Tafsir Al-Nasafi — الفيل 105:1 – الناس 114:6
المحتويات
- الفيل 105:1
- الفيل 105:2
- الفيل 105:3
- الفيل 105:4
- الفيل 105:5
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:3
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:4
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:5
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
- الإخلاص 112:1
- الإخلاص 112:2
- الإخلاص 112:3
- الإخلاص 112:4
- الفلق 113:1
- الفلق 113:2
- الفلق 113:3
- الفلق 113:4
- الفلق 113:5
- الناس 114:1
- الناس 114:2
- الناس 114:3
- الناس 114:4
- الناس 114:5
- الناس 114:6
الفيل 105:1
(p-٦٨٠)سُورَةُ "اَلْفِيلِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾، "كَيْفَ"، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِـ "فَعَلَ"، لا بِـ "ألَمْ تَرَ"، لِما في "كَيْفَ"، مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، والجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "تَرَ"، وفي "ألَمْ تَرَ"، تَعْجِيبٌ، أيْ: عَجَّبَ اللهُ نَبِيَّهُ مِن كُفْرِ العَرَبِ، وقَدْ شاهَدَتْ هَذِهِ العَظِيمَةَ مِن آياتِ اللهِ، والمَعْنى: إنَّكَ رَأيْتَ آثارَ صُنْعِ اللهِ بِالحَبَشَةِ، وسَمِعْتَ الأخْبارَ بِهِ مُتَواتِرَةً، فَقامَتْ لَكَ مَقامَ المُشاهَدَةِ،
﴿بِأصْحابِ الفِيلِ﴾، رُوِيَ أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَبّاحِ، مَلِكَ اليَمَنِ، مِن قَبْلِ أصْحَمَةَ النَجاشِيِّ، بَنى كَنِيسَةً بِصَنْعاءَ، وسَمّاها "اَلْقُلَّيْسُ"، وأرادَ أنْ يَصْرِفَ إلَيْها الحاجَّ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَقَعَدَ فِيها لَيْلًا، فَأغْضَبَهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: أجَّجَتْ رُفْقَةٌ مِنَ العَرَبِ نارًا، فَحَمَلَتْها الرِيحُ فَأحْرَقَتْها، فَحَلَفَ لَيَهْدِمَنَّ الكَعْبَةَ، فَخَرَجَ بِالحَبَشَةِ، ومَعَهُ فِيلٌ، اسْمُهُ "مَحْمُودٌ"، وكانَ قَوِيًّا، عَظِيمًا، واثْنا عَشَرَ فِيلًا غَيْرُهُ، فَلَمّا جاءَ مُغَمِّسَ خَرَجَ إلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ، وعَرَضَ عَلَيْهِ ثُلُثَ أمْوالِ تِهامَةَ لِيَرْجِعَ، فَأبى، وعَبَّأ جَيْشَهُ، وقَدَّمَ الفِيلَ، وكانُوا كُلَّما وجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ بَرَكَ، ولَمْ يَبْرَحْ، وإذا وجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ هَرْوَلَ، فَأرْسَلَ اللهُ طَيْرًا، مَعَ كُلِّ طائِرٍ حَجَرٌ في مِنقارِهِ، وحَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، أكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ، وأصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ، فَكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَجُلِ (p-٦٨١)فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وعَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن يَقَعُ عَلَيْهِ، فَفَرُّوا، وهَلَكُوا، وما ماتَ أبَرْهَةُ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ وزِيرُهُ أبُو يَكْسُومٍ، وطائِرٌ يُحَلِّقُ فَوْقَهُ، حَتّى بَلَغَ النَجاشِيَّ، فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَلَمّا أتَمَّها وقَعَ عَلَيْهِ الحَجَرُ، فَخَرَّ مَيْتًا بَيْنَ يَدَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ أبَرْهَةَ أخَذَ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فِيها، فَعَظُمَ في عَيْنِهِ، وكانَ رَجُلًا جَسِيمًا، وسِيمًا، وقِيلَ: هَذا سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وصاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ الَّذِي يُطْعِمُ الناسَ في السَهْلِ، والوُحُوشَ في رءوس الجِبالِ، فَلَمّا ذَكَرَ حاجَتَهُ قالَ: سَقَطْتَ مِن عَيْنِي، جِئْتُ لِأهْدِمَ البَيْتَ الَّذِي هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ، وشَرَفُكم في قَدِيمِ الدَهْرِ، فَألْهاكَ عَنْهُ ذَوْدٌ أُخِذَ لَكَ، فَقالَ: أنا رَبُّ الإبِلِ، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ.
الفيل 105:2
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾، في تَضْيِيعٍ، وإبْطالٍ، يُقالُ: "ضَلَّلَ كَيْدَهُ"، إذا جَعَلَهُ ضالًّا، ضائِعًا، وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: "اَلْمَلِكُ الضِلِّيلُ"، لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ، أيْ: ضَيَّعَهُ، يَعْنِي أنَّهم كادُوا البَيْتَ، أوَّلًا بِبِناءِ القُلَّيْسِ، لِيَصْرِفُوا وُجُوهَ الحاجِّ إلَيْهِ، فَضَلَّلَ كَيْدَهم بِإيقاعِ الحَرِيقِ فِيهِ، وكادُوهُ ثانِيًا بِإرادَةِ هَدْمِهِ، فَضَلَّلَ كَيْدَهم بِإرْسالِ الطَيْرِ عَلَيْهِمْ.
الفيل 105:3
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾، حَزائِقَ، الواحِدَةُ "إبّالَةٌ"، قالَ الزَجّاجُ: جَماعاتٍ مِن هَهُنا، وجَماعاتٍ مِن هَهُنا.
الفيل 105:4
﴿تَرْمِيهِمْ﴾، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: "يَرْمِيهِمْ"، أيْ: اَللَّهُ، أوْ: اَلطَّيْرُ، لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ مُذَكَّرٍ، وإنَّما يُؤَنَّثُ عَلى المَعْنى،
﴿بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾، هو مُعَرَّبٌ مِن "سَنْكَ كِلُ"، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، أيْ: اَلْآجُرُّ.
الفيل 105:5
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، زَرْعٍ أكَلَهُ الدُودُ.
قريش 106:1
(p-٦٨٢)سُورَةُ "قُرَيْشٍ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فَلْيَعْبُدُوا"، أمَرَهم أنْ يَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمُ الرِحْلَتَيْنِ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَرْطِ، أيْ: "إنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى"، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ، فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ، الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ"، أوْ بِما قَبْلَهُ، أيْ: "فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ الإتْلافَ لِهَذا الإيلافِ، وهَذا كالتَضْمِينِ في الشِعْرِ، وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ، تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ، وهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةُ واحِدَةٌ، بِلا فَصْلٍ، ويُرْوى عَنِ الكِسائِيِّ تَرْكُ التَسْمِيَةِ بَيْنَهُما، والمَعْنى أنَّهُ أهْلَكَ الحَبَشَةَ الَّذِينَ قَصَدُوهم لِيَتَسامَعَ الناسُ بِذَلِكَ، فَيَحْتَرِمُوهم فَضْلَ احْتِرامٍ، حَتّى يَنْتَظِمَ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتَيْهِمْ، فَلا يَجْتَرِئَ أحَدٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى: اِعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، "لِإلافِ قُرَيْشٍ"، "شامِيٌّ"، أيْ: لِمُؤالَفَةِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: يُقالُ: "ألِفْتُهُ إلْفًا، وإلافًا"، و"قُرَيْشٌ": ولَدُ النَضْرِ بْنِ كِنانَةَ، سَمَّوْهُ بِتَصْغِيرِ "اَلْقِرْشُ"، وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ، تَعْبَثُ بِالسُفُنِ، فَلا تُطاقُ إلّا بِالنارِ، والتَصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِشِدَّتِهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، تَشْبِيهًا بِها، وقِيلَ: (p-٦٨٣)مِن "اَلْقَرْشُ"، وهو الجَمْعُ، والكَسْبُ، لِأنَّهم كانُوا كَسابِّينَ بِتِجاراتِهِمْ، وضَرْبِهِمْ في البِلادِ.
قريش 106:2
﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِتاءِ والصَيْفِ﴾، أطْلَقَ الإيلافَ، ثُمَّ أبْدَلَ عَنْهُ المُقَيَّدَ بِالرِحْلَتَيْنِ، تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ، وتَذْكِيرًا لِعَظِيمِ النِعْمَةِ فِيهِ، ونَصْبُ الرِحْلَةِ بِـ "إيلافِهِمْ"، مَفْعُولًا بِهِ، وأرادَ "رِحْلَتَيِ الشِتاءِ، والصَيْفِ"، فَأفْرَدَ، لِأمْنِ الإلْباسِ، وكانَتْ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ، يَرْحَلُونَ في الشِتاءِ إلى اليَمَنِ، وفي الصَيْفِ إلى الشامِ، فَيَتَمارَوْنَ، ويَتَّجِرُونَ، وكانُوا في رِحْلَتَيْهِمْ آمِنِينَ، لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللهِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، وغَيْرُهم يُغارُ عَلَيْهِمْ.
قريش 106:3
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾، والتَنْكِيرُ في "جُوعٍ"، و"خَوْفٍ"، لِشِدَّتِهِما، يَعْنِي: أطْعَمَهم بِالرِحْلَتَيْنِ مِن جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وآمَنُهم مِن خَوْفٍ عَظِيمٍ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ، ومَسايِرِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا قَدْ أصابَتْهم شِدَّةٌ، حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِظامَ المُحْرَقَةَ، وآمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، فَلا يُصِيبُهم بِبَلَدِهِمْ، وقِيلَ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِدُعاءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.
قريش 106:4
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾، والتَنْكِيرُ في "جُوعٍ"، و"خَوْفٍ"، لِشِدَّتِهِما، يَعْنِي: أطْعَمَهم بِالرِحْلَتَيْنِ مِن جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وآمَنُهم مِن خَوْفٍ عَظِيمٍ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ، ومَسايِرِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا قَدْ أصابَتْهم شِدَّةٌ، حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِظامَ المُحْرَقَةَ، وآمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، فَلا يُصِيبُهم بِبَلَدِهِمْ، وقِيلَ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِدُعاءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ.
الماعون 107:1
(p-٦٨٤)سُورَةُ "اَلْماعُونِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِينِ﴾ أيْ: هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، مَن هُوَ، إنْ لَمْ تَعْرِفْهُ،
الماعون 107:2
﴿فَذَلِكَ الَّذِي﴾، يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ: يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا، بِجَفْوَةٍ، وأذًى، ويَرُدُّهُ رَدًّا قَبِيحًا، بِزَجْرٍ وخُشُونَةٍ.
الماعون 107:3
﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾، ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، جَعَلَ عَلَمَ التَكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ، والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَعِيفِ، أيْ: لَوْ آمَنَ بِالجَزاءِ، وأيْقَنَ بِالوَعِيدِ، لَخَشِيَ اللهَ وعِقابَهُ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَ أقْدَمَ عَلَيْهِ دَلَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالجَزاءِ، ثُمَّ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ:
الماعون 107:4
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، يَعْنِي بِهَذا المُنافِقِينَ، أيْ: لا يُصَلُّونَها سِرًّا، لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ وجُوبَها، ويُصَلُّونَها عَلانِيَةً رِياءً، وقِيلَ: فَوَيْلٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أنْفُسَهم في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ صُورَةً، وهم غافِلُونَ عَنْ صَلاتِهِمْ، وأنَّهم لا يُرِيدُونَ بِها قُرْبَةً إلى رَبِّهِمْ، ولا تَأْدِيَةً لِفَرْضٍ، فَهم يَنْخَفِضُونَ ويَرْتَفِعُونَ، ولا يَدْرُونَ ماذا (p-٦٨٥)يَفْعَلُونَ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يُؤَدُّونَ الفَرائِضَ، ويَمْنَعُونَ الزَكاةَ، وما فِيهِ مَنفَعَةٌ، وعَنْ أنَسٍ، والحَسَنِ، قالا: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾، ولَمْ يَقُلْ: (فِي صَلاتِهِمْ)، لِأنَّ مَعْنى "عَنْ"، أنَّهم ساهُونَ عَنْها، سَهْوَ تَرْكٍ لَها، وقِلَّةِ التِفاتٍ إلَيْها، وذَلِكَ فِعْلُ المُنافِقِينَ، ومَعْنى "فِي"، أنَّ السَهْوَ يَعْتَرِيهِمْ فِيها، بِوَسْوَسَةِ شَيْطانٍ، أوْ حَدِيثِ نَفْسٍ، وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْهُ مُسْلِمٌ"، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقَعُ لَهُ السَهْوُ في صَلاتِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، و"اَلْمُراءاةُ": "مُفاعَلَةٌ"، مِن "اَلْإراءَةُ"، لِأنَّ المُرائِيَ يُرائِي الناسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَناءَ عَلَيْهِ، والإعْجابَ بِهِ، ولا يَكُونُ الرَجُلُ مُرائِيًا بِإظْهارِ الفَرائِضِ، فَمِن حَقِّها الإعْلانُ بِها، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "وَلا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللهِ"، » والإخْفاءُ في التَطَوُّعِ أوْلى، فَإنْ أظْهَرَهُ قاصِدًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ، كانَ جَمِيلًا، و"اَلْماعُونُ": اَلزَّكاةُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ما يُتَعاوَرُ في العادَةِ، مِنَ الفَأْسِ، والقِدْرِ، والدَلْوِ، والمِقْدَحَةِ، ونَحْوِها"، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "اَلْماءُ، والنارُ، والمِلْحُ".
