Lafzullah

Tafsir Al-Mawardi — الماعون 107:1 – الناس 114:6

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Mawardi

المحتويات
  1. الماعون 107:1
  2. الماعون 107:2
  3. الماعون 107:3
  4. الماعون 107:4
  5. الماعون 107:5
  6. الماعون 107:6
  7. الماعون 107:7
  8. الكوثر 108:1
  9. الكوثر 108:2
  10. الكوثر 108:3
  11. الكافرون 109:1
  12. الكافرون 109:2
  13. الكافرون 109:3
  14. الكافرون 109:4
  15. الكافرون 109:5
  16. الكافرون 109:6
  17. النصر 110:1
  18. النصر 110:2
  19. النصر 110:3
  20. المسد 111:1
  21. المسد 111:2
  22. المسد 111:3
  23. المسد 111:4
  24. المسد 111:5
  25. الإخلاص 112:1
  26. الإخلاص 112:2
  27. الإخلاص 112:3
  28. الإخلاص 112:4
  29. الفلق 113:1
  30. الفلق 113:2
  31. الفلق 113:3
  32. الفلق 113:4
  33. الفلق 113:5
  34. الناس 114:1
  35. الناس 114:2
  36. الناس 114:3
  37. الناس 114:4
  38. الناس 114:5
  39. الناس 114:6

الماعون 107:1

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الماعون 107:2

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الماعون 107:3

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الماعون 107:4

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الماعون 107:5

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الماعون 107:6

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الماعون 107:7

(p-٣٥٠)سُورَةُ الماعُونِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالحِسابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: بِالجَزاءِ الثَّوابِ والعِقابِ. واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ هَذا فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: في أبِي جَهْلٍ. الرّابِعُ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الخامِسُ: في أبِي سُفْيانَ وقَدْ نَحَرَ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ، فَسَألَهُ مِنها، فَقَرَعَهُ بِعَصًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:(p-٣٥١) أحَدُها: بِمَعْنى يُحَقِّرُ البَيْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: يَظْلِمُ اليَتِيمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. الثّالِثُ: يَدْفَعُ اليَتِيمَ دَفْعًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا. وَفي دَفْعِهِ اليَتِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ويَمْنَعُهُ مِن مالِهِ ظُلْمًا لَهُ وطَمَعًا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: يَدْفَعُهُ إبْعادًا لَهُ وزَجْرًا، وقَدْ قُرِئَ (يَدَعُ اليَتِيمَ) مُخَفَّفَةً، وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتْرُكُ اليَتِيمَ فَلا يُراعِيهِ إطْراحًا لَهُ وإعْراضًا عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثالِثًا: يَدَعُّ اليَتِيمَ لِاسْتِخْدامِهِ وامْتِهانِهِ قَهْرًا واسْتِطالَةً. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ لا يَفْعَلُهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ولَيْسَ الذَّمُّ عامًّا حَتّى يَتَناوَلَ مَن تَرَكَهُ عَجْزًا، ولَكِنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَعْتَذِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ لا يَفْعَلُونَهُ إنْ قَدَرُوا، ولا يَحُثُّونَ عَلَيْهِ إنْ عَجَزُوا. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ، وفي إطْلاقِ هَذا الذَّمِّ إضْمارٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، إنْ صَلّاها لِوَقْتِها لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، وإنْ صَلّاها لِغَيْرِ وقْتِها لَمْ يَخْشَ عِقابَها، قالَهُ الحَسَنُ. الثّانِي: أنَّ إضْمارَهُ ظاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيَةَ. وَإتْمامُ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ إضْمارًا فِيها وإنْ كانَ نُطْقًا ظاهِرًا. وَلَيْسَ السَّهْوُ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ هو الَّذِي ذُمَّ بِهِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ. وَفي تَأْوِيلِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ هَذا الذَّمَّ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ساهُونَ أيْ لاهُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.(p-٣٥٢) الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنْ لا يُصَلِّيَها سِرًّا ويُصَلِّيَها عَلانِيَةً رِياءً لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وهَوانًا بِصَلاتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الخامِسُ: هو ألّا يَقْرَأ ولا يَذْكُرَ اللَّهَ، قالَهُ قُطْرُبٌ. السّادِسُ: هو ما رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ فَقالَ: (هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَواقِيتِها)» . ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ، يُصَلُّونَها مَعَ النّاسِ إذا حَضَرُوا، ولا يُصَلُّونَها إذا غابُوا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في ذَمِّ كُلِّ مَن راءى لِعَمَلِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْلاصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن عَمِلَ عَمَلًا لِغَيْرِي فَقَدْ أشْرَكَ بِي وأنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ)» . ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الماعُونَ الزَّكاةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الرّاعِي:(p-٣٥٣) ؎ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا. ∗∗∗ عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أمْوالِنا ∗∗∗ حُقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا ∗∗∗ قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا الثّانِي: أنَّهُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ والزُّهْرِيُّ. الخامِسُ: أنَّهُ الماءُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ ومِنهُ الماءُ المَعِينُ وهو الجارِي، قالَ الأعْشى ؎ بِأجْوَدِ مِنّا بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ السّادِسُ: أنَّهُ ما يَتَعاوَرُهُ النّاسُ بَيْنَهم، مِثْلُ الدَّلْوِ والقِدْرِ والفَأْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ مَأْثُورًا. السّابِعُ: أنَّهُ مَنعُ الحَقِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الثّامِنُ: أنَّهُ المُسْتَغَلُّ مِن مَنافِعِ الأمْوالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى وهو القَلِيلُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عِيسى. وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّهُ المَعُونَةُ بِما خَفَّ فِعْلُهُ وقَلَّ ثِقَلُهُ.

