Tafsir Al-Nasafi — هود 11:1 – الرعد 13:43
المحتويات
- هود 11:1
- هود 11:2
- هود 11:3
- هود 11:4
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:9
- هود 11:10
- هود 11:11
- هود 11:12
- هود 11:13
- هود 11:14
- هود 11:15
- هود 11:16
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:19
- هود 11:20
- هود 11:21
- هود 11:22
- هود 11:23
- هود 11:24
- هود 11:25
- هود 11:26
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:30
- هود 11:31
- هود 11:32
- هود 11:33
- هود 11:34
- هود 11:35
- هود 11:36
- هود 11:37
- هود 11:38
- هود 11:39
- هود 11:40
- هود 11:41
- هود 11:42
- هود 11:43
- هود 11:44
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:47
- هود 11:48
- هود 11:49
- هود 11:50
- هود 11:51
- هود 11:52
- هود 11:53
- هود 11:54
- هود 11:55
- هود 11:56
- هود 11:57
- هود 11:58
- هود 11:59
- هود 11:60
- هود 11:61
- هود 11:62
- هود 11:63
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:66
- هود 11:67
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:85
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
- هود 11:122
- هود 11:123
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
هود 11:1
(p-٤٦)سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الر كِتابٌ﴾ أيْ: هَذا كِتابٌ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةٌ لَهُ أيْ: نُظِمَتْ نَظْمًا رَصِينًا مُحْكَمًا لا يَقَعُ فِيهِ نَقْصٌ ولا خَلَلٌ كالبِناءِ المُحْكَمِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ، مِن دَلائِلِ التَوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقَصَصِ أوْ جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً وآيَةً آيَةً أوْ فُرِّقَتْ في التَنْزِيلِ ولَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً أوْ فُصِّلِ فِيها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العابِدُ أيْ: بُيِّنَ ولُخِّصَ ولَيْسَ مَعْنى ثُمَّ التَراخِي في الوَقْتِ ولَكِنْ في الحالِ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِلَةٌ لِأُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ أيْ: مِن عِنْدِهِ أحْكامُها وتَفْصِيلُها.
هود 11:2
﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِئَلّا تَعْبُدُوا أوْ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ:لا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ أوْ أمَرَكم ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ أيْ: مِنَ اللهِ.
هود 11:3
﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: أمَرَكم بِالتَوْحِيدِ والِاسْتِغْفارِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِرْكِ ثُمَّ ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطاعَةِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ يُطَوِّلْ نَفْعَكم في الدُنْيا بِمَنافِعَ حَسَنَةٍ مَرْضِيَّةٍ مِن عِيشَةٍ واسِعَةٍ ونِعْمَةٍ مُتَتابِعَةٍ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أنْ يَتَوَفّاكم ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ويُعْطِ في الآخِرَةِ كُلَّ مَن كانَ لَهُ فَضْلٌ في العِلْمِ وزِيادَةٌ فِيهِ جَزاءَ فَضْلِهِ لا يُبْخَسُ مِنهُ شَيْئًا ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ (p-٤٧)وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
هود 11:4
﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى إعادَتِكُمْ.
هود 11:5
﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَيْءِ اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كُشْحَهُ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ لِيَطْلُبُوا الخَفاءَ مِنَ اللهِ فَلا يَطَّلِعُ رَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ عَلى ازْوِرارِهِمْ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ يَتَغَطَّوْنَ بِها أيْ: يُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم واسْتِغْشائِهِمْ ثِيابَهم، ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ قِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ بِما فِيها.
هود 11:6
﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللهِ رِزْقُها﴾ تَفَضُّلًا لا وُجُوبًا ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ مَكانَهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنَهُ ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ حَيْثُ كانَ مُودَعًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مَن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ ﴿كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَوابِّ رِزْقُها ومُسْتَقَرُّها ومُسْتَوْدَعُها في اللَوْحِ يَعْنِي:ذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ.
هود 11:7
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ وما بَيْنَهُما ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ مِنَ الأحَدِ (p-٤٨)إلى الجُمْعَةِ تَعْلِيمًا لِلتَّأنِّي ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ: فَوْقَهُ يَعْنِي ما كانَ تَحْتَهُ خَلْقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ إلّا الماءُ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ قِيلَ بَدَأهُ بِخَلْقِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَأقَرَّ الماءَ عَلى مَتْنِهِ ثُمَّ وضَعَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ، وفي وُقُوفِ العَرْشِ عَلى الماءِ أعْظَمُ اعْتِبارٍ لِأهْلِ الأفْكارِ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ: خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لِلْمُمْتَحَنِ فِيهِما ولَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ الأشْياءَ لِأنْفُسِها ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أكْثَرُ شُكْرًا، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَلامُ « "أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللهِ وأسْرَعُ في طاعَةِ اللهِ فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ" » ولَمّا أشْبَهَ ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ لِيَبْلُوَكم أيْ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ﴾ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أشارَ بِهَذا إلى القُرْآنِ، لِأنَّ القُرْآنَ هو الناطِقُ بِالبَعْثِ فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ " ساحِرٌ "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، يُرِيدُ دُونَ الرَسُولِ. والساحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ.
هود 11:8
﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ عَذابَ الآخِرَةِ أوْ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ ﴿إلى أُمَّةٍ﴾ إلى جَماعَةٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ مَعْلُومَةٍ أوْ قَلائِلَ والمَعْنى إلى حِينٍ مَعْلُومٍ ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ ما يَمْنَعُهُ مِنَ النُزُولِ اسْتِعْجالًا لَهُ عَلى وجْهِ التَكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ العَذابُ ﴿لَيْسَ﴾ العَذابُ ﴿مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ويَوْمَ:مَنصُوبٌ بِمَصْرُوفًا أيْ: لَيْسَ العَذابُ مَصْرُوفًا عَنْهم يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ وأحاطَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ العَذابُ الَّذِي (p-٤٩)كانُوا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ وإنَّما وُضِعَ يَسْتَهْزِئُونَ مَوْضِعَ يَسْتَعْجِلُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ.
هود 11:9
﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ هو لِلْجِنْسِ ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنٍ وجِدَةٍ، واللامُ في "لَئِنْ" لِتَوْطِئَةِ القَسَمِ ﴿ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ﴾ ثُمَّ سَلَبْناهُ تِلْكَ النِعْمَةَ وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شَدِيدُ اليَأْسِ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِعْمَةِ المَسْلُوبَةِ قاطِعٌ رَجاءَهُ مِن سَعَةِ فَضْلِ اللهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ ﴿كَفُورٌ﴾ عَظِيمُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لَهُ مِنَ التَقَلُّبِ في نِعْمَةِ اللهِ نَسّاءٌ لَهُ.
هود 11:10
﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ وسَّعْنا عَلَيْهِ النِعْمَةَ بَعْدَ الفَقْرِ الَّذِي نالَهُ ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ أشِرٌ بَطِرٌ ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى الناسِ بِما أذاقَهُ اللهُ مِن نَعْمائِهِ قَدْ شَغَلَهُ الفَرَحُ والفَخْرُ عَنِ الشُكْرِ.
هود 11:11
﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في المِحْنَةِ والبَلاءِ ﴿وَعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وشَكَرُوا في النِعْمَةِ والرَخاءِ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.
هود 11:12
كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ آياتٍ تَعَنُّتًا لا اسْتِرْشادًا، لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُسْتَرْشِدِينَ لَكانَتْ آيَةٌ واحِدَةٌ مِمّا جاءَ بِهِ كافِيَةً في رَشادِهِمْ ومِنَ اقْتِراحاتِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِالقُرْآنِ ويَتَهاوَنُونَ بِهِ فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُلْقِ إلَيْهِمْ مالا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ فَهَيَّجَهُ لِأداءِ الرِسالَةِ وطَرْحِ المُبالاةِ بِرَدِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ واقْتِراحِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ: لَعَلَّكَ تَتْرُكُ أنْ تُلْقِيَهُ إلَيْهِمْ وتُبَلِّغَهُ إيّاهم مَخافَةَ رَدِّهِمْ لَهُ وتَهاوُنِهِمْ بِهِ ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ بِأنْ تَتْلُوَهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَقُلْ ضَيِّقٌ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ ضِيقٌ عارِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أفْسَحَ (p-٥٠)الناسِ صَدْرًا ولِأنَّهُ أشْكَلُ بِتارِكٍ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ مَخافَةَ أنْ يَقُولُوا ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما افْتَرَضْنا مِنَ الكَنْزِ لِنُنْفِقَهُ والمَلائِكَةِ لِنُصَدِّقَهُ ولِمَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مالا نُرِيدُهُ ولا نَقْتَرِحُهُ؟ ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا أنْ تُنْذِرَهم بِما أُوحِيَ إلَيْكَ وتُبَلِّغَهم ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ ولا عَلَيْكَ أنْ رَدُّوا أوْ تَهاوَنُوا ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَحْفَظُ ما يَقُولُونَ وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وكِلْ أمْرَكَ إلَيْهِ وعَلَيْكَ بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ بِقَلْبٍ فَسِيحٍ وصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى اسْتِكْبارِهِمْ ولا مُبالٍ بِسَفَهِهِمْ واسْتِهْزائِه.
هود 11:13
﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ﴿افْتَراهُ﴾ الضَمِيرُ لِما يُوحى إلَيْكَ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ ثُمَّ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ كَما يَقُولُ المُخابِرُ في الخَطِّ لِصاحِبِهِ:اكْتُبْ عَشْرَةَ أسْطُرٍ نَحْوَ ما أكْتُبُ فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ العَجْزُ عَنْ ذَلِكَ قالَ قَدِ اقْتَصَرْتُ مِنكَ عَلى سَطْرٍ واحِدٍ ﴿مِثْلِهِ﴾ في الحُسْنِ والجَزالَةِ، ومَعْنى مِثْلِهِ أمْثالُهُ ذَهابًا إلى مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها لَهُ ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ صِفَةٌ لِعَشْرِ سُوَرٍ، لَمّا قالُوا افْتَرَيْتَ القُرْآنَ واخْتَلَقْتَهُ مِن نَفْسِكَ ولَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ أرْخى مَعَهُمُ العِنانَ وقالَ هَبُوا أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَأْتُوا أنْتُمْ أيْضًا بِكَلامٍ مِثْلِهِ مُخْتَلَقٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللهِ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ مُفْتَرًى.
هود 11:14
﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْـزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: أُنْزِلَ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ وإخَبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْهِ "وَ" اعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ " أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ " وحْدَهُ وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ والإشْراكَ بِهِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وإنَّما جُمِعَ الخِطابُ بَعْدَ إفْرادِهِ وهو قَوْلُهُ "لَكُمْ" "فاعْلَمُوا" بَعْدَ قَوْلِهِ "قُلْ، لِأنَّ الجَمْعَ لِتَعْظِيمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أوْ لِأنَّ (p-٥١)رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ كانُوا يُحَدِّثُونَهم أوْ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ والضَمِيرُ في " لَمْ يَسْتَجِيبُوا" لِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللهِ إلى المُظاهَرَةِ عَلى المُعارَضَةِ لِعِلْمِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ أيْ: بِإذْنِهِ أوْ بِأمْرِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُتَّبِعُونَ لِلْإسْلامِ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، ومَن جَعَلَ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَعْناهُ فاثْبُتُوا عَلى العِلْمِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، وازْدادُوا يَقِينًا عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ،وَعَلى التَوْحِيدِ ومَعْنى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلْصُونَ.
هود 11:15
﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ نُوصِلُ إلَيْهِمْ أُجُورَ أعْمالِهِمْ وافِيةً كامِلَةً مِن غَيْرِ بَخْسٍ في الدُنْيا وهو ما يُرْزَقُونَ فِيها مِنَ الصِحَّةِ والرِزْقِ وهُمُ الكُفّارُ أوِ المُنافِقُونَ.
هود 11:16
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ وحَبِطَ في الآخِرَةِ ما صَنَعُوهُ أوْ صَنِيعُهم أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم ثَوابٌ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهِ الآخِرَةَ إنَّما أرادُوا بِهِ الدُنْيا وقَدْ وفّى إلَيْهِمْ ما أرادُوا ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: كانَ عَمَلُهم في نَفْسِهِ باطِلًا، لِأنَّهُ لَمْ يُعْمَلْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ والعِلْمُ الباطِلُ لا ثَوابَ لَهُ.
هود 11:17
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أمَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: لا يَعْقُبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا يُقارِبُونَهم يَعْنِي أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَبايُنًا بَيِّنًا وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ "كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِّنْ رَبِّهِ" أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللهِ وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ ﴿شاهِدٌ﴾ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وهو القُرْآنُ ﴿مِنهُ﴾ مِنَ اللهِ أوْ مَنِ القُرْآنِ فَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ آنِفًا ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ ومِن قَبْلِ القُرْآنِ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ وهو التَوْراةُ أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ البُرْهانَ أيْضًا مِن قَبْلِ (p-٥٢)القُرْآنِ كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿إمامًا﴾ كِتابًا مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِينِ قُدْوَةً فِيهِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ ونِعْمَةً عَظِيمَةً عَلى المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ وهُما حالانِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿فالنارُ مَوْعِدُهُ﴾ مَصِيرُهُ ومَوْرِدُهُ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ شَكٍّ ﴿مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ المَوْعِدِ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾
هود 11:18
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ يُحْبَسُونَ في المَوْقِفِ وتُعْرَضُ أعْمالُهم ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ويَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الأشْهادُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَبِيِّينَ بِأنَّهُمُ الكَذّابُونَ عَلى اللهِ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ الكاذِبِينَ عَلى رَبِّهِمْ، والأشْهادُ جَمْعُ شاهِدٍ كَأصْحابٍ وصاحِبٍ أوْ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ.
هود 11:19
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يَصْرِفُونَ الناسَ عَنْ دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَصِفُونَها بِالِاعْوِجاجِ وهي مُسْتَقِيمَةٌ أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَعْوَجُّوا بِالِارْتِدادِ ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ هُمُ الثانِيَةُ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ.
هود 11:20
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا﴾ أيْ: ما كانُوا ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بِمُعْجِزِينَ اللهَ في الدُنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ مَن يَتَوَلّاهم فَيَنْصُرُهم مِنهُ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ وهو مِن كَلامِ الأشْهادِ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾، لِأنَّهم (p-٥٣)أضَلُّوا الناسَ عَنْ دِينِ اللهِ، "يُضَعَّفُ" مَكِّيٌّ وشامِيٌّ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ﴾ أيِ اسْتِماعَ الحَقِّ ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ الحَقَّ.
هود 11:21
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللهِ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وبَطَلَ عَنْهم وضاعَ ما اشْتَرَوْهُ وهو ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها.
هود 11:22
﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ بِالصَدِّ والصُدُودِ، وفي لا جَرَمَ أقْوال: أحَدُها: أنَّ "لا" رَدٌّ لِكَلامٍ سابِقٍ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، ومَعْنى "جَرَمَ" كَسَبَ، وفاعِلُهُ مُضْمَرٌ، و"أنَّهم في الآخِرَةِ" في مَحَلِّ النَصْبِ، والتَقْدِيرُ: كَسَبَ قَوْلُهم خُسْرانَهم في الآخِرَةِ، وثانِيها: أنَّ "لا جَرَمَ" كَلِمَتانِ رُكِّبَتا فَصارَ مَعْناهُما حَقًّا و"أنَّ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِأنَّهُ فاعِلٌ لِحَقَّ أيْ: حَقَّ خُسْرانُهم، وثالِثُها: أنَّ مَعْناهُ لا مَحالَةَ.
هود 11:23
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ وانْقَطَعُوا إلى عِبادَتِهِ بِالخُشُوعِ والتَواضُعِ مِنَ "الخَبْتِ" وهي الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
هود 11:24
﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَمِيعِ﴾ شَبَّهَ فَرِيقَ الكافِرِينَ بِالأعْمى والأصَمِّ وفَرِيقَ المُؤْمِنِينَ بِالبَصِيرِ والسَمِيعِ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ ﴿مَثَلا﴾ تَشْبِيهًا وهو نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَنْتَفِعُونَ بِضَرْبِ المَثَلِ.
هود 11:25
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: بِأنِّي والمَعْنى:أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِهَذا الكَلامِ وهو قَوْلُهُ "إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ" (p-٥٤)بِالكَسْرِ فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كَأنَّ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ وبِكَسْرِ الألْفِ شامِيٌّ ونافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
هود 11:26
﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا أوْ بِنَذِيرٍ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وصْفُ اليَوْمِ بِألِيمٍ مِنَ الإسْنادِ المُجازِي لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ.
هود 11:27
﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ يُرِيدُ الأشْرافَ، لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ هَيْبَةً والمَجالِسَ أُبَّهَةً ولِأنَّهم مُلِئُوا بِالأحْلامِ والآراءِ الصائِبَةِ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا أوْ مَلِكًا ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ أخِسّاؤُنا جَمْعُ الأرْذَلِ ﴿بادِيَ﴾ وبِالهَمْزَةِ أبُو عَمْرٍو ﴿الرَأْيِ﴾ وبِغَيْرِ هَمْزٍ أبُو عَمْرٍو أيِ: اتَّبَعُوكَ ظاهِرَ الرَأْيِ أوْ أوَّلَ الرَأْيِ، مِن بَدا يَبْدُو:إذا ظَهَرَ، أوْ بَدَأ يَبْدَأُ: إذا فَعَلَ الشَيْءَ أوَّلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الظَرْفِ، أصْلُهُ:وَقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ أوْ أوَّلِ رَأْيِهِمْ فَحُذِفَ ذَلِكَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ أرادُوا أنَّ اتِّباعَهم لَكَ شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ ولَوْ تَفَكَّرُوا ما اتَّبَعُوكَ وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا فَكانَ الأشْرافُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ كَما تَرى أكْثَرَ المُتَشَبِّهِينَ بِالإسْلامِ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ ويَبْنُونَ عَلَيْهِ إكْرامَهم وإهانَتَهم ولَقَدْ زَلَّ عَنْهم أنَّ التَقَدُّمَ في الدُنْيا لا يُقَرِّبُ أحَدًا مِنَ اللهِ وإنَّما يُبْعِدُهُ ولا يَرْفَعُهُ بَلْ يَضَعُهُ ﴿وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ في مالٍ ورَأْيٍ عَنَوْا نُوحًا وأتْباعَهُ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ أيْ: نُوحًا في الدَعْوَةِ ومُتَّبِعِيهِ في الإجابَةِ والتَصْدِيقِ يَعْنِي تَواطَأْتُمْ عَلى الدَعْوَةِ والإجابَةِ تَسْبِيبًا لِلرِّئاسَةِ (p-٥٥)
هود 11:28
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ بُرْهانٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ وشاهِدٍ مِنهُ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ يَعْنِي النُبُوَّةَ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: أُخْفِيَتْ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ أيْ: أُخْفِيَتْ أيْ: فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمُ البَيِّنَةُ فَلَمْ تَهْدِكم كَما لَوْ عَمِيَ عَلى القَوْمِ دَلِيلُهم في المَفازَةِ بَقُوا بِغَيْرِ هادٍ، وحَقِيقَتُهُ أنَّ الحُجَّةَ كَما جُعِلَتْ بَصِيرَةً ومُبْصِرَةً جُعِلَتْ عَمْياءَ، لِأنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي ولا يَهْدِي غَيْرَهُ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أيِ الرَحْمَةَ ﴿وَأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ لا تُرِيدُونَها، والواوُ دَخَلَتْهُ هُنا تَتِمَّةً لِلْمِيمِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو إسْكانُ المِيمِ ووَجْهُهُ أنَّ الحَرَكَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا خِلْسَةً خَفِيفَةً فَظَنَّها الراوِي سُكُونًا وهو لَحْنٌ، لِأنَّ الحَرَكَةَ الإعْرابِيَّةَ لا يَسُوغُ طَرْحُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ.
هود 11:29
﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ عَلى تَبْلِيغِ الرِسالَةِ، لِأنَّهُ مَدْلُولُ قَوْلِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ ﴿مالا﴾ أجْرًا يَثْقُلُ عَلَيْكم إنْ أدَّيْتُمْ أوْ عَلَيَّ إنْ أبَيْتُمْ ﴿إنْ أجْرِيَ﴾ مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ ﴿أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابٌ لَهم حِينَ سَألُوا طَرْدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ أنَفَةً مِنَ المُجالَسَةِ مَعَهم ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فَيَشْكُونَنِي إلَيْهِ إنْ طَرَدْتُهم ﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ تَتَسافَهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَدَّعُونَهم أراذِلَ أوْ تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم أوْ أنَّهم خَيْرٌ مِنكُمْ.
هود 11:30
﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ مَن يَمْنَعُنِي مِنِ انْتِقامِهِ ﴿إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ (p-٥٦)
هود 11:31
﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ فَأدَّعِي فَضْلًا عَلَيْكم بِالغِنى حَتّى تَجْحَدُوا فَضْلِي بِقَوْلِكم "وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ" ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ حَتّى أطَّلِعَ عَلى ما في نُفُوسِ أتْباعِي وضَمائِرِ قُلُوبِهِمْ وهو مَعْطُوفٌ عَلى "عِنْدِي خَزائِنُ" أيْ: لا أقُولُ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أقُولُ أنا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تَقُولُوا لِي "ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ ولا أحْكُمُ عَلى مَنِ اسْتَرْذَلْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا﴾ في الدُنْيا والآخِرَةِ لِهَوانِهِ عَلَيْهِ مُساعَدَةً لَكم ونُزُولًا عَلى هَواكم ﴿اللهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ مِن صِدْقِ الِاعْتِقادِ وإنَّما عَلَيَّ قَبُولُ ظاهِرِ إقْرارِهِمْ إذْ لا أطَّلِعُ عَلى خَفِيِّ أسْرارِهِمْ ﴿إنِّي إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ إنْ قُلْتُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، والِازْدِراءُ: افْتِعالٌ مِن زَرى عَلَيْهِ إذا عَبّاهُ وأصْلُهُ تَزْتَرِي فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا.
هود 11:32
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ خاصَمْتَنا ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ.
هود 11:33
﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللهُ إنْ شاءَ﴾ أيْ: لَيْسَ الإتْيانُ بِالعَذابِ إلَيَّ وإنَّما هو إلى مَن كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الهَرَبِ مِنهُ.
هود 11:34
﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ هو إعْلامُ مَوْضِعِ الغَيِّ لِيُتَّقى، والرُشْدِ لِيُقْتَفى، و"لَكِنِّيَ"، "إنِّيَ"، "نُصْحِيَ" مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُضِلَّكم، وهَذا شَرْطٌ دَخَلَ عَلى شَرْطٍ فَيَكُونُ الثانِي مُقَدَّمًا في الحُكْمِ لِما عُرِفَ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي (p-٥٧)إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم وهو دَلِيلٌ بَيِّنٌ لَنا في إرادَةِ المَعاصِي ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ فَيَتَصَرَّفُ فِيكم عَلى قَضِيَّةِ إرادَتِهِ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ.
هود 11:35
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ أيْ: إنْ صَحَّ أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عُقُوبَةُ إجْرامِي أيِ افْتِرائِي، يُقالُ: أجْرَمَ الرَجُلُ إذا أذْنَبَ ﴿وَأنا بَرِيءٌ﴾ أيْ: ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وأنا بَرِيءٌ مِنهُ ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ فَلا وجْهَ لِإعْراضِكم ومُعاداتِكُم.
هود 11:36
﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ إقْناطٌ مِن إيمانِهِمْ وأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْإيمانِ حُكْمُ التَجَدُّدِ كَأنَّهُ قالَ إنَّ الَّذِي آمَنَ يُؤْمِنُ في حادِثِ الوَقْتِ وعَلى ذَلِكَ تُخَرَّجُ الزِيادَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ في الإيمانِ بِالقُرْآنِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَلا تَحْزَنْ حُزْنَ بائِسٍ مُسْتَكِينٍ، والِابْتِآسُ: افْتِعالٌ مِنَ البُؤْسِ وهو الحُزْنُ والفَقْرُ، والمَعْنى فَلا تَحْزَنْ بِما فَعَلُوهُ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِن أعْدائِكَ.
هود 11:37
﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيِ اصْنَعْها مَحْفُوظًا وحَقِيقَتُهُ مُلْتَبِسًا بِأعْيُنِنا كَأنَّ لِلَّهِ أعْيُنًا تَكْلَؤُهُ مِن أنْ يَزِيغَ في صَنْعَتِهِ عَنِ الصَوابِ ﴿وَوَحْيِنا﴾ فَإنّا نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ فَأوْحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطَيْرِ ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تَدْعُنِي في شَأْنِ قَوْمِكَ واسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهم بِشَفاعَتِكَ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ وقَدْ قَضى بِهِ وجَفَّ القَلَمُ فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ (p-٥٨)
هود 11:38
﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ مِن عَمَلِهِ السَفِينَةَ وكانَ يَعْمَلُها في بَرِّيَّةٍ في أبْعَدِ مَوْضِعٍ مِنَ الماءِ فَكانُوا يَتَضاحَكُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ لَهُ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ عِنْدَ رُؤْيَةِ الهَلاكِ ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا عِنْدَ رُؤْيَةِ الفُلْكِ، رُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اتَّخَذَ السَفِينَةَ مِن خَشَبِ الساجِ في سَنَتَيْنِ وكانَ طُولُها ثَلَثَمِائَةِ ذِراعٍ أوْ ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا أوْ سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا وجَعَلَ لَها ثَلاثَةَ بُطُونٍ فَحَمَلَ في البَطْنِ الأسْفَلِ الوُحُوشَ والسِباعَ والهَوامَّ وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَوابَّ والأنْعامَ ورَكِبَ نُوحٌ ومَن مَعَهُ في البَطْنِ الأعْلى مَعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الزادِ وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وجَعَلَهُ حاجِزًا بَيْنَ الرِجالِ والنِساءِ.
هود 11:39
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ مَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَعْلَمُونَ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي يَأْتِيهِ ﴿عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ ويَعْنِي بِهِ إيّاهم ويُرِيدُ بِالعَذابِ عَذابَ الدُنْيا وهو الغَرَقُ ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ ويَنْزِلُ عَلَيْهِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ.
هود 11:40
﴿حَتّى﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ أُدْخِلَتْ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الشَرْطِ والجَزاءِ وهي غايَةٌ لِقَوْلِهِ "وَيَصْنَعُ الفُلْكَ " أيْ: وكانَ يَصْنَعُها إلى أنْ جاءَ وقْتُ المَوْعِدِ وما بَيْنَهُما مِنَ الكَلامِ حالٌ مِن "يَصْنَعُ" أيْ: يَصْنَعُها والحالُ أنَّهُ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ، وجَوابُ كُلَّما "سَخِرُوا" و"قالَ" اسْتِئْنافٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ أوْ "قالَ" جَوابٌ و"سَخِرُوا" بَدَلٌ مِن مَرَّ أوْ صِفَةٌ لِمَلَأٌ ﴿إذا جاءَ أمْرُنا﴾ عَذابُنا ﴿وَفارَ التَنُّورُ﴾ هو كِنايَةٌ عَنِ اشْتِدادِ الأمْرِ وصُعُوبَتِهِ وقِيلَ: مَعْناهُ جاشَ الماءُ مِن تَنُّورِ الخُبْزِ وكانَ مِن حَجَرٍ لِحَوّاءَ فَصارَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: (p-٥٩)التَنُّورُ وجْهُ الأرْضِ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ في السَفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿وَأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى اثْنَيْنِ وكَذا ﴿وَمَن آمَنَ﴾ أيْ: واحْمِلْ أهْلَكَ والمُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِهِمْ واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ إنَّهُ مِن أهْلِ النارِ وما سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِذَلِكَ إلّا لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ بِتَقْدِيرِهِ وإرادَتِهِ جَلَّ خالِقُ العِبادِ عَنْ أنْ يَقَعَ في الكَوْنِ خِلافُ ما أرادَ ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ قالَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- " «كانُوا ثَمانِيَةً: نُوحٌ وأهْلُهُ وبَنُوهُ الثَلاثَةُ ونِساؤُهم » " وقِيلَ كانُوا عَشْرَةً خَمْسَةُ رِجالٍ وخَمْسُ نِسْوَةٍ وقِيلَ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رِجالًا ونِساءً، وأوْلادُ نُوحٍ سامَ وحامَ ويافِثَ ونِساؤُهم فالجَمِيعُ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ نِصْفُهم رِجالٌ ونِصْفُهم نِساءٌ.
هود 11:41
﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ "بِسْمِ اللهِ" مُتَّصِلٌ بِـ "ارَكَبُوا" حالًا مِنَ الواوِ أيِ:ارْكَبُوا فِيها مُسَمِّينَ اللهَ أوْ قائِلِينَ بِسْمِ اللهِ وقْتَ إجْرائِها ووَقْتَ إرْسائِها، إمّا لِأنَّ المَجْرى والمُرْسى لِلْوَقْتِ وإمّا لِأنَّهُما مَصْدَرانِ كالإجْراءِ والإرْساءِ حُذِفَ مِنهُما الوَقْتُ المُضافُ كَقَوْلِهِمْ:خُفُوقَ النَجْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومَرْساها" جُمْلَةٌ بِرَأْسِها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِما قَبْلَها وهي مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ يَعْنِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَهم بِالرُكُوبِ ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ مَجْراها ومُرْساها بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أيْ: بِسْمِ اللهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها وكانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ قالَ بِسْمِ اللهِ فَجَرَتْ وإذا أرادَ أنْ تُرْسُوَ قالَ بِسْمِ اللهِ فَرَسَتْ "مَجْرِيها" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن جَرى (p-٦٠)إمّا مَصْدَرٌ أوْ وقْتٌ:حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ، وبِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ أبُو عَمْرٍو والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الراءِ ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لِمَن آمَنَ مِنهم ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ خَلَّصَهُمْ.
هود 11:42
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ" كَأنَّهُ قِيلَ فَرَكِبُوا فِيها يَقُولُونَ بِاسْمِ اللهِ وهي تَجْرِي بِهِمْ أيِ:ُ السَفِينَةُ تَجْرِي وهم فِيها ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ يُرِيدُ مَوْجَ الطُوفانِ وهو جَمْعُ مَوْجَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وهو ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ بِدُخُولِ الرِياحِ الشَدِيدَةِ في خِلالِهِ شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنهُ بِالجَبَلِ في تَراكُمِها وارْتِفاعِها ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كَنْعانَ وقِيلَ يامَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ الصُلْبِيُّ وقِيلَ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ عَنْ أبِيهِ وعَنِ السَفِينَةِ، مَفْعِلٌ مِن عَزَلَهُ عَنْهُ إذا نَحّاهُ وأبْعَدَهُ أوْ في مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أبِيهِ ﴿يا بُنَيَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ عاصِمٌ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِنَ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ مِن قَوْلِكم يا بُنَيّا، غَيْرُهُ بِكَسْرِ الياءِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِن ياءِ الإضافَةِ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ في السَفِينَةِ أيْ: أسْلِمْ وارْكَبْ ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾
هود 11:43
﴿قالَ سَآوِي﴾ ألْجَأُ ﴿إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ يَمْنَعُنِي مِنَ الغَرَقِ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ إلّا الراحِمَ وهو اللهُ تَعالى أوْ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ الطُوفانِ إلّا مَن رَحِمَ اللهُ أيْ: إلّا مَكانَ مَن رَحِمَ اللهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جَعَلَ الجَبَلَ عاصِمًا مِنَ الماءِ قالَ لَهُ لا يَعْصِمُكَ اليَوْمَ مُعْتَصِمٌ قَطُّ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ سِوى مُعْتَصَمٍ واحِدٍ وهو مَكانُ مَن رَحِمَهُمُ اللهُ ونَجّاهم يَعْنِي السَفِينَةَ أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قِيلَ:وَلَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللهُ فَهو المَعْصُومُ كَقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ أوْ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ (p-٦١)﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ فَصارَ أوْ فَكانَ في عِلْمِ اللهِ.
