Lafzullah

Tafsir Al-Nasafi — البقرة 2:259 – آل عمران 3:200

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Nasafi

المحتويات
  1. البقرة 2:259
  2. البقرة 2:260
  3. البقرة 2:261
  4. البقرة 2:262
  5. البقرة 2:263
  6. البقرة 2:264
  7. البقرة 2:265
  8. البقرة 2:266
  9. البقرة 2:267
  10. البقرة 2:268
  11. البقرة 2:269
  12. البقرة 2:270
  13. البقرة 2:271
  14. البقرة 2:272
  15. البقرة 2:273
  16. البقرة 2:274
  17. البقرة 2:275
  18. البقرة 2:276
  19. البقرة 2:277
  20. البقرة 2:278
  21. البقرة 2:279
  22. البقرة 2:280
  23. البقرة 2:281
  24. البقرة 2:282
  25. البقرة 2:283
  26. البقرة 2:284
  27. البقرة 2:285
  28. البقرة 2:286
  29. آل عمران 3:1
  30. آل عمران 3:2
  31. آل عمران 3:3
  32. آل عمران 3:4
  33. آل عمران 3:5
  34. آل عمران 3:6
  35. آل عمران 3:7
  36. آل عمران 3:8
  37. آل عمران 3:9
  38. آل عمران 3:10
  39. آل عمران 3:11
  40. آل عمران 3:12
  41. آل عمران 3:13
  42. آل عمران 3:14
  43. آل عمران 3:15
  44. آل عمران 3:16
  45. آل عمران 3:17
  46. آل عمران 3:18
  47. آل عمران 3:19
  48. آل عمران 3:20
  49. آل عمران 3:21
  50. آل عمران 3:22
  51. آل عمران 3:23
  52. آل عمران 3:24
  53. آل عمران 3:25
  54. آل عمران 3:26
  55. آل عمران 3:27
  56. آل عمران 3:28
  57. آل عمران 3:29
  58. آل عمران 3:30
  59. آل عمران 3:31
  60. آل عمران 3:32
  61. آل عمران 3:33
  62. آل عمران 3:34
  63. آل عمران 3:35
  64. آل عمران 3:36
  65. آل عمران 3:37
  66. آل عمران 3:38
  67. آل عمران 3:39
  68. آل عمران 3:40
  69. آل عمران 3:41
  70. آل عمران 3:42
  71. آل عمران 3:43
  72. آل عمران 3:44
  73. آل عمران 3:45
  74. آل عمران 3:46
  75. آل عمران 3:47
  76. آل عمران 3:48
  77. آل عمران 3:49
  78. آل عمران 3:50
  79. آل عمران 3:51
  80. آل عمران 3:52
  81. آل عمران 3:53
  82. آل عمران 3:54
  83. آل عمران 3:55
  84. آل عمران 3:56
  85. آل عمران 3:57
  86. آل عمران 3:58
  87. آل عمران 3:59
  88. آل عمران 3:60
  89. آل عمران 3:61
  90. آل عمران 3:62
  91. آل عمران 3:63
  92. آل عمران 3:64
  93. آل عمران 3:65
  94. آل عمران 3:66
  95. آل عمران 3:67
  96. آل عمران 3:68
  97. آل عمران 3:69
  98. آل عمران 3:70
  99. آل عمران 3:71
  100. آل عمران 3:72
  101. آل عمران 3:73
  102. آل عمران 3:74
  103. آل عمران 3:75
  104. آل عمران 3:76
  105. آل عمران 3:77
  106. آل عمران 3:78
  107. آل عمران 3:79
  108. آل عمران 3:80
  109. آل عمران 3:81
  110. آل عمران 3:82
  111. آل عمران 3:83
  112. آل عمران 3:84
  113. آل عمران 3:85
  114. آل عمران 3:86
  115. آل عمران 3:87
  116. آل عمران 3:88
  117. آل عمران 3:89
  118. آل عمران 3:90
  119. آل عمران 3:91
  120. آل عمران 3:92
  121. آل عمران 3:93
  122. آل عمران 3:94
  123. آل عمران 3:95
  124. آل عمران 3:96
  125. آل عمران 3:97
  126. آل عمران 3:98
  127. آل عمران 3:99
  128. آل عمران 3:100
  129. آل عمران 3:101
  130. آل عمران 3:102
  131. آل عمران 3:103
  132. آل عمران 3:104
  133. آل عمران 3:105
  134. آل عمران 3:106
  135. آل عمران 3:107
  136. آل عمران 3:108
  137. آل عمران 3:109
  138. آل عمران 3:110
  139. آل عمران 3:111
  140. آل عمران 3:112
  141. آل عمران 3:113
  142. آل عمران 3:114
  143. آل عمران 3:115
  144. آل عمران 3:116
  145. آل عمران 3:117
  146. آل عمران 3:118
  147. آل عمران 3:119
  148. آل عمران 3:120
  149. آل عمران 3:121
  150. آل عمران 3:122
  151. آل عمران 3:123
  152. آل عمران 3:124
  153. آل عمران 3:125
  154. آل عمران 3:126
  155. آل عمران 3:127
  156. آل عمران 3:128
  157. آل عمران 3:129
  158. آل عمران 3:130
  159. آل عمران 3:131
  160. آل عمران 3:132
  161. آل عمران 3:133
  162. آل عمران 3:134
  163. آل عمران 3:135
  164. آل عمران 3:136
  165. آل عمران 3:137
  166. آل عمران 3:138
  167. آل عمران 3:139
  168. آل عمران 3:140
  169. آل عمران 3:141
  170. آل عمران 3:142
  171. آل عمران 3:143
  172. آل عمران 3:144
  173. آل عمران 3:145
  174. آل عمران 3:146
  175. آل عمران 3:147
  176. آل عمران 3:148
  177. آل عمران 3:149
  178. آل عمران 3:150
  179. آل عمران 3:151
  180. آل عمران 3:152
  181. آل عمران 3:153
  182. آل عمران 3:154
  183. آل عمران 3:155
  184. آل عمران 3:156
  185. آل عمران 3:157
  186. آل عمران 3:158
  187. آل عمران 3:159
  188. آل عمران 3:160
  189. آل عمران 3:161
  190. آل عمران 3:162
  191. آل عمران 3:163
  192. آل عمران 3:164
  193. آل عمران 3:165
  194. آل عمران 3:166
  195. آل عمران 3:167
  196. آل عمران 3:168
  197. آل عمران 3:169
  198. آل عمران 3:170
  199. آل عمران 3:171
  200. آل عمران 3:172
  201. آل عمران 3:173
  202. آل عمران 3:174
  203. آل عمران 3:175
  204. آل عمران 3:176
  205. آل عمران 3:177
  206. آل عمران 3:178
  207. آل عمران 3:179
  208. آل عمران 3:180
  209. آل عمران 3:181
  210. آل عمران 3:182
  211. آل عمران 3:183
  212. آل عمران 3:184
  213. آل عمران 3:185
  214. آل عمران 3:186
  215. آل عمران 3:187
  216. آل عمران 3:188
  217. آل عمران 3:189
  218. آل عمران 3:190
  219. آل عمران 3:191
  220. آل عمران 3:192
  221. آل عمران 3:193
  222. آل عمران 3:194
  223. آل عمران 3:195
  224. آل عمران 3:196
  225. آل عمران 3:197
  226. آل عمران 3:198
  227. آل عمران 3:199
  228. آل عمران 3:200

البقرة 2:259

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ﴾ مَعْناهُ: أوْ أرَأيْتَ مَثَلَ الَّذِي، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿ألَمْ تَرَ﴾ عَلَيْهِ، لِأنَّ كِلْتَيْهِما كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ، أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى دُونَ اللَفْظِ، تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوْ كالَّذِي مَرَّ. وقالَ صاحِبُ (p-٢١٤)"الكَشْفِ": فِيهِ الكافُ زائِدَةٌ، والذِي عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِي حاجَّ﴾ عَنِ الحَسَنِ: إنَّ المارَّ كانَ كافِرًا بِالبَعْثِ، لِانْتِظامِهِ مَعَ نُمْرُوذٍ في سِلْكٍ، ولِكَلِمَةِ الِاسْتِبْعادِ الَّتِي هِيَ: ﴿أنّى يُحْيِي﴾ والأكْثَرُ أنَّهُ عُزَيْرٌ، أرادَ أنْ يُعايِنَ إحْياءَ المَوْتى لِيَزْدادَ بَصِيرَةً كَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و﴿أنّى يُحْيِي﴾ اعْتِرافٌ بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقَةِ الإحْياءِ واسْتِعْظامٌ لِقُدْرَةِ المُحْيِي. ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ هي بَيْتُ المَقْدِسِ حَيْثُ خَرَّبَهُ بُخْتَنَصَّرُ، أوْ هي الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ ساقِطَةٌ مَعَ سُقُوفِها، أوْ سَقَطَتِ السُقُوفُ ثُمَّ سَقَطَتْ عَلَيْها الحِيطانُ، وكُلُّ مُرْتَفِعٍ عَرْشٍ. ﴿قالَ أنّى يُحْيِي﴾ أيْ: كَيَفَ ؟ ﴿هَذِهِ﴾ أيْ: أهْلَ هَذِهِ. ﴿اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ. ﴿قالَ﴾ لَهُ مَلِكٌ ﴿كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى الظَنِّ، وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ الِاجْتِهادِ. رُوِيَ أنَّهُ ماتَ ضُحًى، وبُعِثَ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَمْسِ، فَقالَ قَبْلَ النَظَرِ إلى الشَمْسِ: ﴿يَوْمًا﴾ ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَمْسِ فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ رُوِيَ أنَّ طَعامَهُ كانَ تِينًا وعِنَبًا، وشَرابُهُ عَصِيرًا ولَبَنًا، فَوَجَدَ التِينَ والعِنَبَ كَما جُنِيا، والشَرابَ عَلى حالِهِ. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ والهاءُ أصْلِيَّةٌ أوْ هاءُ سَكْتٍ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُنَّةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ لامَها هاءٌ، لِأنَّ الأصْلَ سَنَهَةٌ، والفِعْلُ سانَهْتُ فُلانًا، أيْ: عامَلْتُهُ سَنَةً. أوْ واوٌ، لِأنَّ الأصْلَ سَنَوَةٌ، والفِعْلُ سانَيْتُ. ومَعْناهُ: لَمْ تُغَيِّرْهُ السُنُونَ، لَمْ يَتَسَنَّ بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ، وبِإثْباتِها في الوَقْفِ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كَيْفَ تَفَرَّقَتْ عِظامُهُ، ونَخِرَتْ. وكانَ لَهُ حِمارٌ قَدْ رَبَطَهُ فَماتَ، وتَفَتَّتَتْ عِظامُهُ، أوْ ﴿وانْظُرْ﴾ إلَيْهِ سالِمًا في مَكانِهِ كَما رَبَطَتْهُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يَعِيشَهُ مِائَةَ عامٍ مِن غَيْرِ عَلَفٍ ولا ماءٍ، كَما حَفِظَ طَعامَهُ (p-٢١٥)وَشَرابَهُ مِنَ التَغَيُّرِ ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. يُرِيدُ إحْياءَهُ بَعْدَ المَوْتِ، وحِفْظَ ما مَعَهُ، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِتَعْتَبِرَ ولِنَجْعَلَكَ. قِيلَ: أتى قَوْمَهُ راكِبًا حِمارًا، وقالَ: أنا عُزَيْرٌ، فَكَذَّبُوهُ، فَقالَ: هاتُوا التَوْراةَ، فَأخَذَ يَقْرَؤُها عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، ولَمْ يَقْرَأِ التَوْراةَ ظاهِرًا أحَدٌ قَبْلَ عُزَيْرٍ، فَذَلِكَ كَوْنُهُ آيَةً. وقِيلَ: رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ فَرَأى أوْلادَهُ شُيُوخًا وهو شابٌّ. ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ: عِظامِ الحِمارِ، أوْ عِظامِ المَوْتى الَّذِينَ تَعَجَّبَ مِن إحْيائِهِمْ. ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ نُحَرِّكُها، ونَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ لِلتَّرْكِيبِ. نَنْشُرُها بِالراءِ، حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ، نُحْيِيها. ﴿ثُمَّ نَكْسُوها﴾ أيِ:العِظامَ ﴿لَحْمًا﴾ جَعَلَ اللَحْمَ كاللِباسِ مَجازًا ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَحَذَفَ الأوَّلَ، لِدَلالَةِ الثانِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَنِي، وضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَجُوزُ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ ما أُشْكِلَ عَلَيْهِ، يَعْنِي: أمْرَ إحْياءِ المَوْتى. قالَ: اعْلَمْ عَلى لَفْظِ الأمْرِ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، أيْ: قالَ اللهُ لَهُ: اعْلَمْ أوْ هو خاطَبَ نَفْسَهُ.

البقرة 2:260

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي﴾ بَصِّرْنِي ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ مَوْضِعُ ﴿كَيْفَ﴾ نَصْبٌ بِـ ﴿تُحْيِ﴾ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وإنَّما قالَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ أثْبَتُ الناسِ إيمانًا، لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ لِلسّامِعِينَ. و﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ النَفْيِ. مَعْناهُ "بَلى" آمَنتُ، ولَكِنْ لِأزِيدَ سُكُونًا وطُمَأْنِينَةً بِمُضامَّةِ عِلْمِ الضَرُورَةِ عِلْمَ الِاسْتِدْلالِ، وتَظاهُرُ الأدِلَّةِ أسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وأزَيْدُ لِلْبَصِيرَةِ. فَعَلِمَ الِاسْتِدْلالَ يَجُوزُ مَعَهُ التَشْكِيكُ بِخِلافِ الضَرُورِيِّ، واللامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ سَألْتُ ذَلِكَ إرادَةَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ. ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَيْرِ﴾ طاوُوسًا، ودِيكًا، وغُرابًا، وحَمامَةً. (p-٢١٦)﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ وبِكَسْرِ الصادِ، حَمْزَةُ، أيْ: أمِلْهُنَّ، واضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ ثُمَّ جَزِّئْهُنَّ، وفَرِّقْ أجَزاءَهُنَّ عَلى الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِكَ وفي أرْضِكَ، وكانَتْ أرْبَعَةَ أجُبِلٍ، أوْ سَبْعَةً. (جُزُءًا) بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزٍ، أبُو بَكْرٍ. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قُلْ لَهُنَّ: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللهِ. ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: ساعِياتٍ مُسْرِعاتٍ في طَيَرانِهِنَّ، أوْ في مَشْيِهِنَّ عَلى أرْجُلِهِنَّ، وإنَّما أمَرَهُ بِضَمِّها إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أخْذِها لِيَتَأمَّلَها، ويَعْرِفَ أشْكالَها وهَيْئاتِها، وحَلّاها، لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإحْياءِ، ولا يَتَوَهَّمُ أنَّها غَيْرُ تِلْكَ. ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها، ويَنْتِفَ رِيشَها، ويَقْطَعَها، ويُفَرِّقَ أجْزاءَها، ويَخْلِطَ رِيشَها ودِماءَها ولُحُومَها، وأنْ يُمْسِكَ رُءُوسَها، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَجْعَلَ أجْزاءَها عَلى الجِبالِ، عَلى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعًا مِن كُلِّ طائِرٍ، ثُمَّ يَصِيحُ بِها: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللهِ تَعالى. فَجُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ يَطِيرُ إلى الآخَرِ حَتّى صارَتْ جُثَثًا، ثُمَّ أقْبَلْنَ فانْضَمَمْنَ إلى رُءُوسِهِنَّ، كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها. ﴿واعْلَمْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُدَبِّرُ لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ الحِكْمَةُ.

البقرة 2:261

وَلَمّا بَرْهَنَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ، حَثَّ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وأعْلَمَ أنَّ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِهِ فَلَهُ في نَفَقَتِهِ أجْرٌ عَظِيمٌ، وهو قادِرٌ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ﴾ لا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ المُنْبِتُ هو اللهُ، ولَكِنَّ الحَبَّةَ لِما كانَتْ سَبَبًا أسْنَدَ إلَيْها الإنْباتَ كَما يُسْنِدُ إلى الأرْضِ وإلى الماءِ، ومَعْنى إنْباتِها سَبْعَ سَنابِلَ: أنْ تُخْرِجَ ساقًا يَتَشَعَّبُ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ، لِكُلِّ واحِدٍ سُنْبُلَةٌ، وهَذا التَمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْأضْعافِ، كَأنَّها ماثِلَةٌ بَيْنَ عَيْنَيِ الناظِرِ. والمُمَثَّلُ بِهِ مَوْجُودٌ في الدُخْنِ والذَرَّةِ، ورُبَّما (p-٢١٧)فَرَخَّتْ ساقَ البُرَّةِ فى الأرْضِ القَوِيَّةِ المُغِلَّةِ فَيَبْلُغُ حَبُّها هَذا المَبْلَغَ. عَلى أنَّ التَمْثِيلَ يَصِحُّ وإنْ لَمْ يُوجَدْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَقْدِيرِ، ووَضْعُ سَنابِلَ مَوْضِعَ سُنْبُلاتٍ كَوَضْعِ قُرُوءٍ مَوْضِعَ أقْراءٍ. ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُضاعِفُ تِلْكَ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ، لا لِكُلِّ مُنْفِقٍ، لِتَفاوُتِ أحْوالِ المُنْفِقِينَ، أوْ يَزِيدُ عَلى سَبْعِمِائَةٍ لِمَن يَشاءُ، (يُضاعِفُ)، شامِيٌّ. و(يُضَعِّفُ)، مَكِّيٌّ. ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ واسِعُ الفَضْلِ والجُودِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِ المُنْفِقِينَ.

البقرة 2:262

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا﴾ هو أنْ يُعْتَدَّ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ بِإحْسانِهِ، ويُرِيهِ أنَّهُ اصْطَنَعَهُ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ حَقًّا لَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: إذا صَنَعْتُمْ صَنِيعَةً فانْسَوْها. ﴿وَلا أذًى﴾ هو أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما أعْطاهُ، ومَعْنى "ثُمَّ" إظْهارُ التَفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ، كَما جَعَلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإيمانِ خَيْرًا مِنَ الدُخُولِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠] ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ثَوابَ إنْفاقِهِمْ. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن بِخْسِ الأجْرِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ مِن فَوْتِهِ، أوْ لا خَوْفٌ مِنَ العَذابِ، ولا حُزْنٌ بِفَواتِ الثَوابِ، وإنَّما قالَ هُنا: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وفِيما بَعْدُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا لَمْ يُضَمَّنْ مَعْنى الشَرْطَ، وضُمِّنُهُ ثَمَّةَ.

البقرة 2:263

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ رَدٌّ جَمِيلٌ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ وعَفْوٌ عَنِ السائِلِ إذا وُجِدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ، أوْ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ بِسَبَبِ الرَدِّ الجَمِيلِ. ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ وصَحَّ الإخْبارُ عَنِ المُبْتَدَأِ النَكِرَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالصِفَةِ ﴿واللهُ غَنِيٌّ﴾ لا حاجَةَ لَهُ إلى مُنْفِقٍ يَمُنُّ ويُؤْذِي ﴿حَلِيمٌ﴾ عَنْ مُعاجَلَتِهِ بِالعُقُوبَةِ. وهَذا وعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٢١٨)

البقرة 2:264

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي﴾ الكافُ نَصْبٌ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَقْدِيرُ: إبْطالًا مِثْلَ إبْطالِ الَّذِي ﴿يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: لا تُبْطِلُوا ثَوابَ صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كَإبْطالِ المُنافِقِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ، ولا يُرِيدُ بِإنْفاقِهِ رِضا اللهِ ولا ثَوابَ الآخِرَةِ. و"رِئاءَ": مَفْعُولٌ لَهُ. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ مَثَلُهُ ونَفَقَتُهُ الَّتِي لا يَنْتَفِعُ بِها البَتَّةَ بِحَجَرٍ أمْلَسَ عَلَيْهِ تُرابٌ ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أجْرَدَ نَقِيًّا مِنَ التُرابِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ لا يَجِدُونَ ثَوابَ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقُوا، أوِ الكافُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، أيْ: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ، وإنَّما قالَ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ﴾ لِأنَّهُ أرادَ بِالَّذِي يُنْفِقُ الجِنْسَ، أوِ الفَرِيقَ الَّذِي يُنْفِقُ. ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مادامُوا مُخْتارِينَ الكُفْرَ.

البقرة 2:265

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وتَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ، وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا أنْفَقَ المُسْلِمُ مالَهُ في سَبِيلِ اللهِ، عَلِمَ أنَّ تَصْدِيقَهُ وإيمانَهُ بِالثَوابِ مِن أصْلِ نَفْسِهِ، ومِن إخْلاصِ قَلْبِهِ. و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: لِلِابْتِغاءِ والتَثْبِيتِ. والمَعْنى: ومَثَلُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في زَكاتِها عِنْدَ اللهِ. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بُسْتانٍ ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ. وخَصَّها لِأنَّ الشَجَرَ فِيها أزْكى، وأحْسَنُ ثَمَرًا، (بِرَبْوَةٍ) عاصِمٌ، وشامِيٌّ. ﴿أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها﴾ (p-٢١٩)ثَمَرَتَها. (أُكْلَها) نافِعٌ، ومَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ قَبْلُ بِسَبَبِ الوابِلِ. ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ فَمَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها، أوْ مَثَّلَ حالَهم عِنْدَ اللهِ بِالجَنَّةِ عَلى الرَبْوَةِ، ونَفَقَتَهُمُ الكَثِيرَةَ والقَلِيلَةَ بِالوابِلِ والطَلِّ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضَعِّفُ أُكُلَ الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم كَثِيرَةً كانَتْ أوْ قَلِيلَةً بَعْدَ أنْ يَطْلُبَ بِها رِضا اللهِ تَعالى زاكِيَةٌ عِنْدَ اللهِ زائِدَةٌ في زُلْفاهُمْ، وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَهُ ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يَرى أعْمالَكم عَلى إكْثارٍ وإقْلالٍ، ويَعْلَمُ نِيّاتِكم فِيهِما مِن رِياءٍ وإخْلاصٍ.

البقرة 2:266

الهَمْزَةُ في ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بُسْتانٌ ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ﴾ لِصاحِبِ البُسْتانِ ﴿فِيها﴾ في الجَنَّةِ ﴿مِن كُلِّ الثَمَراتِ﴾ يُرِيدُ بِالثَمَراتِ: المَنافِعَ الَّتِي كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ فِيها: أوْ أنَّ النَخِيلَ والأعْنابَ لَمّا كانا أكْرَمَ الشَجَرِ وأكْثَرَها مَنافِعَ: خَصَّهُما بِالذِكْرِ: وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنها -وَإنْ كانَتْ مُحْتَوِيَةً عَلى سائِرِ الأشْجارِ- تَغْلِيبًا لَهُما عَلى غَيْرِهِما: ثُمَّ أرْدَفَهُما ذِكْرَ كُلِّ الثَمَراتِ ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ الواوُ لِلْحالِ، ومَعْناهُ: أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ وقَدْ أصابَهُ بِهِ الكِبَرُ. والواوُ في ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ أوْلادٌ صِغارٌ لِلْحالِ أيْضًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في أصابَهُ ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ رِيحٌ تَسْتَدِيرُ فى الأرْضِ، ثُمَّ تَسْطَعُ نَحْوَ السَماءِ كالعَمُودِ ﴿فِيهِ﴾ في الإعْصارِ، وارْتَفَعَ ﴿نارٌ﴾ بِالظَرْفِ، إذْ جَرى الظَرْفُ وصْفًا لِإعْصارٍ ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾ الجَنَّةُ. وهَذا مَثَلٌ لِمَن يَعْمَلُ الأعْمالَ الحَسَنَةَ رِياءً، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ وجَدَها مُحْبَطَةً، فَيَتَحَسَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حَسْرَةَ مَن كانَتْ لَهُ جَنَّةٌ جامِعَةٌ لِلثِّمارِ، فَبَلَغَ الكِبَرَ، ولَهُ أوْلادٌ ضِعافٌ، والجَنَّةُ مَعاشُهُمْ، فَهَلَكَتْ بِالصاعِقَةِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ كَهَذا البَيانِ الَّذِي بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في التَوْحِيدِ والدِينِ ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ فَتَنْتَبِهُوا. (p-٢٢٠)

البقرة 2:267

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ مِن جِيادِ مَكْسُوباتِكم. وفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ الزَكاةِ في أمْوالِ التِجارَةِ ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الحَبِّ، والثَمَرِ، والمَعادِنِ، وغَيْرِها. والتَقْدِيرُ: ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكُمْ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ لِذِكْرِ الطَيِّباتِ. ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ ولا تَقْصِدُوا المالَ الرَدِيءَ ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ تَخُصُّونَهُ بِالإنْفاقِ، وهو في مَحَلِّ الحالِ، أيْ: ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مُنْفِقِينَ، أيْ: مُقَدِّرِينَ النَفَقَةَ ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ وحالُكم أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في حُقُوقِكم. ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلّا بِأنْ تَتَسامَحُوا في أخْذِهِ، وتَتَرَخَّصُوا فِيهِ. مِن قَوْلِكَ: أغْمَضَ فَلانٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ: إذا غَضَّ بَصَرَهُ. ويُقالُ لِلْبائِعِ: أغْمِضْ، أيْ: لا تَسْتَقْصِ كَأنَّكَ لا تُبْصِرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَمْرِ وشَرارِهِ، فَنُهُوا عَنْهُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقاتِكم ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، أوْ مَحْمُودٌ.

البقرة 2:268

﴿الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ﴾ في الإنْفاقِ ﴿الفَقْرَ﴾ ويَقُولُ لَكُمْ: إنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا، والوَعْدُ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ. ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ، ومَنعِ الصَدَقاتِ، وإغْراءِ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ: البَخِيلُ. ﴿واللهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنْفاقِ ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِذُنُوبِكُمْ، وكَفّارَةً لَها. ﴿وَفَضْلا﴾ وأنْ يُخْلِفَ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ، أوْ ثَوابًا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ. ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأفْعالِكُمْ، ونِيّاتِكم.

البقرة 2:269

﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ عِلْمَ القُرْآنِ والسُنَّةِ، أوِ العِلْمَ النافِعَ المُوصِلَ إلى رِضا اللهِ، والعَمَلِ بِهِ. والحَكِيمُ عِنْدَ اللهِ هُوَ: العالِمُ العامِلُ. ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ ( ومِن يُؤْتِ ) يَعْقُوبُ، أيْ: ومَن يُؤْتِهِ اللهُ الحِكْمَةَ. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، أيْ: أُوتِيَ خَيْرًا، أيْ: خَيْرٌ كَثِيرٌ. ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو (p-٢٢١)الألْبابِ﴾ وما يَتَّعِظُ بِمَواعِظِ اللهِ إلّا ذُو العُقُولِ السَلِيمَةِ، أوِ العُلَماءُ العُمّالُ. والمُرادُ بِهِ: الحَثُّ عَلى العَمَلِ بِما تَضَمَّنَتِ الآيُ في مَعْنى الإنْفاقِ.

البقرة 2:270

﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ في سَبِيلِ اللهِ، أوْ في سَبِيلِ الشَيْطانِ. ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ في طاعَةِ اللهِ، أوْ في مَعْصِيَتِهِ. ﴿فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ، وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ الصَدَقاتِ، أوْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في المَعاصِي، أوْ يُنْذِرُونَ في المَعاصِي، أوْ لا يُوفُونَ بِالنُذُورِ. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ مِمَّنْ يَنْصُرُهم مِنَ اللهِ، ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.

البقرة 2:271

﴿إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها. و"ما" نَكِرَةٌ غَيْرُ مُوصَلَةٍ ولا مَوْصُوفَةٍ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ هي. (فَنِعِمّا هِيَ) بِكَسْرِ النُونِ وإسْكانِ العَيْنِ، أبُو عَمْرٍو، ومَدَنِيٌّ غَيْرَ ورْشٍ. وبِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وبِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، غَيْرُهم. ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ وتُصِيبُوا بِها مَصارِفَها مَعَ الإخْفاءِ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم. قالُوا: المُرادُ: صَدَقاتُ التَطَوُّعِ، والجَهْرُ في الفَرائِضِ أفْضَلُ لَنَفْيِ التُهْمَةِ، حَتّى إذا كانَ المُزَكِّي مِمَّنْ لا يُعْرَفُ بِاليَسارِ كانَ إخْفاؤُهُ أفْضَلَ. والمُتَطَوِّعُ إنْ أرادَ أنْ يُقْتَدى بِهِ كانَ إظْهارُهُ أفْضَلَ. (وَنُكَفِّرْ) بِالنُونِ وجَزْمِ الراءِ، مَدَنِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وبِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، شامِيٌّ، وحَفْصٌ. وبِالنُونِ والرَفْعِ، غَيْرُهم. فَمَن جَزَمَ فَقَدْ عَطَفَ عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ، لِأنَّهُ جَوابُ الشَرْطِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والياءُ عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ. ﴿عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ والنُونُ عَلى مَعْنى: نَحْنُ نَكْفُرُ. ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ. (p-٢٢٢)

البقرة 2:272

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَنِّ، والأذى، والإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِغَهُمُ النَواهِيَ فَحَسْبُ. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ التَوْفِيقُ عَلى الهُدى، أوْ خَلْقُ الهُدى، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ مِن مالٍ ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكُمْ، فَلا تَمَنُّوا بِهِ عَلى الناسِ، ولا تُؤْذُوهم بِالتَطاوُلِ عَلَيْهِمْ. ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ﴾ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ، أيْ: رِضا اللهِ ولِطَلَبِ ما عِنْدَهُ، فَما بالُكم تَمَنُّونَ بِها، وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ الَّذِي لا يُوَجَّهُ مِثْلُهُ إلى اللهِ؟ أوْ هَذا نَفْيٌ مَعْناهُ النَهْيُ، أيْ: ولا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَلا عُذْرَ لَكم في أنْ تَرْغَبُوا عَنْ إنْفاقِهِ، وأنْ يَكُونَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وأجْمَلِها. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ولا تُنْقَصُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكَهْفُ: ٣٣] أيْ: لَمْ تَنْقُصْ.

البقرة 2:273

الجارُّ في ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ:اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الصَدَقاتُ لِلْفُقَراءِ. ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ هُمُ الَّذِينَ أحْصَرَهُمُ الجِهادُ، فَمَنَعَهم مِنَ التَصَرُّفِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ لِلْكَسْبِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ الصُفَّةِ، وهم نَحْوٌ مَن أرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِن مُهاجِرِي قُرَيْشٍ، لَمْ تَكُنْ لَهم مَساكِنُ في المَدِينَةِ، ولا عَشائِرُ، فَكانُوا في صُفَّةِ المَسْجِدِ، وهي سَقِيفَتُهُ، يَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ بِاللَيْلِ، ويَرْضَخُونَ النَوى بِالنَهارِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ (p-٢٢٣)سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ أتاهم بِهِ إذا أمْسى ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بِحالِهِمْ. يَحْسِبُهُمْ، وبابُهُ شامِيٌّ، ويَزِيدُ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، غَيْرَ الأعْشى، وهُبَيْرَةُ. والباقُونَ بِكَسْرِ السِينِ. ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَعَفُّفِ﴾ مُسْتَغْنِينَ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ المَسْألَةِ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ مِن صُفْرَةِ الوُجُوهِ، ورَثاثَةِ الحالِ. ﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ إلْحاحًا. قِيلَ: هو نَفْيُ السُؤالِ والإلْحاحِ جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ يُرِيدُ: نَفْيَ المَنارِ والِاهْتِداءَ بِهِ، والإلْحاحُ: هو اللُزُومُ، وألّا يُفارِقَ إلّا بِشَيْءٍ يُعْطاهُ. وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الحَيِيَّ الحَلِيمَ المُتَعَفِّفَ، ويُبْغِضُ البَذِيَّ السَآَّلَ المُلْحِفَ". » وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهم إنْ سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ ولَمْ يُلِحُّوا. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ.

البقرة 2:274

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ هُما حالانِ، أيْ: مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ، يَعْنِي: يُعَمِّمُونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالصَدَقَةِ لِحَصْرِهِمْ عَلى الخَيْرِ، فَكُلَّما نَزَلَتْ بِهِمْ حاجَةُ مُحْتاجٍ عَجَّلُوا قَضاءَها، ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ، ولَمْ يَتَعَلَّلُوا بِوَقْتٍ ولا حالٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ -رِضى اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ، عَشْرَةً بِاللَيْلِ، وعَشْرَةً بِالنَهارِ، وعَشْرَةً في السِرِّ، وعَشْرَةً في العَلانِيَةِ. أوْ في عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ- لَمْ يَمْلِكْ إلّا أرْبَعَةَ دَراهِمَ، تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا وبِدِرْهِمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ (p-٢٢٤)سِرًّا، وبِدِرْهِمْ عَلانِيَةً ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

البقرة 2:275

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا﴾ هو فَضْلُ مالٍ خالٍ عَنِ العِوَضِ في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ. وكُتِبَ "الرِبَوْا" بِالواوِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ، كَما كُتِبَتْ: "الصَلْوَةُ" و"الزَكْوَةُ". وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ إذا بُعِثُوا مِن قُبُورِهِمْ ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطانُ﴾ أيِ:المَصْرُوعُ، لِأنَّهُ تَخَبَّطَ فى المُعامَلَةِ، فَجُوزِيَ عَلى المُقابَلَةِ. والخَبْطُ: الضَرْبُ عَلى غَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ. ﴿مِنَ المَسِّ﴾ مِنَ الجُنُونِ وهو يَتَعَلَّقُ بِـ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ. أوْ بِـ ﴿يَقُومُ﴾ أيْ: كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ مِن جُنُونِهِ، والمَعْنى: أنَّهم يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخَبَّلِينَ كالمَصْرُوعِينَ، تِلْكَ سِيماهم يُعْرَفُونَ بِها عِنْدَ أهْلِ المَوْقِفِ، وقِيلَ: الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ يُوفِضُونَ إلّا أكَلَةَ الرِبا، فَإنَّهم يَنْهَضُونَ ويَسْقُطُونَ كالمَصْرُوعِينَ، لِأنَّهم أكَلُوا الرِبا، فَأرْباهُ اللهُ في بُطُونِهِمْ حَتّى أثْقَلَهُمْ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الإيفاضِ. ﴿ذَلِكَ﴾ العِقابُ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا﴾ ولَمْ يَقُلْ إنَّما الرِبا مِثْلُ البَيْعِ، مَعَ أنَّ الكَلامَ في الرِبا لا في البَيْعِ، لِأنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ، وهو أنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في حِلِّ الرِبا أنَّهم جَعَلُوهُ أصْلًا وقانُونًا في الحِلِّ، حَتّى شَبَّهُوا بِهِ البَيْعَ. ﴿وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِبا﴾ إنْكارٌ لِتَسْوِيَتِهِمْ بَيْنَهُما، إذِ الحِلُّ مَعَ الحُرْمَةِ ضِدّانِ، فَأنّى يَتَماثَلانِ؟! ودَلالَةٌ عَلى أنَّ القِياسَ يَهْدِمُهُ النَصُّ، لِأنَّهُ جَعَلَ الدَلِيلَ عَلى بُطْلانِ قِياسِهِمْ إحْلالَ اللهِ وتَحْرِيمَهُ. ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ مِنَ اللهِ وزَجْرٌ بِالنَهْيِ عَنِ الرِبا. ﴿فانْتَهى﴾ فَتَبِعَ (p-٢٢٥)النَهْيَ، وامْتَنَعَ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ فَلا يُؤاخِذُ بِما مَضى مِنهُ، لِأنَّهُ أخَذَ قَبْلَ نُزُولِ التَحْرِيمِ. ﴿وَأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَيْسَ مِن أمْرِهِ إلَيْكم شَيْءٌ، فَلا تُطالِبُوهُ بِهِ. ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى اسْتِحْلالِ الرِبا، عَنِ الزَجّاجِ. أوْ إلى الرِبا مُسْتَحِلًّا. ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِأنَّهم بِالِاسْتِحْلالِ صارُوا كافِرِينَ، لِأنَّ مَن أحَلَّ ما حَرَّمَ اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- فَهو كافِرٌ، فَلِذا اسْتَحَقَّ الخُلُودَ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَخْلِيدِ الفُسّاقِ.

