Lafzullah

Tafsir Al-Baydawi — الإسراء 17:1 – الكهف 18:110

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Baydawi

المحتويات
  1. الإسراء 17:1
  2. الإسراء 17:2
  3. الإسراء 17:3
  4. الإسراء 17:4
  5. الإسراء 17:5
  6. الإسراء 17:6
  7. الإسراء 17:7
  8. الإسراء 17:8
  9. الإسراء 17:9
  10. الإسراء 17:10
  11. الإسراء 17:11
  12. الإسراء 17:12
  13. الإسراء 17:13
  14. الإسراء 17:14
  15. الإسراء 17:15
  16. الإسراء 17:16
  17. الإسراء 17:17
  18. الإسراء 17:18
  19. الإسراء 17:19
  20. الإسراء 17:20
  21. الإسراء 17:21
  22. الإسراء 17:22
  23. الإسراء 17:23
  24. الإسراء 17:24
  25. الإسراء 17:25
  26. الإسراء 17:26
  27. الإسراء 17:27
  28. الإسراء 17:28
  29. الإسراء 17:29
  30. الإسراء 17:30
  31. الإسراء 17:31
  32. الإسراء 17:32
  33. الإسراء 17:33
  34. الإسراء 17:34
  35. الإسراء 17:35
  36. الإسراء 17:36
  37. الإسراء 17:37
  38. الإسراء 17:38
  39. الإسراء 17:39
  40. الإسراء 17:40
  41. الإسراء 17:41
  42. الإسراء 17:42
  43. الإسراء 17:43
  44. الإسراء 17:44
  45. الإسراء 17:45
  46. الإسراء 17:46
  47. الإسراء 17:47
  48. الإسراء 17:48
  49. الإسراء 17:49
  50. الإسراء 17:50
  51. الإسراء 17:51
  52. الإسراء 17:52
  53. الإسراء 17:53
  54. الإسراء 17:54
  55. الإسراء 17:55
  56. الإسراء 17:56
  57. الإسراء 17:57
  58. الإسراء 17:58
  59. الإسراء 17:59
  60. الإسراء 17:60
  61. الإسراء 17:61
  62. الإسراء 17:62
  63. الإسراء 17:63
  64. الإسراء 17:64
  65. الإسراء 17:65
  66. الإسراء 17:66
  67. الإسراء 17:67
  68. الإسراء 17:68
  69. الإسراء 17:69
  70. الإسراء 17:70
  71. الإسراء 17:71
  72. الإسراء 17:72
  73. الإسراء 17:73
  74. الإسراء 17:74
  75. الإسراء 17:75
  76. الإسراء 17:76
  77. الإسراء 17:77
  78. الإسراء 17:78
  79. الإسراء 17:79
  80. الإسراء 17:80
  81. الإسراء 17:81
  82. الإسراء 17:82
  83. الإسراء 17:83
  84. الإسراء 17:84
  85. الإسراء 17:85
  86. الإسراء 17:86
  87. الإسراء 17:87
  88. الإسراء 17:88
  89. الإسراء 17:89
  90. الإسراء 17:90
  91. الإسراء 17:91
  92. الإسراء 17:92
  93. الإسراء 17:93
  94. الإسراء 17:94
  95. الإسراء 17:95
  96. الإسراء 17:96
  97. الإسراء 17:97
  98. الإسراء 17:98
  99. الإسراء 17:99
  100. الإسراء 17:100
  101. الإسراء 17:101
  102. الإسراء 17:102
  103. الإسراء 17:103
  104. الإسراء 17:104
  105. الإسراء 17:105
  106. الإسراء 17:106
  107. الإسراء 17:107
  108. الإسراء 17:108
  109. الإسراء 17:109
  110. الإسراء 17:110
  111. الإسراء 17:111
  112. الكهف 18:1
  113. الكهف 18:2
  114. الكهف 18:3
  115. الكهف 18:4
  116. الكهف 18:5
  117. الكهف 18:6
  118. الكهف 18:7
  119. الكهف 18:8
  120. الكهف 18:9
  121. الكهف 18:10
  122. الكهف 18:11
  123. الكهف 18:12
  124. الكهف 18:13
  125. الكهف 18:14
  126. الكهف 18:15
  127. الكهف 18:16
  128. الكهف 18:17
  129. الكهف 18:18
  130. الكهف 18:19
  131. الكهف 18:20
  132. الكهف 18:21
  133. الكهف 18:22
  134. الكهف 18:23
  135. الكهف 18:24
  136. الكهف 18:25
  137. الكهف 18:26
  138. الكهف 18:27
  139. الكهف 18:28
  140. الكهف 18:29
  141. الكهف 18:30
  142. الكهف 18:31
  143. الكهف 18:32
  144. الكهف 18:33
  145. الكهف 18:34
  146. الكهف 18:35
  147. الكهف 18:36
  148. الكهف 18:37
  149. الكهف 18:38
  150. الكهف 18:39
  151. الكهف 18:40
  152. الكهف 18:41
  153. الكهف 18:42
  154. الكهف 18:43
  155. الكهف 18:44
  156. الكهف 18:45
  157. الكهف 18:46
  158. الكهف 18:47
  159. الكهف 18:48
  160. الكهف 18:49
  161. الكهف 18:50
  162. الكهف 18:51
  163. الكهف 18:52
  164. الكهف 18:53
  165. الكهف 18:54
  166. الكهف 18:55
  167. الكهف 18:56
  168. الكهف 18:57
  169. الكهف 18:58
  170. الكهف 18:59
  171. الكهف 18:60
  172. الكهف 18:61
  173. الكهف 18:62
  174. الكهف 18:63
  175. الكهف 18:64
  176. الكهف 18:65
  177. الكهف 18:66
  178. الكهف 18:67
  179. الكهف 18:68
  180. الكهف 18:69
  181. الكهف 18:70
  182. الكهف 18:71
  183. الكهف 18:72
  184. الكهف 18:73
  185. الكهف 18:74
  186. الكهف 18:75
  187. الكهف 18:76
  188. الكهف 18:77
  189. الكهف 18:78
  190. الكهف 18:79
  191. الكهف 18:80
  192. الكهف 18:81
  193. الكهف 18:82
  194. الكهف 18:83
  195. الكهف 18:84
  196. الكهف 18:85
  197. الكهف 18:86
  198. الكهف 18:87
  199. الكهف 18:88
  200. الكهف 18:89
  201. الكهف 18:90
  202. الكهف 18:91
  203. الكهف 18:92
  204. الكهف 18:93
  205. الكهف 18:94
  206. الكهف 18:95
  207. الكهف 18:96
  208. الكهف 18:97
  209. الكهف 18:98
  210. الكهف 18:99
  211. الكهف 18:100
  212. الكهف 18:101
  213. الكهف 18:102
  214. الكهف 18:103
  215. الكهف 18:104
  216. الكهف 18:105
  217. الكهف 18:106
  218. الكهف 18:107
  219. الكهف 18:108
  220. الكهف 18:109
  221. الكهف 18:110

الإسراء 17:1

(p-247)سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخِرِ ثَمانِ آياتٍ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ سُبْحانَ اسْمٌ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لَهُ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ ويُمْنَعُ عَنِ الصَّرْفِ قالَ: ؎ قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ. . . سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ عَنِ العَجْزِ عَمّا ذُكِرَ بَعْدُ. و ﴿أسْرى﴾ وسَرى بِمَعْنى، و ﴿لَيْلا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ. وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، ولِذَلِكَ قُرِئَ: « مِنَ اللَّيْلِ» أيْ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ . ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ بِعَيْنِهِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «بَيْنا أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا أتانِي جِبْرِيلُ بِالبُراقِ» . أوْ مِنَ الحَرَمِ وسَمّاهُ المَسْجِدَ الحَرامَ لِأنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ أوْ لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، أوْ لِيُطابِقَ المَبْدَأُ المُنْتَهى. لِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ، وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها وقالَ: « مُثِّلَ لِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ»، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَتَعَجَّبُوا مِنهُ اسْتِحالَةً، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ لَقَدْ صَدَقَ، فَقالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدِ مِن ذَلِكَ فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، واسْتَنْعَتَهُ طائِفَةٌ سافَرُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فَقالُوا أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها وقالَ تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ إلى الثَّنِيَّةِ فَصادَفُوا العِيرَ كَما أخْبَرَ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.» واخْتُلِفَ في أنَّهُ كانَ في المَنامِ أوْ في اليَقَظَةِ بِرُوحِهِ أوْ بِجَسَدِهِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّمَواتِ حَتّى انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ولِذَلِكَ تَعَجَّبَ قُرَيْشٌ واسْتَحالُوهُ، والِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ، وقَدْ بَرْهَنَ في الكَلامِ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الأعْراضِ وأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، والتَّعَجُّبُ مِن لَوازِمِ المُعْجِزاتِ. ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وراءَهُ مَسْجِدٌ. ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا لِأنَّهُ مَهْبِطُ الوَحْيِ ومُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن لَدُنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَحْفُوفٌ بِالأنْهارِ والأشْجارِ. ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ (p-248)كَذَهابِهِ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ومُشاهَدَتِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ وتَمَثُّلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، ووُقُوفِهِ عَلى مَقاماتِهِمْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ البَرَكاتِ والآياتِ. وقُرِئَ « لِيُرِيَهُ» بِالياءِ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿البَصِيرُ﴾ بِأفْعالِهِ فَيُكَرِّمُهُ ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.

الإسراء 17:2

﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا﴾ عَلى أنْ لا تَتَّخِذُوا كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ إلَيْكَ أنْ أفْعَلَ كَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى « أنْ لا يَتَّخِذُوا» . ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾ رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم غَيْرِي. ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ إنْ قُرِئَ « أنْ لا تَتَّخِذُوا» بِالتّاءِ عَلى النَّهْيِ يَعْنِي: قُلْنا لَهم لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا، أوْ عَلى أنَّهُ أحَدُ مَفْعُولَيْ (لا تَتَّخِذُوا) و ﴿مِن دُونِي﴾ حالٌ مِن ﴿وَكِيلا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿تَتَّخِذُوا﴾، و « ذِرِّيَّةَ» بِكَسْرِ الذّالِ. وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ. ﴿إنَّهُ﴾ إنْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَجامِعِ حالاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومَن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الإسراء 17:3

﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا﴾ عَلى أنْ لا تَتَّخِذُوا كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ إلَيْكَ أنْ أفْعَلَ كَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى « أنْ لا يَتَّخِذُوا» . ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾ رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم غَيْرِي. ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ إنْ قُرِئَ « أنْ لا تَتَّخِذُوا» بِالتّاءِ عَلى النَّهْيِ يَعْنِي: قُلْنا لَهم لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا، أوْ عَلى أنَّهُ أحَدُ مَفْعُولَيْ (لا تَتَّخِذُوا) و ﴿مِن دُونِي﴾ حالٌ مِن ﴿وَكِيلا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿تَتَّخِذُوا﴾، و « ذِرِّيَّةَ» بِكَسْرِ الذّالِ. وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ. ﴿إنَّهُ﴾ إنْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَجامِعِ حالاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومَن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الإسراء 17:4

﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وحْيًا مُقْتَضَيًا مَبْتُوتًا. ﴿فِي الكِتابِ﴾ في التَّوْراةِ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أوْ قَضَيْنا عَلى إجْراءِ القَضاءِ المَبْتُوتِ مَجْرى القَسَمِ. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ إفْسادَتَيْنِ أُولاهُما مُخالَفَةُ أحْكامِ التَّوْراةِ وقَتْلُ شِعْياءَ وقِيلَ أرْمِياءَ. وثانِيهُما قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ولَتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ بَخْتِنْصَرُّ عامِلُ لهراسف عَلى بابِلٍ وجُنُودِهِ. وقِيلَ جالُوتُ الجَزَرِيُّ. وقِيلَ سَنْحارِيبُ مِن أهْلِ نَيْنَوى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ شَدِيدٍ. ﴿فَجاسُوا﴾ فَتَرَدَّدُوا لِطَلَبِكم. وقُرِئَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهُما أخَوانِ. ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ وسَطَها لِلْقَتْلِ والغارَةِ فَقَتَلُوا كِبارَهم وسَبَوْا صِغارَهم وحَرَقُوا التَّوْراةَ وخَرَّبُوا المَسْجِدَ. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا مَنَعُوا تَسْلِيطَ اللَّهِ الكافِرَ عَلى ذَلِكَ أوَّلُوا البَعْثَ بِالتَّخْلِيَةِ وعَدَمِ المَنعِ. ﴿وَكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ وكانَ وعْدُ عِقابِهِمْ لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ.

الإسراء 17:5

﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وحْيًا مُقْتَضَيًا مَبْتُوتًا. ﴿فِي الكِتابِ﴾ في التَّوْراةِ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أوْ قَضَيْنا عَلى إجْراءِ القَضاءِ المَبْتُوتِ مَجْرى القَسَمِ. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ إفْسادَتَيْنِ أُولاهُما مُخالَفَةُ أحْكامِ التَّوْراةِ وقَتْلُ شِعْياءَ وقِيلَ أرْمِياءَ. وثانِيهُما قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ولَتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ بَخْتِنْصَرُّ عامِلُ لهراسف عَلى بابِلٍ وجُنُودِهِ. وقِيلَ جالُوتُ الجَزَرِيُّ. وقِيلَ سَنْحارِيبُ مِن أهْلِ نَيْنَوى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ شَدِيدٍ. ﴿فَجاسُوا﴾ فَتَرَدَّدُوا لِطَلَبِكم. وقُرِئَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهُما أخَوانِ. ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ وسَطَها لِلْقَتْلِ والغارَةِ فَقَتَلُوا كِبارَهم وسَبَوْا صِغارَهم وحَرَقُوا التَّوْراةَ وخَرَّبُوا المَسْجِدَ. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا مَنَعُوا تَسْلِيطَ اللَّهِ الكافِرَ عَلى ذَلِكَ أوَّلُوا البَعْثَ بِالتَّخْلِيَةِ وعَدَمِ المَنعِ. ﴿وَكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ وكانَ وعْدُ عِقابِهِمْ لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ.

الإسراء 17:6

﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيِ الدُّولَةَ والغَلَبَةَ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْكم، وذَلِكَ بِأنْ ألْقى اللَّهُ في قَلْبِ بَهْمَنَ بْنِ أسْفَنْدِيارَ لَمّا ورِثَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسَفَ بْنِ لَهْراسَفَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ أسْراهم إلى الشّامِ ومَلَّكَ دانْيالَ عَلَيْهِمْ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بَخْتِنْصَرَ، أوْ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى جالُوتَ فَقَتَلَهُ ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ، والنَّفِيرُ مَن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ وقِيلَ جَمْعُ نَفَرٍ وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ.

الإسراء 17:7

(p-249)﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ لِأنَّ ثَوابَهُ لَها. ﴿وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْها، وإنَّما ذَكَرَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ وعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآخِرَةِ. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم أيْ يَجْعَلُوها بادِيَةَ آثارِ المَساءَةِ فِيها، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ « لِيَسُوءَ» عَلى التَّوْحِيدِ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ أوْ لِلَّهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالنُّونِ. وقُرِئَ « لِنَسُوأنَّ» بِالنُّونِ والياءِ والنُّونِ المُخَفَّفَةِ والمُثَقَّلَةِ، و « لَنَسُوأنَّ» بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ جَوابُ إذا واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو بَعَثْناهم. ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا﴾ لِيُهْلِكُوا. ﴿ما عَلَوْا﴾ ما غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ أوْ مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ. ﴿تَتْبِيرًا﴾ ذَلِكَ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الفُرْسَ مَرَّةً أُخْرى فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ جُودَرْزَ، وقِيلَ حَرْدُوسَ قِيلَ دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا فَقالَ: ما صَدَقُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ، ثُمَّ قالَ إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى فَقالَ لِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم، ثُمَّ قالَ يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ.

الإسراء 17:8

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بَعْدَ المَرَّةِ الآخِرَةِ. ﴿وَإنْ عُدْتُمْ﴾ نَوْبَةً أُخْرى. ﴿عُدْنا﴾ مَرَّةً ثالِثَةً إلى عُقُوبَتِكم وقَدْ عادُوا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَصْدِ قَتْلِهِ فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ قُرَيْظَةَ وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى الباقِينَ هَذا لَهم في الدُّنْيا. ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ مَحْبَسًا لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِنها أبَدَ الآبادِ. وقِيلَ بِساطًا كَما يُبْسُطُ الحَصِيرُ.

الإسراء 17:9

﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ لِلْحالَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ أوِ الطُّرُقِ. ﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وَيُبَشِّرُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾، والمَعْنى أنَّهُ يُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِبِشارَتَيْنِ ثَوابِهِمْ وعِقابِ أعْدائِهِمْ، أوْ عَلى ﴿يُبَشِّرُ﴾ بِإضْمارِ يُخْبِرُ.

الإسراء 17:10

﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ لِلْحالَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ أوِ الطُّرُقِ. ﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وَيُبَشِّرُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾، والمَعْنى أنَّهُ يُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِبِشارَتَيْنِ ثَوابِهِمْ وعِقابِ أعْدائِهِمْ، أوْ عَلى ﴿يُبَشِّرُ﴾ بِإضْمارِ يُخْبِرُ.

الإسراء 17:11

﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ غَضَبِهِ بِالشَّرِّ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، أوْ يَدْعُوهُ بِما يَحْسَبُهُ خَيْرًا وهو شَرٌّ. ﴿دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يُسارِعُ إلى كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ لا يَنْظُرُ عاقِبَتَهُ. وقِيلَ المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ لَمّا انْتَهى الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ ذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَسَقَطَ. رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَ أسِيرًا إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَرَحِمَتْهُ لِأنِينِهِ فَأرْخَتْ كَتافَهَ، فَهَرَبَ فَدَعا عَلَيْها بِقَطْعِ اليَدِ ثُمَّ نَدِمَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ فَمَن دَعَوْتُ عَلَيْهِ فاجْعَلْ دُعائِي رَحْمَةً لَهُ فَنَزَلَتْ.» وَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالإنْسانِ الكافِرَ وبِالدُّعاءِ اسْتِعْجالَهُ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً كَقَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ: اللَّهُمَّ انْصُرْ خَيْرَ الحِزْبَيْنِ، ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ. فَأُجِيبَ لَهُ فَضُرِبَ عُنُقُهُ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ.(p-250)

الإسراء 17:12

﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ تَدُلّانِ عَلى القادِرِ الحَكِيمِ بِتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بِإمْكانِ غَيْرِهِ. ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيِ الآيَةُ الَّتِي هي اللَّيْلُ، بِالإشْراقِ والإضافَةُ فِيهِما لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ. ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ مُضِيئَةً أوْ مُبْصِرَةً لِلنّاسِ مِن أبْصَرَهُ فَبَصُرَ، أوْ مُبْصِرًا أهْلَهُ كَقَوْلِهِمْ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ. وقِيلَ الآيَتانِ القَمَرُ والشَّمْسُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، أوْ جَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوَيْ آيَتَيْنِ ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ الَّتِي هي القَمَرُ جَعْلُها مُظْلِمَةً في نَفْسِها مَطْمُوسَةَ النُّورُ، أوْ نَقْصُ نُورِها شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المِحاقِ، وجَعَلَ آيَةَ النَّهارِ الَّتِي هي الشَّمْسُ مُبْصِرَةً جَعَلَها ذاتَ شُعاعٍ تُبْصَرُ الأشْياءُ بِضَوْئِها. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ لِتَطْلُبُوا في بَياضِ النَّهارِ أسْبابَ مَعاشِكم وتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم. ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ بِاخْتِلافِهِما أوْ بِحَرَكاتِهِما. ﴿عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ وجِنْسَ الحِسابِ. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا. ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ بَيَّناهُ بَيانًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ.

الإسراء 17:13

﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ عَمَلَهُ وما قُدِّرَ لَهُ كَأنَّهُ طِيرَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، لِما كانُوا يَتَيَمَّنُونَ ويَتَشاءَمُونَ بِسُنُوحِ الطّائِرِ وبِرَوْحِهِ، اسْتُعِيرَ لِما هو سَبَبُ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وعَمَلِ العَبْدِ. ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ لُزُومَ الطَّوْقِ في عُنُقِهِ. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا﴾ هي صَحِيفَةُ عَمَلِهِ أوْ نَفْسُهُ المُنْتَقِشَةُ بِآثارِ أعْمالِهِ، فَإنَّ الأعْمالَ الِاخْتِيارِيَّةَ تُحْدِثُ في النَّفْسِ أحْوالًا ولِذَلِكَ يُفِيدُ تَكْرِيرُها لَها مَلَكاتٍ، ونَصْبُهُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، وهو ضَمِيرُ الطّائِرِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ (وَيَخْرُجُ) مِن خَرَجَ و « يُخْرَجُ» وقُرِئَ « ويُخْرِجُ» أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ لِكَشْفِ الغِطاءِ، وهُما صِفَتانِ لِلْكِتابِ، أوْ ﴿يَلْقاهُ﴾ صِفَةٌ و﴿مَنشُورًا﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُلْقاهُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن لَقِيتُهُ كَذا.

الإسراء 17:14

﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ كَفى نَفْسُكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ و ﴿حَسِيبًا﴾ تَمْيِيزٌ وعَلى صِلَتُهُ لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا أوْ بِمَعْنى الكافِي فَوُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ، لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ، وتَذْكِيرُهُ عَلى أنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ. ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لا يُنْجِي اهْتِداؤُهُ غَيْرَهُ ولا يُرْدِي ضَلالُهُ سِواهُ. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً وِزْرًا وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وِزْرَها. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ يُبَيِّنُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ فَيُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا وُجُوبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.

الإسراء 17:15

﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ كَفى نَفْسُكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ و ﴿حَسِيبًا﴾ تَمْيِيزٌ وعَلى صِلَتُهُ لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا أوْ بِمَعْنى الكافِي فَوُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ، لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ، وتَذْكِيرُهُ عَلى أنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ. ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لا يُنْجِي اهْتِداؤُهُ غَيْرَهُ ولا يُرْدِي ضَلالُهُ سِواهُ. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً وِزْرًا وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وِزْرَها. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ يُبَيِّنُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ فَيُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا وُجُوبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.

الإسراء 17:16

﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُنا بِإهْلاكِ قَوْمٍ لِإنْفاذِ قَضائِنا السّابِقِ، أوْ دَنا وقْتُهُ المُقَدَّرُ كَقَوْلِهِمْ: إذا أرادَ المَرِيضُ أنْ يَمُوتَ ازْدادَ مَرَضُهُ شِدَّةً. ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ مُتَنَعَّمِيها بِالطّاعَةِ عَلى لِسانِ رَسُولٍ (p-251)بَعَثْناهُ إلَيْهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنَّ الفِسْقَ هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ والتَّمَرُّدُ في العِصْيانِ، فَيَدُلُّ عَلى الطّاعَةِ مِن طَرِيقِ المُقابَلَةِ، وقِيلَ أمَرْناهم بِالفِسْقِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ كَقَوْلِكَ أمَرْتُهُ فَقَرَأ، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الأمْرُ بِالقِراءَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مَجازٌ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْهِ، أوِ التَّسَبُّبُ لَهُ بِأنَّ صَبَّ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما أبْطَرَهم وأفْضى بِهِمْ إلى الفُسُوقِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَفْعُولٌ مَنَوِيٌّ كَقَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي. وقِيلَ مَعْناهُ كَثَّرْنا يُقالُ: أمَرْتُ الشَّيْءَ وآمَرْتُهُ فَأُمِرَ إذا كَثَّرْتَهُ، وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ المالِ سَكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ»، أيْ كَثِيرَةُ النِّتاجِ. وهو أيْضًا مَجازٌ مِن مَعْنى الطَّلَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ « آمَرْنا» ورِوايَةُ ﴿أمَرْنا﴾ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن أمُرَ بِالضَّمِّ أمارَةً أيْ جَعَلْناهم أُمَراءَ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ لِأنَّ غَيْرَهم يَتْبَعُهم ولِأنَّهم أسْرَعُ إلى الحَماقَةِ وأقْدَرُ عَلى الفُجُورِ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ العَذابِ السّابِقَةَ بِحُلُولِهِ، أوْ بِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي. ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أهْلَكْناها بِإهْلاكِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ.

الإسراء 17:17

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ وكَثِيرًا أهْلَكْنا. ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ بَيانٌ لَكم وتَمْيِيزٌ لَهُ. ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يُدْرِكُ بَواطِنَها وظَواهِرَها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ مَقْصُورًا عَلَيْها هَمُّهُ. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ قَيَّدَ المُعَجَّلَ والمُعَجَّلَ لَهُ بِالمَشِيئَةِ والإرادَةِ لِأنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلٌّ واجِدٌ جَمِيعَ ما يَهْواهُ ولِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ والهَمُّ فَضْلٌ. (وَلِمَن نُرِيدُ) بَدَلٌ مِن لَهُ بَدَلَ البَعْضِ. وقُرِئَ « ما يَشاءُ» والضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى حَتّى يُطابِقَ المَشْهُورَةَ. وقِيلَ ﴿لِمَن﴾ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ في المُنافِقِينَ كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ ويَغْزُونَ مَعَهم ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ ونَحْوِها. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

الإسراء 17:18

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ وكَثِيرًا أهْلَكْنا. ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ بَيانٌ لَكم وتَمْيِيزٌ لَهُ. ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يُدْرِكُ بَواطِنَها وظَواهِرَها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ مَقْصُورًا عَلَيْها هَمُّهُ. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ قَيَّدَ المُعَجَّلَ والمُعَجَّلَ لَهُ بِالمَشِيئَةِ والإرادَةِ لِأنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلٌّ واجِدٌ جَمِيعَ ما يَهْواهُ ولِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ والهَمُّ فَضْلٌ. (وَلِمَن نُرِيدُ) بَدَلٌ مِن لَهُ بَدَلَ البَعْضِ. وقُرِئَ « ما يَشاءُ» والضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى حَتّى يُطابِقَ المَشْهُورَةَ. وقِيلَ ﴿لِمَن﴾ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ في المُنافِقِينَ كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ ويَغْزُونَ مَعَهم ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ ونَحْوِها. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

الإسراء 17:19

﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ حَقَّها مِنَ السَّعْيِ وهو الإتْيانُ بِما أمَرَ بِهِ، والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى عَنْهُ لا التَّقَرُّبُ بِما يَخْتَرِعُونَ بِآرائِهِمْ. وفائِدَةُ اللّامِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا شِرْكَ مَعَهُ ولا تَكْذِيبَ فَإنَّهُ العُمْدَةُ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الجامِعُونَ لِلشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ. ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْبُولًا عِنْدَهُ مُثابًا عَلَيْهِ، فَإنَّ شُكْرَ اللَّهِ الثَّوابُ عَلى الطّاعَةِ. ﴿كُلا﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. ﴿نُمِدُّ﴾ بِالعَطاءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ونَجْعَلُ آنِفَهُ مَدَدًا لِسالِفِهِ. ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلا﴾ . ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ مِن مُعْطاهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿نُمِدُّ﴾ . ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ في الدُّنْيا مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ تَفَضُّلًا.

الإسراء 17:20

﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ حَقَّها مِنَ السَّعْيِ وهو الإتْيانُ بِما أمَرَ بِهِ، والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى عَنْهُ لا التَّقَرُّبُ بِما يَخْتَرِعُونَ بِآرائِهِمْ. وفائِدَةُ اللّامِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا شِرْكَ مَعَهُ ولا تَكْذِيبَ فَإنَّهُ العُمْدَةُ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الجامِعُونَ لِلشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ. ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْبُولًا عِنْدَهُ مُثابًا عَلَيْهِ، فَإنَّ شُكْرَ اللَّهِ الثَّوابُ عَلى الطّاعَةِ. ﴿كُلا﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. ﴿نُمِدُّ﴾ بِالعَطاءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ونَجْعَلُ آنِفَهُ مَدَدًا لِسالِفِهِ. ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلا﴾ . ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ مِن مُعْطاهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿نُمِدُّ﴾ . ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ في الدُّنْيا مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ تَفَضُّلًا.

الإسراء 17:21

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ في الرِّزْقِ، وانْتِصابُ ﴿كَيْفَ﴾ بِـ ﴿فَضَّلْنا﴾ عَلى الحالِ. (p-252)﴿وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ أيِ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ أكْبُرُ، لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها والنّارِ ودَرَكاتِها. ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فَتَصِيرَ مِن قَوْلِهِمْ شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أوْ فَتَعْجَزَ مِن قَوْلِهِمْ قَعَدَ عَنِ الشَّيْءِ إذا عَجَزَ عَنْهُ. ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُوَحِّدَ يَكُونُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا.

الإسراء 17:22

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ في الرِّزْقِ، وانْتِصابُ ﴿كَيْفَ﴾ بِـ ﴿فَضَّلْنا﴾ عَلى الحالِ. (p-252)﴿وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ أيِ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ أكْبُرُ، لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها والنّارِ ودَرَكاتِها. ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فَتَصِيرَ مِن قَوْلِهِمْ شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أوْ فَتَعْجَزَ مِن قَوْلِهِمْ قَعَدَ عَنِ الشَّيْءِ إذا عَجَزَ عَنْهُ. ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُوَحِّدَ يَكُونُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا.

الإسراء 17:23

﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ وأمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ. ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ بِأنْ لا تَعْبُدُوا. ﴿إلا إيّاهُ﴾ لِأنَّ غايَةَ التَّعْظِيمِ لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ غايَةُ العَظَمَةِ ونِهايَةُ الإنْعامِ، وهو كالتَّفْصِيلِ لِسَعْيِ الآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً ولا ناهِيَةً. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وبِأنْ تُحْسِنُوا، أوْ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا لِأنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرُ لِلْوُجُودِ والتَّعَيُّشِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِالإحْسانِ لِأنَّ صِلَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ. ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ ﴿إمّا﴾ هي إنِ الشُّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْها ما تَأْكِيدًا ولِذَلِكَ صَحَّ لُحُوقُ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ لِلْفِعْلِ، وأحَدُهُما فاعِلُ ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ وبَدَلٌ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ مِن ألِفِ « يَبْلُغانِ» الرّاجِعِ إلى « الوالِدَيْنِ»، وكِلاهُما عُطِفَ عَلى أحَدِهِما فاعِلًا أوْ بَدَلًا ولِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْألِفِ، ومَعْنى ﴿عِنْدَكَ﴾ أنْ يَكُونا في كَنَفِكَ وكَفالَتِكَ. ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ فَلا تَتَضَجَّرْ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنهُما وتَسْتَثْقِلْ مِن مُؤْنَتِهِما، وهو صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى تَضَجُّرٍ. وقِيلَ هو اسْمُ الفِعْلِ الَّذِي هو أتَضَجَّرُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وتَنْوِينُهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وحَفْصٍ لِلتَّنْكِيرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى التَّخْفِيفِ. وقُرِئَ بِهِ مُنَوَّنًا وبِالضَّمِّ لِلْإتْباعِ كَمُنْذُ مُنَوُّنًا وغَيْرُ مُنَوَّنٍ، والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ قِياسًا بِطَرِيقِ الأوْلى. وقِيلَ عُرْفًا كَقَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ النَّقِيرَ والقِطْمِيرَ، ولِذَلِكَ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ مِن قَتْلِ أبِيهِ وهو في صَفِّ المُشْرِكِينَ، نَهى عَمّا يُؤْذِيهِما بَعْدَ الأمْرِ بِالإحْسانِ بِهِما. ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ ولا تَزْجُرْهُما عَمّا لا يُعْجِبُكَ بِإغْلاظٍ. وَقِيلَ النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ. ﴿وَقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ. ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ جَمِيلًا لا شَراسَةَ فِيهِ.

