ في الأرْضِ بِأنْ يَثْبُتَ بَعْضُهُ في مَنافِعِهِ ويَسْلُكَ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ والقِنى والآبارِ، وبِالفِلِزِّ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ في صَوْغِ الحِلى واتِّخاذِ الأمْتِعَةِ المُخْتَلِفَةِ ويَدُومُ ذَلِكَ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، والباطِلُ في قِلَّةِ نَفْعِهِ وسُرْعَةِ زَوالِهِ بِزَبْدِهِما وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ يُجْفَأُ بِهِ أيْ يَرْمِي بِهِ السَّبِيلُ والفِلِزُّ المُذابُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ وقُرِئَ جُفالًا والمَعْنى واحِدٌ. ﴿وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ كالماءِ وخُلاصَةِ الفِلِزِّ. ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ يَنْتَفِعُ بِهِ أهْلُها. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ لِإيضاحِ المُشْتَبَهاتِ.
الرعد 13:18
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا. ﴿لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ الِاسْتِجابَةُ الحُسْنى. ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَضْرِبُ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ضَرْبَ المَثَلِ لِشَأْنِ الفَرِيقَيْنِ ضَرْبَ المَثَلِ لَهُما.
وَقِيلَ لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا خَبَرُ الحُسْنى وهي المَثُوبَةُ أوِ الجَنَّةُ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ مَآلِ غَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ. ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ وهو المُناقَشَةُ فِيهِ بِأنْ يُحاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ لا يُغْفَرُ مِنهُ شَيْءٌ. ﴿وَمَأْواهُمْ﴾ مَرْجِعُهم. ﴿جَهَنَّمُ وبِئْسَ (p-186)المِهادُ﴾ المُسْتَقَرُّ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.
الرعد 13:19
﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ فَيَسْتَجِيبُ. ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ عَمى القَلْبِ لا يَسْتَبْصِرُ فَيَسْتَجِيبُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ في تَشابُهِهِما بَعْدَ ما ضُرِبَ مِنَ المَثَلِ. ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ذَوُو العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنْ مُشايَعَةِ الألِفِ ومُعارَضَةِ الوَهْمِ.
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ حِينَ قالُوا بَلى، أوْ ما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِ. ﴿وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ما وثَّقُوهُ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
الرعد 13:20
﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ فَيَسْتَجِيبُ. ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ عَمى القَلْبِ لا يَسْتَبْصِرُ فَيَسْتَجِيبُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ في تَشابُهِهِما بَعْدَ ما ضُرِبَ مِنَ المَثَلِ. ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ذَوُو العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنْ مُشايَعَةِ الألِفِ ومُعارَضَةِ الوَهْمِ.
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ حِينَ قالُوا بَلى، أوْ ما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِ. ﴿وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ما وثَّقُوهُ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
الرعد 13:21
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الرَّحِمِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ والإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ مُراعاةُ جَمِيعِ حُقُوقِ النّاسِ. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ وعِيدَهُ عُمُومًا. ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ خُصُوصًا فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ ويُخالِفُهُ الهَوى. ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ لا لِجَزاءٍ وسُمْعَةٍ ونَحْوِهِما. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ. ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ بَعْضَهُ الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ.
﴿سِرًّا﴾ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ. ﴿وَعَلانِيَةً﴾ لِمَن عُرِفَ بِهِ. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويَدْفَعُونَها بِها فَيُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ، أوْ يَتْبَعُونَ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ فَتَمْحُوَها. ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أهْلِها وهي الجَنَّةُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولاتِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ وإنْ جُعِلَتْ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ فاسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما اسْتَوْجَبُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
الرعد 13:22
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الرَّحِمِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ والإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ مُراعاةُ جَمِيعِ حُقُوقِ النّاسِ. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ وعِيدَهُ عُمُومًا. ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ خُصُوصًا فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ ويُخالِفُهُ الهَوى. ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ لا لِجَزاءٍ وسُمْعَةٍ ونَحْوِهِما. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ. ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ بَعْضَهُ الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ.
﴿سِرًّا﴾ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ. ﴿وَعَلانِيَةً﴾ لِمَن عُرِفَ بِهِ. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويَدْفَعُونَها بِها فَيُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ، أوْ يَتْبَعُونَ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ فَتَمْحُوَها. ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أهْلِها وهي الجَنَّةُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولاتِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ وإنْ جُعِلَتْ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ فاسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما اسْتَوْجَبُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
الرعد 13:23
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَدْخُلُونَها والعَدْنُ الإقامَةُ أيْ جَنّاتٌ يُقِيمُونَ فِيها، وقِيلَ هو بُطْنانُ الجَنَّةِ. ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى المَرْفُوعِ في يُدْخِلُونَ، وإنَّما ساغَ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ الآخَرِ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ والمَعْنى أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ مَن صَلَحَ مِن أهْلِهِمْ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ فَضْلِهِمْ تَبَعًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدَّرَجَةَ تَعْلُو بِالشَّفاعَةِ أوْ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يُقْرَنُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِما بَيْنَهم مِنَ القُرابَةِ والوَصْلَةِ في دُخُولِ الجَنَّةِ زِيادَةً في أُنْسِهِمْ، وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الأنْسابِ لا تَنْفَعُ. ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ مِن أبْوابِ المَنازِلِ أوْ مِن أبْوابِ الفُتُوحِ والتُّحَفِ قائِلِينَ:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِشارَةٌ بِدَوامِ السَّلامَةِ. ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ هَذا بِما صَبَرْتُمْ لا بِـ ﴿سَلامٌ﴾، فَإنَّ الخَبَرَ فاصِلٌ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ. ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وقُرِئَ « فَنَعْمَ» بِفَتْحِ (p-187)النُّونِ والأصْلُ نَعِمَ فَسُكِّنَ العَيْنُ بِنَقْلِ كَسَرْتِها إلى الفاءِ وبِغَيْرِهِ.
الرعد 13:24
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَدْخُلُونَها والعَدْنُ الإقامَةُ أيْ جَنّاتٌ يُقِيمُونَ فِيها، وقِيلَ هو بُطْنانُ الجَنَّةِ. ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى المَرْفُوعِ في يُدْخِلُونَ، وإنَّما ساغَ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ الآخَرِ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ والمَعْنى أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ مَن صَلَحَ مِن أهْلِهِمْ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ فَضْلِهِمْ تَبَعًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدَّرَجَةَ تَعْلُو بِالشَّفاعَةِ أوْ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يُقْرَنُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِما بَيْنَهم مِنَ القُرابَةِ والوَصْلَةِ في دُخُولِ الجَنَّةِ زِيادَةً في أُنْسِهِمْ، وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الأنْسابِ لا تَنْفَعُ. ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ مِن أبْوابِ المَنازِلِ أوْ مِن أبْوابِ الفُتُوحِ والتُّحَفِ قائِلِينَ:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِشارَةٌ بِدَوامِ السَّلامَةِ. ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ هَذا بِما صَبَرْتُمْ لا بِـ ﴿سَلامٌ﴾، فَإنَّ الخَبَرَ فاصِلٌ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ. ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وقُرِئَ « فَنَعْمَ» بِفَتْحِ (p-187)النُّونِ والأصْلُ نَعِمَ فَسُكِّنَ العَيْنُ بِنَقْلِ كَسَرْتِها إلى الفاءِ وبِغَيْرِهِ.
الرعد 13:25
﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي مُقابَلِي الأوَّلِينَ. ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ مِن بَعْدِ ما أوْثَقُوهُ بِهِ مِنَ الإقْرارِ والقَبُولِ. ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالظُّلْمِ وتَهْيِيجِ الفِتَنِ. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ عَذابُ جَهَنَّمَ أوْ سُوءُ عاقِبَةِ الدُّنْيا لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ عُقْبى الدّارِ.
الرعد 13:26
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ. ﴿وَفَرِحُوا﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ. ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما بُسِطَ لَهم في الدُّنْيا. ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ﴾ أيْ في جَنْبِ الآخِرَةِ. ﴿إلا مَتاعٌ﴾ إلّا مُتْعَةٌ لا تَدُومُ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ وزادِ الرّاعِي، والمَعْنى أنَّهم أشِرُوا بِما نالُوا مِنَ الدُّنْيا ولَمْ يَصْرِفُوهُ فِيما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ نَعِيمَ الآخِرَةِ واغْتَرُّوا بِما هو في جَنْبِهِ نَزْرٌ قَلِيلُ النَّفْعِ سَرِيعُ الزَّوالِ.
الرعد 13:27
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أقْبَلَ إلى الحَقِّ ورَجَعَ عَنِ العِنادِ، وهو جَوابٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قالَ قُلْ لَهم ما أعْظَمَ عِنادُكم إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ مِمَّنْ كانَ عَلى صِفَتِكم، فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِهِمْ وإنْ أنْزَلْتُ كُلَّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ بِما جِئْتُ بِهِ بَلْ بِأدْنى مِنهُ مِنَ الآياتِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿مِن﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنْسًا بِهِ واعْتِمادًا عَلَيْهِ ورَجاءً مِنهُ، أوْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ مِن خَشْيَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ أوْ بِكَلامِهِ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي هو أقْوى المُعْجِزاتِ. ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلى مَنِ الطَّيِّبِ قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلِها مَصْدَرٌ لَطابَ كَبُشْرى وزُلْفى، ويَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ولِذَلِكَ قُرِئَ (وَحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ.
الرعد 13:28
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أقْبَلَ إلى الحَقِّ ورَجَعَ عَنِ العِنادِ، وهو جَوابٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قالَ قُلْ لَهم ما أعْظَمَ عِنادُكم إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ مِمَّنْ كانَ عَلى صِفَتِكم، فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِهِمْ وإنْ أنْزَلْتُ كُلَّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ بِما جِئْتُ بِهِ بَلْ بِأدْنى مِنهُ مِنَ الآياتِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿مِن﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنْسًا بِهِ واعْتِمادًا عَلَيْهِ ورَجاءً مِنهُ، أوْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ مِن خَشْيَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ أوْ بِكَلامِهِ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي هو أقْوى المُعْجِزاتِ. ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلى مَنِ الطَّيِّبِ قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلِها مَصْدَرٌ لَطابَ كَبُشْرى وزُلْفى، ويَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ولِذَلِكَ قُرِئَ (وَحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ.
الرعد 13:29
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أقْبَلَ إلى الحَقِّ ورَجَعَ عَنِ العِنادِ، وهو جَوابٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قالَ قُلْ لَهم ما أعْظَمَ عِنادُكم إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ مِمَّنْ كانَ عَلى صِفَتِكم، فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِهِمْ وإنْ أنْزَلْتُ كُلَّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ بِما جِئْتُ بِهِ بَلْ بِأدْنى مِنهُ مِنَ الآياتِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿مِن﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنْسًا بِهِ واعْتِمادًا عَلَيْهِ ورَجاءً مِنهُ، أوْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ مِن خَشْيَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ أوْ بِكَلامِهِ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي هو أقْوى المُعْجِزاتِ. ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلى مَنِ الطَّيِّبِ قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلِها مَصْدَرٌ لَطابَ كَبُشْرى وزُلْفى، ويَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ولِذَلِكَ قُرِئَ (وَحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ.