الكوثر 108:1

(p-٣٥٤)سُورَةُ الكَوْثَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الكَوْثَرَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: الإسْلامُ، حَكاهُ المُغِيرَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ مَرْفُوعًا. الخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ عَطاءٌ.(p-٣٥٥) السّادِسُ: أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. السّابِعُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ. الثّامِنُ: أنَّهُ الإيثارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. التّاسِعُ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وهو فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ عَطاءٌ. الثّالِثُ: مَعْناهُ اشْكُرْ رَبَّكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿وانْحَرْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وانْحَرْ هَدْيَكَ أوْ أُضْحِيَّتَكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ. الثّانِي: وانْحَرْ أيْ وسَلْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ يَضَعَ اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ نَحْرِهِ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. الرّابِعُ: أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ، رَواهُ عَلِيٌّ. الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ بِنَحْرِكَ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٥٦) ؎ أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطُحِ المُتَناحِرِ ايِ المُتَقابِلِ. ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ في شانِئِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْغَضُكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. الثّانِي: عَدُوُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَفي ﴿الأبْتَرُ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: مَعْناهُ الفَرْدُ الوَحِيدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ حَتّى صارَ مِثْلَ الأبْتَرِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ الرّابِعُ: أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقُولُونَ لِمَن ماتَ ذُكُورُ ولَدِهِ، قَدْ بُتِرَ فُلانٌ فَلَمّا ماتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُهُ القاسِمُ بِمَكَّةَ، وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ، قالُوا بُتِرَ مُحَمَّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ بِأمْرِهِ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعا قُرَيْشًا إلى الإيمانِ، قالُوا ابْتَتَرَ مِنّا مُحَمَّدٌ، أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنَّهم هُمُ المُبْتَرُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ. واخْتُلِفَ في المُرادِ مِن قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ. الثّانِي: أبُو جَهْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الكوثر 108:2

(p-٣٥٤)سُورَةُ الكَوْثَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الكَوْثَرَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: الإسْلامُ، حَكاهُ المُغِيرَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ مَرْفُوعًا. الخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ عَطاءٌ.(p-٣٥٥) السّادِسُ: أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. السّابِعُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ. الثّامِنُ: أنَّهُ الإيثارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. التّاسِعُ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وهو فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ عَطاءٌ. الثّالِثُ: مَعْناهُ اشْكُرْ رَبَّكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿وانْحَرْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وانْحَرْ هَدْيَكَ أوْ أُضْحِيَّتَكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ. الثّانِي: وانْحَرْ أيْ وسَلْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ يَضَعَ اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ نَحْرِهِ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. الرّابِعُ: أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ، رَواهُ عَلِيٌّ. الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ بِنَحْرِكَ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٥٦) ؎ أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطُحِ المُتَناحِرِ ايِ المُتَقابِلِ. ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ في شانِئِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْغَضُكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. الثّانِي: عَدُوُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَفي ﴿الأبْتَرُ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: مَعْناهُ الفَرْدُ الوَحِيدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ حَتّى صارَ مِثْلَ الأبْتَرِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ الرّابِعُ: أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقُولُونَ لِمَن ماتَ ذُكُورُ ولَدِهِ، قَدْ بُتِرَ فُلانٌ فَلَمّا ماتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُهُ القاسِمُ بِمَكَّةَ، وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ، قالُوا بُتِرَ مُحَمَّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ بِأمْرِهِ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعا قُرَيْشًا إلى الإيمانِ، قالُوا ابْتَتَرَ مِنّا مُحَمَّدٌ، أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنَّهم هُمُ المُبْتَرُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ. واخْتُلِفَ في المُرادِ مِن قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ. الثّانِي: أبُو جَهْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الكوثر 108:3

(p-٣٥٤)سُورَةُ الكَوْثَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الكَوْثَرَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: الإسْلامُ، حَكاهُ المُغِيرَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ مَرْفُوعًا. الخامِسُ: أنَّهُ حَوْضُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَكْثُرُ النّاسُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ عَطاءٌ.(p-٣٥٥) السّادِسُ: أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. السّابِعُ: أنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ. الثّامِنُ: أنَّهُ الإيثارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. التّاسِعُ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وهو فَوَعْلٌ مِنَ الكَثْرَةِ. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّانِي: صَلاةُ العِيدِ، قالَهُ عَطاءٌ. الثّالِثُ: مَعْناهُ اشْكُرْ رَبَّكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿وانْحَرْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وانْحَرْ هَدْيَكَ أوْ أُضْحِيَّتَكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ. الثّانِي: وانْحَرْ أيْ وسَلْ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ يَضَعَ اليَمِينَ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ نَحْرِهِ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. الرّابِعُ: أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ في التَّكْبِيرِ، رَواهُ عَلِيٌّ. الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ بِنَحْرِكَ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٥٦) ؎ أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطُحِ المُتَناحِرِ ايِ المُتَقابِلِ. ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ في شانِئِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْغَضُكَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. الثّانِي: عَدُوُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَفي ﴿الأبْتَرُ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: مَعْناهُ الفَرْدُ الوَحِيدُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ حَتّى صارَ مِثْلَ الأبْتَرِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ الرّابِعُ: أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقُولُونَ لِمَن ماتَ ذُكُورُ ولَدِهِ، قَدْ بُتِرَ فُلانٌ فَلَمّا ماتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُهُ القاسِمُ بِمَكَّةَ، وإبْراهِيمُ بِالمَدِينَةِ، قالُوا بُتِرَ مُحَمَّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَن يَقُومُ بِأمْرِهِ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعا قُرَيْشًا إلى الإيمانِ، قالُوا ابْتَتَرَ مِنّا مُحَمَّدٌ، أيْ خالَفَنا وانْقَطَعَ عَنّا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنَّهم هُمُ المُبْتَرُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ. واخْتُلِفَ في المُرادِ مِن قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو لَهَبٍ، قالَهُ عَطاءٌ. الثّانِي: أبُو جَهْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الكافرون 109:1

(p-٣٥٧)سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ. وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾» فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ. ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.(p-٣٥٨) ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ. الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي. وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الكافرون 109:2

(p-٣٥٧)سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ. وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾» فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ. ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.(p-٣٥٨) ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ. الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي. وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الكافرون 109:3

(p-٣٥٧)سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ. وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾» فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ. ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.(p-٣٥٨) ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ. الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي. وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الكافرون 109:4

(p-٣٥٧)سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ. وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾» فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ. ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.(p-٣٥٨) ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ. الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي. وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الكافرون 109:5