الإسراء 17:24

﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ تَذَلَّلْ لَهُما وتَواضَعْ فِيهِما، وجَعَلَ لِلذُّلِّ جَناحًا كَما جَعَلَ لَبِيَدٌ في قَوْلِهِ: ؎ وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كُشِفَتْ وقُرَّةٌ. . . إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها لِلشَّمالِ يَدًا أوْ لِلْقُرَّةِ زِمامًا، وأمْرُهُ بِخَفْضِهِ مُبالَغَةٌ أوْ أرادَ جَناحَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . وإضافَتُهُ إلى الذُّلِّ لِلْبَيانِ والمُبالَغَةِ كَما أُضِيفَ حاتِمٌ إلى الجُودِ، والمَعْنى واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ. وقُرِئَ « الذِّلُ» بِالكَسْرِ وهو الِانْقِيادُ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلُولٌ. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ عَلَيْهِما لِافْتِقارِهِما إلى مَن كانَ أفْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِما بِالأمْسِ. ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ وادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْحَمَهُما بِرَحْمَتِهِ الباقِيَةِ، ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ وإنْ كانا كافِرَيْنِ لِأنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ أنْ يَهْدِيَهُما. ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ رَحْمَةً مِثْلَ رَحْمَتِهِما عَلَيَّ وتَرْبِيَتِهِما وإرْشادِهِما لِي في صِغَرِي وفاءً بِوَعْدِكَ لِلرّاحِمِينَ. رُوِيَ: « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبَوَيَّ بَلَغا مِنَ الكِبَرِ أنِّي ألِي مِنهُما ما ولَيا مِنِّي في الصِّغَرِ فَهَلْ قَضَيْتُهُما حَقَّهُما. قالَ: لا فَإنَّهُما كانا يَفْعَلانِ ذَلِكَ وهُما يُحِبّانِ بَقاءَكَ وأنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتُرِيدُ مَوْتَهُما)» .(p-253)

الإسراء 17:25

﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ مِن قَصْدِ البِرِّ إلَيْهِما واعْتِقادِ ما يَجِبُ لَهُما مِنَ التَّوْقِيرِ، وكَأنَّهُ تَهْدِيدٌ عَلى أنْ يُضْمِرَ لَهُما كَراهَةً واسْتِثْقالًا. ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ. ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ لِلتَّوّابِينَ. ﴿غَفُورًا﴾ ما فَرَطَ مِنهم عِنْدَ حَرَجِ الصَّدْرِ مِن أذِيَّةٍ أوْ تَقْصِيرٍ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ تائِبٍ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.

الإسراء 17:26

﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ والبِرِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: حَقُّهم إذا كانُوا مَحارِمَ فَقُراءَ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ المُرادُ بِذِي القُرْبى أقارِبُ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ بِصَرْفِ المالِ فِيما لا يَنْبَغِي وإنْفاقِهِ عَلى وجْهِ الإسْرافِ، وأصْلُ التَّبْذِيرَ التَّفْرِيقُ. « وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ لِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ: ما هَذا السَّرَفُ قالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ» . ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أمْثالَهم في الشَّرارَةِ فَإنَّ التَّضْيِيعَ والإتْلافَ شَرٌّ، أوْ أصْدِقاءَهم وأتْباعَهم لِأنَّهم يُطِيعُونَهم في الإسْرافِ والصَّرْفِ في المَعاصِي. رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وأمَرَهم بِالإنْفاقِ في القُرُباتِ. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مُبالِغًا في الكُفْرِ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُطاعَ.

الإسراء 17:27

﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ والبِرِّ عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: حَقُّهم إذا كانُوا مَحارِمَ فَقُراءَ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ المُرادُ بِذِي القُرْبى أقارِبُ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ بِصَرْفِ المالِ فِيما لا يَنْبَغِي وإنْفاقِهِ عَلى وجْهِ الإسْرافِ، وأصْلُ التَّبْذِيرَ التَّفْرِيقُ. « وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ لِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ: ما هَذا السَّرَفُ قالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ» . ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أمْثالَهم في الشَّرارَةِ فَإنَّ التَّضْيِيعَ والإتْلافَ شَرٌّ، أوْ أصْدِقاءَهم وأتْباعَهم لِأنَّهم يُطِيعُونَهم في الإسْرافِ والصَّرْفِ في المَعاصِي. رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وأمَرَهم بِالإنْفاقِ في القُرُباتِ. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مُبالِغًا في الكُفْرِ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُطاعَ.

الإسراء 17:28

﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ وإنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ الرَّدِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ عَنْهم أنْ لا يَنْفَعَهم عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ. ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ لِانْتِظارِ رِزْقٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُوهُ أنْ يَأْتِيَكَ فَتُعْطِيَهُ، أوْ مُنْتَظِرِينَ لَهُ وقِيلَ مَعْناهُ لِفَقْدِ رِزْقٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهُ أنْ يَفْتَحَ لَكَ فَوُضِعَ الِابْتِغاءُ مَوْضِعَهُ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالجَوابِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أيْ فَقُلْ لَهم قَوْلًا لَيِّنًا ابْتِغاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمْ بِإجْمالِ القَوْلِ لَهم، والمَيْسُورُ مِن يُسْرِ الأمْرِ مِثْلَ سَعُدَ الرَّجُلُ ونَحُسَ، وقِيلَ القَوْلُ المَيْسُورُ الدُّعاءُ لَهم بِالمَيْسُورِ وهو اليُسْرُ مِثْلَ أغْناكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكم.

الإسراء 17:29

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ وإسْرافِ المُبَذِّرِ، نَهى عَنْهُما آمِرًا بِالِاقْتِصادِ بَيْنَهُما الَّذِي هو الكَرَمُ. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ بِالإسْرافِ وسُوءِ التَّدْبِيرِ. ﴿مَحْسُورًا﴾ نادِمًا أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ مِن حَسْرَةِ السَّفَرِ إذا بَلَغَ مِنهُ. وَعَنْ جابِرٍ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ أتاهُ صَبِيٌّ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا، فَقالَ ﷺ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ فَعُدْ إلَيْنا، فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَدَخَلَ ﷺ دارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا وأذَّنَ بِلالٌ وانْتَظَرُوهُ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ثُمَّ سَلّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ بِمَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ فَلَيْسَ ما يُرْهِقُكَ مِنَ الإضافَةِ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ.» ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهم فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ البَسْطَ (p-254)والقَبْضَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى العالِمِ بِالسَّرائِرِ والظَّواهِرِ، فَأمّا العِبادُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْتَصِدُوا، أوْ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ تارَةً ويَقْبِضُ أُخْرى فاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ ولا تَقْبِضُوا كُلَّ القَبْضِ ولا تَبْسُطُوا كُلَّ البَسْطِ، وأنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى:

الإسراء 17:30

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ وإسْرافِ المُبَذِّرِ، نَهى عَنْهُما آمِرًا بِالِاقْتِصادِ بَيْنَهُما الَّذِي هو الكَرَمُ. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ بِالإسْرافِ وسُوءِ التَّدْبِيرِ. ﴿مَحْسُورًا﴾ نادِمًا أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ مِن حَسْرَةِ السَّفَرِ إذا بَلَغَ مِنهُ. وَعَنْ جابِرٍ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ أتاهُ صَبِيٌّ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا، فَقالَ ﷺ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ فَعُدْ إلَيْنا، فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَدَخَلَ ﷺ دارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا وأذَّنَ بِلالٌ وانْتَظَرُوهُ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ثُمَّ سَلّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ بِمَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ فَلَيْسَ ما يُرْهِقُكَ مِنَ الإضافَةِ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ.» ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهم فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ البَسْطَ (p-254)والقَبْضَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى العالِمِ بِالسَّرائِرِ والظَّواهِرِ، فَأمّا العِبادُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْتَصِدُوا، أوْ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ تارَةً ويَقْبِضُ أُخْرى فاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ ولا تَقْبِضُوا كُلَّ القَبْضِ ولا تَبْسُطُوا كُلَّ البَسْطِ، وأنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى:

الإسراء 17:31

﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ مَخافَةَ الفاقَةِ، وقَتْلُهم أوْلادَهم هو وأْدُهم بَناتِهِمْ مَخافَةَ الفَقْرِ فَنَهاهم عَنْهُ وضَمِنَ لَهم أرْزاقَهم فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ذَنْبًا كَبِيرًا لِما فِيهِ مِن قَطْعِ التَّناسُلِ وانْقِطاعِ النَّوْعِ، والـ ﴿خَطَأً﴾ الإثْمُ يُقالُ خَطِئَ خَطَأً كَأثِمَ إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿خَطَأً﴾ وهو اسْمٌ مَن أخْطَأ يُضادُّ الصَّوابَ، وقِيلَ لُغَةٌ فِيهِ كَمِثْلٍ ومَثَلٍ وحِذْرٍ وحَذَرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « خِطاءً» بِالمَدِّ والكَسْرِ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ أوْ مَصْدَرُ خاطَأ وهو وإنْ لَمْ يُسْمَعْ لَكِنَّهُ جاءَ تَخاطَأ في قَوْلِهِ: ؎ تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ. . . وخَرْطُومُهُ في مَنقَعِ الماءِ راسِبُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ وقُرِئَ « خَطاءً» بِالفَتْحِ والمَدِّ وخَطا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحًا ومَكْسُورًا.

الإسراء 17:32

﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ فَضْلًا عَنْ أنْ تُباشِرُوهُ. ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ فِعْلَةً ظاهِرَةَ القُبْحِ زائِدَتُهُ. ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ، وهو الغَصْبُ عَلى الإبْضاعِ المُؤَدِّي إلى قَطْعِ الأنْسابِ وهَيْجِ الفِتَنِ.

الإسراء 17:33

﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ: وزَنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ مُؤْمِنٍ مَعْصُومٍ عَمْدًا. ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ غَيْرَ مُسْتَوْجِبٍ لِلْقَتْلِ. ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ لِلَّذِي يَلِي أمْرَهُ بَعْدَ وفاتِهِ وهو الوارِثُ. ﴿سُلْطانًا﴾ تَسَلُّطًا بِالمُؤاخَذَةِ بِمُقْتَضى القَتْلِ عَلى مَن عَلَيْهِ، أوْ بِالقِصاصِ عَلى القاتِلِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَظْلُومًا﴾ بَدَلٌ عَلى أنَّ القَتْلَ عَمْدُ عُدْوانٍ فَإنَّ الخَطَأ لا يُسَمّى ظُلْمًا. ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ أيِ القاتِلُ. ﴿فِي القَتْلِ﴾ بِأنْ يَقْتُلَ مَن لا يُسْتَحَقُّ قَتْلُهُ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَفْعَلُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ أوِ الوَلِيُّ بِالمُثْلَةِ، أوْ قَتْلُ غَيْرِ القاتِلِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ أُبَيٍّ « فَلا تُسْرِفُوا» . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « فَلا تُسْرِفْ» عَلى خِطابِ أحَدِهِما. ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ عِلَّةُ النَّهْيِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والضَّمِيرُ إمّا لِلْمَقْتُولِ فَإنَّهُ مَنصُورٌ في الدُّنْيا بِثُبُوتِ القَصاصِ بِقَتْلِهِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، وإمّا لِوَلِيِّهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ حَيْثُ أوْجَبَ القَصاصَ لَهُ وأمَرَ الوُلاةَ بِمَعُونَتِهِ، وإمّا لِلَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيُّ إسْرافًا بِإيجابِ القِصاصِ أوِ التَّعْزِيرِ والوِزْرُ عَلى المُسْرِفِ.

الإسراء 17:34

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ فَضْلًا أنْ تَتَصَرَّفُوا فِيهِ. ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إلّا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةٌ لِجَوازِ التَّصَرُّفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ. ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ بِما عاهَدَكُمُ اللَّهُ مِن تَكالِيفِهِ، أوْ ما عاهَدْتُمُوهُ وغَيْرُهُ. ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ مَطْلُوبًا يُطْلَبُ مِنَ المَعاهَدِ أنْ لا يُضَيِّعَهُ ويَفِيَ بِهِ، أوْ مَسْؤُولًا عَنْهُ يُسْألُ النّاكِثُ ويُعاتَبُ عَلَيْهِ لِمَ نَكَثْتَ، أوْ يُسْألُ العَهْدُ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، فَيَكُونُ تَخْيِيلًا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ صاحِبَ العَهْدِ كانَ مَسْؤُولًا.(p-255)

الإسراء 17:35

﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ ولا تَبْخَسُوا فِيهِ ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وهو رُومِيٌّ عُرِّبَ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّ العَجَمِيَّ إذا اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ وأجْرَتْهُ مَجْرى كَلامِهِمْ في الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ ونَحْوِها صارَ عَرَبِيًّا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ هُنا وفي « الشُّعَراءِ» . ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ وأحْسَنُ عاقِبَةً تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ.

الإسراء 17:36

﴿وَلا تَقْفُ﴾ ولا تَتَبِّعْ وقُرِئَ « ولا تَقْفَ» مِن قافَ أثَرَهُ إذا قَفاهُ ومِنهُ القافَةُ. ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُكَ تَقْلِيدًا أوْ رَجْمًا بِالغَيْبِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن مَنَعَ اتِّباعَ الظَّنِّ وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هو الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ المُسْتَفادُ مِن سَنَدٍ، سَواءٌ كانَ قَطْعًا أوْ ظَنًّا واسْتِعْمالُهُ بِهَذا المَعْنى سائِغٌ شائِعٌ. وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ. وقِيلَ بِالرَّمْيِ وشَهادَةِ الزُّورِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» . وقَوْلُ الكُمَّيْتِ: ؎ ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. . . ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ قُفِينا ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الأعْضاءِ فَأجْراها مَجْرى العُقَلاءِ لَمّا كانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى صاحِبِها، هَذا وإنَّ (أُولاءِ) وإنْ غَلَبَ في العُقَلاءِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِذا وهو يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ جاءَ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ؎ والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ في ثَلاثَتِها ضَمِيرُ كُلٍّ أيْ كانَ كُلٌّ واحِدٍ مِنها مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ، يَعْنِي عَمّا فَعَلَ بِهِ صاحِبُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في عَنْهُ لِمَصْدَرِ (لا تَقْفُ) أوْ لِصاحِبِ السَّمْعِ والبَصَرِ. وقِيلَ ﴿مَسْؤُولا﴾ مُسْنَدٌ إلى ﴿عَنْهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى يُسْألُ صاحِبُهُ عَنْهُ، وهو خَطَأٌ لِأنَّ الفاعِلَ وما يَقُومُ مَقامَهُ لا يَتَقَدَّمُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُؤاخَذٌ بِعَزْمِهِ عَلى المَعْصِيَةِ. وقُرِئَ ﴿والفُؤادَ﴾ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ ثُمَّ إبْدالُها بِالفَتْحِ.

الإسراء 17:37

﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ ذا مَرَحٍ وهو الِاخْتِيالُ. وقُرِئَ ﴿مَرَحًا﴾ وهو بِاعْتِبارِ الحُكْمِ أبْلَغُ وإنْ كانَ المَصْدَرُ آكَدَ مِن صَرِيحِ النَّعْتِ. ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِشِدَّةِ وطْأتِكَ. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ بِتَطاوُلِكَ وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِأنَّ الِاخْتِيالَ حَماقَةٌ مُجَرَّدَةٌ لا تَعُودُ بِجَدْوى لَيْسَ في التَّذَلُّلِ. ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخِصالِ الخَمْسِ والعِشْرِينَ المَذْكُورَةِ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها المَكْتُوبَةُ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ عَنْهُ فَإنَّ المَذْكُوراتِ مَأْمُوراتٌ ومَناهٍ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ﴿سَيِّئُهُ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ والِاسْمُ ضَمِيرُ ﴿كُلُّ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما نَهى عَنْهُ خاصَّةً وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿سَيِّئُهُ﴾ أوْ صِفَةٌ لَها مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، فَإنَّهُ بِمَعْنى سَيِّئًا وقَدْ قُرِئَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ مَكْرُوهًا عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿كانَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿سَيِّئُهُ﴾، والمُرادُ بِهِ المَبْغُوضُ المُقابِلُ (p-256)لِلْمَرْضى لا ما يُقابِلُ المُرادُ لِقِيامِ القاطِعِ عَلى أنَّ الحَوادِثَ كُلَّها واقِعَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى.

الإسراء 17:38

﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ ذا مَرَحٍ وهو الِاخْتِيالُ. وقُرِئَ ﴿مَرَحًا﴾ وهو بِاعْتِبارِ الحُكْمِ أبْلَغُ وإنْ كانَ المَصْدَرُ آكَدَ مِن صَرِيحِ النَّعْتِ. ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِشِدَّةِ وطْأتِكَ. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ بِتَطاوُلِكَ وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِأنَّ الِاخْتِيالَ حَماقَةٌ مُجَرَّدَةٌ لا تَعُودُ بِجَدْوى لَيْسَ في التَّذَلُّلِ. ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخِصالِ الخَمْسِ والعِشْرِينَ المَذْكُورَةِ. مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها المَكْتُوبَةُ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ عَنْهُ فَإنَّ المَذْكُوراتِ مَأْمُوراتٌ ومَناهٍ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ﴿سَيِّئُهُ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ والِاسْمُ ضَمِيرُ ﴿كُلُّ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما نَهى عَنْهُ خاصَّةً وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿سَيِّئُهُ﴾ أوْ صِفَةٌ لَها مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، فَإنَّهُ بِمَعْنى سَيِّئًا وقَدْ قُرِئَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ مَكْرُوهًا عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿كانَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿سَيِّئُهُ﴾، والمُرادُ بِهِ المَبْغُوضُ المُقابِلُ (p-256)لِلْمَرْضى لا ما يُقابِلُ المُرادُ لِقِيامِ القاطِعِ عَلى أنَّ الحَوادِثَ كُلَّها واقِعَةٌ بِإرادَتِهِ تَعالى.

الإسراء 17:39

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ. ﴿مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ الَّتِي هي مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِلْعَمَلِ بِهِ. ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ، فَإنَّ مَن لا قَصْدَ لَهُ بَطَلَ عَمَلُهُ ومَن قَصَدَ بِفِعْلِهِ أوْ تَرْكِهِ غَيْرَهُ ضاعَ سَعْيُهُ، وأنَّهُ رَأْسُ الحِكْمَةِ ومَلاكُها، ورَتَّبَ عَلَيْهِ أوَّلًا ما هو عائِدُهُ الشِّرْكُ في الدُّنْيا وثانِيًا ما هو نَتِيجَتُهُ في العُقْبى فَقالَ تَعالى: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تَلُومُ نَفْسَكَ. ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

الإسراء 17:40

﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ خِطابٌ لِمَن قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والمَعْنى: أفَخَصَّكم رَبُّكم بِأفْضَلِ الأوْلادِ وهُمُ البَنُونَ. ﴿واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ بَناتٍ لِنَفْسِهِ وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ عُقُولُكم وعادَتُكم. ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ بِإضافَةِ الأوْلادِ إلَيْهِ، وهي خاصَّةُ بَعْضِ الأجْسامِ لِسُرْعَةِ زَوالِها، ثُمَّ بِتَفْضِيلِ أنْفُسِكم عَلَيْهِ حَيْثُ تَجْعَلُونَ لَهُ ما تَكْرَهُونَ ثُمَّ بِجَعْلِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ خَلْقِ اللَّهِ أدْوَنَهم.

الإسراء 17:41

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا هَذا المَعْنى بِوُجُوهٍ مِنَ التَّقْرِيرِ. ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ في مَواضِعَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالُ إضافَةِ البَناتِ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا القَوْلَ في هَذا المَعْنى أوْ أوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ، وقُرِئَ « صَرَفْنا» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ لِيَتَذَكَّرُوا وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي الفُرْقانِ (لِيَذْكُرُوا) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّذَكُّرِ. ﴿وَما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ عَنِ الحَقِّ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَةٍ إلَيْهِ. (قُلْ لَّوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ) أيُّها المُشْرِكُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ووافَقَهُما نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ في الثّانِيَةِ عَلى أنَّ الأُولى مِمّا أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ، أنْ يُخاطِبَ بِهِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَةَ مِمّا نَزَّهَ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ وجَزاءٌ لِـ ﴿لَوْ﴾ والمَعْنى: لَطَلَبُوا إلى مَن هو مالِكُ المُلْكِ سَبِيلًا بِالمُعازَّةِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، أوْ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِقُدْرَتِهِ وعَجْزِهِمْ كَقَوْلِهِمْ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ .

الإسراء 17:42

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا هَذا المَعْنى بِوُجُوهٍ مِنَ التَّقْرِيرِ. ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ في مَواضِعَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالُ إضافَةِ البَناتِ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا القَوْلَ في هَذا المَعْنى أوْ أوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ، وقُرِئَ « صَرَفْنا» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ لِيَتَذَكَّرُوا وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي الفُرْقانِ (لِيَذْكُرُوا) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّذَكُّرِ. ﴿وَما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ عَنِ الحَقِّ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَةٍ إلَيْهِ. (قُلْ لَّوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ) أيُّها المُشْرِكُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ووافَقَهُما نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ في الثّانِيَةِ عَلى أنَّ الأُولى مِمّا أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ، أنْ يُخاطِبَ بِهِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَةَ مِمّا نَزَّهَ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ وجَزاءٌ لِـ ﴿لَوْ﴾ والمَعْنى: لَطَلَبُوا إلى مَن هو مالِكُ المُلْكِ سَبِيلًا بِالمُعازَّةِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، أوْ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِقُدْرَتِهِ وعَجْزِهِمْ كَقَوْلِهِمْ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ .

الإسراء 17:43

﴿سُبْحانَهُ﴾ يُنَزَّهُ تَنْزِيهًا. ﴿وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا. ﴿كَبِيرًا﴾ مُتَباعِدًا غايَةَ البُعْدِ عَمّا يَقُولُونَ، فَإنَّهُ في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ يُنَزِّهُهُ عَمّا هو مِن لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ تَدُلُّ بِإمْكانِها وحُدُوثِها عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ لِذاتِهِ. ﴿وَلَكِنْ (p-257)لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ التَّسْبِيحُ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ اللَّفْظِ والدَّلالَةِ لِإسْنادِهِ إلى ما يُتَصَوَّرُ مِنهُ اللَّفْظُ وإلى ما لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وعَلَيْهِما عِنْدَ مَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ « يُسَبِّحُ» بِالياءِ. ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ عَلى غَفْلَتِكم وشِرْكِكم. ﴿غَفُورًا﴾ لِمَن تابَ مِنكم.

الإسراء 17:44

﴿سُبْحانَهُ﴾ يُنَزَّهُ تَنْزِيهًا. ﴿وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا. ﴿كَبِيرًا﴾ مُتَباعِدًا غايَةَ البُعْدِ عَمّا يَقُولُونَ، فَإنَّهُ في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ يُنَزِّهُهُ عَمّا هو مِن لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ تَدُلُّ بِإمْكانِها وحُدُوثِها عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ لِذاتِهِ. ﴿وَلَكِنْ (p-257)لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ التَّسْبِيحُ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ اللَّفْظِ والدَّلالَةِ لِإسْنادِهِ إلى ما يُتَصَوَّرُ مِنهُ اللَّفْظُ وإلى ما لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وعَلَيْهِما عِنْدَ مَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ « يُسَبِّحُ» بِالياءِ. ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ عَلى غَفْلَتِكم وشِرْكِكم. ﴿غَفُورًا﴾ لِمَن تابَ مِنكم.

الإسراء 17:45

﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا﴾ يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ. ﴿مَسْتُورًا﴾ ذا سِتْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وقَوْلُهم سَيْلٌ مُفْعَمٌ، أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ، أوْ بِحِجابٍ آخَرَ لا يُفْهِمُونَ ولا يَفْهَمُونَ أنَّهم لا يَفْهَمُونَ نَفى عَنْهم أنْ يَفْهَمُوا ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ بَعْدَ ما نَفى عَنْهُمُ التَّفَقُّهَ لِلدَّلالاتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ تَقْرِيرًا لَهُ وبَيانًا لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ تُكِنُّها وتَحُولُ دُونَها عَنْ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِماعِهِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى أثْبَتَ لِمُنْكِرِيهِ ما يَمْنَعُ عَنْ فَهْمِ المَعْنى وإدْراكِ اللَّفْظِ. ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ واحِدًا غَيْرَ مَشْفُوعٍ بِهِ آلِهَتُهم، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ وأصْلُهُ يَحُدُّ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا وحْدَهُ. ﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ هَرَبًا مِنَ اسْتِماعِ التَّوْحِيدِ ونُفْرَةً أوْ تَوْلِيَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ.

الإسراء 17:46

﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا﴾ يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ. ﴿مَسْتُورًا﴾ ذا سِتْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وقَوْلُهم سَيْلٌ مُفْعَمٌ، أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ، أوْ بِحِجابٍ آخَرَ لا يُفْهِمُونَ ولا يَفْهَمُونَ أنَّهم لا يَفْهَمُونَ نَفى عَنْهم أنْ يَفْهَمُوا ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ بَعْدَ ما نَفى عَنْهُمُ التَّفَقُّهَ لِلدَّلالاتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ تَقْرِيرًا لَهُ وبَيانًا لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ تُكِنُّها وتَحُولُ دُونَها عَنْ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِماعِهِ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى أثْبَتَ لِمُنْكِرِيهِ ما يَمْنَعُ عَنْ فَهْمِ المَعْنى وإدْراكِ اللَّفْظِ. ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ واحِدًا غَيْرَ مَشْفُوعٍ بِهِ آلِهَتُهم، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ وأصْلُهُ يَحُدُّ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا وحْدَهُ. ﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ هَرَبًا مِنَ اسْتِماعِ التَّوْحِيدِ ونُفْرَةً أوْ تَوْلِيَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ.

الإسراء 17:47

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ بِسَبَبِهِ ولِأجْلِهِ مِنَ الهَزْءِ بِكَ وبِالقُرْآنِ. ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿أعْلَمُ﴾ وكَذا. ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِغَرَضِهِمْ مِنَ الِاسْتِماعِ حِينَ هم مُسْتَمِعُونَ إلَيْكَ مُضْمِرُونَ لَهُ وحِينَ هم ذَوُو نَجْوى يَتَناجَوْنَ بِهِ، ونَجْوى مَصْدَرٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَجِيٍّ. ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ، أوْ بَدَلٌ مِن (إذْ هم نَجْوى) عَلى وضْعِ ﴿الظّالِمُونَ﴾ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَناجِيَهم بِقَوْلِهِمْ هَذا مِن بابِ الظُّلْمِ، والمَسْحُورُ هو الَّذِي سُحِرَ فَزالَ عَقْلُهُ. وقِيلَ الَّذِي لَهُ سِحْرٌ وهو الرِّئَةُ أيْ إلّا رَجُلًا يَتَنَفَّسُ ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِثْلَكم.

الإسراء 17:48

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ والكاهِنِ والمَجْنُونِ. ﴿فَضَلُّوا﴾ عَنِ الحَقِّ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ إلى طَعْنٍ مُوَجَّهٍ فَيَتَهافَتُونَ ويَخْبُطُونَ كالمُتَحَيِّرِ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ أوْ إلى الرَّشادِ. ﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ حُطامًا. ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ عَلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِما بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ ويُبُوسَةِ الرَّمِيمِ، مِنَ المُباعَدَةِ والمُنافاةِ، والعامِلُ في إذا ما دَلَّ عَلَيْهِ مَبْعُوثُونَ لا نَفْسُهُ لِأنَّ ما بَعْدُ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها و ﴿خَلْقًا﴾ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ.

الإسراء 17:49

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ والكاهِنِ والمَجْنُونِ. ﴿فَضَلُّوا﴾ عَنِ الحَقِّ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ إلى طَعْنٍ مُوَجَّهٍ فَيَتَهافَتُونَ ويَخْبُطُونَ كالمُتَحَيِّرِ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ أوْ إلى الرَّشادِ. ﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ حُطامًا. ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ عَلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِما بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ ويُبُوسَةِ الرَّمِيمِ، مِنَ المُباعَدَةِ والمُنافاةِ، والعامِلُ في إذا ما دَلَّ عَلَيْهِ مَبْعُوثُونَ لا نَفْسُهُ لِأنَّ ما بَعْدُ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها و ﴿خَلْقًا﴾ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ.

الإسراء 17:50

(p-258)﴿قُلْ﴾ جَوابًا لَهم. ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ . ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ مِمّا يَكْبُرُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنها، فَإنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا تَقْصُرُ عَنْ إحْيائِكم لِاشْتِراكِ الأجْسامِ في قَبُولِ الأعْراضِ، فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ غَضَّةً مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ والشَّيْءُ أقْبَلَ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ. ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكُنْتُمْ تُرابًا وما هو أبْعَدُ مِنهُ مِنَ الحَياةِ. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ فَسَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَإنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الخَبَرِ أوِ الظَّرْفِ أيْ يَكُونُ في زَمانٍ قَرِيبٍ، و ﴿أنْ يَكُونَ﴾ اسْمُ ﴿عَسى﴾ أوْ خَبَرُهُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ.

الإسراء 17:51

(p-258)﴿قُلْ﴾ جَوابًا لَهم. ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ . ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ مِمّا يَكْبُرُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنها، فَإنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا تَقْصُرُ عَنْ إحْيائِكم لِاشْتِراكِ الأجْسامِ في قَبُولِ الأعْراضِ، فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ غَضَّةً مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ والشَّيْءُ أقْبَلَ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ. ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكُنْتُمْ تُرابًا وما هو أبْعَدُ مِنهُ مِنَ الحَياةِ. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ فَسَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَإنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الخَبَرِ أوِ الظَّرْفِ أيْ يَكُونُ في زَمانٍ قَرِيبٍ، و ﴿أنْ يَكُونَ﴾ اسْمُ ﴿عَسى﴾ أوْ خَبَرُهُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ.

الإسراء 17:52

﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أيْ يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ، اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسُّرِ أمْرِهِما، وأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ. ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِنهم أيْ حامِدِينَ اللَّهَ تَعالى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما قِيلَ إنَّهم يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أوْ مُنْقادِينَ لِبَعْثِهِ انْقِيادَ الحامِدِينَ عَلَيْهِ. ﴿وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ وتَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، أوْ مُدَّةَ حَياتِكم لِما تَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ.

الإسراء 17:53

﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ. ﴿يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ ولا يُخاشِنُوا المُشْرِكِينَ. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يُهَيِّجُ بَيْنَهُمُ المِراءَ والشَّرَّ فَلَعَلَّ المُخاشَنَةَ بِهِمْ تُفْضِي إلى العِنادِ وازْدِيادِ الفَسادِ. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ. ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ خِتامَ أمْرِهِمْ غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. ﴿وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِالِاحْتِمالِ مِنهم. وَرُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْرَطُوا في إيذائِهِمْ فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وَقِيلَ شَتَمَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَجُلٌ مِنهم فَهَمَّ بِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالعَفْوِ.

الإسراء 17:54

﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ. ﴿يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ ولا يُخاشِنُوا المُشْرِكِينَ. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يُهَيِّجُ بَيْنَهُمُ المِراءَ والشَّرَّ فَلَعَلَّ المُخاشَنَةَ بِهِمْ تُفْضِي إلى العِنادِ وازْدِيادِ الفَسادِ. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ. ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ خِتامَ أمْرِهِمْ غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. ﴿وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِالِاحْتِمالِ مِنهم. وَرُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْرَطُوا في إيذائِهِمْ فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. وَقِيلَ شَتَمَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَجُلٌ مِنهم فَهَمَّ بِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالعَفْوِ.

الإسراء 17:55

﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وبِأحْوالِهِمْ فَيَخْتارُ مِنهم لِنُبُوَّتِهِ ووِلايَتِهِ مَن يَشاءُ، وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِ قُرَيْشٍ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ أبِي طالِبٍ نَبِيًّا، وأنْ يَكُونَ العُراةُ الجُوَّعُ أصْحابَهُ. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والتَّبَرِّي عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، لا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأتْباعِ حَتّى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ شَرَفَهُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ لا بِما أُوتِيَهُ مِنَ المُلْكِ. قِيلَ هو إشارَةٌ إلى تَفْضِيلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى وجْهِ تَفْضِيلِهِ وهو أنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ وأُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما كُتِبَ في الزَّبُورِ مِن أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِي الصّالِحُونَ، وتَنْكِيرُهُ ها هُنا وتَعْرِيفُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ فَعُولٌ لِلْمَفْعُولِ كالحَلُوبِ، أوِ المَصْدَرُ كالقَبُولِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالضَّمِّ وهو (p-259)كالعَبّاسِ أوِ الفَضْلِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ وآتَيْنا داوُدَ بَعْضَ الزُّبُرِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الزَّبُورِ فِيهِ ذِكْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الإسراء 17:56

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَةٌ. ﴿مِن دُونِهِ﴾ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ. ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ ولا تَحْوِيلَ ذَلِكَ مِنكم إلى غَيْرِكم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ هَؤُلاءِ الآلِهَةُ يَبْتَغُونَ إلى اللَّهِ القَرابَةَ بِالطّاعَةِ. ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم إلى اللَّهِ الوَسِيلَةَ فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَسائِرِ العِبادِ فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ. ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى الرُّسُلَ والمَلائِكَةَ.