الماعون 107:5
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، يَعْنِي بِهَذا المُنافِقِينَ، أيْ: لا يُصَلُّونَها سِرًّا، لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ وجُوبَها، ويُصَلُّونَها عَلانِيَةً رِياءً، وقِيلَ: فَوَيْلٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أنْفُسَهم في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ صُورَةً، وهم غافِلُونَ عَنْ صَلاتِهِمْ، وأنَّهم لا يُرِيدُونَ بِها قُرْبَةً إلى رَبِّهِمْ، ولا تَأْدِيَةً لِفَرْضٍ، فَهم يَنْخَفِضُونَ ويَرْتَفِعُونَ، ولا يَدْرُونَ ماذا (p-٦٨٥)يَفْعَلُونَ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يُؤَدُّونَ الفَرائِضَ، ويَمْنَعُونَ الزَكاةَ، وما فِيهِ مَنفَعَةٌ، وعَنْ أنَسٍ، والحَسَنِ، قالا: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾، ولَمْ يَقُلْ: (فِي صَلاتِهِمْ)، لِأنَّ مَعْنى "عَنْ"، أنَّهم ساهُونَ عَنْها، سَهْوَ تَرْكٍ لَها، وقِلَّةِ التِفاتٍ إلَيْها، وذَلِكَ فِعْلُ المُنافِقِينَ، ومَعْنى "فِي"، أنَّ السَهْوَ يَعْتَرِيهِمْ فِيها، بِوَسْوَسَةِ شَيْطانٍ، أوْ حَدِيثِ نَفْسٍ، وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْهُ مُسْلِمٌ"، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقَعُ لَهُ السَهْوُ في صَلاتِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، و"اَلْمُراءاةُ": "مُفاعَلَةٌ"، مِن "اَلْإراءَةُ"، لِأنَّ المُرائِيَ يُرائِي الناسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَناءَ عَلَيْهِ، والإعْجابَ بِهِ، ولا يَكُونُ الرَجُلُ مُرائِيًا بِإظْهارِ الفَرائِضِ، فَمِن حَقِّها الإعْلانُ بِها، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "وَلا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللهِ"، » والإخْفاءُ في التَطَوُّعِ أوْلى، فَإنْ أظْهَرَهُ قاصِدًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ، كانَ جَمِيلًا، و"اَلْماعُونُ": اَلزَّكاةُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ما يُتَعاوَرُ في العادَةِ، مِنَ الفَأْسِ، والقِدْرِ، والدَلْوِ، والمِقْدَحَةِ، ونَحْوِها"، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "اَلْماءُ، والنارُ، والمِلْحُ".
الماعون 107:6
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، يَعْنِي بِهَذا المُنافِقِينَ، أيْ: لا يُصَلُّونَها سِرًّا، لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ وجُوبَها، ويُصَلُّونَها عَلانِيَةً رِياءً، وقِيلَ: فَوَيْلٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أنْفُسَهم في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ صُورَةً، وهم غافِلُونَ عَنْ صَلاتِهِمْ، وأنَّهم لا يُرِيدُونَ بِها قُرْبَةً إلى رَبِّهِمْ، ولا تَأْدِيَةً لِفَرْضٍ، فَهم يَنْخَفِضُونَ ويَرْتَفِعُونَ، ولا يَدْرُونَ ماذا (p-٦٨٥)يَفْعَلُونَ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يُؤَدُّونَ الفَرائِضَ، ويَمْنَعُونَ الزَكاةَ، وما فِيهِ مَنفَعَةٌ، وعَنْ أنَسٍ، والحَسَنِ، قالا: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾، ولَمْ يَقُلْ: (فِي صَلاتِهِمْ)، لِأنَّ مَعْنى "عَنْ"، أنَّهم ساهُونَ عَنْها، سَهْوَ تَرْكٍ لَها، وقِلَّةِ التِفاتٍ إلَيْها، وذَلِكَ فِعْلُ المُنافِقِينَ، ومَعْنى "فِي"، أنَّ السَهْوَ يَعْتَرِيهِمْ فِيها، بِوَسْوَسَةِ شَيْطانٍ، أوْ حَدِيثِ نَفْسٍ، وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْهُ مُسْلِمٌ"، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقَعُ لَهُ السَهْوُ في صَلاتِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، و"اَلْمُراءاةُ": "مُفاعَلَةٌ"، مِن "اَلْإراءَةُ"، لِأنَّ المُرائِيَ يُرائِي الناسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَناءَ عَلَيْهِ، والإعْجابَ بِهِ، ولا يَكُونُ الرَجُلُ مُرائِيًا بِإظْهارِ الفَرائِضِ، فَمِن حَقِّها الإعْلانُ بِها، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "وَلا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللهِ"، » والإخْفاءُ في التَطَوُّعِ أوْلى، فَإنْ أظْهَرَهُ قاصِدًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ، كانَ جَمِيلًا، و"اَلْماعُونُ": اَلزَّكاةُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ما يُتَعاوَرُ في العادَةِ، مِنَ الفَأْسِ، والقِدْرِ، والدَلْوِ، والمِقْدَحَةِ، ونَحْوِها"، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "اَلْماءُ، والنارُ، والمِلْحُ".
الماعون 107:7
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، يَعْنِي بِهَذا المُنافِقِينَ، أيْ: لا يُصَلُّونَها سِرًّا، لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ وجُوبَها، ويُصَلُّونَها عَلانِيَةً رِياءً، وقِيلَ: فَوَيْلٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أنْفُسَهم في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ صُورَةً، وهم غافِلُونَ عَنْ صَلاتِهِمْ، وأنَّهم لا يُرِيدُونَ بِها قُرْبَةً إلى رَبِّهِمْ، ولا تَأْدِيَةً لِفَرْضٍ، فَهم يَنْخَفِضُونَ ويَرْتَفِعُونَ، ولا يَدْرُونَ ماذا (p-٦٨٥)يَفْعَلُونَ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يُؤَدُّونَ الفَرائِضَ، ويَمْنَعُونَ الزَكاةَ، وما فِيهِ مَنفَعَةٌ، وعَنْ أنَسٍ، والحَسَنِ، قالا: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾، ولَمْ يَقُلْ: (فِي صَلاتِهِمْ)، لِأنَّ مَعْنى "عَنْ"، أنَّهم ساهُونَ عَنْها، سَهْوَ تَرْكٍ لَها، وقِلَّةِ التِفاتٍ إلَيْها، وذَلِكَ فِعْلُ المُنافِقِينَ، ومَعْنى "فِي"، أنَّ السَهْوَ يَعْتَرِيهِمْ فِيها، بِوَسْوَسَةِ شَيْطانٍ، أوْ حَدِيثِ نَفْسٍ، وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْهُ مُسْلِمٌ"، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقَعُ لَهُ السَهْوُ في صَلاتِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، و"اَلْمُراءاةُ": "مُفاعَلَةٌ"، مِن "اَلْإراءَةُ"، لِأنَّ المُرائِيَ يُرائِي الناسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَناءَ عَلَيْهِ، والإعْجابَ بِهِ، ولا يَكُونُ الرَجُلُ مُرائِيًا بِإظْهارِ الفَرائِضِ، فَمِن حَقِّها الإعْلانُ بِها، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "وَلا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللهِ"، » والإخْفاءُ في التَطَوُّعِ أوْلى، فَإنْ أظْهَرَهُ قاصِدًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ، كانَ جَمِيلًا، و"اَلْماعُونُ": اَلزَّكاةُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ما يُتَعاوَرُ في العادَةِ، مِنَ الفَأْسِ، والقِدْرِ، والدَلْوِ، والمِقْدَحَةِ، ونَحْوِها"، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "اَلْماءُ، والنارُ، والمِلْحُ".