(p-٣٥٧)سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ. وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾» فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ. ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.(p-٣٥٨) ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ. الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي. وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الكافرون 109:6

(p-٣٥٧)سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ. وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾» فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ. ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.(p-٣٥٨) ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ. الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي. وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

النصر 110:1

(p-٣٥٩)سُورَةُ النَّصْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ أمّا النَّصْرُ فَهو المَعُونَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ نَصَرَ الغَيْثُ الأرْضَ إذا أعانَ عَلى نَباتِها ومَنَعَ مِن قَحْطِها، قالَ الشّاعِرُ ؎ إذا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَصْرُ الرَّسُولِ عَلى قُرَيْشٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. الثّانِي: نَصْرُهُ عَلى كُلِّ مَن قاتَلَهُ مِن أعْدائِهِ، فَإنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ كانَتْ لَهُ. وَقِيلَ: إذا جاءَ نَصْرُهُ بِإظْهارِهِ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ، والفَتْحُ: فَتْحُهُ مَكَّةَ وقِيلَ المُرادُ حِينَ نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وفَتَحَ مَكَّةَ وسائِرَ البِلادِ عَلَيْهِمْ. وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ حِينٌ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها، فَتُعْرَفُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرَّبَ النَّصْرُ مَن قُوَّتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.(p-٣٦٠) وَفِي هَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ ما فَتَحَهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ. ﴿وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلدِّينُ يَمانٍ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ)» ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ)» وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرَجُ لِتُتابِعِ إسْلامِهِمْ أفْواجًا. الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفَّسَ الكَرْبَ عَنْ نَبِيِّهِ بِأهْلِ اليَمَنِ، وهُمُ الأنْصارُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم سائِرُ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وَقالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قالَتِ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّها القَوْمُ لَيْسَ لَكم بِهِ ولا بِالقَوْمِ يَدٌ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا أُمَّةً أُمَّةً. قالَ الضَّحّاكُ: والأُمَّةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأفْواجُ (اَلزُّمَرُ)، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأفْواجُ القَبائِلُ. وَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّ النّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ أفْواجًا)» .(p-٣٦١) ﴿أفْواجًا﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وقَبائِلِ سائِرِ العَرَبِ. ﴿يَدْخُلُونَ﴾ حالٌ، عَلى أنَّ (رَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى عَلِمْتَ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ في أمْرِهِ بِهَذا التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وبِالِاسْتِغْفارِ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ صَرِيحَ التَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ والِاسْتِغْفارُ مِنَ الذُّنُوبِ. رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي أراكَ أحْدَثْتَها؟ فَقالَ: (جُعِلَتْ لِي عَلامَةً في أُمَّتِي إذا رَأيْتُها قُلْتُها)» وفي قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قابِلُ التَّوْبَةِ. والثّانِي: مُتَجاوِزٌ عَنِ الصَّغائِرِ. وَفي أمْرِهِ بِهَذا بَعْدَ النَّصْرِ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ، لِأنَّ تَجْدِيدَ النِّعَمِ يُوجِبُ تَجْدِيدَ الشُّكْرِ. الثّانِي: أنَّهُ نَعى إلَيْهِ نَفْسَهُ، لِيَجِدَّ في عَمَلِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وداعٌ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَها إلّا سَنَتَيْنِ مُسْتَدِيمًا التَّسْبِيحَ والِاسْتِغْفارَ كَما أُمِرَ، وكانَ قَدْ لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُوحَ إلَيْهِ، ورَأى رُؤْيا النُّبُوَّةِ سَنَتَيْنِ، وماتَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وفِيهِ هاجَرَ. وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، (p-٣٦٢) والنّاسُ أهْلُ اليَمَنِ، وهي آيَةُ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا نَزَلَتْ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَفَرِحا بِالنَّصْرِ وبِدُخُولِ النّاسِ أفْواجًا في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَمِعَها العَبّاسُ فَبَكى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ؟ فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ)، قالَ: (إنَّهُ لَكَما تَقُولُ)» . وهَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى التَّوْدِيعَ، عاشَ النَّبِيُّ بَعْدَها حَوْلًا عَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ، وحَوْلَيْنِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن قابِلٍ، فَنَزَلَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فَعاشَ بَعْدَها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها سَبْعَةَ أيّامٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ وصَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَتابِعَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَلى مَرِّ الأزْمانِ وكَرِّ الأوانِ، وعَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

النصر 110:2

(p-٣٥٩)سُورَةُ النَّصْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ أمّا النَّصْرُ فَهو المَعُونَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ نَصَرَ الغَيْثُ الأرْضَ إذا أعانَ عَلى نَباتِها ومَنَعَ مِن قَحْطِها، قالَ الشّاعِرُ ؎ إذا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَصْرُ الرَّسُولِ عَلى قُرَيْشٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. الثّانِي: نَصْرُهُ عَلى كُلِّ مَن قاتَلَهُ مِن أعْدائِهِ، فَإنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ كانَتْ لَهُ. وَقِيلَ: إذا جاءَ نَصْرُهُ بِإظْهارِهِ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ، والفَتْحُ: فَتْحُهُ مَكَّةَ وقِيلَ المُرادُ حِينَ نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وفَتَحَ مَكَّةَ وسائِرَ البِلادِ عَلَيْهِمْ. وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ حِينٌ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها، فَتُعْرَفُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرَّبَ النَّصْرُ مَن قُوَّتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.(p-٣٦٠) وَفِي هَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ ما فَتَحَهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ. ﴿وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلدِّينُ يَمانٍ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ)» ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ)» وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرَجُ لِتُتابِعِ إسْلامِهِمْ أفْواجًا. الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفَّسَ الكَرْبَ عَنْ نَبِيِّهِ بِأهْلِ اليَمَنِ، وهُمُ الأنْصارُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم سائِرُ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وَقالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قالَتِ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّها القَوْمُ لَيْسَ لَكم بِهِ ولا بِالقَوْمِ يَدٌ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا أُمَّةً أُمَّةً. قالَ الضَّحّاكُ: والأُمَّةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأفْواجُ (اَلزُّمَرُ)، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأفْواجُ القَبائِلُ. وَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّ النّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ أفْواجًا)» .(p-٣٦١) ﴿أفْواجًا﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وقَبائِلِ سائِرِ العَرَبِ. ﴿يَدْخُلُونَ﴾ حالٌ، عَلى أنَّ (رَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى عَلِمْتَ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ في أمْرِهِ بِهَذا التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وبِالِاسْتِغْفارِ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ صَرِيحَ التَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ والِاسْتِغْفارُ مِنَ الذُّنُوبِ. رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي أراكَ أحْدَثْتَها؟ فَقالَ: (جُعِلَتْ لِي عَلامَةً في أُمَّتِي إذا رَأيْتُها قُلْتُها)» وفي قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قابِلُ التَّوْبَةِ. والثّانِي: مُتَجاوِزٌ عَنِ الصَّغائِرِ. وَفي أمْرِهِ بِهَذا بَعْدَ النَّصْرِ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ، لِأنَّ تَجْدِيدَ النِّعَمِ يُوجِبُ تَجْدِيدَ الشُّكْرِ. الثّانِي: أنَّهُ نَعى إلَيْهِ نَفْسَهُ، لِيَجِدَّ في عَمَلِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وداعٌ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَها إلّا سَنَتَيْنِ مُسْتَدِيمًا التَّسْبِيحَ والِاسْتِغْفارَ كَما أُمِرَ، وكانَ قَدْ لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُوحَ إلَيْهِ، ورَأى رُؤْيا النُّبُوَّةِ سَنَتَيْنِ، وماتَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وفِيهِ هاجَرَ. وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، (p-٣٦٢) والنّاسُ أهْلُ اليَمَنِ، وهي آيَةُ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا نَزَلَتْ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَفَرِحا بِالنَّصْرِ وبِدُخُولِ النّاسِ أفْواجًا في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَمِعَها العَبّاسُ فَبَكى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ؟ فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ)، قالَ: (إنَّهُ لَكَما تَقُولُ)» . وهَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى التَّوْدِيعَ، عاشَ النَّبِيُّ بَعْدَها حَوْلًا عَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ، وحَوْلَيْنِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن قابِلٍ، فَنَزَلَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فَعاشَ بَعْدَها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها سَبْعَةَ أيّامٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ وصَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَتابِعَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَلى مَرِّ الأزْمانِ وكَرِّ الأوانِ، وعَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

النصر 110:3

(p-٣٥٩)سُورَةُ النَّصْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ أمّا النَّصْرُ فَهو المَعُونَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ نَصَرَ الغَيْثُ الأرْضَ إذا أعانَ عَلى نَباتِها ومَنَعَ مِن قَحْطِها، قالَ الشّاعِرُ ؎ إذا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَصْرُ الرَّسُولِ عَلى قُرَيْشٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. الثّانِي: نَصْرُهُ عَلى كُلِّ مَن قاتَلَهُ مِن أعْدائِهِ، فَإنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ كانَتْ لَهُ. وَقِيلَ: إذا جاءَ نَصْرُهُ بِإظْهارِهِ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ، والفَتْحُ: فَتْحُهُ مَكَّةَ وقِيلَ المُرادُ حِينَ نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وفَتَحَ مَكَّةَ وسائِرَ البِلادِ عَلَيْهِمْ. وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ حِينٌ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها، فَتُعْرَفُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرَّبَ النَّصْرُ مَن قُوَّتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.(p-٣٦٠) وَفِي هَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. الثّانِي: فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ ما فَتَحَهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ. ﴿وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلدِّينُ يَمانٍ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ)» ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ)» وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرَجُ لِتُتابِعِ إسْلامِهِمْ أفْواجًا. الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفَّسَ الكَرْبَ عَنْ نَبِيِّهِ بِأهْلِ اليَمَنِ، وهُمُ الأنْصارُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم سائِرُ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وَقالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قالَتِ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّها القَوْمُ لَيْسَ لَكم بِهِ ولا بِالقَوْمِ يَدٌ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا أُمَّةً أُمَّةً. قالَ الضَّحّاكُ: والأُمَّةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأفْواجُ (اَلزُّمَرُ)، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأفْواجُ القَبائِلُ. وَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّ النّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ أفْواجًا)» .(p-٣٦١) ﴿أفْواجًا﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وقَبائِلِ سائِرِ العَرَبِ. ﴿يَدْخُلُونَ﴾ حالٌ، عَلى أنَّ (رَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى عَلِمْتَ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ في أمْرِهِ بِهَذا التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وبِالِاسْتِغْفارِ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ صَرِيحَ التَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ والِاسْتِغْفارُ مِنَ الذُّنُوبِ. رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي أراكَ أحْدَثْتَها؟ فَقالَ: (جُعِلَتْ لِي عَلامَةً في أُمَّتِي إذا رَأيْتُها قُلْتُها)» وفي قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قابِلُ التَّوْبَةِ. والثّانِي: مُتَجاوِزٌ عَنِ الصَّغائِرِ. وَفي أمْرِهِ بِهَذا بَعْدَ النَّصْرِ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ، لِأنَّ تَجْدِيدَ النِّعَمِ يُوجِبُ تَجْدِيدَ الشُّكْرِ. الثّانِي: أنَّهُ نَعى إلَيْهِ نَفْسَهُ، لِيَجِدَّ في عَمَلِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وداعٌ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَها إلّا سَنَتَيْنِ مُسْتَدِيمًا التَّسْبِيحَ والِاسْتِغْفارَ كَما أُمِرَ، وكانَ قَدْ لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُوحَ إلَيْهِ، ورَأى رُؤْيا النُّبُوَّةِ سَنَتَيْنِ، وماتَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وفِيهِ هاجَرَ. وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، (p-٣٦٢) والنّاسُ أهْلُ اليَمَنِ، وهي آيَةُ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا نَزَلَتْ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَفَرِحا بِالنَّصْرِ وبِدُخُولِ النّاسِ أفْواجًا في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَمِعَها العَبّاسُ فَبَكى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: « (ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ؟ فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ)، قالَ: (إنَّهُ لَكَما تَقُولُ)» . وهَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى التَّوْدِيعَ، عاشَ النَّبِيُّ بَعْدَها حَوْلًا عَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ، وحَوْلَيْنِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن قابِلٍ، فَنَزَلَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فَعاشَ بَعْدَها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها سَبْعَةَ أيّامٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ وصَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَتابِعَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَلى مَرِّ الأزْمانِ وكَرِّ الأوانِ، وعَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