الرعد 13:30
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ يَعْنِي إرْسالَ الرُّسُلِ قَبْلَكَ. ﴿أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها﴾ تَقَدَّمَتْها. ﴿أُمَمٌ﴾ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ إرْسالُكَ إلَيْهِمْ. ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ. ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وحالُهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي أحاطَتْ بِهِمْ نِعْمَتُهُ ووَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ، فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ وخُصُوصًا ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ، وإنْزالَ القُرْآنِ الَّذِي هو مَناطُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْياوِيَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ حِينَ قِيلَ لَهُمُ ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ . ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ أيِ الرَّحْمَنُ خالِقِي ومُتَوَلِّي أمْرِي. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ.
(p-188)﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نُصْرَتِي عَلَيْكم. ﴿وَإلَيْهِ مَتابِ﴾ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم.
الرعد 13:31
﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ والمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ شَأْنِ القُرْآنِ، أوِ المُبالَغَةُ في عِنادِ الكَفَرَةِ وتَصْمِيمِهِمْ أيْ: ولَوْ أنَّ كِتابًا زُعْزِعَتْ بِهِ الجِبالُ عَنْ مَقارِّها. أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ تَصَدَّعَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عِنْدَ قِراءَتِهِ أوْ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا. ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَتَسْمَعُ فَتَقْرَؤُهُ، أوْ فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لَكانَ هَذا القُرْآنَ لِأنَّهُ الغايَةُ في الإعْجازِ والنِّهايَةُ في التَّذْكِيرِ والإنْذارِ، أوْ لَما آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ الآيَةَ. وقِيلَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ سَرَّكَ أنْ نَتْبَعُكَ فَسَيِّرْ بِقُرْآنِكَ الجِبالَ عَنْ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ لَنا فَنَتَّخِذَ فِيها بَساتِينَ وقَطائِعَ، أوْ سَخِّرْ لَنا بِهِ الرِّيحَ لِنَرْكَبَها ونَتَّجِرَ إلى الشّامِ، أوِ ابْعَثْ لَنا بِهِ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ وغَيْرَهُ مِن آبائِنا لِيُكَلِّمُونا فِيكَ، فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذا فَتَقْطِيعُ الأرْضِ قَطْعُها بِالسَّيْرِ. وقِيلَ الجَوابُ مُقَدَّمٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وتَذْكِيرٌ ﴿كُلِّمَ﴾ خاصَّةً لِاشْتِمالِ المَوْتى عَلى المُذَكِّرِ الحَقِيقِيِّ. ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو إضْرابٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ لَوْ مِن مَعْنى النَّفْيِ أيْ: بَلِ اللَّهُ قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنَّ إرادَتَهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَلِينُ لَهُ شَكِيمَتُهم ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَنْ إيمانِهِمْ مَعَ ما رَأوْا مِن أحْوالِهِمْ، وذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّ مَعْناهُ أفَلَمْ يَعْلَمْ لِما رُوِيَ أنْ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ وجَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ قَرَءُوا « أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ»، وهو تَفْسِيرُهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ العِلْمِ، فَإنَّ المَيْئُوسَ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا مَعْلُومًا ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فَإنَّ مَعْناهُ نَفْيُ هُدى بَعْضِ النّاسِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِاهْتِدائِهِمْ، وهو عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ إيمانِهِمْ عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا أوْ بِـ ﴿آمَنُوا﴾ . ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا﴾ مِنَ الكُفْرِ وسُوءِ الأعْمالِ. ﴿قارِعَةٌ﴾ داهِيَةٌ تَقْرَعُهم وتُقَلْقِلُهم. ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها. وقِيلَ الآيَةُ في كَفّارِ مَكَّةَ فَإنَّهم لا يَزالُونَ مُصابِينَ بِما صَنَعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يَزالُ يَبْعَثُ السَّرايا عَلَيْهِمْ فَتُغِيرُ حَوالَيْهِمْ وتَخْتَطِفُ مَواشِيَهم، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحُلُّ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ حَلَّ بِجَيْشِهِ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ المَوْتُ أوِ القِيامَةُ أوْ فَتْحُ مَكَّةَ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ في كَلامِهِ.
الرعد 13:32
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ووَعِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِهِ والمُقْتَرِحِينَ عَلَيْهِ، والإمْلاءُ أنْ يُتْرُكَ مَلاوَةً مِنَ الزَّمانِ في دَعَةٍ وأمْنٍ. ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ عِقابِي إيّاهم.
الرعد 13:33
(p-189)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رَقِيبٌ عَلَيْها بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَفُوتُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿كَسَبَتْ﴾ إنْ جُعِلَتْ « ما» مَصْدَرِيَّةً، أوْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا عُطِفَ عَلَيْهِ ويَكُونُ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَنْبِيهٍ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ لا يَسْتَحِقُّونَها، والمَعْنى صِفُوهم فانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ. ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ. وقُرِئَ « تُنْبِئُونَهُ» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ بِشُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ لا يَعْلَمُهم، أوْ بِصِفاتٍ لَهم يَسْتَحِقُّونَها لِأجْلِها لا يَعْلَمُها وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ تُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ واعْتِبارِ مَعْنًى كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا وهَذا احْتِجاجٌ بَلِيغٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَجِيبٍ يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِالإعْجازِ. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ تَمْوِيهُهم فَتَخَيَّلُوا أباطِيلَ ثُمَّ خالُوها حَقًّا، أوْ كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ سَبِيلِ الحَقِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (وَصَدُّوا) بِالفَتْحِ أيْ وصَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ « وصِدٌّ» بِالتَّنْوِينِ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ يَخْذُلْهُ. ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى.
﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ. ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ. ﴿وَما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ مِن عَذابِهِ أوْ مِن رَحْمَتِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ حافِظٍ.
الرعد 13:34
(p-189)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رَقِيبٌ عَلَيْها بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَفُوتُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿كَسَبَتْ﴾ إنْ جُعِلَتْ « ما» مَصْدَرِيَّةً، أوْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا عُطِفَ عَلَيْهِ ويَكُونُ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَنْبِيهٍ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ لا يَسْتَحِقُّونَها، والمَعْنى صِفُوهم فانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ. ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ. وقُرِئَ « تُنْبِئُونَهُ» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ بِشُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ لا يَعْلَمُهم، أوْ بِصِفاتٍ لَهم يَسْتَحِقُّونَها لِأجْلِها لا يَعْلَمُها وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ تُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ واعْتِبارِ مَعْنًى كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا وهَذا احْتِجاجٌ بَلِيغٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَجِيبٍ يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِالإعْجازِ. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ تَمْوِيهُهم فَتَخَيَّلُوا أباطِيلَ ثُمَّ خالُوها حَقًّا، أوْ كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ سَبِيلِ الحَقِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (وَصَدُّوا) بِالفَتْحِ أيْ وصَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ « وصِدٌّ» بِالتَّنْوِينِ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ يَخْذُلْهُ. ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى.
﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ. ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ. ﴿وَما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ مِن عَذابِهِ أوْ مِن رَحْمَتِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ حافِظٍ.
الرعد 13:35
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ صِفَتُها الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَرابَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ أيْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ وقِيلَ خَبَرُهُ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، أوْ عَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ أيْ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، أوْ عَلى زِيادَةِ المَثَلِ وهو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ حالٌ مِنَ العائِدِ أوِ المَحْذُوفِ أوْ مِنَ الصِّلَةِ. ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ ثَمَرُها. ﴿وَظِلُّها﴾ أيْ وظِلُّها وكَذَلِكَ لا يُنْسَخُ في الدُّنْيا بِالشَّمْسِ تِلْكَ أيِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ. ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَآلُهم ومُنْتَهى أمْرِهِمْ.
﴿وَعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ لا غَيْرَ، وفي تَرْتِيبِ النَّظْمَيْنِ إطْماعٌ لِلْمُتَّقِينَ وإقْناطٌ لِلْكافِرِينَ.
الرعد 13:36
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ ومَن آمَنَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ واثْنانِ وثَلاثُونَ بِالحَبَشَةِ، أوْ عامَّتُهم فَإنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما يُوافِقُ كُتُبَهم. ﴿وَمِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي كَفَرَتَهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَّيِّدِ والعاقِبِ وأشْياعِهِما. ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يُخالِفُ شَرائِعَهم أوْ ما يُوافِقُ ما حَرَّفُوهُ مِنها. ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ جَوابٌ لِلْمُنْكِرِينَ أيْ قُلْ لَهم إنِّي أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِأنْ أعْبُدَ اللَّهَ وأُوَحِّدَهُ، وهو العُمْدَةُ في الدِّينِ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ، وأمّا ما تُنْكِرُونَهُ لِما يُخالِفُ شَرائِعَكم فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مُخالِفَةُ الشَّرائِعِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ. وقُرِئَ « ولا أُشْرِكُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿إلَيْهِ أدْعُو﴾ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿وَإلَيْهِ مَآبِ﴾ وإلَيْهِ مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ، وهَذا هو القَدْرُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الأنْبِياءِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِنَ التَّفارِيعِ فَمِمّا يَخْتَلِفُ بِالأعْصارِ والأُمَمِ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكُمُ المُخالَفَةَ فِيهِ.
الرعد 13:37
(p-190)﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ المُشْتَمِلِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المَجْمَعِ عَلَيْها. ﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا﴾ يَحْكُمُ في القَضايا والوَقائِعِ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. ﴿عَرَبِيًّا﴾ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِيَسْهُلَ لَهم فَهْمُهُ وحِفْظُهُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها، كَتَقْرِيرِ دَيْنِهِمْ والصَّلاةِ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ ما حُوِّلْتَ عَنْها.
﴿بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بِنَسْخِ ذَلِكَ. ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ يَنْصُرُكَ ويَمْنَعُ العِقابَ عَنْكَ وهو حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ وتَهْيِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في دِينِهِمْ.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ﴾ بَشَرًا مِثْلَكَ. ﴿وَجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ نِساءً وأوْلادًا كَما هي لَكَ.
﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ. ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ تُقْتَرَحُ عَلَيْهِ وحُكْمٍ يُلْتَمَسُ مِنهُ. ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ المَلِيُّ بِذَلِكَ. ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ وأمَدٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اسْتِصْلاحُهم.
الرعد 13:38
(p-190)﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ المُشْتَمِلِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المَجْمَعِ عَلَيْها. ﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا﴾ يَحْكُمُ في القَضايا والوَقائِعِ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. ﴿عَرَبِيًّا﴾ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِيَسْهُلَ لَهم فَهْمُهُ وحِفْظُهُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها، كَتَقْرِيرِ دَيْنِهِمْ والصَّلاةِ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ ما حُوِّلْتَ عَنْها.