البقرة 2:276

﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِبا﴾ يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ ﴿وَيُرْبِي الصَدَقاتِ﴾ يُنَمِّيها، ويَزِيدُها، أيْ: يَزِيدُ المالَ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنهُ الصَدَقَةُ، ويُبارِكُ فِيهِ. وفي الحَدِيثِ: « "ما نَقَصَتْ زَكاةٌ مِن مالٍ قَطُّ" »﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ﴾ عَظِيمِ الكُفْرِ بِاسْتِحْلالِ الرِبا ﴿أثِيمٍ﴾ مُتَمادٍ فى الإثْمِ بِأكْلِهِ.

البقرة 2:277

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِتَحْرِيمِ الرِبا.

البقرة 2:278

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِبا﴾ أخَذُوا ما شَرَطُوا عَلى الناسِ مِنَ الرِبا، وبَقِيَتْ لَهم بَقايا، فَأُمِرُوا أنْ يَتْرُكُوها، ولا يُطالِبُوا بِها، رَوى أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ، وكانَ لَهم عَلى قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ مالٌ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحَلِّ بِالمالِ والرِبا. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كامِلِي الإيمانِ، فَإنَّ دَلِيلَ كَمالِهِ امْتِثالُ المَأْمُورِ بِهِ. (p-٢٢٦)

البقرة 2:279

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ﴾ فاعْلَمُوا بِها. مِن أذِنَ بِالشَيْءِ: إذا عَلِمَ. يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ: (فَأيْقِنُوا) فَآذِنُوا، حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، غَيْرَ ابْنِ غالِبٍ، فَأعْلِمُوا بِها غَيْرَكم. ولَمْ يَقُلْ: بِحَرْبِ اللهِ ورَسُولِهِ، لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّ المَعْنى: فَأْذَنُوا بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ مِن عِنْدِ اللهِ ورَسُولِهِ. ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ اللهِ ورَسُولِهِ. ﴿وَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الِارْتِباءِ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ المَدْيُونِينَ بِطَلَبِ الزِيادَةِ عَلَيْها. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِالنُقْصانِ مِنها.

البقرة 2:280

﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ ذُو إعْسارٍ. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحُكْمُ، أوْ فالأمْرُ نَظِرَةٌ، أيْ: إنْظارٌ. ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يَسارٍ. مَيْسَرَةٍ، نافِعٌ، وهُما لُغَتانِ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِالتَخْفِيفِ، عاصِمٌ، أيْ: تَتَصَدَّقُوا بِرُؤُوسِ أمْوالِكُمْ، أوْ بِبَعْضِها عَلى مَن أعْسَرَ مِن غُرَمائِكم. وبِالتَشْدِيدِ غَيْرُهُ. فالتَخْفِيفُ عَلى حَذْفِ إحْدى التاءَيْنِ، والتَشْدِيدُ عَلى الإدْغامِ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في القِيامَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالتَصَدُّقِ: الإنْظارُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ" »﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم فَتَعْمَلُوا بِهِ، جَعَلَ مَن لا يَعْمَلُ بِهِ -وَإنْ عَلِمَهُ- كَأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ.

البقرة 2:281

﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ﴾ تَرْجِعُونَ أبُو عَمْرٍو، فَرَجَعَ لازِمٌ ومُتَّعَدٍّ. قِيلَ: هي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ: ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَمانِينَ مِنَ البَقَرَةِ، وعاشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ أحَدًا وثَمانِينَ، أوْ سَبْعَةَ أيّامٍ، أوْ ثَلاثَ ساعاتٍ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما (p-٢٢٧)كَسَبَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما كَسَبَتْ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنُقْصانِ الحَسَناتِ وزِيادَةِ السَيِّئاتِ.

البقرة 2:282

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ أيْ: إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا: يُقالُ: دايَنْتُ الرَجُلَ: إذا عامَلْتُهُ بِدَيْنٍ مُعْطِيًا أوْ آخِذًا. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كالحَصادِ، أوِ الدِياسِ، أوْ رُجُوعِ الحاجِّ. وإنَّما احْتِيجَ إلى ذِكْرِ الدَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: إذا تَدايَنْتُمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، لِيَرْجِعَ الضَمِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ إذْ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فاكْتُبُوا الدَيْنَ، فَلَمْ يَكُنِ النَظْمُ بِذَلِكَ الحُسْنِ، ولِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ، وإنَّما أمَرَ بِكِتابَةِ الدَيْنِ، لِأنَّ ذَلِكَ أوْثَقُ، وآمَنُ مِنَ النِسْيانِ، وأبْعَدُ مِنَ الجُحُودِ، والمَعْنى: إذا تَعامَلْتُمْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فاكْتُبُوهُ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: أنَّ المُرادَ بِهِ السَلَمُ، وقالَ: لَمّا حَرَّمَ اللهُ الرِبا أباحَ السَلَمَ. المَضْمُونُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ في كِتابِهِ، وأنْزَلَ فِيهِ أطْوَلَ آيَةٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى اشْتِراطِ الأجَلِ في السَلَمِ. ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ بَيْنَ المُتَدايِنِينَ ﴿كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِكاتِبٍ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: كاتِبٌ مَأْمُونٌ عَلى ما يَكْتُبُ، يَكْتُبُ بِالِاحْتِياطِ، لا يَزِيدُ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَكْتُبَ ولا يَنْقُصَ، وفِيهِ دَلِيلٌ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ فَقِيهًا عالِمًا بِالشُرُوطِ، حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مُعَدَّلًا بِالشَرْعِ. وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنِينَ بِتَخَيُّرِ الكاتِبِ، وألّا يَسْتَكْتِبُوا إلّا فَقِيهًا دَيِّنًا حَتّى يَكْتُبَ ما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ ولا يَمْتَنِعْ واحِدٌ مِنَ الكِتابِ. ﴿أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللهُ كِتابَةَ الوَثائِقِ، لا يُبَدِّلُ، ولا يُغَيِّرُ. و" كَمًّا " مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تِلْكَ الكِتابَةَ لا يَعْدِلُ عَنْها ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ ولا يَكُنِ المُمْلِي إلّا مَن وجَبَ عَلَيْهِ (p-٢٢٨)الحَقُّ، لِأنَّهُ هو المَشْهُودُ عَلى ثَباتِهِ في ذِمَّتِهِ، وإقْرارِهِ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ. ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ ولْيَتَّقِ اللهَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَيْنُ رَبَّهُ فَلا يَمْتَنِعْ عَنِ الإمْلاءِ، فَيَكُونُ جُحُودًا لِكُلِّ حَقِّهِ. ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ ولا يَنْقُصْ مِنَ الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا في الإمْلاءِ، فَيَكُونُ جُحُودًا لِبَعْضِ حَقِّهِ. ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ أيْ: مَجْنُونًا، لِأنَّ السَفَهَ خِفَّةٌ في العَقْلِ، أوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِتَبْذِيرِهِ وجَهْلِهِ بِالتَصَرُّفِ. ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ صَبِيًّا ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لِعِيٍّ بِهِ، أوْ خَرَسٍ، أوْ جَهْلٍ بِاللُغَةِ. ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ الَّذِي يَلِي أمْرُهُ، ويَقُومُ بِهِ. ﴿بِالعَدْلِ﴾ بِالصِدْقِ، والحَقِّ ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ واطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ لَكم شَهِيدانِ عَلى الدَيْنِ ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ، والحُرِّيَّةُ والبُلُوغُ شَرْطٌ مَعَ الإسْلامِ، وشَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ عِنْدَنا، ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشَهِيدانِ ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ. وشَهادَةُ الرِجالِ مَعَ النِساءِ تُقْبَلُ فِيما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُهَداءِ﴾ مِمَّنْ تَعْرِفُونَ عَدالَتَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ غَيْرَ المَرَضِيِّ شاهِدٌ ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ لِأجْلِ أنْ تَنْسى إحْداهُما الشَهادَةَ فَتُذَكِّرُها الأُخْرى. (إنْ تَضِلَّ إحْداهُما) عَلى الشَرْطِ، (فَتُذَكِّرُ) بِالرَفْعِ والتَشْدِيدِ، حَمْزَةُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ﴾ [المائِدَةُ: ٩٥] (فَتُذْكِرَ) بِالنَصْبِ، مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ، مِنَ الذِكْرِ لا مِنَ الذُكْرِ. ﴿وَلا يَأْبَ الشُهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ لِأداءِ الشَهادَةِ، أوْ لِلتَّحَمُّلِ، لِئَلّا تَتْوى حُقُوقُهم. وسَمّاهم شُهَداءَ قَبْلَ التَحَمُّلِ تَنْزِيلًا لِما يُشارِفُ مَنزِلَةَ الكائِنِ، فالأوَّلُ لِلْفَرْضِ، والثانِي لِلنَّدْبِ. ﴿وَلا تَسْأمُوا﴾ ولا تَمَلُّوا. قالَ الشاعِرُ:(p-٢٢٩) ؎ سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ∗∗∗ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ والضَمِيرُ في ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لِلدَّيْنِ، أوِ الحَقِّ ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ عَلى أيِّ حالٍ كانَ الحَقُّ مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ، وفِيهِ دَلالَةُ جَوازِ السَلَمِ في الثِيابِ، لِأنَّ ما يُكالُ أوْ يُوزَنُ لا يُقالُ فِيهِ الصَغِيرُ والكَبِيرُ، وإنَّما يُقالُ في الذَرْعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْكِتابِ، وأنْ يَكْتُبُوهُ مُخْتَصَرًا، أوْ مُشْبَعًا. ﴿إلى أجَلِهِ﴾ إلى وقْتِهِ الَّذِي اتَّفَقَ الغَرِيمانِ عَلى تَسْمِيَتِهِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ: ذَلِكَ الكَتْبُ. ﴿أقْسَطُ﴾ أعْدَلُ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ ظَرْفٌ لِأقْسَطَ. ﴿وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ وأعْوَنُ عَلى إقامَةِ الشَهادَةِ. وبُنِيَ أفْعَلُ التَفْضِيلِ أيْ: أقْسَطُ وأقْوَمُ- مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. ﴿وَأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ وأقْرَبُ مِنِ انْتِفاءِ الرَيْبِ لِلشّاهِدِ والحاكِمِ وصاحِبِ الحَقِّ، فَإنَّهُ قَدْ يَقَعُ الشَكُّ في المِقْدارِ والصِفاتِ، وإذا رَجَعُوا إلى المَكْتُوبِ زالَ ذَلِكَ، وألِفُ أدْنى مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ، لِأنَّهُ مِنَ الدُنُوِّ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ عاصِمٌ، أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِجارَةُ تِجارَةً، أوْ إلّا أنْ تَكُونَ المُعامَلَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، غَيْرُهُ (تِجارَةٌ) حاضِرَةٌ عَلى كانَ التامَّةِ، أيْ: إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، أوْ هي ناقِصَةٌ، والِاسْمُ ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ والخَبَرُ ﴿تُدِيرُونَها﴾ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿تُدِيرُونَها﴾ ومَعْنى إدارَتِها بَيْنَهُمْ: تَعاطِيها يَدًا بِيَدٍ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ تَتَبايَعُوا بَيْعًا ناجِزًا يَدًا بِيَدٍ، فَلا بَأْسَ ألّا تَكْتُبُوها، لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ما يُتَوَهَّمُ في التَدايُنِ. ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ أمَرَ بِالإشْهادِ عَلى التَبايُعِ مُطْلَقًا ناجِزًا، أوْ كالِئًا، لِأنَّهُ أحْوَطُ، وأبْعَدُ مِن وُقُوعِ الِاخْتِلافِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ هَذا التَبايُعُ يَعْنِي: التِجارَةَ الحاضِرَةَ، عَلى أنَّ الإشْهادَ كافٍ فِيهِ دُونَ الكِتابَةِ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ لِقِراءَةِ عُمَرَ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: ولا يُضارِرْ، ولِلْمَفْعُولِ (p-٢٣٠)لِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: (وَلا يُضارَرْ). والمَعْنى: نُهِيَ الكاتِبُ والشَهِيدُ عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما يَطْلُبُ مِنهُما، وعَنِ التَحْرِيفِ، والزِيادَةِ، والنُقْصانِ، أوِ النَهْيِ عَنِ الضِرارِ بِهِما بِأنْ يَعْجَلا عَنْ مُهِمٍّ ويَلِزّا، أوْ لا يُعْطِي الكاتِبَ حَقَّهُ مِنَ الجُعْلِ، أوْ يُحَمِّلُ الشَهِيدَ مَؤُونَةَ مَجِيئِهِ مِن بَلَدٍ ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا﴾ وإنْ تُضارُّوا ﴿فَإنَّهُ﴾ فَإنَّ الضِرارَ ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ مَأْثَمٌ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ شَرائِعُ دِينِهِ ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَلْحَقُهُ سَهْوٌ، ولا قُصُورٌ.

البقرة 2:283

﴿وَإنْ كُنْتُمْ﴾ أيُّها المُتَدايِنُونَ ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ مُسافِرِينَ ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ﴾ (فَرُهُنٌ) مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. أيْ: فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رُهُنٌ، وكِلاهُما جَمْعُ رَهْنٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، وبَغْلٍ وبِغالٍ، ورَهْنٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ، ثُمَّ كُسِّرَ تَكْسِيرَ الأسْماءِ. ولَمّا كانَ السَفَرُ مَظِنَّةً لِإعْوازِ الكُتُبِ والإشْهادِ، أمَرَ عَلى سَبِيلِ الإرْشادِ إلى حِفْظِ المالِ مَن كانَ عَلى سَفَرٍ بِأنْ يُقِيمَ التَوَثُّقَ بِالِارْتِهانِ مَقامَ التَوَثُّقِ بِالكَتْبِ والإشْهادِ، لا أنَّ السَفَرَ شَرْطُ تَجْوِيزِ الِارْتِهانِ. وقَوْلُهُ: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ القَبْضِ، لا كَما زَعَمَ مالِكٌ: أنَّ الرَهْنَ يَصِحُّ بِالإيجابِ والقَبُولِ بِدُونِ القَبْضِ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ فَإنْ أمِنَ بَعْضُ الدائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ، فَلَمْ يَتَوَثَّقْ بِالكِتابَةِ، والشُهُودِ، والرَهْنِ. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ دَيْنَهُ. وائْتَمَنَ: افْتَعَلَ، مِنَ الأمْنِ. وهو حَثٌّ لِلْمَدِينِ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَ ظَنِّ الدائِنِ، وأمْنِهِ مِنهُ، وائْتِمانِهِ لَهُ، وأنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ الحَقَّ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنهُ، وسُمِّيَ الدَيْنُ أمانَةً، وهو مَضْمُونٌ، لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ مِنهُ ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في إنْكارِ حَقِّهِ (p-٢٣١)﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَهادَةَ﴾ هَذا خِطابٌ لِلشُّهُودِ ﴿وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ارْتَفَعَ قَلْبُهُ بِآثِمٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهُ يَأْثَمُ قَلْبُهُ، أوْ بِالِابْتِداءِ، وآثِمٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ: خَبَرُ إنَّ. وإنَّما أُسْنِدَ إلى القَلْبِ، والجُمْلَةُ هي الآثِمَةُ، لا القَلْبُ وحْدَهُ، لِأنَّ كِتْمانَ الشَهادَةِ أنْ يُضْمِرَها في القَلْبِ، ولا يَتَكَلَّمَ بِها، فَلَمّا كانَ إثْمًا مُقْتَرَفًا مُكْتَسَبًا بِالقَلْبِ أُسْنِدَ إلَيْهِ، لِأنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى الجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ، كَما تَقُولُ: هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي، ومِمّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي، ومِمّا عَرَفَهُ قَلْبِي، ولِأنَّ القَلْبَ رَئِيسُ الأعْضاءِ، والمُضْغَةُ الَّتِي إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ تَمَكَّنَ الإثْمُ في أصْلِ نَفْسِهِ، ومَلَكَ أشْرَفَ مَكانٍ مِنهُ. ولِأنَّ أفْعالَ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ. ألا تَرى أنَّ أصْلَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ الإيمانُ والكُفْرُ، وهُما مِن أفْعالِ القُلُوبِ؟! وإذا جُعِلَ كِتْمانُ الشَهادَةِ مِن آثامِ القُلُوبِ، فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ مِن مَعاظِمِ الذُنُوبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: أكْبَرُ الكَبائِرِ: الإشْراكُ بِاللهِ، وشَهادَةُ الزُورِ، وكِتْمانُ الشَهادَةِ. ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن كِتْمانِ الشَهادَةِ وإظْهارِها ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ.

البقرة 2:284

﴿لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ يَعْنِي: مِنَ السُوءِ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ﴾ يُكافِئُكُمْ، ويُجازِيكم. ولا تَدْخُلُ الوَساوِسُ وحَدِيثُ النَفْسِ فِيما يُخْفِيهِ الإنْسانُ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ في وُسْعِهِ الخُلُوُّ مِنهُ، ولَكِنْ ما اعْتَقَدَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ، والحاصِلُ: أنَّ عَزْمَ الكُفْرِ كُفْرٌ، وخَطِرَةُ الذُنُوبِ مِن غَيْرِ عَزْمٍ مَعْفُوَّةٌ، وعَزْمُ الذُنُوبِ إذا نَدِمَ عَلَيْهِ، ورَجَعَ عَنْهُ، واسْتَغْفَرَ مِنهُ مَغْفُورٌ. فَأمّا إذا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وهو ثابِتٌ عَلى ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ مَنَعَ عَنْهُ بِمانِعٍ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، فَإنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ عُقُوبَةَ فِعْلِهِ، أيْ: بِالعَزْمِ عَلى الزِنا لا يُعاقَبُ عُقُوبَةَ الزِنا. وهَلْ يُعاقَبُ عُقُوبَةَ عَزْمِ الزِنا؟ قِيلَ: لا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ اللهَ عَفى عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها (p-٢٣٢)ما لَمْ تَعْمَلْ، أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ". » والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الحَدِيثَ في الخَطِرَةِ دُونَ العَزْمِ، وأنَّ المُؤاخَذَةَ في العَزْمِ ثابِتَةٌ، وإلَيْهِ مالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ، وشَمْسُ الأئِمَّةِ الحَلْوانِيُّ -رَحِمَهُما اللهُ-. والدَلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ الآيَةُ [النُورُ: ١٩]. وعَنْ عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها-: ما هَمَّ العَبْدُ بِالمَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ، يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ في الدُنْيا. وفي أكْثَرِ التَفاسِيرِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَزِعَتِ الصَحابَةُ -رِضى اللهُ عَنْهُمْ- وقالُوا: أنُؤاخَذُ بِكُلِّ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسُنا؟! فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿آمَنَ الرَسُولُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ فَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِالكَسْبِ دُونَ العَزْمِ. وفي بَعْضِها: أنَّها نُسِخَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ النَسْخَ يَكُونُ في الأحْكامِ لا في الأخْبارِ. ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ بِرَفْعِهِما، شامِيٌّ، وعاصِمٌ، أيْ: فَهو يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ. وبِجَزْمِهِما، غَيْرُهم عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَرْطِ. وبِالإدْغامِ أبُو عَمْرٍو، وكَذا في الإشارَةِ والبِشارَةِ. وقالَ صاحِبُ "الكَشّافِ": مُدْغِمُ الراءِ فى اللامِ لاحِنٌ مُخْطِئٌ، لِأنَّ الراءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ، فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ المُضاعَفِ، ولا يَجُوزُ إدْغامُ المُضاعَفِ. وراوِيهِ عَنْ أبى عَمْرٍو: مُخْطِئٌ مَرَّتَيْنِ، لِأنَّهُ يَلْحَنُ ويَنْسُبُ إلى أعْلَمِ الناسِ في العَرَبِيَّةِ ما يُؤْذِنُ بِجَهْلٍ عَظِيمٍ. ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ المَغْفِرَةِ والتَعْذِيبِ وغَيْرِهِما ﴿قَدِيرٌ﴾ قادِرٌ.

البقرة 2:285

﴿آمَنَ الرَسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ إنَّ عُطِفَ "المُؤْمِنُونَ" عَلى "الرَسُولِ" كانَ الضَمِيرُ الَّذِي التَنْوِينُ نائِبٌ عَنْهُ في ﴿كُلٌّ﴾ راجِعًا إلى الرَسُولِ والمُؤْمِنُونَ، أيْ: كُلُّهم ﴿آمَنَ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ ووُقِفَ عَلَيْهِ. وإنْ كانَ مُبْتَدَأً كانَ عَلَيْهِ "كُلٌّ" مُبْتَدَأً ثانِيًا، والتَقْدِيرُ: كُلٌّ مِنهُمْ، وآمَنَ: خَبَرُ المُبْتَدَأِ (p-٢٣٣)الثانِي، والجُمْلَةُ: خَبَرُ الأوَّلِ، وكانَ الضَمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَحَّدَ ضَمِيرَ كُلِّ مَن آمَنَ عَلى مَعْنى: كُلُّ واحِدٍ مِنهم آمَنَ. (وَكِتابِهِ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، يَعْنِي: القُرْآنَ، أوِ الجِنْسَ. ﴿لا نُفَرِّقُ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ﴿لا نُفَرِّقُ﴾ بَلْ نُؤْمِنُ بِالكُلِّ. ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ أحَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ، ولِذا دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْنَ، وهو لا يَدْخُلُ إلّا عَلى اسْمٍ يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ، تَقُولُ: المالُ بَيْنَ القَوْمِ، ولا تَقُولُ: المالُ بَيْنَ زَيْدٍ. ﴿وَقالُوا سَمِعْنا﴾ أجَبْنا قَوْلَكَ: ﴿وَأطَعْنا﴾ أمْرَكَ ﴿غُفْرانَكَ﴾ أيِ:اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ. ﴿رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ، وفِيهِ إقْرارٌ بِالبَعْثِ والجَزاءِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ، وعَلى بَقاءِ الإيمانِ لِمُرْتَكِبِ الكَبائِرِ.

البقرة 2:286

﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا﴾ مَحْكِيٌّ عَنْهُمْ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ. ﴿إلا وُسْعَها﴾ إلّا طاقَتَها وقُدْرَتَها، لِأنَّ التَكْلِيفَ لا يَرِدُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُكَلَّفُ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ". وقالَ صاحِبُ "الكَشّافِ": الوُسْعُ: ما يَسَعُ الإنْسانَ، ولا يُضَيَّقُ عَلَيْهِ، ولا يُحْرَجُ فِيهِ، أيْ: لا يُكَلِّفُها إلّا ما يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقُهُ، ويَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ دُونَ مَدى غايَةِ الطاقَةِ والمَجْهُودِ. فَقَدْ كانَ في طاقَةِ الإنْسانِ أنْ يُصَلِّيَ أكْثَرَ مِنَ الخَمْسِ، ويَصُومَ أكْثَرَ مِنَ الشَهْرِ، ويَحُجَّ أكْثَرَ مِن حَجَّةٍ. ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ يَنْفَعُها ما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ، ويَضُرُّها ما اكْتَسَبَتْ مِن شَرٍّ. وخَصَّ الخَيْرَ بِالكَسْبِ والشَرَّ بِالِاكْتِسابِ، لِأنَّ الِافْتِعالَ لِلِانْكِماشِ، والنَفْسُ تَنْكَمِشُ في الشَرِّ، وتَتَكَلَّفُ لِلْخَيْرِ. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ تَرَكْنا أمْرًا مِن أوامِرِكَ سَهْوًا ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ ودَلَّ هَذا عَلى جَوازِ المُؤاخَذَةِ فى النِسْيانِ والخَطَأِ -خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ- لِإمْكانِ التَحَرُّزِ عَنْهُما في الجُمْلَةِ. ولَوْلا جَوازُ المُؤاخَذَةِ بِهِما لَمْ يَكُنْ لِلسُّؤالِ مَعْنًى ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ عِبْئًا يَأْصِرُ حامِلَهُ، أيْ: يَحْبِسُهُ مَكانَهُ لِثِقَلِهِ. اسْتُعِيرَ لِلتَّكْلِيفِ الشاقِّ، مِن نَحْوِ: قَتْلِ الأنْفُسِ، وقَطْعِ (p-٢٣٤)مَوْضِعِ النَجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَوْبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ كاليَهُودِ ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ مِنَ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِمَن قَبْلْنا ﴿واعْفُ عَنّا﴾ امْحُ سَيِّئاتِنا ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ واسْتُرْ ذُنُوبَنا. ولَيْسَ بِتَكْرارٍ، فالأوَّلُ لِلْكَبائِرِ، والثانِي لِلصَّغائِرِ. ﴿وارْحَمْنا﴾ بِتَثْقِيلِ مِيزانِنا مَعَ إفْلاسِنا، أوِ الأوَّلُ مِنَ المَسْخِ، والثانِي مِنَ الخَسْفِ، والثالِثُ مِنَ الغَرَقِ. ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ سَيِّدُنا ونَحْنُ عَبِيدُكَ، أوْ ناصِرُنا، أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِنا. ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَمِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ عَبِيدَهُ. فِي الحَدِيثِ: « "مَن قَرَأ ﴿آمَنَ الرَسُولُ﴾ إلى آخِرِهِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ". » وفِيهِ « "مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَيْلِ". » ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ قَرَأْتُ البَقَرَةَ، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: خَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، بَلْ يُقالُ: قَرَأْتُ السُورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، واللهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:1

(p-٢٣٥)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللهُ﴾ حُرِّكَتِ المِيمُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، أعْنِي سُكُونَها وسُكُونَ لامِ اللهِ، وفُتِحَتْ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، ولَمْ تُكْسَرْ لِلْياءِ وكَسْرِ المِيمِ قَبْلَها، تَحامِيًا عَنْ تَوالِي الكَسَراتِ. ولَيْسَ فَتْحُ المِيمِ لِسُكُونِها وسُكُونِ ياءٍ قَبْلَها، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ فَتْحُها في "حَمْ" ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَتْحَ المِيمِ هو فَتْحَةُ هَمْزَةِ اللهِ نُقِلَتْ إلى المِيمِ، لِأنَّ تِلْكَ الهَمْزَةَ هَمْزَةُ وصْلٍ تَسْقُطُ في الدَرْجِ، وتَسْقُطُ مَعَها حَرَكَتُها، ولَوْ جازَ نَقْلُ حَرَكَتِها لَجازَ إثْباتُها، وإثْباتُها غَيْرُ جائِزٍ. وأسْكَنَ يَزِيدُ والأعْشى المِيمَ وقَطَعا الألِفَ. والباقُونَ بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ. واللهُ مُبْتَدَأٌ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ خَبَرُهُ. وخَبَرُ "لا" مُضْمَرٌ، التَقْدِيرُ: لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا "هُوَ". و"هُوَ" في مَوْضِعِ الرَفْعِ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ لا واسْمِهِ. ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَيُّ، أوْ بَدَلٌ مِن هو. والقَيُّومُ: فَيْعُولُ، مِن قامَ، وهو القائِمُ بِالقِسْطِ والقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.

آل عمران 3:2

(p-٢٣٥)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللهُ﴾ حُرِّكَتِ المِيمُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، أعْنِي سُكُونَها وسُكُونَ لامِ اللهِ، وفُتِحَتْ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، ولَمْ تُكْسَرْ لِلْياءِ وكَسْرِ المِيمِ قَبْلَها، تَحامِيًا عَنْ تَوالِي الكَسَراتِ. ولَيْسَ فَتْحُ المِيمِ لِسُكُونِها وسُكُونِ ياءٍ قَبْلَها، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ فَتْحُها في "حَمْ" ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَتْحَ المِيمِ هو فَتْحَةُ هَمْزَةِ اللهِ نُقِلَتْ إلى المِيمِ، لِأنَّ تِلْكَ الهَمْزَةَ هَمْزَةُ وصْلٍ تَسْقُطُ في الدَرْجِ، وتَسْقُطُ مَعَها حَرَكَتُها، ولَوْ جازَ نَقْلُ حَرَكَتِها لَجازَ إثْباتُها، وإثْباتُها غَيْرُ جائِزٍ. وأسْكَنَ يَزِيدُ والأعْشى المِيمَ وقَطَعا الألِفَ. والباقُونَ بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ. واللهُ مُبْتَدَأٌ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ خَبَرُهُ. وخَبَرُ "لا" مُضْمَرٌ، التَقْدِيرُ: لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا "هُوَ". و"هُوَ" في مَوْضِعِ الرَفْعِ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ لا واسْمِهِ. ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَيُّ، أوْ بَدَلٌ مِن هو. والقَيُّومُ: فَيْعُولُ، مِن قامَ، وهو القائِمُ بِالقِسْطِ والقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.

آل عمران 3:3

﴿نَـزَّلَ﴾ أيْ: هو نَزَّلَ. ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ، أيْ: نَزَّلَهُ حَقًّا ثابِتًا. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لِما قَبْلَهُ ﴿وَأنْـزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ هُما اسْمانِ (p-٢٣٦)أعْجَمِيّانِ. وتَكَلُّفٌ اشْتِقاقُهُما مِنَ الوَرى والنَجْلِ. ووَزْنُهُما بِتَفْعِلَةٍ وإفْعِيلٍ، إنَّما يَصِحُّ بَعْدَ كَوْنِهِما عَرَبِيَّيْنِ، وإنَّما قِيلَ: " نُزُل الكِتاب " ﴿وَأنْـزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، ونَزَلَ الكِتابانِ جُمْلَةً.

آل عمران 3:4

﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ لِقَوْمِ مُوسى وعِيسى، أوْ لِجَمِيعِ الناسِ. ﴿وَأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكُتُبِ، لِأنَّ الكُلَّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوِ الزَبُورِ، أوْ كَرَّرَ ذِكْرَهُ القُرْآنَ بِما هو نَعْتٌ لَهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ مِن كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وغَيْرِها. ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ ذُو عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ، لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها مُنْتَقِمٌ.

آل عمران 3:5

﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ أيْ: في العالَمِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَماءِ والأرْضِ، أيْ: هو مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ، وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

آل عمران 3:6

﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ مِنَ الصُوَرِ المُخْتَلِفَةِ ﴿لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ﴾ في سُلْطانِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ في تَدْبِيرِهِ. رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ وفْدُ بَنِي نَجْرانَ -وَهم سِتُّونَ راكِبًا، أمِيرُهُمُ العاقِبُ، وعُمْدَتُهُمُ السَيِّدُ، وأُسْقُفُهم وحَبْرُهم أبُو حارِثَةَ- خاصَمُوا في أنَّ عِيسى إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدًا لِلَّهِ فَمَن أبَوْهُ؟ فَقالَ ﷺ: "ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا وهو يُشْبِهُ أباهُ؟" قالُوا: بَلى، قالَ: "ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ اللهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ وعِيسى يَمُوتُ، وأنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى العِبادِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهُمْ، وعِيسى لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ، وعِيسى لا يَعْلَمُ إلّا ما عَلِمَ، وإنَّهُ صَوَّرَ عِيسى في الرَحِمِ كَيْفَ شاءَ، فَحَمَلَتْهُ أمُّهُ ووَضَعَتْهُ، وأرْضَعَتْهُ، وكانَ يَأْكُلُ، ويُحْدِثُ، ورَبُّنا مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟" فانْقَطَعُوا، فَنَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً. » (p-٢٣٧)

آل عمران 3:7

﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ ﴿مِنهُ﴾ مِنَ الكِتابِ ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ أحُكِمَتْ عِبارَتُها، بِأنْ حُفِظَتْ مِنَ الِاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ أصْلُ الكِتابِ تُحْمَلُ المُتَشابِهاتُ عَلَيْها، وتُرَدُّ إلَيْها. ﴿وَأُخَرُ﴾ وآياتٌ أُخَرُ ﴿مُتَشابِهاتٌ﴾ مُشْتَبِهاتٌ مُحْتَمِلاتٌ، مِثالُ ذَلِكَ: ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طَهَ: ٥] فالِاسْتِواءُ يَكُونُ بِمَعْنى الجُلُوسِ، وبِمَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِيلاءِ، ولا يَجُوزُ الأوَّلُ عَلى اللهِ تَعالى بِدَلِيلِ المُحْكَمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُورى: ١١]. أوِ المُحْكَمُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ في كُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنْعامُ: ١٥١] الآياتُ، ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسْراءُ: ٢٣] الآياتُ. والمُتَشابِهُ ما وراءَهُ، أوْ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا. وما احْتَمَلَ أوْجُهًا، أوْ ما يُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ، وما لا يُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ، أوِ الناسِخُ: الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، والمَنسُوخُ: الَّذِي لا يُعْمَلُ بِهِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ كُلُّ القُرْآنِ مُحْكَمًا لِما في المُتَشابِهِ مِنَ الِابْتِلاءِ، والتَمْيِيزِ بَيْنَ الثابِتِ عَلى الحَقِّ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، ولِما في تَقادُحِ العُلَماءِ وإتْعابِهِمُ القَرائِحَ في اسْتِخْراجِ مَعانِيهِ، ورَدِّهِ إلى المُحْكَمِ، مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، والعُلُومِ الجَمَّةِ، ونَيْلِ الدَرَجاتِ عِنْدَ اللهِ تَعالى. ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ، وهم أهْلُ البِدَعِ. ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ﴾ فَيَتَعَلَّقُونَ بِالمُشابِهِ الَّذِي يَحْتَمِلُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ المُبْتَدِعُ مِمّا لا يُطابِقُ المُحْكَمَ، ويَحْتَمِلُ ما يُطابِقُهُ مِن قَوْلِ أهْلِ الحَقِّ: ﴿مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا الناسَ عَنْ دِينِهِمْ، ويُضِلُّوهم ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وطَلَبَ أنْ يُؤَوِّلُوهُ التَأْوِيلَ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ. ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ﴾ أيْ: لا يُهْتَدى إلى تَأْوِيلِهِ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ إلّا اللهُ ﴿والراسِخُونَ في العِلْمِ﴾ والَّذِينَ رَسَخُوا، أيْ: ثَبَتُوا فِيهِ، وتَمَكَّنُوا، وعَضُّوا فِيهِ بِضِرْسٍ قاطِعٍ. مُسْتَأْنَفٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. والوَقْفُ عِنْدَهم عَلى قَوْلِهِ: " إلّا الله " وفَسَّرُوا المُتَشابِهَ بِما اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ. وهو مُبْتَدَأُ عِنْدَهُمْ، والخَبَرُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ وهو ثَناءٌ مِنهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ عَلى (p-٢٣٨)التَسْلِيمِ، واعْتِقادِ الحَقِّيَّةِ بِلا تَكْيِيفٍ. وفائِدَةُ إنْزالِ المُتَشابِهِ: الإيمانُ بِهِ، واعْتِقادُ حَقِّيَّةِ ما أرادَ اللهُ بِهِ، ومَعْرِفَةُ قُصُورِ أفْهامِ البَشَرِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى ما لَمْ يَجْعَلْ لَهم إلَيْهِ سَبِيلًا. ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (وَيَقُولُ الراسِخُونَ)، وعَبْدُ اللهِ: (إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ). ومِنهم مَن لا يَقِفُ عَلَيْهِ ويَقُولُ بِأنَّ الراسِخِينَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ المُتَشابِهَ " ويَقُولُونَ " كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الراسِخِينَ، بِمَعْنى: هَؤُلاءِ العالِمُونَ بِالتَأْوِيلِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، أيْ: بِالمُتَشابِهِ أوْ بِالكِتابِ. ﴿كُلٌّ﴾ مِن مُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ ﴿مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ مِن عِنْدِ اللهِ الحَكِيمِ، الَّذِي لا يَتَناقَضُ كَلامُهُ. ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ وما يَتَّعِظُ، وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ. ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أصْحابُ العُقُولِ، وهو مَدْحٌ لِلرّاسِخِينَ بِإلْقاءِ الذِهْنِ، وحُسْنِ التَأمُّلِ وقِيلَ: يَقُولُونَ حالٌ مِنَ الراسِخِينَ.