هود 11:44
﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ انْشِفِي وتَشَرَّبِي، والبَلْعُ النَشْفُ ﴿وَيا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أمْسِكِي ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ نَقَصَ، مِن: غاضَهُ إذا نَقَصَهُ وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ وأنْجَزَ ما وعَدَ اللهُ نُوحًا مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ ﴿واسْتَوَتْ﴾ واسْتَقَرَّتِ السَفِينَةُ بَعْدَ أنْ طافَتِ الأرْضَ كُلَّها سِتَّةَ أشْهُرٍ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ وهو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾ أيْ: سُحْقًا لِقَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ غَرِقُوا يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا إذا أرادُوا البُعْدَ البَعِيدَ مِن حَيْثُ الهَلاكُ والمَوْتُ ولِذَلِكَ خُصَّ بِدُعاءِ السُوءِ
والنَظَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أرْبَعِ جِهاتٍ مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ وهو النَظَرُ فِيما فِيها مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وما يَتَّصِلُ بِها فَنَقُولُ إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنى: أرَدْنا أنْ نَرُدَّ ما انْفَجَرَ مِنَ الأرْضِ إلى بَطْنِها فارْتَدَّ وأنْ نَقْطَعَ طُوفانَ السَماءِ فانْقَطَعَ وأنْ نُغِيضَ الماءَ النازِلَ مِنَ السَماءِ فَغِيضَ وأنْ نَقْضِيَ أمْرَ نُوحٍ وهو إنْجازُ ما كُنّا وعَدْناهُ مِن إغْراقِ قَوْمِهِ فَقُضِيَ وأنْ نُسَوِيَّ السَفِينَةَ عَلى الجُودِيِّ فاسْتَوَتْ وأبْقَيْنا الظَلَمَةَ غَرْقى، بُنِيَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِ المُرادِ بِالمَأْمُورِ الَّذِي لا يَتَأتّى مِنهُ - لِكَمالِ هَيْبَتِهِ - العِصْيانُ، وتَشْبِيهُ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ الجَزْمُ النافِذُ في تَكَوُّنِ المَقْصُودِ تَصْوِيرًا لِاقْتِدارِهِ العَظِيمِ وأنَّ السَمَواتِ والأرْضَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ لِإرادَتِهِ فِيها تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا كَأنَّها عُقَلاءُ مُمَيَّزُونَ قَدْ عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وأحاطُوا عِلْمًا بِوُجُوبِ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ والإذْعانِ لِحُكْمِهِ وتَحَتُّمِ بَذْلِ المَجْهُودِ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِ مُرادِهِ ثُمَّ بَنى عَلى تَشْبِيهِ هَذا نَظْمَ الكَلامِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ "وَقِيلَ" عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنِ الإرادَةِ الواقِعِ بِسَبَبِها قَوْلُ القائِلِ، وجَعَلَ قَرِينَةَ المَجازِ الخِطابِ لِلْجَمادِ وهُوَ" يا أرْضُ" و"يا سَماءُ" ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لَهُما يا أرْضُ ويا سَماءُ عَلى سَبِيلِ (p-٦٢)الِاسْتِعارَةِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ ثُمَّ اسْتَعارَ لِغَوْرِ الماءِ في الأرْضِ البَلْعَ الَّذِي هو أعْمالُ الجاذِبَةِ في المَطْعُومِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما وهو الذَهابُ إلى مَقَرٍّ خَفِيٍّ ثُمَّ اسْتَعارَ الماءَ لِلْغِذاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالغِذاءِ لِتَقْوى الأرْضُ بِالماءِ في الإنْباتِ كَتَقَوِّي الآكِلِ بِالطَعامِ ثُمَّ قالَ "ماءَكِ" بِإضافَةِ الماءِ إلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِاتِّصالِ الماءِ بِالأرْضِ كاتِّصالِ المُلْكِ بِالمالِكِ ثُمَّ اخْتارَ لِاحْتِباسِ المَطَرِ الإقْلاعَ الَّذِي هو تَرْكُ الفاعِلِ الفِعْلَ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما في عَدَمِ التَأنِّي ثُمَّ قالَ "وَغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا" ولَمْ يُصَرِّحْ بِمَن أغاضَ الماءَ ولا بِمَن قَضى الأمْرَ وسَوّى السَفِينَةَ وقالَ بُعْدًا كَما لَمْ يُصَرِّحْ بِقائِلِ "يا أرْضُ" و"يا سَماءُ" سُلُوكًا في كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ لِسَبِيلِ الكِنايَةِ وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ وتَكْوِينِ مُكَوَّنٍ قاهِرٍ وأنَّ فاعِلَها واحِدٌ لا يُشارَكُ في فِعْلِهِ فَلا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ "يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي" ولا أنْ يَكُونَ الغائِضُ والقاضِي والمُسَوِّي غَيْرَهُ ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِالتَعْرِيضِ تَنْبِيهًا لِسالِكِي مَسْلَكِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُسُلِ ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ إظْهارًا لِمَكانِ السُخْطِ وأنَّ ذَلِكَ العَذابَ الشَدِيدَ ما كانَ إلّا لِظُلْمِهِمْ
وَمِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي وهو النَظَرُ في فائِدَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ فِيها وجِهَةِ كُلِّ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ فِيما بَيْنَ جُمَلِها وذَلِكَ أنَّهُ اخْتِيرَ "يا" دُونَ أخَواتِها لِكَوْنِها أكْثَرَ اسْتِعْمالًا ولِدِلالَتِها عَلى بُعْدِ المُنادى الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ إظْهارِ العَظْمَةِ والمَلَكُوتِ وإبْداءِ العِزَّةِ والجَبَرُوتِ وهو تَبْعِيدُ المُنادى المُؤْذِنِ بِالتَهاوُنِ بِهِ ولَمْ يَقُلْ يا أرْضِي لِزِيادَةِ التَهاوُنِ إذِ الإضافَةُ تَسْتَدْعِي القُرْبَ ولَمْ يَقُلْ يا أيَّتُها الأرْضُ لِلِاخْتِصارِ واخْتِيرَ لَفْظُ الأرْضِ والسَماءِ لِكَوْنِهِما أخَفَّ وأدَوْرَ واخْتِيرَ "ابْلَعِي" عَلى ابْتَلِعِي لِكَوْنِهِ أخْصَرَ ولِلتَّجانُسِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقْلِعِي، وقِيلَ أقْلِعِي ولَمْ يَقُلْ عَنِ المَطَرِ وكَذا لَمْ يَقُلْ "يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ" فَبَلَعَتْ، "وَيا سَماءُ أقْلِعِي" فَأقْلَعَتِ اخْتِصارًا أوِ اخْتِيرَ غِيضَ عَلى غُيِّضَ وقِيلَ الماءُ دُونَ أنْ يَقُولَ ماءُ الطُوفانِ والأمْرُ ولَمْ يَقُلْ أمْرُ نُوحٍ وقَوْمِهِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ والِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ العَهْدِ عَنْ ذَلِكَ ولَمْ يَقُلْ وسُوِّيَتْ عَلى الجُودِيِّ أيْ: أقَرَّتْ عَلى نَحْوِ قِيلَ وغِيضَ اعْتِبارًا لِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ (p-٦٣)مَعَ السَفِينَةِ في قَوْلِهِ "وَهِيَ تَجْرِي بِهِمُ" إرادَةً لِلْمُطابَقَةِ ثُمَّ قِيلَ "بُعْدًا لِلْقَوْمِ" ولَمْ يَقُلْ: لِيَبْعَدِ القَوْمُ، طَلَبًا لِلتَّأْكِيدِ مَعَ الِاخْتِصارِ هَذا مِن حَيْثُ النَظَرُ إلى تَرْكِيبِ الكَلِمِ وأمّا مِن حَيْثُ النَظَرُ إلى تَرْتِيبِ الجُمَلِ فَذَلِكَ أنَّهُ قَدَّمَ النِداءَ عَلى الأمْرِ فَقِيلَ "يا أرْضُ ابْلَعِي ويا سَماءُ أقْلِعِي" ولَمْ يَقُلِ ابْلَعِي يا أرْضُ وأقْلِعِي يا سَماءُ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى الكَلامِ فِيمَن كانَ مَأْمُورًا حَقِيقَةً مِن تَقْدِيمِ التَنْبِيهِ لِيَتَمَكَّنَ الأمْرُ الوارِدُ عَقِيبَهُ في نَفْسِ المُنادى قَصْدًا بِذَلِكَ لِمَعْنى التَرْشِيحِ ثُمَّ قَدَّمَ الأرْضَ عَلى أمْرِ السَماءِ وابْتَدَأ بِهِ لِابْتِداءِ الطُوفانِ مِنها ثُمَّ أتْبَعَ وغِيضَ الماءُ لِاتِّصالِهِ بِقِصَّةِ الماءِ وأخْذِهِ بِحُجْزَتِها ثُمَّ ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ وهو قَوْلُهُ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أنْجَزَ المَوْعُودَ مِن إهْلاكِ الكَفَرَةِ وإنْجاءِ نُوحٍ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وعَلى هَذا فاعْتَبِرْ
وَمِن جِهَةِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ وهي - كَما تَرى- نَظْمٌ لِلْمَعانِي لَطِيفٌ وتَأْدِيَةٌ لَها مُلَخَّصَةٌ مُبَيَّنَةٌ لا تَعْقِيدَ يَعْثُرُ الفِكْرُ في طَلَبِ المُرادِ ولا التِواءَ يُشِيكُ الطَرِيقَ إلى المُرْتادِ
وَمِن جِهَةِ الفَصاحَةِ اللَفْظِيَّةِ فَألْفاظُها عَلى ما تَرى عَرَبِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ سَلِيمَةٌ عَنِ التَنافُرِ بَعِيدَةٌ عَنِ البَشاعَةِ عَذْبَةٌ عَلى العَذَباتِ سَلِسَةٌ عَلى الأسَلاتِ كُلٌّ مِنها كالماءِ في السَلاسَةِ وكالعَسَلِ في الحَلاوَةِ وكالنَسِيمِ في الرِقَّةِ ومِن ثَمَّ أطْبَقَ المُعانِدُونَ عَلى أنَّ طَوْقَ البَشَرِ قاصِرٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَنْزِيلِ لا يَتَأمَّلُ العالِمُ آيَةً مِن آياتِهِ إلّا أدْرَكَ لَطائِفَ لا تَسَعُ الحَصْرَ ولا تَظُنَنَّ الآيَةَ مَقْصُورَةً عَلى المَذْكُورِ فَلَعَلَّ المَتْرُوكَ أكْثَرُ مِنَ المَسْطُورِ.
هود 11:45
﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ﴾ نِداؤُهُ رَبَّهُ دُعاؤُهُ لَهُ وهو قَوْلُهُ رَبِّ مَعَ ما بَعْدَهُ مِنِ اقْتِضاءِ وعْدِهِ في تَنْجِيَةِ أهْلِهِ ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ أيْ: بَعْضُ أهْلِي، لِأنَّهُ كانَ ابْنَهُ مِن صُلْبِهِ أوْ كانَ رَبِيبًا لَهُ فَهو بَعْضُ أهْلِهِ ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وإنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ فَهو الحَقُّ الثابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنْجِيَ أهْلِي فَما بالُ ولَدِي ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ (p-٦٤)الحاكِمِينَ﴾ أيْ: أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم إذْ لا فَضْلَ لِحاكِمٍ عَلى غَيْرِهِ إلّا بِالعِلْمِ والعَدْلِ، ورُبَّ غَرِيقٍ في الجَهْلِ والجَوْرِ مِن مُتَقَلَّدِي الحُكُومَةِ في زَمانِكَ قَدْ لُقِّبَ أقَضى القُضاةِ ومَعْناهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ فاعْتَبِرْ واسْتَعْبِرْ.
هود 11:46
﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ لِانْتِفاءِ كَوْنِهِ مِن أهْلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ قَرابَةَ الدِينِ غامِرَةٌ لِقَرابَةِ النَسَبِ وأنَّ نَسِيبَكَ في دِينِكَ - وإنْ كانَ حَبَشِيًّا وكُنْتَ قُرَشِيًّا - لَصِيقُكَ، ومَن لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِكَ - وإنْ كانَ أمَسَّ أقارِبِكَ رَحِمًا - فَهو أبْعَدُ بِعِيدٍ مِنكَ، وجُعِلَتْ ذاتُهُ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَقَوْلِها
؎......... ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبال وإدْبارٌ
أوِ التَقْدِيرُ: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ لِصَلاحِهِمْ لا لِأنَّهم أهْلُهُ وهَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُهُ، " عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ":عَلِيٌّ قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ عِنْدَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ ابْنَهُ كانَ عَلى دِينِهِ، لِأنَّهُ كانَ يُنافِقُ، وإلّا لا يُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ ابْنِي مِن أهْلِي ويَسْألَهُ نَجاتَهُ وقَدْ سَبَقَ مِنهُ النَهْيُ عَنْ سُؤالِ مِثْلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] فَكانَ يَسْألُهُ عَلى الظاهِرِ الَّذِي عِنْدَهُ كَما كانَ أهْلُ النِفاقِ يُظْهِرُونَ المُوافَقَةَ لِنَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - ويُضْمِرُونَ الخِلافَ لَهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتّى أطْلَعَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ وعَدْتُ النَجاةَ لَهم وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقِيقَةً في السِرِّ والظاهِرِ "فَلا تَسْألْنِ" اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كُوفِيٌّ، "تَسْألْنِي" بَصْرِيٌّ، "تَسْألْنِيَ" مَدَنِيٌّ، "تَسْألَنِّ" شامِيٌّ، فَحَذَفَ الياءَ واجْتَزَأ بِالكَسْرَةِ والنُونُ نُونُ التَوْكِيدِ، "تَسْألَنَّ" مَكِّيٌّ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بِجَوازِ مَسْألَتِهِ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ (p-٦٥)تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ هو كَما نَهى رَسُولَنا بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]
هود 11:47
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مِن أنْ أطْلُبَ مِنكَ في المُسْتَقْبَلِ مالا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأدُّبًا بِأدَبِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ ﴿وَإلا تَغْفِرْ لِي﴾ ما فَرَطَ مِنِّي ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بِالعِصْمَةِ عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
هود 11:48
﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ بِتَحِيَّةٍ مِنّا أوْ بِسَلامَةٍ مِنَ الغَرَقِ ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ هي الخَيْراتُ النامِيَةُ وهي في حَقِّهِ بِكَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِ وأتْباعِهِ فَقَدْ جُعِلَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وأئِمَّةُ الدِينِ في القُرُونِ الباقِيَةِ مِن نَسْلِهِ ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ مِن لِلْبَيانِ فَتُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَفِينَةِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعاتٍ أوْ قِيلَ لَهم أُمَمٌ، لِأنَّ الأُمَمَ تَتَشَعَّبُ مِنهم أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: عَلى أُمَمٍ ناشِئَةٍ مِن مَعَكَ وهي الأُمَمُ إلى آخِرِ الدَهْرِ وهو الوَجْهُ ﴿وَأُمَمٌ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُنْيا بِالسَعَةِ في الرِزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ، صِفَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ مِمَّنْ مَعَكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ والمَعْنى أنَّ السَلامَ مِنّا والبَرَكاتِ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مُؤْمِنِينَ يَنْشَئُونَ مِمَّنْ مَعَكَ ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ مُمَتَّعُونَ بِالدُنْيا مُنْقَلِبُونَ إلى النارِ، كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ أبا الأنْبِياءِ والخَلْقُ بَعْدَ الطُوفانِ مِنهُ ومِمَّنْ كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ دَخَلَ في ذَلِكَ السَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وفِيما بَعْدَهُ مِنَ المَتاعِ والعَذابِ كُلُّ كافِرٍ.
هود 11:49
(p-٦٦)﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ومَحَلُّها الرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمَلُ بَعْدَها وهي ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ أخْبارٌ أيْ: تِلْكَ القِصَّةُ بَعْضُ أنْباءِ الغَيْبِ مُوحاةً إلَيْكَ مَجْهُولَةً عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ الوَقْتِ أوْ مِن قَبْلِ إيحائِي إلَيْكَ وإخْبارِكَ بِها ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى تَبْلِيغِ الرِسالَةِ وأذى قَوْمِكَ كَما صَبَرَ نُوحٌ، وتَوَقَّعْ في العاقِبَةِ لَكَ ولِمَن كَذَّبَكَ نَحْوَ ما كانَ لِنُوحٍ ولِقَوْمِهِ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ في الفَوْزِ والنَصْرِ والغَلَبَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِرْكِ.
هود 11:50
﴿وَإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ واحِدًا مِنهم وانْتِصابُهُ لِلْعَطْفِ عَلى أرْسَلْنا نُوحًا أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحِّدُوهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بِالرَفْعِ نافِعٌ صِفَةٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، وبِالجَرِّ: عَلِيٌّ، عَلى اللَفْظِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ تَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ.
هود 11:51
﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ما مِن رَسُولٍ إلّا واجَهَ قَوْمَهُ بِهَذا القَوْلِ، لِأنَّ شَأْنَهُمُ النَصِيحَةُ والنَصِيحَةُ لا يَمْحُضُها إلّا حَسْمُ المَطامِعِ وما دامَ يَتَوَهَّمُ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَنْجَحْ ولَمْ تَنْفَعْ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إذْ تَرُدُّونَ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللهِ وهو ثَوابُ الآخِرَةِ ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ.
هود 11:52
﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ آمِنُوا بِهِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿يُرْسِلِ السَماءَ﴾ أيِ المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ حالٌ أيْ: كَثِيرَةَ الدُرُورِ ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ إنَّما قَصَدَ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ (p-٦٧)القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعِ وبَساتِينَ فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ وكانُوا مُدِلِّينَ بِما أُوتُوا مِن شِدَّةِ البَطْشِ والقُوَّةِ وقِيلَ أرادَ القُوَّةَ بِالمالِ أوْ عَلى النِكاحِ وقِيلَ حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ ثَلاثَ سِنِينَ وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ فَوَعَدَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ المَطَرَ والأوْلادَ عَلى الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّهُ وفَدَ عَلى مُعاوِيَةَ فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَهُ بَعْضُ حُجّابِهِ إنِّي رَجُلٌ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لِي عَلِّمْنِي شَيْئًا لَعَلَّ اللهَ يَرْزُقُنِي ولَدًا فَقالَ الحَسَنُ عَلَيْكَ بِالِاسْتِغْفارِ فَكانَ يُكْثِرُ الِاسْتِغْفارَ حَتّى رُبَّما اسْتَغْفَرَ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعَمِائَةِ مَرَّةٍ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاوِيَةَ فَقالَ هَلّا سَألْتَهُ مِمَّ قالَ ذَلِكَ فَوَفَدَ وفْدَةً أُخْرى فَسَألَهُ الرَجُلُ فَقالَ ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ هُودٍ ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ وقَوْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢] ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تُعْرِضُوا عَنِّي وعَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم وآثامِكُمْ.
هود 11:53
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ كَذِبٌ مِنهم وجُحُودٌ كَما قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ٤٠٢ كَقَوْلِهِ: " واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ " "مَعَ فَوْتِ آياتِهِ الحَصْرَ ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ هو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "تارِكِي آلِهَتِنا" كَأنَّهُ قِيلَ وما نَتْرُكُ آلِهَتَنا صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وما يَصِحُّ مِن أمْثالِنا أنْ يُصَدِّقُوا مِثْلَكَ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ إقْناطًا لَهُ مِنَ الإجابَةِ.
هود 11:54
﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ إنْ حَرْفُ نَفْيٍ فَنَفى جَمِيعَ القَوْلِ إلّا قَوْلًا واحِدًا وهو قَوْلُهُمُ "اعْتَراكَ": أصابَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ بِجُنُونٍ وخَبَلٍ وتَقْدِيرُهُ ما نَقُولُ قَوْلًا إلّا هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قَوْلَنا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾
هود 11:55
﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ والمَعْنى:إنِّي أُشْهِدُ اللهَ أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ واشْهَدُوا أنْتُمْ أيْضًا أنِّي بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ وجِيءَ بِهِ (p-٦٨)عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَهادَةِ كَما يَقُولُ الرِجْلُ لِمَن يَبِسَ الثَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ: اشْهَدْ عَلى أنِّي لا أُحِبُّكَ تَهَكُّمًا بِهِ واسْتِهانَةً بِحالِهِ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنْتُمْ وآلِهَتُكم ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ لا تُمْهِلُونِ فَإنِّي لا أُبالِي بِكم وبِكَيْدِكم ولا أخافُ مَعَرَّتَكم وإنْ تَعاوَنْتُمْ عَلَيَّ وكَيْفَ تَضُرُّنِي آلِهَتُكم وما هي إلّا جَمادٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ وكَيْفَ تَنْتَقِمُ مِنِّي إذا نِلْتُ مِنها وصَدَدْتُ عَنْ عِبادَتِها بِأنْ تَخْبُلَنِي وتَذْهَبَ بِعَقْلِي؟
هود 11:56
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ: مالِكُها، لَمّا ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللهِ وثِقَتَهُ بِحِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ مِن كَيْدِهِمْ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ التَوَكُّلَ عَلَيْهِ مِنِ اشْتِمالِ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ ومِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومَلِكَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، والأخْذُ بِالناصِيَةِ تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إنَّ رَبِّي عَلى الحَقِّ لا يَعْدِلُ عَنْهُ أوْ إنَّ رَبِّي يَدُلُّ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
هود 11:57
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ هو في مَوْضِعِ فَقَدْ ثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكم ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: ويُهْلِكُكُمُ اللهُ ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ بِتَوَلِّيكم ﴿شَيْئًا﴾ مِن ضَرَرٍ قَطُّ إذْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ وإنَّما تَضُرُّونَ أنْفُسَكم ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رَقِيبٌ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ فَما تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم أوْ مَن كانَ رَقِيبًا عَلى الأشْياءِ كُلِّها حافِظًا لَها وكانَتِ الأشْياءُ مُفْتَقِرَةً إلى حِفْظِهِ عَنِ المَضارِّ لَمْ يَضُرَّ مِثْلَهُ مِثْلُكُمْ.
هود 11:58
﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ: بِفَضْلٍ مِنّا لا بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالإيمانِ الَّذِي أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ وتَكْرارُ نَجَّيْنا لِلتَّأْكِيدِ أوِ الثانِيَةُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ (p-٦٩)
هود 11:59
﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ سِيحُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وصْفَ أحْوالِهِمْ فَقالَ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، لِأنَّهم إذا عَصَوْا رَسُولَهم فَقَدْ عَصَوْا جَمِيعَ رُسُلِ اللهِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]
هود 11:60
﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] يُرِيدُ رُؤَساءَهم ودُعاتَهم إلى تَكْذِيبِ الرُسُلِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُجْبِرُونَ الناسَ عَلى الأُمُورِ ويُعانِدُونَ رَبَّهم ومَعْنى اتِّباعِ أمْرِهِمْ طاعَتُهم ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهم دُونَ الرُسُلِ جُعِلَتِ اللَعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدارَيْنِ ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ تَكْرارُ "ألا" مَعَ النِداءِ عَلى كُفْرِهِمْ والدُعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِمْ وبَعْثٌ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ، والدُعاءُ بِبُعْدًا بَعْدَ هَلاكِهِمْ - وهو دُعاءٌ بِالهَلاكِ - لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا مُسْتَأْهِلِينَ لَهُ ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ وفِيهِ فائِدَةٌ، لِأنَّ عادًا عادانِ الأُولى القَدِيمَةُ الَّتِي هي قَوْمُ هُودٍ والقِصَّةُ فِيهِمْ والأُخْرى إرَمُ.
هود 11:61
﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ لَمْ يُنْشِئْكم مِنها إلّا هو وإنْشاؤُهم مِنها خَلْقُ آدَمَ مِنَ التُرابِ ثُمَّ خَلْقُهم مِن آدَمَ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ وجَعَلَكم عُمّارَها وأرادَ مِنكم عِمارَتَها أوِ اسْتَعْمَرَكم مِنَ العُمْرِ أيْ: أطالَ أعْمارَكم فِيها وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلَثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ وكانَ مُلُوكُ فارِسَ قَدْ أكْثَرُوا مِن حَفْرِ الأنْهارِ وغَرْسِ الأشْجارِ وعُمِّرُوا الأعْمارَ الطِوالَ مَعَ ما فِيهِمْ مِنَ الظُلْمِ فَسَألَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ زَمانِهِمْ رَبَّهُ عَنْ سَبَبِ تَعْمِيرِهِمْ فَأوْحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهم عَمَّرُوا بِلادِي فَعاشَ فِيها عِبادِي ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ فاسْألُوهُ مَغْفِرَتَهُ بِالإيمانِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ دانِي الرَحْمَةِ ﴿مُجِيبٌ﴾ لِمَن دَعاهُ (p-٧٠)
هود 11:62
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ فِيما بَيْنَنا ﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ لِلسِّيادَةِ والمُشاوَرَةِ في الأُمُورِ أوْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَدْخُلَ في دِينِنا وتُوافِقَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿وَإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَوْحِيدِ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِيبَةِ مِن أرابَهُ إذا أوْقَعَهُ في الرِيبَةِ وهي قَلَقُ النَفْسِ وانْتِفاءُ الطُمَأْنِينَة.
هود 11:63
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً، أتى بِحَرْفِ الشَكِّ مَعَ أنَّهُ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ، لِأنَّ خِطابَهُ لِلْجاحِدِينَ فَكَأنَّهُ قالَ قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وأنَّنِي نَبِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ ومَنعِكم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِقَوْلِكم: "أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا" ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بِنِسْبَتِكم إيّايَ إلى الخَسارِ أوْ بِنِسْبَتِي إيّاكم إلى الخُسْرانِ.
هود 11:64
﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ، قَدْ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ ولَكم مُتَعَلِّقٌ بِآيَةٍ حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَتْ عَلى الحالِ ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكم رِزْقُها مَعَ أنَّ لَكم نَفْعَها ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ عَقْرٍ أوْ نَحْرٍ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجِلٌ.
هود 11:65
﴿فَعَقَرُوها﴾ يَوْمَ الأرْبِعاءِ ﴿فَقالَ﴾ صالِحٌ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ ﴿فِي دارِكُمْ﴾ في بَلَدِكم وتُسَمّى البِلادُ الدِيارَ، لِأنَّهُ يُدارُ فِيها أيْ: يُتَصَرَّفُ أوْ في دارِ الدُنْيا ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ثُمَّ تَهْلَكُونَ فَهَلَكُوا يَوْمَ السَبْتِ (p-٧١)﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ فاتُّسِعَ في الظَرْفِ بِحَذْفِ الحَرْفِ وإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ.
هود 11:66
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٨٢] بِالعَذابِ أوْ عَذابُنا ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ قالَ الشَيْخُ رَحِمَهُ اللهُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَجى إنَّما نَجى بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى لا بِعَمَلِهِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ:" «لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللهِ" »﴿وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ وانْجِرارِ اليَوْمِ بِالإضافَةِ وبِفَتْحِها مَدَنِيٌّ وعَلِيٌّ، لِأنَّهُ مُضافٌ إلى إذْ وهو مَبْنِيٌّ وظُرُوفُ الزَمانِ إذا أُضِيفَتْ إلى الأسْماءِ المُبْهَمَةِ والأفْعالِ الماضِيَةِ بُنِيَتْ واكْتَسَبَتِ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ
؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا
والواوُ لِلْعَطْفِ وتَقْدِيرُهُ: "وَ" نَجَّيْناهم "مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أيْ: مِن ذُلِّهِ وفَضِيحَتِهِ ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن خِزْيِ مَن كانَ هَلاكُهُ بِغَضَبِ اللهِ وانْتِقامِهِ، وجازَ أنْ يُرِيدَ بِيَوْمِئِذٍ يَوْمَ القِيامَةِ كَما فُسِّرَ العَذابُ الغَلِيظُ بِعَذابِ الآخِرَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ﴾ القادِرُ عَلى تَنْجِيَةِ أوْلِيائِهِ ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ بِإهْلاكِ أعْدائِهِ.
هود 11:67
﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ﴾ مَنازِلِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ مَيِّتِينَ (p-٧٢)
هود 11:68
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ لَمْ يُقِيمُوا فِيها " ألّا أنَّ ثَمُودًا كَفرُواْ رَبَّهم "" ثَمُودَ" حَمْزَةُ وحَفْصٌ ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ "لِثَمُودٍ " فالصَرْفُ لِلذَّهابِ إلى الحَيِّ أوِ الأبِ الأكْبَرِ ومَنعُهُ لِلتَّعْرِيفِ والتَأْنِيثِ بِمَعْنى القَبِيلَةِ.
هود 11:69
﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ أوْ جِبْرِيلُ مَعَ أحَدَ عَشَرَ مَلَكًا ﴿إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ هي البِشارَةُ بِالوَلَدِ أوْ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أمْرُكم سَلامٌ، "سِلْمٌ" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، بِمَعْنى السَلامِ ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ﴾ فَما لَبِثَ في المَجِيءِ بِهِ بَلْ عَجَّلَ فِيهِ أوْ فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ وكانَ مالُ إبْراهِيمَ البَقَرَ ﴿حَنِيذٍ﴾ مَشْوِيٍّ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ.
هود 11:70
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ نَكِرَ وأنْكَرَ بِمَعْنًى وكانَتْ عادَتُهم أنَّهُ إذا مَسَّ مَن يَطْرُقُهم طَعامَهم أمِنُوهُ وإلّا خافُوهُ والظاهِرُ أنَّهُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ونَكِرَهم، لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ أيْ: أضْمَرَ مِنهم خَوْفًا ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بِالعَذابِ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيمَ أُرْسِلُوا؟ وإنَّما قالُوا لا تَخَفْ، لِأنَّهم رَأوْا أثَرَ الخَوْفِ والتَغَيُّرِ في وجْهِهِ.
هود 11:71
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وراءَ السِتْرِ تَسْمَعُ تَحاوُرَهم أوْ عَلى رُءُوسِهِمْ تَخْدِمُهم ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الخَبائِثِ أوْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ مَعَ قُرْبِ العَذابِ أوْ فَحاضَتْ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ وخُصَّتْ بِالبِشارَةِ، لِأنَّ النِساءَ أعْظَمُ سُرُورًا بِالوَلَدِ مِنَ الرِجالِ ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ وكانَ لِإبْراهِيمَ ولَدٌ وهو إسْماعِيلُ ﴿وَمِن وراءِ إسْحاقَ﴾ ومِن بَعْدِهِ ﴿يَعْقُوبَ﴾ بِالنَصْبِ شامِيٌّ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ أيْ: " ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ (p-٧٣)أيْ: فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ووَهَبْنا لَها يَعْقُوبَ مِن وراءِ إسْحَقَ، وبِالرَفْعِ غَيْرُهم عَلى الِابْتِداءِ والظَرْفُ قَبْلَهُ خَبَرٌ كَما تَقُولُ في الدارِ زَيْدٌ.
هود 11:72
﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ الألِفُ مُبْدَلَةٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ "يا ويْلَتِي" بِالياءِ عَلى الأصْلِ ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ سَنَةً ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، هَذا مُبْتَدَأٌ وبَعْلِي خَبَرُهُ و"شَيْخًا" حالٌ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ذا أوْ مَعْنى التَنْبِيهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذا ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أنْ يُولَدَ ولَدٌ مِن هَرَمَيْنِ وهو اسْتِبْعادٌ مِن حَيْثُ العادَةُ.
هود 11:73
﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ﴾ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وإنَّما أنْكَرَتِ المَلائِكَةُ تَعَجُّبَها، لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَقَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِساءِ الناشِئاتِ في غَيْرِ بَيْتِ النُبُوَّةِ وأنْ تُسَبِّحَ اللهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَعَجُّبِ وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ حَيْثُ قالُوا ﴿رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم بِهِ رَبُّ العِزَّةِ ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُبُوَّةِ فَلَيْسَتْ بِمَكانٍ عَجِيبٍ، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ:إيّاكِ والتَعَجُّبَ، لِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكم، وقِيلَ: الرَحْمَةُ: النُبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهم وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، وأهْلَ البَيْتِ نَصْبٌ عَلى النِداءِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ مَحْمُودٌ بِتَعْجِيلِ النِعَمِ ﴿مَجِيدٌ﴾ ظاهِرُ الكَرَمِ بِتَأْجِيلِ النِقَمِ.
هود 11:74
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَوْعُ﴾ الفَزَعُ وهو ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى﴾ بِالوَلَدِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: لَمّا اطْمَأنَّ قَلْبُهُ (p-٧٤)بَعْدَ الخَوْفِ ومُلِئَ سُرُورًا بِسَبَبِ البُشْرى فَزِعَ لِلْمُجادِلَةِ وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أقْبَلَ يُجادِلُنا، أوْ يُجادِلُنا جَوابُ لَمّا وإنَّما جِيءَ بِهِ مُضارِعًا لِحِكايَةِ الحالِ، والمَعْنى يُجادِلُ رُسُلَنا، ومُجادَلَتُهُ إيّاهم أنَّهم قالُوا ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] فَقالَ أرَأيْتُمْ لَوْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مُؤْمِنًا أتُهْلِكُونَها قالُوا لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ، قالُوا لا، قالَ: فَثَلاثُونَ، قالُوا لا حَتّى بَلَغَ العَشْرَةَ قالُوا لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ واحِدٌ مُسْلِمٌ أتُهْلِكُونَها قالُوا لا فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]
هود 11:75
﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى كُلِّ مَن أساءَ إلَيْهِ أوْ كَثِيرُ الِاحْتِمالِ مِمَّنْ آذاهُ صَفُوحٌ عَمَّنْ عَصاهُ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَأوُّهِ مِن خَوْفِ اللهِ ﴿مُنِيبٌ﴾ تائِبٌ راجِعٌ إلى اللهِ وهَذِهِ الصِفاتُ دالَّةٌ عَلى رِقَّةِ القَلْبِ والرَأْفَةِ والرَحْمَةِ، فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا حَمَلَهُ عَلى المُجادَلَةِ فِيهِمْ رَجاءَ أنْ يُرْفَعَ عَنْهُمُ العَذابُ ويُمْهَلُوا لَعَلَّهم يُحْدِثُونَ التَوْبَةَ كَما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ.
هود 11:76
فَقالَتِ المَلائِكَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ وإنْ كانَتِ الرَحْمَةُ دَيْدَنَكَ ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ قَضاؤُهُ وحُكْمُهُ ﴿وَإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا يُرَدُّ بِجِدالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، "عَذابٌ" مُرْتَفِعٌ بِاسْمِ الفاعِلِ وهو آتِيهِمْ تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّهم يَأْتِيهِمْ" ثُمَّ خَرَجُوا مِن عِنْدِإبْراهِيمَ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ قَوْمِ لُوطٍ وكانَ بَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ وقَوْمِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ.