﴿بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بِنَسْخِ ذَلِكَ. ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ يَنْصُرُكَ ويَمْنَعُ العِقابَ عَنْكَ وهو حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ وتَهْيِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في دِينِهِمْ.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ﴾ بَشَرًا مِثْلَكَ. ﴿وَجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ نِساءً وأوْلادًا كَما هي لَكَ.
﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ. ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ تُقْتَرَحُ عَلَيْهِ وحُكْمٍ يُلْتَمَسُ مِنهُ. ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ المَلِيُّ بِذَلِكَ. ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ وأمَدٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اسْتِصْلاحُهم.
الرعد 13:39
﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. وقِيلَ يَمْحُو سَيِّئاتِ التّائِبِ ويُثْبِتُ الحَسَناتِ مَكانَها. وقِيلَ يَمْحُو مِن كِتابِ الحَفَظَةِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ جَزاءٌ ويَتْرُكُ غَيْرَهُ مُثْبَتًا أوْ يُثْبِتُ ما رَآهُ وحْدَهُ في صَمِيمِ قَلْبِهِ. وقِيلَ يَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ آخَرِينَ. وقِيلَ يَمْحُو الفاسِداتِ الكائِناتِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَيُثَبِّتُ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أصْلُ الكُتُبِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ إذْ ما مِن كائِنٍ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ.
﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما أوْعَدْناهم أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَهُ. ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ لا غَيْرَ. ﴿وَعَلَيْنا الحِسابُ﴾ لِلْمُجازاةِ لا عَلَيْكَ فَلا تَحْتَفِلْ بِإعْراضِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ فَإنّا فاعِلُونَ لَهُ وهَذا طَلائِعُهُ.
الرعد 13:40
﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. وقِيلَ يَمْحُو سَيِّئاتِ التّائِبِ ويُثْبِتُ الحَسَناتِ مَكانَها. وقِيلَ يَمْحُو مِن كِتابِ الحَفَظَةِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ جَزاءٌ ويَتْرُكُ غَيْرَهُ مُثْبَتًا أوْ يُثْبِتُ ما رَآهُ وحْدَهُ في صَمِيمِ قَلْبِهِ. وقِيلَ يَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ آخَرِينَ. وقِيلَ يَمْحُو الفاسِداتِ الكائِناتِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَيُثَبِّتُ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أصْلُ الكُتُبِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ إذْ ما مِن كائِنٍ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ.
﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما أوْعَدْناهم أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَهُ. ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ لا غَيْرَ. ﴿وَعَلَيْنا الحِسابُ﴾ لِلْمُجازاةِ لا عَلَيْكَ فَلا تَحْتَفِلْ بِإعْراضِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ فَإنّا فاعِلُونَ لَهُ وهَذا طَلائِعُهُ.
الرعد 13:41
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ. ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِما نَفْتَحُهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها.
﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادَّ لَهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ لِأنَّهُ يَقْفُو غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ، والمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ وذَلِكَ كائِنٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، ومَحَلُّ ﴿لا﴾ مَعَ المَنفِيِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُحاسِبُهم عَمّا قَلِيلٍ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ مِنهم. ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرٍ دُونَ مَكْرِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فَيُعِدُّ جَزاءَها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ (p-191)لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ مِنَ الحِزْبَيْنِ حَيْثُما يَأْتِيهِمُ العَذابُ المُعَدُّ لَهم وهم في غَفْلَةٍ مِنهُ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِمَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، واللّامُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقْبى العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. مَعَ ما في الإضافَةِ إلى الدّارِ كَما عَرَفْتَ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (الكافِرُ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، وقُرِئَ « الكافِرُونَ» و « الَّذِينَ كَفَرُوا» و « الكُفْرُ» أيْ أهْلُهُ وسَيَعْلَمُ مِن أعْلَمَهُ إذا أخْبَرَهُ.
الرعد 13:42
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ. ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِما نَفْتَحُهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها.
﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادَّ لَهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ لِأنَّهُ يَقْفُو غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ، والمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ وذَلِكَ كائِنٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، ومَحَلُّ ﴿لا﴾ مَعَ المَنفِيِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُحاسِبُهم عَمّا قَلِيلٍ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ مِنهم. ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرٍ دُونَ مَكْرِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فَيُعِدُّ جَزاءَها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ (p-191)لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ مِنَ الحِزْبَيْنِ حَيْثُما يَأْتِيهِمُ العَذابُ المُعَدُّ لَهم وهم في غَفْلَةٍ مِنهُ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِمَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، واللّامُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقْبى العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. مَعَ ما في الإضافَةِ إلى الدّارِ كَما عَرَفْتَ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (الكافِرُ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، وقُرِئَ « الكافِرُونَ» و « الَّذِينَ كَفَرُوا» و « الكُفْرُ» أيْ أهْلُهُ وسَيَعْلَمُ مِن أعْلَمَهُ إذا أخْبَرَهُ.
الرعد 13:43
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِمْ رُؤَساءُ اليَهُودِ. ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ أظْهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِي ما يُغْنِي عَنْ شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْها. ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ عِلْمُ القُرْآنِ وما أُلِّفَ عَلَيْهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ، أوْ عِلْمُ التَّوْراةِ وهو ابْنُ سَلامٍ وأضْرابُهُ، أوْ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنَنا فَيُخْزِيَ الكاذِبَ مِنّا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وَمِن عِنْدِهِ) بِالكَسْرِ و ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ وعَلى الأوَّلِ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ فَإنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلى المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ خَبَرُهُ وهو مُتَعَيَّنٌ عَلى الثّانِي. وقُرِئَ « ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ» عَلى الحَرْفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِوَزْنِ كُلِّ سَحابٍ مَضى، وكُلِّ سَحابٍ يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وبُعِثَ يَوْمُ القِيامَةِ مِنَ المُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ» .
إبراهيم 14:1
(p-192)سُورَةُ إبْراهِيمَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر كِتابٌ﴾ أيْ هو كِتابٌ. ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ بِدُعائِكَ إيّاهم إلى ما تَضَمَّنَهُ. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ مِن أنْواعِ الضَّلالِ. ﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الهُدى. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بِتَوْفِيقِهِ وتَسْهِيلِهِ مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وهو صِلَةٌ ﴿لِتُخْرِجَ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ. ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى النُّورِ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَسْألُ عَنْهُ، وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ أوِ المَظْهِرُ لَهُ وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَذِلُّ سالِكُهُ ولا يَخِيبُ سابِلُهُ.
إبراهيم 14:2
﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ ﴿اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والَّذِي صِفَتُهُ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ كالعِلْمِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ عَلى الحَقِّ. ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والوَيْلُ نَقِيضُ الوَأْلِ وهو النَّجاةُ، وأصْلُهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُشْتَقَّ مِنهُ فِعْلٌ لَكِنَّهُ رُفِعَ لِإفادَةِ الثَّباتِ.
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ يَخْتارُونَها عَلَيْها فَإنَّ المُخْتارَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْها مِن غَيْرِهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِتَعْوِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ. وقُرِئَ « ويُصَدُّونَ» مِن أصَدَّهُ وهو مَنقُولٌ مِن صَدَّ صُدُودًا إذا تَنَكَّبَ ولَيْسَ فَصِيحًا، لِأنَّ في صَدِّهِ مَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ.
﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ويَبْغُونَ لَها زَيْغًا ونُكُوبًا عَنِ الحَقِّ لِيَقْدَحُوا فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ يَحْتَمِلُ الجَرَّ صِفَةً لِلْكافِرِينَ والنُّصْبَ عَلى الذَّمِّ والرَّفْعَ عَلَيْهِ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ ضَلُّوا عَنِ الحَقِّ ووَقَعُوا عَنْهُ بِمَراحِلَ، والبُعْدُ في الحَقِيقَةِ لِلضّالِّ فَوُصِفَ بِهِ فِعْلُهُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي بِهِ الضَّلالُ فَوُصِفَ بِهِ لِمُلابَسَتِهِ.
إبراهيم 14:3
﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ ﴿اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والَّذِي صِفَتُهُ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ كالعِلْمِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ عَلى الحَقِّ. ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والوَيْلُ نَقِيضُ الوَأْلِ وهو النَّجاةُ، وأصْلُهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُشْتَقَّ مِنهُ فِعْلٌ لَكِنَّهُ رُفِعَ لِإفادَةِ الثَّباتِ.
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ يَخْتارُونَها عَلَيْها فَإنَّ المُخْتارَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْها مِن غَيْرِهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِتَعْوِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ. وقُرِئَ « ويُصَدُّونَ» مِن أصَدَّهُ وهو مَنقُولٌ مِن صَدَّ صُدُودًا إذا تَنَكَّبَ ولَيْسَ فَصِيحًا، لِأنَّ في صَدِّهِ مَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ.
﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ويَبْغُونَ لَها زَيْغًا ونُكُوبًا عَنِ الحَقِّ لِيَقْدَحُوا فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ يَحْتَمِلُ الجَرَّ صِفَةً لِلْكافِرِينَ والنُّصْبَ عَلى الذَّمِّ والرَّفْعَ عَلَيْهِ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ ضَلُّوا عَنِ الحَقِّ ووَقَعُوا عَنْهُ بِمَراحِلَ، والبُعْدُ في الحَقِيقَةِ لِلضّالِّ فَوُصِفَ بِهِ فِعْلُهُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي بِهِ الضَّلالُ فَوُصِفَ بِهِ لِمُلابَسَتِهِ.
إبراهيم 14:4
﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ الَّذِي هو مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما أُمِرُوا بِهِ فَيَفْقَهُوهُ عَنْهُ بِيُسْرٍ وسُرْعَةٍ، ثُمَّ يَنْقُلُوهُ ويُتَرْجِمُوهُ إلى غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أوْلى النّاسِ إلَيْهِ بِأنْ يَدْعُوَهم وأحَقُّ بِأنْ يُنْذِرَهم، ولِذَلِكَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ أوَّلًا، ولَوْ نَزَلَ عَلى مَن بُعِثَ إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ كُتُبٌ عَلى (p-193)ألْسِنَتِهِمِ اسْتَقَلَّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، لَكِنْ أدّى إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وإضاعَةِ فَضْلِ الِاجْتِهادِ في تَعَلُّمِ الألْفاظِ ومَعانِيها، والعُلُومِ المُتَشَعِّبَةِ مِنها وما في إتْعابِ القَرائِحِ وكَدِّ النُّفُوسِ مِنَ القُرَبِ المُقْتَضِيَةِ لِجَزِيلِ الثَّوابِ.