آل عمران 3:8

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ لا تُمِلْها عَنِ الحَقِّ بِخَلْقِ المَيْلِ في القُلُوبِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ لِلْعَمَلِ بِالمُحْكَمِ والتَسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ ﴿وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ مِن عِنْدِكَ، نِعْمَةً بِالتَوْفِيقِ والتَثْبِيتِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ كَثِيرُ الهِبَةِ، والآيَةُ مِن مَقُولِ الراسِخِينَ، ويُحْتَمَلُ الِاسْتِئْنافُ، أيْ: قُولُوها، وكَذَلِكَ الَّتِي بَعْدَها، وهِيَ:

آل عمران 3:9

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ لِيَوْمٍ﴾ أيْ: تَجْمَعُهم لِحِسابِ يَوْمٍ، أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُقُوعِهِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ المَوْعِدَ. والمَعْنى: أنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خُلْفَ المِيعادِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ الجَوادَ لا يَخِيبُ سائِلُهُ، أيْ: لا يُخْلِفُ ما وعَدَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ مِنَ الثَوابِ والعِقابِ.

آل عمران 3:10

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ تَنْفَعُ، أوْ تَدْفَعُ. ﴿عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللهِ﴾ مِن عَذابِهِ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ﴾ حَطَبُها. (p-٢٣٩)

آل عمران 3:11

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الدَأْبُ مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ: إذا كَدَحَ فِيهِ، فَوَضَعَ مَوْضِعَ ما عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن شَأْنِهِ وحالِهِ، والكافُ مَرْفُوعُ المَحَلِّ، تَقْدِيرُهُ: دَأبُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الحَقِّ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ، أوْ مَنصُوبُ المَحَلِّ بِلَنْ تُغْنِيَ، أيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ، مِثْلُ: ما لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ. (كَدابِ) بِلا هَمْزٍ حَيْثُ كانَ،أبُو عَمْرٍو. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ مِمّا فَعَلُوا أوْ فُعِلَ بِهِمْ، عَلى أنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ مِن حالِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: قَدْ كَذَّبُوا. ﴿فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُهُ بِكَذا، أيْ: جازَيْتُهُ عَلَيْهِ. ﴿واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ شَدِيدٌ عِقابُهُ، فالإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ.

آل عمران 3:12

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم مُشْرِكُو مَكَّةَ. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ مِنَ الجِهْنامِ، وهي بِئْرٌ عَمِيقَةٌ. وبِالياءِ فِيهِما حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ المُسْتَقَرُّ، جَهَنَّمُ.

آل عمران 3:13

﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ الخِطابُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ ﴿فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿وَأُخْرى﴾ وفِئَةٌ أُخْرى ﴿كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ ألْفَيْنِ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ سِتَّمِائَةً ونَيِّفًا وعِشْرِينَ، أراهُمُ اللهُ إيّاهم مَعَ قِلَّتِهِمْ أضْعافَهم لِيَهابُوهُمْ، ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ. (تَرَوْنَهُمْ) نافِعٌ، أيْ: تَرَوْنَ يا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ فِئَتِكِمُ الكافِرَةِ، أوْ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ، ولا يُناقِضُ هَذا ما قالَ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنْفالُ: ٤٤] لِأنَّهم قُلِّلُوا أوَّلًا في (p-٢٤٠)أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غُلِبُوا، فَكانَ التَقْلِيلُ والتَكْثِيرُ في حالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. ونَظِيرُهُ مِنَ المَحْمُولِ عَلى اخْتِلافِ الأحْوالِ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَحْمَنُ: ٣٩] ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافّاتُ: ٢٤] وتَقْلِيلُهم تارَةً وتَكْثِيرُهم أُخْرى في أعْيُنِهِمْ أبْلَغُ فى القُدْرَةِ، وإظْهارِ الآيَةِ. ومِثْلَيْهِمْ نَصْبٌ عَلى الحالِ، لِأنَّهُ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ يَعْنِي: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها ﴿واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ كَما أيَّدَ أهْلَ بَدْرٍ بِتَكْثِيرِهِمْ في عَيْنِ العَدُوِّ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ في تَكْثِيرِ القَلِيلِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ لِعِظَةً ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي البَصائِرِ.

آل عمران 3:14

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ المُزَيِّنُ هو اللهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلِابْتِلاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكَهْفُ: ٧] دَلِيلُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ (زَيَّنَ لِلنّاسِ) عَلى تَسْمِيَةِ الفاعِلِ. وعَنِ الحَسَنِ: الشَيْطانُ. ﴿حُبُّ الشَهَواتِ﴾ الشَهْوَةُ: تَوَقانُ النَفْسِ إلى الشَيْءِ. جَعَلَ الأعْيانَ الَّتِي ذَكَرَها شَهَواتٍ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً، أوْ كَأنَّهُ أرادَ تَخْسِيسَها بِتَسْمِيَتِها شَهَواتٍ، إذِ الشَهْوَةُ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ، مَذْمُومٌ مَنِ اتَّبَعَها، شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ. ﴿مِنَ النِساءِ﴾ والإماءُ داخِلَةٌ فِيها. ﴿والبَنِينَ﴾ جَمْعُ ابْنٍ. وقَدْ يَقَعُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى الذُكُورِ والإناثِ، وهُنا أُرِيدَ بِهِ الذُكُورُ، فَهُمُ المُشْتَهُونَ في الطِباعِ، والمُعَدُّونَ لِلدِّفاعِ. ﴿والقَناطِيرِ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو المالُ الكَثِيرُ. قِيلَ: مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ أوْ مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، ولَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا، ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ المُنَضَّدَةُ، أوِ المَدْفُونَةُ. ﴿مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ﴾ سُمِّي ذَهَبًا لِسُرْعَةِ ذَهابِهِ بِالإنْفاقِ، وفِضَّةً، لِأنَّها تَتَفَرَّقُ بِالإنْفاقِ. والفَضُّ: التَفْرِيقُ. ﴿والخَيْلِ﴾ سُمِّيَتْ بِهِ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. ﴿المُسَوَّمَةِ﴾ المُعَلَّمَةُ، مِنَ السُومَةِ، (p-٢٤١)وَهِيَ العَلامَةُ، أوِ المَرْعِيَّةُ، مِن أسامَ الدابَّةَ، وسَوَّمَها. ﴿والأنْعامِ﴾ هي الأزْواجُ الثَمانِيَةُ. ﴿والحَرْثِ﴾ الزَرْعُ، ﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ، ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ يَتَمَتَّعُ بِها في الدُنْيا، ﴿واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ المَرْجِعِ.

آل عمران 3:15

ثُمَّ زَهَّدَهم في الدُنْيا فَقالَ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ مِنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى بَيانِ ما هو خَيْرٌ مِن ذَلِكُمْ، فَجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ و﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خَبَرُهُ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ اللامُ بِخَيْرٍ، واخْتَصَّ المُتَّقِينَ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَرْتَفِعُ جَنّاتٌ عَلى هو جَنّاتٌ. وتَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ جَنّاتٍ بِالجَرِّ، عَلى البَدَلِ مِن خَيْرٍ. ﴿خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ أيْ: رِضا اللهِ. ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْها، أوْ بَصِيرٌ بِالَّذِينِ اتَّقَوْا وبِأحْوالِهِمْ، فَلِذا أعَدَّ لَهُمُ الجَنّاتِ.

آل عمران 3:16

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ رَفْعٌ، أوْ جَرٌّ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ لِلْعِبادِ. ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ إجابَةً لِدَعْوَتِكَ، ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إنْجازًا لِوَعْدِكَ، ﴿وَقِنا عَذابَ النارِ﴾ بِفَضْلِكَ.

آل عمران 3:17

﴿الصابِرِينَ﴾ عَلى الطاعاتِ والمَصائِبِ، وهو نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، ﴿والصادِقِينَ﴾ قَوْلًا بِإخْبارِ الحَقِّ، وفِعْلًا بِإحْكامِ العَمَلِ، ونِيَّةً بِإمْضاءِ العَزْمِ. ﴿والقانِتِينَ﴾ الداعِينَ، أوِ المُطِيعِينَ. ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ المُتَصَدِّقِينَ، ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ المُصَلِّينَ، أوْ طالِبِينَ المَغْفِرَةَ. وخَصَّ الأسْحارَ، لِأنَّهُ (p-٢٤٢)وَقْتُ إجابَةِ الدُعاءِ، ولِأنَّهُ وقْتُ الخَلْوَةِ، قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ، لا يَكُنِ الدِيكُ أكْيَسَ مِنكَ يُنادِي بِالأسْحارِ وأنْتَ نائِمٌ، والواوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِفاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِهِمْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها. ولِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالمَدْحِ.

آل عمران 3:18

﴿شَهِدَ اللهُ﴾ أيْ: حَكَمَ أوْ قالَ. ﴿أنَّهُ﴾ أيْ: بِأنَّهُ. ﴿لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ﴾ بِما عايَنُوا مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ. ﴿وَأُولُو العِلْمِ﴾ أيِ:الأنْبِياءُ والعُلَماءُ. ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ مُقِيمًا لِلْعَدْلِ فِيما يُقَسِّمُ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ، ويُثِيبُ، ويُعاقِبُ، وما يَأْمُرُ بِهِ عِبادَهُ مِن إنْصافِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والعَمَلِ عَلى السَوِيَّةِ فِيما بَيْنَهم. وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنِ اسْمِ اللهِ تَعالى، أوْ مِن "هُوَ". وإنَّما جازَ إفْرادُهُ بِنَصْبِ الحالِ دُونَ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، ولَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو راكِبًا لَمْ يَجُزْ، لِعَدَمِ الإلْباسِ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وهِنْدٌ راكِبًا جازَ لِتَمَيُّزِهِ بِالذُكُورَةِ، أوْ عَلى المَدْحِ. وكَرَّرَ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ. ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: هو العَزِيزُ، ولَيْسَ بِوَصْفٍ لِـ "هُوَ"، لِأنَّ الضَمِيرَ لا يُوصَفُ، يَعْنِي: أنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ الَّذِي لا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ.

آل عمران 3:19

﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقُرِئَ أنَّ الدِينَ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: شَهِدَ اللهُ أنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ. قالَ ﷺ: « "مَن قَرَأ الآيَةَ عِنْدَ مَنامِهِ خَلَقَ اللهُ تَعالى مِنها سَبْعِينَ ألْفَ خَلْقٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن قالَ بَعْدَها: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ اللهُ بِهِ، وأسْتَوْدِعُ اللهَ هَذِهِ الشَهادَةَ، وهي لِي [عِنْدَ اللهِ] ودِيعَةٌ، يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّ لِعَبْدِي عِنْدِي عَهْدًا، وأنا أحَقُّ مَن وفى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ". » (p-٢٤٣)﴿وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، واخْتِلافُهم أنَّهم تَرَكُوا الإسْلامَ، وهو التَوْحِيدُ، فَثَلَّثَتِ النَصارى، وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ. ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: ما كانَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ إلّا حَسَدًا بَيْنَهُمْ، وطَلَبًا مِنهم لِلرِّياسَةِ وحُظُوظِ الدُنْيا، واسْتِنْباعِ كُلِّ فَرِيقٍ ناسًا، لا شُبْهَةَ في الإسْلامِ. وقِيلَ: هو اخْتِلافُهم في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ آمَنَ بِهِ بَعْضٌ، وكَفَرَ بِهِ بَعْضٌ، وقِيلَ: هُمُ النَصارى واخْتِلافُهم في أمْرِ عِيسى بَعْدَ ما جاءَهُمُ العِلْمُ أنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ بِحُجَجِهِ، ودَلائِلِهِ. ﴿فَإنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ سَرِيعُ المُجازاةِ.

آل عمران 3:20

﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ فَإنْ جادَلُوكَ في أنَّ دِينَ اللهِ الإسْلامُ. والمُرادُ بِهِمْ: وفْدُ بَنِي نَجْرانَ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ نَفْسِي وجُمْلَتِي لِلَّهِ وحْدَهُ، لَمْ أجْعَلْ فِيها لِغَيْرِهِ شَرِيكًا بِأنْ أعْبُدَهُ، وأدْعُوَ إلَهًا مَعَهُ، يَعْنِي: أنَّ دِينِي دِينُ التَوْحِيدِ، وهو الدِينُ القَوِيمُ الَّذِي ثَبَتَتْ عِنْدَكم صِحَّتُهُ، كَما ثَبَتَتْ عِنْدِي، وما جِئْتُ بِشَيْءٍ بَدِيعٍ حَتّى تُجادِلُونِي فِيهِ، ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آلُ عِمْرانَ: ٦٤]. فَهو دَفْعٌ لِلْمُحاجَّةِ بِأنَّ ما هو عَلَيْهِ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ هو اليَقِينُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، فَما مَعْنى المُحاجَّةِ فِيهِ؟! (وَجْهِيَ) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَفْصٌ، والأعْشى، والبَرْجَمِيُّ. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى التاءِ في أسْلَمْتُ، (p-٢٤٤)أيْ: أسْلَمْتُ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي. وحَسُنَ لِلْفاصِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا مَعَهُ، (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) في الحالَيْنِ: سَهْلٌ، ويَعْقُوبُ، وافَقَ أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى. ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ والَّذِينَ لا كِتابَ لَهم مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ، كُوفِيٌّ. يَعْنِي: أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يَقْتَضِي حُصُولَ الإسْلامِ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ؟ أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى كُفْرِكُمْ؟ وقِيلَ: لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: أسْلِمُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةُ: ٩١] أيِ:انْتَهُوا. ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فَقَدْ أصابُوا الرُشْدَ، حَيْثُ خَرَجُوا مِنَ الضَلالِ إلى الهُدى. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: لَمْ يَضُرُّوكَ، فَإنَّكَ رَسُولٌ مُنَبَّهٌ، ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ الرِسالَةَ، وتُنَبِّهَ عَلى طَرِيقِ الهُدى. ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى إسْلامِهِمْ وكُفْرِهِمْ.

آل عمران 3:21

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ راضُونَ بِقَتْلِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ قَتْلَ النَبِيِّ لا يَكُونُ حَقًّا. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ﴾ (وَيَقاتِلُونَ) حَمْزَةُ. ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ. ﴿مِنَ الناسِ﴾ أيْ: سِوى الأنْبِياءِ، قالَ ﷺ: « "قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا قَتَلَتَهم بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ". »﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ دَخَلَتِ الفاءُ فى خَبَرِ إنَّ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ فَبَشِّرْهُمْ، بِمَعْنى: مَن يَكْفُرْ (p-٢٤٥)فَبَشِّرْهُمْ، وهَذا لِأنَّ "إنَّ" لا تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ فَهي لِلتَّحْقِيقِ، فَكَأنَّ دُخُولَها كَلا دُخُولٍ. ولَوْ كانَ مَكانَها لَيْتَ أوْ لَعَلَّ لامْتَنَعَ دُخُولُ الفاءِ.

آل عمران 3:22

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: ضاعَتْ. ﴿فِي الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ فَلَهُمُ اللَعْنَةُ والخِزْيُ في الدُنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ جَمْعٌ لِوَقْفِ رُءُوسِ الآيِ، وإلّا فالواحِدُ النَكِرَةُ في النَفْيِ يَعُمُّ.

آل عمران 3:23

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يُرِيدُ أحْبارَ اليَهُودِ، وأنَّهم حَصَّلُوا نَصِيبًا وافِرًا مِنَ التَوْراةِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلْبَيانِ. ﴿يُدْعَوْنَ﴾ حالٌ مِنَ الَّذِينَ. ﴿إلى كِتابِ اللهِ﴾ أيِ:التَوْراةِ أوِ القُرْآنِ. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ جُعِلَ حاكِمًا حَيْثُ كانَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ، أوْ لِيَحْكُمَ النَبِيُّ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَدارِسَهم فَدَعاهُمْ، فَقالَ لَهُ نَعِيمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ؟ قالَ النَبِيُّ ﷺ: "عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ". قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ لَهُما: "إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَوْراةَ فَهَلُمُّوا إلَيْها". فَأبَيا. »﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِبْعادٌ لا يَزالُ الإعْراضُ دَيْدَنَهم.

آل عمران 3:24

﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَوَلِّي والإعْراضُ بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرَ العِقابِ، وطَمَعِهِمْ في الخُرُوجِ مِنَ النارِ بَعْدَ أيّامٍ قَلائِلَ، وهي أرْبَعُونَ يَوْمًا، أوْ سَبْعَةُ أيّامٍ. و"ذَلِكَ" مُبْتَدَأٌ، و"بِأنَّهُمْ" خَبَرُهُ ﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غَرَّهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللهِ، وهو قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ فَلا يُعَذِّبُنا بِذُنُوبِنا إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً.

آل عمران 3:25

﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿لا (p-٢٤٦)رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ فِيهِ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ ﴿وَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ الناسِ. ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةٍ في سَيِّئاتِهِمْ، ونُقْصانٍ فى حَسَناتِهِمْ.

آل عمران 3:26

﴿قُلِ اللهُمَّ﴾ المِيمُ عِوَضٌ مِن يا، ولِذا لا يَجْتَمِعانِ. وهَذا بَعْضُ خَصائِصِ هَذا الِاسْمِ، كَما اخْتَصَّ بِالتاءِ في القَسَمِ، وبِدُخُولِ حَرْفِ النِداءِ عَلَيْهِ، وفِيهِ لامُ التَعْرِيفِ، وبِقَطْعِ هَمْزَتِهِ في يا اللهُ، وبِالتَفْخِيمِ. ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ تَمْلِكُ جِنْسَ المُلْكِ، فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، وهو نِداءٌ ثانٍ، أيْ: يا مالِكَ المُلْكِ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ تُعْطِي مَن تَشاءُ النَصِيبَ الَّذِي قَسَمْتَ لَهُ مِنَ المُلْكِ. ﴿وَتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أيْ: تَنْزِعُهُ. فالمُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ، والمَلَكانِ الآخَرانِ خاصّانِ بَعْضانِ مِنَ الكُلِّ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ، فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ! هَيْهاتَ! مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُومِ، هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ؟! فَنَزَلَتْ ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ » بِالمَلِكِ ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ بِنَزْعِهِ مِنهُ ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ أيِ:الخَيْرُ والشَرُّ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِ الضِدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ وقَعَ في الخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي أنْكَرَتْهُ الكَفَرَةُ، فَقالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تُؤْتِيهِ أوْلِياءَكَ عَلى رَغْمٍ مِن أعْدائِكَ. ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أحَدٌ غَيْرُكَ إلّا بِإقْدارِكَ. وَقِيلَ: المُرادُ بِـ "المُلْكِ": مُلْكُ العافِيَةِ، أوْ مُلْكُ القَناعَةِ. قالَ ﷺ: « "مُلُوكُ الجَنَّةِ مِن أُمَّتِي القانِعُونَ بِالقُوتِ يَوْمًا فَيَوْمًا". » أوْ مُلْكُ قِيامِ اللَيْلِ. وعَنِ (p-٢٤٧)الشِبْلِيِّ: الِاسْتِغْناءُ بِالمُكَوِّنِ عَنِ الكَوْنَيْنِ. " تَعِزُّ " بِالمَعْرِفَةِ أوْ بِالِاسْتِغْناءِ بِالمُكَوَّنِ أوْ بِالقَناعَةِ و" تُذِلُّ " بِأضْدادِها. ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ بِذِكْرِ حالِ اللَيْلِ والنَهارِ في المُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، وحالَ الحَيِّ والمَيِّتِ فى إخْراجِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:27

﴿تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ﴾ فالإيلاجُ: إدْخالُ الشَيْءِ فى الشَيْءِ، وهو مَجازٌ هُنا، أيْ: تَنْقُصُ مِن ساعاتِ اللَيْلِ، وتَزِيدُ في النَهارِ، وتَنْقُصُ مِن ساعاتِ النَهارِ وتَزِيدُ في اللَيْلِ. ﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الحَيَوانُ مِنَ النُطْفَةِ، أوِ الفَرْخَ مِنَ البَيْضَةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ. ﴿وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ النُطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، أوِ البَيْضَ مِنَ الدَجاجِ، أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ. ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَعْرِفُ الخَلْقُ عَدَدَهُ ومِقْدارَهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ المُحَيِّرَةِ لِلْأفْهامِ، ثُمَّ قَدَرَ أنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسابٍ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهُمْ، ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهم. وفي بَعْضِ الكُتُبِ: أنا اللهُ مَلِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيهِمْ بِيَدَيَّ. فَإنِ العِبادُ أطاعُونِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِمُ رَحْمَةً، وإنِ العِبادُ عَصَوْنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً. فَلا تَشْتَغِلُوا بِسَبَبِ المُلُوكِ، ولَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعَطِّفْهم عَلَيْكم. وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: « "كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكُمْ". » (الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ) و(المَيِّتَ مَنَّ الحَيِّ) بِالتَشْدِيدِ حَيْثُ كانَ مَدَنِيٌّ، وكُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ.

آل عمران 3:28

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ نُهُوا أنْ يُوالُوا الكافِرِينَ لِقَرابَةٍ بَيْنَهُمْ، (p-٢٤٨)أوْ لِصَداقَةٍ قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قُرِّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ. والمَحَبَّةُ في اللهِ والبُغْضُ في اللهِ بابٌ عَظِيمٌ في الإيمانِ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّ لَكم مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ، فَلا تُؤْثِرُوهم عَلَيْهِمْ. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: ومَن يُوالِ الكَفَرَةَ، فَلَيْسَ مِن وِلايَةِ اللهِ في شَيْءٍ، لِأنَّ مُوالاةَ الوَلِيِّ ومُوالاةَ عَدُوِّهِ مُتَنافِيانِ. ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ. أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ عَلَيْكَ سُلْطانٌ فَتَخافُهُ عَلى نَفْسِكَ ومالِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَكَ إظْهارُ المُوالاةِ، وإبْطالُ المُعاداةِ. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ، فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: مَصِيرُكم إلَيْهِ، والعَذابُ مُعَدٌّ لَدَيْهِ، وهو وعِيدٌ آخَرُ.

آل عمران 3:29

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ مِن وِلايَةِ الكُفّارِ، أوْ غَيْرِها، مِمّا لا يُرْضِي اللهَ. ﴿يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ ولَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، وهو أبْلَغُ وعِيدٍ. ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ، ولَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَرْطِ، أيْ: هو الَّذِي يَعْلَمُ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّكم وعَلَنُكم. ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَكُونُ قادِرًا عَلى عُقُوبَتِكم.

آل عمران 3:30

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ "يَوْمَ": مَنصُوبٌ بِـ "تَوَدُّ". الضَمِيرُ في "بَيْنَهُ" لِلْيَوْمِ، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَها وشَرَّها حاضِرِينَ، تَتَمَنّى لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا، أيْ: مَسافَةً بَعِيدَةً، أوْ بِاذْكُرْ. ويَقَعُ عَلى " ما عَمِلَتْ " وحْدَهُ. ويَرْتَفِعُ ﴿وَما عَمِلَتْ﴾ عَلى الِابْتِداءِ و﴿تَوَدُّ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: والذِي عَمِلَتْهُ مِن سُوءٍ تَوَدُّ هي لَوْ تَباعَدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ. ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، لِارْتِفاعِ "تَوَدُّ". نَعَمْ، الرَفْعُ جائِزٌ إذا كانَ الشَرْطُ ماضِيًا، لَكِنَّ الجَزْمَ هو (p-٢٤٩)الكَثِيرُ، وعَنِ المُبَرِّدِ: أنَّ الرَفْعَ شاذٌّ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ لِيَكُونَ عَلى بالٍ مِنهُمْ، لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ. ﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ حَتّى لا يَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ، ويَجُوزَ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحْذُورًا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ، مَرْجُوٌّ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٣].

آل عمران 3:31

وَنَزَلَ حِينَ قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ. ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ: إيثارُ طاعَتِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَحَبَّةُ اللهِ العَبْدَ: أنْ يَرْضى عَنْهُ، ويَحْمَدَ فِعْلَهُ. وعَنِ الحَسَنِ: زَعَمَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ، وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللهِ يُكَذِّبُهُ. وقِيلَ: مَحَبَّةُ اللهِ: مَعْرِفَتُهُ، ودَوامُ خَشْيَتِهِ، ودَوامُ اشْتِغالِ القَلْبِ بِهِ وبِذِكْرِهِ، ودَوامُ الأُنْسِ بِهِ. وقِيلَ: هي اتِّباعُ النَبِيِّ ﷺ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ إلّا ما خُصَّ بِهِ. وقِيلَ: عَلامَةُ المَحَبَّةِ أنْ يَكُونَ دائِمَ التَفْكِيرِ، كَثِيرَ الخَلْوَةِ، دائِمَ الصَمْتِ، لا يُبْصِرُ إذا نَظَرَ، ولا يَسْمَعُ إذا نُودِيَ، ولا يَحْزَنُ إذا أُصِيبَ، ولا يَفْرَحُ إذا أصابَ، ولا يَخْشى أحَدًا ولا يَرْجُوهُ. ﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

آل عمران 3:32

﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ﴾ قِيلَ: هي عَلامَةُ المَحَبَّةِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الطاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا يُحِبُّهم.

آل عمران 3:33

﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى﴾ اخْتارَ ﴿آدَمَ﴾ أبا البَشَرِ ﴿وَنُوحًا﴾ شَيْخَ المُرْسَلِينَ ﴿وَآلَ إبْراهِيمَ﴾ إسْماعِيلَ وإسْحَقَ وأوْلادَهُما ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ مُوسى وهارُونَ هُما ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ. وقِيلَ: عِيسى ومَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، وبَيْنَ العُمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ. ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ. (p-٢٥٠)

آل عمران 3:34

﴿ذُرِّيَّةً﴾ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةً، يَعْنِي: أنَّ الآلِينَ ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَسَلْسِلَةٌ، بَعْضُها مُتَشَعِّبٌ مِن بَعْضٍ: مُوسى وهارُونَ مِن عِمْرانَ، وعِمْرانُ مِن يَصْهَرَ، ويَصْهَرُ مِن قاهَثَ، وقاهَثُ مِن لاوِي، ولاوِي مِن يَعْقُوبَ، ويَعْقُوبُ مِن إسْحاقَ، وكَذَلِكَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، وهو يَتَّصِلُ بِيَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ. وقَدْ دَخَلَ في آلِ إبْراهِيمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وقِيلَ: بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِينِ. ﴿واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلِاصْطِفاءِ، أوْ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ ونِيَّتِها.

آل عمران 3:35

﴿إذْ قالَتِ﴾ و"إذْ": مَنصُوبٌ بِهِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. ﴿امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ هي امْرَأةُ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، أمُّ مَرْيَمَ، جَدَّةُ عِيسى، وهِيَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا. ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ أوْجَبْتُ ﴿ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ هو حالٌ مِن ما، وهي بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: مُعْتَقًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، لا يَدَ لِي عَلَيْهِ، ولا أسْتَخْدِمُهُ. وكانَ هَذا النَوْعُ مِنَ النَذْرِ مَشْرُوعًا عِنْدَهُمْ، أوْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، يُقالُ: طِينٌ حُرٌّ، أيْ: خالِصٌ. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ (مِنِّي) مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. والتَقَبُّلُ: أخْذُ الشَيْءِ عَلى الرِضا بِهِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾

آل عمران 3:36

﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ الضَمِيرُ لِـ ﴿ما في بَطْنِي﴾ وإنَّما أنَّثَ عَلى تَأْوِيلِ الحَبْلَةِ، أوِ النَفْسِ، أوِ النَسَمَةِ. ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ أُنْثى حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في وضَعْتُها، أيْ: وضَعْتُ الحَبْلَةَ، أوِ النَفْسَ، أوِ النَسَمَةَ أُنْثى. وإنَّما قالَتْ هَذا القَوْلَ، لِأنَّ التَحْرِيرَ لَمْ يَكُنْ إلّا لِلْغِلْمانِ، فاعْتَذَرَتْ عَمّا نَذَرَتْ، وتَحَزَّنَتْ إلى رَبِّها، ولِتَكَلُّمِها بِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَحَزُّنِ والتَحَسُّرِ، قالَ اللهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِها، أيْ: واللهُ أعْلَمُ بِالشَيْءِ الَّذِي وضَعَتْ، وما عَلَّقَ بِهِ مِن عَزائِمِ الأُمُورِ. (وَضَعْتُ) شامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ، بِمَعْنى: ولَعَلَّ لِلَّهِ فِيهِ سِرًّا (p-٢٥١)وَحِكْمَةً. وعَلى هَذا يَكُونُ داخِلًا في القَوْلِ، وعَلى الأوَّلِ يُوقَفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُنْثى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى. ﴿وَلَيْسَ الذَكَرُ﴾ الَّذِي طَلَبَتْ ﴿كالأُنْثى﴾ الَّتِي وُهِبَتْ لَها، واللامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ. ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، وإنَّما ذُكِرَتْ حَنَّةُ تَسْمِيَتَها مَرْيَمَ لِرَبِّها، لِأنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمِ:العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِذَلِكَ التَقَرُّبَ، والطَلَبَ إلَيْهِ أنْ يَعْصِمَها، حَتّى يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها، وأنْ يُصَدِّقَ فِيها ظَنَّها بِها، ألا تَرى كَيْفَ أتْبَعَتْهُ طَلَبَ الإعاذَةِ لَها ولِوَلَدِها مِنَ الشَيْطانِ بِقَوْلِهِ: (وَإنِّيَ) مَدَنِيٌّ ﴿أُعِيذُها بِكَ﴾ أُجِيرُها ﴿وَذُرِّيَّتَها﴾ أوْلادَها ﴿مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ﴾ المَلْعُونِ. في الحَدِيثِ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَيْطانِ إيّاهُ، إلّا مَرْيَمَ وابْنَها". »

آل عمران 3:37

﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ قَبِلَ اللهُ مَرْيَمَ، ورَضِيَ بِها في النَذْرِ مَكانَ الذَكَرِ. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قِيلَ: القَبُولُ: اسْمُ ما يُقْبَلُ بِهِ الشَيْءُ، كالسَعُوطِ: بِما يُسْعَطُ بِهِ. وهو اخْتِصاصُهُ لَها بِإقامَتِها مَقامَ الذَكَرِ في النَذْرِ، ولَمْ تُقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى في ذَلِكَ، أوْ بِأنْ تَسَلَّمَها مِن أُمِّها عَقِيبَ الوِلادَةِ قَبْلَ أنْ تَنْشَأ، وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ. رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ لَمّا ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ، وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ، ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ، كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهُمْ: دُونَكم هَذِهِ النَذِيرَةُ. فَتَنافَسُوا فِيها، لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانِ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهُمْ، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي أُخْتُها، فَقالُوا: لا، حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها. فانْطَلَقُوا -وَكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ- إلى نَهْرٍ، فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمْ، فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ، ورَسَبَتْ أقْلامُهُمْ، فَتَكَفَّلَها. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَتَقَبَّلَها (p-٢٥٢)بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أيْ: بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وهو الِاخْتِصاصُ ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ مَجازٌ عَنِ التَرْبِيَةِ الحَسَنَةِ. قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما كانَتْ ثَمَرَتُهُ مِثْلَ عِيسى، فَذاكَ أحْسَنُ النَباتِ. ونَباتًا: مَصْدَرٌ عَلى خِلافِ الصَدْرِ، أوِ التَقْدِيرُ: فَنَبَتَتْ نَباتًا. ﴿وَكَفَّلَها﴾ قَبِلَها، أوْ ضَمِنَ القِيامَ بِأمْرِها. (وَكَفَّلَها) كُوفِيٌّ، أيْ: كَفَّلَها اللهُ زَكَرِيّا، يَعْنِي: جَعَلَهُ كافِلًا لَها، وضامِنًا لِمَصالِحِها. (زَكَرِيّا) بِالقَصْرِ كُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، في كُلِّ القُرْآنِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالمَدِّ والنَصْبِ هُنا. غَيْرُهم بِالمَدِّ والرَفْعِ كالثانِيَةِ والثالِثَةِ. ومَعْناهُ في العِبْرِيِّ: دائِمُ الذَكَرِ والتَسْبِيحِ. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ قِيلَ: بَنى لَها زَكَرِيّا مِحْرابًا فى المَسْجِدِ، أيْ: غُرْفَةً تَصْعَدُ إلَيْها بِسُلَّمٍ. وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ ومُقَدَّمُها. كَأنَّها وضَعَتْ في أشْرَفِ مَوْضِعٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: كانَتْ مَساجِدُهم تُسَمّى المَحارِيبَ. وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا هو وحْدَهُ ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ كانَ رِزْقُها يَنْزِلُ عَلَيْها مِنَ الجَنَّةِ. ولَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ، فَكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ فى الشِتاءِ. ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُنْيا، وهو آتٍ في غَيْرِ حِينِهِ؟! ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ فَلا تَسْتَبْعِدْ. قِيلَ: تَكَلَّمَتْ وهي صَغِيرَةٌ، كَما تَكَلَّمَ عِيسى وهو في المَهْدِ. ﴿إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، أوْ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ تَفَضُّلًا بِغَيْرِ مُحاسَبَةٍ، ومُجازاةٍ عَلى عَمَلٍ.