الكوثر 108:1
(p-٦٨٦)سُورَةُ "اَلْكَوْثَرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾، هو "فَوْعَلٌ"، مِن "اَلْكَثْرَةُ"، وهو المُفْرِطُ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، أحْلى مِنَ العَسَلِ، وأشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَبَنِ، وأبْرَدُ مِنَ الثَلْجِ، وألْيَنُ مِنَ الزُبْدِ، حافَّتاهُ الزَبَرْجَدُ، وأوانِيهِ مِن فِضَّةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "هُوَ الخَيْرُ الكَثِيرُ"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: "هُوَ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ".
الكوثر 108:2
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، فاعْبُدْ رَبَّكَ، الَّذِي أعَزَّكَ بِإعْطائِهِ، وشَرَّفَكَ، وصانَكَ مِن مِنَنِ الخَلْقِ، مُراغِمًا لِقَوْمِكَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ،
﴿وانْحَرْ﴾، لِوَجْهِهِ، وبِاسْمِهِ، إذا نَحَرْتَ، مُخالِفًا لِعَبَدَةِ الأوْثانِ في النَحْرِ لَها.
الكوثر 108:3
﴿إنَّ شانِئَكَ﴾، إنَّ مَن أبْغَضَكَ مِن قَوْمِكَ، بِمُخالَفَتِكَ لَهُمْ،
﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾، اَلْمُنْقَطِعُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، لا أنْتَ، لِأنَّ كُلَّ مَن يُولَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهم أوْلادُكَ، وأعْقابُكَ، وذِكْرُكَ مَرْفُوعٌ عَلى المَنابِرِ، وعَلى لِسانِ كُلِّ عالِمٍ، وذاكِرٍ، إلى آخِرِ الدَهْرِ، يَبْدَأُ بِذِكْرِ اللهِ، ويُثَنِّي بِذِكْرِكَ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ، فَمِثْلُكَ لا يُقالُ لَهُ: "أبْتَرُ"، إنَّما الأبْتَرُ هو شانِئُكَ، المَنسِيُّ في الدُنْيا، والآخِرَةِ، قِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، سَمّاهُ "اَلْأبْتَرَ"، و"اَلْأبْتَرُ": اَلَّذِي لا عَقِبَ لَهُ، وهو خَبَرُ "إنَّ"، و"هُوَ"، فَصْلٌ.
الكافرون 109:1
(p-٦٨٧)سُورَةُ "اَلْكافِرُونَ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾، اَلْمُخاطَبُونَ كَفَرَةٌ مَخْصُوصُونَ، قَدْ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، رُوِيَ «أنَّ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فاتَّبِعْ دِينَنا، ونَتَّبِعُ دِينَكَ، تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَقالَ: "مَعاذَ اللهِ أنْ أُشْرِكَ بِاللهِ غَيْرَهُ"، قالُوا: فاسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا، نُصَدِّقْكَ، ونَعْبُدْ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ، فَغَدا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ، فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، فَأيِسُوا ».
الكافرون 109:2
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: لَسْتُ في حالِي هَذِهِ عابِدًا ما تَعْبُدُونَ.
الكافرون 109:3
﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ﴾ [الكافرون: ٥]، اَلسّاعَةَ،
﴿ما أعْبُدُ﴾، يَعْنِي: اَللَّهَ.
الكافرون 109:4
﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾، ولا أعْبُدُ فِيما أسْتَقْبِلُ مِنَ الزَمانِ ما عَبَدْتُمْ.
الكافرون 109:5
﴿وَلا أنْتُمْ﴾، فِيما تَسْتَقْبِلُونَ،
﴿عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، وذَكَرَ بِلَفْظِ "ما"، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الصِفَةُ، أيْ: "لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ"، أوْ ذَكَرَ بِلَفْظِ "ما"، لِيَتَقابَلَ (p-٦٨٨)اللَفْظانِ، ولَمْ يَصِحَّ في الأوَّلِ "مَن"، وصَحَّ في الثانِي "ما"، بِمَعْنى "اَلَّذِي".
الكافرون 109:6
"لَكم دِينُكم ولِي دِينِ"، لَكم شِرْكُكُمْ، ولِيَ تَوْحِيدِي، وبِفَتْحِ الياءِ " نافِعٌ وحَفْصٌ"، ورُوِيَ «أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - دَخَلَ المَسْجِدَ، والنَبِيُّ ﷺ جالِسٌ، فَقالَ لَهُ: "نابِذْ يا ابْنَ مَسْعُودٍ "، فَقَرَأ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"، ثُمَّ قالَ لَهُ في الرَكْعَةِ الثانِيَةِ: "أخْلِصْ"، فَقَرَأ: "قُلْ هو اللهُ أحَدٌ"، فَلَمّا سَلَّمَ، قالَ: "يا ابْنَ مَسْعُودٍ، سَلْ تُجَبْ » ".
النصر 110:1
(p-٦٨٩)سُورَةُ "اَلنَّصْرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿إذا﴾، مَنصُوبٌ بِـ "سَبِّحْ"، وهو لِما يُسْتَقْبَلُ، والإعْلامُ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ، مِن أعْلامِ النُبُوَّةِ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أيّامِ التَشْرِيقِ، بِمِنًى، في حَجَّةِ الوَداعِ،
﴿جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ﴾، "اَلنَّصْرُ": اَلْإغاثَةُ، والإظْهارُ عَلى العَدُوِّ، و"اَلْفَتْحُ": فَتْحُ البِلادِ، والمَعْنى: نَصْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى العَرَبِ، أوْ عَلى قُرَيْشٍ، وفَتْحُ مَكَّةَ، أوْ جِنْسُ نَصْرِ اللهِ المُؤْمِنِينَ، وفَتْحُ بِلادِ الشِرْكِ عَلَيْهِمْ.
