Tafsir Al-Mawardi — العاديات 100:1 – قريش 106:4
المحتويات
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:5
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
- الفيل 105:1
- الفيل 105:2
- الفيل 105:3
- الفيل 105:4
- الفيل 105:5
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:3
- قريش 106:4
العاديات 100:1
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:2
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:3
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:4
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:5
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:6
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:7
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:8
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:9
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:10
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
العاديات 100:11
(p-٣٢٣)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ
يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
؎ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ
(p-٣٢٤)
يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ضَبْحًا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ فِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:(p-٣٢٥)
؎ عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ
الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى
؎ أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ
وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ
؎ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ
الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ (p-٣٢٦)الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( . ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.
القارعة 101:1
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:2
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:3
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:4
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:5
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:6
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:7
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:8
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:9
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:10
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
القارعة 101:11
(p-٣٢٧)سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا
قَوْلُهُ تَعالى ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [اَلرَّعْدِ: ٣١] قالَ الشّاعِرُ
؎ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
﴿ما القارِعَةُ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾(p-٣٢٨)
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿المَبْثُوثِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) . وقالَ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ
؎ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.(p-٣٢٩)
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
؎ فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ
وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ
؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
التكاثر 102:1
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:2
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:3
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:4
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:5
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:6
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:7
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
التكاثر 102:8
(p-٣٣٠)سُورَةُ التَّكاثُرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: شَغَلَكم.
الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.
وَفي ﴿التَّكاثُرُ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.(p-٣٣١)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.
﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.
الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.
﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَفي ﴿كَلا﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.(p-٣٣٢)
رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.
والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.
الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.
السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.
العصر 103:1
(p-٣٣٣)سُورَةُ العَصْرِ
مَكِّيَّةٌ، وفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والعَصْرِ﴾ وهَذا قَسَمٌ، فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العَصْرَ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ تَرَوَّحْ بِنا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ
وَخَصَّهُ بِالقَسَمِ لِأنَّ فِيهِ خَواتِيمَ الأعْمالِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ عَصْرَ الرَّسُولِ ﷺ لِفَضْلِهِ بِتَجْدِيدِ النُّبُوَّةِ فِيهِ.
وَفِيهِ رابِعٌ: أنَّهُ أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وهي الصَّلاةُ الوُسْطى، لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ، قالَهُمُقاتِلٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ يَعْنِي بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ.
وَفي الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٣٤)
أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَفي شَرٍّ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: لَفي نَقْصٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَؤُها: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ في الحَقِّ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُوصِيَ مُخَلَّفِيهِ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ ألّا يَمُوتُنَّ إلّا وهم مُسْلِمُونَ.
﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى ما افْتَرَضَ اللَّهُ، قالَهُ هِشامُ بْنُ حَسّانَ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: بِالصَّبْرِ عَنِ المَحارِمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ.
العصر 103:2
(p-٣٣٣)سُورَةُ العَصْرِ
مَكِّيَّةٌ، وفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والعَصْرِ﴾ وهَذا قَسَمٌ، فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العَصْرَ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ تَرَوَّحْ بِنا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ
وَخَصَّهُ بِالقَسَمِ لِأنَّ فِيهِ خَواتِيمَ الأعْمالِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ عَصْرَ الرَّسُولِ ﷺ لِفَضْلِهِ بِتَجْدِيدِ النُّبُوَّةِ فِيهِ.
وَفِيهِ رابِعٌ: أنَّهُ أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وهي الصَّلاةُ الوُسْطى، لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ، قالَهُمُقاتِلٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ يَعْنِي بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ.
وَفي الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٣٤)
أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَفي شَرٍّ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: لَفي نَقْصٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَؤُها: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ في الحَقِّ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُوصِيَ مُخَلَّفِيهِ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ ألّا يَمُوتُنَّ إلّا وهم مُسْلِمُونَ.
﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى ما افْتَرَضَ اللَّهُ، قالَهُ هِشامُ بْنُ حَسّانَ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: بِالصَّبْرِ عَنِ المَحارِمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ.
العصر 103:3
(p-٣٣٣)سُورَةُ العَصْرِ
مَكِّيَّةٌ، وفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والعَصْرِ﴾ وهَذا قَسَمٌ، فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العَصْرَ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ تَرَوَّحْ بِنا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ
وَخَصَّهُ بِالقَسَمِ لِأنَّ فِيهِ خَواتِيمَ الأعْمالِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ عَصْرَ الرَّسُولِ ﷺ لِفَضْلِهِ بِتَجْدِيدِ النُّبُوَّةِ فِيهِ.