آل عمران 3:38

﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَقَدْ يُسْتَعارُ هُنا، وحَيْثُ، وثَمَّ: لِلزَّمانِ. لَمّا رَأى حالَ (p-٢٥٣)مَرْيَمَ في كَرامَتِها عَلى اللهِ ومَنزِلَتِها، رَغِبَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن إيشاعَ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ أُمِّها حَنَّةَ في الكَرامَةِ عَلى اللهِ، وإنْ كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا، فَقَدْ كانَتْ أُمُّها كَذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا رَأى الفاكِهَةَ في غَيْرِ وقْتِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ ﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ ولَدًا، والذُرِّيَّةَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ﴿طَيِّبَةً﴾ مُبارَكَةً. والتَأْنِيثُ لِلَفْظِ الذَرِّيَّةِ ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ﴾ مُجِيبُهُ.

آل عمران 3:39

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: ناداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ. وإنَّما قِيلَ: المَلائِكَةُ، لِأنَّ المَعْنى: أتاهُ النِداءُ مِن هَذا الجِنْسِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ. (فَنادِيهُ) بِالياءِ والإمالَةِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُراداتِ تُطْلَبُ بِالصَلَواتِ، وفِيها إجابَةُ الدَعَواتِ، وقَضاءُ الحاجاتِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى عَبْدٍ حالَةً سَنِيَّةً إلّا بِاتِّباعِ الأوامِرِ، وإخْلاصِ الطاعاتِ، ولُزُومِ المَحارِيبِ. (إنَّ اللهَ) بِكَسْرِ الألْفِ شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِداءَ قَوْلٌ، الباقُونَ بِالفَتْحِ، أيْ: بِأنَّ اللهَ ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ يَبْشُرُكَ وما بَعْدَهُ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، مِن بَشَرَهُ والتَخْفِيفُ والتَشْدِيدُ لُغَتانِ ﴿بِيَحْيى﴾ هو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، إنْ كانَ عَجَمِيًّا، وهو الظاهِرُ فَلِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، كَمُوسى وعِيسى. وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَلِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ، كَيَعْمُرَ. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنهُ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أيْ: مُصَدِّقًا بِعِيسى، مُؤْمِنًا بِهِ، فَهو أوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ، وسَمّى عِيسى كَلِمَةَ اللهِ، لِأنَّ تَكَوُّنَهُ بِكُنْ بِلا أبٍ، أوْ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، مُؤْمِنًا بِكِتابٍ مِنهُ. ﴿وَسَيِّدًا﴾ هو الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، أيْ: يَفُوقُهم في الشَرَفِ، وكانَ يَحْيى فائِقًا عَلى قَوْمِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ سَيِّئَةً قَطُّ، ويا لَها مِن سِيادَةٍ! وقالَ الجُنَيْدُ: هو الَّذِي جادَ بِالكَوْنَيْنِ عِوَضًا عَنِ المُكَوَّنِ ﴿وَحَصُورًا﴾ هو الَّذِي لا يَقْرَبُ النِساءَ مَعَ القُدْرَةِ حَصْرًا لِنَفْسِهِ، أيْ: مَنعًا لَها مِنَ الشَهَواتِ ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ناشِئًا مِنَ الصالِحِينَ، لِأنَّهُ كانَ مِن أصْلابِ (p-٢٥٤)الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ.

آل عمران 3:40

﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اسْتِبْعادٌ مِن حَيْثُ العادَةُ، واسْتِعْظامٌ لِلْقُدْرَةِ، لا تَشَكُّكٌ، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ كَقَوْلِهِمْ: أدْرَكَتْهُ السِنُّ العالِيَةُ، أيْ: أثَّرَ فِيَّ الكِبَرُ، وأضْعَفَنِي، وكانَ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ، ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ لَمْ تَلِدْ ﴿قالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ.

آل عمران 3:41

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي﴾ مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو ﴿آيَةً﴾ عَلامَةً أعْرِفُ بِها الحَبَلَ لِأتَلَقّى النِعْمَةَ بِالشُكْرِ إذا جاءَتْ ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِ الناسِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ إلّا إشارَةً بِيَدٍ، أوْ رَأْسٍ، أوْ عَيْنٍ، أوْ حاجِبٍ. وأصْلُهُ: التَحَرُّكُ، يُقالُ: ارْتَمَزَ: إذا تَحَرَّكَ، واسْتَثْنى الرَمْزَ وهو لَيْسَ مِن جِنْسِ الكَلامِ، لِأنَّهُ لَمّا أدّى مُؤَدّى الكَلامِ، وفُهِمَ مِنهُ ما يُفْهَمُ مِنهُ سُمِّيَ كَلامًا، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ يَحْبِسُ لِسانَهُ عَنِ القُدْرَةِ عَلى تَكْلِيمِهِمْ خاصَّةً، مَعَ إبْقاءِ قُدْرَتِهِ عَلى التَكَلُّمِ بِذِكْرِ اللهِ، ولِذا قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ: في أيّامِ عَجْزِكَ عَنْ تَكْلِيمِ الناسِ، وهي مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والأدِلَّةِ الظاهِرَةِ، وإنَّما حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ كَلامِ الناسِ لِيُخْلِصَ المُدَّةَ لِذِكْرِ اللهِ، لا يَشْغَلُ لِسانَهُ بِغَيْرِهِ، كَأنَّهُ لَمّا طَلَبَ الآيَةَ مِن أجْلِ الشُكْرِ قِيلَ لَهُ: آيَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ إلّا عَنِ الشُكْرِ، وأحْسَنُ الجَوابِ ما كانَ مُنْتَزَعًا مِنَ السُؤالِ. والعَشِيُّ: مِن حِينِ الزَوالِ إلى الغُرُوبِ، والإبْكارُ: مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُحى.

آل عمران 3:42

﴿وَإذْ﴾ عَطْفٌ عَلى إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، أوِ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ ﴿قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوها شِفاهًا ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ﴾ أوَّلًا حِينَ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ، ورَبّاكِ، واخْتَصَّكِ بِالكَرامَةِ السَنِيَّةِ ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ (p-٢٥٥)الأفْعالِ ﴿واصْطَفاكِ﴾ آخِرًا ﴿عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ بِأنْ وهَبَ لَكِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِساءِ.

آل عمران 3:43

﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أدِيمِي الطاعَةَ، أوْ أطِيلِي قِيامَ الصَلاةِ ﴿واسْجُدِي﴾ وقِيلَ: أُمِرَتْ بِالصَلاةِ بِذِكْرِ القُنُوتِ والسُجُودِ، لِكَوْنِهِما مِن هَيْئاتِ الصَلاةِ، ثُمَّ قِيلَ لَها: ﴿وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ أيْ: ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ، أيْ: في الجَماعَةِ، أوْ وانْظِمِي نَفْسَكِ في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ، وكُونِي في عِدادِهِمْ، ولا تَكُونِي في عِدادِ غَيْرِهِمْ.

آل عمران 3:44

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن قِصَّةِ حَنَّةَ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، ومَرْيَمَ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْها إلّا بِالوَحْيِ، ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ أزْلامَهُمْ، وهي قِداحُهُمُ الَّتِي طَرَحُوها في النَهْرِ مُقْتَرِعِينَ، أوْ هي الأقْلامُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ التَوْراةَ بِها، اخْتارُوها لِلْقُرْعَةِ تَبَرُّكًا بِها ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يُلْقُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلْقُونَها يَنْظُرُونَ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ، أوْ لِيَعْلَمُوا، أوْ يَقُولُونَ، ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِها تَنافُسًا في التَكَفُّلِ بِها.

آل عمران 3:45

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ أيِ: اذْكُرْ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ: بِعِيسى ﴿مِنهُ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ ﴿اسْمُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وذَكَّرَ ضَمِيرَ الكَلِمَةِ، لِأنَّ المُسَمّى بِها مُذَكَّرٌ ﴿المَسِيحُ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ. والمَسِيحُ لَقَبٌ مِنَ الألْقابِ المُشَرَّفَةِ، كالصِدِّيقِ، والفارُوقِ، وأصْلُهُ: مَشِيحا بِالعِبْرانِيَّةِ، ومَعْناهُ: المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مَرْيَمُ: ٣١] وقِيلَ: سُمِّيَ مَسِيحًا، لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرَأ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ بِالسِياحَةِ، لا يَسْتَوْطِنُ مَكانًا " عِيسى " بَدَلٌ مِنَ " المَسِيح ابْن (p-٢٥٦)مَرْيَمَ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو ابْنُ مَرْيَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِعِيسى، لِأنَّ اسْمَهُ عِيسى فَحَسْبُ ولَيْسَ اسْمُهُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وإنَّما قالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إعْلامًا لَها أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ، فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، ﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاهٍ وقَدْرٍ ﴿فِي الدُنْيا﴾ بِالنُبُوَّةِ، والطاعَةِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِعُلُوِّ الدَرَجَةِ، والشَفاعَةِ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ يَرْفَعُهُ إلى السَماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجِيهًا﴾ حالٌ مِن "كَلِمَةٍ"، لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً، وكَذا ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: وثابِتًا مِنَ المُقَرَّبِينَ.

آل عمران 3:46

وَكَذا ﴿وَيُكَلِّمُ الناسَ﴾ أيْ: ومُكَلِّمًا الناسَ ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يُكَلِّمُ، أيْ: ثابِتًا في المَهْدِ، وهو ما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ مِن مَضْجَعِهِ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ ﴿وَكَهْلا﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، أيْ: ويُكَلِّمُ الناسَ طِفْلًا وكَهْلًا، أيْ: يُكَلِّمُ الناسَ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ حالِ الطُفُولَةِ وحالِ الكُهُولَةِ، الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيها العَقْلُ، ويُسْتَنْبَأُ فِيها الأنْبِياءُ ﴿وَمِنَ الصالِحِينَ﴾ حالٌ أيْضًا، والتَقْدِيرُ: يُبَشِّرُكِ بِهِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِفاتِ.

آل عمران 3:47

﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَدَّرَ تَكَوُّنَ شَيْءٍ كَوَّنَهُ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: "كُنْ" إخْبارًا عَنْ سُرْعَةِ تَكَوُّنِ الأشْياءِ بِتَكْوِينِهِ.

آل عمران 3:48

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ) ٤٨ (وَيُعَلِّمُهُ) مَدَنِيٌّ، وعاصِمٌ، ومَوْضِعُهُ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى وجِيهًا، الباقُونَ بِالنُونِ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَةَ، وكانَ أحْسَنَ الناسِ خَطًّا في زَمانِهِ، وقِيلَ: كُتُبَ اللهِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ بَيانَ الحَلالِ والحَرامِ، أوِ الكِتابُ: الخَطُّ بِاليَدِ، والحِكْمَةُ: البَيانُ بِاللِسانِ ﴿والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾

آل عمران 3:49

﴿وَرَسُولا﴾ أيْ: ونَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ورَسُولًا ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي﴾ بِأنِّي ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن (p-٢٥٧)رَبِّكُمْ﴾ بِدَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي فِيما أدَّعِيهِ مِنَ النُبُوَّةِ ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ نَصْبٌ بَدَلٌ مِن ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ جَرٌّ بَدَلٌ مِن "آيَةٍ" أوْ رَفْعٌ عَلى هي ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ (إنِّيَ) نافِعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ﴾ أيْ: أُقَدِّرُ لَكم شَيْئًا مِثْلَ صُورَةِ الطَيْرِ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَمِيرُ لِلْكافِ، أيْ: في ذَلِكَ الشَيْءِ المُماثِلِ لِهَيْئَةِ الطَيْرِ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ فَيَصِيرُ طَيْرًا كَسائِرِ الطُيُورِ، طائِرًا، مَدَنِيٌّ، ﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ بِأمْرِهِ، قِيلَ: لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ الخُفّاشِ ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الَّذِي وُلِدَ أعْمى ﴿والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ﴾ كَرَّرَ بِإذْنِ اللهِ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ فِيهِ اللاهُوتِيَّةَ، رُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، فَأرِنا آيَةً، فَقالَ: يا فُلانُ، أكَلْتَ كَذا، ويا فُلانُ خُبِّئَ لَكَ كَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ و َ"ما" فِيهِما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما سَبَقَ، ﴿لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

آل عمران 3:50

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ﴾ أيْ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ، وجِئْتُكم مُصَدِّقًا ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ، ولِأُحِلَّ لَكُمْ، وما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الشُحُومُ، ولُحُومُ الإبِلِ، والسَمَكُ، وكُلُّ ذِي ظُفُرٍ، فَأحَلَّ لَهم عِيسى بَعْضَ ذَلِكَ ﴿وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ في تَكْذِيبِي وخِلافِي ﴿وَأطِيعُونِ﴾ في أمْرِي.

آل عمران 3:51

﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ إقْرارٌ بِالعُبُودِيَّةِ، ونَفْيٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، (p-٢٥٨)بِخِلافِ ما يَزْعُمُ النَصارى ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ دُونِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ يُؤَدِّي صاحِبَهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ.

آل عمران 3:52

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ عَلِمَ مِنَ اليَهُودِ كُفْرًا، عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، كَعِلْمِ ما يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، (قالَ مَن أنْصارِي) مَدَنِيٌّ، هو جَمْعُ ناصِرٍ كَأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأشْرافٍ ﴿إلى اللهِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ الياءِ، أيْ: مَن أنَصارِي ذاهِبًا إلى اللهِ، مُلْتَجِئًا إلَيْهِ، ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ حَوارِيُّ الرَجُلِ: صَفْوَتُهُ، وخاصَّتُهُ، ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللهِ﴾ أعْوانُ دِينِهِ، ﴿آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ﴾ يا عِيسى ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ إنَّما طَلَبُوا شَهادَتَهُ بِإسْلامِهِمْ تَأْكِيدًا لِإيمانِهِمْ، لِأنَّ الرُسُلَ يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ.

آل عمران 3:53

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْـزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ﴾ أيْ: رَسُولَكَ عِيسى، ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ، أوْ مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهم شُهَداءُ عَلى الناسِ.

آل عمران 3:54

﴿وَمَكَرُوا﴾ أيْ: كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ حِينَ أرادُوا قَتْلَهُ، وصَلْبَهُ ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ أيْ: جازاهم عَلى مَكْرِهِمْ بِأنْ رَفَعَ عِيسى إلى السَماءِ، وألْقى شَبَهَهُ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ، ولا يَجُوزُ إضافَةُ المَكْرِ إلى اللهِ تَعالى إلّا عَلى مَعْنى الجَزاءِ، لِأنَّهُ مَذْمُومٌ عِنْدَ الخَلْقِ، وعَلى هَذا الخِداعُ والِاسْتِهْزاءُ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْوى المُجازِينِ، وأقْدَرُهم عَلى العِقابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ المُعاقَبُ. (p-٢٥٩)

آل عمران 3:55

﴿إذْ قالَ اللهُ﴾ ظَرْفٌ لِمَكْرِ اللهِ ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أيْ: مُسْتَوْفٍ أجْلَكَ، ومَعْناهُ: أنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ، لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ، ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ إلى سَمائِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي، ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ، وخُبْثِ صُحْبَتِهِمْ، وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ، مَن تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ إذا اسْتَوْفَيْتَهُ، أوْ مُمِيتُكَ في وقْتِكَ بَعْدَ النُزُولِ مِنَ السَماءِ ورافِعُكَ الآنَ، إذِ الواوُ لا تُوجِبُ التَرْتِيبَ. قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "يَنْزِلُ عِيسى خَلِيفَةً عَلى أُمَّتِي، يَدُقُّ الصَلِيبَ، ويَقْتُلُ الخَنازِيرَ، ويَلْبَثُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ويَتَزَوَّجُ، ويُولَدُ لَهُ، ثُمَّ يُتَوَفّى، وكَيْفَ تَهْلَكُ أمَةٌ أنا في أوَّلِها وعِيسى في آخِرِها، والمَهْدِيُّ مِن أهْلِ بَيْتِي في وسَطِها؟"، » أوْ مُتَوَفِّي نَفْسِكَ بِالنَوْمِ، ورافِعُكَ وأنْتَ نائِمٌ، حَتّى لا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وتَسْتَيْقِظَ وأنْتَ في السَماءِ آمِنٌ، مُقَرَّبٌ. ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ أيِ: المُسْلِمِينَ -لِأنَّهم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَرائِعُ- دُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكَ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ يُعْلِمُونَهم بِالحُجَّةِ، وفي أكْثَرِ الأحْوالِ بِها وبِالسَيْفِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

آل عمران 3:56

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ الحُكْمِ هاتانِ الآيَتانِ. (فَيُوَفِّيهِمْ) حَفْصٌ. (p-٢٦٠)

آل عمران 3:57

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ الحُكْمِ هاتانِ الآيَتانِ. (فَيُوَفِّيهِمْ) حَفْصٌ. (p-٢٦٠)

آل عمران 3:58

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿والذِكْرِ الحَكِيمِ﴾ القُرْآنُ: يَعْنِي: المُحْكَمُ، أوْ كَأنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حِكَمِهِ.

آل عمران 3:59

نَزَلَ لَمّا قالَ وفْدُ بَنِي نَجْرانَ: هَلْ رَأيْتَ ولَدًا بِلا أبٍ؟ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ قَدَّرَهُ جَسَدًا مِن طِينٍ، وهي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِحالَةِ شِبْهِ عِيسى بِآدَمَ ولا مَوْضِعَ لَها، أيْ: خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أبٌ ولا أُمٌّ، فَكَذَلِكَ حالَ عِيسى مَعَ أنَّ الوُجُودَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ أغْرَبُ، وأخْرَقُ لِلْعادَةِ مِنَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشَبَّهَ الغَرِيبِ بِالأغْرابِ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ، وأحْسِمَ لِمادَّةِ شُبْهَتِهِ إذا نَظَرَ فِيما هو أغْرَبُ مِمّا اسْتَغْرَبَهُ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: أنَّهُ أُسِرَ بِالرُومِ، فَقالَ لَهُمْ: لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسى؟ قالُوا: لِأنَّهُ لا أبَ لَهُ، قالَ: فَآدَمُ أوْلى، لِأنَّهُ لا أبَوَيْنِ لَهُ، قالُوا: كانَ يُحْيِي المَوْتى، قالَ: فَحِزْقِيلُ أوْلى، لِأنَّ عِيسى أحْيا أرْبَعَةَ نَفَرٍ، وحِزْقِيلُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، فَقالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، قالَ: فَجِرْجِيسُ أوْلى، لِأنَّهُ طُبِخَ وأُحْرِقَ ثُمَّ قامَ سالِمًا ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ: أنْشَأهُ بَشَرًا ﴿فَيَكُونُ﴾ أيْ: فَكانَ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، و"ثُمَّ" لِتَرْتِيبِ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ، لا لِتَرْتِيبِ المُخْبَرِ عَنْهُ.

آل عمران 3:60

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَقُّ ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيُّها السامِعُ ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ مِن بابِ التَهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَباتِ، لِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الِامْتِراءِ.

آل عمران 3:61

﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ مِنَ النَصارى ﴿فِيهِ﴾ في عِيسى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ مِنَ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ هَلُمُّوا، والمُرادُ: المَجِيءُ بِالعَزْمِ والرَأْيِ، كَما تَقُولُ: تَعالَ لِنُفَكِّرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ (p-٢٦١)﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ إلى المُباهَلَةِ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ ثُمَّ نَتَباهَلْ بِأنْ نَقُولَ: بَهْلَةُ اللهِ عَلى الكاذِبِ مِنّا ومِنكم. والبَهْلَةُ -بِالفَتْحِ والضَمِّ-: اللَعْنَةُ، وبَهَلَهُ اللهُ: لَعَنَهُ وأبْعَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ، وأصْلُ الِابْتِهالِ هَذا، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ دُعاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ التِعانًا، ورُوِي «أنَّهُ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى المُباهَلَةِ قالُوا: حَتّى نَنْظُرَ، فَقالَ العاقِبُ -وَكانَ ذا رَأْيِهِمْ-: واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ يا مَعْشَرَ النَصارى أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَعاشَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، ولَئِنْ فَعَلْتُمْ لَتَهْلِكُنَّ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكُمْ، فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكُمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقَدْ غَدا مُحْتَضِنًالِلْحُسَيْنِ، آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمِشِي خَلْفَهُ، وعَلِيٌّ خَلْفَها، وهو يَقُولُ: "إذا أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا"، فَقالَ أُسْقُفُ نَجْرانَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللهَ أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ بِها، فَلا تُباهِلُوا، فَتَهْلَكُوا، ولا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ نَصْرانِيٌّ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، رَأيْنا أنْ لا نُباهِلَكَ، فَصالَحَهُمُ النَبِيُّ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ كُلَّ سَنَةٍ، فَقالَ ﷺ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الهَلاكَ قَدْ تَدَلّى عَلى أهْلِ نَجْرانَ، ولَوْ لاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ". » وإنَّما ضَمَّ الأبْناءَ والنِساءَ، وإنْ كانَتِ المُباهَلَةُ مُخْتَصَّةً بَهِ وبِمَن يُكاذِبُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ آكَدُ في الدَلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ، واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأ عَلى تَعْرِيضِ أعِزَّتِهِ وأفْلاذِ كَبِدِهِ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وعَلى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتّى يَهْلَكَ خَصْمُهُ مَعَ أحِبَّتِهِ وأعِزَّتِهِ إنْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ، وخَصَّ الأبْناءَ والنِساءَ، لِأنَّهم أعَزُّ الأهْلِ، وألْصَقُهم بِالقُلُوبِ، وقَدَّمَهم في الذِكْرِ عَلى الأنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلى قُرْبِ مَكانِهِمْ ومَنزِلَتِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ لَمْ (p-٢٦٢)يَرْوِ أحَدٌ مِن مُوافِقٍ أوْ مُخالِفٍ أنَّهم أجابُوا إلى ذَلِكَ ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ مِنّا ومِنكم في شَأْنِ عِيسى، ونَبْتَهِلْ، ونَجْعَلْ: مَعْطُوفانِ عَلى نَدْعُ.

آل عمران 3:62

﴿إنَّ هَذا﴾ الَّذِي قَصَّ عَلَيْكَ مِن نَبَأِ عِيسى، ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ هو فَصْلٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، أوْ مُبْتَدَأٌ، و﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ: خَبَرُ إنَّ، وجازَ دُخُولُ اللامِ عَلى الفَصْلِ، لِأنَّهُ إذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ، كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ، لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنهُ، وأصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ، و"مِن" في ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللهُ﴾ بِمَنزِلَةِ البِناءِ عَلى الفَتْحِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" في إفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، والمُرادُ: الرَدُّ عَلى النَصارى في تَثْلِيثِهِمْ، ﴿وَإنَّ اللهَ لَهو العَزِيزُ﴾ في الِانْتِقامِ، ﴿الحَكِيمُ﴾ في تَدْبِيرِ الأحْكامِ.

آل عمران 3:63

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا، ولَمْ يَقْبَلُوا، ﴿فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَحْلُ: ٨٨].

آل عمران 3:64

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ وفْدُ نَجْرانَ، أوْ يَهُودُ المَدِينَةِ، ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أيْ: مُسْتَوِيَةٍ، ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ لا يَخْتَلِفُ فِيها القُرْآنُ والتَوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَفْسِيرُ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾ يَعْنِي: تَعالَوْا إلَيْها حَتّى لا نَقُولَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، ولا المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بَعْضُنا بَشَرٌ مِثْلُنا، ولا نُطِيعُ أحْبارَنا فِيما أحْدَثُوا مِنَ التَحْرِيمِ والتَحْلِيلِ مِن غَيْرِ رُجُوعٍ إلى ما شَرَعَ اللهُ، «وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "ألَيْسَ كانُوا (p-٢٦٣)يُحِلُّونَ لَكُمْ، ويُحَرِّمُونَ، فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟" قالَ: نَعَمْ، قالَ: "هُوَ ذاكَ" »﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَوْحِيدِ ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تَعْتَرِفُوا، وتُسَلِّمُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، كَما يَقُولُ الغالِبِ لِلْمَغْلُوبِ في جِدالٍ أوْ صِراعٍ: اعْتَرِفْ بِأنِّي أنا الغالِبُ، وسَلِّمَ إلَيَّ الغَلَبَةَ.

آل عمران 3:65

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْـزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ زَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِنهُمْ، وجادَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ اليَهُودِيَّةَ إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ التَوْراةِ، والنَصْرانِيَّةَ بَعْدَ نُزُولِ الإنْجِيلِ، وبَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ عِيسى ألْفانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إبْراهِيمُ عَلى دِينٍ لَمْ يَحْدُثْ إلّا بَعْدَ عَهْدِهِ بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ؟! ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حَتّى لا تُجادِلُوا مِثْلَ هَذا الجِدالِ المُحالِ.

آل عمران 3:66

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ "ها" لِلتَّنْبِيهِ، و"أنْتُمْ" مُبْتَدَأٌ، و"هَؤُلاءِ" خَبَرُهُ، ﴿حاجَجْتُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، يَعْنِي: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى، وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم جادَلْتُمْ ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ مِمّا نَطَقَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ ولا ذِكْرَ لَهُ في كِتابَيْكم مِن دِينِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: "هَؤُلاءِ" بِمَعْنى الَّذِينَ، وحاجَجْتُمْ: صِلَتُهُ، (ها أنْتُمْ) بِالمَدِّ وغَيْرِ الهَمْزِ حَيْثُ كانَ، مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، ﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ عِلْمَ ما تَحاجَجْتُمْ فِيهِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وأنْتُمْ جاهِلُونَ بِهِ ثُمَّ أعْلَمَهم بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ فَقالَ:

آل عمران 3:67

﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (p-٢٦٤)كَأنَّهُ أرادَ بِالمُشْرِكِينَ اليَهُودَ والنَصارى، لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ، أوْ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ كَما لَمْ يَكُنْ مِنهم.

آل عمران 3:68

﴿إنَّ أوْلى الناسِ بِإبْراهِيمَ﴾ إنَّ أخَصَّهم بِهِ، وأقْرَبَهم مِنهُ، مِنَ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زَمانِهِ وبَعْدِهِ ﴿وَهَذا النَبِيُّ﴾ خُصُوصًا خُصَّ بِالذِكْرِ لِخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ، والمُرادُ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن أُمَّتِهِ ﴿واللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ ناصِرُهم.

آل عمران 3:69

﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ هُمُ اليَهُودُ، دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ وما يَعُودُ وبالُ الإضْلالِ إلّا عَلَيْهِمْ، لِأنَّ العَذابَ يُضاعَفُ لَهم بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ.

آل عمران 3:70

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ بِالتَوْراةِ والإنْجِيلِ، وكُفْرُهم بِها: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما نَطَقَتْ بِهِ مِن صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وغَيْرِها. ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تَعْتَرِفُونَ بِأنَّها آياتُ اللهِ، أوْ تَكْفُرُونَ بِالقُرْآنِ، ودَلائِلِ نُبُوَّةِ الرَسُولِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ نَعْتَهُ في الكِتابَيْنِ، أوْ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ جَمِيعًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها حَقٌّ.

آل عمران 3:71

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ تَخْلِطُونَ الإيمانَ بِمُوسى وعِيسى بِالكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلّى الهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ.

آل عمران 3:72

﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فِيما بَيْنَهم ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: القُرْآنِ، ﴿وَجْهَ النَهارِ﴾ ظَرْفٌ أيْ: أوَّلَهُ، يَعْنِي: أظْهِرُوا الإيمانَ (p-٢٦٥)بِما أُنْزِلَ عَلى المُسْلِمِينَ في أوَّلِ النَهارِ، ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ واكْفُرُوا بِهِ آخِرَهُ، ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: ما رَجَعُوا وهم أهْلُ كِتابٍ وعِلْمٍ إلّا لِأمْرٍ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ، فَيَرْجِعُونَ بِرُجُوعِكم.

آل عمران 3:73

﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ "وَلا تُؤْمِنُوا" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ: ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأهْلِ دِينِكم دُونَ غَيْرِهِمْ، أرادُوا: أسِرُّوا تَصْدِيقَكم بِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِن كُتُبِ اللهِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلّا إلى أشْياعِكم وحْدَهُمْ، دُونَ المُسْلِمِينَ، لِئَلّا يَزِيدَهم ثَباتًا، ودُونَ المُشْرِكِينَ، لِئَلّا يَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ "يُؤْتى"، والضَمِيرُ في "يُحاجُّوكُمْ" لِأحَدٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَعْنى: ولا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أتْباعِكم أنَّ المُسْلِمِينَ يُحاجُّونَكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَقِّ، ويُغالِبُونَكم عِنْدَ اللهِ بِالحُجَّةِ، ومَعْنى الِاعْتِراضِ أنَّ الهُدى هُدى اللهِ، مَن شاءَ هَداهُ حَتّى أسْلَمَ أوْ ثَبَتَ عَلى الإسْلامِ، كانَ ذَلِكَ، ولَمْ يَنْفَعْ كَيْدُكُمْ، وحِيَلُكُمْ، وذَبُّكم تَصْدِيقَكم عَنِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يُرِيدُ: الهِدايَةَ والتَوْفِيقَ، أوْ يَتِمُّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا﴾ هَذا الإيمانَ الظاهِرَ، وهو إيمانُهم وجْهَ النَهارِ ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلّا لِمَن كانُوا تابِعِينَ لِدِينِكم مِمَّنْ أسْلَمُوا مِنكُمْ، لِأنَّ رُجُوعَهم كانَ أرْجى عِنْدَهم مِن رُجُوعِ مَن سِواهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ لِأنْ يُؤْتى ﴿أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ قُلْتُمْ ذَلِكَ، ودَبَّرْتُمُوهُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، يَعْنِي: أنَّ ما بِكم مِنَ الحَسَدِ والبَغْيِ، ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِنَ العِلْمِ والكِتابِ، دَعاكم إلى أنْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (آنْ) (p-٢٦٦)بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ يَعْنِي: ألِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الكِتابِ تَحْسُدُونَهُمْ؟ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عَلى هَذا مَعْناهُ: دَبَّرْتُمْ ما دَبَّرْتُمْ، لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أوْ لِما يَتَّصِلُ بِهِ عِنْدَ كُفْرِكم بِهِ مِن مُحاجَّتِهِمْ لَكم عِنْدَ رَبِّكم ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ أيْ: واسِعُ الرَحْمَةِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالمَصْلَحَةِ.

آل عمران 3:74

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ بِالنُبُوَّةِ، أوْ بِالإسْلامِ ﴿مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

آل عمران 3:75

﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا، فَأدّاهُ إلَيْهِ ﴿وَمِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ هو فُنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ دِينارًا، فَجَحَدَهُ، وخانَهُ، وقِيلَ: المَأْمُونُونَ عَلى الكَثِيرِ النَصارى لِغَلَبَةِ الأمانَةِ عَلَيْهِمْ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ لِغَلَبَةِ الخِيانَةِ عَلَيْهِمْ، ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ إلّا مُدَّةَ دَوامِكَ عَلَيْهِ يا صاحِبَ الحَقِّ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، مُلازِمًا لَهُ، (يُؤَدِّهِ) و(لا يُؤَدِّهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مُشْبَعَةٌ مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، ونافِعٌ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ. واخْتَلَسَ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ غَيْرِهِمْ بِسُكُونِ الهاءِ، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الأداءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لا يُؤَدِّهِ، ﴿بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: تَرْكُهم أداءِ الحُقُوقِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: لا يَتَطَرَّقُ عَلَيْنا إثْمٌ وذَمٌّ في شَأْنِ الأُمِّيِّينَ، يَعْنُونَ: الَّذِينَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وما فَعَلْنا بِهِمْ مِن حَبْسِ أمْوالِهِمْ، والإضْرارِ بِهِمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِنا، وكانُوا يَسْتَحِلُّونَ ظُلْمَ مَن خالَفَهُمْ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَمْ يُجْعَلْ لَهم في كِتابِنا حُرْمَةٌ، وقِيلَ: بايَعَ اليَهُودُ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ، فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهُمْ، فَقالُوا: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا حَقٌّ حَيْثُ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، وادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في (p-٢٦٧)كِتابِهِمْ ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ أنَّ ذَلِكَ في كِتابِهِمْ ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ.

آل عمران 3:76

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِنَ السَبِيلِ عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ، أيْ: بَلى عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فِيهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ بَلى مَسَدَّها، والضَمِيرُ في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ يَرْجِعُ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: كُلُّ مَن أوْفى بِعَهْدِ اللهِ واتَّقاهُ ﴿فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: يُحِبُّهُمْ، فَوَضَعَ الظاهِرَ مَوْضِعَ الضَمِيرِ، وعُمُومُ المُتَّقِينَ قامَ مَقامَ الضَمِيرِ الراجِعِ مِنَ الجَزاءِ إلى مَن، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإيمانُ وغَيْرُهُ مِنَ الصالِحاتِ وما وجَبَ اتِّقاؤُهُ مِنَ الكُفْرِ، وأعْمالِ السُوءِ، قِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَمِيرُ إلى مَن أوْفى، أيْ: كُلُّ مَن أوْفى بِما عاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ، واتَّقى اللهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، فَإنَّ اللهَ يُحِبُّهُ.

آل عمران 3:77

وَنَزَلَ فِيمَن حَرَّفَ التَوْراةَ، وبَدَّلَ نَعْتَهُ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وأخَذَ الرِشْوَةَ عَلى ذَلِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ يَسْتَبْدِلُونَ ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَسُولِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم ﴿وَأيْمانِهِمْ﴾ وبِما حَلَفُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: واللهِ لِنُؤْمِنُنَّ بِهِ، ولَنَنْصُرَنَّهُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مَتاعَ الدُنْيا مِنَ التَرَؤُّسِ، والِارْتِشاءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ يُقَوِّي رُجُوعَ الضَمِيرِ في "بِعَهْدِهِ" إلى اللهِ ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ: لا نَصِيبَ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ بِما يَسُرُّهم ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ نَظَرَ رَحْمَةٍ ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.

آل عمران 3:78

﴿وَإنَّ مِنهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿لَفَرِيقًا﴾ هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وغَيْرُهم. ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ يَفْتِلُونَها بِقِراءَتِهِ عَنِ الصَحِيحِ إلى المُحَرَّفِ، واللَيُ: الفَتْلُ، وهو الصَرْفُ. (p-٢٦٨)والمُرادُ: تَحْرِيفُهُمْ، كَآيَةِ الرَجْمِ، ونَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ يَرْجِعُ الضَمِيرُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ وهو المُحَرَّفُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: يَعْطِفُونَ ألْسِنَتَهم بِشِبْهِ الكِتابِ، لِتَحْسَبُوا ذَلِكَ الشَبَهَ ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: التَوْراةِ، ﴿وَما هو مِنَ الكِتابِ﴾ ولَيْسَ هو مِنَ التَوْراةِ ﴿وَيَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما هو مِنَ الكِتابِ﴾ وزِيادَةُ تَشْنِيعٍ عَلَيْهِمْ ﴿وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ.