هود 11:77
﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ أتَوْهُ ورَأى هَيْئاتِهِمْ وجَمالَهم ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أُحْزِنَ، لِأنَّهُ حَسِبَ أنَّهم إنْسٌ فَخافَ عَلَيْهِمْ خُبْثَ قَوْمِهِ وأنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ ومُدافَعَتِهِمْ ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تَمْيِيزٌ أيْ: وضاقَ بِمَكانِهِمْ صَدْرُهُ ﴿وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ (p-٧٥)رُوِيَ:أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهم لا تُهْلِكُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ فَلَمّا مَشى مَعَهم مُنْطَلِقًا بِهِمْ إلى مَنزِلِهِ قالَ لَهم أما بَلَغَكم أمْرُ هَذِهِ القَرْيَةِ قالُوا وما أمْرُهم قالَ أشْهَدُ بِاللهِ إنَّها لَشَرُّ قَرْيَةٍ في الأرْضِ عَمَلًا قالَ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنزِلَهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْ بِهِمْ قَوْمَها.
هود 11:78
﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ يُسْرِعُونَ كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا ﴿وَمِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ﴾ ومِن قَبْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَعْمَلُونَ الفَواحِشَ حَتّى مُرِّنُوا عَلَيْها وقَلَّ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها فَلِذَلِكَ جاءُوا يُهْرَعُونَ مُجاهِرِينَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ، أرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهُ بِبَناتِهِ، وذَلِكَ غايَةُ الكَرَمِ وكانَ تَزْوِيجُ المُسْلِماتِ مِنَ الكُفّارِ جائِزًا في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما جازَ في الِابْتِداءِ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقَدْ زَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنَتَيْهِ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ وأبِي العاصِ وهُما كافِرانِ، وقِيلَ كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ لُوطٌ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أحَلُّ، "هَؤُلاءِ" مُبْتَدَأٌ و"بَناتِي" عَطْفُ بَيانٍ و"هُنَّ" فَصْلٌ، و"أطْهَرُ" خَبَرُ المُبْتَدَإ، أوْ "بَناتِي" خَبَرٌ، "هُنَّ أطْهَرُ" مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ بِإيثارِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ ولا تُهِينُونِي ولا تَفْضَحُونِي مِنَ الخِزْيِ أوْ ولا تُخْجِلُونِي مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ، وبِالياءِ: أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ في حَقِّ ضُيُوفِي فَإنَّهُ إذا خَزِيَ ضَيْفُ الرَجُلِ أوْ جارُهُ فَقَدْ خَزِيَ الرَجُلُ وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ وأصالَةِ المُرُوءَةِ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أيْ: رَجُلٌ واحِدٌ يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ الحَقِّ وفِعْلِ الجَمِيلِ والكَفِّ عَنِ السُوءِ.
هود 11:79
﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾
حاجَةٌ، لِأنَّ نِكاحَ الإناثِ أمْرٌ خارِجٌ عَنْ مَذْهَبِنا، فَمَذْهَبُنا إتْيانُ الذُكْرانِ ﴿وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ عَنَوْا إتْيانَ الذُكُورِ وما لَهم فِيهِ مِنَ الشَهْوَةِ (p-٧٦)
هود 11:80
﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: لَفَعَلْتُ بِكم ولَصَنَعْتُ، والمَعْنى: لَوْ قَوِيتُ عَلَيْكم بِنَفْسِي أوْ أوَيْتُ إلى قَوِيٍّ أسْتَنِدُ إلَيْهِ وأتَمَنَّعُ بِهِ فَيَحْمِينِي مِنكم فَشَبَّهَ القَوِيَّ العَزِيزَ بِالرُكْنِ مِنَ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنعَتِهِ، رُوِيَ أنَّهُ أغْلَقَ بابَهُ حِينَ جاءُوا وجَعَلَ يُرادُّهم كَما حَكى اللهُ عَنْهُ ويُجادِلُهم فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما لَقِيَ لُوطٌ مِنَ الكَرْبِ.
هود 11:81
﴿قالُوا يا لُوطُ﴾ إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهم، فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا فاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ في عُقُوبَتِهِمْ فَأذِنَ لَهُ فَضَرَبَ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم فَأعْماهم كَما قالَ اللهُ تَعالى ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] فَصارُوا لا يَعْرِفُونَ الطَرِيقَ فَخَرَجُوا وهم يَقُولُونَ: النَجاءَ، إنَّ في بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا سَحَرَةً ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، لِأنَّهم إذا كانُوا رُسُلَ اللهِ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ ﴿فَأسْرِ﴾ بِالوَصْلِ حِجازِيٌّ مِن سَرى ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ﴾ طائِفَةٍ مِنهُ أوْ نَصِفِهِ ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ بِقَلْبِهِ إلى ما خَلَّفَ أوْ لا يَنْظُرُ إلى ما وراءَهُ أوْ لا يَتَخَلَّفُ مِنكم أحَدٌ ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ مُسْتَثْنًى مِن " ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ وبِالرَفْعِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو عَلى البَدَلِ مِن " أحَدٌ"، وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ، رُوِيَ:أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأمَرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ يا قَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها، ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يُخَلِّفَها مَعَ قَوْمِها فَإنَّ هَواها إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسِرْ بِها واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِوايَتَيْنِ ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ أيْ: إنَّ الأمْرَ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهم مَتى مَوْعِدُ هَلاكِهِمْ قالُوا ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ﴾ فَقالَ (p-٧٧)أُرِيدُ أسْرَعَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا ﴿ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ﴾
هود 11:82
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ جَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ جَناحَهُ في أسْفَلِها أيْ: أسْفَلِ قُراها ثُمَّ رَفَعَها إلى السَماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِيَكَةِ ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ وأُتْبِعُوا الحِجارَةَ مِن فَوْقِهِمْ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ هي كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِن "سِنِّكِ كَلِّ" بِدَلِيلِ قَوْلِهِ "حِجارَةً مِن طِينٍ" ﴿مَنضُودٍ﴾ نَعْتٌ لِسِجِّيلٍ أيْ: مُتَتابِعٍ أوْ مَجْمُوعٍ مُعَدٍّ لِلْعَذابِ.
هود 11:83
﴿مُسَوَّمَةً﴾ نَعْتٌ لِحِجارَةٍ أيْ: مُعَلَّمَةٍ لِلْعَذابِ قِيلَ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ واحِدٍ اسْمُ مَن يُرْمى بِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ أوْ في حُكْمِهِ ﴿وَما هي مِنَ الظالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ وفِيهِ وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَعْنِي ظالِمِي أمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعَرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ أوِ الضَمِيرُ لِلْقُرى أيْ: هي قَرِيبَةٌ مِن ظالِمِي مَكَّةَ يَمُرُّونَ بِها في مَسايِرِهِمْ.
هود 11:84
﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ هو اسْمُ مَدِينَتِهِمْ أوِ اسْمُ جَدِّهِمْ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ أيْ: وأرْسَلْنا شُعَيْبًا إلى ساكِنِي مَدْيَنَ أوْ إلى بَنِي مَدْيَنَ ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ﴾ أيِ المَكِيلَ بِالمِكْيالِ ﴿والمِيزانَ﴾ والمَوْزُونَ بِالمِيزانِ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ بِثَرْوَةٍ وسَعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ التَطْفِيفِ أوْ أراكم بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ حَقُّها أنْ تُقابَلَ بِغَيْرِ ما تَفْعَلُونَ ﴿وَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ مُهْلِكٍ مِن قَوْلِهِ " وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ والمُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُنْيا أوْ عَذابُ الآخِرَةِ (p-٧٨)
هود 11:85
﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أتِمُّوهُما ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ نُهُوا أوَّلًا عَنْ عَيْنِ القَبِيحِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ مِن نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ ثُمَّ ورَدَ الأمْرُ بِالإيفاءِ الَّذِي هو حَسَنٌ في العُقُولِ لِزِيادَةِ التَرْغِيبِ فِيهِ وجِيءَ بِهِ مُقَيَّدًا بِالقِسْطِ أيْ: لِيَكُنِ الإيفاءُ عَلى وجْهِ العَدْلِ والتَسْوِيَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ﴿وَلا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَقْصُ كانُوا يَنْقُصُونَ مِن أثْمانِ ما يَشْتَرُونَ مِنَ الأشْياءِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العُثِيُّ والعَيْثُ: أشَدُّ الفَسادِ نَحْوُ السَرِقَةِ والغارَةِ وقَطْعِ السَبِيلِ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ البَخْسُ والتَطْفِيفُ عَيْثًا مِنهم في الأرْضِ.
هود 11:86
﴿بَقِيَّتُ اللهِ﴾ ما يَبْقى لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ التَنَزُّهِ عَمّا هو حَرامٌ عَلَيْكم ﴿خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا. نَعَمْ، بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لِلْكَفَرَةِ أيْضًا، لِأنَّهم يَسْلَمُونَ مَعَها مِن تَبِعَةِ البَخْسِ والتَطْفِيفِ إلّا أنَّ فائِدَتَها تَظْهَرُ مَعَ الإيمانِ مِن حُصُولِ الثَوابِ مَعَ النَجاةِ مِنَ العِقابِ وتَظْهَرُ مَعَ عَدَمِهِ لِانْغِماسِ صاحِبِها في غَمَراتِ الكُفْرِ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْإيمانِ وتَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ شَأْنِهِ أوِ المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي فِيما أقُولُ لَكم وأنْصَحُ بِهِ إيّاكم ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ لِنِعَمِهِ عَلَيْكم فاحْفَظُوها بِتَرْكِ البَخْسِ.
هود 11:87
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ﴾ وبِالتَوْحِيدِ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ كانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ كَثِيرَ الصَلَواتِ وكانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ لَهُ:ما تَسْتَفِيدُ بِهَذا؟ فَكانَ يَقُولُ إنَّها تَأْمُرُ بِالمَحاسِنِ وتَنْهى عَنِ القَبائِحِ فَقالُوا عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ "أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ" أنْ تَأْمُرَنا بِتَرْكِ عِبادَةِ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَتْرُكَ التَبَسُّطَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِن إيفاءٍ ونَقْصٍ وجازَ أنْ تَكُونَ الصَلَواتُ آمِرَةً مَجازًا كَما سَمّاها اللهُ تَعالى ناهِيَةً مَجازًا ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ أيِ السَفِيهُ الضالُّ، وهَذِهِ (p-٧٩)تَسْمِيَةٌ عَلى القَلْبِ اسْتِهْزاءً، أوْ إنَّكَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ عِنْدَنا ولَسْتَ تَفْعَلُ بِنا ما يَقْتَضِيهِ حالُكَ.
هود 11:88
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ مِن لَدُنْهُ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي النُبُوَّةَ والرِسالَةَ أوْ مالًا حَلالًا مِن غَيْرِ بَخْسٍ وتَطْفِيفٍ، وجَوابُ أرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي؟ والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا: إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وأرادَ وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ يَعْنِي أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لِأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم ﴿إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ﴾ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِمَوْعِظَتِي ونَصِيحَتِي وأمْرِي بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ ظَرْفٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلصَّلاحِ ومادُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ﴾ وما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما آتِي وأذَرُ إلّا بِمَعُونَتِهِ وتَأْيِيدِهِ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتَمَدْتُ ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرْجِعُ في السَرّاءِ والضَراءِ.
هود 11:89
جَرَمَ مِثْلُ كَسَبَ في تَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وإلى مَفْعُولَيْنِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أيْ: لا يُكْسِبَنَّكم خِلافِي إصابَةَ العَذابِ ﴿مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ وهو الغَرَقُ والرِيحُ والرَجْفَةُ ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في الزَمانِ فَهم أقْرَبُ الهالِكِينَ مِنكم أوْ في المَكانِ فَمَنازِلُهم قَرِيبَةٌ مِنكم أوْ فِيما يَسْتَحِقُّ بِهِ الهَلاكَ وهو الكُفْرُ والمَساوِئُ، وسُوِّيَ فِي: قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وقَلِيلٍ وكَثِيرٍ بَيْنَ المُذَكَّرِ (p-٨٠)والمُؤَنَّثِ لِوُرُودِها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي هي: الصَهِيلُ والنَهِيقُ ونَحْوُهُما.
هود 11:90
﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لِأهْلِ الجَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿وَدُودٌ﴾ يُحِبُّ أهْلَ الوَفاءِ مِنَ الصالِحِينَ.
هود 11:91
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ أيْ: لا نَفْهَمُ صِحَّةَ ما تَقُولُ وإلّا فَكَيْفَ لا يُفْهَمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ؟ ﴿وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنّا إنْ أرَدْنا بِكَ مَكْرُوهًا ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ ولَوْلا عَشِيرَتُكَ لَقَتَلْناكَ بِالرَجْمِ وهو شَرُّ قِتْلَةٍ وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ والإكْرامَ لَهم ﴿وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: لا تَعِزُّ عَلَيْنا ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَجْمِ وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكَ، لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا ولِذَلِكَ.
هود 11:92
﴿قالَ﴾ في جَوابِهِمْ ﴿يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ﴾ ولَوْ قِيلَ:وَما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ وإنَّما قالَ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ، الكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، لِأنَّ تَهاوُنَهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللهِ تَهاوُنٌ بِاللهِ وحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ، والظِهْرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى الظَهْرِ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَسَبِ كَقَوْلِهِمْ في النِسْبَةِ إلى الأمْسِ إمْسِيٌّ ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قَدْ أحاطَ بِأعْمالِكم عِلْمًا فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
هود 11:93
﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ هي بِمَعْنى المَكانِ يُقالُ:مَكانٌ (p-٨١)وَمَكانَةٌ ومَقامٌ ومَقامَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ مِن مَكُنَ فَهو مَكِينٌ إذا تَمَكَّنَ مِنَ الشَيْءِ يَعْنِي اعْمَلُوا قارِّينَ عَلى جِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِرْكِ والشَنَآنِ لِي أوِ اعْمَلُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن عَداوَتِي مُطْبِقِينَ لَها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى حَسَبِ ما يُؤْتِينِي اللهُ مِنَ النُصْرَةِ والتَأْيِيدِ ويُمْكِنُنِي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ "مَن" اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنْ عَمَلِهِ فِيها كَأنَّهُ قِيلَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ "يُخْزِيهِ" أيْ: يَفْضَحُهُ، وأيُّنا هو كاذِبٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ قَدْ عَمِلَ فِيها كَأنَّهُ قِيلَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ الشَقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ في زَعْمِكم ودَعَوْاكم، وإدْخالُ الفاءِ في "سَوْفَ" وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ وُضِعَ لِلْوَصْلِ ونَزْعُها وصْلٌ تَقْدِيرِيٌّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا وعَمِلْتَ أنْتَ فَقالَ" سَوْفَ تَعْلَمُونَ" والإتْيانُ بِالوَجْهَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ في البَلاغَةِ وأبْلُغُهُما الِاسْتِئْنافُ ﴿وارْتَقِبُوا﴾ وانْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ مُنْتَظِرٌ، والرَقِيبُ بِمَعْنى الراقِبِ مِن رَقَبَهُ كالضَرِيبِ بِمَعْنى الضارِبِ أوْ بِمَعْنى المُراقِبِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ أوْ بِمَعْنى المُرْتَقِبِ كالرَفِيعِ بِمَعْنى المُرْتَفِعِ.
هود 11:94
﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ فَهَلَكُوا وإنَّما ذُكِرَ في آخِرِ قِصَّةِ عادٍ ومَدْيَنَ "وَلَمّا جاءَ" وفي آخِرِ قِصَّةِ ثَمُودَ ولُوطٍ "فَلَمّا جاءَ"، لِأنَّهُما وقَعا بَعْدَ ذِكْرِ المَوْعِدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ "إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ" ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَجِيءَ بِالفاءِ الَّذِي هو لِلتَّسْبِيبِ كَقَوْلِكَ وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَقَدْ وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ فَكانَ (p-٨٢)حَقُّهُما أنْ تُعْطَفا بِحِرَفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَها ما قَبْلَها كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الجاثِمُ اللازِمُ لِمَكانِهِ لا يَرِيمُ يَعْنِي أنَّ جِبْرِيلَ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَزَهِقَ رُوحُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِحَيْثُ هو بَغْتَةً.
هود 11:95
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ البُعْدُ بِمَعْنى البَعَدِ وهو الهَلاكُ كالرُشْدِ بِمَعْنى الرَشَدِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وقُرِئَ "كَما بَعُدَتْ" والمَعْنى في البِناءَيْنِ واحِدٌ وهو نَقِيضُ القُرْبِ إلّا أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَغَيَّرُوا البِناءَ كَما فَرَّقُوا بَيْنَ ضَمانَيِ الخَيْرِ والشَرِّ فَقالُوا وعَدَ وأوْعَدَ.
هود 11:96
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ المُرادُ بِهِ العَصا، لِأنَّها أبْهَرَها.
هود 11:97
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أيِ المَلَأُ ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ هو تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ تابَعُوهُ إلى أمْرِهِ وهو ضَلالٌ مُبِينٌ وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الأُلُوهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم وجاهِزٌ بِالظُلْمِ والشَرِّ الَّذِي لا يَأْتِي إلّا مِن شَيْطانٍ ومِثْلُهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ وفِيهِ أنَّهم عايَنُوا الآياتِ والسُلْطانَ المُبِينَ وعَلِمُوا أنَّ مَعَ مُوسى الرُشْدَ والحَقَّ ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في أمْرِهِ رُشْدٌ قَطُّ أوِ المُرادُ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ ويَكُونُ قَوْلُهُ.
هود 11:98
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَتَقَدَّمُهم وهم عَلى عَقِبِهِ تَفْسِيرًا لَهُ وإيضاحًا أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ والرُشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى كَما اسْتُعْمِلَ الغَيُّ في كُلِّ ما يُذَمُّ ويُقالُ قَدِمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ ﴿فَأوْرَدَهُمُ النارَ﴾ أدْخَلَهم وجِيءَ بِلَفْظِ الماضِي، لِأنَّ الماضِيَ يَدُلُّ عَلى أمْرٍ مَوْجُودٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ يَقْدُمُهم فَيُورِدُهُمُ النارَ لا مَحالَةَ يَعْنِي كَما (p-٨٣)كانَ قُدْوَةً لَهم في الضَلالِ كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النارِ وهم يَتْبَعُونَهُ ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ﴾ المَوْرِدُ و﴿المَوْرُودُ﴾ الَّذِي ورَدَهُ شُبِّهَ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ وشُبِّهَ أتْباعُهُ بِالوارِدَةِ ثُمَّ قالَ "وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ" الَّذِي يَرِدُونَهُ: النارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ والنارُ ضِدُّهُ.
هود 11:99
﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أيِ الدُنْيا ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ في الدُنْيا ويُلْعَنُونَ في الآخِرَةِ ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ رِفْدُهم أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ أوْ بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى.
هود 11:100
﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ خَبَرٌ ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أيْ: ذَلِكَ النَبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى المُهْلَكَةِ مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ ﴿مِنها﴾ مِنَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
هود 11:101
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِإهْلاكِنا إيّاهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ﴾ فَما قَدَرَتْ أنْ تَرُدَّ عَنْهم بَأْسَ اللهِ ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدُونَ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ عَذابُهُ، ولَمّا مَنصُوبٌ بِـ "ما أغْنَتْ" ﴿وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تَخْسِيرٍ يُقالُ تَبَّ إذا خَسِرَ وتَبَّبَهُ غَيْرُهُ: إذا أوْقَعَهُ في الخُسْرانِ يَعْنِي وما أفادَتْهم عِبادَةُ غَيْرِ اللهِ شَيْئًا بَلْ أهْلَكَتْهُمْ.
هود 11:102
﴿وَكَذَلِكَ﴾ مَحَلُّ الكافِ الرَفْعُ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالٌ مِنَ القُرى ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ مُؤْلِمٌ شَدِيدٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ وهَذا تَحْذِيرٌ لِكُلِّ قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِها فَعَلى كُلِّ ظالِمٍ أنْ يُبادِرَ التَوْبَةَ ولا يَغْتَرَّ بِالإمْهالِ (p-٨٤)
هود 11:103
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما قَصَّ اللهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الهالِكَةِ ﴿لآيَةً﴾ لِعِبْرَةً ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ أيِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ ووُجُودَهُ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ﴾ هو مَرْفُوعٌ بِـ "مَجْمُوعٌ" كَما يَرْفَعُ فِعْلُهُ إذا قُلْتَ: يُجْمَعُ لَهُ الناسُ، وإنَّما آثَرَ اسْمَ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دَلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ وأنَّهُ أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى الناسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ يُجْمَعُونَ لِلْحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: مَشْهُودٌ فِيهِ فاتُّسِعَ في الظَرْفِ بِإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ أيْ: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ.
هود 11:104
﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمَ المَذْكُورَ. الأجَلُ: يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ التَأْجِيلِ كُلِّها وعَلى مُنْتَهاها والعَدُّ إنَّما هو لِلْمُدَّةِ لا لِغايَتِها ومُنْتَهاها فَمَعْنى قَوْلِهِ وما نُؤَخِّرُهُ ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ إلّا لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ مَعْدُودَةٍ بِحَذْفِ المُضافِ أوْ ما نُؤَخِّرُ هَذا اليَوْمَ إلّا لِتَنْتَهِيَ المُدَّةُ الَّتِي ضَرَبْناها لِبَقاءِ الدُنْيا.
هود 11:105
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ وبِالياءِ: مَكِّيٌّ وافَقَهُ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وعَلِيٌّ في الوَصْلِ، وإثْباتُ الياءِ هو الأصْلُ إذْ لا عِلَّةَ تُوجِبُ حَذْفَها، وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، ونَظِيرُهُ ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] وفاعِلُ يَأْتِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ " يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ " لا اليَوْمُ المُضافُ إلى يَأْتِ، و" يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أيْ: لا تَتَكَلَّمُ ﴿نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: لا يَشْفَعُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِ اللهِ "مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ" ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضَمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ لِدَلالَةِ "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ" عَلَيْهِ وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ الناسِ في قَوْلِهِ ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ﴾ [هود: ١٠٣] ﴿شَقِيٌّ﴾ مُعَذَّبٌ ﴿وَسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِنهم سَعِيدٌ أيْ: مُنَعَّمٌ.
هود 11:106
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ هو أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ ﴿وَشَهِيقٌ﴾ هو آخِرُهُ أوْ هُما إخْراجُ النَفْسِ ورَدُّهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ (p-٨٥)الحالِ والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في النارِ.
هود 11:107
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ السَمَواتِ والأرْضِ والمُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها وهي دائِمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ والدَلِيلُ عَلى أنَّ لَها سَمَواتٍ وأرْضًا قَوْلُهُ " ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقِيلَ مادامَتْ فَوْقَ وتَحْتَ، ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إمّا سَماءٌ أوْ عَرْشٌ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ أوْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَأْبِيدِ ونَفْيُ الِانْقِطاعِ كَقَوْلِ العَرَبِ: ما لاحَ كَوْكَبٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن كَلِماتِ التَأْبِيدِ ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النارِ وذَلِكَ، لِأنَّ أهْلَ النارِ لا يُخَلَّدُونَ في عَذابِ النارِ وحْدَهُ بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَمْهَرِيرِ وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ سِوى عَذابِ النارِ أوْ "ما شاءَ" بِمَعْنى مَن شاءَ وهم قَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُقالُ لَهُمُ: الجَهَنَّمِيُّونَ، وهُمُ المُسْتَثْنَوْنَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا لِمُفارَقَتِهِمْ إيّاها بِكَوْنِهِمْ في النارِ أيّامًا فَهَؤُلاءِ لَمْ يَشْقَوْا شَقاوَةَ مَن يَدْخُلُ النارَ عَلى التَأْبِيدِ ولا سَعِدُوا سَعادَةَ مَن لا تَمَسُّهُ النارُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ وقَتادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ بِالشَقِيِّ والسَعِيدِ.
هود 11:108
﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ "سُعِدُوا" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ، سَعِدَ لازِمٌ، وسَعَدَهُ يَسْعَدُهُ مُتَعَدٍّ ﴿فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في نَعِيمِ الجَنَّةِ وذَلِكَ أنَّ لَهم سِوى الجَنَّةِ ما هو أكْبَرُ مِنها وهو رُؤْيَةُ اللهِ تَعالى ورِضْوانُهُ أوْ مَعْناها إلّا مَن شاءَ أنْ يُعَذِّبَهُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الِاسْتِثْناءُ في الآيَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ » ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَكُونُ (p-٨٦)لِلْمُسْلِمِ العاصِي الَّذِي دَخَلَ النارَ خُلُودٌ في النارِ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنها ولا يَكُونُ لَهُ أيْضًا خُلُودٌ في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ ابْتِداءً، والمُعْتَزِلَةُ لَمّا لَمْ يَرَوْا خُرُوجَ العُصاةِ مِنَ النارِ رَدُّوا الأحادِيثَ المَرْوِيَّةَ في هَذا البابِ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولَكِنَّهُ مُمْتَدٌّ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ كَقَوْلِهِ "لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ أيْ: أُعْطُوا "عَطاءً"، قِيلَ:كَفَرَتِ الجَهْمِيَّةُ بِأرْبَعِ آياتٍ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] " ﴿وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] " ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] "
هود 11:109
لَمّا قَصَّ اللهُ قَصَصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ وذَكَرَ ما أحَلَّ بِهِمْ مِن نِقَمِهِ وما أعَدَّ لَهم مِن عَذابِهِ قالَ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: فَلا تَشُكَّ بَعْدَ ما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن هَذِهِ القِصَصِ في سُوءِ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ لِما أصابَ أمْثالَهم قَبْلَهم تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وعِدَةً بِالِانْتِقامِ مِنهم ووَعِيدًا لَهم ثُمَّ قالَ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُ أنَّ حالَهم في الشِرْكِ مِثْلُ حالِ آبائِهِمْ وقَدْ بَلَغَكَ ما نَزَلَ بِآبائِهِمْ فَسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِثْلُهُ وهو اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ تَعْلِيلُ النَهْيِ عَنِ المِرْيَةِ وما في "مِمّا" و"كَما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ: مِن عِبادَتِهِمْ وكَعِبادَتِهِمْ أوْ مِمّا يَعْبُدُونَ مِنَ الأوْثانِ ومِثْلَ ما يَعْبُدُونَ مِنها ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا آباءَهم أنْصِباءَهم ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مِن نَصِيبِهِمْ أيْ: كامِلًا.
هود 11:110
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَوْراةَ ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ آمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ كَما اخْتُلِفَ في القُرْآنِ وهو تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إنَّهُ لا يُعاجِلُهم بِالعَذابِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ قَوْمِ مُوسى أوْ قَوْمِكَ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ العَذابِ (p-٨٧)﴿مُرِيبٍ﴾ مِن أرابَ الرَجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.
هود 11:111
﴿وَإنَّ كُلا﴾ التَنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ يَعْنِي وإنَّ كُلَّهم أيْ: وإنَّ جَمِيعَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ و"إنَّ" مُشَدَّدَةٌ ﴿لَمّا﴾ مُخَفَّفٌ بَصْرِيٌّ وعَلِيٌّ "ما" مَزِيدَةٌ جِيءَ بِها لِيُفْصَلَ بِها بَيْنَ لامِ إنَّ ولامِ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، واللامُ في "لَما" مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى:وَإنَّ جَمِيعَهم واللهِ لِيُوَفِّيَنَّهم ﴿رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ مِن إيمانٍ وجُحُودٍ وحَسَنٍ وقَبِيحٍ، بِعَكْسِ الأُولى: أبُو بَكْرٍ، مُخَفَّفَتانِ: مَكِّيٌّ ونافِعٌ، عَلى إعْمالِ المُخَفَّفَةِ عَمَلَ الثَقِيلَةِ اعْتِبارًا لِأصْلِها الَّذِي هو التَثْقِيلُ ولِأنَّ إنْ تُشْبِهِ الفِعْلَ والفِعْلُ يَعْمَلُ قَبْلَ الحَذْفِ وبَعْدَهُ نَحْوُ: لَمْ يَكُنْ ولَمْ يَكُ فَكَذا المُشَبَّهُ بِهِ، مُشَدَّدَتانِ: غَيْرُهم وهو مُشْكِلٌ، وأحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِ: أنَّهُ مِن لَمِمْتُ الشَيْءَ: جَمَعْتُهُ لَمًّا، ثُمَّ وقَفَ فَصارَ "لَمّا" ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ الدَعْوى والثَرْوى وما فِيهِ ألِفُ التَأْنِيثِ مِنَ المَصادِرِ، وقَرَأ الزَهْرِيُّ "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِالتَنْوِينِ كَقَوْلِهِ ﴿أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] وهو يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا، والمَعْنى وإنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ أيْ: مَجْمُوعَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا كَقَوْلِهِ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وقالَ صاحِبُ الإيجازِ: "لَمّا" فِيهِ مَعْنى الظَرْفِ وقَدْ دَخَلَ في الكَلامِ اخْتِصارٌ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمّا" بُعِثُوا "لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ" وقالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ لِي بِتَشْدِيدِ "لَمّا" عِلْمٌ ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
هود 11:112
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ فاسْتَقِمِ اسْتِقامَةً مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها غَيْرَ عادِلٍ عَنْها ﴿وَمَن تابَ مَعَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُسْتَتِرِ في "اسْتَقِمْ" وجازَ لِلْفاصِلِ، يَعْنِي: فاسْتَقِمْ أنْتَ ولْيَسْتَقِمْ مَن تابَ عَنِ الكُفْرِ ورَجَعَ إلى اللهِ مُخْلِصًا ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ ولا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَهو (p-٨٨)مُجازِيكم فاتَّقَوْهُ قِيلَ:ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ آيَةٌ كانَ أشَقَّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولِهَذا قالَ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ »
هود 11:113
﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تَمِيلُوا،قالَ الشَيْخُ رَحِمَهُ اللهُ:هَذا خِطابٌ لِأتْباعِ الكَفَرَةِ أيْ: لا تَرْكَنُوا إلى القادَةِ والكُبَراءِ في ظُلْمِهِمْ وفِيما يَدْعُونَكم إلَيْهِ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النارُ﴾ وقِيلَ الرُكُونُ إلَيْهِمُ الرِضا بِكُفْرِهِمْ،وَقالَ قَتادَةُ:وَلا تَلْحَقُوا بِالمُشْرِكِينَ، وعَنِ المُوَفَّقِ أنَّهُ صَلّى خَلْفَ الإمامِ فَلَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قِيلَ لَهُ فَقالَ: هَذا فِيمَن رَكَنَ إلى مَن ظَلَمَ فَكَيْفَ بِالظالِمِ، وعَنِ الحَسَنِ" جَعَلَ اللهُ الَّذِينَ بَيْنَ لاءَيْنِ ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ "، وقالَ سُفْيانُ: في جَهَنَّمَ وادٍ لا يَسْكُنُهُ إلّا القُرّاءُ الزائِرُونَ لِلْمُلُوكِ، وعَنِ الأوْزاعِيِّ:ما مِن شَيْءٍ أبْغَضَ إلى اللهِ مِن عالِمٍ يَزُورُ عامِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يُعْصى اللهُ في أرْضِهِ، » ولَقَدْ سُئِلَ سُفْيانُ عَنْ ظالِمٍ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ في بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقى شَرْبَةَ ماءٍ فَقالَ: لا، فَقِيلَ لَهُ يَمُوتُ، فَقالَ: دَعْهُ يَمُوتُ ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ" ﴿فَتَمَسَّكُمُ النارُ﴾ أيْ فَتَمَسَّكُمُ النارُ وأنْتُمْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ ومَعْناهُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِن عَذابِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى مَنعِكم مِنهُ غَيْرُهُ ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ثُمَّ لا يَنْصُرُكم هو لِأنَّهُ حَكَمَ بِتَعْذِيبِكم ومَعْنى ثُمَّ الِاسْتِبْعادُ، أيِ:النُصْرَةُ مِنَ اللهِ مُسْتَبْعَدَةٌ.
هود 11:114
﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ﴾ غَدْوَةً وعَشِيَّةً ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ﴾ وساعاتٍ مِنَ اللَيْلِ جَمْعُ زُلْفَةٍ وهي ساعاتُهُ القَرِيبَةُ مِن آخِرِ النَهارِ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ، وصَلاةُ الغُدْوَةِ: الفَجْرُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ: الظُهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزُلَفِ: المَغْرِبُ والعِشاءُ وانْتِصابُ "طَرَفَيِ (p-٨٩)النَهارِ" عَلى الظَرْفِ، لِأنَّهُما مُضافانِ إلى الوَقْتِ كَقَوْلِكَ:أقَمْتُ عِنْدَهُ جَمِيعَ النَهارِ وأتَيْتُهُ نِصْفَ النَهارِ وأوَّلَهُ وآخِرَهُ، تَنْصِبُ هَذا كُلَّهُ عَلى إعْطاءِ المُضافِ حُكْمَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ إنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ يُذْهِبْنَ الذُنُوبَ وفي الحَدِيثِ «:"إنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ تُكَفِّرُ ما بَيْنَها مِنَ الذُنُوبِ" »، أوِ الطاعاتِ، قالَ عَلَيْهِ السَلامُ « "أتْبِعِ السَيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها" » أوْ سُبْحانَ اللهَ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى فاسْتَقِمْ فَما بَعْدَهُ أوِ القُرْآنِ ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ «نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ غُزَيَّةَ الأنْصارِيِّ بائِعِ التَمْرِ قالَ لِامْرَأةٍ: في البَيْتِ تَمْرٌ أجْوَدُ فَدَخَلَتْ فَقَبَّلَها فَنَدِمَ فَجاءَهُ حاكِيًا باكِيًا فَنَزَلَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَلْ شَهِدْتَ مَعَنا العَصْرَ قالَ نَعَمْ قالَ هي كَفّارَةٌ لَكَ فَقِيلَ ألَهُ خاصَّةً قالَ بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً »
هود 11:115
﴿واصْبِرْ﴾ عَلى امْتِثالِ ما أُمِرْتَ بِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهِيتَ عَنْهُ فَلا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِهِ ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ جاءَ بِما هو مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ الأوامِرِ والنَواهِي مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ [هود: ١١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَسَناتِ.