الإسراء 17:57

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَةٌ. ﴿مِن دُونِهِ﴾ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ. ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ ولا تَحْوِيلَ ذَلِكَ مِنكم إلى غَيْرِكم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ هَؤُلاءِ الآلِهَةُ يَبْتَغُونَ إلى اللَّهِ القَرابَةَ بِالطّاعَةِ. ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم إلى اللَّهِ الوَسِيلَةَ فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَسائِرِ العِبادِ فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ. ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى الرُّسُلَ والمَلائِكَةَ.

الإسراء 17:58

﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالمَوْتِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلِيَّةِ. ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا. ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها قُرَيْشٌ. ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم في الطَّبْعِ كَعادٍ وثَمُودَ، وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، واسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ عَلى ما مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنا وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَقالَ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ بِسُؤالِهِمْ. ﴿مُبْصِرَةً﴾ بَيِّنَةً ذاتَ أبْصارٍ أوْ بَصائِرَ، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ. ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فَكَفَرُوا بِها، أوْ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها. ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ. ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ المُسْتَأْصَلِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا نَزَلَ أوْ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ كالمُعْجِزاتِ وآياتِ القُرْآنِ إلّا تَخْوِيفًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

الإسراء 17:59

﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالمَوْتِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلِيَّةِ. ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا. ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها قُرَيْشٌ. ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم في الطَّبْعِ كَعادٍ وثَمُودَ، وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، واسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ عَلى ما مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنا وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَقالَ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ بِسُؤالِهِمْ. ﴿مُبْصِرَةً﴾ بَيِّنَةً ذاتَ أبْصارٍ أوْ بَصائِرَ، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ. ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ فَكَفَرُوا بِها، أوْ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها. ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ. ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ المُسْتَأْصَلِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا نَزَلَ أوْ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ كالمُعْجِزاتِ وآياتِ القُرْآنِ إلّا تَخْوِيفًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

الإسراء 17:60

﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ﴾ واذْكُرْ إذْ أوْحَيْنا إلَيْكَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ فَهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، أوْ أحاطَ بِقُرَيْشٍ بِمَعْنى أهْلَكَهم مِن أحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ، فَهي بِشارَةٌ بِوَقْعَةِ بِدْرٍ والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ﴾ لَيْلَةَ المِعْراجِ وتَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ في المَنامِ، ومَن قالَ إنَّهُ كانَ في اليَقَظَةِ فَسَّرَ الرُّؤْيا بِالرُّؤْيَةِ. أوْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ رَأى أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ. وفِيهِ أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا أنْ يُقالَ رَآها بِمَكَّةَ وحَكاها حِينَئِذٍ، (p-260)وَلَعَلَّهُ رُؤْيا رَآها في وقْعَةِ بَدْرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ ولِما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا ورَدَ ماءَهُ قالَ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، فَتَسامَعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ واسْتَسْخَرُوا مِنهُ.» وَقِيلَ رَأى قَوْمًا مِن بَنِي أُمَيَّةَ يَرْقَوْنَ مِنبَرَهُ ويَنْزُونَ عَلَيْهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَقالَ: «هَذا حَظُّهم مِنَ الدُّنْيا يُعْطَوْنَهُ بِإسْلامِهِمْ»، وعَلى هَذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ ما حَدَثَ في أيّامِهِمْ. ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿الرُّؤْيا﴾ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، لَمّا سَمَّعَ المُشْرِكُونَ ذِكْرَها قالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجَحِيمَ تَحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يَحْمِيَ وبَرَ السَّمَندَلِ مِن أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، وأحْشاءَ النَّعامَةِ مِن أذى الجَمْرِ وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ الحُمْرَ الَّتِي تَبْتَلِعُها، قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ في النّارِ شَجَرَةً لا تَحْرُقُها. ولَعْنُها في القُرْآنِ لَعْنُ طاعِمِيها وُصِفَتْ بِهِ عَلى المَجازِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ وصَفَها بِأنَّها في أصْلِ الجَحِيمِ فَإنَّهُ أبْعَدُ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ بِأنَّها مَكْرُوهَةٌ مُؤْذِيَةٌ مِن قَوْلِهِمْ طَعامٌ مَلْعُونٌ لِما كانَ ضارًّا، وقَدْ أُوِّلَتْ بِالشَّيْطانِ وأبِي جَهْلٍ والحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِي، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بِأنْواعِ التَّخْوِيفِ. ﴿فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ إلّا عُتُوًّا مُتَجاوِزَ الحَدِّ.

الإسراء 17:61

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ أيْ خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ، أوْ مِنهُ أيْ أأسْجَدُ لَهُ وأصْلُهُ طِينٌ. وفِيهِ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إيماءً بِعِلَّةِ الإنْكارِ. ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكافُ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ والَّذِي صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ صِلَتِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ. ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ إلّا قَلِيلًا لا أقْدِرُ أنْ أُقاوِمَ شَكِيمَتَهم، مِنِ احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وإنَّما عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ يَتَسَهَّلُ لَهُ إمّا اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ مَعَ التَّقْرِيرِ، أوْ تَفَرُّسًا مِن خَلْقِهِ ذا وهْمٌ وشَهْوَةٌ وغَضَبٌ.

الإسراء 17:62

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ أيْ خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ، أوْ مِنهُ أيْ أأسْجَدُ لَهُ وأصْلُهُ طِينٌ. وفِيهِ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إيماءً بِعِلَّةِ الإنْكارِ. ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكافُ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ والَّذِي صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ صِلَتِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ. ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ إلّا قَلِيلًا لا أقْدِرُ أنْ أُقاوِمَ شَكِيمَتَهم، مِنِ احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وإنَّما عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ يَتَسَهَّلُ لَهُ إمّا اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ مَعَ التَّقْرِيرِ، أوْ تَفَرُّسًا مِن خَلْقِهِ ذا وهْمٌ وشَهْوَةٌ وغَضَبٌ.

الإسراء 17:63

﴿قالَ اذْهَبْ﴾ امْضِ لِما قَصَدْتَهُ وهو طَرْدٌ وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ. ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلتّابِعِينَ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ فِرْ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ، وانْتِصابُ جَزاءً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِما في ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ مِن مَعْنى تُجازَوْنَ، أوْ حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿مَوْفُورًا﴾ . ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ واسْتَخْفِفْ. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والفَزُّ الخَفِيفُ. ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ. ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ وصِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ. ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ بِأعْوانِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ، والخَيْلُ الخَيّالَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» والرَّجِلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ (p-261)كالصَّحْبِ والرَّكْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ صَوَّتَ عَلى قَوْمٍ فاسْتَفَزَّهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ حَتّى اسْتَأْصَلَهم. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿وَرَجِلِكَ﴾ بِالكَسْرِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ كَنَدِسٍ ونَدُسٍ ومَعْناهُ: وجَمْعُكَ الرَّجِلَ. وقُرِئَ « ورِجالِكَ» « ورِجالِكَ» . ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي. ﴿والأوْلادِ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلى الوَلَدِ بِالسَّبَبِ المُحَرَّمِ، والإشْراكُ فِيهِ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدَ العُزّى، والتَّضْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ لِطُولِ الأمَلِ. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ مَواعِيدِهِ الباطِلَةِ، والغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.

الإسراء 17:64

﴿قالَ اذْهَبْ﴾ امْضِ لِما قَصَدْتَهُ وهو طَرْدٌ وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ. ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلتّابِعِينَ عَلى الِالتِفاتِ. ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ فِرْ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ، وانْتِصابُ جَزاءً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِما في ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ مِن مَعْنى تُجازَوْنَ، أوْ حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿مَوْفُورًا﴾ . ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ واسْتَخْفِفْ. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والفَزُّ الخَفِيفُ. ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ. ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ وصِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ. ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ بِأعْوانِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ، والخَيْلُ الخَيّالَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» والرَّجِلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ (p-261)كالصَّحْبِ والرَّكْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ صَوَّتَ عَلى قَوْمٍ فاسْتَفَزَّهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ حَتّى اسْتَأْصَلَهم. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿وَرَجِلِكَ﴾ بِالكَسْرِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ كَنَدِسٍ ونَدُسٍ ومَعْناهُ: وجَمْعُكَ الرَّجِلَ. وقُرِئَ « ورِجالِكَ» « ورِجالِكَ» . ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي. ﴿والأوْلادِ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلى الوَلَدِ بِالسَّبَبِ المُحَرَّمِ، والإشْراكُ فِيهِ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدَ العُزّى، والتَّضْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ لِطُولِ الأمَلِ. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ مَواعِيدِهِ الباطِلَةِ، والغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.

الإسراء 17:65

﴿إنَّ عِبادِي﴾ يَعْنِي المُخْلَصِينَ، وتَعْظِيمُ الإضافَةِ والتَّقْيِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ يُخَصِّصُهم ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ عَلى إغْوائِهِمْ قُدْرَةٌ. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ في الِاسْتِعاذَةِ مِنكَ عَلى الحَقِيقَةِ.

الإسراء 17:66

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ هو الَّذِي يُجْرِي. ﴿لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ الرِّيحُ وأنْواعُ الأمْتِعَةِ الَّتِي لا تَكُونُ عِنْدَكم. ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وسَهَّلَ عَلَيْكم ما تَعَسَّرَ مِن أسْبابِهِ. ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ خَوْفُ الغَرَقِ. ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ في حَوادِثِكم. ﴿إلا إيّاهُ﴾ وحْدَهُ فَإنَّكم حِينَئِذٍ لا يَخْطُرُ بِبالِكم سِواهُ فَلا تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ إلّا إيّاهُ، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَعْبُدُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا اللَّهَ. ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ. وقِيلَ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي. . . فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ.

الإسراء 17:67

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ هو الَّذِي يُجْرِي. ﴿لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ الرِّيحُ وأنْواعُ الأمْتِعَةِ الَّتِي لا تَكُونُ عِنْدَكم. ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وسَهَّلَ عَلَيْكم ما تَعَسَّرَ مِن أسْبابِهِ. ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ خَوْفُ الغَرَقِ. ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ في حَوادِثِكم. ﴿إلا إيّاهُ﴾ وحْدَهُ فَإنَّكم حِينَئِذٍ لا يَخْطُرُ بِبالِكم سِواهُ فَلا تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ إلّا إيّاهُ، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَعْبُدُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا اللَّهَ. ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ مِنَ الغَرَقِ. ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ. وقِيلَ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي. . . فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ.

الإسراء 17:68

﴿أفَأمِنتُمْ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُهْلِكَكم في البَحْرِ بِالغَرَقِ قادِرٌ أنْ يُهْلِكَكم في البِرِّ بِالخَسْفِ وغَيْرِهِ. ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أنْ يَقْلِبَهُ اللَّهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ يَقْلِبَهُ بِسَبَبِكم فَبِكم حالٌ أوْ صِلَةٌ لِيَخْسِفَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ فِيهِ وفي الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وفي ذِكْرِ الجانِبِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمّا وصَلُوا السّاحِلِ كَفَرُوا وأعْرَضُوا وأنَّ الجَوانِبَ والجِهاتِ في قُدْرَتِهِ سَواءٌ لا مَعْقِلَ يُؤْمَنُ فِيهِ مِن أسْبابِ الهَلاكِ. ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ رِيحًا تَحْصُبُ أيْ تَرْمِي بِالحَصْباءِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ يَحْفَظُكم مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رادَّ لِفِعْلِهِ.

الإسراء 17:69

(p-262)﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ في البَحْرِ. ﴿تارَةً أُخْرى﴾ بِخَلْقِ دَواعٍ تُلْجِئُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا فَتَرْكَبُوهُ. ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا قَصَفَتْهُ أيْ كَسَرَتْهُ. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ وعَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرِّيحِ. ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِكم أوْ كُفْرانِكم نِعْمَةَ الإنْجاءِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ مُطالِبًا يَتْبَعُنا بِانْتِصارٍ أوْ صَرْفٍ.

الإسراء 17:70

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ بِحُسْنِ الصُّورَةِ والمِزاجِ الأعْدَلِ واعْتِدالِ القامَةِ والتَّمْيِيزِ بِالعَقْلِ والإفْهامِ بِالنُّطْقِ والإشارَةِ والخَطِّ والتَّهَدِّي، أوْ أسْبابِ المَعاشِ والمَعادِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما في الأرْضِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّناعاتِ وانْسِياقِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقِفُ الحَصْرُ دُونَ إحْصائِهِ ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَناوَلُ طَعامَهُ بِفِيهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَلى الدَّوابِّ والسُّفُنِ مِن حَمَلْتُهُ حَمْلًا إذا جَعَلْتُ لَهُ ما يَرْكَبُهُ أوْ حَمَلْناهم فِيهِما حَتّى لَمْ تُخْسَفْ بِهِمُ الأرْضُ ولَمْ يُغْرِقْهُمُ الماءُ ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ المُسْتَلَذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ وبِغَيْرِ فِعْلِهِمْ. ﴿وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ أوْ بِالشَّرَفِ والكَرامَةِ، والمُسْتَثْنى جِنْسُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ الخَواصُّ مِنهم، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَفْضِيلِ الجِنْسِ عَدَمُ تَفْضِيلِ بَعْضِ أفْرادِهِ والمَسْألَةُ مَوْضِعُ نَظَرٍ، وقَدْ أُوِّلَ الكَثِيرُ بِالكُلِّ وفِيهِ تَعَسُّفٌ.

الإسراء 17:71

﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾، وقُرِئَ « يَدْعُو» و « يَدْعِي» و « يَدْعُو» عَلى قَلْبِ الألِفِ واوًا في لُغَةِ مَن يَقُولُ أفْعُو في أفْعى، أوْ عَلى أنَّ الواوَ عَلامَةُ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أوْ ضَمِيرُهُ وكُلٌّ بَدَلٌ مِنهُ والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ لِقِلَّةِ المُبالاةِ بِها فَإنَّها لَيْسَتْ إلّا عَلامَةَ الرَّفْعِ، وهو قَدْ يَقْدِرُ كَما في « يَدْعِي» . ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ. وقِيلَ بِكِتابِ أعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها فَيُقالُ يا صاحِبَ كِتابِ كَذا، أيْ تَنْقَطِعُ عَلَقَةُ الأنْسابِ وتَبْقى نِسْبَةُ الأعْمالِ. وقِيلَ بِالقُوى الحامِلَةِ لَهم عَلى عَقائِدِهِمْ وأفْعالِهِمْ. وقِيلَ بِأُمَّهاتِهِمْ جَمْعٌ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ، إجْلالُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا. ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ. ﴿كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ كِتابَ عَمَلِهِ. ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ ابْتِهاجًا وتَبَجُّحًا بِما يَرَوْنَ فِيهِ. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ولا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ أدْنى شَيْءٍ، وجُمِعَ اسْمُ الإشارَةِ والضَّمِيرُ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، وتَعْلِيقُ القِراءَةِ بِإيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ إذا اطَّلَعَ عَلى ما فِيهِ غَشِيَهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ ما يَحْبِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ القِراءَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهم مَعَ أنَّ قَوْلَهُ:

الإسراء 17:72

﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ أيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ فَإنَّ الأعْمى لا يَقْرَأُ الكِتابَ، والمَعْنى ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ لا يُبْصِرُ رُشْدَهُ كانَ في الآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ النَّجاةِ. ﴿وَأضَلُّ سَبِيلا﴾ مِنهُ في الدُّنْيا لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ وفِقْدانِ الآلَةِ والمُهْلَةِ. وقِيلَ لِأنَّ الِاهْتِداءَ بَعْدُ لا يَنْفَعُهُ والأعْمى مُسْتَعارٌ (p-263)مِن فاقِدِ الحاسَّةِ. وقِيلَ الثّانِي لِلتَّفْضِيلِ مِن عَمِي بِقَلْبِهِ كالأجْهَلِ والأبْلَهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمَن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ المُتَوَسِّطَةِ كَما في أعْمالِكم بِخِلافِ النَّعْتِ، فَإنَّ ألِفَهُ واقِعَةٌ في الطَّرَفِ لَفْظًا وحُكْمًا فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ ياءً في التَّثْنِيَةِ، وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ بَيْنَ فِيهِما.

الإسراء 17:73

﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ قالُوا لا نَدْخُلُ في أمْرِكَ حَتّى تُعْطِيَنا خِصالًا نَفْتَخِرُ بِها عَلى العَرَبِ لا نُعَشَّرُ ولا نُحْشَرُ ولا نُجْبى في صَلاتِنا، وكُلُّ رِبًا لَنا فَهو لَنا وكُلُّ رِبًا عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ عَنّا، وأنْ تُمَتِّعَنا بِاللّاتِ سَنَةً وأنْ تُحَرِّمَ وادِيَنا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَإنْ قالَتِ العَرَبُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقُلْ إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي. وَقِيلَ في قُرَيْشٍ قالُوا لا نُمَكِّنُكَ مِنَ اسْتِلامِ الحَجَرِ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا وتَمَسَّها بِيَدِكَ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ قارَبُوا بِمُبالَغَتِهِمْ أنْ يُوقِعُوكَ في الفِتْنَةِ بِالِاسْتِنْزالِ. ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الأحْكامِ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ. ﴿وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم لاتَّخَذُوكَ بِافْتِتانِكَ ولِيًّا لَهم بَرِيئًا مِن وِلايَتِي.

الإسراء 17:74

﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا إيّاكَ. ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى اتِّباعِ مُرادِهِمْ، والمَعْنى أنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ الرُّكُونَ إلَيْهِمْ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ الرُّكُونِ فَضْلًا أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ. ﴿إذًا لأذَقْناكَ﴾ أيْ لَوْ قارَبْتَ لَأذَقْناكَ. ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما نُعَذِّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرَكَ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ أخْطُرُ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ بِمَعْنى مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ كَما يُضافُ مَوْصُوفُها. وقِيلَ الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ضِعْفَ الحَياةِ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿وَضِعْفَ المَماتِ﴾ عَذابُ القَبْرِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْكَ.

الإسراء 17:75

﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا إيّاكَ. ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى اتِّباعِ مُرادِهِمْ، والمَعْنى أنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ الرُّكُونَ إلَيْهِمْ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ الرُّكُونِ فَضْلًا أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ. ﴿إذًا لأذَقْناكَ﴾ أيْ لَوْ قارَبْتَ لَأذَقْناكَ. ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما نُعَذِّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرَكَ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ أخْطُرُ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ بِمَعْنى مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ كَما يُضافُ مَوْصُوفُها. وقِيلَ الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ضِعْفَ الحَياةِ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿وَضِعْفَ المَماتِ﴾ عَذابُ القَبْرِ. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْكَ.

الإسراء 17:76

﴿وَإنْ كادُوا﴾ وإنْ كادَ أهْلُ مَكَّةَ. ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيُزْعِجُوكَ بِمُعاداتِهِمْ. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ. ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ. وقِيلَ الآيَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حَسَدُوا مَقامَ النَّبِيِّ بِالمَدِينَةِ فَقالُوا: الشّامُ مَقامُ الأنْبِياءِ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَخَرَجَ مَرْحَلَةً فَنَزَلَتْ، فَرَجَعَ ثُمَّ قَتَلَ مِنهم بَنُو قُرَيْظَةِ وأجْلى بَنُو النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ. وقُرِئَ « لا يَلْبَثُوا» مَنصُوبًا بِـ ﴿إذًا﴾ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لا عَلى خَبَرِ كادَ فَإنَّ إذًا لا تَعْمَلُ إذا كانَ مُعْتَمِدٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وهو لُغَةٌ فِيهِ قالَ الشّاعِرُ: ؎ عَفَتِ الدَّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما. . . بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا (p-264)﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، وهو أنْ يُهْلِكَ كُلَّ أُمَّةٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فالسُّنَّةُ لِلَّهِ وإضافَتُها إلى الرُّسُلِ لِأنَّها مِن أجْلِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ أيْ تَغْيِيرًا.

الإسراء 17:77

﴿وَإنْ كادُوا﴾ وإنْ كادَ أهْلُ مَكَّةَ. ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيُزْعِجُوكَ بِمُعاداتِهِمْ. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ. ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ ولَوْ خَرَجْتَ لا يَبْقُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهم أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ. وقِيلَ الآيَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حَسَدُوا مَقامَ النَّبِيِّ بِالمَدِينَةِ فَقالُوا: الشّامُ مَقامُ الأنْبِياءِ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَخَرَجَ مَرْحَلَةً فَنَزَلَتْ، فَرَجَعَ ثُمَّ قَتَلَ مِنهم بَنُو قُرَيْظَةِ وأجْلى بَنُو النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ. وقُرِئَ « لا يَلْبَثُوا» مَنصُوبًا بِـ ﴿إذًا﴾ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لا عَلى خَبَرِ كادَ فَإنَّ إذًا لا تَعْمَلُ إذا كانَ مُعْتَمِدٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وهو لُغَةٌ فِيهِ قالَ الشّاعِرُ: ؎ عَفَتِ الدَّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما. . . بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا (p-264)﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، وهو أنْ يُهْلِكَ كُلَّ أُمَّةٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فالسُّنَّةُ لِلَّهِ وإضافَتُها إلى الرُّسُلِ لِأنَّها مِن أجْلِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ أيْ تَغْيِيرًا.

الإسراء 17:78

﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» . وَقِيلَ لِغُرُوبِها وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلِانْتِقالِ ومِنهُ الدّالِكُ فَإنَّ الدّالِكَ لا تَسْتَقِرُّ يَدُهُ، وكَذا كُلُّ ما تَرَكَّبَ مِنَ الدّالِ واللّامِ: كَدَلَجَ ودَلَحَ ودَلَعَ ودَلَفَ ودَلَهَ. وقِيلَ الدُّلُوكُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ النّاظِرَ إلَيْها يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ لِيَدْفَعَ شُعاعَها، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مِثْلُها في: لِثَلاثٍ خَلَوْنَ ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إلى ظُلْمَتِهِ وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ. ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ وصَلاةَ الصُّبْحِ، سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِأنَّهُ رُكْنُها كَما سُمَّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ فِيها ولا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ لِكَوْنِها مَندُوبَةً فِيها، نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ دَلَّ الأمْرُ بِإقامَتِها عَلى الوُجُوبِ فِيها نَصًّا وفي غَيْرِها قِياسًا. ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، أوْ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الظُّلْمَةِ بِالضِّياءِ والنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ بِالِانْتِباهِ أوْ كَثِيرٌ مِنَ المُصَلِّينَ أوْ مَن حَقُّهُ أنْ يَشْهَدَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، والآيَةُ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ إنْ فُسِّرَ الدُّلُوكُ بِالزَّوالِ ولِصَلَواتِ اللَّيْلِ وحْدَها إنْ فُسِّرَ بِالغُرُوبِ. وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ صَلاةُ المَغْرِبِ وقَوْلُهُ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ بَيانٌ لِمَبْدَأِ الوَقْتِ ومُنْتَهاهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الوَقْتَ يَمْتَدُّ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ.

الإسراء 17:79

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ وبَعْضَ اللَّيْلِ فاتْرُكِ الهُجُودَ لِلصَّلاةِ والضَّمِيرُ لِلْـ ﴿قُرْآنَ﴾ . ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فَرِيضَةً زائِدَةً لَكَ عَلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، أوْ فَضِيلَةً لَكَ لِاخْتِصاصِ وُجُوبِهِ بِكَ. ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ مَقامًا يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ وكُلُّ مَن عَرَفَهُ، وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ مَقامٍ يَتَضَمَّنُ كَرامَةً والمَشْهُورُ أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ. لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» ولِإشْعارِهِ بِأنَّ النّاسَ يَحْمَدُونَهُ لِقِيامِهِ فِيهِ وما ذاكَ إلّا مَقامُ الشَّفاعَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ فَيُقِيمُكَ مَقامًا أوْ بِتَضْمِينِ ﴿يَبْعَثَكَ﴾ مَعْناهُ، أوِ الحالُ بِمَعْنى أنْ يَبْعَثَكَ ذا مَقامٍ.

الإسراء 17:80

﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيْ في القَبْرِ. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مُرْضِيًا. ﴿وَأخْرِجْنِي﴾ أيْ مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ إخْراجًا مُلْقًى بِالكَرامَةِ. وقِيلَ المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ. وقِيلَ إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ وإخْراجُهُ مِنهُ. وَقُرِئَ « مَدْخَلَ» و « مَخْرَجَ» بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخَلَنِي فَأدْخَلَ دُخُولًا وأخْرَجَنِي فَأخْرَجَ خُرُوجًا. ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي أوْ مَلِكًا يَنْصُرُ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ، فاسْتَجابَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ . ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ الإسْلامُ ﴿وَزَهَقَ الباطِلُ﴾ وذَهَبَ وهَلَكَ الشِّرْكُ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ. ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (p-265)مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وفِيها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ في عَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها فَيَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألْقى جَمِيعَها وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ ارْمِ بِهِ فَصَعَدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ» .

الإسراء 17:81

﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ أيْ في القَبْرِ. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مُرْضِيًا. ﴿وَأخْرِجْنِي﴾ أيْ مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ إخْراجًا مُلْقًى بِالكَرامَةِ. وقِيلَ المُرادُ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا حَقَّهُ. وقِيلَ إدْخالُهُ في كُلِّ ما يُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ وإخْراجُهُ مِنهُ. وَقُرِئَ « مَدْخَلَ» و « مَخْرَجَ» بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أدْخَلَنِي فَأدْخَلَ دُخُولًا وأخْرَجَنِي فَأخْرَجَ خُرُوجًا. ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي أوْ مَلِكًا يَنْصُرُ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ، فاسْتَجابَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ . ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ الإسْلامُ ﴿وَزَهَقَ الباطِلُ﴾ وذَهَبَ وهَلَكَ الشِّرْكُ مِن زَهَقَ رُوحُهُ إذا خَرَجَ. ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (p-265)مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وفِيها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ في عَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنها فَيَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ حَتّى ألْقى جَمِيعَها وبَقِيَ صَنَمُ خُزاعَةَ فَوْقَ الكَعْبَةِ وكانَ مِن صُفْرٍ فَقالَ: يا عَلِيُّ ارْمِ بِهِ فَصَعَدَ فَرَمى بِهِ فَكَسَرَهُ» .

الإسراء 17:82

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما هو في تَقْوِيمِ دِينِهِمْ واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى، و ﴿مِنَ﴾ لِلْبَيانِ فَإنَّ كُلَّهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ إنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى أنَّ مِنهُ ما يَشْفِي مِنَ المَرَضِ كالفاتِحَةِ وآياتِ الشِّفاءِ. وقَرَأ البَصْرِيّانِ (نُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ.

الإسراء 17:83

﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ لَوى عِطْفَهُ وبَعُدَ بِنَفْسِهِ عَنْهُ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ مُسْتَبِدٌّ بِأمْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ لِأنَّهُ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» (وَناءٍ) عَلى القَلْبِ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ. ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ. ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رُوحِ اللَّهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قُلْ كُلُّ أحَدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالَةِ، أوْ جَوْهَرِ رُوحِهِ وأحْوالِهِ التّابِعَةِ لِمِزاجِ بَدَنِهِ. ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ أسَدُّ طَرِيقًا وأبْيَنُ مَنهَجًا، وقَدْ فُسِّرَتِ الشّاكِلَةُ بِالطَّبِيعَةِ والعادَةِ والدِّينِ.

الإسراء 17:84

﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ لَوى عِطْفَهُ وبَعُدَ بِنَفْسِهِ عَنْهُ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ مُسْتَبِدٌّ بِأمْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ لِأنَّهُ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» (وَناءٍ) عَلى القَلْبِ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ. ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ. ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رُوحِ اللَّهِ. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قُلْ كُلُّ أحَدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالَةِ، أوْ جَوْهَرِ رُوحِهِ وأحْوالِهِ التّابِعَةِ لِمِزاجِ بَدَنِهِ. ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ أسَدُّ طَرِيقًا وأبْيَنُ مَنهَجًا، وقَدْ فُسِّرَتِ الشّاكِلَةُ بِالطَّبِيعَةِ والعادَةِ والدِّينِ.

الإسراء 17:85

﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الَّذِي يَحْيا بِهِ بَدَنُ الإنْسانِ ويُدَبِّرُهُ. ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ مِنَ الإبْداعِيّاتِ الكائِنَةِ بِـ " كُنْ " مِن غَيْرِ مادَّةٍ وتُولَدُ مِن أصْلٍ كَأعْضاءِ جَسَدِهِ، أوْ وُجِدَ بِأمْرِهِ وحَدَثَ بِتَكْوِينِهِ عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ قِدَمِهِ وحُدُوثِهِ. وقِيلَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. لِما رُوِيَ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ، فَإنْ أجابَ عَنْها أوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ، فَبَيَّنَ لَهُمُ القِصَّتَيْنِ وأبْهَمَ أمْرَ الرُّوحِ وهو مُبْهَمٌ في التَّوْراةِ.» وَقِيلَ الرُّوحُ جِبْرِيلُ وقِيلَ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ وقِيلَ القُرْآنُ، و ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ مَعْناهُ مِن وحْيِهِ. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ تَسْتَفِيدُونَهُ بِتَوَسُّطِ حَواسِّكم، فَإنَّ اكْتِسابَ العَقْلِ لِلْمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ. إنَّما هو مِنَ الضَّرُورِيّاتِ المُسْتَفادَةِ مِن إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا. ولَعَلَّ أكْثَرَ الأشْياءِ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ ولا شَيْئًا مِن أحْوالِهِ المَعْرُوفَةِ لِذاتِهِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّوحَ مِمّا لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذاتِهِ إلّا بِعَوارِضَ تُمَيِّزُهُ عَمّا يَلْتَبِسُ بِهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى هَذا الجَوابِ كَما اقْتَصَرَ مُوسى في جَوابِ: وما رَبُّ العالَمِينَ بِذِكْرِ بَعْضِ صِفاتِهِ. رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا: أنَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ ؟ فَقالَ: بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ، فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ ساعَةً تَقُولُ ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . وساعَةً تَقُولُ هَذا فَنَزَلَتْ. ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾» وما قالُوهُ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ لِأنَّ الحِكْمَةَ الإنْسانِيَّةَ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الخَيْرِ والحَقِّ ما تَسَعُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ بَلْ ما يَنْتَظِمُ بِهِ مَعاشُهُ ومَعادُهُ، وهو بِالإضافَةِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها قَلِيلٌ يَنالُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ وهو بِالإضافَةِ إلَيْهِ كَثِيرًا.(p-266)

الإسراء 17:86

﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ و ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جَوابُهُ النّائِبُ مَنابَ جَزاءِ الشَّرْطِ. والمَعْنى إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِالقُرْآنِ ومَحَوْناهُ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدُورِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا اسْتِرْدادَهُ مَسْطُورًا مَحْفُوظًا. ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّها إنْ نالَتْكَ فَلَعَلَّها تَسْتَرِدُّهُ عَلَيْكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنى ولَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِإبْقائِهِ بَعْدَ المِنَّةِ في تَنْزِيلِهِ. ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ كَإرْسالِهِ وإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ وإبْقائِهِ في حِفْظِهِ.

الإسراء 17:87

﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ و ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جَوابُهُ النّائِبُ مَنابَ جَزاءِ الشَّرْطِ. والمَعْنى إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِالقُرْآنِ ومَحَوْناهُ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدُورِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا اسْتِرْدادَهُ مَسْطُورًا مَحْفُوظًا. ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّها إنْ نالَتْكَ فَلَعَلَّها تَسْتَرِدُّهُ عَلَيْكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنى ولَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِإبْقائِهِ بَعْدَ المِنَّةِ في تَنْزِيلِهِ. ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ كَإرْسالِهِ وإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ وإبْقائِهِ في حِفْظِهِ.

الإسراء 17:88

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى. ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وفِيهِمُ العَرَبُ العَرْباءُ وأرْبابُ البَيانِ وأهْلُ التَّحْقِيقِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْلا هي لَكانَ جَوابُ الشَّرْطِ بِلا جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ. . . يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولَوْ تَظاهَرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المَلائِكَةَ لِأنَّ إتْيانَهم بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، ولِأنَّهم كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ . ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ زِيادَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ. ﴿لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَها في الأنْفُسِ. ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ إلّا جُحُودًا، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا لِأنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالنَّفْيِ.

الإسراء 17:89

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى. ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وفِيهِمُ العَرَبُ العَرْباءُ وأرْبابُ البَيانِ وأهْلُ التَّحْقِيقِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْلا هي لَكانَ جَوابُ الشَّرْطِ بِلا جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ. . . يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولَوْ تَظاهَرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المَلائِكَةَ لِأنَّ إتْيانَهم بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، ولِأنَّهم كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ . ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ زِيادَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ. ﴿لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَها في الأنْفُسِ. ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ إلّا جُحُودًا، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا لِأنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالنَّفْيِ.