المسد 111:1

(p-٣٦٣)سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟ قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾» الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟ قالُوا: (p-٣٦٤)نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» . الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَبَّتْ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿تَبَّتْ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ. حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ ؎ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ نَفْسُكَ. الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.(p-٣٦٥) وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ. الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ. الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَتَبَّ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿وَتَبَّ﴾ تَأْكِيدًا. الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ. الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ. وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ. الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفي ﴿مالُهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَما كَسَبَ﴾ وجْهانِ:(p-٣٦٦) أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» . وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ . الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ. الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ و ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ. وَفي ﴿نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها. الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ:(p-٣٦٧) أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ. الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا. ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ. وَفي ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ ؎ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ. ؎ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ. وَقالَ آخَرُ ؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ. الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ. ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ ﴿جِيدِها﴾: عُنُقُها. وَفي ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.(p-٣٦٨) الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ ؎ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ. الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا. الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ. السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها. رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ ؎ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ؎ ودِينَهُ قَلَيْنا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .

المسد 111:2

(p-٣٦٣)سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟ قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾» الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟ قالُوا: (p-٣٦٤)نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» . الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَبَّتْ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿تَبَّتْ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ. حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ ؎ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ نَفْسُكَ. الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.(p-٣٦٥) وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ. الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ. الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَتَبَّ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿وَتَبَّ﴾ تَأْكِيدًا. الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ. الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ. وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ. الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفي ﴿مالُهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَما كَسَبَ﴾ وجْهانِ:(p-٣٦٦) أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» . وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ . الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ. الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ و ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ. وَفي ﴿نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها. الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ:(p-٣٦٧) أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ. الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا. ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ. وَفي ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ ؎ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ. ؎ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ. وَقالَ آخَرُ ؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ. الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ. ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ ﴿جِيدِها﴾: عُنُقُها. وَفي ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.(p-٣٦٨) الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ ؎ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ. الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا. الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ. السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها. رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ ؎ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ؎ ودِينَهُ قَلَيْنا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .

المسد 111:3

(p-٣٦٣)سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟ قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾» الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟ قالُوا: (p-٣٦٤)نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» . الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَبَّتْ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿تَبَّتْ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ. حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ ؎ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ نَفْسُكَ. الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.(p-٣٦٥) وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ. الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ. الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَتَبَّ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿وَتَبَّ﴾ تَأْكِيدًا. الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ. الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ. وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ. الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفي ﴿مالُهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَما كَسَبَ﴾ وجْهانِ:(p-٣٦٦) أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» . وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ . الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ. الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ و ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ. وَفي ﴿نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها. الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ:(p-٣٦٧) أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ. الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا. ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ. وَفي ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ ؎ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ. ؎ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ. وَقالَ آخَرُ ؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ. الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ. ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ ﴿جِيدِها﴾: عُنُقُها. وَفي ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.(p-٣٦٨) الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ ؎ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ. الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا. الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ. السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها. رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ ؎ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ؎ ودِينَهُ قَلَيْنا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .

المسد 111:4

(p-٣٦٣)سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟ قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾» الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟ قالُوا: (p-٣٦٤)نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» . الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَبَّتْ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿تَبَّتْ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ. حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ ؎ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ نَفْسُكَ. الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.(p-٣٦٥) وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ. الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ. الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَتَبَّ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿وَتَبَّ﴾ تَأْكِيدًا. الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ. الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ. وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ. الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفي ﴿مالُهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَما كَسَبَ﴾ وجْهانِ:(p-٣٦٦) أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» . وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ . الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ. الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ و ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ. وَفي ﴿نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها. الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ:(p-٣٦٧) أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ. الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا. ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ. وَفي ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ ؎ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ. ؎ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ. وَقالَ آخَرُ ؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ. الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ. ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ ﴿جِيدِها﴾: عُنُقُها. وَفي ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.(p-٣٦٨) الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ ؎ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ. الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا. الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ. السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها. رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ ؎ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ؎ ودِينَهُ قَلَيْنا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .

المسد 111:5

(p-٣٦٣)سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟ قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾» الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟ قالُوا: (p-٣٦٤)نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» . الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَبَّتْ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿تَبَّتْ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ. حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ ؎ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ نَفْسُكَ. الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.(p-٣٦٥) وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ. الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ. الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَتَبَّ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿وَتَبَّ﴾ تَأْكِيدًا. الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ. الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ. وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ. الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وَفي ﴿مالُهُ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ. وَفي قَوْلِهِ ﴿وَما كَسَبَ﴾ وجْهانِ:(p-٣٦٦) أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» . وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ . الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ. الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ و ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ. وَفي ﴿نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها. الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ:(p-٣٦٧) أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ. الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا. ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ. وَفي ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ. الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ ؎ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ. ؎ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ. وَقالَ آخَرُ ؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ. الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ. ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ ﴿جِيدِها﴾: عُنُقُها. وَفي ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.(p-٣٦٨) الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ ؎ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ. الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا. الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ. السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها. رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ ؎ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ؎ ودِينَهُ قَلَيْنا. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .

الإخلاص 112:1

(p-٣٦٩)سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَوابًا لَهم»، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إلى هَذا»، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ «أنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ (p-٣٧٠)الطُّفَيْلِ» إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: قُلْ لَهُ شَقَّقْتَ عَصانا وسَبَّبْتَ آلِهَتَنا وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَسْتُ بِفَقِيرٍ ولا مَجْنُونٍ ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَأرْسَلُوهُ ثالِثَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ لَنا ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ إلَهٌ واحِدٌ بِحَوائِجِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ يَعْنِي في جَمِيعِ حَوائِجِكم، فَأرْسَلُوهُ رابِعَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا أفْعالَ رَبِّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ)، وقَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوابِ السّائِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والأحَدُ: هو المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِهِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا شَبَهَ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (أحَدٌ) عَلى وجْهِ النَّكِرَةِ، ولَمْ يَقُلِ الأحَدَ؟ قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ لامَ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها فَصارَتْ مَحْذُوفَةً في الظّاهِرِ، مُثْبَتَةً في الباطِنِ، ومَعْناهُ قُلْ هو اللَّهُ الأحَدُ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِنَكِرَةٍ، وإنَّما هو بَيانٌ وتَرْجَمَةٌ، قالَهُ المُبَرِّدُ. فَأمّا الأحَدُ والواحِدُ فَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحَدَ لا يَدْخُلُ العَدَدَ، والواحِدَ يَدْخُلُ في العَدَدِ، لِأنَّكَ تَجْعَلُ لِلْواحِدِ ثانِيًا، ولا تَجْعَلُ لِلْأحَدِ ثانِيًا. الثّانِي: أنَّ الأحَدَ يَسْتَوْعِبُ جِنْسَهُ، والواحِدَ لا يَسْتَوْعِبُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ فُلانٌ لا (p-٣٧١) يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاوِمَهُ اثْنانِ ولا أكْثَرَ، فَصارَ الأحَدُ أبْلَغَ مِنَ الواحِدِ. وَفي تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ في قِراءَتِها خَلاصًا مِن عَذابِ اللَّهِ. الثّانِي: لِأنَّ فِيها إخْلاصًا لِلَّهِ مَن كُلِّ عَيْبٍ ومَن كُلِّ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ. الثّالِثُ: لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ لَيْسَ فِيها أمْرٌ ولا نَهْيٌ. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّمَدَ المُصْمَتَ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ ؎ شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا الثّانِي: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. الثّالِثُ: أنَّهُ الباقِي الَّذِي لا يَفْنى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ. الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْمُدُ النّاسُ إلَيْهِ في حَوائِجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ ألا بَكِّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ. السّادِسُ: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ وسُفْيانُ وقالَ الشّاعِرُ ؎ عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ. السّابِعُ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ ؎ سارُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمَدُوا ∗∗∗ ألّا رَهِينَةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ. (p-٣٧٢) الثّامِنُ: أنَّهُ المَقْصُودُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ، والمُسْتَغاثُ بِهِ في المَصائِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. التّاسِعُ: أنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ والِدًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ في العِزِّ مُشارِكًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا هالِكًا، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. وَإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هاتَيْنِ صِفَتا نَقْصٍ فانْتَفَتا عَنْهُ. الثّانِي: أنَّهُ لا مَثَلَ لَهُ، فَلَوْ ولَدَ أوْ وُلِدِ لَصارَ ذا مَثَلٍ، واَللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثَلٌ ولا عَدِيلٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ. الثّانِي: يَعْنِي لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، فَنَفى عَنْهُ الوَلَدَ والوالِدَةَ والصّاحِبَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكافِئُهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ خَبَرَ كانَ عَلى اسْمِها لِتَنْساقَ أواخِرُ الآيِ عَلى نَظْمٍ واحِدٍ.

الإخلاص 112:2

(p-٣٦٩)سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَوابًا لَهم»، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إلى هَذا»، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ «أنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ (p-٣٧٠)الطُّفَيْلِ» إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: قُلْ لَهُ شَقَّقْتَ عَصانا وسَبَّبْتَ آلِهَتَنا وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَسْتُ بِفَقِيرٍ ولا مَجْنُونٍ ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَأرْسَلُوهُ ثالِثَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ لَنا ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ إلَهٌ واحِدٌ بِحَوائِجِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ يَعْنِي في جَمِيعِ حَوائِجِكم، فَأرْسَلُوهُ رابِعَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا أفْعالَ رَبِّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ)، وقَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوابِ السّائِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والأحَدُ: هو المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِهِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا شَبَهَ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (أحَدٌ) عَلى وجْهِ النَّكِرَةِ، ولَمْ يَقُلِ الأحَدَ؟ قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ لامَ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها فَصارَتْ مَحْذُوفَةً في الظّاهِرِ، مُثْبَتَةً في الباطِنِ، ومَعْناهُ قُلْ هو اللَّهُ الأحَدُ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِنَكِرَةٍ، وإنَّما هو بَيانٌ وتَرْجَمَةٌ، قالَهُ المُبَرِّدُ. فَأمّا الأحَدُ والواحِدُ فَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحَدَ لا يَدْخُلُ العَدَدَ، والواحِدَ يَدْخُلُ في العَدَدِ، لِأنَّكَ تَجْعَلُ لِلْواحِدِ ثانِيًا، ولا تَجْعَلُ لِلْأحَدِ ثانِيًا. الثّانِي: أنَّ الأحَدَ يَسْتَوْعِبُ جِنْسَهُ، والواحِدَ لا يَسْتَوْعِبُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ فُلانٌ لا (p-٣٧١) يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاوِمَهُ اثْنانِ ولا أكْثَرَ، فَصارَ الأحَدُ أبْلَغَ مِنَ الواحِدِ. وَفي تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ في قِراءَتِها خَلاصًا مِن عَذابِ اللَّهِ. الثّانِي: لِأنَّ فِيها إخْلاصًا لِلَّهِ مَن كُلِّ عَيْبٍ ومَن كُلِّ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ. الثّالِثُ: لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ لَيْسَ فِيها أمْرٌ ولا نَهْيٌ. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّمَدَ المُصْمَتَ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ ؎ شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا الثّانِي: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. الثّالِثُ: أنَّهُ الباقِي الَّذِي لا يَفْنى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ. الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْمُدُ النّاسُ إلَيْهِ في حَوائِجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ ألا بَكِّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ. السّادِسُ: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ وسُفْيانُ وقالَ الشّاعِرُ ؎ عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ. السّابِعُ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ ؎ سارُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمَدُوا ∗∗∗ ألّا رَهِينَةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ. (p-٣٧٢) الثّامِنُ: أنَّهُ المَقْصُودُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ، والمُسْتَغاثُ بِهِ في المَصائِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. التّاسِعُ: أنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ والِدًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ في العِزِّ مُشارِكًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا هالِكًا، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. وَإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هاتَيْنِ صِفَتا نَقْصٍ فانْتَفَتا عَنْهُ. الثّانِي: أنَّهُ لا مَثَلَ لَهُ، فَلَوْ ولَدَ أوْ وُلِدِ لَصارَ ذا مَثَلٍ، واَللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثَلٌ ولا عَدِيلٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ. الثّانِي: يَعْنِي لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، فَنَفى عَنْهُ الوَلَدَ والوالِدَةَ والصّاحِبَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكافِئُهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ خَبَرَ كانَ عَلى اسْمِها لِتَنْساقَ أواخِرُ الآيِ عَلى نَظْمٍ واحِدٍ.

الإخلاص 112:3

(p-٣٦٩)سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَوابًا لَهم»، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إلى هَذا»، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ «أنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ (p-٣٧٠)الطُّفَيْلِ» إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: قُلْ لَهُ شَقَّقْتَ عَصانا وسَبَّبْتَ آلِهَتَنا وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَسْتُ بِفَقِيرٍ ولا مَجْنُونٍ ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَأرْسَلُوهُ ثالِثَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ لَنا ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ إلَهٌ واحِدٌ بِحَوائِجِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ يَعْنِي في جَمِيعِ حَوائِجِكم، فَأرْسَلُوهُ رابِعَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا أفْعالَ رَبِّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ)، وقَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوابِ السّائِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والأحَدُ: هو المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِهِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا شَبَهَ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (أحَدٌ) عَلى وجْهِ النَّكِرَةِ، ولَمْ يَقُلِ الأحَدَ؟ قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ لامَ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها فَصارَتْ مَحْذُوفَةً في الظّاهِرِ، مُثْبَتَةً في الباطِنِ، ومَعْناهُ قُلْ هو اللَّهُ الأحَدُ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِنَكِرَةٍ، وإنَّما هو بَيانٌ وتَرْجَمَةٌ، قالَهُ المُبَرِّدُ. فَأمّا الأحَدُ والواحِدُ فَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحَدَ لا يَدْخُلُ العَدَدَ، والواحِدَ يَدْخُلُ في العَدَدِ، لِأنَّكَ تَجْعَلُ لِلْواحِدِ ثانِيًا، ولا تَجْعَلُ لِلْأحَدِ ثانِيًا. الثّانِي: أنَّ الأحَدَ يَسْتَوْعِبُ جِنْسَهُ، والواحِدَ لا يَسْتَوْعِبُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ فُلانٌ لا (p-٣٧١) يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاوِمَهُ اثْنانِ ولا أكْثَرَ، فَصارَ الأحَدُ أبْلَغَ مِنَ الواحِدِ. وَفي تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ في قِراءَتِها خَلاصًا مِن عَذابِ اللَّهِ. الثّانِي: لِأنَّ فِيها إخْلاصًا لِلَّهِ مَن كُلِّ عَيْبٍ ومَن كُلِّ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ. الثّالِثُ: لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ لَيْسَ فِيها أمْرٌ ولا نَهْيٌ. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّمَدَ المُصْمَتَ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ ؎ شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا الثّانِي: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. الثّالِثُ: أنَّهُ الباقِي الَّذِي لا يَفْنى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ. الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْمُدُ النّاسُ إلَيْهِ في حَوائِجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ ألا بَكِّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ. السّادِسُ: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ وسُفْيانُ وقالَ الشّاعِرُ ؎ عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ. السّابِعُ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ ؎ سارُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمَدُوا ∗∗∗ ألّا رَهِينَةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ. (p-٣٧٢) الثّامِنُ: أنَّهُ المَقْصُودُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ، والمُسْتَغاثُ بِهِ في المَصائِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. التّاسِعُ: أنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ والِدًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ في العِزِّ مُشارِكًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا هالِكًا، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. وَإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هاتَيْنِ صِفَتا نَقْصٍ فانْتَفَتا عَنْهُ. الثّانِي: أنَّهُ لا مَثَلَ لَهُ، فَلَوْ ولَدَ أوْ وُلِدِ لَصارَ ذا مَثَلٍ، واَللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثَلٌ ولا عَدِيلٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ. الثّانِي: يَعْنِي لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، فَنَفى عَنْهُ الوَلَدَ والوالِدَةَ والصّاحِبَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكافِئُهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ خَبَرَ كانَ عَلى اسْمِها لِتَنْساقَ أواخِرُ الآيِ عَلى نَظْمٍ واحِدٍ.

