Lafzullah

Tafsir Al-Nasafi — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:258

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Nasafi

المحتويات
  1. الفاتحة 1:1
  2. الفاتحة 1:2
  3. الفاتحة 1:3
  4. الفاتحة 1:4
  5. الفاتحة 1:5
  6. الفاتحة 1:6
  7. الفاتحة 1:7
  8. البقرة 2:1
  9. البقرة 2:2
  10. البقرة 2:3
  11. البقرة 2:4
  12. البقرة 2:5
  13. البقرة 2:6
  14. البقرة 2:7
  15. البقرة 2:8
  16. البقرة 2:9
  17. البقرة 2:10
  18. البقرة 2:11
  19. البقرة 2:12
  20. البقرة 2:13
  21. البقرة 2:14
  22. البقرة 2:15
  23. البقرة 2:16
  24. البقرة 2:17
  25. البقرة 2:18
  26. البقرة 2:19
  27. البقرة 2:20
  28. البقرة 2:21
  29. البقرة 2:22
  30. البقرة 2:23
  31. البقرة 2:24
  32. البقرة 2:25
  33. البقرة 2:26
  34. البقرة 2:27
  35. البقرة 2:28
  36. البقرة 2:29
  37. البقرة 2:30
  38. البقرة 2:31
  39. البقرة 2:32
  40. البقرة 2:33
  41. البقرة 2:34
  42. البقرة 2:35
  43. البقرة 2:36
  44. البقرة 2:37
  45. البقرة 2:38
  46. البقرة 2:39
  47. البقرة 2:40
  48. البقرة 2:41
  49. البقرة 2:42
  50. البقرة 2:43
  51. البقرة 2:44
  52. البقرة 2:45
  53. البقرة 2:46
  54. البقرة 2:47
  55. البقرة 2:48
  56. البقرة 2:49
  57. البقرة 2:50
  58. البقرة 2:51
  59. البقرة 2:52
  60. البقرة 2:53
  61. البقرة 2:54
  62. البقرة 2:55
  63. البقرة 2:56
  64. البقرة 2:57
  65. البقرة 2:58
  66. البقرة 2:59
  67. البقرة 2:60
  68. البقرة 2:61
  69. البقرة 2:62
  70. البقرة 2:63
  71. البقرة 2:64
  72. البقرة 2:65
  73. البقرة 2:66
  74. البقرة 2:67
  75. البقرة 2:68
  76. البقرة 2:69
  77. البقرة 2:70
  78. البقرة 2:71
  79. البقرة 2:72
  80. البقرة 2:73
  81. البقرة 2:74
  82. البقرة 2:75
  83. البقرة 2:76
  84. البقرة 2:77
  85. البقرة 2:78
  86. البقرة 2:79
  87. البقرة 2:80
  88. البقرة 2:81
  89. البقرة 2:83
  90. البقرة 2:84
  91. البقرة 2:85
  92. البقرة 2:86
  93. البقرة 2:87
  94. البقرة 2:88
  95. البقرة 2:89
  96. البقرة 2:90
  97. البقرة 2:91
  98. البقرة 2:92
  99. البقرة 2:93
  100. البقرة 2:94
  101. البقرة 2:95
  102. البقرة 2:96
  103. البقرة 2:97
  104. البقرة 2:98
  105. البقرة 2:99
  106. البقرة 2:100
  107. البقرة 2:101
  108. البقرة 2:102
  109. البقرة 2:103
  110. البقرة 2:104
  111. البقرة 2:105
  112. البقرة 2:106
  113. البقرة 2:107
  114. البقرة 2:108
  115. البقرة 2:109
  116. البقرة 2:110
  117. البقرة 2:111
  118. البقرة 2:112
  119. البقرة 2:113
  120. البقرة 2:114
  121. البقرة 2:115
  122. البقرة 2:116
  123. البقرة 2:117
  124. البقرة 2:118
  125. البقرة 2:119
  126. البقرة 2:120
  127. البقرة 2:121
  128. البقرة 2:122
  129. البقرة 2:123
  130. البقرة 2:124
  131. البقرة 2:125
  132. البقرة 2:126
  133. البقرة 2:127
  134. البقرة 2:128
  135. البقرة 2:129
  136. البقرة 2:130
  137. البقرة 2:131
  138. البقرة 2:132
  139. البقرة 2:133
  140. البقرة 2:134
  141. البقرة 2:135
  142. البقرة 2:136
  143. البقرة 2:137
  144. البقرة 2:138
  145. البقرة 2:139
  146. البقرة 2:140
  147. البقرة 2:141
  148. البقرة 2:142
  149. البقرة 2:143
  150. البقرة 2:144
  151. البقرة 2:145
  152. البقرة 2:146
  153. البقرة 2:147
  154. البقرة 2:148
  155. البقرة 2:149
  156. البقرة 2:150
  157. البقرة 2:151
  158. البقرة 2:152
  159. البقرة 2:153
  160. البقرة 2:154
  161. البقرة 2:155
  162. البقرة 2:156
  163. البقرة 2:157
  164. البقرة 2:158
  165. البقرة 2:159
  166. البقرة 2:160
  167. البقرة 2:161
  168. البقرة 2:162
  169. البقرة 2:163
  170. البقرة 2:164
  171. البقرة 2:165
  172. البقرة 2:166
  173. البقرة 2:167
  174. البقرة 2:168
  175. البقرة 2:169
  176. البقرة 2:170
  177. البقرة 2:171
  178. البقرة 2:172
  179. البقرة 2:173
  180. البقرة 2:174
  181. البقرة 2:175
  182. البقرة 2:176
  183. البقرة 2:177
  184. البقرة 2:178
  185. البقرة 2:179
  186. البقرة 2:180
  187. البقرة 2:181
  188. البقرة 2:182
  189. البقرة 2:183
  190. البقرة 2:184
  191. البقرة 2:185
  192. البقرة 2:186
  193. البقرة 2:187
  194. البقرة 2:188
  195. البقرة 2:189
  196. البقرة 2:190
  197. البقرة 2:191
  198. البقرة 2:192
  199. البقرة 2:193
  200. البقرة 2:194
  201. البقرة 2:195
  202. البقرة 2:196
  203. البقرة 2:197
  204. البقرة 2:198
  205. البقرة 2:199
  206. البقرة 2:200
  207. البقرة 2:201
  208. البقرة 2:202
  209. البقرة 2:203
  210. البقرة 2:204
  211. البقرة 2:205
  212. البقرة 2:206
  213. البقرة 2:207
  214. البقرة 2:208
  215. البقرة 2:209
  216. البقرة 2:210
  217. البقرة 2:211
  218. البقرة 2:212
  219. البقرة 2:213
  220. البقرة 2:214
  221. البقرة 2:215
  222. البقرة 2:216
  223. البقرة 2:217
  224. البقرة 2:218
  225. البقرة 2:219
  226. البقرة 2:220
  227. البقرة 2:221
  228. البقرة 2:222
  229. البقرة 2:223
  230. البقرة 2:224
  231. البقرة 2:225
  232. البقرة 2:226
  233. البقرة 2:227
  234. البقرة 2:228
  235. البقرة 2:229
  236. البقرة 2:230
  237. البقرة 2:231
  238. البقرة 2:232
  239. البقرة 2:233
  240. البقرة 2:234
  241. البقرة 2:235
  242. البقرة 2:236
  243. البقرة 2:237
  244. البقرة 2:238
  245. البقرة 2:239
  246. البقرة 2:240
  247. البقرة 2:241
  248. البقرة 2:242
  249. البقرة 2:243
  250. البقرة 2:244
  251. البقرة 2:245
  252. البقرة 2:246
  253. البقرة 2:247
  254. البقرة 2:248
  255. البقرة 2:249
  256. البقرة 2:250
  257. البقرة 2:251
  258. البقرة 2:252
  259. البقرة 2:253
  260. البقرة 2:254
  261. البقرة 2:255
  262. البقرة 2:256
  263. البقرة 2:257
  264. البقرة 2:258

الفاتحة 1:1

(p-٢٥)سُورَةُ الفاتِحَةِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ ومَدَنِيَّةٌ. نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَلاةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ. وتُسَمّى أُمَّ القُرْآنِ لِلْحَدِيثِ، ولِاشْتِمالِها عَلى المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ، وسُورَةَ الوافِيَةِ والكافِيَةِ لِذَلِكَ، وسُورَةَ الكَنْزِ، لِقَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنِ اللهِ تَعالى: « "فاتِحَةُ الكِتابِ كَنْزٌ مِن كُنُوزِ عَرْشِي". » وسُورَةَ الشِفاءِ والشافِيَةِ، لِقَوْلَهِ ﷺ: « "فاتِحَةُ الكِتابِ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ إلّا السامَ". » وسُورَةَ المَثانِي، لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ. وسُورَةَ الصَلاةِ لِما يُرْوى، ولِأنَّها تَكُونُ واجِبَةً أوْ فَرِيضَةً، وسُورَةَ الحَمْدِ والأساسِ، فَإنَّها أساسُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: إذا اعْتَلَلْتَ أوِ اشْتَكَيْتَ فَعَلَيْكَ بِالأساسِ. وآيُها سَبْعٌ بِالِاتِّفاقِ، واللهُ أعْلَمُ. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشامِ عَلى أنَّ التَسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الفاتِحَةِ، ولا مِن غَيْرِها مِنَ السُورِ، وإنَّما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ والتَبَرُّكِ لِلِابْتِداءِ بِها، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومِن تابَعَهُ -رَحِمَهُمُ (p-٢٦)اللهُ- ولِذا لا يُجْهَرُ بِها عِنْدَهم في الصَلاةِ، وقُرّاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ عَلى أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ ومِن كُلِّ سُورَةٍ، وعَلَيْهِ الشافِعِيُّ وأصْحابُهُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- ولِذا يَجْهَرُونَ بِها، وقالُوا: قَدْ أثْبَتَها السَلَفُ في المُصْحَفِ مَعَ الأمْرِ بِتَجْرِيدِ القُرْآنِ [عَمّا لَيْسَ مِنهُ]. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: مَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وأرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ. ولَنا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "قالَ اللهُ تَعالى: قَسَّمْتُ الصَلاةَ -أيِ: الفاتِحَةَ- بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ. فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ اللهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ قالَ اللهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ. فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ". » فالِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، وإذا لَمْ تَكُنْ مِنَ الفاتِحَةِ لا تَكُونُ مِن غَيْرِها إجْماعًا. والحَدِيثُ مَذْكُورٌ في "صِحاحِ المَصابِيحِ". وما ذَكَرُوا لا يَضُرُّنا، لِأنَّ التَسْمِيَةَ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ ولِلتَّبَرُّكِ في الِابْتِداءِ بِها بَيْنَ السُورِ عِنْدَنا، ذَكَرَهُ فَخْرُ الإسْلامِ في "المَبْسُوطِ"، وإنَّما يَرُدُّ عَلَيْنا أنْ لَوْ لَمْ نَجْعَلْها آيَةً مِنَ القُرْآنِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في "الكافِي" وتَعَلَّقَتِ الباءُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللهِ أقْرَأُ، أوْ أتْلُو، لِأنَّ الَّذِي يَتْلُو التَسْمِيَةَ مَقْرُوءٌ، كَما أنَّ المُسافِرَ إذا حَلَّ وارْتَحَلَ فَقالَ: بِسْمِ اللهِ والبَرَكاتِ، كانَ المَعْنى: بِسْمِ اللهِ أحِلُّ، وبِسْمِ اللهِ أرْتَحِلُ، وكَذا الذابِحُ، وكُلُّ فاعِلٍ يَبْدَأُ في فِعْلِهِ بِسْمِ اللهِ كانَ مُضْمَرًا ما جَعَلَ التَسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ. وإنَّما قُدِّرَ المَحْذُوفُ (p-٢٧)مُتَأخِّرًا، لِأنَّ الأهَمَّ مِنَ الفِعْلِ والمُتَعَلِّقِ بِهِ [هُوَ المُتَعَلَّقُ بِهِ]. وكانُوا يَبْدَءُونَ بِأسْماءِ آلْهَتِهِمْ فَيَقُولُونَ: باسِمِ اللاتِ، وباسِمِ العُزّى، فَوَجَبَ أنْ يَقْصِدَ المُوَحِّدُ مَعْنى اخْتِصاصِ اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِالِابْتِداءِ، وذا بِتَقْدِيمِهِ وتَأْخِيرِ الفِعْلِ، وإنَّما قَدَّمَ الفِعْلَ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقُ: ١] لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في قَوْلٍ، وكانَ الأمْرُ بِالقِراءَةِ أهَمَّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الفِعْلِ أوْقَعَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ " اقْرَأْ " عَلى مَعْنى: افْعَلِ القِراءَةَ وحَقِّقَها، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، غَيْرَ مُتَّعَدٍ إلى مَقْرُوءٍ بِهِ، وأنْ يَكُونَ بِاسْمِ رَبِّكَ مَفْعُولَ اقْرَأِ الَّذِي بَعْدَهُ. واسْمُ اللهِ يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ تَعَلُّقَ الدُهْنِ بِالإنْباتِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٠] عَلى مَعْنى: مُتَبَرِّكًا باسِمِ اللهِ اقْرَأْ، فَفِيهِ تَعْلِيمُ عِبادِهِ كَيْفَ يَتَبَرَّكُونَ بِاسْمِهِ تَعالى، وكَيْفَ يُعَظِّمُونَهُ، وبُنِيَتِ الباءُ عَلى الكَسْرِ، لِأنَّها تُلازِمُ الحَرْفِيَّةَ والجَرَّ، فَكُسِرَتْ لِتُشابِهَ حَرَكَتُها عَمَلَها. والِاسْمُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي بَنَوْا أوائِلَها عَلى السُكُونِ كالِابْنِ والِابْنَةِ وغَيْرِهِما، فَإذا نَطَقُوا بِها مُبْتَدِئِينَ زادُوا هَمْزَةً تَفادِيًا عَنِ الِابْتِداءِ بِالساكِنِ تَعَذُّرًا، وإذا وقَعَتْ في الدَرْجِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلى زِيادَةِ شَيْءٍ، ومِنهم مَن لَمْ يَزِدْها، واسْتَغْنى عَنْها بِتَحْرِيكِ الساكِنِ، فَقالَ: سَمْ وسُمْ. وهو مِنَ الأسْماءِ المَحْذُوفَةِ الأعْجازِ، كَيَدٍ، ودَمٍ، وأصْلُهُ: سُمُوٌّ بِدَلِيلِ تَصْرِيفِهِ كَأسْماءٍ، وسُمِّيَ، وسُمِّيَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُمُوِّ، وهُوَ: الرِفْعَةُ، لِأنَّ التَسْمِيَةَ تَنْوِيهٌ بِالمُسَمّى، وإشادَةٌ بِذِكْرِهِ. وحُذِفَتِ الألِفُ في الخَطِّ هُنا، وأُثْبِتَتْ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقُ: ١]، لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها مَعَ أنَّها تَسْقُطُ في اللَفْظِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وطُوِّلَتِ الباءُ عِوَضًا مِن حَذْفِها. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ لِكاتِبِهِ: طَوِّلِ الباءَ وأظْهِرِ السِيناتِ، ودَوِّرِ المِيمَ. واللهُ: أصْلُهُ الإلَهُ، ونَظِيرُهُ الناسُ، أصْلُهُ: الأُناسُ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وعُوِّضَ مِنها حَرْفُ التَعْرِيفِ، والإلَهُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ، يَقَعُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ (p-٢٨)بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ، كَما أنَّ النَجْمَ اسْمٌ لِكُلِّ كَوْكَبٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى الثُرَيّا. وأمّا اللهُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فَمُخْتَصٌّ بِالحَقِّ، لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ، وهو اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ، لِأنَّكَ تَصِفُهُ، ولا تَصِفُ بِهِ، لا تَقُولُ: شَيْءٌ إلَهٌ، كَما لا تَقُولُ: شَيْءُ رَجُلٌ، وتَقُولُ: إلَهٌ واحِدٌ صَمَدٌ، ولِأنَّ صِفاتِهِ تَعالى لا بُدَّ لَها مِن مَوْصُوفٍ تَجْرِي عَلَيْهِ، فَلَوْ جَعَلْتَها كُلَّها صِفاتٍ لَبَقِيَتْ صِفاتٍ غَيْرَ جارِيَةٍ عَلى اسْمٍ مَوْصُوفٍ بِها، وذا لا يَجُوزُ، ولا اشْتِقاقَ لِهَذا الِاسْمِ عِنْدَ الخَلِيلِ والزَجّاجِ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ. وقِيلَ: مَعْنى الِاشْتِقاقِ: أنْ يَنْتَظِمَ الصِيغَتَيْنِ فَصاعِدًا مَعْنًى واحِدٌ. وصِيغَةُ هَذا الِاسْمِ وصِيغَةُ قَوْلِهِمْ ألِهَ: إذا تَحَيَّرَ، يَنْتَظِمُهُما مَعْنى التَحَيُّرِ والدَهْشَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأوْهامَ تَتَحَيَّرُ في مَعْرِفَةِ المَعْبُودِ، وتُدْهِشُ الفَطِنَ، ولِذا كَثُرَ الضَلالُ، وفَشا الباطِلُ، وقَلَّ النَظَرُ الصَحِيحُ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ألَهَ يَأْلَهُ إلَهًا إذا عُبِدَ، فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى: مَأْلُوهٍ، أيْ: مَعْبُودٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللهِ﴾ [لُقْمانُ: ١١] أيْ: مَخْلُوقُهُ. وتُفَخِّمُ لامُهُ إذا كانَ قَبْلَها فَتْحَةٌ أوْ ضَمَّةٌ، وتُرَقَّقُ إذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ، ومِنهم مَن يُرَقِّقُها بِكُلِّ حالٍ، ومِنهم مَن يُفَخِّمُ بِكُلِّ حالٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وَ"الرَحْمَنُ": فَعْلانٌ مِن رَحِمَ، وهو الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، كَغَضْبانَ مِن غَضِبَ، وهو المُمْتَلِئُ غَضَبًا. وكَذا "الرَحِيمُ": فَعِيلٌ مِنهُ، كَمَرِيضٍ مِن مَرِضَ، وفي "الرَحْمَنِ" مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في "الرَحِيمِ"، لِأنَّ في "الرَحِيمِ" زِيادَةً واحِدَةً، وفي "الرَحْمَنِ" زِيادَتَيْنِ، وزِيادَةُ اللَفْظِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، ولِذا جاءَ في الدُعاءِ: "يارَحْمَنَ الدُنْيا"، لِأنَّهُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ "وَرَحِيمَ الآخِرَةِ"، لِأنَّهُ يَخُصُّ المُؤْمِنَ. وقالُوا: "الرَحْمَنُ" خاصٌّ تَسْمِيَةً، لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، وعامٌّ مَعْنًى لِما بَيَّنّا، و"الرَحِيمُ" بِعَكْسِهِ، لِأنَّهُ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، ويَخُصُّ المُؤْمِنِينَ، ولِذا قَدَّمَ "الرَحْمَنَ" -وَإنْ كانَ أبْلَغَ- والقِياسُ التَرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، يُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ نِحْرِيرٌ، لِأنَّهُ كالعَلَمِ لِما لَمْ يُوصَفْ بِهِ غَيْرُ اللهِ. ورَحْمَةُ اللهِ: إنْعامُهُ عَلى عِبادِهِ، وأصْلُها: العَطْفُ. وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ في مُسَيْلِمَةَ:(p-٢٩) ؎ وأنْتَ غَيْثُ الوَرى لا زِلْتَ رَحْمانا فَبابٌ مِن تَعَنُّتِهِمْ في كُفْرِهِمْ. وَرَحْمَنُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عِنْدَ مَن زَعَمَ أنَّ الشَرْطَ انْتِفاءُ فَعْلانَةٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ فَعْلانَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ الشَرْطَ وُجُودُ فَعْلى صَرَفَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ فَعْلى، والأوَّلُ الوَجْهُ.

الفاتحة 1:2

﴿الحَمْدُ﴾ الوَصْفُ الجَمِيلُ عَلى جِهَةِ التَفْضِيلِ. وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وأصْلُهُ النَصْبُ، وقَدْ قُرِئَ بِإظْهارِ فِعْلِهِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مُضْمَرَةٍ في مَعْنى الإخْبارِ، كَقَوْلِهِمْ: شُكْرًا، وكُفْرًا. والعُدُولُ عَنِ النَصْبِ إلى الرَفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَعْنى واسْتِقْرارِهِ. والخَبَرُ: ﴿لِلَّهِ﴾ اللامُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: واجِبٌ أوْ ثابِتٌ. وقِيلَ: الحَمْدُ والمَدْحُ أخَوانِ، وهو الثَناءُ والنِداءُ عَلى الجَمِيلِ مِن نِعْمَةٍ وغَيْرِها، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَجُلَ عَلى إنْعامِهِ، وحَمِدْتُهُ عَلى شَجاعَتِهِ وحَسَبِهِ. وأمّا الشُكْرُ فَعَلى النِعْمَةِ خاصَّةً، وهو بِالقَلْبِ واللِسانِ والجَوارِحِ، قالَ: ؎ أفادَتْكُمُ النَعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ∗∗∗ يَدِي ولِسانِي والضَمِيرُ المُحْجَبا و"الحَمْدُ" بِاللِسانِ وحْدَهُ، وهو إحْدى شُعَبِ الشُكْرِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "الحَمْدُ رَأْسُ الشُكْرِ، ما شَكَرَ اللهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ". » وجَعَلَهُ رَأْسَ الشُكْرِ، لِأنَّ ذِكْرَ النِعْمَةِ بِاللِسانِ أشْيَعُ لَها مِنَ الِاعْتِقادِ وآدابِ الجَوارِحِ لِخَفاءِ عَمَلِ القَلْبِ، وما في عَمَلِ الجَوارِحِ مِنَ الِاحْتِمالِ. ونَقِيضُ الحَمْدِ: الذَمُّ، ونَقِيضُ الشُكْرِ: الكُفْرانُ. وقِيلَ: المَدْحُ: ثَناءٌ عَلى ما هو لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ كَكَوْنِهِ باقِيًا، قادِرًا، عالِمًا، أبَدِيًّا، أزَلِيًّا. والشُكْرُ: ثَناءٌ عَلى ما هو مِنهُ مِن أوْصافِ الإفْضالِ، والحَمْدُ يَشْمَلُها. والألِفُ واللامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ عِنْدَنا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، ولِذا قُرِنَ بِاسْمِ (p-٣٠)اللهِ، لِأنَّهُ اسْمُ ذاتٍ، فَيَسْتَجْمِعُ صِفاتِ الكَمالِ. وهو بِناءٌ عَلى مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ، وقَدْ حَقَّقَتْهُ في مَواضِعَ. ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَبُّ: المالِكُ، ومِنهُ: قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لِأنَّ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ. تَقُولُ: رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فَهو رَبٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما وُصِفَ بِالعَدْلِ. ولَمْ يُطْلِقُوا الرَبَّ إلّا في اللهِ وحْدَهُ، وهو في العَبِيدِ مَعَ التَقَيُّدِ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يُوسُفُ: ٢٣] ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يُوسُفُ: ٥٠]. وقالَ الواسِطِيُّ: هو الخالِقُ ابْتِداءً، والمُرَبِّي غِذاءً، والغافِرُ انْتِهاءً، وهو اسْمُ اللهِ الأعْظَمِ. والعالَمُ: هو ما عَلِمَ بِهِ الخالِقُ مِنَ الأجْسامِ والجَواهِرِ والأعْراضِ، أوْ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللهِ تَعالى، سُمِّيَ بِهِ، لِأنَّهُ عَلَمٌ عَلى وُجُودِهِ، وإنَّما جُمِعَ بِالواوِ والنُونِ مَعَ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِصِفاتِ العُقَلاءِ، أوْ ما في حُكْمِها مِنَ الأعْلامِ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، وهِيَ: الدَلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ.

الفاتحة 1:3

﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ ذِكْرُهُما قَدْ مَرَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، إذْ لَوْ كانَتْ مِنها لَما أعادَهُما، لِخُلُوِّ الإعادَةِ عَنِ الإفادَةِ.

الفاتحة 1:4

﴿مالِكِ﴾ عاصِمٌ وعَلِيٌّ، (مَلِكِ): غَيْرُهُما. وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ البَعْضِ، لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الإضافَةِ، ولِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافِرٌ: ١٦] ولِأنَّ كُلَّ مَلِكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، ولِأنَّ أمْرَ المَلِكِ يُنَفَّذُ عَلى المالِكِ دُونَ عَكْسِهِ، وقِيلَ: المالِكُ أكْثَرُ ثَوابًا، لِأنَّهُ أكْثَرَ حُرُوفًا، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ والحَسَنُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: (مَلَكَ). ﴿يَوْمِ الدِينِ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ، ويُقالُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أيْ: كَما تَفْعَلُ تُجازى، وهَذا إضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ إلى الظَرْفِ عَلى طَرِيقِ الِاتِّساعِ، كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَيْلَةِ أهْلَ الدارِ، أيْ: مالِكُ الأمْرِ كُلِّهِ في يَوْمِ الدِينِ. والتَخْصِيصُ بِيَوْمِ الدِينِ، لِأنَّ الأمْرَ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ. وإنَّما ساغَ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ أنَّ إضافَةَ اسْمِ الفاعِلِ إضافَةٌ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ، فَكانَتِ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً، فَساغَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ. (p-٣١)وَهَذِهِ الأوْصافُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن كَوْنِهِ رَبًّا، أيْ: مالِكًا لِلْعالَمِينَ، ومُنْعِمًا بِالنِعَمِ كُلِّها، ومالِكًا لِلْأمْرِ كُلِّهِ يَوْمَ الثَوابِ والعِقابِ بَعْدَ الدَلالَةِ عَلى اخْتِصاصِ الحَمْدِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أحَقَّ مِنهُ بِالحَمْدِ والثَناءِ عَلَيْهِ.

الفاتحة 1:5

﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إيّا عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ اسْمٌ مُضْمَرٌ. والكافُ حَرْفُ خِطابٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ولا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعِنْدَ الخَلِيلِ هو اسْمٌ مُضْمَرٌ أُضِيفَ إيّا إلَيْهِ، لِأنَّهُ يُشْبِهُ المُظْهَرَ لِتَقَدُّمِهِ عَلى الفِعْلِ والفاعِلِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إيّاكَ بِكَمالِها اسْمٌ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ، والمَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ، وهِيَ: أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ والتَذَلُّلِ، ونَخُصُّكَ بِطَلَبِ المَعُونَةِ. وعَدَلَ عَنِ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلِالتِفاتِ، وهو قَدْ يَكُونُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى التَكَلُّمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يُونُسُ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ﴾ [فاطِرٌ: ٩] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ تَطاوَلَ لَيْلُكِ بِالإثْمِدِ ونامَ الخَلِيِّ ولَمْ تَرْقُدِ ؎ وباتَ وباتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ ∗∗∗ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ ؎ وذَلِكَ مِن نَبَإٍ جاءَنِي ∗∗∗ وخُبِّرْتُهُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ فالتَفَتَ في الأبْياتِ الثَلاثَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لِيَلِي، وبَتُّ، وجاءَكِ، والعَرَبُ يَسْتَكْثِرُونَ مِنهُ، ويَرَوْنَ الكَلامَ إذا انْتَقَلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ أدْخَلَ في القَبُولِ عِنْدَ السامِعِ، وأحْسَنَ تَطْرِيَةً لِنَشاطِهِ، وأمْلَأ بِاسْتِدْرابِ إصْغائِهِ، وقَدْ تَخْتَصُّ مَواقِعُهُ بِفَوائِدَ ولَطائِفَ قَلَّما تَتَّضِحُ إلّا لِلْحُذّاقِ المَهَرَةِ، والعُلَماءِ النَحارِيرِ، وقَلِيلٌ ما هم. ومِمّا اخْتَصَّ بِهِ هَذا المَوْضِعُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الحَقِيقَ بِالحَمْدِ والثَناءِ، (p-٣٢)وَأجْرى عَلَيْهِ تِلْكَ الصِفاتِ العِظامِ، تَعَلَّقَ العِلْمُ بِمَعْلُومِ عَظِيمِ الشَأْنِ، حَقِيقٌ بِالثَناءِ وغايَةِ الخُضُوعِ والِاسْتِعانَةِ في المُهِمّاتِ، فَخُوطِبَ ذَلِكَ المَعْلُومُ المُتَمَيِّزُ بِتِلْكَ الصِفاتِ، فَقِيلَ: إيّاكَ يا مَن هَذِهِ صِفاتُهُ نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ لا غَيْرَكَ. وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ، لِأنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ قَبْلَ طَلَبِ الحاجَةِ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، أوْ لِنَظْمِ الآيِ كَما قَدَّمَ الرَحْمَنَ، وإنْ كانَ الأبْلَغُ لا يُقَدَّمُ. وأُطْلِقَتِ الِاسْتِعانَةُ لِتَتَناوَلَ كُلَّ مُسْتَعانٍ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الِاسْتِعانَةُ بِهِ وبِتَوْفِيقِهِ عَلى أداءِ العِبادَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا﴾ بَيانًا لِلْمَطْلُوبِ مِنَ المَعُونَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ أُعِينُكُمْ؟ فَقالُوا:

الفاتحة 1:6

﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ: ثَبِّتْنا عَلى المِنهاجِ الواضِحِ، كَقَوْلِكَ لِلْقائِمِ:قُمْ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ، أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ. أوِ: اهْدِنا في الِاسْتِقْبالِ كَما هَدَيْتِنا في الحالِ. وهَدى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَأمّا تَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ فَقَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِاللامِ وبِإلى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدانا لِهَذا﴾ [الأعْرافُ: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنْعامُ: ١٦١]. والسِراطُ: الجادَّةُ، مِن سَرَطَ الشَيْءَ: إذا ابْتَلَعَهُ، كَأنَّهُ يَسْرِطُ السابِلَةَ إذا سَلَكُوهُ. والصِراطُ مِن قَلْبِ السِينِ صادًا، لِتَجانُسِ الطاءِ في الإطْباقِ، لِأنَّ الصادَ والضادَ والطاءَ والظاءَ مِن حُرُوفِ الإطْباقِ. وقَدْ تُشَمُّ الصادُ صَوْتَ الزايِ، لِأنَّ الزايَ إلى الطاءِ أقْرَبُ، لِأنَّهُما مَجْهُورَتانِ. وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والسِينُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وهو الأصْلُ في الكَلِمَةِ. والباقُونَ بِالصادِ الخالِصَةِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الثابِتَةُ في الإمامِ. ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كالطَرِيقِ والسَبِيلِ، والمُرادُ بِهِ: طَرِيقُ الحَقِّ، وهو مِلَّةُ الإسْلامِ.

الفاتحة 1:7

(p-٣٣)﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِراطِ، وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ. وفائِدَتُهُ: التَأْكِيدُ والإشْعارُ بِأنَّ الصِراطَ المُسْتَقِيمَ تَفْسِيرُهُ صِراطُ المُسْلِمِينَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ شَهادَةً لِصِراطِ المُسْلِمِينَ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكُدِهِ. وهُمُ المُؤْمِنُونَ، أوِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، أوْ قَوْمُ مُوسى قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا. ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالِّينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ أنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي: أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ سَلِمُوا مِن غَضَبِ اللهِ والضَلالِ، أوْ صِفَةٌ لِلَّذِينِ، يَعْنِي: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ النِعْمَةِ المُطْلَقَةِ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ، وبَيْنَ السَلامَةِ مِن غَضَبِ اللهِ والضَلالِ. وإنَّما ساغَ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلَّذِينِ، وهو مَعْرِفَةٌ، وغَيْرٌ لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، لِأنَّهُ إذا وقَعَ بَيْنَ مُتَضادَّيْنِ، وكانا مَعْرِفَتَيْنِ، تَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، نَحْوُ: عَجِبَتْ مِنَ الحَرَكَةِ غَيْرِ السُكُونِ، والمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ مُتَضادّانِ، ولِأنَّ الَّذِينَ قَرِيبٌ مِنَ النَكِرَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ، وغَيْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَرِيبٌ مِنَ المَعْرِفَةِ، لِلتَّخْصِيصِ الحاصِلِ لَهُ بِإضافَتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما فِيهِ إبْهامٍ مِن وجْهٍ، واخْتِصاصٍ مِن وجْهٍ، فاسْتَوَيا. وعَلَيْهِمُ الأُولى- مَحَلُّها النَصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ومَحَلُّ الثانِيَةِ الرَفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وغَضَبُ اللهِ: إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ المُكَذِّبِينَ، وإنْزالُ العُقُوبَةِ بِهِمْ، وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يَفْعَلُهُ المَلِكُ إذا غَضِبَ عَلى ما تَحْتَ يَدِهِ. وقِيلَ: المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائِدَةُ: ٦٠]. والضالُّونَ: هُمُ النَصارى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ [المائِدَةُ: ٧٧] و"لا" زائِدَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِلتَّوْكِيدِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هي بِمَعْنى غَيْرٍ. "آمِينَ": صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ الَّذِي هو اسْتَجِبْ، كَما أنَّ رُوَيْدَ اسْمٌ لِأمْهِلْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: «سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَعْنى "آمِينَ"، فَقالَ: "افْعَلْ". » وهو مَبْنِيٌّ، وفِيهِ لُغَتانِ مَدُّ ألِفِهِ وقَصْرُها، وهو الأصْلُ، والمَدُّ بِإشْباعِ الهَمْزَةِ، قالَ:(p-٣٤) ؎ ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قالَ آمِينا وَقالَ: ؎ آمِينَ، فَزادَ اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا قالَ ﷺ: « "لَقَّنَنِي جِبْرِيلُ آمِينَ عِنْدَ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقالَ: إنَّهُ كالخَتْمِ عَلى الكِتابِ". » ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في المَصاحِفِ.

البقرة 2:1

(p-٣٥)سُورَةُ البَقَرَةِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ونَظائِرُها: أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ الَّتِي مِنها رُكِّبَتِ الكَلِمُ، والألِفُ تَدَلُّ عَلى أوْسَطِ حُرُوفِ قالَ، واللامُ تَدُلُّ عَلى الحَرْفِ الأخِيرِ مِنهُ وكَذَلِكَ ما أشْبَهَها. والدَلِيلُ عَلى أنَّها أسْماءٌ أنَّ كُلًّا مِنها يَدُلُّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ، ويَتَصَرَّفُ فِيها بِالإمالَةِ، والتَفْخِيمِ، وبِالتَعْرِيفِ، والتَنْكِيرِ، والجَمْعِ، والتَصْغِيرِ. وَهِيَ مُعْرَبَةٌ، وإنَّما سُكِّنَتْ سُكُونَ زَيْدٍ وغَيْرِهِ مِنَ الأسْماءِ، حَيْثُ لا يَمَسُّها إعْرابٌ لِفَقْدِ مُقْتَضِيهِ. وقِيلَ: إنَّها مَبْنِيَّةٌ كالأصْواتِ نَحْوُ: غاقْ، في حِكايَةِ صَوْتِ الغُرابِ، ثُمَّ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها أسْماءُ السُوَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: أقْسَمَ اللهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إنَّها اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ. وقِيلَ: إنَّها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللهُ، وما سُمِّيَتْ مُعْجَمَةً إلّا لِإعْجامِها وإبْهامِها. وقِيلَ: وُرُودُ هَذِهِ الأسْماءِ عَلى نَمَطِ التَعْدِيدِ كالإيقاظِ لِمَن تَحَدّى بِالقُرْآنِ، وكالتَحْرِيكِ لِلنَّظَرِ في أنَّ هَذا المَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ، وقَدْ عَجَزُوا عَنْهُ مِن آخِرِهِمْ، كَلامٌ مَنظُومٌ مِن عَيْنِ ما يُنْظِمُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ، لِيُؤَدِّيَهُمُ النَظَرُ إلى أنْ يَسْتَيْقِنُوا إنْ لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَهُ، ولَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهم عَنْ أنْ (p-٣٦)يَأْتُوا بِمِثْلِهِ بَعْدَ المُراجَعاتِ المُتَطاوِلاتِ، وهم أُمَراءُ الكَلامِ، إلّا لِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ، وأنَّهُ كَلامٌ خالِقُ القُوى والقَدَرِ. وهَذا القَوْلُ مِنَ الخَلاقَةِ بِالقَبُولِ بِمَنزِلٍ. وَقِيلَ: إنَّما ورَدَتِ السُورُ مُصَدَّرَةً بِذَلِكَ لِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ الأسْماعَ مُسْتَقِلًّا بِوَجْهٍ مِنَ الإغْرابِ، وتَقْدِمَةً مِن دَلائِلِ الإعْجازِ، وذَلِكَ أنَّ النُطْقَ بِالحُرُوفِ أنْفُسِها كانَتِ العَرَبُ فِيهِ مُسْتَوِيَةَ الأقْدامِ: الأُمِّيُّونَ مِنهم وأهْلُ الكِتابِ، بِخِلافِ النُطْقِ بِأسامِي الحُرُوفِ، فَإنَّهُ كانَ مُخْتَصًّا بِمَن خَطَّ وقَرَأ، وخالَطَ أهْلَ الكِتابِ، وتَعَلَّمَ مِنهُمْ، وكانَ مُسْتَبْعَدًا مِنَ الأُمِّيِّ التَكَلُّمُ بِها اسْتِبْعادَ الخَطِّ والتِلاوَةِ، فَكانَ حُكْمُ النُطْقِ بِذَلِكَ مَعَ اشْتِهارِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنِ اقْتَبَسَ شَيْئًا مِن أهْلِهِ حُكْمَ الأقاصِيصِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ ومَن يُضاهِيهِمْ في شَيْءٍ مِنَ الإحاطَةِ بِها، في أنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لَهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وشاهِدٌ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ. واعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في الفَواتِحِ نِصْفُ أسامِي حُرُوفِ المُعْجَمِ، وهِيَ: الألِفُ، واللامُ، والمِيمُ، والصادُ، والراءُ، والكافُ، والهاءُ، والياءُ، والعَيْنُ، والطاءُ، والسِينُ، والحاءُ، والقافُ، والنُونُ، في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً عَلى عَدَدِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْصافِ أجْناسِ الحُرُوفِ. فَمِنَ المَهْمُوسَةِ نَصِفُها: الصادُ، والكافُ، والهاءُ، والسِينُ، والحاءُ. ومِنَ المَجْهُورَةِ نَصِفُها: الألِفُ، واللامُ، والمِيمُ، والراءُ، والعَيْنُ، والطاءُ، والقافُ، والياءُ، والنُونُ، ومِنَ الشَدِيدَةِ نِصْفُها: الألِفُ، والكافُ، والطاءُ، والقافُ. ومِنَ الرِخْوَةِ نَصِفُها: اللامُ، والمِيمُ، والراءُ، والصادُ، والهاءُ، والعَيْنُ، والسِينُ، والحاءُ، والياءُ، والنُونُ. ومِنَ المُطْبَقَةِ نَصِفُها: الصادُ، والطاءُ، ومِنَ المُنْفَتِحَةِ نِصْفُها: الألِفُ، واللامُ، والمِيمُ، والراءُ، والكافُ، والهاءُ، والعَيْنُ، والسِينُ، والحاءُ، والقافُ، والياءُ، والنُونُ. ومِنَ المُسْتَعْلِيَةِ نَصِفُها: القافُ، والصادُ، والطاءُ. ومِنَ (p-٣٧)المُنْخَفِضَةِ نِصْفُها: الألِفُ، واللامُ، والمِيمُ، والراءُ، والكافُ، والهاءُ، والياءُ، والعَيْنُ، والسِينُ، والحاءُ، والنُونُ. ومِن حُرُوفِ القَلْقَلَةِ نَصِفُها: القافُ، والطاءُ. وغَيْرُ المَذْكُورَةِ مِن هَذِهِ الأجْناسِ مَكْثُورَةٌ بِالمَذْكُورَةِ مِنها، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مُعْظَمَ الشَيْءِ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ كُلِّهِ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى عَدَّدَ عَلى العَرَبِ الألْفاظَ الَّتِي مِنها تَراكِيبُ كَلامِهِمْ، إشارَةً إلى ما مَرَّ مِنَ التَبْكِيتِ لَهُمْ، وإلْزامِ الحُجَّةِ إيّاهم. وإنَّما جاءَتْ مُفَرَّقَةً عَلى السُوَرِ، لِأنَّ إعادَةَ التَنْبِيهِ عَلى المُتَحَدّى بِهِ مُؤَلَّفًا مِنها لا غَيْرُ أوْصَلُ إلى الغَرَضِ، وكَذا كُلُّ تَكْرِيرٍ ورَدَ في القُرْآنِ، فالمَطْلُوبُ مِنهُ تَمْكِينُ المُكَرَّرِ في النُفُوسِ وتَقْرِيرُهُ. وَلَمْ يَجِئْ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، بَلِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُ حُرُوفِها مِثْلُ: ص، وق، ون، وطَهَ، وطْس، ويَس، وحَم، والَمْ، والر، وطسم، والمَص، والمَر، وكَهَيعص، وحَمْ عسق، فَوَرَدَتْ عَلى حَرْفٍ وحَرْفَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ، كَعادَةِ افْتِنانِهِمْ في الكَلامِ. وكَما أنَّ أبْنِيَةَ كَلِماتِهِمْ عَلى حَرْفٍ وحَرْفَيْنِ إلى خَمْسَةِ أحْرُفٍ، فَسَلَكَ في الفَواتِحِ هَذا المَسْلَكَ. والَمْ آيَةٌ حَيْثُ وقَعَتْ، وكَذا المَص آيَةٌ، والمَر لَمْ تُعَدَّ آيَةً، وكَذا الر لَمْ تُعَدَّ آيَةً في سُوَرِها الخَمْسِ، وطسم آيَةٌ في سُورَتَيْها، وطَهَ ويس آيَتانِ، وطْس لَيْسَتْ بِآيَةٍ، وحَم آيَةٌ في سُوَرِها كُلِّها، وحَم عسق آيَتانِ، وكهعيص آيَةٌ، وص ون وق ثَلاثُها لَمْ تُعَدَّ آيَةً، وهَذا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ومَن عَداهم لَمْ يَعُدَّ شَيْئًا مِنها آيَةً. وَهَذا عِلْمٌ تَوْقِيفِيٌّ لا مَجالَ لِلْقِياسِ فِيهِ كَمَعْرِفَةِ السُوَرِ، ويُوقَفُ عَلى جَمِيعِها وقْفَ التَمامِ إذا حُمِلَتْ عَلى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مُحْتاجٍ إلى ما بَعْدَهُ، وذَلِكَ إذا لَمْ تُجْعَلْ أسْماءً لِلسُّوَرِ، ونُعِقَ بِها كَما يُنْعَقُ بِالأصْواتِ، أوْ جُعِلَتْ وحْدَها أخْبارَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١] أيْ: هَذِهِ الم، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢] وَلِهَذِهِ الفَواتِحِ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ فِيمَن جَعَلَها أسْماءً لِلسُّوَرِ، لِأنَّها عِنْدَهُ كَسائِرِ الأسْماءِ الأعْلامِ، وهو الرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَصْبِ أوِ الجَرِّ لِصِحَّةِ القَسَمِ بِها، وكَوْنِها بِمَنزِلَةِ: اللهِ، واللهُ عَلى اللُغَتَيْنِ. ومَن لَمْ يَجْعَلْها أسْماءً لِلسُّوَرِ (p-٣٨)لَمْ يَتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ لَها مَحَلٌّ في مَذْهَبِهِ، كَما لا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ المُبْتَدَأةِ ولِلْمُفْرَداتِ المَعْدُودَةِ.

البقرة 2:2

﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ، أوْ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الم. وإنَّما ذُكِّرَ اسْمُ الإشارَةِ، والمُشارُ إلَيْهِ مُؤَنَّثٌ، وهو السُورَةُ، لِأنَّ الكِتابَ إنْ كانَ خَبَرَهُ كانَ ذَلِكَ في مَعْناهُ، ومُسَمّاهُ مُسَمّاهُ، فَجازَ إجْراءُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالتَذْكِيرِ، وإنْ كانَ صِفَتَهُ فالإشارَةُ بِهِ إلى الكِتابِ صَرِيحًا، لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الجِنْسِ الواقِعِ صِفَةً لَهُ. تَقُولُ: هِنْدٌ ذَلِكَ الإنْسانُ، أوْ ذَلِكَ الشَخْصُ فَعَلَ كَذا. ووَجَّهَ تَأْلِيفِ ذَلِكَ الكِتابِ مَعَ "الم" إنْ جَعَلْتَ "الم" اسْمًا لِلسُّورَةِ أنْ يَكُونَ "الم" مُبْتَدَأً، وذَلِكَ مُبْتَدَأً ثانِيًا، والكِتابُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، ومَعْناهُ: أنَّ ذَلِكَ هو الكِتابُ الكامِلُ، كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ في مُقابَلَتِهِ ناقِصٌ، كَما تَقُولُ: هو الرَجُلُ، أيِ: الكامِلُ في الرُجُولِيَّةِ، الجامِعُ لِما يَكُونُ في الرِجالِ مِن مَرْضِيّاتِ الخِصالِ. وأنْ يَكُونَ "الم" خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ "الم" جُمْلَةٌ، وذَلِكَ الكِتابُ جُمْلَةٌ أُخْرى. وإنْ جَعَلْتَ "الم" بِمَنزِلَةِ الصَوْتِ، كانَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الكِتابُ، أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ المُنَزَّلُ هو الكِتابُ الكامِلُ ﴿لا رَيْبَ﴾ لا شَكَّ، وهو مَصْدَرُ رابَنِي: إذا حَصَلَ فِيكَ الرِيبَةُ وحَقِيقَةُ الرِيبَةِ: قَلَقُ النَفْسِ واضْطِرابُها ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ، فَإنَّ الشَكَّ رِيبَةٌ، وإنَّ الصِدْقَ طُمَأْنِينَةٌ". » أيْ: فَإنَّ كَوْنَ الأمْرِ مَشْكُوكًا فِيهِ مِمّا تَقْلُقُ لَهُ النَفْسُ ولا تَسْتَقِرُّ، وكَوْنُهُ صَحِيحًا صادِقًا مِمّا تَطْمَئِنُّ لَهُ وتَسْكُنُ. ومِنهُ: رَيْبُ الزَمانِ، وهُوَ: ما يُقْلِقُ النُفُوسَ، ويُشَخِّصُ بِالقُلُوبِ مِن نَوائِبِهِ. وإنَّما نَفى الرَيْبَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ، وقَدِ ارْتابَ فِيهِ كَثِيرٌ، لِأنَّ المَنفِيَّ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا لِلرَّيْبِ، ومَظِنَّةً لَهُ، لِأنَّهُ مِن وُضُوحِ الدَلالَةِ لَهُ وسُطُوعِ البُرْهانِ، بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي لِمُرْتابٍ أنْ يَقَعَ فِيهِ، لا أنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: لا فِيهِ رَيْبٌ، كَما قالَ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافّاتُ: ٤٧]، (p-٣٩)لِأنَّ المُرادَ في إيلاءِ الرَيْبِ حَرْفَ النَفْيِ، نَفْيُ الرَيْبِ عَنْهُ، وإثْباتُ أنَّهُ حَقٌّ لا باطِلٌ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ. ولَوْ أوْلى الظَرْفَ لَبَعُدَ عَنِ المُرادِ، وهو أنَّ كِتابًا آخَرَ فِيهِ رَيْبٌ لا فِيهِ، كَما قَصَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافّاتُ: ٤٧] فَفِيهِ تَفْضِيلُ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُنْيا بِأنَّها لا تَغْتالُ العُقُولَ كَما تَغْتالُها هي. والوَقْفُ عَلى فِيهِ هو المَشْهُورُ. وعَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ أنَّهُما وقَفا عَلى لا رَيْبَ، ولا بُدَّ لِلْواقِفِ مِن أنْ يَنْوِيَ خَبَرًا، والتَقْدِيرُ: لا رَيْبَ فِيهِ ﴿فِيهِ هُدًى﴾ فِيهِ بِإشْباعِ كُلِّ هاءٍ، مَكِّيٌّ. ووافَقَهُ حَفْصٌ في ﴿فِيهِ مُهانًا﴾ [الفَرْقانُ: ٦٩] وهو الأصْلُ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِهِ، ومِن عِنْدِهِ، وفي دارِهِ، وكَما لا يُقالُ: في دارِهِ، ومِن عِنْدِهِ، وجَبَ ألّا يُقالَ: فِيهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ما قالَهُ مُؤَدٍّ إلى الجَمْعِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ سِواكَنَ الياءِ قَبْلَ الهاءِ والهاءِ إذِ الهاءُ المُتَحَرِّكَةُ في كَلامِهِمْ بِمَنزِلَةِ الساكِنَةِ، لِأنَّ الهاءَ خَفِيَّةٌ والخَفِيُّ قَرِيبٌ مِنَ الساكِنِ، والياءُ بَعْدَها. والهُدى مَصْدَرٌ عَلى فِعْلٍ كالبُكاءِ، وهو الدَلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ، بِدَلِيلِ وُقُوعِ الضَلالَةِ في مُقابَلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى﴾ [البَقَرَةِ: ١٦]. وإنَّما قِيلَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمُتَّقُونَ مُهْتَدُونَ، لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ المُكَرَّمِ: أعَزَّكَ اللهُ وأكْرَمَكَ، تُرِيدُ طَلَبَ الزِيادَةِ عَلى ما هو ثابِتٌ فِيهِ واسْتَدامَتَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتِحَةُ: ٦] ولِأنَّهُ سَمّاهم عِنْدَ مُشارِفَتِهِمْ لِاكْتِساءِ لِباسِ التَقْوى مُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ". » وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: إذا أرادَ أحَدُكُمُ الحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ فَإنَّهُ يَمْرَضُ المَرِيضُ. فَسَمّى المُشارِفَ لِلْقَتْلِ والمَرَضِ قَتِيلًا ومَرِيضًا. ولَمْ يَقُلْ: هُدًى لِلضّالِّينَ، لِأنَّهم فَرِيقانِ: فَرِيقٌ عَلِمَ بَقاءَهم عَلى الضَلالَةِ، وفَرِيقٌ عَلِمَ أنَّ مَصِيرَهم إلى الهُدى، وهو هُدًى لِهَؤُلاءِ فَحَسْبُ، فَلَوْ جِيءَ بِالعِبارَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ ذَلِكَ لَقِيلَ: هُدًى لِلصّائِرِينَ إلى الهُدى بَعْدَ الضَلالِ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِإجْرائِهِ عَلى الطَرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، فَقِيلَ: هَدًى لِلْمُتَّقِينَ مَعَ أنَّ فِيهِ تَصْدِيرًا لِلسُّورَةِ، الَّتِي هي أُولى (p-٤٠)الزَهْراوَيْنِ، وسَنامُ القُرْآنِ، بِذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى. والمُتَّقِي في اللُغَةِ اسْمُ فاعِلٍ، مِن قَوْلِهِمْ: وقاهُ فاتَّقى، فَفاؤُها واوٌ ولامُها ياءٌ، وإذا بَنَيْتَ مِن ذَلِكَ افْتَعَلَ قَلَبْتَ الواوَ تاءً، وأدْغَمْتَها في التاءِ الأُخْرى، فَقُلْتَ: اتَّقى، والوِقايَةُ: فَرْطُ الصِيانَةِ، وفي الشَرِيعَةِ: مَن يَقِي نَفْسَهُ تَعاطِيَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ العُقُوبَةَ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ. ومَحَلُّ هُدًى الرَفْعُ، لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ مَعَ لا رَيْبَ فِيهِ لِذَلِكَ، أوِ النَصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "فِيهِ". والَّذِي هو أرْسَخُ عَرْقًا في البَلاغَةِ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ جُمْلَةٌ بِرَأْسِها، أوْ طائِفَةٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، و﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثالِثَةٌ و﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ رابِعَةٌ. وَقَدْ أُصِيبَ بِتَرْتِيبِها مَفْصِلُ البَلاغَةِ، حَيْثُ جِيءَ بِها مُتَناسِقَةً هَكَذا مِن غَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، وذَلِكَ لِمَجِيئِها مُتَآخِيَةً آخِذًا بَعْضُها بِعُنُقِ بَعْضٍ، فالثانِيَةُ مُتَّحِدَةٌ بِالأُولى مُعْتَنِقَةٌ لَها وهَلُمَّ جَرًّا إلى الثالِثَةِ والرابِعَةِ. بَيانُ ذَلِكَ: أنَّهُ نَبَّهَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ الكَلامُ المُتَحَدّى بِهِ، ثُمَّ أُشِيرَ إلَيْهِ بِأنَّهُ الكِتابُ المَنعُوتُ بِغايَةِ الكَمالِ، فَكانَ تَقْرِيرَ الجِهَةِ التَحَدِّي، ثُمَّ نَفى عَنْهُ أنْ يَتَشَبَّهَ بِهِ طَرَفٌ مِنَ الرَيْبِ، فَكانَ شَهادَةً وتَسْجِيلًا بِكَمالِهِ، لِأنَّهُ لا كَمالَ أكْمَلُ مِمّا لِلْحَقِّ واليَقِينِ، ولا نَقْصَ أنْقَصُ مِمّا لِلْباطِلِ والشُبْهَةِ. وقِيلَ لِعالِمٍ: فِيمَ لَذَّتُكَ؟ قالَ: في حُجَّةٍ تَتَبَخْتَرُ اتِّضاحًا، وفى شُبْهَةٍ تَتَضاءَلُ افْتِضاحًا. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقَرَّرَ بِذَلِكَ كَوْنَهُ يَقِينًا لا يَحُومُ الشَكُّ حَوْلَهُ وحَقًّا ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ ثُمَّ لَمْ تَخْلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الأرْبَعِ بَعْدَ أنْ رُتِّبَتْ هَذا التَرْتِيبَ الأنِيقَ، ونُظِمَتْ هَذا النَظْمَ الرَشِيقَ مِن نُكْتَةٍ ذاتِ جَزالَةٍ. فَفي الأوْلى الحَذْفُ والرَمْزُ إلى المَطْلُوبِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وفي الثانِيَةِ ما في التَعْرِيفِ مِنَ الفَخامَةِ، وفي الثالِثَةِ ما في تَقْدِيمِ الرَيْبِ عَلى الظَرْفِ، وفي الرابِعَةِ الحَذْفُ، ووَضْعُ المَصْدَرِ، الَّذِي هو هُدًى، مَوْضِعَ الوَصْفِ، الَّذِي هو هادٍ، كَأنَّ نَفْسُهُ هِدايَةً، وإيرادُهُ مُنَكَّرًا، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ هُدًى لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، والإيجازُ في ذِكْرِ المُتَّقِينَ كَما مَرَّ.

البقرة 2:3

(p-٤١)﴿الَّذِينَ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، أيْ: هم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ أوْ: أعْنِي ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ أوْ هو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ أوْ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وهي صِفَةٌ وارِدَةٌ بَيانًا وكَشْفًا لِلْمُتَّقِينَ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الفَقِيهُ المُحَقِّقُ، لِاشْتِمالِها عَلى ما أُسِّسَتْ عَلَيْهِ حالُ المُتَّقِينَ مِنَ الإيمانِ الَّذِي هو أساسُ الحَسَناتِ، والصَلاةِ والصَدَقَةِ: فَهُما أُمّا العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وهُما العِيارُ عَلى غَيْرِهِما. ألا تَرى أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَمّى الصَلاةَ عِمادَ الدِينِ، وجَعَلَ الفاصِلَ بَيْنَ الإسْلامِ والكُفْرِ تَرْكَ الصَلاةِ، وسَمّى الزَكاةَ قَنْطَرَةَ الإسْلامِ، فَكانَ مِن شَأْنِهِما اسْتِتْباعُ سائِرِ العِباداتِ، ولِذَلِكَ اخْتَصَرَ الكَلامَ بِأنِ اسْتَغْنى عَنْ عَدِّ الطاعاتِ بِذِكْرِ ما هو كالعُنْوانِ لَها، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإفْصاحِ عَنْ فَضْلِ هاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ، أوْ صِفَةٍ مَسْرُودَةٍ مَعَ المُتَّقِينَ تُفِيدُ غَيْرَ فائِدَتِها كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الفَقِيهُ المُتَكَلِّمُ الطَبِيبُ، ويَكُونُ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ السَيِّئاتِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ. وهو إفْعالٌ مِنَ الأمْنِ، وقَوْلُهُمْ: آمَنَهُ، أيْ: صَدَقَهُ، وحَقِيقَتُهُ: أمِنَهُ التَكْذِيبَ والمُخالَفَةَ. وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتُضَمِّنِهِ مَعْنى أقَرَّ واعْتَرَفَ ﴿بِالغَيْبِ﴾ بِما غابَ عَنْهُمْ، مِمّا أنْبَأهم بِهِ النَبِيُّ ﷺ مِن أمْرِ البَعْثِ، والنُشُورِ، والحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فَهو بِمَعْنى الغائِبِ، تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، مِن قَوْلِكَ: غابَ الشَيْءُ غَيْبًا. هَذا إنْ جَعَلْتَهُ صِلَةً لِلْإيمانِ، وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا كانَ بِمَعْنى الغَيْبَةِ والخَفاءِ، أيْ: يُؤْمِنُونَ غائِبِينَ عَنِ المُؤْمِنِ بِهِ، وحَقِيقَتُهُ: مُتَلَبِّسِينَ بِالغَيْبِ. والإيمانُ الصَحِيحُ أنْ يُقِرَّ بِاللِسانِ، ويُصَدِّقَ بِالجَنانِ، والعَمَلُ لَيْسَ بِداخِلٍ في الإيمانِ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ﴾ أيْ: يُؤَدُّونَها، فَعَبَّرَ عَنِ الأداءِ بِالإقامَةِ، لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقُنُوتِ، وهُوَ: القِيامُ، وبِالرُكُوعِ والسُجُودِ والتَسْبِيحِ لِوُجُودِها فِيها، أوْ أُرِيدَ بِإقامَةِ الصَلاةِ تَعْدِيلُ أرْكانِها، مِن أقامَ العُودَ: إذا قَوَّمَهُ، أوِ الدَوامُ عَلَيْها والمُحافَظَةُ، مِن قامَتِ السُوقُ: إذا نَفَقَتْ، لِأنَّهُ إذا حُوفِظَ عَلَيْها كانَتْ كالشَيْءِ النافِقِ الَّذِي تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَغَباتُ، (p-٤٢)وَإذا أُضِيعَتْ كانَتْ كالشَيْءِ الكاسِدِ الَّذِي لا يُرْغَبُ فِيهِ، والصَلاةُ فَعْلَةٌ مِن صَلّى، كالزَكاةِ مِن زَكّى، وكِتابَتُها بِالواوِ عَلى لَفْظِ المُفَخَّمِ، وحَقِيقَةُ صَلّى: حَرَّكَ الصَلَوَيْنِ، أيِ: الألْيَتَيْنِ، لِأنَّ المُصَلِّيَ يَفْعَلُ ذَلِكَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ. وقِيلَ لِلدّاعِي: مُصَلٍّ، تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالراكِعِ والساجِدِ ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أعْطَيْناهُمْ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يَتَصَدَّقُونَ. أدْخَلَ "مِن" التَبْعِيضِيَّةَ صِيانَةً لَهم عَنِ التَبْذِيرِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ دَلالَةً عَلى كَوْنِهِ أهَمَّ، والمُرادُ بِهِ: الزَكاةُ، لِاقْتِرانِهِ بِالصَلاةِ الَّتِي هي أُخْتُها، أوْ هي وغَيْرُها مِنَ النَفَقاتِ في سُبُلِ الخَيْرِ لِمَجِيئِهِ مُطْلَقًا. وأنْفَقَ الشَيْءَ وأنْفَذَهُ أخَوانِ، كَنَفَقَ الشَيْءُ ونَفِدَ، وكُلُّ ما جاءَ مِمّا فاؤُهُ نُونٌ وعَيْنُهُ فاءٌ فَدالٌّ عَلى مَعْنى الخُرُوجِ والذَهابِ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأعْمالَ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ حَيْثُ عَطَفَ الصَلاةَ والزَكاةَ عَلى الإيمانِ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايِرَةَ.

البقرة 2:4

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكُلِّ وحْيٍ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللهِ، وأيْقَنُوا بِالآخِرَةِ إيقانًا زالَ مَعَهُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى، وأنَّ النارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ. ثُمَّ إنْ عَطَفْتَهم عَلى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ دَخَلُوا في جُمْلَةِ المُتَّقِينَ. وإنْ عَطَفْتَهم عَلى المُتَّقِينَ لَمْ يَدْخُلُوا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وهُدًى لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، أوِ المُرادُ بِهِ وصْفُ الأوَّلِينَ، ووَسَّطَ العاطِفَ كَما يُوَسَّطُ بَيْنَ الصِفاتِ في قَوْلِكَ: هو الشُجاعُ والجَوادُ. وقَوْلُهُ: ؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ والمَعْنى: أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ تِلْكَ الصِفاتِ وهَذِهِ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. والمُرادُ: جَمِيعُ القُرْآنِ لا القَدْرُ الَّذِي سَبَقَ إنْزالُهُ وقْتَ إيمانِهِمْ، لِأنَّ الإيمانَ بِالجَمِيعِ واجِبٌ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقَّبًا، تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، ولِأنَّهُ إذا كانَ بَعْضُهُ نازِلًا، وبَعْضُهُ مُنْتَظَرَ النُزُولِ، (p-٤٣)جُعِلَ كَأنَّ كُلَّهُ قَدْ نَزَلَ ﴿وَما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يُعْنى: سائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى النَبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَبِالآخِرَةِ﴾ وهي تَأْنِيثُ الآخِرِ الَّذِي هو ضِدُّ الأوَّلِ، وهي صِفَةٌ والمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وهو الدارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ﴾ [القَصَصُ: ٨٣] وهي مِنَ الصِفاتِ الغالِبَةِ، وكَذَلِكَ الدُنْيا. وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ خَفَّفَها بِأنْ حَذَفَ الهَمْزَةَ، وألْقى حَرَكَتَها عَلى اللامِ ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ الإيقانُ: إتْقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَكِّ والشُبْهَةِ عَنْهُ.

البقرة 2:5

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَفْعِ إنْ كانَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ مُبْتَدَأً، وإلّا فَلا مَحَلَّ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَجْرِيَ المَوْصُولُ الأوَّلُ عَلى المُتَّقِينَ، وأنْ يَرْتَفِعَ الثانِي عَلى الِابْتِداءِ، و"أُولَئِكَ" خَبَرُهُ، ويُجْعَلُ اخْتِصاصُهم بِالهُدى والفَلاحِ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ، الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهم ظانُّونَ أنَّهم عَلى الهُدى، وطامِعُونَ أنَّهم يَنالُونَ الفَلاحَ عِنْدَ اللهِ. ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في ﴿عَلى هُدًى﴾ مَثَلٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى، واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ، وتَمَسُّكِهِمْ بِهِ بِحَيْثُ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَيْءَ ورَكِبَهُ، ونَحْوُهُ: هو عَلى الحَقِّ وعَلى الباطِلِ. وقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: جَعَلَ الغَوايَةَ مَرْكَبًا، وامْتَطى الجَهْلَ، واقْتَعَدَ غارِبَ الهَوى. ومَعْنى ﴿هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أُوتُوهُ مِن عِنْدِهِ. ونَكَّرَ هُدًى لِيُفِيدَ ضَرْبًا مُبْهَمًا لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ هُدًى. ونَحْوُهُ: لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمٍ، أيْ: عَلى لَحْمٍ عَظِيمٍ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الظافِرُونَ بِما طَلَبُوا، الناجُونَ عَمّا هَرَبُوا، فالفَلاحُ: دَرْكُ البُغْيَةِ، والمُفْلِحُ: الفائِزُ بِالبُغْيَةِ، كَأنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَفَرِ. والتَرْكِيبُ دالٌّ عَلى مَعْنى الشَقِّ والفَتْحِ، وكَذا أخَواتُهُ في الفاءِ والعَيْنِ نَحْوُ: فَلَقَ، وفَلَذَ، وفَلّى. وجاءَ بِالعَطْفِ هُنا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعْرافُ: ١٧٩] لِاخْتِلافِ الخَبِرَيْنِ المُقْتَضِيَيْنِ لِلْعَطْفِ هُنا، واتِّحادِ الغَفْلَةِ، والتَشْبِيهِ بِالبَهائِمِ ثَمَّ، فَكانَتِ الثانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِلْأوْلى، وهي مِنَ العَطْفِ بِمَعْزِلٍ. وهم فَصْلٌ وفائِدَتُهُ الدَلالَةُ عَلى أنَّ الوارِدَ بَعْدَهُ خَبَرٌ لا صِفَةٌ، والتَوْكِيدُ، وإيجابُ أنَّ فائِدَةَ المَسْنَدِ ثابِتَةٌ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، (p-٤٤)والمُفْلِحُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، فانْظُرْ كَيْفَ كَرَّرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ التَنْبِيهَ عَلى اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِنِيلِ ما لا يَنالُهُ أحَدٌ عَلى طُرُقٍ شَتّى، وهِيَ: ذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ، وتَكْرِيرُهُ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كَما ثَبَتَ لَهُمُ الأثَرَةُ بِالهُدى، فَهي ثابِتَةٌ لَهم بِالفَلاحِ. وتَعْرِيفُ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ الناسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم يُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ، كَما إذا بَلَغَكَ أنَّ إنْسانًا قَدْ تابَ مِن أهْلِ بَلَدِكَ، فاسْتَخْبَرْتَ مَن هُوَ، فَقِيلَ: زَيْدٌ التائِبُ، أيْ: هو الَّذِي أُخْبِرْتَ بِتَوْبَتِهِ. وتَوْسِيطُ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُولَئِكَ لِيُبَصِّرَكَ مَراتِبَهُمْ، ويُرَغِّبَكَ في طَلَبِ ما طَلَبُوا، ويُنَشِّطُكَ لِتَقْدِيمِ ما قَدَّمُوا. اللهُمَّ زَيِّنا بِلِباسِ التَقْوى، واحْشُرْنا في زُمْرَةِ مِن صَدَّرْتَ بِذِكْرِهِمْ سُورَةَ البَقَرَةِ.