النصر 110:2
﴿وَرَأيْتَ الناسَ يَدْخُلُونَ﴾، هو حالٌ مِن "اَلنّاسَ"، عَلى أنَّ "رَأيْتَ"، بِمَعْنى "أبْصَرْتَ"، أوْ "عَرَفْتَ"، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، عَلى أنَّهُ بِمَعْنى "عَلِمْتَ"،
﴿فِي دِينِ اللهِ أفْواجًا﴾، هو حالٌ مِن فاعِلِ "يَدْخُلُونَ"، وجَوابُ "إذا": "فَسَبِّحْ"، أيْ: إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ إيّاكَ عَلى مَن ناوَأكَ، وفَتَحَ البِلادَ، ورَأيْتَ أهْلَ اليَمَنِ يَدْخُلُونَ في مِلَّةِ الإسْلامِ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، بَعْدَما كانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
النصر 110:3
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقُلْ: "سُبْحانَ اللهِ"، حامِدًا لَهُ، أوْ: فَصَلِّ لَهُ، (p-٦٩٠)﴿واسْتَغْفِرْهُ﴾، تَواضُعًا، وهَضْمًا لِلنَّفْسِ، أوْ: دُمْ عَلى الِاسْتِغْفارِ،
﴿إنَّهُ كانَ﴾، ولَمْ يَزَلْ،
﴿تَوّابًا﴾، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لَمّا سَمِعَها بَكى، وقالَ: "اَلْكَمالُ دَلِيلُ الزَوالِ"، وعاشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَنَتَيْنِ بَعْدَها.
المسد 111:1
(p-٦٩١)سُورَةُ "اَلْمَسَدِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾، "اَلتَّبابُ": اَلْهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ؟"، أيْ: هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ، والمَعْنى: هَلَكَتْ يَداهُ، لِأنَّهُ - فِيما يُرْوى - أخَذَ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ،
﴿وَتَبَّ﴾، وهَلَكَ كُلُّهُ، أوْ جُعِلَتْ يَداهُ هالِكَتَيْنِ، والمُرادُ: هَلاكُ جُمْلَتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠]، ومَعْنى "وَتَبَّ": وكانَ ذَلِكَ، وحَصَلَ، كَقَوْلِهِ:
جَزانِي جَزاهُ اللهُ شَرَّ جَزائِهِ... جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ
وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "وَقَدْ تَبَّ"، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، رَقى الصَفا، وقالَ: "يا صَباحاهُ"، فاسْتُجْمِعَ إلَيْهِ الناسُ مِن كُلِّ أوْبٍ، فَقالَ ﷺ: "يا بَنِي عَبْدَ المُطَّلِبِ، يا بَنِي فِهْرٍ، إنْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟"، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ"، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألِهَذا دَعَوْتَنا؟! » فَنَزَلَتْ، وإنَّما كَنّاهُ (p-٦٩٢)- والتَكْنِيَةُ تَكْرِمَةٌ - لِاشْتِهارِهِ بِها، دُونَ الِاسْمِ، أوْ لِكَراهَةِ اسْمِهِ، فاسْمُهُ " عَبْدُ العُزّى "، أوْ لِأنَّ مَآلَهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ، فَوافَقَتْ حالُهُ كُنْيَتَهُ، "أبِي لَهْبٍ"، "مَكِّيٌّ".
المسد 111:2
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾، "ما"، لِلنَّفْيِ،
﴿وَما كَسَبَ﴾، مَرْفُوعٌ، و"ما"، مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: "وَمَكْسُوبُهُ"، أوْ "وَكَسْبُهُ"، أيْ: لَمْ يَنْفَعْهُ مالُهُ الَّذِي ورِثَهُ مِنَ أبِيهِ، والَّذِي كَسَبَهُ بِنَفْسِهِ، أوْ مالُهُ التالِدُ، والطارِفُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "ما كَسَبَ: ولَدُهُ"، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي ».
المسد 111:3
﴿سَيَصْلى نارًا﴾، سَيَدْخُلُ، "سَيُصْلى"، "اَلْبُرْجُمِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ"، والسِينُ لِلْوَعِيدِ، أيْ: هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَراخى وقْتُهُ،
﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾، تَوَقَّدُ.
المسد 111:4
﴿وامْرَأتُهُ﴾، هي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ، أُخْتُ أبِي سُفْيانَ،
﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾، كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَوْكِ، والحَسَكِ، فَتَنْثُرُها بِاللَيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقِيلَ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَمِيمَةِ، فَتُشْعِلُ نارَ العَداوَةِ بَيْنَ الناسِ، ونَصَبَ عاصِمٌ "حَمّالَةَ الحَطَبِ"، عَلى الشَتْمِ، وأنا أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ تَوَسَّلَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِجَمِيلٍ مَن أحَبَّ شَتْمَ أُمِّ جَمِيلٍ، وعَلى هَذا يَسُوغُ الوَقْفَ عَلى "وامْرَأتُهُ"، لِأنَّها عُطِفَتْ عَلى الضَمِيرَ في "سَيَصْلى"، أيْ: سَيَدْخُلُ هو وامْرَأتُهُ، والتَقْدِيرُ: "أعْنِي حَمّالَةَ الحَطَبِ"، وغَيْرُهُ رَفَعَ: "حَمّالَةُ الحَطَبِ"، عَلى أنَّها خَبَرُ "وامْرَأتُهُ"، أوْ: "هِيَ حَمّالَةُ".
المسد 111:5
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، حالٌ، أوْ خَبَرٌ آخَرُ، و"اَلْمَسَدُ": اَلَّذِي فُتِلَ مِنَ الحِبالِ، فَتْلًا شَدِيدًا، مِن لِيفٍ كانَ أوْ جِلْدٍ، وغَيْرِهِما، والمَعْنى: "فِي جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِنَ الحِبالِ"، وأنَّها تَحْمِلُ تِلْكَ الحُزْمَةَ مِنَ الشَوْكِ وتَرْبِطُها في جِيدِها، كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ، تَحْقِيرًا لَها، وتَصْوِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ، لِتَجْزَعَ مِن ذَلِكَ، ويَجْزَعَ بَعْلُها، وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَرَفِ، وفي مَنصِبِ الثَرْوَةِ والجِدَةِ.