آل عمران 3:79

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ﴾ تَكْذِيبٌ لِمَنِ اعْتَقَدَ عِبادَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ قالَ: "لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكُمْ، واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ". »﴿والحُكْمَ﴾ والحِكْمَةَ، وهي السُنَّةُ أوْ فَصْلُ القَضاءِ ﴿والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُؤْتِيهِ" ﴿لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ: كُونُوا رَبّانِيِّينَ، والرَبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ بِزِيادَةِ الألِفِ والنُونِ، وهو شَدِيدُ التَمَسُّكِ بِدِينِ اللهِ وطاعَتِهِ، وحِينَ ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَنِ الحَسَنِ "رَبّانِيِّينَ" عُلَماءَ فُقَهاءَ، وقِيلَ: عُلَماءَ مُعَلِّمِينَ، وقالُوا: الرَبّانِيُّ: العالِمُ العامِلُ، (بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ) كُوفِيٌّ وشامِيٌّ، أيْ: غَيْرَكُمْ، غَيْرُهم بِالتَخْفِيفِ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ، والمَعْنى: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينِ، وبِسَبَبِ كَوْنِكم دارِسِينَ لِلْعِلْمِ، كانَتِ الرَبّانِيَّةُ -الَّتِي هي قُوَّةُ التَمَسُّكِ بِطاعَةِ اللهِ- مُسَبَّبَةً عَنِ العِلْمِ والدارِسَةِ، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى خَيْبَةِ سَعْيِ مَن (p-٢٦٩)جَهَدَ نَفْسَهُ، وكَدَّ رُوحَهُ في جَمْعِ العِلْمِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ذَرِيعَةً إلى العَمَلِ، فَكانَ كَمَن غَرَسَ مِن شَجَرَةٍ حَسْناءَ تُؤَنِّقُهُ بِمَنظَرِها، ولا تَنْفَعُهُ بِثَمَرِها، وقِيلَ: مَعْنى "تَدْرُسُونَ": تَدْرُسُونَهُ عَلى الناسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] فَيَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى تَدْرُسُونَ، مِنَ التَدْرِيسِ، كَقِراءَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

آل عمران 3:80

﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ ووَجْهُهُ أنْ تَجْعَلَ "لا" مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ والمَعْنى: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللهُ، ويُنَصِّبَهُ لِلدُّعاءِ إلى اخْتِصاصِ اللهِ بِالعِبادَةِ، وتَرْكِ الأنْدادِ، ثُمَّ يَأْمُرَ الناسَ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ، ويَأْمُرَكم ﴿أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ أرْبابًا﴾ كَما تَقُولُ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي، ولا يَسْتَخِفَّ بِي، وبِالرَفْعِ حِجازِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وعَلِيٌّ، عَلى ابْتِداءِ الكَلامِ، والهَمْزَةُ فِي: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ لِلْإنْكارِ، والضَمِيرُ في " لا يَأْمُرُكم " وأيَأْمُرُكم لِلْبَشَرِ، أوْ لِلَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْلِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ أنْ يَسْجُدُوا لَهُ.

آل عمران 3:81

﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ﴾ هو عَلى ظاهِرِهِ مِن أخْذِ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ بِذَلِكَ، أوِ المُرادُ: مِيثاقُ أوْلادِ النَبِيِّينَ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ. واللامُ في ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ لامُ التَوْطِئَةِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ في مَعْنى الِاسْتِحْلافِ، وفي ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ لامُ جَوابِ القَسَمِ، و"ما" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَضَمِّنَةً لِمَعْنى الشَرْطِ، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القِسْمِ والشَرْطِ جَمِيعًا، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى: الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ. ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الصِلَةِ والعائِدُ مِنهُ إلى "ما" مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: ثُمَّ جاءَكم بِهِ ﴿رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ لِلْكِتابِ الَّذِي مَعَكُمْ، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ بِالرَسُولِ ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أيِ: الرَسُولَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ (لِما آتَيْتُكُمْ) حَمْزَةُ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ (p-٢٧٠)والحِكْمَةِ، ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَكُمْ، واللامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَهم لَتُؤْمِنُنَّ بِالرَسُولِ، ولَتَنْصُرُنَّهُ لِأجْلِ أنِّي آتَيْتُكُمُ الحِكْمَةَ، وأنَّ الرَسُولَ الَّذِي آمُرُكم بِالإيمانِ بِهِ ونُصْرَتِهِ مُوافِقٌ لَكم غَيْرُ مُخالِفٍ. (آتَيْناكُمْ) مَدَنِيٌّ، ﴿قالَ﴾ أيِ: اللهُ ﴿أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ أيْ: قَبِلْتُمْ عَهْدِي، وسُمِّي إصْرًا، لِأنَّهُ مِمّا يُؤْصَرُ، أيْ: يُشَدُّ، ويُعْقَدُ، ﴿قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا﴾ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ ﴿وَأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ﴾ وأنا مَعَكم عَلى ذَلِكَ مِن إقْرارِكم وتَشاهُدِكُمْ، وهَذا تَوْكِيدٌ عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ مِنَ الرُجُوعِ إذا عَلِمُوا بِشَهادَةِ اللهِ وشَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: قالَ اللهُ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا.

آل عمران 3:82

﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ المِيثاقِ، والتَوْكِيدِ، ونَقَضَ العَهْدَ بَعْدَ قَبُولِهِ، وأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِالنَبِيِّ الجائِي، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ.

آل عمران 3:83

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ دَخَلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الفاءِ العاطِفَةِ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى: فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ، فَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ، ثُمَّ تَوَسَّطَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَهُما، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أيَتَوَلَّوْنَ، فَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ وهو " غَيْر دِينِ اللهِ " عَلى فِعْلِهِ، لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ -الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ- مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ بِالباطِلِ ﴿يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَماواتِ﴾ المَلائِكَةُ ﴿والأرْضِ﴾ الإنْسُ والجِنُّ ﴿طَوْعًا﴾ بِالنَظَرِ في الأدِلَّةِ، والإنْصافِ مِن نَفْسِهِ ﴿وَكَرْهًا﴾ بِالسَيْفِ، أوْ بِمُعايَنَةِ العَذابِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإدْراكِ الغَرَقِ فِرْعَوْنَ، والإشْفاءِ عَلى المَوْتِ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وحْدَهُ﴾ [غافِرٌ: ٨٤] وانْتَصَبَ طَوْعًا وكَرْهًا عَلى الحالِ، أيْ: طائِعِينَ ومُكْرَهِينَ. " وإلَيْهِ تَرْجِعُونَ " فَيُجازِيكم عَلى الأعْمالِ. (يَبْغُونَ) و(يُرْجَعُونَ) بِالياءِ فِيهِما، حَفْصٌ، وبِالتاءِ في الثانِي وفَتْحِ الجِيمِ، أبُو عَمْرٍو، لِأنَّ (p-٢٧١)الباغِينَ هُمُ المُتَوَلُّونَ، والراجِعُونَ جَمِيعُ الناسِ، وبِالتاءِ فِيهِما وفَتْحِ الجِيمِ، غَيْرُهُما.

آل عمران 3:84

﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ أمَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ وعَمَّنْ مَعَهُ بِالإيمانِ، فَلِذا وحَّدَ الضَمِيرَ في "قُلْ" وجَمَعَ في "آمَنّا"، أوْ أمَرَ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ إجْلالًا مِنَ اللهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ، وعُدِّيَ "أُنْزِلَ" هُنا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وفي البَقَرَةِ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ، إذِ الوَحْيُ يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ ويَنْتَهِي إلى الرَسُولِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ، وقالَ صاحِبُ "اللُبابِ": والخِطابُ في البَقَرَةِ لِلْأُمَّةِ، لِقَوْلِهِ: "قُولُواْ" فَلَمْ يَصِحَّ إلّا "إلى"، لِأنَّ الكُتُبَ مُنْتَهِيَةٌ إلى الأنْبِياءِ وإلى أُمَّتِهِمْ جَمِيعًا، وهُنا قالَ: "قُلْ" وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، فَكانَ اللائِقُ بِهِ "عَلى"، لِأنَّ الكُتُبَ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ لا شَرِكَةَ لِلْأُمَّةِ فِيهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٢] ﴿وَما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ أوْلادُ يَعْقُوبَ، وكانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ. ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَبِيُّونَ﴾ كَرَّرَ في البَقَرَةِ ﴿وَما أُوتِيَ﴾ ولَمْ يُكَرِّرْ هُنا لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الإيتاءِ، حَيْثُ قالَ: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في الإيمانِ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَصارى ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُوَحِّدُونَ مُخْلِصُونَ أنْفُسَنا لَهُ، لا نَجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِنا.

آل عمران 3:85

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ﴾ يَعْنِي: التَوْحِيدَ، وإسْلامَ الوَجْهِ لِلَّهِ، أوْ غَيْرَ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿دِينًا﴾ تَمْيِيزٌ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ وقَعُوا في الخُسْرانِ.

آل عمران 3:86

وَنَزَلَ في رَهْطٍ أسْلَمُوا، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ، ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ والواوُ في ﴿وَشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ﴾ (p-٢٧٢)لِلْحالِ، وقَدْ مُضْمَرَةٌ، أيْ: كَفَرُوا وقَدْ شَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ، أيْ: مُحَمَّدٌ حَقٌّ، أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ما في ﴿إيمانِهِمْ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، لِأنَّ مَعْناهُ: بَعْدَ أنْ آمَنُوا ﴿وَجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الشَواهِدُ كالقُرْآنِ، وسائِرِ المُعْجِزاتِ ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: ما دامُوا مُخْتارِينَ الكُفْرَ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقَ الجَنَّةِ إذا ماتُوا كُفّارًا.

آل عمران 3:87

﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، خَبَرُهُ ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾ وهُما خَبَرُ أُولَئِكَ، أوْ جَزاؤُهم بَدَلُ الِاشْتِمالِ مِن أُولَئِكَ ﴿والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾

آل عمران 3:88

﴿خالِدِينَ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في " عَلَيْهِمْ " ﴿فِيها﴾ في اللَعْنَةِ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾

آل عمران 3:89

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الكُفْرِ العَظِيمِ، والِارْتِدادِ، ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا، أوْ دَخَلُوا في الصَلاحِ ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِكُفْرِهِمْ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ.

آل عمران 3:90

وَنَزَلَ في اليَهُودِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِعِيسى والإنْجِيلِ، ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِمُوسى والتَوْراةِ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، أوْ ﴿كَفَرُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِإصْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، وطَعْنِهِمْ فِيهِ في كُلِّ وقْتٍ، أوْ نَزَلَ في الَّذِينَ ارْتَدُّوا، ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، وازْدِيادُهُمُ الكُفْرَ أنْ قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ المَنُونِ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أيْ: إيمانُهم عِنْدَ البَأْسِ، لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ المَوْتِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٌ: ٨٥] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضالُّونَ﴾ (p-٢٧٣)

آل عمران 3:91

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ﴾ الفاءُ في ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ يُؤْذِنَ بِأنَّ الكَلامَ بُنِيَ عَلى الشَرْطِ والجَزاءِ، وأنَّ سَبَبَ امْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ هو المَوْتُ عَلى الكُفْرِ، وتَرْكُ الفاءِ فِيما تَقَدَّمَ يُشْعِرُ بِأنَّ الكَلامَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ولا دَلِيلَ فِيهِ عَلى التَسْبِيبِ ﴿ذَهَبًا﴾ تَمْيِيزٌ ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ أيْ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ فَدِيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ ﷺ: « "يُقالُ لِلْكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ: لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: لَقَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ". » قِيلَ: الواوُ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ مُعِينِينَ، دافِعِينَ لِلْعَذابِ.

آل عمران 3:92

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ، أوْ لَنْ تَكُونُوا أبْرارًا، أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ، وهو ثَوابُهُ. ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ حَتّى تَكُونَ نَفَقَتُكم مِن أمْوالِكُمُ الَّتِي تُحِبُّونَها وتُؤْثِرُونَها، وعَنِ الحَسَنِ: كُلُّ مَن تَصَدَّقَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ بِما يُحِبُّهُ ولَوْ ثَمَرَةً فَهو داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الواسِطِيُّ: الوُصُولُ إلى البَرِّ بِإنْفاقِ بَعْضِ المَحابِّ، وإلى الرَبِّ بِالتَخَلِّي عَنِ الكَوْنَيْنِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لَنْ تَنالُوا بِرِّي بِكم إلّا بِبِرِّكم بِإخْوانِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ لا وُصُولَ إلى المَطْلُوبِ إلّا بِإخْراجِ المَحْبُوبِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يَشْتَرِي أعْدالَ السُكَّرِ ويَتَصَدَّقُ بِها، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لا تَتَصَدَّقُ بِثَمَنِها؟ قالَ: لِأنَّ السُكَّرَ أحَبُّ إلَيَّ، فَأرَدْتُ أنْ أُنْفِقَ مِمّا أُحِبَّ ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: هو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ. و"مِن" الأُولى لِلتَّبْعِيضِ لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ (حَتّى تُنْفِقُوا بَعْضَ ما تُحِبُّونَ) والثانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ الإنْفاقُ، طَيِّبٌ تُحِبُّونَهُ، أوْ خَبِيثٌ تَكْرَهُونَهُ. (p-٢٧٤)

آل عمران 3:93

وَلَمّا «قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقالَ ﷺ: "كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ" فَقالَتِ اليَهُودُ: إنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً في مِلَّةِ إبْراهِيمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ، نَزَلَ تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿كُلُّ الطَعامِ﴾ » أيِ: المَطْعُوماتِ الَّتِي فِيها النِزاعُ، فَإنَّ مِنها ما هو حَرامٌ قَبْلَ ذَلِكَ، كالمَيْتَةِ، والدَمِ، ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: حَلالًا، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: حَلَّ الشَيْءُ حِلًّا، ولِذا اسْتَوى في صِفَةِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المُمْتَحِنَةُ: ١٠] ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾ أيْ: يَعْقُوبُ، ﴿عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَوْراةُ﴾ وبِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ، وهو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، وكانا أحَبَّ الطَعامِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ المَطاعِمَ كُلَّها لَمْ تَزَلْ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبْلِ إنْزالِ التَوْراةِ سِوى ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا نَزَلَتِ التَوْراةُ عَلى مُوسى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيها لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، لِتَحْرِيمِ إسْرائِيلَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أُمِرَ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمْ ويُبَكِّتَهم بِما هو ناطِقٌ بِهِ مِن أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمٌ حادِثٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، لا تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ كَما يَدَّعُونَهُ، فَلَمْ يَجْرُؤُوا عَلى إخْراجِ التَوْراةِ وبُهِتُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى صِدْقِ النَبِيِّ ﷺ، وعَلى جَوازِ النَسْخِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ.

آل عمران 3:94

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ بِزَعْمِهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا في مِلَّةِ إبْراهِيمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَهم مِنَ الحُجَّةِ القاطِعَةِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ المُكابِرُونَ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى البَيِّناتِ. (p-٢٧٥)

آل عمران 3:95

﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ في إخْبارِهِ أنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ: ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعالى صادِقٌ فِيما أنْزَلَ، وأنْتُمُ الكاذِبُونَ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن آمَنَ مَعَهُ، حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي ورَّطَتْكم في فَسادِ دِينِكم ودُنْياكُمْ، حَيْثُ اضْطَرَّتْكم إلى تَحْرِيفِ كِتابِ اللهِ لِتَسْوِيَةِ أغْراضِكُمْ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ الطَيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللهُ لِإبْراهِيمَ ولِمَن تَبِعَهُ، ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ، أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

آل عمران 3:96

وَلَمّا قالَتِ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: قِبْلَتُنا قَبْلَ قِبْلَتِكم نَزَلَ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ والواضِعُ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَعْنى وضْعِ اللهِ بَيْتًا لِلنّاسِ: أنَّهُ جَعَلَهُ مُتَعَبَّدًا لَهُمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ أوَّلَ مُتَعَبَّدٍ لِلنّاسِ الكَعْبَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ وُضِعَ قَبْلَ بَيْتِ المَقْدِسِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً". » قِيلَ: أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ، وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ حُجَّ بَعْدَ الطُوفانِ، وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ في الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِبَيْتٍ، والخَبَرُ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أيْ: لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، وهي عَلَمٌ لِلْبَلَدِ الحَرامِ، ومَكَّةُ وبَكَّةُ لُغَتانِ فِيهِ، وقِيلَ: مَكَّةُ البَلَدُ، وبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن بَكَّهُ: إذا زَحَمَهُ، لِازْدِحامِ الناسِ فِيها، أوْ لِأنَّها تَبَكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، أيْ: تَدُقُّها، لَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللهُ. ﴿مُبارَكًا﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ لِما يَحْصُلُ لِلْحُجّاجِ والمُعْتَمِرِينَ مِنَ الثَوابِ، وتَكْفِيرِ السَيِّئاتِ ﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهم و"مُبارَكًا" و"هُدًى" حالانِ مِنَ الضَمِيرِ في "وُضِعَ".

آل عمران 3:97

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ عَلاماتٌ واضِحاتٌ، لا تَلْتَبِسُ عَلى أحَدٍ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ وصَحَّ بَيانُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، لِأنَّهُ وحْدَهُ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ، وقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَأْثِيرِ قَدَمِهِ في حَجَرٍ صَلْدٍ، أوْ لِاشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ، لِأنَّ (p-٢٧٦)أثَرَ القَدَمِ في الصَخْرَةِ الصَمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَخْرَةِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وإبْقاءَهُ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ آيَةٌ لِإبْراهِيمَ خاصَّةً، عَلى أنَّ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآياتٍ -وَإنْ كانَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً، أوْ شَرْطِيَّةً- مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أمْنِ داخِلِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ: مَقامٌ لِإبْراهِيمَ، وأمْنُ داخِلِهِ، والِاثْنانِ في مَعْنى الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ تُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةً عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، وكَثِيرٍ سِواهُما، نَحْوُ: انْمِحاقِ الأحْجارِ مَعَ كَثْرَةِ الرُماةِ، وامْتِناعِ الطَيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ في طَيِّ الذِكْرِ قَوْلُهُ ﷺ: « "حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِيبُ، والنِساءُ، وقُرَّةُ عَيْنِي في الصَلاةِ". » فَقُرَّةُ عَيْنِي لَيْسَ مِنَ الثَلاثِ، بَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ، لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الدُنْيا، والثالِثُ مُطْوًى، وكَأنَّهُ ﷺ تَرْكُ ذِكْرِ الثالِثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنَ الدُنْيا، فَذَكَرَ شَيْئًا هو مِنَ الدِينِ، وقِيلَ: في سَبَبِ هَذا الأثَرِ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ، وضَعُفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ، فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. وقِيلَ: إنَّهُ جاءَ زائِرًا مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ: انْزِلْ حَتّى تَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ، فَجاءَتْهُ بِهَذا الحَجَرِ، فَوَضَعَتْهُ عَلى شِقِّهِ الأيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى شِقِّهِ الأيْسَرِ حَتّى غَسَلَتِ الشِقَّ الآخَرَ، فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وأمانُ مَن دَخَلَهُ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبْراهِيمُ: ٣٥] وكانَ الرَجُلُ لَوْ جَنى كُلَّ جِنايَةٍ، ثُمَّ التَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُطْلَبْ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَوْ ظَفِرْتُ فِيهِ بِقاتِلِ الخَطّابِ ما مَسَسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، ومَن لَزِمَهُ القَتْلُ في الحِلِّ بِقَوَدٍ، أوْ رِدَّةٍ، أوْ زِنًا، فالتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، إلّا أنَّهُ لا يُؤْوى، ولا يُطْعَمُ، ولا يُسْقى، ولا يُبايَعُ حَتّى يُضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: آمِنًا مِنَ النارِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ (p-٢٧٧)القِيامَةِ آمِنًا مِنَ النارِ". » وعَنْهُ ﷺ: « "الحَجُونُ والبَقِيعُ يُؤْخَذُ بِأطْرافِهِما ويُنْثَرانِ في الجَنَّةِ، وهُما مَقْبَرَتا مَكَّةَ والمَدِينَةِ". » وعَنْهُ ﷺ: « "مَن صَبَرَ عَلى حَرِّ مَكَّةَ ساعَةً مِن نَهارٍ تَباعَدَتْ مِنهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عامٍ". »﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّ لَهُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الحَجِّ. (حَجُّ البَيْتِ): كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وهو اسْمٌ، وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ في مَصْدَرِ حَجَّ " مِن " في مَوْضِعِ جَرٍّ، عَلى أنَّهُ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ ﴿اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَسَّرَها النَبِيُّ ﷺ بِالزادِ والراحِلَةِ، والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" لِلْبَيْتِ، أوْ لِلْحَجِّ، وكُلُّ مَأْتًى إلى الشَيْءِ فَهو سَبِيلٌ إلَيْهِ، ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أهْلَ الأدْيانِ كُلَّهم فَخَطَبَهُمْ، فَقالَ: "إنَّ اللهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا" فَآمَنَتْ بِهِ مِلَّةٌ واحِدَةٌ وهُمُ المُسْلِمُونَ، وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ، قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ، ولا نُصَلِّي إلَيْهِ، ولا نَحُجُّهُ، فَنَزَلَ ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ » أيْ: جَحَدَ فَرْضِيَّةَ الحَجِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسْنِ، وعَطاءٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكُفْرانِ، أيْ: ومَن لَمْ يَشْكُرْ ما أنْعَمْتُ عَلَيْهِ مِن صِحَّةِ الجِسْمِ، وسَعَةِ الرِزْقِ، ولَمْ يَحُجَّ ﴿فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ مُسْتَغْنٍ عَنْهُمْ، وعَنْ طاعَتِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنْواعٌ مِنَ التَأْكِيدِ، والتَشْدِيدِ مِنها: اللامُ، وعَلى، أيْ: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ في رِقابِ الناسِ، ومِنها: الإبْدالُ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُرادِ، وتَكْرِيرٌ لَهُ، ولِأنَّ الإيضاحَ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَفْصِيلَ بَعْدَ الإجْمالِ إيرادٌ لَهُ في صُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، ومِنها: قَوْلُهُ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ مَكانَ "وَمَن لَمْ يَحُجَّ" تَغْلِيظًا عَلى تارِكِي الحَجِّ. ومِنها ذِكْرُ (p-٢٧٨)الِاسْتِغْناءِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى المَقْتِ، والسُخْطِ، ومِنها: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾ وإنْ لَمْ يَقُلْ: "عَنْهُ" وما فِيهِ مِنَ الدَلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِبُرْهانٍ، لِأنَّهُ إذا اسْتَغْنى عَنِ العالَمِينَ تَناوَلَهُ الِاسْتِغْناءُ لا مَحالَةَ، ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْناءِ الكامِلِ، فَكانَ أدَلَّ عَلى عِظَمِ السُخْطِ الَّذِي وقَعَ عِبارَةً عَنْهُ.

آل عمران 3:98

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ الدالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والحالُ أنَّ اللهَ شَهِيدٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها.

آل عمران 3:99

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ الصَدُّ: المَنعُ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ﴾ عَنْ دِينِ حَقِّ عُلِمَ أنَّهُ سَبِيلُ اللهِ الَّتِي أمَرَ بِسُلُوكِها، وهو الإسْلامُ، وكانُوا يَمْنَعُونَ مَن أرادَ الدُخُولَ فِيهِ بِجُهْدِهِمْ، ومَحَلُّ ﴿تَبْغُونَها﴾ تَطْلُبُونَ لَها، نَصْبٌ عَلى الحالِ ﴿عِوَجًا﴾ اعْوِجاجًا ومَيْلًا عَنِ القَصْدِ والِاسْتِقامَةِ، بِتَغْيِيرِكم صِفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ وجْهِها، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ أنَّها سَبِيلُ اللهِ الَّتِي لا يَصُدُّ عَنْها إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ ﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الصَدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ.

آل عمران 3:100

ثُمَّ نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّباعِ هَؤُلاءِ الصادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ قِيلَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ تَحَدُّثُهم وتَألُّفُهُمْ، فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثٍ لَعَلَّهم يَغْضَبُونَ، وكانَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظَفَرُ فِيهِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ، فَتَنازَعَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: السِلاحَ، السِلاحَ، فَبَلَغَ النَبِيَّ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَقالَ: "أتَدْعُونَ (p-٢٧٩)الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ أكْرَمَكُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، وألَّفَ بَيْنَكُمْ؟!" فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْعَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا باكِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. »

آل عمران 3:101

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيهِ: الإنْكارُ والتَعَجُّبُ، أيْ: مِن أيْنَ يَتَطَرَّقُ إلَيْكُمُ الكُفْرُ؟! ﴿وَأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللهِ﴾ والحالُ أنَّ آياتِ اللهِ -وَهِيَ القُرْآنُ المُعْجِزُ- تُتْلى عَلَيْكم عَلى لِسانِ الرَسُولِ غَضَّةً طَرِيَّةً، ﴿وَفِيكم رَسُولُهُ﴾ وبَيْنَ أظْهُرِكم رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَبِّهُكم ويَعِظُكُمْ، ويُزِيحُ عَنْكم شُبَهَكم ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ، أوْ بِكِتابِهِ، أوْ هو حَثٌّ لَهم عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ ومَكائِدِهِمْ ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أُرْشِدَ إلى الدِينِ الحَقِّ، أوْ ومَن يَجْعَلْ رَبَّهُ مَلْجَأً ومَفْزَعًا عِنْدَ الشُبَهِ يَحْفَظْهُ عَنِ الشُبَهِ.

آل عمران 3:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ واجِبَ تَقْواهُ وما يَحِقُّ مِنها، وهو القِيامُ بِالواجِبِ والِاجْتِنابُ عَنِ المَحارِمِ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، أوْ هو ألّا تَأْخُذَهُ في اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومَ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ، أوْ بَنِيهِ، أوْ أبِيهِ. وقِيلَ: لا يَتَّقِي اللهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقاتِهِ حَتّى يَحْزَنَ لِسانُهُ، والتُقاةُ مِنِ اتَّقى، كالتُؤَدَةِ مِنِ اتَّأدَ، ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ولا تَكُونُنَّ عَلى حالٍ سِوى حالِ الإسْلامِ إذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ.

آل عمران 3:103

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ﴾ تَمَسَّكُوا بِالقُرْآنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "القُرْآنُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، ولا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَدِّ، مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ". »﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ (p-٢٨٠)مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ. وقِيلَ: تَمَسَّكُوا بِإجْماعِ الأُمَّةِ دَلِيلُهُ: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: ولا تَتَفَرَّقُوا، يَعْنِي: ولا تَفْعَلُوا ما يَكُونُ عَنْهُ التَفَرُّقُ، ويَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِماعُ: أوْ ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكُمْ، كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَصارى، أوْ كَما كُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ في الجاهِلِيَّةِ يُحارِبُ بَعْضُكم بَعْضًا، ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَهُمُ العَداوَةُ والحُرُوبُ، فَألَّفَ بَيْنِ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ المَحِبَّةَ، وصارُوا إخْوانًا ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ﴾ وكُنْتُمْ مُشْفِينَ عَلى أنْ تَقَعُوا في نارِ جَهَنَّمَ، لِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ بِالإسْلامِ، وهو رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَهم هُمُ الَّذِينَ يُنْقِذُونَ أنْفُسَهم لا اللهُ تَعالى. والضَمِيرُ لِلْحُفْرَةِ، أوْ لِلنّارِ أوْ لِلشَّفا، وأنَّثَ لِإضافَتِهِ إلى الحُفْرَةِ. وشَفا الحُفْرَةِ: حَرْفُها، ولامُها واوٌ، فَلِهَذا يُثَنّى شَفَوانِ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ البَلِيغِ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ﴾ أيِ: القُرْآنَ الَّذِي فِيهِ أمْرٌ ونَهْيٌ، ووَعْدٌ ووَعِيدٌ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ الهِدايَةِ، أوْ لِتَهْتَدُوا بِهِ إلى الصَوابِ، وما يَنالُ بِهِ الثَوابَ.

آل عمران 3:104

﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِما اسْتَحْسَنَهُ الشَرْعُ والعَقْلُ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَمّا اسْتَقْبَحَهُ الشَرْعُ والعَقْلُ، أوِ المَعْرُوفُ: ما وافَقَ الكِتابَ والسُنَّةَ، والمُنْكَرُ: ما خالَفَهُما، أوِ المَعْرُوفُ: الطاعَةُ، والمُنْكَرُ: المَعاصِي، والدُعاءُ إلى الخَيْرِ عامٌّ في التَكالِيفِ مِنَ الأفْعالِ والتُرُوكِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ خاصٌّ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، ولِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا مَن عَلِمَ بِالمَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، وعَلِمَ كَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ بِالسَهْلِ، فَإنْ لَمْ يَنْفَعْ تَرْقّى إلى الصَعْبِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقاتِلُوا﴾ [الحُجُراتُ: ٩]. أوْ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: وكُونُوا أُمَّةً تَأْمُرُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ (p-٢٨١)تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١١٠] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالفَلاحِ الكامِلِ، قالَ ﷺ: « "مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ، ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، فَهو خَلِيفَةُ اللهِ في أرْضِهِ، وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وخَلِيفَةُ كِتابِهِ". » وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أفْضَلُ الجِهادِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.

آل عمران 3:105

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ بِالعَداوَةِ، ﴿واخْتَلَفُوا﴾ في الدِيانَةِ. وهُمُ اليَهُودُ والنَصارى، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا، وكَفَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ المُوجِبَةُ لِلِاتِّفاقِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وهي كَلِمَةُ الحَقِّ. ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

آل عمران 3:106

وَنَصْبُ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ بِالظَرْفِ وهو "لَهُمْ" أوْ بِعَظِيمٍ، أوْ بِاذْكُرُوا، أيْ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أيْ: وُجُوهُ الكافِرِينَ، والبَياضُ مِنَ النُورِ، والسَوادُ مِنَ الظُلْمَةِ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾ فَحُذِفَ الفاءُ والقَوْلُ جَمِيعًا لِلْعِلْمِ بِهِ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَوْمَ المِيثاقِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ: جَمِيعُ الكُفّارِ، وهو قَوْلُ أُبَيٍ، وهو الظاهِرُ. أوْ هُمُ المُرْتَدُّونَ، أوِ المُنافِقُونَ، أيْ: أكَفَرْتُمْ باطِنًا بَعْدَ إيمانِكم ظاهِرًا، أوْ أهْلُ الكِتابِ، وكُفْرُهم بَعْدَ الإيمانِ: تَكْذِيبُهم بِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

آل عمران 3:107

﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللهِ﴾ فَفي نِعْمَتُهُ، وهي الثَوابُ المُخَلَّدُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَظْعَنُونَ عَنْها، ولا يَمُوتُونَ.

آل عمران 3:108

﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ الوارِدَةُ في الوَعْدِ، والوَعِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿نَتْلُوها (p-٢٨٢)عَلَيْكَ﴾ مُلْتَبِسَةً ﴿بِالحَقِّ﴾ والعَدْلِ، مِن جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ ﴿وَما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: لا يَشاءُ أنْ يَظْلِمَ هو عِبادَهُ، فَيَأْخُذُ أحَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، أوْ يَزِيدُ في عِقابِ مُجْرِمٍ، أوْ يَنْقُصُ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ.

آل عمران 3:109

﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ (تَرْجِعُ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

آل عمران 3:110

كانَ عِبارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَيْءِ في زَمانٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولا دَلِيلَ فِيهِ عَلى عَدَمِ سابِقٍ، ولا عَلى انْقِطاعِ طارِئٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، أوْ في اللَوْحِ خَيْرُ أُمَّةٍ، أوْ كُنْتُمْ في الأُمَمِ قَبْلَكم مَذْكُورِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةِ مَوْصُوفِينَ بِهِ، ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أُظْهِرَتْ ﴿لِلنّاسِ﴾ اللامُ تَتَعَلَّقُ بِأُخْرِجَتْ ﴿تَأْمُرُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهم خَيْرَ أُمَّةٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطْعِمُ الناسَ ويَكْسُوهُمْ، بَيَّنَتْ بِالإطْعامِ والإلْباسِ وجْهَ الكَرَمِ فِيهِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ، وطاعَةِ الرَسُولِ ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الكُفْرِ، وكُلِّ مَحْظُورٍ ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وتَدُومُونَ عَلى الإيمانِ بِهِ، أوْ لِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَرْتِيبَ، ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لَكانَ الإيمانُ خَيْرًا لَهم مِمّا هم فِيهِ، لِأنَّهم إنَّما آثَرُوا دِينَهم عَنْ دِينِ الإسْلامِ حُبًّا لِلرِّئاسَةِ، واسْتِتْباعِ العَوامِّ، ولَوْ آمَنُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنَ الرِئاسَةِ، والأتْباعِ، وحُظُوظِ الدُنْيا ما هو خَيْرٌ مِمّا آثَرُوا دِينَ الباطِلِ لِأجْلِهِ، مَعَ الفَوْزِ بِما وعَدُوا عَلى الإيمانِ بِهِ مِن إيتاءِ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ، ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، ﴿وَأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ.

آل عمران 3:111

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ إلّا ضَرَرًا مُقْتَصِرًا عَلى أذًى بِقَوْلِ مَن (p-٢٨٣)طَعَنَ في الدِينِ، أوْ تَهْدِيدٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ مُنْهَزِمِينَ، ولا يَضُرُّوكم بِقَتْلٍ، أوْ أسْرٍ. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ثُمَّ لا يَكُونُ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ، ولا يَمْنَعُونَ مِنكُمْ، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِمَن أسْلَمَ مِنهُمْ، لِأنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهم بِتَوْبِيخِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وهو ابْتِداءُ إخْبارٍ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَرْطِ والجَزاءِ، ولَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى "يُوَلُّوكُمْ" إذْ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لَقِيلَ: ثُمَّ لا يُنْصَرُوا، وإنَّما اسْتُؤْنِفَ لِيُؤْذِنَ أنَّ اللهَ لا يَنْصُرُهم قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ: أنَّهم لا يُنْصَرُونَ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمُ الأدْبارَ.