البقرة 2:6

لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ أوْلِيائِهِ بِصِفاتِهِمُ المُقَرَّبَةِ إلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ هَدًى لَهُمْ،، قَفّى عَلى أثَرِهِ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ، وهو العُتاةُ المَرَدَةُ الَّذِينَ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكُفْرُ: سَتَرَ الحَقَّ بِالجُحُودِ. والتَرْكِيبُ دالٌّ عَلى السِتْرِ، ولِذا سُمِّيَ الزارِعُ كافِرًا، وكَذا اللَيْلُ. ولَمْ يَأْتِ بِالعاطِفِ هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الِانْفِطارُ: ١٣-١٤]، لِأنَّ الجُمْلَةَ هُنا مَسُوقَةٌ لِذِكْرِ الكِتابِ بَيانًا، لا خَبَرًا عَنِ المُؤْمِنِينَ، وسِيقَتِ الثانِيَةُ لِلْإخْبارِ عَنِ الكَفّارِ بِكَذا. فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَفاوُتٌ في المُرادِ، وهُما عَلى حَدٍّ لا مَجالَ لِلْعَطْفِ فِيهِ. وإنْ كانَ مُبْتَدَأً عَلى تَقْدِيرٍ فَهو كالجارِي عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا: أُناسٌ بِأعْيانِهِمْ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَأبِي جَهْلٍ، وأبِي لَهَبٍ، وأضْرابِهِما ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ، كُوفِيٌّ. وسَواءٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ، وصَفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٤] أيْ: مُسْتَوِيَةٍ. وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لَإنَّ و﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، أوْ يَكُونُ سَواءٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا و﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في (p-٤٥)مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، أيْ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لَإنَّ. وإنَّما جازَ الإخْبارُ عَنِ الفِعْلِ، مَعَ أنَّهُ خَبَرٌ أبَدًا، لِأنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ المَهْجُورِ فِيهِ جانِبُ اللَفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى. والهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ، وقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُما مَعْنى الِاسْتِفْهامِ رَأْسًا. قالَ سِيبَوَيْهِ: جَرى هَذا عَلى حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، كَما جَرى عَلى حَرْفِ النِداءِ في قَوْلِكَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ. يَعْنِي: إنَّ هَذا جَرى عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا اسْتِفْهامَ، كَما جَرى ذَلِكَ عَلى صُورَةِ النِداءِ ولا نِداءَ. والإنْذارُ: التَخْوِيفُ مِن عِقابِ اللهِ بِالزَجْرِ عَنِ المَعاصِي ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، أوْ خَبَرٌ لَإنَّ، والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. والحِكْمَةُ في الإنْذارِ مَعَ العِلْمِ بِالإصْرارِ إقامَةُ الحُجَّةِ، ولِيَكُونَ الإرْسالُ عامًّا، ولِيُثابَ الرَسُولُ ﷺ.

البقرة 2:7

﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ الزَجّاجُ: الخَتْمُ: التَغْطِيَةُ، لِأنَّ في الِاسْتِيثاقِ مِنَ الشَيْءِ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ تَغْطِيَةً لَهُ لِئَلّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَعْقِلُونَ الخَيْرَ. يَعْنِي: إنَّ اللهَ طَبَعَ عَلَيْها، فَجَعَلَها بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنها ما فِيها مِنَ الكُفْرِ، ولا يَدْخُلُها ما لَيْسَ فِيها مِنَ الإيمانِ. وحاصِلُ الخَتْمِ والطَبْعِ: خَلْقُ الظُلْمَةِ والضِيقِ في صَدْرِ العَبْدِ عِنْدَنا، فَلا يُؤْمِنُ مادامَتْ تِلْكَ الظُلْمَةُ في قَلْبِهِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ إعْلامٌ مَحْضٌ عَلى القُلُوبِ بِما يُظْهِرُ لِلْمَلائِكَةِ أنَّهم كُفّارٌ، فَيَلْعَنُونَهُمْ، ولا يَدْعُونَ لَهم بِخَيْرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلى اللهِ تَعالى مَجازٌ، والخاتَمُ في الحَقِيقَةِ الكافِرُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ هو الَّذِي أقْدَرَهُ ومَكَّنَهُ أسْنَدَ إلَيْهِ الخَتْمَ، كَما يُسْنِدُ الفِعْلَ إلى السَبَبِ، فَيُقالُ: بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، لِأنَّ لِلْفِعْلِ مُلابَساتٍ شَتّى، يُلابِسُ الفاعِلَ، والمَفْعُولَ بِهِ، والمَصْدَرَ، والزَمانَ، والمَكانَ، والمُسَبِّبَ لَهُ، فَإسْنادُهُ إلى الفاعِلِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُسْنِدُ إلى هَذِهِ الأشْياءِ مَجازًا، لَمُضاهاتِها الفاعِلَ في مُلابَسَةِ الفِعْلِ، كَما يُضاهِي الرَجُلُ الأسَدَ في جُرْأتِهِ، فَيُسْتَعارُ لَهُ اسْمُهُ. وهَذا فَرْعُ مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ وحَّدَ السَمْعَ كَما وحَّدَ البَطْنَ في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعَفُّوا، لِأمْنِ اللَبْسِ، ولِأنَّ السَمْعَ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ، يُقالُ: سَمِعْتُ الشَيْءَ سَمْعًا وسَماعًا، والمَصْدَرُ (p-٤٦)لا يُجْمَعُ، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، فَلا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَلَمَحَ الأصْلَ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَلى مَواضِعِ سَمِعَهم. وقُرِئَ عَلى أسْماعِهِمْ ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ بِالرَفْعِ خَبَرٌ ومُبْتَدَأٌ. والبَصَرُ: نُورُ العَيْنِ، وهو ما يُبْصِرُ بِهِ الرائِي، كَما أنَّ البَصِيرَةَ: نُورُ القَلْبِ، وهِيَ: ما بِهِ يَسْتَبْصِرُ ويَتَأمَّلُ، وكَأنَّهُما جَوْهَرانِ لَطِيفانِ خَلَقَهُما اللهُ تَعالى، فِيهِما آلَتَيْنِ لِلْإبْصارِ والِاسْتِبْصارِ. والغِشاوَةُ: الغِطاءُ، فَعّالَةٌ، مِن غَشّاهُ: إذا غَطّاهُ. وهَذا البِناءُ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَيْءِ، كالعِصابَةِ، والعِمامَةِ، والقِلادَةِ. والأسْماعُ داخِلَةٌ في حُكْمِ الخَتْمِ لا في حُكْمِ التَغْشِيَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثِيَةُ: ٢٣] ولِوَقْفِهِمْ عَلى سَمْعِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ. ونَصَبَ المُفَضَّلُ وحْدَهُ غِشاوَةً بِإضْمارِ جَعَلَ. وتَكْرِيرُ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ َدَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الخَتْمِ في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الشَيْخُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: الكافِرُ لِما لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الحَقِّ، ولَمْ يَنْظُرْ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِيَرى آثارَ الحُدُوثِ، فَيَعْلَمَ أنْ لا بُدَّ لَهُ مِن صانِعٍ، جَعَلَ كَأنَّ عَلى بَصَرِهِ وسَمِعَهُ غِشاوَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأسْماعَ عِنْدَهُ داخِلَةٌ في حُكْمِ التَغْشِيَةِ. والآيَةُ حُجَّةٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ في الأصْلَحِ، فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الخَتْمِ أصْلَحُ لَهم ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ العَذابُ مِثْلَ النَكالِ بِناءً ومَعْنًى، لِأنَّكَ تَقُولُ: أعْذَبَ عَنِ الشَيْءِ: إذا أمْسَكَ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: نَكِلَ عَنْهُ. والفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ والكَبِيرِ، أنَّ العَظِيمَ يُقابِلُ الحَقِيرَ، والكَبِيرَ يُقابِلُ الصَغِيرَ، فَكَأنَّ العَظِيمَ فَوْقَ الكَبِيرِ، كَما أنَّ الحَقِيرَ دُونَ الصَغِيرِ، ويُسْتَعْمَلانِ في الجُثَثِ والأحْداثِ جَمِيعًا، تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ وكَبِيرٌ، تُرِيدُ: جُثَّتَهُ، أوْ خَطَرَهُ. ومَعْنى التَنْكِيرِ أنَّ عَلى أبْصارِهِمْ نَوْعًا مِنَ التَغْطِيَةِ غَيْرَ ما يَتَعارَفُهُ الناسُ، وهو غِطاءُ التَعامِي عَنْ آياتِ اللهِ، ولَهم مِن بَيْنِ الآلامِ العِظامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنَ العَذابِ، لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللهُ تَعالى.

البقرة 2:8

﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذِكْرِ (p-٤٧)الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، وواطَأتْ فِيهِ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهُمْ، ثُمَّ ثَنّى بِالكافِرِينَ قُلُوبًا وألْسِنَةً، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ، ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ، وهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ، لِأنَّهم خَلَطُوا بِالكُفْرِ اسْتِهْزاءً وعِنادًا، ولِذا أنْزَلَ فِيهِمْ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ﴾ [النِساءُ: ١٤٥] وقالَ مُجاهِدٌ: أرْبَعُ آياتٍ مِن أوَّلِ السُورَةِ في نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ في ذِكْرِ الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً في المُنافِقِينَ، نَعى عَلَيْهِمْ فِيها مَكْرَهُمْ، وخُبْثَهُمْ، وسَفَهَهُمْ، واسْتَجْهَلَهُمْ، واسْتَهْزَأ بِهِمْ، وتَهَكَّمَ بِفِعْلِهِمْ، وسَجَّلَ بِطُغْيانِهِمْ، وعَمَهِهِمْ، ودَعاهم صُمًّا بُكْمًا عُمِيًّا، وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالُ الشَنِيعَةُ. وَقِصَّةُ المُنافِقِينَ عَنْ آخِرِها مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَما تُعْطَفُ الجُمْلَةُ عَلى الجُمْلَةِ. وأصْلُ ناسٍ: أُناسٌ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وحَذْفُها مَعَ لامِ التَعْرِيفِ كاللازِمِ، لا يَكادُ يُقالُ: الأُناسُ. ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ: إنْسانٌ، وأناسِيُّ، وإنْسٌ. وسَمَّوْا بِهِ لِظُهُورِهِمْ، وأنَّهم يُؤْنِسُونَ، أيْ: يُبْصِرُونَ، كَما سُمِّيَ الجِنُّ لِاجْتِنانِهِمْ. ووَزْنُ ناسٍ فَعالٍ، لِأنَّ الزِنَةَ عَلى الأُصُولِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: وزْنُ قِ افْعَلْ، ولَيْسَ مَعَكَ إلّا العَيْنُ. وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ، ولامُ التَعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ. ومَن مَوْصُوفَةٌ، ويَقُولُ: صِفَةٌ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الناسِ ناسٌ يَقُولُونَ كَذا، وإنَّما خَصُّوا الإيمانَ بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو الوَقْتُ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ، وهو الأبَدُ الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. وإنَّما سُمِّيَ بِالآخِرِ لِتَأخُّرِهِ عَنِ الأوْقاتِ المُنْقَضِيَةِ، أوِ الوَقْتِ المُحَدَّدِ مِنَ النُشُورِ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النارِ النارَ، لِأنَّهم أوْهَمُوا في هَذا المَقالِ أنَّهم أحاطُوا بِجانِبَيِ الإيمانِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ، وهَذا لِأنَّ حاصِلَ المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ يَرْجِعُ إلى مَسائِلِ المَبْدَأِ، وهِيَ: العِلْمُ بِالصانِعِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ومَسائِلِ المَعادِ، وهِيَ: العِلْمُ بِالنُشُورِ، والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والصِراطِ، والمِيزانِ، وسائِرِ أحْوالِ الآخِرَةِ. وفي تَكْرِيرِ الباءِ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ ادَّعَوْا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الإيمانَيْنِ عَلى صِفَةِ الصِحَّةِ والِاسْتِحْكامِ. إنَّما طابَقَ قَوْلَهُ: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ -وَهُوَ في ذِكْرِ شَأْنِ الفاعِلِ لا الفِعْلِ- قَوْلَهُمْ: ﴿آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهو في ذِكْرِ شَأْنِ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، لِأنَّ المُرادَ إنْكارُ ما ادَّعَوْهُ (p-٤٨)وَنَفْيُهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وهُوَ: إخْراجُ ذَواتِهِمْ مِن أنْ تَكُونَ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائِدَةُ: ٣٧] فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: وما يَخْرُجُونَ مِنها. وأطْلَقَ الإيمانَ في الثانِي بَعْدَ تَقْيِيدِهِ في الأوَّلِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ التَقْيِيدُ، ويُتْرَكَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ نَفْيُ أصْلِ الإيمانِ وفي ضِمْنِهِ نَفْيُ المَذْكُورِ أوَّلًا، والآيَةُ تَنْفِي قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ: إنَّ الإيمانَ هو الإقْرارُ بِاللِسانِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ نَفى عَنْهُمُ اسْمَ الإيمانِ مَعَ وُجُودِ الإقْرارِ مِنهُمْ، وتُؤَيِّدُ قَوْلَ أهْلِ السُنَّةِ: إنَّهُ إقْرارٌ بِاللِسانِ وتَصْدِيقٌ بِالجَنانِ. ودَخَلَتِ الباءُ في خَبَرِ ما مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ، لِأنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ السامِعُ عَلى الجَحْدِ إذا غَفَلَ عَنْ أوَّلِ الكَلامِ. ومِن مُوَحَّدِ اللَفْظِ، فَلِذا قِيلَ: يَقُولُ وجَمَعَ ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ نَظَرًا إلى مَعْناهُ.

البقرة 2:9

﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أيْ: رَسُولُ اللهِ، فَحَذَفَ المُضافُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفُ: ٨٢] كَذا قالَهُ أبُو عَلِيٍّ -رَحِمَهُ اللهُ- وغَيْرُهُ، أيْ: يُظْهِرُونَ غَيْرَ ما في أنْفُسِهِمْ، فالخِداعُ: إظْهارُ غَيْرِ ما في النَفْسِ. وقَدْ رَفَعَ اللهُ مَنزِلَةَ النَبِيِّ ﷺ حَيْثُ جَعَلَ خِداعَهُ هو خِداعُهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحُ: ١٠] وقِيلَ: مَعْناهُ: يُخادِعُونَ اللهَ في زَعْمِهِمْ، لِأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ مِمَّنْ يَصِحُّ خِداعُهُ. وهَذا المِثالُ يَقَعُ كَثِيرًا لِغَيْرِ اثْنَيْنِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: عاقَبْتُ اللِصَّ. وقَدْ قُرِئَ: (يَخْدَعُونَ اللهَ). وهو بَيانٌ لِيَقُولَ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ؟ وما مَنفَعَتُهم في ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ ومَنفَعَتُهم في ذَلِكَ: مُتارَكَتُهم عَنِ المُحارَبَةِ الَّتِي كانَتْ مَعَ مَن سِواهم مِنَ الكُفّارِ، وإجْراءُ أحْكامِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، ونَيْلُهم مِنَ الغَنائِمِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. قالَ صاحِبُ "الوُقُوفِ": الوَقْفُ لازِمٌ عَلى ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْ وصَلَ لَصارَ التَقْدِيرُ: وما هم بِمُؤْمِنِينَ مُخادِعِينَ، فَيْنَتَفِي الوَصْفُ، كَقَوْلِكَ: ما هو بِرَجُلٍ كاذِبٍ، والمُرادُ: نَفْيُ الإيمانِ عَنْهُمْ، وإثْباتُ الخِداعِ لَهم. ومَن جَعَلَ يُخادِعُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: يَقُولُ، والعامِلُ فِيها: يَقُولُ، والتَقْدِيرُ: يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ مُخادِعِينَ، أوْ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في بِمُؤْمِنِينَ، والعامِلُ فِيها اسْمُ الفاعِلِ، (p-٤٩)والتَقْدِيرُ: وما هم بِمُؤْمِنِينَ في حالِ خِداعِهِمْ، لا يَقِفُ. والوَجْهُ الأوَّلُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: يُخادِعُونَ رَسُولَ اللهِ والمُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ الإيمانِ، وإضْمارِ الكُفْرِ ﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: وما يُعامِلُونَ تِلْكَ المُعامَلَةَ المُشْبِهَةَ بِمُعامَلَةِ المُخادِعِينَ إلّا أنْفُسَهُمْ، لِأنَّ ضَرَرَها يَلْحَقُهُمْ، وحاصِلُ خِداعِهِمْ -وَهُوَ العَذابُ في الآخِرَةِ- يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خَدَعُوا أنْفُسَهم " وما يُخادِعُونَ " أبُو عَمْرٌو ونافِعٌ ومَكِّيٌّ لِلْمُطابَقَةِ. وعُذْرُ الأوَّلِينَ أنَّ خَدَعَ وخادَعَ هُنا- بِمَعْنًى واحِدٍ. والنَفْسُ: ذاتُ الشَيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَلْبِ والرُوحِ: النَفْسُ، لِأنَّ النَفْسَ بِهِما، ولِلدَّمِ نَفْسٌ، لِأنَّ قِوامَها بِالدَمِ، ولِلْماءِ نَفْسٌ لِفَرْطِ حاجَتِها إلَيْهِ. والمُرادُ بِالأنْفُسِ هاهُنا-: ذَواتُهم. والمَعْنى بِمُخادَعَتِهِمْ ذَواتِهُمْ، أنَّ الخِداعَ لاصِقٌ بِهِمْ، لا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ حاصِلَ خِداعِهِمْ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ. والشُعُورُ: عِلْمُ الشَيْءِ عِلْمُ حِسٍّ، مِنَ الشِعارِ، وهُوَ: ثَوْبٌ يَلِي الجَسَدَ. ومَشاعِرُ الإنْسانِ: حَواسُّهُ، لِأنَّها آلاتُ الشُعُورِ. والمَعْنى: أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ بِهِمْ كالمَحْسُوسِ، وهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ.

البقرة 2:10

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ، لِأنَّ الشَكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، والمُنافِقُ مُتَرَدِّدٌ. في الحَدِيثِ: « "مَثَلَ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشاةِ العاثِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ". » والمَرِيضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ، ولِأنَّ المَرَضَ ضِدُّ الصِحَّةِ، والفَسادُ يُقابِلُ الصِحَّةَ، فَصارَ المَرَضُ اسْمًا لِكُلِّ فَسادٍ، والشَكُّ والنِفاقُ فَسادٌ في القَلْبِ ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ أيْ: ضَعْفًا عَنِ الِانْتِصارِ، وعَجْزًا عَنِ الِاقْتِدارِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ خُلُقِ النِفاقِ في حالَةِ البَقاءِ بِخُلُقِ أمْثالِهِ، كَما عُرِفَ في زِيادَةِ الإيمانِ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَعَيْلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أيْ: مُؤْلِمٍ ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ كُوفِيٌّ. أيْ: بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَما مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى (p-٥٠)المَصْدَرِ. والكَذِبُ: الإخْبارُ عَنِ الشَيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ " يَكْذِبُونَ " غَيْرَهُمْ، أيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ النَبِيَّ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ. وقِيلَ: هو مُبالَغَةٌ في كَذَبَ، كَما بُولِغَ في صَدَقَ فَقِيلَ: صَدَّقَ، ونَظِيرُهُما: بانَ الشَيْءُ وبَيَّنَ.

البقرة 2:11

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: يَقُولُ آمَنّا، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ومِنَ الناسِ مَن إذا قِيلَ لَهُمْ: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ لَكانَ صَحِيحًا. والفَسادُ: خُرُوجُ الشَيْءِ عَنْ حالِ اسْتِقامَتِهِ وكَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ، وضِدُّهُ: الصَلاحُ، وهُوَ: الحُصُولُ عَلى الحالِ المُسْتَقِيمَةِ النافِعَةِ، والفَسادُ في الأرْضِ: هِيَجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ، لِأنَّ في ذَلِكَ فَسادَ ما في الأرْضِ، وانْتِفاءَ الِاسْتِقامَةِ عَنْ أحْوالِ الناسِ، والزُرُوعِ، والمَنافِعِ الدِينِيَّةِ والدُنْيَوِيَّةِ، وكانَ فَسادُ المُنافِقِينَ في الأرْضِ أنَّهم كانُوا يُمايِلُونَ الكُفّارَ، ويُمالِئُونَهم عَلى المُسْلِمِينَ بِإفْشاءِ أسْرارِهِمْ إلَيْهِمْ، وإغْرائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى هِيَجِ الفِتَنِ بَيْنَهم ﴿قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِالمُداراةِ، يَعْنِي: أنَّ صِفَةَ المُصْلِحِينَ خَلَصَتْ لَنا، وتَمَحَّضَتْ مِن غَيْرِ شائِبَةِ قادِحٍ فِيها مَن وجْهٍ مِن وُجُوهِ الفَسادِ، لِأنَّ إنَّما لِقَصْرِ الحُكْمِ عَلى شَيْءٍ، أوْ لِقَصْرِ الشَيْءِ عَلى حُكْمٍ، كَقَوْلِكَ: إنَّما يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وإنَّما زَيْدٌ كاتِبٌ. وما: كافَّةٌ، لِأنَّها تَكُفُّها عَنِ العَمَلِ.

البقرة 2:12

﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم مُفْسِدُونَ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ. ألا: مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ النَفْيِ، لِإعْطاءِ مَعْنى التَنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ ما بَعْدَها، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَفْيِ أفادَ تَحْقَيِقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القِيامَةُ: ٤٠]. ولِكَوْنِها في هَذا المَنصِبِ مِنَ التَحْقِيقِ لا تَقَعُ الجُمْلَةُ بَعْدَها إلّا مُصَّدَّرَةً بِنَحْوِ ما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ. وقَدْ رَدَّ اللهُ ما ادَّعَوْهُ مِنَ الِانْتِظامِ في جُمْلَةِ المُصْلِحِينَ أبْلَغَ رَدٍّ، وأدَلَّهُ عَلى سُخْطٍ عَظِيمٍ، والمُبالَغَةِ فِيهِ (p-٥١)مِن جِهَةِ الِاسْتِئْنافِ، وما في ألا وإنَّ مِنَ التَأْكِيدِ، وتَعْرِيفِ الخَبَرِ، وتَوْسِيطِ الفَصْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾

البقرة 2:13

﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ الناسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُفَهاءُ﴾ نَصَحُوهم مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْبِيحُ ما كانُوا عَلَيْهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الصَوابِ وجَرِّهِ إلى الفَسادِ، وثانِيهِما: تَبْصِيرُهُمُ الطَرِيقَ الأسَدَّ مِنِ اتِّباعِ ذَوِي الأحْلامِ. فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ سَفَّهُوهم لِتَمادِي جَهْلِهِمْ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْعالِمِ مِمّا يَلْقى مِنَ الجَهَلَةِ. وإنَّما صَحَّ إسْنادُ "قِيلَ" إلى "تُفْسِدُوا" و"آمِنُوا"، مَعَ أنَّ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفِعْلِ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ إسْنادٌ إلى لَفْظِ الفِعْلِ، والمُمْتَنِعُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى مَعْنى الفِعْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهم هَذا القَوْلُ، ومِنهُ: زَعَمُوا مَطِيَّةُ الكَذِبِ، وما في "كَما": كافَّةٌ كَما في رُبَّما، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ كَما في ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ [التَوْبَةُ: ٢٥]. واللامُ في الناسِ لِلْعَهْدِ، أيْ: كَما آمَنَ الرَسُولُ ﷺ ومَن مَعَهُ، وهم ناسٌ مَعْهُودُونَ، أوْعَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأشْياعُهُ، أيْ: كَما آمَنَ أصْحابُكم وإخْوانُكُمْ، أوْ لِلْجِنْسِ، أيْ: كَما آمَنَ الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ، أوْ جُعِلَ المُؤْمِنُونَ كَأنَّهُمُ الناسُ عَلى الحَقِيقَةِ ومَن عَداهم كالبَهائِمِ. والكافُ في ﴿كَما آمَنَ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ، لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيمانًا مِثْلَ إيمانِ الناسِ، ومِثْلُهُ ﴿كَما آمَنَ السُفَهاءُ﴾ والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنُؤْمِنُ﴾ لِلْإنْكارِ. واللامُ في السُفَهاءِ مُشارٌ بِها إلى الناسِ. وإنَّما سَفَّهُوهم -وَهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ-، لِأنَّهم لِجَهْلِهِمُ اعْتَقَدُوا أنَّ ما هم فِيهِ هو الحَقُّ، وأنَّ ما عَداهُ باطِلٌ، ومَن رَكِبَ مَتْنَ الباطِلِ كانَ سَفِيهًا. والسَفَهُ: سَخافَةُ العَقْلِ، وخِفَّةُ الحِلْمِ ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم هُمُ السُفَهاءُ، وإنَّما ذَكَرَ هُنا- ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيما تَقَدَّمَ: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ السَفَهَ، وهو جَهْلٌ، فَكانَ ذِكْرُ العِلْمِ مَعَهُ أحْسَنُ طِباقًا لَهُ، ولِأنَّ الإيمانَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ حَتّى يَكْتَسِبَ الناظِرُ المَعْرِفَةَ. أمّا الفَسادُ في الأرْضِ فَأمْرٌ مَبْنِيٌّ (p-٥٢)عَلى العاداتِ، فَهو كالمَحْسُوسِ. و"السُفَهاءُ": خَبَرُ إنَّ. و"هُمْ": فَصْلٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ، و"السُفَهاءُ" خَبَرُ "هُمْ" والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

البقرة 2:14

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (وَإذا لاقَوْا) يُقالُ: لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ: إذا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنهُ. الآيَةُ الأُولى في بَيانِ مَذْهَبِ المُنافِقِينَ والتَرْجَمَةِ عَنْ نِفاقِهِمْ، وهَذِهِ في بَيانِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، ولِقائِهِمْ بِوُجُوهِ المُصادَقِينَ، وإيهامِهِمْ أنَّهم مَعَهم ﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ: إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، وبِإلى أبْلَغُ، لِأنَّ فِيهِ دَلالَةَ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ، أيْ: إذا خَلَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى شَياطِينِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَلا بِمَعْنى مَضى، و"شَياطِينُهُمْ": الَّذِينَ ماثَلُوا الشَياطِينَ في تَمَرُّدِهِمْ، وهُمُ اليَهُودُ. وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ نُونَ الشَياطِينِ أصْلِيَّةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: تَشَيْطَنَ. وعَنْهُ: أنَّها زائِدَةٌ. واشْتِقاقُهُ مَن شَطَنَ: إذا بَعُدَ، لِبُعْدِهِ مِنَ الصَلاحِ والخَيْرِ، أوْ مِن شاطَ: إذا بَطَلَ، ومِن أسْمائِهِ: الباطِلُ ﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ إنّا مُصاحِبُوكم ومُوافَقُوكم عَلى دِينِكم. وإنَّما خاطَبُوا المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وشَياطِينَهم بِالِاسْمِيَّةِ مُحَقَّقَةً بِإنَّ، لِأنَّهم في خِطابِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ في ادِّعاءِ حُدُوثِ الإيمانِ مِنهُمْ، لا في ادِّعاءِ أنَّهم أوْحَدِيُّونَ في الإيمانِ، إمّا لِأنَّ أنْفُسَهم لا تُساعِدُهم عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ لَهم مِن عَقائِدِهِمْ باعِثٌ ومُحَرِّكٌ، وإمّا لِأنَّهُ لا يَرُوجُ عَنْهم لَوْ قالُوهُ عَلى لَفْظِ التَأْكِيدِ والمُبالَغَةِ. وكَيْفَ يَطْمَعُونَ في رَواجِهِ وهم بَيْنَ ظَهَرانَيِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وأمّا خِطابُهم مَعَ إخْوانِهِمْ فَقَدْ كانَ عَنْ رَغْبَةٍ، وقَدْ كانَ مُتَقَبَّلًا مِنهُمْ، رائِجًا عَنْهُمْ، فَكانَ مَظِنَّةً لِلتَّحْقِيقِ، ومَئِنَّةً لِلتَّأْكِيدِ. ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ: الثَباتُ عَلى اليَهُودِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رَدٌّ لِلسَّلامِ، ودَفْعٌ لَهُ مِنهُمْ، لِأنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَيْءِ، (p-٥٣)المُسْتَخِفَّ بِهِ، مُنْكِرٌ لَهُ، ودافِعٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَدًّا بِهِ، ودَفْعُ نَقِيضِ الشَيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَباتِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ، حِينَ قالُوا لَهُمْ: إنّا مَعَكم إنْ كُنْتُمْ مَعَنا فَلِمَ تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ؟ فَقالُوا: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِهْزاءُ: السُخْرِيَةُ والِاسْتِخْفافُ، وأصْلُ البابِ: الخِفَّةُ مِنَ الهُزْءِ، وهو القَتْلُ السَرِيعُ، وهَزَأ يَهْزَأُ: ماتَ عَلى المَكانِ.

البقرة 2:15

﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أيْ: يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، فَسَمّى جَزاءَ الِاسْتِهْزاءِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٩٤] فَسَمّى جَزاءَ السَيِّئَةِ سَيِّئَةً، وجَزاءَ الِاعْتِداءِ اعْتِداءً، وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ سَيِّئَةً واعْتِداءً، وهَذا لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ لا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ، لِأنَّهُ مِن بابِ العَبَثِ، وتَعالى عَنْهُ. قالَ الزَجّاجُ: هو الوَجْهُ المُخْتارُ. واسْتِئْنافُ قَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، في غايَةِ الجَزالَةِ والفَخامَةِ، وفِيهِ أنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَهْزِئُ بِهِمُ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ، الَّذِي لَيْسَ اسْتِهْزاؤُهم إلَيْهِ بِاسْتِهْزاءٍ، لِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ النَكالِ والذُلِّ والهَوانِ، ولَمّا كانَتْ نِكاياتُ اللهِ وبَلاياهُ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ساعَةً فَساعَةً قِيلَ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلِ: اللهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمْ، لِيَكُونَ طِبْقًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أيْ: يُمْهِلُهم. عَنِ الزَجّاجِ: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ في غُلُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ويَتَرَدَّدُونَ. وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الأصْلَحِ.

البقرة 2:16

﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى﴾ أيِ: اسْتَبْدَلُوها بِهِ، واخْتارُوها عَلَيْهِ. وإنَّما قالَ: ﴿اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى﴾ ولَمْ يَكُونُوا عَلى هُدًى، لِأنَّها في قَوْمٍ آمِنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، أوْ في اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ، أوْ جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ كَأنَّ الهُدى قائِمٌ فِيهِمْ، فَتَرَكُوهُ بِالضَلالَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ البَيْعِ تَعاطِيًا، لِأنَّهم لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشِراءِ، ولَكِنْ تَرَكُوا الهُدى بِالضَلالَةِ عَنِ اخْتِيارٍ، وسُمِّيَ ذَلِكَ (p-٥٤)شِراءً، فَصارَ دَلِيلًا لَنا عَلى أنَّ مَن أخَذَ شَيْئًا مِن غَيْرِهِ، وتَرَكَ عَلَيْهِ عِوَضَهُ بِرِضاهُ، فَقَدِ اشْتَراهُ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، والضَلالَةُ: الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ، وفَقْدُ الِاهْتِداءِ. يُقالُ: ضَلَّ مُنْزِلَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلذَّهابِ عَنِ الصَوابِ في الدِينِ ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ الرِبْحُ: الفَضْلُ عَلى رَأْسِ المالِ، والتِجارَةُ: صِناعَةُ التاجِرِ، وهو الَّذِي يَبِيعُ ويَشْتَرِي لِلرِّبْحِ. وإسْنادُ الرِبْحِ إلى التِجارَةِ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، ومَعْناهُ: فَما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، إذِ التِجارَةُ لا تُرْبَحُ. ولَمّا وقَعَ شِراءُ الضَلالَةِ بِالهُدى مَجازًا أتْبَعَهُ ذِكْرَ الرِبْحِ والتِجارَةِ تَرْشِيحًا لَهُ، كَقَوْلِهِ: ؎ ولَمّا رَأيْتُ النَسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ ∗∗∗ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي لِما شَبَّهَ الشَيْبَ بِالنَسْرِ والشَعْرَ الفاحِمَ بِالغُرابِ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ التَعْشِيشِ والوَكْرِ ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لِطَرِيقِ التِجارَةِ، كَما يَكُونُ التُجّارُ المُتَصَرِّفُونَ العالِمُونَ بِما يَرْبَحُ فِيهِ ويَخْسَرُ. والمَعْنى: إنَّ مَطْلُوبَ التُجّارِ سَلامَةُ رَأْسِ المالِ والرِبْحُ، وهَؤُلاءِ قَدْ أضاعُوهُما، فَرَأْسُ مالِهِمُ الهُدى، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعَ الضَلالَةِ، وإذا لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا الضَلالَةُ لَمْ يُوصَفُوا بِإصابَةِ الرِبْحِ، وإنْ ظَفِرُوا بِالأغْراضِ الدُنْيَوِيَّةِ، لِأنَّ الضالَّ خاسِرٌ، ولِأنَّهُ لا يُقالُ لِمَن لَمْ يَسْلَمْ لَهُ رَأْسُ مالِهِ: قَدْ رَبِحَ. وقِيلَ: الَّذِينَ: صِفَةُ أُولَئِكَ، و﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في مَحَلِّ الرَفْعِ خَبَرُ "أُولَئِكَ".

البقرة 2:17

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ لَمّا جاءَ بِحَقِيقَةِ صِفَتِهِمْ عَقَّبَها بِضَرْبِ المَثَلِ زِيادَةً في الكَشْفِ، وتَتْمِيمًا لِلْبَيانِ. ولِضَرْبِ الأمْثالِ في إبْرازِ خَفِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ تَأْثِيرٌ ظاهِرٌ. ولَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ في الكُتُبِ السَماوِيَّةِ. ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُورَةُ الأمْثالِ. والمَثَلُ في أصْلِ كَلامِهِمْ: هو المَثَلُ، وهو النَظِيرُ. يُقالُ: مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ. ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السائِرِ المَثَلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ. ولَمْ يَضْرِبُوا مَثَلًا إلّا قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ، ولِذا حُوفِظَ عَلَيْهِ فَلا يُغَيَّرُ. وقَدِ اسْتُعِيرَ المَثَلُ لِلْحالِ، أوِ الصِفَةِ، أوِ القِصَّةِ إذا كانَ لَها شَأْنٌ، وفِيها غَرابَةٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَأْنِ كَحالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرَعْدُ: ٣٥] أيْ: وفِيما قَصَصْنا (p-٥٥)عَلَيْكَ مِنَ العَجائِبِ قِصَّةُ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ الشَأْنِ، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ عَجائِبِها ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النَحْلُ: ٦٠] أيِ: الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالَةِ. ووَضَعَ الَّذِي مَوْضِعَ الَّذِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التَوْبَةُ: ٦٩] فَلا يَكُونُ تَمْثِيلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، أوْ قَصْدُ جِنْسِ المُسْتَوْقَدِينَ، أوْ أُرِيدَ الفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، عَلى أنَّ ذَواتِ المُنافِقِينَ لَمْ يُشَبَّهُوا بِذاتِ المُسْتَوْقِدِ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ تَشْبِيهُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، إنَّما شُبِّهَتْ قِصَّتُهم بِقِصَّةِ المُسْتَوْقِدِ. ومَعْنى اسْتَوْقَدَ: أوْقَدَ. ووُقُودُ النارِ: سُطُوعُها. والنارُ: جَوْهَرُ لَطِيفٌ مُضِيءٌ حارٌّ مُحْرِقٌ. واشْتِقاقُها مِن: نارَ يَنُورُ، إذا نَفَرَ، لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ الإضاءَةُ: فَرْطُ الإنارَةِ، ومِصْداقُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسُ: ٥] وهي في الآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ. [وَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ] مُسْنَدَةً إلى ﴿ما حَوْلَهُ﴾ والتَأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ ما حَوْلَ المُسْتَوْقَدِ أماكِنُ وأشْياءُ. وجَوابُ "فَلَمّا" ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ وهو ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُهُ مِثْلُ إذا، وما مَوْصُولَةٌ، وحَوْلَهُ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أضاءَتْ شَيْئًا ثابِتًا حَوْلَهُ. وجَمْعُ الضَمِيرِ وتَوْحِيدُهُ لِلْحَمْلِ عَلى اللَفْظِ تارَةً، وعَلى المَعْنى أُخْرى. والنُورُ: ضَوْءُ النارِ، وُضُوءُ كُلِّ نَيِّرٍ. ومَعْنى أذْهَبَهُ: أزالَهُ وجَعَلَهُ ذاهِبًا، ومَعْنى ذَهَبَ بِهِ: اسْتَصْحَبَهُ، ومَضى بِهِ. والمَعْنى: أخَذَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وأمْسَكَهُ ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ اللهُ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطِرُ: ٢] فَكانَ أبْلَغَ مِنَ الإذْهابِ، ولَمْ يَقُلْ: ذَهَبَ اللهُ بِضَوْئِهِمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾ لِأنَّ ذِكْرَ النُورِ أبْلَغُ، لِأنَّ الضَوْءَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الزِيادَةِ، والمُرادُ: إزالَةُ النُورِ عَنْهم رَأْسًا، ولَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللهُ بِضَوْئِهِمْ، لِأوْهَمَ الذَهابَ بِالزِيادَةِ، وبَقاءَ ما يُسَمّى نُورًا. ألا تَرى كَيْفَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ والظُلْمَةُ: عَرَضَ يُنافِي النُورَ، وكَيْفَ جَمَعَها، وكَيْفَ نَكَّرَها، وكَيْفَ أتْبَعَها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها ظُلْمَةٌ لا يَتَراءى فِيها شَبَحانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ وتَرَكَ بِمَعْنى: طَرَحَ (p-٥٦)وَخَلّى إذا عُلِّقَ بِواحِدٍ، فَإذا عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ كانَ مُضَمَّنًا مَعْنى صَيَّرَ، فَيَجْرِي مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ، ومِنهُ ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ أصْلُهُ: هم في ظُلُماتٍ، ثُمَّ دَخَلَ تَرَكَ فَنَصَبَ الجُزْأيْنِ، والمَفْعُولُ الساقِطُ مِن ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مِن قَبِيلِ المَتْرُوكِ المَطْرُوحِ، لا مِن قَبِيلِ المُقَدَّرِ المَنَوِيِّ، كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَّعَدٍ أصْلًا، وإنَّما شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ المُسْتَوْقِدِ، لِأنَّهم غِبُّ الإضاءَةِ وقَعُوا في ظُلْمَةٍ وحَيْرَةٍ. نَعَمْ. المُنافِقُ خابِطٌ في ظُلُماتِ الكُفْرِ أبَدًا، ولَكِنَّ المُرادَ ما اسْتَضاءُوا بِهِ قَلِيلًا مِنَ الِانْتِفاعِ بِالكَلِمَةِ المُجْراةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ووَراءَ اسْتِضاءَتِهِمْ بِنُورِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ظُلْمَةُ النِفاقِ المُفْضِيَةُ بِهِمْ إلى ظُلْمَةِ العِقابِ السَرْمَدِ. ولِلْآيَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ وهُوَ: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذا التَمْثِيلِ لِيُمَثِّلَ هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالنارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، والضَلالَةِ الَّتِي اشْتَرَوْها بِذَهابِ اللهِ بِنُورِهِمْ، وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُلُماتِ، وتَنْكِيرُ النارِ لِلتَّعْظِيمِ.

البقرة 2:18

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أيْ: هم صُمٌّ، كانَتْ حَواسُّهم سَلِيمَةً، ولَكِنْ لَمّا سَدُّوا عَنِ الإصاخَةِ إلى الحَقِّ مَسامِعَهُمْ، وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِهِ ألْسِنَتَهُمْ، وأنْ يَنْظُرُوا ويَتَبَصَّرُوا بِعُيُونِهِمْ، جُعِلُوا كَأنَّما إيفَتْ مَشاعِرُهم. وطَرِيقَتُهُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ طَرِيقَةُ قَوْلِهِمْ: هم لُيُوثٌ لِلشُّجْعانِ، وبُحُورٌ لِلْأسْخِياءِ، إلّا أنَّ هَذا في الصِفاتِ، وذَلِكَ في الأسْماءِ. وما في الآيَةِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ في الأصَحِّ لا اسْتِعارَةٌ، لِأنَّ المُسْتَعارَ لَهُ مَذْكُورٌ وهُمُ المُنافِقُونَ، والِاسْتِعارَةُ إنَّما تُطْلَقُ حَيْثُ يُطْوى ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ، ويُجْعَلُ الكَلامُ خَلْوًا عَنْهُ، صالِحًا، لِأنَّ يُرادُ بِهِ المَنقُولُ عَنْهُ والمَنقُولُ إلَيْهِ، لَوْلا دَلالَةُ الحالِ، أوْ فَحْوى الكَلامِ ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ لا يَعُودُونَ إلى الهُدى بَعْدَ أنْ باعُوهُ، أوْ عَنِ الضَلالَةِ بَعْدَ أنِ اشْتَرَوْها، لِتَنَوُّعِ الرُجُوعِ إلى الشَيْءِ وعَنْهُ، أوْ أرادَ أنَّهم مُتَحَيِّرُونَ، بَقُوا جامِدَيْنِ في مَكاناتِهِمْ لا يَبْرَحُونَ ولا يَدْرُونَ أيُتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ.

البقرة 2:19

(p-٥٧)﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ ثَنّى اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في شَأْنِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ لِزِيادَةِ الكَشْفِ والإيضاحِ، شَبَّهَ المُنافِقَ في التَمْثِيلِ الأوَّلِ المُسْتَوْقِدَ نارًا، وإظْهارُ الإيمانِ بِالإضاءَةِ، وانْقِطاعُ انْتِفاعِهِ بِانْطِفاءِ النارِ. وهُنا شَبَّهَ دِينَ الإسْلامِ بِالصَيِّبِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن شُبَهِ الكُفّارِ بِالظُلُماتِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالرَعْدِ والبَرْقِ، وما يُصِيبُهم مِنَ الأفْزاعِ والبَلايا مِن جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِالصَواعِقِ، والمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، فَحَذَفَ مِثْلَ لِدَلالَةِ العَطْفِ عَلَيْهِ، وذَوِي لِدَلالَةِ يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ، والمُرادُ: كَمَثَلِ قَوْمٍ أخَذَتْهُمُ السَماءُ بِهَذِهِ الصِفَةِ فَلَقُوا مِنها ما لَقُوا، فَهَذا تَشْبِيهُ أشْياءَ بِأشْياءَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ المُشَبَّهاتِ، كَما صَرَّحَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ [غافِرٌ: ٥٨]. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ كَأنَّ قُلُوبَ الطَيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي بَلْ جاءَ بِهِ مَطْوِيًّا ذِكْرُهُ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعارَةِ، والصَحِيحُ أنَّ التَمْثِيلَيْنِ مِن جُمْلَةِ التَمْثِيلاتِ المُرَكَّبَةِ دُونَ المُفَرَّقَةِ، لِأنَّهُ يَتَكَلَّفُ لِواحِدٍ واحِدٍ شَيْءٌ بِقَدْرِ شُبَهِهِ بِهِ. بَيانُهُ أنَّ العَرَبَ تَأْخُذُ أشْياءَ فُرادى مَعْزُولًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لَمْ يَأْخُذْ هَذا بِحُجْزَةِ ذاكَ فَتُشَبِّهُها بِنَظائِرِها، كَما فَعَلَ امْرُؤُ القَيْسِ، وتُشَبَّهُ كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ مِن مَجْمُوعِ أشْياءَ قَدْ تَضامَّتْ وتَلاصَقَتْ حَتّى عادَتْ شَيْئًا واحِدًا بِأُخْرى مِثْلِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ الآيَةُ [الجُمْعَةُ: ٥] فالمُرادُ تَشْبِيهُ حالِ اليَهُودِ في جَهْلِها بِما مَعَها مِنَ التَوْراةِ بِحالِ الحِمارِ في جَهْلِهِ بِما يَحْمِلُ مِن أسْفارِ الحِكْمَةِ، وتَساوِي الحالَتَيْنِ عِنْدَهُ مِن حَمْلِ أسْفارِ الحِكْمَةِ، (p-٥٨)وَحَمْلِ ما سِواها مِنَ الأوْقارِ، ولا يَشْعُرُ مِن ذَلِكَ إلّا بِما يَمُرُّ بِدُفَّيْهِ مِنَ التَعَبِ والكَدِّ. وكَقَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَماءِ﴾ [الكَهْفُ: ٤٥] فالمُرادُ قِلَّةُ بَقاءِ زَهْرَةِ الحَياةِ الدُنْيا كَقِلَّةِ بَقاءِ الخُضْرِ، فَهو تَشْبِيهُ كَيْفِيَّةٍ بِكَيْفِيَّةٍ، فَأمّا أنْ يُرادَ تَشْبِيهُ الأفْرادِ بِالأفْرادِ غَيْرَ مَنُوطٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ ومُصَيَّرَةً شَيْئًا واحِدًا، فَلا. فَكَذَلِكَ لَمّا وصَفَ وُقُوعَ المُنافِقِينَ في ضَلالِهِمْ، وما خَبَطُوا فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ والدَهْشَةِ، شُبِّهَتْ حَيْرَتُهم وشِدَّةُ الأمْرِ بِما يُكابِدُ مَن أُطْفِئَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها في ظُلْمَةِ اللَيْلِ، وكَذَلِكَ مَن أخَذَتْهُ السَماءُ في اللَيْلَةِ المُظْلِمَةِ مَعَ رَعْدٍ وبَرْقٍ وخَوْفٍ مِنَ الصَواعِقِ. والتَمْثِيلُ الثانِي أبْلَغُ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، ولِذا أخَّرَ، وهم يَتَدَرَّجُونَ في نَحْوِ هَذا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ. وعَطَفَ أحَدَ التَمْثِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ بَأوْ، لِأنَّها في أصْلِها لِتَساوِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا [فِي الشَكِّ عِنْدَ البَعْضِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُجَرَّدِ التَساوِي] كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سَيْرَيْنِ، تُرِيدُ أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِصْوابِ أنْ يُجالَسا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنْسانُ: ٢٤] أيِ: الآثِمُ والكَفُورُ سِيّانِ في وُجُوبِ العِصْيانِ. فَكَذا هُنا مَعْناهُ: أنَّ كَيْفِيَّةَ قِصَّةِ المُنافِقِينَ مُشْبِهَةٌ لِكَيْفِيَّتَيْ هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ، وأنَّ القِصَّتَيْنِ سَواءٌ في اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بِوَجْهِ التَمْثِيلِ، فَبِأيَّتِهِما مَثَّلْتَها فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ مَثَّلْتَها بِهِما جَمِيعًا فَكَذَلِكَ، والصَيِّبُ: المَطَرُ الَّذِي يَصُوبُ، أيْ: يَنْزِلُ ويَقَعُ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: صِيِّبٌ أيْضًا. وتَنْكِيرُ صَيِّبٍ، لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٌ هائِلٌ، كَما نُكِّرَتِ النارُ في التَمْثِيلِ الأوَّلِ. والسَماءُ: هَذِهِ المَظَلَّةُ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّها مَوْجٌ مَكْفُوفٌ. والفائِدَةُ في ذِكْرِ السَماءِ -والصَيِّبُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ السَماءِ- أنَّهُ جاءَ بِالسَماءِ مَعْرِفَةً فَأفادَ أنَّهُ غَمامٌ أخَذَ بِآفاقِ السَماءِ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِن سَماءٍ، أيْ: مَن أُفُقٍ واحِدٍ مِن بَيْنِ سائِرِ الآفاقِ، لِأنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِن آفاقِها سَماءٌ، فَفي التَعْرِيفِ مُبالَغَةٌ كَما في تَنْكِيرِ صَيِّبٍ (p-٥٩)وَتَرْكِيبِهِ وبِنائِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَحابَ مِنَ السَماءِ يَنْحَدِرُ، مِنها يَأْخُذُ ماءَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ البَحْرِ ويَرْتَفِعُ، ظُلُماتٌ: مَرْفُوعٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُ قَدْ قَوِيَ لِكَوْنِهِ صِفَةً لِصَيِّبٍ، بِخِلافِ ما لَوْ قُلْتَ ابْتِداءً: فِيهِ ظُلُماتٌ، فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنِ الأخْفَشِ وسِيبَوَيْهِ. والرَعْدُ: الصَوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَحابِ لِاصْطِكاكِ أجْرامِ السَحابِ، أوْ مَلَكٍ يَسُوقُ السَحابَ. والبَرْقُ: الَّذِي يَلْمَعُ مِنَ السَحابِ، مِن بَرَقَ الشَيْءُ بَرِيقًا: إذا لَمَعَ. والضَمِيرُ في فِيهِ يَعُودُ إلى الصَيِّبِ، فَقَدْ جَعَلَ الصَيِّبَ مَكانًا لِلظُّلُماتِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ السَحابُ فَظُلُماتُهُ إذا كانَ أسْحَمَ مُطْبِقًا، ظُلْمَتا سُحْمَتِهِ وتَطْبِيقِهِ مَضْمُومًا إلَيْهِما ظُلْمَةُ اللَيْلِ، وأمّا ظُلُماتُ المَطَرِ فَظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ بِتَتابُعِ القُطْرِ وظُلْمَةِ إظْلالِ غَمامِهِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَيْلِ. وجَعْلُ الصَيِّبِ مَكانًا لِلرَّعْدِ والبَرْقِ عَلى إرادَةِ السَحابِ بِهِ ظاهِرٌ. وكَذا إنْ أُرِيدَ بِهِ المَطَرُ، لِأنَّهُما مُلْتَبِسانِ بِهِ في الجُمْلَةِ. ولَمْ يَجْمَعِ الرَعْدَ والبَرْقَ، لِأنَّهُما مَصْدَرانِ في الأصْلِ، يُقالُ: رَعَدَتِ السَماءُ رَعْدًا، وبَرَقَتْ بَرْقًا، فَرُوعِيَ حُكْمُ الأصْلِ بِأنْ تُرِكَ جَمْعُهُما، ونُكِّرَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، لِأنَّ المُرادَ أنْواعٌ مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ ظُلُماتٌ داجِيَةٌ، ورَعْدٌ قاصِفٌ، وبَرْقٌ خاطِفٌ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ الضَمِيرُ لِأصْحابِ الصَيِّبِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعْرافُ: ٤] لِأنَّ المَحْذُوفَ باقٍ مَعْناهُ وإنْ سَقَطَ لَفْظُهُ. ولا مَحَلَّ لِيَجْعَلُونِ لِكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرَعْدَ والبَرْقَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِالشِدَّةِ والهَوْلِ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مَثَلِ ذَلِكَ الرَعْدِ؟ فَقِيلَ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مَثَلِ ذَلِكَ البَرْقِ؟ فَقالَ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٠] وإنَّما ذَكَرُ الأصابِعَ، ولَمْ يَذْكُرِ الأنامِلَ، ورُءُوسُ الأصابِعِ هي الَّتِي تُجْعَلُ في الأذانِ، اتِّساعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائِدَةُ: ٣٨] والمُرادُ إلى الرُسْغِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ الأصابِعِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذِكْرِ الأنامِلِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الأُصْبُعَ الخاصَّ الَّذِي تُسَدُّ بِهِ الأُذُنُ، لِأنَّ السَبّابَةَ فَعّالَةٌ مِنَ السَبِّ، فَكانَ (p-٦٠)اجْتِنابُها أوْلى بِآدابِ القُرْآنِ، ولَمْ يَذْكُرِ المِسْبَحَةَ، لِأنَّها مُسْتَحْدَثَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ ﴿مِنَ الصَواعِقِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْعَلُونَ، أيْ: مِن أجْلِ الصَواعِقِ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ. والصاعِقَةُ: قَصْفَةُ رَعْدٍ تَنْقَضُّ مَعَها شَقَّةٌ مِن نارٍ. قالُوا: تَنْقَدِحُ مِنَ السَحابِ إذا اصْطَكَّتْ أجْرامُهُ. وهي نارٌ لَطِيفَةٌ حَدِيدَةٌ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلاَّ أتَتْ عَلَيْهِ، إلاَّ أنَّها مَعَ حِدَّتِها سَرِيعَةُ الخُمُودِ. يُحْكى أنَّها سَقَطَتْ عَلى نَخْلَةٍ فَأحْرَقَتْ نَحْوَ النِصْفِ ثُمَّ طَفِئَتْ. ويُقالُ: صَعْقَتُهُ الصاعِقَةُ: إذا أهْلَكَتْهُ فَصَعِقَ، أيْ: ماتَ إمّا بِشِدَّةِ الصَوْتِ، أوْ بِالإحْراقِ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ. والمَوْتُ: فَسادُ بِنْيَةِ الحَيَوانِ أوْ عَرَضٌ لا يَصِحُّ مَعَهُ إحْساسٌ مُعاقِبٌ لِلْحَياةِ ﴿واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ، كَما لا يَفُوتُ المُحاطَ بِهِ المُحِيطُ بِهِ، فَهو مَجازٌ، هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَها.

البقرة 2:20

﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ الخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وكادَ يُسْتَعْمَلُ لِتَقْرِيبِ الفِعْلِ جِدًّا، ومَوْضِعُ يَخْطِفُ نَصْبٌ، لِأنَّهُ خَبَرُ كادَ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾ "كُلَّ" ظَرْفٌ، و"ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، مَعْناها: الوَقْتُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: كُلَّ وقْتٍ أضاءَ لَهم فِيهِ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُها وهو ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ أيْ: في ضَوْئِهِ. وهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ في تارَتَيِ خُفُوقِ البَرْقِ وخُفْيَتِهِ؟ وهَذا تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أصْحابِ الصَيِّبِ، وما هم فِيهِ مِن غايَةِ التَحَيُّرِ والجَهْلِ بِما يَأْتُونَ وما يَذْرُونَ. إذا صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطِفَ أبْصارَهُمُ انْتَهَزُوا تِلْكَ الخَفْقَةَ فُرْصَةً، فَخَطَوْا خُطُواتٍ يَسِيرَةً، فَإذا خَفِيَ وفَتَرَ لَمَعانُهُ بَقُوا واقِفِينَ. وأضاءَ: مُتَعَدٍّ، أيْ: كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَمْشًى ومَسْلَكًا أخَذُوهُ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أوْ غَيْرُ مُتَّعَدٍ، أيْ: كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ. والمَشْيُ: جِنْسُ الحَرَكَةِ المَخْصُوصَةِ، فَإذا اشْتَدَّ فَهو سَعْيٌ، فَإذا ازْدادَ فَهو عَدْوٌ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ أظْلَمَ غَيْرُ مُتَّعَدٍ. وذَكَرَ مَعَ "أضاءَ" "كُلَّما"، ومَعَ "أظْلَمَ" "إذا"، لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى وُجُودِ ما هَمُّهم بِهِ مَعْقُودٌ مِن إمْكانِ المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها، ولا كَذَلِكَ التَوَقُّفُ ﴿قامُوا﴾ وقَفُوا، وثَبَتُوا (p-٦١)فِي مَكانِهِمْ، ومِنهُ: قامَ الماءُ: إذا جَمُدَ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ بِقَصِيفِ الرَعْدِ، ﴿وَأبْصارِهِمْ﴾ بِوَمِيضِ البَرْقِ، ومَفْعُولُ "شاءَ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، أيْ: ولَوْ شاءَ اللهُ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَذَهَبَ بِهِما. ولَقَدْ تَكاثَرَ هَذا الحَذْفُ في "شاءَ"، وأرادَ: لا يَكادُونَ يُبْرِزُونَ المَفْعُولَ إلّا في الشَيْءِ المُسْتَغْرَبِ، كَنَحْوِ قَوْلِهِ: ؎ فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ ولَكِنْ ساحَةُ الصَبْرِ أوْسَعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ [الأنْبِياءُ: ١٧] و﴿لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزُمَرُ: ٤] ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

البقرة 2:21

لَمّا عَدَّدَ اللهُ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ والمُنافِقِينَ، وذَكَرَ صِفاتِهِمْ وأحْوالَهُمْ، وما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ مِمّا يُسْعِدُها، ويُشْقِيها، ويُحْظِيها، ويُرْدِيها أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، وهو مِنَ الِالتِفاتِ المَذْكُورِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ قالَ عَلْقَمَةُ: ما في القُرْآنِ " يا أيُّها الناسُ " فَهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وما فِيهِ " يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا " فَهو خِطابٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ. وهَذا خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. و"يا": حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ -وَأيُّ والهَمْزَةُ لِلْقَرِيبِ- ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُناداةِ مَن غَفَلَ وسَها، وإنْ قَرُبَ ودَنا، تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بَعُدَ ونَأى، فَإذا نُودِيَ بِهِ القَرِيبُ المُقاطِنُ فَذاكَ لِلتَّوْكِيدِ المُؤْذِنِ بِأنَّ الخِطابَ الَّذِي يَتْلُوهُ مُعْتَنًى بِهِ جِدًّا، وقَوْلُ الداعِي: يا رَبِّ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ- اسْتِقْصارٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، واسْتِبْعادٌ لَها عَنْ مَظانِّ الزُلْفى، هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وإقْرارًا عَلَيْها بِالتَفْرِيطِ مَعَ فَرْطِ التَهالُكِ عَلى اسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِ. وأيُّ: وُصْلَةٌ إلى نِداءِ ما فِيهِ الألِفُ واللامُ، كَما أنَّ "ذُو" و"الَّذِي" وُصْلَتانِ إلى الوَصْفِ بِأسْماءِ الأجْناسِ، ووَصْفُ المَعارِفِ بِالجُمَلِ. وهو اسْمٌ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلى ما يُزِيلُ إبْهامَهُ، فَلا بُدَّ أنْ (p-٦٢)يَرْدِفَهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ يَتَّصِفُ بِهِ، حَتّى يَتَّضِحَ المَقْصُودُ بِالنِداءِ. فالَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ يا: أيُّ. والتابِعُ لَهُ صِفَتُهُ، نَحْوُ: يا زَيْدُ الظَرِيفُ، إلّا أنَّ أيًّا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلالَ زَيْدٍ، فَلَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الصِفَةِ، وكَلِمَةِ التَنْبِيهِ المُقْحَمَةِ بَيْنَ الصِفَةِ ومَوْصُوفِها لِتَأْكِيدِ مَعْنى النِداءِ، ولِلْعِوَضِ عَمّا يَسْتَحِقُّهُ، أيْ: مِنَ الإضافَةِ، وكَثُرَ النِداءُ في القُرْآنِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ، لِأنَّ ما نادى اللهُ بِهِ عِبادَهُ مِن أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، أُمُورٌ عِظامٌ، وخُطُوبٌ جِسامٌ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَيَقَّظُوا لَها، ويَمِيلُوا بِقُلُوبِهِمْ إلَيْها، وهم عَنْها غافِلُونَ، فاقْتَضَتْ أنْ يُنادَوْا بِالآكَدِ الأبْلَغِ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وحِّدُوهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: كُلُّ عِبادَةٍ في القُرْآنِ فَهي تَوْحِيدٌ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ مُمَيِّزَةٌ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ الآلِهَةَ أرْبابًا. والخَلْقُ: إيجادُ المَعْدُومِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ. وعِنْدالمُعْتَزِلَةِ: إيجادُ الشَيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ. وهَذا بِناءً عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ عِنْدَهُمْ، لِأنَّ الشَيْءَ ما صَحَّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ عِنْدَهُمْ، وعِنْدَنا هو اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ "خَلَقَكُمْ" بِالِإدْغامِ، أبُو عَمْرٍو ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ خالِقُهم وخالِقُ مَن قَبْلَهُمْ، لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ مُقِرِّينَ بِأنَّهُ خالِقُكم فاعْبُدُوهُ، ولا تَعْبُدُوا الأصْنامَ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ: اعْبُدُوا عَلى رَجاءِ أنْ تَتَّقُوا فَتَنْجُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العَذابِ. ولَعَلَّ لِلتَّرَجِّي والإطْماعِ، ولَكِنَّهُ إطْماعٌ مِن كِرِيمٍ، فَيَجْرِي مَجْرى وعْدِهِ المَحْتُومِ وفاؤُهُ، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: هو بِمَعْنى كَيْ، أيْ: لِكَيْ تَتَّقُوا.