وَفِيهِ رابِعٌ: أنَّهُ أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وهي الصَّلاةُ الوُسْطى، لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ، قالَهُمُقاتِلٌ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ يَعْنِي بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ.
وَفي الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٣٤)
أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَفي شَرٍّ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: لَفي نَقْصٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَؤُها: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ في الحَقِّ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُوصِيَ مُخَلَّفِيهِ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ ألّا يَمُوتُنَّ إلّا وهم مُسْلِمُونَ.
﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى ما افْتَرَضَ اللَّهُ، قالَهُ هِشامُ بْنُ حَسّانَ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: بِالصَّبْرِ عَنِ المَحارِمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ.
الهمزة 104:1
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:2
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:3
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:4
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:5
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:6
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:7
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:8
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الهمزة 104:9
(p-٣٣٥)سُورَةُ الهُمَزَةِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ
؎ تُدْلِي بِوُدِّيٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ
الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَهْمِزُ في وجْهِهِ إذا أقْبَلَ، واللُّمَزَةُ الَّذِي يَلْمِزُهُ مِن خَلْفِهِ إذا أدْبَرَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:(p-٣٣٦)
؎ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
الرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُ جَهْرًا بِيَدٍ أوْ لِسانٍ، واللُّمَزَةَ الَّذِي يَعِيبُهم سِرًّا بِعَيْنٍ أوْ حاجِبٍ، قالَهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشامٍ.
قالَ رُؤْبَةُ
؎ في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي ولَمْزِي ∗∗∗ . . . . . . . . .
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، قالَهُ عَمّارٌ.
الثّانِي: في جَمِيلِ بْنِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها مُرْسَلَةٌ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالا وعَدَّدَهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَدَّدَ أنْواعَ مالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِما يَكْفِيهِ مِنَ الشَّيْنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: اتَّخَذَ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ مِن أوْلادِهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ فاخَرَ بِعَدَدِهِ وكَثْرَتِهِ.
﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَزِيدُ في عُمُرِهِ، قالَ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: يَمْنَعُهُ مِنَ المَوْتِ، قالَ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿كَلا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بابٍ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ واقِدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ هو البابُ السّادِسُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ دَرْكٍ مِن أدْراكِ جَهَنَّمَ، وهو الدَّرْكُ الرّابِعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ:(p-٣٣٧)
أحَدُهُما: لِأنَّها تُحَطِّمُ ما أُلْقِيَ فِيها، أيْ تُكَسِّرُهِ وتَهُدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ
؎ إنّا حَطْمَنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لَيَغْضَبا
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ رَوى خالِدُ بْنُ أبِي عُمْرانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إذا صَدَرُوا تَعُودُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾» ويَحْتَمِلُ اطِّلاعُها عَلى الأفْئِدَةِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَتَحِسُّ بِألَمِ العَذابِ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ بِبَقائِها.
الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ المَعاصِي وعِقابٍ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِألَمِ العَذابِ، وذَلِكَ بِما اسْتَبْقاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مُطْبَقَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مُغْلَقَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ آصَدَ البابَ إذا أغْلَقَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقُيّاتِ
؎ إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصْفَقًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
الثّالِثُ: مَسْدُودَةُ الجَوانِبِ لا يَنْفَتِحُ مِنها جانِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لا يَدْخُلُها رَوْحٌ ولا يَخْرُجُ مِنها غَمٌّ.
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُوصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي في قِراءَتِهِ (بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) .
الثّانِي: أنَّهم مُعَذَّبُونَ فِيها بِعُمُدٍ مُحَدَّدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ العُمُدَ المُمَدَّةَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها قُيُودٌ في أرْجُلِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: مَعْناهُ في دَهْرٍ مَمْدُودٍ، قالَهُ أبُو فاطِمَةَ.