وَقُرِئَ « بِلُسُنِ» وهو لُغَةٌ فِيهِ كَرِيَشٍ ورِياشٍ، ولُسُنَ بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ عَلى الجَمْعِ كَعُمُدٍ وعُمْدٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكُتُبَ كُلَّها بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ تَرْجَمَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كُلُّ نَبِيٍّ بِلُغَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ فَإنَّهُ ضَمِيرُ القَوْمِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ ونَحْوُهُما لَمْ تَنْزِلْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَخْذُلُهُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُغْلَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَهْدِي إلّا لِحِكْمَةٍ.
إبراهيم 14:5
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ يَعْنِي اليَدَ والعَصا وسائِرَ مُعْجِزاتِهِ. ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ بِمَعْنى أيْ أخْرِجْ لِأنَّ في الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ بِأنْ أخْرِجْ فَإنَّ صِيَغَ الأفْعالِ سَواءٌ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ فَيَصِحُّ أنَّ تُوصَلَ بِها أنِ النّاصِبَةُ. ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ بِوَقائِعِهِ الَّتِي وقَعَتْ عَلى الأُمَمِ الدّارِجَةِ وأيّامُ العَرَبِ حُرُوبُها. وقِيلَ بِنَعْمائِهِ وبَلائِهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ يَصْبِرُ عَلى بَلائِهِ ويَشْكُرُ عَلى نَعْمائِهِ، فَإنَّهُ إذا سَمِعَ بِما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلُ مِنَ البَلاءِ وأُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعْماءِ اعْتَبَرَ وتَنَبَّهَ لِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ. وقِيلَ المُرادُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّبْرَ والشُّكْرَ عُنْوانُ المُؤْمِنِ.
إبراهيم 14:6
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِهِ إيّاكم، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ بِـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إنْ جُعِلَتْ مُسْتَقِرَّةً غَيْرَ صِلَةٍ لِلنِّعْمَةِ، وذَلِكَ إذا أُرِيدَتْ بِها العَطِيَّةُ دُونَ الأنْعامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن نِعْمَةِ اللَّهِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ. ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أحْوالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ بِالعَذابِ ها هُنا غَيْرُ المُرادِ بِهِ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» و « الأعْرافِ» لِأنَّهُ مُفَسَّرٌ بِالتَّذْبِيحِ والقَتْلِ ثَمَّةَ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ التَّذْبِيحُ ها هُنا، وهو إمّا جِنْسُ العَذابِ أوِ اسْتِعْبادُهم أوِ اسْتِعْمالُهم بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِإقْدارِ اللَّهِ إيّاهم وإمْهالِهِمْ فِيهِ. ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ابْتِلاءٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ والمُرادُ بِالبَلاءِ النِّعْمَةُ.
إبراهيم 14:7
﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْضًا مِن كَلامِ مُوسى ﷺ، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ كَتَوَعَّدَ وأوْعَدَ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ لِما في التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُبالَغَةِ. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم. ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم عَلى الكُفْرانِ عَذابًا شَدِيدًا ومِن عادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُصَرِّحَ بِالوَعْدِ ويُعَرِّضَ بِالوَعِيدِ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولُ ﴿تَأذَّنَ﴾ عَلى أنَّهُ جارٍ مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.
﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ في ذاتِهِ، مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ وتَنْطِقُ بِنِعْمَتِهِ ذَرّاتُ المَخْلُوقاتِ، فَما ضَرَرْتُمْ (p-194)بِالكَفْرِ إلّا أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها مَزِيدَ الأنْعامِ وعَرَّضْتُمُوها لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ.
إبراهيم 14:8
﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْضًا مِن كَلامِ مُوسى ﷺ، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ كَتَوَعَّدَ وأوْعَدَ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ لِما في التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُبالَغَةِ. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم. ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم عَلى الكُفْرانِ عَذابًا شَدِيدًا ومِن عادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُصَرِّحَ بِالوَعْدِ ويُعَرِّضَ بِالوَعِيدِ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولُ ﴿تَأذَّنَ﴾ عَلى أنَّهُ جارٍ مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.
﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ في ذاتِهِ، مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ وتَنْطِقُ بِنِعْمَتِهِ ذَرّاتُ المَخْلُوقاتِ، فَما ضَرَرْتُمْ (p-194)بِالكَفْرِ إلّا أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها مَزِيدَ الأنْعامِ وعَرَّضْتُمُوها لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ.
إبراهيم 14:9
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ. ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا، أوِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ ولا يَعْلَمُهُمُ اعْتِراضٌ، والمَعْنى أنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبَ النَّسّابُونَ. ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ . أوْ وضَعُوها عَلَيْها تَعَجُّبًا مِنهُ أوِ اسْتِهْزاءً عَلَيْهِ كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ، أوْ إسْكاتًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرًا لَهم بِإطْباقِ الأفْواهِ، أوْ أشارُوا بِها إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا جَوابَ لَهم سِواهُ أوْ رَدُّوها في أفْواهِ الأنْبِياءِ يَمْنَعُونَهم مِنَ التَّكَلُّمِ، وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا. وقِيلَ الأيْدِي بِمَعْنى الأيادِي أيْ رَدُّوا أيادِيَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي مَواعِظُهم وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ في أفْواهِهِمْ، لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ. ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ عَلى زَعْمِكم. ﴿وَإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمانِ وقُرِئَ « تَدْعُونا» بِالإدْغامِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ أوْ ذِي رِيبَةٍ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وأنْ لا تَطْمَئِنَّ إلى الشَّيْءِ.
إبراهيم 14:10
﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّ الكَلامَ في المَشْكُوكِ فِيهِ لا في الشَّكِّ. أيْ إنَّما نَدْعُوكم إلى اللَّهِ وهو لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ وظُهُورِ دَلالَتِها عَلَيْهِ. وأشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهو صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وشَكٌّ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ بِبَعْثِهِ إيّانا. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ أوْ يَدْعُوَكم إلى المَغْفِرَةِ كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ لِيَنْصُرَنِي، عَلى إقامَةِ المَفْعُولِ لَهُ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ. ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ بَعْضِ ذُنُوبِكم وهو ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ تَعالى، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ دُونَ المَظالِمِ، وقِيلَ جِيءَ بِمِن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولَعَلَّ المَعْنى فِيهِ أنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَّبَةً عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةً بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوِ ذَلِكَ فَتَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ. ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ آخِرَ أعْمارِكم. ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنا ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ إلى البَشَرِ رُسُلًا لَبَعَثَ مِن جِنْسٍ أفْضَلَ. ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ بِهَذِهِ الدَّعْوى. ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى فَضْلِكم واسْتِحْقاقِكم لِهَذِهِ المَزِيَّةِ، أوْ عَلى صِحَّةِ ادِّعائِكُمُ النُّبُوَّةَ كَأنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُوا ما جاءُوا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والحُجَجِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِمْ آيَةً أُخْرى تَعَنُّتًا ولَجاجًا.
إبراهيم 14:11
(p-195)﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ سَلَّمُوا مُشارَكَتَهم في الجِنْسِ وجَعَلُوا المُوجِبَ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ فَضْلَ اللَّهِ ومَنَّهُ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ وأنَّ تَرْجِيحَ بَعْضِ الجائِزاتِ عَلى بَعْضٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَيْسَ إلَيْنا الإتْيانُ بِالآياتِ ولا تَسْتَبِدُّ بِهِ اسْتِطاعَتُنا حَتّى نَأْتِيَ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، وإنَّما هو أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَخُصُّ كُلَّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ الآياتِ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَلْنَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، عَمَّمُوا الأمْرَ لِلشَّعارِ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ الَّتِي بِها نَعْرِفُهُ ونَعْلَمُ أنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ ها هُنا وفي « العَنْكَبُوتِ» . ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدُوا بِهِ تَوَكُّلَهم وعَدَمَ مُبالاتِهِمْ بِما يَجْرِي مِنَ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما اسْتَحْدَثُوهُ مِن تَوَكُّلِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ إيمانِهِمْ.
إبراهيم 14:12
(p-195)﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ سَلَّمُوا مُشارَكَتَهم في الجِنْسِ وجَعَلُوا المُوجِبَ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ فَضْلَ اللَّهِ ومَنَّهُ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ وأنَّ تَرْجِيحَ بَعْضِ الجائِزاتِ عَلى بَعْضٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَيْسَ إلَيْنا الإتْيانُ بِالآياتِ ولا تَسْتَبِدُّ بِهِ اسْتِطاعَتُنا حَتّى نَأْتِيَ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، وإنَّما هو أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَخُصُّ كُلَّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ الآياتِ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَلْنَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، عَمَّمُوا الأمْرَ لِلشَّعارِ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ الَّتِي بِها نَعْرِفُهُ ونَعْلَمُ أنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ ها هُنا وفي « العَنْكَبُوتِ» . ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدُوا بِهِ تَوَكُّلَهم وعَدَمَ مُبالاتِهِمْ بِما يَجْرِي مِنَ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما اسْتَحْدَثُوهُ مِن تَوَكُّلِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ إيمانِهِمْ.
إبراهيم 14:13
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ حَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا إخْراجُهم لِلرُّسُلِ أوْ عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، وهو بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّتِهِمْ قَطُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ. ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أيْ إلى رُسُلِهِمْ. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ الإيحاءِ مَجْراهُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ.
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ أرْضَهم ودِيارَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ . وقُرِئَ « لَيُهْلِكَنَّ» « ولَيُسْكِنَنَّكم» بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ. ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ مَوْقِفِي وهو المَوْقِفُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ العِبادُ لِلْحُكُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ وحِفْظِي لِأعْمالِهِ وقِيلَ المَقامُ مُقْحَمٌ.
﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أيْ وعِيدِي بِالعَذابِ أوْ عَذابِي المَوْعُودُ لِلْكَفّارِ.
إبراهيم 14:14
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ حَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا إخْراجُهم لِلرُّسُلِ أوْ عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، وهو بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّتِهِمْ قَطُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ. ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أيْ إلى رُسُلِهِمْ. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ الإيحاءِ مَجْراهُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ.
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ أرْضَهم ودِيارَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ . وقُرِئَ « لَيُهْلِكَنَّ» « ولَيُسْكِنَنَّكم» بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ. ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ مَوْقِفِي وهو المَوْقِفُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ العِبادُ لِلْحُكُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ وحِفْظِي لِأعْمالِهِ وقِيلَ المَقامُ مُقْحَمٌ.
﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أيْ وعِيدِي بِالعَذابِ أوْ عَذابِي المَوْعُودُ لِلْكَفّارِ.
إبراهيم 14:15
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ سَألُوا مِنَ اللَّهِ الفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ مِنَ الفَتاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَأوْحى﴾ والضَّمِيرُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّ كُلَّهم سَألُوهُ أنْ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ. وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى « لَيُهْلِكَنَّ» . ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ فَفَتَحَ لَهم فَأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ عَلى اللَّهِ مُعانِدٍ لِلْحَقِّ فَلَمْ يُفْلِحْ، ومَعْنى الخَيْبَةِ إذا كانَ الِاسْتِفْتاحُ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنَ القَبِيلَيْنِ كانَ أوْقَعَ.