البقرة 2:22

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ: صَيَّرَ. ومَحِلُّ الَّذِي نَصْبَ عَلى المَدْحِ، أوْ رَفْعٌ بِإضْمارِ هو ﴿فِراشًا﴾ بِساطًا تَقْعُدُونَ عَلَيْها، وتَنامُونَ، وتَتَقَلَّبُونَ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مُسَطَّحَةٌ أوْ كُرِّيَّةٌ إذِ الِافْتِراشُ مُمْكِنٌ عَلى التَقْدِيرَيْنِ ﴿والسَماءَ بِناءً﴾ سَقْفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا (p-٦٣)السَماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءُ: ٣٢] وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ المَبْنِيُّ ﴿وَأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ بِالماءِ. نَعَمْ خُرُوجُ الثَمَراتِ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وإيجادِهِ، ولَكِنَّ جَعْلَ الماءِ سَبَبًا في خُرُوجِها، كَماءِ الفَحْلِ في خَلْقِ الوَلَدِ، وهو قادِرٌ عَلى إنْشاءِ الكُلِّ بِلا سَبَبٍ، كَما أنْشَأ نُفُوسَ الأسْبابِ والمَوادِّ، ولَكِنَّ لَهُ في إنْشاءِ الأشْياءِ مَدْرَجًا لَها مِن حالٍ إلى حالٍ، وناقِلًا مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ، حِكَمًا وعِبَرًا لِلنُّظّارِ بِعُيُونِ الِاسْتِبْصارِ. و"مِن" في ﴿مِنَ الثَمَراتِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلْبَيانِ ﴿رِزْقًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ إنْ كانَتْ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولٌ بِهِ لِأخْرَجَ إنْ كانَتْ لِلْبَيانِ. وإنَّما قِيلَ: الثَمَراتُ دُونَ الثَمَرِ والثِمارِ -وَإنْ كانَ الثَمَرُ المُخْرَجُ بِماءِ السَماءِ كَثِيرًا-، لِأنَّ المُرادَ جَماعَةُ الثَمَرَةِ، ولِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، لِالتِقائِها في الجَمْعِيَّةِ ﴿لَكُمُ﴾ صِفَةٌ جارِيَةٌ عَلى الرِزْقِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَيْنُ، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَعْنى فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، أيِ: اعْبُدُوا رَبَّكم فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، لِأنَّ أصْلَ العِبادَةِ وأساسَها التَوْحِيدُ، وأنْ لا يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ ولا شَرِيكٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾ ودُخُولُ الفاءِ، لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ الجَزاءَ، أيِ: الَّذِي حَفَّكم بِهَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةِ، والدَلائِلِ النَيِّرَةِ الشاهِدَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ. والنِدُّ: المَثَلُ، ولا يُقالُ إلّا لِلْمَثَلِ المُخالِفِ والمُنافِي. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: لَيْسَ لِلَّهِ نِدٌّ ولا ضِدٌّ: نَفْيُ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُ، ونَفْيُ ما يُنافِيهِ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَرْزُقُ، واللهُ الخالِقُ الرازِقُ، أوْ مَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَتْرُوكٌ، أيْ: وأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، وجَعْلُ الأصْنامِ لِلَّهِ أنْدادًا غايَةُ الجَهْلِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾

البقرة 2:23

وَلَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ، ويُبْطِلُ الإشْراكَ -لِخَلْقِهِمْ أحْياءً قادِرِينَ، وخَلْقِ الأرْضِ الَّتِي هي مَكانُهم ومُسْتَقَرُّهُمْ، وخَلْقِ السَماءِ الَّتِي هي (p-٦٤)كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ، والخَيْمَةِ المُطْنِبَةِ عَلى هَذا القَرارِ، وما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ مِن شَبَهِ عَقْدِ النِكاحِ بَيْنَ المُقْلَةِ والمَظَلَّةِ بِإنْزالِ الماءِ مِنها عَلَيْها، والإخْراجُ بِهِ مِن بَطْنِها أشْباهَ النَسْلِ مِنَ الثِمارِ رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ، فَهَذا كُلُّهُ دَلِيلٌ مُوصِلٌ إلى التَوْحِيدِ، مُبْطِلٌ لِلْإشْراكِ، لِأنَّ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ شَيْءٍ مِنها- عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما يُقَرِّرُ إعْجازَ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا﴾ الآيَةُ. "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ، والعَبْدُ: اسْمٌ لِمَمْلُوكٍ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ. والمَمْلُوكُ: مَوْجُودٌ قُهِرَ بِالِاسْتِيلاءِ. وَقِيلَ: نَزَّلْنا دُونَ أنْزَلْنا، لِأنَّ المُرادَ بِهِ النُزُولَ عَلى سَبِيلِ التَدْرِيجِ والتَنْجِيمِ، وهو مِن مَحازِهِ لِمَكانِ التَحَدِّي. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَنْزِلْ هَكَذا نُجُومًا سُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ، وآياتٍ غِبَّ آياتٍ، عَلى حَسَبِ النَوازِلِ، وعَلى سَنَنِ ما نَرى عَلَيْهِ أهْلَ الخَطابَةِ والشِعْرِ مِن وُجُودِ ما يُوجَدُ مِنهم مُفَرَّقًا حِينًا فَحِينًا شَيْئًا فَشَيْئًا، لا يُلْقِي الناظِمُ دِيوانَ شِعْرِهِ دَفْعَةً، ولا يَرْمِي الناثِرُ بِخُطَبِهِ ضَرْبَةً، فَلَوْ أنْزَلَهُ اللهُ لِأنْزَلَهُ جُمْلَةً. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفَرْقانُ: ٣٢] فَقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في هَذا الَّذِي وقَعَ إنْزالُهُ هَكَذا عَلى تَدْرِيجٍ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أيْ: فَهاتُوا أنْتُمْ نَوْبَةً واحِدَةً مِن نُوَبِهِ، وهَلُمُّوا نَجْمًا فَرْدًا مِن نُجُومِهِ: سُورَةٌ مِن أصْغَرِ السُوَرِ. والسُورَةُ: الطائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُتَرْجَمَةُ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ. وواوُها إنْ كانَتْ أصْلًا، فَإمّا أنْ تُسَمّى بِسُورِ المَدِينَةِ، وهو حائِطُها، لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ مَحْدُودَةٌ مُحَوَّزَةٌ عَلى حِيالِها، كالبَلَدِ المُسَوَّرِ، أوْ لِأنَّها مُحْتَوِيَةٌ عَلى فُنُونٍ مِنَ العِلْمِ، وأجْناسٍ مِنَ الفَوائِدِ، كاحْتِواءِ سُورِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها. وإمّا أنْ تُسَمّى بِالسُورَةِ الَّتِي هي الرُتْبَةُ، لِأنَّ السُورَ بِمَنزِلَةِ المَنازِلِ والمَراتِبِ، يَتَرَقّى فِيها القارِئُ، وهي أيْضًا في نَفْسِها مُرَتَّبَةٌ، (p-٦٥)طِوالٌ، وأوْساطٌ، وقِصارٌ، أوْ لِرَفْعَةِ بِنائِها، وجَلالَةِ مَحَلِّها في الدِينِ. وإنْ كانَتْ مُنْقَلِبَةً عَنْ هَمْزَةٍ فَلِأنَّها قِطْعَةٌ وطائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ، كالسُؤْرَةِ الَّتِي هِيَ: البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ. وأمّا الفائِدَةُ في تَفْصِيلِ القُرْآنِ وتَقْطِيعِهِ سُوَرًا فَهي كَثِيرَةٌ -وَلِذا أنْزَلَ اللهُ تَعالى التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ وسائِرَ ما أوْحاهُ إلى أنْبِيائِهِ مُسَوَّرَةً مُتَرْجَمَةَ السُوَرِ، وبَوَّبَ المُصَنِّفُونَ في كُلِّ فَنٍّ كُتُبَهم أبْوابًا مُوَشَّحَةَ الصُدُورِ بِالتَراجِمِ- مِنها: أنَّ الجِنْسَ إذا انْطَوَتْ تَحْتَهُ أنْواعٌ واشْتَمَلَ عَلى أصْنافٍ، كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ بَيانًا واحِدًا. ومِنها: أنَّ القارِئَ إذا خَتَمَ سُورَةً، أوْ بابًا مِنَ الكِتابِ، ثُمَّ أخَذَ في آخَرَ كانَ أنْشَطَ لَهُ، وأبْعَثَ عَلى الدَرْسِ، والتَحْصِيلِ مِنهُ، ولَوِ اسْتَمَرَّ الكِتابُ بِطُولِهِ. ومِن ثَمَّ جَزَّأ القُرّاءُ القُرْآنَ أسْباعًا، وأجْزاءً، وعُشُورًا، وأخْماسًا، ومِنها: أنَّ الحافِظَ إذا حَذِقَ السُورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللهِ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها، ولَها فاتِحَةٌ وخاتِمَةٌ، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَهُ، ويَجِلُّ في نَفْسِهِ، ومِنهُ حَدِيثُ أنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كانَ الرَجُلُ إذا قَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ جَلَّ فِينا. ومِن ثَمَّ كانَتِ القِراءَةُ في الصَلاةِ بِسُورَةٍ تامَّةٍ أفْضَلَ ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسُورَةٍ صِفَةٌ لَها. والضَمِيرُ لِما نَزَّلْنا، أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ. يَعْنِي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِمّا هو عَلى صِفَتِهِ في البَيانِ الغَرِيبِ، وعُلُوِّ الطَبَقَةِ في حُسْنِ النَظْمِ، أوْ لِعَبْدِنا، أيْ: فَأْتُوا مِمَّنْ هو عَلى حالِهِ مِن كَوْنِهِ أُمِيًّا لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ، ولَمْ يَأْخُذْ مِنَ العُلَماءِ، ولا قَصَدَ إلى مَثَلٍ ونَظِيرٍ هُنالِكَ. ورَدُّ الضَمِيرِ إلى المُنْزِلِ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يُونُسُ: ٣٨] ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هُودٌ: ١٣] ﴿عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسْراءُ: ٨٨] ولِأنَّ الكَلامَ مَعَ رَدِّ الضَمِيرِ إلى المُنْزِلِ أحْسَنُ تَرْتِيبًا، وذَلِكَ: أنَّ الحَدِيثَ في المُنْزَلِ لا في المُنْزَلِ عَلَيْهِ، وهو مَسُوقٌ إلَيْهِ، فَإنَّ المَعْنى: وإنِ ارْتَبْتُمْ في أنَّ القُرْآنَ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللهِ، فَهاتُوا أنْتُمْ نُبَذًا مِمّا يُماثِلُهُ. وقَضِيَّةُ التَرْتِيبِ لَوْ كانَ الضَمِيرُ مَرْدُودًا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُقالَ: وإنِ ارْتَبْتُمْ في أنَّ مُحَمَّدًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، (p-٦٧)فَهاتُوا قُرْآنًا مِن مِثْلِهِ، ولِأنَّ هَذا التَفْسِيرَ يُلائِمُ قَوْلَهُ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ جَمْعُ شَهِيدٍ، بِمَعْنى الحاضِرِ، أوِ القائِمِ بِالشَهادَةِ، ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أيْ: غَيْرُ اللهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ " شُهَداءَكم " أيِ: ادْعُوا الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللهِ، وزَعَمْتُمْ أنَّهم يَشْهَدُونَ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّكم عَلى الحَقِّ، أوْ مَن يَشْهَدُ لَكم بِأنَّهُ مِثْلُ القُرْآنِ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَقٌ، وأنَّهُ مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم فَأْتُوا أنْتُمْ بِمِثْلِهِ، واسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكم عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:24

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النارَ الَّتِي وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ﴾ لَمّا أرْشَدَهم إلى الجِهَةِ الَّتِي مِنها يَتَعَرَّفُونَ صِدْقَ النَبِيِّ ﷺ قالَ لَهُمْ: فَإذا لَمْ تُعارِضُوهُ، وبانَ عَجْزُكُمْ، ووَجَبَ تَصْدِيقُهُ فَآمِنُوا، وخافُوا العَذابَ المُعَدَّ لِمَن كَذَّبَ وعانَدَ. وفِيهِ دَلِيلانِ عَلى إثْباتِ النُبُوَّةِ: صِحَّةُ كَوْنِ المُتَحَدّى بِهِ مُعْجِزًا، والإخْبارُ بِأنَّهم لَنْ يَفْعَلُوا، وهو غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ. ولَمّا كانَ العَجْزُ عَنِ المُعارَضَةِ قَبْلَ التَأمُّلِ كالمَشْكُوكِ فِيهِ لَدَيْهِمْ، لِاتِّكالِهِمْ عَلى فَصاحَتِهِمْ، واعْتِمادِهِمْ عَلى بَلاغَتِهِمْ، سِيقَ الكَلامُ مَعَهم عَلى حَسَبِ حُسْبانِهِمْ، فَجِيءَ بِـ"إنْ" الَّذِي لِلشَّكِّ، دُونَ إذا الَّذِي لِلْوُجُوبِ، وعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّهُ جارٍ مَجْرى الكِنايَةِ الَّتِي تُعْطِيكَ اخْتِصارًا، إذْ لَوْ لَمْ يَعْدِلْ مِن لَفْظِ الإتْيانِ إلى لَفْظِ الفِعْلِ لاسْتُطِيلَ أنْ يُقالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، ولَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، ولا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ لِأنَّها جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ. وحَسَّنَ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّ لَفْظَ الشَرْطِ لِلتَّرَدُّدِ، فَقَطَعَ التَرَدُّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ولا ولَنْ أخْتانَ في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، إلّا أنَّ في لَنْ تَأْكِيدًا، وعَنِ الخَلِيلِ أصْلُها لا أنْ، وعِنْدَ الفَرّاءِ لا، أُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا. وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ. وإنَّما عُلِمَ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ، حَتّى صارَ مُعْجِزَةً، لِأنَّهم لَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ لاشْتُهِرَ، فَكَيْفَ والطاعِنُونَ فِيهِ أكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الذابِّينَ عَنْهُ؟! وشَرْطٌ في اتِّقاءِ النارِ انْتِفاءُ إتْيانِهِمْ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَأْتُوا بِها وتَبَيَّنَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ صَحَّ عِنْدَهم صِدْقُ الرَسُولِ، وإذا صَحَّ (p-٦٧)عِنْدَهم صِدْقُهُ، ثُمَّ لَزِمُوا العِنادَ، وأبَوُا الِانْقِيادَ اسْتَوْجَبُوا النارَ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنِ اسْتَبَنْتُمُ العَجْزَ فاتْرُكُوا العِنادَ، فَوَضَعَ ﴿فاتَّقُوا النارَ﴾ مَوْضِعَهُ، لِأنَّ اتِّقاءَ النارِ سَبَبُ تَرْكِ العِنادِ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ، وهي مِن شُعَبِ البَلاغَةِ، وفائِدَتُهُ: الإيجازُ الَّذِي هو مِن حِيلَةِ القُرْآنِ. والوَقُودُ: ما تُرْفَعُ بِهِ النارُ، يَعْنِي: الحَطَبَ. وأمّا المَصْدَرُ فَمَضْمُومٌ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الفَتْحُ. وصِلَةُ الَّذِي والَّتِي يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ مِن رَسُولِ اللهِ، أوْ سَمِعُوا قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نارًا وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ﴾ [التَحْرِيمُ: ٦]. إنَّما جاءَتِ النارُ مُنَكَّرَةً ثَمَّ، ومَعْرِفَةً هُنا، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ مُشارًا بِها إلى ما عَرَفُوهُ أوَّلًا، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ﴾ أنَّها نارٌ مُمْتازَةٌ عَنْ غَيْرِها مِنَ النِيرانِ بِأنَّها تَتَّقِدُ بِالناسِ والحِجارَةِ، وهي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، فَهي أشَدُّ تَوَقُّدًا، وأبْطَأُ خُمُودًا، وأنْتَنُ رائِحَةً، وألْصَقُ بِالبَدَنِ، أوِ الأصْنامِ المَعْبُودَةِ، فَهي أشَدُّ تَحَسُّرًا. وإنَّما قَرَنَ الناسَ بِالحِجارَةِ، لِأنَّهم قَرَنُوا بِها أنْفُسَهم في الدُنْيا، حَيْثُ عَبَدُوها، وجَعَلُوها لِلَّهِ أنْدادًا، ونَحْوُهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءُ: ٩٨] أيْ: حَطَبُها، فَقَرَنَهم بِها مُحْماةً في نارِ جَهَنَّمَ إبْلاغًا في إيلامِهِمْ. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ هُيِّئَتْ لَهم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النارَ مَخْلُوقَةٌ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ جَهْمٌ.

البقرة 2:25

سُنَّةُ اللهِ في كِتابِهِ أنْ يَذْكُرَ التَرْغِيبَ مَعَ التَرْهِيبِ تَنْشِيطًا لِاكْتِسابِ ما يُزْلِفُ، وتَثْبِيطًا عَنِ اقْتِرافِ ما يُتْلِفُ. فَلَمّا ذَكَرَ الكَفّارَ وأعْمالَهُمْ، وأوْعَدَهم بِالعِقابِ قَفاهُ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمْ، وتَبْشِيرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ (p-٦٨)الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ والمَأْمُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ﴾ الرَسُولُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أوْ كُلَّ أحَدٍ، وهَذا أحْسَنُ، لِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِأنَّ الأمْرَ لِعِظَمِهِ، وفَخامَةِ شَأْنِهِ مَحْقُوقٌ بِأنْ يُبَشِّرَ بِهِ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى البِشارَةِ بِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فاتَّقُوا﴾ كَما تَقُولُ: يا بَنِي تَمِيمٍ احْذَرُوا عُقُوبَةَ ما جَنَيْتُمْ، وبَشِّرْ يا فُلانُ بَنِي أسَدٍ بِإحْسانِي إلَيْهِمْ، أوْ جُمْلَةُ وصْفِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ عِقابِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ يُعاقَبُ بِالقَيْدِ والإرْهاقِ، وبَشِّرْ عَمْرًا بِالعَفْوِ والإطْلاقِ. والبِشارَةُ: الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ بِهِ، ومِن ثَمَّ [قالَ العُلَماءُ] إذا قالَ لِعَبِيدِهِ: أيُّكم بَشَّرَنِي بِقُدُومِ فُلانٍ فَهو حُرٌّ، فَبَشَّرُوهُ فُرادى عَتَقَ أوَّلَهُمْ، لِأنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَ سُرُورَهُ بِخَبَرِهِ دُونَ الباقِينَ، ولَوْ قالَ: أخْبِرْنِي مَكانَ بَشِّرْنِي عُتِقُوا، لِأنَّهم أخْبَرُوهُ. ومِنهُ البَشْرَةُ: لِظاهِرِ الجِلْدِ، وتَباشِيرُ الصُبْحِ: ما ظَهَرَ مِن أوائِلِ ضَوْئِهِ. وأمّا ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] فَمِنَ العَكْسِ في الكَلامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِهْزاءُ الزائِدُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِعَدُوِّهِ: أبْشِرْ بِقَتْلِ ذَرِّيَّتِكِ ونَهْبِ مالِكَ. والصالِحَةُ نَحْوُ الحَسَنَةِ في جَرْيِها مَجْرى الِاسْمِ. والصالِحاتُ: كُلُّ ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ بِدَلِيلِ العَقْلِ، والكِتابِ، والسُنَّةِ. واللامُ لِلْجِنْسِ. والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن جَعَلَ الأعْمالَ إيمانًا، لِأنَّهُ عَطَفَ الأعْمالَ الصالِحَةَ عَلى الإيمانِ والمَعْطُوفِ غَيْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ولا يُقالُ: إنَّكم تَقُولُونَ: يَجُوزُ أنْ يُدْخِلَ المُؤْمِنَ الجَنَّةَ بِدُونِ الأعْمالِ الصالِحَةِ، واللهُ تَعالى بَشَّرَ بِالجَنَّةِ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، لِأنَّ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ بِالجَنَّةِ شَرْطُها اقْتِرانُ الأعْمالِ الصالِحَةِ بِالإيمانِ، ولا نَجْعَلُ لِصاحِبِ الكَبِيرَةِ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ، بَلْ نُثْبِتُ بِشارَةً مُقَيِّدَةً بِمَشِيئَةِ اللهِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِ، ثُمَّ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ ﴿أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهُمْ، ومَوْضِعُ أنْ وما عَمِلَتْ فِيهِ: النَصْبُ بِبَشِّرْ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، خِلافًا لِلْخَلِيلِ، وهو كَثِيرٌ في التَنْزِيلِ. والجَنَّةُ: البُسْتانُ مِنَ النَخْلِ والشَجَرِ المُتَكاثِفِ. والتَرْكِيبُ دائِرٌ عَلى (p-٦٩)مَعْنى السِتْرِ، ومِنهُ: الجِنُّ، والجُنُونُ، والجَنِينُ، والجَنَّةُ، والجانُّ، والجَنانُ. وسُمِّيَتْ دارُ الثَوابِ جَنَّةً لِما فِيها مِنَ الجِنانِ. والجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البَقَرَةُ: ٣٥] خِلافًا لِبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ. ومَعْنى جَمْعِ الجَنَّةِ وتَنْكِيرِها: أنَّ الجَنَّةَ اسْمٌ لِدارِ الثَوابِ كُلِّها، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى جِنانٍ كَثِيرَةٍ، مُرَتَّبَةٌ مَراتِبَ بِحَسَبِ أعْمالِ العامِلِينَ، لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنهم جَنّاتٌ مِن تِلْكَ الجِنانِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ، والمُرادُ: مِن تَحْتِ أشْجارِها، كَما تَرى الأشْجارَ النابِتَةَ عَلى شَواطِئِ الأنْهارِ الجارِيَةِ، وأنْهارُ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ، وأنْزَهُ البَساتِينِ ما كانَتْ أشْجارُها مُظَلِّلَةٌ، والأنْهارُ في خِلالِها مُطَّرِدَةٌ. والجَرْيُ،: الإطْرادُ، والنَهْرُ: المَجْرى الواسِعُ فَوْقَ الجَدْوَلِ ودُونَ البَحْرِ، يُقالُ لِلنِّيلِ: نَهْرُ مِصْرَ، واللُغَةُ الغالِبَةُ: النَهْرُ، ومَدارُ التَرْكِيبِ عَلى السَعَةِ. وإسْنادُ الجَرْيِ إلى الأنْهارِ مَجازِيٌّ، وإنَّما عَرَّفَ الأنْهارَ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها أنْهارُها، فَعَوَّضَ التَعْرِيفَ بِاللامِ مِن تَعْرِيفِ الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا﴾ [مَرْيَمُ: ٤] أوْ يُشارُ بِاللامِ إلى الأنْهارِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآيَةُ [مُحَمَّدٌ: ١٥]. والماءُ الجارِي مِنَ النِعْمَةِ العُظْمى، واللَذَّةِ الكُبْرى، ولِذا قَرَنَ اللهُ تَعالى الجَنّاتِ بِذِكْرِ الأنْهارِ الجارِيَةِ، وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ نُعُوتِها ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَنّاتٍ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنَّ لَهم جَنّاتٍ، لَمْ يَخْلُ خَلَدُ السامِعِ أنْ يَقَعَ فِيهِ أثِمارُ تِلْكَ الجَنّاتِ أشْباهُ ثِمارِ جَنّاتِ الدُنْيا، أمْ أجْناسٌ أُخَرُ لا تُشابِهُ هَذِهِ الأجْناسَ؟ فَقِيلَ: إنَّ ثِمارَها أشْباهُ ثِمارِ جَنّاتِ الدُنْيا، أيْ: أجْناسُها أجْناسُها وإنْ تَفاوَتَتْ إلى غايَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ ﴿مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي﴾ أيْ: كُلَّما رُزِقُوا مِنَ الجَنّاتِ -مِن أيِّ ثَمَرَةٍ كانَتْ، مِن تُفّاحِها، أوْ رُمّانِها، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ- رِزْقًا، قالُوا ذَلِكَ. فَـ "مِن" الأُولى والثانِيَةُ كِلْتاهُما لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّ الرِزْقَ قَدِ ابْتَدَأ مِنَ الجَنّاتِ، والرِزْقُ مِنَ الجَنّاتِ قَدِ ابْتَدَأ مِن ثَمَرَةٍ، ونَظِيرُهُ أنْ تَقُولَ: رَزَقَنِي فُلانٌ، فَيُقالُ لَكَ: مِن أيْنَ؟ فَتَقُولُ: مِن بُسْتانِهِ، فَيُقالُ: مَن أيِّ ثَمَرَةٍ رَزَقَكَ مِن بُسْتانِهِ؟ فَتَقُولُ: مِنَ الرُمّانِ. ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الثَمَرَةِ التُفّاحَةَ الواحِدَةَ، (p-٧٠)أوِ الرُمّانَةَ الفَذَّةَ، وإنَّما المُرادُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الثِمارِ ﴿رُزِقْنا﴾ أيْ: رَزَقْناهُ، فَحَذَفَ العائِدَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ الإضافَةِ بُنِيَ، والمَعْنى: هَذا مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن قَبْلُ وشِبْهُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ وهَذا كَقَوْلِكَ: أبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، تُرِيدُ: أنَّهُ لِاسْتِحْكامِ الشَبَهِ كَأنَّ ذاتَهُ ذاتُهُ. الضَمِيرُ في "بِهِ" يَرْجِعُ إلى المَرْزُوقِ في الدُنْيا والآخِرَةِ جَمِيعًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ انْطَوى تَحْتَهُ ذِكْرُ ما رُزِقُوهُ في الدارَيْنِ. وإنَّما كانَ ثِمارُ الجَنَّةِ مِثْلَ ثِمارِ الدُنْيا، ولَمْ تَكُنْ أجْناسًا أُخَرَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِالمَأْلُوفِ آنَسُ، وإلى المَعْهُودِ أمْيَلُ، وإذا رَأى ما لَمْ يَأْلَفْهُ نَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ، وعافَتْهُ نَفْسُهُ، ولِأنَّهُ إذا شاهَدَ ما سَلَفَ لَهُ بِهِ عَهْدٌ، ورَأى فِيهِ مَزِيَّةً ظاهِرَةً، وتَفاوُتًا بَيِّنًا، كانَ اسْتِعْجابُهُ بِهِ أكْثَرَ، واسْتِغْرابُهُ أوْفَرَ، وتَكْرِيرُهم هَذا القَوْلَ عِنْدَ كُلِّ ثَمَرَةٍ يُرْزَقُونَها دَلِيلٌ عَلى تَناهِي الأمْرِ، وتَمادِي الحالِ في ظُهُورِ المَزِيَّةِ، وعَلى أنَّ ذَلِكَ التَفاوُتَ العَظِيمَ هو الَّذِي يَسْتَمْلِي تَعَجُّبَهم في كُلِّ أوانٍ. أوْ إلى الرِزْقِ، كَما أنَّ هَذا إشارَةٌ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ ما يُرْزَقُونَهُ مِن ثَمَراتِ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ مُتَجانِسًا في نَفْسِهِ، كَما يُحْكى عَنِ الحَسَنِ: يُؤْتى أحَدُهم بِالصَحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها، ثُمَّ يُؤْتى بِالأُخْرى فَيَقُولُ: هَذا الَّذِي أُتِينا بِهِ مِن قَبْلُ. فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ، فاللَوْنُ واحِدٌ، والطَعْمُ مُخْتَلِفٌ. وعَنْهُ ﷺ: « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لَيَتَناوَلُ الثَمَرَةَ لِأكْلِها فَما هي بِواصِلَةٍ إلى فِيهِ حَتّى يُبَدِّلَها اللهُ مَكانَها مِثْلَها" » فَإذا أبْصَرُوها والهَيْئَةُ هَيْئَةُ الأُولى قالُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّقْرِيرِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ أحْسَنَ بِفُلانٍ -وَنِعْمَ ما فَعَلَ- ورَأى مِنَ الرَأْيِ كَذا، وكانَ صَوابًا. ومِنهُ: ﴿وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النَمْلُ: ٣٤] ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ﴾ أزْواجٌ: مُبْتَدَأٌ، ولَهُمُ الخَبَرُ، وفِيها ظَرْفٌ لِلاسْتِقْرارِ (p-٧١)﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ، لا طَمِحاتٍ، ولا مَرِحاتٍ، أوْ مِمّا يُخْتَصُّ بِالنِساءِ مِنَ الحَيْضِ والِاسْتِحاضَةِ، وما لا يُخْتَصُّ بِهِنَّ مِنَ البَوْلِ والغائِطِ، وسائِرِ الأقْذارِ والأدْناسِ. ولَمْ تُجْمَعِ الصِفَةُ كالمَوْصُوفِ، لِأنَّهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ولَمْ يَقِلْ: طاهِرَةٌ، لِأنَّ مُّطَهَّرَةٌ أبْلَغُ، لِأنَّها تَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ، وفِيها إشْعارٌ بِأنْ مُطَهِّرًا طَهَرَّهُنَّ، وما ذَلِكَ إلّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَهم فِيها خالِدُونَ﴾ الخُلْدُ: البَقاءُ الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلٍ الجَهْمِيَّةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ بِفِناءِ الجَنَّةِ وأهْلِها، لِأنَّهُ تَعالى وُصِفَ بِأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ، وتَحْقِيقُ وصْفِ الأوَّلِيَّةِ بِسَبْقِهِ عَلى الخَلْقِ أجْمَعَ، فَيَجِبُ تَحْقِيقُ وصْفِ الآخِرِيَّةِ بِالتَأخُّرِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، وذا إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ فَناءِ الكُلِّ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِهِ ضَرُورَةً، ولِأنَّهُ تَعالى باقٍ، وأوْصافُهُ باقِيَةٌ، فَلَوْ كانَتِ الجَنَّةُ باقِيَةً مَعَ أهْلِها لَوَقَعَ التَشابُهُ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، وذا مُحالٌ. قُلْنا: الأوَّلُ في حَقِّهِ هو الَّذِي لا ابْتِداءَ لِوُجُودِهِ، والآخِرُ هو الَّذِي لا انْتِهاءَ لَهُ، وفي حَقِّنا الأوَّلُ هو الفَرْدُ السابِقُ، والآخِرُ هو الفَرْدُ اللاحِقُ. واتِّصافُهُ بِهِما لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، ونَفْيِ النَقِيصَةِ والزَوالِ، وذا في تَنْزِيهِهِ عَنِ احْتِمالِ الحُدُوثِ والفَناءِ لا فِيما قالُوهُ. وأنّى يَقَعُ التَشابُهُ في البَقاءِ، وهو تَعالى باقٍ لَذّاتِهِ، وبَقاؤُهُ واجِبُ الوُجُودِ، وبَقاءُ الخَلْقِ بِهِ، وهو جائِزُ الوُجُودِ؟!

البقرة 2:26

لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى الذُبابَ والعَنْكَبُوتَ في كِتابِهِ، وضَرَبَ بِهِ مَثَلًا، ضَحِكَتِ اليَهُودُ، وقالُوا: ما يُشْبِهُ هَذا كَلامَ اللهِ فَنَزَلَ ﴿إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً﴾ أيْ: لا يَتْرُكُ ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ تَرْكَ مَن يَسْتَحِي أنْ يَتَمَثَّلَ بِها لِحَقارَتِها. وأصْلُ الحَياءِ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن تُخَوِّفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ. ولا يَجُوزُ عَلى القَدِيمِ التَغَيُّرُ، والخَوْفُ، والذَمُّ، ولَكِنَّ التَرْكَ لَمّا كانَ مِن لَوازِمِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ العِبارَةُ في كَلامِ الكَفَرَةِ، (p-٧٢)فَقالُوا: أمّا يَسْتَحِيى رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُبابِ والعَنْكَبُوتِ. فَجاءَتْ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ وإطْباقِ الجَوابِ عَلى السُؤالِ، وهو فَنٌّ مِن كَلامِهِمْ بَدِيعٌ، وفِيهِ لُغَتانِ: التَعَدِّي بِنَفْسِهِ وبِالجارِّ، يُقالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ، واسْتَحْيَيْتُ مِنهُ، وهُما مُحْتَمَلَتانِ هُنا. وضَرْبُ المَثَلِ: صُنْعُهُ، مِن: ضَرَبَ اللَبَنَ وضَرَبَ الخاتَمَ و"ما" هَذِهِ إبْهامِيَّةٌ، وهي الَّتِي إذا اقْتَرَنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أبْهَمَتْهُ إبْهامَها وزادَتْهُ عُمُومًا كَقَوْلِكَ: أعْطِنِي كِتابًا ما، تُرِيدُ: أيَّ كِتابٍ كانَ، أوْ صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النِساءُ: ١٥٥] كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا البَتَّةَ. و"بَعُوضَةً": عَطْفُ بَيانٍ لِمَثَلًا، أوْ مَفْعُولٌ لِـ "يَضْرِبُ"، و"مَثَلًا": حالٌ مِنَ النَكِرَةِ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، أوِ انْتَصَبا مَفْعُولَيْنِ عَلى أنَّ ضَرْبَ بِمَعْنى جَعَلَ، واشْتِقاقُها مِنَ البَعْضِ -وَهُوَ القَطْعُ- كالبَضْعِ والعَضْبِ يُقالُ: بَعَضَهُ البَعُوضُ، ومِنهُ: بَعْضُ الشَيْءِ، لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنهُ. والبَعُوضُ في أصْلِهِ صِفَةٌ عَلى فَعُولٍ كالقَطُوعِ فَغُلِّبَتْ ﴿فَما فَوْقَها﴾ فَما تَجاوَزَها، وزادَ عَلَيْها في المَعْنى الَّذِي ضَرَبَتْ فِيهِ مَثَلًا، وهُوَ: القِلَّةُ والحَقارَةُ، أوْ فَما زادَ عَلَيْها في الحَجْمِ، كَأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ ما اسْتَنْكَرُوهُ مِن ضَرْبِ المَثَلِ بِالذُبابِ والعَنْكَبُوتِ، لِأنَّهُما أكْبَرُ مِنَ البَعُوضَةِ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَضْرِبُ المَثَلَ بِما دُونَ البَعُوضَةِ، وهي النِهايَةُ في الصِغَرِ، لِأنَّ جَناحَ البَعُوضَةِ أقَلُّ مِنها وأصْغَرُ بِدَرَجاتٍ، وقَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلًا لِلدُّنْيا ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ الضَمِيرُ لِلْمَثَلِ، أوْ لِأنْ يَضْرِبَ. والحَقُّ: الثابِتُ الَّذِي لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، يُقالُ: حَقَّ الأمْرُ، إذا ثَبَتَ ووَجَبَ. ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ مَعْنى الحَقِّ، وذُو الحالِ الضَمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا﴾ يُوقَفُ عَلَيْهِ، إذْ لَوْ وصَلَ لَصارَ ما بَعْدَهُ صِفَةً لَهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا﴾ اسْتِحْقارٌ، كَما قالَتْ عائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- في عَبْدِ اللهِ (p-٧٣)بْنِ عَمْرٍو: يا عَجَبًا لِابْنِ عُمَرٍو هَذا! مُحَقِّرَةً لَهُ. و"مَثَلًا": نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، أوْ عَلى الحالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعْرافُ: ٧٣]. و"أمّا" حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى الشَرْطِ، ولِذا يُجابُ بِالفاءِ، وفائِدَتُهُ في الكَلامِ: أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلَ تَوْكِيدٍ، تَقُولُ: زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَإذا قَصَدْتَ تَوْكِيدَهُ، وأنَّهُ لا مَحالَةَ ذاهِبٌ، قُلْتَ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ، ولِذا قالَ سِيبَوَيْهِ في تَفْسِيرِهِ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذاهِبٌ. وهَذا التَفْسِيرُ يُفِيدُ كَوْنَهُ تَأْكِيدًا، وأنَّهُ في مَعْنى الشَرْطِ، وفي إيرادِ الجُمْلَتَيْنِ مُصَدَّرَتَيْنِ بِهِ وإنْ لَمْ يَقُلْ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ، إحْمادٌ عَظِيمٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ، واعْتِدادٌ بَلِيغٌ بِعِلْمِهِمْ أنَّهُ الحَقُّ، ونَعْيٌ عَلى الكافِرِينَ إغْفالَهم حَظَّهُمْ، ورَمْيَهم بِالكَلِمَةِ الحَمْقاءِ. و َ"ماذا" فِيهِ وجْهانِ: أنْ يَكُونَ ذا اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، وما اسْتِفْهامًا فَيَكُونُ كَلِمَتَيْنِ، وأنْ تَكُونَ ذا مُرَكَّبَةً مَعَ ما مَجْعُولَتَيْنِ اسْمًا واحِدًا لِلِاسْتِفْهامِ، فَيَكُونُ كَلِمَةً واحِدَةً. فَما عَلى الأوَّلِ: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ذا مَعَ صِلَتِهِ، أيْ: أرادَ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وعَلى الثانِي: مَنصُوبُ المَحَلِّ بِأرادَ، والتَقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ أرادَ اللهُ. والإرادَةُ مَصْدَرُ أرَدْتُ الشَيْءَ، إذا طَلَبَتْهُ نَفْسُكَ، ومالَ إلَيْهِ قَلْبُكَ، وهي عِنْدُ المُتَكَلِّمِينَ مَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَ المَفْعُولاتِ بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ، واللهُ تَعالى مَوْصُوفٌ بِالإرادَةِ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ. وقالَ مُعْتَزِلَةُ بَغْدادَ: إنَّهُ تَعالى لا يُوصَفُ بِالإرادَةِ عَلى الحَقِيقَةِ. فَإذا قِيلَ: أرادَ اللهُ كَذا، فَإنْ كانَ فِعْلَهُ فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ، وهو غَيْرُ ساهٍ ولا مُكْرَهٍ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ فِعْلَ غَيْرِهِ فَمَعْناهُ أنَّهُ أمَرَ بِهِ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جارٍ مَجْرى التَفْسِيرِ والبَيانِ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا، وأنَّ فَرِيقَ العالِمِينَ بِأنَّهُ الحَقُّ، وفَرِيقَ الجاهِلِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ، كِلاهُما مَوْصُوفٌ بِالكَثْرَةِ، وأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مِن بابِ الهُدى، وأنَّ الجَهْلَ بِحُسْنِ مَوْرِدِهِ مِن بابِ الضَلالَةِ، وأهْلُ الهُدى كَثِيرٌ في أنْفُسِهِمْ، وإنَّما يُوصَفُونَ بِالقِلَّةِ بِالقِياسِ إلى أهْلِ الضَلالِ، ولِأنَّ القَلِيلَ مِنَ المُهْتَدِينَ كَثِيرٌ في الحَقِيقَةِ، وإنْ قَلُّوا في الصُورَةِ. ؎ إنَّ الكِرامَ كَثِيرٌ في البِلادِ وإنْ ∗∗∗ قَلُّوا كَما غَيَرُهم قَلَّ وإنْ كَثُرُوا والإضْلالُ: خُلُقُ فِعْلِ الضَلالِ في العَبْدِ، والهِدايَةُ: خُلُقُ فِعْلِ الِاهْتِداءِ. (p-٧٤)هَذا هو الحَقِيقَةُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ، وسِياقُ الآيَةِ لِبَيانِ أنَّ ما اسْتَنْكَرَهُ الجَهَلَةُ مِنَ الكُفّارِ، واسْتَغْرَبُوهُ مِن أنْ تَكُونَ المُحَقَّراتُ مِنَ الأشْياءِ مَضْرُوبًا بِها المَثَلُ، لَيْسَ بِمَوْضِعِ الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِغْرابِ، لِأنَّ التَمْثِيلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ المَعْنى، وإدْناءِ المُتَوَهَّمِ مِنَ المَشاهِدِ، فَإنْ كانَ المُتَمَثَّلُ لَهُ عَظِيمًا كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ حَقِيرًا كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ الحَقَّ لَمّا كانَ واضِحًا جَلِيًّا تَمَثَّلَ لَهُ بِالضِياءِ والنُورِ، وأنَّ الباطِلَ لَمّا كانَ بِضِدِّ صِفَتِهِ تَمَثَّلَ لَهُ بِالظُلْمَةِ، ولَمّا كانَتْ حالُ الآلِهَةِ الَّتِي جَعَلَها الكُفّارُ أنْدادًا لِلَّهِ لا حالَ أحْقَرَ مِنها، وأقَلَّ -وَلِذَلِكَ تَجْعَلُ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ مِثْلَها في الضَعْفِ والوَهَنِ، وجُعِلَتْ أقَلَّ مِنَ الذُبابِ، وضُرِبَتْ لَها البَعُوضَةُ فالَّذِي دُونَها مَثَلًا- لَمْ يَسْتَنْكِرْ، ولَمْ يَسْتَبْدِعْ، ولَمْ يَقُلْ لِلْمُتَمَثِّلِ، اسْتَحْيِ مِن تَمْثِيلِها بِالبَعُوضَةِ، لِأنَّهُ مُصِيبٌ في تَمْثِيلِهِ، مُحِقٌّ في قَوْلِهِ، سائِقٌ لِلْمَثَلِ عَلى قَضِيَّةِ مَضْرِبِهِ، ولِبَيانِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الإنْصافُ والنَظَرُ في الأُمُورِ بِناظِرِ العَقْلِ، إذا سَمِعُوا بِهَذا التَمْثِيلِ عَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ، وأنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ غَلَبَهُمُ الجَهْلُ عَلى عُقُولِهِمْ إذا سَمِعُوهُ كابَرُوا، وعانَدُوا، وقَضَوْا عَلَيْهِ بِالبُطْلانِ، وقابَلُوهُ بِالإنْكارِ، وأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هُدى المُؤْمِنِينَ، وضَلالِ الفاسِقِينَ. والعَجَبُ مِنهم كَيْفَ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وما زالَ الناسُ يَضْرِبُونَ الأمْثالَ بِالبَهائِمِ، والطُيُورِ، وأحْناشِ الأرْضِ، فَقالُوا: أجْمَعُ مِن ذَرَّةٍ، وأجْرَأُ مِنَ الذُبابِ، وأسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأضْعَفُ مِن فَراشَةٍ، وآكَلُ مِنَ السُوسِ، وأضْعَفُ مِنَ البَعُوضَةِ، وأعَزُّ مِن مُخِّ البَعُوضِ، ولَكِنْ دَيْدَنُ المَحْجُوجِ والمَبْهُوتِ أنْ يَرْضى لِفَرْطِ الحَيْرَةِ بِدَفْعِ الواضِحِ، وإنْكارِ اللائِحِ ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ هو مَفْعُولُ يَضِلُّ، ولَيْسَ بِمَنصُوبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ يَضِلُّ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ. والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ. وفي الشَرِيعَةِ: الخارِجُ عَنِ الأمْرِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ، وهو النازِلُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، أيْ بَيْنَ مَنزِلَةِ المُؤْمِنِ والكافِرِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وسَيَمُرُّ عَلَيْكَ ما يُبْطِلُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

البقرة 2:27

(p-٧٥)﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ النَقْضُ: الفَسْخُ وفَكُّ التَرْكِيبِ. والعَهْدُ: المَوْثِقُ. والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الناقِضِينَ لِعَهْدِ اللهِ أحْبارُ اليَهُودِ المُتَعَنِّتُونَ، أوْ مُنافِقُوهُمْ، أوِ الكُفّارُ جَمِيعًا. و﴿عَهْدَ اللهِ﴾ ما رَكَزَ في عُقُولِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ عَلى التَوْحِيدِ، كَأنَّهُ أمْرٌ وصّاهم بِهِ، ووَثَّقَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ يُصَدِّقُهُ اللهُ بِمُعْجِزاتِهِ صَدَّقُوهُ، واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوا ذِكْرَهُ، أوْ أخَذَ اللهُ العَهْدَ عَلَيْهِمْ ألّا يَسْفِكُوا دِماءَهُمْ، ولا يَبْغِيَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ولا يُقَطِّعُوا أرْحامَهُمْ، وقِيلَ: عَهْدُ اللهِ إلى خَلْقِهِ ثَلاثَةُ عُهُودٍ، العَهْدُ الأوَّلُ: الَّذِي أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُقِرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةُ [الأعْرافُ: ١٧٢]، وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ النَبِيِّينَ أنْ يُبَلِّغُوا الرِسالَةَ، ويُقِيِمُوا الدِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحْزابُ: ٧] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ العُلَماءَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٨٧] ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أصْلُهُ مِنَ الوَثاقَةِ، وهِيَ: إحْكامُ الشَيْءِ. والضَمِيرُ لِلْعَهْدِ. وهو ما وثَّقُوا بِهِ عَهْدَ اللهِ مِن قَبُولِهِ، وإلْزامَهُ أنْفُسَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَوَثَّقْتُهُ، كَما أنَّ المِيعادَ بِمَعْنى الوَعْدِ، أوِ اللهُ تَعالى، أيْ: مِن بَعْدِ تَوْثِقَتِهِ عَلَيْهِمْ، ومِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ هو قَطْعُهُمُ الأرْحامَ ومُوالاةُ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَطْعُهُمُ ما بَيْنَ الأنْبِياءِ مِنَ الوُصْلَةِ والِاجْتِماعِ عَلى الحَقِّ، في إيمانِهِمْ بِبَعْضٍ، وكُفْرِهِمْ بِبَعْضٍ، والأمْرُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِقَوْلٍ مَخْصُوصٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ. و"ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي. و﴿أنْ يُوصَلَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدْلٍ مِنَ الهاءِ، أيْ: يُوَصِّلُهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ:هُوَ أنْ يُوصَلَ. ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِقِطَعِ السَبِيلِ، والتَعْوِيقُ عَنِ الإيمانِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿هُمُ﴾ فَصْلٌ. والخَبَرُ ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَغْبُونُونَ، حَيْثُ اسْتَبْدَلُوا النَقْضَ بِالوَفاءِ، والقَطْعَ بِالوَصْلِ، والفَسادَ بِالصَلاحِ، والعِقابَ بِالثَوابِ.

البقرة 2:28

(p-٧٦)﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ مَعْنى الهَمْزَةِ الَّتِي في كَيْفَ مَثَّلَهُ في قَوْلِكَ: أتَكْفُرُونَ بِاللهِ ومَعَكم ما يَصْرِفُ عَنِ الكُفْرِ!، ويَدْعُو إلى الإيمانِ، وهو الإنْكارُ والتَعَجُّبُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أتَطِيرُ بِغَيْرِ جَناحٍ؟! وكَيْفَ تَطِيرُ بِغَيْرِ جَناحٍ؟! والواوُ في ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ نُطَفًا في أصْلابِ آبائِكم لِلْحالِ وقَدْ مُضْمَرَةٌ. والأمْواتُ: جَمْعُ مَيِّتٍ، كالأقْوالِ جَمْعُ قَوْلٍ. ويُقالُ لِعادِمِ الحَياةِ أصْلًا: مَيِّتٌ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفُرْقانُ: ٤٩] ﴿فَأحْياكُمْ﴾ في الأرْحامِ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تَصْبِرُونَ إلى الجَزاءِ، أوْ ثُمَّ يُحْيِيكم في قُبُورِكُمْ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِلنُّشُورِ. وإنَّما كانَ العَطْفُ الأوَّلُ بِالفاءِ والبَواقِي بِثُمَّ، لِأنَّ الإحْياءَ الأوَّلَ قَدْ تَعَقَّبَ المَوْتَ بِلا تَراخٍ، وأمّا المَوْتُ فَقَدْ تَراخى عَنِ الحَياةِ، والحَياةُ الثانِيَةُ كَذَلِكَ تَتَراخى عَنِ المَوْتِ إنْ أُرِيدَ النُشُورُ، وإنْ أُرِيدَ إحْياءُ القَبْرِ فَمِنهُ يَكْتَسِبُ العِلْمَ بِتَراخِيهِ، والرُجُوعُ إلى الجَزاءِ أيْضًا مُتَراخٍ عَنِ النُشُورِ، وإنَّما أنْكَرَ اجْتِماعَ الكُفْرِ مَعَ القِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَها، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ بَيِّناتٍ تَصْرِفُهم عَنِ الكُفْرِ، ولِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى نِعَمٍ جِسامٍ حَقُّها أنْ تَشْكُرَ ولا تَكْفُرَ.

البقرة 2:29

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِأجْلِكُمْ، ولِانْتِفاعِكم بِهِ في دُنْياكم ودِينِكم. أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثانِي فالنَظَرُ فِيهِ وما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الدالَّةِ عَلى صانِعٍ قادِرٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، وما فِيهِ مِنَ التَذْكِيرِ بِالآخِرَةِ، لِأنَّ مَلاذَّها تُذَكِّرُ ثَوابَها، ومَكارِهَها تُذَكِّرُ عِقابَها، وقَدِ اسْتَدَلَّ الكَرْخِيُّ وأبُو بَكْرٍ الرازِيُّ والمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَصِحُّ أنْ يُنْتَفَعَ بِها خُلِقَتْ مُباحَةً في الأصْلِ ﴿جَمِيعًا﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن ما ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ﴾ الِاسْتِواءُ: الِاعْتِدالُ والِاسْتِقامَةُ، يُقالُ: اسْتَوى العُودُ، أيْ: قامَ واعْتَدَلَ، ثُمَّ قِيلَ، اسْتَوى إلَيْهِ كالسَهْمِ المُرْسَلِ، إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْوِيَ عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ﴾ أيْ: أقْبَلَ وعَمَدَ إلى خَلْقِ (p-٧٧)السَمَواتِ بَعْدَ خَلْقِ ما في الأرْضِ، مِن غَيْرِ أنْ يُرِيدَ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ خَلْقُ شَيْءٍ آخَرَ، والمُرادُ بِالسَماءِ: جِهاتُ العُلُوِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ اسْتَوى إلى فَوْقٍ، والضَمِيرُ في ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ كَقَوْلِهِمْ: رُبَّهُ رَجُلًا. وقِيلَ: الضَمِيرُ راجِعٌ إلى السَماءِ، ولَفْظُها واحِدٌ، ومَعْناها الجَمْعُ، لِأنَّها في مَعْنى الجِنْسِ. ومَعْنى تَسْوِيَتِهِنَّ: تَعْدِيلُ خَلْقِهِنَّ، وتَقْوِيمُهُ، وإخْلاؤُهُ مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ، أوْ إتْمامِ خَلْقِهِنَّ. و"ثُمَّ" هُنا لِبَيانِ فَضْلِ خَلْقِ السَمَواتِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازِعاتُ: ٣٠] لِأنَّ جِرْمَ الأرْضِ تَقَدَّمَ خَلْقُهُ خَلْقَ السَماءِ، وأمّا دَحْوُها فَمُتَأخِّرٌ. وعَنِ الحَسَنِ خَلَقَ اللهُ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها، ثُمَّ أصْعَدَ الدُخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَمَواتِ، وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها، وبَسَطَ مِنها الأرْضَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنْبِياءُ: ٣٠] وهو الِالتِزاقُ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَمِن ثَمَّ خَلَقَهُنَّ خَلْقًا مُسْتَوِيًا مُحْكَمًا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ خَلْقِ ما في الأرْضِ عَلى حَسَبِ حاجاتِ أهْلِها ومَنافِعِهِمْ. "وَهُوَ" وأخَواتُهُ مَدَنِيٌّ غَيْرَ ورْشٍ، "وَهُوَ": هو وأبُو عَمْرٍو وعَلِيٌّ، جَعَلُوا الواوَ كَأنَّها مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ عَضُدٍ، وهم يَقُولُونَ في عَضُدٍ عَضْدٌ بِالسُكُونِ.

البقرة 2:30

لَمّا خَلَقَ اللهُ تَعالى الأرْضَ أسْكَنَ فِيها الجِنَّ، وأسْكَنَ في السَماءِ المَلائِكَةَ، فَأفْسَدَتِ الجِنُّ في الأرْضِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ طائِفَةً مِنَ المَلائِكَةِ فَطَرَدَتْهم إلى جَزائِرِ البِحارِ ورُءُوسِ الجِبالِ، وأقامُوا مَكانَهُمْ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَذْكُرَ قِصَّتَهم فَقالَ: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إذْ نَصْبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والمَلائِكَةُ: جَمْعُ مَلْأكٍ، كالشَمائِلِ جَمْعُ شَمْألٍ، وإلْحاقُ التاءِ بِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ﴿إنِّي جاعِلٌ﴾ أيْ: مُصَيِّرٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ، وهُما ﴿فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهو مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وزِيدَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والمَعْنى: خَلِيفَةٌ مِنكُمْ، (p-٧٨)لِأنَّهم كانُوا سُكّانَ الأرْضِ، فَخَلَقَهم فِيها آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ، ولَمْ يَقُلْ خُلّافٌ أوْ خُلَفاءُ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالخَلِيفَةِ آدَمَ، واسْتَغْنى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ بَنِيهِ، كَما تَسْتَغْنِي بِذِكْرِ أبِي القَبِيلَةِ في قَوْلِكَ: مُضَرُ وهاشِمٌ، أوْ أُرِيدَ: مَن يَخْلُفُكُمْ، أوْ خَلَفًا يَخْلُفُكُمْ، فَوَحَّدَ لِذَلِكَ، أوْ خَلِيفَةً مِنِّي، لِأنَّ آدَمَ كانَ خَلِيفَةَ اللهِ في أرْضِهِ، وكَذَلِكَ كُلُّ نَبِيٍّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وإنَّما أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْألُوا ذَلِكَ السُؤالَ، ويُجابُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، فَيَعْرِفُوا حِكْمَتَهُ في اسْتِخْلافِهِمْ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، أوْ لِيُعْلِمَ عِبادَهُ المُشاوَرَةَ في أُمُورِهِمْ قَبْلَ أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْها، وإنْ كانَ هو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ غَنِيًّا عَنِ المُشاوَرَةِ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ تَعَجُّبٌ مِن أنْ يَسْتَخْلِفَ مَكانَ أهْلِ الطاعَةِ أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهو الحَكِيمُ الَّذِي لا يَجْهَلُ. وإنَّما عَرَفُوا ذَلِكَ بِإخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أوْ مِن جِهَةِ اللَوْحِ، أوْ قاسَوْا أحَدَ الثَقَلَيْنِ عَلى الآخَرِ، ﴿وَيَسْفِكُ الدِماءَ﴾ أيْ: يَصُبُّ. والواوُ في ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ لِلْحالِ، كَما تَقُولُ: أتُحْسِنُ إلى فُلانٍ وأنا أحَقُّ مِنهُ بِالإحْسانِ؟! ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُ حامِدِينَ لَكَ، ومُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ [المائِدَةُ: ٦١] أيْ: دَخَلُوا كافِرِينَ ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ونُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ. وقِيلَ: التَسْبِيحُ والتَقْدِيسُ: تَبْعِيدُ اللهِ مِنَ السُوءِ، مِن سَبَحَ في الأرْضِ، وقَدَّسَ فِيها: إذا ذَهَبَ فِيها، وأبْعَدَ ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِنَ الحُكْمِ في ذَلِكَ ما هو خَفِيٌّ عَلَيْكم. يَعْنِي: يَكُونُ فِيهِمُ الأنْبِياءُ، والأوْلِياءُ، والعُلَماءُ، وما: بِمَعْنى الَّذِي، وهو مَفْعُولُ أعْلَمُ، والعائِدُ: مَحْذُوفٌ، أيْ: مالًا تَعْلَمُونَهُ. "إنِّي" حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو.

البقرة 2:31

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وأقَرَبُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ عَلى فاعِلٍ كَآزَرَ، واشْتِقاقِهِمْ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، أوْ مِنَ الأُدْمَةِ، كِاشْتِقاقِهِمْ يَعْقُوبَ مِنَ العَقِبِ، وإدْرِيسَ مِنَ الدَرْسِ، وإبْلِيسَ مِنَ الإبْلاسِ ﴿الأسْماءَ كُلَّها﴾ أيْ: أسْماءُ المُسَمِّياتِ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِذِكْرِ الأسْماءِ، إذِ الِاسْمِ يَدُلُّ عَلى المُسَمّى، وعَوَّضَ مِنهُ اللامَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٧٩)﴿واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا﴾ [مَرْيَمُ: ٤] ولا يَصِحُّ أنْ يُقَدِّرُ، وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، لِأنَّ التَعْلِيمَ تَعَلَّقَ بِالأسْماءِ لا بِالمُسَمَّياتِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ و ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ، وأنْبَأهم بِهِمْ. ومَعْنى تَعْلِيمِهِ أسْماءَ المُسَمَّياتِ: أنَّهُ تَعالى أراهُ الأجْناسَ الَّتِي خَلَقَها، وعَلَّمَهُ أنَّ هَذا اسْمُهُ فَرَسٌ، وهَذا اسْمُهُ بَعِيرٌ، وهَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى القَصْعَةَ والمِغْرَفَةَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ أيْ: عَرَضَ المُسَمَّياتِ. وإنَّما ذَكَّرَ لِأنَّ في المُسَمَّياتِ العُقَلاءَ فَغَلَّبَهُمْ، وإنَّما اسْتَنْبَأهم وقَدْ عَلِمَ عَجْزَهم عَنِ الإنْباءِ عَلى سَبِيلِ التَبْكِيتِ ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ أخْبِرُونِي ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زَعْمِكم أنِّي أسْتَخْلِفُ في الأرْضِ مُفْسِدِينَ، سَفّاكِينَ لِلدِّماءِ. وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وبَيانُ أنَّ فِيمَن يَسْتَخْلِفُهُ مِنَ الفَوائِدِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي هي أُصُولُ الفَوائِدِ كُلِّها، ما يَسْتَأْهِلُونَ لِأجْلِهِ أنْ يَسْتَخْلِفُوا.

البقرة 2:32

﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ أنْ يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ، أوْ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلَيْكَ في تَدْبِيرِكَ، وأفادَتْنا الآيَةُ أنَّ عِلْمَ الأسْماءِ فَوْقَ التَخَلِّي لِلْعِبادَةِ، فَكَيْفَ بِعِلْمِ الشَرِيعَةِ؟! وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: سَبَّحْتُ اللهَ تَسْبِيحًا. ﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ ولَيْسَ فِيهِ عِلْمُ الأسْماءِ. و"ما": بِمَعْنى الَّذِي، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ، أيْ: لا مَعْلُومَ لَنا إلى الَّذِي عَلَّمْتَنا ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ﴾ غَيْرُ المُعَلَّمِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما قَضَيْتَ وقَدَّرْتَ. والكافُ اسْمُ إنَّ، و"أنْتَ": مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. أوْ "أنْتَ" فَصْلٌ، والخَبَرُ "العَلِيمُ"، و"الحَكِيمُ": خَبَرٌ ثانٍ.

البقرة 2:33

﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ سَمّى كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أعْلَمُ ما غابَ فِيهِما عَنْكُمْ، (p-٨٠)مِمّا كانَ، ومِمّا يَكُونُ ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ تُظْهِرُونَ ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تُسِرُّونَ.

البقرة 2:34

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أيِ: اخْضَعُوا لَهُ، وأقِرُّوا بِالفَضْلِ لَهُ. عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: كانَ ذَلِكَ انْحِناءً، ولَمْ يَكُنْ خُرُورًا عَلى الذَقَنِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ وضْعُ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ. وكانَ السُجُودُ تَحِيَّةً لِآدَمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- في الصَحِيحِ، إذْ لَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى لَما امْتَنَعَ عَنْهُ إبْلِيسُ. وكانَ سُجُودُ التَحِيَّةِ جائِزًا فِيما مَضى، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ لِسَلْمانَ حِينَ أرادَ أنْ يَسْجُدَ لَهُ: « "لا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى". »﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، كَذا قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ولِأنَّ الأصْلَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَكُونُ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ. ولِهَذا قالَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعْرافُ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفُ: ٥٠] مَعْناهُ: صارَ مِنَ الجِنِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هُودٌ: ٤٣] وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الجِنِّ بِالنَصِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، ولِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ، والمَلائِكَةُ خُلِقُوا مِنَ النُورِ، ولِأنَّهُ أبى، وعَصى، واسْتَكْبَرَ، والمَلائِكَةُ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهُمْ، ولا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكَهْفُ: ٥٠] ولا نَسْلَ لِلْمَلائِكَةِ. وعَنِ الجاحِظِ أنَّ الجِنَّ والمَلائِكَةَ جِنْسٌ واحِدٌ، فَمَن طَهُرَ مِنهم فَهو مَلَكٌ، ومَن خَبُثَ فَهو شَيْطانٌ، ومَن كانَ بَيْنَ بَيْنٍ فَهو جِنٌّ ﴿أبى﴾ امْتَنَعَ مِمّا أمَرَ بِهِ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ تَكَبَّرَ عَنْهُ ﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وصارَ مِنَ الكافِرِينَ بِإبائِهِ، واسْتِكْبارِهِ، ورَدِّهِ الأمْرَ، لا بِتَرْكِ العَمَلِ بِالأمْرِ، لِأنَّ تَرْكَ السُجُودِ لا يَخْرُجُ مِنَ الإيمانِ، ولا يَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ، أوْ كانَ مِنَ الكافِرِينَ في عِلْمِ اللهِ، أيْ: وكانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ إيمانِهِ، لا لِأنَّهُ كانَ (p-٨١)كافِرًا أبَدًا في عِلْمِ اللهِ. وهي مَسْألَةُ المُوافاةِ.

البقرة 2:35

﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ﴾ أمْرٌ مِن سَكَنَ الدارَ يَسْكُنُها سُكْنى: إذا أقامَ فِيها. ويُقالُ: سَكَّنَ المُتَحَرِّكَ سُكُونًا ﴿أنْتَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في اسْكُنْ، لِيَصِحَّ عَطْفُ ﴿وَزَوْجُكَ﴾ عَلَيْهِ، ﴿الجَنَّةَ﴾ هي جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ، لِلنَّقْلِ المَشْهُورِ، واللامُ لِلتَّعْرِيفِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كانَتْ بُسْتانًا بِاليَمَنِ، لِأنَّ الجَنَّةَ لا تَكْلِيفَ فِيها، ولا خُرُوجَ عَنْها. قُلْنا: إنَّما لا يَخْرُجُ مِنها مَن دَخَلَها جَزاءً، وقَدْ دَخَلَ النَبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنها، وأهْلُ الجَنَّةِ يُكَلَّفُونَ المَعْرِفَةَ والتَوْحِيدَ. ﴿وَكُلا مِنها﴾ مِن ثِمارِها، فَحَذَفَ المُضافَ ﴿رَغَدًا﴾ وصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًا رَغَدًا واسِعًا ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ و(شِيتُما) وبابُهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، أبُو عَمْرٍو. وحَيْثُ لِلْمَكانِ المُبْهَمِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ﴾ أيِ: الحِنْطَةُ ولِذا قِيلَ: كَيْفَ لا يَعْصِي الإنْسانَ، وقُوَّتُهُ مِن شَجَرَةِ العِصْيانِ، أوِ الكَرْمَةِ، لِأنَّها أصْلُ كُلِّ فِتْنَةٍ، أوِ: التِينَةُ ﴿فَتَكُونا﴾ جَزْمُ عَطْفٍ عَلى: تَقَرَّبا، أوْ نَصْبٌ جَوابٌ لِلنَّهْيِ ﴿مِنَ الظالِمِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أوْ مِنَ الضارِّينَ أنْفُسَهم.

البقرة 2:36

﴿فَأزَلَّهُما الشَيْطانُ عَنْها﴾ أيْ: عَنِ الشَجَرَةِ. أيْ: فَحَمَلَها الشَيْطانُ عَلى الزَلَّةِ بِسَبَبِها، وتَحْقِيقُهُ: فَأصْدَرَ الشَيْطانُ زَلَّتَهُما عَنْها، أوْ فَأزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ، بِمَعْنى: أذْهَبَهُما عَنْها، وأبْعَدَهُما. ﴿فَأزَلَّهُما﴾ حَمْزَةُ. وزَلَّةُ آدَمَ بِالخَطَأِ في التَأْوِيلِ إمّا بِحَمْلِ النَهْيِ عَلى التَنْزِيهِ دُونَ التَحْرِيمِ، أوْ بِحَمْلِ اللامِ عَلى التَعْرِيفِ العَهْدِ، وكَأنَّ اللهَ تَعالى أرادَ الجِنْسَ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ اسْمِ الزَلَّةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَما قالَ مَشايِخُ بُخارى. فَإنَّهُ اسْمُ الفِعْلِ يَقَعُ عَلى خِلافِ الأمْرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الخِلافِ، كَزَلَّةِ الماشِي في الطِينِ. وقالَ مَشايِخُ سَمَرْقَنْدَ: لا يُطْلَقُ اسْمُ الزَلَّةِ عَلى أفْعالِهِمْ كَما لا تُطْلَقُ المَعْصِيَةُ، وإنَّما يُقالُ: فَعَلُوا الفاضِلَ، وتَرَكُوا الأفْضَلَ، فَعُوتِبُوا عَلَيْهِ ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ النَعِيمِ والكَرامَةِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ إنْ كانَ الضَمِيرُ لِلشَّجَرَةِ في "عَنْها". وقَدْ تَوَصَّلَ إلى إزْلالِهِما بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحِجْرُ: ٣٤]، لِأنَّهُ مَنَعَ عَنْ (p-٨٢)دُخُولُها عَلى جِهَةِ التَكْرِمَةِ كَدُخُولِ المَلائِكَةِ، لا عَنْ دُخُولِها عَلى جِهَةِ الوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ. ورُوِيَ أنَّهُ أرادَ الدُخُولَ فَمَنَعَتْهُ الخَزَنَةُ، فَدَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ حَتّى دَخَلَتْ بِهِ. وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَنادى ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا﴾ الهُبُوطُ: النُزُولُ إلى الأرْضِ. والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ، وقِيلَ: والحَيَّةُ. والصَحِيحُ لِآدَمَ وحَوّاءَ. والمُرادُ: هُما وذَرِّيَّتُهُما، لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الإنْسِ ومُتَشَعَّبَهم جُعِلا كَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طَهَ: ١٢٣] ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ المُرادُ بِهِ: ما عَلَيْهِ الناسُ مِنَ التَباغِي، والتَعادِي، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في ﴿اهْبِطُوا﴾ أيِ: اهْبِطُوا مُتَعادِينَ. ﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ مَوْضِعُ اسْتِرارٍ أوِ اسْتِقْرارٍ. ﴿وَمَتاعٌ﴾ وتَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ إلى المَوْتِ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: أوْرَثَتْنا تِلْكَ الأكْلَةُ حُزْنًا طَوِيلًا.

البقرة 2:37

﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ أيِ: اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِها. وبِنَصْبِ آدَمَ ورَفْعِ كَلِماتٍ: مَكِّيٌّ، عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ بِأنْ بَلَغَتْهُ، واتَّصَلَتْ بِهِ، وهُنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافُ: ٢٣] وفِيهِ مَوْعِظَةٌ لِذَرِّيَّتِهِما حَيْثُ عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ السَبِيلِ إلى التَنَصُّلِ مِنَ الذُنُوبِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللهِ تَعالى ما قالَهُ أبُونا آدَمُ حَيْثُ اقْتَرَفَ الخَطِيئَةَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ إلّا أنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلّا أنْتَ". وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قالَ: يا رَبِّ، ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ، ألَمْ تُنْفَخْ فِيَّ رُوحِي مِن رُوحِكَ؟ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ ألَمْ تَسْكُنِّي جَنَّتَكَ؟ وهو تَعالى يَقُولُ: بَلى، بَلى. قالَ: فَلِمَ أخْرَجَتْنِي مِنَ الجَنَّةِ؟ قالَ: بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكَ. قالَ: فَلَوْ تُبْتُ أراجِعِي أنْتَ إلَيْها؟ قالَ: نَعَمْ. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَحْمَةِ والقَبُولِ، واكْتَفى بِذِكْرِ تَوْبَةِ آدَمَ، (p-٨٣)لِأنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَبَعًا لَهُ. ولَقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ النِساءِ في أكْثَرِ القُرْآنِ والسُنَّةِ لِذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو التَوّابُ﴾ الكَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ ﴿الرَحِيمُ﴾ عَلى عِبادِهِ.

البقرة 2:38

﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ حالٌ، أيْ: مُجْتَمَعِينَ. وكَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِأنَّ الهُبُوطَ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَماءِ، والثانِيَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ، أوْ لِما نِيطَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ أيْ: رَسُولٌ أبْعَثُهُ إلَيْكُمْ، أوْ كِتابٌ أُنْزِلُهُ عَلَيْكُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ أيْ: بِالقَبُولِ والإيمانِ بِهِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في المُسْتَقْبَلِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى ما خَلَّفُوا. والشَرْطُ الثانِي مَعَ جَوابِهِ جَوابُ الشَرْطِ الأوَّلِ، كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدَرْتُ أحْسَنْتُ إلَيَّ. ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ بِالفَتْحِ في كُلِّ القُرْآنِ: يَعْقُوبُ.

البقرة 2:39

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿أصْحابُ النارِ﴾ أيْ: أهْلُها ومُسْتَحِقُّوها. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَفْعِ خَبَرُ المُتَبَدَّأِ، أعْنِي: الَّذِينَ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾

البقرة 2:40

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هو يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو لَقَبٌ لَهُ، ومَعْناهُ في لِسانِهِمْ: صَفْوَةُ اللهِ، أوْ عَبْدُ اللهِ. فَإسْرا هو العَبْدُ، أوِ الصَفْوَةُ، وإيلَ: هو اللهُ بِالعِبْرِيَّةِ. وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِوُجُودِ العَلَمَيَّةِ والعُجْمَةِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ذَكَّرَهُمُ النِعْمَةَ أنْ لا يُخِلُّوا بِشُكْرِها، ويُطِيعُوا مانِحَها، وأرادَ بِها: ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ، مِمّا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ وعَذابِهِ، ومِنَ الغَرَقِ، ومِنَ العَفْوِ عَنِ اتِّخاذِ العِجْلِ، والتَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إدْراكِ زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ المُبَشَّرِ بِهِ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿وَأوْفُوا﴾ أدُّوا وافِيًا تامًّا. يُقالُ: وفَيْتُ لَهُ بِالعَهْدِ، فَأنا وافٍ بِهِ، وأوْفَيْتُ لَهُ بِالعَهْدِ، فَأنا مُوفٍ بِهِ. والِاخْتِيارُ: أوْفَيْتُ، وعَلَيْهِ نَزَلَ التَنْزِيلُ ﴿بِعَهْدِي﴾ بِما عاهَدْتُمُونِي عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِي، والطاعَةِ لِي، أوْ مِنَ الإيمانِ بِنَبِيِّ الرَحْمَةِ والكِتابِ المُعْجِزِ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بِما (p-٨٤)عاهَدْتُكم عَلَيْهِ مِن حُسْنِ الثَوابِ عَلى حَسَناتِكم. والعَهْدُ يُضافُ إلى المُعاهَدِ والعاهِدِ جَمِيعًا. وعَنْ قَتادَةَ هُما: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ﴾ و ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ [المائِدَةُ:١٢] وقالَ أهْلُ الإشارَةِ: أوْفُوا في دارِ مِحْنَتِي، عَلى بِساطِ خِدْمَتِي، بِحِفْظِ حُرْمَتِي، أوْفِ في دارِ نِعْمَتِي، عَلى بِساطِ كَرامَتِي، بِسُرُورِ رُؤْيَتِي ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَلا تَنْقُضُوا عَهْدِي، وهو مِن قَوْلِكَ: زَيْدًا رَهَبْتُهُ. وهو أوْكَدُ في إفادَةِ الِاخْتِصاصِ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةُ: ٥]. و"إيّايَ": مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، وحُذِفَ الأوَّلُ لِأنَّ الثانِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وإنَّما لَمْ يَنْتَصِبْ بِقَوْلِهِ: ﴿فارْهَبُونِ﴾ لِأنَّهُ أخَذَ مَفْعُولَهُ، وهو الياءُ المَحْذُوفَةُ، وكَسْرَةُ النُونِ دَلِيلُ الياءِ، كَما لا يَجُوزُ نَصْبُ زَيْدٍ فِي: زَيْدًا فاضْرِبْهُ بِاضْرِبِ الَّذِي هو ظاهِرٌ.

البقرة 2:41

﴿وَآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ﴾ يُعْنى: القُرْآنَ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدٌ مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْتُهُ مُصَدِّقًا ﴿لِما مَعَكُمْ﴾ مِنَ التَوْراةِ. يَعْنِي: في العِبادَةِ، والتَوْحِيدِ، والنُبُوَّةِ، وأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ أيْ: أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ أوَّلَ حِزْبٍ، أوْ فَوْجٍ كافِرٍ بِهِ، أوْ ولا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ إلى القُرْآنِ. ﴿وَلا تَشْتَرُوا﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا ﴿بِآياتِي﴾ بِتَغْيِيرِها، وتَحْرِيفِها ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ الحَسَنُ: هو الدُنْيا بِحَذافِيرِها. وقِيلَ: هو الرِياسَةُ الَّتِي كانَتْ لَهم في قَوْمِهِمْ، خافُوا عَلَيْها الفَواتَ لَوِ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ (فَخافُونِي، فارْهَبُونِي، فاتَّقُونِي) بِالياءِ في الحالَيْنِ، وكَذَلِكَ كَلُّ ياءٍ مَحْذُوفَةٌ في الخَطِّ: يَعْقُوبُ.

البقرة 2:42

﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ: خَلْطُهُ، والباءُ إنْ كانَتْ صِلَةً مِثْلَها في قَوْلِكَ: لَبِسْتُ الشَيْءَ بِالشَيْءِ: خَلَطْتُهُ بِهِ، كانَ المَعْنى: ولا تَكْتُبُوا في التَوْراةِ ما لَيْسَ مِنها، فَيَخْتَلِطَ الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي كَتَبْتُمْ، حَتّى يُمَيَّزَ بَيْنَ حَقِّها وباطِلِكُمْ، وإنْ كانَتْ باءَ الِاسْتِعانَةِ كالَّتِي في قَوْلِكَ: (p-٨٥)كَتَبْتُ بِالقَلَمِ كانَ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا بِباطِلِكُمُ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ ﴿وَتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ هو مَجْزُومٌ، داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَهْيِ بِمَعْنى: ولا تَكْتُمُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، والواوُ بِمَعْنى الجَمْعِ، أيْ: ولا تَجْمَعُوا بَيْنَ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِ الحَقِّ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَمَكَ وتَشْرَبَ اللَبَنَ، وهُما أمْرانِ مُتَمَيِّزانِ، لِأنَّ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ ما ذَكَرْنا مِن كُتُبِهِمْ في التَوْراةِ ما لَيْسَ مِنها. وكِتْمانُهُمُ الحَقَّ أنْ يَقُولُوا: نَجِدُ في التَوْراةِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ، أوْ حُكْمَ كَذا ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في حالِ عِلْمِكم أنَّكم لابِسُونَ، وكاتِمُونَ، وهو أقْبَحُ لَهُمْ، لِأنَّ الجَهْلَ بِالقَبِيحِ رُبَّما عُذِرَ مُرْتَكِبُهُ.

البقرة 2:43

﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ﴾ أيْ: صَلاةَ المُسْلِمِينَ وزَكاتَهم ﴿وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ﴾ مِنهُمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ، أيْ: أسْلِمُوا واعْمَلُوا عَمَلَ أهْلِ الإسْلامِ، وجازَ أنْ يُرادَ بِالرُكُوعِ الصَلاةُ، كَما يُعَبَّرُ عَنّا بِالسُجُودِ، وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِالصَلاةِ مَعَ المُصَلِّينَ، يَعْنِي: في الجَماعَةِ. أيْ: صَلُّوها مَعَ المُصَلِّينَ لا مُنْفَرِدِينَ.