آل عمران 3:112

﴿ضُرِبَتْ﴾ أُلْزِمَتْ ﴿عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ﴾ أيْ: عَلى اليَهُودِ، ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ وُجِدُوا ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، والباءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إلّا مُعْتَصِمِينَ، أوْ مُتَمَسِّكِينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ. ﴿وَحَبْلٍ مِنَ الناسِ﴾ والحَبْلُ: العَهْدُ، والذِمَّةُ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ في كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلِ اللهِ وحَبْلِ الناسِ، يَعْنِي: ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةَ، وهي التِجاؤُهم إلى الذِمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ، ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ اسْتَوْجَبُوهُ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ الفَقْرُ عُقُوبَةً لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٨١] أوْ خَوْفُ الفَقْرِ مَعَ قِيامِ اليَسارِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن ضَرْبِ الذِلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، والبَوْءِ بِغَضَبِ اللهِ، أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكُفْرُ، وذَلِكَ القَتْلُ كائِنٌ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ لِلَّهِ، واعْتِدائِهِمْ لِحُدُودِهِ. (p-٢٨٤)

آل عمران 3:113

﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١١٠] ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ جَماعَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ، مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ: اسْتَقامَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ﴾ القُرْآنَ، ﴿آناءَ اللَيْلِ﴾ ساعاتِهِ، واحِدُها: إنًى كَمِعًى، أوْ إنْوٌ كَقِنْوٌ، أوْ إنْيٍ كَنِحْيٍ، ﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾ يُصَلُّونَ. قِيلَ: يُرِيدُ صَلاةَ العِشاءِ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُصَلُّونَها، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَيْلِ مَعَ السُجُودِ.

آل عمران 3:114

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ، وسائِرِ أبْوابِ البِرِّ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الكُفْرِ، ومَنهِيّاتِ الشَرْعِ، ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ يُبادِرُونَ إلَيْها خَشْيَةَ الفَوْتِ، وقَوْلُهُ: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ" في مَحَلِّ الرَفْعِ صِفَتانِ لِأُمَّةٍ، أيْ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، تالُونَ، مُؤْمِنُونَ، ووَصَفَهم بِخَصائِصِ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللهِ بِاللَيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللهِ، لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا، وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُسُلِ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ، لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ، لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها، والمُسارَعَةُ في الخَيْرِ: فَرْطُ الرَغْبَةِ فِيهِ، لِأنَّ مَن رَغِبَ في الأمْرِ سارَعَ بِالقِيامِ بِهِ ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما وُصِفُوا بِهِ ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾ مِنَ المُسْلِمِينَ، أوْ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللهِ، ورَضِيَهم.

آل عمران 3:115

﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ١١٥ ((وَما يَفْعَلُواْ مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) بِالياءِ فِيهِما، كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو مُخَيَّرٌ، غَيْرُهم بِالتاءِ. وعُدِّيَ يُكْفَرُوهُ إلى مَفْعُولَيْنِ -وَإنْ كانَ "شَكَرَ" (p-٢٨٥)وَ "كَفَرَ" لا يَتَعَدَّيانِ إلّا إلى واحِدٍ، تَقُولُ: شَكَرَ النِعْمَةَ وكَفَرَها- لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحِرْمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ تُحْرَمُوهُ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا جَزاءَهُ ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ لِلْمُتَّقِينَ بِجَزِيلِ الثَوابِ.

آل عمران 3:116

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللهِ، ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

آل عمران 3:117

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا﴾ في المَفاخِرِ، والمَكارِمِ، وكَسْبِ الثَناءِ، وحُسْنِ الذِكْرِ بَيْنَ الناسِ، أوْ ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ، وهو الحَرْثُ، أوْ مَثَلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ إهْلاكِ رِيحٍ ﴿فِيها صِرٌّ﴾ بَرْدٌ شَدِيدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِرِيحٍ، مِثْلُ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ عُقُوبَةً عَلى كُفْرِهِمْ ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ، أوْ يَكُونُ الضَمِيرُ لِلْمُنْفِقِينَ، أيْ: وما ظَلَمَهُمُ اللهُ بِأنْ لَمْ يَقْبَلْ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِها لائِقَةً لِلْقَبُولِ.

آل عمران 3:118

وَنَزَلَ نَهْيًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُصافاةِ المُنافِقِينَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بِطانَةُ الرَجُلِ ووَلِيجَتُهُ: خَصِيصِهِ، وصَفِيِّهِ. شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَوْبِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ شِعارِيٌّ، وفي الحَدِيثِ: « "الأنْصارُ شِعارٌ، والناسُ دِثارٌ". »﴿مِن دُونِكُمْ﴾ مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكُمْ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو صِفَةٌ لِبِطانَةٍ. أيْ: (p-٢٨٦)بِطانَةً كائِنَةً مِن دُونِكم مُجاوِزَةً لَكم ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةً لِبِطانَةٍ، يَعْنِي: لا يُقَصِّرُونَ في فَسادِ دِينِكم. يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو: إذا قَصَّرَ فِيهِ، والخَبالُ: الفَسادُ، وانْتَصَبَ خَبالًا عَلى التَمْيِيزِ: أوْ عَلى حَذْفِ فِي، أيْ: في خَبالِكم. ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: عَنَتَكُمْ، فَما: مَصْدَرِيَّةٌ، والعَنَتُ: شِدَّةُ الضَرَرِ والمَشَقَّةُ، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَضُرُّوكم في دِينِكم ودُنْياكم أشَدَّ الضَرَرِ وأبْلَغَهُ، وهو مُسْتَأْنَفٌ عَلى وجْهِ التَعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ -مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهُمْ- أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بَعْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ مِنَ البُغْضِ لَكُمْ، ﴿أكْبَرُ﴾ مِمّا بَدا. ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِينِ، ومُوالاةِ أوْلِياءِ اللهِ، ومُعاداةِ أعْدائِهِ، ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما بُيِّنَ لَكم.

آل عمران 3:119

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ "ها" لِلتَّنْبِيهِ، و"أنْتُمْ" مُبْتَدَأٌ، و"أُولاءِ" خَبَرُهُ، أيْ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. ﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ حَيْثُ يَبْذُلُونَ مَحَبَّتَهم لِأهْلِ البَغْضاءِ، أوْ أُولاءِ مَوْصُولٌ صِلَتُهُ "تُحِبُّونَهُمْ" والواوُ في ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ لِلْحالِ، وانْتِصابُها مِن "لا يُحِبُّونَكُمْ" أيْ: لا يُحِبُّونَكُمْ، والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ كُلِّهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُبْغِضُونَكُمْ، فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن كِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ، لِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكُمْ، وقِيلَ: الكِتابُ لِلْجِنْسِ. ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أظْهَرُوا كَلِمَةَ التَوْحِيدِ ﴿وَإذا خَلَوْا﴾ فارَقُوكُمْ، أوْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ يُوصَفُ المُغْتاظُ والنادِمُ بِعَضِّ الأنامِلِ، والبَنانِ، والإبْهامِ. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلَكُوا بِهِ، والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ: زِيادَةُ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ، وعِزِّ أهْلِهِ، وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُلِّ والخِزْيِ. ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ فَهو يَعْلَمُ (p-٢٨٧)ما في صُدُورِ المُنافِقِينَ مِنَ الحَنَقِ والبَغْضاءِ، وما يَكُونُ مِنهم في حالِ خُلُوِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ المَقُولِ، أيْ: أخْبِرْهم بِما يُسِرُّونَهُ مِن عَضِّهِمُ الأنامِلَ غَيْظًا إذا خَلَوْا، وقُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُسِرُّونَهُ بَيْنَكُمْ، وهو مُضْمَراتُ الصُدُورِ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أسْرارِكم يَخْفى عَلَيْهِ، أوْ خارِجٌ عَنِ المَقُولِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى ما يُسِرُّونَ، فَإنِّي أعْلَمُ بِما هو أخْفى مِن ذَلِكَ، وهو ما أضْمَرُوهُ في صُدُورِهِمْ.

آل عمران 3:120

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾ رَخاءٌ، وخِصْبٌ، وغَنِيمَةٌ، ونُصْرَةٌ. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهم إصابَتُها ﴿وَإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ أضْدادُ ما ذَكَرْنا، والمَسُّ مُسْتَعارٌ مِنَ الإصابَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التَوْبَةُ: ٥٠] ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ بِإصابَتِها ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى عَداوَتِهِمْ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن مُوالاتِهِمْ، أوْ ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى تَكالِيفِ الدِينِ ومَشاقِّهِ "وَتَتَّقُوا" اللهَ في اجْتِنابِكم مَحارِمَهُ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ مَكْرُهُمْ، وكُنْتُمْ في كَنَفِ اللهِ، وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللهِ، وإرْشادٌ إلى أنْ يُسْتَعانَ عَلى كَيْدِ العَدُوِّ بِالصَبْرِ والتَقْوى، وقالَ الحُكَماءُ: إذا أرَدْتَ أنْ تَكْبِتَ مَن يَحْسُدُكَ فازْدَدْ فَضْلًا في نَفْسِكَ، (لا يَضِرْكُمْ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، ونافِعٌ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ، وهو واضِحٌ، والمُشْكِلُ قِراءَةُ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ جَوابُ الشَرْطِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَجْزُومٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الراءِ كَقِراءَةِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ، إلّا أنَّ ضَمَّةَ الراءِ لِإتْباعِ ضَمَّةِ الضادِ، نَحْوُ: مُدُّ يا هَذا، " إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ " بِالتاءِ سَهْلٌ، أيْ: مِنَ الصَبْرِ والتَقْوى وغَيْرِهِما ﴿مُحِيطٌ﴾ فَفاعِلٌ بِكم ما أنْتُمْ أهْلُهُ، وبِالياءِ غَيْرُهُ، أيْ: أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في عَداوَتِكم فَمُعاقِبُهم عَلَيْهِ.

آل عمران 3:121

﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ خَرَجْتَ غُدْوَةً مِن أهْلِكَ بِالمَدِينَةِ، والمُرادُ: غَدْوُهُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها إلى أُحُدٍ ﴿تُبَوِّئُ (p-٢٨٨)المُؤْمِنِينَ﴾ تُنْزِلُهُمْ، وهو حالٌ ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ مَواطِنَ ومَواقِفَ مِنَ المَيْمَنَةِ، والمَيْسَرَةِ، والقَلْبِ، والجَناحَيْنِ، والساقَةِ. و"لِلْقِتالِ": يَتَعَلَّقُ بِـ "تُبَوِّئُ" ﴿واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سَمِيعٌ لِأقْوالِكم "عَلِيمٌ" بِنِيّاتِكم وضَمائِرِكُمْ، رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فاسْتَشارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أصْحابَهُ، ودَعا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ فاسْتَشارَهُ، فَقالَ: أقِمْ بِالمَدِينَةِ، فَما خَرَجْنا عَلى عَدُوٍّ قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا، وما دَخَلُوا عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهم. فَقالَ ﷺ: "إنِّي رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرًا مُذَبَّحَةً حَوْلِي، فَأوَّلْتُها خَيْرًا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثُلْمَةً فَأوَّلْتُها هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ". فَلَمْ يَزَلْ بِهِ قَوْمٌ يَنْشَطُونَ في الشَهادَةِ حَتّى لَبِسَ لَأْمَتَهُ، ثُمَّ نَدِمُوا، فَقالُوا: الأمْرُ إلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ ﷺ: "لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُها حَتّى يُقاتِلَ". فَخَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمْعَةِ، وأصْبَحَ بِالشِعْبِ مِن أُحُدٍ يَوْمَ السَبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ. »

آل عمران 3:122

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ، أوْ عَمِلَ فِيهِ مَعْنى "عَلِيمٌ" ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ بَنُو سَلَمَةَ مَنِ الخَزْرَجِ، وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وكانَ ﷺ خَرَجَ إلى أُحُدٍ في ألْفٍ، والمُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ووَعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فانْخَذَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الناسِ، وقالَ: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا؟ فَهَمَّ الحَيّانِ بِاتِّباعِهِ، فَعَصَمَهُمُ اللهُ، فَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ: بِأنْ تَفْشَلا، أيْ: بِأنْ تَجْبُنا وتَضْعُفا. والفَشَلُ: الجُبْنُ، والخَوَرُ. ﴿واللهُ ولِيُّهُما﴾ مُحِبُّهُما، أوْ ناصِرُهُما، أوْ مُتَوَلِّي أمْرِهِما، فَما لَهُما تَفْشَلانِ، ولا تَتَوَكَّلانِ عَلى اللهِ؟! ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمَرَهم بِألّا يَتَوَكَّلُوا إلّا عَلَيْهِ، ولا يُفَوِّضُوا أُمُورَهم إلّا إلَيْهِ، قالَ جابِرٌ: واللهِ ما يَسُرُّنا أنّا لَمْ نَهِمَّ بِالَّذِي هَمَمْنا بِهِ، وقَدْ أخْبَرَنا اللهُ بِأنَّهُ ولِيُّنا.

آل عمران 3:123

ثُمَّ ذَكَّرَهم ما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَوَكُّلَ مِمّا يَسَرَّ لَهم مِنَ الفَتْحِ يَوْمَ بَدْرٍ، (p-٢٨٩)وَهم في حالِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ وهو اسْمُ ماءٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا، فَسُمِّيَ بِهِ، أوْ ذُكِرَ بَدْرًا بَعْدَ أحَدٍ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَبْرِ والشُكْرِ ﴿وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لِقِلَّةِ العَدَدِ -فَإنَّهم كانُوا ثَلَثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، وكانَ عَدُوُّهم زُهاءَ ألْفِ مُقاتِلٍ- والعُدَدِ فَإنَّهم خَرَجُوا عَلى النَواضِحِ، يَعْتَقِبُ النَفَرُ مِنهم عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وما كانَ مَعَهم إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، ومَعَ عَدُوِّهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ، والشِكَّةِ والشَوْكَةِ. جاءَ بِجَمْعِ القِلَّةِ، وهو "أذِلَّةٌ"، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى ذِلَّتِهِمْ كانُوا قَلِيلًا ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ في الثَباتِ مَعَ رَسُولِهِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النَصْرِ.

آل عمران 3:124

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصَرَكم عَلى أنْ تَقُولَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ: نَصَرَكُمُ اللهُ وقْتَ مَقالَتِكم هَذِهِ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن "إذْ غَدَوْتَ"، عَلى أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ (مُنَزَّلِينَ) شامِيٌّ، (مُنْزَلِينَ) أبُو حَيَوَةَ، أيْ: لِلنُّصْرَةِ. ومَعْنى ألَنْ يَكْفِيَكُمْ: إنْكارٌ ألّا يَكْفِيَهُمُ الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وجِيءَ بِلَنِ الَّذِي هو لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدُوُّهِمْ وشَوْكَتِهِ كالآيِسِينَ مِنَ النَصْرِ.

آل عمران 3:125

﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ لَنْ، أيْ: يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ بِهِمْ، فَأوْجَبَ الكِفايَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى القِتالِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ خِلافَ الرَسُولِ ﷺ ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ هو مَن فارَتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ، فاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِها الحالَةُ الَّتِي لا رَيْثَ بِها، ولا تَعْرِيجَ عَلى شَيْءٍ مِن صاحِبِها، فَقِيلَ: خَرَجَ مِن فَوْرِهِ، كَما تَقُولُ: مِن ساعَتِهِ لَمْ يَلْبَثْ، ومِنهُ قَوْلُ الكَرْخِيِّ: الأمْرُ المُطْلَقُ عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَراخِي، والمَعْنى: إنْ يَأْتُوكم مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في حالِ إتْيانِهِمْ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُهم عَنْ إتْيانِهِمْ، يَعْنِي: أنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ نُصْرَتَكُمْ، ويُيَسِّرُ فَتْحْكَمْ إنْ (p-٢٩٠)صَبَرْتُمْ واتَّقَيْتُمْ (مُسَوِّمِينَ) بِكَسْرِ الواوِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وسَهْلٌ، أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها في الحَرْبِ. والسُومَةُ: العَلامَةُ، عَنِ الضَحّاكِ: مُعَلِّمِينَ بِالصُوفِ الأبْيَضِ في نَواصِي الدَوابِّ وأذْنابِها، غَيْرِهِمْ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ: مُعَلَّمِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: مُعَلَّمِينَ بِعَمائِمَ صُفْرٍ مُرْخاةٍ عَلى أكْتافِهِمْ، وكانَتْ عِمامَةُ الزُبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ صَفْراءَ، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ كَذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ ألْفًا فَصارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ خَمْسَةَ آلافٍ.

آل عمران 3:126

﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ الضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإمْدادِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ أيْ: وما جَعَلَ اللهُ إمْدادَكم بِالمَلائِكَةِ إلّا بِشارَةً لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ كَما كانَتِ السَكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِشارَةً بِالنَصْرِ، وطُمَأْنِينَةً لِقُلُوبِهِمْ. ﴿وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ﴾ لا مِن عِنْدِ المُقاتِلَةِ، ولا مِن عِنْدِ المَلائِكَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي بِهِ اللهُ رَجاءَ النُصْرَةِ والطَمَعِ في الرَحْمَةِ، ﴿العَزِيزِ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ في أحْكامِهِ، ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يُعْطِي النَصْرَ لِأوْلِيائِهِ، ويَبْتَلِيهِمْ بِجِهادِ أعْدائِهِ.

آل عمران 3:127

واللامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِيَهْلِكَ طائِفَةٌ مِنهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، وهو ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ﴾ أوْ بِـ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أوْ يُخْزِيَهُمْ، ويَغِيظَهم بِالهَزِيمَةِ، وحَقِيقَةُ الكَبْتِ: شِدَّةُ وهَنٍ تَقَعُ في القَلْبِ، فَيُصْرَعُ في الوَجْهِ لِأجْلِهِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِمُبْتَغاهم.

آل عمران 3:128

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اسْمُ لَيْسَ "شَيْءٌ" والخَبَرُ "لَكَ" "وَمِنَ الأمْرِ" حالٌ مِن شَيْءٍ، لِأنَّها صِفَةٌ مُقَدَّمَةٌ. ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ و﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى مالِكٌ أمْرَهُمْ، فَإمّا أنْ (p-٢٩١)يُهْلِكَهُمْ، أوْ يَهْزِمَهُمْ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا، ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، إنَّما أنْتَ عَبْدٌ مَبْعُوثٌ لِإنْذارِهِمْ ومُجاهَدَتِهِمْ، وعَنِ الفَرّاءِ "أوْ" بِمَعْنى: حَتّى، وعَنِ ابْنِ عِيسى بِمَعْنى: إلّا أنْ، كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تُعْطِيَنِي حَقِّي، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحَ بِحالِهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهُمْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَهاهُ اللهُ تَعالى، لِعِلْمِهِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّعْذِيبِ.

آل عمران 3:129

﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيِ: الأمْرُ لَهُ لا لَكَ، لِأنَّ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ مِلْكُهُ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ الكافِرِينَ ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

آل عمران 3:130

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ (مُضَعَّفَةً) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ. هَذا نَهْيٌ عَنِ الرِبا مَعَ التَوْبِيخِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَضْعِيفِهِ، كانَ الرَجُلُ مِنهم إذا بَلَغَ الدَيْنُ مَحِلَّهُ يَقُولُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ حَقِّي، أوْ تُرْبِيَ، وتَزِيدَ في الأجَلِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في أكْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

آل عمران 3:131

﴿واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ كانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالنارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ، وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما اتَّبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِينَ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ بِقَوْلِهِ:

آل عمران 3:132

﴿وَأطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وفِيهِ رَدٌّ عَلى المُرْجِئَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ ذَنْبٌ ولا يُعَذَّبُ بِالنارِ أصْلًا، وعِنْدَنا: غَيْرُ الكافِرِينَ (p-٢٩٢)مِنَ العُصاةِ قَدْ يَدْخُلُها، ولَكِنْ عاقِبَةُ أمْرِهِ الجَنَّةُ، وفي ذِكْرِهِ تَعالى: "لَعَلَّ" و"عَسى" في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ -وَإنْ قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: إنَّ لَعَلَّ وعَسى مِنَ اللهِ لِلتَّحْقِيقِ- ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللهِ تَعالى، وعَزَّةِ التَوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ.

آل عمران 3:133

(سارِعُوا) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ عَطَفَها عَلى ما قَبْلَها، ومَن حَذَفَها اسْتَأْنَفَها، ومَعْنى المُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ، والجَنَّةِ: الإقْبالُ عَلى ما يُوَصِّلُ إلَيْهِما، ثُمَّ قِيلَ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، أوِ التَكْبِيرَةُ الأُولى، أوِ الطاعَةُ، أوِ الإخْلاصُ، أوِ التَوْبَةُ، أوِ الجُمْعَةُ، والجَماعاتُ. ﴿عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: عَرْضُها عَرْضُ السَمَواتِ والأرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ﴾ [الحَدِيدُ: ٢١] والمُرادُ: وصْفُها بِالسَعَةِ والبَسْطِ، فَشُبِّهَتْ بِأوْسَعِ ما عَلِمَهُ الناسُ مِن خَلْقِهِ وبَسْطِهِ، وخَصَّ العَرْضَ، لِأنَّهُ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُولِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. وما رُوِيَ: أنَّ الجَنَّةَ في السَماءِ السابِعَةِ، أوْ في السَماءِ الرابِعَةِ، فَمَعْناهُ أنَّها في جِهَتِها، لا أنَّها فِيها، أوْ في بَعْضِها، كَما يُقالُ: في الدارِ بُسْتانٌ، وإنْ كانَ يَزِيدُ عَلَيْها، لِأنَّ المُرادَ: أنَّ بابَهُ إلَيْها " أُعِدَّتْ " في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لَجْنَةٍ أيْضًا، أيْ: جَنَّةٌ واسِعَةٌ مُعَدَّةٌ، " لّلْمُتَّقِينَ " ودَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنارَ مَخْلُوقَتانِ ثُمَّ المُتَّقِي: مَن يَتَّقِي الشِرْكَ، كَما قالَ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ [الحَدِيدُ: ٢١] أوْ مَن يَتَّقِي المَعاصِيَ، فَإنْ كانَ المُرادُ الثانِيَ فَهي لَهم بِغَيْرِ عُقُوبَةٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فَهي لَهم أيْضًا في العاقِبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ إنْ جُعِلَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَرّاءِ والضَرّاءِ﴾ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ، مُبْتَدَأً، وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ وجُعِلَ الخَبَرُ "أُولَئِكَ" وإنْ جُعِلَ وصْفًا لِلْمُتَّقِينَ، وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أيْ: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ والتائِبِينَ فَلا وقْفَ، فَإنْ قُلْتَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ والتائِبِينَ (p-٢٩٣)دُونَ المُصِرِّينَ، قُلْتُ: جازَ أنْ تَكُونَ مُعَدَّةً لَهُما، ثُمَّ يَدْخُلُها بِفَضْلِ اللهِ وعَفْوِهِ غَيْرُهُما، كَما يُقالُ: أُعِدَّتْ هَذِهِ المائِدَةُ لِلْأمِيرِ، ثُمَّ قَدْ يَأْكُلُها أتْباعُهُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٣١] ثُمَّ قَدْ يَدْخُلُها غَيْرُ الكافِرِينَ بِالِاتِّفاقِ؟! وافْتُتِحَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ، لِأنَّهُ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَفْسِ، وأدَلُّهُ عَلى الإخْلاصِ، ولِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أعْظَمَ الأعْمالِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ، ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المُرادُ: الإنْفاقُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، لِأنَّها لا تَخْلُو مِن حالِ مَسَرَّةٍ ومَضَرَّةٍ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ والمُمْسِكِينَ الغَيْظَ عَنِ الإمْضاءِ. يُقالُ: كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها، وشَدَّ فاها، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ: وهو أنْ يُمْسِكَ عَلى ما في نَفْسِهِ مِنهُ بِالصَبْرِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ أثَرًا، والغَيْظُ: تَوَقُّدُ حَرارَةِ القَلْبِ مِنَ الغَضَبِ. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللهُ قَلْبَهُ أُمْنًا وإيمانًا". »﴿والعافِينَ عَنِ الناسِ﴾ أيْ: إذا جَنى عَلَيْهِمْ أحَدٌ لَمْ يُؤاخِذُوهُ. ورُوِيَ: « "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللهِ؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا". » وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ رَواهُ لِلرَّشِيدِ -وَقَدْ غَضِبَ عَلى رَجُلٍ- فَخَلّاهُ ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اللامُ لِلْجِنْسِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ، أوْ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى هَؤُلاءِ. عَنِ الثَوْرِيِّ: الإحْسانُ: أنْ تُحْسِنَ إلى المُسِيءِ فَإنَّ الإحْسانَ إلى المُحْسِنِ مُتاجَرَةٌ.

آل عمران 3:134

(سارِعُوا) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ عَطَفَها عَلى ما قَبْلَها، ومَن حَذَفَها اسْتَأْنَفَها، ومَعْنى المُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ، والجَنَّةِ: الإقْبالُ عَلى ما يُوَصِّلُ إلَيْهِما، ثُمَّ قِيلَ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، أوِ التَكْبِيرَةُ الأُولى، أوِ الطاعَةُ، أوِ الإخْلاصُ، أوِ التَوْبَةُ، أوِ الجُمْعَةُ، والجَماعاتُ. ﴿عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: عَرْضُها عَرْضُ السَمَواتِ والأرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ﴾ [الحَدِيدُ: ٢١] والمُرادُ: وصْفُها بِالسَعَةِ والبَسْطِ، فَشُبِّهَتْ بِأوْسَعِ ما عَلِمَهُ الناسُ مِن خَلْقِهِ وبَسْطِهِ، وخَصَّ العَرْضَ، لِأنَّهُ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُولِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. وما رُوِيَ: أنَّ الجَنَّةَ في السَماءِ السابِعَةِ، أوْ في السَماءِ الرابِعَةِ، فَمَعْناهُ أنَّها في جِهَتِها، لا أنَّها فِيها، أوْ في بَعْضِها، كَما يُقالُ: في الدارِ بُسْتانٌ، وإنْ كانَ يَزِيدُ عَلَيْها، لِأنَّ المُرادَ: أنَّ بابَهُ إلَيْها " أُعِدَّتْ " في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لَجْنَةٍ أيْضًا، أيْ: جَنَّةٌ واسِعَةٌ مُعَدَّةٌ، " لّلْمُتَّقِينَ " ودَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنارَ مَخْلُوقَتانِ ثُمَّ المُتَّقِي: مَن يَتَّقِي الشِرْكَ، كَما قالَ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ [الحَدِيدُ: ٢١] أوْ مَن يَتَّقِي المَعاصِيَ، فَإنْ كانَ المُرادُ الثانِيَ فَهي لَهم بِغَيْرِ عُقُوبَةٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فَهي لَهم أيْضًا في العاقِبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ إنْ جُعِلَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَرّاءِ والضَرّاءِ﴾ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ، مُبْتَدَأً، وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ وجُعِلَ الخَبَرُ "أُولَئِكَ" وإنْ جُعِلَ وصْفًا لِلْمُتَّقِينَ، وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أيْ: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ والتائِبِينَ فَلا وقْفَ، فَإنْ قُلْتَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ والتائِبِينَ (p-٢٩٣)دُونَ المُصِرِّينَ، قُلْتُ: جازَ أنْ تَكُونَ مُعَدَّةً لَهُما، ثُمَّ يَدْخُلُها بِفَضْلِ اللهِ وعَفْوِهِ غَيْرُهُما، كَما يُقالُ: أُعِدَّتْ هَذِهِ المائِدَةُ لِلْأمِيرِ، ثُمَّ قَدْ يَأْكُلُها أتْباعُهُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٣١] ثُمَّ قَدْ يَدْخُلُها غَيْرُ الكافِرِينَ بِالِاتِّفاقِ؟! وافْتُتِحَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ، لِأنَّهُ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَفْسِ، وأدَلُّهُ عَلى الإخْلاصِ، ولِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أعْظَمَ الأعْمالِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ، ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المُرادُ: الإنْفاقُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، لِأنَّها لا تَخْلُو مِن حالِ مَسَرَّةٍ ومَضَرَّةٍ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ والمُمْسِكِينَ الغَيْظَ عَنِ الإمْضاءِ. يُقالُ: كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها، وشَدَّ فاها، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ: وهو أنْ يُمْسِكَ عَلى ما في نَفْسِهِ مِنهُ بِالصَبْرِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ أثَرًا، والغَيْظُ: تَوَقُّدُ حَرارَةِ القَلْبِ مِنَ الغَضَبِ. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللهُ قَلْبَهُ أُمْنًا وإيمانًا". »﴿والعافِينَ عَنِ الناسِ﴾ أيْ: إذا جَنى عَلَيْهِمْ أحَدٌ لَمْ يُؤاخِذُوهُ. ورُوِيَ: « "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللهِ؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا". » وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ رَواهُ لِلرَّشِيدِ -وَقَدْ غَضِبَ عَلى رَجُلٍ- فَخَلّاهُ ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اللامُ لِلْجِنْسِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ، أوْ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى هَؤُلاءِ. عَنِ الثَوْرِيِّ: الإحْسانُ: أنْ تُحْسِنَ إلى المُسِيءِ فَإنَّ الإحْسانَ إلى المُحْسِنِ مُتاجَرَةٌ.

آل عمران 3:135

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ فِعْلَةً مُتَزايِدَةَ القُبْحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ و"الَّذِينَ" مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ: "أُولَئِكَ" ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ قِيلَ: الفاحِشَةُ، الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَفْسِ: الصَغِيرَةُ، أوِ الفاحِشَةُ: الزِنا، وظُلْمُ النَفْسِ: القُبْلَةُ، واللَمْسَةُ، ونَحْوُهُما. ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ بِلِسانِهِمْ، أوْ بِقُلُوبِهِمْ لِيَبْعَثَهم عَلى التَوْبَةِ ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فَتابُوا عَنْها لِقُبْحِها نادِمِينَ، قِيلَ: بَكى إبْلِيسُ حِينَ نَزَلَتْ (p-٢٩٤)هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا اللهُ﴾ "مَن" مُبْتَدَأٌ، و"يَغْفِرُ" خَبَرُهُ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مَن. و" إلّا الله " بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَغْفِرُ"، والتَقْدِيرُ: ولا أحَدَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلّا اللهُ، وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِ العِبادِ، وتَنْشِيطٌ لِلتَّوْبَةِ، وبَعْثٌ عَلَيْها، ورَدْعٌ عَنِ اليَأْسِ والقُنُوطِ، وبَيانٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وقُرْبِ مَغْفِرَتِهِ مِنَ التائِبِ، وإشْعارٌ بِأنَّ الذُنُوبَ -وَإنْ جَلَّتْ- فَإنَّ عَفْوَهُ أجَلُّ، وكَرَمَهُ أعْظَمُ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ ولَمْ يُقِيمُوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ، والإصْرارُ: الإقامَةُ. قالَ ﷺ: « "ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً". » ورُوِيَ: « "لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ، ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ". »﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ أيْ: " وهَمّ يَعْلَمُونَ " أنَّهم أساءُوا، أوْ ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ لا يَغْفِرُ ذُنُوبَهم إلّا اللهُ.

آل عمران 3:136

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ، ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ بِتَوْبَتِهِ ﴿وَجَنّاتٌ﴾ بِرَحْمَتِهِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ، يَعْنِي: المَغْفِرَةُ والجَنّاتُ. نَزَلَتْ في تَمّارٍ قالَ لِامْرَأةٍ تُرِيدُ التَمْرَ: في بَيْتِي تَمْرٌ أجْوَدُ، فَأدْخَلَها بَيْتَهُ وضَمَّها إلى نَفْسِهِ، وقَبَّلَها، فَنَدِمَ. أوْ في أنْصارِيٍّ اسْتَخْلَفَهُ ثَقَفِيٌّ -وَقَدْ آخى بَيْنَهُما النَبِيُّ ﷺ- في غَيْبَةِ غَزْوَةٍ، فَأتى أهْلَهُ لِكِفايَةِ حاجَةٍ فَرَآها فَقَبَّلَها، فَنَدِمَ، فَساحَ في الأرْضِ صارِخًا، فاسْتَعْتَبَهُ اللهُ تَعالى.

آل عمران 3:137

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ يُرِيدُ: ما سَنَّهُ اللهُ تَعالى في (p-٢٩٥)الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن وقائِعِهِ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ فَتَعْتَبِرُوا بِها.

آل عمران 3:138

﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ، أوْ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى﴾ أيْ: إرْشادٌ ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِرْكِ.

آل عمران 3:139

﴿وَلا تَهِنُوا﴾ ولا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ لِما أصابَكم مِنَ الهَزِيمَةِ. ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، أوْ عَلى مَن قُتِلَ مِنكُمْ، أوْ جُرِحَ. وهو تَسْلِيَةٌ مِنَ اللهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ. ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ وحالُكم أنَّكم أعْلى مِنهم وأغْلَبُ، لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ " أنْتُمُ الأعْلَوْنَ " بِالنَصْرِ والظَفَرِ في العاقِبَةِ. وهي بِشارَةٌ لَهم بِالعُلُوِّ والغَلَبَةِ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافّاتُ: ١٧٣]. أوْ ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ شَأْنًا، لِأنَّ قِتالَكم لِلَّهِ، ولِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وقِتالِهِمْ لِلشَّيْطانِ ولِإعْلاءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ، أوْ لِأنَّ قَتْلاكم في الجَنَّةِ وقَتْلاهم في النارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَهْيِ، أيْ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ إنْ صَحَّ إيمانُكُمْ، يَعْنِي: أنَّ صِحَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ، والثِقَةَ بِوَعْدِ اللهِ، وقِلَّةَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ. أوْ بِالأعْلَوْنَ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما يَعِدُكُمُ اللهُ بِهِ، ويُبَشِّرُكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ.

آل عمران 3:140

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ الناسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ ١٤٠ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ بِضَمِّ القافِ حَيْثُ كانَ كَوْفِيٌّ، غَيْرَ حَفْصٍ. وبِفَتْحِ القافِ غَيْرُهم. وهُما لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ الجِراحَةُ، وبِالضَمِّ: ألَمُها. ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُضْعِفْ ذَلِكَ قُلُوبَهُمْ، ولَمْ يَمْنَعْهم عَنْ (p-٢٩٦)مُعاوَدَتِكم إلى القِتالِ، فَأنْتُمْ أوْلى ألّا تَضْعُفُوا ﴿وَتِلْكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿الأيّامُ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿نُداوِلُها﴾ ﴿نُداوِلُها﴾ نُصَرِّفُها، ﴿بَيْنَ الناسِ﴾ أيْ: نُصَرِّفُ ما فِيها مِنَ النِعَمِ والنِقَمِ، نُعْطِي لِهَؤُلاءِ تارَةً، وطَوْرًا لِهَؤُلاءِ، كَبَيْتِ الكِتابِ: ؎ فَيَوْمًا عَلَيْنا ويَوْمًا لَنا ∗∗∗ ويَوْمًا نُساءُ ويَوْمًا نُسَرُّ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: نُداوِلُها لِضُرُوبٍ مِنَ التَدْبِيرِ، ولِيَعْلَمَ اللهُ المُؤْمِنِينَ مُمَيَّزِينَ بِالصَبْرِ والإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، كَما عَلِمَهم قَبْلَ الوُجُودِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ ولِيُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَهادَةِ، يُرِيدَ لِلْمُسْتَشْهِدِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ لِيَتَّخِذَ مِنكم مَن يَصْلُحُ لِلشَّهادَةِ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٣] ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ بَعْضِ التَعْلِيلِ وبَعْضٍ، ومَعْناهُ: واللهُ لا يُحِبُّ مَن لَيْسَ مِن هَؤُلاءِ الثابِتِينَ عَلى الإيمانِ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ والكافِرُونَ.