هود 11:116
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَهَلّا كانَ. هو مَوْضُوعٌ لِلتَّحْضِيضِ ومَخْصُوصٌ بِالفِعْلِ ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أُولُو فَضْلٍ وخَيْرٍ وسَمّى الفَضْلَ والجَوْدَةَ بَقِيَّةً، لِأنَّ الرَجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ فَصارَ مَثَلًا في الجَوْدَةِ والفَضْلِ، ويُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ: مِن خِيارِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهم: "فِي (p-٩٠)الزَوايا خَبايا وفي الرِجالِ بَقايا" ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ عَجَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ وأمَتَّهُ أنْ لَمْ يَكُنْ في الأُمَمِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ إهْلاكَهم في هَذِهِ السُورَةِ جَماعَةٌ مِن أُولِي العَقْلِ والدِينِ يَنْهَوْنَ غَيْرَهم عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ، وسائِرُهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ، و"مَن" في ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا﴾ لِلْبَيانِ لا لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ النَجاةَ لِلنّاهِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥] ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيِ التارِكُونَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وهو عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ أيْ: إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا شَهَواتِهِمْ فَهو عَطْفٌ عَلى نَهَوْا ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: اتَّبَعُوا ما عَرَفُوا فِيهِ التَنَعُّمَ والتَرَفُّهَ مِن حُبِّ الرِياسَةِ والثَرْوَةِ وطَلَبِ أسْبابِ العَيْشِ الهَنِيءِ ورَفَضُوا الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ وحُكْمٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ مُجْرِمُونَ.
هود 11:117
﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى﴾ اللامُ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ ﴿بِظُلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: لا يَصِحُّ أنْ يُهْلِكَ اللهُ القُرى ظالِمًا لَها ﴿وَأهْلُها﴾ قَوْمٌ ﴿مُصْلِحُونَ﴾ تَنْزِيهًا لِذاتِهِ عَنِ الظُلْمِ وقِيلَ الظُلْمُ الشِرْكُ أيْ: لا يُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ شِرْكِ أهْلِها وهم مُصْلِحُونَ في المُعامَلاتِ فِيما بَيْنَهم لا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادٌ آخَرُ.
هود 11:118
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُتَّفِقِينَ عَلى الإيمانِ والطاعاتِ عَنِ اخْتِيارٍ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ هي مَشِيئَةُ قَسْرٍ وذَلِكَ رافِعٌ لِلِابْتِلاءِ فَلا يَجُوزُ ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الكُفْرِ والإيمانِ أيْ: ولَكِنْ شاءَ أنْ يَكُونُوا مُخْتَلِفِينَ لَمّا عَلِمَ مِنهُمُ اخْتِيارَ ذَلِكَ (p-٩١)
هود 11:119
﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلّا ناسًا عَصَمَهُمُ اللهُ عَنِ الِاخْتِلافِ فاتَّفَقُوا عَلى دِينِ الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أيْ: ولِما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاخْتِلافِ فَعِنْدَنا خَلَقَهم لِلَّذِي عَلِمَ أنَّهم سَيَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنِ اخْتِلافٍ أواتِّفاقٍ ولَمْ يَخْلُقْهم لِغَيْرِ الَّذِي عَلِمَ أنَّهم سَيَصِيرُونَ إلَيْهِ كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وهي قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ لِعِلْمِهِ بِكَثْرَةِ مَن يَخْتارُ الباطِلَ.
هود 11:120
﴿وَكُلا﴾ التَنْوِينُ فِيهِ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكُلَّ نَبَأٍ وهو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلُهُ ﴿مِن أنْباءِ الرُسُلِ﴾ بَيانٌ لِكُلٍّ وقَوْلُهُ ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بَدَلٌ مِن كُلًّا ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ أيْ: في هَذِهِ السُورَةِ أوْ في هَذِهِ الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ ما هو حَقٌّ ﴿وَمَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ومَعْنى تَثْبِيتِ فُؤادِهِ زِيادَةُ يَقِينِهِ، لِأنَّ تَكاثُرَ الأدِلَّةِ أثْبَتُ لِلْقَلْبِ.
هود 11:121
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى حالِكم وجِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ عَلى مَكانَتِنا.
هود 11:122
﴿وانْتَظِرُوا﴾ بِنا الدَوائِرَ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما اقْتَصَّ اللهُ تَعالى مِنَ النِقَمِ النازِلَةِ بِأشْباهِكُمْ.
هود 11:123
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا يَجْرِي فِيهِما فَلا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ فَلا بُدَّ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ أمْرُهم (p-٩٢)وَأمْرُكَ فَيَنْتَقِمَ لَكَ مِنهم "يُرْجَعُ" نافِعٌ وحَفْصٌ ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ كافِيكَ وكافِلُكَ ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] وبِالتاءِ مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَفْصٌ أيْ: أنْتَ وهم عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ، قِيلَ: خاتِمَةُ التَوْراةِ هَذِهِ الآيَةُ ن وفي الحَدِيثِ " «مَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أقْوى الناسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ تَعالى »
يوسف 12:1
(p-٩٣)" سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً شامِيٌّ واثْنَتا عَشْرَةَ مَكِّيٌّ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى آياتِ هَذِهِ السُورَةِ و"الكِتابُ المُبِينُ" السُورَةُ. أيْ: تِلْكَ الآياتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْكَ في هَذِهِ السُورَةِ آياتُ السُورَةِ الظاهِرِ أمْرُها في إعْجازِ العَرَبِ أوِ الَّتِي تَبَيَّنَ لِمَن تَدَبَّرَها أنَّها مِن عِنْدِ اللهِ لا مِن عِنْدِ البَشَرِ أوِ الواضِحَةِ الَّتِي لا تَشْتَبِهُ عَلى العَرَبِ مَعانِيها لِنُزُولِها بِلِسانِهِمْ أوْ قَدْ أُبِينَ فِيها ما سَألَتْ عَنْهُ اليَهُودُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقَدْ رُوِيَ: أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ قالُوا لِلْمِشْرِكِينَ سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ ؟ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:2
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ في حالِ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وسُمِّيَ بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى كُلِّهِ وبَعْضِهِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ تَفْهَمُوا مَعانِيَهُ " ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] "
يوسف 12:3
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ نُبَيِّنُ لَكَ أحْسَنَ البَيانِ والقاصُّ الَّذِي يَأْتِي بِالقِصَّةِ عَلى حَقِيقَتِها عَنِ الزَجّاجِ، وقِيلَ القَصَصُ يَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الِاقْتِصاصِ تَقُولُ: قَصَّ الحَدِيثِ يَقُصُّهُ قَصَصًا، ويَكُونُ فَعْلًا بِمَعْنى (p-٩٤)مَفْعُولٍ كالنَفْضِ والحَسْبِ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ أيْ: بِإيحائِنا إلَيْكَ هَذِهِ السُورَةِ عَلى أنْ يَكُونَ "أحْسَنَ" مَنصُوبًا نَصْبَ المَصْدَرِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ والمَقْصُوصُ مَحْذُوفٌ، لِأنَّ "بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ" مُغْنٍ عَنْهُ والمُرادُ بِأحْسَنِ الِاقْتِصاصِ: أنَّهُ اقْتُصَّ عَلى أبْدَعِ طَرِيقَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ فَإنَّكَ لا تَرى اقْتِصاصَهُ في كُتُبِ الأوَّلِينَ مُقارِبًا لِاقْتِصاصِهِ في القُرْآنِ وإنْ أُرِيدَ بِالقَصَصِ المَقْصُوصَ فَمَعْناهُ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ ما يُقَصُّ مِنَ الأحادِيثِ وإنَّما كانَ أحْسَنَ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِهِ والظاهِرُ أنَّهُ أحْسَنُ ما يَقْتَصُّ في بابِهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ أعْلَمُ الناسِ أيْ: في فَنِّهِ، واشْتِقاقُ القَصَصِ مِن قَصَّ أثَرَهُ إذا تَبِعَهُ، لِأنَّ الَّذِي يَقُصُّ الحَدِيثَ يَتْبَعُ ما حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا فَشَيْئًا ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾ الضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما أوْحَيْنا ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْهُ، "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ واللامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ يَعْنِي: وإنَّ الشَأْنَ والحَدِيثَ كُنْتَ مِن قَبْلِ إيحائِنا إلَيْكَ مِنَ الجاهِلِينَ بِهِ.
يوسف 12:4
﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "أحْسَنَ القَصَصِ"، لِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى القَصَصِ أوِ التَقْدِيرُ اذْكُرْ إذْ قالَ ﴿يُوسُفُ﴾ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ لا عَرَبِيٌّ إذْ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لانَصْرَفَ لِخُلُوِّهِ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ سِوى التَعْرِيفِ ﴿لأبِيهِ﴾ يَعْقُوبَ ﴿يا أبَتِ﴾ "أبَتَ" شامِيٌّ، وهي تاءُ تَأْنِيثٍ عُوِّضَتْ عَنْ ياءِ الإضافَةِ لِتَناسُبِهِما، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما زائِدَةٌ في آخِرِ الِاسْمِ ولِهَذا قُلِبَتْ هاءً في الوَقْفِ وجازَ إلْحاقُ تاءِ التَأْنِيثِ بِالمُذَكَّرِ كَما في رِجْلٍ رَبْعَةٍ. وكُسِرَتِ التاءُ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ ومَن فَتَحَ التاءَ فَقَدْ حَذَفَ الألِفَ مِن يا أبَتا واسْتَبْقى الفَتْحَةَ قَبْلَها كَما فَعَلَ مَن حَذَفَ الياءَ في يا غُلامِ ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ مِنَ الرُؤْيا لا مِنَ الرُؤْيَةِ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أسْماؤُها بِبَيانِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: "جَرَيانُ والذَيّالُ والطارِقُ وقابِسُ وعَمُودانِ والفُلَيْقُ والمُصْبِحُ والصُرُوحُ والفَرْغُ (p-٩٥)وَوَثّابُ وذُو الكَتِفَيْنِ ﴿والشَمْسَ والقَمَرَ﴾ هُما أبَواهُ أوْ أبُوهُ وخالَتُهُ والكَواكِبُ إخْوَتُهُ قِيلَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ أيْ: رَأيْتُ الكَواكِبَ مَعَ الشَمْسِ والقَمَرِ وأُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ في ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾، لِأنَّهُ وصَفَها بِما هو المُخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ وهو السُجُودُ وكُرِّرَتِ الرُؤْيا، لِأنَّ الأوْلى تَتَعَلَّقُ بِالذاتِ والثانِيَةُ بِالحالِ أوِ الثانِيَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ وقَعَ جَوابًا لَهُ كَأنَّ أباهُ قالَ لَهُ كَيْفَ رَأيْتَها؟ فَقالَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ أيْ: مُتَواضِعِينَ وهو حالٌ وكانَ ابْنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً يَوْمَئِذٍ وكانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَصِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أوْ ثَمانُونَ.
يوسف 12:5
﴿قالَ يا بُنَيَّ﴾ بِالفَتْحِ حَيْثُ كانَ حَفْصٌ ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ هي بِمَعْنى الرُؤْيَةِ إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ مِنها في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَأْنِيثِ كَما في القُرْبَةِ والقُرْبى ﴿عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ جَوابُ النَهْيِ أيْ: إنْ قَصَصْتَها عَلَيْهِمْ كادُوكَ، عَرَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ اللهَ يَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدارَيْنِ فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَ الإخْوَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ فَيَكِيدُوكَ كَما قالَ ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥]، لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللامِ لِيُفِيدَ مَعْنى فِعْلِ الكَيْدِ مَعَ الفِعْلِ المُضَمَّنِ فَيَكُونَ آكَدَ وأبْلَغَ في التَخْوِيفِ وذَلِكَ نَحْوُ: فَيَحْتالُوا لَكَ ألا تَرى إلى تَأْكِيدِهِ بِالمَصْدَرِ وهو ﴿كَيْدًا إنَّ الشَيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ فَيَحْمِلُهم عَلى الحَسَدِ والكَيْدِ.
يوسف 12:6
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ رُؤْياكَ ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يَصْطَفِيكَ، والِاجْتِباءُ افْتِعالٌ مَن جَبَيْتُ الشَيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ وجَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتَهُ ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في (p-٩٦)حُكْمِ التَشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وهو يُعَلِّمُكَ ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ: تَأْوِيلَ الرُؤْيا، وتَأْوِيلُها عِبارَتُها وتَفْسِيرُها وكانَ يُوسُفُ أعْبَرَ الناسِ لِلرُّؤْيا، أوْ تَأْوِيلَ أحادِيثِ الأنْبِياءِ وكُتُبِ اللهِ وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ولَيْسَ بِجَمْعِ أُحْدُوثَةٍ ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بِأنْ وصَلَ لَهم نِعْمَةَ الدُنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ أيْ: جَعْلُهم أنْبِياءَ في الدُنْيا ومُلُوكًا ونَقْلُهم عَنْها إلى الدَرَجاتِ العُلى في الجَنَّةِ، وآلُ يَعْقُوبَ: أهْلُهُ وهم نَسْلُهُ وغَيْرُهم، وأصْلُ آلٍ: أهْلٌ، بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى أُهَيْلٍ، إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيمَن لَهُ خَطَرٌ يُقالُ: آلُ النَبِيِّ، وآلُ المَلِكِ ولا يُقالُ آلُ الحَجّامِ ولَكِنْ أهْلُهُ وإنَّما عَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ يُوسُفَ يَكُونُ نَبِيًّا وإخْوَتَهُ أنْبِياءَ اسْتِدْلالًا بِضَوْءِ الكَواكِبِ فَلِذا قالَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أرادَ الجَدَّ وأبا الجَدِّ ﴿إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِأبَوَيْكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ مَن يَحِقُّ لَهُ الِاجْتِباءُ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها.
يوسف 12:7
﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ: في قِصَّتِهِمْ وحَدِيثِهِمْ ﴿آياتٌ﴾ عَلاماتٌ ودَلالاتٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ وحِكْمَتِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، " آيَةٌ": مَكِّيٌّ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ لِمَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ وعَرَفَها، وآياتٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلَّذِينِ سَألُوهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْها فَأخْبَرَهم مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، وأسْماؤُهُمْ: يَهُوذا ورُوبِينُ وشَمْعُونُ ولاوِي وزَبُولُونُ ويَشْجَرُ، وأُمُّهم لَيّا بِنْتُ لَيانَ، ودانُ ونَفْتالِي وجادُ وآشِرُ مِن سُرِّيَّتَيْنِ زُلْفَةَ وبَلْهَةَ فَلَمّا تُوُفِّيَتْ لَيّا تَزَوَّجَ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ َ.
يوسف 12:8
﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ اللامُ لامُ الِابْتِداءِ وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أرادُوا أنَّ زِيادَةَ مَحَبَّتِهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وإنَّما قالُوا وأخُوهُ وهم إخْوَتُهُ أيْضًا، لِأنَّ أُمَّهُما كانَتْ واحِدَةً وإنَّما قِيلَ "أحَبُّ" في الِاثْنَيْنِ، لِأنَّ "أفْعَلَ مِن" لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ (p-٩٧)وَلا بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ مَعَ لامِ التَعْرِيفِ وإذا أُضِيفَ ساغَ الأمْرانِ، والواوُ في ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ لِلْحالِ أيْ: أنَّهُ يُفَضِّلُهُما في المَحَبَّةِ عَلَيْنا وهُما صَغِيرانِ لا كِفايَةَ فِيهِما ونَحْنُ عَشَرَةُ رِجالٍ كُفاةٌ نَقُومُ بِمَرافِقِهِ فَنَحْنُ أحَقُّ بِزِيادَةِ المَحَبَّةِ مِنهُما لِفَضْلِنا بِالكَثْرَةِ والمَنفَعَةِ عَلَيْهِما ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ غَلَطٍ في تَدْبِيرِ أمْرِ الدُنْيا، ولَوْ وصَفُوهُ بِالضَلالَةِ في الدِينِ لَكَفَرُوا، والعُصْبَةُ العَشْرَةُ فَصاعِدًا.
يوسف 12:9
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما حُكِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿إذْ قالُوا﴾ [يوسف: ٨] كَأنَّهم أطْبَقُوا عَلى ذَلِكَ إلّا مَن قالَ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠] وقِيلَ:الآمِرُ بِالقَتْلِ شَمْعُونُ والباقُونَ كانُوا راضِينَ فَجُعِلُوا آمِرِينَ ﴿أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ مَنكُورَةً مَجْهُولَةً بَعِيدَةً عَنِ العُمْرانِ وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإخْلائِها عَنِ الوَصْفِ ولِهَذا الإبْهامِ نُصِبَتْ نَصْبَ الظُرُوفِ المُبْهَمَةِ ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ يُقْبِلْ عَلَيْكم إقْبالَةً واحِدَةً لا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكم والمُرادُ سَلامَةُ مَحَبَّتِهِ لَهم مِمَّنْ يُشارِكُهم فِيها فَكانَ ذِكْرُ الوَجْهِ لِتَصْوِيرِ مَعْنى إقْبالِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الرَجُلَ إذا أقْبَلَ عَلى الشَيْءِ أقْبَلَ بِوَجْهِهِ وجازَ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ الذاتُ كَما قالَ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿وَتَكُونُوا﴾ مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى يَخْلُ لَكم ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ يُوسُفَ أيْ: مِن بَعْدِ كِفايَتِهِ بِالقَتْلِ أوِ التَغْرِيبِ أوْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ فَيَرْجِعُ الضَمِيرُ إلى مَصْدَرِ اقْتُلُوا أوِ اطْرَحُوا ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ تائِبِينَ إلى اللهِ مِمّا جَنَيْتُمْ عَلَيْهِ أوْ يَصْلُحْ حالُكم عِنْدَ أبِيكُمْ.
يوسف 12:10
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ هو يَهُوذا وكانَ أحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَإنَّ القَتْلَ عَظِيمٌ ﴿وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ﴾ في قَعْرِ البِئْرِ وما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ الناظِرِ "غَياباتِ" وكَذا ما بَعْدَهُ مَدَنِيٌّ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَيّارَةِ﴾ بَعْضُ الأقْوامِ الَّذِي يَسِيرُونَ في الطَرِيقِ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ بِهِ شَيْئًا (p-٩٨)
يوسف 12:11
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ أيْ: لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ ونَحْنُ نُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ ونُشْفِقُ عَلَيْهِ؟ وأرادُوا بِذَلِكَ - لَمّا عَزَمُوا عَلى كَيْدِ يُوسُفَ - اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ وعادَتِهِ في حِفْظِهِ مِنهم وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أحَسَّ مِنهم بِما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ.
يوسف 12:12
﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ﴾ نَتَّسِعْ في أكْلِ الفَواكِهِ وغَيْرِها والرَتْعَةُ السَعَةُ ﴿وَيَلْعَبْ﴾ نَتَفَرَّجْ بِما يُباحُ كالصَيْدِ والرَمْيِ والرَكْضِ بِالياءِ فِيهِما مَدَنِيٌّ وكُوفِيٌّ، وبِالنُونِ فِيهِما مَكِّيٌّ وشامِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وبِكَسْرِ العَيْنِ حِجازِيٌّ مِنِ: ارْتَعى يَرْتَعِي افْتِعالٌ مِنَ الرَعْيِ ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.
يوسف 12:13
﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أيْ: يُحْزِنُنِي ذَهابُكم بِهِ واللامُ لامُ الِابْتِداءِ ﴿وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِأنَّ ذَهابَهم بِهِ مِمّا يُحْزِنُهُ، لِأنَّهُ كانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً وأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِ مِن عَدْوَةِ الذِئْبِ إذا غَفَلُوا عَنْهُ بِرَعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ.
يوسف 12:14
﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِئْبُ﴾ اللامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واللهِ لَئِنْ أكَلَهُ الذِئْبُ والواوُ في ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ - أيْ: فِرْقَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مُقْتَدِرَةٌ عَلى الدَفْعِ - لِلْحالِ ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ مُجْزِئٌ عَنْ جَزاءِ الشَرْطِ أيْ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ بَعْضِنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذًا وخَسِرْناها،وَأجابُوا عَنْ عُذْرِهِ الثانِي دُونَ الأوَّلِ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَغِيظُهم (p-٩٩)
يوسف 12:15
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقائِهِ في البِئْرِ وهي بِئْرٌ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا بَرَزُوا بِهِ إلى البَرِّيَّةِ أظْهَرُوا لَهُ العَداوَةَ وضَرَبُوهُ وكادُوا يَقْتُلُونَهُ فَمَنَعَهم يَهُوذا فَلَمّا أرادُوا إلْقاءَهُ في الجُبِّ تَعَلَّقَ بِثِيابِهِمْ فَنَزَعُوها مِن يَدِهِ فَتَعَلَّقَ بِحائِطِ البِئْرِ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ لِيُلَطِّخُوهُ بِالدَمِ فَيَحْتالُوا بِهِ عَلى أبِيهِمْ ودَلَّوْهُ في البِئْرِ وكانَ فِيها ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ أوى إلى صَخْرَةٍ فَقامَ عَلَيْها وهو يَبْكِي وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَعامِ، ويُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ فَألْبَسَهُ إيّاهُ فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ فَجَعَلَهُ يَعْقُوبُ في تَمِيمَةٍ عَلَّقَها في عُنُقِ يُوسُفَ فَأخْرَجَهُ جِبْرِيلُ وألْبَسَهُ إيّاهُ ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ قِيلَ أُوحِيَ إلَيْهِ في الصِغَرِ كَما أُوحِيَ إلى يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ وقِيلَ كانَ إذْ ذاكَ مُدْرِكًا ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: لَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّكَ يُوسُفُ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبْرِياءِ سُلْطانِكَ وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ " ﴿فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] دَعا بِالصُواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ وأنَّكم ألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيهِ أكَلَهُ الذِئْبُ وبِعْتُمُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، أوْ يَتَعَلَّقُ " ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِـ "أوْحَيْنا" أيْ: آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وأزَلْنا عَنْ قَلْبِهِ الوَحْشَةَ وهم لا يَشْعُرُونَ ذَلِكَ.
يوسف 12:16
﴿وَجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ لِلِاسْتِتارِ والتَجَسُّرِ عَلى الِاعْتِذارِ ﴿يَبْكُونَ﴾ (p-١٠٠)حالٌ، عَنِ الأعْمَشِ: لا تُصَدِّقْ باكِيَةً بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، فَلَمّا سَمِعَ صَوْتَهم فَزِعَ وقالَ مالَكم يا بَنِيَّ هَلْ أصابَكم في غَنَمِكم شَيْءٌ قالُوا لا قالَ فَما بالُكم وأيْنَ يُوسُفُ.
يوسف 12:17
﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: نَتَسابَقُ في العَدْوِ أوْ في الرَمْيِ، والِافْتِعالُ والتَفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كالِارْتِماءِ والتَرامِي وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ بِمُصَدِّقٍ لَنا ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ولَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الصِدْقِ والثِقَةِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّئُ الظَنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا؟!
يوسف 12:18
﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ذِي كَذِبٍ أوْ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ كَما يُقالُ لِلْكَذّابِ:هُوَ الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُورُ بِذاتِهِ، رُوِيَ: أنَّهم ذَبَحُوا سَخْلَةً ولَطَّخُوا القَمِيصَ بِدَمِها وزَلَّ عَنْهم أنْ يُمَزِّقُوهُ ورُوِيَ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ يُوسُفَ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ وقالَ أيْنَ القَمِيصُ؟ وأخَذَهُ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ وقالَ تاللهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمَ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهُ، وقِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثَ آياتٍ، كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى كَذِبِهِمْ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا،وَدَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ حِينَ قُدَّ مِن دُبُرِهِ. ومَحَلُّ "عَلى قَمِيصِهِ" النَصْبُ عَلى الظَرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ ﴿قالَ﴾ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ أوْ سَهَّلَتْ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ عَظِيمًا ارْتَكَبْتُمُوهُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرٌ أوْ مُبْتَدَأٌ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ، وهو ما لا شَكْوى فِيهِ إلى الخَلْقِ ﴿واللهُ المُسْتَعانُ﴾ أيْ أسْتَعِينُهُ ﴿عَلى﴾ احْتِمالِ ﴿ما تَصِفُونَ﴾ مِن هَلاكِ يُوسُفَ والصَبْرِ عَلى الرُزْءِ فِيهِ.
يوسف 12:19
﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن قِبَلِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ (p-١٠١)أيّامٍ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ فَأخْطَئُوا الطَرِيقَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنهُ وكانَ الجُبُّ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ وكانَ ماؤُهُ مِلْحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ هو الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ اسْمُهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الخُزاعِيُّ ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أرْسَلَ الدَلْوَ لِيَمْلَأها فَتَشَبَّثَ يُوسُفُ بِالدَلْوِ فَنَزَعَهُ ﴿قالَ يا بُشْرى﴾ كُوفِيٌّ نادى البُشْرى كَأنَّهُ يَقُولُ: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ، غَيْرُهم " بُشْرايَ" عَلى إضافَتِها لِنَفْسِهِ أوْ هو اسْمُ غُلامِهِ فَناداهُ مُضافًا إلى نَفْسِهِ ﴿هَذا غُلامٌ﴾ قِيلَ ذَهَبَ بِهِ فَلَمّا دَنا مِن أصْحابِهِ صاحَ بِذَلِكَ يُبَشِّرُهم بِهِ ﴿وَأسَرُّوهُ﴾ الضَمِيرُ لِلْوارِدِ وأصْحابِهِ أخْفَوْهُ مِنَ الرُفْقَةِ أوْ لِإخْوَةِ يُوسُفَ فَإنَّهم قالُوا لِلرُّفْقَةِ هَذا غُلامٌ لَنا قَدْ أبِقَ فاشْتَرُوهُ مِنّا وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ ﴿بِضاعَةً﴾ حالٌ أيْ: أخْفَوْهُ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، والبِضاعَةُ: ما بَضُعَ مِنَ المالِ لِلتِّجارَةِ أيْ: قُطِعَ ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ بِما يَعْمَلُ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِن سُوءِ الصَنِيعِ.
يوسف 12:20
﴿وَشَرَوْهُ﴾ وباعُوهُ ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ مَبْخُوسٍ ناقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، أوْ: زَيْفٍ ﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ تُعَدُّ عَدًّا ولا تُوزَنُ، لِأنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ ما دُونَ الأرْبَعِينَ ويَزِنُونَ الأرْبَعِينَ وما فَوْقَها وكانَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ﴾ مِمَّنْ يَرْغَبُ عَمّا في يَدِهِ فَيَبِيعُهُ بِالثَمَنِ الطَفِيفِ، أوْ مَعْنى وشَرَوْهُ واشْتَرَوْهُ يَعْنِي الرُفْقَةَ مِن إخْوَتِهِ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ أيْ: غَيْرَ راغِبِينَ، لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ آبِقٌ، ويُرْوى أنَّ إخْوَتَهُ اتَّبَعُوهم وقالُوا: اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لا يَأْبَقْ، و"فِيهِ" لَيْسَ مِن صِلَةِ "الزاهِدِينَ" أيْ: غَيْرَ راغِبِينَ، لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وإنَّما هو بَيانٌ كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شَيْءٍ زَهِدُوا فَقالَ:زَهِدُوا "فِيهِ"
يوسف 12:21
﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ هو قَطْفِيرُ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ، والمَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ وماتَ في (p-١٠٢)حَياتِهِ واشْتَراهُ العَزِيزُ بِزِينَتِهِ ورِقًا وحَرِيرًا ومِسْكًا وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً واسْتَوْزَرَهُ رَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللهُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ﴿لامْرَأتِهِ﴾ راعِيلَ أوْ زُلَيْخا، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالَ لا بِاشْتَراهُ ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ اجْعَلِي مَنزِلَتَهُ ومَقامَهُ عِنْدَنا كَرِيمًا أيْ: حَسَنًا مَرْضِيًّا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وعَنِ الضَحّاكِ بِطِيبِ مَعاشِهِ ولِينِ رِياشِهِ ووَطِيءِ فِراشِهِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ لَعَلَّهُ إذا تَدَرَّبَ وراضَ الأُمُورَ وفَهِمَ مَجارِيَها نَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلى بَعْضِ ما نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أوْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ وكانَ قِطْفِيرُ عَقِيمًا وقَدْ تَفَرَّسَ فِيهِ الرُشْدَ فَقالَ ذَلِكَ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إنْجائِهِ وعَطْفِ قَلْبِ العَزِيزِ عَلَيْهِ، والكافُ مَنصُوبٌ تَقْدِيرُهُ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ والعَطْفِ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ: كَما أنْجَيْناهُ وعَطَّفْنا عَلَيْهِ العَزِيزَ كَذَلِكَ مَكَّنا لَهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ وجَعَلْناهُ مَلَكًا يَتَصَرَّفُ فِيها بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ كانَ ذَلِكَ الإنْجاءُ والتَمْكِينُ ﴿واللهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ لا يُمْنَعُ عَمّا شاءَ أوْ عَلى أمْرِ يُوسُفَ بِتَبْلِيغِهِ ما أرادَ لَهُ دُونَ ما أرادَ إخْوَتُهُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ.
يوسف 12:22
﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ مُنْتَهى اسْتِعْدادِ قُوَّتِهِ وهو ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً أوْ إحْدى وعِشْرُونَ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ حِكْمَةً وهو العِلْمُ مَعَ العَمَلِ واجْتِنابُ ما يُجْهَلُ فِيهِ أوْ حُكْمًا بَيْنَ الناسِ وفِقْهًا ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا في عَمَلِهِ مُتَّقِيًا في عُنْفُوانِ أمْرِهِ.
يوسف 12:23
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: طَلَبَتْ يُوسُفَ أنْ يُواقِعَها، والمُراوَدَةُ مُفاعَلَةٌ: مِن رادَ يَرُودُ: إذا جاءَ وذَهَبَ كَأنَّ المَعْنى خادَعَتْهُ عَنْ (p-١٠٣)نَفْسِهِ أيْ: فَعَلَتْ فِعْلَ المُخادِعِ لِصاحِبِهِ عَنِ الشَيْءِ الَّذِي لا يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن يَدِهِ يَحْتالُ أنْ يَغْلِبَهُ عَلَيْهِ ويَأْخُذَهُ مِنهُ وهي عِبارَةٌ عَنِ التَمَحُّلِ لِمُواقَعَتِهِ إيّاها ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ وكانَتْ سَبْعَةً ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ هو اسْمٌ لِـ "تَعالَ وأقْبِلْ" وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ "هَيْتُ" مَكِّيٌّ بَناهُ عَلى الضَمِّ، "هِيتَ" مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ، واللامُ لِلْبَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكَ أقُولُ هَذا كَما تَقُولُ:هَلُمَّ لَكَ ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾ أعُوذُ بِاللهِ مَعاذًا ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: إنَّ الشَأْنَ والحَدِيثَ ﴿رَبِّي﴾ سَيِّدِي ومالِكِي يُرِيدُ قِطْفِيرَ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ حِينَ قالَ لَكِ:" أكْرِمِي مَثْواهُ" فَما جَزاؤُهُ أنْ أخُونَهُ في أهْلِهِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ الخائِنُونَ أوِ الزُناةُ أوْ أرادَ بِقَوْلِهِ" إنَّهُ رَبِّي": اللهَ تَعالى، لِأنَّهُ مُسَبِّبُ الأسْبابِ.
يوسف 12:24
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ هَمَّ عَزْمٍ ﴿وَهَمَّ بِها﴾ هَمَّ الطِباعِ مَعَ الِامْتِناعِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَمَّ بِها هَمَّ خَطْرَةٍ ولا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيما يَخْطُرُ بِالقَلْبِ ولا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ولَوْ كانَ هَمُّهُ كَهَمِّها لَما مَدَحَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ مِن عِبادِهِ المُخْلَصِينَ وقِيلَ: "وَهَمَّ بِها" وشارَفَ أنْ يَهُمَّ بِها، يُقالُ: هَمَّ بِالأمْرِ، إذا قَصَدَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ، وجَوابُ ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ: لَكانَ ما كانَ، وقِيلَ "وَهَمَّ بِها" جَوابُهُ ولا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، لِأنَّهُ في حُكْمِ الشَرْطِ ولَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والبُرْهانُ:الحُجَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَهَمَّ بِها" داخِلًا في حُكْمِ القَسَمِ في قَوْلِهِ "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ" ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خارِجًا ومِن حَقِّ القارِئِ إذا قَدَّرَ خُرُوجَهُ مِن حُكْمِ القَسَمِ وجَعَلَهُ كَلامًا بِرَأْسِهِ أنْ يَقِفَ عَلى " بِهِ " ويَبْتَدِئَ بِقَوْلِهِ "وَهَمَّ بِها" وفِيهِ أيْضًا إشْعارٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ الهَمَّيْنِ، وفُسِّرَ هَمُّ يُوسُفَ بِأنَّهُ حَلَّ تِكَّةَ سَراوِيلِهِ وقَعَدَ بَيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ وهي مُسْتَلْقِيَةٌ عَلى قَفاها، وفُسِّرَ (p-١٠٤)البُرْهانُ بِأنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا: إيّاكَ وإيّاها مَرَّتَيْنِ فَسَمِعَ ثالِثًا أعْرِضْ عَنْها فَلَمْ يُنْجِعْ فِيهِ حَتّى مَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أُنْمُلَتِهِ، وهو باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ قَوْلُهُ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ أيْضًا لَمّا بَرَّأ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُهُ " ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُوءَ والفَحْشاءَ﴾ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ السُوءُ مَصْرُوفًا عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] " ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَخانَهُ بِالغَيْبِ، وقَوْلُهُ " ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ولِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ لَذُكِرَتْ تَوْبَتُهُ واسْتِغْفارُهُ كَما كانَ لِآدَمَ ونُوحٍ وذِي النُونِ وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَلامُ وقَدْ سَمّاهُ اللهُ مُخْلَصًا فَعُلِمَ بِالقَطْعِ أنَّهُ ثَبَتَ في ذَلِكَ المَقامِ وجاهَدَ نَفْسَهُ مُجاهَدَةَ أُولِي العَزْمِ ناظِرًا في دَلائِلِ التَحْرِيمِ حَتّى اسْتَحَقَّ مِنَ اللهِ الثَناءَ، ومَحَلُّ الكافِ في ﴿كَذَلِكَ﴾ نَصْبٌ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوْ رَفْعٌ أيْ: الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُوءَ﴾ خِيانَةَ السَيِّدِ ﴿والفَحْشاءَ﴾ الزِنا ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ بِفَتْحِ اللامِ حَيْثُ كانَ:مَدَنِيٌّ وكُوفِيٌّ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللهُ لِطاعَتِهِ وبِكَسْرِها غَيْرُهم أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، ومَعْنى ﴿مِن عِبادِنا﴾ بَعْضُ عِبادِنا أيْ: هو مُخْلَصٌ مِن جُمْلَةِ المُخْلَصِينَ.
يوسف 12:25
﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ وتَسابَقا إلى البابِ هي لِلطَّلَبِ وهو لِلْهَرَبِ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أوْ عَلى تَضْمِينِ "اسْتَبَقا" مَعْنى ابْتَدَرا، نَفَرَ مِنها يُوسُفُ فَأسْرَعَ يُرِيدُ البابَ لِيَخْرُجَ وأسْرَعَتْ وراءَهُ لِتَمْنَعَهُ الخُرُوجَ ووَحَّدَ البابَ وإنْ كانَ جَمَعَهُ في قَوْلِهِ " ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، لِأنَّهُ أرادَ البابَ البَرّانِيَّ الَّذِي هو المُخْرِجُ مِنَ الدارِ ولَمّا هَرَبَ يُوسُفُ جَعَلَ فَراشُ القُفْلِ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ حَتّى خَرَجَ (p-١٠٥)﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ فانْقَدَّ أيِ انْشَقَّ حِينَ هَرَبَ مِنها إلى البابِ وتَبِعَتْهُ تَمْنَعُهُ ﴿وَألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ وصادَفا بَعْلَها قِطْفِيرَ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ فَلَمّا رَأتْهُ احْتالَتْ لِتَبْرِئَةِ ساحَتِها عِنْدَ زَوْجِها مِنَ الرِيبَةِ ولِتَخْوِيفِ يُوسُفَ طَمَعًا في أنْ يُواطِئَها خِيفَةً مِنها ومِن مَكْرِها حَيْثُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ما نافِيةٌ أيْ: لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِجْنَ،
﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو الضَرْبُ بِالسِياطِ ولَمْ تُصَرِّحْ بِذِكْرِ يُوسُفَ وأنَّهُ أرادَ بِها سُوءًا، لِأنَّها قَصَدَتِ العُمُومَ أيْ: كُلُّ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا فَحَقُّهُ أنْ يُسْجَنَ أوْ يُعَذَّبَ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ فِيما قَصَدَتْ مِن تَخْوِيفِ يُوسُفَ، ولَمّا عَرَّضَتْهُ لِلسِّجْنِ والعَذابِ ووَجَبَ عَلَيْهِ الدَفْعُ عَنْ نَفْسِهِ.
يوسف 12:26
﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَتَمَ عَلَيْها ولَمْ يَفْضَحْها ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ هو ابْنُ عَمٍّ لَها وإنَّما ألْقى اللهُ الشَهادَةَ عَلى لِسانِ مَن هو مِن أهْلِها لِتَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ خالٍ لَها وكانَ صَبِيًّا في المَهْدِ وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً، لِأنَّهُ أدّى مُؤَدّى الشَهادَةِ في أنْ ثَبَتَ بِهِ قَوْلُ يُوسُفَ وبَطَلَ قَوْلُها ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾
يوسف 12:27
﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصادِقِينَ﴾ والتَقْدِيرُ: وشَهِدَ شاهِدٌ فَقالَ إنْ كانَ قَمِيصُهُ وإنَّما دَلَّ "قُدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ "عَلى أنَّها صادِقَةٌ، لِأنَّهُ يُسْرِعُ خَلْفَها لِيَلْحَقَها فَيَعْثُرُ في مَقادِمِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ ولِأنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْها وهي تَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِها فَيَتَخَرَّقُ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ وأمّا تَنْكِيرُ قُبُلٍ ودُبُرٍ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها قُبُلٍ ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها دُبُرٍ وإنَّما جَمَعَ (p-١٠٦)بَيْنَ "إنِ" الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ وبَيْنَ كانَ، لِأنَّ المَعْنى إنْ يَعْلَمْ أنَّهُ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ.
يوسف 12:28
﴿فَلَمّا رَأى﴾ قِطْفِيرُ ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ وعَلِمَ بَراءَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وصِدْقَهُ وكَذِبَها ﴿قالَ إنَّهُ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ وهو الِاحْتِيالُ لِنَيْلِ الرِجالِ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ الخِطابُ لَها ولِأُمَّتِها ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا وأعْظَمُ حِيلَةً وبِذَلِكَ يَغْلِبْنَ الرِجالَ، والقُصْرَياتُ مِنهُنَّ مَعَهُنَّ ما لَيْسَ مَعَ غَيْرِهِنَّ مِنَ البَوائِقِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: إنِّي أخافُ مِنَ النِساءِ أكْثَرَ مِمّا أخافُ مِنَ الشَيْطانِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقالَ لَهُنَّ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
يوسف 12:29
﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِداءِ، لِأنَّهُ مُنادًى قَرِيبٌ مُفاطِنٌ لِلْحَدِيثِ وفِيهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ لِمَحَلِّهِ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الأمْرِ واكْتُمْهُ ولا تُحَدِّثْ بِهِ ثُمَّ قالَ لِراعِيلَ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا وإنَّما قالَ بِلَفْظِ التَذْكِيرِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وكانَ العَزِيزُ رَجُلًا حَلِيمًا قَلِيلَ الغَيْرَةِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى هَذا القَوْلِ.
يوسف 12:30
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ جَماعَةٌ مِنَ النِساءِ وكُنَّ خَمْسًا: امْرَأةُ الساقِي وامْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ صاحِبِ الدَوابِّ وامْرَأةُ صاحِبِ السِجْنِ وامْرَأةُ الحاجِبِ والنِسْوَةُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِذا لَمْ يَقُلْ: قالَتْ وفِيهِ لُغَتانِ كَسْرُ النُونِ وضَمُّها ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ في مِصْرَ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ يُرِدْنَ قِطْفِيرَ، والعَزِيزُ المَلِكُ بِلِسانِ العَرَبِ ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ غُلامَها يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي أيْ: غُلامِي وجارِيَتِي ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لِتَنالَ شَهْوَتَها مِنهُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ تَمْيِيزٌ أيْ: قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ يَعْنِي حَرَقَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها حَتّى وصَلَ إلى الفُؤادِ، والشَغافُ:حِجابُ القَلْبِ أوْ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها لِسانُ القَلْبِ (p-١٠٧)﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في خَطَأٍ وبُعْدٍ عَنْ طَرِيقِ الصَوابِ.
يوسف 12:31
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ﴾ راعِيلُ ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ وقَوْلِهِنَّ:امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ ومَقَتَها، وسُمِّيَ الِاغْتِيابُ مَكْرًا، لِأنَّهُ في خُفْيَةٍ وحالِ غَيْبَةٍ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ وقِيلَ كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ دَعَتْهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ ﴿وَأعْتَدَتْ﴾ وهَيَّأتْ، افْتَعَلَتْ مِنَ العَتادِ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِن نَمارِقَ قَصَدَتْ بِتِلْكَ الهَيْئَةِ وهي قُعُودُهُنَّ مُتَّكِآتٍ والسَكاكِينُ في أيْدِيهِنَّ أنْ يُدْهَشْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها، لِأنَّ المُتَّكِئَ إذا بُهِتَ لِشَيْءٍ وقَعَتْ يَدُهُ عَلى يَدِهِ ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ وكانُوا لا يَأْكُلُونَ في ذَلِكَ الزَمانِ إلّا بِالسَكاكِينِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ بِكَسْرِ التاءِ بَصْرِيٌّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ، وبِضَمِّها غَيْرُهم ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ وهَبْنَ ذَلِكَ الحُسْنَ الرائِقَ والجَمالَ الفائِقَ وكانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلى الناسِ في الحُسْنِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى نُجُومِ السَماءِ وكانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ وقِيلَ وِرْثَ الجَمالَ مِن جَدَّتِهِ سارَّةَ، وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ والهاءُ لِلسَّكْتِ إذْ لا يُقالُ النِساءُ قَدْ حِضْنَهُ، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ وحَقِيقَتُهُ دَخَلَتْ في الكِبَرِ، لِأنَّها بِالحَيْضِ تَخْرُجُ مِن حَدِّ الصِغَرِ، وكَأنَّ أبا الطِيبِ أخَذَ مِن هَذا التَفْسِيرِ قَوْلَهُ:
؎ خَفِ اللهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعِ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ
﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وجَرَّحْنَها كَما تَقُولُ كُنْتُ أقْطَعُ اللَحْمَ فَقَطَعَتْ يَدِي تُرِيدُ جَرَحَتْها أيْ: أرَدْنَ أنْ يُقَطِّعْنَ الطَعامَ الَّذِي في أيْدِيهِنَّ فَدُهِشْنَ لِما رَأيْنَهُ فَخَدَشْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ حاشا كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ تَقُولُ: أساءَ القَوْمُ حاشا زَيْدٍ وهي حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الجَرِّ (p-١٠٨)فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ التَنْزِيهِ والبَراءَةِ، فَمَعْنى "حاشا اللهِ" بَراءَةُ اللهِ وتَنْزِيهُ اللهِ وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "حاشا لِلَّهِ" نَحْوُ قَوْلِكَ سَقْيًا لَكَ،كَأنَّهُ قالَ بُرْءًا ثُمَّ قالَ لِلَّهِ لِبَيانِ مَن يُبَرَّأُ ويُنَزَّهُ، وغَيْرُهُ "حاشَ لِلَّهِ" بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ والمَعْنى تَنْزِيهُ اللهِ مِن صِفاتِ العَجْزِ والتَعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلَقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِغَرابَةِ جَمالِهِ وأثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وبَتَتْنَ بِها الحُكْمَ لِما رَكَزَ في الطِباعِ أنْ لا أحْسَنَ مِنَ المَلَكِ كَما رَكَزَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَيْطانِ.
يوسف 12:32
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تَقُولُ هو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، تَعْنِي: إنَّكُنَّ لَمْ تُصَوَّرْنَهُ حَقَّ صُورَتِهِ وإلّا لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالِغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَحَفُّظِ الشَدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها وهَذا بَيانٌ جَلِيٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ بَرِيءٌ مِمّا فَسَّرَ بِهِ أُولَئِكَ الفَرِيقُ الهَمَّ والبُرْهانَ، ثُمَّ قُلْنَ لَهُ أطِعْ مَوْلاتَكَ فَقالَتْ راعِيلُ ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ الضَمِيرُ راجِعٌ إلى "ما" وهي مَوْصُولَةٌ والمَعْنى ما آمُرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أوْ ما مَصْدَرِيَّةٌ والضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى يُوسُفَ أيْ: ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ أيْ: مُوجِبَ أمْرِي ومُقْتَضاهُ ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ لِيُحْبَسَنَّ والألِفُ في ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بَدَلٌ مِن نُونِ التَأْكِيدِ الخَفِيفَةِ ﴿مِنَ الصاغِرِينَ﴾ مَعَ السُرّاقِ والسُفّاكِ والأُبّاقِ كَما سَرَقَ قَلْبِي وأبِقَ مِنِّي وسَفَكَ دَمِي بِالفِراقِ، فَلا يَهْنَأُ لِيُوسُفَ الطَعامُ والشَرابُ والنَوْمُ هُنالِكَ كَما مَنَعَنِي هُنا كُلَّ ذَلِكَ ومَن لَمْ يَرْضَ بِمِثْلِي في الحَرِيرِ عَلى السَرِيرِ أمِيرًا حَصَلَ في الحَصِيرِ عَلى الحَصِيرِ حَسِيرًا، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ تَهْدِيدَها.
يوسف 12:33
﴿قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أسْنَدَ الدَعْوَةَ إلَيْهِنَّ، لِأنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ ما عَلَيْكَ لَوْ أجَبْتَ مَوْلاتَكَ أوِ افْتَتَنْتَ (p-١٠٩)كُلُّ واحِدَةٍ فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها سِرًّا فالتَجَأ إلى رَبِّهِ "قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ" مِن رُكُوبِ المَعْصِيَةِ ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ فَزَعٌ مِنهُ إلى اللهِ في طَلَبِ العِصْمَةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أمِلْ إلَيْهِنَّ، والصَبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَبا، لِأنَّ النُفُوسَ تَصْبُو إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورَوْحِها ﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ، لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لَمْ يَعْلَمْ سَواءٌ أوْ مِنَ السُفَهاءِ.
يوسف 12:34
فَلَمّا كانَ في قَوْلِهِ ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] مَعْنى طَلَبِ الصَرْفِ والدُعاءِ قالَ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: أجابَ اللهُ دُعاءَهُ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾ لِدَعَواتِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِحالِهِ وحالِهِنَّ.
يوسف 12:35
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ لِدَلالَةِ ما يُفَسِّرُهُ عَلَيْهِ وهو لَيَسْجُنُنَّهُ والمَعْنى: بَدا لَهم بَداءٌ أيْ: ظَهَرَ لَهم رَأْيٌ والضَمِيرُ في لَهم لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ وهي الشَواهِدُ عَلى بَراءَتِهِ كَقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ الأيْدِي وشَهادَةِ الصَبِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لِإبْداءِ عُذْرِ الحالِ وإرْخاءِ السِتْرِ عَلى القِيلِ والقالِ وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها وكانَ مِطْواعًا لَها وحُمَيْلًا ذَلُولًا، زِمامُهُ في يَدِها وقَدْ طَمِعَتْ أنْ يُذَلِّلَهُ السِجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها أوْ خافَتْ عَلَيْهِ العُيُونَ وظَنَّتْ فِيهِ الظُنُونَ فَألْجَأها الخَجَلُ مِنَ الناسِ والوَجَلُ مِنَ الباسِ إلى أنْ رَضِيَتْ بِالحِجابِ مَكانَ خَوْفِ الذَهابِ لِتَشْتَفِيَ بِخَبَرِهِ إذا مُنِعَتْ مِن نَظَرِهِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى زَمانٍ كَأنَّها اقْتَرَحَتْ أنْ يُسْجَنَ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ.
يوسف 12:36
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ فَتَيانِ﴾ عَبْدانِ لِلْمَلِكِ خَبّازُهُ وشَرابِيُّهُ بِتُهْمَةِ السَمِّ فَأُدْخِلا السِجْنَ ساعَةَ أُدْخِلَ يُوسُفُ، لِأنَّ مَعَ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الصُحْبَةِ تَقُولُ خَرَجْتُ مَعَ الأمِيرِ تُرِيدُ مُصاحِبًا لَهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهُما السِجْنَ مُصاحِبَيْنِ لَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ أيْ: شَرابِيُّهُ ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ: في المَنامِ (p-١١٠)وَهِيَ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ: عِنَبًا تَسْمِيَةً لِلْعِنَبِ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أوِ الخَمْرُ بِلُغَةِ عُمانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ أيْ: خَبّازُهُ ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بِتَأْوِيلِ ما رَأيْناهُ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُؤْيا أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِجْنِ فَإنَّكَ تُداوِي المَرِيضَ وتُعَزِّي الحَزِينَ وتُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْناهُ وقِيلَ إنَّهُما تَحالَما لَهُ يَمْتَحِناهُ فَقالَ الشَرابِيُّ: إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي في بُسْتانٍ فَإذا بِأصْلِ حَبَلَةٍ عَلَيْها ثَلاثَةُ عَناقِيدَ مِن عِنَبٍ فَقَطَفْتُها وعَصَرْتُها في كَأْسِ المَلِكِ وسَقَيْتُهُ وقالَ الخَبّازُ إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ فِيها أنْواعُ الأطْعِمَةِ فَإذا سِباعُ الطَيْرِ تَنْهَشُ مِنها.
يوسف 12:37
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: بِبَيانِ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ لَمّا اسْتَعْبَراهُ ووَصَفاهُ بِالإحْسانِ افْتَرَضَ ذَلِكَ فَوَصَلَ بِهِ وصْفَ نَفْسِهِ بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ وهو الإخْبارُ بِالغَيْبِ وأنَّهُ يُنَبِّئُهُما بِما يُحْمَلُ إلَيْهِما مِنَ الطَعامِ في السِجْنِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما ويَصِفُهُ لَهُما ويَقُولُ: اليَوْمَ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ فَيَكُونُ كَذَلِكَ وجَعَلَ ذَلِكَ تَخَلُّصًا إلى أنْ يَذْكُرَ لَهُما التَوْحِيدَ ويَعْرِضَ عَلَيْهِما الإيمانَ ويُزَيِّنَهُ لَهُما ويُقَبِّحَ إلَيْهِما الشِرْكَ وفِيهِ أنَّ العالِمَ إذا جُهِلَتْ مَنزِلَتُهُ في العِلْمِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِما هو بِصَدَدِهِ - وغَرَضُهُ أنْ يُقْتَبَسَ مِنهُ - لَمْ يَكُنْ مِن بابِ التَزْكِيَةِ ﴿ذَلِكُما﴾ إشارَةٌ لَهُما إلى التَأْوِيلِ أيْ: ذَلِكَ التَأْوِيلُ والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وأوْحى بِهِ إلَيَّ ولَمْ أقُلْهُ عَنْ تَكَهُّنٍ وتَنَجُّمٍ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-١١١)كَلامًا مُبْتَدَأً وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ أيْ: عَلَّمَنِي ذَلِكَ وأوْحى بِهِ إلَيَّ لِأنِّي رَفَضْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ، وهم أهْلُ مِصْرَ ومَن كانَ الفِتْيانُ عَلى دِينِهِمْ.
يوسف 12:38
﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وهي المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ وتَكْرِيرُ هم لِلتَّوْكِيدِ،وَذَكَرَ الآباءَ لِيُرِيَهُما أنَّهُ مِن بَيْتِ النُبُوَّةِ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُما أنَّهُ نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِن إخْبارِهِ بِالغُيُوبِ لِيُقَوِّيَ رَغْبَتَهُما في اتِّباعِ قَوْلِهِ والمُرادُ بِهِ تَرْكُ الِابْتِداءِ لا أنَّهُ كانَ فِيهِ ثُمَّ تَرَكَهُ ﴿ما كانَ لَنا﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيَّ شَيْءٍ كانَ صَنَمًا أوْ غَيْرَهُ ثُمَّ قالَ ﴿ذَلِكَ﴾ التَوْحِيدُ ﴿مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَ اللهِ فَيُشْرِكُونَ بِهِ ولا يَنْتَهُونَ.
يوسف 12:39
﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ﴾ [يوسف: ٤١] يا ساكِنَيِ السِجْنِ كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يُرِيدُ التَفَرُّقَ في العَدَدِ والتَكاثُرِ أيْ: أأنْ تَكُونَ أرْبابٌ شَتّى يَسْتَعْبِدُكُما هَذا ويَسْتَعْبِدُكُما هَذا خَيْرٌ لَكُما أمْ يَكُونُ لَكُما رَبٌّ واحِدٌ قَهّارٌ لا يُغالَبُ ولا يُشارَكُ في الرُبُوبِيَّةِ؟ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ ولِعِبادَةِ الأصْنامِ.
يوسف 12:40
﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن كانَ عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ ﴿مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ: سَمَّيْتُمْ ما لا يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ آلِهَةً ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَعْبُدُونَها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا أسْماءً لا مُسَمَّياتِ لَها، ومَعْنى "سَمَّيْتُمُوها" سَمَّيْتُمْ بِها يُقالُ سَمَّيْتُهُ زَيْدًا (p-١١٢)وَسَمَّيْتُهُ بِزَيْدٍ ﴿ما أنْـزَلَ اللهُ بِها﴾ بِتَسْمِيَتِها ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ حُجَّةً ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ في أمْرِ العِبادَةِ والدِينِ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ﴾
الثابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقُوبَةَ تَلْزَمُ العَبْدَ وإنْ جَهِلَ إذا أمْكَنَ لَهُ العِلْمُ بِطَرِيقِهِ.
يوسف 12:41
ثُمَّ عَبَّرَ الرُؤْيا فَقالَ ﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ يُرِيدُ الشَرابِيَّ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ سَيِّدَهُ ﴿خَمْرًا﴾ أيْ: يَعُودُ إلى عَمَلِهِ ﴿وَأمّا الآخَرُ﴾ أيِ الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِلْأوَّلِ ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ وأمّا القُضْبانُ الثَلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السِجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقالَ لِلثّانِي ما رَأيْتَ مِنَ السِلالِ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُقْتَلُ ولَمّا سَمِعَ الخَبّازُ صَلْبَهُ قالَ ما رَأيْتُ شَيْئًا فَقالَ يُوسُفُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ: قُطِعَ وتَمَّ ما تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ مِن أمْرِكُما وشَأْنِكُما أيْ: ما يَجُرُّ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ وهي هَلاكُ أحَدِهِما ونَجاةُ الآخَرِ.
يوسف 12:42
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ الظانُّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ إنْ كانَ تَأْوِيلُهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ وإنْ كانَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ فالظانُّ هو الشَرابِيُّ أوْ يَكُونُ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ صِفْنِي عِنْدَ المَلِكِ بِصِفَتِي وقُصَّ عَلَيْهِ قِصَّتِي لَعَلَّهُ يَرْحَمُنِي ويُخَلِّصُنِي مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ ﴿فَأنْساهُ الشَيْطانُ﴾ فَأنْسى الشَرابِيَّ ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ أوْ عِنْدَ رَبِّهِ أوْ فَأنْسى يُوسُفَ ذِكْرَ اللهِ حِينَ وكَلَ أمْرَهُ إلى غَيْرِهِ وفي الحَدِيثِ " «رَحِمَ اللهُ (p-١١٣)أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يُقِلِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لَما لَبِثَ في السِجْنِ سَبْعًا" »﴿فَلَبِثَ في السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أيْ: سَبْعًا عِنْدَ الجُمْهُورِ والبِضْعُ ما بَيْنَ الثَلاثِ إلى التِسْعِ.
يوسف 12:43
﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ رَأى مَلِكُ مِصْرَ الرَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ رُؤْيا عَجِيبَةً هالَتْهُ رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِمانَ ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدِ اسْتَحْصَدَتْ وأدْرَكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها فاسْتَعْبَرَها فَلَمْ يَجِدْ في قَوْمِهِ مَن يُحْسِنُ عِبارَتَها وقِيلَ كانَ ابْتِداءُ بَلاءِ يُوسُفَ في الرُؤْيا ثُمَّ كانَ سَبَبَ نَجاتِهِ أيْضًا الرُؤْيا. "سِمانٌ" جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، والعِجافُ:المَهازِيلُ والعَجَفُ الهُزالُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ سَمانَةٌ، والسَبَبُ في وُقُوعِ "عِجافٌ" جَمْعًا لِعَجْفاءَ - وأفْعَلُ وفَعْلاءُ لا يُجْمَعانِ عَلى فِعالٍ - حَمْلُهُ عَلى نَقِيضِهِ وهو "سِمانٌ" ومِن دَأْبِهِمْ حَمْلُ النَظِيرِ عَلى النَظِيرِ والنَقِيضُ عَلى النَقِيضِ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السُنْبُلاتِ اليابِسَةَ كانَتْ سَبْعًا كالخُضْرِ، لِأنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى انْصِبابِهِ إلى هَذا العَدَدِ في البَقَراتِ السِمانِ والعِجافِ والسَنابِلِ الخُضْرِ فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ مَعْنى الأُخَرِ السَبْعُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ "وَأُخَرَ يابِساتٍ" بِمَعْنى وسَبْعًا أُخَرَ ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ كَأنَّهُ أرادَ الأعْيانَ مِنَ العُلَماءِ والحُكَماءِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ اللامُ في لِلرُّؤْيا لِلْبَيانِ كَقَوْلِهِ "وَكانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ" أوْ لِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ إذا تَقَدَّمَ عَلى الفِعْلِ لَمْ يَكُنْ في قُوَّتِهِ عَلى العَمَلِ فِيهِ مِثْلَهُ إذا تَأخَّرَ عَنْهُ فَعُضِّدَ بِها، تَقُولُ: عَبَرْتُ الرُؤْيا ولِلرُّؤْيا عَبَرْتُ، أوْ يَكُونُ "لِلرُّؤْيا" خَبَرَ كانَ كَقَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و"تَعْبُرُونَ" خَبَرٌ آخَرُ (p-١١٤)، أوْ حالٌ وحَقِيقَةُ عَبَّرْتُ الرُؤْيا ذَكَرْتُ عاقِبَتَها وآخِرَ أمْرِها كَما تَقُولُ عَبَرْتُ النَهْرَ إذا قَطَعْتَهُ حَتّى تَبْلُغَ آخِرَ عَرْضِهِ وهو عَبْرُهُ، ونَحْوُهُ أوَّلْتُ الرُؤْيا إذا ذَكَرْتَ مَآلَها وهو مَرْجِعُها وعَبَرَتِ الرُؤْيا بِالتَخْفِيفِ هو الَّذِي اعْتَمَدَهُ الأثْباتُ ورَأيْتُهم يُنْكِرُونَ عَبَّرْتُ بِالتَشْدِيدِ والتَعْبِيرَ والمُعَبِّرَ.
يوسف 12:44
﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ: هي "أضْغاثُ أحْلامٍ" أيْ: تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ وأصْلُ الأضْغاثِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَباتِ وحُزَمِ مِن أنْواعِ الحَشِيشِ، الواحِدُ: ضِغْثٌ، فاسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، أيْ: أضْغاثٌ مِن أحْلامٍ وإنَّما جُمِعَ وهو حُلْمٌ واحِدٌ تَزايُدًا في وصْفِ الحُلْمِ بِالبُطْلانِ وجازَ أنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَعَ هَذِهِ الرُؤْيا رُؤْيا غَيْرَها ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ أرادُوا بِالأحْلامِ: المَناماتِ الباطِلَةَ فَقالُوا لَيْسَ لَها عِنْدَنا تَأْوِيلٌ إنَّما التَأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصَحِيحَةِ أوِ اعْتَرَفُوا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ وأنَّهم لَيْسُوا في تَأْوِيلِ الأحْلامِ بِخابِرِينَ.
يوسف 12:45
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا﴾ مِنَ القَتْلِ ﴿مِنهُما﴾ [يوسف: ٤٢] مِن صاحِبَيِ السِجْنِ ﴿وادَّكَرَ﴾ بِالدالِّ هو الفَصِيحُ وأصْلُهُ اذْتَكَرَ فَأُبْدِلَتِ الذالُ دالًا والتاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الأُولى في الثانِيَةِ لِتَقارُبِ الحَرْفَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ "واذَّكَّرَ" ووُجِّهَ أنَّهُ قَلَبَ التاءَ ذالًا وأدْغَمَ أيْ: تَذَكَّرَ يُوسُفَ وما شاهَدَ مِنهُ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ اسْتَفْتى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلِكِ تَأْوِيلُهُ تَذَكَّرَ الناجِي يُوسُفَ وتَأْوِيلَهُ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ وطَلَبَهُ إلَيْهِ أنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أنا أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ وبِالياءِ يَعْقُوبُ أيْ: فابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ فَأرْسَلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ.
يوسف 12:46
﴿يُوسُفُ أيُّها الصِدِّيقُ﴾ أيُّها البَلِيغُ في الصِدْقِ وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ ذاقَ وتَعَرَّفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ حَيْثُ جاءَ كَما أوَّلَ (p-١١٥)﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى الناسِ﴾ إلى المَلِكِ وأتْباعِهِ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ فَيَطْلُبُوكَ ويُخَلِّصُوكَ مِن مِحْنَتِكَ.
يوسف 12:47
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ "تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ" دَلِيلُهُ قَوْلُهُ "فَذَرُوهُ في سَنْبُلِهِ" وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في وُجُودِ المَأْمُورِ بِهِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ ﴿دَأبًا﴾ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، وحَفْصٌ يُحَرِّكُهُ وهُما مَصْدَرا دَأبَ في العَمَلِ، وهو حالٌ مِنَ المَأْمُورِينَ أيْ: دائِبِينَ ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ كَيْ لا يَأْكُلَهُ السُوسُ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تِلْكَ السِنِينَ.
يوسف 12:48
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ﴾ هو مِن إسْنادِ المَجازِ جَعَلَ أكْلَ أهْلِهِنَّ مُسْنَدًا إلَيْهِنَّ ﴿ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أيْ: في السِنِينَ المُخْصِبَةِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزُونَ وتُخَبِّئُونَ.
يوسف 12:49
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً عامٌ ﴿فِيهِ يُغاثُ الناسُ﴾ مِنَ الغَوْثِ أيْ: يُجابُ مُسْتَغِيثُهم أوْ مِنَ الغَيْثِ أيْ: يُمْطَرُونَ يُقالُ غِيثَتِ البِلادُ إذا مُطِرَتْ ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ العِنَبَ والزَيْتُونَ والسِمْسِمَ فَيَتَّخِذُونَ الأشْرِبَةَ والأدْهانَ، "تَعْصِرُونَ" حَمْزَةُ فَتَأوَّلَ البَقَراتِ السِمانَ (p-١١٦)والسُنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مَخاصِيبَ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُؤْيا بِأنَّ العامَ الثامِنَ يَجِيءُ مُبارَكًا كَثِيرًا الخَيْرِ غَزِيرَ النِعَمِ وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ.
يوسف 12:50
﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَسُولُ﴾ لِيُخْرِجَهُ مِنَ السِجْنِ ﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المَلِكِ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِسْوَةِ﴾ أيْ: حالُ النِسْوَةِ ﴿اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ إنَّما تَثَبَّتَ يُوسُفُ وتَأنّى في إجابَةِ المَلِكِ وقَدَّمَ سُؤالَ النِسْوَةِ لِيُظْهِرَ بَراءَةَ ساحَتِهِ عَمّا رُمِيَ بِهِ وسُجِنَ فِيهِ لِئَلّا يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَهُ ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ ولِئَلّا يَقُولُوا ما خُلِّدَ في السَجْنِ سَبْعَ سِنِينَ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ وجُرْمٍ كَبِيرٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُهَمِ واجِبٌ وُجُوبَ اتِّقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها، وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ واللهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِمانِ ولَوَ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطَ أنْ يُخْرِجُونِي ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حِينَ أتاهُ الرَسُولُ فَقالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِجْنِ ما لَبِثَ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ وبادَرْتُ البابَ ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ إنْ كانَ لَحَلِيمًا ذا أناةٍ » ". ومِن كَرَمِهِ وحُسْنِ أدَبِهِ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَيِّدَتَهُ مَعَ ما صَنَعَتْ بِهِ وتَسَبَّبَتْ فِيهِ مِنَ السَجْنِ والعَذابِ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُقَطِّعاتِ أيْدِيَهُنَّ ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أيْ: إنَّ كَيْدَهُنَّ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ وهو مُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ الرَسُولُ إلى المَلِكِ مِن عِنْدِ يُوسُفَ بِرِسالَتِهِ فَدَعا المَلِكُ النِسْوَةَ المُقَطِّعاتِ أيْدِيَهُنَّ ودَعا امْرَأةَ العَزِيزِ ثُمَّ.