البقرة 2:44

﴿أتَأْمُرُونَ الناسَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، مَعَ التَوْبِيخِ، والتَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، ﴿بِالبِرِّ﴾ أيْ: سَعَةِ الخَيْرِ والمَعْرُوفِ، ومِنهُ: البَرُّ لِسَعَتِهِ، ويَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: صَدَقْتَ، وبَرَرْتَ. وكانَ الأحْبارُ يَأْمُرُونَ مَن نَصَحُوهُ في السِرِّ مَن أقارِبِهِمْ وغَيْرِهِمْ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولا يَتَّبِعُونَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَدَقَةِ ولا يَتَصَدَّقُونَ، وإذا أتَوْا بِالصَدَقاتِ لِيُفَرِّقُوها خانُوا فِيها ﴿وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وتَتْرُكُونَها مِنَ البِرِّ، كالمَنسِيّاتِ ﴿وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ تَبْكِيتٌ، أيْ: تَتْلُونَ التَوْراةَ وفِيها نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ فِيها الوَعِيدُ عَلى الخِيانَةِ، وتَرْكِ البِرِّ، ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفَلا تَفْطِنُونَ لِقَبِيحِ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَصُدَّكُمُ اسْتِقْباحُهُ عَنِ ارْتِكابِهِ، وهو تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ.

البقرة 2:45

﴿واسْتَعِينُوا﴾ عَلى حَوائِجِكم إلى اللهِ ﴿بِالصَبْرِ والصَلاةِ﴾ أيْ: بِالجَمْعِ (p-٨٦)بَيْنَهُما، وأنْ تُصَلُّوا صابِرِينَ عَلى تَكالِيفِ الصَلاةِ، مُحْتَمِلِينَ لِمَشاقِّها، وما يَجِبُ فِيها مِن إخْلاصِ القَلْبِ، ودَفْعِ الوَساوِسِ الشَيْطانِيَّةِ، والهَواجِسِ النَفْسانِيَّةِ، ومُراعاةِ الآدابِ، والخُشُوعِ، واسْتِحْضارِ العِلْمِ بِأنَّهُ انْتِصابٌ بَيْنَ يَدَيْ جَبّارِ السَمَواتِ والأرْضِ، أوِ اسْتَعِينُوا عَلى البَلايا والنَوائِبِ بِالصَبْرِ عَلَيْها، والِالتِجاءِ إلى الصَلاةِ عِنْدَ وُقُوعِها، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ. » وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أنَّهُ نُعِيَ إلَيْهِ أخُوهُ قُثَمُ، وهو في سَفَرٍ، فاسْتَرْجَعَ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ﴾ وقِيلَ: الصَبْرُ: الصَوْمُ، لِأنَّهُ حَبْسٌ عَنِ المُفْطِراتِ، ومِنهُ قِيلَ لِشَهْرِ رَمَضانَ: شَهْرُ الصَبْرِ. وقِيلَ: الصَلاةُ: الدُعاءُ، أيِ: اسْتَعِينُوا عَلى البَلايا بِالصَبْرِ، والِالتِجاءِ إلى الدُعاءِ، والِابْتِهالِ إلى اللهِ في دَفْعِهِ ﴿وَإنَّها﴾ الضَمِيرُ لِلصَّلاةِ، أوْ لِلِاسْتِعانَةِ. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ، مِن قَوْلِكَ: كَبُرَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ ما ادَّخَرَ لِلصّابِرِينَ عَلى مَتاعِبِها، فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:

البقرة 2:46

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَ ثَوابِهِ، ونَيْلَ ما عِنْدَهُ، ويَطْمَعُونَ فِيهِ. وفَسَّرَ يَظُنُّونَ بِيَتَيَقَّنُونَ لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: (يَعْلَمُونَ) أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن لِقاءِ الجَزاءِ فَيَعْمَلُونَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وأمّا مَن لَمْ يُوقِنْ بِالجَزاءِ، ولَمْ يَرْجُ الثَوابَ كانَتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةً خالِصَةً. والخُشُوعُ والإخْباتُ: التَطامُنُ، وأمّا الخُضُوعُ: فاللِينُ والِانْقِيادُ. وفَسَّرَ اللِقاءَ: بِالرُؤْيَةِ، ومُلاقُو رَبِّهِمْ: بِمُعايِنُوهُ بِلا كَيْفٍ ﴿وَأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ لا يَمْلِكُ أمْرَهم في الآخِرَةِ أحَدٌ سِواهُ.

البقرة 2:47

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ التَكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ نُصِبَ عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي، أيِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وتَفْضِيلِي ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الناسِ، يُقالُ: رَأيْتُ عالِمًا مِنَ الناسِ، والمُرادُ: الكَثْرَةُ.

البقرة 2:48

(p-٨٧)﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَفْعُولٌ بِهِ، لا ظَرْفٌ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ مُؤْمِنَةٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ كافِرَةٍ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي لَزِمَتْها. و"شَيْئًا" مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: قَلِيلًا مِنَ الجَزاءِ. والجُمْلَةُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ صِفَةُ يَوْمًا، والعائِدُ مِنها إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: لا تَجْزِي فِيهِ ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ (وَلا تُقْبَلُ) بِالتاءِ، مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ. والضَمِيرُ في "مِنها" يَرْجِعُ إلى النَفْسِ المُؤْمِنَةِ، أيْ: لا تُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ لِلْكافِرَةِ. وقِيلَ: كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم فَأُويِسُوا، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشافِعِينَ﴾ [المُدَّثِّرُ: ٤٨]. وتَشَبَّثَ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ في نَفْيِ الشَفاعَةِ لِلْعُصاةِ مَرْدُودٌ، لِأنَّ المَنفِيَّ شَفاعَةُ الكُفّارِ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي، مَن كَذَّبَ بِها لَمْ يَنَلْها". »﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ أيْ: فِدْيَةٌ، لِأنَّها مُعادِلَةٌ لِلْمَفْدِيِّ. ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ يُعانُونَ. وجُمِعَ لِدَلالَةِ النَفْسِ المُنَكَّرَةِ عَلى النُفُوسِ الكَثِيرَةِ، وذَكَّرَ لِمَعْنى العِبادِ أوِ الأناسِيِّ.

البقرة 2:49

﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أصْلُ آلٍ: أهْلٌ، ولِذَلِكَ يُصَغَّرُ بِأُهَيْلٍ، فَأُبْدِلَتْ هاؤُهُ ألِفًا، وخُصَّ اسْتِعْمالُهُ بِأُولِي الخَطَرِ كالمُلُوكِ وأشْباهِهِمْ، فَلا يُقالُ: آلُ الإسْكافِ والحَجّامِ، وفِرْعَوْنُ: عَلَمٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ، كَقَيْصَرَ لِمِلْكِ الرُومِ، وكِسْرى لِمِلْكِ الفُرْسِ. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ: يُولُونَكُمْ، مِن سامَهُ خَسْفًا، إذا أوْلاهُ ظُلْمًا، وأصْلُهُ: مِن سامَ السِلْعَةَ: إذا طَلَبَها، كَأنَّها بِمَعْنى: يَبْغُونَكم. ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ ويُرِيدُونَكم عَلَيْهِ. ومُساوَمَةُ البَيْعِ: مُزايَدَةٌ، أوْ مُطالَبَةٌ. وسُوءَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَيَسُومُونَكُمْ، وهو مَصْدَرُ سِيءَ، يُقالُ: أعُوذُ بِاللهِ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسُوءِ الفِعْلِ، يُرادُ: قُبْحَهُما، ومَعْنى سُوءِ العَذابِ -والعَذابُ (p-٨٨)كُلُّهُ سَيِّئٌ-: أشَدُّهُ وأفْظَعُهُ. ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ولِذا تَرَكَ العاطِفَ ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ يَتْرُكُونَ بَناتَكم أحْياءً لِلْخِدْمَةِ، وإنَّما فَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ الكَهَنَةَ أنْذَرُوا فِرْعَوْنَ بِأنَّهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ يَزُولُ مُلْكُهُ بِسَبَبِهِ، كَما أنْذَرُوا نَمْرُودَ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُما اجْتِهادُهُما في التَحَفُّظِ، وكانَ ما شاءَ اللهُ ﴿وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ﴾ مِحْنَةٌ إنْ أُشِيرَ بِذَلِكم إلى صُنْعِ فِرْعَوْنَ، ونِعْمَةٌ إنْ أُشِيرَ بِهِ إلى الإنْجاءِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ صِفَةٌ لِبَلاءٌ ﴿عَظِيمٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ.

البقرة 2:50

﴿وَإذْ فَرَقْنا﴾ فَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى صارَتْ فِيهِ مَسالِكُ لَكم. وقُرِئَ: (فَرَّقْنا) أيْ: فَصَلْنا، يُقالُ: فَرَقَ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ، وفَرَّقَ بَيْنَ الأشْياءِ، لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ ﴿بِكُمُ البَحْرَ﴾ كانُوا يَسْلُكُونَهُ، ويَتَفَرَّقُ الماءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ، فَكَأنَّما فَرَّقَ بِهِمْ، أوْ فَرَّقْناهُ بِسَبَبِكُمْ، أوْ فَرَّقْناهُ مُلْتَبِسًا بِكُمْ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ. رُوِيَ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: أيْنَ أصْحابُنا؟ فَنَحْنُ لا نَرْضى حَتّى نَراهم. فَأوْحى اللهُ إلَيْهِ أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا، فَقالَ بِها عَلى الحِيطانِ، فَصارَتْ فِيها كُوًى، فَتَراءَوْا، وتَسامَعُوا كَلامَهُمْ، »﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى ذَلِكَ وتُشاهِدُونَهُ، ولا تَشُكُّونَ فِيهِ.

البقرة 2:51

وَإنَّما قالَ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى﴾ لِأنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِالوَحْيِ، ووَعْدُهُ: هو المَجِيءُ لِلْمِيقاتِ إلى الطُورِ، "وَعَدْنا" حَيْثُ كانَ: بَصْرِيٌّ، لَمّا دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وعَدَ اللهُ تَعالى مُوسى أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ التَوْراةَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا: ذا القَعْدَةِ وعَشَرَ ذِي الحِجَّةِ. وقالَ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لِأنَّ الشُهُورَ غُرَرُها بِاللَيالِي. و َ"أرْبَعِينَ": مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا (p-٨٩)لا ظَرْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَعْناهُ: واعَدْناهُ في أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ: إلَهًا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الثانِيَ لِـ "اتَّخَذْتُمْ"، وبابُهُ بِالإظْهارِ مَكِّيٌّ وحَفْصٌ، ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُورِ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِوَضْعِكُمُ العِبادَةَ غَيْرَ مَوْضِعِها، والجُمْلَةُ حالٌ، أيْ: عَبَدْتُمُوهُ ظالِمِينَ.

البقرة 2:52

﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ مَحَوْنا ذُنُوبَكم عَنْكم ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ اتِّخاذِكُمُ العِجْلَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لِكَيْ تَشْكُرُوا النِعْمَةَ في العَفْوِ عَنْكم.

البقرة 2:53

﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ يَعْنِي: الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا وفُرْقانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو التَوْراةُ، ونَظِيرُهُ: رَأيْتُ الغَيْثَ واللَيْثَ، تُرِيدُ: الرَجُلَ الجامِعَ بَيْنَ الجُودِ والجَراءَةِ، أوِ التَوْراةَ والبُرْهانَ الفارِقَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ، أوِ الشَرْعَ الفارِقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: الفُرْقانُ: انْفِلاقُ البَحْرِ، أوِ النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لِكَيْ تَهْتَدُوا.

البقرة 2:54

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ لِلَّذِينِ عَبَدُوا العِجْلَ ﴿يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ مَعْبُودًا ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ هو الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ بَرِيئًا مِنَ التَفاوُتِ. وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِما كانَ مِنهم مِن تَرْكِ عِبادَةِ العالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي بَرَأهم أبْرِياءَ مِنَ التَفاوُتِ إلى عِبادَةِ البَقَرِ، الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ والبَلادَةِ. ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قِيلَ: هو عَلى الظاهِرِ، وهو البَخْعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: قُتِلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: أمَرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ أنْ يَقْتُلُوا العَبَدَةَ، فَقُتِلَ سَبْعُونَ ألْفًا. (p-٩٠)﴿ذَلِكُمْ﴾ التَوْبَةُ والقَتْلُ ﴿خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ مِنَ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ ﴿فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَوّابُ﴾ المِفْضالُ بِقَبُولِ التَوْبَةِ وإنْ كَثُرَتْ ﴿الرَحِيمُ﴾ يَعْفُو الحَوْبَةَ وإنْ كَبُرَتْ. والفاءُ الأُولى لِلتَّسْبِيبِ، لِأنَّ الظُلْمَ سَبَبُ التَوْبَةِ. والثانِيَةُ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ المَعْنى: فاعْزِمُوا عَلى التَوْبَةِ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ، إذِ اللهُ تَعالى جَعَلَ تَوْبَتَهم قَتْلَ أنْفُسِهِمْ. والثالِثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ تابَ عَلَيْكم.

البقرة 2:55

﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً﴾ عِيانًا وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ كَما تُنْصَبُ القُرْفُصاءُ بِفِعْلِ الجُلُوسِ، أوْ عَلى الحالِ مِن نَرى، أيْ: ذَوِي جَهْرَةٍ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ﴾ أيِ: المَوْتُ. قِيلَ: هي نارٌ جاءَتْ مِنَ السَماءِ فَأحْرَقَتْهم. رُوِيَ «أنَّ السَبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ الِانْطِلاقِ إلى الجَبَلِ قالُوا لَهُ: نَحْنُ لَمْ نَعْبُدِ العِجْلَ كَما عَبَدَهُ هَؤُلاءِ، فَأرِنا اللهَ جَهْرَةً. فَقالَ مُوسى: سَألْتُهُ ذَلِكَ فَأباهُ عَلَيَّ. فَقالُوا: إنَّكَ رَأيْتَ اللهَ تَعالى، فَلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ صاعِقَةً فَأحْرَقَتْهم. » وتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الرُؤْيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ جائِزَ الرُؤْيَةِ لَما عُذِّبُوا بِسُؤالِ ما هو جائِزُ الثُبُوتِ. قُلْنا إنَّما عُوقِبُوا بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّكَ رَأيْتَ اللهَ فَلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً، كُفْرٌ مِنهم. ولِأنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنِ الإيمانِ بِمُوسى بَعْدَ ظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ حَتّى يَرَوْا رَبَّهم جَهْرَةً، والإيمانُ بِالأنْبِياءِ واجِبٌ بَعْدَ ظُهُورِ مُعْجِزاتِهِمْ، ولا يَجُوزُ اقْتِراحُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. ولِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا سُؤالَ اسْتِرْشادٍ، بَلْ سُؤالَ تَعَنُّتٍ وعِنادٍ ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلَيْها حِينَ نَزَلَتْ.

البقرة 2:56

﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أحْيَيْناكُمْ، وأصْلُهُ: الإثارَةُ ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.

البقرة 2:57

(p-٩١)﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ جَعَلْنا الغَمامَ يُظِلُّكم. وذَلِكَ في التِيهِ سَخَّرَ اللهُ لَهُمُ السَحابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ يُظِلُّهم مِنَ الشَمْسِ، ويَنْزِلُ بِاللَيْلِ عَمُودٌ مِن نارٍ يَسِيرُونَ في ضَوْئِهِ، وثِيابُهم لا تَتَّسِخُ، ولا تَبْلى ﴿وَأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ﴾ التُرُنْجُبِينُ، وكانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الثَلْجِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ ﴿والسَلْوى﴾ كانَ يَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبَ فَتَحْشُرُ عَلَيْهِمُ السَلْوى، وهي السُمّانى، فَيَذْبَحُ الرَجُلُ مِنها ما يَكْفِيهِ. وقُلْنا لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ لِذِيذاتِ أوْ حَلالاتِ ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ يَعْنِي: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِعَمَ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أنْفُسَهُمْ: مَفْعُولُ يَظْلِمُونَ، وهو خَبَرُ كانَ.

البقرة 2:58

﴿وَإذْ قُلْنا﴾ لَهم بَعْدَ ما خَرَجُوا مِنَ التِيهِ ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ: بَيْتَ المَقْدِسِ، أوْ أرِيحاءَ، والقَرْيَةُ: المُجْتَمَعُ مِن قَرَيْتُ، لِأنَّها تَجْمَعُ الخَلْقَ. أُمِرُوا بِدُخُولِها بَعْدَ التِيهِ ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ مِن طَعامِ القَرْيَةِ وثِمارِها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ بابَ القَرْيَةِ، أوْ بابَ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يَصِلُونَ إلَيْها، وهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّما دَخَلُوا البابَ في حَياتِهِ، ودَخَلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَهُ، ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ. أُمِرُوا بِالسُجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وتَواضُعًا لَهُ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ، كالجِلْسَةِ، وهي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَسْألَتُنا حِطَّةٌ، أوْ أمْرُكَ حِطَّةٌ، والأصْلُ النَصْبُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ بِمَعْنى حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً. وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَباتِ. وقِيلَ: أمْرُنا حِطَّةٌ، أيْ: أنَّ نَحُطَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ، ونَسْتَقِرَّ فِيها، وعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هو بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ هو لا إلَهَ إلّا اللهُ. ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ جَمْعُ خَطِيئَةٍ، وهي الذَنْبُ، (يَغْفِرْ) مَدَنِيٌّ، (تُغْفَرْ) شامِيٌّ، ﴿وَسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُحْسِنًا مِنكم (p-٩٢)كانَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ سَبَبًا في زِيادَةِ ثَوابِهِ، ومَن كانَ مُسِيئًا كانَتْ لَهُ تَوْبَةً ومَغْفِرَةً.

البقرة 2:59

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فِيهِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالَّذِي قِيلَ لَهُمْ: ﴿قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فَبَدَّلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى آخَرَ بِالباءِ، فالَّذِي مَعَ الباءِ مَتْرُوكٌ، والَّذِي بِغَيْرِ باءٍ مَوْجُودٌ، يَعْنِي: وضَعُوا مَكانَ حِطَّةٍ قَوْلًا غَيْرَها، أيْ: أُمِرُوا بِقَوْلٍ مَعْناهُ التَوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ، فَخالَفُوهُ إلى قَوْلٍ لَيْسَ مَعْناهُ مَعْنى ما أُمِرُوا بِهِ، ولَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللهِ، وقِيلَ: قالُوا: مَكانَ حِطَّةٍ حِنْطَةً، وقِيلَ: قالُوا بِالنَبَطِيَّةِ: حَطّا سَمْقاثا، أيْ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ اسْتِهْزاءً مِنهم بِما قِيلَ لَهُمْ، وعُدُولًا عَنْ طَلَبِ ما عِنْدَ اللهِ إلى طَلَبِ ما يَشْتَهُونَ مِن أعْراضِ الدُنْيا، ﴿فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ عَذابًا. وفي تَكْرِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا زِيادَةٌ في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ، وإيذانٌ بِإنْزالِ الرِجْزِ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ صِفَةٌ لِرِجْزٍ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. رُوِيَ أنَّهُ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ بِالطاعُونِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفًا.

البقرة 2:60

﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ مَوْضِعُ إذْ نَصْبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: واذْكُرُوا إذِ اسْتَسْقى، أيِ: اسْتَدْعى أنْ يَسْقِيَ قَوْمَهُ ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ عَطِشُوا في التِيهِ، فَدَعا لَهم مُوسى بِالسُقْيا، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ. واللامُ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى حَجَرٍ مَعْلُومٍ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حَجَرٌ طُورِيٌّ حَمَلَهُ مَعَهُ، وكانَ مُرَبَّعًا، لَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، كانَتْ تَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثُ أعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وسَعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، أوْ لِلْجِنْسِ، أيِ: اضْرِبِ الشَيْءَ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الحَجَرُ، وهَذا أظْهَرُ في الحُجَّةِ، وأبْيَنُ في القُدْرَةِ ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ الفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، أيْ: سالَتْ بِكَثْرَةٍ، أوْ فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، وهي عَلى هَذا فاءٌ فَصِيحَةٌ، لا تَقَعُ إلّا في كَلامٍ بَلِيغٍ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِينِ وفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وعَيْنًا: تَمْيِيزٌ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ عَيْنَهُمُ الَّتِي (p-٩٣)يَشْرَبُونَ مِنها ﴿كُلُوا﴾ وقُلْنا لَهُمْ: كُلُوا مِنَ المَنِّ والسَلْوى ﴿واشْرَبُوا﴾ مِن ماءِ العُيُونِ ﴿مِن رِزْقِ اللهِ﴾ أيِ: الكُلُّ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ، ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ لا تُفْسِدُوا فِيها، والعَيْثُ: أشَدُّ الفَسادِ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أيْ: لا تَتَمادَوْا في الفَسادِ في حالِ فَسادِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا مُتَمادِينَ فِيهِ.

البقرة 2:61

﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ هو ما رُزِقُوا في التِيهِ مِنَ المَنِّ والسَلْوى، وإنَّما قالُوا: ﴿عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وهُما طَعامانِ، لِأنَّهم أرادُوا بِالواحِدِ ما لا يَتَبَدَّلُ،: ولَوْ كانَ عَلى مائِدَةِ الرَجُلِ ألْوانٌ عِدَّةٌ، يُداوِمُ عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ لا يُبَدِّلُها، يُقالُ: لا يَأْكُلُ فُلانٌ إلّا طَعامًا واحِدًا، ويُرادُ بِالوَحْدَةِ: نَفِيُ التَبَدُّلِ والِاخْتِلافِ، أوْ أرادُوا: أنَّهُما ضَرْبٌ واحِدٌ، لِأنَّهُما مَعًا مِن طَعامِ أهْلِ التَلَذُّدِ والتَتَرُّفِ، وكانُوا مِن أهْلِ الزِراعاتِ، فَأرادُوا ما ألِفُوا مِنَ البُقُولِ والحُبُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ سَلْهُ، وقُلْ لَهُ: أخْرِجْ لَنا ﴿يُخْرِجْ لَنا﴾ يُظْهِرْ لَنا، ويُوجِدْ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ هو ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ، والمُرادُ بِهِ: أطايِبُ البُقُولِ: كالنَعْناعِ، والكَرَفْسِ، والكُرّاثِ، ونَحْوِهِما مِمّا يَأْكُلُ الناسُ، ﴿وَقِثّائِها﴾ يَعْنِي: الخِيارُ ﴿وَفُومِها﴾ هو الحِنْطَةُ، أوِ الثُومُ، لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وثُومِها، ﴿وَعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ أقْرَبُ مَنزِلَةً، وأدْوَنُ مِقْدارًا، والدُنُوُّ والقُرْبُ يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ قِلَّةِ المِقْدارِ، ﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ أرْفَعُ، وأجَلُّ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مِنَ الأمْصارِ، أيِ: انْحَدِرُوا إلَيْهِ مِنَ التِيهِ، وبِلادُ التِيهِ: ما بَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِنَّسْرِينَ، وهي اثْنا عَشَرَ فَرْسَخًا في ثَمانِيَةِ فَراسِخَ، أوْ مِصْرُ فِرْعَوْنَ، وإنَّما صَرَفَهُ مَعَ وُجُودِ السَبَبَيْنِ، وهُما: التَأْنِيثُ والتَعْرِيفُ، لِإرادَةِ البَلَدِ، أوْ لِسُكُونِ وسَطِهِ كَنُوحٍ ولُوطٍ، وفِيهِما العُجْمَةُ والتَعْرِيفُ ﴿فَإنَّ لَكُمْ﴾ فِيها ﴿ما سَألْتُمْ﴾ أيْ: فَإنَّ الَّذِي سَألْتُمْ يَكُونُ في الأمْصارِ، لا في التِيهِ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ أيِ: الهَوانُ والفَقْرُ، يَعْنِي: جُعِلَتِ الذِلَّةُ مُحِيطَةً بِهِمْ، (p-٩٤)مُشْتَمِلَةً عَلَيْهِمْ، فَهم فِيها كَما يَكُونُ في القُبَّةِ مَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، أوْ أُلْصِقَتْ بِهِمْ حَتّى لَزِمَتْهم ضَرْبَةَ لازِبٍ، كَما يُضْرَبُ الطِينُ عَلى الحائِطِ فَيَلْزَمُهُ، فاليَهُودُ صاغِرُونَ، أذِلّاءُ، أهْلُ مَسْكَنَةٍ وفَقْرٍ، إمّا عَلى الحَقِيقَةِ، وإمّا لِتَصاغُرِهِمْ وتَفاقُرِهِمْ خِيفَةَ أنْ تُضاعَفَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ، (عَلَيْهُمُ الذِلَّةُ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، وكَذا كُلُّ ما كانَ قَبْلَ الهاءِ ياءٌ ساكِنَةٌ، وبِكَسْرِ الهاءِ والمِيمِ، أبُو عَمْرٍو. وبِكَسْرِ الهاءِ، وضَمِّ المِيمِ، غَيْرُهُمْ، ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ مِن قَوْلِكَ: باءُ فُلانٍ بِفُلانٍ إذا كانَ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُقْتَلَ بِهِ لِمُساواتِهِ لَهُ، أيْ: صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ، وعَنِ الكِسائِيِّ رَجَعُوا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ضَرْبِ الذِلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، والخَلّاقَةِ بِالغَضَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ﴾ بِالهَمْزَةِ، نافِعٌ، وكَذا بابُهُ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَدْ قَتَلَتِ اليَهُودُ شِعْياءَ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ. والنَبِيُّ مِنَ النَبَإ، لِأنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللهِ تَعالى، فَعِيلَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، أوْ مِن نَبا، أيِ: ارْتَفَعَ، والنُبُوَّةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ عِنْدَهم أيْضًا، فَإنَّهم لَوْ أنْصَفُوا لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ عِنْدَهُمْ، وهو في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في يَقْتُلُونَ، أيْ: يَقْتُلُونَهم مُبْطِلِينَ ﴿ذَلِكَ﴾ تَكْرارٌ لِلْإشارَةِ ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمْ أنْواعَ المَعاصِي، واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللهِ في كُلِّ شَيْءٍ، مَعَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ. وقِيلَ: هو اعْتِداؤُهم في السَبْتِ، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ بِذَلِكَ إلى الكُفْرِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، واعْتِدائِهِمْ، لِأنَّهُمُ انْهَمَكُوا فِيهِما، وغَلَوْا حَتّى قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَجَسُرُوا عَلى جُحُودِ الآياتِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، أوْ ذَلِكَ الكُفْرُ والقَتْلُ مَعَ ما عَصَوْا.

البقرة 2:62

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُواطَأةِ القُلُوبِ، وهُمُ المُنافِقُونَ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ تَهَوَّدُوا، يُقالُ: هادَ يَهُودُ وتَهَوَّدَ: إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، وهو (p-٩٥)هائِدٌ، والجَمْعُ: هُودٌ ﴿والنَصارى﴾ جَمْعُ: نَصْرانٍ، كَنَدْمانَ ونَدامى، يُقالُ: رَجُلٌ نَصْرانٌ وامْرَأةٌ نَصْرانَةٌ، والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ، كالَّتِي في أحْمَرِيٍّ. سُمُّوا نَصارى، لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحُ: ﴿والصابِئِينَ﴾ الخارِجِينَ مِن دِينٍ مَشْهُورٍ إلى غَيْرِهِ: مِن صَبَأ إذا خَرَجَ مِنَ الدِينِ: وهم قَوْمٌ عَدَلُوا عَنْ دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ وعَبَدُوا المَلائِكَةَ، وقِيلَ: هم يَقْرَءُونَ الزَبُورَ ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ إيمانًا خالِصًا ﴿وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ ثَوابُهم. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ومَحَلُّ ﴿مَن آمَنَ﴾ الرَفْعُ إنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ والنَصْبُ إنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَخَبَرُ إنَّ في الوَجْهِ الأوَّلِ الجُمْلَةُ كَما هِيَ، وفي الثانِي فَلَهُمْ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ "مَن" مَعْنى الشَرْطِ.

البقرة 2:63

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ بِقَبُولِ ما في التَوْراةِ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ﴾ أيِ: الجَبَلَ، حَتّى قَبِلْتُمْ، وأعْطَيْتُمُ المِيثاقَ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهم بِالألْواحِ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ الآصارِ والتَكالِيفِ الشاقَّةِ، فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ اللهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقَلَعَ الطُورَ مِن أصْلِهِ، ورَفَعَهُ فَظَلَّلَهُ فَوْقَهُمْ، وقالَ لَهم مُوسى: إنْ قَبِلْتُمْ وإلّا أُلْقِيَ عَلَيْكُمْ، حَتّى قَبِلُوا، وقُلْنا لَهُمْ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ، أيِ: التَوْراةِ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بَجِدٍّ وعَزِيمَةٍ، ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ واحْفَظُوا ما في الكِتابِ، وادْرُسُوهُ، ولا تَنْسَوْنَ، ولا تُغْفِلُوا عَنْهُ، ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ رَجاءً مِنكم أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ.

البقرة 2:64

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ ثُمَّ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ، والوَفاءِ بِهِ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ القَبُولِ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْكَ، أوْ (p-٩٦)بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الهالِكِينَ في العَذابِ.

البقرة 2:65

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ عَرَفْتُمْ، فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ﴾ هو مَصْدَرُ، سَبَتَتِ اليَهُودُ: إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَبْتِ، وقَدِ اعْتَدَوْا فِيهِ، أيْ: جاوَزُوا ما حُدَّ لَهم فِيهِ مِنَ التَجَرُّدِ لِلْعِبادَةِ، وتَعْظِيمِهِ، واشْتَغَلُوا بِالصَيْدِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى نَهاهم أنْ يَصِيدُوا في السَبْتِ، ثُمَّ ابْتَلاهم فَما كانَ يَبْقى حُوتٌ في البَحْرِ إلّا أخْرَجَ خُرْطُومَهُ يَوْمَ السَبْتِ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ، فَحَفَرُوا حِياضًا عِنْدَ البَحْرِ، وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَبْتِ لِأمْنِها مِنَ الصَيْدِ، فَكانُوا يَسُدُّونَ مَشارِعَها مِنَ البَحْرِ، فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ، فَذَلِكَ الحَبْسُ في الحِياضِ هو اعْتِداؤُهم. ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا﴾ بِتَكْوِينِنا إيّاكم ﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ خَبَرُ كانَ، أيْ: كُونُوا جامِعِينَ بَيْنَ القِرْدِيَّةِ والخُسُوءِ، وهو الصَغارُ والطَرْدُ.

البقرة 2:66

﴿فَجَعَلْناها﴾ يُعْنى: المَسْخَةَ ﴿نَكالا﴾ عِبْرَةً تَنْكِلُ مَنِ اعْتَبَرَ بِها، أيْ: تَمْنَعُهُ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ لِما قَبْلَها ﴿وَما خَلْفَها﴾ وما بَعْدَها مِنَ الأُمَمِ والقُرُودِ، لِأنَّ مَسْخَتَهم ذُكِرَتْ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، واعْتَبَرَ بِها مَن بَلَغَتْهم مِنَ الآخَرِينَ، ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ نَهَوْهم عَنِ الِاعْتِداءِ مِن صالِحِي قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها.

البقرة 2:67

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرُوا إذْ قالَ مُوسى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى نِعْمَتِي في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ٤٠] كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرُوا ذاكَ، واذْكُرُوا إذْ قالَ مُوسى، وكَذَلِكَ هَذا في الظُرُوفِ الَّتِي مَضَتْ، أيِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي، واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا إيّاكُمْ، واذْكُرُوا وقْتَ فَرْقِنا، واذْكُرُوا نِعْمَتِي، واذْكُرُوا وقْتَ اسْتِسْقاءِ مُوسى رَبَّهُ لِقَوْمِهِ، والظُرُوفُ الَّتِي تَأْتِي إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٤] ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ﴾ أيْ: بِأنْ (p-٩٧)﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أوَّلُ القِصَّةِ مُؤَخَّرٌ في التِلاوَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البَقَرَةُ: ٧٢] وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا مُوسِرًا اسْمُهُ عامِيلُ، قَتَلَهُ بَنُو عَمِّهِ لِيَرِثُوهُ، وطَرَحُوهُ عَلى بابِ مَدِينَةٍ، ثُمَّ جاءُوا يُطالِبُونَ بِدِيَتِهِ، فَأمَرَهُمُ اللهُ أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، ويَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيا، فَيُخْبِرُهم بِقاتِلِهِ، ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ أتَجْعَلُنا مَكانَ هُزْءٍ، أوْ أهْلَ هُزْءٍ، أوِ الهُزْءَ نَفْسَهُ لِفَرْطِ الِاسْتِهْزاءِ، (هُزْءًا) بِسُكُونِ الزايِ والهَمْزَةِ، حَمْزَةُ، وبِضَمَّتَيْنِ والواوِ، حَفْصٌ. غَيْرُهُما بِالتَثْقِيلِ والهَمْزَةُ. ﴿قالَ أعُوذُ بِاللهِ﴾ العِياذُ واللِياذُ مِن وادٍ واحِدٍ، ﴿أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ الهُزْءَ في مِثْلِ هَذا مِن بابِ الجَهْلِ والسَفَهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ، أيْ: أنْتُمْ جاهِلُونَ حَيْثُ نَسَبْتُمُونِي إلى الِاسْتِهْزاءِ.

البقرة 2:68

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ سُؤالٌ عَنْ حالِها وصِفَتِها، لِأنَّهم كانُوا عامِلِينَ بِماهِيَتِها، لِأنَّ ما وإنْ كانَتْ سُؤالًا عَنِ الجِنْسِ، وكَيْفَ عَنِ الوَصْفِ، ولَكِنْ قَدْ تَقَعُ ما مَوْقِعَ كَيْفَ، وذَلِكَ أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ، يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيا، فَسَألُوا عَنْ صِفَةِ تِلْكَ البَقَرَةِ العَجِيبَةِ الشَأْنِ، وما هي خَبَرٌ ومُبْتَدَأٌ؟ ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ﴾ مُسِنَّةٌ، وسُمِّيَتْ فارِضًا، لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها، أيْ: قَطَعَتْها، وبَلَغَتْ آخِرَها، وارْتَفَعَ فارِضٌ، لِأنَّهُ صِفَةٌ لِبَقَرَةٌ ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ فَتِيَّةٌ، عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿عَوانٌ﴾ نَصَفٌ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بَيْنَ الفارِضِ والبِكْرِ. ولَمْ يَقُلْ: بَيْنَ ذَيْنِكَ، مَعَ أنَّ بَيْنَ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا، لِأنَّهُ أرادَ بَيْنَ هَذا المَذْكُورِ، وقَدْ يُجْرى الضَمِيرُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في هَذا. قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: قُلْتُ لِرُؤْبَةَ في قَوْلِهِ: ؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ فَقُلْ: كَأنَّها، وإنْ أرَدْتَ السَوادَ والبَلَقْ فَقُلْ: كَأنَّهُما، (p-٩٨)فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذاكَ ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ: تُؤْمَرُونَهُ، بِمَعْنى: تُؤْمَرُونَ بِهِ، أوْ أمْرُكم بِمَعْنى مَأْمُورِكُمْ، تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، كَضَرْبِ الأمِيرِ.

البقرة 2:69

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ مَوْضِعُ ما: رَفْعٌ، لِأنَّ مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ، تَقْدِيرُهُ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنُ لَنا أيُّ شَيْءٍ لَوْنُها ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ الفُقُوعُ: أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الصُفْرَةِ وأنْصَعُهُ، يُقالُ في التَوْكِيدِ: أصْفَرُ فاقِعٌ، وهو تَوْكِيدٌ لِصَفْراءُ، ولَيْسَ خَبَرًا عَنِ اللَوْنِ، إلّا أنَّهُ ارْتَفَعَ اللَوْنُ بِهِ ارْتِفاعَ الفاعِلِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ صَفْراءُ فاقِعَةٌ، وصَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، وفي ذِكْرِ اللَوْنِ فائِدَةُ التَوْكِيدِ، لِأنَّ اللَوْنَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ، وهي الصُفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: شَدِيدُ الصُفْرَةِ صُفْرَتُها، فَهو مِن قَوْلِكَ: جَدَّ جِدُّهُ. ﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ لِحُسْنِها، والسُرُورُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ أوْ تَوَقُّعِهِ. عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مِن لَبِسَ نَعْلًا صَفْراءَ قَلَّ هَمُّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾

البقرة 2:70

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلسُّؤالِ عَنْ حالِها، وصِفَتِها، واسْتِكْشافٌ زائِدٌ لِيَزْدادُوا بَيانًا لِوَصْفِها، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ « "لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَكَفَتْهُمْ، ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ". » والِاسْتِقْصاءُ شُؤْمٌ ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ إنِ البَقْرَ المَوْصُوفَ بِالتَعْوِينِ والصُفْرَةِ كَثِيرٌ، فاشْتَبَهَ عَلَيْنا ﴿وَإنّا إنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البَقَرَةِ المُرادِ ذَبْحُها، أوْ إلى ما خَفِيَ عَلَيْنا مِن أمْرِ القاتِلِ. و﴿إنْ شاءَ اللهُ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، وفي الحَدِيثِ: « "لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ" » أيْ: لَوْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللهُ.

البقرة 2:71

(p-٩٩)﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ﴾ "لا ذَلُولٌ"صِفَة لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ، يَعْنِي: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْكِرابِ، وإثارَةِ الأرْضِ ﴿وَلا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ ولا هي مِنَ النَواضِحِ الَّتِي يُسْنى عَلَيْها لَسَقْي الحُرُوثِ، ولا الأُولى نافِيَةٌ، والثانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى، لِأنَّ المَعْنى لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ، أيْ: تُقَلِّبُها لِلزِّراعَةِ، وتَسْقِي الحَرْثَ، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِذَلُولٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ عَنِ العُيُوبِ، وآثارِ العَمَلِ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ لا لَمْعَةَ في نَقَبَتِها مِن لَوْنٍ آخَرَ سِوى الصُفْرَةِ، فَهي صَفْراءُ كُلُّها حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرُ، وشّاهُ وشْيًا وشِيَةً: إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ. ﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ، وما بَقِيَ إشْكالٌ في أمْرِها. "جِيتَ" وبابُهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، أبُو عَمْرٍو. ﴿فَذَبَحُوها﴾ فَحَصَّلُوا البَقَرَةَ الجامِعَةَ لِهَذِهِ الأوْصافِ كُلِّها، فَذَبَحُوها، ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِغَلاءِ ثَمَنِها، أوْ خَوْفِ الفَضِيحَةِ في ظُهُورِ القاتِلِ. رُوِيَ «أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ صالِح لَهُ عِجَلَةٌ، فَأتى بِها الغَيْضَةَ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى يَكْبُرَ، وكانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ، فَشَبَّتِ البَقَرَةُ، وكانَتْ مِن أحْسَنِ البَقَرِ وأسْمَنِهِ، فَساوَمُوها اليَتِيمَ وأمَّهُ حَتّى اشْتَرَوْها بِمَلْءٍ مَسْكِها ذَهْبًا، وكانَتِ البَقَرَةُ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، وكانُوا طَلَبُوا البَقَرَةَ المَوْصُوفَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً، » وهَذا البَيانُ مِن قَبِيلِ تَقْيِيدِ المُطْلَقِ فَكانَ نَسْخًا، والنَسْخُ قَبْلَ الفِعْلِ جائِزٌ، وكَذا قَبْلَ التَمَكُّنِ مِنهُ عِنْدَنا، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.

البقرة 2:72

﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ بِتَقْدِيرِ: واذْكُرُوا، خُوطِبَتِ الجَماعَةُ لِوُجُودِ القَتْلِ فِيهِمْ، ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ فاخْتَلَفْتُمْ، واخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها، لِأنَّ المُتَخاصِمِينَ يَدْرَأُ (p-١٠٠)بَعْضُهم بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ، أوْ تَدافَعْتُمْ بِمَعْنى: طَرَحَ قَتْلَها بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، فَيَدْفَعُ المَطْرُوحُ عَلَيْهِ الطارِحَ، أوْ لِأنَّ الطَرْحَ في نَفْسِهِ دَفْعٌ، وأصْلُهُ: تَدارَأْتُمْ، ثُمَّ أرادُوا التَخْفِيفَ فَقَلَبُوا التاءَ دالًا لِتَصِيرَ مِن جِنْسِ الدالِ، الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ، لِيُمْكِنَ الإدْغامُ، ثُمَّ سَكَّنُوا الدالَ، إذْ شَرْطُ الإدْغامِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ ساكِنًا، وزِيدَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِالساكِنِ (فادّاراتُمْ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أبُو عَمْرٍو. ﴿واللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرٌ لا مَحالَةَ ما كَتَمْتُمْ مِن أمْرِ القَتْلِ، لا يَتْرُكُهُ مَكْتُومًا، وأعْمَلَ ﴿مُخْرِجٌ﴾ عَلى حِكايَةِ ما كانَ مُسْتَقْبَلًا في وقْتِ التَدارُؤِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهُما "ادّارَأْتُمْ".

البقرة 2:73

﴿فَقُلْنا﴾ والضَمِيرُ في ﴿اضْرِبُوهُ﴾ يَرْجِعُ إلى النَفْسِ، والتَذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ الشَخْصِ والإنْسانِ، أوْ إلى القَتِيلِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ، ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿بِبَعْضِها﴾ بِبَعْضِ البَقَرَةِ، وهو لِسانُها، أوْ فَخِذُها اليُمْنى، أوْ عَجَبُها. والمَعْنى: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، فَحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى﴾ عَلَيْهِ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا ضَرَبُوهُ قامَ بِإذْنِ اللهِ تَعالى، وقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ، لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا، وقُتِلا، ولَمْ يُوَرَّثْ قاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى﴾ إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُنْكِرِينَ في زَمَنِ النَبِيِّ ﷺ، وإمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّذِينِ حَضَرُوا حَياةَ القَتِيلِ بِمَعْنى: وقُلْنا لَهُمْ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكُمْ، وهي أنْ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، قَدَرَ عَلى إحْياءِ جَمِيعِها، لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ. والحِكْمَةُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ وضَرْبِهِ بِبَعْضِها -وَإنْ قَدَرَ عَلى إحْيائِهِ بِلا واسِطَةِ (p-١٠١)التَقَرُّبِ بِهِ-: الإشْعارُ بِحُسْنِ تَقْدِيمِ القُرْبَةِ عَلى الطَلَبِ، والتَعْلِيمُ لِعِبادِهِ تَرْكَ التَشْدِيدِ في الأُمُورِ، والمُسارَعَةَ إلى امْتِثالِ أوامِرِ اللهِ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ، وتَكْثِيرِ سُؤالٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّما أُمِرُوا بِذَبْحِ البَقَرَةِ دُونَ غَيْرِها مِنَ البَهائِمِ، لِأنَّها أفْضَلُ قَرابِينِهِمْ، ولِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، فَأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُهَوِّنَ مَعْبُودَهم عِنْدَهُمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ القَتِيلِ والضَرْبِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ عَلى الأمْرِ بِذَبْحِها، وأنْ يُقالَ: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ فَقُلْنا: اذْبَحُوا بَقَرَةً واضْرِبُوهُ بِبَعْضِها، ولَكِنَّهُ تَعالى إنَّما قَصَّ قَصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ تَعْدِيدًا لِما وُجِدَ مِنهم مَنِ الجِناياتِ، وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْها، وهاتانِ القِصَّتانِ -وَإنْ كانَتا مُتَّصِلَتَيْنِ- فَتَسْتَقِلُّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِنَوْعٍ مِنَ التَقْرِيعِ، فالأُولى: لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ. والثانِيَةُ: لِلتَّقْرِيعِ عَلى قَتْلِ النَفْسِ المُحَرَّمَةِ، وما تَبِعَهُ مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وإنَّما قُدِّمَتْ قِصَّةُ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ، لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلى عَكْسِهِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَ المُرادُ في تَثْنِيَةِ التَقْرِيعِ، ولَقَدْ رُوعِيَتْ نُكْتَةٌ بَعْدَ ما اسْتُؤْنِفَتِ الثانِيَةُ اسْتِئْنافُ قِصَّةٍ بِرَأْسِها، إنْ وُصِلَتْ بِالأوْلى بِضَمِيرِ البَقَرَةِ لا بِاسْمِها الصَرِيحِ في قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُما قِصَّتانِ فِيما يَرْجِعُ إلى التَقْرِيعِ، وقِصَّةٌ واحِدَةٌ بِالضَمِيرِ الراجِعِ إلى البَقَرَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِصَّةُ تُشِيرُ إلى أنَّ مَن أرادَ إحْياءَ قَلْبِهِ بِالمُشاهَداتِ فَلْيُمِتْ نَفْسَهُ بِأنْواعِ المُجاهَداتِ.

البقرة 2:74

وَمَعْنى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ اسْتِبْعادُ القَسْوَةِ ﴿مِن بَعْدِ﴾ ما ذَكَرَ مِمّا يُوجِبُ لِينَ القُلُوبِ ورَقَّتَها، وصِفَةُ القُلُوبِ بِالقَسْوَةِ مَثَلٌ لِنُبُوِّها عَنِ الِاعْتِبارِ والِاتِّعاظِ مِن بَعْدِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى إحْياءِ القَتِيلِ، أوْ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ المَعْدُودَةِ، ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ فَهي في قَسْوَتِها مِثْلُ الحِجارَةِ، ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ مِنها. وأشَدُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الكافِ، تَقْدِيرُهُ: أوْ مِثْلُ أشَدِّ قَسْوَةٍ، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ هي في أنْفُسِها أشَدُّ قَسْوَةً، يَعْنِي: أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ بِجَوْهَرٍ أقْسى مِنها، وهو الحَدِيدُ مَثَلًا، أوْ مَن عَرَفَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ قالَ: هي أقْسى مِنَ الحِجارَةِ، (p-١٠٢)وَإنَّما لَمْ يَقُلْ أقْسى لِكَوْنِهِ أبْيَنَ وأدَلَّ عَلى فَرْطِ القَسْوَةِ، وتُرِكَ ضَمِيرُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ كَرِيمٌ، وعَمْرٌو أكْرَمُ، ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ بَيانٌ لِزِيادَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ عَلى الحِجارَةِ ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ "ما" بِمَعْنى: الَّذِي، في مَوْضِعِ النَصْبِ، وهو اسْمُ إنَّ، واللامُ لِلتَّوْكِيدِ، والتَفَجُّرُ: التَفَتُّحُ بِالسَعَةِ والكَثْرَةِ. ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ﴾ أصْلُهُ: يَتَشَقَّقُ، وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ، فَقُلِبَتِ التاءُ شَيْئًا، وأُدْغِمَتْ ﴿فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾ يَعْنِي: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما فِيهِ خُرُوقٌ واسِعَةٌ يَتَدَفَّقُ مِنها الماءُ الكَثِيرُ، ومِنها: ما يَنْشَقُّ انْشِقاقًا بِالطُولِ، أوْ بِالعَرْضِ فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ أيْضًا، وقُلُوبُهم لا تَنْدى، ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ﴾ يَتَرَدّى مِن أعْلى الجَبَلِ ﴿مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ قِيلَ: هو مَجازٌ عَنِ انْقِيادِها لِأمْرِ اللهِ، وأنَّها لا تَمْتَنِعُ عَلى ما يُرِيدُ فِيها، وقُلُوبُ هَؤُلاءِ لا تَنْقادُ ولا تَفْعَلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: حَقِيقَةُ الخَشْيَةِ عَلى مَعْنى: أنَّهُ يَخْلُقُ فِيها الحَياةَ والتَمْيِيزَ، ولَيْسَ شَرْطُ خَلْقِ الحَياةِ. والتَمْيِيزِ في الجِسْمِ أنْ يَكُونَ عَلى بِنْيَةٍ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ الآيَةُ [الحَشْرُ: ٢١] يَعْنِي: وقُلُوبُهم لا تَخْشى. ﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وبِالياءِ، مَكِّيٌّ. وهو وعِيدٌ.

البقرة 2:75

﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أنْ يُؤْمِنُوا لِأجْلِ دَعْوَتِكُمْ، ويَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العَنْكَبُوتُ: ٢٦] يَعْنِي: اليَهُودَ. ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ طائِفَةٌ فِيمَن سَلَفَ مِنهم ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ أيِ: التَوْراةَ، ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ كَما حَرَّفُوا صِفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وآيَةَ الرَجْمِ، ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ مِن بَعْدِ ما فَهِمُوهُ، وضَبَطُوهُ بِعُقُولِهِمْ، ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ مُفْتَرُونَ، والمَعْنى: إنْ كَفَرَ هَؤُلاءِ وحَرَّفُوا، فَلَهم سابِقَةٌ في ذَلِكَ.

البقرة 2:76

﴿وَإذا لَقُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ، أوِ اليَهُودُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: (p-١٠٣)المُخْلِصِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قالُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ، ﴿آمَنّا﴾ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وأنَّ مُحَمَّدًا هو الرَسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ، ﴿وَإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا ﴿إلى بَعْضٍ﴾ إلى الَّذِينَ نافَقُوا ﴿قالُوا﴾ عاتِبِينِ عَلَيْهِمْ. ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أتُخْبِرُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِما بَيَّنَ اللهُ لَكم في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِما أنْزَلَ رَبُّكم في كِتابِهِ، جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِهِ، وقَوْلَهم هو في كِتابِكم هَكَذا مَحاجَّةً عِنْدَ اللهِ ألا تَراكَ تَقُولُ: هو في كِتابِ اللهِ تَعالى هَكَذا، وهو عِنْدَ اللهِ هَكَذا بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ: هَذا عَلى إضْمارِ المُضافِ، أيْ: عِنْدَ كِتابِ رَبِّكُمْ، وقِيلَ: لِيُجادِلُوكُمْ، ويُخاصِمُوكم بِهِ، بِما قُلْتُمْ لَهم عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ يَقُولُونَ: كَفَرْتُمْ بَعْدَ أنْ وقَفْتُمْ عَلى صِدْقِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْكم حَيْثُ تَعْتَرِفُونَ بِهِ، ثُمَّ لا تُتابِعُونَهُ.

البقرة 2:77

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ ﴿ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ومِن ذَلِكَ إسْرارُهُمُ الكُفْرَ، وإعْلانُهُمُ الإيمانَ.

البقرة 2:78

﴿وَمِنهُمْ﴾ ومِنَ اليَهُودِ ﴿أُمِّيُّونَ﴾ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ، فَيُطالِعُوا التَوْراةَ، ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ التَوْراةَ ﴿إلا أمانِيَّ﴾ إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ، وأنَّ اللهَ يَعْفُو عَنْهُمْ، ويَرْحَمُهُمْ، ولا تَمَسُّهُمُ النارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، أوْ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلِفَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَتَقَبَّلُوها عَلى التَقْلِيدِ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ما تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، أوْ إلّا ما يَقْرَءُونَ، مِن قَوْلِهِ: ؎ تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ ∗∗∗ وآخِرُها لا في حِمامِ المُقادِرِ (p-١٠٤)أيْ: لا يَعْلَمُونَ هَؤُلاءِ حَقِيقَةَ المُنَزَّلِ، وإنَّما يَقْرَءُونَ أشْياءَ أخَذُوها مِن أحْبارِهِمْ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. ﴿وَإنْ هُمْ﴾ وما هم ﴿إلا يَظُنُّونَ﴾ لا يَدْرُونَ ما فِيهِ فَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِالظَنِّ، ذَكَرَ العُلَماءَ الَّذِينَ عانَدُوا بِالتَحْرِيفِ مَعَ العِلْمِ، ثُمَّ العَوامَّ الَّذِينَ قَلَّدُوهم.

البقرة 2:79

﴿فَوَيْلٌ﴾ في الحَدِيثِ: « "وَيْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ". »﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ المُحَرَّفَ ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مُنْزَلًا. وذِكْرُ الأيْدِي لِلتَّأْكِيدِ، وهو مِن مَجازِ التَأْكِيدِ ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عِوَضًا يَسِيرًا ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الرِشا.

البقرة 2:80

﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ أيّامِ عِبادَةِ العِجْلِ، وعَنْ مُجاهِدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كانُوا يَقُولُونَ مُدَّةُ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وإنَّما نُعَذَّبُ مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا. ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ أيْ: عَهِدَ إلَيْكم أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ. ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ "أمْ" إمّا أنْ تَكُونَ مُعادِلَةً، أيْ: أتَقُولُونَ عَلى اللهِ ما تَعْلَمُونَ، أمْ تَقُولُونَ عَلَيْهِ ما لا تَعْلَمُونَ، أوْ مُنْقَطِعَةٌ، أيْ: بَلْ أتَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟!.

البقرة 2:81

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما بَعْدَ النَفْيِ، وهُوَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾ أيْ: بَلى تَمَسُّكم أبَدًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شِرْكًا، عَنِ (p-١٠٥)ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ﴿وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ وسَدَّتْ عَلَيْهِ مَسالِكَ النَجاةِ، بِأنْ ماتَ عَلى شِرْكِهِ، فَأمّا إذا ماتَ مُؤْمِنًا فَأعْظَمُ الطاعاتِ، وهو الإيمانُ مَعَهُ، فَلا يَكُونُ الذَنْبُ مُحِيطًا بِهِ، فَلا يَتَناوَلُهُ النَصُّ، وبِهَذا التَأْوِيلِ يَبْطُلُ تَثَبُّتُ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ، وقِيلَ: اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ كَما يُحِيطُ العَدُوُّ، ولَمْ يَتَفَصَّ عَنْها بِالتَوْبَةِ. (خَطِيّاتُهُ) مَدَنِيٌّ، ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

البقرة 2:83

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المِيثاقُ: العَهْدُ المُؤَكَّدُ غايَةَ التَأْكِيدِ. ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَهْيِ، كَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ تَقُولُ لَهُ كَذا، تُرِيدُ الأمْرَ. وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ الأمْرِ والنَهْيِ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ سُورِعَ إلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ، وهو يُخْبِرُ عَنْهُ، وتَنْصُرُهُ قِراءَةُ أبَيٍّ: (لا تَعْبُدُوا). وقَوْلُهُ: ﴿وَقُولُوا﴾ والقَوْلُ مُضْمَرٌ. (لا يَعْبُدُونَ) مَكِّيٌّ، وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ، لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْمٌ ظاهِرٌ، والأسْماءُ الظاهِرَةُ كُلُّها غَيْبٌ، ومَعْناهُ: ألّا يَعْبُدُوا، فَلَمّا حُذِفَتْ "أنْ" رُفِعَ. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وأحْسِنُوا، لِيَلْتَئِمَ عَطْفُ الأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقُولُوا﴾ عَلَيْهِ. ﴿وَذِي القُرْبى﴾ القَرابَةِ، ﴿واليَتامى﴾ جَمْعُ يَتِيمٍ، وهو الَّذِي فَقَدَ أباهُ قَبْلَ الحُلُمِ إلى الحُلُمِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ البُلُوغِ". »﴿والمَساكِينِ﴾ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو الَّذِي: أسْكَنَتْهُ الحاجَةُ. ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قَوْلًا هو حَسَنٌ في نَفْسِهِ لِإفْراطِ حُسْنِهِ. (p-١٠٦)(حَسَنًا) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ المِيثاقِ ورَفَضْتُمُوهُ. ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم. ﴿وَأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ، والتَوْلِيَةُ عَنِ المَواثِيقِ.

البقرة 2:84

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ أيْ: لا يَفْعَلْ ذَلِكَ بَعْضُكم بِبَعْضٍ، جَعَلَ غَيْرَ الرَجُلِ نَفْسَهُ إذا اتَّصَلَ بِهِ أصْلًا، أوْ دِينًا، وقِيلَ: إذا قَتَلَ غَيْرَهُ فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ، لِأنَّهُ يَقْتَصُّ مِنهُ. ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِلُزُومِهِ، ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ عَلَيْها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا، شاهِدٌ عَلَيْها، أوْ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ اليَوْمَ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.

البقرة 2:85

﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ اسْتِبْعادٌ لِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ، والإجْلاءِ، والعُدْوانِ، بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهُمْ، وإقْرارِهِمْ، وشَهادَتِهِمْ. "أنْتُمْ" مُبْتَدَأٌ، "هَؤُلاءِ" بِمَعْنى: الَّذِينَ. ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ صِلَةُ "هَؤُلاءِ"، و"هَؤُلاءِ" مَعَ صِلَتِهِ: خَبَرُ "أنْتُمْ". ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ غَيْرَ مُراقَبِينَ مِيثاقَ اللهِ. ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ بِالتَخْفِيفِ، كُوفِيٌّ، أيْ: تَتَعاوَنُونَ. وبِالتَشْدِيدِ غَيْرُهُمْ، فَمَن خَفَّفَ فَقَدْ حَذَفَ إحْدى التاءَيْنِ. ثُمَّ قِيلَ: هي الثانِيَةُ، لِأنَّ الثِقْلَ بِها، وقِيلَ: الأُولى. ومَن شَدَّدَ قَلَبَ التاءَ الثانِيَةَ ظاءً، وأدْغَمَ. ﴿بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ بِالمَعْصِيَةِ والظُلْمِ. ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ (أُسارى تُفْدُوهُمْ): أبُو عَمْرٍو. (أسْرى تُفادُوهُمْ): مَكِّيٌّ وشامِيٌّ. (أسْرى تَفْدُوهُمْ): حَمْزَةُ، (أسارى تُفادُوهُمْ): عَلِيٌّ. فَدى وفادى بِمَعْنًى، وأُسارى: حالٌ، وهو جَمْعُ أسِيرٍ، وكَذَلِكَ أسْرى. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ الضَمِيرُ لِلشَّأْنِ، أوْ هو ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ تَفْسِيرُهُ: ﴿إخْراجُهم (p-١٠٧)أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ بِفِداءِ الأسْرى ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بِالقِتالِ والإجْلاءِ، قالَ السُدِّيُّ: أخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ أرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكَ القَتْلِ، وتَرْكَ الإخْراجِ، وتَرْكَ المُظاهَرَةِ، وفِداءَ الأسِيرِ، فَأعْرَضُوا عَنْ كُلِّ ما أُمِرُوا بِهِ إلّا الفِداءَ، ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ هو إشارَةٌ إلى الإيمانِ بِبَعْضٍ والكُفْرِ بِبَعْضٍ ﴿مِنكم إلا خِزْيٌ﴾ فَضِيحَةٌ وهَوانٌ ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ وهو الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ ولا فَرَحَ، أوْ إلى أشَدَّ مِن عَذابِ الدُنْيا، ﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِالياءِ مَكِّيٌّ، ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ.

البقرة 2:86

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ﴾ اخْتارُوها عَلى الآخِرَةِ اخْتِيارَ المُشْتَرِي ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولا يَنْصُرُهم أحَدٌ بِالدَفْعِ عَنْهم.

البقرة 2:87

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَوْراةَ، آتاهُ جُمْلَةً، ﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ﴾ يُقالُ: قَفّاهُ: إذا اتَّبَعَهُ مِنَ القَفا، نَحْوُ: ذَنَبُهُ مِنَ الذَنَبِ، وقَفّاهُ بِهِ: إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ يَعْنِي: وأرْسَلْنا عَلى أثَرِهِ الكَثِيرَ مِنَ الرُسُلِ. وهم يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونَ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وشِعْياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعَ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم. ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ هي بِمَعْنى: الخادِمِ، ووَزْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ مَفْعَلٌ، لِأنَّ فَعِيلًا لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ. البَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ الواضِحاتُ كَإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ، ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيِ: الطَهارَةِ، وبِالسُكُونِ حَيْثُ كانَ: مَكِّيٌّ، أيْ: بِالرُوحِ المُقَدَّسَةِ، كَما (p-١٠٨)يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ. ووَصَفَها بِالقُدُسِ لِلِاخْتِصاصِ والتَقْرِيبِ، أوْ بِجِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَلامُ-، لِأنَّهُ يَأْتِي بِما فِيهِ حَياةُ القُلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَماءِ حِينَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ، أوْ بِالإنْجِيلِ كَما قالَ في القُرْآنِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُورى: ٥٢]، أوْ بِاسْمِ اللهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى بِذِكْرِهِ ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى﴾ تُحِبُّ ﴿أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تَعَظَّمْتُمْ عَنْ قَبُولِهِ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ كَعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَلامُ. ولَمْ يَقُلْ: قَتَلْتُمْ لِوِفاقِ الفَواصِلِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ: وفَرِيقًا تَقْتُلُونَهُ بَعْدُ، لِأنَّكم تَحُومُونَ حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ مِنكُمْ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ، وسَمَمْتُمْ لَهُ الشاةَ، والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ أنْبِياءَكم ما آتَيْناهُمْ، فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ مِنهم بِالحَقِّ اسْتَكْبَرْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ، فَوَسَّطَ بَيْنَ الفاءِ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ هَمْزَةُ التَوْبِيخِ، والتَعَجُّبُ مِن شَأْنِهِمْ.

البقرة 2:88

﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ، أيْ: هي خِلْقَةٌ مُغَشّاةٌ بِأغْطِيَةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ولا تَفْقَهُهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ فَرَدَّ اللهُ أنْ تَكُونَ قُلُوبُهم مَخْلُوقَةً كَذَلِكَ، لِأنَّها خُلِقَتْ عَلى الفِطْرَةِ والتَمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ، وإنَّما طَرَدَهم بِكُفْرِهِمْ وزَيْغِهِمْ. ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ "فَقَلِيلًا" صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ و"ما" مَزِيدَةٌ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ، وقِيلَ: القِلَّةُ بِمَعْنى العَدَمِ، وقِيلَ: "غُلْفٌ" تَخْفِيفُ غُلُفٍ، وقُرِئَ بِهِ، جَمْعُ: غِلافٍ، أيْ: قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا مِن غَيْرِهِ، أوْ أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ، فَلَوْ كانَ ما جِئْتَ بِهِ حَقًّا لِقَبْلِنا.

البقرة 2:89

(p-١٠٩)﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أيِ: اليَهُودَ. ﴿كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ أيِ: القُرْآنُ. ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِن كِتابِهِمْ لا يُخالِفُهُ. ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: القُرْآنِ. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَسْتَنْصِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ إذا قاتَلُوهُمْ، قالُوا: اللهُمَّ انْصُرْنا بِالنَبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَوْراةِ، ويَقُولُونَ لِأعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا، فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ. ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ "ما" مَوْصُولَةٌ، أيْ: ما عَرَفُوهُ، وهو فاعِلُ جاءَ، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ بَغْيًا، وحَسَدًا، وحِرْصًا عَلى الرِئاسَةِ ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ، وضْعًا لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ:، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَعْنَةَ لَحِقَتْهم لِكُفْرِهِمْ. واللامُ لِلْعَهْدِ، أوْ لِلْجِنْسِ، ودَخَلُوا فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًا، وجَوابُ "لَمّا" الأوْلى مُضْمَرٌ، وهو نَحْوُ: كَذَّبُوا بِهِ، أوْ أنْكَرُوهُ، أوْ "كَفَرُوا" جَوابُ الأُولى والثانِيَةِ، لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ.

البقرة 2:90

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَـزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ٩٠ و"ما" في ﴿بِئْسَما﴾ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، أيْ: بِئْسَ شَيْئًا، ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: باعُوهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَمِّ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿بَغْيًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: حَسَدًا وطَلَبًا لِما لَيْسَ لَهُمْ، وهو عِلَّةُ ﴿اشْتَرَوْا﴾ ﴿أنْ يُنَـزِّلَ اللهُ﴾ لِأنْ يُنَزِّلَ، أوْ عَلى أنْ يُنَزِّلَ، أيْ: حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللهُ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ الَّذِي هو الوَحْيُ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ فَصارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبٍ مُتَرادِفٍ، لِأنَّهم كَفَرُوا بِنَبِيِّ الحَقِّ، وبَغَوْا عَلَيْهِ، أوْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، أوْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ [التَوْبَةُ: ٣٠] وقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائِدَةُ: ٦٤] وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مُذِلٌّ (p-١١٠)(بِيسَما) وبابُهُ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، أبُو عَمْرٍو. و(يُنْزِلُ) بِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ، وبَصَرِيٌّ.

البقرة 2:91

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ ﴿آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ يُعْنى: القُرْآنَ، أوْ هو مُطْلَقٌ يَتَناوُلُ كُلَّ كِتابٍ. ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ أيِ: التَوْراةِ. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِما وراءَ التَوْراةِ. ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ غَيْرُ مُخالِفٍ لَهُ، وفِيهِ رَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ، لِأنَّهم إذا كَفَرُوا بِما يُوافِقُ التَوْراةَ فَقَدْ كَفَرُوا بِها. و"مُصَدِّقًا": حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهِ﴾ أيْ: فَلِمَ قَتَلْتُمْ، فَوَضَعَ المُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الماضِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ مَعَ ادِّعائِهِمُ الإيمانَ بِالتَوْراةِ. والتَوْراةُ لا تُسَوِّغُ قَتْلَ الأنْبِياءِ. قِيلَ: قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ في بَيْتِ المَقْدِسِ.

البقرة 2:92

﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ بِالآياتِ التِسْعِ، وأدْغَمَ الدالَ في الجِيمِ حَيْثُ كانَ، أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ إلَهًا ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى الطُورِ. ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ هو حالٌ، أيْ: عَبَدْتُمُ العِجْلَ وأنْتُمْ واضِعُونَ العِبادَةَ غَيْرَ مَوْضِعِها، أوِ اعْتِراضٌ، أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُلْمُ.

البقرة 2:93

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَ رَفْعِ الطُورِ، لِما نِيطَ بِهِ مِن زِيادَةٍ لَيْسَتْ مَعَ الأُولى ﴿واسْمَعُوا﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَوْراةِ ﴿قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ ﴿وَعَصَيْنا﴾ أمْرَكَ. وطابَقَ قَوْلُهُ جَوابَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ لَهُمِ: اسْمَعُوا، ولْيَكُنْ سَماعُكم سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، (p-١١١)فَقالُوا: سَمِعْنا، ولَكِنْ لا سَماعَ طاعَةٍ ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ: تَداخَلَهم حُبُّهُ، والحِرْصُ عَلى عِبادَتِهِ، كَما يَتَداخَلُ الثَوْبَ الصَبْغُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ، والمُضافُ -وَهُوَ الحُبُّ- مَحْذُوفٌ. ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، واعْتِقادِهِمُ التَشْبِيهَ. ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ بِالتَوْراةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في التَوْراةِ عِبادَةُ العِجْلِ، وإضافَةُ الأمْرِ إلى إيمانِهِمْ تَهَكُّمٌ، وكَذا إضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَشْكِيكٌ في إيمانِهِمْ، وقَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم لَهُ.