الفيل 105:1
(p-٣٣٨)سُورَةُ الفِيلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» . واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ:(p-٣٣٩)
أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ
؎ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ
؎ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ
وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ
؎ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.(p-٣٤٠)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ! ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ
؎ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.(p-٣٤١)
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ
يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ
؎ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ (p-٣٤٢)
ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا
؎ وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» . القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿أبابِيلَ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٣)
؎ إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا
ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ
؎ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا
الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ
؎ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:(p-٣٤٤)
أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
الفيل 105:2
(p-٣٣٨)سُورَةُ الفِيلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» . واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ:(p-٣٣٩)
أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ
؎ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ
؎ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ
وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ
؎ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.(p-٣٤٠)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ! ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ
؎ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.(p-٣٤١)
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ
يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ
؎ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ (p-٣٤٢)
ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا
؎ وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» . القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿أبابِيلَ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٣)
؎ إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا
ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ
؎ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا
الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ
؎ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:(p-٣٤٤)
أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
الفيل 105:3
(p-٣٣٨)سُورَةُ الفِيلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» . واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ:(p-٣٣٩)
أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ
؎ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ
؎ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ
وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ
؎ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.(p-٣٤٠)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ! ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ
؎ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.(p-٣٤١)
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ
يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ
؎ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ (p-٣٤٢)
ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا
؎ وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» . القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿أبابِيلَ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٣)
؎ إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا
ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ
؎ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا
الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ
؎ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:(p-٣٤٤)
أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
الفيل 105:4
(p-٣٣٨)سُورَةُ الفِيلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» . واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ:(p-٣٣٩)
أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ
؎ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ
؎ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ
وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ
؎ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.(p-٣٤٠)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ! ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ
؎ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.(p-٣٤١)
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ
يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ
؎ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ (p-٣٤٢)
ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا
؎ وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» . القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿أبابِيلَ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٣)
؎ إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا
ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ
؎ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا
الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ
؎ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:(p-٣٤٤)
أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
الفيل 105:5
(p-٣٣٨)سُورَةُ الفِيلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» . واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ:(p-٣٣٩)
أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ
؎ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ
؎ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ
وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ
؎ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.(p-٣٤٠)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ! ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ
؎ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.(p-٣٤١)
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ
يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ
؎ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ (p-٣٤٢)
ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا
؎ وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» . القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿أبابِيلَ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٣)
؎ إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا
ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ
؎ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا
الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ
؎ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:(p-٣٤٤)
أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
قريش 106:1
(p-٣٤٥)سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدِنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الإيلافُ مَأْخُوذٌ مِن ألِفَ يَأْلَفُ، وهي العادَةُ المَأْلُوفَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ ائْتَلَفَ القَوْمُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ، لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنْ ألَّفَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِإيلافِ اللَّهِ لَهم لِأنَّهُ آلَفُهم إيلافًا، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.
الثّالِثُ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ حَرَمِي وقِيامِهِمْ بِبَيْتِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: لِإيلافِ ما ذَكَرَهُ مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مَكْحُولٌ.
وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ يَرْجِعُ إلى السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فَصارَ مَعْناهُ أنَّ ما فَعَلَهُ بِأصْحابِ الفِيلِ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وكانَ عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لا يَفْصِلانِ بَيْنَ (p-٣٤٦)
السُّورَتَيْنِ ويَقْرَآنِهِما كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ويَرَيانِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: ألَمْ تَرَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.
الثّانِي: أنَّ اللّامَ صِلَةٌ تَرْجِعُ إلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ويَكُونُ مَعْناهُ لِنِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ، وكانَ يَعِيبُ عَلى مَن يَقْرَأُ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ مَكَّةَ: إلافُ قُرَيْشٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ أبِي طالِبٍ يُوصِي أخاهُ أبا لَهَبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
؎ فَلا تَتْرُكَنَّهُ ما حَيِيتَ لِمُعَظَّمِ وكُنْ رَجُلًا ذا نَجْدَةٍ وعَفافِ ∗∗∗ تَذُودُ العِدا عَنْ عُصْبَةٍ هاشِمِيَّةٍ ∗∗∗ ألّا فُهُمُ في النّاسِ خَيْرُ إلافِ
وَأمّا قُرَيْشٌ تَلِدُهُ فَهم بَنُو النَّضِيرِ بْنِ كِنانَةَ، وقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، ومَن لَمْ تَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ مِن قُرَيْشٍ، وعَلى المَشْهُورِ أنَّ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ ومَن تَلِدُهُ: مِن قُرَيْشٍ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي فِهْرٍ، وقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، قالَ الشّاعِرُ
؎ أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا تُجّارًا يَأْكُلُونَ مِن مَكاسِبِهِمْ، والتَّقْرِيشُ التَّكَسُّبُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَّ عَنْ ذِي الخَلَّةِ فَيَسُدُّونَ خَلَّتْهُ، والقِرْشِ: التَّفْتِيشُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إبْقاءُ
الرّابِعُ: أنْ قُرَيْشًا اسْمُ دابَّةٍ في البَحْرِ، مِن أقْوى دَوابِّهِ، سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لِقُوَّتِها وأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٧)
؎ هَكَذا في العِبادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ؎ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَشِيشًا ∗∗∗ ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يَكْثُرُ القَتْلُ فِيهِمُ والخَمُوشا ∗∗∗ يَمْلَأُ الأرْضَ خَيَلَةً ورِجالًا ∗∗∗ يَحْشُرُونَ المَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشا ∗∗∗ تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا في جَناحَيْنِ رِيشا.