الإسراء 17:90

﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا بَعْدَ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ بِبَيانِ إعْجازِ القُرْآنِ وانْضِمامِ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ إلَيْهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ ﴿تَفْجُرَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ والأرْضُ أرْضُ مَكَّةَ واليَنْبُوعُ عَيْنٌ لا يَنْضُبُ ماؤُها يَفَعُولُ مِن نَبَعَ الماءُ كَيَعْبُوبٍ مِن عَبَّ الماءُ إذا زَخَرَ. ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ أوْ يَكُونُ لَكَ بُسْتانٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ.

الإسراء 17:91

﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا بَعْدَ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ بِبَيانِ إعْجازِ القُرْآنِ وانْضِمامِ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ إلَيْهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ ﴿تَفْجُرَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ والأرْضُ أرْضُ مَكَّةَ واليَنْبُوعُ عَيْنٌ لا يَنْضُبُ ماؤُها يَفَعُولُ مِن نَبَعَ الماءُ كَيَعْبُوبٍ مِن عَبَّ الماءُ إذا زَخَرَ. ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ أوْ يَكُونُ لَكَ بُسْتانٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ.

الإسراء 17:92

﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهو كَقِطَعٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وقَدْ سَكَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في « الرُّومِ» (p-267)وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، وأبُو بَكْرٍ ونافِعٌ في غَيْرِهِما وحَفْصٌ فِيما عَدا « الطُّورِ»، وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ. ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ أيْ شاهِدًا عَلى صِحَّتِهِ ضامِنًا لِدَرْكِهِ، أوْ مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ وهو حالٌ مِنَ اللَّهِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَتِها عَلَيْها كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ؎ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ أوْ جَماعَةٌ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ. ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ مِن ذَهَبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وأصْلُهُ الزِّينَةُ. ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ في مَعارِجِها. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ وحْدَهُ. ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وكانَ فِيهِ تَصْدِيقُكَ. ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَعَجُّبًا مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ أوْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَأْتِيَ أوْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ أوْ يُشارِكَهُ أحَدٌ في القُدْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: « قالَ سُبْحانَ رَبِّي» أيْ قالَ الرَّسُولُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا﴾ كَسائِرِ النّاسِ. ﴿رَسُولا﴾ كَسائِرِ الرُّسُلِ وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى ما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ أمْرُ الآياتِ إلَيْهِمْ ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ حَتّى تَتَخَيَّرُوها عَلَيَّ هَذا هو الجَوابُ المُجْمَلُ وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾، ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ .

الإسراء 17:93

﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهو كَقِطَعٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وقَدْ سَكَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في « الرُّومِ» (p-267)وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، وأبُو بَكْرٍ ونافِعٌ في غَيْرِهِما وحَفْصٌ فِيما عَدا « الطُّورِ»، وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ. ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ أيْ شاهِدًا عَلى صِحَّتِهِ ضامِنًا لِدَرْكِهِ، أوْ مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ وهو حالٌ مِنَ اللَّهِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَتِها عَلَيْها كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ؎ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ أوْ جَماعَةٌ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ. ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ مِن ذَهَبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وأصْلُهُ الزِّينَةُ. ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ في مَعارِجِها. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ وحْدَهُ. ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وكانَ فِيهِ تَصْدِيقُكَ. ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَعَجُّبًا مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ أوْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَأْتِيَ أوْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ أوْ يُشارِكَهُ أحَدٌ في القُدْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: « قالَ سُبْحانَ رَبِّي» أيْ قالَ الرَّسُولُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا﴾ كَسائِرِ النّاسِ. ﴿رَسُولا﴾ كَسائِرِ الرُّسُلِ وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى ما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ أمْرُ الآياتِ إلَيْهِمْ ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ حَتّى تَتَخَيَّرُوها عَلَيَّ هَذا هو الجَوابُ المُجْمَلُ وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾، ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ .

الإسراء 17:94

﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيْ وما مَنَعَهُمُ الإيمانُ بَعْدَ نُزُولِ الوَحْيِ وظُهُورِ الحَقِّ. ﴿إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ إلّا قَوْلُهم هَذا، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ تَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنُ إلّا أنْكارُهم أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا. ﴿قُلْ﴾ جَوابًا لِشُبْهَتِهِمْ. ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كَما يَمْشِي بَنُو آدَمَ. ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ ساكِنِينَ فِيها. ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ بِهِ والتَّلَقِّي مِنهُ، وأمّا الإنْسُ فَعامَّتُهم عُماةٌ عَنْ إدْراكِ المَلَكِ والتَّلَقُّفِ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّناسُبِ والتَّجانُسِ، ومَلَكًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَسُولًا وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِ وكَذَلِكَ بَشَرًا والأوَّلُ أوْفَقُ.

الإسراء 17:95

﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيْ وما مَنَعَهُمُ الإيمانُ بَعْدَ نُزُولِ الوَحْيِ وظُهُورِ الحَقِّ. ﴿إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ إلّا قَوْلُهم هَذا، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ تَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنُ إلّا أنْكارُهم أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا. ﴿قُلْ﴾ جَوابًا لِشُبْهَتِهِمْ. ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كَما يَمْشِي بَنُو آدَمَ. ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ ساكِنِينَ فِيها. ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ بِهِ والتَّلَقِّي مِنهُ، وأمّا الإنْسُ فَعامَّتُهم عُماةٌ عَنْ إدْراكِ المَلَكِ والتَّلَقُّفِ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّناسُبِ والتَّجانُسِ، ومَلَكًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَسُولًا وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِ وكَذَلِكَ بَشَرًا والأوَّلُ أوْفَقُ.

الإسراء 17:96

﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ عَلى أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم بِإظْهارِهِ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ، أوْ عَلى أنِّي بَلَّغْتُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنَّكم عانَدْتُمْ وشَهِيدًا نُصِبَ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْلَمُ أحْوالَهُمُ الباطِنَةَ مِنها والظّاهِرَةَ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْها، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.

الإسراء 17:97

﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ يَهْدُونَهُ. ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ يُسْحَبُونَ عَلَيْها أوْ يَمْشُونَ بِها. رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، لِأنَّهم في دُنْياهم لَمْ يَسْتَبْصِرُوا بِالآياتِ والعِبَرِ وتَصامُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِالصِّدْقِ، ويَجُوزَ أنْ يُحْشُرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى (p-268)النّارِ مُؤَفِّي القُوى والحَواسِّ. ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ﴾ سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم. ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ تَوَقُّدًا بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَزاهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَزالُوا عَلى الإعادَةِ والإفْناءِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِهِمْ.

الإسراء 17:98

﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ يَهْدُونَهُ. ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ يُسْحَبُونَ عَلَيْها أوْ يَمْشُونَ بِها. رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، لِأنَّهم في دُنْياهم لَمْ يَسْتَبْصِرُوا بِالآياتِ والعِبَرِ وتَصامُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِالصِّدْقِ، ويَجُوزَ أنْ يُحْشُرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى (p-268)النّارِ مُؤَفِّي القُوى والحَواسِّ. ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ﴾ سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم. ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ تَوَقُّدًا بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَزاهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَزالُوا عَلى الإعادَةِ والإفْناءِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِهِمْ.

الإسراء 17:99

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أوْ لَمْ يَعْلَمُوا. ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ ولا الإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداءِ. ﴿وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو المَوْتُ أوِ القِيامَةُ. ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ. ﴿إلا كُفُورًا﴾ إلّا جُحُودًا. ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ خَزائِنَ رِزْقِهِ وسائِرَ نِعَمِهِ، وأنْتُمْ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِ حاتِمٍ: ؎ لَوْ ذاتَ سِوارٍ لَطَمَتْنِي وَفائِدَةُ هَذا الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ المُبالَغَةُ مَعَ الإيجازِ والدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ. ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ لَبَخِلْتُمْ مَخافَةَ النَّفادِ بِالإنْفاقِ إذْ لا أحَدَ إلّا ويَخْتارُ النَّفْعَ لِنَفْسِهِ ولَوْ آثَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّما يُؤْثِرُهُ لِعِوَضٍ يَفُوقُهُ فَهو إذَنْ بَخِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ هَذا وإنَّ البُخَلاءَ أغْلَبُ فِيهِمْ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ بَخِيلًا لِأنَّ بِناءَ أمْرِهِ عَلى الحاجَةِ والضِّنَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ ومُلاحَظَةِ العِوَضِ فِيما يَبْذُلُهُ.

الإسراء 17:100

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أوْ لَمْ يَعْلَمُوا. ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ ولا الإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداءِ. ﴿وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو المَوْتُ أوِ القِيامَةُ. ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ. ﴿إلا كُفُورًا﴾ إلّا جُحُودًا. ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ خَزائِنَ رِزْقِهِ وسائِرَ نِعَمِهِ، وأنْتُمْ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِ حاتِمٍ: ؎ لَوْ ذاتَ سِوارٍ لَطَمَتْنِي وَفائِدَةُ هَذا الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ المُبالَغَةُ مَعَ الإيجازِ والدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ. ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ لَبَخِلْتُمْ مَخافَةَ النَّفادِ بِالإنْفاقِ إذْ لا أحَدَ إلّا ويَخْتارُ النَّفْعَ لِنَفْسِهِ ولَوْ آثَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّما يُؤْثِرُهُ لِعِوَضٍ يَفُوقُهُ فَهو إذَنْ بَخِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ هَذا وإنَّ البُخَلاءَ أغْلَبُ فِيهِمْ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ بَخِيلًا لِأنَّ بِناءَ أمْرِهِ عَلى الحاجَةِ والضِّنَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ ومُلاحَظَةِ العِوَضِ فِيما يَبْذُلُهُ.

الإسراء 17:101

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ هي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِجارُ الماءِ مِنَ الحَجَرِ وانْفِلاقُ البَحْرِ ونَتْقُ الطُّورِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ الطُّوفانُ والسُّنُونَ ونَقْصُ الثَّمَراتِ مَكانَ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. وَعَنْ صَفْوانَ «أنْ يَهُودِيًّا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْها فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى ذِي سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةُ اليَهُودِ أنْ لا تَعْدُوا في السَّبْتِ، فَقَبَّلَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ ورِجْلَهُ.» فَعَلى هَذا المُرادُ بِالآياتِ الأحْكامُ العامَّةُ لِلْمِلَلِ الثّابِتَةِ في كُلِّ الشَّرائِعِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى حالِ مَن يَتَعاطى مُتَعَلِّقَها في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ. وَقَوْلُهُ وعَلَيْكم خاصَّةُ اليَهُودِ أنْ لا تَعْدُوا، حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زائِدٌ عَلى الجَوابِ ولِذَلِكَ غَيَّرَ فِيهِ سِياقَ الكَلامِ. ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فَقُلْنا لَهُ سَلْهم مِن فِرْعَوْنَ لِيُرْسِلَهم مَعَكَ، أوْ سَلْهم عَنْ حالِ دِينِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « فَسَألَ» عَلى لَفْظِ المُضِيِّ بِغَيْرِ هَمْزٍ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ و ﴿إذْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقُلْنا أوْ سَألَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أوْ فاسْألْ يا مُحَمَّدُ بَنِي إسْرائِيلَ عَمّا جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إذْ جاءَهم، أوْ عَنِ الآياتِ لِيَظْهَرَ لِلْمُشْرِكِينَ صِدْقُكَ أوْ لِتَتَسَلّى نَفْسُكَ، أوْ لِتَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أتى بِما اقْتَرَحُوا لَأصَرُّوا عَلى العِنادِ والمُكابَرَةِ كَمَن قَبْلَهم، أوْ لِيَزْدادَ يَقِينُكَ لَأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ يُوجِبُ قُوَّةَ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ وعَلى هَذا كانَ ﴿إذْ﴾ نَصْبا بِـ ﴿آتَيْنا﴾ أوْ بِإضْمارِ يُخْبِرُوكَ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ فَتَخَبَّطَ عَقْلُكَ.(p-269)

الإسراء 17:102

﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فِرْعَوْنُ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ عَلى إخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ. ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي الآياتِ. ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ بَيِّناتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي ولَكِنَّكَ تُعانِدُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا، أيْ ما صَرَفَكَ أوْ هالِكًا قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنِينِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ كَذِبٌ بَحْتٌ وظَنَّ مُوسى يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ مِن تَظاهُرِ أماراتِهِ. وقُرِئَ « وإنْ أخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى إنِ المُخَفَّفَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.

الإسراء 17:103

﴿فَأرادَ﴾ فِرْعَوْنُ. ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أنْ يَسْتَخِفَّ مُوسى وقَوْمَهُ ويَنْفِيَهم. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ أوِ الأرْضِ مُطْلَقًا بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ فاسْتَفْزَزْناهُ وقَوْمَهُ بِالإغْراقِ. ﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ فِرْعَوْنَ أوْ إغْراقِهِ. ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ الكَرَّةُ أوِ الحَياةُ أوِ السّاعَةُ أوِ الدّارُ الآخِرَةُ يَعْنِي قِيامَ القِيامَةِ. ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مُخْتَلِطِينَ إيّاكم وإيّاهم ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكم ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكم، واللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.

الإسراء 17:104

﴿فَأرادَ﴾ فِرْعَوْنُ. ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أنْ يَسْتَخِفَّ مُوسى وقَوْمَهُ ويَنْفِيَهم. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ أوِ الأرْضِ مُطْلَقًا بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ فاسْتَفْزَزْناهُ وقَوْمَهُ بِالإغْراقِ. ﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ فِرْعَوْنَ أوْ إغْراقِهِ. ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ الكَرَّةُ أوِ الحَياةُ أوِ السّاعَةُ أوِ الدّارُ الآخِرَةُ يَعْنِي قِيامَ القِيامَةِ. ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مُخْتَلِطِينَ إيّاكم وإيّاهم ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكم ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكم، واللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.

الإسراء 17:105

﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ أيْ وما أنْزَلْنا القُرْآنَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ وما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصْدِ مِنَ المَلائِكَةِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ. ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ نَفْيَ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ. ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْعاصِي بِالعِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا. وقِيلَ فَرَقْنا فِيهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ نُجُومِهِ فَإنَّهُ نَزَلَ في تَضاعِيفِ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ عَلى مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعُونُ في الفَهْمِ وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ.

الإسراء 17:106

﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ أيْ وما أنْزَلْنا القُرْآنَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ وما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصْدِ مِنَ المَلائِكَةِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ. ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ نَفْيَ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ. ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْعاصِي بِالعِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا. وقِيلَ فَرَقْنا فِيهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ نُجُومِهِ فَإنَّهُ نَزَلَ في تَضاعِيفِ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ عَلى مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعُونُ في الفَهْمِ وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ.

الإسراء 17:107

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ إيمانَكم بِالقُرْآنِ لا يَزِيدُهُ كَمالًا وامْتِناعَكم عَنْهُ لا يُورِثُهُ نَقْصًا وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ أيْ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ قَرَءُوا الكُتُبَ السّابِقَةَ وعَرَفُوا حَقِيقَةَ الوَحْيِ وأماراتِ النُّبُوَّةِ، وتَمَكَّنُوا مِنَ المَيْزِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوْ رَأوْا نَعْتَكَ وصِفَةَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ في تِلْكَ الكُتُبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ﴿قُلْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ بِإيمانِ العُلَماءِ عَنْ إيمانِ الجَهَلَةِ ولا تَكْتَرِثْ بِإيمانِهِمْ وإعْراضِهِمْ. ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ القُرْآنُ. ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ يَسْقُطُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ أوْ شُكْرًا لِإنْجازِ وعْدِهِ في تِلْكَ الكُتُبِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ.(p-270)

الإسراء 17:108

﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَنْ خُلْفِ المَوْعِدِ. ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ كائِنًا لا مَحالَةَ. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الحالِ والسَّبَبِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلشُّكْرِ عِنْدَ إنْجازِ الوَعْدِ والثّانِي لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وذَكَرَ الذَّقْنِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَلْقى الأرْضَ مِن وجْهِ السّاجِدِ، واللّامُ فِيهِ لِاخْتِصاصِ الخُرُورِ بِهِ. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سَماعُ القُرْآنِ خُشُوعًا كَما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِاللَّهِ.

الإسراء 17:109

﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَنْ خُلْفِ المَوْعِدِ. ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ كائِنًا لا مَحالَةَ. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الحالِ والسَّبَبِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلشُّكْرِ عِنْدَ إنْجازِ الوَعْدِ والثّانِي لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وذَكَرَ الذَّقْنِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَلْقى الأرْضَ مِن وجْهِ السّاجِدِ، واللّامُ فِيهِ لِاخْتِصاصِ الخُرُورِ بِهِ. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سَماعُ القُرْآنِ خُشُوعًا كَما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِاللَّهِ.

الإسراء 17:110

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ سَمِعَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالُوا إنَّهُ يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ. أوْ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ وقَدْ أكْثَرَهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ، والمُرادُ عَلى الأوَّلِ هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما يُطْلَقانِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ وإنِ اخْتَلَفَ اعْتِبارُ إطْلاقِهِما، والتَّوْحِيدُ إنَّما هو لِلَذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ المُطْلَقُ وعَلى الثّانِي أنَّهُما سِيّانِ في حُسْنِ الإطْلاقِ والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ وهو أجْوَدُ لِقَوْلِهِ: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ والدُّعاءُ في الآيَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حُذِفَ أوَّلُهُما اسْتِغْناءً عَنْهُ وأوْ لِلتَّخْيِيرِ والتَّنْوِينُ في ﴿أيًّا﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و ﴿ما﴾ صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في ﴿أيًّا﴾ مِنَ الإبْهامِ، والضَّمِيرُ في ﴿فَلَهُ﴾ لِلْمُسَمّى لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَهُ لا لِلِاسْمِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿أيًّا ما تَدْعُوا﴾ فَهو حَسَنٌ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وكَوْنُها حُسْنى لِدَلالَتِها عَلى صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ. ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ حَتّى تُسْمِعَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى السَّبِّ واللَّغْوِ فِيها. ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ حَتّى لا تُسْمِعَ مَن خَلْفَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ. ﴿سَبِيلا﴾ وسَطًا فَإنَّ الِاقْتِصادَ في جَمِيعِ الأُمُورِ مَحْبُوبٌ. رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَخْفِتُ ويَقُولُ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَجْهَرُ ويَقُولُ أطْرُدُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسَنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا وعُمَرَ أنْ يَخْفِضَ قَلِيلًا.» وَقِيلَ مَعْناهُ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِها بِأسْرِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالإخْفاتِ نَهارًا والجَهْرِ لَيْلًا.

الإسراء 17:111

﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ولِيٌّ يُوالِيهِ مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ما يُشارِكُهُ مِن جِنْسِهِ ومِن غَيْرِ جِنْسِهِ اخْتِيارًا واضْطِرارًا، وما يُعاوِنُهُ ويُقَوِّيهِ، ورَتَّبَ الحَمْدَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ جِنْسَ الحَمْدِ لِأنَّهُ الكامِلُ الذّاتِ المُنْفَرِدُ بِالإيجادِ، المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ وما عَداهُ ناقِصٌ مَمْلُوكُ نِعْمَةٍ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ واجْتَهَدَ في العِبادَةِ والتَّحْمِيدِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَرِفَ بِالقُصُورِ عَنْ حَقِّهِ في ذَلِكَ. (p-271)رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أفْصَحَ الغُلامُ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَيْنِ، كانَ لَهُ قِنْطارٌ في الجَنَّةِ» والقِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَةٍ ومِائَتا أُوقِيَةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

الكهف 18:1

(p-272)سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَةَ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، رَتَّبَ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ عَلى إنْزالِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ نَعْمائِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ الهادِي إلى ما فِيهِ كَمالُ العِبادِ والدّاعِي إلى ما بِهِ يَنْتَظِمُ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِاخْتِلالٍ في اللَّفْظِ وتَنافٍ في المَعْنى، أوِ انْحِرافٍ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى جَنابِ الحَقِّ وهو في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ.

الكهف 18:2

﴿قَيِّمًا﴾ مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا لا إفْراطَ فِيهِ ولا تَفْرِيطَ، أوْ ﴿قَيِّمًا﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى الكُتُبِ السّابِقَةِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ قَيِّمًا أوْ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَهُ﴾، أوْ مِنَ ﴿الكِتابَ﴾ عَلى أنَّ الواوَ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ لِلْحالِ دُونَ العَطْفِ، إذْ لَوْ كانَ لِلْعَطْفِ لَكانَ المَعْطُوفُ فاصِلًا بَيْنَ أبْعاضِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وقُرِئَ « قَيِّمًا» . ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أيْ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَرِينَةِ واقْتِصارًا عَلى الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ. ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِإسْكانِ الدّالِّ كَإسْكانِ الباءِ مَن سَبْعٍ مَعَ الإشْمامِ لِيَدُلَّ عَلى أصْلِهِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ. ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الجَنَّةُ. ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ في الأجْرِ. ﴿أبَدًا﴾ بِلا انْقِطاعٍ.

الكهف 18:3

﴿قَيِّمًا﴾ مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا لا إفْراطَ فِيهِ ولا تَفْرِيطَ، أوْ ﴿قَيِّمًا﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى الكُتُبِ السّابِقَةِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ قَيِّمًا أوْ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَهُ﴾، أوْ مِنَ ﴿الكِتابَ﴾ عَلى أنَّ الواوَ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ لِلْحالِ دُونَ العَطْفِ، إذْ لَوْ كانَ لِلْعَطْفِ لَكانَ المَعْطُوفُ فاصِلًا بَيْنَ أبْعاضِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وقُرِئَ « قَيِّمًا» . ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أيْ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَرِينَةِ واقْتِصارًا عَلى الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ. ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِإسْكانِ الدّالِّ كَإسْكانِ الباءِ مَن سَبْعٍ مَعَ الإشْمامِ لِيَدُلَّ عَلى أصْلِهِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ. ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الجَنَّةُ. ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ في الأجْرِ. ﴿أبَدًا﴾ بِلا انْقِطاعٍ.

الكهف 18:4

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ وكَرَّرَ الإنْذارَ مُتَعَلِّقًا بِهِمُ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُنْذَرَ بِهِ اسْتِغْناءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ. ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ بِالوَلَدِ أوْ بِاتِّخاذِهِ أوْ بِالقَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَهُ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ وتَوَهُّمٍ كاذِبٍ، أوْ تَقْلِيدٍ لِما سَمِعُوهُ مِن أوائِلِهِمْ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوا بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ والِابْنَ بِمَعْنى المُؤَثِّرِ والأثَرِ. أوْ بِاللَّهِ إذْ لَوْ عَلِمُوهُ لَما جَوَّزُوا نِسْبَةَ الِاتِّخاذِ إلَيْهِ. ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ تَقَوَّلُوهُ بِمَعْنى (p-273)التَّبَنِّي. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ لِما فِيها مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّشْرِيكِ، وإيهامِ احْتِياجِهِ تَعالى إلى ولَدٍ يُعِينُهُ ويَخْلُفُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الزَّيْغِ، و ﴿كَلِمَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والأوَّلُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى المَقْصُودِ. ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لَها تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى إخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، والخارِجُ بِالذّاتِ هو الهَواءُ الحامِلُ لَها. وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِأنَّ كَبُرَ ها هُنا بِمَعْنى بِئْسَ وقُرِئَ « كَبْرَتْ» بِالسُّكُونِ مَعَ الإشْمامِ. ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ .

الكهف 18:5

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ وكَرَّرَ الإنْذارَ مُتَعَلِّقًا بِهِمُ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُنْذَرَ بِهِ اسْتِغْناءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ. ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ بِالوَلَدِ أوْ بِاتِّخاذِهِ أوْ بِالقَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَهُ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ وتَوَهُّمٍ كاذِبٍ، أوْ تَقْلِيدٍ لِما سَمِعُوهُ مِن أوائِلِهِمْ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوا بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ والِابْنَ بِمَعْنى المُؤَثِّرِ والأثَرِ. أوْ بِاللَّهِ إذْ لَوْ عَلِمُوهُ لَما جَوَّزُوا نِسْبَةَ الِاتِّخاذِ إلَيْهِ. ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ تَقَوَّلُوهُ بِمَعْنى (p-273)التَّبَنِّي. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ لِما فِيها مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّشْرِيكِ، وإيهامِ احْتِياجِهِ تَعالى إلى ولَدٍ يُعِينُهُ ويَخْلُفُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الزَّيْغِ، و ﴿كَلِمَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والأوَّلُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى المَقْصُودِ. ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لَها تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى إخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، والخارِجُ بِالذّاتِ هو الهَواءُ الحامِلُ لَها. وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِأنَّ كَبُرَ ها هُنا بِمَعْنى بِئْسَ وقُرِئَ « كَبْرَتْ» بِالسُّكُونِ مَعَ الإشْمامِ. ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ .

الكهف 18:6

﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتِلُها. ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ إذا ولَّوْا عَنِ الإيمانِ، شَبَّهَهُ لِما يُداخِلُهُ مِنَ الوَجْدِ عَلى تَوَلِّيهِمْ بِمَن فارَقَتْهُ أعِزَّتُهُ فَهو يَتَحَسَّرُ عَلى آثارِهِمْ ويَبْخَعُ نَفْسَهُ وجْدًا عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ « باخِعُ نَفْسِكَ» عَلى الإضافَةِ. ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ بِهَذا القُرْآنِ. ﴿أسَفًا﴾ لِلتَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ أوْ مُتَأسِّفًا عَلَيْهِمْ، والأسَفُ فَرْطُ الحُزْنِ والغَضَبِ. وقُرِئَ « أنْ» بِالفَتْحِ عَلى لِأنْ فَلا يَجُوزُ إعْمالُ ﴿باخِعٌ﴾ إلّا إذا جُعِلَ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.

الكهف 18:7

﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ. ﴿زِينَةً لَها﴾ ولِأهْلِها ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ في تَعاطِيهِ، وهو مَن زَهِدَ فِيهِ ولَمْ يَغْتَرَّ بِهِ وقَنَعَ مِنهُ بِما يُزْجِي بِهِ أيّامَهُ وصَرَفَهُ عَلى ما يَنْبَغِي، وفِيهِ تَسْكِينٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ تَزْهِيدٌ فِيهِ، والجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي قُطِعَ نَباتُها. مَأْخُوذٌ مِنَ الجَرْزِ وهو القَطْعُ، والمَعْنى إنّا لَنُعِيدَ ما عَلَيْها مِنَ الزِّينَةِ تُرابًا مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ ونَجْعَلُهُ كَصَعِيدٍ أمْلَسَ لا نَباتَ فِيهِ.

الكهف 18:8

﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ. ﴿زِينَةً لَها﴾ ولِأهْلِها ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ في تَعاطِيهِ، وهو مَن زَهِدَ فِيهِ ولَمْ يَغْتَرَّ بِهِ وقَنَعَ مِنهُ بِما يُزْجِي بِهِ أيّامَهُ وصَرَفَهُ عَلى ما يَنْبَغِي، وفِيهِ تَسْكِينٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ تَزْهِيدٌ فِيهِ، والجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي قُطِعَ نَباتُها. مَأْخُوذٌ مِنَ الجَرْزِ وهو القَطْعُ، والمَعْنى إنّا لَنُعِيدَ ما عَلَيْها مِنَ الزِّينَةِ تُرابًا مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ ونَجْعَلُهُ كَصَعِيدٍ أمْلَسَ لا نَباتَ فِيهِ.

الكهف 18:9

﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ بَلْ أحَسِبْتَ. ﴿أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ في إبْقاءِ حَياتِهِمْ مُدَّةً مَدِيدَةً. ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ وقِصَّتُهم بِالإضافَةِ إلى خَلْقِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الأجْناسِ والأنْواعِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ عَلى طَبائِعَ مُتَباعِدَةٍ وهَيْئاتٍ مُتَخالِفَةٍ تُعْجِبُ النّاظِرِينَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ رَدُّها إلَيْها لَيْسَ بِعَجِيبٍ مَعَ أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ كالنَّزْرِ الحَقِيرِ. والكَهْفُ الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ. والرَّقِيمُ اسْمُ الجَبَلِ أوِ الوادِي الَّذِي فِيهِ كَهْفُهم، أوِ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ أوْ كَلْبِهِمْ. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎ ولَيْسَ بِها إلّا الرَّقِيمُ مُجاوِرًا. . . وصَيْدَهُمُو والقَوْمُ في الكَهْفِ هُجَّدٌ أوْ لَوْحٌ رَصاصِيٌّ أوْ حَجَرِيٌّ رُقِمَتْ فِيهِ أسْماؤُهم وجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ. وقِيلَ أصْحابُ الرَّقِيمِ قَوْمٌ آخَرُونَ كانُوا «ثَلاثَةً خَرَجُوا يَرْتادُونَ لِأهْلِهِمْ، فَأخَذَتْهُمُ السَّماءُ فَأوَوْا إلى الكَهْفِ فانْحَطَّتْ صَخْرَةٌ وسَدَّتْ بابَهُ. فَقالَ أحَدُهُمُ اذْكُرُوا أيُّكم عَمَلَ حَسَنَةً لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنا بِبَرَكَتِهِ، فَقالَ أحَدُهم: اسْتَعْمَلْتُ أُجَراءَ ذاتَ يَوْمٍ فَجاءَ رَجُلٌ وسَطَ النَّهارِ وعَمَلَ في بَقِيَّتِهِ مِثْلَ عَمَلِهِمْ فَأعْطَيْتُهُ مِثْلَ أجْرِهِمْ، فَغَضِبَ أحَدُهم وتَرَكَ أجْرَهُ فَوَضَعْتُهُ في جانِبِ البَيْتِ، ثُمَّ مَرَّ بِي بَقَرٌ فاشْتَرَيْتُ بِهِ فَصِيلَةً فَبَلَغَتْ ما شاءَ اللَّهُ، فَرَجَعَ إلَيَّ بَعْدَ حِينٍ شَيْخًا ضَعِيفًا لا أعْرِفُهُ وقالَ: إنَّ لِي عِنْدَكَ حَقًّا وذَكَرَهُ لِي حَتّى عَرَفْتُهُ فَدَفَعْتُها إلَيْهِ جَمِيعًا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِوَجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فانْصَدَعَ الجَبَلُ حَتّى رَأوُا الضَّوْءَ. وقالَ آخَرُ: كانَ فِيَّ فَضْلٌ وأصابَتِ النّاسَ شِدَّةٌ، فَجاءَتْنِي امْرَأةٌ فَطَلَبَتْ مِنِّي مَعْرُوفًا فَقُلْتُ: واللَّهِ ما هو دُونَ نَفْسِكِ فَأبَتْ وعادَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ ثَلاثًا، ثُمَّ ذَكَرَتْ لِزَوْجِها فَقالَ أجِيبِي لَهُ وأغِيثِي عِيالكِ، فَأتَتْ وسَلَّمَتْ إلَيَّ نَفْسَها فَلَمّا تَكَشَّفْتُها وهَمَمْتُ بِها ارْتَعَدَتْ فَقُلْتُ: ما لَكِ قالَتْ أخافُ اللَّهَ، (p-274)فَقُلْتُ لَها: خِفْتِهِ في الشِّدَّةِ ولَمْ أخَفْهُ في الرَّخاءِ فَتَرَكْتُها وأعْطَيْتُها مُلْتَمَسَها، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ لِوَجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فانْصَدَعَ حَتّى تَعارَفُوا. وقالَ الثّالِثُ كانَ لِي أبَوانِ هَرِمانِ وكانَتْ لِي غَنَمٌ وكُنْتُ أُطْعِمُهُما وأسْقِيهِما ثُمَّ أرْجِعُ إلى غَنَمِي فَحَبَسَنِي ذاتَ يَوْمٍ غَيْثٌ فَلَمْ أبْرَحْ حَتّى أمْسَيْتُ، فَأتَيْتُ أهْلِي وأخَذْتُ مَحْلَبِي فَحَلَبْتُ فِيهِ ومَضَيْتُ إلَيْهِما، فَوَجَدَتْهُما نائِمَيْنِ فَشَقَّ عَلَيَّ أنْ أُوقِظَهُما، فَتَوَقَّعْتُ جالِسًا ومَحْلَبِي عَلى يَدَيَّ حَتّى أيْقَظَهُما الصُّبْحُ فَسَقَيْتُهُما. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ لِوَجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا. فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهم فَخَرَجُوا» وقَدْ رَفَعَ ذَلِكَ نُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ.