البقرة 2:94

﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ ظَرْفٌ، و"لَكُمْ": خَبَرُ كانَ. ﴿خالِصَةً﴾ حالٌ مِنَ الدارِ الآخِرَةِ، أيْ: سالِمَةً لَكُمْ، لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ، يَعْنِي: إنْ صَحَّ قَوْلُكُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البَقَرَةُ: ١١١] ﴿مِن دُونِ الناسِ﴾ هو لِلْجِنْسِ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَ، لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اشْتاقَ إلَيْها، تَخَلُّصًا مِنَ الدارِ ذاتِ الشَوائِبِ، كَما نُقِلَ عَنِ العَشْرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ يُحِبُّ المَوْتَ، ويَحِنُّ إلَيْهِ.

البقرة 2:95

﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ هو نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: لَنْ يَتَمَنَّوْهُ ما عاشُوا ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِما أسْلَفُوا مِنَ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَحْرِيفِ كِتابِ اللهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وهو مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، وكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البَقَرَةُ: ٢٤]. ولَوْ تَمَنَّوْهُ لَنُقِلَ ذَلِكَ كَما نُقِلَ سائِرُ الحَوادِثِ. ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم. (p-١١٢)

البقرة 2:96

﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ﴾ مَفْعُولا وجَدَ: "هُمْ" و"أحْرَصَ"، ﴿عَلى حَياةٍ﴾ التَنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، ولِذا كانَتِ القِراءَةُ بِها أوْقَعَ مِن قِراءَةِأُبَيٍّ: (عَلى الحَياةِ) ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أحْرَصَ الناسِ: أحْرَصَ مِنَ الناسِ. نَعْمْ قَدْ دَخَلَ الَّذِينَ أشْرَكُوا تَحْتَ الناسِ، ولَكِنَّهم أُفْرِدُوا بِالذِكْرِ، لِأنَّ حِرْصَهم شَدِيدٌ، كَما أنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ خُصّا بِالذِكْرِ وإنْ دَخَلا تَحْتَ المَلائِكَةِ، أوْ أُرِيدَ: وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أحْرَصَ الناسِ﴾ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، لِأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا لا يُؤْمِنُونَ بِعاقِبَةٍ، ولا يَعْرِفُونَ إلّا الحَياةَ الدُنْيا، فَحِرْصُهم عَلَيْها لا يُسْتَبْعَدُ لِأنَّها جَنَّتُهُمْ، فَإذا زادَ في الحِرْصِ مَن لَهُ كِتابٌ، وهو مُقِرٌّ بِالجَزاءِ، كانَ حَقِيقًا بِأعْظَمِ التَوْبِيخِ. وإنَّما زادَ حِرْصُهم عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم صائِرُونَ إلى النارِ، لِعِلْمِهِمْ بِحالِهِمْ، والمُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ أشْرَكُوا: المَجُوسَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِمُلُوكِهِمْ: عِشْ ألْفَ نَيْرُوزَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- هو قَوْلُ الأعاجِمِ: زِي هَزارَ سالَ. وقِيلَ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أيْ: ومِنهم ناسٌ يَوَدُّ أحَدُهُمْ، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ. و﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَلى هَذا مُشارٌ بِهِ إلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ. ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ﴾ الضَمِيرُ لِأحَدِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، أيْ: وما أحَدُهم بِمَن يُزَحْزِحُهُ مِنَ النارِ تَعْمِيرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هُوَ﴾ مُبْهَمًا، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ مُوَضِّحَهُ. والزَحْزَحَةُ: التَبْعِيدُ، والإنْحاءُ. قالَ في "جامِعِ العُلُومِ" وغَيْرِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ بِمَعْنى: أنْ يُعَمَّرَ. فَلَوْ هُنا نائِبَةٌ عَنْ أنْ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو مَفْعُولُ يَوَدُّ، أيْ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةِ ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وبِالتاءِ، يَعْقُوبُ. (p-١١٣)

البقرة 2:97

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ بِلا هَمْزٍ، مَكِّيٌّ. وبِفَتْحِ الراءِ والجِيمِ والهَمْزِ مُشْبَعًا، كُوفِيٌّ غَيْرُ حَفْصٍ. وبِكَسْرِ الراءِ والجِيمِ بِلا هَمْزٍ، غَيْرُهم. ومَنعُ الصَرْفِ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ. ومَعْناهُ: عَبْدُ اللهِ، لِأنَّ جَبْرَ هو العَبْدُ بِالسُرْيانِيَّةِ، وإيلَ اسْمُ اللهِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ صُورِيّا -مِن أحْبارِ اليَهُودِ- حاجَّ النَبِيَّ ﷺ، وسَألَهُ عَمَّنْ يَهْبِطُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، فَقالَ: "جِبْرِيلُ"، فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، ولَوْ كانَ غَيْرُهُ لَآمَنّا لَكَ، وقَدْ عادانا مِرارًا، وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرِّبُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ فَلَقِيَهُ بِبابِلَ غُلامًا مِسْكِينًا، فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم أمَرَهُ بِهَلاكِكُمْ، فَإنَّهُ لا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إيّاهُ فَعَلى أيِّ ذَنْبٍ تَقْتُلُونَهُ؟! ﴿فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ﴾ فَإنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ. ونَحْوُ هَذا الإضْمارِ، أعْنِي: إضْمارَ ما لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ، فِيهِ فَخامَةٌ حَيْثُ يَجْعَلُ لِفَرْطِ شُهْرَتِهِ، كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْسِهِ، ويَكْتَفِي عَنِ اسْمِهِ الصَرِيحِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ. ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: حَفْظُهُ إيّاكَ، وخُصَّ القَلْبُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحِفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُعَراءُ: ١٩٣-١٩٤]. وكانَ حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: عَلى قَلْبِي، ولَكِنْ جاءَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ، وإنَّما اسْتَقامَ أنْ يَقَعَ (فَإنَّهُ نَزَّلَهُ) جَزاءً لِلشَّرْطِ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: إنْ عادى جِبْرِيلَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ فَلا وجْهَ لِمُعاداتِهِ، حَيْثُ نَزَّلَ كِتابًا مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَوْ أنْصَفُوا لَأحَبُّوهُ، وشَكَرُوا لَهُ صَنِيعَهُ في إنْزالِهِ ما يَنْفَعُهُمْ، ويُصَحِّحُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن كانَ عَدُوًّالِجِبْرِيلَ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، فَإنَّهُ نَزَّلَ الوَحْيَ عَلى قَلْبِكَ ﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ بِأمْرِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حِينَ قالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والشِدَّةِ، فَقِيلَ: فَإنَّهُ يَنْزِلُ (p-١١٤)بِالهُدى والبُشْرى أيْضًا. ﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في نَزَلَ، أيْ: مَأْذُونًا لَهُ، ومُصَدِّقًا: حالٌ مِنَ الهاءِ في نَزَّلَهُ، وكَذا هُدًى وبُشْرى، أيْ: هادِيًا ومُبَشِّرًا. وقالَتِ الباطِنِيَّةُ: القُرْآنُ لَمْ يَنْزِلْ عَلى رَسُولِ اللهِ بِالأحْرُفِ الَّتِي نَقْرَأُها، ولَكِنَّهُ إلْهامٌ أُنْزِلَ عَلى قَلْبِهِ، إلّا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبَرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ، وبِهَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي نَقْرَأُها، فالقُرْآنُ ذَلِكَ الباطِنُ لا هَذِهِ الألْفاظُ، لِقَوْلِهِ: ﴿نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولَكِنّا نَقُولُ: هَذا فاسِدٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهُ مُعْجِزًا بِنَظْمِهِ العَجِيبِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٣] وقالَ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُفُ: ٢] وهَذا يَتَعَلَّقُ بِالنَظَرِ.

البقرة 2:98

﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ بَصْرِيٌّ وحَفْصٌ، و(مِيكائِلُ) بِاخْتِلاسِ الهَمْزَةِ كَمِيكاعِلَ، مَدَنِيٌّ. و(مِيكائِيلُ) بِالمَدِّ وكَسْرِ الهَمْزَةِ مُشْبَعَةً، غَيْرُهم. وخُصَّ المَلَكانِ بِالذِكْرِ لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، إذِ التَغايُرُ في الوَصْفِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَغايُرِ في الذاتِ ﴿فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهُمْ، فَجاءَ بِالظاهِرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللهَ إنَّما عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ كَعَداوَةِ الأنْبِياءِ، ومَن عاداهم عاداهُ اللهُ.

البقرة 2:99

﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ. واللامُ لِلْجِنْسِ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى أهْلِ الكِتابِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قالَ ابْنُ صُورِيّا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتْبَعَكَ بِها، فَنَزَلَتْ.

البقرة 2:100

الواوُ في ﴿أوَكُلَّما﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أكَفَرُوا بِالآياتِ البَيِّناتِ، ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ نَقَضَهُ، ورَفَضَهُ. قالَ: ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْقَضْ، ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالتَوْراةِ، ولَيْسُوا مِنَ الدِينِ في (p-١١٥)شَيْءٍ فَلا يُعِدُّونَ نَقْضَ المَواثِيقِ ذَنْبًا، ولا يُبالُونَ بِهِ.

البقرة 2:101

﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيِ: التَوْراةَ، و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ اليَهُودُ. ﴿كِتابَ اللهِ﴾ يَعْنِي: التَوْراةَ، لِأنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم كافِرُونَ بِها، نابِذُونَ لَها، أوْ كِتابُ اللهِ: القُرْآنُ، نَبَذُوهُ بَعْدَ ما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، مُثِّلَ بِما يُرْمى بِهِ وراءَ الظُهُورِ اسْتِغْناءً عَنْهُ، وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ. ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كِتابُ اللهِ.

البقرة 2:102

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَياطِينُ﴾ أيْ: نَبَذَ اليَهُودُ كِتابَ اللهِ، واتَّبَعُوا كُتُبَ السِحْرِ والشَعْوَذَةِ، الَّتِي كانَتْ تَقْرَأُها ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: عَلى عَهْدِ مُلْكِهِ، وفي زَمانِهِ. وذَلِكَ أنَّ الشَياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَمْعَ، ثُمَّ يَضُمُّونَ إلى ما سَمِعُوا أكاذِيبَ يُلَفِّقُونَها، ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، وقَدْ دَوَّنُوها في كُتُبٍ يَقْرَءُونَها ويُعَلِّمُونَها الناسَ، وفَشا ذَلِكَ في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى قالُوا: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، وكانُوا يَقُولُونَ: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ، وما تَمَّ لِسُلَيْمانَ مُلْكُهُ إلّا بِهَذا العِلْمِ، وبِهِ سَخَّرَ الجِنَّ، والإنْسَ، والرِيحَ. ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ تَكْذِيبٌ لِلشَّياطِينِ، ودَفْعٌ لِما بَهَتَتْ بِهِ سُلَيْمانَ مِنِ اعْتِقادِ السِحْرِ، والعَمَلِ بِهِ. ﴿وَلَكِنَّ الشَياطِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ ﴿كَفَرُوا﴾ بِاسْتِعْمالِ السِحْرِ، وتَدْوِينِهِ. (وَلَكِنْ) بِالتَخْفِيفِ، (الشَياطِينُ) بِالرَفْعِ: شامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كَفَرُوا مُعَلِّمِينَ الناسَ السِحْرَ، قاصِدِينَ بِهِ إغْواءَهُمْ، وإضْلالَهم. ﴿وَما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ "ما" بِمَعْنى: الَّذِي، وهو نَصْبٌ عَطْفٌ عَلى السِحْرِ، أيْ: ويُعَلِّمُونَهم ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، أوْ عَلى ﴿ما تَتْلُو﴾ أيْ: واتَّبَعُوا ما أُنْزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ (p-١١٦)عَلَمانِ لَهُما، وهَما عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِما هو عِلْمُ السِحْرِ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لِلنّاسِ، مَن تَعَلَّمَهُ مِنهم وعَمِلَ بِهِ كانَ كافِرًا، إنْ كانَ فِيهِ رَدُّ ما لَزِمَ في شَرْطِ الإيمانِ، ومَن تَجَنَّبَهُ، أوْ تَعَلَّمَهُ لا لِيَعْمَلَ بِهِ، ولَكِنْ لِيَتَوَقّاهُ، ولِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتْرِيَدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: القَوْلُ بِأنَّ السِحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ خَطَأٌ: بَلْ يَجِبُ البَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإنْ كانَ في ذَلِكَ رَدُّ ما لَزِمَ في شَرْطِ الإيمانِ فَهو كُفْرٌ، وإلّا فَلا، ثُمَّ السِحْرُ الَّذِي هو كُفْرٌ يُقْتَلُ عَلَيْهِ الذُكُورُ لا الإناثُ، وما لَيْسَ بِكُفْرٍ، وفِيهِ إهْلاكُ النَفْسِ، فَفِيهِ حُكْمُ قُطّاعِ الطَرِيقِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الذُكُورُ والإناثُ، وتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تابَ. ومَن قالَ: لا تُقْبَلُ فَقَدْ غَلِطَ، فَإنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ، وقِيلَ: ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ: قَذَفَ في قُلُوبِهِما مَعَ النَهْيِ عَنِ العَمَلِ. قِيلَ: إنَّهُما مَلَكانِ اخْتارَتْهُما المَلائِكَةُ لِتُرَكَّبَ فِيهِما الشَهْوَةُ حِينَ عَيَّرَتْ بَنِي آدَمَ، فَكانا يَحْكُمانِ في الأرْضِ، ويَصْعَدانِ بِاللَيْلِ فَهَوَيا زُهْرَةَ فَحَمَلَتْهُما عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، فَزَنَيا، فَرَآهُما إنْسانٌ فَقَتَلاهُ فاخْتارا عَذابَ الدُنْيا عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، فَهُما يُعَذَّبانِ مَنكُوسَيْنِ في جُبٍّ بِبابِلَ، وسُمِّيَتْ بِبابِلَ، لِتَبَلْبُلِ الألْسُنِ بِها. ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ وما يُعَلِّمُ المَلَكانِ أحَدًا ﴿حَتّى يَقُولا﴾ حَتّى يُنَبِّهاهُ، ويَنْصَحاهُ، ويَقُولا لَهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ابْتِلاءٌ، واخْتِبارٌ مِنَ اللهِ. ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بِتَعَلُّمِهِ، والعِلْمِ بِهِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ كُفْرًا. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ الفاءُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ﴾ أيْ: يُعَلِّمُونَهم فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ السِحْرِ والكُفْرِ اللَذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: ﴿كَفَرُوا﴾ و﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ﴾ أوْ عَلى مُضْمَرٍ، والتَقْدِيرُ: فَيَأْتُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ، والضَمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (مِن أحْدٍ) أيْ: فَيَتَعَلَّمُ الناسُ مِنَ المَلَكَيْنِ. ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ أيْ: عِلْمَ السِحْرِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا في (p-١١٧)التَفْرِيقِ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ، بِأنْ يُحْدِثَ اللهُ عِنْدَهُ النُشُوزَ والخِلافَ ابْتِلاءً مِنهُ، ولِلسِّحْرِ حَقِيقَةٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -كَثَّرَهُمُ اللهُ- وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ هو تَخْيِيلٌ، وتَمْوِيهٌ. ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ﴾ بِالسِحْرِ ﴿مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ بِعِلْمِهِ، ومَشِيئَتِهِ، ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ في الآخِرَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ واجِبُ الِاجْتِنابِ، كَتَعَلُّمِ الفَلْسَفَةِ الَّتِي تَجُرُّ إلى الغَوايَةِ، ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ أيِ: اليَهُودُ. ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ أيِ: اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَياطِينُ مِن كِتابِ اللهِ ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ مِن نَصِيبٍ، ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ باعُوها، إنَّما نَفى العِلْمَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مَعَ إثْباتِهِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ عَلى سَبِيلِ التَوْكِيدِ القَسَمِيِّ، لِأنَّ مَعْناهُ: لَوْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، جَعَلَهم حِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ.

البقرة 2:103

﴿وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ والقُرْآنِ ﴿واتَّقَوْا﴾ اللهَ، فَتَرَكُوا ما هم عَلَيْهِ مِن نَبْذِ كِتابِ اللهِ. واتِّباعِ كُتُبِ الشَياطِينِ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ثَوابَ اللهِ خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ -وَقَدْ عَلِمُوا- لَكِنَّهُ جَهَّلَهم لَمّا تَرَكُوا العَمَلَ بِالعِلْمِ، والمَعْنى: لَأُثِيبُوا مِن عِنْدِ اللهِ ما هو خَيْرٌ، وأُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ في جَوابِ لَوْ، لِما فِيها مِنَ الدَلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ، واسْتِقْرارِها. ولَمْ يَقُلْ لَمَثُوبَةُ اللهِ خَيْرٌ، لِأنَّ المَعْنى: لَشَيْءٌ مِنَ الثَوابِ خَيْرٌ لَهُمْ، وقِيلَ: "لَوْ" بِمَعْنى التَمَنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾

البقرة 2:104

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إذا ألْقى عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ: راعِنا يا رَسُولَ اللهِ! أيْ: راقِبْنا وانْتَظِرْنا حَتّى نَفْهَمَهُ ونَحْفَظَهُ، وكانَتْ لِلْيَهُودِ كَلِمَةٌ يَتَسابُّونَ بِها (p-١١٨)عِبْرانِيَّةٌ أوْ سُرْيانِيَّةٌ، وهِيَ: راعِينا، فَلَمّا سَمِعُوا بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ: "راعِنا" افْتَرَصُوهُ، وخاطَبُوا بِهِ الرَسُولَ، وهم يَعْنُونَ بِهِ تِلْكَ المَسَبَّةَ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْها، وأُمِرُوا بِما هو في مَعْناها، وهو ﴿انْظُرْنا﴾ مِن نَظِرَهُ: إذا انْتَظَرَهُ. ﴿واسْمَعُوا﴾ وأحْسِنُوا سَماعَ ما يُكَلِّمُكم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ويُلْقِي عَلَيْكم مِنَ المَسائِلِ، بِآذانٍ واعِيَةٍ، وأذْهانٍ حاضِرَةٍ، حَتّى لا تَحْتاجُوا إلى الِاسْتِعادَةِ، وطَلَبِ المُراعاةِ، أوْ واسْمَعُوا سَماعَ قَبُولٍ وطاعَةٍ، ولا يَكُنْ سَماعُكم كَسَماعِ اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ ولِلْيَهُودِ الَّذِينَ سَبُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.

البقرة 2:105

﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ وبِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو. ﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ "مِن" الأُولى: لِلْبَيانِ، لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعانِ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ. والثانِيَةُ: مَزِيدَةٌ، لِاسْتِغْراقِ الخَيْرِ. والثالِثَةُ: لِابْتِداءِ الغايَةِ. والخَيْرُ: الوَحْيُ، وكَذَلِكَ الرَحْمَةُ. ﴿واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي: أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ، فَيَحْسُدُونَكُمْ، وما يُحِبُّونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ، واللهُ يَخْتَصُّ بِالنُبُوَّةِ مَن يَشاءُ. ﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إيتاءَ النُبُوَّةِ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ.

البقرة 2:106

وَلَمّا طَعَنُوا في النَسْخِ فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ، ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ، ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، نَزَلَ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ تَفْسِيرُ النَسْخِ لُغَةً: التَبْدِيلُ، وشَرِيعَةً: بَيانُ انْتِهاءِ الحُكْمِ الشَرْعِيِّ المُطْلَقِ، الَّذِي تَقَرَّرَ في أوْهامِنا اسْتِمْرارُهُ، بِطَرِيقِ التَراخِي. فَكانَ (p-١١٩)تَبْدِيلًا في حَقِّنا، بَيانًا مَحْضًا في حَقِّ صاحِبِ الشَرْعِ، وفِيهِ جَوابٌ عَنِ البَداءِ الَّذِي يَدَّعِيهِ مُنْكِرُوهُ، أعْنِي: اليَهُودَ، ومَحَلُّهُ: حُكْمٌ يَحْتَمِلُ الوُجُودَ والعَدَمَ في نَفْسِهِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ما يُنافِي النَسْخَ مِن تَوْقِيتٍ أوْ تَأْيِيدٍ ثَبَتَ نَصًّا أوْ دَلالَةً، وشَرْطُهُ: التَمَكُّنُ مِن عَقْدِ القَلْبِ عِنْدَنا دُونَ التَمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وإنَّما يَجُوزُ النَسْخُ بِالكِتابِ والسُنَّةِ مُتَّفِقًا ومُخْتَلِفًا، ويَجُوزُ نَسْخُ التِلاوَةِ والحُكْمِ، والحُكْمِ دُونَ التِلاوَةِ، والتِلاوَةِ دُونَ الحُكْمِ، ونَسْخُ وصْفٍ بِالحُكْمِ، مِثْلُ الزِيادَةِ عَلى النَصِّ، فَإنَّهُ نَسْخٌ عِنْدَنا خِلافًا لِلشّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- والإنْساءُ: أنْ يَذْهَبَ بِحِفْظِها عَنِ القُلُوبِ، أوْ (نَنْسَأْها) مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو. أيْ: نُؤَخِّرْها، مِن نَسَأْتُ، أيْ: أخَّرْتُ. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ أيْ: نَأْتِ بِآيَةٍ خَيْرٍ مِنها لِلْعِبادِ، أيْ: بِآيَةٍ العَمَلُ بِها أكْثَرُ لِلثَّوابِ. ﴿أوْ مِثْلِها﴾ في ذَلِكَ، إذْ لا فَضِيلَةَ لِبَعْضِ الآياتِ عَلى البَعْضِ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: قادِرٌ، فَهو يَقْدِرُ عَلى الخَيْرِ، وعَلى مِثْلِهِ.

البقرة 2:107

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، وهو أعْلَمُ بِما يَتَعَبَّدُكم بِهِ مِن ناسِخٍ أوْ مَنسُوخٍ. ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أمْرَكم. ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ناصِرٌ يَمْنَعُكم مِنَ العَذابِ.

البقرة 2:108

﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: أتُرِيدُونَ. ﴿أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا الصَفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، فَنُهُوا أنْ يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ الآياتِ، كَما اقْتَرَحَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعْرافُ: ١٣٨]. ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ ومَن تَرَكَ الثِقَةَ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ، وشَكَّ فِيها، واقْتَرَحَ غَيْرَها. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾ قَصْدَهُ، ووَسَطَهُ. (p-١٢٠)

البقرة 2:109

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أنْ يَرُدُّوكم ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ حالٌ مِن "كُمْ" أيْ: يَرُدُّونَكم عَنْ دِينِكم كافِرِينَ. نَزَلَتْ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا إلى ما أصابَكُمْ؟ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ لَما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ، ﴿حَسَدًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأجْلِ الحَسَدِ، وهو الأسَفُ عَلى الخَيْرِ عِنْدَ الغَيْرِ، ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِوَدَّ، أيْ: ودُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ومِن قِبَلِ شَهْوَتِهِمْ، لا مِن قِبَلِ التَدَيُّنِ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ، لِأنَّهم ودُّوا ذَلِكَ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ عِلْمِهِمْ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، أوْ بِحَسَدًا، أيْ: حَسَدًا مُتَبالِغًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ فاسْلُكُوا مَعَهم سَبِيلَ العَفْوِ والصَفْحِ عَمّا يَكُونُ مِنهم مَنِ الجَهْلِ والعَداوَةِ، ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ﴾ بِالقِتالِ. ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم.

البقرة 2:110

﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ مِن حَسَنَةٍ صَلاةٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ غَيْرِهِما ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ تَجِدُوا ثَوابَهُ عِنْدَهُ ﴿إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ عامِلٍ.

البقرة 2:111

والضَمِيرُ في ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، أيْ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا. وقالَتِ النَصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى. فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقٍ قَوْلَهُ وأمْنًا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَضْلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البَقَرَةُ: ١١٣]. (p-١٢١)وَهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِذٍ وعُوذٍ. ووَحَّدَ اسْمَ كانَ لِلَفْظِ مَن، وجَمَعَ الخَبَرَ لِمَعْناهُ ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَتُهم ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأمْنِيَّتُهم ألّا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، أيْ: تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهُمْ، والأُمْنِيَةُ: أُفْعُولَةٌ مِنَ التَمَنِّي، مِثْلُ: الأُضْحُوكَةُ. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ هَلُمُّوا حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وهاتِ بِمَنزِلَةِ هاءِ، بِمَعْنى: أحْضِرْ. وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ و﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ اعْتِراضٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم.

البقرة 2:112

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ. ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُصَدِّقٌ بِالقُرْآنِ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ جَوابُ ﴿مَن أسْلَمَ﴾ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَرْطِ، و﴿بَلى﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

البقرة 2:113

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ يَصِحُّ، ويُعْتَدُّ بِهِ، والواوُ في ﴿وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ لِلْحالِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ وحالُهم أنَّهم مِن أهْلِ العِلْمِ والتِلاوَةِ لِلْكُتُبِ، وحَقُّ مَن حَمَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، وآمَنَ بِهِ، ألّا يَكْفُرَ بِالباقِي، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ مُصَدِّقٌ لِلْآخَرِ، ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيِ: الجَهَلَةُ الَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدَهم ولا كِتابَ، كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والمُعَطِّلَةِ، قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ: لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، حَيْثُ نَظَمُوا أنْفُسَهم مَعَ عِلْمِهِمْ في سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ (p-١٢٢)﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ والنَصارى بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم مَنِ العِقابِ اللائِقِ بِهِ.

البقرة 2:114

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مَوْضِعُ "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِفْهامٌ، و" أظْلَم " خَبَرُهُ. والمَعْنى: أيُّ أحَدٍ أظْلَمُ. و" أنْ يَذْكُرَ " ثانِي مَفْعُولَيْ مَنَعَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: مَنَعْتُهُ كَذا، ومِثْلُهُ ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ [الإسْراءُ: ٥٩] ﴿وَما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسْراءُ: ٩٤]. ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ أنْ، أيْ: مِن أنْ يُذْكَرَ، وأنْ تَنْصِبَهُ مَفْعُولًا لَهُ، بِمَعْنى: مَنَعَها كَراهَةَ أنْ يُذْكَرَ، وهو حُكْمٌ عامٌّ لِجِنْسِ مَساجِدِ اللهِ، وأنَّ مانِعَها مِن ذِكْرِ اللهِ مُفْرِطٌ في الظُلْمِ، والسَبَبُ فِيهِ طَرْحُ النَصارى في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى، ومَنعُهُمُ الناسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ، أوْ مَنعُ المُشْرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ وكانَ المَنعُ عَلى مَسْجِدٍ واحِدٍ، وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ الحُكْمَ ورَدَ عامًّا، وإنْ كانَ السَبَبُ خاصًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهُمَزَةُ: ١] والمَنزُولُ فِيهِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ ﴿وَسَعى في خَرابِها﴾ بِانْقِطاعِ الذِكْرِ. والمُرادُ بِـ "مَن": العُمُومُ، كَما أُرِيدُ العُمُومُ بِمَساجِدِ اللهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المانِعُونَ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوا مَساجِدَ اللهِ ﴿إلا خائِفِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يَدْخُلُوها، أيْ: عَلى حالِ التَهَيُّبِ، وارْتِعادِ الفَرائِصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، فَضْلًا أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْها، ويَلُوها، ويَمْنَعُوا المُؤْمِنِينَ مِنها، والمَعْنى: ما كانَ الحَقُّ إلّا ذَلِكَ لَوْلا ظُلْمُ الكَفَرَةِ وعُتُوُّهُمْ، وقِيلَ: ﴿ما كانَ لَهُمْ﴾ في حُكْمِ اللهِ يَعْنِي: أنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ وكَتَبَ في اللَوْحِ أنَّهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّيهِمْ حَتّى لا يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ.رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَصارى إلّا مُتَنَكِّرًا خِيفَةً أنْ يُقْتَلَ، وقالَ قَتادَةُ: لا يُوجَدُ نَصْرانِيٌّ في بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا بُولِغَ ضَرْبًا، «وَنادى رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألا لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذا العامِ (p-١٢٣)مُشْرِكٌ". » وقِيلَ: مَعْناهُ: النَهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُخُولِ والتَخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحْزابُ: ٥٣] ﴿لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ﴾ قَتْلٌ وسَبْيٌ لِلْحَرْبِيِّ، وذِلَّةٌ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ لِلذِّمِّيِّ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيِ: النارُ.

البقرة 2:115

﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ أيْ: بِلادُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ كُلُّها لَهُ، وهو مالِكُها، ومُتَوَلِّيها ﴿فَأيْنَما﴾ شَرْطٌ. ﴿تُوَلُّوا﴾ مَجْزُومٌ بِهِ، أيْ: فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَوْلِيَةَ، يَعْنِي: تَوْلِيَةَ وُجُوهِكم شَطْرَ القِبْلَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٤] والجَوابُ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللهِ﴾ أيْ: جِهَتُهُ الَّتِي أمَرَ بِها ورَضِيَها، والمَعْنى: أنَّكم إذا مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا في أيَّةِ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِن بِقاعِها، وافْعَلُوا التَوْلِيَةَ فِيها، فَإنَّ التَوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكانٍ ﴿إنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: وهو واسِعُ الرَحْمَةِ، يُرِيدُ التَوْسِعَةَ عَلى عِبادِهِ، وهو عَلِيمٌ بِمَصالِحِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ عَلى الراحِلَةِ أيْنَما تَوَجَّهَتْ، وقِيلَ: عَمِيَتِ القِبْلَةُ عَلى قَوْمٍ فَصَلَّوْا إلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنُوا خَطَأهم فَعُذِرُوا، وهو حُجَّةٌ عَلىالشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِيما إذا اسْتَدْبَرَ، وقِيلَ: فَأيْنَما تُوَلُّوا لِلذِّكْرِ والدُعاءِ.

البقرة 2:116

﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، (قالُوا) شامِيٌّ. فَإثْباتُ الواوِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قِصَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وحَذْفُهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْتِئْنافُ قِصَّةٍ أُخْرى، ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَبْعِيدٌ ﴿بَلْ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو خالِقُهُ ومالِكُهُ، ومِن جُمْلَتِهِ المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والوِلادَةُ تُنافِي المُلْكَ، ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ، لا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ وتَقْدِيرِهِ، والتَنْوِينُ في "كُلٍّ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ ما في (p-١٢٤)السَمَواتِ والأرْضِ، أوْ كُلِّ مَن جَعَلُوهُ لِلَّهِ ولَدًا ﴿لَهُ قانِتُونَ﴾ مُطِيعُونَ، عابِدُونَ، مُقِرُّونَ بِالرُبُوبِيَّةِ، مُنْكِرُونَ لِما أضافُوا إلَيْهِمْ. وجاءَ بِـ"ما" الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: سُبْحانَ ما سَخَّرَ لَنا.

البقرة 2:117

﴿بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُخْتَرِعُهُما ومُبْدِعُهُما لا عَلى مِثالٍ سَبَقَ، وكُلُّ مَن فَعَلَ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ يُقالُ لَهُ: أبْدَعْتَ، ولِهَذا قِيلَ لِمَن خالَفَ السُنَّةَ والجَماعَةَ: مُبْتَدِعٌ، لِأنَّهُ يَأْتِي في دِينِ الإسْلامِ ما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ الصَحابَةُ والتابِعُونَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ: حَكَمَ، أوْ قَدَّرَ، ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هو مِن كانَ التامَّةِ، أيْ: احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وهَذا مَجازٌ عَنْ سُرْعَةِ التَكْوِينِ، وتَمْثِيلٌ، ولا قَوْلَ ثَمَّ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ ما قَضاهُ مِنَ الأُمُورِ، وأرادَ كَوْنَهُ، فَإنَّما يَتَكَوَّنُ ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما [أنَّ] المَأْمُورَ المُطِيعَ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ [لا يَتَوَقَّفُ، ولا يَمْتَنِعُ] ولا يَكُونُ مِنهُ إباءٌ، وأكَّدَ بِهَذا اسْتِبْعادَ الوِلادَةِ، لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ القَدْرِ كانَتْ صِفاتُهُ مُبايِنَةً لِصِفاتِ الأجْسامِ، فَأنّى يُتَصَوَّرُ التَوالُدُ ثَمَّ؟! والوَجْهُ الرَفْعُ في " فَيَكُونُ " وهو قِراءَةُ العامَّةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: فَهو يَكُونُ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى يَقُولُ، ونَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ عَلى لَفْظِ " كُنْ "، لِأنَّهُ أمْرٌ، وجَوابُ الأمْرِ بِالفاءِ نَصْبٌ. وقُلْنا: إنَّ " كُنْ " لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُقالَ: وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَكُونُهُ فَيَكُونُ، وبَيْنَ أنْ يُقالَ: فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا مَعْنى لِلنَّصْبِ، وهَذا لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا فَإمّا أنْ يُخاطَبَ بِهِ المَوْجُودُ، والمَوْجُودُ لا يُخاطَبُ بِكُنْ، أوِ المَعْدُومُ والمَعْدُومُ لا يُخاطَبُ.

البقرة 2:118

﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، ونَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا كَما يُكَلِّمُ (p-١٢٥)المَلائِكَةَ، وكَلَّمَ مُوسى، اسْتِكْبارًا مِنهم وعُتُوًّا. ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم مِن آياتِ اللهِ، واسْتِهانَةً بِها، ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومِن قَبْلِهِمْ في العَمى. ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ يُنْصِفُونَ فَيُوقِنُونَ أنَّها آياتٌ يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها، والإذْعانُ لَها، والِاكْتِفاءُ بِها عَنْ غَيْرِها.

البقرة 2:119

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَوابِ ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْكافِرِينَ بِالعِقابِ ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ ولا نَسْألُكَ عَنْهُمْ: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ، وبَلَغْتَ جَهْدَكَ في دَعْوَتِهِمْ؟ وهو حالٌ كَنَذِيرٍ، وبَشِيرٍ، وبِالحَقِّ، أيْ: وغَيْرُ مَسْؤُولٍ، أوْ مُسْتَأْنَفٍ، قِراءَةُ نافِعٍ: (وَلا تَسْألْ) عَلى النَهْيِ. ومَعْناهُ: تَعْظِيمُ ما وقَعَ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ: كَيْفَ فُلانٌ؟ سائِلًا عَنِ الواقِعِ في بَلِيَّةٍ، فَيُقالُ لَكَ: لا تَسْألْ عَنْهُ. وقِيلَ: نَهى اللهُ نَبِيَّهُ عَنِ السُؤالِ عَنْ أحْوالِ الكَفَرَةِ حِينَ قالَ: « "لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟". »

البقرة 2:120

﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ كَأنَّهم قالُوا: لَنْ تَرْضى عَنْكَ -وَإنْ أبْلَغْتَ في طَلَبِ رِضانا- حَتّى تَتَبِّعَ مِلَّتَنا، إقْناطًا مِنهم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، فَذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ كَلامَهم ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ﴾ الَّذِي رَضِيَ لِعِبادِهِ ﴿هُوَ الهُدى﴾ أيِ: الإسْلامُ. وهو الهُدى كُلُّهُ، لَيْسَ وراءَهُ هُدًى، والَّذِي تَدْعُونَ إلى اتِّباعِهِ ما هو هُدًى، إنَّما هو هَوًى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: أقْوالَهُمُ الَّتِي هي أهْواءٌ وبِدَعٌ، ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: مِنَ العِلْمِ بِأنَّ دِينَ اللهِ هو الإسْلامُ، أوْ مِنَ الدِينِ المَعْلُومِ (p-١٢٦)صِحَّتُهُ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ، والحُجَجِ اللائِحَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ﴾ مِن عَذابِ اللهِ ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ناصِرٌ.

البقرة 2:121

﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ صِلَتُهُ، وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وهُوَ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، أوْ أصْحابُ النَبِيِّ ﷺ، والكِتابُ: القُرْآنُ. ﴿يَتْلُونَهُ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن هُمْ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تالِينَ لَهُ وقْتَ إيتائِهِ، ونُصِبَ عَلى المَصْدَرِ ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أيْ: يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ في التَرْتِيلِ، وأداءِ الحُرُوفِ، والتَدَبُّرِ، والتَفَكُّرِ، أوْ يَعْمَلُونَ بِهِ ويُؤْمِنُونَ بِما في مَضْمُونِهِ، ولا يُغَيِّرُونَ ما فِيهِ مِن نَعْتِ النَبِيِّ ﷺ ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ: " الَّذِينَ " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبْرًا، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى.

البقرة 2:122

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: أنْعَمْتُها عَلَيْكم ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ وتَفْضِيلِي إيّاكم عَلى عالَمِي زَمانِكم.

البقرة 2:123

﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ "هُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: "يُنْصَرُونَ"، والجُمَلُ الأرْبَعُ وصْفٌ لِـ "يَوْمًا"، أيْ: واتَّقُوا يَوْمًا لا تُجْزى فِيهِ، ولا يُقْبَلُ فِيهِ، ولا يَنْفَعُها فِيهِ، ولا هم يُنْصَرُونَ فِيهِ، وتَكْرِيرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِتَكْرارِ المَعاصِي مِنهُمْ، وخَتَمَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما بَدَأ بِهِ.

البقرة 2:124

﴿وَإذِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ ﴿ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ اخْتَبَرَهُ بِأوامِرَ ونَواهٍ، والِاخْتِبارُ مِنّا: لِظُهُورِ ما لَمْ نَعْلَمْ، ومِنَ اللهِ: لِإظْهارِ ما قَدْ عُلِمَ، وعاقِبَةُ الِابْتِلاءِ: ظُهُورُ الأمْرِ الخَفِيِّ في الشاهِدِ والغائِبِ جَمِيعًا، فَلِذا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلى اللهِ (p-١٢٧)تَعالى. وقِيلَ: اخْتِبارُ اللهِ عَبْدَهُ مَجازٌ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ اخْتِبارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، كَأنَّهُ يَمْتَحِنُهُ ما يَكُونُ مِنهُ حَتّى يُجازِيَهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (إبْراهِيمُ رَبَّهُ) بِرَفْعِ إبْراهِيمَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-، أيْ: دَعاهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُعاءِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ، هَلْ يُجِيبُهُ إلَيْهِنَّ أمْ لا؟ ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ أيْ: قامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ، وأدّاهُنَّ أحْسَنَ التَأْدِيَةِ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ وتَوانٍ، ونَحْوُهُ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَجْمُ: ٣٧]. ومَعْناهُ في قِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: فَأعْطاهُ ما طَلَبَهُ، لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا، والكَلِماتُ عَلى هَذا ما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٦]، ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٨] ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٩]، ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٧]. والكَلِماتُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ خَمْسُ في الرَأْسِ: الفَرْقُ، وقَصُّ الشارِبِ، والسِواكُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ. وخَمْسُ في الجَسَدِ: الخِتانُ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، والِاسْتِنْجاءُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- هي ثَلاثُونَ سَهْمًا مِنَ الشَرائِعِ، عَشْرٌ في بَراءَةٍ ﴿التائِبُونَ﴾ الآيَةُ [التَوْبَةُ: ١١٢]، وعَشْرٌ في الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةُ [الأحْزابُ: ٣٥]، وعَشْرٌ في المُؤْمِنِينَ والمَعارِجِ إلى قَوْلِهِ: " يُحافِظُونَ " [المُؤْمِنُونَ: ٩ والمَعارِجُ: ٣٤]. وقِيلَ: هي مَناسِكُ الحَجِّ، ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ هو اسْمُ (p-١٢٨)مَن يُؤْتَمُ بِهِ، أيْ: يَأْتَمُّونَ بِكَ في دِينِهِمْ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا يُقْتَدى بِهِ، ذُرِّيَّةَ الرَجُلِ: أوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهم فِيهِ سَواءٌ، فِعِّيلَةٌ مِنَ الذَرْءِ، أيِ: الخَلْقِ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ، حَمْزَةُ وحَفْصٌ. أيْ: لا تُصِيبُ الإمامَةُ أهْلَ الظُلْمِ مِن ولَدِكَ، أيْ: أهْلُ الكُفْرِ، أخْبَرَ أنَّ إمامَةَ المُسْلِمِينَ لا تَثْبُتُ لِأهْلِ الكُفْرِ، وأنَّ مِن أوْلادِهِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافّاتُ: ١١٣]. والمُحْسِنُ: المُؤْمِنُ، والظالِمُ: الكافِرُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْإمامَةِ، قالُوا: وكَيْفَ يَجُوزُ نَصْبُ الظالِمِ لِلْإمامَةِ، والإمامُ إنَّما هو لِكَفِّ الظَلَمَةِ، فَإذا نُصِّبَ مَن كانَ ظالِمًا في نَفْسِهِ، فَقَدْ جاءَ المَثَلُ السائِرُ: "مَنِ اسْتَرْعى الذِئْبَ ظَلَمَ". ولَكُنّا نَقُولُ: المُرادُ بِالظالِمِ: الكافِرُ هُنا، إذْ هو الظالِمُ المُطْلَقُ. وقِيلَ: إنَّهُ سَألَ أنْ يَكُونَ ولَدُهُ نَبِيًّا كَما كانَ هُوَ، فَأُخْبِرَ أنَّ الظالِمَ لا يَكُونُ نَبِيًّا.

البقرة 2:125

﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ أيِ: الكَعْبَةَ، وهو اسْمٌ غالِبٌ لَها، كالنَجْمِ لِلثُّرَيّا ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ مَباءَةً ومَرْجِعًا لِلْحُجّاجِ والعُمّارِ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، ثُمَّ يَثُوبُونَ إلَيْهِ ﴿وَأمْنًا﴾ ومَوْضِعَ أمْنٍ، فَإنَّ الجانِيَ يَأْوِي إلَيْهِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ حَتّى يَخْرُجَ، وهو دَلِيلٌ لَنا في المُلْتَجِئِ إلى الحَرَمِ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقُلْنا: اتَّخِذُوا مِنهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ تُصَلُّونَ فِيهِ، «وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَقالَ: "هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ"، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقالَ ﷺ: "لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ" فَلَمْ تَغِبِ الشَمْسُ حَتّى نَزَلَتْ. » وقِيلَ: مُصَلًّى: مَدْعًى، ومَقامُ إبْراهِيمَ: الحَجَرُ الَّذِي فِيهِ (p-١٢٩)أثَرُ قَدَمَيْهِ. وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ. (واتَّخَذُوا) شامِيٌّ ونافِعٌ بِلَفْظِ الماضِي، عَطْفًا عَلى جَعَلْنا، أيْ: واتَّخَذَ الناسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي وُسِمَ بِهِ، لِاهْتِمامِهِ بِهِ، وإسْكانِ ذُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ، قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها. ﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أمَرْناهُما ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مَدَّنِيٌّ وحَفْصٌ. أيْ: بِأنْ طَهِّرا، أوْ أيْ: طَهِّرا. والمَعْنى: طَهِّراهُ مِنَ الأوْثانِ، والأنْجاسِ، والخَبائِثِ كُلِّها. ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ لِلدّائِرِينَ حَوْلَهُ ﴿والعاكِفِينَ﴾ المُجاوِرِينَ الَّذِينَ عَكَفُوا عِنْدَهُ، أيْ: أقامُوا لا يَبْرَحُونَ، أوِ المُعْتَكِفِينَ. وقِيلَ: ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ لِلنُّزّاعِ إلَيْهِ مِنَ البِلادِ ﴿والعاكِفِينَ﴾ والمُقِيمِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ والمُصَلِّينَ، جَمْعا راكِعٍ وساجِدٍ.

البقرة 2:126

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا﴾ أيِ: اجْعَلْ هَذا البَلَدَ، أوْ هَذا المَكانَ ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، أوْ آمِنًا مَن فِيهِ، كَقَوْلِكَ: لَيْلٌ نائِمٌ، فَهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ، وبَلَدًا مَفْعُولٌ ثانٍ، وآمِنًا صِفَةٌ لَهُ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم ثَمَرَةٌ، ثُمَّ أُبْدِلَ ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن أهْلِهِ، بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أيْ: وارْزُقِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِهِ خاصَّةً، قاسَ الرِزْقَ عَلى الإمامَةِ فَخَصَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ ﴿قالَ﴾ اللهُ تَعالى جَوابًا لَهُ: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ﴾ أيْ: وأرْزُقُ مَن كَفَرَ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا إلى حِينِ أجَلِهِ. فَأُمَتِّعُهُ، شامِيٌّ. ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ أُلْجِئُهُ ﴿إلى عَذابِ النارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، النارُ. فالمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ.

البقرة 2:127

﴿وَإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿القَواعِدَ﴾ هي جَمْعُ قاعِدَةٍ، وهي الأساسُ والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها: الثابِتَةُ، ورَفْعُ الأساسِ: البِناءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَقاصُرِ، ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ بَيْتِ اللهِ، وهُوَ: الكَعْبَةُ. (p-١٣٠)﴿وَإسْماعِيلُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ، وكانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي، وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولانِ رَبَّنا. وهَذا الفِعْلُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ أظْهَرَهُ عَبْدُ اللهِ في قِراءَتِهِ، ومَعْناهُ: يَرْفَعانِها قائِلَيْنِ رَبَّنا ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ تَقَرَّبْنا إلَيْكَ بِبِناءِ هَذا البَيْتِ ﴿إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ﴾ لِدُعائِنا ﴿العَلِيمُ﴾ بِضَمائِرِنا، ونِيّاتِنا، وفي إبْهامِ القَواعِدِ وتَبْيِينِها بَعْدَ الإبْهامِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ المُبَيَّنِ.

البقرة 2:128

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مُخْلِصَيْنِ لَكَ أوْجُهَنا، مِن قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: ١١٢]. أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ، يُقالُ: أسْلَمَ لَهُ، واسْتَسْلَمَ: إذا خَضَعَ، وأذْعَنَ. والمَعْنى: زِدْنا إخْلاصًا، وإذْعانًا لَكَ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا﴾ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ومَن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلنَّبِيِّينَ. وقِيلَ: أرادَ بِالأُمَّةِ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وإنَّما خَصّا بِالدُعاءِ ذَرِّيَّتَهُما، لِأنَّهم أوْلى بِالشَفَقَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَحْرِيمُ: ٦] ﴿وَأرِنا مَناسِكَنا﴾ مَنقُولٌ مِن رَأى، بِمَعْنى: أبْصَرَ، أوْ عَرَفَ، ولِذا لَمْ يَتَجاوَزْ مَفْعُولَيْنِ، أيْ: وبَصِّرْنا مُتَعَبَّداتِنا في الحَجِّ، أوْ عَرِّفْناها، وواحِدُ المَناسِكِ: مَنسَكٌ، بِفَتْحِ السِينِ وكَسْرِها، وهو المُتَعَبَّدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلْعابِدِ: ناسِكٌ. (وَأرْنا) مَكِّيٌّ، قاسَهُ عَلى فَخْذٍ في فَخِذٍ. وأبُو عَمْرٍو يُشِمُّ الكَسْرَةَ. ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ التَقْصِيرِ، أوِ اسْتِتابًا لِذَرِّيَّتِهِما ﴿إنَّكَ أنْتَ التَوّابُ الرَحِيمُ﴾

البقرة 2:129

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ مِن أنْفُسِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ. قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي". » أيْ: إنَّ آمِنَةَ رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ مَلَأ مَكَّةَ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ويُبَلِّغُهم ما تُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِكَ، (p-١٣١)وَصِدْقِ أنْبِيائِكَ ورُسُلِكَ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ، ﴿والحِكْمَةَ﴾ السُنَّةَ، وفَهْمَ القُرْآنِ، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ويُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ وسائِرِ الأرْجاسِ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما أوْلَيْتَ.

البقرة 2:130

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى: الجَحْدِ، وإنْكارِ أنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ، الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ، والمِلَّةُ: السُنَّةُ والطَرِيقَةُ، كَذا عَنِ الزَجّاجِ: ﴿إلا مَن﴾ في مَحَلِّ الرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في يَرْغَبُ، وصَحَّ البَدَلُ، لِأنَّ مَن يَرْغَبُ غَيْرُ مُوجَبٍ، كَقَوْلِكَ: هَلْ جاءَكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ؟! والمَعْنى: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: جَهِلَ نَفْسَهُ، أيْ: لَمْ يُفَكِّرْ في نَفْسِهِ، فَوَضَعَ "سَفِهَ" مَوْضِعَ "جَهِلَ"، وعُدِّيَ كَما عُدِّيَ، أوْ مَعْناهُ: سَفِهَ في نَفْسِهِ، فَحُذِفَ فِي، كَما حُذِفَ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافُ: ١٥٥] أيْ: مِن قَوْمِهِ، و"عَلى" في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٣٥] أيْ: عَلى عُقْدَةِ النِكاحِ. والوَجْهانِ عَنِ الزَجّاجِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وهو ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بَيانٌ لِخَطَأِ رَأْيِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، لِأنَّ مَن جَمَعَ كَرامَةَ الدارَيْنِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أوْلى بِالرَغْبَةِ في طَرِيقَتِهِ مِنهُ.

البقرة 2:131

﴿إذْ قالَ﴾ ظَرْفٌ لِاصْطَفَيْناهُ، أوِ انْتَصَبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ، لِتَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصالِحُ، الَّذِي لا يُرْغَبُ مِن مِلَّةِ مِثْلِهِ. ﴿لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ أذْعِنْ، أوْ أطِعْ، أوْ أخْلِصْ دِينَكَ لِلَّهِ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ، أوِ انْقَدْتُ.

البقرة 2:132

﴿وَوَصّى﴾ (وَأوْصى) مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ. ﴿بِها﴾ بِالمِلَّةِ، أوْ بِالكَلِمَةِ، وهي ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، داخِلٌ في حُكْمِهِ، والمَعْنى: ووَصّى بِها يَعْقُوبُ بَنِيهِ أيْضًا ﴿يا بَنِيَّ﴾ (p-١٣٢)عَلى إضْمارِ القَوْلِ ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ﴾ أيْ: أعْطاكُمُ الدِينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، ووَفَّقَكم لِلْأخْذِ بِهِ. ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلا يَكُنْ مَوْتُكم إلّا عَلى حالِ كَوْنِكم ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ، فالنَهْيُ في الحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ إذا ماتُوا، كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، فَلا تَنْهاهُ عَنِ الصَلاةِ، ولَكِنْ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ في صَلاتِهِ.

البقرة 2:133

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ "أوْ" مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ. والشُهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ، بِمَعْنى: الحاضِرِ، أيْ: ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَلامُ- إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ، أيْ: حِينَ احْتُضِرَ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِمَعْنى: ما شَهِدْتُمْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ لَكُمُ العِلْمُ بِهِ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ، أوْ مُتَّصِلَةٌ، ويُقَدَّرُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، والخِطابُ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ما ماتَ نَبِيٌّ إلّا عَلى اليَهُودِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ اليَهُودِيَّةَ؟ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ؟! ﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ فِيهِما شُهَداءُ، أوْ ظَرْفٌ لِحَضَرَ. ﴿لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ "ما" اسْتِفْهامٌ في مَحَلِّ النَصْبِ بِـ "تَعْبُدُونَ"، أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ، و"ما" عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ هو سُؤالٌ عَنْ صِفَةِ المَعْبُودِ، كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ تُرِيدُ أفَقِيهٌ أمْ طَبِيبٌ ؟ ﴿مِن بَعْدِي﴾ مِن بَعْدِ مَوْتِي ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ أُعِيدَ ذِكْرُ الإلَهِ، لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ، وجُعِلَ إسْماعِيلُ مِن جُمْلَةِ آبائِهِ، وهو عَمُّهُ، لِأنَّ العَمَّ أبٌ. قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في العَبّاسِ: « "هَذا بَقِيَّةُ آبائِي". »﴿إلَهًا واحِدًا﴾ بَدَلٌ مِن إلَهِ آبائِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العَلَقُ: ١٥- ١٦] أوْ نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ: نُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (p-١٣٣)حالٌ مِن فاعِلِ نَعْبُدُ، أوْ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى نَعْبُدُ، أوْ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ.

البقرة 2:134

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ، الَّتِي هي إبْراهِيمُ ويَعْقُوبُ وبَنُوهُما المُوَحِّدُونَ ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: إنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ، مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا، فَكَما أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ لا يَنْفَعُكم إلّا ما اكْتَسَبْتُمْ، وذَلِكَ لِافْتِخارِهِمْ بِآبائِهِمْ ﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّآتِهِمْ.

البقرة 2:135

﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَصارى: كُونُوا نَصارى ﴿تَهْتَدُوا﴾ جَزْمٌ، لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ. ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. والحَنِيفُ: المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى دِينِ الحَقِّ، ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهم يَدَّعِي اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وهو عَلى الشِرْكِ.

البقرة 2:136

﴿قُولُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلْكافِرِينَ، أيْ: قُولُوا لِتَكُونُوا عَلى الحَقِّ، وإلّا فَأنْتُمْ عَلى الباطِلِ. ﴿آمَنّا بِاللهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيِ: القُرْآنِ. ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ السِبْطُ: الحافِدُ. وكانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ سِبْطَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. والأسْباطُ: حَفَدَةُ يَعْقُوبَ ذَرارِيُّ أبْنائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، ويُعَدّى أنْزَلَ ِبِإلى وعَلى، فَلِذا ورَدَ هُنا بِإلى، وفى آلِ عِمْرانَ بِعَلى ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَصارى، و"أحَدٍ" في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذا صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لِلَّهِ مُخْلِصُونَ. (p-١٣٤)

البقرة 2:137

﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ظاهِرُ الآيَةِ مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى مِثْلٌ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، ومِثْلُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مِثْلَ إيمانِكُمْ، والهاءُ يَعُودُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وزِيادَةُ الباءِ غَيْرُ عَزِيزٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ [يُونُسُ: ٢٧] والتَقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَقَوْلِهِ: في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُورى: ٤٠]. وقِيلَ: المِثْلُ: زِيادَةٌ، أيْ: فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ، يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (بِما آمَنتُمْ بِهِ) و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، بِدَلِيلِ قِراءَةِ أُبَيٍّ: (بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ). وقِيلَ: الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، أيْ: فَإنْ دَخَلُوا في الإيمانِ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكُمُ الَّتِي آمَنتُمْ بِها ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَمّا تَقُولُونَ لَهُمْ، ولَمْ يُنْصِفُوا، أوْ إنْ تَوَلَّوْا عَنِ الشَهادَةِ والدُخُولِ في الإيمانِ بِها ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ: فَما هم إلّا في خِلافٍ وعَداوَةٍ، ولَيْسُوا مِن طَلَبِ الحَقِّ في شَيْءٍ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ ضَمانٌ مِنَ اللهِ لِإظْهارِ رَسُولِهِ عَلَيْهِمْ. وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ، وإجْلاءِ بَعْضٍ، ومَعْنى السِينِ: أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ إلى حِينٍ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِما يَنْطِقُونَ بِهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ الحَسَدِ والغِلِّ، وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ، فَهو وعِيدٌ لَهم. أوْ وعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أيْ: يَسْمَعُ ما تَدْعُو بِهِ، ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ، وما تُرِيدُهُ مِن إظْهارِ دِينِ الحَقِّ، وهو مُسْتَجِيبٌ لَكَ، ومُوَصِّلُكَ إلى مُرادِكَ.

البقرة 2:138

﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ دِينَ اللهِ، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٨] وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ، كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَبْغُ، والمَعْنى: تَطْهِيرُ اللهِ، لِأنَّ الإيمانَ يُطَهِّرُ النُفُوسَ، والأصْلُ فِيهِ: أنَّ النَصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ، يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ، ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهُمْ، فَإذا فَعَلَ الواحِدُ مِنهم بِوَلَدِهِ ذَلِكَ قالَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَأمَرَ المُسْلِمُونَ بِأنْ يَقُولُوا لَهُمْ: آمَنّا بِاللهِ، وصَبَغَنا اللهُ (p-١٣٥)بِالإيمانِ صِبْغَتَهُ، ولَمْ نُصْبَغْ صِبْغَتَكم. وجِيءَ بِلَفْظِ الصِبْغَةِ لِلْمُشاكَلَةِ، كَقَوْلِكَ لِمَن يَغْرِسُ الأشْجارَ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ، تُرِيدُ: رَجُلًا يَصْطَنِعُ الكَرَمَ. ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ تَمْيِيزٌ، أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ، يُرِيدُ: الدِينَ أوِ التَطْهِيرَ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى " آمِنًا بِاللهِ " وهَذا العَطْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ داخِلٌ في مَفْعُولِ ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ أيْ: قُولُوا هَذا وهَذا، ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ ويَرُدُّ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ صِبْغَةَ اللهِ بَدَلٌ مِن " مِلَّة إبْراهِيمَ "، أوْ نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ بِمَعْنى عَلَيْكم صِبْغَةَ اللهِ، لِما فِيهِ مِن فَكِّ النَظْمِ، وإخْراجِ الكَلامِ عَنِ التِئامِهِ، وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ هو الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ ما قالَتْ حَذامِ.

البقرة 2:139

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللهِ﴾ أيْ: أتُجادِلُونَنا في شَأْنِ اللهِ، واصْطِفائِهِ النَبِيَّ مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ؟ وتَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْنا؟ وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنُبُوَّةِ مِنّا ﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ نَشْتَرِكُ جَمِيعًا في أنَّنا عِبادُهُ، وهو رَبُّنا، وهو يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ وكَرامَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴿وَلَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ يَعْنِي: أنَّ العَمَلَ هو أساسُ الأمْرِ، وكَما أنَّ لَكم أعْمالًا فَلَنا كَذَلِكَ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ لَهُ مُوَحِّدُونَ، نُخْلِصُهُ بِالإيمانِ وأنْتُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ. والمُخْلِصُ أحْرى بِالكَرامَةِ، وأوْلى بِالنُبُوَّةِ مِن غَيْرِهِ.

البقرة 2:140

﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ بِالتاءِ: شامِيٌّ وكُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ. و"أمْ" عَلى هَذا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في "أتُحاجُّونَنا" يَعْنِي: أيَّ الأمْرَيْنِ تَأْتُونَ: المُحاجَّةَ في حُكْمِ اللهِ، أمِ ادِّعاءَ اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ؟ أوْ مُنْقَطِعَةٌ، أيْ: بَلْ أتَقُولُونَ؟ يَقُولُونَ، غَيْرُهم بِالياءِ. وعَلى هَذا لا تَكُونُ الهَمْزَةُ إلّا مُنْقَطِعَةً. ﴿إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ (p-١٣٦)يَقُولُ: مُسْتَفْهِمًا، رادًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللهُ﴾ يَعْنِي: أنَّ اللهَ شَهِدَ لَهم بِمِلَّةِ الإسْلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٧] ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ أيْ: كَتَمَ شَهادَةَ اللهِ الَّتِي عِنْدَهُ أنَّهُ شَهِدَ بِها، وهي شَهادَةُ اللهِ لِإبْراهِيمَ بِالحَنِيفِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ، لِأنَّهم كَتَمُوا هَذِهِ الشَهادَةَ وهم عالِمُونَ بِها، أوْ أنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنّا فَلا نَكْتُمُها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالنُبُوَّةِ في كُتُبِهِمْ وسائِرِ شَهاداتِهِ. و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللهِ﴾ مِثْلُها في قَوْلِكَ: هَذِهِ شَهادَةٌ مِنِّي لِفُلانٍ، إذا شَهِدْتَ لَهُ، في أنَّها صِفَةٌ لَها. ﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِ الرُسُلِ وكِتْمانِ الشَهادَةِ.

البقرة 2:141

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وبِالثانِي: أسْلافُ اليَهُودِ والنَصارى.

البقرة 2:142

﴿سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ﴾ الخِفافُ الأحْلامِ، فَأصْلُ السَفَهِ: الخِفَّةُ وهُمُ اليَهُودُ لِكَراهَتِهِمُ التَوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، وأنَّهم لا يَرَوْنَ النَسْخَ، أوِ المُنافِقُونَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الطَعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، أوِ المُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِمْ: رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها، واللهِ لِيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ. وفائِدَةُ الإخْبارِ بِقَوْلِهِمْ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَوْطِينُ النَفْسِ، إذِ المُفاجَأةُ بِالمَكْرُوهِ أشَدُّ، وإعْدادُ الجَوابِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ، فَقِيلَ الرَمْيُ يُراشُ السَهْمَ ﴿ما ولاهُمْ﴾ ما صَرَفَهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ يَعْنُونَ: بَيْتَ المَقْدِسِ. والقِبْلَةُ: الجِهَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ في الصَلاةِ، لِأنَّ المُصَلِّيَ يُقابِلُها. ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ أيْ: بِلادُ الشَرْقِ والمَغْرِبِ والأرْضُ كُلُّها لَهُ. ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مِن أهْلِها ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طَرِيقٍ مُسْتَوٍ، أيْ: يُرْشَدُ مَن يَشاءُ إلى قِبْلَةِ الحَقِّ، وهي الكَعْبَةُ الَّتِي أمَرَنا بِالتَوَجُّهِ (p-١٣٧)إلَيْها. أوِ الأماكِنُ كُلُّها لِلَّهِ، فَيَأْمُرُ بِالتَوَجُّهِ إلى حَيْثُ شاءَ، فَتارَةً إلى الكَعْبَةِ، وطَوْرًا إلى البَيْتِ المُقَدَّسِ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ المالِكُ وحْدَهُ.

البقرة 2:143

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم. فالكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذا: جَرٌّ بِالكافِ، واللامُ: لِلْفَرْقِ بَيْنَ الإشارَةِ إلى القَرِيبِ والإشارَةِ إلى البَعِيدِ، والكافُ: لِلْخِطابِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ خِيارًا. وقِيلَ لِلْخِيارِ: وسَطٌ، لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ، والأوْساطُ مَحْمِيَّةٌ، أيْ: كَما جَعَلْتُ قِبْلَتَكم خَيْرَ القِبَلِ جَعَلْتُكم خَيْرَ الأُمَمِ، وعِلَّةُ الجَعْلِ أيْ: لِتَعْلَمُوا بِالتَأمُّلِ فِيما نُصِبَ لَكم مِنَ الحُجَجِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ أنَّهُ تَعالى ما بَخِلَ عَلى أحَدٍ وما ظَلَمَ، بَلْ أوْضَحَ السُبُلَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا، ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حَمَلَهُمُ الشَقاءُ عَلى اتِّباعِ الشَهَواتِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ فَتَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلى مُعاصِرِيكم وعَلى الَّذِينَ قَبْلَكم وبَعْدَكم. أوْ عُدُولًا، لِأنَّ الوَسَطَ عَدْلٌ بَيْنَ الأطْرافِ، لَيْسَ إلى بَعْضِها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، أيْ: كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا بَيْنَ الغُلُوِّ والتَقْصِيرِ، فَإنَّكم لَمْ تَغْلُوا غُلُوَّ النَصارى حَيْثُ وصَفُوا المَسِيحَ بِالأُلُوهِيَّةِ، ولَمْ تُقَصِّرُوا تَقْصِيرَ اليَهُودِ حَيْثُ وصَفُوا مَرْيَمَ بِالزِنا، وعِيسى بِأنَّهُ ولَدُ الزِنا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ﴾ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِمَكانِ ألِفِ التَأْنِيثِ ﴿عَلى الناسِ﴾ صِلَةُ شُهَداءَ ﴿وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِتَكُونُوا﴾ رُوِيَ أنَّ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ، فَيُطالِبُ اللهُ الأنْبِياءَ البَيِّنَةَ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا -وَهُوَ أعْلَمُ- فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَشْهَدُونَ، فَيَقُولُ الأُمَمُ: مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى في كِتابِهِ الناطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصادِقِ، فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ، ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ. والشَهادَةُ قَدْ تَكُونُ بِلا مُشاهَدَةٍ، كالشَهادَةِ بِالتَسامُعِ في الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ، ولَمّا كانَ الشَهِيدُ كالرَقِيبِ جِيءَ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائِدَةُ: ١١٧] وقِيلَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ في الدُنْيا فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ (p-١٣٨)الأخْيارِ ﴿وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ يُزَكِّيكُمْ، ويَعْلَمُ بِعَدالَتِكم. واسْتَدَلَّ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ- بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالعَدالَةِ، والعَدْلُ: هو المُسْتَحِقُّ لِلشَّهادَةِ وقَبُولِها. فَإذا اجْتَمَعُوا عَلى شَيْءٍ، وشَهِدُوا بِهِ لَزِمَ قَبُولُهُ. وأُخِّرَتْ صِلَةُ الشَهادَةِ أوَّلًا وقُدِّمَتْ آخِرًا، لِأنَّ المُرادَ في الأوَّلِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الآخِرِ اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيْ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ وهي الكَعْبَةُ. فالَّتِي كُنْتَ عَلَيْها لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، بَلْ هي ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَلاةِ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، تَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ. » [وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُنَّةِ بِالكِتابِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ الشافِعِيُّ، لِأنَّ التَوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثَبَتَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وقَدْ نُسِخَ بِالكِتابِ] ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الَّتِي تُحِبُّ أنْ تَسْتَقْبِلَها، الجِهَةَ ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أوَّلًا بِمَكَّةَ، إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً، لِنَعْلَمَ الثابِتَ عَلى الإسْلامِ الصادِقَ فِيهِ مِمَّنْ هو عَلى حَرْفٍ يَنْكِصُ ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ لِقَلَقِهِ يَرْجِعُ فَيَرْتَدُّ عَنِ الإسْلامِ عِنْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَ كائِنًا أوْ مَوْجُودًا ما قَدْ عَلِمْناهُ أنَّهُ يَكُونُ ويُوجَدُ. فاللهُ تَعالى عالِمٌ في الأزَلِ بِكُلِّ ما أرادَ وُجُودَهُ، أنَّهُ يُوجَدُ في الوَقْتِ الَّذِي شاءَ وُجُودَهُ فِيهِ. ولا يُوصَفُ بِأنَّهُ عالِمٌ في الأزَلِ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ كائِنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الأزَلِ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا؟ فَإذا صارَ مَوْجُودًا يَدْخُلُ تَحْتَ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا لَهُ مَوْجُودًا كائِنًا. والتَغَيُّرُ عَلى المَعْلُومِ لا عَلى العِلْمِ. أوْ لِتُمَيِّزِ التابِعِ مِنَ الناكِصِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ﴾ [الأنْفالُ: ٣٧] فَوُضِعَ العِلْمُ مَوْضِعَ التَمَيُّزِ، لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَقَعُ التَمَيُّزُ، أوْ لِيَعْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. وإنَّما أسْنَدَ عِلْمَهم إلى ذاتِهِ، لِأنَّهم (p-١٣٩)خَواصُّهُ، أوْ هو عَلى مُلاطَفَةِ الخِطابِ لِمَن لا يَعْلَمُ، كَقَوْلِكَ لِمَن يُنْكِرُ ذَوْبَ الذَهَبِ: فَلْنُلْقِهِ في النارِ لِنَعْلَمَ أيَذُوبُ؟ ﴿وَإنْ كانَتْ﴾ أيِ:التَحْوِيلَةُ، أوِ الجَعْلَةُ، أوِ القِبْلَةُ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أيْ: ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ، وهي خَبَرُ كانَ، واللامُ فارِقَةٌ. ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللهُ﴾ أيْ: هَداهُمُ اللهُ، فَحَذَفَ العائِدَ، أيْ: إلّا عَلى الثابِتِينَ الصادِقِينَ في اتِّباعِ الرَسُولِ ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ: صَلاتُكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، سَمّى الصَلاةَ إيمانًا، لِأنَّ وُجُوبَها عَلى أهْلِ الإيمانِ، وقَبُولِها مِن أهْلِ الإيمانِ، وأداؤُها فى الجَماعَةِ دَلِيلُ الإيمانِ، لَمّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: كَيْفَ بِمَن ماتَ قَبْلَ التَحْوِيلِ مِن إخْوانِنا؟ فَنَزَلَتْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللهَ بِالناسِ لَرَءُوفٌ﴾ مَهْمُوزٌ مُشْبَعٌ، حِجازِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَفْصٌ. (رَؤُفٌ) غَيْرُهم بِوَزْنِ فَعُلٍ، وهُما لِلْمُبالَغَةِ. ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يُضِيعُ أُجُورَهُمْ، والرَأْفَةُ أشَدُّ مِنَ الرَحْمَةِ، وجَمَعَ بَيْنَهُما كَما في ﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ [الفاتِحَةُ: ٣].