يوسف 12:51
﴿قالَ﴾ لَهُنَّ ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ ما شَأْنُكُنَّ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ هَلْ وجَدْتُنَّ مِنهُ مَيْلًا إلَيْكُنَّ ﴿قُلْنَ (p-١١٧)حاشَ لِلَّهِ﴾ تَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى خُلُقٍ عَفِيفٍ مِثْلِهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ مِن ذَنْبٍ ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ ظَهَرَ واسْتَقَرَّ ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ في قَوْلِهِ "هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي" ولا مَزِيدَ عَلى شَهادَتَيْنِ لَهُ بِالبَراءَةِ والنَزاهَةِ واعْتِرافِهِنَّ عَلى أنْفُسِهِنَّ بِأنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِمّا قُذِفَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ الرَسُولُ إلى يُوسُفَ وأخْبَرَهُ بِكَلامِ النِسْوَةِ وإقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ وشَهادَتِها عَلى نَفْسِها.
يوسف 12:52
فَقالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ امْتِناعِي مِنَ الخُرُوجِ والتَثَبُّتِ لِظُهُورِ البَراءَةِ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العَزِيزُ ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بِظُهُورِ الغَيْبِ في حُرْمَتِهِ. "بِالغَيْبِ" حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى وأنا غائِبٌ عَنْهُ أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي أوْ لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنِ العَزِيزَ ﴿وَأنَّ اللهَ﴾ أيْ: ولِيَعْلَمَ أنَّ اللهَ ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُسَدِّدُهُ وكَأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِامْرَأتِهِ في خِيانَتِها أمانَةَ زَوْجِها.
يوسف 12:53
ثُمَّ أرادَ أنْ يَتَواضَعَ لِلَّهِ ويَهْضِمَ نَفْسَهُ لِئَلّا يَكُونَ لَها مُزَكِّيًا ولِيُبَيِّنَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمانَةِ بِتَوْفِيقِ اللهِ وعِصْمَتِهِ فَقالَ ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ مِنَ الزَلَلِ وما أشْهَدُ لَها بِالبَراءَةِ الكُلِّيَّةِ ولا أُزَكِّيها في عُمُومُ الأحْوالِ أوْ في هَذِهِ الحادِثَةِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الهَمِّ الَّذِي هو الخَطْرَةُ البَشَرِيَّةُ لا عَنْ طَرِيقِ القَصْدِ والعَزْمِ ﴿إنَّ النَفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُوءِ﴾ أرادَ الجِنْسَ أيْ: إنَّ هَذا الجِنْسَ يَأْمُرُ بِالسُوءِ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الشَهَواتِ ﴿إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ إلّا البَعْضَ الَّذِي رَحِمَهُ رَبِّي بِالعِصْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما رَحِمَ" في مَعْنى الزَمانِ أيْ: إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي يَعْنِي أنَّها أمارَةٌ بِالسُوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا وقْتَ العِصْمَةِ، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنْ رَحْمَةُ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ، وقِيلَ هو مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ في حالِ الغَيْبَةِ وجِئْتُ بِالصِدْقِ فِيما سُئِلْتُ عَنْهُ وما أُبَرِّئُ (p-١١٨)نَفْسِي مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ فَإنِّي قَدْ خُنْتُهُ حِينَ قَرَفْتُهُ وقُلْتُ ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] وأوْدَعْتُهُ السِجْنَ - تُرِيدُ الِاعْتِذارَ مِمّا كانَ مِنها - إنَّ كُلَّ نَفْسٍ " ﴿لأمّارَةٌ بِالسُوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللهُ بِالعِصْمَةِ كَنَفْسِ يُوسُفَ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتَغْفَرَتْ رَبَّها واسْتَرْحَمَتْهُ مِمّا ارْتَكَبَتْ، وإنَّما جُعِلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، لِأنَّ المَعْنى يَقُودُ إلَيْهِ وقِيلَ هَذا مِن تَقْدِيمِ القُرْآنِ وتَأْخِيرِهِ أيْ: قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ [يوسف: ٥٢] مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]
يوسف 12:54
﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا لنَفْسِي ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ وشاهَدَ مِنهُ ما لَمْ يَحْتَسِبْ ﴿قالَ﴾ المَلِكُ لِيُوسُفَ ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ أمِينٌ مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، رُوِيَ:أنَّ الرَسُولَ جاءَهُ ومَعَهُ سَبْعُونَ حاجِبًا وسَبْعُونَ مَرْكَبًا وبَعَثَ إلَيْهِ لِباسَ المُلُوكِ فَقالَ أجِبِ المَلِكَ فَخَرَجَ مِنَ السَجْنِ ودَعا لِأهْلِهِ اللهُمَّ عَطِّفْ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ ولا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ فَهم أعْلَمُ الناسِ بِالأخْبارِ في الواقِعاتِ وكَتَبَ عَلى بابِ السِجْنِ هَذِهِ مَنازِلُ البَلْواءِ وقُبُورُ الأحْياءِ وشَماتَةُ الأعْداءِ وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ مِن دَرَنِ السِجْنِ ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ اللهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ: ما هَذا اللِسانُ قالَ لِسانُ آبائِي وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ أيُّها الصِدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ قالَ رَأيْتَ بَقَراتٍ فَوَصَفَ لَوْنَهُنَّ وأحْوالَهُنَّ ومَكانَ خُرُوجِهِنَّ ووَصَفَ السَنابِلَ وما كانَ مِنها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي رَآها المَلِكُ وقالَ لَهُ مِن حَقِّكَ أنْ تَجْمَعَ الطَعامَ (p-١١٩)فِي الأهْراءِ فَيَأْتِيكَ الخَلْقُ مِنَ النَواحِي ويَمْتارُونَ مِنكَ ويَجْتَمِعُ لَكَ مِنَ الكُنُوزِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ قَبْلَكَ قالَ المَلِكُ ومَن لِي بِهَذا ومَن يَجْمَعُهُ.
يوسف 12:55
﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
٥٥ – " ﴿قالَ﴾ " يُوسُفُ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ ولِّنِي عَلى خَزائِنِ أرْضِكَ يَعْنِي مِصْرَ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ أمِينٌ أحْفَظُ ما تَسْتَحْفِظُنِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ عالِمٌ بِوُجُوهِ التَصَرُّفِ وصَفَ نَفْسَهُ بِالأمانَةِ والكِفايَةِ وهُما طِلْبَةُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ إلى إمْضاءِ أحْكامِ اللهِ وإقامَةِ الحَقِّ وبَسْطِ العَدْلِ والتَمَكُّنِ مِمّا لِأجْلِهِ بُعِثَ الأنْبِياءُ إلى العِبادِ ولِعِلْمِهِ أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ فَطَلَبَهُ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ لا لِحُبِّ المُلْكِ والدُنْيا وفي الحَدِيثِ " «رَحِمَ اللهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً" » قالُوا وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى الإنْسانُ عِمالَةً مِن يَدِ سُلْطانٍ جائِرٍ وقَدْ كانَ السَلَفُ يَتَوَلَّوْنَ القَضاءَ مِن جِهَةِ الظَلَمَةِ وإذا عَلِمَ النَبِيُّ أوِ العالِمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الحُكْمِ بِأمْرِ اللهِ ودَفْعِ الظُلْمِ إلّا بِتَمْكِينِ المَلِكِ الكافِرِ أوِ الفاسِقِ فَلَهُ أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ وقِيلَ كانَ المَلِكُ يُصْدِرُ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما رَأى وكانَ في حُكْمِ التابِعِ لَهُ.
يوسف 12:56
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ التَمْكِينِ الظاهِرِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ وكانَتْ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في أرْبَعِينَ والتَمْكِينُ الإقْدارُ وإعْطاءُ المُكْنَةِ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ: كُلَّ مَكانٍ أرادَ أنْ يَتَّخِذَهُ مَنزِلًا لَمْ يُمْنَعْ مِنهُ لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِها ودُخُولِها تَحْتَ سُلْطانِهِ "نَشاءُ": مَكِّيٌّ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾
بِعَطائِنا في الدُنْيا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما مِنَ النِعَمِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ مَنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ نَشاءَ لَهُ ذَلِكَ ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في الدُنْيا (p-١٢٠)
يوسف 12:57
﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُرِيدُ يُوسُفَ وغَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشِرْكَ والفَواحِشَ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ وتَلا الآيَةَ، رُوِيَ: أنَّ المَلِكَ تَوَّجَ يُوسُفَ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُرِّ والياقُوتِ فَقالَ أمّا السَرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ وأمّا التاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي فَجَلَسَ عَلى السَرِيرِ ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ وفَوَّضَ المَلِكُ إلَيْهِ أمْرَهُ وعَزَلَ قِطْفِيرَ ثُمَّ ماتَ بَعْدُ فَزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ فَوَجَدَها عَذْراءَ فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ أفْراثِيمَ ومِيشا وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ وأحَبَّتْهُ الرِجالُ والنِساءُ وأسْلَمَ عَلى يَدَيْهِ المَلِكُ وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَعامَ بِالدَراهِمِ والدَنانِيرِ في السَنَةِ الأوْلى حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ في الثانِيَةِ ثُمَّ بِالدَوابِّ في الثالِثَةِ ثُمَّ بِالعَبِيدِ والإماءِ في الرابِعَةِ ثُمَّ بِالدُورِ والعَقارِ في الخامِسَةِ ثُمَّ بِأوْلادِهِمْ في السادِسَةِ ثُمَّ بِرِقابِهِمْ في السابِعَةِ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا ثُمَّ أعْتَقَ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم وكانَ لا يَبِيعُ لِأحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ وأصابَ أرْضَ كَنْعانَ نَحْوُ ما أصابَ مِصْرَ فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ لِيَمْتارُوا وذَلِكَ قَوْلُهُ.
يوسف 12:58
﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ بِلا تَعْرِيفٍ ﴿وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِتَبَدُّلِ الزِيِّ ولِأنَّهُ كانَ مِن وراءِ الحِجابِ ولِطُولِ المُدَّةِ وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم أخْبِرُونِي مَن أنْتُمْ وما شَأْنُكم قالُوا نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشامِ رُعاةٌ أصابَنا الجَهْدُ فَجِئْنا (p-١٢١)نَمْتارُ فَقالَ لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بِلادِي فَقالُوا مَعاذَ اللهِ نَحْنُ بَنُو نَبِيٍّ حَزِينٍ لِفَقْدِ ابْنٍ كانَ أحَبَّنا إلَيْهِ وقَدْ أمْسَكَ أخًا لَهُ مِن أُمِّهِ يَسْتَأْنِسُ بِهِ فَقالَ ائْتُونِي بِهِ إنْ صَدَقْتُمْ.
يوسف 12:59
﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم حِمْلَ بَعِيرٍ وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ شاذًّا ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ كانَ قَدْ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم رَغَّبَهم بِهَذا الكَلامِ عَلى الرُجُوعِ إلَيْهِ.
يوسف 12:60
﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ فَلا أبِيعُكم طَعامًا ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ تُحْرَمُوا ولا تَقْرَبُوا فَهو داخِلٌ في حُكْمِ الجَزاءِ مَجْزُومٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ﴾ أوْ هو بِمَعْنى النَهْيِ.
يوسف 12:61
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنُخادِعُهُ عَنْهُ ونَحْتالُ حَتّى نَنْزِعَهُ مِن يَدِهِ ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ذَلِكَ لا مَحالَةَ لا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى قالَ فَدَعُوا بَعْضَكم رَهْنًا فَتَرَكُوا عِنْدَهُ شَمْعُونَ وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ َ.
يوسف 12:62
﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، "لِفِتْيَتِهِ" غَيْرُهم وهُما جَمْعُ فَتًى كَإخْوَةٍ وإخْوانٍ في أخٍ، وفِعْلَةٌ لِلْقِلَّةِ، وفِعْلانٌ لِلْكَثْرَةِ أيْ: لِغِلْمانِهِ الكَيّالِينَ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ أوْعِيَتَهم وكانَتْ نِعالًا أوْ أُدْمًا أوْ ورِقًا وهو ألْيَقُ بِالدَسِّ في الرِحالِ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها وحَقَّ التَكَرُّمِ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ ﴿إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ وفَرَّغُوا ظُرُوفَهم ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ مَعْرِفَتَهم بِذَلِكَ تَدْعُوهم إلى الرُجُوعِ إلَيْنا أوْ رُبَّما لا يَجِدُونَ بِضاعَةً بِها يَرْجِعُونَ أوْ ما فِيهِمْ مِنَ الدِيانَةِ يُعِيدُهم لِرَدِّ الأمانَةِ أوْ لَمْ يَرَ مِنَ الكَرَمِ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنًا.
يوسف 12:63
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ﴾ بِالطَعامِ وأخْبَرُوهُ بِما فَعَلَ ﴿قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا (p-١٢٢)الكَيْلُ﴾ يُرِيدُونَ قَوْلَ يُوسُفَ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ [يوسف: ٦٠]، لِأنَّهم إذا أُنْذِرُوا بِمَنعِ الكَيْلِ فَقَدْ مُنِعَ الكَيْلُ ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ نَرْفَعِ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ و"نَكْتَلْ" مِنَ الطَعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ،" يَكْتَلْ" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ أيْ: يَكْتَلْ أخُونا فَيَنْضَمُّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَنْ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.
يوسف 12:64
﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي أنَّكم قُلْتُمْ في يُوسُفَ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] "كَما تَقُولُونَهُ في أخِيهِ ثُمَّ خُنْتُمْ بِضَمانِكم فَما يَأْمَنُنِي مِن مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ ﴿فاللهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ فَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ فِيهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وهو حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ، ومَن قَرَأ "حِفْظًا" فَهو تَمْيِيزٌ لا غَيْرُ ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾ فَأرْجُو أنْ يُنْعِمَ عَلَيَّ بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعَ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ قالَ كَعْبٌ: لَمّا قالَ ﴿فاللهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ قالَ اللهُ تَعالى وعِزَّتِي وجَلالِي لَأرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلَيْهِما.
يوسف 12:65
﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي﴾ ما لِلنَّفْيِ أيْ: ما نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَتَجاوَزُ الحَقَّ أوْ ما نَبْغِي شَيْئًا وراءَ ما فَعَلَ بِنا مِنَ الإحْسانِ أوْ ما نُرِيدُ مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى أوْ لِلِاسْتِفْهامِ أيْ: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ وراءَ هَذا ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِقَوْلِهِ "ما نَبْغِي" والجُمَلُ بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها أيْ: أنَّ بِضاعَتَنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَسْتَظْهِرُ بِها ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾ في رُجُوعِنا إلى المَلِكِ أيْ: نَجْلِبُ لَهم مِيرَةً وهي طَعامٌ يُحْمَلُ مِن غَيْرِ بَلَدِكَ ﴿وَنَحْفَظُ أخانا﴾ في ذَهابِنا ومَجِيئِنا فَما يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا تَخافُهُ ﴿وَنَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ نَزْدادُ وسْقَ (p-١٢٣)بَعِيرٍ بِاسْتِصْحابِ أخِينا ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ سَهْلٌ عَلَيْهِ مُتَيَسِّرٌ لا يَتَعاظَمُهُ.
يوسف 12:66
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ﴾ وبِالياءِ مَكِّيٌّ ﴿مَوْثِقًا﴾ عَهْدًا ﴿مِنَ اللهِ﴾ والمَعْنى حَتّى تُعْطُونِي ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن عِنْدِ اللهِ أيْ: أرادَ أنْ يَحْلِفُوا لَهُ بِاللهِ وإنَّما جَعَلَ الحَلِفَ بِاللهِ مُوثَقًا مِنهُ، لِأنَّ الحِلْفَ بِهِ مِمّا يُؤَكَّدُ بِهِ العُهُودُ وقَدْ أذِنَ اللهُ في ذَلِكَ فَهو إذْنٌ مِنهُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابُ اليَمِينِ، لِأنَّ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلَمْ تُطِيقُوا الإتْيانَ بِهِ فَهو مَفْعُولٌ لَهُ والكَلامُ المُثْبَتُ وهو قَوْلُهُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تَأْوِيلِ النَفْيِ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِالنَفْيِ أيْ: لا تَمْتَنِعُوا مِنَ الإتْيانِ إلّا لِلْإحاطَةِ بِكم، يَعْنِي لا تَمْتَنِعُوا مِنهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي أنْ يُحاطَ بِكم فَهو اسْتِثْناءُ مَن أعَمِّ العامِّ في المَفْعُولِ لَهُ والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العامِّ لا يَكُونُ إلّا في النَفْيِ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِالنَفْيِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قِيلَ حَلَفُوا بِاللهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿قالَ﴾ بَعْضُهم يَسْكُتُ عَلَيْهِ، لِأنَّ المَعْنى قالَ يَعْقُوبُ ﴿اللهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِن طَلَبِ المَوْثِقِ وإعْطائِهِ ﴿وَكِيلٌ﴾ رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ غَيْرَ أنَّ السَكْتَةَ تَفْصِلُ بَيْنَ القَوْلِ والمَقُولِ وذا لا يَجُوزُ فالأوْلى أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما بِالصَوْتِ فَيَقْصِدُ بِقُوَّةِ النَغْمَةِ اسْمَ اللهِ.
يوسف 12:67
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ لِجَمالِهِمْ وجَلالَةِ أمْرِهِمْ ولَمْ يَأْمُرْهم بِالتَفَرُّقِ في الكَرَّةِ الأوْلى، لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ في الكَرَّةِ الأوْلى فالعَيْنُ حَقٌّ عِنْدَنا ووُجِّهَ بِأنْ يُحْدِثَ اللهُ تَعالى عِنْدَ النَظَرِ إلى الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ نُقْصانًا فِيهِ وخَلَلًا، «وَكانَ النَبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللهِ التامَّةِ مِن كُلِّ هامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، » وأنْكَرَ الجُبّائِيُّ العَيْنَ وهو (p-١٢٤)مَرْدُودٌ بِما ذَكَرْنا وقِيلَ: إنَّهُ أحَبَّ أنْ لا يَفْطِنَ بِهِمْ أعْداؤُهم فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: إنْ كانَ اللهُ أرادَ بِكم سُوءًا لَمْ يَنْفَعْكم ولَمْ يَدْفَعْ عَنْكم ما أشَرْتُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ التَفَرُّقِ وهو مُصِيبُكم لا مَحالَةَ ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ التَوَكُّلُ تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللهِ تَعالى والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ.
يوسف 12:68
﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ دُخُولُهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴿مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما ساءَهم مَعَ تَفَرُّقِهِمْ مِن إضافَةِ السَرِقَةِ إلَيْهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ وأخْذِ أخِيهِمْ بِوِجْدانِ الصُواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعُفِ المُصِيبَةِ عَلى أبِيهِمْ ﴿إلا حاجَةً﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنَّ حاجَةً ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ﴾ [يوسف: ٦٧] وعِلْمُهُ بِأنَّ القَدْرَ لا يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ.
يوسف 12:69
﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ ضَمَّ إلَيْهِ بِنْيامِينَ ورُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ فَقالَ لَهم أحْسَنْتُمْ فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم ثُمَّ أضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ فَقالَ يُوسُفُ بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ وجَعَلَ يُؤاكِلُهُ وقالَ لَهُ أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ ومَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ فَبَكى يُوسُفُ وعانَقَهُ ثُمَّ ﴿قالَ﴾ لَهُ ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ (p-١٢٥)يُوسُفُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَلا تَحْزَنْ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِنا فِيما مَضى فَإنَّ اللهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ ولا تُعْلِمْهم بِما أعْلَمْتُكَ ورُوِيَ:أنَّهُ قالَ لَهُ فَأنا لا أُفارِقُكَ قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي بِي فَإنْ حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَدُ قالَ لا أُبالِي فافْعَلْ ما بَدا لَكَ قالَ فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم فَقالَ افْعَلْ.
يوسف 12:70
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ هَيَّأ أسْبابَهم وأوْفى الكَيْلَ لَهم ﴿جَعَلَ السِقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ السِقايَةُ هي مَشْرَبَةٌ يُسْقى بِها وهي الصُواعُ قِيلَ كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ لِعِزَّةِ الطَعامِ وكانَ يُشْبِهُ الطاسَ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ ثُمَّ نادى مُنادٍ آذَنَهُ أيْ: أعْلَمَهُ، وأذَّنَ: أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ رُوِيَ أنَّهُمُ ارْتَحَلُوا وأمْهَلَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى انْطَلَقُوا ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَأُدْرِكُوا وحُبِسُوا ثُمَّ قِيلَ لَهم ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ هي الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، لِأنَّها تَعِيرُ أيْ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ والمُرادُ أصْحابُ العِيرِ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَرِقَتِهِمْ إيّاهُ مِن أبِيهِ.
يوسف 12:71
﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ هو الصاعُ ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُهُ المُؤَذِّنُ يُرِيدُ وأنا بِحِمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى مَن جاءَ بِهِ وأرادَ وسْقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جُعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ.
يوسف 12:72
﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ هو الصاعُ ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُهُ المُؤَذِّنُ يُرِيدُ وأنا بِحِمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى مَن جاءَ بِهِ وأرادَ وسْقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جُعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ.
يوسف 12:73
﴿قالُوا تاللهِ﴾ قَسَمٌ فِيهِ مَعْنى التَعَجُّبِ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِمْ ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ لِما ثَبَتَ عِنْدَهم مِن دَلائِلِ دِينِهِمْ وأمانَتِهِمْ حَيْثُ دَخَلُوا وأفْواهُ رَواحِلِهِمْ مَشْدُودَةٌ لِئَلّا تَتَناوَلَ زَرْعًا أوْ طَعامًا لِأحَدٍ مِن أهْلِ السُوقِ ولِأنَّهم رَدُّوا بِضاعَتَهُمُ الَّتِي وجَدَها في رِحالِهِمْ ﴿وَما (p-١٢٦)كُنّا سارِقِينَ﴾ وما كُنّا نُوصَفُ قَطُّ بِالسَرِقَةِ.
يوسف 12:74
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ الضَمِيرُ لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في جُحُودِكم وادِّعاؤُكُمُ البَراءَةَ مِنهُ.
يوسف 12:75
﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: جَزاءُ سَرِقَتِهِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ وكانَ حُكْمُ السارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتُفْتُوا في جَزائِهِ وقَوْلُهم ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْحُكْمِ أيْ: فَأخْذُ السارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرُ، أوْ جَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الشَرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾ أيِ السُرّاقَ بِالِاسْتِرْقا.
يوسف 12:76
﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُهْمَةِ حَتّى بَلَغَ وِعاءَهُ فَقالَ ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا فَقالُوا: واللهِ لا نَتْرُكُهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أيِ الصُواعَ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾ ذَكَّرَ ضَمِيرَ الصُواعِ مَرّاتٍ ثُمَّ أنَّثَهُ، لِأنَّ التَأْنِيثَ يَرْجِعُ إلى السِقايَةِ أوْ لِأنَّ الصُواعَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، الكافُ في ﴿كَذَلِكَ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَظِيمِ ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْكَيْدِ وبَيانٌ لَهُ، لِأنَّ الحُكْمَ في دِينِ المَلِكِ أيْ: في سِيرَتِهِ لِلسّارِقِ أنْ يُغَرَّمَ مِثْلَيْ ما أخَذَ لا أنْ يُسْتَعْبَدَ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أيْ: ما كانَ لِيَأْخُذَهُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ وإرادَتِهِ فِيهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ﴾ بِالتَنْوِينِ كُوفِيٌّ ﴿مَن نَشاءُ﴾ أيْ: في العِلْمِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ فِيهِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَوْقَهُ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ في عِلْمِهِ أوْ فَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ عَلِيمٌ هم دُونَهُ في العِلْمِ وهو اللهُ عَزَّ وجَلَّ (p-١٢٧)
يوسف 12:77
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ أرادُوا يُوسُفَ، قِيلَ دَخَلَ كَنِيسَةً فَأخَذَ تَمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ فَدَفَنَهُ،وَقِيلَ كانَ في المَنزِلِ دَجاجَةٌ فَأعْطاها السائِلَ، وقِيلَ: كانَتْ مِنطَقَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَتَوارَثُها أكابِرُ ولَدِهِ فَوَرِثَها إسْحَقَ ثُمَّ وقَعَتْ إلى ابْنَتِهِ وكانَتْ أكْبَرَ أوْلادِهِ فَحَضَنَتْ يُوسُفَ وهي عَمَّتُهُ بَعْدَ وفاةِ أُمِّهِ وكانَتْ لا تَصْبِرُ عَنْهُ فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَنْزِعَهُ مِنها فَعَمَدَتْ إلى المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيابِهِ وقالَتْ: فُقِدَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن أخَذَها فَوَجَدُوها مَحْزُومَةً عَلى يُوسُفَ فَقالَتْ إنَّهُ لِي سَلَمٌ أفْعَلُ بِهِ ما شِئْتُ فَخَلّاهُ يَعْقُوبُ عِنْدَها حَتّى ماتَتْ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا اسْتَخْرَجُوا الصاعَ مِن رَحْلِ بِنْيامِينَ نَكَّسَ إخَوَتُهُ رُءُوسَهم حَياءً وأقْبَلُوا عَلَيْهِ وقالُوا لَهُ فَضَحْتَنا وسَوَّدْتَ وُجُوهَنا، يا بَنِي راحِيلَ ما يَزالُ لَنا مِنكم بَلاءٌ مَتى أخَذْتَ هَذا الصاعَ فَقالَ بَنُو راحِيلَ الَّذِينَ لا يَزالُ مِنكم عَلَيْهِمْ بَلاءٌ ذَهَبْتُمْ بِأخِي فَأهْلَكْتُمُوهُ ووَضَعَ هَذا الصُواعَ في رَحْلَيِ الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم ﴿فَأسَرَّها﴾ أيْ: مَقالَتَهم:إنَّهُ سَرَقَ كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْها ﴿يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ تَمْيِيزٌ أيْ: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً في السَرَقِ، لِأنَّكم سَرَقْتُمْ أخاكم يُوسُفَ مِن أبِيهِ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ تَقُولُونَ أوْ تَكْذِبُونَ.
يوسف 12:78
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ في السِنِّ وفي القَدْرِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ أبْدِلْهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِرْهانِ أوِ الِاسْتِعْبادِ فَإنَّ أباهُ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ أخِيهِ المَفْقُودِ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلَيْنا فَأتْمِمْ إحْسانَكَ أوْ مِن عادَتِكَ الإحْسانُ فاجْرِ عَلى عادَتِكَ ولا تُغَيِّرْها.
يوسف 12:79
﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ: نَعُوذُ بِاللهِ مَعاذًا (p-١٢٨)مِن أنْ نَأْخُذَ فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ بِهِ وحُذِفَ "مِن"،
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ إذًا جَوابٌ لَهم وجَزاءٌ، لِأنَّ المَعْنى إنْ أخَذْنا بَدَلَهُ ظَلَمْنا وهَذا، لِأنَّهُ وجَبَ عَلى قَضِيَّةِ فَتْواكم أخْذُ مَن وُجِدَ الصاعُ في رَحْلِهِ واسْتِعْبادُهُ فَلَوْ أخَذْنا غَيْرَهُ كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا في مَذْهَبِكم فَلِمَ تَطْلُبُونَ ما عَرَفْتُمْ أنَّهُ ظُلْمٌ.
يوسف 12:80
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا﴾ يَئِسُوا وزِيادَةُ السِينِ والتاءِ لِلْمُبالَغَةِ كَما مَرَّ في اسْتَعْصَمَ ﴿مِنهُ﴾ مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ إيّاهم ﴿خَلَصُوا﴾ انْفَرَدُوا عَنِ الناسِ خالِصِينَ لا يُخالِطُهم سِواهم ﴿نَجِيًّا﴾ ذَوِي نَجْوى أوْ فَوْجًا نَجِيًّا أيْ: مُناجِيًا لِمُناجاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أوْ تَمَحَّضُوا تَناجِيًا لِاسْتِجْماعِهِمْ لِذَلِكَ وإفاضَتِهِمْ فِيهِ بِجِدٍّ واهْتِمامٍ كَأنَّهم في أنْفُسِهِمْ صُورَةُ التَناجِي وحَقِيقَتُهُ، فالنَجِيُّ يَكُونُ بِمَعْنى المُناجِي كالسَمِيرِ بِمَعْنى المُسامِرِ وبِمَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَناجِي وكانَ تَناجِيهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِهِمْ عَلى أيِّ صِفَةٍ يَذْهَبُونَ وماذا يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ؟ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِنِّ وهو رُوبِينُ أوْ في العَقْلِ والرَأْيِ وهو يَهُوذا أوْ رَئِيسُهم وهو شَمْعُونُ ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ ما صِلَةٌ أيْ: ومِن قَبْلِ هَذا قَصَّرْتُمْ في شَأْنِ يُوسُفَ ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَحَلُّ المَصْدَرِ الرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَرْفُ وهو "مِن قَبْلُ" ومَعْناهُ: وقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في الِانْصِرافِ إلَيْهِ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ بِالخُرُوجِ مِنها أوْ بِالمَوْتِ أوَ بِقِتالِهِمْ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾، لِأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ.
يوسف 12:81
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ وقُرِئَ "سُرِّقَ" أيْ: نُسِبَ إلى السَرِقَةِ ﴿وَما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ بِالسَرِقَةِ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ مِن سَرِقَتِهِ (p-١٢٩)وَتَيَقَّنّا إذِ الصُواعُ اسْتُخْرِجَ مِن وِعائِهِ ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ وما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَسْرِقُ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ.
يوسف 12:82
﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنِي مِصْرَ أيْ: أرْسِلْ إلى أهْلِها فاسْألْهم عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ وأصْحابَ العِيرِ وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ في قَوْلِنا فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهُمْ.
يوسف 12:83
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ وإلّا فَمَن أدْرى ذَلِكَ الرَجُلَ أنَّ السارِقَ يُسْتَرَقُّ لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمُكم ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بِيُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمْ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي في الحُزْنِ والأسَفِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنِي بِذَلِكَ إلّا لِحِكْمَةٍ.
يوسف 12:84
﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ وأعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ ﴿وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ أضافَ الأسَفَ وهو أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ إلى نَفْسِهِ والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ والتَجانُسُ بَيْنَ الأسَفِ ويُوسُفَ غَيْرُ مُتَكَلَّفٍ ونَحْوُهُ ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] " ويَحْسَبُونَ أنْهَمْ يَحْسُنُونَ صُنْعًا " ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ أخِيهِ وكَبِيرِهِمْ لِتَمادِي أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ دُونَ الآخَرَيْنِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرُزْءَ فِيهِ مَعَ تَقادُمِ عَهْدِهِ كانَ غَضًّا عِنْدَهُ طَرِيًّا ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ﴾ إذْ أكْثَرَ الِاسْتِعْبارَ ومَحَقَتِ العِبْرَةُ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدَرٍ، وقِيلَ قَدْ عَمِيَ بَصَرُهُ وقِيلَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾، لِأنَّ الحُزْنَ سَبَبُ البُكاءِ الَّذِي حَدَثَ مِنهُ البَياضُ فَكَأنَّهُ حَدَثَ مِنَ الحُزْنِ، قِيلَ: ما جَفَّتْ عَيْنا يَعْقُوبَ مِن وقْتِ فِراقِ يُوسُفَ إلى حِينِ لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا وما عَلى وجْهِ الأرْضِ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن يَعْقُوبَ، ويَجُوزُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ (p-١٣٠)أنْ يَبْلُغَ بِهِ الجَزَعُ ذَلِكَ المَبْلَغَ، لِأنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى أنْ لا يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الحُزْنِ فَلِذَلِكَ حُمِدَ صَبْرُهُ، «وَلَقَدْ بَكى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ:القَلْبُ يَجْزَعُ والعَيْنُ تَدْمَعُ ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَبَّ وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" » وإنَّما المَذْمُومُ الصِياحُ والنِياحَةُ ولَطْمُ الصُدُورِ والوُجُوهِ وتَمْزِيقُ الثِيابِ ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ ولا يُظْهِرُ ما يَسُوءُهم، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] مِن كَظَمَ السِقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلْئِهِ.
يوسف 12:85
﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ﴾ أيْ: لا تَفْتَأُ فَحُذِفَ حَرْفُ النَفْيِ، لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ إذْ لَوْ كانَ إثْباتًا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ اللامِ والنُونِ ومَعْنى "لا تَفْتَأُ" لا تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ مَرَضًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾
يوسف 12:86
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ﴾ البَثُّ أصْعَبُ الهَمِّ الَّذِي لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ فَيَبُثُّهُ إلى الناسِ أيْ: يَنْشُرُهُ أيْ: لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكم إنَّما أشْكُو إلى رَبِّي داعِيًا لَهُ ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ فَخَلُّونِي وشِكايَتِي ورُوِيَ أنَّهُ أُوحِيَ إلى يَعْقُوبَ: إنَّما وجَدْتُ عَلَيْكم، لِأنَّكم ذَبَحْتُمْ شاةً فَوَقَفَ بِبابِكم مِسْكِينٌ فَلَمْ تُطْعِمُوهُ وإنَّ أحَبَّ خَلْقِي إلَيَّ الأنْبِياءُ ثُمَّ المَساكِينُ فاصْنَعْ طَعامًا وادْعُ عَلَيْهِ المَساكِينَ وقِيلَ اشْتَرى جارِيَةً مَعَ ولَدِها فَباعَ ولَدَها فَبَكَتْ حَتّى عَمِيَتْ ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأعْلَمُ مِن رَحْمَتِهِ أنَّهُ يَأْتِينِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ ورُوِيَ: أنَّهُ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في مَنامِهِ فَسَألَهُ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ فَقالَ لا واللهِ هو حَيٌّ فاطْلُبْهُ وعَلَّمَهُ هَذا الدُعاءَ يا ذا المَعْرُوفِ الدائِمِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ مَعْرُوفُهُ أبَدًا ولا يُحْصِيهِ غَيْرُكَ فَرِّجْ عَنِّي (p-١٣١)
يوسف 12:87
﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ فَتَعَرَّفُوا مِنهُما وتَطَلَّبُوا خَبَرَهُما وهو تَفَعُّلٌ مِنَ الإحْساسِ وهو المَعْرِفَةُ ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ﴾ ولا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ وفَرَجِهِ ﴿إنَّهُ﴾ إنَّ الأمْرَ والشَأْنَ ﴿لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾، لِأنَّ مَن آمَنَ يَعْلَمُ أنَّهُ مُتَقَلِّبٌ في رَحْمَةِ اللهِ ونِعْمَتِهِ وأمّا الكافِرُ فَلا يَعْرِفُ رَحْمَةَ اللهِ ولا تَقَلُّبَهُ في نِعْمَتِهِ فَيَيْأسُ مَن رَحْمَتِهِ فَخَرَجُوا مِن عِنْدِ أبِيهِمْ راجِعِينَ إلى مِصْرَ.