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنَّهُ مُرْصَدٌ بِها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ مِن وراءِ حَيّاتِهِ وحَقِيقَتُهُ ما تَوارى عَنْكَ. ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ يَلْقى فِيها ما يَلْقى ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ . ﴿صَدِيدٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿ماءٍ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ.
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ وهو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُسْقى﴾ ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يُسِيغُهُ بَلْ يَغُصُّ بِهِ فَيَطُولُ عَذابُهُ، والسَّوْغُ جَوازُ الشَّرابِ عَلى الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ (p-196)نَفْسٍ. ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ فَتُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. وقِيلَ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أصُولِ شَعْرِهِ وإبْهامِ رَجْلِهِ. ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ فَيَسْتَرِيحَ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ. ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ يَسْتَقْبِلُ في كُلِّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ مِمّا هو عَلَيْهِ. وقِيلَ هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ الآيَةُ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قِصَّةِ الرُّسُلِ نازِلَةٌ في أهْلِ مَكَّةَ طَلَبُوا الفَتْحَ الَّذِي هو المَطَرُ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِ، فَخَيَّبَ رَجاءَهم فَلَمْ يَسْقِهِمْ ووَعَدَ لَهم أنْ يَسْقِيَهم في جَهَنَّمَ بَدَلَ سُقَياهم صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.
إبراهيم 14:16
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ سَألُوا مِنَ اللَّهِ الفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ مِنَ الفَتاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَأوْحى﴾ والضَّمِيرُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّ كُلَّهم سَألُوهُ أنْ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ. وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى « لَيُهْلِكَنَّ» . ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ فَفَتَحَ لَهم فَأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ عَلى اللَّهِ مُعانِدٍ لِلْحَقِّ فَلَمْ يُفْلِحْ، ومَعْنى الخَيْبَةِ إذا كانَ الِاسْتِفْتاحُ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنَ القَبِيلَيْنِ كانَ أوْقَعَ.
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنَّهُ مُرْصَدٌ بِها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ مِن وراءِ حَيّاتِهِ وحَقِيقَتُهُ ما تَوارى عَنْكَ. ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ يَلْقى فِيها ما يَلْقى ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ . ﴿صَدِيدٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿ماءٍ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ.
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ وهو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُسْقى﴾ ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يُسِيغُهُ بَلْ يَغُصُّ بِهِ فَيَطُولُ عَذابُهُ، والسَّوْغُ جَوازُ الشَّرابِ عَلى الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ (p-196)نَفْسٍ. ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ فَتُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. وقِيلَ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أصُولِ شَعْرِهِ وإبْهامِ رَجْلِهِ. ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ فَيَسْتَرِيحَ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ. ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ يَسْتَقْبِلُ في كُلِّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ مِمّا هو عَلَيْهِ. وقِيلَ هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ الآيَةُ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قِصَّةِ الرُّسُلِ نازِلَةٌ في أهْلِ مَكَّةَ طَلَبُوا الفَتْحَ الَّذِي هو المَطَرُ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِ، فَخَيَّبَ رَجاءَهم فَلَمْ يَسْقِهِمْ ووَعَدَ لَهم أنْ يَسْقِيَهم في جَهَنَّمَ بَدَلَ سُقَياهم صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.
إبراهيم 14:17
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ سَألُوا مِنَ اللَّهِ الفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ مِنَ الفَتاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَأوْحى﴾ والضَّمِيرُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّ كُلَّهم سَألُوهُ أنْ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ. وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى « لَيُهْلِكَنَّ» . ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ فَفَتَحَ لَهم فَأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ عَلى اللَّهِ مُعانِدٍ لِلْحَقِّ فَلَمْ يُفْلِحْ، ومَعْنى الخَيْبَةِ إذا كانَ الِاسْتِفْتاحُ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنَ القَبِيلَيْنِ كانَ أوْقَعَ.
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنَّهُ مُرْصَدٌ بِها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ مِن وراءِ حَيّاتِهِ وحَقِيقَتُهُ ما تَوارى عَنْكَ. ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ يَلْقى فِيها ما يَلْقى ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ . ﴿صَدِيدٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿ماءٍ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ.
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ وهو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُسْقى﴾ ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يُسِيغُهُ بَلْ يَغُصُّ بِهِ فَيَطُولُ عَذابُهُ، والسَّوْغُ جَوازُ الشَّرابِ عَلى الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ (p-196)نَفْسٍ. ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ فَتُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. وقِيلَ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أصُولِ شَعْرِهِ وإبْهامِ رَجْلِهِ. ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ فَيَسْتَرِيحَ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ. ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ يَسْتَقْبِلُ في كُلِّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ مِمّا هو عَلَيْهِ. وقِيلَ هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ الآيَةُ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قِصَّةِ الرُّسُلِ نازِلَةٌ في أهْلِ مَكَّةَ طَلَبُوا الفَتْحَ الَّذِي هو المَطَرُ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِ، فَخَيَّبَ رَجاءَهم فَلَمْ يَسْقِهِمْ ووَعَدَ لَهم أنْ يَسْقِيَهم في جَهَنَّمَ بَدَلَ سُقَياهم صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.
إبراهيم 14:18
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكم صِفَتُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَرابَةِ، أوْ قَوْلُهُ ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ مَثَلِهِمْ. وقِيلَ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الـ ﴿مَثَلُ﴾ والخَبَرُ ﴿كَرَمادٍ﴾ . ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ وقَرَأ نافِعٌ « الرِّياحُ» . ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ العَصْفُ اشْتِدادُ الرِّيحِ وُصِفَ بِهِ زَمانُهُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ ولَيْلُهُ قائِمٌ، شَبَّهَ صَنائِعَهم مِنَ الصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وعِتْقِ الرِّقابِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءً مَنثُورًا، لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَجُّهِ بِها إلَيْهِ، أوْ أعْمالَهم لِلْأصْنامِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ. ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ. ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ لِحُبُوطِهِ فَلا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِنَ الثَّوابِ وهو فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم مُحْسِنُونَ. ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ فَإنَّهُ الغايَةُ في البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
إبراهيم 14:19
﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. وقِيلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكَفَرَةِ عَلى التَّلْوِينِ. ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خالِقُ السَّمَواتِ» . ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يَعْدِمْكم ويَخْلُقْ خَلْقًا آخَرَ مَكانَكم، رَتَّبَ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ خالِقًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا بِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن خَلَقَ أُصُولَهم وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَخْلِيقُهم ثُمَّ كَوَّنَهم بِتَبْدِيلِ الصُّوَرِ وتَغْيِيرِ الطَّبائِعِ قَدَرَ أنْ يُبَدِّلَهم بِخَلْقٍ آخَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذَّرٍ أوْ مُتَعَسَّرٍ فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ رَجاءً لِثَوابِهِ وخَوْفًا مِن عِقابِهِ يَوْمَ الجَزاءِ.
إبراهيم 14:20
﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. وقِيلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكَفَرَةِ عَلى التَّلْوِينِ. ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خالِقُ السَّمَواتِ» . ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يَعْدِمْكم ويَخْلُقْ خَلْقًا آخَرَ مَكانَكم، رَتَّبَ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ خالِقًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا بِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن خَلَقَ أُصُولَهم وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَخْلِيقُهم ثُمَّ كَوَّنَهم بِتَبْدِيلِ الصُّوَرِ وتَغْيِيرِ الطَّبائِعِ قَدَرَ أنْ يُبَدِّلَهم بِخَلْقٍ آخَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذَّرٍ أوْ مُتَعَسَّرٍ فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ رَجاءً لِثَوابِهِ وخَوْفًا مِن عِقابِهِ يَوْمَ الجَزاءِ.
إبراهيم 14:21
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ يَبْرُزُونَ مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومُحاسَبَتِهِ، أوْ لِلَّهِ عَلى ظَنِّهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُخْفُونَ ارْتِكابَ الفَواحِشِ ويَظُنُّونَ أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ الأتْباعُ جَمْعُ ضَعِيفٍ يُرِيدُ بِهِ ضِعافَ (p-197)الرَّأْيِ، وإنَّما كُتِبَتْ بِالواوِ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهم واسْتَغْوُوهم. ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ، وهو جَمْعٌ تابِعٌ كَغائِبٍ وغُيَّبٍ، أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ عَلى إضْمارِ مُضافٍ. ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ دافِعُونَ عَنّا. ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنِ الأُولى لِلْبَيانِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ أيْ بَعْضَ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونا لِلتَّبْعِيضِ أيْ بَعْضَ شَيْءٍ هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، والإعْرابُ ما سَبَقَ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الأوْلى مَفْعُولًا والثّانِيَةُ مَصْدَرًا، أيْ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ بَعْضَ العَذابِ بَعْضَ الإغْناءِ. ﴿قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا جَوابًا عَنْ مُعاتَبَةِ الأتْباعِ واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ. ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ لِلْإيمانِ ووَفَّقَنا لَهُ. ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَأضْلَلْناكم أيِ اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، أوْ لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكم وأغْنَيْناهُ عَنْكم كَما عَرَّضْناكم لَهُ، لَكِنْ سُدَّ دُونَنا طَرِيقُ الخَلاصِ. ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ مُسْتَوَيانِ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ. ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ مَنجى ومَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، مِنَ الحَيْصِ وهو العَدْلُ عَلى جِهَةِ الفِرارِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا كالمَبِيتِ ومَصْدَرًا كالمَغِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهم يَقُولُونَ: تَعالَوْا نَجْزَعُ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلا يَنْفَعُهم، فَيَقُولُونَ تَعالَوْا نَصْبِرُ فَيَصْبِرُونَ كَذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُونَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ .
إبراهيم 14:22
﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ أُحْكِمَ وفُرِغَ مِنهُ ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ خَطِيبًا في الأشْقِياءِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ أوْ وعْدًا أنْجَزَهُ وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعْدَ الباطِلِ وهو أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ وإنْ كانا فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَكم. ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ جَعَلَ تَبَيُّنَ خُلْفِ وعْدِهِ كالإخْلافِ مِنهُ. ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ تَسَلُّطٍ فَأُلْجِئُكم إلى الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلّا دُعائِي إيّاكم إلَيْها بِتَسْوِيلِي وهو لَيْسَ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ ولَكِنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا. ﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسْرَعْتُمْ إجابَتِي. ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بِوَسْوَسَتِي فَإنَّ مَن صَرَّحَ العَداوَةَ لا يُلامُ بِأمْثالِ ذَلِكَ. ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حَيْثُ أطَعْتُمُونِي إذْ دَعَوْتُكم ولَمْ تُطِيعُوا رَبَّكم لِما دَعاكم، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِأمْثالِ ذَلِكَ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِأفْعالِهِ ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، إذْ يَكْفِي لِصِحَّتِها أنْ يَكُونَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَدْخَلٌ ما في فِعْلِهِ وهو الكَسْبُ الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا. ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بِمُغِيثِكم مِنَ العَذابِ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بِمُغِيثِيَّ وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الياءِ عَلى الأصْلِ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهو أصْلٌ مَرْفُوضٌ في مِثْلِهِ لِما فِيهِ مِنَ اجْتِماعِ ياءَيْنِ وثَلاثِ كَسَراتٍ مَعَ أنَّ حَرَكَةَ ياءِ الإضافَةِ الفَتْحُ، فَإذا لَمْ تُكْسَرْ وقَبْلَها ألِفٌ فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تُكْسَرُ وقَبْلَها ياءٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يُزِيدُ ياءً عَلى ياءِ الإضافَةِ إجْراءً لَها مَجْرى الهاءِ والكافِ في: ضَرَبْتُهُ، وأعْطَيْتُكَهُ، وحَذْفُ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ. ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ « ما» إمّا مَصْدَرِيَّةٌ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِأشْرَكْتُمُونِي أيْ كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ أيْ في الدُّنْيا بِمَعْنى تَبَرَّأْتُ مِنهُ واسْتَنْكَرْتُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ . أوْ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى مِن نَحْوِ ما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا، و ﴿مِن﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿كَفَرْتُ﴾ أيْ كَفَرْتُ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ وهو اللَّهُ تَعالى بِطاعَتِكم إيّايَ فِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن قَبْلِ إشْراكِكم، حِينَ رَدَدْتُ أمْرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأشْرَكَ مَنقُولٌ مَن شَرَكْتُ زَيْدًا لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ. ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَتِمَّةُ كَلامِهِ أوِ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفي حِكايَةِ أمْثالِ ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ (p-198)وَإيقاظٌ لَهم حَتّى يُحاسِبُوا أنْفُسَهم ويَتَدَبَّرُوا عَواقِبَهم.
إبراهيم 14:23
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ والمُدْخَلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ. وقُرِئَ « وأدْخَلَ» عَلى التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ فِيها بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.
إبراهيم 14:24
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ كَيْفَ اعْتَمَدَهُ ووَضَعَهُ. ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿كَلِمَةً﴾ بَدَلًا مِن ﴿مَثَلا﴾ و ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ صِفَتُها أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ﴿كَشَجَرَةٍ﴾، وأنْ تَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَعَلَ وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. ﴿وَفَرْعُها﴾ وأعْلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ وفُرُوعَها أيْ أفَناءَها عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ لِاكْتِسابِهِ الِاسْتِغْراقَ مِنَ الإضافَةِ.
وَقُرِئَ « ثابِتٌ أصْلُها» والأوَّلُ عَلى أصْلِهِ ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ أقْوى ولَعَلَّ الثّانِيَ أبْلَغُ.
﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها. ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها. ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها وتَكْوِينِهِ. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ، فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي وإدْناءٌ لَها مِنَ الحِسِّ.
إبراهيم 14:25
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ كَيْفَ اعْتَمَدَهُ ووَضَعَهُ. ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿كَلِمَةً﴾ بَدَلًا مِن ﴿مَثَلا﴾ و ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ صِفَتُها أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ﴿كَشَجَرَةٍ﴾، وأنْ تَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَعَلَ وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. ﴿وَفَرْعُها﴾ وأعْلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ وفُرُوعَها أيْ أفَناءَها عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ لِاكْتِسابِهِ الِاسْتِغْراقَ مِنَ الإضافَةِ.
وَقُرِئَ « ثابِتٌ أصْلُها» والأوَّلُ عَلى أصْلِهِ ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ أقْوى ولَعَلَّ الثّانِيَ أبْلَغُ.
﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها. ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها. ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها وتَكْوِينِهِ. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ، فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي وإدْناءٌ لَها مِنَ الحِسِّ.
إبراهيم 14:26
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ. ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِأنَّ عُرُوقَها قَرِيبَةٌ مِنهُ. ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ اسْتِقْرارٍ. واخْتُلِفَ في الكَلِمَةِ والشَّجَرَةِ فَفُسِّرَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ والقُرْآنِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ إلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الحَقِّ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما ما يَعُمُّ ذَلِكَ فالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ما أعْرَبَ عَنْ حَقٍّ أوْ دَعا إلى صَلاحٍ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ ما كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وفُسِّرَتِ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ بِالنَّخْلَةِ. ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا وبِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ، والخَبِيثَةُ بِالحَنْظَلَةِ والكَشُوثِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما أيْضًا ما يَعُمُّ ذَلِكَ.
إبراهيم 14:27
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ عِنْدَهم وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَزالُونَ إذا فُتِنُوا في دِينِهِمْ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ وجُرْجِيسَ وشَمْعُونَ والَّذِينَ فَتَنَهم أصْحابُ الأُخْدُودِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ في المَوْقِفِ، ولا تُدْهِشُهم أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ.
وَرُوِيَ «أنَّهُ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: ثُمَّ تُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ في قَبْرِهِ ويَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ ؟ وما دِينُكَ ؟ ومَن نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنْ صَدَقَ عَبْدِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ .»
﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ (p-199)ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِاقْتِصارِ عَلى التَّقْلِيدِ فَلا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ ولا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ. ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ وإضْلالِ آخَرِينَ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ.
إبراهيم 14:28
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ كُفْرًا بِأنْ وضَعُوهُ مَكانَهُ، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبَتْ مِنهم فَصارُوا تارِكِينَ لَها مُحَصِّلِينَ لِلْكُفْرِ بَدَلَها كَأهْلِ مَكَّةَ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ رِزْقِهِ وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ وأُسِرُوا وقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وصارُوا أذِلّاءَ، فَبَقُوا مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ ومَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.
﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ شايَعُوهم في الكُفْرِ. ﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها. ﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها أوْ مِنَ القَوْمِ، أيْ داخِلِينَ فِيها مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ناصِبٍ لِجَهَنَّمَ. ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ وبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الياءِ، ولَيْسَ الضَّلالُ ولا الإضْلالُ غَرَضَهم في اتِّخاذِ الأنْدادِ لَكِنْ لَمّا كانَ نَتِيجَتَهُ جُعِلَ كالغَرَضِ. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بِشَهَواتِكم أوْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ فَإنَّها مِن قَبِيلِ الشَّهَواتِ الَّتِي يُتَمَتَّعُ بِها، وفي التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إيذانٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ عَلَيْهِ كالمَطْلُوبِ لِإفْضائِهِ إلى المُهَدَّدِ بِهِ، وأنَّ الأمْرَيْنِ كائِنانِ لا مَحالَةَ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وأنَّ المُخاطَبَ لِانْهِماكِهِ فِيهِ كالمَأْمُورِ بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ.
إبراهيم 14:29
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ كُفْرًا بِأنْ وضَعُوهُ مَكانَهُ، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبَتْ مِنهم فَصارُوا تارِكِينَ لَها مُحَصِّلِينَ لِلْكُفْرِ بَدَلَها كَأهْلِ مَكَّةَ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ رِزْقِهِ وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ وأُسِرُوا وقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وصارُوا أذِلّاءَ، فَبَقُوا مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ ومَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.
﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ شايَعُوهم في الكُفْرِ. ﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها. ﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها أوْ مِنَ القَوْمِ، أيْ داخِلِينَ فِيها مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ناصِبٍ لِجَهَنَّمَ. ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ وبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الياءِ، ولَيْسَ الضَّلالُ ولا الإضْلالُ غَرَضَهم في اتِّخاذِ الأنْدادِ لَكِنْ لَمّا كانَ نَتِيجَتَهُ جُعِلَ كالغَرَضِ. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بِشَهَواتِكم أوْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ فَإنَّها مِن قَبِيلِ الشَّهَواتِ الَّتِي يُتَمَتَّعُ بِها، وفي التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إيذانٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ عَلَيْهِ كالمَطْلُوبِ لِإفْضائِهِ إلى المُهَدَّدِ بِهِ، وأنَّ الأمْرَيْنِ كائِنانِ لا مَحالَةَ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وأنَّ المُخاطَبَ لِانْهِماكِهِ فِيهِ كالمَأْمُورِ بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ.
إبراهيم 14:30
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ كُفْرًا بِأنْ وضَعُوهُ مَكانَهُ، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبَتْ مِنهم فَصارُوا تارِكِينَ لَها مُحَصِّلِينَ لِلْكُفْرِ بَدَلَها كَأهْلِ مَكَّةَ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ رِزْقِهِ وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ وأُسِرُوا وقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وصارُوا أذِلّاءَ، فَبَقُوا مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ ومَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.
﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ شايَعُوهم في الكُفْرِ. ﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها. ﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها أوْ مِنَ القَوْمِ، أيْ داخِلِينَ فِيها مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ناصِبٍ لِجَهَنَّمَ. ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ وبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الياءِ، ولَيْسَ الضَّلالُ ولا الإضْلالُ غَرَضَهم في اتِّخاذِ الأنْدادِ لَكِنْ لَمّا كانَ نَتِيجَتَهُ جُعِلَ كالغَرَضِ. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بِشَهَواتِكم أوْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ فَإنَّها مِن قَبِيلِ الشَّهَواتِ الَّتِي يُتَمَتَّعُ بِها، وفي التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إيذانٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ عَلَيْهِ كالمَطْلُوبِ لِإفْضائِهِ إلى المُهَدَّدِ بِهِ، وأنَّ الأمْرَيْنِ كائِنانِ لا مَحالَةَ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وأنَّ المُخاطَبَ لِانْهِماكِهِ فِيهِ كالمَأْمُورِ بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ.
إبراهيم 14:31
﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ تَنْوِيهًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، ومَفْعُولُ ﴿قُلْ﴾ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهُ: أيْ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا. ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ فَيَكُونُ إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ مُطاوَعَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ بِحَيْثُ لا يَنْفِكُّ فِعْلُهم عَنْ أمْرِهِ، وأنَّهُ كالسَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرا بِلامِ الأمْرِ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ القَوْلِ بِهِما وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ ها هُنا ولَمْ يَحْسُنْ في قَوْلِهِ:
؎ مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ. . . إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالًا
لِدَلالَةِ قُلْ عَلَيْهِ. وقِيلَ هُما جَوابا أقِيمُوا وأنْفِقُوا مُقامَيْنِ مَقامَهُما، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ ما بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ ولِأنَّ أمْرَ المُواجَهَةِ لا يُجابُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِ أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَيْ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والأحَبُّ إعْلانُ الواجِبِ وإخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَدارَكُ بِهِ تَقْصِيرَهُ أوْ يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ ولا مُخالَّةَ فَيَشْفَعُ لَكَ خَلِيلٌ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى النَّفْيِ العامِّ.(p-200)
إبراهيم 14:32
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.