البقرة 2:144

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ﴾ تَرَدُّدَ وجْهِكَ، وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَماءِ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ مُوافَقَةً لِإبْراهِيمَ، ومُحالَفَةً لِلْيَهُودِ، ولِأنَّها أدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، لِأنَّها مَفْخَرَتُهُمْ، ومَزارُهُمْ، ومَطافُهُمْ، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فَلْنُعْطِيَنَّكَ، ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِنِ اسْتِقْبالِها، مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتُهُ كَذا: إذا جَعَلْتَهُ والياءُ لَهُ، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي سَمْتَها دُونَ سَمْتِ بَيْتِ المَقْدِسِ. ﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾ تُحِبُّها، وتَمِيلُ إلَيْها لِأغْراضِكَ الصَحِيحَةِ الَّتِي أضْمَرْتَها، ووافَقَتْ مَشِيئَةَ اللهِ وحِكْمَتَهُ، ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: نَحْوَهُ. وشَطْرَ: نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيِ:اجْعَلْ تَوْلِيَةَ الوَجْهِ تِلْقاءَ المَسْجِدِ، أيْ: في جِهَتِهِ وسَمْتِهِ، لِأنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ القِبْلَةِ مُتَعَسِّرٌ عَلى النائِي. وذِكْرُ المَسْجِدِ (p-١٤٠)الحَرامَ دُونَ الكَعْبَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الواجِبَ مُراعاةُ الجِهَةِ دُونَ العَيْنِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وجَّهَ إلى الكَعْبَةِ »﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ مِنَ الأرْضِ، وأرَدْتُمُ الصَلاةَ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ أيِ: التَحْوِيلُ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ، لِأنَّهُ كانَ في بِشارَةِ أنْبِيائِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ. ﴿مِن رَبِّهِمْ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ بِالياءِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وبِالتاءِ غَيْرُهم. فالأوَّلُ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ بِالعِقابِ عَلى الجُحُودِ والإباءِ، والثانِي وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَوابِ عَلى القَبُولِ والأداءِ.

البقرة 2:145

﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أرادَ ذَوِي العِنادِ مِنهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ بُرْهانٍ قاطِعٍ أنَّ التَوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ لِأنَّ تَرْكَهُمُ اتِّباعَكَ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ تُزِيلُها بِإيرادِ الحُجَّةِ، إنَّما هو عَنْ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِكَ أنَّكَ عَلى الحَقِّ، وجَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَرْطِ. ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ، إذْ كانُوا اضْطَرَبُوا فى ذَلِكَ، وقالُوا: لَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، وطَمِعُوا في رُجُوعِهِ إلى قِبْلَتِهِمْ. ووُحِّدَتِ القِبْلَةُ وإنْ كانَ لَهم قِبْلَتانِ، فَلِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ، ولِلنَّصارى قِبْلَةٌ، لِاتِّحادِهِمْ في البُطْلانِ. ﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: أنَّهم مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى مُخالَفَتِكَ، مُخْتَلِفُونَ في شَأْنِ القِبْلَةِ، لا يُرْجى اتِّفاقُهُمْ، كَما لا تُرْجى مُوافَقَتُهم لَكَ، فاليَهُودُ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، والنَصارى مَطْلَعَ الشَمْسِ. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وُضُوحِ البُرْهانِ، والإحاطَةُ بِأنَّ القِبْلَةَ هي الكَعْبَةُ، وأنَّ دِينَ اللهِ هو (p-١٤١)الإسْلامِ ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ لَمِنَ المُرْتَكِبِينَ الظُلْمَ الفاحِشَ. وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ، وتَهْيِيجٌ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وتَحْذِيرٌ لِمَن يَتْرُكُ الدَلِيلَ بَعْدَ إنارَتِهِ ويَتَّبِعُ الهَوى. وقِيلَ: الخِطابُ في الظاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ: أمَّتُهُ، ولَزِمَ الوَقْفُ عَلى ﴿الظالِمِينَ﴾ إذْ لَوْ وصَلَ لَصارَ.

البقرة 2:146

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ صِفَةً لِلظّالِمِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ، أوِ القُرْآنُ، أوْ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، لِقَوْلِهِ: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ولِمَ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ أيِ:الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا. ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ حَسَدًا وعِنادًا ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللهَ تَعالى بَيَّنَهُ في كِتابِهِمْ.

البقرة 2:147

﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرَهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ واللامُ لِلْجِنْسِ، أيِ:الحَقُّ مِنَ اللهِ لا مِن غَيْرِهِ، يَعْنِي: أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللهِ كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ، وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللهِ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، فَهو الباطِلُ، أوْ لِلْعَهْدِ، والإشارَةِ إلى الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَقُّ و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ في أنَّهُ مِن رَبِّكَ.

البقرة 2:148

﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِن أهْلِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ ﴿وِجْهَةٌ﴾ قِبْلَةٌ، وقُرِئَ بِها ﴿هُوَ﴾ الضَمِيرُ لِكُلٍّ ﴿مُوَلِّيها﴾ الضَمِيرُ لِلْوِجْهَةِ، أيْ: هو مُوَلِّيها وِجْهَةً، فَحُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، أوْ ﴿هُوَ﴾ لِلَّهِ تَعالى، أيِ:اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُ، هو (مُوَلّاها)، شامِيٌّ، أيْ: هو مَوْلى تِلْكَ الجِهَةِ قَدْ ولِيَها، والمَعْنى: ولِكُلِّ أُمَّةٍ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿فاسْتَبِقُوا﴾ أنْتُمْ ﴿الخَيْراتِ﴾ فاسْتَبِقُوا إلَيْها غَيْرَكم مِن (p-١٤٢)أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا﴾ أنْتُمْ وأعْداؤُكم ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوْ ولِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﴿وِجْهَةٌ﴾ جِهَةٌ يُصَلِّي إلَيْها جَنُوبِيَّةً، أوْ شَمالِيَّةً، أوْ شَرْقِيَّةً، أوْ غَرْبِيَّةً، فاسْتَقْبِلُوا الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ، وهي الجِهَةُ المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ ويَجْمَعْكُمْ، ويَجْعَلْ صَلاتَكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وكَأنَّكم تُصَلُّونَ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

البقرة 2:149

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومِن أيِّ بَلَدٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ إذا صَلَّيْتَ ﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ هَذا المَأْمُورَ بِهِ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وبِالياءِ، أبُو عَمْرٍو.

البقرة 2:150

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ وهَذا التَكْرِيرُ لِتَأْكِيدِ أمْرِ القِبْلَةِ وتَشْدِيدِهِ، لِأنَّ النَسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ والشُبْهَةِ، فَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ لِيُثْبِتُوا، عَلى أنَّهُ نِيطَ بِكُلِّ واحِدٍ ما لَمْ يُنَطْ بِالآخَرِ، فاخْتَلَفَتْ فَوائِدُها ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ أيْ: قَدْ عَرَّفَكُمُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أمْرَ الِاحْتِجاجِ في القِبْلَةِ بِما قَدْ بَيَّنَ فى قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ لِلْيَهُودِ ﴿عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ في خِلافِ ما في التَوْراةِ مِن تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. وأطْلَقَ اسْمَ الحُجَّةِ عَلى قَوْلِ المُعانِدِينَ، لِأنَّهم يَسُوقُونَهُ سِياقَ الحُجَّةِ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الناسِ، أيْ: لِئَلّا يَكُونَ حُجَّةً لِأحَدٍ مِنَ اليَهُودِ إلّا المُعانِدِينَ مِنهُمْ، القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلىالكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ، وحُبًّا لِبَلَدِهِ، ولَوْ كانَ عَلى الحَقِّ لَلَزِمَ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، أوْ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْعَرَبِ عَلَيْكم حُجَّةٌ واعْتِراضٌ في تَرْكِكُمُ التَوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، الَّتِي هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أبِي العَرَبِ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ وهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ يَقُولُونَ: بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ، ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى (p-١٤٣)دِينِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مُنَبِّهًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ فَلا تَخافُوا مَطاعِنَهم في قِبْلَتِكُمْ، فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم ﴿واخْشَوْنِي﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَرَّفَتْكم لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حُجَّةً، ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِهِدايَتِي إيّاكم إلى الكَعْبَةِ، ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ولِكَيْ تَهْتَدُوا إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ.

البقرة 2:151

الكافُ في ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ﴾ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في الآخِرَةِ بِالثَوابِ، كَما أتْمَمْتُها عَلَيْكم في الدُنْيا بِإرْسالِ الرَسُولِ، أوْ بِما بَعْدَهُ، أيْ: كَما ذَكَرْتُكم بِإرْسالِ الرَسُولِ، فاذْكُرُونِي بِالطاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَوابِ، فَعَلى هَذا يُوقِفُ عَلى " تَهْتَدُونَ " وعَلى الأوَّلِ لا. ﴿رَسُولا مِنكُمْ﴾ مِنَ العَرَبِ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ يَقْرَأُ عَلَيْكم ﴿آياتِنا﴾ القُرْآنَ، ﴿وَيُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ السُنَّةَ والفِقْهَ ﴿وَيُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالوَحْيِ.

البقرة 2:152

﴿فاذْكُرُونِي﴾ بِالمَعْذِرَةِ ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ بِالمَغْفِرَةِ، أوْ بِالثَناءِ والعَطاءِ، أوْ بِالسُؤالِ والنَوالِ، أوْ بِالتَوْبَةِ وعَفْوِ الحَوْبَةِ، أوْ بِالإخْلاصِ والخَلاصِ، أوْ بِالمُناجاةِ أوِ النَجاةِ. ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ولا تَجْحَدُوا نَعْمائِي.

البقرة 2:153

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ﴾ فَبِهِ تُنالُ كُلُّ فَضِيلَةٍ ﴿والصَلاةِ﴾ فَإنَّها تَنْهى عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ.

البقرة 2:154

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ﴾ نَزَلَتْ فى شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ﴿أمْواتٌ﴾ أيْ: هم أمْواتٌ، ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ: هم أحْياءٌ ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ حَياةَ الشَهِيدِ لا تُعْلَمُ حِسًّا، عَنِ الحَسَنِ (p-١٤٤)-رِضى اللهُ عَنْهُ-: إنَّ الشُهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللهِ، تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرُوحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ، وعَنْ مُجاهِدٍ يُرْزَقُونَ ثَمَرَ الجَنَّةِ، ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها.

البقرة 2:155

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ولِنُصِيبَنَّكم بِذَلِكَ إصابَةً تُشْبِهُ فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِكُمْ، هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الطاعَةِ أمْ لا؟ ﴿بِشَيْءٍ﴾ بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ البَلايا وطَرَفٍ مِنهُ. وقَلَّلَ لِيُؤْذِنَ أنَّ كُلَّ بَلاءٍ أصابَ الإنْسانَ - وإنْ جَلَّ- فَفَوْقَهُ ما يَقِلُّ إلَيْهِ، ويُرِيهِمْ أنَّ رَحْمَتَهُ مَعَهم في كُلِّ حالٍ، وأعْلَمَهم بِوُقُوعِ البَلْواءِ قَبْلَ وُقُوعِها، لِيُوَطِّنُوا نُفُوسَهم عَلَيْها، ﴿مِنَ الخَوْفِ﴾ خَوْفِ العَدُوِّ أوِ اللهِ ﴿والجُوعِ﴾ أيِ:القَحْطِ، أوْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضانَ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ بِمَوْتِ المَواشِي، أوِ الزَكاةِ. وهو عَطْفٌ عَلى شَيْءٍ، أوْ عَلى الخَوْفِ، أيْ: وشَيْءٌ مِن نَقْصِ الأمْوالِ. ﴿والأنْفُسِ﴾ بِالقَتْلِ، والمَوْتِ، أوْ بِالمَرَضِ، والشَيْبِ ﴿والثَمَراتِ﴾ ثَمَراتِ الحَرْثِ، أوْ مَوْتِ الأوْلادِ، لِأنَّ الوَلَدَ ثَمَرَةُ الفُؤادِ ﴿وَبَشِّرِ الصابِرِينَ﴾ عَلى هَذِهِ البَلايا، أوِ المُسْتَرْجِعِينَ عِنْدَ البَلايا، لِأنَّ الِاسْتِرْجاعَ تَسْلِيمٌ وإذْعانٌ، وفي الحَدِيثِ: « "مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللهِ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ" »«وَطُفِئَ سِراجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ" فَقِيلَ: أمُصِيبَةٌ هِيَ؟ قالَ: "نَعَمْ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ". » والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَأْتِي مِنهُ البِشارَةُ.

البقرة 2:156

﴿الَّذِينَ﴾ نَصْبٌ صِفَةٌ لِلصّابِرِينَ، ولا وقْفَ عَلَيْهِ، بَلْ يُوقَفُ عَلى (p-١٤٥)﴿راجِعُونَ﴾ ومَنِ ابْتَدَأ بِالَّذِينِ، وجَعَلَ الخَبَرَ " أُولَئِكَ " يَقِفُ عَلى الصابِرِينَ، لا عَلى راجِعُونَ. والأوَّلُ الوَجْهُ، لِأنَّ الَّذِينَ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِلصَّبْرِ ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ مَكْرُوهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْهُ شِدَّةٌ، أيْ: لَحِقَتْهُ، ولا وقْفَ عَلى مُصِيبَةٍ، لِأنَّ ﴿قالُوا﴾ جَوابُ إذا، وإذا وجَوابُها: صِلَةُ الَّذِينَ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ لَهُ بِالمُلْكِ ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ عَلى نُفُوسِنا بِالهُلْكِ.

البقرة 2:157

﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ الصَلاةُ: الحُنُوُّ والتَعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَأْفَةِ، وجُمِعَ بَيْنِها وبَيْنَ الرَحْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ [الحَدِيدُ: ٢٧] ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَوْبَةُ: ١١٧] والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ، ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ لِطَرِيقِ الصَوابِ، حَيْثُ اسْتَرْجَعُوا، وأذْعَنُوا لِأمْرِ اللهِ، قالَ عُمَرُ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: نِعْمَ العَدْلانِ، ونِعْمَ العِلاوَةَ، أيِ:الصَلاةُ، والرَحْمَةُ: والِاهْتِداءُ.

البقرة 2:158

﴿إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ﴾ هُما عَلَمانِ لِلْجَبَلَيْنِ، ﴿مِن شَعائِرِ اللهِ﴾ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ ومُتَعَبَّداتِهِ، جَمْعُ: شَعِيرَةٍ، وهي العَلامَةُ. ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ﴾ قَصَدَ الكَعْبَةَ. ﴿أوِ اعْتَمَرَ﴾ زارَ الكَعْبَةَ. فالحَجُّ: القَصْدُ، والِاعْتِمارُ: الزِيارَةُ، ثُمَّ غُلِّبا عَلى قَصْدِ البَيْتِ وزِيارَتِهِ لِلنُّسُكَيْنِ المَعْرُوفِينَ، وهُما في المَعانِي كالنَجْمِ والبَيْتِ في الأعْيانِ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴿أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ أيْ: يَتَطَوَّفُ، فَأدْغَمَ التاءَ في الطاءِ، وأصْلُ الطَوْفِ: المَشْيُ حَوْلَ الشَيْءِ، والمُرادُ هُنا-: السَعْيُ بَيْنَهُما. قِيلَ: كانَ عَلى الصَفا أسافٌ، وعَلى المَرْوَةَ نائِلَةُ، وهُما صَنَمانِ. يُرْوى أنَّهُما كانا رَجُلًا وامْرَأةً زَنَيا في الكَعْبَةِ، فَمُسِخا حَجَرَيْنِ، فَوُضِعا عَلَيْهِما لِيُعْتَبَرَ بِهِما، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ عُبِدا مِن دُونِ اللهِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا سَعَوْا مَسَحُوهُما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ، وكُسِرَتِ الأوْثانُ، كَرِهَ المُسْلِمُونَ الطَوافَ بَيْنَهُما لِأجْلِ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَرَفَعَ عَنْهُمُ الجَناحَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ (p-١٤٦)لَيْسَ بِرُكْنٍ كَما قالَ مالِكٌ والشافِعِيُّ -رَحِمَهُما اللهُ تَعالى- ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أيْ: بِالطَوافِ بِهِما، وهو كَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ. (وَمَن يَطَّوَّعْ)، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، أيْ: يَتَطَوَّعُ، فَأدْغَمَ التاءَ في الطاءِ. ﴿فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ مُجازٍ عَلى القَلِيلِ كَثِيرًا ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالأشْياءِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا.

البقرة 2:159

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ مِن أحْبارِ اليَهُودِ ﴿ما أنْـزَلْنا﴾ في التَوْراةِ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ الشاهِدَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿والهُدى﴾ الهِدايَةِ إلى الإسْلامِ بِوَصْفِهِ ﷺ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ أوْضَحْناهُ ﴿لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ في التَوْراةِ، لَمْ نَدَعْ فِيهِ مَوْضِعَ إشْكالٍ، فَعَمَدُوا إلى ذَلِكَ المُبِينِ فَكَتَمُوهُ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَعْنُ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَقَلَيْنِ.

البقرة 2:160

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ عَنِ الكِتْمانِ، وتَرْكِ الإيمانِ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ، وتَدارَكُوا ما فَرَطَ مِنهُمْ، ﴿وَبَيَّنُوا﴾ وأظْهَرُوا ما كَتَمُوا، ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، ﴿وَأنا التَوّابُ الرَحِيمُ﴾

البقرة 2:161

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ماتُوا مِن هَؤُلاءِ الكاتِمِينَ، ولَمْ يَتُوبُوا ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ ذَكَرَ لَعْنَتَهم أحْياءً، ثُمَّ لَعَنَتَهم أمْواتًا، والمُرادُ بِالناسِ: المُؤْمِنُونَ، أوِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، إذْ بَعْضُهم يَلْعَنُ بَعْضًا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافُ: ٣٨].

البقرة 2:162

﴿خالِدِينَ﴾ حالٌ مِن "هُمْ" في "عَلَيْهِمْ"، ﴿فِيها﴾ في اللَعْنَةِ، أوْ في النارِ، إلّا أنَّها أُضْمِرَتْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مِنَ الإنْظارِ، أيْ: لا يُمْهَلُونَ، أوْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا، أوْ لا يُنْظَرُ (p-١٤٧)إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.

البقرة 2:163

﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَرْدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيها، ولا يَصِحُّ أنْ يُسَمّى غَيْرُهُ إلَهًا ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ بِنَفْيِ غَيْرِهِ وإثْباتِهِ، ومَوْضِعُ "هُوَ" رَفْعٌ، لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ ﴿لا إلَهَ﴾ ولا يَجُوزُ النَصْبُ هُنا، لِأنَّ البَدَلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الثانِي، والمَعْنى في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، والنَصْبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الأوَّلِ، ورَفْعُ ﴿الرَحْمَنُ الرَحِيمُ﴾ أيِ:المَوْلى لِجَمِيعِ النِعَمِ أُصُولِها وفُرُوعِها، ولا شَيْءَ سِواهُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَما سِواهُ إمّا نِعْمَةٌ، وإمّا مُنْعَمٌ عَلَيْهِ. ورُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن "هُوَ" لا عَلى الوَصْفِ، لِأنَّ المُضْمَرَ لا يُوصَفُ.

البقرة 2:164

وَلَمّا عَجِبَ المُشْرِكُونَ مِن إلَهٍ واحِدٍ، وطَلَبُوا آيَةً عَلى ذَلِكَ نَزَلَ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ في اللَوْنِ، والطُولِ، والقِصَرِ، وتَعاقُبِهِما فى الذَهابِ والمَجِيءِ، ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ الناسَ﴾ بِالَّذِي يَنْفَعُهم مِمّا يَحْمِلُ فِيها، أوْ بِنَفْعِ الناسِ. و"مِن" في ﴿وَما أنْـزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. ﴿مِن ماءٍ﴾ مَطَرٍ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ مَطَرٌ وغَيْرُهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى أنْزَلَ ﴿فَأحْيا بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها، ثُمَّ عُطِفَ عَلى " فَأحْيا "، ﴿وَبَثَّ﴾ وفَرَّقَ. ﴿فِيها﴾ في الأرْضِ، ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ هي كُلُّ ما يَدِبُّ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِياحِ﴾ الرِيحُ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. أيْ: وتَقْلِيبُها في مَهابِّها قَبُولًا، ودَبُورًا، وجَنُوبًا، وشِمالًا، وفي أحْوالِها حارَّةً، وبارِدَةً، وعاصِفَةً، ولَيِّنَةً، وعُقْمًا، ولَواقِحَ. وقِيلَ: تارَةً بِالرَحْمَةِ، وطَوْرًا بِالعَذابِ. ﴿والسَحابِ المُسَخَّرِ﴾ المُذَلَّلِ المُنْقادِ لِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، فَيُمْطِرُ حَيْثُ شاءَ ﴿بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ﴾ في الهَواءِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَنْظُرُونَ بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ، (p-١٤٨)وَيَعْتَبِرُونَ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى قُدْرَةِ مُوجِدِها، وحِكْمَةِ مُبْدِعِها، ووَحْدانِيَّةِ مُنْشِئِها، وفي الحَدِيثِ: "وَيْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَمَجَّ بِها" أيْ: لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها، ولَمْ يَعْتَبِرْ بِها.

البقرة 2:165

﴿وَمِنَ الناسِ﴾ أيْ: ومَعَ هَذا البُرْهانِ النَيِّرِ مِنَ الناسِ ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْدادًا﴾ أمْثالًا مِنَ الأصْنامِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يُعَظِّمُونَهُمْ، ويَخْضَعُونَ لَهم تَعْظِيمَ المَحْبُوبِ ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ كَتَعْظِيمِ اللهِ، والخُضُوعِ لَهُ، أيْ: يُحِبُّونَ الأصْنامَ كَما يُحِبُّونَ اللهَ، يَعْنِي: يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في مَحَبَّتِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللهِ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: يُحِبُّونَهم كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ اللهَ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ، لِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ بِحالٍ، والمُشْرِكُونَ يَعْدِلُونَ عَنْ أنْدادِهِمْ إلى اللهِ عِنْدَ الشَدائِدِ، فَيَفْزَعُونَ إلَيْهِ، ويَخْضَعُونَ لَهُ ﴿وَلَوْ يَرى﴾ (تَرى) نافِعٌ وشامِيٌّ، عَلى خِطابِ الرَسُولِ، أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ. أيْ: ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إشارَةٌ إلى مُتَّخِذِي الأنْدادِ ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ (يُرَوْنَ) شامِيٌّ. ﴿العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ حالٌ ﴿وَأنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ شَدِيدٌ عَذابُهُ، أيْ: ولَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ارْتَكَبُوا الظُلْمَ العَظِيمَ بِشِرْكِهِمْ أنَّ القُدْرَةَ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثَوابِ والعِقابِ دُونَ أنْدادِهِمْ، ويَعْلَمُونَ شِدَّةَ عِقابِهِ لِلظّالِمِينَ إذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، لَكانَ مِنهم ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ، فَحَذَفَ الجَوابَ، لِأنَّ لَوْ إذا جاءَ فِيما يُشَوَّقُ إلَيْهِ، أوْ يُخَوَّفُ مِنهُ قَلَّما يُوصَلُ بِجَوابٍ لِيَذْهَبَ القَلْبُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ولَوْ يَلِيها الماضِي، وكَذا إذْ وضَعَها لِتَدُلَّ عَلى الماضِي، وإنَّما دَخَلَتا عَلى المُسْتَقْبَلِ هُنا-، لِأنَّ إخْبارَ اللهِ تَعالى عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ صِدْقِهِ كالماضِي.

البقرة 2:166

﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ مُدْغَمَةَ الذالِ في التاءِ حَيْثُ وقَعَتْ، عِراقِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ. (p-١٤٩)وَهُوَ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أيِ:المُتَّبَعُونَ، وهُمُ الرُؤَساءُ. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مِنَ الأتْباعِ ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ: تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ ﴿وَتَقَطَّعَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى تَبَرَّأ ﴿بِهِمُ الأسْبابُ﴾ الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى دِينٍ واحِدٍ، ومِنَ الأنْسابِ، والمَحابِّ.

البقرة 2:167

﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أيِ:الأتْباعُ. ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ رَجْعَةً إلى الدُنْيا ﴿فَنَتَبَرَّأ﴾ نَصْبٌ عَلى جَوابِ التَمَنِّي، لِأنَّ لَوْ في مَعْنى التَمَنِّي، والمَعْنى: لَيْتَ لَنا كَرَةً فَنَتَبَرَّأ، ﴿مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ الآنَ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ الفَظِيعِ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: عِبادَتَهُمُ الأوْثانَ ﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ نَداماتٍ، وهى مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِيُرِيهِمْ، ومَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم تُقْلَبُ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، فَلا يَرَوْنَ إلّا حَسَراتٍ مَكانَ أعْمالِهِمْ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النارِ﴾ بَلْ هم فِيها دائِمُونَ.

البقرة 2:168

وَنَزَلَ فِيمَن حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحائِرَ ونَحْوَها: ﴿يا أيُّها الناسُ كُلُوا﴾ نَزَلَ فِيمَن حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحائِرَ ونَحْوَها، أمْرَ إباحَةٍ ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ ﴿حَلالا﴾ مَفْعُولُ كُلُوا، أوْ حالٌ مِمّا في الأرْضِ ﴿طَيِّبًا﴾ طاهِرًا مِن كُلِّ شُبْهَةٍ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ طُرُقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها، بِسُكُونِ الطاءِ: أبُو عَمْرٍو غَيْرَ عَيّاشٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ. والخُطْوَةُ في الأصْلِ، ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي. يُقالُ: اتَّبَعَ خُطُواتِهِ: إذا اقْتَدى بِهِ، واسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ لا خَفاءَ بِهِ. وأبانَ: مُتَّعَدٍّ ولازِمٌ، ولا يُناقِضُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطاغُوتُ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٥٧] أيِ:الشَيْطانُ، لِأنَّهُ عَدُوٌّ لِلنّاسِ (p-١٥٠)حَقِيقَةً، ووَلِيُّهم ظاهِرًا، فَإنَّهُ يُرِيهِمْ في الظاهِرِ المُوالاةَ، ويُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهُمْ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ هَلاكَهم في الباطِنِ.

البقرة 2:169

﴿إنَّما يَأْمُرُكُمْ﴾ بَيانٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ اتِّباعِهِ، وظُهُورِ عَداوَتِهِ، أيْ: لا يَأْمُرُكم بِخَيْرٍ قَطُّ، إنَّما يَأْمُرُكم ﴿بِالسُوءِ﴾ بِالقَبِيحِ، ﴿والفَحْشاءِ﴾ وما يَتَجاوَزُ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ العَظائِمِ. وقِيلَ: السُوءُ: مالا حَدَّ فِيهِ. والفَحْشاءُ: ما فِيهِ حَدٌّ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى ﴿بِالسُوءِ﴾ أيْ: وبِأنْ تَقُولُوا. ﴿عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو قَوْلُكُمْ: هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ: كُلُّ ما يُضافُ إلى اللهِ تَعالى مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ.

البقرة 2:170

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللهُ﴾ الضَمِيرُ لِلنّاسِ، وعَدَلَ بِالخِطابِ عَنْهم عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الإيمانِ، واتِّباعِ القُرْآنِ. ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا﴾ وجَدْنا ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَإنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا، وأعْلَمَ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والهَمْزَةُ بِمَعْنى الرَدِّ والتَعَجُّبِ. مَعْناهُ: أيَتَّبِعُونَهم ولَوْ كانَ آباؤُهم ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الدِينِ ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ لِلصَّوابِ.

البقرة 2:171

ثُمَّ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا فَقالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضافُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وَمَثَلُ﴾ داعِي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ يَصِيحُ، والمُرادُ ﴿بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ البَهائِمِ، والمَعْنى: ومَثَلُ داعِيهِمْ إلى الإيمانِ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ مِنَ الدُعاءِ إلّا جَرْسَ النَغْمَةِ، ودَوِيَّ الصَوْتِ، مِن غَيْرِ إلْقاءِ أذْهانٍ، ولا اسْتِبْصارٍ، كَمَثَلِ الناعِقِ بِالبَهائِمِ الَّتِي لا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَ الناعِقِ ونِداءَهُ، الَّذِي هو تَصْوِيتٌ بِها، وزَجْرٌ لَها، ولا تَفْقَهُ شَيْئًا آخَرَ كَما يَفْهَمُ العُقَلاءُ. والنَعِيقُ: التَصْوِيتُ. يُقالُ: نَعَقَ المُؤَذِّنُ، ونَعَقَ الراعِي بِالضَأْنِ. (p-١٥١)والنِداءُ: ما يُسْمِعُ، والدُعاءُ: قَدْ يُسْمَعُ وقَدْ لا يُسْمَعُ. ﴿صُمٌّ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم صُمٌّ. ﴿بُكْمٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ ﴿عَمًى﴾ عَنِ الحَقِّ، خَبَرٌ ثالِثٌ. ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ المَوْعِظَةَ.

البقرة 2:172

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ حَلالٌ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِن مُسْتَلَذّاتِهِ، أوْ مِن حَلالاتِهِ، ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكُمُوها ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخْتَصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ مُعْطِي النِعَمِ.

البقرة 2:173

ثُمَّ بَيَّنَ المُحَرَّمَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهِيَ: كُلُّ ما فارَقَهُ الرُوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ مِمّا يُذْبَحُ، و﴿إنَّما﴾ لِإثْباتِ المَذْكُورِ، ونَفْيِ ما عَداهُ، أيْ: ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا المَيْتَةَ ﴿والدَمَ﴾ يَعْنِي: السائِلَ، لِقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنْعامُ: ١٤٥] وقَدْ حَلَّتِ المَيْتَتانِ والدَمانُ بِالحَدِيثِ: « "أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ: السَمَكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِحالُ" »﴿وَلَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ يَعْنِي: الخِنْزِيرَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، وخُصَّ اللَحْمُ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالأكْلِ. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ لِلْأصْنامِ، فَذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللهِ، وأصْلُ الإهْلالِ: رَفْعُ الصَوْتِ، أيْ: رَفَعَ بِهِ الصَوْتَ لِلصَّنَمِ، وذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ: بِاسْمِ اللاتِ والعُزّى. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أُلْجِئَ، بِكَسْرِ النُونِ، بَصْرِيٌّ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ، لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، أعْنِي: النُونَ والضادَ. وبِضَمِّها، غَيْرُهُمْ، لِضَمَّةِ الطاءِ. ﴿غَيْرَ﴾ حالٌ، أيْ: فَأكَلَ غَيْرَ ﴿باغٍ﴾ باغٍ لِلَذَّةٍ وشَهْوَةٍ. ﴿وَلا عادٍ﴾ مُتَعَدٍّ مِقْدارَ الحاجَةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: غَيْرَ باغٍ عَلى الإمامِ ولا عادٍ في سَفَرٍ حَرامٍ، ضَعِيفٌ، لِأنَّ سَفَرَ الطاعَةِ لا يُبِيحُ بِلا ضَرُورَةٍ، والحَبْسُ بِالحَضَرِ يُبِيحُ بِلا سَفَرٍ، ولِأنَّ بَغْيَهُ لا يَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ، فَلا يَسْتَحِقُّ الحِرْمانَ. (p-١٥٢)والمُضْطَرُّ يُباحُ لَهُ قَدْرُ ما يَقَعُ بِهِ القَوامُ، وتَبْقى مَعَهُ الحَياةُ دُونَ ما فِيهِ حُصُولُ الشِبَعِ، لِأنَّ الإباحَةَ لِلِاضْطِرارِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِ ما تَنْدَفِعُ الضَرُورَةُ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الأكْلِ ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ الكَبائِرِ، فَأنّى يُؤاخَذُ بِتَناوُلِ المَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ.

البقرة 2:174

وَنَزَلَ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وتَغْيِيرِهِمْ نَعْتَ النَبِيِّ ﷺ، وأخْذِهِمْ عَلى ذَلِكَ الرِشا. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ﴾ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: عِوَضًا، أوْ ذا ثَمَنٍ. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، تَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ، ﴿إلا النارَ﴾ لِأنَّهُ إذا أكَلَ ما يَتَلَبَّسُ بِالنارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ أكَلَ النارَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أكَلَ فُلانٌ الدَمَ" إذا أكَلَ الدِيَةَ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنهُ. قالَ: ؎ يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكافًا أيْ: ثَمَنَ إكافٍ، فَسَمّاهُ إكافًا لِتَلَبُّسِهِ بِهِ بِكَوْنِهِ ثَمَنًا لَهُ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ كَلامًا يَسُرُّهُمْ، ولَكِنْ بِنَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ، أوْ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ. والجُمَلُ الثَلاثُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ "إنِّ"، فَقَدْ صارَ، لِـ "إنَّ" أرْبَعَةُ أخْبارٍ مِنَ الجُمَلِ.

البقرة 2:175

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ بِكِتْمانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النارِ﴾ فَأيَّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي إلى النارِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَوْبِيخُ. (p-١٥٣)

البقرة 2:176

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّ اللهَ نَزَّلَ ما نَزَّلَ مِنَ الكُتُبِ بِالحَقِّ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ. ﴿فِي الكِتابِ﴾ هو لِلْجِنْسِ، أيْ: في كُتُبِ اللهِ، فَقالُوا في بَعْضِها حَقٌّ، وفي بَعْضِها باطِلٌ. ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ خِلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوْ كُفْرُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللهَ نَزَّلَ القُرْآنَ بِالحَقِّ كَما يَعْلَمُونَ، وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ عَنِ الهُدى.

البقرة 2:177

﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا﴾ أيْ: لَيْسَ البِرَّ تَوْلِيَتُكم ﴿وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ قِبْلَةَ النَصارى مَشْرِقَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِبْلَةَ اليَهُودِ مَغْرِبَهُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَزْعُمُ أنَّ البِرَّ التَوَجُّهُ إلى قِبْلَتِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ البِرَّ لَيْسَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مَنسُوخٌ ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ﴾ بِرُّ ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ أوْ ذا البِرِّ مَن آمَنَ، والقَوْلانِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، والأوَّلُ أجْوَدُ، والبِرُّ: اسْمٌ لِلْخَيْرِ، ولِكُلِّ فِعْلٍ مَرْضِيٍّ، وقِيلَ: كَثُرَ خَوْضُ المُسْلِمِينَ وأهْلُ الكِتابِ في أمْرِ القِبْلَةِ، فَقِيلَ: لَيْسَ البِرُّ العَظِيمُ الَّذِي يَجِبُ أنْ تَذْهَلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ سائِرِ صُنُوفِ البِرِّ أمْرَ القِبْلَةِ، ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَجِبُ الِاهْتِمامُ بِهِ بِرُّ مَن آمَنَ وقامَ بِهَذِهِ الأعْمالِ. (لَيْسَ البِرَّ) بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، واسْمُهُ (أنَّ تُوَلُّوا) حَمْزَةُ وحَفْصٌ، (وَلَكِنَّ البِرُّ) نافِعٌ وشامِيٌّ. وعَنِ المُبَرِّدِ لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ لَقَرَأْتُ، (وَلَكِنَّ البِرَّ). وقُرِئَ: (وَلَكِنَّ البارَّ). ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: يَوْمَ البَعْثِ. ﴿والمَلائِكَةِ والكِتابِ﴾ أيْ: جِنْسِ كُتُبِ اللهِ، أوِ القُرْآنِ. ﴿والنَبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: عَلى حُبِّ اللهِ، أوْ حُبِّ المالِ، أوْ حُبِّ الإيتاءِ، يُرِيدُ: أنْ يُعْطِيَهُ وهو طَيِّبُ النَفْسِ بِإعْطائِهِ ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ أيِ:القَرابَةَ، وقَدَّمَهم لِأنَّهم أحَقُّ، قالَ ﷺ: « "صَدَقَتُكَ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلى ذَوِي رَحِمِكَ صَدَقَةٌ (p-١٥٤)وَصِلَةٌ". » و﴿واليَتامى﴾ والمُرادُ: الفُقَراءُ مِن ذَوِي القُرْبى واليَتامى، وإنَّما أطْلَقَ لِعَدَمِ الإلْباسِ. ﴿والمَساكِينَ﴾ المِسْكِينُ: الدائِمُ السُكُونِ إلى الناسِ، لِأنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ، كالسِكِّيرِ لِلدّائِمِ السُكْرِ. ﴿وابْنَ السَبِيلِ﴾ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ، وهو جِنْسٌ وإنْ كانَ مُفْرَدًا لَفْظًا، وجُعِلَ ابْنًا لِلسَّبِيلِ لِمُلازَمَتِهِ لَهُ، أوِ الضَيْفُ. ﴿والسائِلِينَ﴾ المُسْتَطْعِمِينَ ﴿وَفِي الرِقابِ﴾ وفي مُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ حَتّى يَفُكُّوا رِقابَهُمْ، أوْ فى فَكِّ الأُسارى. ﴿وَأقامَ الصَلاةَ﴾ المَكْتُوبَةَ ﴿وَآتى الزَكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ، قِيلَ: هو تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: نَوافِلُ الصَدَقاتِ والمَبارِّ، ﴿والمُوفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ ﴿بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ اللهَ أوِ الناسَ ﴿والصابِرِينَ﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ إظْهارًا لِفَضْلِ الصَبْرِ في الشَدائِدِ، ومَواطِنِ القِتالِ، عَلى سائِرِ الأعْمالِ، ﴿فِي البَأْساءِ﴾ الفَقْرِ والشِدَّةِ ﴿والضَرّاءِ﴾ المَرَضِ والزَمانَةِ، ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾ وقْتَ القِتالِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: أهْلُ هَذِهِ الصِفَةِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدِينِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾

البقرة 2:178

رُوِيَ «أنَّهُ كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ، والذَكَرَ بِالأُنْثى، والِاثْنَيْنِ بِالواحِدِ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ جاءَ اللهُ بِالإسْلامِ، فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ » أيْ: فُرِضَ، ﴿عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ، وأصْلُهُ: مِن قَصَّ أثَرَهُ، واقْتَصَّهُ: إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ القاصُّ، لِأنَّهُ يَتْبَعُ (p-١٥٥)الآثارَ والأخْبارَ ﴿فِي القَتْلى﴾ جَمْعُ قَتِيلٍ. والمَعْنى: فَرَضَ عَلَيْكُمُ اعْتِبارَ المُماثَلَةِ والمُساواةِ بَيْنَ القَتْلى. ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ:الحُرُّ مَأْخُوذٌ أوْ مَقْتُولٌ بِالحُرِّ ﴿والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وقالَ الشافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ لِهَذا النَصِّ، وعِنْدَنا يَجْرِي القِصاصُ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ﴾ [المائِدَةُ: ٤٥] كَما بَيْنَ الذَكَرِ والأُنْثى، وبِقَوْلِهِ ﷺ: « "المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ"، » وبِأنَّ التَفاضُلَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في الأنْفُسِ، بِدَلِيلِ أنَّ جَماعَةً لَوْ قَتَلُوا واحِدًا قُتِلُوا بِهِ، وبِأنَّ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بِنَوْعٍ لا يَنْفِيهِ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ، بَلْ يَبْقى الحُكْمُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلى وُرُودِ دَلِيلٍ آخَرَ، وقَدْ ورَدَ كَما بَيَّنّا ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ قالُوا: العَفْوُ ضِدُّ العُقُوبَةِ، يُقالُ: عَفَوْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا صَفَحْتَ عَنْهُ، وأعْرَضْتَ عَنْ أنْ تُعاقِبَهُ، وهو يُعَدّى بِعْنَ إلى الجانِي وإلى الجِنايَةِ، ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ٥٢] ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَيِّئاتِ﴾ [الشُورى: ٢٥] وإذا اجْتَمَعا عُدِّيَ إلى الأوَّلِ بِاللامِ، فَتَقُولُ: عَفَوْتُ لَهُ عَنْ ذَنْبِهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَقِيقِ"، » وقالَ الزَجّاجُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ أيْ: مَن تُرِكَ لَهُ القَتْلُ بِالدِيَةِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَفْوُ في اللُغَةِ: الفَضْلُ، ومِنهُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٩] ويُقالُ: عَفَوْتُ لِفُلانٍ بِمالٍ: إذا أفْضَلْتَ لَهُ، وأعْطَيْتَهُ، وعَفَوْتُ لَهُ عَمّا لِي عَلَيْهِ: إذا تَرَكْتَهُ، ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ: فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن جِهَةِ أخِيهِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ، عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى المَصْدَرِ كَما فِي: سِيرَ بِزَيْدٍ بَعْضَ السَيْرِ، والأخُ: ولِيُّ المَقْتُولِ، وذُكِرَ بِلَفْظِ الأُخُوَّةِ بَعْثًا لَهُ عَلى العَطْفِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ والإسْلامِ. و"مَن" هو القاتِلُ المَعْفُوُّ لَهُ عَمّا جَنى، وتَرَكَ المَفْعُولَ الآخِرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ، وقِيلَ: أُقِيمَ لَهُ مَقامَ عَنْهُ، والضَمِيرُ فى "لَهُ" و"أخِيهِ": لِمَن، وفي "إلَيْهِ": لِلْأخِ، أوْ لِلْمُتَّبِعِ الدالِّ عَلَيْهِ. ﴿فاتِّباعٌ﴾ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَتَّبِعِ الطالِبُ القاتِلَ (p-١٥٦)بِالمَعْرُوفِ بِأنْ يُطالِبَهُ مُطالَبَةً جَمِيلَةً، ولْيُؤَدِّ إلَيْهِ المَطْلُوبَ، أيِ:القاتِلُ بَدَلَ الدَمِ، أداءً بِإحْسانٍ، بِألا يَمْطُلَهُ ولا يَبْخَسَهُ، وإنَّما قِيلَ: شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ إذا عَفا عَنْ بَعْضِ الدَمِ، أوْ عَفا عَنْهُ بَعْضُ الوَرَثَةِ تَمَّ العَفْوُ، وسَقَطَ القِصاصُ، ومَن فَسَّرَ "عُفِيَ" بِتُرِكَ جَعَلَ "شَيْءٌ" مَفْعُولًا بِهِ، وكَذا مَن فَسَّرَهُ بِأُعْطِيَ، يَعْنِي: أنَّ الوَلِيَّ إذا أُعْطِيَ لَهُ شَيْءٌ مِن مالِ أخِيهِ، يَعْنِي: القاتِلَ، بِطَرِيقِ الصُلْحِ فَلْيَأْخُذْهُ بِمَعْرُوفٍ مِن غَيْرِ تَعْنِيفٍ، ولْيُؤَدِّهِ القاتِلُ إلَيْهِ بِلا تَسْوِيفٍ، وارْتِفاعُ ﴿اتِّباعَ﴾ بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: فالواجِبُ اتِّباعٌ. ﴿ذَلِكَ﴾ الحُكْمُ المَذْكُورُ مِنَ العَفْوِ، وأخْذِ الدِيَةِ. ﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ فَإنَّهُ كانَ في التَوْراةِ القَتْلُ لا غَيْرُ، وفي الإنْجِيلِ العَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ لا غَيْرُ، وأُبِيحَ لَنا القِصاصُ والعَفْوُ وأخْذُ المالِ بِطَرِيقِ الصُلْحِ تَوْسِعَةً وتَيْسِيرًا، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ لِلْوَصْفِ بِالإيمانِ بَعْدَ وُجُودِ القَتْلِ، ولِبَقاءِ الأُخُوَّةِ الثابِتَةِ بِالإيمانِ، ولِاسْتِحْقاقِ التَخْفِيفِ والرَحْمَةِ. ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التَخْفِيفِ، فَتَجاوَزَ ما شَرَعَ لَهُ مِن قَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ أوِ القَتْلِ بَعْدَ أخْذِ الدِيَةِ. ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ شَدِيدُ الألَمِ فى الآخِرَةِ.

البقرة 2:179

﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ فَصِيحٌ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ، إذِ القِصاصُ قَتْلٌ وتَفْوِيتٌ لِلْحَياةِ، وقَدْ جُعِلَ ظَرْفًا لِلْحَياةِ، وفي تَعْرِيفِ القِصاصِ وتَنْكِيرِ الحَياةِ بَلاغَةٌ بَيِّنَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: ولَكم في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ الَّذِي هو اخْتِصاصٌ حَياةٌ عَظِيمَةٌ، لِمَنعِهِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن قَتْلِ الجَماعَةِ بِواحِدٍ مَتى اقْتَدَرُوا، فَكانَ القِصاصُ حَياةً وأيَّ حَياةٍ!، أوْ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ، وهي الحَياةُ الحاصِلَةُ بِالِارْتِداعِ عَنِ القَتْلِ، لِوُقُوعِ العِلْمِ بِالقِصاصِ مِنَ القاتِلِ، لِأنَّهُ إذا هَمَّ بِالقَتْلِ، فَتَذَكَّرَ الِاقْتِصاصَ، ارْتَدَعَ، فَسَلِمَ صاحِبُهُ مِنَ القَتْلِ، وهو مِنَ القَوْدِ، فَكانَ شَرْعُ القِصاصِ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يا ذَوِي العَقْلِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ القَتْلَ حَذَرًا مِنَ القِصاصِ. (p-١٥٧)

البقرة 2:180

﴿كُتِبَ﴾ فُرِضَ ﴿عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: إذا دَنا مِنهُ فَظَهَرَتْ أمارَتُهُ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ مالًا كَثِيرًا، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ ولَهُ سَبْعُمِائَةٌ فَمَنَعَهُ، وقالَ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ: هو المالُ الكَثِيرُ، ولَيْسَ لَكَ مالٌ، وفاعِلُ ﴿كُتِبَ﴾ ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ وكانَتْ لِلْوارِثِ في بَدْءِ الإسْلامِ، فَنُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ كَما بَيَّناهُ في "شَرْحِ المَنارِ". وقِيلَ: هي غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ مَن لَيْسَ بِوارِثٍ بِسَبَبِ الكُفْرِ، لِأنَّهم كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ، يُسْلِمُ الرَجُلُ ولا يُسْلِمُ أبَواهُ وقَرائِبُهُ، والإسْلامُ قَطَعَ الإرْثَ، فَشُرِعَتِ الوَصِيَّةُ فِيما بَيْنَهم قَضاءً لِحَقِّ القَرابَةِ نَدْبًا، وعَلى هَذا لا يُرادُ بِـ "كُتِبَ": فُرِضَ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالعَدْلِ، وهو ألّا يُوصِيَ لِلْغَنِيِّ ويَدَعَ الفَقِيرَ، ولا يَتَجاوَزَ الثُلْثَ ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِرْكَ.

البقرة 2:181

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ فَمَن غَيَّرَ الإيصاءَ عَنْ وجْهِهِ إنْ كانَ مُوافِقًا لِلشَّرْعِ مِنَ الأوْصِياءِ والشُهُودِ ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيِ:الإيصاءَ ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فَما إثْمُ التَبْدِيلِ إلّا عَلى مُبَدِّلِيهِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُوصِي والمُوصى لَهُ، لِأنَّهُما بَرِيئانِ مِنَ الحَيْفِ ﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِ المُوصِي ﴿عَلِيمٌ﴾ بِجَوْرِ المُبَدِّلِ.

البقرة 2:182

﴿فَمَن خافَ﴾ عَلِمَ، وهَذا شائِعٌ في كَلامِهِمْ، يَقُولُونَ: أخافُ أنْ تُرْسِلَ السَماءُ، ويُرِيدُونَ: الظَنَّ الغالِبَ الجارِيَ مَجْرى العِلْمِ ﴿مِن مُوصٍ﴾ (مُوَصٍّ) كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ. ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ، ﴿أوْ إثْمًا﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهُمْ، وهُمُ:الوِلْدانُ والأقْرَبُونَ بِإجْرائِهِمْ عَلى طَرِيقِ الشَرْعِ، ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ حِينَئِذٍ، لِأنَّ تَبْدِيلَهُ تَبْدِيلُ باطِلٍ إلى حَقٍّ، ذَكَرَ مَن يُبَدِّلُ بِالباطِلِ، ثُمَّ مَن يُبَدِّلُ بِالحَقِّ، لِيُعْلَمَ أنَّ كُلَّ تَبْدِيلٍ لا يُؤْثِمُ. (p-١٥٨)وَقِيلَ: هَذا في حالِ حَياةِ المُوصِي، أيْ: فَمَن حَضَرَ وصِيَّتَهُ فَرَآهُ عَلى خِلافِ الشَرْعِ فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، وحَمَلَهُ عَلى الصَلاحِ، فَلا إثْمَ عَلى هَذا المُوصِي بِما قالَ أوَّلًا ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

البقرة 2:183

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ ﴿عَلَيْكُمُ الصِيامُ﴾ هو مَصْدَرُ صامَ، والمُرادُ: صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ، ﴿كَما كُتِبَ﴾ أيْ: كِتابَةً مِثْلَ ما كُتِبَ، فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَلى الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى عَهْدِكُمْ، فَهو عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ، والتَشْبِيهُ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ لَهُ صَوْمُ أيّامٍ، أيْ: أنْتُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِالصِيامِ في أيّامٍ، كَما تَعَبَّدَ مَن كانَ قَبْلَكم ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ المَعاصِيَ بِالصِيامِ، لِأنَّ الصِيامَ أظَلَفُ لِنَفْسِهِ، وأرْدَعُ لَها مِن مُواقَعَةِ السُوءِ، أوْ لَعَلَّكم تَنْتَظِمُونَ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، إذِ الصَوْمُ شِعارُهم.

البقرة 2:184

وانْتِصابُ ﴿أيّامًا﴾ بِالصِيامِ، أيْ: " كُتُب عَلَيْكم " أنْ تَصُومُوا ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مُوَقَّتاتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، أيْ: قَلائِلَ، وأصْلُهُ: أنَّ المالَ القَلِيلَ يُقَدَّرُ بِالعَدَدِ لا الكَثِيرَ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يَخافُ مِنَ الصَوْمِ زِيادَةَ المَرَضِ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أوْ راكِبَ سَفَرٍ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ فِعْلَيْهِ عِدَّةٌ، أيْ: فَأفْطَرَ، فَعَلَيْهِ صِيامُ عَدَدِ أيّامِ فِطْرِهِ، والعِدَّةُ بِمَعْنى المَعْدُودِ، أيْ: أمَرَ أنْ يَصُومَ أيّامًا مَعْدُودَةً مَكانَها ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ سِوى أيّامِ مَرَضِهِ وسِفْرِهِ، و﴿أُخَرَ﴾ لا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ والعَدْلِ عَنِ الألِفِ واللامِ، لِأنَّ الأصْلَ في فُعْلى صِفَةً أنْ تُسْتَعْمَلَ في الجَمْعِ بِالألِفِ واللامِ، كالكُبْرى والكُبَرِ، والصُغْرى والصُغَرِ، ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم إنْ أفْطَرُوا. ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ نِصْفُ صاعٍ مَن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مَن غَيْرِهِ، فَطَعامٌ بَدَلٌ مِن "فِدْيَةٌ" (فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ) مَدَنِيٌّ وابْنُ ذَكْوانَ، وكانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَوْمُ (p-١٥٩)وَلَمْ يَتَعَوَّدُوهُ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَرَخَّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ التَخْيِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ولِهَذا كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَذْكُورًا مَعَ المَنسُوخِ ذُكِرَ مَعَ الناسِخِ، لِيَدُلَّ عَلى بَقاءِ هَذا الحُكْمِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا يُطِيقُونَهُ، فَأضْمَرَ لا لِقِراءَةِ حَفْصَةَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ مَنسُوخًا ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَزادَ عَلى مِقْدارِ الفِدْيَةِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فالتَطَوُّعُ أوِ الخَيْرُ خَيْرٌ لَهُ (يَطَّوَّعْ) بِمَعْنى يَتَطَوَّعُ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿وَأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ وتَطَوَّعَ الخَيْرِ، وهَذا في الِابْتِداءِ. وقِيلَ: وأنْ تَصُومُوا في السَفَرِ والمَرَضُ خَيْرٌ لَكُمْ، لِأنَّهُ أشَقُّ عَلَيْكم. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ.

البقرة 2:185

﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ:ابْتَدِئْ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، أوْ أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ﴾ وهو بَدَلٌ مِنَ الصِيامِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو شَهْرُ، والرَمَضانُ مَصْدَرُ رَمَضَ: إذا احْتَرَقَ مِنَ الرَمْضاءِ، فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَهْرُ، وجُعِلَ عَلَمًا، ومُنِعَ الصَرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والألِفِ والنُونِ، وسَمَّوْهُ بِذَلِكَ، لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِن حَرِّ الجُوعِ، ومُقاساةِ شِدَّتِهِ، ولِأنَّهم سَمَّوُا الشُهُورَ بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها، فَوافَقَ هَذا الشَهْرُ أيّامَ رَمْضِ الحَرِّ، فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا"، » مِن أنَّ التَسْمِيَةَ واقِعَةٌ مَعَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: هو مِن بابِ الحَذْفِ لِأمْنِ الإلْباسِ: (القُرانُ) حَيْثُ كانَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، مَكِّيٌّ. وانْتَصَبَ ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ عَلى الحالِ، أيْ: أنْزَلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ إلى الحَقِّ، وهو آياتٌ واضِحاتٌ مَكْشُوفاتٌ مِمّا يَهْدِي إلى الحَقِّ، ويُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ (p-١٦٠)والباطِلِ، ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ هَدى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ بَيِّناتٌ مِن جُمْلَةِ ما هَدى بِهِ اللهُ، وفَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِن وحْيِهِ وكُتُبِهِ السَماوِيَّةِ الهادِيَةِ الفارِقَةِ بَيْنَ الهُدى والضَلالِ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَن كانَ شاهِدًا، أيْ: حاضِرًا مُقِيمًا غَيْرَ مُسافِرٍ في الشَهْرِ فَلْيَصُمْ فِيهِ ولا يُفْطِرُ، والشَهْرُ مَنصُوبٌ عَلى الظَرْفِ، وكَذا الهاءُ في "لِيَصُمْهُ" ولا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، لِأنَّ المُقِيمَ والمُسافِرَ كِلاهُما شاهِدانِ لِلشَّهْرِ ﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ "فَعِدَّةٌ": مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، أيْ: صَوْمُ عِدَّةٍ، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ حَيْثُ أباحَ الفِطْرَ بِالسَفَرِ والمَرَضِ ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ ومَن فَرَضَ الفِطْرَ عَلى المَرِيضِ والمُسافِرِ حَتّى لَوْ صاما تَجِبُ عَلَيْهِما الإعادَةُ، فَقَدْ عَدَلَ عَنْ مُوجِبِ هَذا ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ عِدَّةَ ما أفْطَرْتُمْ بِالقَضاءِ إذا زالَ المَرَضُ والسَفَرُ، فالفِعْلُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفٌ، مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ: لِتَعْلَمُوا ولِتُكْمِلُوا العُدَّةَ. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ شَرْعَ ذَلِكَ، يَعْنِي: جُمْلَةَ ما ذَكَرَ مِن أمْرِ الشاهِدِ بِصَوْمِ الشَهْرِ، وأمْرِ المُرَخَّصِ لَهُ بِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَ فِيهِ، ومِنَ التَرْخِيصِ في إباحَةِ الفِطْرِ، فَقَوْلُهُ: " لِتُكْمِلُوا " عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا﴾ عِلَّةُ ما عَلِمَ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ والخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الفِطَرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةَ التَرْخِيصِ وهَذا نَوْعٌ مِنَ اللَفِّ اللَطِيفِ المَسْلَكِ، وعُدِّيَ التَكْبِيرُ بِعَلى، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِتُكَبِّرُوا اللهَ، أيْ: لِتُعَظِّمُوهُ حامِدِينَ عَلى ما هَداكم إلَيْهِ. (وَلِتُكَمِّلُوا) بِالتَشْدِيدِ: أبُو بَكْرٍ.

البقرة 2:186

وَلَمّا «قالَ أعْرابِيٌّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيَهُ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيَهُ؟ نَزَلَ ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ » عِلْمًا وإجابَةً لِتَعالِيهِ عَنِ القُرْبِ (p-١٦١)مَكانًا ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ﴾ (الداعِي، دَعانِي) في الحالَيْنِ، سَهْلٌ ويَعْقُوبُ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ غَيْرَ قالُونَ في الوَصْلِ. غَيْرُهم بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ، ثُمَّ إجابَةُ الدُعاءِ وعْدٌ صِدْقٌ مِنَ اللهِ لا خُلْفَ فِيهِ، غَيْرَ أنَّ إجابَةَ الدَعْوَةِ تُخالِفُ قَضاءَ الحاجَةِ، فَإجابَةُ الدَعْوَةِ أنْ يَقُولَ العَبْدُ: يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي. وهَذا أمْرٌ مَوْعُودٌ مَوْجُودٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وقَضاءُ الحاجَةِ: إعْطاءُ المُرادِ، وذا قَدْ يَكُونُ ناجِزًا، وقَدْ يَكُونُ بَعْدَ مُدَّةٍ، وقَدْ يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ الخِيرَةُ لَهُ في غَيْرِهِ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ إذا دَعَوْتَهم لِلْإيمانِ والطاعَةِ، كَما أنِّي أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِحَوائِجِهِمْ، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ واللامُ فِيها لِلْأمْرِ، ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن إصابَةِ الرُشْدِ، وهو ضِدُّ الغَيِّ.

البقرة 2:187

«كانَ الرَجُلُ إذا أمْسى حَلَّ لَهُ الأكْلُ والشُرْبُ والجِماعُ إلى أنْ يُصَلِّيَ العِشاءَ الآخِرَةَ، أوْ يَرْقُدَ، فَإذا صَلّاها أوْ رَقَدَ، ولَمْ يُفْطِرْ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَعامُ والشَرابُ والنِساءُ إلى القابِلَةِ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ -رِضى اللهُ عَنْهُ- واقَعَ أهْلَهُ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، فَلَمّا اغْتَسَلَ أخَذَ يَبْكِي، ويَلُومُ نَفْسَهُ، فَأتى النَبِيَّ ﷺ وأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ ﷺ: "ما كُنْتَ جَدِيرًا بِذَلِكَ" فَنَزَلَ ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ﴾ » أيِ:الجِماعُ ﴿إلى نِسائِكُمْ﴾ عَدّى بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، وإنَّما كَنّى عَنْهُ بِلَفْظِ الرَفَثِ الدالِّ عَلى مَعْنى القُبْحِ، ولَمْ يَقُلِ الإفْضاءُ إلى نِسائِكُمْ، اسْتِقْباحًا لِما وُجِدَ مِنهم قَبْلَ الإباحَةِ، كَما سَمّاهُ اخْتِيانًا لِأنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الرَجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ، ويَشْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ في عِناقِهِ، شُبِّهَ بِاللِباسِ المُشْتَمَلِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ وقِيلَ: لِباسٌ، أيْ: سِتْرٌ عَنِ الحَرامِ. و﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ كالبَيانِ لِسَبَبِ الإحْلالِ، وهو أنَّهُ إذا كانَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ المُخالَطَةِ والمُلابَسَةِ، قَلَّ صَبْرُكم عَنْهُنَّ، وصَعُبَ عَلَيْكُمُ اجْتِنابُهُنَّ، فَلِذا رَخَّصَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ ﴿عَلِمَ (p-١٦٢)اللهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ تَظْلِمُونَها بِالجِماعِ، وتَنْقُصُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ. والِاخْتِيانُ: مِنَ الخِيانَةِ، كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ، فِيهِ زِيادَةٌ وشِدَّةٌ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ حِينَ تُبْتُمْ مِمّا ارْتَكَبْتُمْ مِنَ المَحْظُورِ، ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾ ما فَعَلْتُمْ قَبْلَ الرُخْصَةِ، ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ جامِعُوهُنَّ في لَيالِي الصَوْمِ، وهو أمْرُ إباحَةٍ، وسُمِّيَتِ المَجامَعَةُ مُباشَرَةً لِالتِصاقِ بَشَرَتَيْهِما، ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ واطْلُبُوا ما قَسَّمَ اللهُ لَكم وأثْبَتَ في اللَوْحِ مِنَ الوَلَدِ بِالمُباشَرَةِ، أيْ: لا تُباشِرُوا لِقَضاءِ الشَهْوَةِ وحْدَها، ولَكِنْ لِابْتِغاءِ ما وضَعَ اللهُ لَهُ النِكاحَ مِنَ التَناسُلِ، أوْ ﴿وابْتَغُوا﴾ المَحَلَّ الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ لَكم وحَلَّلَهُ دُونَ ما لَمْ يَكْتُبْ لَكم مِنَ المَحَلِّ المُحَرَّمِ، ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ﴾ هو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ كالخَيْطِ المَمْدُودِ ﴿مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ وهو ما يَمْتَدُّ مِن سَوادِ اللَيْلِ، شُبِّها بِخَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، لِامْتِدادِهِما. ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ بَيانُ أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ مِنَ الفَجْرِ لا مِن غَيْرِهِ، واكْتَفى بِهِ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ، لِأنَّ بَيانَ أحَدِهِما بَيانٌ لِلْآخَرِ، أوْ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ بَعْضُ الفَجْرِ وأوَّلُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ أخْرَجَهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، وصَيَّرَهُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، كَما أنَّ قَوْلَكَ: رَأيْتُ أسَدًا مَجازًا، فَإذا زِدْتَ: مِن فُلانٍ، رَجَعَ تَشْبِيهًا، «وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: عَمَدْتُ إلى عِقالَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَنَظَرْتُ إلَيْهِما، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِي الأبْيَضُ مِنَ الأُسُودِ، فَأخْبَرْتُ النَبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: "إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا" » - أيْ: سَلِيمُ القَلْبِ، لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى بَلاهَةِ الرَجُلِ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِ- « "إنَّما ذَلِكَ بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ". » وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ﴾ أيِ:الكَفُّ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ النِيَّةِ بِالنَهارِ في صَوْمِ رَمَضانَ، وعَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلى الفَجْرِ، وعَلى نَفْيِ الوِصالِ، وعَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ في الأكْلِ (p-١٦٣)والشُرْبِ، وعَلى أنَّ الجَنابَةَ لا تُنافِي الصَوْمَ ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ مُعْتَكِفُونَ فِيها، بَيَّنَ أنَّ الجِماعَ يَحِلُّ في لَيالِي رَمَضانَ لَكِنْ لِغَيْرِ المُعْتَكَفِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِكافَ لا يَكُونُ إلّا في المَسْجِدِ، وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ مَسْجِدٌ دُونَ مَسْجِدٍ، ﴿تِلْكَ﴾ الأحْكامُ الَّتِي ذُكِرَتْ ﴿حُدُودُ اللهِ﴾ أحْكامُهُ المَحْدُودَةُ ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ بِالمُخالَفَةِ، والتَغْيِيرِ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ﴾ شَرائِعَهُ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ المَحارِمَ.

البقرة 2:188

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ ﴿بِالباطِلِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللهُ، ولَمْ يُشَرِّعْهُ ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ ولا تُدْلُوا بِها، فَهو مَجْزُومٌ داخِلٌ في حُكْمِ النَهْيِ، يَعْنِي: ولا تُلْقُوا أمْرَها والحُكُومَةَ فِيها إلى الحُكّامِ، ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بِالتَحاكُمِ ﴿فَرِيقًا﴾ طائِفَةً ﴿مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ﴾ بِشَهادَةِ الزُورِ، أوْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، أوْ بِالصُلْحِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ المُقْضِيِّ لَهُ ظالِمٌ، وقالَ ﷺ لِلْخَصْمَيْنِ: « "إنَّما أنا بَشَرٌ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذَنَّ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّ ما أقَضِي لَهُ قِطْعَةٌ مِن نارٍ". » فَبَكَيا، وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: حَقِّي لِصاحِبِي. وقِيلَ: ﴿وَتُدْلُوا بِها﴾ وتُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُوءِ عَلى وجْهِ الرَشْوَةِ، يُقالُ: أدْلى دَلْوَهُ، أيْ: ألْقاهُ في البِئْرِ لِلِاسْتِسْقاءِ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم عَلى الباطِلِ، وارْتِكابُ المَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها أقْبَحُ، وصاحِبُهُ بِالتَوْبِيخِ أحَقُّ.

البقرة 2:189

«قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَمْتَلِئَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدا (p-١٦٤)لا يَكُونُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كالشَمْسِ، فَنَزَلَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ » جَمْعُ هِلالٍ، سُمِّيَ بِهِ لِرَفْعِ الناسِ أصْواتَهم عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ أيْ: مَعالِمُ يُوَقِّتُ بِها الناسُ مَزارِعَهُمْ، ومَتاجِرَهُمْ، ومَحالَّ دُيُونِهِمْ، وصَوْمَهُمْ، وفِطْرَهُمْ، وعِدَّةَ نِسائِهِمْ، وأيّامَ حَيْضِهِنَّ، ومُدَّةَ حَمْلِهِنَّ، وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَعالِمَ لِلْحَجِّ يُعْرَفُ بِها وقْتُهُ. كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلْ أحَدٌ مِنهم حائِطًا، ولا دارًا، ولا فُسْطاطًا مِن بابٍ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ المُدَرِ نَقَّبَ نَقْبًا في ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنهُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الوَبَرِ خَرَجَ مَن خَلْفِ الخِباءِ، فَنَزَلَ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ أيْ: لَيْسَ البِرُّ بِتَحَرُّجِكم مِن دُخُولِ البابِ. ولا خِلافَ في رَفْعِ "البِرِّ" هُنا، لِأنَّ الآيَةَ ثَمَّ تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ كَما بَيَّنّا، فَجازَ الرَفْعُ والنَصْبُ ثَمَّ، وهَذِهِ لا تَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، وهو الرَفْعُ، إذِ الباءُ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى خَبَرِ لَيْسَ. ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ﴾ بِرُّ ﴿مَنِ اتَّقى﴾ ما حَرَّمَ اللهُ، (البُيُوتُ)، وبابُهُ مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وحَفْصٌ، وهو الأصْلُ، مِثْلُ: كَعْبٍ وكُعُوبٍ، ومَن كَسَرَ الباءَ فَلِمَكانِ الياءِ بَعْدَها، ولَكِنْ هي تُوجِبُ الخُرُوجَ مِن كَسْرٍ إلى ضَمٍّ، وكَأنَّهُ قِيلَ لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ عَنِ الأهِلَّةِ، وعَنِ الحِكْمَةِ في نُقْصانِها، وتَمامِها: مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللهُ تَعالى لا يَكُونُ إلّا حِكْمَةً، فَدَعُوا السُؤالَ عَنْهُ، وانْظُرُوا في خَصْلَةٍ واحِدَةٍ تَفْعَلُونَها مِمّا لَيْسَ مِنَ البِرِّ في شَيْءٍ وأنْتُمْ تَحْسَبُونَها بِرًّا، فَهَذا وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ لِما ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ الحَجِّ، لِأنَّهُ كانَ مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا تَمْثِيلًا لِتَعْكِيسِهِمْ في سُؤالِهِمْ، وأنَّ مَثَلَهم فِيهِ كَمَثَلِ مَن يَتْرُكُ بابَ البَيْتِ ويَدْخُلُ مِن ظَهْرِهِ، والمَعْنى: لَيْسَ البِرُّ وما يَنْبَغِي أنْ تَكُونُوا عَلَيْهِ بِأنْ تَعْكِسُوا في مَسائِلِكُمْ، ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ، وتَجَنَّبَهُ، ولَمْ يَجْسُرْ عَلى مِثْلِهِ (p-١٦٥)﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ وباشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها، الَّتِي يَجِبُ أنْ تُباشَرَ عَلَيْها، ولا تَعْكِسُوا، أوِ المُرادُ: وُجُوبُ الِاعْتِقادِ بِأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ تَعالى حِكْمَةٌ وصَوابٌ، مِن غَيْرِ اخْتِلاجِ شُبْهَةٍ، ولا اعْتِراضِ شَكٍّ فى ذَلِكَ، حَتّى لا يَسْألَ عَنْهُ، لِما في السُؤالِ مِنَ الِاتِّهامِ بِمُقارَفَةِ الشَكِّ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءُ: ٢٣] ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِتَفُوزُوا بِالنَعِيمِ السَرْمَدِيِّ.