آل عمران 3:141

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التَمْحِيصُ: التَطْهِيرُ، والتَصْفِيَةُ. ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ ويُهْلِكَهُمْ، يَعْنِي: إنْ كانَتِ الدَوْلَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ فَلِلتَّمْيِيزِ، والِاسْتِشْهادِ، والتَمْحِيصِ، وإنْ كانَتْ عَلى الكافِرِينَ فَلِمَحْقِهِمْ، ومَحْوِ آثارِهِمْ.

آل عمران 3:142

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ، أيْ: لا تَحْسَبُوا. ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: ولَمّا تُجاهِدُوا، لِأنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، فَنُزِّلَ نَفْيُ العِلْمِ مَنزِلَةَ نَفْيِ مُتَعَلِّقِهِ، لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ، تَقُولُ: ما عَلِمَ اللهُ في فُلانٍ خَيْرًا، أيْ: ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يُعْلَمَهُ، ولَمّا بِمَعْنى لَمْ، إلّا أنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ التَوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ ﴿وَيَعْلَمَ الصابِرِينَ﴾ نَصْبٌ بِإضْمارِ أنْ، والواوُ بِمَعْنى الجَمْعِ، نَحْوُ لا تَأْكُلِ السَمَكَ وتَشْرَبَ اللَبَنَ، أوْ جَزْمٌ لِلْعَطْفِ عَلى يَعْلَمِ اللهُ، وإنَّما (p-٢٩٧)حُرِّكَتِ المِيمُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، واخْتِيرَتِ الفَتْحَةُ لِفَتْحَةِ ما قَبْلَها.

آل عمران 3:143

﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ خُوطِبَ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَحْضُرُوا مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَنالُوا كَرامَةَ الشَهادَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى المُشْرِكِينَ، وكانَ رَأْيُهُ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ، يَعْنِي: وكُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ قَبْلَ أنْ تُشاهِدُوهُ، وتَعْرِفُوا شِدَّتَهُ. ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أيْ: رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ، مُشاهِدِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ إخْوانُكم بَيْنَ أيْدِيكُمْ، وشارَفْتُمْ أنْ تُقْتَلُوا، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، وعَلى ما تَسَبَّبُوا لَهُ مِن خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِإلْحاحِهِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْهِزامِهِمْ عَنْهُ، وإنَّما تَمَنَّوُا الشَهادَةَ لِيَنالُوا كَرامَةَ الشُهَداءِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِن غَلَبَةِ الكُفّارِ، كَمَن شَرِبَ الدَواءَ مِن طَبِيبٍ نَصْرانِيٍّ، فَإنَّ قَصْدَهُ حُصُولُ الشِفاءِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ فِيهِ جَرَّ مَنفَعَةٍ إلى عَدُوِّ اللهِ، وتَنْفِيقًا لِصِناعَتِهِ.

آل عمران 3:144

«لَمّا رَمى ابْنُ قَمِيئَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رُباعِيَّتَهُ، أقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وهو صاحِبُ الرايَةِ، حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، وهو يَرى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وخَرَجَ صارِخًا -قِيلَ: هو الشَيْطانُ-: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَفَشا في الناسِ خَبَرُ قَتْلِهِ، فانْكَفَئُوا، وجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: "إلَيَّ عِبادَ اللهِ" حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ، فَلامَهم عَلى هَرَبِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ، فَنَزَلَ ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ » مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ﴾ سَيَخْلُو كَما خَلَوْا. وكَما أنَّ أتْباعَهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ، فَعَلَيْكم أنْ تَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْثَةِ الرُسُلِ تَبْلِيغُ الرِسالَةِ، وإلْزامُ الحُجَّةِ، لا وُجُودُهُ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ الفاءُ مُعَلَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى (p-٢٩٨)التَسْبِيبِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَجْعَلُوا خُلُوَّ الرُسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِانْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِ بِمَوْتٍ، أوْ قَتْلٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّ خُلُوَّ الرُسُلِ قَبْلَهُ، وبَقاءَ دِينِهِمْ مُتَمَسَّكًا بِهِ يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبًا لِلتَّمَسُّكِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا لِلِانْقِلابِ عَنْهُ. والِانْقِلابُ عَلى العَقِبَيْنِ مَجازٌ عَلى الِارْتِدادِ، أوْ عَنِ الِانْهِزامِ ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ وإنَّما ضَرَّ نَفْسَهُ ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشاكِرِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَنْقَلِبُوا، وسَمّاهم شاكِرِينَ، لِأنَّهم شَكَرُوا نِعْمَةَ الإسْلامِ فِيما فَعَلُوا.

آل عمران 3:145

﴿وَما كانَ﴾ وما جازَ ﴿لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ، أوْ بِأنْ يَأْذَنَ لِمَلَكِ المَوْتِ في قَبْضِ رُوحِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْتَ الأنْفُسِ مُحالٌ أنْ يَكُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الجِهادِ، وتَشْجِيعٌ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وإعْلامٌ بِأنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أجَلِهِ وإنْ خاضَ المَهالِكَ، واقْتَحَمَ المَعارِكَ ﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ المَعْنى: كَتَبَ المَوْتَ كِتابًا ﴿مُؤَجَّلا﴾ مُؤَقَّتًا لَهُ أجَلٌ مَعْلُومٌ لا يَتَقَدَّمُ، ولا يَتَأخَّرُ ﴿وَمَن يُرِدْ﴾ بِقِتالِهِ ﴿ثَوابَ الدُنْيا﴾ أيِ: الغَنِيمَةَ، وهو تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ مِن ثَوابِها ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ أيْ: إعْلاءَ كَلِمَةِ اللهِ، والدَرَجَةَ في الآخِرَةِ. ﴿نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشاكِرِينَ﴾ وسَنَجْزِي الجَزاءَ المُبْهَمَ الَّذِينَ شَكَرُوا نِعْمَةَ اللهِ، فَلَمْ يَشْغَلْهم شَيْءٌ عَنِ الجِهادِ.

آل عمران 3:146

﴿وَكَأيِّنْ﴾ أصْلُهُ: أيٍّ دَخَلَ عَلَيْهِ كافُ التَشْبِيهِ، وصارَ في مَعْنى كَمِ الَّتِي لِلتَّكْثِيرِ. وكائِنٌ بِوَزْنِ كاعٍ حَيْثُ كانَ، مَكِّيٌّ. ﴿مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ (قُتِلَ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، ونافِعٌ. ﴿مَعَهُ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قُتِلَ، أيْ: قُتِلَ كائِنًا مَعَهُ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ والرِبِّيُّونَ، الرَبّانِيُّونَ. وعَنِ الحَسَنِ بِضَمِّ الراءِ، وعَنِ البَعْضِ بِفَتْحِها، فالفَتْحُ عَلى القِياسِ، لِأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ، والضَمُّ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَسَبِ. ﴿فَما وهَنُوا﴾ فَما فَتَرَوْا عِنْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللهِ وما (p-٢٩٩)ضَعُفُوا﴾ عَنِ الجِهادِ بَعْدَهُ ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ وما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم مِنَ الوَهَنِ عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، واسْتِكانَتِهِمْ لَهم حَيْثُ أرادُوا أنْ يَعْتَضِدُوا بِابْنِ أُبَيٍّ في طَلَبِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ. ﴿واللهُ يُحِبُّ الصابِرِينَ﴾ عَلى جِهادِ الكافِرِينَ.

آل عمران 3:147

﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ: وما كانَ قَوْلَهم إلّا هَذا القَوْلُ، وهو إضافَةُ الذُنُوبِ إلى أنْفُسِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ، هَضْمًا لَها ﴿وَإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ تَجاوُزَنا حَدَّ العُبُودِيَّةِ، ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ في القِتالِ. ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ بِالغَلَبَةِ، وقَدَّمَ الدُعاءَ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ الذُنُوبِ عَلى طَلَبِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ في مَواطِنِ الحَرْبِ والنُصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، لِما فِيهِ مِنَ الخُضُوعِ والِاسْتِكانَةِ.

آل عمران 3:148

﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُنْيا﴾ أيِ: النُصْرَةَ، والظَفَرَ، والغَنِيمَةَ. ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ. وخُصَّ بِالحُسْنِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ، وتَقَدُّمِهِ، وأنَّهُ هو المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ. ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: هم مُحْسِنُونَ، واللهُ يُحِبُّهم.

آل عمران 3:149

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يُرْجِعُوكم إلى الشَرِّ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ قِيلَ: هو عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ، وعَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُجانِبُوهُمْ، ولا يُطِيعُوهم في شَيْءٍ حَتّى لا يَسْتَجِرُّوهم إلى مُوافَقَتِهِمْ. وعَنِ السُدِّيِّ: إنْ تَسْتَكِينُوا لِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وتَسْتَأْمِنُوهُمْ، يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في قَوْلِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إلى إخْوانِكُمْ، وادْخُلُوا في دِينِهِمْ.

آل عمران 3:150

﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكُمْ، فاسْتَغْنَوْا عَنْ نُصْرَةِ غَيْرِهِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الناصِرِينَ﴾ (p-٣٠٠)

آل عمران 3:151

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾ (الرُعْبُ) شامِيٌّ، وعَلِيٌّ. وهُما لُغَتانِ. قِيلَ: قَذَفَ اللهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ الخَوْفَ يَوْمَ أُحُدٍ، فانْهَزَمُوا إلى مَكَّةَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، ولَهُمُ القُوَّةُ والغَلَبَةُ. ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللهِ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ، أيْ:كانَ السَبَبُ في إلْقاءِ اللهِ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ إشْراكَهم بِهِ ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ آلِهَةً لَمْ يُنْزِلِ اللهُ بِإشْراكِها حُجَّةً، ولَمْ يُرِدْ أنَّ هُناكَ حُجَّةً إلّا أنَّها تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الشِرْكَ لا يَسْتَقِيمُ أنْ تَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وإنَّما المُرادُ: نَفْيُ الحُجَّةِ ونُزُولُها جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ؎ ولا تَرى الضَبَّ بِها يَنْجَحِرُ أيْ: لَيْسَ بِها ضَبٌّ فَيَنْجَحِرَ، ولَمْ يَعْنِ: أنْ بِها ضَبًّا ولا يَنْجَحِرُ ﴿وَمَأْواهُمُ﴾ مَرْجِعُهم ﴿النارُ وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ﴾ النارُ فالمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ.

آل عمران 3:152

«وَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ إلى المَدِينَةِ قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللهُ النَصْرَ؟! فَنَزَلَ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ﴾ » أيْ: حَقَّقَ ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ تَقْتُلُونَهم قَتْلًا ذَرِيعًا، وعَنِ ابْنِ عِيسى: حَسَّهُ: أبْطَلَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِأمْرِهِ، وعِلْمِهِ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جَبُنْتُمْ، ﴿وَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أمْرَ نَبِيِّكم بِتَرْكِكُمُ المَرْكَزَ، واشْتِغالِكم بِالغَنِيمَةِ. ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ مِنَ الظَفَرِ، وقَهْرِ الكُفّارِ، ومُتَعَلِّقُ إذا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ مَنَعَكم نَصْرَهُ. وجازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ إلى وقْتِ فَشَلِكم. (p-٣٠١)﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُنْيا﴾ أيِ: الغَنِيمَةَ، وهُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ. وَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلَفَ ظَهْرِهِ، واسْتَقْبَلَ المَدِينَةَ، وأقامَ الرُماةَ عِنْدَ الجَبَلِ، وأمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا في مَكانِهِمْ، ولا يَبْرَحُوا، كانَتِ الدَوْلَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أقْبَلَ المُشْرِكُونَ جَعَلَ الرُماةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَهُمْ، والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسُيُوفِ، حَتّى انْهَزَمُوا، والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، حَتّى إذا فَشِلُوا وتَنازَعُوا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَدِ انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ فَما مَوْقِفُنا هاهُنا؟ فادْخُلُوا عَسْكَرَ المُسْلِمِينَ، وخُذُوا الغَنِيمَةَ مَعَ إخْوانِكم. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. » فَمِمَّنْ ثَبَتَ مَكانُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ -أمِيرُ الرُماةِ- في نَفَرٍ دُونَ العَشْرَةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَكَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى الرُماةِ، وقَتَلُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وأقْبَلُوا عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى هَزَمُوهُمْ، وقَتَلُوا مَن قَتَلُوا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَفَّ مَعُونَتَهُ عَنْكُمْ، فَغَلَبُوكم ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ لِيَمْتَحِنَ صَبْرَكم عَلى المَصائِبِ، وثَباتَكم عِنْدَها، وحَقِيقَتُهُ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، لِأنَّهُ يُجازِي عَلى ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ لا عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنهُ ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ حَيْثُ نَدِمْتُمْ عَلى ما فَرَطَ مِنكم مِن عِصْيانِ أمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿واللهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ بِالعَفْوِ عَنْهُمْ، وقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، أوْ هو مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ الأحْوالِ، سَواءٌ أُدِيلَ لَهُمْ، أوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ رَحْمَةٌ، كَما أنَّ النُصْرَةَ رَحْمَةٌ.

آل عمران 3:153

وانْتَصَبَ ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ تُبالِغُونَ في الذَهابِ في صَعِيدِ الأرْضِ، والإصْعادُ: الذَهابُ في صَعِيدِ الأرْضِ، والإبْعادُ فِيهِ، بِصَرَفَكُمْ، أوْ بِقَوْلِهِ "لِيَبْتَلِيَكُمْ" أوْ بِإضْمارِ اذْكُرُوا. ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ ولا تَلْتَفِتُونَ، وهو عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ انْهِزامِهِمْ، وخَوْفِ عَدْوِهِمْ ﴿والرَسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ يَقُولُ: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ، أنا رَسُولُ اللهِ، مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ". » (p-٣٠٢)والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ في ساقَتِكُمْ، وجَماعَتِكُمُ الأُخْرى، وهي المُتَأخِّرَةُ. يُقالُ: جِئْتُ في آخِرِ الناسِ وأُخْراهُمْ، كَما تَقُولُ: في أوَّلِهِمْ، وأُولاهُمْ، بِتَأْوِيلِ مُقَدِّمَتِهِمْ، وجَماعَتِهِمُ الأُولى. ﴿فَأثابَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى صَرَفَكُمْ، أيْ: فَجازاكُمُ اللهُ ﴿غَمًّا﴾ حِينَ صَرَفَكم عَنْهُمْ، وابْتَلاكم. ﴿بِغَمٍّ﴾ بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِعِصْيانِكم أمْرَهُ، أوْ غَمًّا مُضاعَفًا، غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ، وغَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، مِنَ الِاغْتِمامِ بِما أُرْجِفَ بِهِ مِن قَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والجُرْحِ، والقَتْلِ، وظَفَرِ المُشْرِكِينَ، وفَوْتِ الغَنِيمَةِ والنَصْرِ. ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ لِتَتَمَرَّنُوا عَلى تَجَرُّعِ الغُمُومِ، فَلا تَحْزَنُوا فِيما بَعْدُ عَلى فائِتٍ مِنَ المَنافِعِ. ﴿وَلا ما أصابَكُمْ﴾ ولا عَلى مُصِيبٍ مِنَ المَضارِّ ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ عالِمٌ بِعَمَلِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكُمْ، وهَذا تَرْغِيبٌ في الطاعَةِ، وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.

آل عمران 3:154

﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ الأمْنَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ الَّذِي كانَ بِهِمْ، حَتّى نَعَسُوا، وغَلَبَهُمُ النَوْمُ. «عَنْ أبِي طَلْحَةَ: غَشِيَنا النُعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنا، فَكانَ السَيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا فَيَأْخُذُهُ، ثُمَّ يَسْقُطُ فَيَأْخُذُهُ، » والأمَنَةُ: الأمْنُ. و"نُعاسًا" بَدَلٌ مِن أمَنَةٍ، أوْ هو مَفْعُولٌ، و"أمَنَةً" حالٌ مِنهُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ راكِبًا رَجُلًا، والأصْلُ: أنْزَلَ عَلَيْكم نُعاسًا ذا أمَنَةٍ، إذِ النُعاسُ لَيْسَ هو الأمْنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أمَنَةً" مَفْعُولًا لَهُ، أوْ حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ بِمَعْنى: ذَوِي أمَنَةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ، كَبارٍّ وبَرَرَةٍ ﴿يَغْشى﴾ يَعْنِي: النُعاسُ. (تَغْشى) بِالتاءِ والإمالَةِ، حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، أيِ: الأمَنَةُ. ﴿طائِفَةً مِنكُمْ﴾ هم أهْلُ الصِدْقِ، واليَقِينِ. ﴿وَطائِفَةٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ ما يُهِمُّهم إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ وخَلاصُها، لا هَمُّ (p-٣٠٣)الدِينِ، ولا هَمُّ رَسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ. ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ في حُكْمِ المَصْدَرِ، أيْ: يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الظَنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ، وهو ألّا يَنْصُرَ مُحَمَّدًا ﷺ. ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ. والمُرادُ: الظَنُّ المُخْتَصُّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ، أوْ ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، أيْ: لا يَظُنُّ مِثْلَ ذَلِكَ الظَنِّ إلّا أهْلُ الشِرْكِ الجاهِلُونَ بِاللهِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ هَلْ لَنا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ مِن أمْرِ اللهِ نَصِيبٌ قَطُّ، يَعْنُونَ: النَصْرَ، والغَلَبَةَ عَلى العَدُوِّ. ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ﴾ أيِ: النَصْرَ، والغَلَبَةَ. ﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ولِأوْلِيائِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافّاتُ: ١٧٣] "كُلَّهُ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، و"لِلَّهِ" خَبَرُ إنَّ (كُلُّهُ) بَصْرِيٌّ، وهو مُبْتَدَأٌ، و"لِلَّهِ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ خَوْفًا مِنَ السَيْفِ ﴿يَقُولُونَ﴾ في أنْفُسِهِمْ، أوْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، مُنْكِرِينَ لِقَوْلِكَ لَهُمْ: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ أيْ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ولِأوْلِيائِهِ، وأنَّهُمُ الغالِبُونَ، لَما غُلِبْنا قَطُّ، ولَما قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن قُتِلَ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ. ﴿قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ صِفَةٌ لِطائِفَةٍ. و"يَظُنُّونَ" خَبَرٌ لِطائِفَةٍ، أوْ صِفَةٌ أُخْرى، أوْ حالٌ، أيْ: قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم ظانِّينَ. و"يَقُولُونَ" بَدَلٌ مَن "يَظُنُّونَ". و"يُخْفُونَ" حالٌ مِن "يَقُولُونَ". و﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. و"يَقُولُونَ" بَدَلٌ مِن "يُخْفُونَ" أوِ اسْتِئْنافٌ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: مَن عَلِمَ اللهُ مِنهُ أنَّهُ يُقْتَلُ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، وكَتَبَ ذَلِكَ في اللَوْحِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُجُودِهِ، فَلَوْ قَعَدْتُمْ في بُيُوتِكم. ﴿لَبَرَزَ﴾ مِن بَيْنِكم ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ مَصارِعِهِمْ بِأُحُدٍ، لِيَكُونَ ما عَلِمَ اللهُ أنَّهُ يَكُونُ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ كَتَبَ في اللَوْحِ قَتْلَ مَن يُقْتَلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكَتَبَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُمُ الغالِبُونَ لِعِلْمِهِ أنَّ العاقِبَةَ في الغَلَبَةِ لَهُمْ، وأنَّ دِينَ الإسْلامِ يَظْهَرُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ، وأنَّ (p-٣٠٤)ما يُنْكَبُونَ بِهِ في بَعْضِ الأوْقاتِ تَمْحِيصٌ لَهم ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ ولِيَمْتَحِنَ ما في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإخْلاصِ، ويُمَحِّصَ ما في قُلُوبِهِمْ مِن وساوِسِ الشَيْطانِ، فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ، ولِلِابْتِلاءِ، والتَمْحِيصِ. ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ بِخَفِيّاتِها.

آل عمران 3:155

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ انْهَزَمُوا ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَمْعُ أبِي سُفْيانَ لِلْقِتالِ بِأُحُدٍ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَيْطانُ﴾ دَعاهم إلى الزِلَّةِ، وحَمَلَهم عَلَيْها. ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ بِتَرْكِهِمُ المَرْكَزَ الَّذِي أمَرَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالثَباتِ فِيهِ، فالإضافَةُ إلى الشَيْطانِ لُطْفٌ وتَقْرِيبٌ، والتَعْلِيلُ بِكَسْبِهِمْ وعْظٌ وتَأْدِيبٌ، وكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَوَلَّوْا عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنهُمْ: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ. ﴿وَلَقَدْ عَفا اللهُ عَنْهُمْ﴾ تَجاوَزَ عَنْهم ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ رَحِيمٌ لِلذُّنُوبِ، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ.

آل عمران 3:156

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، ﴿وَقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ إخْوانِهِمْ في النَسَبِ، أوْ في النِفاقِ. ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ سافَرُوا فِيها لِلتِّجارَةِ، أوْ غَيْرِها. ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ، كَعافٍ وعُفًّى، وأصابَهم مَوْتٌ، أوْ قَتْلٌ. ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ اللامُ تَتَعَلَّقُ بِـ "لا تَكُونُوا" أيْ: لا تَكُونُوا كَهَؤُلاءِ في النُطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ، واعْتِقادِهِ، لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، ويَصُونَ مِنها قُلُوبَكُمْ، أوْ بِـ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، واعْتَقَدُوهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، والحَسْرَةُ: النَدامَةُ عَلى فَوْتِ المَحْبُوبِ. ﴿واللهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ القِتالَ يَقْطَعُ الآجالَ، أيِ: الأمْرُ بِيَدِهِ، قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والمُقاتِلَ، ويُمِيتُ (p-٣٠٥)المُقِيمَ والقاعِدَ ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم. (يَعْمَلُونَ) مَكِّيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا.

آل عمران 3:157

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أوْ مُتُّمْ﴾ (مُتُّمْ) وبابُهُ بِالكَسْرِ، نافِعٌ، وكُوفِيٌّ، غَيْرَ عاصِمٍ. تابَعَهم حَفْصٌ إلّا في هَذِهِ السُورَةِ، كَأنَّهُ أرادَ الوِفاقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُتِلْتُمْ، غَيْرُهم بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، فالضَمُّ مِن: ماتَ يَمُوتُ، والكَسْرُ مِن: ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ، فَكَما تَقُولُ: خِفْتُ، تَقُولُ: مِتُّ. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وبِالياءِ حَفْصٌ.

آل عمران 3:158

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ لَإلى الرَحِيمِ الواسِعِ الرَحْمَةِ، المُثِيبِ، العَظِيمِ الثَوابِ تُحْشَرُونَ، ولِوُقُوعِ اسْمِ اللهِ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ تَقْدِيمِهِ، وإدْخالِ اللامِ عَلى الحَرْفِ المُتَّصِلِ بِهِ شَأْنٌ غَنِيٌّ عَنِ البُرْهانِ، "لَمَغْفِرَةٌ" جَوابُ القَسَمِ، وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَرْطِ، وكَذَلِكَ ﴿لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ كَذَّبَ الكافِرِينَ أوَّلًا في زَعْمِهِمْ أنَّ مَن سافَرَ مِن إخْوانِهِمْ، أوْ غَزا، لَوْ كانَ بِالمَدِينَةِ لَما ماتَ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ سَبَبُ التَقاعُدِ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَئِنْ تَمَّ عَلَيْكم ما تَخافُونَهُ مِنَ الهَلاكِ بِالمَوْتِ، أوِ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَإنَّ ما تَنالُونَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ بِالمَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُنْيا، لِأنَّ الدُنْيا زادُ المَعادِ، فَإذا وصَلَ العَبْدُ إلى المُرادِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الزادِ.

آل عمران 3:159

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والدَلالَةِ عَلى أنَّ لِينَهُ لَهم ما كانَ إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ، ومَعْنى الرَحْمَةِ: رَبْطُهُ عَلى جَأْشِهِ، وتَوْفِيقُهُ (p-٣٠٦)لِلرِّفْقِ، والتَلَطُّفِ بِهِمْ، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ جافِيًا ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ قاسِيَهُ ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ حَتّى لا يَبْقى حَوْلَكَ أحَدٌ مِنهم ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ ما كانَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِكَ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فِيما يَخْتَصُّ بِحَقِّ اللهِ، إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: في أمْرِ الحَرْبِ ونَحْوِهِ مِمّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْكَ فِيهِ وحْيٌ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ، وتَرْوِيحًا لِقُلُوبِهِمْ، ورَفْعًا لِأقْدارِهِمْ، ولِتَقْتَدِيَ بِكَ أُمَّتُكَ فِيها، في الحَدِيثِ: « "ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ". » وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أكْثَرَ مُشاوَرَةً مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. ومَعْنى شاوَرْتُ فُلانًا: أظْهَرْتُ ما عِنْدِي وما عِنْدَهُ مِنَ الرَأْيِ، وشَرَتِ الدابَّةُ: اسْتَخْرَجَتْ جَرْيَها، وشِرْتُ العَسَلَ: أخَذْتُهُ مِن مَآخِذِهِ، وفِيهِ دَلالَةُ جَوازِ الِاجْتِهادِ، وبَيانُ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ فَإذا قَطَعْتَ الرَأْيَ عَلى شَيْءٍ بَعْدَ الشُورى ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾ في إمْضاءِ أمْرِكَ عَلى الأرْشَدِ، لا عَلى المَشُورَةِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ عَلَيْهِ، والتَوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ عَلى اللهِ، والتَفْوِيضُ في الأُمُورِ إلَيْهِ، وقالَ ذُو النُونِ: خَلْعُ الأرْبابِ وقَطْعُ الأسْبابِ.

آل عمران 3:160

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكُمْ، وإنَّما يُدْرِكُ نَصْرَ اللهِ مَن تَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقَوَّتِهِ، واعْتَصَمَ بِرَبِّهِ وقُدْرَتِهِ، ﴿وَإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما خَذَلَكم يَوْمَ أُحُدٍ ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، وهو تَرْكُ المَعُونَةِ، أوْ هو مِن قَوْلِكَ: لَيْسَ لَكَ مَن يُحْسِنُ إلَيْكَ مِن (p-٣٠٧)بَعْدِ فُلانٍ، تُرِيدُ: إذا جاوَزْتَهُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وعَلى وُجُوبِ التَوَكُّلِ عَلَيْهِ ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَوَكُّلِ والتَفْوِيضِ إلَيْهِ، عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ سِواهُ، ولِأنَّ إيمانَهم يَقْتَضِي ذَلِكَ.

آل عمران 3:161

﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وعاصِمٌ، أيْ: يَخُونُ، وبِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ غَيْرُهم يُقالُ: غَلَّ شَيْئًا مِنَ المَغْنَمِ غُلُولًا، وأغَلَّ إغْلالًا: إذا أخَذَهُ في خُفْيَةٍ، ويُقالُ: أغَلَّهُ إذا وجَدَهُ غالًّا، والمَعْنى: ما صَحَّ لَهُ ذَلِكَ، يَعْنِي: أنَّ النُبُوَّةَ تُنافِي الغُلُولَ، وكَذا مَن قَرَأ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فَهو راجِعٌ إلى هَذا، لِأنَّ مَعْناهُ: وما صَحَّ لَهُ أنْ يُوجَدَ غالًّا، ولا يُوجَدُ غالًّا إلّا إذا كانَ غالًّا. رُوِيَ أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أخَذَها. فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَأْتِ بِالشَيْءِ الَّذِي غَلَّهُ بِعَيْنِهِ، حامِلًا لَهُ عَلى ظَهْرِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ، أوْ يَأْتِ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ تُعْطى جَزاءَها وافِيًا، ولَمْ يَقُلْ: ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ -لِيَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: يَغْلُلْ- بَلْ جِيءَ بِعامٍّ لِيَدْخُلَ تَحْتَهُ كُلُّ كاسِبٍ مِنَ الغالِّ وغَيْرِهِ، فاتَّصَلَ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ الغالُّ أنَّ كُلَّ كاسِبٍ خَيْرًا أوْ شَرًّا مَجْزِيٌّ فَمُوَفًّى جَزاءَهُ، عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ عِظَمِ ما اكْتَسَبَ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كُلٍّ عَلى قَدْرِ كَسْبِهِ.

آل عمران 3:162

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ أيْ: رِضا اللهِ، قِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ. (p-٣٠٨)

آل عمران 3:163

﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ هم مُتَفاوِتُونَ كَما تَتَفاوَتُ الدَرَجاتُ، أوْ ذَوُو دَرَجاتِ، والمَعْنى: تَفاوُتُ مَنازِلِ المُثابِينَ مِنهم ومَنازِلِ المُعاقَبِينَ، والتَفاوُتُ بَيْنَ الثَوابِ والعِقابِ. ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِها، فَيُجازِيهِمْ عَلى حِسابِها.

آل عمران 3:164

﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى مَن آمَنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن قَوْمِهِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِمَبْعَثِهِ. ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهُمْ، أوْ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ كَما أنَّهم مِن ولَدِهِ، والمِنَّةُ في ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا [كانَ مِنهُمْ] كانَ اللِسانُ واحِدًا، فَيَسْهُلُ أخْذُ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أخْذُهُ عَنْهُ، وكانُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِدْقِ والأمانَةِ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ لَهم إلى تَصْدِيقِهِ، وكانَ لَهم شَرَفٌ بِكَوْنِهِ مِنهُمْ، وفي قِراءَةِ رَسُولِ اللهِ (مِن أنْفَسِهِمْ)، أيْ: مِن أشْرَفِهِمْ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ أيِ: القُرْآنَ، بَعْدَما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ويُطَهِّرُهم بِالإيمانِ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُغْيانِ، أوْ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَكاةَ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ القُرْآنَ، والسُنَّةَ ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ الرَسُولِ ﷺ. ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ عَمًى، وجَهالَةٍ. ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ لا شُبْهَةَ فِيهِ، إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ، والتَقْدِيرُ: وإنَّ الشَأْنَ والحَدِيثَ كانُوا مِن قَبْلُ في ضَلالٍ مُبِينٍ.

آل عمران 3:165

﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ يُرِيدُ: ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ، وأسْرِ سَبْعِينَ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِمُصِيبَةٍ ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ مِن أيْنَ هَذا؟ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٣٠٩)لِاخْتِيارِكُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، أوْ لِتَرْكِكُمُ المَرْكَزَ "لَمّا" نَصْبٌ بِـ "قُلْتُمْ"، و"أصابَتْكُمْ" في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ "لَمّا" إلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: أقُلْتُمْ حِينَ أصابَتْكُمْ، و﴿أنّى هَذا﴾ نَصْبٌ، لِأنَّهُ مَقُولٌ، والهَمْزَةُ: لِلتَّقْرِيرِ والتَقْرِيعِ، وعَطَفَتِ الواوُ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى ما مَضى مِن قِصَّةِ أُحُدٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ﴾ أوْ عَلى مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَعَلْتُمْ كَذا، وقُلْتُمْ حِينَئِذٍ كَذا؟ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى النَصْرِ وعَلى مَنعِهِ.

آل عمران 3:166

﴿وَما أصابَكُمْ﴾ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وهو مُبْتَدَأٌ. ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُكُمْ، وجَمْعُ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ، والخَبَرُ ﴿فَبِإذْنِ اللهِ﴾ فَكائِنٌ بِإذْنِ اللهِ، أيْ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾

آل عمران 3:167

﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ وهو كائِنٌ، لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ، ولِيَظْهَرَ إيمانُ هَؤُلاءِ ونِفاقُ هَؤُلاءِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: جاهِدُوا لِلْآخِرَةِ كَما يُقاتِلُ المُؤْمِنُونَ ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ أيْ: قاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكُمْ، وأهْلِيكُمْ، وأمْوالِكُمْ، إنْ لَمْ تُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ. وقِيلَ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ العَدُوَّ بِتَكْثِيرِكم سَوادَ المُجاهِدِينَ إنْ لَمْ تُقاتِلُوا، لِأنَّ كَثْرَةَ السَوادِ مِمّا تُرَوِّعُ العَدُوَّ ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ: لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ، يَعْنُونَ: أنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ لِخَطَإ رَأْيِكم لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا يُقالُ لِمِثْلِهِ: قِتالٌ، إنَّما هو إلْقاءُ النَفْسِ في التَهْلُكَةِ. ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ يَعْنِي: أنَّهم كانُوا يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ، وما ظَهَرَتْ مِنهم أمارَةٌ تُؤْذِنُ بِكُفْرِهِمْ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنْ عَسْكَرِ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا ما قالُوا تَباعَدُوا بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ المَظْنُونِ بِهِمْ، واقْتَرَبُوا مِنَ الكُفْرِ، أوْ هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُؤْمِنِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ مِنَ (p-٣١٠)الإيمانِ وغَيْرِهِ، والتَقْيِيدُ بِالأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ، ونَفِيِ المَجازِ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِفاقِ.

آل عمران 3:168

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ أيِ: ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى "هُمُ الَّذِينَ قالُوا" أوْ عَلى الإبْدالِ مِن واوِ "يَكْتُمُونَ" أوْ نَصْبٌ بِإضْمارٍ أعَنِي، أوْ عَلى البَدَلِ "مِنَ الَّذِينَ نافَقُوا". أوْ جَرٌّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "أفَواهِهِمْ" أوْ قُلُوبِهِمْ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ مِن جِنْسِ المُنافِقِينَ المَقْتُولِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿وَقَعَدُوا﴾ أيْ: قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ. ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ لَوْ أطاعَنا إخْوانُنا فِيما أمَرْناهم بِهِ مِنَ الِانْصِرافِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ والقُعُودِ، ووافَقُونا فِيهِ، لَما قُتِلُوا كَما لَمْ نُقْتَلْ. ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِأنَّ الحَذَرَ يَنْفَعُ مِنَ القَدَرِ، فَخُذُوا حِذْرَكم مِنَ المَوْتِ، أوْ مَعْناهُ: قُلْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّكم وجَدْتُمْ إلى دَفْعِ القَتْلِ سَبِيلًا، وهو القُعُودُ عَنِ القِتالِ، فَجِدُوا إلى دَفْعِ المَوْتِ سَبِيلًا، ورُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ سَبْعُونَ مُنافِقًا.

آل عمران 3:169

وَنَزَلَ في قَتْلى أُحُدٍ (وَلا تَحْسَبَنَّ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وعاصِمٌ، وبِكَسْرِ السِينِ غَيْرُهم. والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ (قُتِّلُوا) شامِيٌّ. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ بَلْ هم أحْياءٌ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ، ذَوُو زُلْفى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِثْلَ ما يُرْزَقُ سائِرُ الأحْياءِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، وهو تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً، ووَصْفٌ لِحالِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها مِنَ التَنَعُّمِ بِرِزْقِ اللهِ.