∗∗∗ وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيشا.
∗∗∗ سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجُجِ البَحْرِ ∗∗∗ عَلى سائِرِ البُحُورِ جُيُوشا.
﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانَتْ لِقُرَيْشٍ في كُلِّ عامٍ رِحْلَتانِ والرِّحْلَةُ السَّفْرَةُ، لِما يُعانى فِيها مِنَ الرَّحِيلِ والنُّزُولِ، رِحْلَةٌ في الصَّيْفِ ورِحْلَةٌ في الشِّتاءِ طَلَبًا لِلتِّجارَةِ والكَسْبِ.
واخْتُلِفَ في رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ إلى فِلَسْطِينَ، لَكِنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ في البَحْرِ، طَلَبًا لِلدِّفْءِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ عَلى بُصْرى وأذْرِعاتٍ، طَلَبًا لِلْهَواءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حامِيَةٌ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَإنْ قِيلَ فَما المَعْنى في تَذْكِيرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؟ فَفِيهِ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا في سَفَرِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، فَذَكَّرَهم ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أمْنِهِمْ مَعَ خَوْفِ غَيْرِهِمْ.
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا يَكْسِبُونَ فَيَتَوَسَّعُونَ ويُطْعِمُونَ ويَصِلُونَ، كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ
؎ يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ.
∗∗∗ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ.
∗∗∗ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ.
∗∗∗ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي.
∗∗∗ عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافِ.
فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.(p-٣٤٨)
وَلِابْنِ عَبّاسٍ في رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ لِدِفْئِها، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ لِهَوائِها، كَما قالَ الشّاعِرُ
؎ تَشْتِي بِمَكَّةَ نِعْمَةً ∗∗∗ ومَصِيفُها بِالطّائِفِ
وَهَذِهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ ناحِيَةُ حَرٍّ تَدْفَعُ عَنْهم بَرْدَ الشِّتاءِ وناحِيَةُ بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهم حَرَّ الصَّيْفِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، وفي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهم بِأنَّهُ رَبُّ هَذا البَيْتِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَتْ لَهم أوْثانٌ، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْها.
الثّانِي: أنَّهم بِالبَيْتِ شُرِّفُوا عَلى سائِرِ العَرَبِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ.
وَفي مَعْنى هَذا الأمْرِ والضَّمِيرِ في دُخُولِ الفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّانِي: فَلْيَأْلَفُوا عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ كَما ألِفُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّالِثُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ.
الرّابِعُ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ، فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالمَقامِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ.
﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما أعْطاهم مِنَ الأمْوالِ وساقَ إلَيْهِمْ مِنَ الأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما اسْتَجابَ فِيهِمْ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
حِينَ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جُوعًا أصابَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا إلَيْهِمْ طَعامًا، فَحَمَلُوهُ، فَخافَتْ قُرَيْشٌ مِنهم وظَنُّوا أنَّهم قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإذا هم قَدْ جَلَبُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وأعانُوهم بِالأقْواتِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾(p-٣٤٩)
﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ العَرَبِ أنْ يَسْبُوهم أوْ يُقاتِلُوهم تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، لِما سَبَقَتْ لَهم مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن خَوْفِ الحَبَشَةِ مَعَ الفِيلِ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: آمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الرّابِعُ: يَعْنِي آمَنَ قُرَيْشًا ألّا تَكُونَ الخِلافَةُ إلّا فِيهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قريش 106:2
(p-٣٤٥)سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدِنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الإيلافُ مَأْخُوذٌ مِن ألِفَ يَأْلَفُ، وهي العادَةُ المَأْلُوفَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ ائْتَلَفَ القَوْمُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ، لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنْ ألَّفَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِإيلافِ اللَّهِ لَهم لِأنَّهُ آلَفُهم إيلافًا، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.
الثّالِثُ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ حَرَمِي وقِيامِهِمْ بِبَيْتِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: لِإيلافِ ما ذَكَرَهُ مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مَكْحُولٌ.
وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ يَرْجِعُ إلى السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فَصارَ مَعْناهُ أنَّ ما فَعَلَهُ بِأصْحابِ الفِيلِ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وكانَ عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لا يَفْصِلانِ بَيْنَ (p-٣٤٦)
السُّورَتَيْنِ ويَقْرَآنِهِما كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ويَرَيانِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: ألَمْ تَرَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.