الإخلاص 112:1
(p-٦٩٣)سُورَةُ "اَلْإخْلاصِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قُلْ هو اللهُ أحَدٌ﴾، "هُوَ"، ضَمِيرُ الشَأْنِ، و"اَللَّهُ أحَدٌ"، هو الشَأْنُ، كَقَوْلِكَ: "هُوَ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ"، كَأنَّهُ قِيلَ: "اَلشَّأْنُ هَذا، وهو أنَّ اللهَ واحِدٌ، لا ثانِيَ لَهُ"، ومَحَلُّ "هُوَ"، اَلرَّفْعُ، عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ، ولا يَحْتاجُ إلى الراجِعِ، لِأنَّهُ في حُكْمِ المُفْرَدِ، في قَوْلِكَ: "زِيدٌ غُلامُكَ"، في أنَّهُ هو المُبْتَدَأُ في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "اَللَّهُ أحَدٌ"، هو الشَأْنُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ "زَيْدٌ أبُوهُ مُنْطَلِقٌ"، فَإنَّ "زَيْدٌ"، والجُمْلَةُ، يَدُلّانِ عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلا بُدَّ مِمّا يَصِلُ بَيْنَهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: " «قالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ، صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ"، » يَعْنِي: "اَلَّذِي سَألْتُمُونِي وصْفَهُ هو اللهُ (تَعالى)"، وعَلى هَذا "أحَدٌ"، خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "هُوَ أحَدٌ"، وهو بِمَعْنى "واحِدٌ"، وأصْلُهُ: "وَحَدٌ"، فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً، لِوُقُوعِها طَرَفًا، والدَلِيلُ عَلى أنَّهُ واحِدٌ مِن جِهَةِ العَقْلِ أنَّ الواحِدَ إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في تَدْبِيرِ العالَمِ وتَخْلِيقِهِ، أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ (p-٦٩٤)كانَ كافِيًا كانَ الآخَرُ ضائِعًا، غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ، والناقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ كافِيًا، فَهو ناقِصٌ، ولِأنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي احْتِياجَ المَفْعُولِ إلى فاعِلٍ، والفاعِلُ الواحِدُ كافٍ، وما وراءَ الواحِدِ فَلَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى وُجُودِ أعْدادٍ لا نِهايَةَ لَها وذا مُحالٌ، فالقَوْلُ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُحالٌ، ولِأنَّ أحَدَهُما إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَسْتُرَ شَيْئًا مِن أفْعالِهِ عَنِ الآخَرِ، أوْ لا يَقْدِرُ، فَإنْ قَدِرَ لَزِمَ كَوْنُ المَسْتُورِ عَنْهُ جاهِلًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَ كَوْنُهُ عاجِزًا، ولِأنّا لَوْ فَرَضْنا مَعْدُومًا مُمْكِنَ الوُجُودِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ واحِدٌ مِنهُما عَلى إيجادِهِ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدِرَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، فالآخَرُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدِرا جَمِيعًا، فَإمّا أنْ يُوجِداهُ بِالتَعاوُنِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحْتاجًا إلى إعانَةِ الآخَرِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، وإنْ قَدِرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى إيجادِهِ بِالِاسْتِقْلالِ، فَإذا أوْجَدَهُ أحَدُهُما، فَإمّا أنْ يَبْقى الثانِي قادِرًا عَلَيْهِ، وهو مُحالٌ، لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الأوَّلُ مُزِيلًا قُدْرَةَ الثانِي، فَيَكُونُ عاجِزًا ومَقْهُورًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ، فَلا يَكُونُ إلَهًا، فَإنْ قُلْتَ: اَلْواحِدُ إذا أوْجَدَ مَقْدُورًا بِنَفْسِهِ فَقَدْ زالَتْ قُدْرَتُهُ، فَيَلْزَمُكم أنْ يَكُونَ هَذا الواحِدُ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ عاجِزًا، قُلْنا: اَلْواحِدُ إذا أوْجَدَ مَقْدُورَ نَفْسِهِ فَقَدْ نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ، ومَن نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ لا يَكُونُ عاجِزًا، وأمّا الشَرِيكُ فَما نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ، بَلْ زالَتْ قُدْرَتُهُ، بِسَبَبِ قُدْرَةِ الآخَرِ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْجِيزًا.
الإخلاص 112:2
﴿اللهُ الصَمَدُ﴾، هو "فَعَلٌ"، بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، مِن "صَمَدَ إلَيْهِ"، إذا قَصَدَهُ، وهو السَيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، والمَعْنى: هو اللهُ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ، وتُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُ السَماواتِ والأرْضِ، وخالِقُكُمْ، وهو واحِدٌ، لا شَرِيكَ لَهُ، وهو الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ كُلُّ مَخْلُوقٍ، لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ، وهو الغَنِيُّ عَنْهم.
الإخلاص 112:3
﴿لَمْ يَلِدْ﴾، لِأنَّهُ لا يُجانَسُ حَتّى تَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ، فَيَتَوالَدا، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾، لِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ مُحْدَثٌ، وجِسْمٌ، وهو قَدِيمٌ، لا أوَّلَ لِوُجُودِهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا لَكانَ حادِثًا، لِعَدَمِ الواسِطَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ (p-٦٩٥)كانَ حادِثًا لافْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، وكَذا الثانِي، والثالِثُ، فَيُؤَدِّي إلى التَسَلْسُلِ، وهو باطِلٌ، ولَيْسَ بِجِسْمٍ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْمُتَرَكِّبِ، ولا يَخْلُو حِينَئِذٍ مِن أنْ يَتَّصِفَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَيَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ إلَهًا، فَيَفْسَدَ القَوْلُ بِهِ، كَما فَسَدَ بِإلَهَيْنِ، أوْ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِها، بَلْ بِأضْدادِها، مِن سِماتِ الحُدُوثِ، وهو مُحالٌ.