آل عمران 3:170

﴿فَرِحِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يُرْزَقُونَ ﴿بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو التَوْفِيقُ في الشَهادَةِ، وما ساقَ إلَيْهم مِنَ الكَراهَةِ والتَفْضِيلِ عَلى غَيْرِهِمْ مِن كَوْنِهِمْ أحْياءً مُقَرَّبِينَ، مُعَجَّلًا لَهم رِزْقُ الجَنَّةِ ونَعِيمُها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَدُورُ في أنْهارٍ (p-٣١١)الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ". » وقِيلَ: هَذا الرِزْقُ في الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ﴾ بِإخْوانِهِمُ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ مِن خَلْفِهِمْ قَدْ بَقُوا مِن بَعْدِهِمْ، وهم قَدْ تَقَدَّمُوهُمْ، أوْ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ"، والمَعْنى: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حالِ مَن تَرَكُوا خَلْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو أنَّهم يُبْعَثُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَشَّرَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِهِ، وفي ذِكْرِ حالِ الشُهَداءِ واسْتِبْشارِهِمْ بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى الجِدِّ في الجِهادِ، والرَغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُهَداءِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾

آل عمران 3:171

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ﴾ يُسَرُّونَ بِما أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مِن زِيادَةِ الكَرامَةِ. ﴿وَأنَّ اللهَ﴾ عَطْفٌ عَلى النِعْمَةِ والفَضْلِ. و(إنَّ اللهَ) عَلِيٌّ، بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ بَلْ يُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ.

آل عمران 3:172

﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَسُولِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أوْ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ الجُرْحُ. رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ، فَبَلَغُوا الرُوحاءَ نَدِمُوا، وهَمُّوا بِالرُجُوعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهُمْ، ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ وأصْحابِهِ قُوَّةً، فَنَدَبَ النَبِيُّ أصْحابَهُ لِلْخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ، فَخَرَجَ يَوْمَ الأحَدِ مِنَ المَدِينَةِ مَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، وكانَ بِأصْحابِهِ القَرْحُ، فَألْقى اللهُ الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ (p-٣١٢)فَذَهَبُوا. فَنَزَلَتْ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا﴾ » "مِن" لِلتَّبْيِينِ، ومِثْلُها في قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ [الفَتْحُ: ٢٩]، لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَسُولِ قَدْ أحْسَنُوا كُلُّهم واتَّقَوْا، لا بَعْضُهم ﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

آل عمران 3:173

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴿إنَّ الناسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ نادى عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ يا مُحَمَّدُ، مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ، فَقالَ ﷺ: "إنْ شاءَ اللهُ". فَلَمّا كانَ القابِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ، فَألْقى اللهُ الرُعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نَعِيمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ - وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا- فَقالَ: يا نَعِيمُ، إنِّي واعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أُسْلِمَ فالحَقْ بِالمَدِينَةِ، فَثَبِّطْهُمْ، ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ. فَخَرَجَ نَعِيمٌ، فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ تَخْرُجُوا وقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ؟! فَواللهِ لا يُفْلِتُ مِنكم أحَدٌ، فَقالَ ﷺ: "واللهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ". فَخَرَجَ في سَبْعِينَ راكِبًا، وهم يَقُولُونَ: ﴿حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ حَتّى وافَوْا بَدْرًا، وأقامُوا بِها ثَمانِيَ لَيالٍ. وكانَتْ مَعَهم تِجارَةٌ فَباعُوها، وأصابُوا خَيْرًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ سالِمِينَ غانِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ إلى مَكَّةَ، » فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَهُ جَيْشَ السَوِيقِ، وقالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَأْكُلُوا السَوِيقَ، فالناسُ الأوَّلُ: نَعِيمٌ، وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، أوْ كانَ لَهُ أتْباعٌ يُثَبِّطُونَ مِثْلَ تَثْبِيطِهِ. والثانِي: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ. ﴿فاخْشَوْهُمْ﴾ فَخافُوهم ﴿فَزادَهُمْ﴾ أيِ: المَقُولُ الَّذِي هو ﴿إنَّ الناسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ أوِ القَوْلُ، أوْ نَعِيمٌ. ﴿إيمانًا﴾ بَصِيرَةً، وإيقانًا. ﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللهُ﴾ كافِينا اللهُ، أيِ: الَّذِي يَكْفِينا اللهُ. يُقالُ: أحْسَبَهُ الشَيْءُ إذا كَفاهُ، وهو بِمَعْنى المُحْسِبُ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: هَذا رَجُلٌ حَسَبُكَ، فَتَصِفُ بِهِ النَكِرَةَ (p-٣١٣)لِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ لِكَوْنِهِ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ ﴿وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ونِعْمَ المَوْكُولُ إلَيْهِ هو.

آل عمران 3:174

﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ وهي السَلامَةُ، وحَذَرُ العَدُوِّ مِنهم. ﴿وَفَضْلٍ﴾ وهو الرِبْحُ في التِجارَةِ، فَأصابُوا بِالدِرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ. ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ لَمْ يَلْقَوْا ما يَسُوءُهم مِن كَيْدِ عَدُوٍّ، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في " انْقَلَبُوا " وكَذا ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ والتَقْدِيرُ: فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ مُنَعَّمِينَ بَرِيئِينَ مِن سُوءٍ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ﴾ بِجَراءَتِهِمْ، وخُرُوجِهِمْ إلى وجْهِ العَدُوِّ عَلى إثْرِ تَثْبِيطِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "انْقَلَبُوا" ﴿واللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْفِيقِ فِيما فَعَلُوا.

آل عمران 3:175

﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ﴾ هو خَبَرُ "ذَلِكُمْ" أيْ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ المُثَبِّطُ هو ﴿الشَيْطانُ﴾ وهو نَعِيمٌ ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، وهو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِشَيْطَنَتِهِ. أوِ ﴿الشَيْطانُ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، و﴿يُخَوِّفُ﴾ الخَبَرُ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ ﴿وَخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ يُؤْثِرَ العَبْدُ خَوْفَ اللهِ عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ. وخافُونِي في الوَصْلِ والوَقْفِ، سَهْلٌ ويَعْقُوبُ، وافَقَهُما أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ.

آل عمران 3:176

﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ (يُحْزِنُكَ) في كُلِّ القُرْآنِ نافِعٌ، إلّا في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءُ: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ يَعْنِي: لا يُحْزِنُوكَ لِخَوْفِ أنْ يَضُرُّوكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ أيْ: أوْلِياءَ اللهِ، يَعْنِي: أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ، وما وبالُ ذَلِكَ عائِدًا عَلى غَيْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ يَعُودُ وبالُهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: نَصِيبًا مِنَ الثَوابِ، ﴿وَلَهُمْ﴾ بَدَلَ الثَوابِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وذَلِكَ أبْلَغُ ما ضَرَّ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إرادَةِ الكُفْرِ (p-٣١٤)والمَعاصِي، لِأنَّ إرادَتَهُ ألّا يَكُونَ لَهم ثَوابٌ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ بِدُونِ إرادَةِ كُفْرِهِمْ، ومَعاصِيهِمْ.

آل عمران 3:177

﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ أيِ: اسْتَبْدَلُوهُ بِهِ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَرَرِ، الآيَةُ الأُولى فِيمَن نافَقَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، والثانِيَةُ: في جَمِيعِ الكُفّارِ، أوْ عَلى العَكْسِ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

آل عمران 3:178

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ وثَلاثَةٌ بَعْدَها مَعَ ضَمِّ الباءِ في (يَحْسَبَنَّهُمْ) بِالياءِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وكُلُّها بِالتاءِ حَمْزَةُ، وكُلُّها بِالياءِ مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. إلّا (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) [آلِ عِمْرانَ: ١٨٨] فَإنَّها بِالتاءِ. الباقُونَ: الأوْلَيانِ بِالياءِ، والأُخْرَيانِ بِالتاءِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيمَن قَرَأ بِالياءِ رَفْعٌ، أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ. وإنَّ مَعَ اسْمِهِ وخَبَرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ لِيَحْسَبَنَّ، والتَقْدِيرُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إمْلاءَنا خَيْرًا لِأنْفُسِهِمْ. و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وكانَ حَقُّها في قِياسِ عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، ولَكِنَّها وقَعَتْ في الإمامِ مُتَّصِلَةً، فَلا يُخالِفُ. وفِيمَن قَرَأ بِالتاءِ نَصْبٌ، أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ الكافِرِينَ. و﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ أنَّ ما نُمْلِي لِلْكافِرِينَ خَيْرٌ لَهم. وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ يَنُوبُ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، والإمْلاءُ لَهُمْ: إمْهالُهُمْ، وإطالَةُ عُمُرِهِمْ. ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ "ما" هَذِهِ حَقُّها أنْ تُكْتَبَ مُتَّصِلَةً، لِأنَّها كافَّةٌ دُونَ الأُولى. وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم لا يَحْسَبُونَ الإمْلاءَ خَيْرًا لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ والآيَةُ حُجَّةٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَتَيِ الأصْلَحِ، وإرادَةِ المَعاصِي ﴿وَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾

آل عمران 3:179

واللامُ في ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنِ اخْتِلاطِ (p-٣١٥)المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ والمُنافِقِينَ، لِتَأْكِيدِ النَفْيِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ﴾ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ عَنِ المُخْلِصِ (يُمَيَّزَ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. والخِطابُ في "أنْتُمْ" لِلْمُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الإخْلاصِ والنِفاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ مِنكم عَلى الحالِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنِ اخْتِلاطِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، حَتّى يُمَيِّزَهم مِنكم بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ، وإخْبارِهِ بِأحْوالِكم. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ وما كانَ اللهُ لِيُؤْتِيَ أحَدًا مِنكم عِلْمَ الغُيُوبِ، فَلا تَتَوَهَّمُوا عِنْدَ إخْبارِ الرَسُولِ بِنِفاقِ الرَجُلِ، وإخْلاصِ الآخَرِ، أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى ما في القُلُوبِ اطِّلاعَ اللهِ، فَيُخْبِرُ عَنْ كُفْرِها وإيمانِها ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُ الرَسُولَ فَيُوحِي إلَيْهِ، ويُخْبِرُهُ بِأنَّ في الغَيْبِ كَذا، وأنَّ فُلانًا في قَلْبِهِ النِفاقُ، وفُلانًا في قَلْبِهِ الإخْلاصُ، فَيَعْلَمُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ إخْبارِ اللهِ لا مِن جِهَةِ نَفْسِهِ. والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى الباطِنِيَّةِ، فَإنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ لِإمامِهِمْ، فَإنْ لَمْ يُثْبِتُوا النُبُوَّةَ لَهُ صارُوا مُخالِفِينَ لِلنَّصِّ، حَيْثُ أثْبَتُوا عِلْمَ الغَيْبِ لِغَيْرِ الرُسُلِ، وإنْ أثْبَتُوا النُبُوَّةَ لَهُ صارُوا مُخالِفِينَ لِنَصٍّ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَخاتَمَ النَبِيِّينَ﴾ [الأحْزابُ: ٤٠] ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ بِصِفَةِ الإخْلاصِ. ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ النِفاقَ ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

آل عمران 3:180

وَنَزَلَ في مانِعِي الزَكاةِ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ مَن قَرَأ بِالتاءِ قَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الباخِلِينَ. و"هُوَ" فَصْلٌ. و﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، وكَذا مَن قَرَأ بِالياءِ، وجَعَلَ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ ضَمِيرَ رَسُولِ اللهِ، أوْ ضَمِيرَ أحَدٍ، ومَن جَعَلَ فاعِلَهُ "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" كانَ التَقْدِيرُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بُخْلَهم ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وهو فَصْلٌ، وخَيْرًا لَهُمْ: مَفْعُولٌ ثانٍ، ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: البُخْلُ. ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ لِأنَّ أمْوالَهم سَتَزُولُ عَنْهُمْ، ويَبْقى عَلَيْهِمْ وبالُ البُخْلِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ (p-٣١٦)القِيامَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ أيْ: سَيَجْعَلُ مالَهُمُ الَّذِي مَنَعُوهُ عَنِ الحَقِّ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن مَنَعَ زَكاةَ مالِهِ يَصِيرُ حَيَّةً ذَكَرًا أقْرَعَ لَهُ نابانِ فَيُطَوَّقُ في عُنُقِهِ فَيَنْهَشُهُ ويَدْفَعُهُ إلى النارِ". » و﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ ولَهُ ما فِيهِما مِمّا يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ، فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ، ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللهِ؟! والأصْلُ في مِيراثٍ مِوْراثٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، فالتاءُ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو أبْلَغُ في الوَعِيدِ، والياءُ عَلى الظاهِرِ.

آل عمران 3:181

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ قالَ ذَلِكَ اليَهُودُ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةُ: ٢٤٥] وقالُوا: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذًا أغْنِياءٌ وهو فَقِيرٌ، ومَعْنى سَماعِ اللهِ لَهُ، أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ أعَدَّ لَهُ كَفاءً مِنَ العِقابِ. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِكِتابَةِ ما قالُوا في الصَحائِفِ، أوْ سَنَحْفَظُهُ إذِ الكِتابُ مِنَ الخَلْقِ لِيَحْفَظَ ما فِيهِ، فَسُمِّيَ بِهِ مَجازًا، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما، جَعَلَ قَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ قَرِينَةً لَهُ، إيذانًا بِأنَّهُما في العِظَمِ أخَوانِ، وأنَّ مَن قَتَلَ الأنْبِياءَ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ الِاجْتِراءُ عَلى مِثْلِ هَذا القَوْلِ ﴿وَنَقُولُ﴾ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: عَذابَ النارِ كَما أذَقْتُمُ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ. قالَ الضَحّاكُ: ويَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. وإنَّما أُضِيفَ إلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ بِأمْرِهِ كَما في قَوْلِهِ: "سَنَكْتُبُ". "سَيُكْتَبُ"، "وَقَتْلُهُمْ"، ويَقُولُ: حَمْزَةُ.

آل عمران 3:182

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عِقابِهِمْ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ بِما قَدَّمْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والإضافَةُ إلى اليَدِ، لِأنَّ أكْثَرَ (p-٣١٧)الأعْمالِ يَكُونُ بِالأيْدِي، فَجَعَلَ كُلَّ عَمَلٍ كالواقِعِ بِالأيْدِي عَلى سَبِيلِ التَغْلِيبِ، ولِأنَّهُ يُقالُ لِلْآمِرِ بِالشَيْءِ: فاعِلُهُ، فَذِكْرُ الأيْدِي لِلتَّحْقِيقِ، يَعْنِي: أنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ لا غَيْرِهِ بِأمْرِهِ. ﴿وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وبِأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ عِبادَهُ، فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ جُرْمٍ.

آل عمران 3:183

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ أوْ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي: أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ هم ﴿إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أمَرَنا في التَوْراةِ، وأوْصانا. ﴿ألا نُؤْمِنَ﴾ بِألّا نُؤْمِنَ. ﴿لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ﴾ أيْ: يُقَرِّبَ قُرْبانًا فَتَنْزِلَ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَإنْ جِئْتَنا بِهِ صَدَّقْناكَ. وهَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ، وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، لِأنَّ أكْلَ النارِ القُرْبانَ سَبَبُ الإيمانِ لِلرَّسُولِ الآتِي بِهِ، لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو إذًا وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ سِوى القُرْبانِ ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أيْ: بِالقُرْبانِ. يَعْنِي: قَدْ جاءَ أسْلافُكُمُ الَّذِينَ أنْتُمْ عَلى مِلَّتِهِمْ، وراضُونَ بِفِعْلِهِمْ. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ امْتِناعُكم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِ هَذا، فَلِمَ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِينِ أتَوْا بِهِ؟! ولِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟! ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في قَوْلِكُمْ: إنَّما نُؤَخِّرُ الإيمانَ لِهَذا.

آل عمران 3:184

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ، فَلا يَهُولَنَّكَ، فَقَدْ فَعَلَتِ الأُمَمُ بِأنْبِيائِها كَذَلِكَ ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظاهِراتِ ﴿والزُبُرِ﴾ الكُتُبِ، جَمْعُ زَبُورٍ، مِنَ الزَبْرِ، وهو الكِتابَةُ (وَبِالزُبُرِ) شامِيٌّ. ﴿والكِتابِ﴾ جِنْسُهُ ﴿المُنِيرِ﴾ المُضِيءِ قِيلَ: هُما واحِدٌ في الأصْلِ. وإنَّما ذُكِرا لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. فالزَبُورُ: كِتابٌ فِيهِ حِكَمٌ زاجِرَةٌ. والكِتابُ المُنِيرُ هُوَ: الكِتابُ الهادِي.

آل عمران 3:185

(p-٣١٨)﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، والمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم إيّاكَ، فَمَرْجِعُ الخَلْقِ إلَيَّ، فَأُجازِيهِمْ عَلى التَكْذِيبِ، وأُجازِيكَ عَلى الصَبْرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ ثَوابَ أعْمالِكم عَلى الكَمالِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّ الدُنْيا لَيْسَتْ بِدارِ الجَزاءِ. ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ بَعُدَ، والزَحْزَحَةُ: الإبْعادُ. ﴿عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ ظَفِرَ بِالخَيْرِ. وقِيلَ: فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ المُطْلَقُ، وقِيلَ: الفَوْزُ: نَيْلُ المَحْبُوبِ، والبُعْدُ عَنِ المَكْرُوهِ. ﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ شَبَّهَ الدُنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ، حَتّى يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ. والشَيْطانُ: هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّما هَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ فَإنَّها مَتاعُ بِلاغٍ، وعَنِ الحَسَنِ: كَخُضْرَةِ النَباتِ، ولَعِبِ البَناتِ، لا حاصِلَ لَها.

آل عمران 3:186

﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ واللهِ لَتَبْلَوُنَّ، أيْ: لَتُخْتَبَرُنَّ ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وبِما يَقَعُ فِيها مِنَ الآفاتِ. ﴿وَأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، والجِراحِ، وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أنْواعِ المَخاوِفِ والمَصائِبِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَفْسَ هي الجِسْمُ المُعايَنُ دُونَ ما فِيهِ مِنَ المَعْنى الباطِلِ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ والفَلاسِفَةُ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ والنَصارى. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ كالطَعْنِ في الدِينِ، وصَدِّ مَن أرادَ الإيمانَ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى أذاهم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُخالَفَةَ أمْرِ اللهِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ فَإنَّ الصَبْرَ والتَقْوى ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ العَزْمُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ. خُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى (p-٣١٩)احْتِمالِ ما سَيَلْقَوْنَ مِنَ الشَدائِدِ والصَبْرِ عَلَيْها، حَتّى إذا لَقُوها -وَهم مُسْتَعِدُّونَ- لا يُرْهِقُهم ما يُرْهِقُ مَن تُصِيبُهُ الشِدَّةُ بَغْتَةً، فَيُنْكِرُها، وتَشْمَئِزُّ مِنها نَفْسُهُ.

آل عمران 3:187

﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ واذْكُرْ وقْتَ أخْذِ اللهِ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَنِ الناسِ، بِالتاءِ عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسْراءُ: ٤]. وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، لِأنَّهم غَيْبٌ، والضَمِيرُ لِلْكِتابِ، أكَّدَ عَلَيْهِمْ إيجابَ بَيانِ الكِتابِ واجْتِنابَ كِتْمانِهِ. ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَنَبَذُوا المِيثاقَ، وتَأْكِيدَهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لَمْ يُراعُوهُ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، والنَبْذُ وراءَ الظَهْرِ مَثَلٌ في الطَرْحِ، وتَرْكِ الِاعْتِدادِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العُلَماءِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنّاسِ، وما عَلِمُوهُ، وألّا يَكْتُمُوا مِنهُ شَيْئًا لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَلَمَةِ، وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةٍ، أوْ دَفْعِ أذِيَّةٍ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ، وفي الحَدِيثِ: « "مِن كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أهْلِهِ ألْجَمَهُ اللهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ". »﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾

آل عمران 3:188

والخِطابُ في ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والثانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ، تَقْدِيرُهُ: لا تَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ ﴿بِما أتَوْا﴾ بِما فَعَلُوا، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، وجاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى فَعَلَ. ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٦١] ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٢٧]. وقَرَأ النَخَعِيُّ: (بِما آتَوْا) أيْ: أعْطَوْا. ﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ بِمَنجاةِ مِنهُ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ. (p-٣٢٠)رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَوْراةِ، فَكَتَمُوا الحَقَّ، وأخْبَرُوهُ بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ، واسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا مِن تَدْلِيسِهِمْ فَأطْلَعَ اللهُ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ، وسَلّاهُ بِما أنْزَلَ مِن وعِيدِهِمْ، » أيْ: لا تَحْسَبَنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن تَدْلِيسِهِمْ عَلَيْكَ، ويُحِبُّونَ أنْ تَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِن إخْبارِكَ بِالصِدْقِ عَمّا سَألْتَهم عَنْهُ ناجِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِن إظْهارِ الإيمانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وتَوَصُّلِهِمْ بِذَلِكَ إلى أغْراضِهِمْ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِمَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيَفْرَحُ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ بِما لَيْسَ فِيهِ.

آل عمران 3:189

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أمْرَهُمْ، وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِمَن قالَ: ﴿إنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آلُ عِمْرانَ:١٨١] ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى عِقابِهِمْ.

آل عمران 3:190

﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ﴾ لَأدِلَّةً واضِحَةً عَلى صانِعٍ قَدِيمٍ، عَلِيمٍ، حَكِيمٍ، قادِرٍ. ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ لِمَن خَلُصَ عَقْلُهُ عَنِ الهَوى خُلُوصَ اللُبِّ عَنِ القِشْرِ، فَيَرى أنَّ العَرَضَ المُحْدَثَ في الجَواهِرِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الجَواهِرِ، لِأنَّ جَوْهَرًا ما لا يَنْفَكُّ عَنْ عَرَضٍ حادِثٍ، وما لا يَخْلُو عَنِ الحادِثِ فَهو حادِثٌ، ثُمَّ حُدُوثُها يَدُلُّ عَلى مُحْدِثِها، وذا قَدِيمٌ، وإلّا لاحْتاجَ إلى مُحْدِثٍ آخَرَ إلى ما لا يَتَناهى، وحُسْنُ صُنْعِهِ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ، وإتْقانُهُ يَدُلُّ عَلى حِكْمَتِهِ، وبَقاؤُهُ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ. قالَ ﷺ: « "وَيْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها". » وحُكِيَ فِيها أنَّهُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَن إذا عَبَدَ اللهَ ثَلاثِينَ سَنَةً أظَلَّتْهُ سَحابَةٌ، فَعَبَدَهُ فَتًى فَلَمْ تُظِلَّهُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ فَرْطَةً فَرَطَتْ مِنكَ في (p-٣٢١)مُدِّتِكَ؟! قالَ: ما أذْكُرُ. قالَتْ: لَعَلَّكَ نَظَرْتَ مَرَّةً إلى السَماءِ ولَمْ تَعْتَبِرْ؟! قالَ، لَعَلَّ. قالَتْ: فَما أُوتِيتْ إلّا مِن ذاكَ.

آل عمران 3:191

﴿الَّذِينَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ "أُولِي"، أوْ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ هم. ﴿يَذْكُرُونَ اللهَ﴾ يُصَلُّونَ ﴿قِيامًا﴾ قائِمَيْنِ عِنْدَ القُدْرَةِ ﴿وَقُعُودًا﴾ قاعِدِينَ، ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: مُضْطَجِعِينَ عِنْدَ العَجْزِ، وقِيامًا وقُعُودًا حالانِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في " يَذْكُرُونَ "وَ " عَلى جُنُوبِهِمْ " حالٌ أيْضًا، أوِ المُرادُ: الذِكْرُ عَلى كُلِّ حالٍ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، وفي الحَدِيثِ: « "مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيَكْثُرْ ذِكْرَ اللهِ". »﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ﴾ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِراعُ هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وإبْداعُ صَنْعَتِها، وما دُبِّرَ فِيها مِمّا تَكِلُّ الأفْهامُ عَنْ إدْراكِ بَعْضِ عَجائِبِهِ، عَلى عِظَمِ شَأْنِ الصانِعِ، وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلى فِراشِهِ إذْ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إلى النُجُومِ وإلى السَماءِ، فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ لَكِ رَبًّا وخالِقًا، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللهُ إلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ". » وقالَ ﷺ: « "لا عِبادَةَ كالتَفَكُّرِ". » وقِيلَ: الفِكْرَةُ تُذْهِبُ الغَفْلَةَ، وتُحْدِثُ لِلْقَلْبِ الخَشْيَةَ، وما جُلِيَتِ القُلُوبُ بِمِثْلِ الأحْزانِ، ولا اسْتَنارَتْ بِمِثْلِ الفِكْرِ. ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ، وهو في مَحَلِّ الحالِ، أيْ: يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ، والمَعْنى: ما خَلَقْتَهُ خَلْقًا باطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وهو أنْ تَجْعَلَها مَساكِنَ لِلْمُكَلَّفِينَ، وأدِلَّةً لَهم عَلى مَعْرِفَتِكَ، وهَذا إشارَةٌ إلى الخَلْقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المَخْلُوقُ، أوْ إلى السَمَواتِ والأرْضِ، لِأنَّها في مَعْنى المَخْلُوقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ العَجِيبَ باطِلًا. ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ عَنِ الوَصْفِ بِخَلْقِ الباطِلِ، وهو اعْتِراضٌ. ﴿فَقِنا عَذابَ النارِ﴾ الفاءُ دَخَلَتْ لِمَعْنى الجَزاءِ، تَقْدِيرُهُ: إذا نَزَّهْناكَ فَقِنا. (p-٣٢٢)

آل عمران 3:192

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ أهَنْتَهُ، أوْ أهْلَكْتَهُ، أوْ فَضَحْتَهُ، واحْتَجَّ أهْلُ الوَعِيدِ بِالآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التَحْرِيمُ: ٨] في أنَّ مَن يَدْخُلُ النارَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا ويُخَلَّدُ، قُلْنا: قالَ جابِرٌ: إخْزاءُ المُؤْمِنِ تَأْدِيبُهُ، وإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ لَخِزْيًا، ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ اللامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النارَ، والمُرادُ: الكُفّارُ. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ مِن أعْوانٍ وشُفَعاءَ يَشْفَعُونَ لَهم كالمُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:193

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، فَتُوقِعُ الفِعْلَ عَلى الرَجُلِ، وتَحْذِفُ المَسْمُوعَ، لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ، فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ، ولَوْلا الوَصْفُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بُدٌّ، وأنْ يُقالَ: سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ، والمُنادِي هو الرَسُولُ ﷺ، أوِ القُرْآنُ. ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللهِ، وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ المُنادِي، إذْ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. ﴿أنْ آمِنُوا﴾ بِأنْ آمِنُوا، أوْ أيْ آمِنُوا. ﴿بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِيهِ دَلِيلُ بُطْلانِ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ. ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ كَبائِرَنا ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ صَغائِرَنا ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ مُخْصُوصِينَ بِصُحْبَتِهِمْ، مَعْدُودِينَ في جُمْلَتِهِمْ. والأبْرارُ: المُتَمَسِّكُونَ بِالسُنَّةِ، جَمْعُ بَرٍّ، أوْ بارٍّ، كَرَبٍّ وأرْبابٍ، وصاحِبٍ وأصْحابٍ.

آل عمران 3:194

﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ، أوْ ما وعَدَتْنا مُنَزَّلًا عَلى رُسِلِكَ، أوْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. و"عَلى" مُتَعَلِّقٌ بِـ "وَعَدَتْنا". والمَوْعُودُ هو الثَوابُ، أوِ النُصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، وإنَّما طَلَبُوا إنْجازَ ما وعَدَ اللهُ -واللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ-، لِأنَّ مَعْناهُ: طَلَبُ التَوْفِيقِ فِيما يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أسْبابَ إنْجازِ المِيعادِ، أوِ المُرادُ: اجْعَلْنا مِمَّنْ لَهُمُ الوَعْدُ إذِ الوَعْدُ غَيْرُ مُبَيَّنٍ لِمَن هُوَ؟ أوِ المُرادُ: ثَبِّتْنا عَلى ما يُوصِلُنا إلى عِدَتِكَ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (p-٣٢٣)أوْ هو إظْهارٌ لِلْخُضُوعِ والضَراعَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَعْدِ.

آل عمران 3:195

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: أجابَ، يُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ، واسْتَجابَهُ. ﴿أنِّي﴾ بِأنِّي ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةٌ لِعامِلٍ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ الذَكَرُ مِنَ الأُنْثى، والأُنْثى مِنَ الذَكَرِ، كُلُّكم بَنُو آدَمَ، أوْ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ في النُصْرَةِ والدِينِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيَّنَتْ بِها شَرِكَةَ النِساءِ مَعَ الرِجالِ فِيما وعَدَ اللهُ عِبادَهُ العامِلِينَ. عَنْ جَعْفَرٍ الصادِقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ خَمْسَ مَرّاتٍ: رَبَّنا... أنْجاهُ اللهُ مِمّا يَخافُ، وأعْطاهُ ما أرادَ،وَقَرَأ الآياتِ: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وهو تَفْصِيلٌ لِعَمَلِ العامِلِ مِنهُمْ، عَلى سَبِيلِ التَعْظِيمِ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: فالَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ السَنِيَّةَ الفائِقَةَ، وهي المُهاجَرَةُ عَنْ أوْطانِهِمْ، فارِّينَ إلى اللهِ بِدِينِهِمْ إلى حَيْثُ يَأْمَنُونَ عَلَيْهِ، فالهِجْرَةُ كائِنَةٌ في آخِرِ الزَمانِ كَما كانَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ. ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ الَّتِي وُلِدُوا فِيها ونَشَئُوا ﴿وَأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ بِالشَتْمِ، والضَرْبِ، ونَهْبِ المالِ، يُرِيدُ: سَبِيلَ الدِينِ. ﴿وَقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ وغَرُّوا المُشْرِكِينَ واسْتُشْهِدُوا. (وَقُتِّلُوا) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ. (وَقُتِلُوا وقاتَلُوا) عَلى التَقْدِيمِ والتَأْخِيرِ، حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَرْتِيبَ، والخَبَرُ ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿ثَوابًا﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِالمُؤَكِّدِ، يَعْنِي: إثابَةً، أوْ تَثْوِيبًا. ﴿مِن عِنْدِ اللهِ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: " لِأُكَفِّرُنَّ عَنْهم ولِأُدْخِلُنَّهم " في مَعْنى: لَأُثِيبَنَّهم ﴿واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَوابِ﴾ أيْ: يَخْتَصُّ بِهِ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.

آل عمران 3:196

وَرُوِيَ أنَّ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: إنَّ أعْداءَ اللهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ، فَنَزَلَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ (p-٣٢٤)والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ، أوْ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ: غَيْرُهُ، أوْ لِأنَّ مِدَرَةَ القَوْمِ ومُقَدَّمَهم يُخاطَبُ بِشَيْءٍ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَنَّكُمْ، أوْ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ غَيْرَ مَغْرُورٍ بِحالِهِمْ، فَأكَّدَ عَلَيْهِ ما كانَ عَلَيْهِ، وثَبَتَ عَلى التِزامِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ [القَصَصُ: ٨٦]، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامُ: ١٤]. وهَذا في النَهْيِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتِحَةُ: ٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النِساءُ: ١٣٦].

آل عمران 3:197

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَقَلُّبُهم في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأرادَ: قِلَّتَهُ في جَنْبِ ما فاتَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، أوْ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَوابِ، أوْ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ في نَفْسِهِ لِانْقِضائِهِ، وكُلُّ زائِلٍ قَلِيلٌ. ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ وساءَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ.

آل عمران 3:198

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عَنِ الشِرْكِ ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا﴾ النُزُلُ والنُزْلُ: ما يُقامُ لِلنّازِلِ، وهو حالٌ مِن جَنّاتٍ لِتَخَصُّصِها بِالصِفَةِ، والعامِلُ اللامُ في "لَهُمْ"، أوْ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا أوْ عَطاءً. ﴿مِن عِنْدِ اللهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ مِنَ الكَثِيرِ الدائِمِ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ القَلِيلِ الزائِلِ، (لَكِنْ) بِالتَشْدِيدِ: يَزِيدُ، وهو لِلِاسْتِدْراكِ، أيْ: لا بَقاءَ لِتَمَتُّعِهِمْ، لَكِنَّ ذَلِكَ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا.

آل عمران 3:199

وَنَزَلَتْ في ابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِن مُسْلِمَةِ أهْلِ الكِتابِ، أوْ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ،واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُومِ، وكانُوا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَأسْلَمُوا ﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ دَخَلَتْ لامُ الِابْتِداءِ عَلى اسْمِ إنَّ لِفَصْلِ الظَرْفِ بَيْنَهُما ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-٣٢٥)﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُؤْمِنُ، لِأنَّ مَن يُؤْمِنُ في مَعْنى الجَمْعِ، ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَما يَفْعَلُ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِن أحْبارِهِمْ وكِبارِهِمْ، وهو حالٌ بَعْدَ حالٍ، أيْ: غَيْرَ مُشْتَرِينَ. ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ما يَخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ الأجْرِ، وهو ما وُعِدُوهُ فى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ في كُلِّ شَيْءٍ.

آل عمران 3:200

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عَلى الدِينِ وتَكالِيفِهِ، قالَ الجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللهُ: الصَبْرُ: حَبْسُ النَفْسِ عَلى المَكْرُوهِ بِنَفْيِ الجَزَعِ. ﴿وَصابِرُوا﴾ أعْداءَ اللهِ في الجِهادِ، أيْ: غالِبُوهم في الصَبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، لا تَكُونُوا أقَلَّ صَبْرًا مِنهم وثَباتًا ﴿وَرابِطُوا﴾ وأقِيمُوا في الثُغُورِ رابِطِينَ خَيْلَكم فِيها، مُتَرَصِّدِينَ، مُسْتَعِدِّينَ لِلْغَزْوِ. ﴿واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ الفَلاحُ: البَقاءُ مَعَ المَحْبُوبِ بَعْدَ الخَلاصِ عَنِ المَكْرُوهِ، ولَعَلَّ: لِتَغْيِيبِ المَآلِ لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى الآمالِ عَنْ تَقْدِيمِ الأعْمالِ، وقِيلَ: اصْبِرُوا في مَحَبَّتِي، وصابِرُوا في نِعْمَتِي، ورابِطُوا أنْفُسَكم في خِدْمَتِي، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِقُرْبَتِي. قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اقْرَؤُوا الزَهْراوَيْنِ: البَقَرَةَ، وآلَ عِمْرانَ، فَإنَّهُما يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ غَيايَتانِ، أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافَ، تُحاجّانِ عَنْ أصْحابِهِما". » واللهُ أعْلَمُ بِالصَوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.