الثّانِي: أنَّ اللّامَ صِلَةٌ تَرْجِعُ إلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ويَكُونُ مَعْناهُ لِنِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ، وكانَ يَعِيبُ عَلى مَن يَقْرَأُ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ مَكَّةَ: إلافُ قُرَيْشٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ أبِي طالِبٍ يُوصِي أخاهُ أبا لَهَبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
؎ فَلا تَتْرُكَنَّهُ ما حَيِيتَ لِمُعَظَّمِ وكُنْ رَجُلًا ذا نَجْدَةٍ وعَفافِ ∗∗∗ تَذُودُ العِدا عَنْ عُصْبَةٍ هاشِمِيَّةٍ ∗∗∗ ألّا فُهُمُ في النّاسِ خَيْرُ إلافِ
وَأمّا قُرَيْشٌ تَلِدُهُ فَهم بَنُو النَّضِيرِ بْنِ كِنانَةَ، وقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، ومَن لَمْ تَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ مِن قُرَيْشٍ، وعَلى المَشْهُورِ أنَّ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ ومَن تَلِدُهُ: مِن قُرَيْشٍ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي فِهْرٍ، وقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، قالَ الشّاعِرُ
؎ أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا تُجّارًا يَأْكُلُونَ مِن مَكاسِبِهِمْ، والتَّقْرِيشُ التَّكَسُّبُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَّ عَنْ ذِي الخَلَّةِ فَيَسُدُّونَ خَلَّتْهُ، والقِرْشِ: التَّفْتِيشُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إبْقاءُ
الرّابِعُ: أنْ قُرَيْشًا اسْمُ دابَّةٍ في البَحْرِ، مِن أقْوى دَوابِّهِ، سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لِقُوَّتِها وأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٧)
؎ هَكَذا في العِبادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ؎ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَشِيشًا ∗∗∗ ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يَكْثُرُ القَتْلُ فِيهِمُ والخَمُوشا ∗∗∗ يَمْلَأُ الأرْضَ خَيَلَةً ورِجالًا ∗∗∗ يَحْشُرُونَ المَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشا ∗∗∗ تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا في جَناحَيْنِ رِيشا.
∗∗∗ وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيشا.
∗∗∗ سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجُجِ البَحْرِ ∗∗∗ عَلى سائِرِ البُحُورِ جُيُوشا.
﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانَتْ لِقُرَيْشٍ في كُلِّ عامٍ رِحْلَتانِ والرِّحْلَةُ السَّفْرَةُ، لِما يُعانى فِيها مِنَ الرَّحِيلِ والنُّزُولِ، رِحْلَةٌ في الصَّيْفِ ورِحْلَةٌ في الشِّتاءِ طَلَبًا لِلتِّجارَةِ والكَسْبِ.
واخْتُلِفَ في رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ إلى فِلَسْطِينَ، لَكِنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ في البَحْرِ، طَلَبًا لِلدِّفْءِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ عَلى بُصْرى وأذْرِعاتٍ، طَلَبًا لِلْهَواءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حامِيَةٌ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَإنْ قِيلَ فَما المَعْنى في تَذْكِيرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؟ فَفِيهِ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا في سَفَرِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، فَذَكَّرَهم ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أمْنِهِمْ مَعَ خَوْفِ غَيْرِهِمْ.
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا يَكْسِبُونَ فَيَتَوَسَّعُونَ ويُطْعِمُونَ ويَصِلُونَ، كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ
؎ يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ.
∗∗∗ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ.
∗∗∗ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ.
∗∗∗ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي.
∗∗∗ عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافِ.
فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.(p-٣٤٨)
وَلِابْنِ عَبّاسٍ في رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ لِدِفْئِها، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ لِهَوائِها، كَما قالَ الشّاعِرُ
؎ تَشْتِي بِمَكَّةَ نِعْمَةً ∗∗∗ ومَصِيفُها بِالطّائِفِ
وَهَذِهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ ناحِيَةُ حَرٍّ تَدْفَعُ عَنْهم بَرْدَ الشِّتاءِ وناحِيَةُ بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهم حَرَّ الصَّيْفِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، وفي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهم بِأنَّهُ رَبُّ هَذا البَيْتِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَتْ لَهم أوْثانٌ، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْها.
الثّانِي: أنَّهم بِالبَيْتِ شُرِّفُوا عَلى سائِرِ العَرَبِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ.
وَفي مَعْنى هَذا الأمْرِ والضَّمِيرِ في دُخُولِ الفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّانِي: فَلْيَأْلَفُوا عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ كَما ألِفُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّالِثُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ.
الرّابِعُ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ، فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالمَقامِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ.
﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما أعْطاهم مِنَ الأمْوالِ وساقَ إلَيْهِمْ مِنَ الأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما اسْتَجابَ فِيهِمْ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
حِينَ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جُوعًا أصابَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا إلَيْهِمْ طَعامًا، فَحَمَلُوهُ، فَخافَتْ قُرَيْشٌ مِنهم وظَنُّوا أنَّهم قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإذا هم قَدْ جَلَبُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وأعانُوهم بِالأقْواتِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾(p-٣٤٩)
﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ العَرَبِ أنْ يَسْبُوهم أوْ يُقاتِلُوهم تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، لِما سَبَقَتْ لَهم مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن خَوْفِ الحَبَشَةِ مَعَ الفِيلِ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: آمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الرّابِعُ: يَعْنِي آمَنَ قُرَيْشًا ألّا تَكُونَ الخِلافَةُ إلّا فِيهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قريش 106:3
(p-٣٤٥)سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدِنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الإيلافُ مَأْخُوذٌ مِن ألِفَ يَأْلَفُ، وهي العادَةُ المَأْلُوفَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ ائْتَلَفَ القَوْمُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ، لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنْ ألَّفَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِإيلافِ اللَّهِ لَهم لِأنَّهُ آلَفُهم إيلافًا، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.
الثّالِثُ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ حَرَمِي وقِيامِهِمْ بِبَيْتِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: لِإيلافِ ما ذَكَرَهُ مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مَكْحُولٌ.
وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ يَرْجِعُ إلى السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فَصارَ مَعْناهُ أنَّ ما فَعَلَهُ بِأصْحابِ الفِيلِ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وكانَ عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لا يَفْصِلانِ بَيْنَ (p-٣٤٦)
السُّورَتَيْنِ ويَقْرَآنِهِما كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ويَرَيانِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: ألَمْ تَرَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.
الثّانِي: أنَّ اللّامَ صِلَةٌ تَرْجِعُ إلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ويَكُونُ مَعْناهُ لِنِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ، وكانَ يَعِيبُ عَلى مَن يَقْرَأُ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ مَكَّةَ: إلافُ قُرَيْشٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ أبِي طالِبٍ يُوصِي أخاهُ أبا لَهَبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
؎ فَلا تَتْرُكَنَّهُ ما حَيِيتَ لِمُعَظَّمِ وكُنْ رَجُلًا ذا نَجْدَةٍ وعَفافِ ∗∗∗ تَذُودُ العِدا عَنْ عُصْبَةٍ هاشِمِيَّةٍ ∗∗∗ ألّا فُهُمُ في النّاسِ خَيْرُ إلافِ
وَأمّا قُرَيْشٌ تَلِدُهُ فَهم بَنُو النَّضِيرِ بْنِ كِنانَةَ، وقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، ومَن لَمْ تَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ مِن قُرَيْشٍ، وعَلى المَشْهُورِ أنَّ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ ومَن تَلِدُهُ: مِن قُرَيْشٍ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي فِهْرٍ، وقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، قالَ الشّاعِرُ
؎ أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا تُجّارًا يَأْكُلُونَ مِن مَكاسِبِهِمْ، والتَّقْرِيشُ التَّكَسُّبُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَّ عَنْ ذِي الخَلَّةِ فَيَسُدُّونَ خَلَّتْهُ، والقِرْشِ: التَّفْتِيشُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إبْقاءُ
الرّابِعُ: أنْ قُرَيْشًا اسْمُ دابَّةٍ في البَحْرِ، مِن أقْوى دَوابِّهِ، سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لِقُوَّتِها وأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٧)
؎ هَكَذا في العِبادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ؎ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَشِيشًا ∗∗∗ ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يَكْثُرُ القَتْلُ فِيهِمُ والخَمُوشا ∗∗∗ يَمْلَأُ الأرْضَ خَيَلَةً ورِجالًا ∗∗∗ يَحْشُرُونَ المَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشا ∗∗∗ تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا في جَناحَيْنِ رِيشا.
∗∗∗ وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيشا.
∗∗∗ سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجُجِ البَحْرِ ∗∗∗ عَلى سائِرِ البُحُورِ جُيُوشا.
﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانَتْ لِقُرَيْشٍ في كُلِّ عامٍ رِحْلَتانِ والرِّحْلَةُ السَّفْرَةُ، لِما يُعانى فِيها مِنَ الرَّحِيلِ والنُّزُولِ، رِحْلَةٌ في الصَّيْفِ ورِحْلَةٌ في الشِّتاءِ طَلَبًا لِلتِّجارَةِ والكَسْبِ.