الكهف 18:10

﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ يَعْنِي فِتْيَةً مِن أشْرافِ الرُّومِ أرادَهم دِقْيانُوسُ عَلى الشِّرْكِ فَأبَوْا وهَرَبُوا إلى الكَهْفِ، ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تَوَجَّبْ لَنا المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ والأمْنَ مِنَ العَدُوِّ. ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ مِنَ الأمْرِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُفارَقَةِ الكُفّارِ. ﴿رَشَدًا﴾ نَصِيرُ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ، أوِ اجْعَلْ أمْرَنا كُلَّهُ رَشَدًا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا وأصْلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ. ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ السَّماعَ بِمَعْنى أنَمْناهم إنامَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ. ﴿فِي الكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظَرْفانِ لِضَرَبْنا. ﴿عَدَدًا﴾ أيْ ذَواتِ عَدَدٍ، ووَصْفُ السِّنِينَ بِهِ يَحْتَمِلُ التَّكْثِيرَ والتَّقْلِيلَ، فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَهُ.

الكهف 18:11

﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ يَعْنِي فِتْيَةً مِن أشْرافِ الرُّومِ أرادَهم دِقْيانُوسُ عَلى الشِّرْكِ فَأبَوْا وهَرَبُوا إلى الكَهْفِ، ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تَوَجَّبْ لَنا المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ والأمْنَ مِنَ العَدُوِّ. ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ مِنَ الأمْرِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُفارَقَةِ الكُفّارِ. ﴿رَشَدًا﴾ نَصِيرُ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ، أوِ اجْعَلْ أمْرَنا كُلَّهُ رَشَدًا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا وأصْلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ. ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ السَّماعَ بِمَعْنى أنَمْناهم إنامَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ. ﴿فِي الكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظَرْفانِ لِضَرَبْنا. ﴿عَدَدًا﴾ أيْ ذَواتِ عَدَدٍ، ووَصْفُ السِّنِينَ بِهِ يَحْتَمِلُ التَّكْثِيرَ والتَّقْلِيلَ، فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَهُ.

الكهف 18:12

﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْقَظْناهم. ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا تَعَلُّقًا حالِيًّا مُطابِقًا لِتَعَلُّقِهِ أوَّلًا تَعَلُّقًا اسْتِقْبالِيًّا. ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ المُخْتَلِفَيْنِ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. ﴿أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ ضَبَطَ أمَدَ الزَّمانِ لُبْثِهِمْ وما في أيٍّ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عُلِّقَ عَنْهُ لِنَعْلَمَ، فَهو مُبْتَدَأٌ و ﴿أحْصى﴾ خَبَرُهُ. وهو فِعْلٌ ماضٍ و ﴿أمَدًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ و ﴿لِما لَبِثُوا﴾ حالٌ مِنهُ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّهُ المَفْعُولُ واللّامُ مَزِيدَةٌ وما مَوْصُولَةٌ و ﴿أمَدًا﴾ تَمْيِيزٌ، وقِيلَ ﴿أحْصى﴾ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الإحْصاءِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِمْ: هو أحْصى لِلْمالِ وأفْلَسُ مِنَ ابْنِ المُذْلَقِ، و ﴿أمَدًا﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أحْصى﴾ كَقَوْلِهِ: وَأضْرَبُ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ. ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ شُبّانٌ جَمْعُ فَتى كَصَبِيٍّ وصِبْيَةٍ. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ بِالتَّثْبِيتِ.

الكهف 18:13

﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْقَظْناهم. ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا تَعَلُّقًا حالِيًّا مُطابِقًا لِتَعَلُّقِهِ أوَّلًا تَعَلُّقًا اسْتِقْبالِيًّا. ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ المُخْتَلِفَيْنِ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. ﴿أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ ضَبَطَ أمَدَ الزَّمانِ لُبْثِهِمْ وما في أيٍّ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عُلِّقَ عَنْهُ لِنَعْلَمَ، فَهو مُبْتَدَأٌ و ﴿أحْصى﴾ خَبَرُهُ. وهو فِعْلٌ ماضٍ و ﴿أمَدًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ و ﴿لِما لَبِثُوا﴾ حالٌ مِنهُ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّهُ المَفْعُولُ واللّامُ مَزِيدَةٌ وما مَوْصُولَةٌ و ﴿أمَدًا﴾ تَمْيِيزٌ، وقِيلَ ﴿أحْصى﴾ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الإحْصاءِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِمْ: هو أحْصى لِلْمالِ وأفْلَسُ مِنَ ابْنِ المُذْلَقِ، و ﴿أمَدًا﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أحْصى﴾ كَقَوْلِهِ: وَأضْرَبُ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ. ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ شُبّانٌ جَمْعُ فَتى كَصَبِيٍّ وصِبْيَةٍ. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ بِالتَّثْبِيتِ.

الكهف 18:14

﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الوَطَنِ والأهْلِ والمالِ، والجَراءَةِ عَلى إظْهارِ الحَقِّ والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ. ﴿إذْ قامُوا﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا ذا شَطَطٍ أيْ ذا بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ في الظُّلْمِ. (p-275)﴿هَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ. ﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ. ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ خَبَرُهُ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى إنْكارٍ. ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ هَلّا يَأْتُونَ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى عِبادَتِهِمْ. ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّياناتِ مَرْدُودٌ وأنَّ التَّقْلِيدَ فِيهِ غَيْرُ جائِزٍ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.

الكهف 18:15

﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الوَطَنِ والأهْلِ والمالِ، والجَراءَةِ عَلى إظْهارِ الحَقِّ والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ. ﴿إذْ قامُوا﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا ذا شَطَطٍ أيْ ذا بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ في الظُّلْمِ. (p-275)﴿هَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ. ﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ. ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ خَبَرُهُ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى إنْكارٍ. ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ هَلّا يَأْتُونَ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى عِبادَتِهِمْ. ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّياناتِ مَرْدُودٌ وأنَّ التَّقْلِيدَ فِيهِ غَيْرُ جائِزٍ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.

الكهف 18:16

﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ﴿وَما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ وإذِ اعْتَزَلْتُمُ القَوْمَ ومَعْبُودِيهِمْ إلّا اللَّهَ، فَإنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَسائِرِ المُشْرِكِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً عَلى تَقْدِيرِ وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وعِبادَتِهِمْ إلّا عِبادَةَ اللَّهِ، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ بِالتَّوْحِيدِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ (إذِ) وجَوابِهِ لِتَحْقِيقِ اعْتِزالِهِمْ. ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَبْسُطِ الرِّزْقَ لَكم ويُوَسِّعْ عَلَيْكم. ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ ما تَرْتَفِقُونَ بِهِ أيْ تَنْتَفِعُونَ، وجَزْمُهم بِذَلِكَ لِنُصُوعِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ وُثُوقِهِمْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿مِرْفَقًا﴾ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ وهو مَصْدَرٌ جاءَ شاذًّا كالمَرْجِعِ والمَحِيضِ فَإنَّ قِياسَهُ الفَتْحُ.

الكهف 18:17

﴿وَتَرى الشَّمْسَ﴾ لَوْ رَأيْتَهم، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ تَمِيلُ عَنْهُ ولا يَقَعُ شُعاعُها عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِيهِمْ، لِأنَّ الكَهْفَ كانَ جَنُوبِيًّا، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى زُوَّرَها عَنْهم. وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِحَذْفِها وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ « تَزْوَرُّ» كَتَحْمَرُّ، وقُرِئَ « تَزْوارُّ» كَتَحْمارُّ وكُلُّها مِنَ الزَّوْرِ بِمَعْنى المَيْلِ. ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ جِهَةَ اليَمِينِ وحَقِيقَتُها الجِهَةُ ذاتُ اسْمِ اليَمِينِ. ﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تَقْطَعُهم وتَصْرُمُ عَنْهم. ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ يَعْنِي يَمِينَ الكَهْفِ وشِمالَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ وهم في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ، يَعْنِي في وسَطِهِ بِحَيْثُ يَنالُهم رُوحُ الهَواءِ ولا يُؤْذِيهِمْ كَرْبُ الغارِ ولا حَرُّ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ بابَ الكَهْفِ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ مَشْرِقُ رَأْسِ السَّرَطانِ ومَغْرِبُهُ، والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارُهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابَلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جانِبَيْهِ، ويُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ ويُعَدِّلُ هَواءَهُ ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِي أجْسادَهم ويُبْلِي ثِيابَهم. ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ شَأْنُهم وإيواؤُهم إلى كَهْفٍ شَأْنُهُ كَذَلِكَ، أوْ إخْبارُكَ قِصَّتَهم، أوِ ازْوِرارُ الشَّمْسِ عَنْهم وقَرْضُها طالِعَةً وغارِبَةً مِن آياتِ اللَّهِ. ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ. ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الَّذِي أصابَ الفَلاحَ، والمُرادُ بِهِ إمّا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ أوِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلتَّأمُّلِ فِيها والِاسْتِبْصارِ بِها. ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ مَن يَلِيهِ ويُرْشِدُهُ.

الكهف 18:18

﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ لِانْفِتاحِ عُيُونِهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ. ﴿وَهم رُقُودٌ﴾ نِيامٌ. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ في رَقْدَتِهِمْ. (p-276)﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما يَلِيها مِن أبْدانِهِمْ عَلى طُولِ الزَّمانِ. وقُرِئَ « ويُقَلِّبُهم» بِالياءِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، و « تَقَلُّبَهم» عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَحْسَبُهم أيْ وتَرى تَقَلُّبَهم. ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: أنا أحَبُّ أحِبّاءِ اللَّهِ فَنامُوا وأنا أحْرُسُكم. أوْ كَلْبُ راعٍ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: « وكالِبُهم» أيْ وصاحِبُ كَلْبِهِمْ. ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ولِذَلِكَ أُعْمِلُ اسْمُ الفاعِلِ. ﴿بِالوَصِيدِ﴾ بِفِناءِ الكَهْفِ، وقِيلَ الوَصِيدُ البابُ، وقِيلَ العَتَبَةُ. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَنَظَرْتَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ « لَوُ اطَّلَعْتَ» بِضَمِّ الواوِ. ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ لَهَرَبْتَ مِنهم، و ﴿فِرارًا﴾ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْلِيَةِ والعِلَّةِ والحالِ. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ خَوْفًا يَمْلَأُ صَدْرَكَ بِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ الهَيْبَةِ أوْ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ وانْفِتاحِ عُيُونِهِمْ. وقِيلَ لِوَحْشَةِ مَكانِهِمْ. وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ غَزا الرُّومَ فَمَرَّ بِالكَهْفِ فَقالَ: لَوْ كَشَفْتَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ فَقالَ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ فَلَمْ يَسْمَعْ وبَعَثَ ناسًا فَلَمّا دَخَلُوا جاءَتْ رِيحٌ فَأحْرَقَتْهم. وقَرَأ الحِجازِيّانِ (لَمُلِّئْتَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿رُعْبًا﴾ بِالتَّثْقِيلِ.

الكهف 18:19

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ وكَما أنَمْناهم آيَةً بَعَثْناهم آيَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا. ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَتَعْرِفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فَيَزْدادُوا يَقِينًا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى غالِبِ ظَنِّهِمْ لِأنَّ النّائِمَ لا يُحْصِي مُدَّةَ نَوْمِهِ ولِذَلِكَ أحالُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وهَذا إنْكارٌ الآخَرِينَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وانْتَبَهُوا ظَهِيرَةً وظَنُّوا أنَّهم في يَوْمِهِمْ أوِ اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قالُوا ذَلِكَ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى طُولِ أظْفارِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالُوا هَذا ثُمَّ لَمّا عَلِمُوا أنَّ الأمْرَ مُلْتَبِسٌ لا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِهِ أخَذُوا فِيما يُهِمُّهم وقالُوا: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ والوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ. وقُرِئَ بِالتَّثْقِيلِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ وبِالتَّخْفِيفِ مَكْسُورَ الواوِ مُدْغَمًا وغَيْرَ مُدْغَمٍ، ورُدَّ المُدْغَمُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وحَمْلُهم لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزَوُّدَ رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ والمَدِينَةُ طَرْسُوسُ. ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها﴾ أيُّ أهْلِها. ﴿أزْكى طَعامًا﴾ أحَلُّ وأطِيبُ أوْ أكْثَرُ وأرْخَصُ. ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ، أوْ في التَّخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ. ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ. ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْكم أوْ يَظْفَرُوا بِكم، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في ﴿أيُّها﴾ . ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ. ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أوْ يُصَيِّرُوكم إلَيْها كَرْهًا مِنَ العَوْدِ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. وقِيلَ كانُوا أوَّلًا عَلى دِينِهِمْ فَآمَنُوا. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ إنْ دَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِمْ.

الكهف 18:20

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ وكَما أنَمْناهم آيَةً بَعَثْناهم آيَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا. ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَتَعْرِفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فَيَزْدادُوا يَقِينًا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى غالِبِ ظَنِّهِمْ لِأنَّ النّائِمَ لا يُحْصِي مُدَّةَ نَوْمِهِ ولِذَلِكَ أحالُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وهَذا إنْكارٌ الآخَرِينَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وانْتَبَهُوا ظَهِيرَةً وظَنُّوا أنَّهم في يَوْمِهِمْ أوِ اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قالُوا ذَلِكَ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى طُولِ أظْفارِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالُوا هَذا ثُمَّ لَمّا عَلِمُوا أنَّ الأمْرَ مُلْتَبِسٌ لا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِهِ أخَذُوا فِيما يُهِمُّهم وقالُوا: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ والوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ. وقُرِئَ بِالتَّثْقِيلِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ وبِالتَّخْفِيفِ مَكْسُورَ الواوِ مُدْغَمًا وغَيْرَ مُدْغَمٍ، ورُدَّ المُدْغَمُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وحَمْلُهم لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزَوُّدَ رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ والمَدِينَةُ طَرْسُوسُ. ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها﴾ أيُّ أهْلِها. ﴿أزْكى طَعامًا﴾ أحَلُّ وأطِيبُ أوْ أكْثَرُ وأرْخَصُ. ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ، أوْ في التَّخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ. ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ. ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْكم أوْ يَظْفَرُوا بِكم، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في ﴿أيُّها﴾ . ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ. ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أوْ يُصَيِّرُوكم إلَيْها كَرْهًا مِنَ العَوْدِ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. وقِيلَ كانُوا أوَّلًا عَلى دِينِهِمْ فَآمَنُوا. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ إنْ دَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِمْ.

الكهف 18:21

(p-277)﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِتَزْدادَ بَصِيرَتُهم أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ. ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلى حالِهِمْ. ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِالبَعْثِ أوِ المَوْعُودِ الَّذِي هو البَعْثُ. ﴿حَقٌّ﴾ لِأنَّ نَوْمَهم وانْتِباهَهم كَحالِ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ. ﴿وَأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ وأنَّ القِيامَةَ لا رَيْبَ في إمْكانِها، فَإنَّ مَن تَوَفّى نُفُوسَهم وأمْسَكَها ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ حافِظًا أبْدانَها عَنِ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ، ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها قَدَرَ أنْ يَتَوَفّى نُفُوسَ جَمِيعِ النّاسِ مُمْسِكًا إيّاها إلى أنْ يَحْشُرَ أبْدانَهم فَيَرُدَّها عَلَيْها. ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿أعْثَرْنا﴾ أيْ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ. ﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ أمْرَ دِينِهِمْ، وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ تُبْعَثُ الأرْواحُ مُجَرَّدَةً وبَعْضُهم يَقُولُ يُبْعَثانِ مَعًا لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ أنَّهُما يُبْعَثانِ مَعًا، أوْ أمْرَ الفِتْيَةِ حِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ ثانِيًا بِالمَوْتِ فَقالَ بَعْضُهم، ماتُوا وقالَ آخَرُونَ نامُوا نَوْمَهم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ قالَتْ طائِفَةٌ نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيانًا يَسْكُنُهُ النّاسُ ويَتَّخِذُونَهُ قَرْيَةً، وقالَ آخَرُونَ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا يُصَلّى فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وقَوْلُهُ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ إمّا مِنَ اللَّهِ رَدًّا عَلى الخائِضِينَ في أمْرِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ في زَمانِهِمْ، أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ فِيهِمْ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ لِلرَّدِّ إلى اللَّهِ بَعْدَ ما تَذَكَّرُوا أمَرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أنْسابِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهم ذَلِكَ. حُكِيَ أنَّ المَبْعُوثَ لَمّا دَخَلَ السُّوقَ وأخْرَجَ الدَّراهِمَ وكانَ عَلَيْها اسْمُ دِقْيانُوسَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ وجَدَ كَنْزًا فَذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ. وكانَ نَصْرانِيًّا مُوَحِّدًا. فَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ آباءَنا أخْبَرُونا أنَّ فَتِيَّةً فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِن دِقْيانُوسَ فَلَعَلَّهم هَؤُلاءِ، فانْطَلَقَ المَلِكُ وأهْلُ المَدِينَةِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وأبْصَرُوهم وكَلَّمُوهم، ثُمَّ قالَتِ الفِتْيَةُ لِلْمَلِكِ نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ ونُعِيذُكَ بِهِ مِن شَرِّ الجِنِّ والإنْسِ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ فَماتُوا فَدَفَنَهُمُ المَلِكُ في الكَهْفِ وبَنى عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا. وقِيلَ لَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ لَهُمُ الفَتى مَكانَكم حَتّى أدْخَلَ أوَّلًا لِئَلّا يَفْزَعُوا، فَدَخَلَ فَعَمِيَ عَلَيْهِمُ المَدْخَلُ فَبَنَوْا ثَمَّ مَسْجِدًا.

الكهف 18:22

﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في قِصَّتِهِمْ في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُؤْمِنِينَ. ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ أيْ هم ثَلاثَةُ رِجالٍ يُرَبِّعُهم كَلْبُهم بِانْضِمامِهِ إلَيْهِمْ. قِيلَ هو قَوْلُ اليَهُودِ وقِيلَ هو قَوْلُ السَّيِّدِ مِن نَصارى نَجْرانَ وكانَ يَعْقُوبِيًّا. ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ قالَهُ النَّصارى أوِ العاقِبُ مِنهم وكانَ نَسْطُورِيًّا. ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ يَرْمُونَ رَمْيًا بِالخَبَرِ الخَفِيِّ الَّذِي لا مَطْلَعَ لَهم عَلَيْهِ وإتْيانًا بِهِ، أوْ ظَنًّا بِالغَيْبِ مِن قَوْلِهِمْ رَجَمَ بِالظَّنِّ إذا ظَنَّ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ بِالسِّينِ اكْتِفاءً بِعَطْفِهِ عَلى ما هو فِيهِ. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ إنَّما قالَهُ المُسْلِمُونَ بِإخْبارِ الرَّسُولِ لَهم عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيماءِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بِأنْ أتْبَعَهُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ وأتْبَعَ الأوَّلَيْنِ قَوْلُهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وبِأنْ أثْبَتَ العِلْمَ بِهِمْ لِطائِفَةٍ بَعْدَ ما حَصَرَ أقْوالَ الطَّوائِفِ في الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ عَدَمَ إيرادِ رابِعٍ في نَحْوِ هَذا المَحَلِّ دَلِيلُ العَدَمِ مَعَ أنَّ الأصْلَ يَنْفِيهِ، ثُمَّ رَدَّ الأوَّلَيْنِ بِأنْ أتْبَعَهُما قَوْلُهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ لِيَتَعَيَّنَ الثّالِثُ وبِأنْ أدْخَلَ فِيهِ الواوَ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ تَشْبِيهًا لَها بِالواقِعَةِ حالًا مِنَ المَعْرِفَةِ، لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم وأسْماؤُهم: يَمْلِيخا ومَكْشَلِينِيا (p-278)وَمَشْلِينِيا هَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ، ومَرْنُوشُ ودَبْرَنُوشُ وشاذَنُوشُ أصْحابُ يَسارِهِ وكانَ يَسْتَشِيرُهم، والسّابِعُ الرّاعِي الَّذِي وافَقَهم واسْمُ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرُ واسْمُ مَدْيَنَتِهِمْ أفْسُوسُ. وَقِيلَ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ لِأهْلِ الكِتابِ والقَلِيلِ مِنهم. ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ فَلا تُجادِلْ في شَأْنِ الفِتْيَةِ إلّا جِدالًا ظاهِرًا غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ، وهو أنْ تَقُصٍّ عَلَيْهِمْ ما في القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لَهم والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ ولا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ قِصَّتِهِمْ سُؤالَ مُسْتَرْشِدٍ فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ لَمَندُوحَةً مِن غَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِها ولا سُؤالَ مُتَعَنِّتٍ تُرِيدُ تَفْضِيحَ المَسْؤُولِ وتَزْيِيفَ ما عِنْدَهُ فَإنَّهُ مُخِلٌّ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ.

الكهف 18:23

﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ نَهْيُ تَأْدِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وأصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ، فَسَألُوهُ فَقالَ: «ائْتُونِي غَدًا أُخْبِرْكم» ولَمْ يَسْتَثْنِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ عَلَيْهِ وكَذَّبَتْهُ قُرَيْشٌ. والِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْيِ أيْ ولا تَقُولَنَّ لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ إنِّي فاعِلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إلّا بِـ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا مُلْتَبِسًا بِمَشِيئَتِهِ قائِلًا إنْ شاءَ اللَّهُ أوْ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ بِمَعْنى أنْ يَأْذَنَ لَكَ فِيهِ، ولا يَجُوزَ تَعْلِيقُهُ بِفاعِلٍ لِأنَّ اسْتِثْناءَ اقْتِرانِ المَشِيئَةِ بِالفِعْلِ غَيْرُ سَدِيدٍ واسْتِثْناءُ اعْتِراضِها دُونَهُ لا يُناسِبُ النَّهْيَ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ مَشِيئَةَ رَبِّكَ وقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ. كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» . ﴿إذا نَسِيتَ﴾ إذا فَرَطَ مِنكَ نِسْيانٌ لِذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرْتَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ما لَمْ يَحْنَثْ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ تَأْخِيرَ الِاسْتِثْناءِ عَنْهُ. وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ إقْرارٌ ولا طَلاقٌ ولا عَتاقٌ ولَمْ يُعْلَمْ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ والخَبَرِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَدارَكَ بِهِ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ بَلْ هو مِن مُقَدَّرٍ مَدْلُولٍ بِهِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ مُبالِغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ، أوِ اذْكُرْ رَبَّكَ وعِقابَهُ إذا تَرَكْتَ بَعْضَ ما أمَرَكَ بِهِ لِيَبْعَثَكَ عَلى التَّدارُكِ، أوِ اذْكُرْهُ إذا اعْتَراكَ النِّسْيانُ لِيُذَكِّرَكَ المَنسِيَّ. ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ يَدُلَّنِي. ﴿لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ لِأقْرَبَ رَشَدًا وأظْهَرَ دَلالَةً عَلى أنِّي نَبِيٌّ مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ. وقَدْ هَداهُ لِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ كَقَصَصِ الأنْبِياءِ المُتَباعِدَةِ عَنْهُ أيّامَهم، والإخْبارِ بِالغُيُوبِ والحَوادِثِ النّازِلَةِ في الأعْصارِ المُسْتَقْبِلَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ لِأقْرَبَ رَشَدًا وأدْنى خَيْرًا مِنَ المَنسِيِّ.

الكهف 18:24

﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ نَهْيُ تَأْدِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وأصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ، فَسَألُوهُ فَقالَ: «ائْتُونِي غَدًا أُخْبِرْكم» ولَمْ يَسْتَثْنِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ عَلَيْهِ وكَذَّبَتْهُ قُرَيْشٌ. والِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْيِ أيْ ولا تَقُولَنَّ لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ إنِّي فاعِلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إلّا بِـ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا مُلْتَبِسًا بِمَشِيئَتِهِ قائِلًا إنْ شاءَ اللَّهُ أوْ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ بِمَعْنى أنْ يَأْذَنَ لَكَ فِيهِ، ولا يَجُوزَ تَعْلِيقُهُ بِفاعِلٍ لِأنَّ اسْتِثْناءَ اقْتِرانِ المَشِيئَةِ بِالفِعْلِ غَيْرُ سَدِيدٍ واسْتِثْناءُ اعْتِراضِها دُونَهُ لا يُناسِبُ النَّهْيَ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ مَشِيئَةَ رَبِّكَ وقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ. كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» . ﴿إذا نَسِيتَ﴾ إذا فَرَطَ مِنكَ نِسْيانٌ لِذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرْتَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ما لَمْ يَحْنَثْ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ تَأْخِيرَ الِاسْتِثْناءِ عَنْهُ. وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ إقْرارٌ ولا طَلاقٌ ولا عَتاقٌ ولَمْ يُعْلَمْ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ والخَبَرِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَدارَكَ بِهِ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ بَلْ هو مِن مُقَدَّرٍ مَدْلُولٍ بِهِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ مُبالِغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ، أوِ اذْكُرْ رَبَّكَ وعِقابَهُ إذا تَرَكْتَ بَعْضَ ما أمَرَكَ بِهِ لِيَبْعَثَكَ عَلى التَّدارُكِ، أوِ اذْكُرْهُ إذا اعْتَراكَ النِّسْيانُ لِيُذَكِّرَكَ المَنسِيَّ. ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ يَدُلَّنِي. ﴿لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ لِأقْرَبَ رَشَدًا وأظْهَرَ دَلالَةً عَلى أنِّي نَبِيٌّ مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ. وقَدْ هَداهُ لِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ كَقَصَصِ الأنْبِياءِ المُتَباعِدَةِ عَنْهُ أيّامَهم، والإخْبارِ بِالغُيُوبِ والحَوادِثِ النّازِلَةِ في الأعْصارِ المُسْتَقْبِلَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ لِأقْرَبَ رَشَدًا وأدْنى خَيْرًا مِنَ المَنسِيِّ.

الكهف 18:25

﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ يَعْنِي لُبْثَهم فِيهِ أحْياءً مَضْرُوبًا عَلى آذانِهِمْ، وهو بَيانٌ لِما أجْمَلَ قَبْلُ. وقِيلَ إنَّهُ حِكايَةُ كَلامِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَما اخْتَلَفُوا في عِدَّتِهِمْ فَقالَ بَعْضُهم ثَلاثَمِائَةٍ وقالَ بَعْضُهم ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ) بِالإضافَةِ عَلى وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ الواحِدِ، ويُحَسِّنُهُ ها هُنا أنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ فِيهِ جَبْرٌ لِما حُذِفَ مِنَ الواحِدِ وأنَّ الأصْلَ في العَدَدِ إضافَتُهُ إلى الجَمْعِ ومَن لَمْ يُضِفْ أبْدَلَ السِّنِينَ مِن ثَلاثِمِائَةٍ.

الكهف 18:26

﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَهُ ما غابَ فِيهِما وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما، فَلا خَلْقَ يَخْفى عَلَيْهِ عِلْمًا. ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ ذُكِرَ بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ في الإدْراكِ خارِجٌ عَمّا (p-279)عَلَيْهِ إدْراكُ السّامِعِينَ والمُبْصِرِينَ، إذْ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ ولا يَتَفاوَتُ دُونَهُ لَطِيفٌ وكَثِيفٌ وصَغِيرٌ وكَبِيرٌ وخَفِيٌّ وجَلِيٌّ، والهاءُ تَعُودُ إلى اللَّهِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الفاعِلَيَّةِ والباءُ مَزِيدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ وكانَ أصْلُهُ أبْصَرَ أيْ صارَ ذا بَصَرٍ، ثُمَّ نُقِلَ إلى صِيغَةِ الأمْرِ بِمَعْنى الإنْشاءِ، فَبَرَزَ الضَّمِيرُ لِعَدَمِ لَياقِ الصِّيغَةِ لَهُ أوْ لِزِيادَةِ الباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَفى بِهِ﴾ والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ والفاعِلُ ضَمِيرُ المَأْمُورِ وهو كُلُّ أحَدٍ والباءُ مَزِيدَةٌ إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ ومُعَدِّيَةٌ إنْ كانَتْ لِلصَّيْرُورَةِ. ﴿ما لَهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ. ﴿مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ مَن يَتَوَلّى أُمُورَهم. ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ في قَضائِهِ. ﴿أحَدًا﴾ مِنهم ولا يَجْعَلُ لَهُ فِيهِ مَدْخَلًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وقالُونُ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ والجَزْمِ عَلى نَهْيِ كُلِّ أحَدٍ عَنِ الإشْراكِ، ثُمَّ لَمّا دَلَّ اشْتِمالُ القُرْآنِ عَلى قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ المُغَيَّباتِ بِالإضافَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مُعْجِزٌ أمَرَهُ أنْ يُداوِمَ دَرْسَهُ ويُلازِمَ أصْحابَهُ فَقالَ:

الكهف 18:27

﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ، ولا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ . ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها غَيْرَهُ. ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ مُلْتَجَأً عَلَيْهِ إنْ هَمَمْتَ بِهِ. ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ واحْبِسْها وثَبِّتْها. ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ في مَجامِعِ أوْقاتِهِمْ، أوْ في طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « بِالغُدْوَةِ» وفِيهِ أنَّ غُدْوَةً عَلَمٌ في الأكْثَرِ فَتَكُونُ اللّامُ فِيهِ عَلى تَأْوِيلِ التَّنْكِيرِ. ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ رِضا اللَّهِ وطاعَتَهُ. ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ ولا يُجاوِزُهم نَظَرُكَ إلى غَيْرِهِمْ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَنْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى نَبَأٍ. وقُرِئَ « ولا تَعْدِ عَيْنَيْكَ» « ولا تُعَدِّ» مِن أعْداهُ وعَدّاهُ. والمُرادُ نَهْيُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَزْدَرِيَ بِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْلُوَ عَيْنُهُ عَنْ رَثاثَةِ زِيِّهِمْ طُمُوحًا إلى طَراوَةِ زِيِّ الأغْنِياءِ. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في المَشْهُورَةِ ومِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ في غَيْرِها. ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ مَن جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا. ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ كَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ في دُعائِكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى هَذا الِاسْتِدْعاءِ غَفْلَةُ قَلْبِهِ عَنِ المَعْقُولاتِ وانْهِماكُهُ في المَحْسُوساتِ، حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ، وأنَّهُ لَوْ أطاعَهُ كانَ مِثْلَهُ في الغَباوَةِ. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا غاظَهم إسْنادُ الإغْفالِ إلى اللَّهِ تَعالى قالُوا: إنَّهُ مِثْلُ أجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتُهُ كَذَلِكَ أوْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، أوْ مِن أغْفَلَ إبِلَهُ إذا تَرَكَها بِغَيْرِ سِمَةٍ أيْ لَمْ نُسَمِّهِ بِذِكْرِنا كَقُلُوبِ الَّذِينَ كَتَبْنا في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، واحْتَجُّوا عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ ظاهِرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ وجَوابُهُ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقُرِئَ « أغْفَلْنا» بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القَلْبِ عَلى مَعْنى حَسِبْنا قَلْبَهُ غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا إيّاهُ بِالمُؤاخَذَةِ. ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ تَقَدُّمًا عَلى الحَقِّ ونَبْذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ يُقالُ: فَرَسٌ فَرَطٌ أيْ مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ ومِنهُ الفَرَطُ.

الكهف 18:28

﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ، ولا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ . ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها غَيْرَهُ. ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ مُلْتَجَأً عَلَيْهِ إنْ هَمَمْتَ بِهِ. ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ واحْبِسْها وثَبِّتْها. ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ في مَجامِعِ أوْقاتِهِمْ، أوْ في طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « بِالغُدْوَةِ» وفِيهِ أنَّ غُدْوَةً عَلَمٌ في الأكْثَرِ فَتَكُونُ اللّامُ فِيهِ عَلى تَأْوِيلِ التَّنْكِيرِ. ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ رِضا اللَّهِ وطاعَتَهُ. ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ ولا يُجاوِزُهم نَظَرُكَ إلى غَيْرِهِمْ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَنْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى نَبَأٍ. وقُرِئَ « ولا تَعْدِ عَيْنَيْكَ» « ولا تُعَدِّ» مِن أعْداهُ وعَدّاهُ. والمُرادُ نَهْيُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَزْدَرِيَ بِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْلُوَ عَيْنُهُ عَنْ رَثاثَةِ زِيِّهِمْ طُمُوحًا إلى طَراوَةِ زِيِّ الأغْنِياءِ. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في المَشْهُورَةِ ومِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ في غَيْرِها. ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ مَن جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا. ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ كَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ في دُعائِكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى هَذا الِاسْتِدْعاءِ غَفْلَةُ قَلْبِهِ عَنِ المَعْقُولاتِ وانْهِماكُهُ في المَحْسُوساتِ، حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ، وأنَّهُ لَوْ أطاعَهُ كانَ مِثْلَهُ في الغَباوَةِ. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا غاظَهم إسْنادُ الإغْفالِ إلى اللَّهِ تَعالى قالُوا: إنَّهُ مِثْلُ أجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتُهُ كَذَلِكَ أوْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، أوْ مِن أغْفَلَ إبِلَهُ إذا تَرَكَها بِغَيْرِ سِمَةٍ أيْ لَمْ نُسَمِّهِ بِذِكْرِنا كَقُلُوبِ الَّذِينَ كَتَبْنا في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، واحْتَجُّوا عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ ظاهِرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ وجَوابُهُ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقُرِئَ « أغْفَلْنا» بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القَلْبِ عَلى مَعْنى حَسِبْنا قَلْبَهُ غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا إيّاهُ بِالمُؤاخَذَةِ. ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ تَقَدُّمًا عَلى الحَقِّ ونَبْذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ يُقالُ: فَرَسٌ فَرَطٌ أيْ مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ ومِنهُ الفَرَطُ.