الإخلاص 112:4
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، ولَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ، أيْ: لَمْ يُماثِلْهُ، سَألُوهُ أنْ يَصِفَهُ لَهُمْ، فَأوْحى إلَيْهِ ما يَحْتَوِي عَلى صِفاتِهِ (تَعالى)، فَقَوْلُهُ: "هُوَ اللهُ"، إشارَةٌ إلى أنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ، وفاطِرُها، وفي طَيِّ ذَلِكَ وصْفُهُ بِأنَّهُ قادِرٌ، عالِمٌ، لِأنَّ الخالِقَ يَسْتَدْعِي القُدْرَةَ، والعِلْمَ، لِكَوْنِهِ واقِعًا عَلى غايَةِ إحْكامٍ، واتِّساقٍ، وانْتِظامٍ، وفي ذَلِكَ وصْفُهُ بِأنَّهُ حَيٌّ، لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حَيًّا، وفي ذَلِكَ وصْفُهُ بِأنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، مُرِيدٌ، مُتَكَلِّمٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِها، لَكانَ مَوْصُوفًا بِأضْدادِها، وهي نَقائِصُ، وذا مِن أماراتِ الحَدَثِ، فَيَسْتَحِيلُ اتِّصافُ القَدِيمِ بِها، وقَوْلُهُ: "أحَدٌ"، وصْفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، ونَفْيِ الشَرِيكِ، وبِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإيجادِ المَعْدُوماتِ، والمُتَوَحِّدُ بِعِلْمِ الخَفِيّاتِ، وقَوْلُهُ: "اَلصَّمَدُ"، وصْفٌ بِأنَّهُ لَيْسَ إلّا مُحْتاجًا إلَيْهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ إلّا مُحْتاجًا إلَيْهِ، فَهو غَنِيٌّ، لا يَحْتاجُ إلى أحَدٍ، ويَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، وقَوْلُهُ: "لَمْ يَلِدْ"، نَفْيٌ لِلشَّبَهِ، والمُجانَسَةِ، وقَوْلُهُ: "وَلَمْ يُولَدْ"، نَفْيٌ لِلْحُدُوثِ، ووَصْفٌ بِالقِدَمِ، والأوَّلِيَّةِ، وقَوْلُهُ: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ"، نَفْيٌ أنْ يُماثِلَهُ شَيْءٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ نَفْيَ الكُفْءِ - وهو المِثْلُ، في الماضِي، لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ لِلْحالِ، والكُفّارُ يَدَّعُونَهُ في الحالِ - فَقَدْ تاهُ في غَيِّهِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيما مَضى، لَمْ يَكُنْ في الحالِ ضَرُورَةً، إذِ الحادِثُ لا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْقَدِيمِ، وحاصِلُ كَلامِ الكَفَرَةِ يَؤُولُ إلى الإشْراكِ، والتَشْبِيهِ، والتَعْطِيلِ، والسُورَةُ تَدْفَعُ الكُلَّ، كَما قَرَّرْنا، واسْتَحْسَنَ سِيبَوَيْهِ تَقْدِيمَ الظَرْفِ، إذا كانَ مُسْتَقِرًّا، أيْ: خَبَرًا، لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِ قُدِّمَ، لِيُعْلَمَ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّهُ خَبَرٌ، لا فَضْلَةٌ، وتَأْخِيرَهُ إذا كانَ لَغْوًا، أيْ: فَضْلَةً، لِأنَّ التَأْخِيرَ مُسْتَحَقٌّ لِلْفَضْلاتِ، وإنَّما قُدِّمَ في الكَلامِ الأفْصَحِ (p-٦٩٦)لِأنَّ الكَلامَ سِيقَ لَنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ البارِئِ - سُبْحانَهُ -، وهَذا المَعْنى مَصَبُّهُ ومَرْكَزُهُ هَذا الظَرْفُ، فَكانَ الأهَمُّ تَقْدِيمَهُ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَسْتَحِبُّ الوَقْفُ عَلى "أحَدٌ"، ولا يَسْتَحِبُّ الوَصْلَ، قالَ عَبْدُ الوارِثِ: عَلى هَذا أدْرَكْنا القُرّاءَ، وإذا وصَلَ نَوَّنَ وكَسَرَ، أوْ حَذَفَ التَنْوِينَ، كَقِراءَةِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، "كُفْئًا"، بِسُكُونِ الفاءِ، والهَمْزَةِ، " حَمْزَةُ وخَلَفٌ "، "كُفْوًا"، مُثَقَّلَةٌ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ، " حَفْصٌ "، اَلْباقُونَ: مُثَقَّلَةٌ مَهْمُوزَةٌ، وفي الحَدِيثِ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ (اَلْإخْلاصِ)، فَقَدْ قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ"، » لِأنَّ القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى تَوْحِيدِ اللهِ، وذِكْرِ صِفاتِهِ، وعَلى الَأوامِرِ، والنَواهِي، وعَلى القِصَصِ، والمَواعِظِ، وهَذِهِ السُورَةُ قَدْ تَجَرَّدَتْ لِلتَّوْحِيدِ، والصِفاتِ، فَقَدْ تَضَمَّنَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وفِيهِ دَلِيلُ شَرَفِ عِلْمِ التَوْحِيدِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ والعِلْمُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ المَعْلُومِ، ويَتَّضِعُ بِضَعَتِهِ؟! ومَعْلُومُ هَذا العِلْمِ هو اللهُ، وصِفاتُهُ، وما يَجُوزُ عَلَيْهِ، وما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَما ظَنُّكَ بِشَرَفِ مَنزِلَتِهِ، وجَلالَةِ مَحَلِّهِ؟! اَللَّهُمَّ احْشُرْنا في زُمْرَةِ العالِمِينَ بِكَ، العامِلِينَ لَكَ، الراجِينَ لِثَوابِكَ، الخائِفِينَ مِن عِقابِكَ، المُكَرَّمِينَ بِلِقائِكَ، «وَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ "قُلْ هو اللهُ أحَدٌ"، فَقالَ: "وَجَبَتْ"، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما وجَبَتْ؟ قالَ: "وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ » ".
الفلق 113:1
(p-٦٩٧)سُورَةُ "اَلْفَلَقِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيْ: اَلصُّبْحِ، أوْ: اَلْخَلْقِ، أوْ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، أوْ جُبٌّ فِيها.
الفلق 113:2
﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أيْ: اَلنّارِ، والشَيْطانِ، و"ما"، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، ويَكُونُ الخَلْقُ بِمَعْنى "اَلْمَخْلُوقُ"، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: "مِن شَرٍّ"، بِالتَنْوِينِ، و"ما"، عَلى هَذا، مَعَ الفِعْلِ، بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، في مَوْضِعِ الجَرِّ، بَدَلٌ مِن "شَرٍّ"، أيْ: "شَرٍّ، خَلْقِهِ"، أيْ: مِن "خَلْقٍ شَرٍّ"، أوْ زائِدَةٌ.
الفلق 113:3
﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾، "اَلْغاسِقُ": اَللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، ووُقُوبُهُ دُخُولُ ظَلامِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، «وَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي، فَأشارَ إلى القَمَرِ، فَقالَ: "تَعَوَّذِي بِاللهِ مِن شَرِّ هَذا، فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ » "، ووُقُوبُهُ: دُخُولُهُ في الكُسُوفِ، واسْوِدادُهُ.
الفلق 113:4
(p-٦٩٨)﴿وَمِن شَرِّ النَفّاثاتِ في العُقَدِ﴾، "اَلنَّفّاثاتُ": اَلنِّساءُ، أوْ: اَلنُّفُوسُ، أوْ: اَلْجَماعاتُ السَواحِرُ، اللاتِي يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ، ويَنْفُثْنَ عَلَيْها، ويَرْقِينَ، و"اَلنَّفْثُ": اَلنَّفْخُ، مَعَ رِيقٍ، وهو دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في إنْكارِ تَحَقُّقِ السِحْرِ، وظُهُورِ أثَرِهِ.