البقرة 2:190

﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ المُقاتَلَةُ في سَبِيلِ اللهِ: الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وإعْزازِ الدِينِ. ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يُناجِزُونَكُمُ القِتالَ دُونَ المُحاجِزِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التَوْبَةُ: ٣٦] وقِيلَ: هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ، أوِ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ دُونَ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ المُناصَبَةِ مِنَ الشُيُوخِ، والصِبْيانِ، والرُهْبانِ، والنِساءِ، أوِ الكَفَرَةِ كُلِّهِمْ، لِأنَّهم قاصِدُونَ لِمُقاتَلَةِ المُسْلِمِينَ، فَهم في حُكْمِ المُقاتِلَةِ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ في ابْتِداءِ القِتالِ، أوْ بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ النِساءِ والشُيُوخِ ونَحْوِهِما، أوْ بِالمُثْلَةِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

البقرة 2:191

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وجَدْتُمُوهُمْ، والثَقْفُ: الوُجُودُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، وعَدَهُمُ اللهُ تَعالى فَتْحَ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم يَوْمَ الفَتْحِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيْ: شِرْكُهم بِاللهِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِمْ مِنكُمْ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المِحْنَةُ والبَلاءُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالإنْسانِ، فَيُعَذَّبُ بِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ لِحَكِيمٍ: ما أشَدُّ مِنَ المَوْتِ؟ قالَ: الَّذِي يُتَمَنّى فِيهِ المَوْتُ، فَقَدْ جَعَلَ الإخْراجَ مِنَ الوَطَنِ مِنَ الفِتَنِ الَّتِي يُتَمَنّى عِنْدَها المَوْتُ ﴿وَلا (p-١٦٦)تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ أيْ: ولا تَبْدَءُوا بِقِتالِهِمْ فى الحَرَمِ حَتّى يَبْدَءُوا، فَعِنْدَنا المَسْجِدُ الحَرام يَقَعُ عَلى الحَرَمِ كُلِّهِ، ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ في الحَرَمِ، فَعِنْدَنا يُقْتَلُونَ في الأشْهُرِ الحُرُم إلّا أنْ يَبْدَءُوا بِالقِتالِ مَعَنا، فَحِينَئِذٍ نَقْتُلُهُمْ، وإنْ كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُبِيحُ القَتْلَ في الأمْكِنَةِ كُلِّها، لَكِنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ خُصَّ الحَرَمُ إلّا عِنْدَ البَداءَةِ مِنهُمْ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ: ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ (قَتَلُوكُمْ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.

البقرة 2:192

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الشِرْكِ، والقِتالِ ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِما سَلَفَ مِن طُغْيانِهِمْ. ﴿رَحِيمٌ﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وإيمانِهِمْ.

البقرة 2:193

﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ، وكانَ تامَّةٌ، وحَتّى بِمَعْنى: كَيْ، أوْ إلى أنْ ﴿وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ، أيْ: لا يُعْبَدُ دُونَهُ شَيْءٌ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظالِمِينَ﴾ فَإنِ امْتَنَعُوا عَنِ الكُفْرِ فَلا تُقاتِلُوهُمْ، فَإنَّهُ لا عُدْوانَ إلّا عَلى الظالِمِينَ، ولَمْ يَبْقَوْا ظالِمِينَ، أوْ فَلا تَظْلِمُوا إلّا الظالِمِينَ غَيْرَ المُنْتَهِينَ، سَمّى جَزاءَ الظالِمِينَ ظُلْمًا لِلْمُشاكَلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٩٤]

البقرة 2:194

قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ في الشَهْرِ الحَرامِ، وهو ذُو القَعْدَةِ، فَقِيلَ لَهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وكَراهَتِهِمُ القِتالَ، وذَلِكَ في ذِي القَعْدَةِ: ﴿الشَهْرُ الحَرامُ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿بِالشَهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ: هَذا الشَهْرُ بِذَلِكَ الشَهْرِ، وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ، يَعْنِي: تَهْتِكُونَ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، كَما هَتَكُوا حُرْمَتَهُ عَلَيْكم ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيْ: وكُلُّ حُرْمَةٍ يَجْرِي فِيها القِصاصُ، مَن هَتَكَ حُرْمَةً، أيَّ حُرْمَةً كانَتِ اقْتُصَّ مِنهُ بِأنْ تُهْتَكَ لَهُ حُرَمُهُ، فَحِينَ هَتَكُوا حُرْمَةَ شَهْرِكم فافْعَلُوا بِهِمْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولا تُبالُوا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ (p-١٦٧)ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ مَن: شَرْطِيَّةٌ، والباءُ غَيْرُ زائِدَةٍ، والتَقْدِيرُ: بِعُقُوبَةٍ مُماثِلَةٍ "واتَّقَوْا" لِعُدْوانِهِمْ، أوْ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: عُدْوانًا مِثْلَ عُدْوانِهِمْ. ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فى حالِ كَوْنِكم مُنْتَصِرِينَ مِمَّنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ، فَلا تَعْتَدُوا إلى ما لا يَحِلُّ لَكم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالنَصْرِ.

البقرة 2:195

﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ تُصَدِّقُوا في رِضا اللهِ، وهو عامٌّ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ﴾ أيْ: أنْفُسَكُمْ، والباءُ زائِدَةٌ، أوْ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكُمْ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ فُلانٌ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، إذا تَسَبَّبَ لِهَلاكِها، والمَعْنى: النَهْيُ عَنْ تَرْكِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، لِأنَّهُ سَبَبُ الهَلاكِ، أوْ عَنِ الإسْرافِ في النَفَقَةِ حَتّى يُفْقِرَ نَفْسَهُ، ويُضِيعَ عِيالَهُ، أوْ عَنِ الإخْطارِ بِالنَفْسِ، أوْ عَنْ تَرْكِ الغَزْوِ الَّذِي هو تَقْوِيَةٌ لِلْعَدُوِّ، والتَهْلُكَةُ والهَلاكُ والهُلْكُ واحِدٌ. ﴿وَأحْسِنُوا﴾ الظَنَّ بِاللهِ في الإخْلافِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ إلى المُحْتاجِينَ.

البقرة 2:196

﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وأدُّوهُما تامِّينَ بِشَرائِطِهِما وفَرائِضِهِما لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، بِلا تَوانٍ ولا نُقْصانٍ، وقِيلَ: الإتْمامُ يَكُونُ بَعْدَ الشُرُوعِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن شَرَعَ فِيهِما لَزِمَهُ إتْمامُهُما، وبِهِ نَقُولُ: إنَّ العُمْرَةَ تَلْزَمُ بِالشُرُوعِ، ولا تَمَسُّكَ لِلشّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- بِالآيَةِ عَلى لُزُومِ العُمْرَةِ، لِأنَّهُ أمَرَ بِإتْمامِها، وقَدْ يُؤْمَرُ بِإتْمامِ الواجِبِ والتَطَوُّعِ، أوْ إتْمامِهِما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، أوْ أنْ تُفْرِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَفَرًا، أوْ أنْ تُنْفِقَ فِيهِما حَلالًا، أوْ ألّا تَتَّجِرَ مَعَهُما. ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يُقالُ: أحْصَرَ فُلانٌ، إذا مَنَعَهُ أمْرٌ مِن خَوْفٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ عَجْزٍ. وحُصِرَ: إذا حَبَسَهُ عَدُوٌّ عَنِ المُضِيِّ، وعِنْدَنا الإحْصارُ يَثْبُتُ بِكُلِّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ، أوْ مَرَضٍ، أوْ غَيْرِهِما لِظاهِرِ النَصِّ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن كُسِرَ أوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ"، » أيْ: جازَ لَهُ أنْ يَحِلَّ « "وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ". » وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: الإحْصارُ بِالعَدُوِّ وحْدَهُ. وظاهِرُ النَصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ (p-١٦٨)الإحْصارَ يَتَحَقَّقُ في العُمْرَةِ أيْضًا، لِأنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَهُما. ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَما تَيَسَّرَ مِنهُ، يُقالُ: يَسُرَ الأمْرُ واسْتَيْسَرَ، كَما يُقالُ: صَعُبَ واسْتَصْعَبَ. والهَدْيُ: جَمْعُ هَدِيَّةٍ، يَعْنِي: فَإنْ مُنِعْتُمْ مِنَ المُضِيِّ إلى البَيْتِ، وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَعَلَيْكم إذا أرَدْتُمُ التَحَلُّلَ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ مِن بَعِيرٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، "فَما" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، أيْ: فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، أوْ نَصْبٌّ، أيْ: فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ، ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الخِطابُ لِلْمُحْصَرِينَ، أيْ: لا تَحِلُّوا بِحَلْقِ الرَأْسِ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ الَّذِي بَعَثْتُمُوهُ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَحِلَّهُ، أيْ: مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ نَحْرُهُ فِيهِ، وهو الحَرَمُ. وهو حُجَّةٌ لَنا -فِي أنَّ دَمَ الإحْصارِ لا يُذْبَحُ إلّا فى الحَرَمِ- عَلى الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- إذْ عِنْدَهُ يَجُوزُ في غَيْرِ الحَرَمِ. ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ فَمَن كانَ مِنكم بِهِ مَرَضٌ يُحْوِجُهُ إلى الحَلْقِ، ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ وهو القُمَّلُ، أوِ الجِراحَةُ، ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فِعْلَيْهِ إذا حَلَقَ فَدِيَةٌ ﴿مِن صِيامٍ﴾ ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿أوْ صَدَقَةٍ﴾ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، ﴿أوْ نُسُكٍ﴾ شاةٌ. وهو مَصْدَرٌ، أوْ جَمْعُ نَسِيكَةٍ. ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ الإحْصارَ، أيْ: فَإذا لَمْ تُحْصَرُوا، وكُنْتُمْ في حالِ أمْنٍ وسَعَةٍ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ اسْتَمْتَعَ ﴿بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ واسْتِمْتاعُهُ بِالعُمْرَةِ إلى وقْتِ الحَجِّ انْتِفاعُهُ بِالتَقَرُّبِ بِها إلى اللهِ قَبْلَ انْتِفاعِهِ بِالتَقَرُّبِ بِالحَجِّ، وقِيلَ: إذا حَلَّ مِن عُمْرَتِهِ انْتَفَعَ بِاسْتِباحَةِ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ، ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ هو هَدْيُ المُتْعَةِ، وهو نُسُكٌ يُؤْكَلُ مِنهُ، ويُذْبَحُ يَوْمَ النَحْرِ، ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ الهَدْيَ، ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ فِعْلَيْهِ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في وقْتِ الحَجِّ -وَهُوَ أشْهَرُهُ- ما بَيْنَ الإحْرامَيْنِ: إحْرامِ العُمْرَةِ، وإحْرامِ الحَجِّ. ﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ إذا نَفَرْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن أفْعالِ الحَجِّ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ في وُقُوعِها بَدَلًا عَنِ الهَدْيِ، أوْ في الثَوابِ، أوِ المُرادُ: رَفْعُ الإبْهامَ فَلا يُتَوَهَّمُ في الواوِ أنَّها بِمَعْنى الإباحَةِ، كَما في جالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سَيْرَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ جالَسَهُما، أوْ واحِدًا مِنهُما، كانَ مُمْتَثِلًا. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَمَتُّعِ، إذْ لا تَمَتُّعَ (p-١٦٩)وَلا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَنا. وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- إلى الحُكْمِ الَّذِي هو وُجُوبُ الهَدْيِ، أوِ الصِيامِ، ولَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هم أهْلُ المَواقِيتِ، فَمَن دُونَها إلى مَكَّةَ، ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ في الحَجِّ وغَيْرِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ.

البقرة 2:197

﴿الحَجُّ﴾ أيْ: وقْتُ الحَجِّ، كَقَوْلِكَ: البَرْدُ شَهْرانِ، ﴿أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ مَعْرُوفاتٌ عِنْدَ الناسِ، لا يُشْكِلْنَ عَلَيْهِمْ، وهى شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وفائِدَةُ تَوْقِيتِ الحَجِّ بِهَذِهِ الأشْهَرِ أنَّ شَيْئًا مِن أفْعالِ الحَجِّ لا يَصِحُّ إلّا فِيها، وكَذا الإحْرامُ عِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- وعِنْدَنا وإنِ انْعَقَدَ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وجُمِعَتْ -أيِ الأشْهُرِ- لِبَعْضِ الثالِثِ، أوْ لِأنَّ اسْمَ الجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ ما وراءَ الواحِدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَحْرِيمُ: ٤] ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ ألْزَمَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ ﴿فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ في هَذِهِ الأشْهُرِ ﴿فَلا رَفَثَ﴾ هو الجِماعُ، أوْ ذِكْرُهُ عِنْدَ النِساءِ، أوِ الكِلامُ الفاحِشُ، ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ هو المَعاصِي، أوِ السِبابُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "سِبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ"، » أوِ التَنابُزُ بِالألْقابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ﴾ [الحُجُراتُ: ١١]. ﴿وَلا جِدالَ في الحَجِّ﴾ ولا مِراءَ مَعَ الرُفَقاءِ، والخَدَمِ، والمُكارِينَ. وإنَّما أمَرَ بِاجْتِنابِ ذَلِكَ، وهو واجِبُ الِاجْتِنابِ في كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ مَعَ الحَجِّ أسْمَجُ، كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَلاةِ، والتَطْرِيبِ في قِراءَةِ القُرْآنِ، والمُرادُ بِالنَفْيِ وُجُوبُ انْتِفائِها، وأنَّها حَقِيقَةٌ بِألّا تَكُونَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومَكِّيٌّ (الَأوَّلَيْنِ) بِالرَفْعِ، فَحَمَلاهُما عَلى مَعْنى النَهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يَكُونَنَّ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ، والثالِثَ: بِالنَصْبِ، عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الجِدالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا شَكَّ ولا خِلافَ في الحَجِّ، ثُمَّ حَثَّ عَلى الخَيْرِ (p-١٧٠)عَقِيبَ النَهْيِ عَنِ الشَرِّ، وأنْ يَسْتَعْمِلُوا مَكانَ القَبِيحِ مِنَ الكَلامِ الحَسَنَ، ومَكانَ الفُسُوقِ البِرَّ والتَقْوى، ومَكانَ الجِدالِ الوِفاقَ والأخْلاقَ الجَمِيلَةَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ واعْلَمْ بِأنَّهُ عالِمٌ بِهِ يُجازِيكم عَلَيْهِ، ورَدَّ قَوْلَ مَن نَفى عِلْمَهُ بِالجُزْئِيّاتِ، كانَ أهْلُ اليَمَنِ لا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى الناسِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أيْ: تَزَوَّدُوا، واتَّقُوا الِاسْتِطْعامَ وإبْرامَ الناسِ والتَثْقِيلَ عَلَيْهِمْ. ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزادِ التَقْوى﴾ أيِ:الِاتِّقاءُ عَنِ الإبْرامِ والتَثْقِيلِ عَلَيْهِمْ، أوْ تَزَوَّدُوا لِلْمَعادِ بِاتِّقاءِ المَحْظُوراتِ، فَإنَّ خَيْرَ الزادِ اتِّقاؤُها﴿واتَّقُونِ﴾ وخافُوا عِقابِي، وهو مِثْلُ: دَعانِ. ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يا ذَوِي العُقُولِ، يَعْنِي: أنَّ قَضِيَّةَ اللُبِّ تَقْوى اللهِ، ومَن لَمْ يَتَّقِهِ مِنَ الألِبّاءِ فَكَأنَّهُ لا لُبَّ لَهُ.

البقرة 2:198

وَنَزَلَ في قَوْمٍ زَعَمُوا: أنْ لا حَجَّ لِجَمّالٍ وتاجِرٍ، وقالُوا: هَؤُلاءِ الداجُّ ولَيْسُوا بِالحاجِّ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا﴾ في أنْ تَبْتَغُوا في مَواسِمِ الحَجِّ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ عَطاءً وتَفْضِيلًا، وهو النَفْعُ والرِبْحُ بِالتِجارَةِ والكِراءِ. ﴿فَإذا أفَضْتُمْ﴾ دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، مِن إفاضَةِ الماءِ، وهو صَبُّهُ بِكَثْرَةٍ، وأصْلُهُ: أفَضْتُمْ أنْفُسَكُمْ، فَتَرَكَ ذِكْرَ المَفْعُولِ ﴿مِن عَرَفاتٍ﴾ هي عَلَمٌ لِلْمَوْقِفِ سُمِّي بِجَمْعٍ كَأذْرِعاتٍ، وإنَّما صُرِفَتْ، لِأنَّ التاءَ فِيها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، بَلْ هي مَعَ الألْفِ قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها وُصِفَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا رَآها عَرَفَها، وقِيلَ: التَقى فِيها آدَمُ وحَوّاءُ فَتَعارَفا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ. ﴿فاذْكُرُوا اللهَ﴾ بِالتَلْبِيَةِ، والتَهْلِيلِ، والتَكْبِيرِ، والثَناءِ، والدَعَواتِ، أوْ (p-١٧١)بِصَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ هو قُزَحُ، وهو الجَبَلُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ وعَلَيْهِ المِيقَدَةُ، والمَشْعَرُ: المَعْلَمُ، لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ، وقِيلَ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةِ، وسُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةَ وجَمْعًا، لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمِعْ فِيها مَعَ حَوّاءَ وازْدَلَفْ إلَيْها، أيْ: دَنا مِنها، أوْ لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيها بَيْنَ الصَلاتَيْنِ، أوْ لِأنَّ الناسَ يَزْدَلِفُونَ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: يَتَقَرَّبُونَ بِالوُقُوفِ فِيها. ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ كافَّةٌ، أيِ:اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا، كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً، أوِ اذْكُرُوهُ كَما عَلَّمَكم كَيْفَ تَذْكُرُونَهُ، ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ الهُدى ﴿لَمِنَ الضالِّينَ﴾ الجاهِلِينَ، لا تَعْرِفُونَ كَيْفَ تَذْكُرُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ، وإنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ فارِقَةٌ.

البقرة 2:199

﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ﴾ ثُمَّ لْتَكُنْ إفاضَتُكم ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ﴾ ولا تَكُنْ مِنَ المُزْدَلِفَةِ، قالُوا: هَذا أمْرٌ لِقُرَيْشٍ بِالإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ إلى جَمْعٍ، وكانُوا يَقِفُونَ بِجَمْعٍ وسائِرُ الناسِ بِعَرَفاتٍ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ قُطّانِ حَرَمِهِ فَلا نَخْرُجُ مِنهُ، وقِيلَ: الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ مَذْكُورَةٌ، فَهي الإفاضَةُ مِن جَمْعٍ إلى مِنًى، والمُرادُ بِالناسِ عَلى هَذا: الحُمْسُ، ويَكُونُ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿واسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ مِن مُخالَفَتِكم في المَوْقِفِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن جاهِلِيَّتِكُمْ، أوْ مِن تَقْصِيرِكم في أعْمالِ الحَجِّ ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِكم.

البقرة 2:200

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن عِباداتِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ (p-١٧٢)بِها في الحَجِّ، ونَفَرْتُمْ ﴿فاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ أيْ: فاذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا مِثْلَ ذَكَرِكم آباءَكُمْ، والمَعْنى: فَأكْثِرُوا مِن ذِكْرِ اللهِ، وبالِغُوا فِيهِ، كَما تَفْعَلُونَ فى ذِكْرِ آبائِكُمْ، ومَفاخِرِهِمْ، وأيّامِهِمْ. وكانُوا إذا قَضَوْا مَناسِكَهم وقَفُوا بَيْنَ المَسْجِدِ بِمِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ فَيُعَدِّدُونَ فَضائِلَ آبائِهِمْ، ويَذْكُرُونَ مَحاسِنَ أيّامِهِمْ. ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أيْ: أكْثَرَ. وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفٌ عَلى [ما أُضِيفَ إلَيْهِ] الذِكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ: كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهُمْ، أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. و ﴿ذِكْرًا﴾ تَمْيِيزٌ. ﴿فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ﴾ فَمِنَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَجَّ مَن يَسْألُ اللهَ حُظُوظَ الدُنْيا فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا﴾ اجْعَلْ إتْيانَنا، أيْ: إعْطاءَنا في الدُنْيا خاصَّةً، يَعْنِي: الجاهَ والغِنى. ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ نَصِيبٍ، لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُنْيا لِكُفْرِهِ بِالآخِرَةِ. والمَعْنى: أكْثَرُوا ذِكْرَ اللهِ ودُعاءَهُ، لِأنَّ الناسَ مِن بَيْنِ مُقِلٍّ لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللهِ إلّا أغْراضَ الدُنْيا، ومُكْثِرٍ يَطْلُبُ خَيْرَ الدارَيْنِ، فَكُونُوا مِنَ المُكْثِرِينَ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ:

البقرة 2:201

﴿وَمِنهُمْ﴾ ومِنَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَجَّ ﴿مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا حَسَنَةً﴾ نِعْمَةً وعافِيَةً، أوْ عِلْمًا وعِبادَةً. ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ عَفْوًا ومَغْفِرَةً، أوِ المالَ والجَنَّةَ، أوْ ثَناءَ الخَلْقِ ورِضا الحَقِّ، أوِ الإيمانَ والأمانَ، أوِ الإخْلاصَ والخَلاصَ، أوِ السُنَّةَ والجَنَّةَ، أوِ القَناعَةَ والشَفاعَةَ، أوِ المَرْأةَ الصالِحَةَ والحُورَ العِينَ، أوِ العَيْشَ عَلى سَعادَةٍ والبَعْثَ مِنَ القُبُورِ عَلى بِشارَةٍ. ﴿وَقِنا عَذابَ النارِ﴾ احْفَظْنا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، أوْ عَذابِ النارِ: امْرَأةُ السُوءِ. (p-١٧٣)

البقرة 2:202

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ:الداعُونَ بِالحَسَنَتَيْنِ ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ، وهو الثَوابُ الَّذِي هو المَنافِعُ الحَسَنَةُ، أوْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، أوْ سَمّى الدُعاءَ كَسْبًا، لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، والأعْمالُ مَوْصُوفَةٌ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ، وأنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ نَصِيبًا مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا. ﴿واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ العِبادَ، فَبادِرُوا إكْثارَ الذِكْرِ، وطَلَبَ الآخِرَةِ، أوْ وصَفَ نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ، لِيَدُلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ووُجُوبِ الحَذَرِ مِن نَفْسِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ يُحاسِبُ الخَلْقَ في قَدْرِ حَلْبِ شاةٍ، ورُوِيَ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ.

البقرة 2:203

﴿واذْكُرُوا اللهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيّامُ التَشْرِيقِ. وذِكْرُ اللهِ فِيها التَكْبِيرُ في أدْبارِ الصَلَواتِ وعِنْدَ الجِمارِ. ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ فَمَن عَجَّلَ فى الفَرِّ، أوِ اسْتَعْجَلَ النَفْرَ، وتَعَجَّلَ واسْتَعْجَلَ يَجِيئانِ مُطاوِعَيْنِ بِمَعْنى عَجَّلَ، يُقالُ: تَعَجَّلَ في الأمْرِ واسْتَعْجَلَ، ومُتَعَدِّيَيْنِ، يُقالُ: تَعَجَّلَ لِلذَّهابِ واسْتَعْجَلَهُ، والمُطاوَعَةُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَلاثَةِ، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثالِثِ، واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَلاثَةِ فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثالِثِ، واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَلاثَةِ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَلا يَأْثَمُ بِهَذا التَعْجِيلِ ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثالِثِ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ الصَيْدَ، أوِ الرَفَثَ والفُسُوقَ، أيْ: هو مُخَيَّرٌ فى التَعْجِيلِ والتَأخُّرِ، وإنْ كانَ التَأخُّرُ أفْضَلَ، فَقَدْ يَقَعُ التَخْيِيرُ بَيْنَ الفاضِلِ والأفْضَلِ، كَما خَيَّرَ المُسافِرَ بَيْنَ الصَوْمِ والإفْطارِ، وإنْ كانَ الصَوْمُ أفْضَلَ، وقِيلَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فَرِيقَيْنِ: مِنهم مَن جَعَلَ المُتَعَجِّلَ آثِمًا، ومِنهم مَن جَعَلَ المُتَأخِّرَ آثِمًا، فَوَرَدَ القُرْآنُ بِنَفْيِ المَأْثَمِ عَنْهُما. ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في جَمِيعِ الأُمُورِ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ حِينَ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ. (p-١٧٤)

البقرة 2:204

كانَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ حُلْوَ المَنطِقِ، إذا لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ألانَ لَهُ القَوْلَ، وادَّعى أنَّهُ يُحِبُّهُ، وأنَّهُ مُسْلِمٌ، وقالَ: يَعْلَمُ اللهُ أنِّي صادِقٌ، فَنَزَلَ فِيهِ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ يَرُوقُكَ، ويَعْظُمُ في قَلْبِكَ، ومِنهُ الشَيْءُ العَجِيبُ، الَّذِي يُعَظَّمُ في النَفْسِ. ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ "فِي" يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، أيْ: يُعْجِبُكَ ما يَقُولُهُ في مَعْنى الدُنْيا، لِأنَّهُ يَطْلُبُ بِادِّعاءِ المَحَبَّةِ حَظَّ الدُنْيا، ولا يُرِيدُ بِهِ الآخِرَةَ، أوْ بِيُعْجِبُكَ، أيْ: يُعْجِبُكَ حُلْوُ كَلامِهِ في الدُنْيا لا في الآخِرَةِ، لِما يَرْهَقُهُ في المَوْقِفِ مِنَ الحَبْسَةِ واللُكْنَةِ. ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: يَحْلِفُ ويَقُولُ: اللهُ شاهِدٌ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ ومِنَ الإسْلامِ. ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الجِدالِ والعَداوَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. والخِصامُ: المُخاصَمَةُ. والإضافَةُ بِمَعْنى فِي، لِأنَّ أفْعَلَ يُضافُ إلى ما هو بَعْضُهُ، تَقُولُ: زَيْدٌ أفْضَلُ القَوْمِ، ولا يَكُونُ الشَخْصُ بَعْضَ الحَدَثِ، فَتَقْدِيرُهُ: ألَدُّ في الخُصُومَةِ، أوِ الخِصامُ جَمْعُ خَصْمٍ، كَصَعْبٍ وصِعابٍ، والتَقْدِيرُ: وهو أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً.

البقرة 2:205

﴿وَإذا تَوَلّى﴾ عَنْكَ، وذَهَبَ بَعْدَ إلانَةِ القَوْلِ، وإحْلاءِ المَنطِقِ، ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ كَما فَعَلَ بِثَقِيفٍ، فَإنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم خُصُومَةٌ، فَبَيَّتَهم لَيْلًا، وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ، وأحْرَقَ زُرُوعَهم. ﴿فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ﴾ أيِ:الزَرْعَ، والحَيَوانَ. أوْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، بِإهْلاكِ الحَرْثِ والنَسْلِ. وقِيلَ: يُظْهِرُ الظُلْمَ حَتّى يَمْنَعَ اللهُ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِ القَطْرَ، فَيَهْلَكُ الحَرْثُ، والنَسْلُ ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾

البقرة 2:206

﴿وَإذا قِيلَ لَهُ﴾ لِلْأخْنَسِ ﴿اتَّقِ اللهَ﴾ في الإفْسادِ، والإهْلاكِ ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ النَخْوَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ، الَّذِي يَنْهى عَنْهُ، وألْزَمَتْهُ ارْتِكابَهُ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِن أجْلِ الإثْمِ الَّذِي في (p-١٧٥)قَلْبِهِ، وهو الكُفْرُ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: كافِيهِ ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ:الفِراشُ جَهَنَّمُ.

البقرة 2:207

وَنَزَلَ في صُهَيْبٍ حِينَ أرادَهُ المُشْرِكُونَ عَلى تَرْكِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا نَفَرًا كانُوا مَعَهُ، فاشْتَرى نَفْسَهُ بِما لَهُ مِنهُمْ، وأتى المَدِينَةَ، أوْ فِيمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ حَتّى يُقْتَلَ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يَبِيعُها لِـ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أثابَهم عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:208

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِلْمِ﴾ وبِفَتْحِ السِينِ، حِجازِيٌّ وعَلِيٌّ. وهو الِاسْتِسْلامُ والطاعَةُ، أيِ:اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ: وأطِيعُوهُ: أوِ الإسْلامُ. والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم آمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ، أوْ لِلْمُنافِقِينَ، لِأنَّهم آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، ﴿كافَّةً﴾ لا يُخْرِجُ أحَدٌ مِنكم يَدَهُ عَنْ طاعَتِهِ، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ادْخُلُوا، أيْ: جَمِيعًا، أوْ مِنَ السِلْمِ، لِأنَّها تُؤَنِّثُ، كَأنَّهم أُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا في الطاعاتِ كُلِّها، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ كُلِّها، وكافَّةٌ مِنَ الكَفِّ، كَأنَّهم كَفُّوا أنْ يَخْرُجَ مِنهم أحَدٌ بِاجْتِماعِهِمْ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ وساوِسَهُ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ.

البقرة 2:209

﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ مِلْتُمْ عَنِ الدُخُولِ في السِلْمِ، ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ:الحُجَجُ الواضِحَةُ، والشَواهِدُ اللائِحَةُ عَلى ما دُعِيتُمْ إلى الدُخُولِ فِيهِ هو الحَقُّ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، لا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ مِن عَذابِكُمْ، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُعَذِّبُ إلّا بِحَقٍّ. ورُوِيَ أنَّ قارِئًا قَرَأ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَسَمِعَهُ (p-١٧٦)أعْرابِيٌّ لَمْ يَقْرَأِ القُرْآنَ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: لَيْسَ هَذا مِن كَلامِ اللهِ إذِ الحَكِيمُ لا يَذْكُرُ الغُفْرانَ عِنْدَ الزَلَلِ والعِصْيانِ، لِأنَّهُ إغْراءٌ عَلَيْهِ.

البقرة 2:210

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما يَنْتَظِرُونَ، ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ أيْ: أمْرُ اللهِ وبَأْسُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النَحْلُ: ٣٣] ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعْرافُ: ٤] أوِ المَأْتِيُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، بِمَعْنى: أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ بِبَأْسِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهي ما أظَلَّكَ ﴿مِنَ الغَمامِ﴾ السَحابِ. وهو لِلتَّهْوِيلِ، إذِ الغَمامُ مَظِنَّةُ الرَحْمَةِ، فَإذا أنْزَلَ مِنهُ العَذابَ كانَ الأمْرُ أفْظَعَ وأهْوَلَ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ: وتَأْتِي المَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِتَعْذِيبِهِمْ، أوِ المُرادُ: حُضُورُهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: وتَمَّ أمْرُ إهْلاكِهِمْ، وفُرِغَ مِنهُ. ﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أنَّهُ مَلَّكَ العِبادَ بَعْضَ الأُمُورِ فَتَرْجِعُ إلَيْهِ الأُمُورُ يَوْمَ النُشُورِ، (تَرْجِعُ الأُمُورُ) حَيْثُ كانَ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

البقرة 2:211

﴿سَلْ﴾ أصْلُهُ: اسْألْ، فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ الهَمْزَةِ إلى السِينِ بَعْدَ حَذْفِها، واسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ، فَصارَ: سَلْ. وهو أمْرٌ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ، كَما يُسْألُ الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِمْ، وهي مُعْجِزاتُهُمْ، أوْ مِن آيَةٍ في الكُتُبِ شاهِدَةً عَلى صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، وكَمِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ خَبَرِيَّةٌ. ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ هي آياتُهُ، وهي أجَلُّ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ، لِأنَّها أسْبابُ الهُدى والنَجاةِ مِنَ الضَلالَةِ. وتَبْدِيلُهم إيّاها أنَّ اللهَ أظْهَرَها لِتَكُونَ أسْبابَ هُداهُمْ، فَجَعَلُوها أسْبابَ ضَلالَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَوْبَةُ: ١٢٥]. أوْ وحَرَّفُوا آياتِ الكُتُبِ الدالَّةِ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ مِن بَعْدِ ما عَرَفَها، وصَحَّتْ عِنْدَهُ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْرِفْها فَكَأنَّها غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ.

البقرة 2:212

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا﴾ المُزَيِّنُ هو الشَيْطانُ، زَيَّنَ لَهُمُ الدُنْيا، (p-١٧٧)وَحَسَّنَها في أعْيُنِهِمْ بِوَساوِسِهِ، وحَبَّبَها إلَيْهِمْ، فَلا يُرِيدُونَ غَيْرَها، أوِ اللهُ تَعالى بِخَلْقِ الشَهَواتِ فِيهِمْ، ولِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا﴾. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ كابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، ونَحْوِهِمْ. أيْ: لا يُرِيدُونَ غَيْرَ الدُنْيا، وهم يَسْخَرُونَ مِمَّنْ لا حَظَّ لَهُ فِيها، أوْ مِمَّنْ يَطْلُبُ غَيْرَها، ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عَنِ الشِرْكِ، وهم هَؤُلاءِ الفُقَراءُ. ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، وهم في نارٍ هاوِيَةٍ، ﴿واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، يَعْنِي: أنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى مَن أرادَ التَوْسِعَةَ عَلَيْهِ، كَما وسَّعَ عَلى قارُونَ وغَيْرِهِ، وهَذِهِ التَوْسِعَةُ عَلَيْكم مِنَ اللهِ لِحِكْمَةٍ وهى اسْتِدْراجُكم بِالنِعْمَةِ، ولَوْ كانَتْ كَرامَةً لَكانَ المُؤْمِنُونَ أحَقَّ بِها مِنكم.

البقرة 2:213

﴿كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى دِينِ الإسْلامِ مِن آدَمَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ، أوْ هم نُوحٌ ومَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، فاخْتَلَفُوا ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ﴾ ويَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: (كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يُونُسُ: ١٩] أوْ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً كُفّارًا، فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ الأوْجَهُ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بِالثَوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بِالعِقابِ لِلْكافِرِينَ، وهُما حالانِ. ﴿وَأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابُهُ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِتِبْيانِ الحَقِّ، ﴿لِيَحْكُمَ﴾ اللهُ، أوِ الكِتابُ، أوِ النَبِيُّ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ. ﴿بَيْنَ الناسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدَ الِاتِّفاقِ، ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ في الحَقِّ ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيِ:الكِتابُ المُنَزَّلُ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ، أيِ:ازْدادُوا في الِاخْتِلافِ لَمّا أنْزَلَ (p-١٧٨)عَلَيْهِمُ الكِتابَ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ عَلى صِدْقِهِ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: حَسَدًا بَيْنَهُمْ، وظُلْمًا لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُنْيا، وقِلَّةَ إنْصافٍ مِنهم ﴿فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِلْحَقِّ، الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ، ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ بَيانٌ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِعِلْمِهِ ﴿واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

البقرة 2:214

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ شَرْطَها أنْ يَكُونَ قَبْلَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِكَ: أعِنْدَكَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ أيْ: أيُّهُما عِنْدَكَ؟ وجَوابُهُ: زَيْدٌ إنْ كانَ عِنْدَ زَيْدٍ، أوْ عَمْرٌو إنْ كانَ عِنْدَهُ عَمْرٌو. وأمّا "أمْ" المُنْقَطِعَةُ فَتَقَعُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وبَعْدَ الخَبَرِ، وتَكُونُ بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، والتَقْدِيرُ: بَلْ أحَسِبْتُمْ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها لِلتَّقْرِيرِ، وإنْكارِ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، ولَمّا ذَكَرَ ما كانَتْ عَلَيْهِ الأُمَمُ مِنَ الِاخْتِلافِ عَلى النَبِيِّينَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ تَشْجِيعًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَباتِ، والصَبْرِ مَعَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وإنْكارِهِمْ لِآياتِهِ وعَداوَتِهِمْ لَهُ، قالَ لَهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ -الَّتِي هي أبْلَغُ-: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: ولَمْ يَأْتِكُمْ، وفي "لَمّا" مَعْنى التَوَقُّعِ، يَعْنِي: أنَّ إتْيانَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ مُنْتَظَرٌ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا، أيْ: حالُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الشِدَّةِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ النَبِيِّينَ والمُؤْمِنِينَ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بَيانٌ لِلْمَثَلِ، وهو اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ المَثَلُ، فَقِيلَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾ أيِ:البُؤْسُ. ﴿والضَرّاءُ﴾ المَرَضُ، والجُوعُ. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ وحُرِّكُوا بِأنْواعِ البَلايا، وأُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَلْزَلَةِ. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ إلى الغايَةِ الَّتِي قالَ الرَسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيها: ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أيْ: بَلَغَ بِهِمُ الضَجَرُ، ولَمْ يَبْقَ لَهم صَبْرٌ، حَتّى قالُوا ذَلِكَ. ومَعْناهُ: طَلَبُ النَصْرِ، وتَمَنِّيهِ، واسْتِطالَةُ زَمَنِ (p-١٧٩)الشِدَّةِ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ قِيلَ لَهُمْ: إجابَةً لَهم إلى طَلَبِهِمْ مِن عاجِلِ النَصْرِ، (يَقُولُ) بِالرَفْعِ، نافِعٌ، عَلى حِكايَةِ حالٍ ماضِيَةٍ، نَحْوُ: شَرِبَتِ الإبِلُ حَتّى يَجِيءُ البَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ، وغَيْرُهُ بِالنَصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، ومَعْنى الِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ أنْ عَلَمٌ لَهُ.

البقرة 2:215

وَلَمّا قالَ عَمْرُو بْنُ الجُمُوحِ، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولَهُ مالٌ عَظِيمٌ: ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟ وأيْنَ نَضَعُها؟ نَزَلَ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾ فَقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ، وهو كُلُّ خَيْرٍ، وبُنِيَ الكَلامُ عَلى ما هو أهَمُّ، وهو بَيانُ المَصْرِفِ، لِأنَّ النَفَقَةَ لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها، عَنِ الحَسَنِ هي في التَطَوُّعِ ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيَجْزِي عَلَيْهِ.

البقرة 2:216

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ فَرَضَ عَلَيْكم جِهادَ الكُفّارِ ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكَراهَةِ، فَوَضَعَ المَصْدَرَ مَوْضِعَ الوَصْفِ مُبالَغَةً كَقَوْلِها: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ كَأنَّهُ فى نَفْسِهِ كَراهَةٌ، لِفَرْطِ كَراهِتِهِمْ لَهُ، أوْ هو فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، أيْ: وهو مَكْرُوهٌ لَكُمْ، ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأنْتُمْ تَكْرَهُونَ الغَزْوَ، وفِيهِ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ: إمّا الظَفَرُ والغَنِيمَةُ، وإمّا الشَهادَةُ والجَنَّةُ. ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ وهو القُعُودُ عَنِ الغَزْوِ ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الذُلِّ، والفَقْرِ وحِرْمانِ الغَنِيمَةِ والأجْرِ. ﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، فَبادِرُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ وإنْ شَقَّ عَلَيْكم. (p-١٨٠)

البقرة 2:217

وَنَزَلَ فى سِرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقاتَلُوا المُشْرِكِينَ، وقَدْ أهَّلَ هِلالُ رَجَبٍ وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَهْرَ الحَرامَ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ، ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ: يَسْألُكَ الكُفّارُ أوِ المُسْلِمُونَ عَنِ القِتالِ في الشَهْرِ الحَرامِ ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ بَدَلُ الِاشْتِمالِ مِنَ الشَهْرِ. وقُرِئَ: (عَنْ قِتالٍ فِيهِ) عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعْرافُ: ٧٥] ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ: إثْمٌ كَبِيرٌ، ﴿قِتالٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿كَبِيرٌ﴾ خَبَرُهُ، وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ، لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ "فِيهِ". وأكْثَرُ الأقاوِيلِ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَوْبَةُ: ٥] ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: مَنعُ المُشْرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأصْحابَهُ عَنِ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ: بِاللهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى سَبِيلِ اللهِ، أيْ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ في "بِهِ"، أيْ: كُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ العَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ إلّا بِإعادَةِ الجارِّ، فَلا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ وزَيْدٍ، ولَكِنْ تَقُولُ: وبِزَيْدٍ، ولَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى الهاءِ هُنا، لَقِيلَ: وكُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ﴾ أيْ: أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهم رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، وهو عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿صَدَّ﴾ أيْضًا ﴿مِنهُ﴾ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. وخَبَرُ الأسْماءِ الثَلاثَةِ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: مِمّا فَعَلَتْهُ السَرِيَّةُ مِنَ القِتالِ في الشَهْرِ الحَرامِ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ، والبِناءِ عَلى الظَنِّ، ﴿والفِتْنَةُ﴾ الإخْراجُ، أوِ الشِرْكُ. ﴿أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ في الشَهْرِ الحَرامِ، أوْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ المُسْلِمِينَ أشَدُّ قُبْحًا مِن قَتْلِ هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ في الشَهْرِ الحَرامِ، ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ أيْ: إلى الكُفْرِ، وهو إخْبارٌ (p-١٨١)عَنْ دَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَتّى مَعْناها التَعْلِيلُ، نَحْوُ: فُلانٌ يَعْبُدُ اللهَ حَتّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أيْ: يُقاتِلُونَكم كَيْ يَرُدُّوكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ، كَقَوْلِكَ لِعَدُوِّكَ: إنْ ظَفِرْتَ بِي فَلا تُبْقِ عَلَيَّ، وأنْتَ واثِقٌ بِأنَّهُ لا يَظْفَرُ بِكَ. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ ومِن يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ إلى دِينِهِمْ. ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ أيْ: يَمُتْ عَلى الرِدَّةِ ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ لِما يَفُوتُهم بِالرِدَّةِ مِمّا لِلْمُسْلِمِينَ في الدُنْيا مِن ثَمَراتِ الإسْلامِ، وفي الآخِرَةِ مِنَ الثَوابِ، وحُسْنِ المآب ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وبِها احْتَجَّ الشافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلى أنَّ الرِدَّةَ لا تُحْبِطُ العَمَلَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْها، وقُلْنا: قَدْ عَلَّقَ الحَبَطَ بِنَفْسِ الرِدَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائِدَةُ: ٥] والأصْلُ عِنْدَنا: أنَّ المُطْلَقَ لا يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ، وعِنْدَهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، فَهو بِناءٌ عَلى هَذا.

البقرة 2:218

وَلَمّا قالَتِ السَرِيَّةُ: أيَكُونُ لَنا أجْرُ المُجاهِدِينَ فى سَبِيلِ اللهِ؟ نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ تَرَكُوا مَكَّةَ وعَشائِرَهُمْ، ﴿وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ المُشْرِكِينَ، ولا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾ خَبَرُ إنَّ. قِيلَ: مَن رَجا طَلَبَ، ومَن خافَ هَرَبَ ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

البقرة 2:219

نَزَلَ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ، نَزَلَ بِمَكَّةَ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [النَحْلُ: ٦٧] فَكانَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها وهي لَهم حَلالٌ، ثُمَّ «إنَّ عُمَرَ ونَفَرًا مِنَ الصَحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أفْتِنا في الخَمْرِ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ، مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ، فَنَزَلَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ، وتَرَكَها آخَرُونَ، ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَماعَةً فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَأمَّ بَعْضُهم فَقَرَأ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَنَزَلَ ﴿لا تَقْرَبُوا (p-١٨٢)الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِساءُ: ٤٣] فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ دَعا عَتَبانُ بْنُ مالِكٍ جَماعَةً فَلَمّا سَكِرُوا مِنها تَخاصَمُوا وتَضارَبُوا، فَقالَ عُمَرُ: اللهُمَّ بَيِّنَ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةُ: ٩٠- ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ، » وعَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ في بِئْرٍ فَبُنِيَتْ مَكانَها مَنارَةٌ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها، ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ ثُمَّ جَفَّ ونَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ لَمْ أرْعَهُ، والخَمْرُ: ما غُلِيَ واشْتَدَّ وقُذِفَ بِالزُبْدِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ، وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ خَمَرَهُ خَمْرًا إذا سَتَرَهُ، لِتَغْطِيَتِها العَقْلَ، والمَيْسِرُ: القِمارُ، مَصْدَرٌ مِن يَسَرَ، كالمَوْعِدِ مِن فِعْلِهِ، يُقالُ: يَسَرْتُهُ إذا قَمَرْتَهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ، لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الرَجُلِ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ بِلا كَدٍّ وتَعَبٍ، أوْ مِنَ اليَسارِ كَأنَّهُ سَلَبَ يَسارَهُ، وصِفَةُ المَيْسِرِ: أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ، سَبْعَةٌ مِنها عَلَيْها خُطُوطٌ، وهُوَ: الفَذُّ ولَهُ سَهْمٌ، والتَوْأمُ ولَهُ سَهْمانِ، والرَقِيبُ ولَهُ ثَلاثَةٌ، والحِلْسُ ولَهُ أرْبَعَةٌ، والنافِسُ ولَهُ خَمْسَةٌ، والمُسْبِلُ ولَهُ سِتَّةٌ، والمُعَلّى ولَهُ سَبْعَةٌ، وثَلاثَةٌ أغْفالٌ لا نَصِيبَ لَها وهِيَ: المَنِيحُ، والسَفِيحُ، والوَغْدُ، فَيَجْعَلُونَ الأقْداحَ في خَرِيطَةٍ، ويَضَعُونَها عَلى يَدِ عَدْلٍ، ثُمَّ يُجَلْجِلُها، ويُدْخِلُ يَدَهُ ويُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ قَدَحًا قَدَحًا مِنها، فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِمّا لا نَصِيبَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وغُرِّمَ ثَمَنَ الجَزُورِ كُلِّهِ. وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ، ولا يَأْكُلُونَ مِنها، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وفي حُكْمِ المَيْسِرِ أنْواعُ القِمارِ مِنَ النَرْدِ والشِطْرَنْجِ وغَيْرِهِما. والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَمّا في تَعاطِيهِما بِدَلِيلِ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بِسَبَبِ التَخاصُمِ، والتَشاتُمِ، وقَوْلِ الفُحْشِ والزُورِ. (كَثِيرٌ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ بِالتِجارَةِ في الخَمْرِ، والتَلَذُّذِ بِشُرْبِها، وفى المَيْسِرِ بِارْتِفاقِ الفُقَراءِ، أوْ نَيْلِ المالِ بِلا كَدٍّ. ﴿وَإثْمُهُما﴾ وعِقابُ الإثْمِ في تَعاطِيهِما، ﴿أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ لِأنَّ أصْحابَ الشُرْبِ والقِمارِ يَقْتَرِفُونَ فِيهِما الآثامَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا (p-١٨٣)يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ أيِ: الفَضْلَ، أيْ: أنْفِقُوا ما فَضَلَ عَنْ قَدَرِ الحاجَةِ، وكانَ التَصَدُّقُ بِالفَضْلِ في أوَّلِ الإسْلامِ فَرْضًا، فَإذا كانَ الرَجُلُ صاحِبَ زَرْعٍ أمْسَكَ قُوتَ سَنَةٍ وتَصَدَّقَ بِالفَضْلِ، وإذا كانَ صانِعًا أمْسَكَ قُوتَ يَوْمِهِ وتَصَدَّقَ بِالفَضْلِ، فَنُسِخَتْ بِآيَةِ الزَكاةِ. (العَفْوُ) أبُو عَمْرٍو. فَمَن نَصَبَهُ جَعَلَ ﴿ماذا﴾ اسْمًا واحِدًا فى مَوْضِعِ النَصْبِ بِـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ والتَقْدِيرُ: قُلْ يُنْفِقُونَ العَفْوَ، ومَن رَفَعَهُ جَعَلَ "ما" مُبْتَدَأً، وخَبَرَهُ "ذا" مَعَ صِلَتِهِ، فَذا بِمَعْنى الَّذِي، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ صِلَتُهُ، أيْ: ما الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ فَجاءَ الجَوابُ العَفْوَ، أيْ: هو العَفْوُ، فَإعْرابُ الجَوابِ كَإعْرابِ السُؤالِ، لِيُطابِقَ الجَوابُ السُؤالَ ﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَبْيِينِ. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾

البقرة 2:220

﴿فِي الدُنْيا﴾ أيْ: في أمْرِ الدُنْيا ﴿والآخِرَةِ﴾ و"فِي" يَتَعَلَّقُ بِـ " تَتَفَكَّرُونَ "، أيْ: تَتَفَكَّرُونَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدارَيْنِ، فَتَأْخُذُونَ بِما هو أصْلَحُ لَكُمْ، أوْ تَتَفَكَّرُونَ في الدارَيْنِ فَتُؤْثِرُونَ أبْقاهُما، وأكْثَرَهُما مَنافِعَ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " يُبَيِّنُ "، أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الآياتِ في أمْرِ الدارَيْنِ وفِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ «وَلَمّا نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النِساءُ: ١٠] اعْتَزَلُوا اليَتامى، وتَرَكُوا مُخالَطَتَهُمْ، والقِيامَ بِأمْوالِهِمْ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ » أيْ: مُداخَلَتُهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ لَهم ولِأمْوالِهِمْ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ، ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ وتُعاشِرُوهُمْ، ولَمْ تُجانِبُوهم. ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانِكم في الدِينِ، ومِن حَقِّ الأخِ أنْ يُخالِطَ أخاهُ. ﴿واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ لِأمْوالِهِمْ ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ لَها، فَيُجازِيهِ عَلى حَسَبِ مُداخَلَتِهِ، فاحْذَرُوهُ، ولا تَتَحَرَّوْا غَيْرَ الإصْلاحِ، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ إعْناتَكم (p-١٨٤)﴿لأعْنَتَكُمْ﴾ لَحَمَلَكم عَلى العَنَتِ، وهو المَشَقَّةُ، وأُحْرِجُكُمْ، فَلَمْ يُطْلِقْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ، ﴿إنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، يَقْدِرُ عَلى أنْ يُعْنِتَ عِبادَهُ، ويُحْرِجَهم ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُكَلِّفُ إلّا وُسْعَهُمْ، وطاقَتَهم.

البقرة 2:221

وَلَمّا «سَألَ مَرْثَدٌ النَبِيَّ ﷺ عَنْ أنْ يَتَزَوَّجَ عِناقَ وكانَتْ مُشْرِكَةً- نَزَلَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ » أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ، يُقالُ: نَكَحَ إذا تَزَوَّجَ، وأنْكَحَ غَيْرَهُ: زَوَّجَهُ. ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ ولَوْ كانَ الحالُ أنَّ المُشْرِكَةَ تُعْجِبُكم وتُحِبُّونَها ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ ولا تُزَوِّجُوهم بِمُسْلِمَةٍ، كَذا قالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ جامِعُ العُلُومِ: حُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، والتَقْدِيرُ: ولا تَنْكِحُوهُنَّ المُشْرِكِينَ. ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، ﴿يَدْعُونَ إلى النارِ﴾ إلى الكُفْرِ الَّذِي هو عَمَلُ أهْلِ النارِ فَحَقُّهم ألّا يُوالَوْا، ولا يُصاهَرُوا ﴿واللهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ: وأوْلِياءُ اللهِ -وَهُمُ المُؤْمِنُونَ- يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ، وما يُوَصِّلُ إلَيْهِما، فَهُمُ الَّذِينَ تَجِبُ مُوالاتُهُمْ، ومُصاهَرَتُهم ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِعِلْمِهِ، أوْ بِأمْرِهِ، ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ.

البقرة 2:222

«كانَتِ العَرَبُ لَمْ يُؤاكِلُوا الحائِضَ، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُساكِنُوها، كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، فَسَألَ أبُو الدَحْداحِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِالنِساءِ إذا حِضْنَ؟ فَنَزَلَ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ » (p-١٨٥)هُوَ مَصْدَرُ، يُقالُ: حاضَتْ مَحِيضًا، كَقَوْلِكَ: جاءَ مَجِيئًا ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيِ:المَحِيضُ شَيْءٌ يُسْتَقْذَرُ ويُؤْذِي مَن يَقْرَبُهُ. ﴿فاعْتَزِلُوا النِساءَ في المَحِيضِ﴾ فاجْتَنِبُوهُنَّ، أيْ: فاجْتُنِبُوا مُجامَعَتَهُنَّ، وقِيلَ: إنَّ النَصارى كانُوا يُجامِعُونَهُنَّ، لا يُبالُونَ بِالحَيْضِ، واليَهُودُ كانُوا يَعْتَزِلُونَهُنَّ في كُلِّ شَيْءٍ، فَأمَرَ اللهُ بِالِاقْتِصادِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُما اللهُ- يَجْتَنِبُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإزارُ. ومُحَمَّدٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: لا يُوجِبُ إلّا اعْتِزالَ الفَرْجِ، وقالَتْ عائِشَةُ -رِضى اللهُ عَنْها-: يَجْتَنِبُ شِعارَ الدَمِ، ولَهُ ما سِوى ذَلِكَ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مُجامِعِينَ، أوْ ولا تَقْرُبُوا مُجامَعَتَهُنَّ. ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ بِالتَشْدِيدِ، كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ، أيْ: يَغْتَسِلْنَ، وأصْلُهُ: (يَتَطَهَرْنَ)، فَأدْغَمَ التاءَ في الطاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، غَيْرُهم (يَطْهُرْنَ)، أيْ: يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ. والقِراءَتانِ كَآيَتَيْنِ فَعَمِلْنا بِهِما، وقُلْنا لَهُ: أنْ يَقَرَّبَها في أكْثَرِ الحَيْضِ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَمِ، وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، عَمَلًا بِقِراءَةِ التَخْفِيفِ، وفي أقَلَّ مِنهُ لا يَقْرَبُها حَتّى تَغْتَسِلَ، أوْ يَمْضِيَ عَلَيْها وقْتُ الصَلاةِ عَمَلًا بِقِراءَةِ التَشْدِيدِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى مِنَ العَكْسِ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِإحْداهُما لِما عُرِفَ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: لا يَقْرَبُها حَتّى تَطْهُرَ وتَتَطَهَّرَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فَجامِعُوهُنَّ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ مِنَ المَأْتِيِّ الَّذِي أمَرَكُمُ اللهُ بِهِ، وحَلَّلَهُ لَكُمْ، وهو القُبُلُ. ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَوّابِينَ﴾ مِنِ ارْتِكابِ ما نُهُوا عَنْهُ، أوِ العَوّادِينَ إلى اللهِ تَعالى، وإنْ زَلُّوا فَزَلُّوا، والمَحَبَّةُ لِمَعْرِفَتِهِ بِعِظَمِ عَفْوِ اللهِ حَيْثُ لا يَيْأسُ. ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ بِالماءِ، أوِ المُتَنَزَّهَيْنِ مِن أدْبارِ النِساءِ، أوْ مِنَ الجِماعِ في الحَيْضِ، أوْ مِنَ الفَواحِشِ.

البقرة 2:223

كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إذا أتى الرَجُلُ أهْلَهُ بارِكَةً أتى الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ مَواضِعُ حَرْثٍ لَكُمْ، وهَذا مَجازٍ، شُبِّهْنَ بِالمَحارِيثِ تَشْبِيهًا لِما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُطَفِ، الَّتِي مِنها النَسْلُ بِالبُذُورِ، والوَلَدِ (p-١٨٦)بِالنَباتِ. ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ بَيانًا وتَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ أيْ: إنَّ المَأْتِيَّ الَّذِي أمَرَكُمُ اللهُ بِهِ هو مَكانُ الحَرْثِ لا مَكانُ الفَرْثِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَطْلُوبَ الأصْلِيَّ في الإتْيانِ هو طَلَبُ النَسْلِ لا قَضاءُ الشَهْوَةِ، فَلا تَأْتُوهُنَّ إلّا مِنَ المَأْتى الَّذِي نِيطَ بِهِ هَذا المَطْلُوبُ. ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ جامِعُوهُنَّ مَتى شِئْتُمْ، أوْ كَيْفَ شِئْتُمْ، بارِكَةً أوْ مُسْتَلْقِيَةً، أوْ مُضْطَجِعَةً بَعْدَ أنْ يَكُونَ المَأْتِيُّ واحِدًا، وهو مَوْضِعُ الحَرْثِ. وهو تَمْثِيلٌ، أيْ: فَأتَوْهُنَّ كَما تَأْتُونَ أراضِيَكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تَحْرُثُوها مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لا يَحْظُرُ عَلَيْكم جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِساءَ﴾ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مِنَ الكِناياتِ اللَطِيفَةِ، والتَعْرِيضاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، فَعَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَتَأدَّبَ بِها، ويَتَكَلَّفَ مِثْلَها في المُحاوَراتِ والمُكاتَباتِ. ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ وما هو خِلافُ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ، أوْ هو طَلَبُ الوَلَدِ، أوِ التَسْمِيَةُ عَلى الوَطْءِ، ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فَلا تَجْتَرِئُوا عَلى المَناهِي، ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ صائِرُونَ إلَيْهِ فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالثَوابِ يا مُحَمَّدُ. وَإنَّما جاءَ يَسْألُونَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِلا واوٍ، ثُمَّ مَعَ واوٍ ثَلاثًا، لِأنَّ سُؤالَهم عَنْ تِلْكَ الحَوادِثِ الأُولِ كَأنَّهُ وقَعَ في أحْوالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَلَمْ يُؤْتَ بِحَرْفِ العَطْفِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السُؤالاتِ سُؤالٌ مُبْتَدَأٌ، وسَألُوا عَنِ الحَوادِثِ الأُخَرِ فى وقْتٍ واحِدٍ، فَجِيءَ بِحِرَفِ الجَمْعِ لِذَلِكَ.

البقرة 2:224

﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ العُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضَةِ، وهي اسْمُ ما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَيْءِ مِن عَرْضِ العُودِ عَلى الإناءِ، فَيَتَعَرَّضُ دُونَهُ، ويَصِيرُ حاجِزًا ومانِعًا مِنهُ، تَقُولُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ دُونَ الخَيْرِ، وكانَ الرَجُلُ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ، أوْ إصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ، أوْ عِبادَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي، فَيَتْرُكُ البِرَّ إرادَةَ البِرِّ في يَمِينِهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ (p-١٨٧)أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ. وسُمِّي المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا بِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها [فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ]". » وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ الناسِ﴾ عَطْفٌ بَيانٍ لِأيْمانِكُمْ، أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هِيَ: البِرُّ، والتَقْوى، والإصْلاحُ بَيْنَ الناسِ. واللامُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللهَ لِأيْمانِكم بَرْزَخًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لِلتَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ أنْ تَبَرُّوا بِالفِعْلِ، أوْ بِالعُرْضَةِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللهَ لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ عُرْضَةً، لِأنْ تَبَرُّوا ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِأيْمانِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِكم.

البقرة 2:225

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَغْوُ: الساقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ: الساقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ في الأيْمانِ، وهو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّهُ عَلى ما حَلَفَ عَلَيْهِ والأمْرُ بِخِلافِهِ، والمَعْنى: لا يُعاقِبُكم بِلَغْوِ اليَمِينِ الَّذِي يَحْلِفُهُ أحَدُكُمْ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: هو ما يَجْرِي عَلى لِسانِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلْحَلِفِ، نَحْوُ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ. ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ﴾ ولَكِنْ يُعاقِبُكم ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بِما اقْتَرَفَتْهُ مِن إثْمِ القَصْدِ إلى الكَذِبِ في اليَمِينِ، وهو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما يَعْلَمُ أنَّهُ خِلافُ ما يَقُولُهُ، وهو اليَمِينُ الغَمُوسُ، وتَعَلَّقَ الشافِعِيُّ بِهَذا النَصِّ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ في الغَمُوسِ، لِأنَّ كَسْبَ القَلْبِ: العَزْمُ، والقَصْدُ. والمُؤاخَذَةُ غَيْرُ مُبَيَّنَةٍ هُنا، وبُيِّنَتْ في المائِدَةِ، فَكانَ البَيانُ ثَمَّةَ بَيانًا هُنا، وقُلْنا: المُؤاخَذَةُ هُنا مُطْلَقَةٌ، وهي في دارِ الجَزاءِ، والمُؤاخَذَةُ ثَمَّ مُقَيَّدَةٌ بِدارِ الِابْتِلاءِ، فَلا يَصِحُّ حَمْلُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ ﴿واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِاللَغْوِ في أيْمانِكم. (p-١٨٨)

البقرة 2:226

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ يُقْسِمُونَ، وهى قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما- ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: لِلَّذِينِ، كَما تَقُولُ: لَكَ مِنِّي نُصْرَةٌ، ولَكَ مِنِّي مَعُونَةٌ، أيْ: لِلْمُؤْلِينَ مِن نِسائِهِمْ. ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ أيِ:اسْتَقَرَّ لِلْمُؤْلِينَ تَرَقُّبُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لا بِـ "يُؤْلُونَ"، لِأنَّ آلى يُعَدّى بِعَلى، يُقالُ: آلى فُلانٌ عَلى امْرَأتِهِ، وقَوْلُ القائِلِ: آلى فُلانٌ مِنِ امْرَأتِهِ، وهْمٌ تَوَهَّمَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: عُدِّيَ بِمِن لِما فى هَذا القَسَمِ مِن مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُؤْلِينَ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ في الأشْهُرِ، لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: (فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ) أيْ: رَجَعُوا إلى الوَطْءِ عَنِ الإصْرارِ بِتَرْكِهِ. ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ شَرَعَ الكَفّارَةَ.

البقرة 2:227

﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ﴾ بِتَرْكِ الفَيْءِ، فَتَرَبَّصُوا إلى مُضِيِّ المُدَّةِ ﴿فَإنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِإيلائِهِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّتِهِ، وهو وعِيدٌ عَلى إصْرارِهِمْ وتَرْكِهِمُ الفَيْئَةَ. وَعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- مَعْناهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وَإنْ عَزَمُوا﴾ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وقُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وَإنْ عَزَمُوا﴾ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ والتَفْصِيلُ يَعْقُبُ المُفَصَّلَ، كَما تَقُولُ: أنا نَزِيلُكم هَذا الشَهْرَ، فَإنْ أحَمَدْتُكم أقَمْتُ عِنْدَكم إلى آخِرِهِ، وإلّا لَمْ أقُمْ إلّا رَيْثَما أتَحَوَّلُ.

البقرة 2:228

﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ أرادَ المَدْخُولَ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الأقْراءِ، ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، وأصْلُ الكَلامِ: ولْتَتَرَبَّصِ المُطَلَّقاتِ. وإخْراجُ الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ، فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَرَبُّصِ، فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُعاءِ: رَحِمَكَ اللهُ، أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ، كَأنَّما وُجِدَتِ الرَحْمَةُ، فَهو يُخْبِرُ عَنْها. وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ مِمّا زادَهُ أيْضًا فَضْلَ تَأْكِيدٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الدَوامِ والثَباتِ بِخِلافِ الفِعْلِيَّةِ. وفي ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ (p-١٨٩)عَلى التَرَبُّصِ، وزِيادَةُ بَعْثٍ، لِأنَّ أنْفُسَ النِساءِ طَوامِحُ إلى الرِجالِ، فَأُمِرْنَ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ، ويَغْلِبْنَها عَلى الطُمُوحِ، ويَجْبُرْنَها عَلى التَرَبُّصِ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ جَمْعُ قُرْءٍ أوْ قَرْءٍ، وهو الحَيْضُ لِقَوْلِهِ ﷺ:" «دَعِي الصَلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ" ». وقَوْلُهُ: « "طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتانِ" » ولَمْ يَقُلْ: طُهْرانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطَلاقُ: ٤] فَأقامَ الأشْهُرَ مَقامَ الحَيْضِ دُونَ الأطْهارِ، ولِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَحِمِ، والحَيْضُ هو الَّذِي يُسْتَبْرَأُ بِهِ الأرْحامُ دُونَ الطُهْرِ، ولِذَلِكَ كانَ الِاسْتِبْراءُ مِنَ الأمَةِ بِالحَيْضَةِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ طُهْرًا كَما قالَ الشافِعِيُّ، لانْقَضَتِ العِدَّةُ بِقُرْأيْنِ وبَعْضِ الثالِثِ، فانْتَقَضَ العَدَدُ عَنِ الثَلاثَةِ، لِأنَّهُ إذا طَلَّقَها في آخِرِ الطُهْرِ، فَذا مَحْسُوبٌ مِنَ العِدَّةِ عِنْدَهُ، وإذا طَلَّقَها في آخِرِ الحَيْضِ، فَذا غَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنَ العِدَّةِ عِنْدَنا، والثَلاثُ اسْمٌ خاصٌّ لِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ لا يَقَعُ عَلى ما دُونَهُ، ويُقالُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، وامْرَأةٌ مُقْرِئٌ، وانْتِصابُ ثَلاثَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، أوْ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يَتَرَبَّصْنَ مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، وجاءَ المُمَيَّزُ عَلى جَمْعِ الكَثْرَةِ دُونَ القِلَّةِ الَّتِي هي الأقْراءُ، لِاشْتِراكِهِما في الجَمْعِيَّةِ اتِّساعًا. ولَعَلَّ القُرُوءَ كانَتْ أكْثَرَ اسْتِعْمالًا في جَمْعِ قُرْءٍ مِنَ الأقْراءِ فَأُوثِرَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا لِقَلِيلِ الِاسْتِعْمالِ مَنزِلَةَ المُهْمَلِ، ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ مِنَ الوَلَدِ، أوْ مِن دَمِ الحَيْضِ، أوْ مِنهُما. وذَلِكَ إذا أرادَتِ المَرْأةُ فِراقَ زَوْجِها، فَكَتَمَتْ حَمْلَها لِئَلّا يَنْتَظِرَ بِطَلاقِها أنْ تَضَعَ، ولِئَلّا يُشْفِقَ عَلى الوَلَدِ فَيَتْرُكَ تَسْرِيحَها، أوْ كَتَمَتْ حَيْضَها، وقالَتْ -وَهِيَ حائِضٌ-: قَدْ طَهُرْتُ، اسْتِعْجالًا لِلطَّلاقِ ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَظَّمَ فِعْلَهُنَّ، لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللهِ وبِعِقابِهِ لا يَجْتَرِئُ عَلى مِثْلِهِ مِنَ العَظائِمِ. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ البُعُولُ: جَمْعُ بَعْلٍ، والتاءُ لاحِقَةٌ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ. ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ: أزْواجُهُنَّ أوْلى بِرَجْعَتِهِنَّ. (p-١٩٠)وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الطَلاقَ الرَجْعِيَّ لا يُحَرِّمُ الوَطْءَ حَيْثُ سَمّاهُ زَوْجًا بَعْدَ الطَلاقِ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ في مُدَّةِ ذَلِكَ التَرَبُّصِ، والمَعْنى: أنَّ الرَجُلَ إنْ أرادَ الرَجْعَةَ، وأبَتْها المَرْأةُ، وجَبَ إيثارُ قَوْلِهِ عَلى قَوْلِها، وكانَ هو أحَقَّ مِنها، لا أنَّ لَها حَقًّا في الرَجْعَةِ. ﴿إنْ أرادُوا﴾ بِالرَجْعَةِ ﴿إصْلاحًا﴾ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ، وإحْسانًا إلَيْهِنَّ، ولَمْ يُرِيدُوا مُضارَّتَهُنَّ. ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ ويَجِبُ لَهُنَّ مِنَ الحَقِّ عَلى الرِجالِ مِنَ المَهْرِ، والنَفَقَةِ، وحُسْنِ العِشْرَةِ، وتَرْكِ المُضارَّةِ، مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ لَهم ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ مِنَ الأمْرِ والنَهْيِ، ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكَرُ في الشَرْعِ وعاداتِ الناسِ، فَلا يُكَلِّفُ أحَدُ الزَوْجَيْنِ صاحِبَهُ ما لَيْسَ لَهُ، والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ: مُماثَلَةُ الواجِبِ الواجِبَ في كَوْنِهِ حَسَنَةً لا في جِنْسِ الفِعْلِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ إذا غَسَلَتْ ثِيابَهُ، أوْ خَبَزَتْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنْ يُقابِلُهُ بِما يَلِيقُ بِالرِجالِ ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ زِيادَةً في الحَقِّ، وفَضِيلَةً بِالقِيامِ بِأمْرِها، وإنِ اشْتَرَكا في اللَذَّةِ والِاسْتِمْتاعِ، وبِالإنْفاقِ، ومِلْكِ النِكاحِ. ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَأْمُرُ إلّا بِما هو صَوابٌ وحَسَنٌ.