الكهف 18:29

﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الحَقُّ ما يَكُونُ مِن جِهَةِ اللَّهِ لا ما يَقْتَضِيهِ الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ حالًا. ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ لا أُبالِي بِإيمانِ مَن آمَنَ ولا كُفْرِ مَن كَفَرَ، وهو لا يَقْتَضِي اسْتِقْلالَ العَبْدِ بِفِعْلِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ فَمَشِيئَتُهُ لَيْسَتْ بِمَشِيئَتِهِ. ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ (p-280)هَيَّأْنا. ﴿لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ فُسْطاطُها، شَبَّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ. وقِيلَ السُّرادِقُ الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ. وقِيلَ سُرادِقُها دُخانُها وقِيلَ حائِطٌ مِن نارٍ ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ مِنَ العَطَشِ. ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ كالجَسَدِ المُذابِ. وقِيلَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ وهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ. ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ، وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِماءٍ أوْ حالٌ مِنَ المُهْلِ أوِ الضَّمِيرِ في الكافِ. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ المُهْلُ. ﴿وَساءَتْ﴾ النّارُ. ﴿مُرْتَفَقًا﴾ مُتَّكَأً وأصْلُ الِارْتِفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ، وهو لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ.

الكهف 18:30

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ خَبَرُ إنَّ الأُولى هي الثّانِيَةُ بِما في حَيِّزِها، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم أوْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِعُمُومِ مَن أحْسَنَ عَمَلًا كَما هو مُسْتَغْنًى عَنْهُ في قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، أوْ واقِعٌ مَوْقِعَهُ الظّاهِرُ فَإنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا لا يَحْسُنُ إطْلاقُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.

الكهف 18:31

﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وعَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الأجْرِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ﴿مِن﴾ الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ صِفَةٌ لِـ ﴿أساوِرَ﴾، وتَنْكِيرُهُ لِتَعْظِيمِ حُسْنِها مِنَ الإحاطَةِ بِهِ وهو جَمْعُ أسْوِرَةٍ أوْ أسْوارٍ في جَمْعِ سِوارٍ. ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ لِأنَّ الخُضْرَةَ أحْسَنُ الألْوانِ وأكْثَرُها طَراوَةً. ﴿مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ نَمارِقُ مِنَ الدِّيباجِ وما غَلُظَ مِنهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ عَلى السُّرُرِ كَما هو هَيْئَةُ المُتَنَعِّمِينَ. ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ الجَنَّةُ ونَعِيمُها. ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ مُتَّكَأً.

الكهف 18:32

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ. ﴿رَجُلَيْنِ﴾ حالُ رَجُلَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ أوْ مَوْجُودَيْنِ هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كافِرٌ اسْمُهُ قَطْرُوسُ ومُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ فَتَشاطَرا، فاشْتَرى الكافِرُ بِها ضِياعًا وعَقارًا وصَرَفَها المُؤْمِنُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وآلَ أمْرُهُما إلى ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ المُمَثَّلُ بِهِما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ كافِرٌ وهو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ ومُؤْمِنٌ وهو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ بُسْتانَيْنِ. ﴿مِن أعْنابٍ﴾ مِن كُرُومٍ والجُمْلَةُ بِتَمامِها بَيانٌ لِلتَّمْثِيلِ أوْ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ. ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُؤَزِّرًا بِها كُرُومَهُما، يُقالُ حَفَّهُ القَوْمُ إذا أطافُوا بِهِ وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ إذا جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ فَتُزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِكَ: غَشَيْتُهُ بِهِ. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ وسَطَهُما. ﴿زَرْعًا﴾ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَ العِمارَةِ عَلى الشَّكْلِ الحَسَنِ والتَّرْتِيبِ الأنِيقِ.

الكهف 18:33

﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَها، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإفْرادِ كِلْتا وقُرِئَ « كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ» . ﴿وَلَمْ (p-281)تَظْلِمْ مِنهُ﴾ ولَمْ تُنْقِصْ مِن أُكُلِها. ﴿شَيْئًا﴾ يُعْهَدُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّ الثِّمارَ تَتِمُّ في عامٍ وتَنْقُصُ في عامٍ غالِبًا. ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ لِيَدُومَ شُرْبُهُما فَإنَّهُ الأصْلُ ويَزِيدُ بَهاؤُهُما، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿وَفَجَّرْنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أنْواعٌ مِنَ المالِ سِوى الجَنَّتَيْنِ مِن ثَمَّرَ مالَهُ إذا كَثَّرَهُ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ والباقُونَ بِضَمِّهِما وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ﴾ يُراجِعُهُ في الكَلامِ مِن حارَ إذا رَجَعَ. ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ حَشَمًا وأعْوانًا. وقِيلَ أوْلادًا ذُكُورًا لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفُرُونَ مَعَهُ.

الكهف 18:34

﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَها، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإفْرادِ كِلْتا وقُرِئَ « كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ» . ﴿وَلَمْ (p-281)تَظْلِمْ مِنهُ﴾ ولَمْ تُنْقِصْ مِن أُكُلِها. ﴿شَيْئًا﴾ يُعْهَدُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّ الثِّمارَ تَتِمُّ في عامٍ وتَنْقُصُ في عامٍ غالِبًا. ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ لِيَدُومَ شُرْبُهُما فَإنَّهُ الأصْلُ ويَزِيدُ بَهاؤُهُما، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿وَفَجَّرْنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أنْواعٌ مِنَ المالِ سِوى الجَنَّتَيْنِ مِن ثَمَّرَ مالَهُ إذا كَثَّرَهُ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ والباقُونَ بِضَمِّهِما وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ﴾ يُراجِعُهُ في الكَلامِ مِن حارَ إذا رَجَعَ. ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ حَشَمًا وأعْوانًا. وقِيلَ أوْلادًا ذُكُورًا لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفُرُونَ مَعَهُ.

الكهف 18:35

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بِصاحِبِهِ يَطُوفُ بِهِ فِيها ويُفاخِرُهُ بِها، وإفْرادُ الجَنَّةِ لِأنَّ المُرادَ ما هو جَنَّتُهُ وما مُتِّعَ بِهِ مِنَ الدُّنْيا تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرُها ولا حَظَّ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، أوْ لِاتِّصالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن جَنَّتَيْهِ بِالأُخْرى، أوْ لِأنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ في واحِدَةٍ واحِدَةٍ. ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضارٌّ لَها بِعُجْبِهِ وكُفْرِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أنْ تَفْنى. ﴿هَذِهِ﴾ الجَنَّةُ. ﴿أبَدًا﴾ لِطُولِ أمَلِهِ وتَمادِي غَفْلَتِهِ واغْتِرارِهِ بِمُهْلَتِهِ. ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ كائِنَةً. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ بِالبَعْثِ كَما زَعَمْتَ. ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها﴾ مِن جَنَّتِهِ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ والشّامِيُّ « مِنهُما» أيْ مِنَ الجَنَّتَيْنِ. ﴿مُنْقَلَبًا﴾ مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِأنَّها فانِيَةٌ وتِلْكَ باقِيَةٌ، وإنَّما أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْلاهُ ما أوْلاهُ لِاسْتِئْهالِهِ واسْتِحْقاقِهِ إيّاهُ لِذاتِهِ وهو مَعَهُ أيْنَما تَلَقّاهُ.

الكهف 18:36

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بِصاحِبِهِ يَطُوفُ بِهِ فِيها ويُفاخِرُهُ بِها، وإفْرادُ الجَنَّةِ لِأنَّ المُرادَ ما هو جَنَّتُهُ وما مُتِّعَ بِهِ مِنَ الدُّنْيا تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرُها ولا حَظَّ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، أوْ لِاتِّصالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن جَنَّتَيْهِ بِالأُخْرى، أوْ لِأنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ في واحِدَةٍ واحِدَةٍ. ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضارٌّ لَها بِعُجْبِهِ وكُفْرِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أنْ تَفْنى. ﴿هَذِهِ﴾ الجَنَّةُ. ﴿أبَدًا﴾ لِطُولِ أمَلِهِ وتَمادِي غَفْلَتِهِ واغْتِرارِهِ بِمُهْلَتِهِ. ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ كائِنَةً. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ بِالبَعْثِ كَما زَعَمْتَ. ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها﴾ مِن جَنَّتِهِ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ والشّامِيُّ « مِنهُما» أيْ مِنَ الجَنَّتَيْنِ. ﴿مُنْقَلَبًا﴾ مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِأنَّها فانِيَةٌ وتِلْكَ باقِيَةٌ، وإنَّما أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْلاهُ ما أوْلاهُ لِاسْتِئْهالِهِ واسْتِحْقاقِهِ إيّاهُ لِذاتِهِ وهو مَعَهُ أيْنَما تَلَقّاهُ.

الكهف 18:37

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ لِأنَّهُ أصْلَ مادَّتِكَ أوْ مادَّةِ أصْلِكَ. ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَإنَّها مادَّتُكَ القَرِيبَةُ. ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ثُمَّ عَدَّلَكَ وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا بالِغًا مَبْلَغَ الرِّجالِ. جَعَلَ كُفْرَهُ بِالبَعْثِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَنشَأهُ الشَّكُّ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ رَتَّبَ الإنْكارَ عَلى خَلْقِهِ إيّاهُ مِنَ التُّرابِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى بَدْءِ خَلْقِهِ مِنهُ قَدَرَ أنْ يُعِيدَهُ مِنهُ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ أصْلُهُ لَكِنَّ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ أوْ دُونَهُ فَتَلاقَتِ النُّونانِ فَكانَ الإدْغامُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ بِالألِفِ في الوَصْلِ لِتَعْوِيضِها مِنَ الهَمْزَةِ أوْ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ قُرِئَ « لَكِنّا أنا» عَلى الأصْلِ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وهو بِالجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَهُ خَبَرُ « أنا» أوْ ضَمِيرُ (اللَّهُ) و (اللَّهُ) بَدَلُهُ ورَبِّي خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ « أنا» والِاسْتِدْراكُ مِن أكَفَرْتَ كَأنَّهُ قالَ: أنْتَ كافِرٌ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ بِهِ، وقَدْ قُرِئَ « لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ولَكِنْ أنا لا إلَهَ إلّا هو رَبِّي» .

الكهف 18:38

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ لِأنَّهُ أصْلَ مادَّتِكَ أوْ مادَّةِ أصْلِكَ. ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَإنَّها مادَّتُكَ القَرِيبَةُ. ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ثُمَّ عَدَّلَكَ وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا بالِغًا مَبْلَغَ الرِّجالِ. جَعَلَ كُفْرَهُ بِالبَعْثِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَنشَأهُ الشَّكُّ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ رَتَّبَ الإنْكارَ عَلى خَلْقِهِ إيّاهُ مِنَ التُّرابِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى بَدْءِ خَلْقِهِ مِنهُ قَدَرَ أنْ يُعِيدَهُ مِنهُ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ أصْلُهُ لَكِنَّ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ أوْ دُونَهُ فَتَلاقَتِ النُّونانِ فَكانَ الإدْغامُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ بِالألِفِ في الوَصْلِ لِتَعْوِيضِها مِنَ الهَمْزَةِ أوْ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ قُرِئَ « لَكِنّا أنا» عَلى الأصْلِ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وهو بِالجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَهُ خَبَرُ « أنا» أوْ ضَمِيرُ (اللَّهُ) و (اللَّهُ) بَدَلُهُ ورَبِّي خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ « أنا» والِاسْتِدْراكُ مِن أكَفَرْتَ كَأنَّهُ قالَ: أنْتَ كافِرٌ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ بِهِ، وقَدْ قُرِئَ « لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ولَكِنْ أنا لا إلَهَ إلّا هو رَبِّي» .

الكهف 18:39

﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ وهَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها. ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ الأمْرُ ما شاءَ أوْ ما شاءَ كائِنٌ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ عَلى أنَّها شُرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ إقْرارًا بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أبادَها. ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ وقُلْتَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ اعْتِرافًا بِالعَجْزِ عَلى نَفْسِكَ والقُدْرَةِ لِلَّهِ، وإنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها فَبِمَعُونَتِهِ وإقْدارِهِ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن رَأى شَيْئًا فَأعْجَبَهُ فَقالَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ» . ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وأنْ يَكُونَ (p-282)تَأْكِيدًا لِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ، وقُرِئَ « أقَلُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنا والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ﴿تَرَنِ﴾، وفي قَوْلِهِ ﴿وَوَلَدًا﴾ دَلِيلٌ لِمَن فَسَّرَ النَّفَرَ بِالأوْلادِ.

الكهف 18:40

﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ لِإيمانِي وهو جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ عَلى جَنَّتِكَ لِكُفْرِكَ. ﴿حُسْبانًا﴾ مِنَ السَّماءِ مَرامِيَ جُمْعُ حُسْبانَةٍ وهي الصَّواعِقُ. وقِيلَ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ والمُرادُ بِهِ التَّقْدِيرُ بِتَخْرِيبِها أوْ عَذابُ حِسابِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ. ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أرْضًا مَلْساءَ يَزْلَقُ عَلَيْها بِاسْتِئْصالِ نَباتِها وأشْجارِها. ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا في الأرْضِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالزَّلَقِ. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ لِلْماءِ الغائِرِ تَرَدُّدًا في رَدِّهِ.

الكهف 18:41

﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ لِإيمانِي وهو جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ عَلى جَنَّتِكَ لِكُفْرِكَ. ﴿حُسْبانًا﴾ مِنَ السَّماءِ مَرامِيَ جُمْعُ حُسْبانَةٍ وهي الصَّواعِقُ. وقِيلَ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ والمُرادُ بِهِ التَّقْدِيرُ بِتَخْرِيبِها أوْ عَذابُ حِسابِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ. ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أرْضًا مَلْساءَ يَزْلَقُ عَلَيْها بِاسْتِئْصالِ نَباتِها وأشْجارِها. ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا في الأرْضِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالزَّلَقِ. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ لِلْماءِ الغائِرِ تَرَدُّدًا في رَدِّهِ.

الكهف 18:42

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وأُهْلِكَ أمْوالُهُ حَسْبَما تَوَقَّعَهُ صاحِبُهُ وأنْذَرَهُ مِنهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَإنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ غَلَبَهُ وإذا غَلَبَهُ أهْلَكَهُ، ونَظِيرُهُ أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ظَهْرًا لِبَطْنٍ تَلَهُّفًا وتَحَسُّرًا. ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ في عِمارَتِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُقَلِّبُ﴾ لِأنَّ تَقْلِيبَ الكَفَّيْنِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ، أوْ حالٌ أيْ مُتَحَسِّرًا عَلى ما أنْفَقَ فِيها. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ ساقِطَةٌ. ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ بِأنْ سَقَطَتْ عُرُوشُها عَلى الأرْضِ وسَقَطَتِ الكُرُومُ فَوْقَها عَلَيْها. ﴿وَيَقُولُ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿يُقَلِّبُ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ. ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ وعَلِمَ أنَّهُ أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ بُسْتانَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ ونَدَمًا عَلى ما سَبَقَ مِنهُ. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ لِتَقَدُّمِهِ. ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ بِدَفْعِ الإهْلاكِ أوْ رَدِّ المُهْلِكِ أوِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ. ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ وما كانَ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ مِنهُ.

الكهف 18:43

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وأُهْلِكَ أمْوالُهُ حَسْبَما تَوَقَّعَهُ صاحِبُهُ وأنْذَرَهُ مِنهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَإنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ غَلَبَهُ وإذا غَلَبَهُ أهْلَكَهُ، ونَظِيرُهُ أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ظَهْرًا لِبَطْنٍ تَلَهُّفًا وتَحَسُّرًا. ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ في عِمارَتِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُقَلِّبُ﴾ لِأنَّ تَقْلِيبَ الكَفَّيْنِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ، أوْ حالٌ أيْ مُتَحَسِّرًا عَلى ما أنْفَقَ فِيها. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ ساقِطَةٌ. ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ بِأنْ سَقَطَتْ عُرُوشُها عَلى الأرْضِ وسَقَطَتِ الكُرُومُ فَوْقَها عَلَيْها. ﴿وَيَقُولُ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿يُقَلِّبُ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ. ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ وعَلِمَ أنَّهُ أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ بُسْتانَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ ونَدَمًا عَلى ما سَبَقَ مِنهُ. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ لِتَقَدُّمِهِ. ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ بِدَفْعِ الإهْلاكِ أوْ رَدِّ المُهْلِكِ أوِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ. ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ وما كانَ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ مِنهُ.

الكهف 18:44

﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ وتِلْكَ الحالِ. ﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ النُّصْرَةُ لَهُ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَقْدِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾ أوْ يَنْصُرُ فِيها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ كَما نَصَرَ فِيما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ ومَعْناها السُّلْطانُ والمَلِكُ أيْ هُنالِكَ السُّلْطانُ لَهُ لا يُغْلَبُ ولا يُمْنَعُ مِنهُ، أوْ لا يُعْبَدُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ﴾ كانَ عَنِ اضْطِرارٍ وجَزَعٍ مِمّا دَهاهُ. وَقِيلَ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الآخِرَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ﴿الحَقِّ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْوِلايَةِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿عُقْبًا﴾ بِالسُّكُونِ، وقُرِئَ « عُقْبى» وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:45

(p-283)﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ واذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُ الحَياةَ الدُّنْيا في زَهْرَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها أوْ صِفَتِها الغَرِيبَةِ. ﴿كَماءٍ﴾ هي كَماءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (اضْرِبْ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صَيِّرَ. ﴿أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ فالتَفَّتْ بِسَبَبِهِ وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا مِن كَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ، أوْ نَجَعَ في النَّباتِ حَتّى رَوى ورَفَّ وعَلى هَذا كانَ حَقُّهُ فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَكَسَ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَتِهِ. ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا﴾ مَهْشُومًا مَكْسُورًا. ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تُفَرِّقُهُ، وقُرِئَ « تُذْرِيهِ» مِن أذْرى والمُشَبَّهُ بِهِ لَيْسَ الماءَ ولا حالَهُ بَلِ الكَيْفِيَّةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ، وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ وارِفًا ثُمَّ هَشِيمًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ فَيَصِيرُ كَأنْ لَمْ يَكُنْ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الإنْشاءِ والإفْناءِ. ﴿مُقْتَدِرًا﴾ قادِرًا.

الكهف 18:46

﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَتَزَيَّنُ بِها الإنْسانُ في دُنْياهُ وتَفْنى عَنْهُ عَمّا قَرِيبٍ. ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ وأعْمالُ الخَيِّراتِ الَّتِي تَبْقى لَهُ ثَمَرَتُها أبَدَ الآبادِ، ويَنْدَرِجُ فِيها ما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وأعْمالِ الحَجِّ وصِيامِ رَمَضانَ وسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ والكَلامِ الطَّيِّبِ. ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مِنَ المالِ والبَنِينَ. ﴿ثَوابًا﴾ عائِدَةً. ﴿وَخَيْرٌ أمَلا﴾ لِأنَّ صاحِبَها يَنالُ بِها في الآخِرَةِ ما كانَ يُؤَمِّلُ بِها في الدُّنْيا.

الكهف 18:47

﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ واذْكُرْ يَوْمَ نَقْلَعُها ونُسَيِّرُها في الجَوِّ، أوْ نَذْهَبُ بِها فَنَجْعَلُها هَباءً مُنْبَثًّا. ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ويَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ « تَسِيرُ» مِن سارَتْ. ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ بادِيَةً بَرَزَتْ مِن تَحْتِ الجِبالِ لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وقُرِئَ « وتُرى» عَلى بِناءِ المَفْعُولِ. ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ وجَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ، ومَجِيئُهُ ماضِيًا بَعْدَ ﴿نُسَيِّرُ﴾ ﴿وَتَرى﴾ لِتَحَقُّقِ الحَشْرِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَشْرَهم قَبْلَ التَّسْيِيرِ لِيُعايِنُوا ويُشاهِدُوا ما وعَدَ لَهم، وعَلى هَذا تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ. ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ. ﴿مِنهم أحَدًا﴾ يُقالُ غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ ومِنهُ الغَدْرُ لِتَرْكِ الوَفاءِ والغَدِيرُ لِما غادَرَهُ السَّيْلُ، وقُرِئَ بِالياءِ.

الكهف 18:48

﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ شَبَّهَ حالَهم بِحالِ الجُنْدِ المَعْرُوضِينَ عَلى السُّلْطانِ لا لِيَعْرِفَهم بَلْ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ. ﴿صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ لا يَحْجُبُ أحَدٌ أحَدًا. ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حالًا أوْ عامِلًا في يَوْمَ نُسَيِّرُ. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً لا شَيْءَ مَعَكم مِنَ المالِ والوَلَدِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ أوْ أحْياءً كَخِلْقَتِكُمُ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ وقْتًا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وأنَّ الأنْبِياءَ كَذَبُوكم بِهِ، وبَلْ لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى. ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ صَحائِفُ الأعْمالِ في الأيْمانِ والشَّمائِلِ أوْ في المِيزانِ وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنْ وضْعِ (p-284)الحِسابِ. ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ. ﴿مِمّا فِيهِ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا﴾ يُنادُونَ هَلَكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ. ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ تَعَجُّبًا مِن شَأْنِهِ. ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً﴾ هِنَةً صَغِيرَةً. ﴿وَلا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ إلّا عَدَّدَها وأحاطَ بِها. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ فَيَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ أوْ يَزِيدُ في عِقابِهِ المُلائِمِ لِعَمَلِهِ.

الكهف 18:49

﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ شَبَّهَ حالَهم بِحالِ الجُنْدِ المَعْرُوضِينَ عَلى السُّلْطانِ لا لِيَعْرِفَهم بَلْ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ. ﴿صَفًّا﴾ مُصْطَفِّينَ لا يَحْجُبُ أحَدٌ أحَدًا. ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حالًا أوْ عامِلًا في يَوْمَ نُسَيِّرُ. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً لا شَيْءَ مَعَكم مِنَ المالِ والوَلَدِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ أوْ أحْياءً كَخِلْقَتِكُمُ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ وقْتًا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وأنَّ الأنْبِياءَ كَذَبُوكم بِهِ، وبَلْ لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى. ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ صَحائِفُ الأعْمالِ في الأيْمانِ والشَّمائِلِ أوْ في المِيزانِ وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنْ وضْعِ (p-284)الحِسابِ. ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ. ﴿مِمّا فِيهِ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا﴾ يُنادُونَ هَلَكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ. ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ تَعَجُّبًا مِن شَأْنِهِ. ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً﴾ هِنَةً صَغِيرَةً. ﴿وَلا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ إلّا عَدَّدَها وأحاطَ بِها. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ فَيَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ أوْ يَزِيدُ في عِقابِهِ المُلائِمِ لِعَمَلِهِ.

الكهف 18:50

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ كَرَّرَهُ في مَواضِعَ لِكَوْنِهِ مُقَدِّمَةً لِلْأُمُورِ المَقْصُودِ بَيانُها في تِلْكَ المَحالِّ، وها هُنا لَمّا شَنَّعَ عَلى المُفْتَخِرِينَ واسْتَقْبَحَ صَنِيعَهم قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مِن سُنَنِ إبْلِيسَ، أوْ لَمّا بَيَّنَ حالَ المَغْرُورِ بِالدُّنْيا والمُعْرَضِ عَنْها وكانَ سَبَبَ الِاغْتِرارِ بِها حُبُّ الشَّهَواتِ وتَسْوِيلَ الشَّيْطانِ. زَهَّدَهم أوَّلًا في زَخارِفِ الدُّنْيا بِأنَّها عُرْضَةُ الزَّوالِ والأعْمالُ الصّالِحَةُ خَيْرٌ وأبْقى مِن أنْفَسِها وأعْلاها، ثُمَّ نَفَّرَهم عَنِ الشَّيْطانِ بِتَذْكِيرِ ما بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ القَدِيمَةِ وهَكَذا مَذْهَبُ كُلِّ تَكْرِيرٍ في القُرْآنِ. ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوِ اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ فَقِيلَ كانَ مِنَ الجِنِّ. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ فَخَرَجَ عَنْ أمْرِهِ بِتَرْكِ السُّجُودِ والفاءُ لِلسَّبَبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلِكَ لا يُعْصى ألْبَتَّةَ وإنَّما عَصى إبْلِيسُ لِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا في أصْلِهِ والكَلامُ المُسْتَقْصى فِيهِ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» . ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ أعَقِيبَ ما وُجِدَ مِنهُ تَتَّخِذُونَهُ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ أوْلادَهُ أوْ أتْباعَهُ، وسَمّاهم ذَرِّيَّةً مَجازًا. ﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ فَتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي. ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.

الكهف 18:51

﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ . نَفْيُ إحْضارِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ وإحْضارُ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ لِيَدُلَّ عَلى نَفْيِ الِاعْتِضادِ بِهِمْ في ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ أعْوانًا رَدًّا لِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ لَهُ في العِبادَةِ، فَإنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ مِن تَوابِعِ الخالِقِيَّةِ والِاشْتِراكُ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ الِاشْتِراكَ فِيها، فَوَضَعَ المُضِلِّينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم واسْتِبْعادًا لِلِاعْتِضادِ بِهِمْ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ وما خَصَصْتُهم بِعُلُومٍ لا يَعْرِفُها غَيْرُهم حَتّى لَوْ آمَنُوا تَبِعَهُمُ النّاسُ كَما يَزْعُمُونَ، فَلا تَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ لِلدِّينِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ بِالمُضِلِّينَ لِدِينِي. ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وَما كُنْتَ) عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ « مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ» عَلى الأصْلِ و « عَضُدًا» بِالتَّخْفِيفِ و « عُضُدًا» بِالإتْباعِ و « عَضَدًا» كَخَدَمٍ جَمْعُ عاضِدٍ مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ.

الكهف 18:52

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِينَ وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنُّونِ. ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شُرَكائِي وشُفَعاؤُكم لِيَمْنَعُوكم مِن عَذابِي، وإضافَةُ الشُّرَكاءِ عَلى زَعْمِهِمْ لِلتَّوْبِيخِ والمُرادُ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ، وقِيلَ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فَنادُوهم لِلْإغاثَةِ. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يُغِيثُوهم. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الكُفّارِ وآلِهَتِهِمْ. ﴿مَوْبِقًا﴾ مَهْلِكًا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ وهو النّارُ، أوْ عَداوَةً هي في شِدَّتِها هَلاكٌ كَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. ومَوْبِقًا اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ مِن وبَقَ يَوْبَقُ وبَقًا إذا هَلَكَ. وقِيلَ البَيْنُ الوَصْلُ أيْ وجَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا هَلاكًا يَوْمَ القِيامَةِ.(p-285)

الكهف 18:53

﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا﴾ فَأيْقَنُوا. ﴿أنَّهم مُواقِعُوها﴾ مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ انْصِرافًا أوْ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ جِنْسٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ﴾ يَتَأتّى مِنهُ الجَدَلُ. ﴿جَدَلا﴾ خُصُومَةً بِالباطِلِ وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ.

الكهف 18:54

﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا﴾ فَأيْقَنُوا. ﴿أنَّهم مُواقِعُوها﴾ مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ انْصِرافًا أوْ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ جِنْسٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ﴾ يَتَأتّى مِنهُ الجَدَلُ. ﴿جَدَلا﴾ خُصُومَةً بِالباطِلِ وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ.

الكهف 18:55

﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ مِنَ الإيمانِ. ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ وهو الرَّسُولُ الدّاعِي والقُرْآنُ المُبِينُ. ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ ومِنَ الِاسْتِغْفارِ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ إلّا طَلَبُ أوِ انْتِظارُ أوْ تَقْدِيرُ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ، وهي الِاسْتِئْصالُ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ. ﴿قُبُلا﴾ عَيانًا. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (قُبُلًا) بِضَمَّتَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ أوْ جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى أنْواعٍ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ وهو أيْضًا لُغَةٌ يُقالُ لَقِيتُهُ مُقابَلَةً وقَبَلًا وقُبُلًا وقَبَلِيًّا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ ﴿العَذابُ﴾ .

الكهف 18:56

﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، والسُّؤالِ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ ونَحْوِها تَعَنُّتًا. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾ لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ. ﴿الحَقَّ﴾ عَنْ مَقَرِّهِ ويُبْطِلُوهُ، مِن إدْحاضِ القَدَمِ وهو إزْلاقُها وذَلِكَ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ. ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿وَما أُنْذِرُوا﴾ وإنْذارُهم أوْ والَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ العِقابِ. ﴿هُزُوًا﴾ اسْتِهْزاءً. وقُرِئَ « هُزْأً» بِالسُّكُونِ وهو ما يُسْتَهْزَأُ بِهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ.

الكهف 18:57

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بِالقُرْآنِ. ﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ فَلَمْ يَتَدَبَّرْها ولَمْ يَتَذَكَّرْ بِها. ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ولَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَتِهِما. ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ وإفْرادُهُ لِلْمَعْنى. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ يَمْنَعُهم أنْ يَسْتَمِعُوهُ حَقَّ اسْتِماعِهِ. ﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ تَحْقِيقًا ولا تَقْلِيدًا لِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ ولا يَسْمَعُونَ و ﴿إذًا﴾ كَما عَرَفْتَ جَزاءٌ وجَوابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ما لِي لا أدْعُوهم، فَإنَّ حِرْصَهُ ﷺ عَلى إسْلامِهِمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ﴾ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ. ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ذَلِكَ بِإمْهالِ قُرَيْشٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو يَوْمُ (p-286)بَدْرٍ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ مَنجًا ولا مَلْجَأً، يُقالُ وألَ إذا نَجا ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ.

الكهف 18:58

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بِالقُرْآنِ. ﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ فَلَمْ يَتَدَبَّرْها ولَمْ يَتَذَكَّرْ بِها. ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ولَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَتِهِما. ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ. ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ وإفْرادُهُ لِلْمَعْنى. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ يَمْنَعُهم أنْ يَسْتَمِعُوهُ حَقَّ اسْتِماعِهِ. ﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ تَحْقِيقًا ولا تَقْلِيدًا لِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ ولا يَسْمَعُونَ و ﴿إذًا﴾ كَما عَرَفْتَ جَزاءٌ وجَوابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ما لِي لا أدْعُوهم، فَإنَّ حِرْصَهُ ﷺ عَلى إسْلامِهِمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ﴾ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ. ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ذَلِكَ بِإمْهالِ قُرَيْشٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو يَوْمُ (p-286)بَدْرٍ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ مَنجًا ولا مَلْجَأً، يُقالُ وألَ إذا نَجا ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ.

الكهف 18:59

﴿وَتِلْكَ القُرى﴾ يَعْنِي قُرى عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أوْ مَفْعُولٌ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِهِ، والقُرى صِفَتُهُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِهِما لِيَكُونَ مَرْجِعَ الضَّمائِرِ. ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ كَقُرَيْشٍ بِالتَّكْذِيبِ والمِراءِ وأنْواعِ المَعاصِي. ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ، فَلْيَعْتَبِرُوا بِهِمْ ولا يَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ لِمَهْلَكِهِمْ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ أيْ لِهَلاكِهِمْ، وحَفْصٌ بِكَسْرِ اللّامِ حَمْلًا عَلى ما شَذَّ مِن مَصادِرِ يَفْعَلُ كالمَرْجِعِ والمَحِيضِ.