الإخلاص 112:4

(p-٣٦٩)سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَوابًا لَهم»، قالَهُ قَتادَةُ. الثّانِي: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إلى هَذا»، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ «أنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ (p-٣٧٠)الطُّفَيْلِ» إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: قُلْ لَهُ شَقَّقْتَ عَصانا وسَبَّبْتَ آلِهَتَنا وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَسْتُ بِفَقِيرٍ ولا مَجْنُونٍ ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَأرْسَلُوهُ ثالِثَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ لَنا ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ إلَهٌ واحِدٌ بِحَوائِجِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ يَعْنِي في جَمِيعِ حَوائِجِكم، فَأرْسَلُوهُ رابِعَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا أفْعالَ رَبِّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ)، وقَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوابِ السّائِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والأحَدُ: هو المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِهِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا شَبَهَ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (أحَدٌ) عَلى وجْهِ النَّكِرَةِ، ولَمْ يَقُلِ الأحَدَ؟ قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ لامَ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها فَصارَتْ مَحْذُوفَةً في الظّاهِرِ، مُثْبَتَةً في الباطِنِ، ومَعْناهُ قُلْ هو اللَّهُ الأحَدُ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِنَكِرَةٍ، وإنَّما هو بَيانٌ وتَرْجَمَةٌ، قالَهُ المُبَرِّدُ. فَأمّا الأحَدُ والواحِدُ فَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحَدَ لا يَدْخُلُ العَدَدَ، والواحِدَ يَدْخُلُ في العَدَدِ، لِأنَّكَ تَجْعَلُ لِلْواحِدِ ثانِيًا، ولا تَجْعَلُ لِلْأحَدِ ثانِيًا. الثّانِي: أنَّ الأحَدَ يَسْتَوْعِبُ جِنْسَهُ، والواحِدَ لا يَسْتَوْعِبُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ فُلانٌ لا (p-٣٧١) يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاوِمَهُ اثْنانِ ولا أكْثَرَ، فَصارَ الأحَدُ أبْلَغَ مِنَ الواحِدِ. وَفي تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ في قِراءَتِها خَلاصًا مِن عَذابِ اللَّهِ. الثّانِي: لِأنَّ فِيها إخْلاصًا لِلَّهِ مَن كُلِّ عَيْبٍ ومَن كُلِّ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ. الثّالِثُ: لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ لَيْسَ فِيها أمْرٌ ولا نَهْيٌ. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّمَدَ المُصْمَتَ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ ؎ شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا الثّانِي: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. الثّالِثُ: أنَّهُ الباقِي الَّذِي لا يَفْنى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ. الرّابِعُ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ. الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْمُدُ النّاسُ إلَيْهِ في حَوائِجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ ألا بَكِّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ. السّادِسُ: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ وسُفْيانُ وقالَ الشّاعِرُ ؎ عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ. السّابِعُ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ ؎ سارُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمَدُوا ∗∗∗ ألّا رَهِينَةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ. (p-٣٧٢) الثّامِنُ: أنَّهُ المَقْصُودُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ، والمُسْتَغاثُ بِهِ في المَصائِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. التّاسِعُ: أنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ والِدًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ في العِزِّ مُشارِكًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا هالِكًا، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ. وَإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هاتَيْنِ صِفَتا نَقْصٍ فانْتَفَتا عَنْهُ. الثّانِي: أنَّهُ لا مَثَلَ لَهُ، فَلَوْ ولَدَ أوْ وُلِدِ لَصارَ ذا مَثَلٍ، واَللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثَلٌ ولا عَدِيلٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ. الثّانِي: يَعْنِي لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، فَنَفى عَنْهُ الوَلَدَ والوالِدَةَ والصّاحِبَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكافِئُهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ خَبَرَ كانَ عَلى اسْمِها لِتَنْساقَ أواخِرُ الآيِ عَلى نَظْمٍ واحِدٍ.

الفلق 113:1

(p-٣٧٣)سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ. ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:(p-٣٧٤) أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ. الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ. السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ. ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ. الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ. الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ. ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ. رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ (p-٣٧٥) اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» . الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ ؎ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ. فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَبَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ. ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ ؎ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ ؎ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ. وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ (p-٣٧٦) نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ. فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟ فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» . وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ (p-٣٧٧) مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» . وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ. وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها. والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الفلق 113:2

(p-٣٧٣)سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ. ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:(p-٣٧٤) أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ. الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ. السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ. ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ. الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ. الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ. ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ. رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ (p-٣٧٥) اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» . الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ ؎ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ. فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَبَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ. ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ ؎ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ ؎ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ. وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ (p-٣٧٦) نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ. فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟ فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» . وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ (p-٣٧٧) مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» . وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ. وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها. والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الفلق 113:3

(p-٣٧٣)سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ. ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:(p-٣٧٤) أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ. الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ. السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ. ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ. الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ. الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ. ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ. رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ (p-٣٧٥) اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» . الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ ؎ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ. فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَبَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ. ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ ؎ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ ؎ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ. وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ (p-٣٧٦) نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ. فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟ فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» . وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ (p-٣٧٧) مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» . وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ. وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها. والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الفلق 113:4

(p-٣٧٣)سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ. ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:(p-٣٧٤) أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ. الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ. السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ. ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ. الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ. الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ. ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ. رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ (p-٣٧٥) اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» . الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ ؎ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ. فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَبَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ. ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ ؎ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ ؎ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ. وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ (p-٣٧٦) نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ. فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟ فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» . وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ (p-٣٧٧) مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» . وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ. وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها. والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الفلق 113:5

(p-٣٧٣)سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ. ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ:(p-٣٧٤) أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ. الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ. السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ. ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ. الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ. وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ. الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ. ﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ. رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ (p-٣٧٥) اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» . الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ ؎ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ. فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَبَ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ. الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ. ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ ؎ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ ؎ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ. وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ (p-٣٧٦) نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ. فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟ فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» . وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ (p-٣٧٧) مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» . وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ. وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها. والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الناس 114:1

(p-٣٧٨)سُورَةُ النّاسِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا. الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ. الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ ؎ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا (p-٣٧٩) وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى. الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» . ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى ؎ تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ. ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ. قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.(p-٣٨٠) وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ. وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.

الناس 114:2

(p-٣٧٨)سُورَةُ النّاسِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا. الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ. الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ ؎ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا (p-٣٧٩) وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى. الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» . ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى ؎ تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ. ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ. قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.(p-٣٨٠) وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ. وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.

الناس 114:3

(p-٣٧٨)سُورَةُ النّاسِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا. الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ. الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ ؎ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا (p-٣٧٩) وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى. الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» . ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى ؎ تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ. ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ. قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.(p-٣٨٠) وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ. وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.

الناس 114:4

(p-٣٧٨)سُورَةُ النّاسِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا. الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ. الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ ؎ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا (p-٣٧٩) وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى. الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» . ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى ؎ تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ. ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ. قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.(p-٣٨٠) وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ. وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.

الناس 114:5

(p-٣٧٨)سُورَةُ النّاسِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا. الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ. الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ ؎ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا (p-٣٧٩) وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى. الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» . ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى ؎ تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ. ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ. قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.(p-٣٨٠) وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ. وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.

الناس 114:6

(p-٣٧٨)سُورَةُ النّاسِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا. الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم. ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ. الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ ؎ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا (p-٣٧٩) وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى. الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» . ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى ؎ تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ. ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ. قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.(p-٣٨٠) وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ. وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.