إبراهيم 14:33
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.
إبراهيم 14:34
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.
إبراهيم 14:35
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ بَلْدَةَ مَكَّةَ. ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ لِمَن فِيها، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ في الأوَّلِ إزالَةُ الخَوْفِ عَنْهُ وتَصْيِيرُهُ آمِنًا، وفي الثّانِي جَعْلُهُ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ. ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم، ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ وقُرِئَ « وأجْنِبْنِي» وهُما عَلى لُغَةِ نَجْدٍ وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ إيّاهم وهو بِظاهِرِهِ، لا يَتَناوَلُ أحْفادَهُ وجَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ. وزَعَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ مُحْتَجًّا بِهِ وإنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَدُورُونَ بِها ويُسَمُّونَها الدَّوّارَ ويَقُولُونَ البَيْتُ حَجَرٌ فَحَيْثُما نَصَبْنا حَجَرًا فَهو بِمَنزِلَتِهِ.
﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ فَلِذَلِكَ سَألْتُ مِنكَ العِصْمَةَ واسْتَعَذْتُ بِكَ مِن إضْلالِهِنَّ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ عَلى دِينِي. ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ بَعْضِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ. ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقْدِرُ أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ إلّا أنَّ الوَعِيدَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.
إبراهيم 14:36
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ بَلْدَةَ مَكَّةَ. ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ لِمَن فِيها، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ في الأوَّلِ إزالَةُ الخَوْفِ عَنْهُ وتَصْيِيرُهُ آمِنًا، وفي الثّانِي جَعْلُهُ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ. ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم، ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ وقُرِئَ « وأجْنِبْنِي» وهُما عَلى لُغَةِ نَجْدٍ وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ إيّاهم وهو بِظاهِرِهِ، لا يَتَناوَلُ أحْفادَهُ وجَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ. وزَعَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ مُحْتَجًّا بِهِ وإنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَدُورُونَ بِها ويُسَمُّونَها الدَّوّارَ ويَقُولُونَ البَيْتُ حَجَرٌ فَحَيْثُما نَصَبْنا حَجَرًا فَهو بِمَنزِلَتِهِ.
﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ فَلِذَلِكَ سَألْتُ مِنكَ العِصْمَةَ واسْتَعَذْتُ بِكَ مِن إضْلالِهِنَّ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ عَلى دِينِي. ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ بَعْضِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ. ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقْدِرُ أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ إلّا أنَّ الوَعِيدَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.
إبراهيم 14:37
(p-201)﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي أوْ ذُرِّيَّةٍ مِن ذُرِّيَّتِي فَحُذِفَ المَفْعُولُ وهم إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ فَإنَّ إسْكانَهُ مُتَضَمَّنٌ لِإسْكانِهِمْ. ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يَعْنِي وادِي مَكَّةَ فَإنَّها حَجَرِيَّةٌ لا تُنْبِتُ. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ الَّذِي حَرَّمْتَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ، أوْ مَنَعَ مِنهُ الطُّوفانَ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا أيْ أعْتَقَ مِنهُ. ولَوْ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ أوَّلَ ما قَدِمَ فَلَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ.
رُوِيَ أنَّ هاجَرَ كانَتْ لِسارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ مِنهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَغارَتْ عَلَيْهِما فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ فَأظْهَرَ اللَّهُ عَيْنَ زَمْزَمَ، ثُمَّ إنَّ جُرْهُمَ رَأوْا ثَمَّ طُيُورًا فَقالُوا لا طَيْرَ إلّا عَلى الماءِ، فَقَصَدُوهُ فَرَأوْهُما وعِنْدَهُما عَيْنٌ فَقالُوا أشْرِكِينا في مائِكِ نُشْرِكُكِ في ألْبانِنا فَفَعَلَتْ.
﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿أسْكَنْتُ﴾ أيْ ما أسْكَنْتُهم بِهَذا الوادِي البَلْقَعِ مِن كُلِّ مُرْتَفَقٍ ومُرْتَزَقٍ إلّا لِإقامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ.
وَتَكْرِيرُ النِّداءِ وتَوْسِيطُهُ لِلشِّعارِ بِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن إسْكانِهِمْ ثَمَّةَ، والمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ تَوْفِيقُهم لَها.
وَقِيلَ لامُ الأمْرِ والمُرادُ هو الدُّعاءُ لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإقامَةَ وسَألَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَفِّقَهم لَها. ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ أفْئِدَةً مِن أفْئِدَةِ النّاسِ، و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ ولِذَلِكَ قِيلَ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ والرُّومُ ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ أيْ أفْئِدَةُ ناسٍ. وقَرَأ هِشامٌ « أفْئِيدَةً» بِخُلْفٍ عَنْهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ « آفِدَةً» وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَقْلُوبَ « أفْئِدَةً» كَآدَرَ في أدْؤُرَ وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن أفَدْتُ الرِّحْلَةَ إذا عَجَّلْتُ أيْ جَماعَةً يُعَجِّلُونَ نَحْوَهم « وأفَدَةً» بِطَرْحِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ، وإنْ كانَ الوَجْهُ فِيهِ إخْراجَها بَيْنَ بَيْنَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أفَدَ. ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا. وقُرِئَ « تُهْوى» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى إلَيْهِ غَيْرَهُ و « تَهْوى» مِن هَوى يَهْوِي إذا أحَبَّ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّزُوعِ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَعَ سُكْناهم وادِيًا لا نَباتَ فِيهِ. ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَتَهُ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى تُوجَدَ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ.
إبراهيم 14:38
﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا، والمَعْنى إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا، فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنّا نَدْعُوكَ إظْهارًا لِعُبُودِيَّتِكَ وافْتِقارًا إلى رَحْمَتِكَ واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ ما نُخْفِي مِن وجْدِ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ التَّضَرُّعِ إلَيْكَ والتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالِغَةِ في التَّضَرُّعِ واللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ العالِمُ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ يَسْتَوِي نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ مَعْلُومٍ، ومِن لِلِاسْتِغْراقِ.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ وهَبَ لِي وأنا كَبِيرٌ آيِسٌ مِنَ الوَلَدِ، قَيَّدَ الهِبَةَ بِحالِ الكِبَرِ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِما فِيها مِن آلائِهِ. ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِتِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً وإسْحاقُ لِمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِكَ سَمِعَ المَلِكُ كَلامِي إذا اعْتَدَّ بِهِ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ أوْ فاعِلِهِ عَلى إسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى المَجازِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ دَعا رَبَّهُ وسَألَ مِنهُ الوَلَدَ فَأجابَهُ ووَهَبَ لَهُ سُؤْلَهُ حِينَ ما وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ لِيَكُونَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْلاها.(p-202)
إبراهيم 14:39
﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا، والمَعْنى إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا، فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنّا نَدْعُوكَ إظْهارًا لِعُبُودِيَّتِكَ وافْتِقارًا إلى رَحْمَتِكَ واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ ما نُخْفِي مِن وجْدِ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ التَّضَرُّعِ إلَيْكَ والتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالِغَةِ في التَّضَرُّعِ واللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ العالِمُ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ يَسْتَوِي نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ مَعْلُومٍ، ومِن لِلِاسْتِغْراقِ.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ وهَبَ لِي وأنا كَبِيرٌ آيِسٌ مِنَ الوَلَدِ، قَيَّدَ الهِبَةَ بِحالِ الكِبَرِ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِما فِيها مِن آلائِهِ. ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِتِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً وإسْحاقُ لِمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِكَ سَمِعَ المَلِكُ كَلامِي إذا اعْتَدَّ بِهِ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ أوْ فاعِلِهِ عَلى إسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى المَجازِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ دَعا رَبَّهُ وسَألَ مِنهُ الوَلَدَ فَأجابَهُ ووَهَبَ لَهُ سُؤْلَهُ حِينَ ما وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ لِيَكُونَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْلاها.(p-202)
إبراهيم 14:40
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعْدِلًا لَها مُواظِبًا عَلَيْها. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ عَلى المَنصُوبِ في ﴿اجْعَلْنِي﴾، والتَّبْعِيضُ لِعِلْمِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ أوِ اسْتِقْراءِ عادَتِهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ كُفّارٌ. ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ واسْتَجِبْ دُعائِي أوْ وتَقَبَّلْ عِبادَتِي.
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ « ولِأبَوَيَّ»، وقَدْ تَقَدَّمَ عُذْرُ اسْتِغْفارِهِ لَهُما. وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَثْبُتُ مُسْتَعارٌ مِنَ القِيامِ عَلى الرَّجُلِ كَقَوْلِهِمْ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ يَقُومُ إلَيْهِ أهْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُهم مَجازًا.
إبراهيم 14:41
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعْدِلًا لَها مُواظِبًا عَلَيْها. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ عَلى المَنصُوبِ في ﴿اجْعَلْنِي﴾، والتَّبْعِيضُ لِعِلْمِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ أوِ اسْتِقْراءِ عادَتِهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ كُفّارٌ. ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ واسْتَجِبْ دُعائِي أوْ وتَقَبَّلْ عِبادَتِي.
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ « ولِأبَوَيَّ»، وقَدْ تَقَدَّمَ عُذْرُ اسْتِغْفارِهِ لَهُما. وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَثْبُتُ مُسْتَعارٌ مِنَ القِيامِ عَلى الرَّجُلِ كَقَوْلِهِمْ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ يَقُومُ إلَيْهِ أهْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُهم مَجازًا.
إبراهيم 14:42
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والوَعِيدُ بِأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لا مَحالَةَ، أوْ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ جَهْلًا بِصِفاتِهِ واغْتِرارًا بِإمْهالِهِ. وقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ. ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُؤَخِّرُ عَذابَهم وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم فَلا تَقَرُّ في أماكِنِها مِن هَوْلِ ما تَرى.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ لا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وأصْلُ الكَلِمَةِ هو الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها. ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ تَثْبُتُ عُيُونُهم شاخِصَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم فَيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ. ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خَلاءٌ أيْ خالِيَةٌ عَنِ الفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأحْمَقِ ولِلْجَبانِ قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ قالَ زُهَيْرٌ:
؎ مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءٌ
وَقِيلَ خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ خاوِيَةٌ عَنِ الحَقِّ.
إبراهيم 14:43
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والوَعِيدُ بِأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لا مَحالَةَ، أوْ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ جَهْلًا بِصِفاتِهِ واغْتِرارًا بِإمْهالِهِ. وقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ. ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُؤَخِّرُ عَذابَهم وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم فَلا تَقَرُّ في أماكِنِها مِن هَوْلِ ما تَرى.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ لا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وأصْلُ الكَلِمَةِ هو الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها. ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ تَثْبُتُ عُيُونُهم شاخِصَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم فَيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ. ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خَلاءٌ أيْ خالِيَةٌ عَنِ الفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأحْمَقِ ولِلْجَبانِ قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ قالَ زُهَيْرٌ:
؎ مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءٌ
وَقِيلَ خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ خاوِيَةٌ عَنِ الحَقِّ.