الكهف 18:60

﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ. ﴿لِفَتاهُ﴾ يُوشَعَ بْنِ نُونِ بْنِ أفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ كانَ يَخْدِمُهُ ويَتْبَعُهُ ولِذَلِكَ سَمّاهُ فَتاهُ وقِيلَ لِعَبْدِهِ. ﴿لا أبْرَحُ﴾ أيْ لا أزالُ أسِيرُ فَحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِهِ وهو السَّفَرُ وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ مِن حَيْثُ إنَّها تَسْتَدْعِي ذا غايَةٍ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ عَلى أنَّ حَتّى أبْلُغَ هو الخَبَرُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فانْقَلَبَ الضَّمِيرُ والفِعْلُ وأنْ يَكُونَ ﴿لا أبْرَحُ﴾ هو بِمَعْنى لا أزُولُ عَمّا أنا عَلَيْهِ مِنَ السَّيْرِ والطَّلَبِ ولا أُفارِقُهُ فَلا يَسْتَدْعِي الخَبَرَ، و ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ مُلْتَقى بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ وُعِدَ لِقاءَ الخَضِرِ فِيهِ. وقِيلَ البَحْرانِ مُوسى وخَضِرٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ مُوسى كانَ بَحْرَ عِلْمِ الظّاهِرِ والخَضِرَ كانَ بَحْرَ عِلْمِ الباطِنِ. وَقُرِئَ « مِجْمَعَ» بِكَسْرِ المِيمِ عَلى الشُّذُوذِ مَن يَفْعَلُ كالمَشْرِقِ والمَطْلَعِ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أوْ أسِيرَ زَمانًا طَوِيلًا، والمَعْنى حَتّى يَقَعَ إمّا بُلُوغُ المَجْمَعِ أوْ مُضِيُّ الحِقَبِ أوْ حَتّى أبْلُغَ إلّا أنْ أمْضِيَ زَمانًا أتَيَقَّنُ مَعَهُ فَواتَ المَجْمَعِ، والحِقَبُ الدَّهْرُ وقِيلَ ثَمانُونَ سَنَةً وقِيلَ سَبْعُونَ. رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَطَبَ النّاسَ بَعْدَ هَلاكِ القِبْطِ ودُخُولِهِ مِصْرَ خُطْبَةً بَلِيغَةً فَأُعْجِبَ بِها فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ مِنكَ فَقالَ: لا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بَلْ أعْلَمُ مِنكَ عَبْدُناالخَضِرُ وهو بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، وكانَ الخَضِرُ في أيّامِ أفْرِيدُونَ وكانَ عَلى مُقَدِّمَةِ ذِي القَرْنَيْنِ الأكْبَرِ وبَقِيَ إلى أيّامِ مُوسى. وَقِيلَ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ قالَ الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى، قالَ الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ قالَ الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، فَقالَ إنْ كانَ في عِبادِكَ أعْلَمُ مِنِّي فادْلُلْنِي عَلَيْهِ، قالَ أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ قالَ: أيْنَ أطْلُبُهُ، قالَ عَلى السّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، قالَ كَيْفَ لِي بِهِ قالَ تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ، فَقالَ لِفَتاهُ إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ.

الكهف 18:61

﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيْ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ و ﴿بَيْنِهِما﴾ ظَرْفٌ أُضِيفَ إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِمَعْنى الوَصْلِ. ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَطْلُبَهُ ويَتَعَرَّفَ حالَهُ، ويُوشَعُ أنْ يُذْكَرَ لَهُ ما رَأى مِن حَياتِهِ ووُقُوعِهِ في البَحْرِ. رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَدَ فاضْطَرَبَ الحُوتُ المَشْوِيُّ ووَثَبَ في البَحْرِ مُعْجِزَةً لِمُوسى أوِ الخَضِرِ. وَقِيلَ تَوَضَّأ يُوشَعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلَيْهِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ. وقِيلَ نَسِيا تَفَقُّدَ أمْرِهِ وما يَكُونُ مِنهُ أمارَةً عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فاتَّخَذَ الحُوتُ (p-287)طَرِيقَهُ في البَحْرِ مَسْلَكًا مِن قَوْلِهِ ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ . وقِيلَ أمْسَكَ اللَّهُ جَرْيَةَ الماءِ عَلى الحُوتِ فَصارَ كالطّاقِ عَلَيْهِ، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي وفي البَحْرِ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ السَّبِيلِ ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِاتَّخَذَ. ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ. ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ ما نَتَغَدّى بِهِ. ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ قِيلَ لَمْ يَنْصَبْ حَتّى جاوَزَ المَوْعِدَ فَلَمّا جاوَزَهُ وسارَ اللَّيْلَةَ والغَدَ إلى الظُّهْرِ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الجُوعُ والنَّصَبُ. وقِيلَ لَمْ يَعْيَ مُوسى في سَفَرٍ غَيْرِهِ ويُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ بِاسْمِ الإشارَةِ.

الكهف 18:62

﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيْ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ و ﴿بَيْنِهِما﴾ ظَرْفٌ أُضِيفَ إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِمَعْنى الوَصْلِ. ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَطْلُبَهُ ويَتَعَرَّفَ حالَهُ، ويُوشَعُ أنْ يُذْكَرَ لَهُ ما رَأى مِن حَياتِهِ ووُقُوعِهِ في البَحْرِ. رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَدَ فاضْطَرَبَ الحُوتُ المَشْوِيُّ ووَثَبَ في البَحْرِ مُعْجِزَةً لِمُوسى أوِ الخَضِرِ. وَقِيلَ تَوَضَّأ يُوشَعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلَيْهِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ. وقِيلَ نَسِيا تَفَقُّدَ أمْرِهِ وما يَكُونُ مِنهُ أمارَةً عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فاتَّخَذَ الحُوتُ (p-287)طَرِيقَهُ في البَحْرِ مَسْلَكًا مِن قَوْلِهِ ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ . وقِيلَ أمْسَكَ اللَّهُ جَرْيَةَ الماءِ عَلى الحُوتِ فَصارَ كالطّاقِ عَلَيْهِ، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي وفي البَحْرِ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ السَّبِيلِ ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِاتَّخَذَ. ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ. ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ ما نَتَغَدّى بِهِ. ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ قِيلَ لَمْ يَنْصَبْ حَتّى جاوَزَ المَوْعِدَ فَلَمّا جاوَزَهُ وسارَ اللَّيْلَةَ والغَدَ إلى الظُّهْرِ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الجُوعُ والنَّصَبُ. وقِيلَ لَمْ يَعْيَ مُوسى في سَفَرٍ غَيْرِهِ ويُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ بِاسْمِ الإشارَةِ.

الكهف 18:63

﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا﴾ أرَأيْتَ ما دَهانِي إذْ أوَيْنا. ﴿إلى الصَّخْرَةِ﴾ يَعْنِي الصَّخْرَةَ الَّتِي رَقَدَ عِنْدَها مُوسى. وَقِيلَ هي الصَّخْرَةُ الَّتِي دُونَ نَهْرِ الزَّيْتِ. ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ فَقَدْتُهُ أوْ نَسِيتُ ذِكْرَهُ بِما رَأيْتُ مِنهُ. ﴿وَما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ أيْ وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ فَإنَّ ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وقُرِئَ « أنْ أذْكُرَكَهُ» . وهو اعْتِذارٌ عَنْ نِسْيانِهِ بِشَغْلِ الشَّيْطانِ لَهُ بِوَساوِسِهِ، والحالُ وإنْ كانَتْ عَجِيبَةً لا يُنْسى مِثْلُها لَكِنَّهُ لَمّا ضَرى بِمُشاهَدَةِ أمْثالِها عِنْدَ مُوسى وألِفَها قَلَّ اهْتِمامُهُ بِها، ولَعَلَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِ في الِاسْتِبْصارِ وانْجِذابِ شَراشِرِهِ إلى جَنابِ القُدُسِ بِما عَراهُ مِن مُشاهَدَةِ الآياتِ الباهِرَةِ، وإنَّما نَسَبَهُ إلى الشَّيْطانِ هَضْمًا لِنَفْسِهِ أوْ لِأنَّ عَدَمَ احْتِمالِ القُوَّةِ لِلْجانِبَيْنِ واشْتِغالِها بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ يُعَدُّ مِن نُقْصانٍ. ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ سَبِيلًا عَجَبًا وهو كَوْنُهُ كالسَّرَبِ أوِ اتِّخاذٌ عَجَبًا، والمَفْعُولُ الثّانِي هو الظَّرْفُ وقِيلَ هو مَصْدَرُ فِعْلِهِ المُضْمَرُ أيْ قالَ في آخِرِ كَلامِهِ، أوْ مُوسى في جَوابِهِ عَجَبًا تَعَجُّبًا مِن تِلْكَ الحالِ. وقِيلَ الفِعْلُ لِمُوسى أيِ اتَّخَذَ مُوسى سَبِيلَ الحُوتِ في البَحْرِ عَجَبًا.

الكهف 18:64

﴿قالَ ذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ الحُوتِ. ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ نَطْلُبُ لِأنَّهُ أمارَةُ المَطْلُوبِ. ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ فَرَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي جاءا فِيهِ. ﴿قَصَصًا﴾ يَقُصّانِ قَصَصًا أيْ يَتْبَعانِ آثارَهُما اتِّباعًا، أوْ مُقْتَصِّينَ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ. ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مَلَكانَ، وقِيلَ اليَسَعُ، وقِيلَ إلْياسُ. ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ هي الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ. ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ مِمّا يَخْتَصُّ بِنا ولا يُعْلَمُ إلّا بِتَوْفِيقِنا وهو عِلْمُ الغُيُوبِ.

الكهف 18:65

﴿قالَ ذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ الحُوتِ. ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ نَطْلُبُ لِأنَّهُ أمارَةُ المَطْلُوبِ. ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ فَرَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي جاءا فِيهِ. ﴿قَصَصًا﴾ يَقُصّانِ قَصَصًا أيْ يَتْبَعانِ آثارَهُما اتِّباعًا، أوْ مُقْتَصِّينَ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ. ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مَلَكانَ، وقِيلَ اليَسَعُ، وقِيلَ إلْياسُ. ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ هي الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ. ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ مِمّا يَخْتَصُّ بِنا ولا يُعْلَمُ إلّا بِتَوْفِيقِنا وهو عِلْمُ الغُيُوبِ.

الكهف 18:66

﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ عَلى شَرْطِ أنْ تُعَلِّمَنِي، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الكافِ. ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ عِلْمًا ذا رُشْدٍ وهو إصابَةُ الخَيْرِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِفَتْحَتَيْنِ وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ، وهو مَفْعُولُ (تُعَلِّمَنِي) ومَفْعُولُ ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائِدُ المَحْذُوفُ وكِلاهُما مَنقُولانِ مِن عَلِمَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُشْدًا عِلَّةً لِأتَّبِعُكَ أوْ مَصْدَرًا بِإضْمارِ فِعْلِهِ، ولا يُنافِي نُبُوَّتُهُ وكَوْنُهُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ أنْ يَتَعَلَّمَ مِن غَيْرِهِ ما لَمْ يَكُنْ شَرْطًا في أبْوابِ الدِّينِ، فَإنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أعْلَمَ مِمَّنْ أُرْسِلُ إلَيْهِ فِيما بُعِثَ بِهِ مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ لا مُطْلَقًا، وقَدْ راعى في ذَلِكَ غايَةَ التَّواضُعِ والأدَبِ، فاسْتَجْهَلَ نَفْسَهُ واسْتَأْذَنَ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ، وسَألَ مِنهُ أنْ يُرْشِدَهُ ويُنْعِمَ عَلَيْهِ بِتَعْلِيمِ بَعْضِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ.(p-288)

الكهف 18:67

﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ كَأنَّها مِمّا لا يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ وعَلَّلَ ذَلِكَ واعْتَذَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ وكَيْفَ تَصْبِرُ وأنْتَ نَبِيٌّ عَلى ما أتَوَلّى مِن أُمُورٍ ظَواهِرُها مَناكِيرُ وبَواطِنُها لَمْ يُحِطْ بِها خُبْرُكَ، وخُبْرًا تَمْيِيزٌ أوْ مَصْدَرٌ لِأنَّ لَمْ تُحِطْ بِهِ بِمَعْنى لَمْ تُخْبَرْهُ.

الكهف 18:68

﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلى وُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ كَأنَّها مِمّا لا يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ وعَلَّلَ ذَلِكَ واعْتَذَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ وكَيْفَ تَصْبِرُ وأنْتَ نَبِيٌّ عَلى ما أتَوَلّى مِن أُمُورٍ ظَواهِرُها مَناكِيرُ وبَواطِنُها لَمْ يُحِطْ بِها خُبْرُكَ، وخُبْرًا تَمْيِيزٌ أوْ مَصْدَرٌ لِأنَّ لَمْ تُحِطْ بِهِ بِمَعْنى لَمْ تُخْبَرْهُ.

الكهف 18:69

﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعَكَ غَيْرَ مُنْكِرٍ عَلَيْكَ. ﴿وَلا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿صابِرًا﴾ أيْ سَتَجِدُنِي صابِرًا وغَيْرَ عاصٍ، أوْ عَلى ﴿سَتَجِدُنِي﴾ . وتَعْلِيقُ الوَعْدِ بِالمَشِيئَةِ إمّا لِلتَّيَمُّنِ وخُلْفُهُ ناسِيًا لا يَقْدَحُ في عِصْمَتِهِ أوْ لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ الأمْرِ، فَإنَّ مُشاهَدَةَ الفَسادِ والصَّبْرَ عَلى خِلافِ المُعْتادِ شَدِيدٌ فَلا خُلْفَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ واقِعَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ فَلا تُفاتِحْنِي بِالسُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ أنْكَرْتَهُ مِنِّي ولَمْ تَعْلَمْ وجْهَ صِحَّتِهِ. ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ حَتّى أبْتَدِئُكَ بِبَيانِهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ.

الكهف 18:70

﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعَكَ غَيْرَ مُنْكِرٍ عَلَيْكَ. ﴿وَلا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿صابِرًا﴾ أيْ سَتَجِدُنِي صابِرًا وغَيْرَ عاصٍ، أوْ عَلى ﴿سَتَجِدُنِي﴾ . وتَعْلِيقُ الوَعْدِ بِالمَشِيئَةِ إمّا لِلتَّيَمُّنِ وخُلْفُهُ ناسِيًا لا يَقْدَحُ في عِصْمَتِهِ أوْ لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ الأمْرِ، فَإنَّ مُشاهَدَةَ الفَسادِ والصَّبْرَ عَلى خِلافِ المُعْتادِ شَدِيدٌ فَلا خُلْفَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ واقِعَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ فَلا تُفاتِحْنِي بِالسُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ أنْكَرْتَهُ مِنِّي ولَمْ تَعْلَمْ وجْهَ صِحَّتِهِ. ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ حَتّى أبْتَدِئُكَ بِبَيانِهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ.

الكهف 18:71

﴿فانْطَلَقا﴾ عَلى السّاحِلِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ أخَذَ الخَضِرُ فَأْسًا فَخَرَقَ السَّفِينَةَ بِأنْ قَلَعَ لَوْحَيْنِ مِن ألْواحِها. ﴿قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ فَإنَّ خَرْقَها سَبَبٌ لِدُخُولِ الماءِ فِيها المُفْضِي إلى غَرَقِ أهْلِها. وقُرِئَ « لِتُغَرِّقَ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « لِيَغْرَقَ أهْلُها» عَلى إسْنادِهِ إلى الأهْلِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا مِن أمُرَ الأمْرُ إذا عَظُمَ. ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تَذْكِيرٌ لِما ذَكَرَهُ قَبْلُ.

الكهف 18:72

﴿فانْطَلَقا﴾ عَلى السّاحِلِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ أخَذَ الخَضِرُ فَأْسًا فَخَرَقَ السَّفِينَةَ بِأنْ قَلَعَ لَوْحَيْنِ مِن ألْواحِها. ﴿قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ فَإنَّ خَرْقَها سَبَبٌ لِدُخُولِ الماءِ فِيها المُفْضِي إلى غَرَقِ أهْلِها. وقُرِئَ « لِتُغَرِّقَ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « لِيَغْرَقَ أهْلُها» عَلى إسْنادِهِ إلى الأهْلِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا مِن أمُرَ الأمْرُ إذا عَظُمَ. ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تَذْكِيرٌ لِما ذَكَرَهُ قَبْلُ.

الكهف 18:73

﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ بِالَّذِي نَسِيتُهُ أوْ بِشَيْءٍ نَسِيتُهُ، يَعْنِي وصِيَّتَهُ بِأنْ لا يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ أوْ بِنِسْيانِي إيّاها، وهو اعْتِذارٌ بِالنِّسْيانِ أخْرَجَهُ في مَعْرِضِ النَّهْيِ عَنِ المُؤاخَذَةِ مَعَ قِيامِ المانِعِ لَها. وقِيلَ أرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكَ أيْ لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتُ مِن وصِيَّتِكَ أوَّلَ مَرَّةٍ. وقِيلَ إنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ والمُرادُ شَيْءٌ آخَرُ نَسِيَهُ. ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ ولا تُغْشِنِي عُسْرًا مِن أمْرِي بِالمُضايَقَةِ والمُؤاخَذَةِ عَلى المَنسِيِّ، فَإنَّ ذَلِكَ يُعَسِّرُ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ و ﴿عُسْرًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُرْهِقَ فَإنَّهُ يُقالُ: رَهَقَهُ إذا غَشِيَهُ وأرْهَقَهُ إيّاهُ، وقُرِئَ (عُسُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:74

﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ بَعْدِ ما خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ. ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ قِيلَ فَتَلَ عُنُقَهُ، وقِيلَ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ الحائِطَ، وقِيلَ أضَجْعَهُ فَذَبَحَهُ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كَما لَقِيَهُ قَتَلَهُ مِن غَيْرِ تَرَوٍّ واسْتِكْشافِ حالٍ ولِذَلِكَ: ﴿قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ طاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ « زاكِيَةً» والأوَّلُ أبْلَغُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ غَفَرَتْ، ولَعَلَّهُ اخْتارَ (p-289)الأوَّلَ لِذَلِكَ فَإنَّها كانَتْ صَغِيرَةً ولَمْ تَبْلُغِ الحُلُمَ أوْ أنَّهُ لَمْ يَرَها قَدْ أذْنَبَتْ ذَنْبًا يَقْتَضِي قَتْلَها، أوْ قَتَلْتَ نَفْسًا فَتُقادُ بِها، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ القَتْلَ إنَّما يُباحُ حَدًّا أوْ قَصاصًا وكِلا الأمْرَيْنِ مُنْتَفٍ، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ النَّظْمِ بِأنْ جَعَلَ خَرْقَها جَزاءً، واعْتِراضُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَأْنَفًا في الأُولى وفي الثّانِيَةِ قَتْلُهُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ واعْتِراضُهُ جَزاءٌ، لِأنَّ القَتْلَ أقْبَحُ والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ أدْخَلُ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُجْعَلَ عُمْدَةَ الكَلامِ ولِذَلِكَ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ ووَرْشٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ (نُكُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:75

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ فِيهِ ﴿لَكَ﴾ مُكافَحَةً بِالعِتابِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ، ووَسْمًا بِقِلَّةِ الثَّباتِ والصَّبْرِ لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الِاشْمِئْزازُ والِاسْتِنْكارُ ولِمَ يَرْعَوِ بِالتَّذْكِيرِ أوَّلَ مَرَّةٍ حَتّى زادَ في الِاسْتِنْكارِ ثانِي مَرَّةٍ. ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وإنْ سَألْتُ صُحْبَتَكَ، وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلا تَصْحَبْنِي» أيْ فَلا تَجْعَلْنِي صاحِبَكَ. ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قَدْ وجَدْتَ عُذْرًا مِن قِبَلِي لَمّا خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ. وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى اسْتَحْيا فَقالَ ذَلِكَ لَوْ لَبِثَ مَعَ صاحِبِهِ لَأبْصَرَ أعْجَبَ الأعاجِيبِ» . وَقَرَأ نافِعٌ (مِن لَدُنِي) بِتَحْرِيكِ النُّونِ والِاكْتِفاءِ بِها عَنْ نُونِ الدِّعامَةِ كَقَوْلِهِ: قِدْنِي مِن نَصْرِ الحَبِيبَيْنِ قُدًى. وأبُو بَكْرٍ (لَدْنِي) بِتَحْرِيكِ النُّونِ وإسْكانِ الضّادِ مِن عَضْدٍ.

الكهف 18:76

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ فِيهِ ﴿لَكَ﴾ مُكافَحَةً بِالعِتابِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ، ووَسْمًا بِقِلَّةِ الثَّباتِ والصَّبْرِ لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الِاشْمِئْزازُ والِاسْتِنْكارُ ولِمَ يَرْعَوِ بِالتَّذْكِيرِ أوَّلَ مَرَّةٍ حَتّى زادَ في الِاسْتِنْكارِ ثانِي مَرَّةٍ. ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وإنْ سَألْتُ صُحْبَتَكَ، وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلا تَصْحَبْنِي» أيْ فَلا تَجْعَلْنِي صاحِبَكَ. ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قَدْ وجَدْتَ عُذْرًا مِن قِبَلِي لَمّا خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ. وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى اسْتَحْيا فَقالَ ذَلِكَ لَوْ لَبِثَ مَعَ صاحِبِهِ لَأبْصَرَ أعْجَبَ الأعاجِيبِ» . وَقَرَأ نافِعٌ (مِن لَدُنِي) بِتَحْرِيكِ النُّونِ والِاكْتِفاءِ بِها عَنْ نُونِ الدِّعامَةِ كَقَوْلِهِ: قِدْنِي مِن نَصْرِ الحَبِيبَيْنِ قُدًى. وأبُو بَكْرٍ (لَدْنِي) بِتَحْرِيكِ النُّونِ وإسْكانِ الضّادِ مِن عَضْدٍ.

الكهف 18:77

﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قَرْيَةِ أنْطاكِيَّةَ وقِيلَ أبَلَةَ البَصْرَةِ. وقِيلَ باجِرْوانُ أرْمِينِيَّةَ. ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ وقُرِئَ ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾ مِن أضافَهُ يُقالُ ضافَهُ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفًا وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلْمَيْلِ يُقالُ ضافَ السَّهْمُ عَنِ الغَرَضِ إذا مالَ. ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ يُدانِي أنْ يَسْقُطَ فاسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْمُشارَفَةِ كَما اسْتُعِيرَ لَها الهَمُّ والعَزْمُ قالَ: ؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ. . . ويَعْدِلُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ وَقالَ: ؎ إنَّ دَهْرًا يَلُمُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ. . . ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وانْقَضَّ انْفَعَلَ مَن قَضَضْتُهُ إذا كَسَرْتُهُ، ومِنهُ انْقِضاضُ الطَّيْرِ والكَواكِبِ لِهَوِيِّهِ، أوْ أفْعَلَ مِنَ النَّقْضِ. وَقُرِئَ « أنْ يَنْقَضَّ» و « أنْ يَنْقاصَّ» بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ مَنِ انْقاصَتِ السِّنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا. ﴿فَأقامَهُ﴾ بِعِمارَتِهِ أوْ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ، وقِيلَ مَسَحَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. وقِيلَ نَقَضَهُ وبَناهُ. ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ تَحْرِيضًا عَلى أخْذِ الجَعْلِ لِيَنْتَعِشا بِهِ، أوْ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ فُضُولٌ لِما في ﴿لَوْ﴾ مِنَ النَّفْيِ كَأنَّهُ لَمّا رَأى الحِرْمانَ ومَساسَ الحاجَةِ واشْتِغالَهُ بِما لا يَعْنِيهِ لَمْ يَتَمالَكْ نَفْسَهُ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ مِن تَخِذَ كاتَّبَعَ مِن تَبِعَ ولَيْسَ مِنَ الأخْذِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ « لَتَخِذْتَ» أيْ لَأخَذَتْ وأظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ الدّالَ وأدْغَمَهُ الباقُونَ.

الكهف 18:78

﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ الإشارَةُ إلى الفِراقِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ أوْ إلى الِاعْتِراضِ (p-290)الثّالِثِ، أوِ الوَقْتِ أيْ هَذا الِاعْتِراضُ سَبَبُ فِراقِنا أوْ هَذا الوَقْتُ وقْتُهُ، وإضافَةُ الفِراقِ إلى البَيْنِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ. ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ بِالخَبَرِ الباطِنِ فِيما لَمْ تَسْتَطِعِ الصَّبْرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِن حَيْثُ الظّاهِرِ.

الكهف 18:79

﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ لِمَحاوِيجَ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المِسْكِينَ يُطْلَقُ عَلى مَن يَمْلِكُ شَيْئًا إذا لَمْ يَكْفِهِ. وقِيلَ سُمُّوا مَساكِينَ لِعَجْزِهِمْ عَنْ دَفْعِ المَلِكِ أوْ لزَمانِتِهِمْ فَإنَّها كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ خَمْسَةٍ زَمْنى وخَمْسَةٍ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ. ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أنْ أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ. ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قُدّامَهم أوْ خَلْفَهم وكانَ رُجُوعُهم عَلَيْهِ، واسْمُهُ جَلَنْدى بْنُ كَرْكَرَ، وقِيلَ مِنوارُ بْنُ جَلَنْدَيٍّ الأزْدِيُّ. ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها. وكانَ حَقُّ النَّظْمِ أنْ يَتَأخَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ لِأنَّ إرادَةَ التَّعَيُّبِ مُسَبَّبَةٌ عَنْ خَوْفِ الغَصْبِ وإنَّما قُدِّمَ لِلْعِنايَةِ أوْ لِأنَّ السَّبَبَ لَمّا كانَ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ خَوْفَ الغَصْبِ ومَسْكَنَةَ المُلّاكِ رَتَّبَهُ عَلى أقْوى الجُزْأيْنِ وأدْعاهُما وعَقَّبَهُ بِالآخَرِ عَلى سَبِيلِ التَّقْيِيدِ والتَّتْمِيمِ، وقُرِئَ « كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ» والمَعْنى عَلَيْها.

الكهف 18:80

﴿وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أنْ يُغْشِيَهُما. ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ فَيُلْحِقُهُما شَرًّا، أوْ يَقْرِنُ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ، أوْ يُعْدِيهِما بِعِلَّتِهِ فَيَرْتَدّا بِإضْلالِهِ، أوْ بِمُمالَأتِهِ عَلى طُغْيانِهِ وكُفْرِهِ حُبًّا لَهُ. وإنَّما خَشِيَ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ كَيْفَ قَتَلَهُ وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ عَلِمْتَ مِن حالِ الوِلْدانِ ما عَلِمَهُ عالِمُ مُوسى فَلَكَ أنْ تَقْتُلَ.» وقُرِئَ « فَخافَ رَبَّكَ» أيْ فِكْرِهِ كَراهَةَ مَن خافَ سُوءَ عاقِبَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَخَشِينا﴾ حِكايَةَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ أنْ يَرْزُقَهُما ولَدًا خَيْرًا مِنهُ. ﴿زَكاةً﴾ طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ. ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ رَحْمَةً وعَطْفًا عَلى والِدَيْهِ. قِيلَ وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ فَتَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ لَهُ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ بِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿يُبْدِلَهُما﴾ بِالتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وعاصِمٌ ﴿رُحْمًا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ والعامِلُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وكَذَلِكَ ﴿زَكاةً﴾ .

الكهف 18:81

﴿وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أنْ يُغْشِيَهُما. ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ فَيُلْحِقُهُما شَرًّا، أوْ يَقْرِنُ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ، أوْ يُعْدِيهِما بِعِلَّتِهِ فَيَرْتَدّا بِإضْلالِهِ، أوْ بِمُمالَأتِهِ عَلى طُغْيانِهِ وكُفْرِهِ حُبًّا لَهُ. وإنَّما خَشِيَ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ كَيْفَ قَتَلَهُ وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ عَلِمْتَ مِن حالِ الوِلْدانِ ما عَلِمَهُ عالِمُ مُوسى فَلَكَ أنْ تَقْتُلَ.» وقُرِئَ « فَخافَ رَبَّكَ» أيْ فِكْرِهِ كَراهَةَ مَن خافَ سُوءَ عاقِبَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَخَشِينا﴾ حِكايَةَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ أنْ يَرْزُقَهُما ولَدًا خَيْرًا مِنهُ. ﴿زَكاةً﴾ طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ. ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ رَحْمَةً وعَطْفًا عَلى والِدَيْهِ. قِيلَ وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ فَتَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ لَهُ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ بِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿يُبْدِلَهُما﴾ بِالتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وعاصِمٌ ﴿رُحْمًا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ والعامِلُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وكَذَلِكَ ﴿زَكاةً﴾ .

الكهف 18:82

﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ قِيلَ اسْمُهُما أصْرَمُ وصَرِيمٌ، واسْمُ المَقْتُولِ جَيْسُورُ. ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا والذَّمُّ عَلى كَنْزِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ لِمَن لا يُؤَدِّي زَكاتَهُما وما تَعَلَّقَ بِهِما مِنَ الحُقُوقِ. وقِيلَ مِن كُتُبِ العِلْمِ. وقِيلَ كانَ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، (p-291)وَعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وعَجِبْتُ لِمَن يَعْرِفُ الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَعْيَهُ ذَلِكَ كانَ لِصَلاحِهِ. قِيلَ كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الأبِ الَّذِي حُفِظا فِيهِ سَبْعَةُ آباءٍ وكانَ سَيّاحًا واسْمُهُ كاشِحٌ. ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيِ الحُلُمَ وكَمالَ الرَّأْيِ. ﴿وَيَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَرْحُومِينَ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً أوْ مَصْدَرًا لَأرادَ فَإنَّ إرادَةَ الخَيْرِ رَحْمَةٌ. وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ، ولَعَلَّ إسْنادَ الإرادَةِ أوَّلًا إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لِلتَّعْيِيبِ وثانِيًا إلى اللَّهِ وإلى نَفْسِهِ لِأنَّ التَّبْدِيلَ بِإهْلاكِ الغُلامِ وإيجادِ اللَّهِ بَدَلَهُ، وثالِثًا إلى اللَّهِ وحْدَهُ لِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ في بُلُوغِ الغُلامَيْنِ. أوْ لِأنَّ الأوَّلَ في نَفْسِهِ شَرٌّ، والثّالِثَ خَيْرٌ، والثّانِي مُمْتَزِجٌ. أوْ لِاخْتِلافِ حالِ العارِفِ في الِالتِفاتِ إلى الوَسائِطِ. ﴿وَما فَعَلْتُهُ﴾ وما فَعَلْتُ ما رَأيْتَهُ. ﴿عَنْ أمْرِي﴾ عَنْ رَأْيِي وإنَّما فَعَلْتُهُ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَبْنِيٌّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إذا تَعارَضَ ضَرَرانِ يَجِبُ تَحَمُّلُ أهْوَنِهِما لِدَفْعِ أعْظَمِهِما، وهو أصْلٌ مُمَهِّدٌ غَيْرَ أنَّ الشَّرائِعَ في تَفاصِيلِهِ مُخْتَلِفَةٌ. ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ ما لَمْ تَسْتَطِعْ فَحُذِفَ التّاءُ تَخْفِيفًا. وَمِن فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ أنْ لا يَعْجَبَ المَرْءُ بِعِلْمِهِ ولا يُبادِرَ إلى إنْكارِ ما لَمْ يَسْتَحْسِنْهُ، فَلَعَلَّ فِيهِ سِرًّا لا يَعْرِفُهُ، وأنْ يُداوِمَ عَلى التَّعَلُّمِ ويَتَذَلَّلَ لِلْمُعَلِّمِ، ويُراعِيَ الأدَبَ في المُقابِلِ وأنْ يُنَبِّهَ المُجْرِمَ عَلى جُرْمِهِ ويَعْفُوَ عَنْهُ حَتّى يَتَحَقَّقَ إصْرارُهُ ثُمَّ يُهاجِرَ عَنْهُ.

الكهف 18:83

﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ يَعْنِي إسْكَنْدَرَ الرُّومِيَّ مَلِكَ فارِسَ والرُّومِ. وقِيلَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، أوْ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا شَرْقَها وغَرْبَها، وقِيلَ لِأنَّهُ انْقَرَضَ في أيّامِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ ضَفِيرَتانِ، وقِيلَ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَما يُقالُ الكَبْشُ لِلشُّجاعِ كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى إيمانِهِ وصَلاحِهِ، والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ سَألُوهُ امْتِحانًا أوْ مُشْرِكُو مَكَّةَ. ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ خِطابٌ لِلسّائِلِينَ والهاءُ لِذِي القَرْنَيْنِ. وقِيلَ لِلَّهِ.

الكهف 18:84

﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ مَكَّنا لَهُ أمْرَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها كَيْفَ شاءَ فَحُذِفَ المَفْعُولُ. ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أرادَهُ وتَوَجَّهَ إلَيْهِ. ﴿سَبَبًا﴾ وصِلَةً تُوَصِّلُهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والآلَةِ.

الكهف 18:85

﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ سَبَبًا يُوصِلُهُ إلَيْهِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِقَطْعِ الألِفِ مُخَفَّفَةَ التّاءِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ذاتَ حَمَأٍ مِن حَمِئَتِ البِئْرُ إذا صارَتْ ذاتَ حَمْأةٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ « حامِيَةً» أيْ حارَّةً، ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما لِجَوازِ أنْ تَكُونَ العَيْنُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ أوْ « حِمْيَةً» عَلى أنَّ ياءَها مَقْلُوبَةٌ عَنِ الهَمْزَةِ لِكَسْرِ ما قَبْلَها. ولَعَلَّهُ بَلَغَ ساحِلَ المُحِيطِ فَرَآها كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ في مَطْمَحِ بَصَرِهِ غَيْرَ الماءِ ولِذَلِكَ قالَ وجَدَها تَغْرُبُ ولَمْ يَقُلْ كانَتْ تَغْرُبُ. وقِيلَ إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يَقْرَأُ « حامِيَةً» فَقالَ « حَمِئَةً» فَبَعَثَ مُعاوِيَةُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قالَ في ماءٍ وطِينٍ كَذَلِكَ نَجِدُهُ في التَّوْراةِ ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها﴾ عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ. ﴿قَوْمًا﴾ قِيلَ كانَ لِباسُهم جُلُودَ (p-292)الوَحْشِ وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، وكانُوا كُفّارًا فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم أوْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ كَما حَكى بِقَوْلِهِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ أيْ بِالقَتْلِ عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ بِالإرْشادِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ. وقِيلَ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَمّاهُ إحْسانًا في مُقابَلَةِ القَتْلِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ:

الكهف 18:86

﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ سَبَبًا يُوصِلُهُ إلَيْهِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِقَطْعِ الألِفِ مُخَفَّفَةَ التّاءِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ذاتَ حَمَأٍ مِن حَمِئَتِ البِئْرُ إذا صارَتْ ذاتَ حَمْأةٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ « حامِيَةً» أيْ حارَّةً، ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما لِجَوازِ أنْ تَكُونَ العَيْنُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ أوْ « حِمْيَةً» عَلى أنَّ ياءَها مَقْلُوبَةٌ عَنِ الهَمْزَةِ لِكَسْرِ ما قَبْلَها. ولَعَلَّهُ بَلَغَ ساحِلَ المُحِيطِ فَرَآها كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ في مَطْمَحِ بَصَرِهِ غَيْرَ الماءِ ولِذَلِكَ قالَ وجَدَها تَغْرُبُ ولَمْ يَقُلْ كانَتْ تَغْرُبُ. وقِيلَ إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يَقْرَأُ « حامِيَةً» فَقالَ « حَمِئَةً» فَبَعَثَ مُعاوِيَةُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قالَ في ماءٍ وطِينٍ كَذَلِكَ نَجِدُهُ في التَّوْراةِ ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها﴾ عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ. ﴿قَوْمًا﴾ قِيلَ كانَ لِباسُهم جُلُودَ (p-292)الوَحْشِ وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، وكانُوا كُفّارًا فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم أوْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ كَما حَكى بِقَوْلِهِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ أيْ بِالقَتْلِ عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ بِالإرْشادِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ. وقِيلَ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَمّاهُ إحْسانًا في مُقابَلَةِ القَتْلِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ:

الكهف 18:87

﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ فاخْتارَ الدَّعْوَةَ وقالَ: أمّا مَن دَعْوَتُهُ فَظَلَمَ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى كُفْرِهِ أوِ اسْتَمَرَّ عَلى ظُلْمِهِ الَّذِي هو الشِّرْكُ فَنُعَذِّبُهُ أنا ومَن مَعِيَ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَذابًا مُنْكَرًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ. ﴿وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وهو ما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ. ﴿فَلَهُ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ فِعْلَتُهُ الحُسْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ جَزاءً مُنَوَّنًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى مَجْزِيًّا بِها، أوْ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ حالًا أيْ يَجْزِي بِها جَزاءً أوِ التَّمْيِيزِ، وقُرِئَ مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ عَلى أنَّ تَنْوِينَهُ حُذِفَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ومُنَوَّنًا مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ و ﴿الحُسْنى﴾ بَدَلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أمّا ) و ( أمّا ) لِلتَّقْسِيمِ دُونَ التَّخْيِيرِ أيْ لِيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهم إمّا التَّعْذِيبَ وإمّا الإحْسانَ، فالأوَّلُ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ والثّانِي لِمَن تابَ عَنْهُ، ونِداءُ اللَّهِ إيّاهُ إنْ كانَ نَبِيًّا فَبِوَحْيٍ وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَبِإلْهامٍ أوْ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ. ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا﴾ بِما نَأْمُرُ بِهِ. ﴿يُسْرًا﴾ سَهْلًا مُيَسَّرًا غَيْرَ شاقٍّ وتَقْدِيرُهُ ذا يُسْرٍ، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:88

﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ فاخْتارَ الدَّعْوَةَ وقالَ: أمّا مَن دَعْوَتُهُ فَظَلَمَ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى كُفْرِهِ أوِ اسْتَمَرَّ عَلى ظُلْمِهِ الَّذِي هو الشِّرْكُ فَنُعَذِّبُهُ أنا ومَن مَعِيَ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَذابًا مُنْكَرًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ. ﴿وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وهو ما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ. ﴿فَلَهُ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ فِعْلَتُهُ الحُسْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ جَزاءً مُنَوَّنًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى مَجْزِيًّا بِها، أوْ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ حالًا أيْ يَجْزِي بِها جَزاءً أوِ التَّمْيِيزِ، وقُرِئَ مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ عَلى أنَّ تَنْوِينَهُ حُذِفَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ومُنَوَّنًا مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ و ﴿الحُسْنى﴾ بَدَلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أمّا ) و ( أمّا ) لِلتَّقْسِيمِ دُونَ التَّخْيِيرِ أيْ لِيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهم إمّا التَّعْذِيبَ وإمّا الإحْسانَ، فالأوَّلُ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ والثّانِي لِمَن تابَ عَنْهُ، ونِداءُ اللَّهِ إيّاهُ إنْ كانَ نَبِيًّا فَبِوَحْيٍ وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَبِإلْهامٍ أوْ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ. ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا﴾ بِما نَأْمُرُ بِهِ. ﴿يُسْرًا﴾ سَهْلًا مُيَسَّرًا غَيْرَ شاقٍّ وتَقْدِيرُهُ ذا يُسْرٍ، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:89

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثُمَّ أتْبَعَ طَرِيقًا يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى إضْمارِ مُضافٍ أيْ مَكانَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ. ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ مِنَ اللِّباسِ أوِ البِناءِ، فَإنَّ أرْضَهم لا تُمْسِكُ الأبْنِيَةَ أوْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأسْرابَ بَدَلَ الأبْنِيَةِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَما وصَفْناهُ في رِفْعَةِ المَكانِ وبَسْطَةِ المَلِكِ، أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ التَّخْيِيرِ والِاخْتِيارِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِوَجَدَ أوْ ﴿نَجْعَلُ﴾ أوْ صِفَةَ قَوْمٍ أيْ عَلى قَوْمِ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ في الكُفْرِ والحُكْمِ. ﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ مِنَ الجُنُودِ والآلاتِ والعُدَدِ والأسْبابِ. ﴿خُبْرًا﴾ عِلْمًا تَعَلَّقَ بِظَواهِرِهِ وخَفاياهُ، والمُرادُ أنَّ كَثْرَةَ ذَلِكَ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لا يُحِيطُ بِهِ إلّا عِلْمُ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.

الكهف 18:90

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثُمَّ أتْبَعَ طَرِيقًا يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى إضْمارِ مُضافٍ أيْ مَكانَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ. ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ مِنَ اللِّباسِ أوِ البِناءِ، فَإنَّ أرْضَهم لا تُمْسِكُ الأبْنِيَةَ أوْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأسْرابَ بَدَلَ الأبْنِيَةِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَما وصَفْناهُ في رِفْعَةِ المَكانِ وبَسْطَةِ المَلِكِ، أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ التَّخْيِيرِ والِاخْتِيارِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِوَجَدَ أوْ ﴿نَجْعَلُ﴾ أوْ صِفَةَ قَوْمٍ أيْ عَلى قَوْمِ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ في الكُفْرِ والحُكْمِ. ﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ مِنَ الجُنُودِ والآلاتِ والعُدَدِ والأسْبابِ. ﴿خُبْرًا﴾ عِلْمًا تَعَلَّقَ بِظَواهِرِهِ وخَفاياهُ، والمُرادُ أنَّ كَثْرَةَ ذَلِكَ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لا يُحِيطُ بِهِ إلّا عِلْمُ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.

الكهف 18:91

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثُمَّ أتْبَعَ طَرِيقًا يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى إضْمارِ مُضافٍ أيْ مَكانَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ. ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ مِنَ اللِّباسِ أوِ البِناءِ، فَإنَّ أرْضَهم لا تُمْسِكُ الأبْنِيَةَ أوْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأسْرابَ بَدَلَ الأبْنِيَةِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَما وصَفْناهُ في رِفْعَةِ المَكانِ وبَسْطَةِ المَلِكِ، أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ التَّخْيِيرِ والِاخْتِيارِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِوَجَدَ أوْ ﴿نَجْعَلُ﴾ أوْ صِفَةَ قَوْمٍ أيْ عَلى قَوْمِ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ في الكُفْرِ والحُكْمِ. ﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ مِنَ الجُنُودِ والآلاتِ والعُدَدِ والأسْبابِ. ﴿خُبْرًا﴾ عِلْمًا تَعَلَّقَ بِظَواهِرِهِ وخَفاياهُ، والمُرادُ أنَّ كَثْرَةَ ذَلِكَ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لا يُحِيطُ بِهِ إلّا عِلْمُ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.

الكهف 18:92

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ يَعْنِي طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ آخِذًا مِنَ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ المَبْنِيُّ بَيْنَهُما سَدُّهُ وهُما جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. وقِيلَ جَبَلانِ مُنِيفانِ في أواخِرِ الشَّمالِ في مُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكِ مِن ورائِهِما يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ (بَيْنَ السُّدَّيْنِ) بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ. وقِيلَ المَضْمُومُ لِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى والمَفْتُوحُ لِما عَمِلَهُ النّاسُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ حَدَثٌ يُحَدِّثُهُ النّاسُ. وقِيلَ بِالعَكْسِ وبَيْنَ ها هُنا مَفْعُولٌ بِهِ (p-293)وَهُوَ مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ. ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ لِغَرابَةِ لُغَتِهِمْ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « لا يُفْقِهُونَ» أيْ لا يُفْهِمُونَ السّامِعَ كَلامَهم ولا يُبَيِّنُونَهُ لِتَلَعْثُمِهِمْ فِيهِ.

الكهف 18:93

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ يَعْنِي طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ آخِذًا مِنَ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ المَبْنِيُّ بَيْنَهُما سَدُّهُ وهُما جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. وقِيلَ جَبَلانِ مُنِيفانِ في أواخِرِ الشَّمالِ في مُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكِ مِن ورائِهِما يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ (بَيْنَ السُّدَّيْنِ) بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ. وقِيلَ المَضْمُومُ لِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى والمَفْتُوحُ لِما عَمِلَهُ النّاسُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ حَدَثٌ يُحَدِّثُهُ النّاسُ. وقِيلَ بِالعَكْسِ وبَيْنَ ها هُنا مَفْعُولٌ بِهِ (p-293)وَهُوَ مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ. ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ لِغَرابَةِ لُغَتِهِمْ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « لا يُفْقِهُونَ» أيْ لا يُفْهِمُونَ السّامِعَ كَلامَهم ولا يُبَيِّنُونَهُ لِتَلَعْثُمِهِمْ فِيهِ.

الكهف 18:94

﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ قالَ مُتَرْجِمُهم وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ « الَّذِينَ مِن دُونِهِمْ» . ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ قَبِيلَتانِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجَبَلِ. وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. وقِيلَ عَرَبِيّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ إذا أسْرَعَ وأصْلُهُما الهَمْزُ كَما قَرَأ عاصِمٌ ومَنَعَ صَرْفَهُما لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِنا بِالقَتْلِ والتَّخْرِيبِ وإتْلافِ الزَّرْعِ. قِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ فَلا يَتْرُكُونَ أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ، وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ جُعْلًا نُخْرِجُهُ مِن أمْوالِنا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خَراجًا» وكِلاهُما واحِدٌ كالنَّوْلِ والنَّوالِ. وقِيلَ الخَراجُ عَلى الأرْضِ والذِّمَّةِ والخَرْجُ المَصْدَرُ. ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ يَحْجِزُ دُونَ خُرُوجِهِمْ عَلَيْنا وقَدْ ضَمَّهُ مَن ضَمَّ السُّدَّيْنِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ما جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا مِنَ المالِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي مِنَ الخَراجِ ولا حاجَةَ بِي إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « مَكَّنَنِي» عَلى الأصْلِ. ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ فِعْلَةٍ أوْ بِما أتَقَوّى بِهِ مِنَ الآلاتِ. ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ حاجِزًا حَصِينًا وهو أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ إذا كانَ رِقاعًا فَوْقَ رِقاعٍ. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعَهُ والزُّبْرَةُ القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ، وهو لا يُنافِي رَدَّ الخَراجِ والِاقْتِصارَ عَلى المَعُونَةِ لِأنَّ الإيتاءَ بِمَعْنى المُناوَلَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ (رَدْمًا ائْتُونِي) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ مَوْصُولَةَ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى جِيئُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ حَذْفُها في (أمَرْتُكَ الخَيْرَ) ولِأنَّ إعْطاءَ الآلَةِ مِنَ الإعانَةِ بِالقُوَّةِ دُونَ الخَراجِ عَلى العَمَلِ. ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ بِتَنْضِيدِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والبَصْرِيّانِ بِضَمَّتَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، وقُرِئَ فَتْحُ الصّادِ وضَمُّ الدّالِ وكُلُّها لُغاتٌ مِنَ الصَّدَفِ وهو المَيْلُ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُنْعَزِلٌ عَنِ الآخَرِ ومِنهُ التَّصادُفُ لِلتَّقابُلِ. ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أيْ قالَ لِلْعَمَلَةِ انْفُخُوا في الأكْوارِ والحَدِيدِ. ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ جَعَلَ المَنفُوخَ فِيهِ. ﴿نارًا﴾ كالنّارِ بِالإحْماءِ. ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ آتُونِي قِطْرًا أيْ نُحاسًا مُذابًا أفْرَغُ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ. وبِهِ تَمَسَّكَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّ إعْمالَ الثّانِي مِنَ العامِلِينَ المُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَعْمُولٍ واحِدٍ أوْلى، إذْ لَوْ كانَ قِطْرًا مَفْعُولَ آتُونِي لَأُضْمِرَ مَفْعُولُ أُفْرِغْ حَذَرًا مِنَ الإلْباسِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (قالَ أتُونِي) مَوْصُولَةَ الألِفِ.

الكهف 18:95

﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ قالَ مُتَرْجِمُهم وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ « الَّذِينَ مِن دُونِهِمْ» . ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ قَبِيلَتانِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجَبَلِ. وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. وقِيلَ عَرَبِيّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ إذا أسْرَعَ وأصْلُهُما الهَمْزُ كَما قَرَأ عاصِمٌ ومَنَعَ صَرْفَهُما لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِنا بِالقَتْلِ والتَّخْرِيبِ وإتْلافِ الزَّرْعِ. قِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ فَلا يَتْرُكُونَ أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ، وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ جُعْلًا نُخْرِجُهُ مِن أمْوالِنا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خَراجًا» وكِلاهُما واحِدٌ كالنَّوْلِ والنَّوالِ. وقِيلَ الخَراجُ عَلى الأرْضِ والذِّمَّةِ والخَرْجُ المَصْدَرُ. ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ يَحْجِزُ دُونَ خُرُوجِهِمْ عَلَيْنا وقَدْ ضَمَّهُ مَن ضَمَّ السُّدَّيْنِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ما جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا مِنَ المالِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي مِنَ الخَراجِ ولا حاجَةَ بِي إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « مَكَّنَنِي» عَلى الأصْلِ. ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ فِعْلَةٍ أوْ بِما أتَقَوّى بِهِ مِنَ الآلاتِ. ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ حاجِزًا حَصِينًا وهو أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ إذا كانَ رِقاعًا فَوْقَ رِقاعٍ. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعَهُ والزُّبْرَةُ القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ، وهو لا يُنافِي رَدَّ الخَراجِ والِاقْتِصارَ عَلى المَعُونَةِ لِأنَّ الإيتاءَ بِمَعْنى المُناوَلَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ (رَدْمًا ائْتُونِي) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ مَوْصُولَةَ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى جِيئُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ حَذْفُها في (أمَرْتُكَ الخَيْرَ) ولِأنَّ إعْطاءَ الآلَةِ مِنَ الإعانَةِ بِالقُوَّةِ دُونَ الخَراجِ عَلى العَمَلِ. ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ بِتَنْضِيدِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والبَصْرِيّانِ بِضَمَّتَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، وقُرِئَ فَتْحُ الصّادِ وضَمُّ الدّالِ وكُلُّها لُغاتٌ مِنَ الصَّدَفِ وهو المَيْلُ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُنْعَزِلٌ عَنِ الآخَرِ ومِنهُ التَّصادُفُ لِلتَّقابُلِ. ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أيْ قالَ لِلْعَمَلَةِ انْفُخُوا في الأكْوارِ والحَدِيدِ. ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ جَعَلَ المَنفُوخَ فِيهِ. ﴿نارًا﴾ كالنّارِ بِالإحْماءِ. ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ آتُونِي قِطْرًا أيْ نُحاسًا مُذابًا أفْرَغُ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ. وبِهِ تَمَسَّكَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّ إعْمالَ الثّانِي مِنَ العامِلِينَ المُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَعْمُولٍ واحِدٍ أوْلى، إذْ لَوْ كانَ قِطْرًا مَفْعُولَ آتُونِي لَأُضْمِرَ مَفْعُولُ أُفْرِغْ حَذَرًا مِنَ الإلْباسِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (قالَ أتُونِي) مَوْصُولَةَ الألِفِ.

الكهف 18:96

﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ قالَ مُتَرْجِمُهم وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ « الَّذِينَ مِن دُونِهِمْ» . ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ قَبِيلَتانِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجَبَلِ. وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. وقِيلَ عَرَبِيّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ إذا أسْرَعَ وأصْلُهُما الهَمْزُ كَما قَرَأ عاصِمٌ ومَنَعَ صَرْفَهُما لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ. ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِنا بِالقَتْلِ والتَّخْرِيبِ وإتْلافِ الزَّرْعِ. قِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ فَلا يَتْرُكُونَ أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ، وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ جُعْلًا نُخْرِجُهُ مِن أمْوالِنا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خَراجًا» وكِلاهُما واحِدٌ كالنَّوْلِ والنَّوالِ. وقِيلَ الخَراجُ عَلى الأرْضِ والذِّمَّةِ والخَرْجُ المَصْدَرُ. ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ يَحْجِزُ دُونَ خُرُوجِهِمْ عَلَيْنا وقَدْ ضَمَّهُ مَن ضَمَّ السُّدَّيْنِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ما جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا مِنَ المالِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي مِنَ الخَراجِ ولا حاجَةَ بِي إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « مَكَّنَنِي» عَلى الأصْلِ. ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ فِعْلَةٍ أوْ بِما أتَقَوّى بِهِ مِنَ الآلاتِ. ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ حاجِزًا حَصِينًا وهو أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ إذا كانَ رِقاعًا فَوْقَ رِقاعٍ. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعَهُ والزُّبْرَةُ القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ، وهو لا يُنافِي رَدَّ الخَراجِ والِاقْتِصارَ عَلى المَعُونَةِ لِأنَّ الإيتاءَ بِمَعْنى المُناوَلَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ (رَدْمًا ائْتُونِي) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ مَوْصُولَةَ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى جِيئُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ حَذْفُها في (أمَرْتُكَ الخَيْرَ) ولِأنَّ إعْطاءَ الآلَةِ مِنَ الإعانَةِ بِالقُوَّةِ دُونَ الخَراجِ عَلى العَمَلِ. ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بَيْنَ جانِبَيِ الجَبَلَيْنِ بِتَنْضِيدِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والبَصْرِيّانِ بِضَمَّتَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، وقُرِئَ فَتْحُ الصّادِ وضَمُّ الدّالِ وكُلُّها لُغاتٌ مِنَ الصَّدَفِ وهو المَيْلُ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُنْعَزِلٌ عَنِ الآخَرِ ومِنهُ التَّصادُفُ لِلتَّقابُلِ. ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أيْ قالَ لِلْعَمَلَةِ انْفُخُوا في الأكْوارِ والحَدِيدِ. ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ جَعَلَ المَنفُوخَ فِيهِ. ﴿نارًا﴾ كالنّارِ بِالإحْماءِ. ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ آتُونِي قِطْرًا أيْ نُحاسًا مُذابًا أفْرَغُ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ. وبِهِ تَمَسَّكَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّ إعْمالَ الثّانِي مِنَ العامِلِينَ المُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَعْمُولٍ واحِدٍ أوْلى، إذْ لَوْ كانَ قِطْرًا مَفْعُولَ آتُونِي لَأُضْمِرَ مَفْعُولُ أُفْرِغْ حَذَرًا مِنَ الإلْباسِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (قالَ أتُونِي) مَوْصُولَةَ الألِفِ.

الكهف 18:97

﴿فَما اسْطاعُوا﴾ بِحَذْفِ التّاءِ حَذَرًا مِن تَلاقِي مُتَقارِبَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالإدْغامِ جامِعًا بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ. وقُرِئَ بِقَلْبِ السِّينِ صادًا. ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أنْ يَعْلَوْهُ بِالصُّعُودِ لِارْتِفاعِهِ وانْمِلاسِهِ. ﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لِثِخَنِهِ وصَلابَتِهِ. وقِيلَ حَفَرَ لِلْأساسِ حَتّى بَلَغَ الماءَ، وجَعَلَهُ مِنَ الصَّخْرِ والنُّحاسِ المُذابِ والبُنْيانِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ بَيْنَهُما الحَطَبُ والفَحْمُ حَتّى ساوى أعْلى الجَبَلَيْنِ، ثُمَّ وضَعَ المَنافِيخَ حَتّى صارَتْ كالنّارِ فَصُبَّ النُّحاسُ المُذابُ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا. وقِيلَ بَناهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ مُذابٍ في تَجاوِيفِها.(p-294)

الكهف 18:98

﴿قالَ هَذا﴾ هَذا السَّدُّ أوِ الأقْدارُ عَلى تَسْوِيَتِهِ. ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ عَلى عِبادِهِ. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ وقْتُ وعْدِهِ بِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، أوْ بِقِيامِ السّاعَةِ بِأنْ شارَفَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مَدْكُوكًا مَبْسُوطًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ومِنهُ جَمَلٌ أدَكُّ لِمُنْبَسِطِ السَّنامِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ دَكّاءَ بِالمَدِّ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً. ﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كائِنًا لا مَحالَةَ وهَذا آخِرُ حِكايَةِ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ.

الكهف 18:99

﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ وجَعَلْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حِينَ يَخْرُجُونَ مِمّا وراءَ السَّدِّ يَمُوجُونَ في بَعْضٍ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ، أوْ يَمُوجُ بَعْضُ الخَلْقِ في بَعْضٍ فَيَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ إنْسُهم وجِنُّهم حَيارى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ. ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ وأبْرَزْناها وأظْهَرْناها لَهم. ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنْ آياتِي الَّتِي يُنْظَرُ إلَيْها فَأُذْكَرُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّعْظِيمِ. ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اسْتِماعًا لِذَكَرِي وكَلامِي لِإفْراطِ صَمَمِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ كَأنَّهم أُصِمَّتْ مَسامِعُهم بِالكُلِّيَّةِ.

الكهف 18:100

﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ وجَعَلْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حِينَ يَخْرُجُونَ مِمّا وراءَ السَّدِّ يَمُوجُونَ في بَعْضٍ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ، أوْ يَمُوجُ بَعْضُ الخَلْقِ في بَعْضٍ فَيَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ إنْسُهم وجِنُّهم حَيارى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ. ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ وأبْرَزْناها وأظْهَرْناها لَهم. ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنْ آياتِي الَّتِي يُنْظَرُ إلَيْها فَأُذْكَرُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّعْظِيمِ. ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اسْتِماعًا لِذَكَرِي وكَلامِي لِإفْراطِ صَمَمِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ كَأنَّهم أُصِمَّتْ مَسامِعُهم بِالكُلِّيَّةِ.

الكهف 18:101

﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ وجَعَلْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حِينَ يَخْرُجُونَ مِمّا وراءَ السَّدِّ يَمُوجُونَ في بَعْضٍ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ، أوْ يَمُوجُ بَعْضُ الخَلْقِ في بَعْضٍ فَيَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ إنْسُهم وجِنُّهم حَيارى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ. ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ وأبْرَزْناها وأظْهَرْناها لَهم. ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنْ آياتِي الَّتِي يُنْظَرُ إلَيْها فَأُذْكَرُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّعْظِيمِ. ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اسْتِماعًا لِذَكَرِي وكَلامِي لِإفْراطِ صَمَمِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ كَأنَّهم أُصِمَّتْ مَسامِعُهم بِالكُلِّيَّةِ.

الكهف 18:102

﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أفَظَنُّوا والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ اتِّخاذُهُمُ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ. ﴿مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ مَعْبُودِينَ نافِعَهم، أوْ لا أُعَذِّبُهم بِهِ فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي كَما يُحْذَفُ الخَبَرُ لِلْقَرِينَةِ، أوْ سَدَّ أنْ يَتَّخِذُوا مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ وقُرِئَ « أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا» أيْ أفَكافِيهِمْ في النَّجاةِ، وإنَّ بِما في حَيِّزِها مُرْتَفِعٌ بِأنَّهُ فاعِلُ حَسِبَ، فَإنَّ النَّعْتَ إذا اعْتَمَدَ عَلى الهَمْزَةِ ساوى الفِعْلَ في العَمَلِ أوْ خَبَرٌ لَهُ. ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلا﴾ ما يُقامُ لِلنَّزِيلِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ لَهم وراءَها مِنَ العَذابِ ما تُسْتَحْقَرُ دُونَهُ.

الكهف 18:103

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وجُمِعَ لِأنَّهُ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ أوْ لِتَنَوُّعِ أعْمالِهِمْ. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ضاعَ وبَطَلَ لِكُفْرِهِمْ وعُجْبِهِمْ كالرَّهابِنَةِ فَإنَّهم خَسِرُوا دُنْياهم وأُخْراهم، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ فَإنَّهُ جَوابُ السُّؤالِ أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ. ﴿وَهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ بِعُجْبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

الكهف 18:104

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وجُمِعَ لِأنَّهُ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ أوْ لِتَنَوُّعِ أعْمالِهِمْ. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ضاعَ وبَطَلَ لِكُفْرِهِمْ وعُجْبِهِمْ كالرَّهابِنَةِ فَإنَّهم خَسِرُوا دُنْياهم وأُخْراهم، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ فَإنَّهُ جَوابُ السُّؤالِ أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ. ﴿وَهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ بِعُجْبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

الكهف 18:105

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِدَلائِلِهِ المَنصُوبَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. ﴿وَلِقائِهِ﴾ بِالبَعْثِ عَلى ما هو عَلَيْهِ أوْ لِقاءَ عَذابِهِ. ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُثابُونَ عَلَيْها. ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ فَنَزْدَرِي بِهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مَقْدارًا واعْتِبارًا، أوْ لا نَضَعُ لَهم مِيزانًا يُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم لِانْحِباطِها. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ خَبَرَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزاؤُهم بِهِ، أوْ جَزاؤُهم بَدَلُهُ و ﴿جَهَنَّمُ﴾ خَبَرُهُ أوْ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ خَبَرُهُ و ﴿جَهَنَّمُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْخَبَرِ. ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

الكهف 18:106

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِدَلائِلِهِ المَنصُوبَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. ﴿وَلِقائِهِ﴾ بِالبَعْثِ عَلى ما هو عَلَيْهِ أوْ لِقاءَ عَذابِهِ. ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُثابُونَ عَلَيْها. ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ فَنَزْدَرِي بِهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مَقْدارًا واعْتِبارًا، أوْ لا نَضَعُ لَهم مِيزانًا يُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم لِانْحِباطِها. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ خَبَرَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزاؤُهم بِهِ، أوْ جَزاؤُهم بَدَلُهُ و ﴿جَهَنَّمُ﴾ خَبَرُهُ أوْ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ خَبَرُهُ و ﴿جَهَنَّمُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْخَبَرِ. ﴿بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

الكهف 18:107

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ فِيما سَبَقَ مِن حُكْمِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، والفِرْدَوْسُ أعْلى دَرَجاتِ الجَنَّةِ، وأصْلُهُ البُسْتانُ الَّذِي يَجْمَعُ الكَرْمَ والنَّخْلَ. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ تَحَوُّلًا إذْ لا يَجِدُونَ أطْيَبَ مِنها حَتّى تُنازِعَهم إلَيْهِ أنْفُسُهم، ويَجُوزَ أنْ يُرادَ بِهِ تَأْكِيدُ الخُلُودِ.

الكهف 18:108

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ فِيما سَبَقَ مِن حُكْمِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، والفِرْدَوْسُ أعْلى دَرَجاتِ الجَنَّةِ، وأصْلُهُ البُسْتانُ الَّذِي يَجْمَعُ الكَرْمَ والنَّخْلَ. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ تَحَوُّلًا إذْ لا يَجِدُونَ أطْيَبَ مِنها حَتّى تُنازِعَهم إلَيْهِ أنْفُسُهم، ويَجُوزَ أنْ يُرادَ بِهِ تَأْكِيدُ الخُلُودِ.

الكهف 18:109

﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ ما يُكْتَبُ بِهِ، وهو اسْمُ ما يَمُدُّ الشَّيْءَ كالحِبْرِ لِلدَّواةِ والسَّلِيطِ لِلسِّراجِ. ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ لِكَلِماتِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ. ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ لَنَفِدَ جِنْسُ البَحْرِ بِأمْرِهِ لِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ. ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لا تَنْفَدُ كَعِلْمِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾ بِمِثْلِ البَحْرِ المَوْجُودِ. ﴿مَدَدًا﴾ زِيادَةً ومَعُونَةً، لِأنَّ مَجْمُوعَ المُتَناهِينَ مُتَناهٍ بَلْ مَجْمُوعُ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ مِنَ الأجْسامِ لا يَكُونُ إلّا مُتَناهِيًا لِلدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى تَناهِي الأبْعادِ، والمُتَناهِي يَنْفَدُ قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ غَيْرُ المُتَناهِي لا مَحالَةَ. وَقُرِئَ « يَنْفَدَ» بِالياءِ و « مَدَدًا» بِكَسْرِ المِيمِ جَمْعُ مَدَّةٍ وهي ما يَسْتَمِدُّهُ الكاتِبُ ومِدادًا. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا في كِتابِكم ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وتَقْرَؤُونَ ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ .

الكهف 18:110

﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا أدَّعِي الإحاطَةَ عَلى كَلِماتِهِ. ﴿يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإنَّما تَمَيَّزْتُ عَنْكم بِذَلِكَ. ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ يُؤَمِّلُ حُسْنَ لِقائِهِ أوْ يَخافُ سُوءَ لِقائِهِ. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا﴾ يَرْتَضِيهِ اللَّهُ. ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ بِأنْ يُرائِيَهُ أوْ يَطْلُبَ مِنهُ أجْرًا. رُوِيَ «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَأعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ فَإذا أُطْلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي فَقالَ: « إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» . فَنَزَلَتْ تَصْدِيقًا لَهُ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « اتَّقُوا الشِّرْكَ الأصْغَرَ» قالُوا وما الشِّرْكُ الأصْغَرُ قالَ « الرِّياءُ» .» والآيَةُ جامِعَةٌ لِخُلاصَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ وهُما التَّوْحِيدُ والإخْلاصُ في الطّاعَةِ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأها عِنْدَ مَضْجَعِهِ كانَ لَهُ نُورًا في مَضْجَعِهِ يَتَلَأْلَأُ إلى مَكَّةَ حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَقُومَ، فَإنْ كانَ مَضْجَعُهُ بِمَكَّةَ كانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ مِن مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ» . وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ مِن آخِرِها كانَتْ لَهُ نُورًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ومَن قَرَأها كُلَّها كانَتْ لَهُ نُورًا مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ» .