واخْتُلِفَ في رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ إلى فِلَسْطِينَ، لَكِنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ في البَحْرِ، طَلَبًا لِلدِّفْءِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ عَلى بُصْرى وأذْرِعاتٍ، طَلَبًا لِلْهَواءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حامِيَةٌ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَإنْ قِيلَ فَما المَعْنى في تَذْكِيرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؟ فَفِيهِ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا في سَفَرِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، فَذَكَّرَهم ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أمْنِهِمْ مَعَ خَوْفِ غَيْرِهِمْ.
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا يَكْسِبُونَ فَيَتَوَسَّعُونَ ويُطْعِمُونَ ويَصِلُونَ، كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ
؎ يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ.
∗∗∗ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ.
∗∗∗ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ.
∗∗∗ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي.
∗∗∗ عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافِ.
فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.(p-٣٤٨)
وَلِابْنِ عَبّاسٍ في رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ لِدِفْئِها، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ لِهَوائِها، كَما قالَ الشّاعِرُ
؎ تَشْتِي بِمَكَّةَ نِعْمَةً ∗∗∗ ومَصِيفُها بِالطّائِفِ
وَهَذِهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ ناحِيَةُ حَرٍّ تَدْفَعُ عَنْهم بَرْدَ الشِّتاءِ وناحِيَةُ بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهم حَرَّ الصَّيْفِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، وفي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهم بِأنَّهُ رَبُّ هَذا البَيْتِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَتْ لَهم أوْثانٌ، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْها.
الثّانِي: أنَّهم بِالبَيْتِ شُرِّفُوا عَلى سائِرِ العَرَبِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ.
وَفي مَعْنى هَذا الأمْرِ والضَّمِيرِ في دُخُولِ الفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّانِي: فَلْيَأْلَفُوا عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ كَما ألِفُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّالِثُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ.
الرّابِعُ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ، فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالمَقامِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ.
﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما أعْطاهم مِنَ الأمْوالِ وساقَ إلَيْهِمْ مِنَ الأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما اسْتَجابَ فِيهِمْ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
حِينَ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جُوعًا أصابَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا إلَيْهِمْ طَعامًا، فَحَمَلُوهُ، فَخافَتْ قُرَيْشٌ مِنهم وظَنُّوا أنَّهم قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإذا هم قَدْ جَلَبُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وأعانُوهم بِالأقْواتِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾(p-٣٤٩)
﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ العَرَبِ أنْ يَسْبُوهم أوْ يُقاتِلُوهم تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، لِما سَبَقَتْ لَهم مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن خَوْفِ الحَبَشَةِ مَعَ الفِيلِ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: آمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الرّابِعُ: يَعْنِي آمَنَ قُرَيْشًا ألّا تَكُونَ الخِلافَةُ إلّا فِيهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قريش 106:4
(p-٣٤٥)سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدِنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الإيلافُ مَأْخُوذٌ مِن ألِفَ يَأْلَفُ، وهي العادَةُ المَأْلُوفَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ ائْتَلَفَ القَوْمُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ، لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنْ ألَّفَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِإيلافِ اللَّهِ لَهم لِأنَّهُ آلَفُهم إيلافًا، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.
الثّالِثُ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ حَرَمِي وقِيامِهِمْ بِبَيْتِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: لِإيلافِ ما ذَكَرَهُ مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مَكْحُولٌ.
وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ يَرْجِعُ إلى السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فَصارَ مَعْناهُ أنَّ ما فَعَلَهُ بِأصْحابِ الفِيلِ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وكانَ عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لا يَفْصِلانِ بَيْنَ (p-٣٤٦)
السُّورَتَيْنِ ويَقْرَآنِهِما كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ويَرَيانِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: ألَمْ تَرَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.