يوسف 12:88
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ﴾ الهُزالُ مِنَ الشِدَّةِ والجُوعِ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا لَها مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ قِيلَ: كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ وقِيلَ كانَتْ صُوفًا وسَمْنًا ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ الَّذِي هو حَقُّنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ وتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِالمُسامَحَةِ والإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ أوْ زِدْنا عَلى حَقِّنا أوْ هَبْ لَنا أخانا ﴿إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ لَمّا قالُوا "مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ" وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمُ ارْفَضَّتْ عَيْناهُ ولَمْ يَتَمالَكْ أنْ عَرَّفَهم نَفْسَهُ حَيْثُ قالَ.
يوسف 12:89
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ أيْ: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ﴿وَأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ لا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ أوْ إذْ أنْتُمْ في حَدِّ السَفَهِ والطَيْشِ، وفِعْلُهم بِأخَيْهِ تَعْرِيضُهم إيّاهُ لِلْغَمِّ بِإفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ وإيذاؤُهم لَهُ بِأنْواعِ الأذى.
يوسف 12:90
﴿قالُوا أإنَّكَ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ كُوفِيٌّ وشامِيٌّ ﴿لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اللامُ لامُ الِابْتِداءِ و"أنْتَ" مُبْتَدَأٌ و"يُوسُفُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ وإنَّما ذَكَرَ أخاهُ وهم قَدْ سَألُوهُ عَنْ نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كانَ في ذِكْرِ (p-١٣٢)أخِيهِ بَيانٌ لِما سَألُوهُ عَنْهُ ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بِالأُلْفَةِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، وذَكَرَ نِعْمَةَ اللهِ بِالسَلامَةِ والكَرامَةِ ولَمْ يَبْدَأْ بِالمَلامَةِ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ الفَحْشاءَ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطاعَةِ ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَهم فَوَضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ والصابِرِينَ وقِيلَ "مَن يَتَّقِ" مَوْلاهُ "وَيَصْبِرْ" عَلى بَلْواهُ لا يَضِيعُ أجْرُهُ في دُنْياهُ وعُقْباهُ.
يوسف 12:91
﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِالعِلْمِ والحِلْمِ والتَقْوى والصَبْرِ الحَسَنِ ﴿وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ وإنَّ شَأْنَنا وحالَنا أنّا كُنّا خاطِئِينَ مُتَعَمِّدِينَ لِلْإثْمِ لَمْ نَتَّقِ ولَمْ نَصْبِرْ لا جَرَمَ أنَّ اللهَ أعَزَّكَ بِالمُلْكِ وأذَلَّنا بِالتَمَسْكُنِ بَيْنَ يَدَيْكَ.
يوسف 12:92
﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالتَثْرِيبِ أوْ بِيَغْفِرُ والمَعْنى: لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ، وهو اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَثْرِيبِ فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ فَدَعا لَهم بِمَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِنهم يُقالُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ ويُغْفَرُ لَكَ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ أوِ "اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ" بِشارَةٌ بِعاجِلِ غُفْرانِ اللهِ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ فَقالَ لِقُرَيْشٍ ما تَرَوْنَنِي فاعِلًا بِكم ؟ قالُوا نَظُنُّ خَيْرًا، أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، وقَدْ قَدَرْتُ، فَقالَ: أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفَ: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ »، ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا جاءَ لِيُسْلِمَ قالَ لَهُ العَبّاسُ إذا أتَيْتَ رَسُولَ اللهِ فاتْلُ عَلَيْهِ: "قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ" فَفَعَلَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " غَفَرَ اللهُ لَكَ ولِمَن عَلَّمَكَ" »، ويُرْوى (p-١٣٣)أنَّ إخْوَتَهُ لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ أنَّكَ تَدْعُونا إلى طَعامِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ لِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ فَقالَ يُوسُفُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ فَإنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأوْلى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ ولَقَدْ شَرُفْتُ الآنَ بِكم حَيْثُ عَلِمَ الناسُ أنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾ أيْ: إذا رَحِمْتُكم وأنا الفَقِيرُ القَتُورُ فَما ظَنُّكم بِالغَنِيِّ الغَفُورِ.
يوسف 12:93
ثُمَّ سَألَهم عَنْ حالِ أبِيهِ فَقالُوا إنَّهُ عَمِيَ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ قالَ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هو القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في تَعْوِيذِ يُوسُفَ وكانَ مِنَ الجَنَّةِ أمَرَهُ جِبْرِيلُ أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِ فَإنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى ولا سَقِيمٍ إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَصِرْ بَصِيرًا تَقُولُ:جاءَ البِناءُ مُحْكَمًا أيْ: صارَ، أوْ "يَأْتِ" إلَيَّ وهو بَصِيرٌ قالَ يَهُوذا: أما أحْمِلُ قَمِيصَ الشِفاءِ كَما ذَهَبْتُ بِقَمِيصِ الجَفاءِ وقِيلَ:حَمَلَهُ وهو حافٍ حاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِيَنْعَمُوا بِآثارِ مُلْكِي كَما اغْتَمُّوا بِأخْبارِ هَلْكِي.
يوسف 12:94
﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ خَرَجَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ يُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا إذا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانِهِ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ لِوَلَدِ ولَدِهِ ومَن حَوْلَهُ مِن قَوْمِهِ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْجَدَهُ اللهُ رِيحَ القَمِيصِ حِينَ أقْبَلَ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ التَفْنِيدُ النِسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَرَفُ وإنْكارُ العَقْلِ مِن هَرَمٍ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ والمَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُون.
يوسف 12:95
﴿قالُوا﴾ أيْ: أسَباطُهُ ﴿تاللهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ لَفي ذَهابِكَ (p-١٣٤)عَنِ الصَوابِ قَدِيمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ أوْ في خَطَئِكَ القَدِيمِ مِن حُبِّ يُوسُفَ وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ.
يوسف 12:96
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ أيْ: يَهُوذا ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ ﴿فارْتَدَّ﴾ فَرَجَعَ ﴿بَصِيرًا﴾ يُقالُ رَدَّهُ فارْتَدَّ، وارْتَدَّهُ إذا ارْتَجَعَهُ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] أوْ قَوْلَهُ ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وقَوْلُهُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ أوْ وقَعَ عَلَيْهِ والمُرادُ قَوْلُهُ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] ورُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ قالَ هو مَلِكُ مِصْرَ فَقالَ ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ قالَ عَلى دِينِ الإسْلامِ قالَ الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ.
يوسف 12:97
﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ أيْ: سَلِ اللهَ مَغْفِرَةَ ما ارْتَكَبْنا في حَقِّكَ وحَقِّ ابْنِكَ إنّا تُبْنا واعْتَرَفْنا بِخَطايانا.
يوسف 12:98
﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى وقْتِ السَحَرِ أوْ إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ أوْ لِيَتَعَرَّفَ حالَهم في صِدْقِ التَوْبَةِ أوْ إلى أنْ يَسْألَ يُوسُفَ هَلْ عَفا عَنْهم ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ وجَّهَ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ فَلَمّا بَلَغَ قَرِيبًا مِن مِصْرَ خَرَجَ يُوسُفُ والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا.
يوسف 12:99
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ﴾ ضَمَّ إلَيْهِ ﴿أبَوَيْهِ﴾ واعْتَنَقَهُما قِيلَ كانَتْ أمُّهُ باقِيَةً وقِيلَ ماتَتْ وتَزَوَّجَ أبُوهُ خالَتَهُ والخالَةُ أمٌّ كَما أنَّ العَمَّ أبٌ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ومَعْنى دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ أنَّهُ حِينَ اسْتَقْبَلَهم أنْزَلَهم في مَضْرِبِ خَيْمَةٍ (p-١٣٥)أوْ قَصْرٍ كانَ لَهُ ثَمَّةَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وضَمَّ إلَيْهِ أبَوَيْهِ ﴿وَقالَ﴾ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ مِن مُلُوكِها وكانُوا لا يَدْخُلُونَها إلّا بِجِوارٍ أوْ مِنَ القَحْطِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا لَقِيَهُ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ وقالَ لَهُ يُوسُفُ:يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا قالَ بَلى ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ يُسْلَبَ دِينُكَ فَيُحالَ بَيْنِي وبَيْنَكَ وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ووَلَدَهُ دَخَلُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ ما بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ وخَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى ومُقاتِلَتِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وسَبْعُونَ رَجُلًا سِوى الذُرِّيَّةِ والهَرْمى وكانَتِ الذُرِّيَّةُ ألْفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ.
يوسف 12:100
﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قِيلَ لَمّا دَخَلُوا مِصْرَ وجَلَسَ في مَجْلِسِهِ مُسْتَوِيًا عَلى سَرِيرِهِ واجْتَمَعُوا إلَيْهِ أكْرَمَ أبَوَيْهِ فَرَفَعَهُما عَلى السَرِيرِ وخَرُّوا لَهُ يَعْنِي الإخْوَةُ الأحَدَ عَشْرَةَ والأبَوَيْنِ سُجَّدًا وكانَتِ السَجْدَةُ عِنْدَهم جارِيَةً مَجْرى التَحِيَّةِ والتَكْرُمَةِ كالقِيامِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ وقالَ الزَجّاجُ سُنَّةُ التَعْظِيمِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يُسْجَدَ لِلْمُعَظَّمِ وقِيلَ ما كانَتْ إلّا انْحِناءَةً دُونَ تَعْفِيرِ الجِباهِ، وخَرُورُهم سُجَّدًا يَأْباهُ وقِيلَ وخَرُّوا لِأجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا وفِيهِ نُبُوَّةٌ أيْضًا واخْتُلِفَ في اسْتِنْبائِهِمْ ﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها﴾ أيِ الرُؤْيا ﴿رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صادِقَةً وكانَ بَيْنَ الرُؤْيا وبَيْنَ التَأْوِيلِ أرْبَعُونَ سَنَةً أوْ ثَمانُونَ أوْ سِتٌّ وثَلاثُونَ أوِ اثْنَتانِ وعِشْرُونَ ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ يُقالُ أحْسَنَ إلَيْهِ وبِهِ كَذَلِكَ أساءَ إلَيْهِ وبِهِ ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِجْنِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الجُبَّ لِقَوْلِهِ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ مِنَ البادِيَةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ مَواشٍ يَنْتَقِلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا (p-١٣٦)وَأغْرى ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ لِما يَشاءُ أيْ: لَطِيفُ التَدْبِيرِ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ بِتَأْخِيرِ الآمالِ إلى الآجالِ أوْ حَكَمَ بِالِائْتِلافِ بَعْدَ الِاخْتِلافِ.
يوسف 12:101
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ مُلْكِ مِصْرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ تَفْسِيرِ كُتُبِ اللهِ أوْ تَعْبِيرِ الرُؤْيا ومِن فِيهِما لِلتَّبْعِيضِ إذْ لَمْ يُؤْتَ إلّا بَعْضَ مُلْكِ الدُنْيا وبَعْضَ التَأْوِيلِ ﴿فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى النِداءِ ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ أنْتَ الَّذِي تَتَوَلّانِي بِالنِعْمَةِ في الدارَيْنِ وبِوَصْلِ المُلْكِ الفانِي بِالمُلْكِ الباقِي ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ طَلَبَ الوَفاةَ عَلى حالِ الإسْلامِ كَقَوْلِ يَعْقُوبَ لِوَلَدِهِ ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وعَنِ الضَحّاكِ مُخْلِصًا، وعَنِ التُسْتَرِيِّ مُسْلِمًا إلَيْكَ أمْرِي، وفي "عِصْمَةِ الأنْبِياءِ": " إنَّما دَعا بِهِ يُوسُفَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قَوْمُهُ ومَن بَعْدَهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَأْمُونِ العاقِبَةِ، لِأنَّ ظَواهِرَ الأنْبِياءِ لِنَظَرِ الأُمَمِ إلَيْهِمْ" ﴿وَألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾ مِن آبائِي أوْ عَلى العُمُومِ،
وَرُوِيَ أنَّ يُوسُفَ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ فَطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ خَزائِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وخَزائِنَ الثِيابِ وخَزائِنَ السِلاحِ حَتّى أدْخَلَهُ خِزانَةَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ ما أعَقَّكَ ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ فَقالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ، قالَ أوَ ما تَسْألُهُ قالَ أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ مِنِّي فاسْألْهُ فَقالَ جِبْرِيلُ: اللهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ ﴿وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] فَهَلّا خِفْتَنِي، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ ماتَ وأوْصى أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّةَ ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ وعاشَ بَعْدَ أبِيهِ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمّا تَمَّ أمْرُهُ طَلَبَتْ نَفْسُهُ المُلْكَ الدائِمَ فَتَمَنّى المَوْتَ وقِيلَ ما تَمَنّاهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ فَتَوَفّاهُ اللهُ طَيِّبًا طاهِرًا فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ وتَشاحَنُوا في دَفْنِهِ كُلٌّ يُحِبُّ أنْ يُدْفَنَ في مَحِلَّتِهِمْ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ فَرَأوْا أنْ يَعْمَلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن مَرْمَرٍ (p-١٣٧)وَجَعَلُوهُ فِيهِ ودَفَنُوهُ في النِيلِ بِمَكانٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا كُلُّهم فِيهِ شَرْعًا حَتّى نَقَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ تابُوتَهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ووُلِدَ لَهُ إفْراثِيمُ ومِيشا ووُلِدَ لِإفْراثِيمَ نُونُ ولِنُونَ يُوشَعُ فَتى مُوسى ولَقَدْ تَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مِنَ العَمالِيقِ بَعْدَهُ مِصْرَ ولَمْ تَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ وآبائِهِ.
يوسف 12:102
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ يُوسُفَ والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرانِ ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لَدى بَنِي يَعْقُوبَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ عَزَمُوا عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ في البِئْرِ ﴿وَهم يَمْكُرُونَ﴾ بِيُوسُفَ ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ والمَعْنى أنَّ هَذا النَبَأ غَيْبٌ لَمْ يَحْصُلْ لَكَ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ، لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ اتَّفَقُوا عَلى إلْقاءِ أخِيهِمْ في البِئْرِ.
يوسف 12:103
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
أرادَ العُمُومَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ أيْ: وما هم بِمُؤْمِنِينَ ولَوِ اجْتَهَدْتَ كُلَّ الِاجْتِهادِ عَلى إيمانِهِمْ.
يوسف 12:104
﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ عَنِ التَبْلِيغِ أوْ عَلى القُرْآنِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ جُعْلًا ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ﴾ ما هو إلّا عِظَةٌ مِنَ اللهِ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولٍ مِن رُسُلِهِ.
يوسف 12:105
﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ مِن عَلامَةٍ ودَلالَةٍ عَلى الخالِقِ وعَلى صِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ ﴿فِي السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ عَلى الآياتِ أوْ عَلى الأرْضِ ويُشاهِدُونَها ﴿وَهم عَنْها﴾ عَنِ الآياتِ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَعْتَبِرُونَ بِها، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ.
يوسف 12:106
﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ أيْ: وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم في (p-١٣٨)إقْرارِهِ بِاللهِ وبِأنَّهُ خَلَقَهُ وخَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ إلّا وهو مُشْرِكٌ بِعِبادَةِ الوَثَنِ، الجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِاللهِ خالِقِهِمْ ورازِقِهِمْ واذا حَزَبَهم أمْرٌ شَدِيدٌ دَعَوُا اللهَ ومَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ ومِن جُمْلَةِ الشِرْكِ ما يَقُولُهُ القَدَرِيَّةُ مِن إثْباتِ قُدْرَةِ التَخْلِيقِ لِلْعَبْدِ. والتَوْحِيدُ المَحْضُ: ما يَقُولُهُ أهْلُ السُنَّةِ وهو أنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللهُ.
يوسف 12:107
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ﴾ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم ﴿مِن عَذابِ اللهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ الساعَةُ﴾ القِيامَةُ ﴿بَغْتَةً﴾ حالٌ أيْ: فَجْأةً ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِها.
يوسف 12:108
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ هَذِهِ السَبِيلُ الَّتِي هي الدَعْوَةُ إلى الإيمانِ والتَوْحِيدِ سَبِيلِي، والسَبِيلُ والطَرِيقُ: يُذَكَّرانِ ويُؤَنَّثانِ ثُمَّ فَسَّرَ سَبِيلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ: أدْعُو إلى دِينِهِ مَعَ حُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ ﴿أنا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَتِرِ في أدْعُو ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْ: أدْعُو إلى سَبِيلِ اللهِ أنا ويَدْعُو إلَيْهِ مَنِ اتَّبَعَنِي أوْ أنا مُبْتَدَأٌ و"عَلى بَصِيرَةٍ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ "وَمَنِ اتَّبَعَنِي" عَطْفٌ عَلى "أنا" يُخْبِرُ ابْتِداءً بِأنَّهُ ومَنِ اتَّبَعَهُ عَلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ لا عَلى هَوًى ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ وأُنَزِّهُهُ عَنِ الشُرَكاءِ ﴿وَما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ.
يوسف 12:109
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا﴾ لا مَلائِكَةً، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] أوْ لَيْسَتْ فِيهِمُ امْرَأةٌ ﴿نُوحِي﴾ بِالنُونِ حَفْصٌ ﴿إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾، لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ وأهْلُ البَوادِي فِيهِمُ الجَهْلُ والجَفاءُ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيْ: "وَلَدارُ" الساعَةِ "الآخِرَةِ" ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِرْكَ وآمَنُوا بِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وبِالياءِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ (p-١٣٩)
يوسف 12:110
﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ﴾ يَئِسُوا مِن إيمانِ القَوْمِ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ وأيْقَنَ الرُسُلُ أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم، وبِالتَخْفِيفِ: كُوفِيٌّ، أيْ: وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُسُلَ قَدْ كُذِبُوا أيْ: أُخْلِفُوا أوْ وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّهم كُذِبُوا مِن جِهَةِ الرُسُلِ أيْ: كَذَبَتْهُمُ الرُسُلُ في أنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُصَدِّقُوهم فِيهِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ بِهِمْ فَجْأةً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ ﴿فَنُجِّيَ﴾ بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وفَتْحِ الياءِ شامِيٌّ وعاصِمٌ، عَلى لَفْظِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ والقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ "مَن"، الباقُونَ: "فَنُنْجِي" بِنُونَيْنِ ثانِيَتُهُما ساكِنَةٌ مُخْفاةٌ لِلْجِيمِ بَعْدَها وإسْكانِ الياءِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ أيِ النَبِيَّ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ عَذابُنا ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ الكافِرِينَ.
يوسف 12:111
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ أيْ: في قَصَصِ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ أوْ في قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ حَيْثُ نُقِلَ مِن غايَةِ الحُبِّ إلى غَيابَةِ الجُبِّ ومِنَ الحَصِيرِ إلى السَرِيرِ فَصارَتْ عاقِبَةُ الصَبْرِ سَلامَةً وكَرامَةً ونِهايَةُ المَكْرِ وخامَةً ونَدامَةً ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ ما كانَ القُرْآنُ حَدِيثًا مُفْتَرًى كَما زَعَمَ الكُفّارُ ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الكُتُبِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِينِ، لِأنَّهُ القانُونُ الَّذِي تَسْتَنِدُ إلَيْهِ السُنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ ﴿وَهُدًى﴾ مِنَ الضَلالِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللهِ وأنْبِيائِهِ، وما نُصِبَ بَعْدَ "لَكِنْ " مَعْطُوفٌ عَلى خَبَرِ "كانَ" (p-١٤٠). عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «عَلِّمُوا أرِقّاءَكم سُورَةَ يُوسُفَ فَأيُّما عَبْدٍ تَلاها وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ سَكَراتِ المَوْتِ وأعْطاهُ القُوَّةَ أنْ لا يَحْسُدَ مُسْلِمًا » "، قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: " في ذِكْرِ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وإخْوَتِهِ تَصْبِيرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى أذى قُرَيْشٍ كَأنَّهُ يَقُولُ إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ مَعَ مُوافَقَتِهِمْ إيّاهُ في الدِينِ ومَعَ الأُخُوَّةِ عَمِلُوا بِيُوسُفَ ما عَمِلُوا مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ وصَبَرَ عَلى ذَلِكَ فَأنْتَ مَعَ مُخالَفَتِهِمْ إيّاكَ في الدِينِ أحْرى أنْ تَصْبِرَ عَلى أذاهم "، وقالَ وهْبٌ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا إلّا وفِيهِ سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ تامَّةً كَما هي في القُرْآنِ العَظِيمِ، واللهُ أعْلَمُ.
الرعد 13:1
(p-١٤١)سُورَةُ الرَعْدِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً كُوفِيٌّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً شامِيٌّ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿المر﴾ أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُورَةِ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أُرِيدَ بِالكِتابِ السُورَةُ أيْ: تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُورَةِ الكامِلَةِ العَجِيبَةِ في بابِها ﴿والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ القُرْآنُ كُلُّهُ ﴿الحَقُّ﴾ خَبَرُ " والَّذِي" ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ مُحَمَّدٌ.
الرعد 13:2
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الإيمانَ فَقالَ ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ﴾ أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً لا أنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً فَرَفَعَها و"اللهُ" مُبْتَدَأ والخَبَرُ "الَّذِي رَفَعَ السَمَواتِ" ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ حالٌ وهو جَمْعُ عِمادٍ أوْ عَمُودٍ ﴿تَرَوْنَها﴾ الضَمِيرُ يَعُودُ إلى "السَمَواتِ" أيْ: تَرَوْنَها كَذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى البَيانِ أوْ إلى "عَمْدٍ" فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"عَمَدٍ" أيْ: بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ اسْتَوْلى بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُلْطانِ ﴿وَسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ لِمَنافِعِ عِبادِهِ ومَصالِحِ بِلادِهِ ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو انْقِضاءُ الدُنْيا ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أمْرَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ يُبَيِّنُ آياتِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ لَعَلَّكم تُوقِنُونَ بِأنَّ هَذا المُدَبِّرَ والمُفَصِّلَ لا بُدَّ لَكم مِنَ الرُجُوعِ إلَيْهِ (p-١٤٢)
الرعد 13:3
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ بَسَطَها ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿وَأنْهارًا﴾ جارِيَةً ﴿وَمِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ الأسْوَدَ والأبْيَضَ والحُلْوَ والحامِضَ والصَغِيرَ والكَبِيرَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ﴾ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ مُنِيرًا "يُغَشِّي" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ لَها صانِعًا عَلِيمًا حَكِيمًا قادِرًا.
الرعد 13:4
﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ بِقاعٌ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ كَوْنِها مُتَجاوِرَةً مُتَلاصِقَةً طَيِّبَةً إلى سَبْخَةٍ وكَرِيمَةً إلى زَهِيدَةٍ وصُلْبَةً إلى رِخْوَةٍ وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قادِرٍ مُدَبِّرٍ مُرِيدٍ مُوقِعٍ لِأفْعالِهِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ ﴿وَجَنّاتٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى "قِطَعٌ" ﴿مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ بِالرَفْعِ:مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وحَفْصٌ،عَطْفٌ عَلى "قِطَعٌ" غَيْرُهم بِالجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى أعْنابٍ، والصِنْوانُ جَمْعٌ صِنْوٍ وهي النَخْلَةُ لَها رَأْسانِ وأصْلُها واحِدٌ، وعَنْ حَفْصٍ بِضَمِّ الصادِ وهُما لُغَتانِ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ وبِالياءِ عاصِمٌ وشامِيٌّ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ﴾ وبِالياءِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿فِي الأُكُلِ﴾ في الثَمَرِ،وَبِسُكُونِ الكافِ نافِعٌ ومَكِّيٌّ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عَنِ الحَسَنِ: مَثَّلَ اخْتِلافَ القُلُوبِ في آثارِها وأنْوارِها وأسْرارِها بِاخْتِلافِ القِطَعِ في أنْهارِها وأزْهارِها وثِمارِها.
الرعد 13:5
﴿وَإنْ تَعْجَبْ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ (p-١٤٣)خَبَرٌ ومُبْتَدَأٌ أيْ: فَقَوْلُهم حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ، لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ ما عَدَّدَ عَلَيْكَ كانَتِ الإعادَةُ أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأيْسَرَهُ فَكانَ إنْكارُهم أُعْجُوبَةً مِنَ الأعاجِيبِ ﴿أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في مَحَلِّ الرَفْعِ بَدَلٌ مِن "قَوْلُهُمْ" قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ كُلُّ واحِدٍ بِهَمْزَتَيْنِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أُولَئِكَ الكافِرُونَ المُتَمادُونَ في كُفْرِهِمْ ﴿وَأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ وصْفٌ لَهم بِالإصْرارِ أوْ مِن جُمْلَةِ الوَعِيدِ ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دَلَّ تَكْرارُ أُولَئِكَ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ.
الرعد 13:6
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ بِالنِقْمَةِ قَبْلَ العافِيَةِ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً مِنهم بِإنْذارِهِ ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ أيْ: عُقُوباتُ أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ فَما لَهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِها فَلا يَسْتَهْزِءُوا، والمَثُلَةُ العُقُوبَةُ لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ عَلَيْهِ مِنَ المُماثَلَةِ،
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالذُنُوبِ ومَحَلُّهُ الحالُ أيْ: ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، قالَ السُدِّيُّ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ وهي أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ حَيْثُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ مَعَ الظُلْمِ وهو بِدُونِ التَوْبَةِ فَإنَّ التَوْبَةَ تُزِيلُها وتَرْفَعُها ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ عَلى الكافِرِينَ أوْ هُما جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ فِيهِما أيْ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ.
الرعد 13:7
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ لَمْ يَعْتَدُّوا بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنادًا فاقْتَرَحُوا نَحْوَ آياتِ مُوسى وعِيسى مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وإحْياءِ المَوْتى فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ إنَّما أنْتَ رَجُلٌ أُرْسِلْتَ مُنْذِرًا مُخَوِّفًا لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ وناصِحًا كَغَيْرِكَ مِنَ الرُسُلِ (p-١٤٤)وَما عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما يَصِحُّ بِهِ أنَّكَ رَسُولٌ مُنْذِرٌ وصِحَّةُ ذَلِكَ حاصِلَةٌ بِأيِّ آيَةٍ كانَتْ والآياتُ كُلُّها سَواءٌ في حُصُولِ صِحَّةِ الدَعْوى بِها ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ يَهْدِيهِمْ إلى الدِينِ ويَدْعُوهم إلى اللهِ بِآيَةٍ خُصَّ بِها لا بِما يُرِيدُونَ ويَتَحَكَّمُون.
الرعد 13:8
﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ما في هَذِهِ المَواضِعِ الثَلاثَةِ مَوْصُولَةٌ أيْ: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ عَلى أيِّ حالٍ هو مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ وتَمامٍ وخَداجٍ وحُسْنٍ وقُبْحٍ وطُولٍ وقِصَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ أيْ: ويَعْلَمُ ما تَنْقُصُهُ، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا وما تَزْدادُهُ، والمُرادُ عَدَدُ الوَلَدِ فَإنَّها تَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ واثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أوْ جَسَدُ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَكُونُ تامًّا ومُخْدَجًا أوْ مُدَّةُ الوِلادَةِ فَإنَّها تَكُونُ أقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ وأزْيَدَ عَلَيْها إلى سَنَتَيْنِ عِنْدَنا وإلى أرْبَعٍ عِنْدَ الشافِعِيِّ وإلى خَمْسٍ عِنْدَ مالِكٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أنْثى ويَعْلَمُ غَيْضَ الأرْحامِ وازْدِيادَها ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ بِقَدْرٍ وحَدٍّ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]
الرعد 13:9
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ ﴿والشَهادَةِ﴾ ما شاهَدُوهُ ﴿الكَبِيرُ﴾ العَظِيمُ الشَأْنِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿المُتَعالِ﴾ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ أوِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ وتَعالى عَنْها، وبِالياءِ في الحالَيْنِ مَكِّيٌّ.
الرعد 13:10
﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ أيْ: في عِلْمِهِ ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ﴾ مُتَوارٍ ﴿وَسارِبٌ بِالنَهارِ﴾ ذاهِبٌ في سِرْبِهِ أيْ: في طَرِيقِهِ (p-١٤٥)وَوَجْهِهِ يُقالُ سَرَبَ في الأرْضِ سُرُوبًا، "وَسارِبٌ" عَطْفٌ عَلى "مَن هو مُسْتَخْفٍ" لا عَلى "مُسْتَخْفٍ" أوْ عَلى "مُسْتَخْفٍ" غَيْرَ أنَّ "مَن" في مَعْنى الِاثْنَيْنِ.
الرعد 13:11
والضَمِيرُ في ﴿لَهُ﴾ مَرْدُودٌ عَلى "مَن" كَأنَّهُ قِيلَ لِمَن أسَرَّ ومَن جَهَرَ ومَنِ اسْتَخْفى ومَن سَرَبَ ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ والأصْلُ مُعْتَقِباتٌ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في القافِ أوْ هو مُفْعِلاتٌ مِن عَقِبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ لِأنَّ بَعْضَهم يَعْقُبُ بَعْضًا أوْ لِأنَّهم يَعْقُبُونَ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ فَيَكْتُبُونَهُ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ: قُدّامَهُ ووَراءَهُ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللهِ﴾ هُما صِفَتانِ جَمِيعًا ولَيْسَ مِن أمْرِ اللهِ بِصِلَةٍ لِلْحِفْظِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللهِ أوْ يَحْفَظُونَهُ مِن أجْلِ أمْرِ اللهِ أيْ: مِن أجْلِ أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَهم بِحِفْظِهِ أوْ يَحْفَظُونَهُ مِن بَأْسِ اللهِ ونِقْمَتِهِ إذا أذْنَبَ بِدُعائِهِمْ لَهُ ﴿إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ مِنَ العافِيَةِ والنِعْمَةِ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الحالِ الجَمِيلَةِ بِكَثْرَةِ المَعاصِي ﴿وَإذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ عَذابًا ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ فَلا يَدْفَعُهُ شَيْءٌ ﴿وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ مِن دُونِ اللهِ مِمَّنْ يَلِي أمْرَهم ويَدْفَعُ عَنْهُمْ.
الرعد 13:12
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ انْتَصَبا عَلى الحالِ مِنَ "البَرْقِ" كَأنَّهُ في نَفْسِهِ خَوْفٌ وطَمَعٌ،أوْ عَلى ذا خَوْفٍ وذا طَمَعٍ أوْ مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ: خائِفِينَ وطامِعِينَ والمَعْنى يَخافُ مِن وُقُوعِ الصَواعِقِ عِنْدَ لَمْعِ البَرْقِ ويَطْمَعُ في الغَيْثِ قالَ أبُو الطِيبِ
؎ فَتًى كالسَحابِ الجُونِ يُخْشى ويُرْتَجى يُرَجّى الحَيا مِنهُ وتُخْشى الصَواعِقُ
(p-١٤٦)أوْ يَخافُ المَطَرَ مَن لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كالمُسافِرِ ومَن لَهُ بَيْتٌ يَكِفُ، ومِنَ البِلادِ ما لا يَنْتَفِعُ أهْلُهُ بِالمَطَرِ كَأهْلِ مِصْرَ ويَطْمَعُ فِيهِ مَن لَهُ نَفْعٌ فِيهِ ﴿وَيُنْشِئُ السَحابَ﴾ هو اسْمُ جِنْسٍ والواحِدَةُ سَحابَةٌ ﴿الثِقالَ﴾ بِالماءِ وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ تَقُولُ سَحابَةٌ ثَقِيلَةٌ وسَحابٌ ثِقالٌ.