إبراهيم 14:44
﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ يا مُحَمَّدُ. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ المَوْتِ فَإنَّهُ أوَّلُ أيّامِ عَذابِهِمْ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أنْذِرِ) . ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ. ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أخِّرِ العَذابَ عَنّا أوْ رُدَّنا إلى الدُّنْيا وأمْهِلْنا إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٍ، أوْ أخِّرْ آجالَنا وأبْقِنا مِقْدارَ ما نُؤْمِنُ بِكَ ونَجِيبُ دَعْوَتَكَ. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ ونَظِيرُهُ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ و ﴿ما لَكُمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ عَلى المُطابَقَةِ دُونَ الحِكايَةِ، والمَعْنى أقْسَمْتُمْ أنَّكم باقُونَ في الدُّنْيا لا تُزالُونَ بِالمَوْتِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا بَطَرًا وغُرُورًا أوْ دَلَّ عَلَيْهِ حالُهم حَيْثُ بَنَوْا شَدِيدًا وأمَّلُوا بَعِيدًا. وقِيلَ أقْسَمُوا أنَّهم لا يَنْتَقِلُونَ إلى دارٍ أُخْرى وأنَّهم إذا ماتُوا لا يُزالُونَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ إلى حالَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ .(p-203)
إبراهيم 14:45
﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي كَعادٍ وثَمُودَ، وأصْلُ سَكَنَ أنْ يُعَدّى بِفي كَقَرَّ وغَنِيَ وأقامَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّبْوِيءِ فَيَجْرِي مَجْراهُ كَقَوْلِكَ سَكَنْتُ الدّارَ.﴿وَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ مِن أحْوالِهِمْ أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ المُسْتَفْرَغَ فِيهِ جُهْدُهم لِإبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ومَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فِعْلُهم فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ عِنْدَهُ ما يُمْكِرُهم بِهِ جَزاءً لِمَكْرِهِمْ وإبْطالًا لَهُ. ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ مُسَوّى لِإزالَةِ الجِبالِ. وقِيلَ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْوِهِ. وقِيلَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى أنَّهم مَكَرُوا لِيُزِيلُوا ما هو كالجِبالِ الرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (لَتَزُولُ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفاصِلَةُ، ومَعْناهُ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفْتَحُ لامَ كَيْ وقُرِئَ و « إنْ كادَ مَكْرُهم» .
إبراهيم 14:46
﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي كَعادٍ وثَمُودَ، وأصْلُ سَكَنَ أنْ يُعَدّى بِفي كَقَرَّ وغَنِيَ وأقامَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّبْوِيءِ فَيَجْرِي مَجْراهُ كَقَوْلِكَ سَكَنْتُ الدّارَ.﴿وَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ مِن أحْوالِهِمْ أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ المُسْتَفْرَغَ فِيهِ جُهْدُهم لِإبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ومَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فِعْلُهم فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ عِنْدَهُ ما يُمْكِرُهم بِهِ جَزاءً لِمَكْرِهِمْ وإبْطالًا لَهُ. ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ مُسَوّى لِإزالَةِ الجِبالِ. وقِيلَ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْوِهِ. وقِيلَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى أنَّهم مَكَرُوا لِيُزِيلُوا ما هو كالجِبالِ الرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (لَتَزُولُ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفاصِلَةُ، ومَعْناهُ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفْتَحُ لامَ كَيْ وقُرِئَ و « إنْ كادَ مَكْرُهم» .
إبراهيم 14:47
﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وأصْلُهُ مُخْلِفٌ رُسُلَهُ وعْدَهُ فَقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وإذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا فَكَيْفَ يُخْلِفُ رُسُلَهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُماكَرُ قادِرٌ لا يُدافَعُ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ.
إبراهيم 14:48
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ، أوْ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُخْلِفٍ لِأنَّ ما قَبْلَ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ. ﴿والسَّماواتُ﴾ عُطِفَ عَلى الأرْضِ وتَقْدِيرُهُ والسَّمَواتُ غَيْرَ السَّمَواتِ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ وفي الصِّفَةِ كَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وغَيَّرْتَ شَكْلَها، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ وسَمَواتٍ مِن ذَهَبٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ لَمْ يُخْطِئْ عَلَيْها أحَدٌ خَطِيئَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ وإنَّما تُغَيَّرُ صِفاتُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ فَتُبْسَطُ وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ» ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ بِالتَّبْدِيلِ أرْضًا وسَماءً عَلى الحَقِيقَةِ، ولا يَبْعُدُ عَلى الثّانِي أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الأرْضَ جَهَنَّمَ والسَّمَواتِ الجَنَّةَ عَلى ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ . ﴿وَبَرَزُوا﴾ مِن أجْداثِهِمْ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِمُحاسَبَتِهِ ومَجازاتِهِ، وتَوْصِيفُهُ بِالوَصْفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ: (p-204)﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ الأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ ولا مُسْتَجارَ.
إبراهيم 14:49
﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ بِحَسَبِ مُشارَكَتِهِمْ في العَقائِدِ والأعْمالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ أوْ مَعَ ما اكْتَسَبُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والمَلَكاتِ الباطِلَةِ، أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما اقْتَرَفَتْهُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. ﴿فِي الأصْفادِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، والصَّفَدُ القَيْدُ. وقِيلَ الغِلُّ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادًا. . . يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقٍ
وَأصْلُهُ الشَّدُّ.
﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قُمْصانُهم. ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وجاءَ قَطْرانٌ لُغَتَيْنِ فِيهِ، وهو ما يُتَحَلَّبُ مِنَ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ فَتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى فَيَحْرُقُ الجَرَبَ بِحِدَّتِهِ، وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ تَشْتَعِلُ فِيهِ النّارُ بِسُرْعَةٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَكُونَ طِلاؤُهُ لَهم كالقُمُصِ، لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمْ لَذْعُ القَطِرانِ ووَحْشَةُ لَوْنِهِ ونَتَنُ رِيحِهِ مَعَ إسْراعِ النّارِ في جُلُودِهِمْ، عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القَطْرانَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِما يُحِيطُ بِجَوْهَرِ النَّفْسِ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ الوَحْشِيَّةِ فَيَجْلِبُ إلَيْها أنْواعًا مِنَ الغُمُومِ والآلامِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿قَطِرانٍ﴾ والقُطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ، والجُمْلَةُ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ .
﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ وتَتَغَشّاها لِأنَّهم لَمْ يَتَوَجَّهُوا بِها إلى الحَقِّ ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا في تَدَبُّرِهِ مَشاعِرَهم وحَواسَّهُمُ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها لِأجْلِهِ، كَما تَطَّلِعُ عَلى أفْئِدَتِهِمْ لِأنَّها فارِغَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ مَمْلُوءَةٌ بِالجَهالاتِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ .
إبراهيم 14:50
﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ بِحَسَبِ مُشارَكَتِهِمْ في العَقائِدِ والأعْمالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ أوْ مَعَ ما اكْتَسَبُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والمَلَكاتِ الباطِلَةِ، أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما اقْتَرَفَتْهُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. ﴿فِي الأصْفادِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، والصَّفَدُ القَيْدُ. وقِيلَ الغِلُّ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادًا. . . يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقٍ
وَأصْلُهُ الشَّدُّ.
﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قُمْصانُهم. ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وجاءَ قَطْرانٌ لُغَتَيْنِ فِيهِ، وهو ما يُتَحَلَّبُ مِنَ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ فَتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى فَيَحْرُقُ الجَرَبَ بِحِدَّتِهِ، وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ تَشْتَعِلُ فِيهِ النّارُ بِسُرْعَةٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَكُونَ طِلاؤُهُ لَهم كالقُمُصِ، لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمْ لَذْعُ القَطِرانِ ووَحْشَةُ لَوْنِهِ ونَتَنُ رِيحِهِ مَعَ إسْراعِ النّارِ في جُلُودِهِمْ، عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القَطْرانَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِما يُحِيطُ بِجَوْهَرِ النَّفْسِ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ الوَحْشِيَّةِ فَيَجْلِبُ إلَيْها أنْواعًا مِنَ الغُمُومِ والآلامِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿قَطِرانٍ﴾ والقُطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ، والجُمْلَةُ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ .
﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ وتَتَغَشّاها لِأنَّهم لَمْ يَتَوَجَّهُوا بِها إلى الحَقِّ ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا في تَدَبُّرِهِ مَشاعِرَهم وحَواسَّهُمُ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها لِأجْلِهِ، كَما تَطَّلِعُ عَلى أفْئِدَتِهِمْ لِأنَّها فارِغَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ مَمْلُوءَةٌ بِالجَهالاتِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ .
إبراهيم 14:51
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ مُجْرِمَةٍ. ﴿ما كَسَبَتْ﴾ أوْ كُلَّ نَفْسٍ مِن مُجْرِمَةٍ أوْ مُطِيعَةٍ لِأنَّهُ إذا بَيَّنَ أنَّ المُجْرِمِينَ يُعاقَبُونَ لِإجْرامِهِمْ عُلِمَ أنَّ المُطِيعِينَ يُثابُونَ لِطاعَتِهِمْ، ويَتَعَيَّنُ ذَلِكَ أنْ عَلَّقَ اللّامَ بِـ (بَرَزُوا) . ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.
إبراهيم 14:52
﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ أوِ السُّورَةِ أوْ ما فِيهِ العِظَةُ والتَّذْكِيرُ أوْ ما وصَفَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ .
﴿بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ كِفايَةٌ لَهم في المَوْعِظَةِ. ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهَذا البَلاغِ، فَتَكُونُ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِالبَلاغِ، ويَجُوزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولِيُنْذَرُوا بِهِ أُنْزِلَ أوْ تُلِيَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن نَذَرَ بِهِ إذا عَلِمَهُ واسْتَعَدَّ لَهُ.
﴿وَلِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أوِ المُنَبِّهَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ فَيَرْتَدِعُوا عَمّا يُرْدِيهِمْ ويَتَدَرَّعُوا بِما يُحْظِيهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ لِهَذا (p-205)البَلاغِ ثَلاثَ فَوائِدَ هي الغايَةُ والحِكْمَةُ في إنْزالِ الكُتُبِ، تَكْمِيلُ الرُّسُلِ لِلنّاسِ، واسْتِكْمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي مُنْتَهى كَمالِها التَّوْحِيدُ، واسْتِصْلاحُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الَّذِي هو التَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِنَ الفائِزِينَ بِهِما.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ إبْراهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن عَبَدَ الأصْنامَ وعَدَدِ مَن لَمْ يَعْبُدْها» .