الثّانِي: أنَّ اللّامَ صِلَةٌ تَرْجِعُ إلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ويَكُونُ مَعْناهُ لِنِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ، وكانَ يَعِيبُ عَلى مَن يَقْرَأُ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ مَكَّةَ: إلافُ قُرَيْشٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ أبِي طالِبٍ يُوصِي أخاهُ أبا لَهَبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
؎ فَلا تَتْرُكَنَّهُ ما حَيِيتَ لِمُعَظَّمِ وكُنْ رَجُلًا ذا نَجْدَةٍ وعَفافِ ∗∗∗ تَذُودُ العِدا عَنْ عُصْبَةٍ هاشِمِيَّةٍ ∗∗∗ ألّا فُهُمُ في النّاسِ خَيْرُ إلافِ
وَأمّا قُرَيْشٌ تَلِدُهُ فَهم بَنُو النَّضِيرِ بْنِ كِنانَةَ، وقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، ومَن لَمْ تَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ مِن قُرَيْشٍ، وعَلى المَشْهُورِ أنَّ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ ومَن تَلِدُهُ: مِن قُرَيْشٍ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي فِهْرٍ، وقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، قالَ الشّاعِرُ
؎ أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا تُجّارًا يَأْكُلُونَ مِن مَكاسِبِهِمْ، والتَّقْرِيشُ التَّكَسُّبُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَّ عَنْ ذِي الخَلَّةِ فَيَسُدُّونَ خَلَّتْهُ، والقِرْشِ: التَّفْتِيشُ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إبْقاءُ
الرّابِعُ: أنْ قُرَيْشًا اسْمُ دابَّةٍ في البَحْرِ، مِن أقْوى دَوابِّهِ، سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لِقُوَّتِها وأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٧)
؎ هَكَذا في العِبادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ؎ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَشِيشًا ∗∗∗ ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يَكْثُرُ القَتْلُ فِيهِمُ والخَمُوشا ∗∗∗ يَمْلَأُ الأرْضَ خَيَلَةً ورِجالًا ∗∗∗ يَحْشُرُونَ المَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشا ∗∗∗ تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا في جَناحَيْنِ رِيشا.
∗∗∗ وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيشا.
∗∗∗ سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجُجِ البَحْرِ ∗∗∗ عَلى سائِرِ البُحُورِ جُيُوشا.
﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ كانَتْ لِقُرَيْشٍ في كُلِّ عامٍ رِحْلَتانِ والرِّحْلَةُ السَّفْرَةُ، لِما يُعانى فِيها مِنَ الرَّحِيلِ والنُّزُولِ، رِحْلَةٌ في الصَّيْفِ ورِحْلَةٌ في الشِّتاءِ طَلَبًا لِلتِّجارَةِ والكَسْبِ.
واخْتُلِفَ في رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ إلى فِلَسْطِينَ، لَكِنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ في البَحْرِ، طَلَبًا لِلدِّفْءِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ عَلى بُصْرى وأذْرِعاتٍ، طَلَبًا لِلْهَواءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حامِيَةٌ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَإنْ قِيلَ فَما المَعْنى في تَذْكِيرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؟ فَفِيهِ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا في سَفَرِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، فَذَكَّرَهم ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أمْنِهِمْ مَعَ خَوْفِ غَيْرِهِمْ.
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا يَكْسِبُونَ فَيَتَوَسَّعُونَ ويُطْعِمُونَ ويَصِلُونَ، كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ
؎ يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ.
∗∗∗ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ.
∗∗∗ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ.
∗∗∗ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي.
∗∗∗ عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافِ.
فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.(p-٣٤٨)
وَلِابْنِ عَبّاسٍ في رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ لِدِفْئِها، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ لِهَوائِها، كَما قالَ الشّاعِرُ
؎ تَشْتِي بِمَكَّةَ نِعْمَةً ∗∗∗ ومَصِيفُها بِالطّائِفِ
وَهَذِهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ ناحِيَةُ حَرٍّ تَدْفَعُ عَنْهم بَرْدَ الشِّتاءِ وناحِيَةُ بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهم حَرَّ الصَّيْفِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، وفي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهم بِأنَّهُ رَبُّ هَذا البَيْتِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَتْ لَهم أوْثانٌ، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْها.
الثّانِي: أنَّهم بِالبَيْتِ شُرِّفُوا عَلى سائِرِ العَرَبِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ.
وَفي مَعْنى هَذا الأمْرِ والضَّمِيرِ في دُخُولِ الفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّانِي: فَلْيَأْلَفُوا عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ كَما ألِفُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّالِثُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ.
الرّابِعُ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ، فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالمَقامِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ.
﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما أعْطاهم مِنَ الأمْوالِ وساقَ إلَيْهِمْ مِنَ الأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما اسْتَجابَ فِيهِمْ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
حِينَ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جُوعًا أصابَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا إلَيْهِمْ طَعامًا، فَحَمَلُوهُ، فَخافَتْ قُرَيْشٌ مِنهم وظَنُّوا أنَّهم قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإذا هم قَدْ جَلَبُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وأعانُوهم بِالأقْواتِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾(p-٣٤٩)
﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ العَرَبِ أنْ يَسْبُوهم أوْ يُقاتِلُوهم تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، لِما سَبَقَتْ لَهم مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن خَوْفِ الحَبَشَةِ مَعَ الفِيلِ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: آمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الرّابِعُ: يَعْنِي آمَنَ قُرَيْشًا ألّا تَكُونَ الخِلافَةُ إلّا فِيهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.