الفلق 113:5
﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أيْ: إذا أظْهَرَ حَسَدَهُ، وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَظْهَرْ، فَلا ضَرَرَ يَعُودُ مِنهُ عَلى مَن حَسَدَهُ، بَلْ هو الضارُّ لِنَفْسِهِ، لِاغْتِمامِهِ بِسُرُورِ غَيْرِهِ، وهو الأسِفُ عَلى الخَيْرِ عِنْدَ الغَيْرِ، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ هَذِهِ الأشْياءِ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، إشْعارٌ بِأنَّ شَرَّ هَؤُلاءِ أشَدُّ، وخَتَمَ بِالحَسَدِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ شَرُّها، وهو أوَّلُ ذَنْبِ عُصِيَ اللهُ بِهِ في السَماءِ، مِن إبْلِيسَ، وفي الأرْضِ، مِن قابِيلَ، وإنَّما عَرَّفَ بَعْضَ المُسْتَعاذِ مِنهُ، ونَكَّرَ بَعْضَهُ، لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، فَلِذا عُرِّفَتِ "اَلنَّفّاثاتِ"، ونُكِّرَ "غاسِقٍ"، لِأنَّ كُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَرُّ، إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ، لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ يَكُونُ مَحْمُودًا، كالحَسَدِ في الخَيْراتِ.
الناس 114:1
(p-٦٩٩)سُورَةُ "اَلنّاسِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الناسِ﴾ أيْ: مُرَبِّيهِمْ، ومُصْلِحِهِمْ.
الناس 114:2
﴿مَلِكِ الناسِ﴾، مالِكِهِمْ ومُدَبِّرِ أُمُورِهِمْ.
الناس 114:3
﴿إلَهِ الناسِ﴾، مَعْبُودِهِمْ، ولَمْ يَكْتَفِ بِإظْهارِ المُضافِ إلَيْهِ مَرَّةً واحِدَةً، لِأنَّ قَوْلَهُ: "مَلِكِ الناسِ إلَهِ الناسِ"، عَطْفُ بَيانٍ لِـ "رَبِّ الناسِ"، لِأنَّهُ يُقالُ لِغَيْرِهِ: "رَبُّ الناسِ"، و"مَلِكُ الناسِ"، وأمّا "إلَهِ الناسِ"، فَخاصٌّ لا شَرِكَةَ فِيهِ، وعَطْفُ البَيانِ لِلْبَيانِ، فَكَأنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ، وإنَّما أُضِيفَ الرَبَّ إلى الناسِ خاصَّةً - وإنْ كانَ رَبَّ كُلِّ مَخْلُوقٍ - تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ وقَعَتْ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ في صُدُورِ الناسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "أعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ إلى الناسِ، بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، وهو إلَهُهُمْ، ومَعْبُودُهُمْ"، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ الأطْفالَ، ومَعْنى الرُبُوبِيَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِالثانِي الشُبّانَ، ولَفْظُ المَلِكِ - المُنْبِئُ عَنِ السِياسَةِ - يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِالثالِثِ الشُيُوخَ، ولَفْظُ الإلَهِ - المُنْبِئُ عَنِ العِبادَةِ - يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِالرابِعِ الصالِحِينَ، إذِ الشَيْطانُ مُولَعٌ بِإغْوائِهِمْ، (p-٧٠٠)وَبِالخامِسِ المُفْسِدِينَ، لِعَطْفِهِ عَلى المُعَوَّذِ مِنهُ.
الناس 114:4
﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾، هو اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، كَـ "اَلزِّلْزالُ"، بِمَعْنى "اَلزَّلْزَلَةُ"، وأمّا المَصْدَرُ فَـ "وِسْواسٌ"، بِالكَسْرِ، كَـ "اَلزِّلْزالُ"، والمُرادُ بِهِ الشَيْطانُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ وسْوَسَةٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّها شُغْلُهُ الَّذِي هو عاكِفٌ عَلَيْهِ، أوْ أُرِيدَ "ذُو الوَسْواسِ"، و"اَلْوَسْوَسَةُ": اَلصَّوْتُ الخَفِيُّ،
﴿الخَنّاسِ﴾، اَلَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ، مَنسُوبٌ إلى "اَلْخُنُوسُ"، وهو التَأخُّرُ، كَـ "اَلْعَواجُ"، و"اَلْبَتاتُ"، لِما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ، خَنِسَ الشَيْطانُ، ووَلّى، وإذا غَفَلَ، رَجَعَ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ".
الناس 114:5
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ﴾، في مَحَلِّ الجَرِّ، عَلى الصِفَةِ، أوِ الرَفْعِ، أوِ النَصْبِ، عَلى الشَتْمِ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى "اَلْخَنّاسِ".
الناس 114:6
﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾، بَيانٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ، عَلى أنَّ الشَيْطانَ ضَرْبانِ، جِنِّيٌّ، وإنْسِيٌّ، كَما قالَ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وعَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللهِ مِن شَيْطانِ الإنْسِ؟ "، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ، سُحِرَ، فَمَرِضَ، فَجاءَهُ مَلَكانِ، وهو نائِمٌ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: "ما بالُهُ؟!"، فَقالَ: "طُبَّ"، قالَ: "وَمَن طَبَّهُ؟"، قالَ: " لَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ اليَهُودِيُّ"، قالَ: "وَبِمَ طَبَّهُ؟"، قالَ: "بِمُشْطٍ ومُشاطَةٍ، في جُفِّ طَلْعَةٍ، تَحْتَ راعُوفَةٍ، في بِئْرِ ذِي أرْوانَ "، فانْتَبَهَ ﷺ، فَبَعَثَ زُبَيْرًا، وعَلِيًّا، وعَمّارًا - رَضِيَ اللهُ عَنْهم -، فَنَزَحُوا ماءَ البِئْرِ، وأخْرَجُوا الجُفَّ، فَإذا فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ، وأسْنانٌ مِن مُشْطِهِ، وإذا فِيهِ وتَرٌ مُعْقَدٌ، فِيهِ إحْدى عَشَرَةَ عُقْدَةً، مَغْرُوزَةً بِالإبَرِ، فَنَزَلَتْ هاتانِ السُورَتانِ، فَكُلَّما قَرَأ جِبْرِيلُ آيَةً، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، حَتّى قامَ ﷺ عِنْدَ انْحِلالِ العُقْدَةِ الأخِيرَةِ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، وجَعَلَ جِبْرِيلُ يَقُولُ: "بِاسْمِ اللهِ أرْقِيكَ، واللهُ يَشْفِيكَ مِن كُلِّ داءٍ (p-٧٠١)يُؤْذِيكَ"، » ولِهَذا جُوِّزَ الِاسْتِرْقاءُ بِما كانَ مِن كِتابِ اللهِ، وكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ، لا بِما كانَ بِالسُرْيانِيَّةِ، والعِبْرانِيَّةِ، والهِنْدِيَّةِ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ اعْتِقادُهُ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، ومِن سَيِّئاتِ أعْمالِنا، وأقْوالِنا، ومِن شَرِّ ما عَمِلْنا، وما لَمْ نَعْمَلْ، ونَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ، ورَسُولُهُ، ونَبِيُّهُ، وصَفِيُّهُ، أرْسَلَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ، ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ، مَصابِيحِ الأنامِ، وأصْحابِهِ مَفاتِيحِ دارِ السَلامِ،
واللهُ أعْلَمُ بِالصَوابِ، وإلَيْهِ المَلْجَأُ والمَآبُ.