الرعد 13:13
﴿وَيُسَبِّحُ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ قِيلَ يُسَبِّحُ سامِعُو الرَعْدِ مِنَ العِبادِ الراجِينَ لِلْمَطَرِ أيْ: يَصِيحُونَ بِسُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:" «الرَعْدُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَحابَ والصَوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ زَجْرُهُ السَحابَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ أُمِرَ" »﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ ويُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن هَيْبَتِهِ وإجْلالِهِ ﴿وَيُرْسِلُ الصَواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ الصاعِقَةُ: نارٌ تَسْقُطُ مِنَ السَماءِ، لَمّا ذَكَرَ عِلْمَهُ النافِذَ في كُلِّ شَيْءٍ واسْتِواءَ الظاهِرِ والخَفِيِّ عِنْدَهُ وما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ ووَحْدانِيَّتِهِ قالَ ﴿وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ صَلّى الهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُجادِلُونَ في اللهِ حَيْثُ يُنْكِرُونَ عَلى رَسُولِهِ ما يَصِفُهُ بِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وإعادَةِ الخَلائِقِ بِقَوْلِهِمْ "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ" ويَرُدُّونَ الوَحْدانِيَّةَ بِاتِّخاذِ الشُرَكاءِ ويَجْعَلُونَهُ بَعْضَ الأجْسامِ بِقَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتٌ اللهِ، أوِ الواوُ لِلْحالِ أيْ: فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِمْ وذَلِكَ: أنَّ أرْبَدَ (أخا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ العامِرِيِّ) قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ - حِينَ وفَدَ عَلَيْهِ مَعَ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ قاصِدَيْنِ قَتْلَهُ فَرَمى اللهُ عامِرًا بِغُدَّةٍ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٍ في بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ، وأرْسَلَ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَهُ- أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّنا أمِن نُحاسٍ هو (p-١٤٧)أمْ مِن حَدِيدٍ؟ ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ أيِ المُماحَلَةِ وهي شِدَّةُ المُماكَرَةِ والمُكايَدَةِ ومِنهُ تَمَحَّلَ لِكَذا إذا تَكَلَّفَ لِاسْتِعْمالِ الحِيلَةِ واجْتَهَدَ فِيهِ ومَحَلَ بِفُلانٍ: إذا كادَهُ وسَعى بِهِ إلى السُلْطانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَدِيدُ المَكْرِ والكَيْدِ لِأعْدائِهِ يَأْتِيهِمْ بِالهَلَكَةِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
الرعد 13:14
﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ أُضِيفَتْ إلى الحَقِّ الَّذِي هو ضِدُّ الباطِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الدَعْوَةَ مُلابِسَةٌ لِلْحَقِّ وأنَّها بِمَعْزِلٍ مِنَ الباطِلِ والمَعْنى أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يُدْعى فَيَسْتَجِيبُ الدَعْوَةَ ويُعْطِي الداعِي سُؤْلَهُ فَكانَتْ دَعْوَةً مُلابِسَةً لِلْحَقِّ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِأنَّهُ يُوَجَّهُ إلَيْهِ الدُعاءُ لِما في دَعْوَتِهِ مِنَ الجَدْوى والنَفْعِ بِخِلافِ ما لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي دُعاؤُهُ، واتِّصالُ "شَدِيدُ المِحالِ" و "لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ" بِما قَبْلَهُ عَلى قِصَّةِ أرْبَدَ ظاهِرٌ، لِأنَّ إصابَتَهُ بِالصاعِقَةِ مِحالٌ مِنَ اللهِ ومَكْرٌ بِهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرْ وقَدْ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ وعَلى صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ: اللهُمَّ اخْسِفْهُما بِما شِئْتَ، فَأُجِيبَ فِيهِما فَكانَتِ الدَعْوَةُ دَعْوَةَ حَقٍّ وعَلى الأوَّلِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَتِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وإجابَةِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِمْ إنْ دَعا عَلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾ مِن طَلَباتِهِمْ ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ أيْ: مِنَ الِاسْتِجابَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها لا يَسْتَجِيبُونَ، لِأنَّ الفِعْلَ بِحُرُوفِهِ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ وبِصِيغَتِهِ عَلى الزَمانِ وبِالضَرُورَةِ عَلى المَكانِ والحالِ فَجازَ اسْتِثْناءُ كُلٍّ مِنها مِنَ الفِعْلِ فَصارَ التَقْدِيرُ لا يَسْتَجِيبُونَ اسْتِجابَةً إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ أيْ: كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلَيْهِ يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ فاهُ، والماءُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ ولا بِعَطَشِهِ وحاجَتِهِ إلَيْهِ ولا يَقْدِرُ أنْ (p-١٤٨)يُجِيبَ دُعاءَهُ ويَبْلُغَ فاهُ وكَذَلِكَ ما يَدْعُونَهُ جَمادٌ لا يُحِسُّ بِدُعائِهِمْ ولا يَسْتَطِيعُ إجابَتَهم ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِهِمْ واللامُ في لِيَبْلُغَ مُتَعَلِّقٌ بِ"باسِطِ كَفَّيْهِ" ﴿وَما هو بِبالِغِهِ﴾ وما الماءُ بِبالِغٍ فاهٍ ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ في ضَياعٍ لا مَنفَعَةَ فِيهِ، لِأنَّهم إنْ دَعَوُا اللهَ لَمْ يُجِبْهم وإنْ دَعَوُا الأصْنامَ لَمْ تَسْتَطِعْ إجابَتَهُمْ.
الرعد 13:15
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ سُجُودَ تَعَبُّدٍ وانْقِيادٍ ﴿طَوْعًا﴾ حالٌ يَعْنِي المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ ﴿وَكَرْهًا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في حالِ الشِدَّةِ والضِيقِ ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "مَن" جَمْعُ ظِلٍّ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ جَمْعُ غَداةٍ كَقُنِيٍّ وقَناةٍ ﴿والآصالِ﴾ جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ، قِيلَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ بِالغُدُوِّ والآصالِ وظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ كَرْهًا وهو كارِهٌ وظِلُّ المُؤْمِنِ يَسْجُدُ طَوْعًا وهو طائِعٌ.
الرعد 13:16
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ قُلِ اللهُ﴾ حِكايَةٌ لِاعْتِرافِهِمْ، لِأنَّهُ إذا قالَ لَهم مَن رَبُّ السَمَواتِ والأرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِن أنْ يَقُولُوا اللهُ دَلِيلُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ: " قالُوا اللهُ" أوْ هو تَلْقِينٌ أيْ: فَإنْ لَمْ يُجِيبُوا فَلَقِّنْهم فَإنَّهُ لا جَوابَ إلّا هَذا ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمُوهُ رَبَّ السَمَواتِ والأرْضِ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ آلِهَةً؟ ﴿لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَنْفَعُوها أوْ يَدْفَعُوا ضَرَرًا عَنْها فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَهُ لِغَيْرِهِمْ وقَدْ آثَرْتُمُوهم عَلى الخالِقِ الرازِقِ المُثِيبِ المُعاقِبِ فَما أبْيَنَ ضَلالَتَكُمْ! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ الكافِرُ والمُؤْمِنُ أوْ مَن يُبْصِرُ شَيْئًا ومَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتُ والنُورُ﴾ مِلَلُ الكُفْرِ والإيمانِ "يَسْتَوِي" كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ بَلْ أجَعَلُوا ومَعْنى الهَمْزَةِ الإنْكارُ ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ خَلَقُوا مِثْلَ خَلْقِهِ وهو صِفَةٌ لِشُرَكاءَ أيْ: أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خالِقِينَ قَدْ خَلَقُوا مِثْلَ خَلْقِ اللهِ ﴿فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فاشْتَبَهَ (p-١٤٩)عَلَيْهِمْ مَخْلُوقُ اللهِ بِمَخْلُوقِ الشُرَكاءِ حَتّى يَقُولُوا قَدَرَ هَؤُلاءِ عَلى الخَلْقِ كَما قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ فاسْتَحَقُّوا العِبادَةَ فَنَتَّخِذُهم لَهُ شُرَكاءَ ونَعْبُدُهم كَما يُعْبَدُ ولَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا لَهُ شُرَكاءَ عاجِزِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ فَضْلًا أنْ يَقْدِرُوا عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: خالِقُ الأجْسامِ والأعْراضِ لا خالِقَ غَيْرُ اللهِ ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الخَلْقِ فَلا يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ ومَن قالَ إنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ أفْعالَ الخَلْقِ وهم خَلَقُوها فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿وَهُوَ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالرُبُوبِيَّةِ ﴿القَهّارُ﴾ لا يُغالَبُ وما عَداهُ مَرْبُوبٌ ومَقْهُورٌ.
الرعد 13:17
﴿أُنْـزِلَ﴾ [الرعد: ٧] أيِ الواحِدُ القَهّارُ وهو اللهُ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ مِنَ السَحابِ ﴿ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ جَمْعُ وادٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الماءُ بِكَثْرَةٍ وإنَّما نُكِّرَ، لِأنَّ المَطَرَ لا يَأْتِي إلّا عَلى طَرِيقِ المُناوَبَةِ بَيْنَ البِقاعِ فَيَسِيلُ بَعْضٌ ﴿بِقَدَرِها﴾ بِمِقْدارِها الَّذِي عَلِمَ اللهُ أنَّهُ نافِعٌ لِلْمَمْطُورِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ضارٍّ ﴿فاحْتَمَلَ السَيْلُ﴾ أيْ: رَفَعَ ﴿زَبَدًا﴾ هو ما عَلا وجْهَ الماءِ مِنَ الرِغْوَةِ، والمَعْنى عَلاهُ زَبَدٌ ﴿رابِيًا﴾ مُنْتَفِخًا مُرْتَفِعًا عَلى وجْهِ السَيْلِ ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ وبِالياءِ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: ومِنهُ يَنْشَأُ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ أيْ: وبَعْضُهُ زَبَدٌ ﴿فِي النارِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "عَلَيْهِ" أيْ: ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ ثابِتًا في النارِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ مُبْتَغِينَ حِلْيَةً فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن "تُوقِدُونَ" ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ مِنَ الحَدِيدِ والنُحاسِ والرَصاصِ يُتَّخَذُ مِنها الأوانِي وما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَضَرِ والسَفَرِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى حِلْيَةٍ أيْ: زِينَةٌ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ ﴿زَبَدٌ﴾ خَبَثٌ وهو مُبْتَدَأٌ ﴿مِثْلُهُ﴾ نَعْتٌ لَهُ "وَمِمّا تُوقِدُونَ" (p-١٥٠)خَبَرٌ لَهُ أيْ: لِهَذِهِ الفِلِزّاتِ إذا أُغْلِيَتْ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ أيْ: مِثْلَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ حالٌ أيْ: مُتَلاشِيًا وهو ما تَقْذِفُهُ القِدْرُ عِنْدَ الغَلَيانِ والبَحْرُ عِنْدَ الطُغْيانِ، والجَفْءُ: الرَمْيُ، وجَفَأْتُ الرَجُلَ: صَرَعْتَهُ ﴿وَأمّا ما يَنْفَعُ الناسَ﴾ مِنَ الماءِ والحُلِيِّ والأوانِي ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ فَيَثْبُتُ الماءُ في العُيُونِ والآبارِ والحُبُوبِ والثِمارِ وكَذَلِكَ الجَواهِرُ تَبْقى في الأرْضِ مُدَّةً طَوِيلَةً ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ﴾ لِيَظْهَرَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ
وَقِيلَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْحَقِّ وأهْلِهِ والباطِلِ وحِزْبِهِ فَمَثَّلَ الحَقَّ وأهْلَهُ بِالماءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ فَتَسِيلُ بِهِ أوْدِيَةُ الناسِ فَيَحْيَوْنَ بِهِ ويَنْفَعُهم بِأنْواعِ المَنافِعِ وبِالفِلِزِّ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ في صَوْغِ الحُلِيِّ مِنهُ واتِّخاذِ الأوانِي والآلاتِ المُخْتَلِفاتِ وذَلِكَ ماكِثٌ في الأرْضِ باقٍ بَقاءً ظاهِرًا يَثْبُتُ الماءُ في مَنافِعِهِ وكَذَلِكَ الجَواهِرُ تَبْقى أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً،وَشَبَّهَ الباطِلَ في سُرْعَةِ اضْمِحْلالِهِ ووَشْكِ زَوالِهِ بِزَبَدِ السَيْلِ الَّذِي يَرْمِي بِهِ وبِزَبَدِ الفِلِزِّ الَّذِي يَطْفُو فَوْقَهُ إذا أُذِيبَ. قالَ الجُمْهُورُ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ والقُلُوبِ والحَقِّ والباطِلِ فالماءُ القُرْآنُ نَزَلَ لِحَياةِ الجِنانِ كالماءِ لَلْأبْدانِ والأوْدِيَةِ لِلْقُلُوبِ ومَعْنى بِقَدَرِها بِقَدْرِ سَعَةِ القَلْبِ وضِيقِهِ والزَبَدُ هَواجِسُ النَفْسِ ووَساوِسُ الشَيْطانِ والماءُ الصافِي المُنْتَفَعِ بِهِ مِثْلُ الحَقِّ فَكَما يَذْهَبُ الزَبَدُ باطِلًا ويَبْقى صَفْوُ الماءِ كَذَلِكَ تَذْهَبُ هَواجِسُ النَفْسِ ووَساوِسُ الشَيْطانِ ويَبْقى الحَقُّ كَما هو وأمّا حِلْيَةُ الذَهَبِ والفِضَّةِ فَمَثَلٌ لِلْأحْوالِ السَنِيَّةِ والأخْلاقِ الزَكِيَّةِ وأمّا مَتاعُ الحَدِيدِ والنُحاسِ والرَصاصِ فَمَثَلٌ لِلْأعْمالِ المُمَدَّةِ بِالإخْلاصِ المُعَدَّةِ لِلْخَلاصِ فَإنَّ الأعْمالَ جالِبَةٌ لِلثَّوابِ دافِعَةٌ لِلْعِقابِ كَما أنَّ تِلْكَ الجَواهِرَ بَعْضُها أداةُ النَفْعِ لِلْكَسْبِ وبَعْضُها آلَةُ الدَفْعِ في الحَرْبِ وأمّا الزَبَدُ فالرِياءُ والخَلَلُ والمَلَلُ والكَسَلُ.
الرعد 13:18
واللامُ في ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ: أجابُوا مُتَعَلِّقَةٌ بِيَضْرِبُ،أيْ (p-١٥١)"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ" لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴿لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ هي صِفَةٌ لِمَصْدَرِ اسْتَجابُوا أيِ اسْتَجابُوا الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أيْ ولِلْكافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا أيْ: هُما مَثَلا الفَرِيقَيْنِ وقَوْلُهُ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ في ذِكْرِ ما أعَدَّ لِغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ أيْ: لَوْ مَلَكُوا أمْوالَ الدُنْيا ومَلَكُوا مَعَها مِثْلَها لَبَذَلُوهُ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ عَذابَ اللهِ والوَجْهُ:أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عَلى "الأمْثالَ" وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، و"الحُسْنى" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ" لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا" والمَعْنى لَهُمُ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ "والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "لَوْ" مَعَ ما في حَيِّزِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾
المُناقَشَةُ فِيهِ، في الحَدِيثِ «:" مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ" »﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ومَرْجِعُهم بَعْدَ المُحاسَبَةِ النارُ ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ المَكانُ المُمَهَّدُ، والمَذْمُومُ مَحْذُوفٌ أيْ: جَهَنَّمُ.
الرعد 13:19
دَخَلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الفاءِ في ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِإنْكارِ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ ما بَعْدَ ما ضَرَبَ مِنَ المَثَلِ في أنَّ حالَ مَن عَلِمَ ﴿أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ فاسْتَجابَ بِمَعْزِلٍ مِن حالِ الجاهِلِ الَّذِي لَمْ يَسْتَبْصِرْ فَيَسْتَجِيبَ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ كَبُعْدِ ما بَيْنَ الزَبَدِ والماءِ والخَبَثِ والإبْرِيزِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ الَّذِينَ عَمِلُوا عَلى قَضايا عُقُولِهِمْ فَنَظَرُوا واسْتَبْصَرُوا.
الرعد 13:20
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ "أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ" كَقَوْلِهِ "والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ" وقِيلَ هو صِفَةٌ "لِأُولِي الألْبابِ " والأوَّلُ أوْجَهُ وعَهْدُ اللهِ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَهادَةِ بِرُبُوبِيَّتِهِ "وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُواْ بَلى" (p-١٥٢)﴿وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ما أوْثَقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقَبِلُوهُ مِنَ الإيمانِ بِاللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ وبَيْنَ العِبادِ، تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
الرعد 13:21
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الأرْحامِ والقَراباتِ ويَدْخُلُ فِيهِ وصْلُ قَرابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وقَرابَةِ المُؤْمِنِينَ الثابِتَةِ بِسَبَبِ الإيمانِ "إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ" بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ عَلى حَسَبِ الطاقَةِ ونُصْرَتِهِمْ والذَبِّ عَنْهم والشَفَقَةِ عَلَيْهِمْ وإفْشاءِ السَلامِ عَلَيْهِمْ وعِيادَةِ مَرْضاهم ومِنهُ مُراعاةُ حَقِّ الأصْحابِ والخَدَمِ والجِيرانِ والرُفَقاءِ في السَفَرِ ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: وعِيدَهُ كُلَّهُ ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ خُصُوصًا فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
الرعد 13:22
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مُطْلَقٌ فِيما يَصْبِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ في النُفُوسِ والأمْوالِ ومَشاقِّ التَكالِيفِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] لا لِيُقالَ ما أصْبَرَهُ وأحْمَلَهُ لِلنَّوازِلِ وأوْقَرَهُ عِنْدَ الزَلازِلِ! ولا لِئَلّا يُعابَ في الجَزَعِ ﴿وَأقامُوا الصَلاةَ﴾ داوَمُوا عَلى إقامَتِها ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الحَلالِ وإنْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا عِنْدَنا ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ يَتَناوَلُ النَوافِلَ، لِأنَّها في السِرِّ أفْضَلُ والفَرائِضَ لِأنَّ المُجاهَرَةَ بِها أفْضَلُ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ﴾ ويَدْفَعُونَ بِالحَسَنِ مِنَ الكَلامِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن سَيِّئِ غَيْرِهِمْ وإذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا وإذا قُطِعُوا وصَلُوا وإذا أذْنَبُوا تابُوا وإذا هَرَبُوا أنابُوا وإذا رَأوْا مُنْكَرًا أمَرُوا بِتَغْيِيرِهِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أعْمالٍ تُشِيرُ إلى ثَمانِيَةِ أبْوابِ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ﴾ عاقِبَةُ الدُنْيا وهي الجَنَّةُ لِأنَّها الَّتِي أرادَها اللهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها.
الرعد 13:23
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن "عُقْبى الدارِ" ﴿يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ﴾ أيْ: آمَنَ ﴿مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وقُرِئَ "صَلُحَ" والفَتْحُ أفْصَحُ، و"مَن" في مَحَلِّ (p-١٥٣)الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى الضَمِيرِ في يَدْخُلُونَها وساغَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدْ، لِأنَّ الضَمِيرَ المَفْعُولَ صارَ فاصِلًا وأجازَ الزَجّاجُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ ووَصَفَهم بِالصَلاحِ لِيُعْلَمَ أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ بِنَفْسِها والمُرادُ أبُو كُلِّ واحِدٍ مِنهم فَكَأنَّهُ قِيلِ: مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ في قَدْرِ كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِالهَدايا وبِشاراتِ الرِضا.
الرعد 13:24
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إذِ المَعْنى قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم أوْ مُسَلِّمِينَ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:هَذا بِما صَبَرْتُمْ أيْ: هَذا الثَوابُ بِسَبَبِ صَبْرِكم عَنِ الشَهَواتِ أوْ عَلى أمْرِ اللهِ أوْ بِسَلامٍ أيْ: نُسَلِّمُ عَلَيْكم ونُكْرِمُكم بِصَبْرِكم،والأوَّلُ أوْجَهُ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدارِ﴾ الجَنّاتُ.
الرعد 13:25
﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ مِن بَعْدِ ما أوْثَقُوهُ بِهِ مِنَ الِاعْتِرافِ والقَبُولِ ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ والظُلْمِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ﴾ الإبْعادُ مِنَ الرَحْمَةِ ﴿وَلَهم سُوءُ الدارِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ سُوءُ عاقِبَةِ الدُنْيا، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ عُقْبى الدارِ وأنْ يُرادَ بِالدارِ جَهَنَّمُ وبِسُوئِها عَذابُها.
الرعد 13:26
﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: ويُضَيِّقُ لِمَن يَشاءُ والمَعْنى اللهُ وحْدَهُ هو يَبْسُطُ الرِزْقَ ويَقْدِرُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وَفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ بِما بَسَطَ لَهم مِنَ الدُنْيا فَرَحَ بَطَرٍ وأشَرٍ لا فَرَحَ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقابِلُوهُ بِالشُكْرِ حَتّى يُؤْجَرُوا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ ﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ﴾ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ أنَّ نَعِيمَ الدُنْيا في جَنْبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لَيْسَ إلّا شَيْئًا نَزْرًا يُتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجْلَةِ الراكِبِ وهو ما يَتَعَجَّلُهُ مِن تُمَيْراتٍ أوْ شَرْبَةِ سَوِيقٍ (p-١٥٤)
الرعد 13:27
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيِ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ ﴿قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ويُرْشِدُ إلى دِينِهِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ.
الرعد 13:28
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ الَّذِينَ أوْ مَحَلُّهُ النَصْبُ بَدَلٌ مِن "مَن" ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ تَسْكُنُ ﴿بِذِكْرِ اللهِ﴾ عَلى الدَوامِ أوْ بِالقُرْآنِ أوْ بِوَعْدِهِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ.
الرعد 13:29
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ وهو مَصْدَرٌ مِن طابَ كَبُشْرى، ومَعْنى طُوبى لَكَ: أصَبْتَ خَيْرًا وطَيِّبًا ومَحَلُّها النَصْبُ أوِ الرَفْعُ كَقَوْلِكَ: طَيِّبًا لَكَ، وطَيِّبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ،وَسَلامٌ لَكَ، واللامُ في "لَهُمْ" لِلْبَيانِ مِثْلُها في سَقْيًا لَكَ، والواوُ في طُوبى مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لِضَمَّةِ ما قَبْلَها كَمُوقِنٍ، والقِراءَةُ في ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ مَرْجِعٍ: بِالرَفْعِ والنَصْبِ تَدُلُّ عَلى مَحَلَّيْها.
الرعد 13:30
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الإرْسالِ أرْسَلْناكَ إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ الإرْسالاتِ ثُمَّ فَسَّرَ كَيْفَ أرْسَلَهُ فَقالَ ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ: أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَهي آخِرُ الأُمَمِ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ العَظِيمَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴿وَهم يَكْفُرُونَ﴾ وحالُ هَؤُلاءِ أنَّهم يَكْفُرُونَ ﴿بِالرَحْمَنِ﴾ بِالبَلِيغِ الرَحْمَةِ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: هو رَبِّي الواحِدُ المُتَعالِي عَنِ الشُرَكاءِ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نُصْرَتِي (p-١٥٥)عَلَيْكم ﴿وَإلَيْهِ مَتابِ﴾ مَرْجِعِي فَيُثِيبُنِي عَلى مُصابَرَتِكم، مَتابِي وعِقابِي ومَآبِي: في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
الرعد 13:31
﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ عَنْ مَقارِّها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ حَتّى تَتَصَدَّعَ وتَتَزايَلَ قِطَعًا ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ، لَكانَ هَذا القُرْآنُ، لِكَوْنِهِ غايَةً في التَذْكِيرِ ونِهايَةً في الإنْذارِ والتَخْوِيفِ فَجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أوْ مَعْناهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا وقَعَ بِهِ تَسْيِيرُ الجِبالِ وتَقْطِيعُ الأرْضِ وتَكْلِيمُ المَوْتى وتَنْبِيئُهم لَما آمَنُوا بِهِ ولَما تَنَبَّهُوا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ "وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ" الآيَةُ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو قادِرٌ عَلى الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ قَوْمٍ مِنَ النَخَعِ، وقِيلَ إنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ، لِأنَّ اليائِسَ عَنِ الشَيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ كَما اسْتُعْمِلَ النِسْيانُ في مَعْنى التَرْكِ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ، دَلِيلُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ" وقِيلَ إنَّما كَتَبَهُ الكاتِبُ وهو ناعِسٌ مُسْتَوِي السِناتِ، وهَذِهِ – واللهِ - فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ! ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا﴾
مِن كُفْرِهِمْ وسُوءِ أعْمالِهِمْ ﴿قارِعَةٌ﴾ داهِيَةٌ تَقْرَعُهم بِما يُحِلُّ اللهُ بِهِمْ في كُلِّ وقْتٍ مِن صُنُوفِ البَلايا والمَصائِبِ في نُفُوسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ أوْ تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِنهم فَيَفْزَعُونَ ويَتَطايَرُ عَلَيْهِمْ شَرَرُها ويَتَعَدّى إلَيْهِمْ شُرُورُها ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهِ﴾ أيْ: مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ أوْ ولا يَزالُ كُفّارُ مَكَّةَ تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا بِرَسُولِ اللهِ مِنَ العَداوَةِ والتَكْذِيبِ قارِعَةٌ، لِأنَّ جَيْشَ رَسُولِ اللهِ يُغِيرُ حَوْلَ مَكَّةَ ويَخْتَطِفُ مِنهم (p-١٥٦)أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ بِجَيْشِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهِ أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ أيْ: لا خُلْفَ في مَوْعِدِهِ.
الرعد 13:32
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكَ مِلاوَةً مِنَ الزَمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللهِ اسْتِهْزاءً بِهِ وتَسْلِيَةً لَهُ.
الرعد 13:33
﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في إشْراكِهِمْ بِاللهِ يَعْنِي أفاللهُ الَّذِي هو رَقِيبٌ ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ صالِحَةٍ أوْ طالِحَةٍ ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ يَعْلَمُ خَيْرَهُ وشَرَّهُ ويُعِدُّ لِكُلٍّ جَزاءَهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيِ الأصْنامَ ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ: سَمُّوهم لَهُ مَن هم ونَبِّئُوهُ بِأسْمائِهِمْ ثُمَّ قالَ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ عَلى أمِ المُنْقَطِعَةِ أيْ: بَلْ أتُنَبِّؤُنَهُ بِشُرَكاءَ لا يَعْلَمُهم في الأرْضِ وهو العالِمُ بِما في السَمَواتِ والأرْضِ فَإذا لَمْ يَعْلَمْهم عُلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ كَقَوْلِهِ "ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ" " ما تَعْبُدُونَ مَن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها" ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ كَيَدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ﴾ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِضَمِّ الصادِ كُوفِيٌّ وبِفَتْحِها غَيْرُهم ومَعْناهُ وصَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ مِن أحَدٍ يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ.
الرعد 13:34
﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وأنْواعِ المِحَنِ ﴿وَلَعَذابُ (p-١٥٧)الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أشَدُّ لِدَوامِهِ ﴿وَما لَهم مِنَ اللهِ مِن واقٍ﴾ مِن حافِظٍ مِن عَذابِهِ.
الرعد 13:35
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ صِفَتُها الَّتِي هي في غَرابَةِ المَثَلِ وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، أوِ الخَبَرُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثَمَرُها دائِمُ الوُجُودِ لا يَنْقَطِعُ ﴿وَظِلُّها﴾ دائِمٌ لا يُنْسَخُ في الدُنْيا بِالشَمْسِ ﴿تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ عُقْبى تَقْواهم يَعْنِي مُنْتَهى أمْرِهِمْ ﴿وَعُقْبى الكافِرِينَ النارُ﴾
الرعد 13:36
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ كابْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ ومِنَ النَصارى بِأرْضِ الحَبَشَةِ ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ﴾ أيْ: ومِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَيِّدِ والعاقِبِ وأشْياعِهِما ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، لِأنَّهم كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ، وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعانِي، مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ وكانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ مِنَ الشَرائِعِ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ هو جَوابٌ لِلْمُنْكِرِينَ أيْ: قُلْ إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِأنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ فَإنْكارُهم لَهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ فانْظُرُوا ماذا تُنْكِرُونَ مَعَ ادِّعائِكم وُجُوبَ عِبادَةِ اللهِ وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ؟! ﴿إلَيْهِ أدْعُو﴾ خُصُوصًا لا أدْعُو إلى غَيْرِهِ ﴿وَإلَيْهِ﴾ لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَآبِ﴾ مَرْجِعِي وأنْتُمْ تَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكُمْ.
الرعد 13:37
﴿وَكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ أنْزَلْناهُ مَأْمُورًا فِيهِ بِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ والدَعْوَةِ إلَيْهِ إلى دِينِهِ والإنْذارِ بِدارِ الجَزاءِ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ حِكْمَةً (p-١٥٨)عَرَبِيَّةً مُتَرْجَمَةً بِلِسانِ العَرَبِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ كانُوا يَدْعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إلى أُمُورٍ يُشارِكُهم فِيها فَقِيلَ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: بَعْدِ ثُبُوتِ العِلْمِ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ الساطِعَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ أيْ: لا يَنْصُرُكَ ناصِرٌ ولا يَقِيكَ مِنهُ واقٍ وهَذا مِن بابِ التَهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَباتِ في الدِينِ وألّا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُبْهَةِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ، وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الثَباتِ بِمَكانٍ.
الرعد 13:38
وَكانُوا يَعِيبُونَهُ بِالزَواجِ والوِلادَةِ ويَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ويُنْكِرُونَ النَسْخَ فَنَزَلَ ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ نِساءً وأوْلادًا ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ أيْ: لَيْسَ في وُسْعِهِ إتْيانُ الآياتِ عَلى ما يَقْتَرِحُهُ قَوْمُهُ وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ أيْ: يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
الرعد 13:39
﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ﴾ يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بَدَلَهُ ما يَشاءُ أوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنسُوخٍ أوْ يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ غَيْرَهُ أوْ يَمْحُو كُفْرَ التائِبِينَ ويُثْبِتُ إيمانَهم أوْ يُمِيتُ مَن حانَ أجْلُهُ وعَكْسَهُ، "وَيُثَبِّتُ" مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلُ كُلِّ كِتابٍ وهو اللَوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ.
الرعد 13:40
﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس: ٤٦] وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ مَصارِعَهم وما وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ فَمًا يَجِبُ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ الرِسالَةِ فَحَسْبُ ﴿وَعَلَيْنا (p-١٥٩)الحِسابُ﴾ وعَلَيْنا حِسابُهم وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ لا عَلَيْكَ فَلا يُهِمَّنَّكَ إعْراضُهم ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ.
الرعد 13:41
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِما نَفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِهِمْ فَنَنْقُصُ دارَ الحَرْبِ ونَزِيدُ في دارِ الإسْلامِ وذَلِكَ مِن آياتِ النُصْرَةِ والغَلَبَةِ، والمَعْنى عَلَيْكَ البَلاغُ الَّذِي حُمِّلْتَهُ ولا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ مِنَ النُصْرَةِ والظَفَرِ ﴿واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادَّ لِحُكْمِهِ، والمُعَقِّبُ الَّذِي يَكِرُّ عَلى الشَيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُهُ أيْ: يُقَفِّيهِ بِالرَدِّ والإبْطالِ ومِنهُ قِيلٌ لِصاحِبِ الحَقِّ: مُعَقِّبٌ، لِأنَّهُ يُقَفِّي غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَلَبِ والمَعْنى أنَّهُ حُكْمٌ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبَةِ والإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ والِانْتِكاسِ، ومَحَلُّ "لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ" النَصْبُ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ:واللهُ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ، كَما تَقُولُ جاءَنِي زَيْدٌ لا عِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ ولا قَلَنْسُوَةَ لَهُ تُرِيدُ حاسِرًا ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَعَمّا قَلِيلٍ يُحاسِبُهم في الآخِرَةِ بَعْدَ عَذابِ الدُنْيا.
الرعد 13:42
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كُفّارُ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِأنْبِيائِهِمْ والمَكْرُ إرادَةُ المَكْرُوهِ في خُفْيَةٍ ثُمَّ جُعِلَ مَكْرُهم كَلا مَكْرٍ بِالإضافَةِ إلى مَكْرِهِ فَقالَ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ﴾ يَعْنِي العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ، لِأنَّ مَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها فَهو المَكْرُ كُلُّهُ، لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وهم في غَفْلَةٍ عَمّا يُرادُ بِهِمُ، "الكافِرُ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ: حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو.
الرعد 13:43
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ المُرادُ بِهِمْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ورُؤَساءُ اليَهُودِ قالُوا لَسْتَ مُرْسَلًا لِهَذا، قالَ عَطاءٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بِما أظْهَرَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِي (p-١٦٠)والباءُ دَخَلَتْ عَلى الفاعِلِ، وشَهِيدًا تَمْيِيزٌ ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قِيلَ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ والكِتابُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ دَلِيلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ " ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ" أيْ: ومِن لَدُنْهُ عِلْمُ الكِتابِ، لِأنَّ عِلْمَ مَن عَلِمَهُ مِن فَضْلِهِ ولُطْفِهِ، وقِيلَ: ومَن هو مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ بِنَعْتِهِ في كُتُبِهِمْ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"مَن" في مَوْضِعِ الجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى لَفْظِ "اللهِ" أوْ في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ،إذِ التَقْدِيرُ: كَفى اللهُ، و" عِلْمُ الكِتابِ" يَرْتَفِعُ بِالمُقَدَّرِ في الظَرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا، لِأنَّ الظَرْفَ صِلَةٌ لِ"مَن"، و"مَن" هُنا بِمَعْنى الَّذِي والتَقْدِيرُ: مَن ثَبَتَ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ، وهَذا، لِأنَّ الظَرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ نَحْوُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدارِ أخُوهُ، فَأخُوهُ: فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدارِ أخُوهُ، وفي القِراءَةِ بِكَسْرِ مِيمِ "مِن" يَرْتَفِعُ "العِلْمُ" بِالِابْتِداءِ بِالِابْتِداءِ.