البقرة 2:229

﴿الطَلاقُ مَرَّتانِ﴾ الطَلاقُ بِمَعْنى التَطْلِيقِ، كالسَلامِ بِمَعْنى التَسْلِيمِ، أيِ:التَطْلِيقُ الشَرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَفْرِيقِ، دُونَ الجَمْعِ والإرْسالِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يُرَدْ بِالمَرَّتَيْنِ التَثْنِيَةُ ولَكِنِ التَكْرِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [المُلْكُ: ٤] أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، لا كَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. وهو دَلِيلٌ لَنا في أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الطَلْقَتَيْنِ والثَلاثَةِ بِدْعَةٌ في طُهْرٍ واحِدٍ، لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَنا بِالتَفْرِيقِ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الخَبَرَ فَمَعْناهُ الأمْرُ، وإلّا يُؤَدِّي إلى الخَلْفِ في خَبَرِ اللهِ تَعالى، لِأنَّ الطَلاقَ عَلى وجْهِ الجَمْعِ قَدْ يُوجَدُ، وقِيلَ: قالَتْ أنْصارِيَّةٌ: إنَّ زَوْجِي قالَ: لا أزالُ أُطَلِّقُكِ ثُمَّ أُراجِعُكِ، فَنَزَلَتْ ﴿الطَلاقُ مَرَّتانِ﴾ أيِ:الطَلاقُ الرَجْعِيُّ مَرَّتانِ، لِأنَّهُ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثالِثِ. ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِرَجْعَةٍ. (p-١٩١)والمَعْنى: فالواجِبُ عَلَيْكم إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ بِألا يُراجِعَها حَتّى تَبَيَّنَ بِالعِدَّةِ. وقِيلَ. بِأنْ يُطَلِّقَها الثالِثَةَ في الطُهْرِ الثالِثِ، ونَزَلَ في جَمِيلَةَ وزَوْجِها ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَتْ تُبْغِضُهُ، وهو يُحِبُّها، وقَدْ أعْطاها حَدِيقَةً، فاخْتَلَعَتْ مِنهُ بِها، وهو أوَّلُ خُلْعٍ كانَ في الإسْلامِ ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيُّها الأزْواجُ أوِ الحُكّامُ، لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِالأخْذِ والإيتاءِ عِنْدَ التَرافُعِ إلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُمُ الآخِذُونَ والمُؤْتُونَ، ﴿أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ مِمّا أعْطَيْتُمُوهُنَّ مِنَ المُهُورِ ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ إلّا أنْ يَعْلَمَ الزَوْجانِ تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللهِ فِيما يَلْزَمُهُما مِن مَواجِبِ الزَوْجِيَّةِ، لِما يَحْدُثُ مِن نُشُوزِ المَرْأةِ، وسُوءِ خُلُقِها، ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيُّها الوُلاةُ، وجازَ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الخِطابِ لِلْأزْواجِ، وآخِرُهُ لِلْحُكّامِ ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ فَلا جُناحَ عَلى الرَجُلِ فِيما أخَذَ، ولا عَلَيْها فِيما أعْطَتْ، ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فِيما افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها، واخْتَلَعَتْ بِهِ مِن بَذْلِ ما أُوتِيَتْ مِنَ المَهْرِ. (إلّا أنْ يُخافا) حَمْزَةُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإبْدالُ (ألّا يُقِيما) مِن ألِفِ الضَمِيرِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، نَحْوُ: خِيفَ زَيْدٌ تَرْكُهُ إقامَةَ حُدُودِ اللهِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أيْ: ما حَدَّ مِنَ النِكاحِ، واليَمِينِ، والإيلاءِ، والطَلاقِ، والخُلْعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ فَلا تَجاوَزُوها بِالمُخالَفَةِ ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ الضارُّونَ أنْفُسَهم.

البقرة 2:230

﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ مَرَّةً ثالِثَةً بَعْدَ المَرَّتَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ: الخُلْعُ طَلاقٌ عِنْدِنا، وكَذا عِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- في قَوْلٍ، فَكَأنَّ هَذِهِ تَطْلِيقَةٌ رابِعَةٌ، قُلْتُ: الخُلْعُ طَلاقٌ بِبَدَلٍ فَيَكُونُ طَلْقَةً ثالِثَةً، وهَذا بَيانٌ لِتِلْكَ، أيْ: فَإنْ طَلَّقَها الثالِثَةَ بِبَدَلٍ فَحُكْمُ التَحْلِيلِ كَذا ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ مِن بَعْدِ التَطْلِيقَةِ الثالِثَةِ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا (p-١٩٢)غَيْرَهُ﴾ حَتّى يَتَزَوَّجَ غَيْرُهُ. والنِكاحُ يُسْنَدُ إلى المَرْأةِ، كَما يُسْنَدُ إلى الرَجُلِ كالتَزَوُّجِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِكاحَ يَنْعَقِدُ بِعِبارَتِها، والإصابَةُ شُرِطَتْ بِحَدِيثِ العُسَيْلَةِ، كَما عُرِفَ في أُصُولِ الفِقْهِ، والفِقْهُ فِيهِ: أنَّهُ لَمّا أقْدَمَ عَلى فِراقٍ لَمْ يَبْقَ لِلنَّدَمِ مَخْلَصًا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلّا بِدُخُولِ فَحْلٍ عَلَيْها لِيَمْتَنِعَ عَنِ ارْتِكابِهِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ الزَوْجُ الثانِي بَعْدَ الوَطْءِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ عَلى الزَوْجِ الأوَّلِ وعَلَيْها ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أنْ يَرْجِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ بِالزَواجِ، ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ إنْ كانَ في ظَنِّهِما أنَّهُما يُقِيمانِ حُقُوقَ الزَوْجِيَّةِ، ولَمْ يَقُلْ: إنْ عَلِما أنَّهُما يُقِيمانِ، لِأنَّ اليَقِينَ مَغِيبٌ عَنْهُما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها﴾ وبِالنُونِ، المُفَضَّلُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَفْهَمُونَ ما بَيَّنَ لَهم.

البقرة 2:231

﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: آخِرَ عِدَّتِهِنَّ، وشارَفْنَ مُنْتَهاها، والأجَلُ: يَقَعُ عَلى المُدَّةِ كُلِّها وعَلى آخِرِها، يُقالُ لِعُمْرِ الإنْسانِ: أجَلٌ، ولِلْمَوْتِ الَّذِي يُنْتَهى بِهِ أجَلٌ. ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: فَإمّا أنْ يُراجِعَها مِن غَيْرِ طَلَبِ ضِرارٍ بِالمُراجَعَةِ، وإمّا أنْ يُخَلِّيَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وتَبِينَ مِن غَيْرِ ضِرارٍ. ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ، أيْ: مُضارِّينَ. وكانَ الرَجُلُ يُطَلِّقُ المَرْأةَ ويَتْرُكُها حَتّى يَقْرُبَ انْقِضاءُ عَدَّتِها، ثُمَّ يُراجِعُها لا عَنْ حاجَةٍ، ولَكِنْ لِيُطَوِّلَ العِدَّةَ عَلَيْها، فَهو الإمْساكُ ضِرارًا. ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ لِتَظْلِمُوهُنَّ، أوْ لِتُلْجِئُوهُنَّ إلى الِافْتِداءِ. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الإمْساكَ لِلضِّرارِ، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بِتَعْرِيضِها لِعِقابِ اللهِ. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ أيْ: جِدُّوا فى الأخْذِ بِها، والعَمَلِ بِما فِيها، وارْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، وإلّا فَقَدَ اتَّخَذْتُمُوها هُزُوًا، يُقالُ لِمَن لَمْ يَجِدَّ في الأمْرِ: إنَّما أنْتَ لاعِبٌ وهازِئٌ، ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (p-١٩٣)بِالإسْلامِ، وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَما أنْـزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ مِنَ القُرْآنِ والسُنَّةِ، وذَكَرَها مُقابِلَتَها بِالشُكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ بِما أنْزَلَ عَلَيْكُمْ، وهو حالٌ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما امْتَحَنَكم بِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِنَ الذِكْرِ، والِاتِّقاءِ، والِاتِّعاظِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو أبْلَغُ وعْدٍ ووَعِيدٍ.

البقرة 2:232

﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ:انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَدَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ، لِأنَّ النِكاحَ يَعْقُبُهُ هُنا، وذا يَكُونُ بَعْدَ العِدَّةِ، وفي الأُولى الرَجْعَةُ، وذا يَكُونُ في العِدَّةِ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فَلا تَمْنَعُوهُنَّ. العَضْلُ. المَنعُ والتَضْيِيقُ ﴿أنْ يَنْكِحْنَ﴾ مِن أنْ يَنْكِحْنَ ﴿أزْواجَهُنَّ﴾ الَّذِينَ يَرْغَبْنَ فِيهِمْ، ويَصْلُحُونَ لَهُنَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى انْعِقادِ النِكاحِ بِعِبارَةِ النِساءِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ الَّذِينَ يَعْضُلُونَ نِساءَهم بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ ظُلْمًا، ولا يَتْرُكُونَهُنَّ يَتَزَوَّجُهُنَّ مَن شِئْنَ مِنَ الأزْواجِ، سُمُّوا أزْواجًا باسِمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، أوْ لِلْأوْلِياءِ في عَضْلِهِنَّ أنْ يَرْجِعْنَ إلى أزْواجِهِنَّ، الَّذِينَ كانُوا أزْواجًا لَهُنَّ، سُمُّوا أزْواجًا بِاعْتِبارِ ما كانَ. نَزَلَتْ فى مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ حِينَ عَضَلَ أُخْتَهُ أنْ تَرْجِعَ إلى الزَوْجِ الأوَّلِ، أوْ لِلنّاسِ، أيْ: لا يُوجَدُ فِيما بَيْنَكم عَضْلٌ، لِأنَّهُ إذا وُجِدَ بَيْنَهُمْ، وهم راضُونَ، كانُوا في حُكْمِ العاضِلِينَ. ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ إذا تَراضى الخُطّابُ والنِساءُ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِما يَحْسُنُ في الدِينِ والمُرُوءَةِ مِنَ الشَرائِطِ، أوْ بِمَهْرِ المِثْلِ والكُفْءِ، لِأنَّ عِنْدَ عَدَمِ أحَدِهِما لِلْأوْلِياءِ أنْ يَتَعَرَّضُوا. والخِطابُ في ﴿ذَلِكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فالمُواعَظَةِ إنَّما تَنْجَحُ فِيهِمْ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: تَرْكُ العَضْلِ والضِرارِ ﴿أزْكى لَكم وأطْهَرُ﴾ أيْ: لَكُمْ، مِن أدْناسِ الآثامِ، أوْ " أزْكى وأطْهَر " أفْضَلُ وأطْيَبُ ﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ ما في ذَلِكَ مِنَ الزَكاءِ، والطُهْرِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ. (p-١٩٤)

البقرة 2:233

﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ المُؤَكَّدِ، كَـ "يَتَرَبَّصْنَ" وهَذا الأمْرُ عَلى وجْهِ النَدْبِ، أوْ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ إذا لَمْ يَقْبَلِ الصَبِيُّ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، أوْ لَمْ تُوجَدْ لَهُ ظِئْرٌ، أوَ كانَ الأبُ عاجِزًا عَنِ الِاسْتِئْجارِ، أوْ أرادَ الوالِداتِ المُطَلَّقاتِ، وإيجابُ النَفَقَةِ والكُسْوَةِ لِأجْلِ الرَضاعِ ﴿حَوْلَيْنِ﴾ ظَرْفٌ ﴿كامِلَيْنِ﴾ تامَّيْنِ، وهو تَأْكِيدٌ، لِأنَّهُ مِمّا يَتَسامَحُ فِيهِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: إنَّكَ أقَمْتَ عِنْدَ فُلانٍ حَوْلَيْنِ ولَمْ تَسْتَكْمِلْهُما ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَةَ﴾ بَيانٌ لِمَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ الحُكْمُ، أيْ: هَذا الحُكْمُ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَضاعَةِ، والحاصِلُ أنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْضاعُ ولَدِهِ دُونَ الأُمِّ، وعَلَيْهِ أنْ يَتَّخِذَ لَهُ ظِئْرًا إلّا إذا تَطَوَّعَتِ الأُمُّ بِإرْضاعِهِ، وهي مَندُوبَةٌ إلى ذَلِكَ، ولا تُجْبَرُ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الأُمِّ ما دامَتْ زَوْجَةً أوْ مُعْتَدَّةً. ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ الهاءُ يَعُودُ إلى اللامِ بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: وعَلى الَّذِي يُولَدُ لَهُ وهو الوالِدُ. و"لَهُ" في مَحَلِّ الرَفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ كَـ "عَلَيْهِمْ" في ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتِحَةُ: ٧]. وإنَّما قِيلَ عَلى المَوْلُودِ لَهُ دُونَ الوالِدِ لِيَعْلَمَ أنَّ الوالِداتِ إنَّما ولَدْنَ لَهُمْ، إذِ الأوْلادُ لِلْآباءِ والنَسَبِ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِنَّ، فَكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْزُقُوهُنَّ ويَكْسُوهُنَّ إذا أرْضَعْنَ ولَدَهم كالأظْآرِ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِ الوالِدِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمانُ: ٣٣] ﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِلا إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وتَفْسِيرُهُ ما يَعْقُبُهُ، وهو ألّا يُكَلِّفَ واحِدٌ مِنهُما ما لَيْسَ في وُسْعِهِ، ولا يَتَضارّا ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾ وجَدَها، أوْ قَدْرَ إمْكانِها، والتَكْلِيفُ: إلْزامُ ما يُؤْثِرُهُ في الكُلْفَةِ، وانْتِصابُ "وُسْعَها" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُكَلَّفَ لا عَلى الِاسْتِثْناءِ، ودَخَلَتْ "إلّا" بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ ﴿لا تُضارَّ﴾ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ بِالرَفْعِ عَلى الإخْبارِ، ومَعْناهُ النَهْيُ. وهو يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ الأصْلُ تُضارِّ بِكَسْرِ الراءِ، أوْ (p-١٩٥)تُضارَّ بِفَتْحِها. الباقُونَ (لا تُضارَّ) عَلى النَهْيِ. والأصْلُ: تُضارِرْ، أُسْكِنَتِ الراءُ الأُولى، وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ بَعْدَ أنْ سُكِّنَتْ، فالتَقى الساكِنانِ، فَفُتِحَتِ الثانِيَةُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ ﴿والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ أيْ: لا تُضارَّ والِدَةٌ زَوْجَها بِسَبَبِ ولَدِها، وهو أنْ تُعَنِّفَ بِهِ، وتَطْلُبَ مِنهُ ما لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنَ الرِزْقِ والكُسْوَةِ، وأنْ تَشْغَلَ قَلْبَهُ بِالتَفْرِيطِ في شَأْنِ الوَلَدِ، وأنْ تَقُولَ بَعْدَ ما ألِفَها الصَبِيُّ: اطْلُبْ لَهُ ظِئْرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أيْ: ولا يُضارَّ مَوْلُودٌ لَهُ امْرَأتَهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ بِأنْ يَمْنَعَها شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِها وكُسْوَتِها، أوْ يَأْخُذَهُ مِنها وهي تُرِيدُ إرْضاعَهُ. وَإذا كانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ بِها الضِرارَ مِن قِبَلِ الزَوْجِ، وعَنْ أنْ يَلْحَقَ الضِرارُ بِالزَوْجِ مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الوَلَدِ. أوْ تُضارَّ بِمَعْنى تَضُرُّ، والباءُ مِن صِلَتِهِ، أيْ: لا تَضُرَّ والِدَةٌ ولَدَها فَلا تُسِيءُ غِذاءَهُ وتَعَهُّدَهُ، ولا تَدْفَعُهُ إلى الأبِ بَعْدَ ما ألِفَها، ولا يَضُرُّ الوالِدُ بِهِ بِأنْ يَنْتَزِعَهُ مِن يَدِها، أوْ يُقَصِّرَ فى حَقِّها، فَتُقَصِّرُ هي فى حَقِّ الوَلَدِ. وإنَّما قِيلَ بِوَلَدِها وبِوَلَدِهِ، لِأنَّهُ لَمّا نُهِيَتِ المَرْأةُ عَنِ المُضارَّةِ أُضِيفَ إلَيْها الوَلَدُ اسْتِعْطافًا لَها عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ الوالِدُ ﴿وَعَلى الوارِثِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ وما بَيْنَهُما تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: وعَلى وارِثِ الصَبِيِّ عِنْدَ عَدَمِ الأبِ ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ الَّذِي كانَ عَلى أبِيهِ في حَياتِهِ مِنَ الرِزْقِ والكُسْوَةِ، واخْتَلَفَ فِيهِ، فَعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى: كُلُّ مَن ورِثَهُ. وعِنْدَنا مَن كانَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنهُ، لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: (وَعَلى الوارِثِ ذِي الرَحِمِ المُحَرَّمِ مِثْلُ ذَلِكَ). وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- لا نَفَقَةَ فِيما عَدا الوِلادَ ﴿فَإنْ أرادا﴾ يَعْنِي: الأبَوَيْنِ ﴿فِصالا﴾ فِطامًا صادِرًا ﴿عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾ بَيْنَهُما ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ في ذَلِكَ، زادا عَلى الحَوْلَيْنِ، أوْ نَقَصا. وهَذِهِ تَوْسِعَةٌ بَعْدَ التَحْدِيدِ، والتَشاوُرُ: اسْتِخْراجُ الرَأْيِ، مِن شِرْتُ العَسَلَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ، وذَكَرَهُ لِيَكُونَ التَراضِي عَنْ تَفَكُّرٍ، فَلا يَضُرُّ الرَضِيعَ، فَسُبْحانَ الَّذِي (p-١٩٦)أدَّبَ الكَبِيرَ، ولَمْ يُهْمِلِ الصَغِيرَ. واعْتَبَرَ اتِّفاقَهُما، لِأنَّ لِلْأبِ النِسْبَةَ والوِلايَةَ، ولِلْأُمِّ الشَفَقَةَ والعِنايَةَ. ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ أيْ: لِأوْلادِكُمْ، عَنِ الزَجّاجِ. وقِيلَ: اسْتَرْضَعَ مَنقُولٌ مِن أرْضَعَ، يُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ الصَبِيَّ، واسْتَرْضَعْتُها الصَبِيَّ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ أيْ: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكُمْ، فَحَذَفَ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ، يَعْنِي: غَيْرَ الأُمِّ عِنْدَ إبائِها، أوْ عَجْزِها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المَراضِعِ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ مِنَ الأُجْرَةِ. (أتَيْتُمْ) مَكِّيٌّ، مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا: إذا فَعَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٦١] أيْ: مَفْعُولًا، والتَسْلِيمُ نَدْبٌ لا شَرْطٌ لِلْجَوازِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَلَّمْتُمْ، أيْ: سَلَّمْتُمُ الأُجْرَةُ إلى المَراضِعِ بِطِيبِ نَفْسٍ وسُرُورٍ، ﴿واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمْ، فَهو يُجازِيكم عَلَيْها.

البقرة 2:234

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ تَقُولُ: تَوَفَّيْتُ الشَيْءَ، واسْتَوْفَيْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ وافِيًا تامًّا، أيْ: تُسْتَوْفى أرْواحُهم ﴿وَيَذَرُونَ﴾ ويَتْرُكُونَ ﴿أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ أيْ: وزَوْجاتُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يَتَرَبَّصْنَ، أيْ: يَعْتَدِدْنَ، أوْ مَعْناهُ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم بِأنْفُسِهِنَّ، فَحَذَفَ بَعْدَهم لِلْعِلْمِ بِهِ، وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِهِ، لِأنَّهُ لابُدَّ مِن عائِدٍ يَرْجِعُ إلى المُبْتَدَأِ في الجُمْلَةِ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا. (يَتَوَفَّوْنَ) المُفَضَّلُ، أيْ: يَسْتَوْفُونَ آجالَهم. ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ أيْ: وعَشْرَ لَيالٍ، والأيّامُ داخِلَةٌ مَعَها، ولا يُسْتَعْمَلُ التَذْكِيرُ فِيهِ ذَهابًا إلى الأيّامِ، تَقُولُ: صُمْتُ عَشْرًا، ولَوْ ذَكَّرْتَ لَخَرَجْتَ مِن كَلامِهِمْ. ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ والحُكّامُ ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَعَرُّضِ لِلْخُطّابِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَرْعُ ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِالبَواطِنِ. (p-١٩٧)

البقرة 2:235

﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِساءِ﴾ الخِطْبَةُ: الِاسْتِنْكاحُ، والتَعْرِيضُ: أنْ تَقُولَ لَها: إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، أوْ صالِحَةٌ، ومِن غَرَضِي أنْ أتَزَوَّجَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ المُوهِمِ أنَّهُ يُرِيدُ نِكاحَها، حَتّى تَحْبِسَ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ رَغِبَتْ فِيهِ، ولا يُصَرِّحُ بِالنِكاحِ، فَلا يَقُولُ: إنِّي أرى أنْ أتَزَوَّجَكِ، والفَرْقُ بَيْنَ الكِنايَةِ والتَعْرِيضِ أنَّ الكِنايَةَ: أنْ تَذْكُرَ الشَيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ المَوْضُوعِ لَهُ، والتَعْرِيضُ: أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا تَدُلُّ بِهِ عَلى شَيْءٍ لَمْ تَذْكُرْهُ، كَما يَقُولُ المُحْتاجُ لِلْمُحْتاجِ إلَيْهِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، ولِأنْظُرَ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، ولِذَلِكَ قالُوا: ؎ وحَسَبْكَ بِالتَسْلِيمِ مِنِّي تَقاضِيا فَكَأنَّهُ إمالَةُ الكَلامِ إلى غَرَضٍ يَدُلُّ عَلى الغَرَضِ ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ أوْ سَتَرْتُمْ وأضْمَرْتُمْ في قُلُوبِكُمْ، فَلَمْ تَذْكُرُوهُ بِألْسِنَتِكم لا مُعْرِضِينَ ولا مُصَرِّحِينَ. ﴿عَلِمَ اللهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ لا مَحالَةَ، ولا تَنْفَكُّونَ عَنِ النُطْقِ بِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ، فاذْكُرُوهُنَّ ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ جِماعًا، لِأنَّهُ مِمّا يُسَرُّ، أيْ: لا تَقُولُوا في العِدَّةِ: إنِّي قادِرٌ عَلى هَذا العَمَلِ. ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو أنْ تَعْرِضُوا ولا تُصَرِّحُوا، وإلّا مُتَعَلِّقٌ بِلا تُواعِدُوهُنَّ، أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً قَطُّ، إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً غَيْرَ مُنْكَرَةٍ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ﴾ مِن عَزَمَ الأمْرَ، وعَزَمَ عَلَيْهِ.، وذَكَرَ العَزْمَ مُبالَغَةً في النَهْيِ عَنْ عَقْدِ النِكاحِ، لِأنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ يَتَقَدَّمُهُ، فَإذا نَهى عَنْهُ كانَ عَنِ الفِعْلِ أنْهى، ومَعْناهُ: ولا تَعْزِمُوا عَقْدَ عُقْدَةِ النِكاحِ، أوْ ولا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ النِكاحِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ العَزْمِ القَطْعُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِيامَ مِنَ اللَيْلِ". » ورُوِيَ: « "لِمَن لَمْ يُبَيِّتِ الصِيامَ". » أيْ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِكاحِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ حَتّى (p-١٩٨)تَنْقَضِي عِدَّتَها، وسُمِّيَتِ العِدَّةُ كِتابًا، لِأنَّها فُرِضَتْ بِالكِتابِ، يَعْنِي: حَتّى يَبْلُغَ التَرَبُّصُ المَكْتُوبُ عَلَيْها أجَلَهُ، أيْ: غايَتَهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ.

البقرة 2:236

وَنَزَلَ فِيمَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ولَمْ يَكُنْ سَمّى لَها مَهْرًا، ولا جامَعَها ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْكم مِن إيجابِ مَهْرٍ. ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِساءَ﴾ شَرْطٌ. ويَدُلُّ عَلى جَوابِهِ ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ والتَقْدِيرُ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لَمْ تُجامِعُوهُنَّ. وما شَرْطِيَّةٌ، أيْ: إنْ لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، (تَماسُّوهُنَّ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، حَيْثُ وقَعَ، لِأنَّ الفِعْلَ واقِعٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلّا أنْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أوْ حَتّى تَفْرِضُوا، وفَرْضُ الفَرِيضَةِ: تَسْمِيَةُ المَهْرِ، وذَلِكَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غَيْرَ المَوْطُوءَةِ لَها نِصْفُ المُسَمّى إنْ سُمِّيَ لَها مَهْرٌ. وإنْ لَمْ يُسَمَّ لَها مَهْرٌ فَلَيْسَ لَها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، بَلْ تَجِبُ المُتْعَةُ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ. والمُتْعَةُ: دِرْعٌ ومِلْحَفَةٌ وخِمارٌ. ﴿عَلى المُوسِعِ﴾ الَّذِي لَهُ سَعَةٌ ﴿قَدَرُهُ﴾ مِقْدارُهُ الَّذِي يُطِيقُهُ. (قَدْرُهُ) فِيهِما: كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وهُما لُغَتانِ ﴿وَعَلى المُقْتِرِ﴾ الضَيِّقِ الحالِ، والدَلِيلُ عَلى أنَّ الجُناحَ تَبِعَةُ المَهْرِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ إثْباتٌ لِلْجُناحِ المَنفِيِّ ثَمَّةَ ﴿قَدَرُهُ﴾ ولا تَجِبُ المُتْعَةُ عِنْدَنا إلّا لِهَذِهِ، وتُسْتَحَبُّ لِسائِرِ المُطَلَّقاتِ ﴿مَتاعًا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَتِّعُوهُنَّ، أيْ: تَمْتِيعًا ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي يَحْسُنُ فى الشَرْعِ والمُرُوءَةِ ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا، أيْ:مَتاعًا واجِبًا عَلَيْهِمْ، أوْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ عَلى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَمْتِيعِ، وسَمّاهم قَبْلَ الفِعْلِ مُحْسِنِينَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ". » ولَيْسَ هَذا (p-١٩٩)الإحْسانُ هو التَبَرُّعَ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ، إذْ هَذِهِ المُتْعَةُ واجِبَةٌ.

البقرة 2:237

ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الَّتِي سَمّى لَها مَهْرًا في الطَلاقِ قَبْلَ المَسِّ، فَقالَ: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أنْ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الجَرِّ، أيْ: مِن قَبْلِ مَسِّكم إيّاهُنَّ. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ مَهْرًا ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ يُرِيدُ المُطَلَّقاتِ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ في جَمِيعِ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ عَفْوِهِنَّ عَنْكم مِنَ المَهْرِ. والفَرْقُ بَيْنَ: الرِجالُ يَعْفُونَ، والنِساءُ يَعْفُونَ، أنَّ الواوَ في الأوَّلِ ضَمِيرُهم والنُونُ عَلَمُ الرَفْعِ، والواوُ في الثانِي لامُ الفِعْلِ والنُونُ ضَمِيرُهُنَّ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لا أثَرَ في لَفْظِهِ لِلْعامِلِ. ﴿أوْ يَعْفُوَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّهِ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاحِ﴾ هو الزَوْجُ، كَذا فَسَّرَهُ عَلِيٌّ -رِضى اللهُ عَنْهُ- وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، ومُجاهِدٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشافِعِيِّ عَلى الجَدِيدِ -رِضى اللهُ عَنْهُمْ-. وهَذا لِأنَّ الطَلاقَ بِيَدِهِ، فَكانَ بَقاءُ العَقْدِ بِيَدِهِ. والمَعْنى: أنَّ الواجِبَ شَرْعًا هو النِصْفُ إلّا أنْ تُسْقِطَ هي الكُلَّ، أوْ يُعْطِيَ هو الكُلَّ تَفَضُّلًا، وعِنْدَ مالِكٍ والشافِعِيِّ في القَدِيمِ: هو الوَلِيُّ، قُلْنا: هو لا يَمْلِكُ التَبَرُّعَ بِحَقِّ الصَغِيرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ؟! ﴿وَأنْ تَعْفُوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ والخِطابُ لِلْأزْواجِ والزَوْجاتِ عَلى سَبِيلِ التَغْلِيبِ، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ. أيْ: عَفْوُ الزَوْجِ بِإعْطاءِ كُلِّ المَهْرِ خَيْرٌ لَهُ، وعَفْوُ المَرْأةِ بِإسْقاطِ كُلِّهِ خَيْرٌ لَها. أوْ لِلْأزْواجِ. ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ التَفْضِيلَ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: ولا تَنْسَوْا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴿إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى تَفَضُّلِكم.

البقرة 2:238

﴿حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ﴾ داوِمُوا عَلَيْها بِمَواقِيتِها، وأرْكانِها، وشَرائِطِها. ﴿والصَلاةِ الوُسْطى﴾ بَيْنَ الصَلَواتِ، أيِ:الفُضْلى، مِن قَوْلِهِمْ (p-٢٠٠)لِلْأفْضَلِ: الأوْسَطُ. وإنَّما أُفْرِدَتْ وعُطِفَتْ عَلى الصَلَواتِ، لِانْفِرادِها بِالفَضْلِ، وهى صَلاةُ العَصْرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، لِقَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ: « "شَغَلُونا عَنِ الصَلاةِ الوُسْطى، صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللهُ بُيُوتَهم نارًا" » وقالَ ﷺ: « "إنَّها الصَلاةُ الَّتِي شُغِلَ عَنْها سُلَيْمانُ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ". » وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ (والصَلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ) ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ اللَيْلِ وصَلاةِ النَهارِ. وفَضَّلَها لِما في وقْتِها مِنِ اشْتِغالِ الناسِ بِتِجاراتِهِمْ، ومَعايِشِهِمْ. وقِيلَ: صَلاةُ الظُهْرِ، لِأنَّها في وسَطِ النَهارِ، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ، لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَهارِ وصَلاتَيِ اللَيْلِ. أوْ صَلاةُ المَغْرِبِ، لِأنَّها بَيْنَ الأرْبَعِ والمَثْنى، ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْ مُخافَتَةٍ وصَلاتَيْ جَهْرٍ، أوْ صَلاةُ العِشاءِ، لِأنَّها بَيْنَ وِتْرَيْنِ، أوْ هي غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، كَلَيْلَةِ القَدْرِ، لِيَحْفَظُوا الكُلَّ. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصَلاةِ ﴿قانِتِينَ﴾ حالٌ، أيْ: مُطِيعِينَ خاشِعِينَ، أوْ ذاكِرِينَ اللهَ في قِيامِكم. والقُنُوتُ: أنْ تَذْكُرَ اللهَ قائِمًا، أوْ مُطِيلِينَ القِيامَ.

البقرة 2:239

﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَإنْ كانَ بِكم خَوْفٌ مِن عَدُوٍّ، أوْ غَيْرِهِ، ﴿فَرِجالا﴾ حالٌ، أيْ: فَصَلُّوا راجِلِينَ، وهو جَمْعُ راجِلٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ. ﴿أوْ رُكْبانًا﴾ وُحْدانًا بِإيماءٍ، ويَسْقُطُ عَنْهُ التَوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ. ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فَإذا زالَ خَوْفُكم ﴿فاذْكُرُوا اللهَ﴾ فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ: ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مِن صَلاةِ الأمْنِ.

البقرة 2:240

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ بِالنَصْبِ، شامِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، أيْ: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، عَنِ الزَجّاجِ. غَيْرُهم بِالرَفْعِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ ﴿مَتاعًا﴾ نَصْبٌ بِالوَصِيَّةِ، لِأنَّها مَصْدَرٌ، أوْ (p-٢٠١)تَقْدِيرُهُ: مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا. ﴿إلى الحَوْلِ﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِكَ: هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ، أوْ بَدَلٌ مِن مَتاعًا، والمَعْنى: أنَّ حَقَّ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ عَنْ أزْواجِهِمْ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يُحْتَضَرُوا، بِأنَّ تَمَتُّعَ أزْواجِهِمْ بَعْدَهم حَوْلًا كامِلًا، أيْ: يُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ مِن تَرِكَتِهِ، ولا يُخْرَجْنَ مِن مَساكِنِهِنَّ، وكانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ والناسِخُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ تِلاوَةً، ومُتَأخِّرٌ نُزُولًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٢] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٤] ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ بَعْدَ الحَوْلِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَزَيُّنِ، والتَعَرُّضِ لِلْخُطّابِ. ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ مِمّا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ شَرْعًا ﴿واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فِيما حَكَمَ.

البقرة 2:241

﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ أيْ: نَفَقَةُ العِدَّةِ. ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾

البقرة 2:242

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ الرَفْعِ، لِأنَّهُ خَبَرُ لَعَلَّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُتْعَةَ فالمُرادُ غَيْرُ المُطَلَّقَةِ المَذْكُورَةِ، وهي عَلى سَبِيلِ النَدْبِ.

البقرة 2:243

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَن سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وأخْبارِ الأوَّلِينَ، وتَعْجِيبٌ مِن شَأْنِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُخاطِبَ بِهِ مَن لَمْ يَرَ ولَمْ يَسْمَعْ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ جَرى مَجْرى المَثَلِ في مَعْنى التَعْجِيبِ. ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ مِن قَرْيَةٍ، قِيلَ: واسْطُ، وقَعَ فِيهِمُ الطاعُونُ، فَخَرَجُوا هارِبِينَ، فَأماتَهُمُ اللهُ، ثُمَّ أحْياهم بِدُعاءِ حِزْقِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، دَعاهم مَلِكُهم إلى الجِهادِ، فَهَرَبُوا حَذَرًا مِنَ المَوْتِ، فَأماتَهُمُ اللهُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أحْياهم (p-٢٠٢)﴿وَهم أُلُوفٌ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الحالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى الأُلُوفِ الكَثِيرَةِ، لِأنَّها جَمْعُ كَثْرَةٍ، وهي جَمْعُ ألْفٍ، لا آلُفٍ. ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ أيْ: فَأماتَهُمُ اللهُ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ماتُوا مِيتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ بِأمْرِ اللهِ ومَشِيئَتِهِ، وتِلْكَ مِيتَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ، وفِيهِ تَشْجِيعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وأنَّ المَوْتَ إذا لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ، ولَمْ يَنْفَعْ مِنهُ مَفَرٌّ، فَأوْلى أنْ يَكُونَ في سَبِيلِ اللهِ. ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ لِيَعْتَبِرُوا ويَعْلَمُوا أنَّهُ لا مَفَرَّ مِن حُكْمِ اللهِ وقَضائِهِ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ، أوْ لَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ فَأماتَهُمْ، كانَ عَطْفًا عَلَيْهِ مَعْنى: ﴿إنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ﴾ حَيْثُ يُبَصِّرُهم ما يَعْتَبِرُونَ بِهِ، كَما بَصَّرَ أُولَئِكَ، وكَما بَصَّرَكم بِاقْتِصاصِ خَبَرِهِمْ، أوْ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ حَيْثُ أحْيا أُولَئِكَ لِيَعْتَبِرُوا فَيَفُوزُوا، ولَوْ شاءَ لَتَرَكَهم مَوْتى إلى يَوْمِ النُشُورِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ذَلِكَ.

البقرة 2:244

والدَلِيلُ عَلى أنَّهُ ساقَ هَذِهِ القِصَّةَ بَعْثًا عَلى الجِهادِ ما أتْبَعَهُ مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ فَحَرَّضَ عَلى الجِهادِ بَعْدَ الإعْلامِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ لا يُغْنِي، وهَذا الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ لِمَن أحْياهم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُونَ والسابِقُونَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَهُ.

البقرة 2:245

﴿مَن﴾ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ﴿ذا﴾ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي﴾ نَعْتٌ لِذا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿يُقْرِضُ اللهَ﴾ صِلَةُ الَّذِي. سَمّى ما يُنْفَقُ في سَبِيلِ اللهِ قَرْضًا، لِأنَّ القَرْضَ ما يُقْبَضُ بِبَدَلٍ مِثْلِهِ مِن بَعْدُ. سُمِّيَ بِهِ، لِأنَّ المُقْرِضَ يَقْطَعُهُ مِن مالِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ، والقَرْضُ: القَطْعُ، ومِنهُ: المِقْراضُ، وقَرْضُ الفَأْرِ، والِانْقِراضُ. فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ، وأنَّهُ يَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ بِطِيبَةِ النَفْسِ مِنَ المالِ الطَيِّبِ، والمُرادُ: النَفَقَةُ في الجِهادِ، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في (p-٢٠٣)سَبِيلُ اللهِ، ويَحْتاجُ فِيهِ إلى المالِ، حَثَّ عَلى الصَدَقَةِ لِيَتَهَيَّأ أسْبابَ الجِهادِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ بِالنَصْبِ، عاصِمٌ، عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وبِالرَفْعِ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، عَطْفًا عَلى (يُقْرِضُ)، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ، أيْ: فَهو يُضاعِفُهُ. (فَيُضَعِّفَهُ) شامِيٌّ، (فَيَضُعِّفُهُ) مَكِّيٌّ. ﴿أضْعافًا﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ ﴿كَثِيرَةً﴾ لا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا اللهُ، وقِيلَ: الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ. ﴿واللهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَقْتُرُ الرِزْقَ عَلى عِبادِهِ، ويُوَسِّعُهُ عَلَيْهِمْ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، لا يُبَدِّلُكُمُ الضَيِّقَ بِالسَعَةِ، ويَبْصُطُ: حِجازِيٌّ، وعاصِمٌ، وعَلِيٌّ. ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ما قَدَّمْتُمْ.

البقرة 2:246

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ﴾ الأشْرافِ، لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ جَلالَةً، والعُيُونَ مَهابَةً. ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ. ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ مِن بَعْدِ مَوْتِهِ، و َ"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿إذْ قالُوا﴾ حِينَ قالُوا ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو شَمْعُونُ، أوْ يُوشِعُ، أوِ أشْمُوِيلُ. ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أنْهِضْ لِلْقِتالِ مَعَنا أمِيرًا نَصْدُرُ في تَدْبِيرِ الحَرْبِ عَنْ رَأْيِهِ، ونَنْتَهِي إلى أمْرِهِ. ﴿نُقاتِلْ﴾ بِالنُونِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ صِلَةُ نُقاتِلُ ﴿قالَ﴾ النَبِيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ (عَسِيتُمْ) حَيْثُ كانَ، نافِعٌ. ﴿إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ شَرْطٌ فاصِلٌ بَيْنَ اسْمِ عَسى وخَبَرِهِ، وهو ﴿ألا تُقاتِلُوا﴾ والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا، يَعْنِي: هَلِ الأمْرُ كَما أتَوَقَّعُهُ أنَّكم لا تُقاتِلُونَ وتَجْبُنُونَ، فَأدْخَلَ "هَلْ" مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ: التَقْرِيرَ، وتَثْبِيتُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ، وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ. ﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ وأيُّ داعٍ لَنا إلى تَرْكِ القِتالِ، وأيُّ غَرَضٍ لَنا فِيهِ. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ الواوُ في "وَقَدْ" لِلْحالِ. وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ جالُوتَ كانُوا يَسْكُنُونَ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، فَأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ أرْبَعَمِائَةٍ (p-٢٠٤)وَأرْبَعِينَ. يَعْنُونَ إذا بَلَغَ الأمْرُ مِنّا هَذا المَبْلَغَ فَلابُدَّ مِنَ الجِهادِ. ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أيْ: أُجِيبُوا إلى مُلْتَمَسِهِمْ. ﴿تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْهُ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، عَلى عَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ. ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بِتَرْكِ الجِهادِ.

البقرة 2:247

﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَجالُوتَ، وداوُدَ. ومُنِعَ مِنَ الصَرْفِ لِلتَّعْرِيفِ، والعُجْمَةِ. ﴿مَلِكًا﴾ حالٌ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟ وهو إنْكارٌ لِتُمَلِّكِهِ عَلَيْهِمْ، واسْتِبْعادٌ لَهُ. ﴿وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ الواوُ لِلْحالِ ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ أيْ: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَمَلُّكَ، لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ، وأنَّهُ فَقِيرٌ، ولا بُدَّ لِلْمَلِكِ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّ النُبُوَّةَ كانَتْ في سِبْطِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمُلْكَ في سِبْطِ يَهُوذا، وهو كانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ، وكانَ رَجُلًا سَقّاءً، أوْ دَبّاغًا فَقِيرًا. ورُوِيَ أنَّهُ نَبِيُّهم دَعا اللهَ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ مَلِكًا فَأتى بِعَصا يُقاسُ بِها مَن يُمَلِّكُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ ﴿قالَ إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الطاءُ في اصْطَفاهُ بَدَلٌ مِنَ التاءِ لِمَكانِ الصادِ الساكِنَةِ، أيِ:اخْتارَهُ عَلَيْكُمْ، وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، ولا اعْتِراضَ عَلى حُكْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَصْلَحَتَيْنِ أنْفَعَ مِمّا ذَكَرُوا مِنَ النَسَبِ والمالِ وهُما: العِلْمُ المَبْسُوطُ، والجَسامَةُ، فَقالَ: ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ. ﴿فِي العِلْمِ والجِسْمِ﴾ قالُوا: كانَ أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالحَرْبِ والدِياناتِ في وقْتِهِ، وأطْوَلَ مِن كُلِّ إنْسانٍ بِرَأْسِهِ ومَنكِبِهِ. والبَسْطَةُ: السَعَةُ والِامْتِدادُ. والمَلِكُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَإنَّ الجاهِلَ ذَلِيلٌ مُزْدَرًى، غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ، وأنْ يَكُونَ جَسِيمًا، لِأنَّهُ أعْظَمُ في النُفُوسِ، وأهْيَبُ في القُلُوبِ. ﴿واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن (p-٢٠٥)يَشاءُ﴾ أيِ:المُلْكُ لَهُ غَيْرَ مُنازَعٍ فِيهِ، وهو يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ إيتاءَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالوِراثَةِ. ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ أيْ: واسْعُ الفَضْلِ والعَطاءِ، يُوَسِّعُ عَلى مَن لَيْسَ لَهُ سَعَةٌ مِنَ المالِ، ويُغْنِيهِ بَعْدَ الفَقْرِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَصْطَفِيهِ لِلْمُلْكِ. فَثَمَّةَ طَلَبُوا مِن نَبِيِّهِمْ آيَةً عَلى اصْطِفاءِ اللهِ طالُوتَ.

البقرة 2:248

﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التابُوتُ﴾ أيْ: صُنْدُوقُ التَوْراةِ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ، فَكانَتْ تَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَفِرُّونَ. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ سُكُونٌ، وطُمَأْنِينَةٌ. ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ هي رُضاضُ الألْواحِ، وعَصا مُوسى، وثِيابُهُ، وشَيْءٌ مِنَ التَوْراةِ، ونَعْلا مُوسى، وعِمامَةُ هارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ. ﴿مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مُوسى وهارُونُ، والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما. ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ يَعْنِي: التابُوتَ، وكانَ رَفَعَهُ اللهُ بَعْدَ مُوسى، فَنَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ. وكَذا ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ نَعْتٌ لِسَكِينَةٌ و﴿مِمّا تَرَكَ﴾ نَعْتٌ لِبَقِيَّةٌ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنَّ في رُجُوعِ التابُوتِ إلَيْكم عَلّامَةٌ أنَّ اللهَ قَدْ مَلَّكَ طالُوتَ عَلَيْكم إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ.

البقرة 2:249

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ خَرَجَ ﴿بِالجُنُودِ﴾ عَنْ بَلَدِهِ إلى جِهادِ العَدُوِّ. و﴿بِالجُنُودِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُخْتَلِطًا بِالجُنُودِ، وهم ثَمانُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، وسَألُوا أنْ يُجْرِيَ اللهُ لَهم نَهْرًا ﴿قالَ إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ مُخْتَبِرُكُمْ، أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ. ﴿بِنَهَرٍ﴾ وهو نَهْرُ فِلَسْطِينَ، لِيَتَمَيَّزَ المُحِقُّ في الجِهادِ مِنَ المُعْذَرِ. ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ كَرِيمًا ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فَلَيْسَ مِن أتْباعِي (p-٢٠٦)وَأشْياعِي ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ ومَن لَمْ يَذُقْهُ، مِن طَعِمَ الشَيْءَ: إذا ذاقَهُ. ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وبِفَتْحِ الياءِ، مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو. واسْتَثْنى ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ والجُمْلَةُ الثانِيَةُ في حُكْمِ المُتَأخِّرَةِ عَنِ الِاسْتِثْناءِ، إلّا أنَّها قُدِّمَتْ لِلْعِنايَةِ. ﴿غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ غُرْفَةً، حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو بِمَعْنى المَصْدَرِ. وبِالضَمِّ بِمَعْنى المَغْرُوفِ. ومَعْناهُ: الرُخْصَةُ في اغْتِرافِ الغُرْفَةِ بِاليَدِ دُونَ الكَرْعِ. والدَلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ أيْ: فَكَرَعُوا. ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ:النَهْرَ. ﴿هُوَ﴾ طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيِ:القَلِيلُ. ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ أيْ: لا قُوَّةَ لَنا ﴿بِجالُوتَ﴾ هو جَبّارٌ مِنَ العَمالِقَةِ، مِن أوْلادِ عِمْلِيقَ بْنِ عادٍ، وكانَ في بَيْضَتِهِ ثَلاثُمِائَةِ رِطْلٍ مِنَ الحَدِيدِ. ﴿وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللهِ﴾ يُوقِنُونَ بِالشَهادَةِ. قِيلَ: الضَمِيرُ في " قالُوا " لِلْكَثِيرِ الَّذِينَ انْخَذَلُوا. و﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ الغُرْفَةُ كانَتْ تَكْفِي الرَجُلَ لِشُرْبِهِ وأدَواتِهِ، والَّذِينَ شَرِبُوا مِنهُ اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ. ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ كَمْ خَبَرِيَّةٌ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ. ﴿غَلَبَتْ﴾ خَبَرُها ﴿فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللهِ﴾ بِنْصِرِهِ ﴿واللهُ مَعَ الصابِرِينَ﴾ بِالنَصْرِ.

البقرة 2:250

﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ خَرَجُوا لِقِتالِهِمْ ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ﴾ اصْبُبْ. ﴿عَلَيْنا صَبْرًا﴾ عَلى القِتالِ ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا، وإلْقاءِ الرُعْبِ في صُدُورِ عَدُوِّنا. ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أعِنّا عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:251

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: طالُوتُ والمُؤْمِنُونَ جالُوتَ وجُنُودَهُ ﴿بِإذْنِ (p-٢٠٧)اللهِ﴾ بِقَضائِهِ ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ كانَ إيشِي أبُو داوُدَ في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَ سِتَّةٍ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهُمْ، وهو صَغِيرٌ، يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللهُ إلى نَبِيِّهِمْ، أنَّ داوُدَ هو الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ، فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ، وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، دَعاهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها أنْ يَحْمِلَهُ، وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ تَقْتُلُ بِنا جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ، ورَمى بِها جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وزَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ، ثُمَّ حَسَدَهُ، وأرادَ قَتْلَهُ، ثُمَّ ماتَ تائِبًا. ﴿وَآتاهُ اللهُ المُلْكَ﴾ في مَشارِقِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ومَغارِبِها، وما اجْتَمَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى مَلِكٍ قَطُّ قَبْلَ داوُدَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ والنُبُوَّةَ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُرُوعِ، وكَلامِ الطُيُورِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ الناسَ﴾ هو مَفْعُولٌ بِهِ ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الناسِ. (دِفاعُ): مَدَّنِيٌّ، مَصْدَرُ: دَفَعَ، أوْ دافَعَ. ﴿بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ: ولَوْلا أنَّ اللهَ تَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ الناسِ بِبَعْضٍ، ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبَ المُفْسِدُونَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ، وبَطَلَتْ مَنافِعُها مِنَ الحَرْثِ والنَسْلِ، أوْ ولَوْلا أنَّ اللهَ تَعالى يَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِغَلَبَةِ الكُفّارِ، وقَتْلِ الأبْرارِ، وتَخْرِيبِ البِلادِ، وتَعْذِيبِ العِبادِ. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ بِإزالَةِ الفَسادِ عَنْهُمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الأصْلَحِ.

البقرة 2:252

﴿تِلْكَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿آياتُ اللهِ﴾ يَعْنِي: القَصَصُ الَّتِي اقْتَصَّها مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ، وإماتَتِهِمْ، وإحْيائِهِمْ، وتَمْلِيكِ طالُوتَ، وإظْهارِهِ عَلى الجَبابِرَةِ عَلى يَدِ صَبِيٍّ. ﴿نَتْلُوها﴾ حالٌ مِن " آيات اللهِ " والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أوْ " آيات اللهِ " بَدَلٌ مِن " تِلْكَ " و﴿نَتْلُوها﴾ الخَبَرُ ﴿عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ بِاليَقِينِ الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّهُ في كُتُبِهِمْ كَذَلِكَ. ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ حَيْثُ تُخْبِرُ بِها مِن غَيْرِ أنْ تُعْرَفَ بِقِراءَةِ كِتابٍ، أوْ سَماعٍ مِن أهْلِهِ. (p-٢٠٨)

البقرة 2:253

﴿تِلْكَ الرُسُلُ﴾ إشارَةٌ إلى جَماعَةِ الرُسُلِ الَّتِي ذَكِرَتْ قِصَصُها في هَذِهِ السُورَةِ مِن آدَمَ إلى داوُدَ، أوِ الَّتِي ثَبَتَ عِلْمُها عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِالخَصائِصِ وراءَ الرِسالَةِ، لِاسْتِوائِهِمْ فِيها كالمُؤْمِنِينَ، يَسْتَوُونَ في صِفَةِ الإيمانِ، ويَتَفاوَتُونَ في الطاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللهُ﴾ أيْ: كَلَّمَهُ اللهُ، حَذَفَ العائِدَ مِنَ الصِلَةِ، يَعْنِي: مِنهم مَن فَضَّلَهُ اللهُ بِأنْ كَلَّمَهُ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلٌ. ﴿دَرَجاتٍ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: بِدَرَجاتٍ، أوْ إلى دَرَجاتٍ، يَعْنِي: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِهِ إلى الكافَّةِ، وبِأنَّهُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفٍ أوْ أكْثَرَ، وأكْبَرُها القُرْآنُ، لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ. وفي هَذا الإبْهامِ تَفْخِيمٌ وبَيانُ أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ، والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ وإبْراهِيمُ وغَيْرُهُما، مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ. ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ كَإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَوَّيْناهُ بِجِبْرِيلَ، أوْ بِالإنْجِيلِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلَ﴾ أيْ: ما اخْتَلَفَ، لِأنَّهُ سَبَبُهُ. ﴿الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ الرُسُلِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ المُعْجِزاتُ الظاهِراتُ. ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ بِمَشِيئَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ الِاخْتِلافَ فَقالَ: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ بِمَشِيئَتِي. يَقُولُ اللهُ: أُجْرِيَتْ أُمُورُ رُسُلِي عَلى هَذا، أيْ: لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ مِنهم طاعَةُ جَمِيعِ أُمَّتِهِ في حَياتِهِ، ولا بَعْدَ وفاتِهِ، بَلِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَوْ شِئْتُ ألّا يَقْتَتِلُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، إذْ لا يَجْرِي في مُلْكِي إلّا ما يُوافِقُ مَشِيئَتِي. وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ ألّا يَقْتَتِلُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، (p-٢٠٩)وَهم يَقُولُونَ: شاءَ ألّا يَقْتَتِلُوا فاقْتَتَلُوا. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أثْبَتَ الإرادَةَ لِنَفْسِهِ، كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ.

البقرة 2:254

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ، أوْ هو عامٌّ في كُلِّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ، لِأنَّهُ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ. ﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ حَتّى يُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ، ﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ أيْ: لِلْكافِرِينَ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَهم شَفاعَةٌ، أوْ إلّا بِإذْنِهِ. ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِتَرْكِهِمُ التَقْدِيمَ لِيَوْمِ حاجاتِهِمْ، أوِ الكافِرُونَ بِهَذا اليَوْمِ هُمُ الظالِمُونَ. (لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ.

البقرة 2:255

﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لا مَعَ اسْمِهِ وخَبَرِهِ، وما أُبْدِلَ مِن مَوْضِعِهِ، في مَوْضِعِ الرَفْعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو اللهُ ﴿الحَيُّ﴾ الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْفَناءِ. ﴿القَيُّومُ﴾ الدائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، وحِفْظِهِ. ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نُعاسٌ، وهُوَ: ما يَتَقَدَّمُ النَوْمَ مِنَ الفُتُورِ. ﴿وَلا نَوْمٌ﴾ عَنِ المُفَضَّلِ: السِنَةُ: ثِقَلٌ في الرَأْسِ، والنُعاسُ: في العَيْنِ، والنَوْمُ: في القَلْبِ. وهو تَأْكِيدٌ لِلْقَيُّومِ، لِأنَّ مَن جازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَيُّومًا، وقَدْ أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: قُلْ لِهَؤُلاءِ: إنّى أُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ بِقُدْرَتِي، فَلَوْ أخَذَنِي نَوْمٌ أوْ نُعاسٌ لَزالَتا. ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَشْفَعَ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وهو بَيانٌ لِمَلَكُوتِهِ وكِبْرِيائِهِ، وأنَّ أحَدًا لا يَتَمالَكُ أنْ يَتَكَلَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا إذا أُذِنَ لَهُ في الكَلامِ. وفِيهِ رَدٌّ لِزَعْمِ الكُفّارِ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ ما كانَ قَبْلَهم وما يَكُونُ (p-٢١٠)بَعْدَهم. والضَمِيرُ لِما في السَمَواتِ والأرْضِ، لِأنَّ فِيهِمُ العُقَلاءَ. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ مِن مَعْلُومِهِ، يُقالُ: في الدُعاءِ: اللهُمَّ اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينا، أيْ: مَعْلُومُكَ. ﴿إلا بِما شاءَ﴾ إلّا بِما عَلِمَ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: عِلْمُهُ. ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِتَضَمُّنِها العِلْمَ، والكَراسِيُّ العُلَماءِ، وسُمِّيَ العِلْمُ كُرْسِيًّا تَسْمِيَةً بِمَكانِهِ الَّذِي هو كُرْسِيُّ العالِمِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافِرٌ: ٧]. أوْ مُلْكُهُ تَسْمِيَةً بِمَكانِهِ الَّذِي هو كُرْسِيُّ المُلْكِ، أوْ عَرْشُهُ، كَذا عَنِ الحَسَنِ. أوْ هو سَرِيرٌ دُونَ العَرْشِ. فى الحَدِيثِ « "ما السَماواتُ السَبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بِفَلاةٍ، وفَضْلُ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ"، » أوْ قُدْرَتِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَئُودُهُ﴾ ولا يُثْقِلُهُ، ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ. ﴿حِفْظُهُما﴾ حِفْظُ السَمَواتِ والأرْضِ ﴿وَهُوَ العَلِيُّ﴾ في مَلِكِهِ وسُلْطانِهِ ﴿العَظِيمُ﴾ في عِزِّهِ وجَلالِهِ، أوْ ﴿العَلِيُّ﴾ المُتَعالِي عَنِ الصِفاتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ، ﴿العَظِيمُ﴾ المُتَّصِفُ بِالصِفاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، فَهُما جامِعانِ لِكَمالِ التَوْحِيدِ، وإنَّما تَرَتَّبَتِ الجُمَلُ في آيَةِ الكُرْسِيِّ بِلا حَرْفِ عَطْفٍ، لِأنَّها ورَدَتْ عَلى سَبِيلِ البَيانِ، فالأُولى: بَيانٌ لِقِيامِهِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، وكَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ غَيْرَ ساهٍ عَنْهُ. والثانِيَةُ: لِكَوْنِهِ مالِكًا لِما يُدَبِّرُهُ. والثالِثَةُ: لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ. والرابِعَةُ: لِإحاطَتِهِ بِأحْوالِ الخَلْقِ. والخامِسَةُ: لِسَعَةِ عِلْمِهِ، وتَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، أوْ لِجَلالِهِ، وعِظَمِ قَدْرِهِ. وإنَّما فُضِّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى ورَدَ فى فَضْلِها ما ورَدَ، مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ، ولا يُواظِبُ عَلَيْها إلّا صِدِّيقٌ أوْ عابِدٌ، ومَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللهُ عَلى نَفْسِهِ وجارِهِ وجارِ جارِهِ والأبْياتِ حَوْلَهُ". » وقالَ ﷺ: « "سَيِّدُ البَشَرِ آدَمُ وسَيِّدُ (p-٢١١)العَرَبِ مُحَمَّدٌ ولا فَخْرَ، وسَيِّدُ الفُرْسِ سَلْمانُ، وسَيِّدُ الرُومِ صُهَيْبٌ، وسَيِّدُ الحَبَشَةِ بِلالٌ، وسَيِّدُ الجِبالِ الطُورُ، وسَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وسَيِّدُ الكَلامِ القُرْآنُ، وسَيِّدُ القُرْآنِ البَقَرَةِ، وسَيِّدُ البَقَرَةِ آيَةُ الكُرْسِيِّ". » وقالَ: « "ما قُرِئَتْ هَذِهِ الآيَةُ في دارٍ إلّا هَجَرَتْها الشَياطِينُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ولا يَدْخُلُها ساحِرٌ ولا ساحِرَةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً". وقالَ: "مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ عِنْدَ مَنامِهِ بُعِثَ إلَيْهِ مَلَكٌ يَحْرُسُهُ حَتّى يُصْبِحَ". » وقالَ: « "مَن قَرَأ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ، وإنْ قَرَأهُما حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، آيَةُ الكُرْسِيِّ وأوَّلُ حَمِ المُؤْمِنُ إلى ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ " »، لِاشْتِمالِهِما عَلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، وتَعْظِيمِهِ، وتَمْجِيدِهِ، وصِفاتِهِ العُظْمى، ولا مَذْكُورَ أعْظَمُ مِن رَبِّ العِزَّةِ، فَما كانَ ذِكْرًا لَهُ كانَ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأذْكارِ. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ أشْرَفَ العُلُومِ عِلْمُ التَوْحِيدِ.

البقرة 2:256

﴿لا إكْراهَ في الدِينِ﴾ أيْ: لا إجْبارَ عَلى الدِينِ الحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ. وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى النَهْيِ. ورُوِيَ «أنَّهُ كانَ لِأنْصارِيٍّ ابْنانِ فَتَنَصَّرا، فَلَزِمَهُما أبُوهُما، وقالَ: واللهِ لا أدْعُكُما حَتّى تُسْلِما، فَأبَيا، فاخْتَصَما إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللهِ، أيَدْخُلُ بِعَضِي في النارِ وأنا أنْظُرُ؟! فَنَزَلَتْ. فَخَلّاهُما. » قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ: كانَ هَذا في الِابْتِداءِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ قَدْ تَمَيَّزَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطاغُوتِ﴾ بِالشَيْطانِ، أوِ الأصْنامِ. ﴿وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ (p-٢١٢)اسْتَمْسَكَ﴾ تَمَسَّكَ ﴿بِالعُرْوَةِ﴾ أيِ:المُعْتَصَمِ، والمُتَعَلَّقِ. ﴿الوُثْقى﴾ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، أيِ:الأشَدِّ مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ، المُحْكَمِ، المَأْمُونِ. ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انْقِطاعَ لِلْعُرْوَةِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ، حَتّى يَتَصَوَّرَهُ السامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَيُحْكِمُ اعْتِقادَهُ. والمَعْنى: فَقَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ مِنَ الدِينِ عَقْدًا وثِيقًا لا تُحِلُّهُ شُبْهَةٌ ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِإقْرارِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِاعْتِقادِهِ.

البقرة 2:257

﴿اللهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ناصِرُهُمْ، ومُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ. ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَلالَةِ وجُمِعَتْ لِاخْتِلافِها. ﴿إلى النُورِ﴾ إلى الإيمانِ والهِدايَةِ، ووَحَّدَ لِاتِّحادِ الإيمانِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ هي ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطاغُوتُ﴾ خَبَرُهُ ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُورِ إلى الظُلُماتِ﴾ وجُمِعَ، لِأنَّ الطاغُوتَ في مَعْنى الجَمْعِ، يَعْنِي: والَّذِينَ صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ أمْرَهم عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، أوِ اللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ يُخْرِجُهم مِنَ الشُبْهَةِ في الدِينِ إنْ وقَعَتْ لَهم بِما يَهْدِيهِمْ، ويُوَفِّقُهم لَهُ مِن حَلِّها، حَتّى يَخْرُجُوا مِنها إلى نُورِ اليَقِينِ، والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الشَياطِينُ، يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ البَيِّناتِ، الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ، إلى ظُلُماتِ الشَكِّ والشُبْهَةِ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

البقرة 2:258

ثُمَّ عَجِبَ نَبِيَّهُ ﷺ، وسَلّاهُ بِمُجادَلَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نُمْرُوذَ الَّذِي كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ في مُعارَضَتِهِ رُبُوبِيَّةَ رَبِّهِ. والهاءُ في "رَبِّهِ" يَرْجِعُ إلى إبْراهِيمَ، أوِ الَّذِي حاجَّ، فَهو رَبُّهُما ﴿أنْ آتاهُ اللهُ المُلْكَ﴾ لِأنْ آتاهُ اللهُ، يَعْنِي: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبَطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبَرَ، فَحاجَّ لِذَلِكَ. وهو دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في الأصْلَحِ، أوْ حاجَّ وقْتَ أنْ أتاهُ اللهُ المُلْكَ. ﴿إذْ قالَ﴾ نَصْبٌ بِحاجَّ، أوْ بَدَلٌ مِن أنْ آتاهُ إذا جُعِلَ بِمَعْنى: الوَقْتِ. ﴿إبْراهِيمُ رَبِّيَ﴾ (رَبِّي)، حَمْزَةُ. ﴿الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ قالَ: (p-٢١٣)رَبِّي الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴿قالَ﴾ نُمْرُوذُ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ يُرِيدُ: أعْفِي عَنِ القَتْلِ، وأقْتُلُ. فانْقَطَعَ اللَعِينُ بِهَذا عِنْدَ المُخاصَمَةِ، فَزادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما لا يَتَأتّى فِيهِ التَلْبِيسُ عَلى الضَعَفَةِ، حَيْثُ ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿فَإنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وهَذا لَيْسَ بِانْتِقالٍ مِن حُجَّةٍ إلى حُجَّةٍ كَما زَعَمَ البَعْضُ، لِأنَّ الحُجَّةَ الأُولى كانَتْ لازِمَةً، ولَكِنْ لَمّا عانَدَ اللَعِينُ حُجَّةَ الأحْياءِ بِتَخْلِيَةِ واحِدٍ وقَتْلِ آخَرَ، كَلَّمَهُ مِن وجْهٍ لا يُعانَدُ. وكانُوا أهْلَ تَنْجِيمٍ. وحَرَكَةُ الكَواكِبِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ مَعْلُومَةٌ لَهُمْ، والحَرَكَةُ الشَرْقِيَّةُ المَحْسُوسَةُ لَنا قَسْرِيَّةٌ كَتَحْرِيكِ الماءِ النَمْلَ عَلى الرَحى إلى غَيْرِ جِهَةِ حَرَكَةِ النَمْلِ، فَقالَ: إنَّ رَبِّي يُحَرِّكُ الشَمْسَ قَسْرًا عَلى غَيْرِ حَرَكَتِها، فَإنْ كُنْتَ رَبًّا فَحَرَّكَها بِحَرَكَتِها، فَهو أهْوَنُ. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ تَحَيَّرَ، ودُهِشَ. ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: لا يُوَفِّقُهم. وقالُوا: إنَّما لَمْ يَقُلْ نُمْرُوذُ: فَلْيَأْتِ رَبُّكَ بِالشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى صَرَفَهُ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وما كانَ يَعْتَرِفُ بِالرُبُوبِيَّةِ لِغَيْرِهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ أنَّ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الإحْياءُ والإماتَةُ أنا لا غَيْرِي. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ التَكَلُّمِ في عِلْمِ الكَلامِ والمُناظَرَةِ فِيهِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ والمُحاجَّةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ حاجَّهُ أيْضًا. ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُباحًا لَما باشَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، لِكَوْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومِينَ عَنِ ارْتِكابِ الحَرامِ، ولِأنّا أُمِرْنا بِدُعاءِ الكَفَرَةِ إلى الإيمانِ بِاللهِ وتَوْحِيدِهِ، وإذا دَعَوْناهم إلى ذَلِكَ لا بُدَّ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الدَلِيلِ عَلى ذَلِكَ، وذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ المُناظَرَةِ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ".