Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:9

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الفاتحة 1:1
  2. الفاتحة 1:2
  3. الفاتحة 1:3
  4. الفاتحة 1:4
  5. الفاتحة 1:5
  6. الفاتحة 1:6
  7. الفاتحة 1:7
  8. البقرة 2:1
  9. البقرة 2:2
  10. البقرة 2:3
  11. البقرة 2:4
  12. البقرة 2:5
  13. البقرة 2:6
  14. البقرة 2:7
  15. البقرة 2:8
  16. البقرة 2:9

الفاتحة 1:1

الباءَ في قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ) باءُ الإلْصاقِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: بِاسْمِ اللَّهِ أشْرَعُ في أداءِ،الطّاعاتِ، وهَذا المَعْنى لا يَصِيرُ مُلَخَّصًا مَعْلُومًا إلّا بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى أقْسامِ الطّاعاتِ وهي العَقائِدُ الحَقَّةُ والأعْمالُ الصّافِيَةُ مَعَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ ومَعَ الأجْوِبَةِ عَنِ الشُّبُهاتِ، وهَذا المَجْمُوعُ رُبَّما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافِ مَسْألَةٍ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ قَوْلَهُ: (أعُوذُ بِاللَّهِ) إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وقَوْلَهُ: (بِسْمِ اللَّهِ) إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي مِنَ الِاعْتِقاداتِ والعَمَلِيّاتِ فَقَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ) لا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلّا بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى جَمِيعِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأعْمالِ الصّافِيَةِ وهَذا هو التَّرْتِيبُ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ العَقْلُ الصَّحِيحُ والحَقُّ الصَّرِيحُ. [[تفسير المؤلف للبسملة موسع جدًّا فاخترنا هذا إلى أن يتسير عرض ما بقي بطريقة مناسبة]]

الفاتحة 1:2

البابُ الخامِسُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وفِيهِ فَصُولٌ الفَصْلُ الأوَّلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: هاهُنا ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ: الحَمْدُ والمَدْحُ والشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ألا تَرى أنَّ مَن رَأى لُؤْلُؤَةً في غايَةِ الحُسْنِ أوْ ياقُوتَةً في غايَةِ الحُسْنِ فَإنَّهُ قَدْ يَمْدَحُها، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَحْمَدَها، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ. الوَجْهُ الثّانِي في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإحْسانِ وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْسانِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«احْثُوا التُّرابَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ» “ أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قالَ ﷺ: صفحة ١٧٩ ”«مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» “ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ، وأمّا الحَمْدُ فَهو القَوْلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهي فَضِيلَةُ الإنْعامِ والإحْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ. وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَهو أنَّ الحَمْدَ يَعُمُّ ما إذا وصَلَ ذَلِكَ الإنْعامُ إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالإنْعامِ الواصِلِ إلَيْكَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ حاصِلٌ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ولِلْفاعِلِ المُخْتارِ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ: المَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا مُخْتارًا، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتارًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا القائِلِ مُقِرًّا بِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذّاتِ كَما تَقُولُ الفَلاسِفَةُ بَلْ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِن قَوْلِهِ: الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلى غَيْرِهِ، وأمّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهو ثَناءٌ بِسَبَبِ إنْعامٍ وصَلَ إلى ذَلِكَ القائِلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَواءٌ أعْطَيْتَنِي أوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإنْعامُكَ واصِلٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ العَظِيمِ، وقِيلَ: الحَمْدُ عَلى ما دَفَعَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عَلى ما أعْطى مِنَ النَّعْماءِ. فَإنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ في الإعْطاءِ أكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ في دَفْعِ البَلاءِ، فَلِماذا تَرَكَ الأكْثَرَ وذَكَرَ الأقَلَّ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا شاكِرٌ لِأدْنى النِّعْمَتَيْنِ فَكَيْفَ لِأعْلاهُما. الثّانِي: المَنعُ غَيْرُ مُتَناهٍ، والإعْطاءُ مُتَناهٍ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِشُكْرِ دَفْعِ البَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ أوْلى. الثّالِثُ: أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قَدَّمَهُ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أحْمَدُ اللَّهَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ العِبارَةُ الثّانِيَةُ أوْلى؛ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، أفادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ القائِلِ قادِرًا عَلى حَمْدِهِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِينَ وقَبْلَ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، فَهَؤُلاءِ سَواءٌ حَمِدُوا أوْ لَمْ يَحْمَدُوا، وسَواءٌ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا، فَهو تَعالى مَحْمُودٌ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ بِحَمْدِهِ القَدِيمِ وكَلامِهِ القَدِيمِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ حُقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، فَإنَّهُ تَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أيادِيهِ وأنْواعِ آلائِهِ عَلى العِبادِ، فَقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، ولَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ أوْلى مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى أنَّ شَخْصًا واحِدًا حَمِدَهُ. وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ لَكانَ قَدْ حَمِدَ، لَكِنْ لا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وأمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أنا حَتّى أحْمَدَهُ ؟ لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الحامِدِينَ، مِثالُهُ ما لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ ؟ فَإنْ قَلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ ولَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، ولَوْ قُلْتَ في الجَوابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلى كُلِّ الخَلائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأكْمَلِ المَحامِدِ. ورابِعُها: أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةِ القَلْبِ، وهي اعْتِقادُ كَوْنِ ذَلِكَ المَحْمُودِ مُتَفَضِّلًا مُنْعِمًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَإذا تَلَفَّظَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ غافِلًا عَنْ مَعْنى التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِجَلالِ اللَّهِ كانَ كاذِبًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ حامِدًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ غافِلًا أوْ مُسْتَحْضِرًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ فَإنَّهُ يَكُونُ صادِقًا؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ حَقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ كانَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ صفحة ١٨٠ أوْلى مِن قَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ لا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ، بِخِلافِ قَوْلِنا: أشَهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كاذِبًا في قَوْلِهِ: أشَهْدُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في تَكْذِيبِ المُنافِقِينَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ولِهَذا السِّرِّ أُمِرَ في الأذانِ بِقَوْلِهِ: أشْهَدُ، ثُمَّ وقَعَ الخَتْمُ عَلى قَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أحَدُها: الِاخْتِصاصُ اللّائِقُ كَقَوْلِكَ: الجُلُّ لِلْفَرَسِ. وثانِيها: المِلْكُ كَقَوْلِكَ: الدّارُ لِزَيْدٍ. وثالِثُها: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِكَ: البَلَدُ لِلسُّلْطانِ، واللّامُ في قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ اللّائِقِ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ الحَمْدُ إلّا بِهِ لِغايَةِ جَلالِهِ وكَثْرَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى المِلْكِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِلْكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكَ مِنهم كَوْنَهم مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلى المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وبِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ مِلْكُهُ ومَلَكَهُ، وبِمَعْنى أنَّهُ هو المُسْتَوْلِي عَلى الكُلِّ والمُسْتَعْلِي عَلى الكُلِّ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثَمانِيَةُ أحْرُفٍ، وأبْوابُ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، فَمَن قالَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ عَنْ صَفاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمانِيَةَ أبْوابِ الجَنَّةِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الحَمْدُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ كانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سابِقٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وإلّا يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإجْمالِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ يُفِيدُ الماهِيَّةَ والحَقِيقَةَ فَقَطْ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ أفادَ أنَّ كُلَّ ما كانَ حَمَدًا وثَناءً فَهو لِلَّهِ وحَقُّهُ ومِلْكُهُ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ البَتَّةَ، وإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ ماهِيَّةَ الحَمْدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَنْفِي حُصُولَ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأُسْتاذُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ، والسُّلْطانُ العادِلُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ. قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِ بِإنْعامٍ فالمُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، وإلّا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وسَلَّطَ ذَلِكَ المُنْعِمَ عَلَيْها، ومَكَّنَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ - لَما حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُنْعِمَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ. * * * الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ قَوْلَهَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مَحْمُودَ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ العَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ داعِيَةَ الإنْعامِ في قَلْبِ المُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ، فَيَكُونُ المُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى الغَيْرِ فَإنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الإنْعامِ عِوَضًا؛ إمّا ثَوابًا، أوْ ثَناءً، أوْ تَوْصِيلَ حَقٍّ، أوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِن خُلُقِ البُخْلِ، وطالِبُ العِوَضِ لا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ في الحَقِيقَةِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَطْلُبُ الكَمالَ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَكانَتْ عَطاياهُ جُودًا مَحْضًا وإحْسانًا مَحْضًا، فَلا جَرَمَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ صفحة ١٨١ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ الوُجُودِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الوُجُودِ فَإنَّهُ وُجِدَ بِإيجادِ الحَقِّ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةٍ، يَنْتُجُ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] والحَمْدُ لا مَعْنًى لَهُ إلّا الثَّناءُ عَلى الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ لا إنْعامَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهَ تَعالى. ورابِعُها: النِّعْمَةُ لا تَكُونُ كامِلَةً إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ مَنفَعَةً، والِانْتِفاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا، وكَوْنُهُ حَيًّا مُدْرِكًا لا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ والغَمِّ، وإخْلاءُ المَنافِعِ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ آمِنَةً مِن خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وهَذا الأمْرُ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا ثَبَتَ هَذا فالنِّعْمَةُ الكامِلَةُ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ الكامِلَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا، وما لَمْ يَحْصُلْ شُعُورُ الإنْسانِ بِوُصُولِ النِّعْمَةِ إلَيْهِ امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ عاجِزًا عَنْ حَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ لا يَقْوى عَقْلُ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإذا امْتَنَعَ وُقُوفُ الإنْسانِ عَلَيْها امْتَنَعَ اقْتِدارُهُ عَلى الحَمْدِ والشُّكْرِ والثَّناءِ اللّائِقِ بِها. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُمْكِنُهُ القِيامُ بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ إذا أقْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا خَلَقَ في قَلْبِهِ داعِيَةً إلى فِعْلِ ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا زالَ عَنْهُ العَوائِقُ والحَوائِلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنْعامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتِلْكَ النِّعَمُ أيْضًا تُوجِبُ الشُّكْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالشُّكْرِ والحَمْدِ إلّا عِنْدَ الإتْيانِ بِهِ مِرارًا لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإنْسانُ يَمْتَنِعُ مِنهُ الإتْيانُ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، الثّالِثُ: أنَّ الحَمْدَ والشُّكْرَ لَيْسَ مَعْناهُ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ بِلِسانِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عِلْمُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، وكُلُّ ما خَطَرَ بِبالِ الإنْسانِ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ فَكَمالُ اللَّهِ وجَلالُهُ أعْلى وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ والمُتَصَوَّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الإنْسانِ آتِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ مَعْناهُ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يُقابِلُ الإنْعامَ الصّادِرَ مِنَ المُنْعِمِ بِشُكْرِ نَفْسِهِ وبِحَمْدِ نَفْسِهِ وذَلِكَ بِعِيدٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لا حَدَّ لَها، فَمُقابَلَتُها بِهَذا الِاعْتِقادِ الواحِدِ وبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ في غايَةِ البُعْدِ. وثانِيها: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ حَمْدَهُ وشُكْرَهُ يُساوِي نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أشْرَكَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الواسِطِيِّ الشُّكْرُ شِرْكٌ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى إنْعامِ اللَّهِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أحْوالِهِ، واللَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ وحَمْدِ الحامِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُقابَلَةُ نِعَمِ اللَّهِ بِهَذا الشُّكْرِ وبِهَذا الحَمْدِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإتْيانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَقُلِ احْمَدُوا اللَّهَ، بَلْ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ احْمَدُوا اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ المَعْنى أنَّ كَمالَ الحَمْدِ حَقُّهُ ومِلْكُهُ، سَواءٌ قَدَرَ الخَلْقُ عَلى الإتْيانِ بِهِ أوْ لَمْ يَقْدِرُوا صفحة ١٨٢ عَلَيْهِ؛ ونُقِلَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِكَ عَلَيَّ، وهو أنْ تُوَفِّقَنِي لِذَلِكَ الشُّكْرِ ؟ فَقالَ: يا داوُدُ، لَمّا عَلِمْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي بِحَسَبِ قُدْرَتِكَ وطاقَتِكَ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً فَيَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرُوا إلى عَبْدِي أعْطَيْتُهُ ما لا قَدْرَ لَهُ فَأعْطانِي ما لا قِيمَةَ لَهُ»، وتَفْسِيرُهُ أنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى العَبْدِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أحَدَ الأشْياءِ المُعْتادَةِ مِثْلَ أنَّهُ كانَ جائِعًا فَأطْعَمَهُ، أوْ كانَ عَطْشانًا فَأرْواهُ، أوْ كانَ عُرْيانًا فَكَساهُ، أمّا إذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ حَمْدٍ أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ فَهو لِلَّهِ، وكُلَّ حَمْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ وأمْكَنَ في حُكْمِ العَقْلِ دُخُولُهُ في الوُجُودِ فَهو لِلَّهِ، وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها مَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وساكِنُو أطْباقِ السَّماواتِ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي سَيَذْكُرُونَها إلى وقْتِ قَوْلِهِمْ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ثُمَّ جَمِيعُ هَذِهِ المَحامِدِ مُتَناهِيَةٌ، وأمّا المَحامِدُ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها هي الَّتِي سَيَأْتُونَ بِها أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، فَكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ العَبْدِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: «انْظُرُوا إلى عَبْدِي قَدْ أعْطَيْتُهُ نِعْمَةً واحِدَةً لا قَدْرَ لَها، فَأعْطانِي مِنَ الشُّكْرِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ» . أقُولُ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ، وقَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ المُتَناهِي إذا سَقَطَ مِنهُ المُتَناهِي بَقِيَ الباقِي غَيْرَ مُتَناهٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: عَبْدِي، إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ فالَّذِي بَقِيَ لَكَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ طاعاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا بُدَّ مِن مُقابَلَتِها بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَسْتَحِقُّ العَبْدُ الثَّوابَ الأبَدِيَّ والخَيْرَ السَّرْمَدِيَّ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ العَبْدِ لِلَّهِ يُوجِبُ سَعاداتٍ لا آخِرَ لَها وخَيْراتٍ لا نِهايَةَ لَها. * * * الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَيٌّ فَإنَّهُ يَكْرَهُ عَدَمَ نَفْسِهِ، ولَوْلا أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ حَصَلَ بِإيجادِ اللَّهِ وجُودِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ في عالَمِ الأرْواحِ والأجْسامِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ ورَحْمَةٌ وإحْسانٌ، والنِّعْمَةُ والرَّحْمَةُ والإحْسانُ مُوجِبَةٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مُرادُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيَّ، بَلِ المُرادُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الصّادِرَةِ مِنهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إنْعامَهُ واصِلٌ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، كانَ مَعْناهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ، وعَلى كُلِّ مُحْدَثٍ أحْدَثَهُ مِن نُورٍ، وظُلْمَةٍ، وسُكُونٍ، وحَرَكَةٍ، وعَرْشٍ، وكُرْسِيٍّ، وجِنِّيٍّ، وإنْسِيٍّ، وذاتٍ، وصِفَةٍ، وجِسْمٍ، وعَرَضٍ، إلى أبَدِ الآبادِ ودَهْرِ الدّاهِرِينَ، وأنا أشْهَدُ أنَّها بِأسْرِها حَقُّكَ ومِلْكُكَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَكَ فِيها شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ فَما السَّبَبُ هاهُنا في وُقُوعِ البِدايَةِ بِالتَّحْمِيدِ ؟ والجَوابُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ دَلالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى كَوْنِهِ صفحة ١٨٣ مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى تامًّا، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فَوْقَ التَّمامِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الِابْتِداءُ بِالتَّحْمِيدِ أوْلى، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القَوانِينِ الحِكَمِيَّةِ، وأمّا الوَجْهُ اللّائِقُ بِالقَوانِينِ الأُصُولِيَّةِ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكُونُ مُحْسِنًا بِالعِبادِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِيَعْلَمَ أصْنافَ حاجاتِ العِبادِ، وإلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ لِيَقْدِرَ عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وإلّا إذا كانَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ حاجَةِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الِابْتِداءَ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ. الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالماضِي وتَعَلُّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالماضِي فَهو أنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلى النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ فَهو أنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ النِّعَمَ السّابِقَةَ تُوجِبُ الإقْدامَ عَلى الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ إذا اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ انْفَتَحَتْ عَلى العَقْلِ والقَلْبِ أبْوابُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأبْوابُ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ الحَمْدُ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالماضِي يُغْلِقُ عَنْكَ أبْوابَ النِّيرانِ، وبِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَقْبَلِ يَفْتَحُ لَكَ أبْوابَ الجِنانِ، فَتَأْثِيرُهُ في الماضِي سَدَّ أبْوابَ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وتَأْثِيرُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَتَحَ أبْوابَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِلْعَبْدِ في مَعارِجِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ولا مِفْتاحَ لَها إلّا قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الحَمْدِ بِسُورَةِ الفاتِحَةِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ لَكِنْ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها في مَوْضِعِها وإلّا لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنها، قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ: كَيْفَ يَجِبُ الإتْيانُ بِالطّاعَةِ ؟ قالَ: أنا مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً أسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً واحِدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَقِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: وقَعَ الحَرِيقُ في بَغْدادَ واحْتَرَقَتِ الدَّكاكِينُ والدُّورُ، فَأخْبَرُونِي أنَّ دُكّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وكانَ مَعْناهُ أنِّي فَرِحْتُ بِبَقاءِ دُكّانِي حالَ احْتِراقِ دَكاكِينِ النّاسِ، وكانَ حَقُّ الدِّينِ والمُرُوءَةِ أنْ لا أفْرَحَ بِذَلِكَ، فَأنا في الِاسْتِغْفارِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ وإنْ كانَتْ جَلِيلَةَ القَدْرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ رِعايَةُ مَوْضِعِها، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ كَثِيرَةٌ، إلّا أنَّها بِحَسَبِ القِسْمَةِ الأُولى مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: نِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ إجْلالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن أنْ يَذْكُرَها في مُقابَلَةِ نِعَمِ الدُّنْيا، بَلْ يَجِبُ أنْ لا يَذْكُرَها إلّا عِنْدَ الفَوْزِ بِنِعَمِ الدِّينِ، ثُمَّ نِعَمُ الدِّينِ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ، وأعْمالُ القُلُوبِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، ثُمَّ نِعَمُ الدُّنْيا قِسْمانِ: تارَةً تُعْتَبَرُ تِلْكَ النِّعَمُ مِن حَيْثُ هي نِعَمٌ، وتارَةً تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ إنَّها عَطِيَّةُ المُنْعِمِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، فَهَذِهِ مَقاماتٌ يَجِبُ اعْتِبارُها حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مُوافِقًا لِمَوْضِعِهِ لائِقًا بِسَبَبِهِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَها أبُونا آدَمُ هو قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها أهْلُ الجَنَّةِ هو قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ الرُّوحَ إلى سُرَّتِهِ عَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وأمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَفاتِحَةُ العالَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ صفحة ١٨٤ وخاتِمَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ، فاجْتَهِدْ حَتّى يَكُونَ أوَّلُ أعْمالِكَ وآخِرُها مَقْرُونًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ عالَمٌ صَغِيرٌ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْوالُهُ مُوافِقَةً لِأحْوالِ العالَمِ الكَبِيرِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإضْمارَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِيَصِحَّ الكَلامُ، وهَذا الإضْمارُ يُوجِبُ فَسادَ الكَلامِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لَهُ ومِلْكًا لَهُ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ في نَفْسِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وبِحَسَبِ أفْعالِهِ سَواءٌ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ أعْلى وأجَلُّ مِمّا بِالغَيْرِ. الثّالِثُ: ذَكَرُوا مَسْألَةً في الواقِعاتِ وهي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوالِدِ أنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ: اعْمَلْ كَذا وكَذا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَثِلَ أمْرَهُ فَيَأْثَمَ، بَلْ يَقُولُ: إنَّ كَذا وكَذا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، ثُمَّ إذا كانَ الوَلَدُ كَرِيمًا فَإنَّهُ يُجِيبُ ويُطِيعُهُ، وإنْ كانَ عاقًّا لَمْ يُشافِهْهُ بِالرَّدِّ، فَيَكُونُ إثْمُهُ أقَلَّ، فَكَذَلِكَ هاهُنا قالَ اللَّهُ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَن كانَ مُطِيعًا حَمِدَهُ، ومَن كانَ عاصِيًا إثْمُهُ أقَلُّ. * * * الفائِدَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: تَمَسَّكَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ فِعْلُهُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، وكانَتِ النِّعْمَةُ الصّادِرَةُ عَنْهُ أعْلى وأفْضَلَ، كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْحَمْدِ أكْثَرَ، ولا شَكَّ أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ هو الإيمانُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَ اسْتِحْقاقُ العَبْدِ لِلْحَمْدِ أوْلى وأجَلَّ مِنِ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ لَهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لا بِخَلْقِ العَبْدِ. الثّانِي: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، لَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ لَكانَ قَوْلُهُمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ باطِلًا، فَإنَّ حَمْدَ الفاعِلِ عَلى ما لا يَكُونُ فِعْلًا لَهُ باطِلٌ قَبِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] . الثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَمْدٌ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ كُلُّ الحَمْدِ لِلَّهِ لَوْ كانَ كُلُّ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ، والإيمانُ أفْضَلُ النِّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ مَدْحٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، ومَدْحُ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَلَمّا بَدَأ كِتابَهُ بِمَدْحِ النَّفْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الخَلْقِ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ ما يَقْبُحُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ أنْ تُقاسَ أفْعالُهُ عَلى أفْعالِ الخَلْقِ، فَقَدْ تَقْبُحُ أشْياءُ مِنَ العِبادِ ولا تَقْبُحُ تِلْكَ الأشْياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَهْدِمُ أُصُولَ الِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ. والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْعالَهُ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَسَنَةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ لَها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الحُسْنِ، وإلّا كانَتْ عَبَثًا، وذَلِكَ في حَقِّهِ مُحالٌ، والزّائِدَةُ عَلى الحُسْنِ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ مِن بابِ التَّفَضُّلِ: أمّا الواجِبُ فَهو مِثْلُ إيصالِ الثَّوابِ والعِوَضِ إلى المُكَلَّفِينَ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التَّفَضُّلِ فَهو مِثْلُ أنَّهُ يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الواجِبِ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ، فَنَقُولُ: هَذا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ويُبْطِلُ صِحَّةَ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: أمّا أداءُ الواجِباتِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ دَيْنُ دِينارٍ فَأدّاهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، فَلَوْ وجَبَ عَلى اللَّهِ فِعْلٌ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الذَّمِّ ولا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ، وأمّا فِعْلُ التَّفَضُّلِ فَعِنْدَ الخَصْمِ أنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَزِيدَ حَمْدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الفِعْلُ لَما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الحَمْدُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ صفحة ١٨٥ والمَدْحِ. السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَحْمُودٌ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ والمَدْحَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ أوْ لَيْسَ ثابِتًا لِذاتِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ، وامْتَنَعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ارْتِفاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ في حَقِّهِ تَعالى وُجُوبُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ لِلْعِبادِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْواضِ والثَّوابِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ لِلَّهِ لَيْسَ ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ - فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا قَبِيحَ في فِعْلِهِ، ولا جَوْرَ في أقْضِيَتِهِ، ولا ظُلْمَ في أحْكامِهِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَلِكَ، فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِأعْظَمِ المَحامِدِ والمَدائِحِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ لا قَبِيحَ إلّا وهو فِعْلُهُ، ولا جَوْرَ إلّا وهو حُكْمُهُ، ولا عَبَثَ إلّا وهو صُنْعُهُ؛ لِأنَّهُ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ويُؤْلِمُ الحَيَواناتِ مِن غَيْرِ أنْ يُعَوِّضَها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ؟ وأيْضًا فَذَلِكَ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ الإلَهِيَّةِ إمّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلى العَبْدِ، أوْ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ كَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا. الفائِدَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في أنَّ وُجُوبَ الشُّكْرِ ثابِتٌ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ؛ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ بِالسَّمْعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ وبَعْدَ مَجِيئِهِ عَلى الإطْلاقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ أنَّ هَذا الحَمْدَ حَقُّهُ ومِلْكُهُ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَهاهُنا أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، مالِكًا لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ في القِيامَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ إنَّما يَحْصُلُ لِكَوْنِهِ تَعالى مُرَبِّيًا لَهم رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ ثابِتٌ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ أوْ بَعْدَهُ. الفائِدَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ حَقِيقَةِ الحَمْدِ وماهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: تَحْمِيدُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عِبارَةً عَنْ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ حُصُولِ الحَمْدِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْمِيدُ اللَّهِ مُغايِرًا لِقَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَنَقُولُ: حَمْدُ المُنْعِمِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا. وذَلِكَ الفِعْلُ إمّا أنْ يَكُونَ فِعْلُ القَلْبِ، أوْ فِعْلُ اللِّسانِ، أوْ فِعْلُ الجَوارِحِ، أمّا فِعْلُ القَلْبِ فَهو أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، وأمّا فِعْلُ اللِّسانِ فَهو أنْ يَذْكُرَ ألْفاظًا دالَّةً عَلى كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ، وأمّا فِعْلُ الجَوارِحِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الحَمْدِ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ افْتَرَقُوا في هَذا المَقامِ صفحة ١٨٦ فَرِيقَيْنِ: الفَرِيقُ الأوَّلُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عَبِيدَهُ بِأنْ يَحْمَدُوهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحْمِيدَ إمّا أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى إنْعامٍ وصَلَ إلَيْهِمْ أوْ لا، وبِناءً عَلَيْهِ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِنهم عَلى إنْعامِهِ جَزاءً ومُكافَأةً، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ الكَرَمِ، فَإنَّ الكَرِيمَ إذا أنْعَمَ لَمْ يَطْلُبِ المُكافَأةَ، وأمّا الثّانِي فَهو إتْعابٌ لِلْغَيْرِ ابْتِداءً، وذَلِكَ يُوجِبُ الظُّلْمَ. الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِهَذا الحَمْدِ مُتْعِبٌ لِلْحامِدِ وغَيْرُ نافِعٍ لِلْمَحْمُودِ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ والكامِلُ لِذاتِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَكْمِلَ بِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِهَذا التَّحْمِيدِ عَبَثٌ وضَرَرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا. الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الإيجابِ هو أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، فَإيجابُ حَمْدِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ تَشْتَغِلْ بِهَذا الحَمْدِ لَعاقَبْتُكَ، وهَذا الحَمْدُ لا نَفْعَ لَهُ في حَقِّ اللَّهِ، فَكانَ مَعْناهُ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأحَدٍ، ولَوْ تَرَكْتَهُ لَعاقَبْتُكَ أبَدَ الآبادِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِالحَكَمِ الكَرِيمِ. الفَرِيقُ الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِحَمْدِ اللَّهِ سُوءُ أدَبٍ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مُقابَلَةِ إحْسانِ اللَّهِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ القَلِيلِ. والثّانِي: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ لا يَتَأتّى إلّا مَعَ اسْتِحْضارِ تِلْكَ النِّعَمِ في القَلْبِ واشْتِغالَ القَلْبِ بِالنِّعَمِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ. الثّالِثُ: أنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أثْنى عَلَيْهِ لِأجْلِ الفَوْزِ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَقْصُودَهُ مِنَ العِبادَةِ والحَمْدِ والثَّناءِ الفَوْزُ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وهَذا الرَّجُلُ في الحَقِيقَةِ مَعْبُودُهُ ومَطْلُوبُهُ إنَّما هو تِلْكَ النِّعْمَةُ وحَظُّ النَّفْسِ، وذَلِكَ مَقامٌ نازِلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * الفَصْلُ الثّانِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَوْجُودَ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَهو اللَّهُ تَعالى فَقَطْ، وأمّا المُمْكِنُ لِذاتِهِ فَهو كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وهو العالَمُ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا: العالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ، وسَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذا القِسْمِ بِالعالَمِ أنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ بِأنَّهُ عالَمٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، ولا صِفَةَ لِلْمُتَحَيِّزِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: القِسْمُ الأوَّلُ المُتَحَيِّزُ: وهو إمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَهو الجِسْمُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو الجَوْهَرُ الفَرْدُ؛ أمّا الجِسْمُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ أوْ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ؛ أمّا الأجْسامُ العُلْوِيَّةُ فَهي الأفْلاكُ والكَواكِبُ، وقَدْ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ أشْياءُ أُخَرُ سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، مِثْلُ العَرْشِ، والكُرْسِيِّ، وسِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّوْحِ، والقَلَمِ، والجَنَّةِ، وأمّا الأجْسامُ السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا بَسِيطَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ: أمّا البَسِيطَةُ فَهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ: وأحَدُها: كُرَةُ الأرْضِ بِما فِيها مِنَ المَفاوِزِ والجِبالِ والبِلادِ المَعْمُورَةِ. وثانِيها: كُرَةُ الماءِ وهي البَحْرُ المُحِيطُ وهَذِهِ الأبْحُرُ الكَبِيرَةُ المَوْجُودَةُ في هَذا الرُّبْعِ المَعْمُورِ وما فِيهِ مِنَ الأوْدِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ تَعالى. وثالِثُها: كُرَةُ الهَواءِ. ورابِعُها: كُرَةُ النّارِ. وأمّا الأجْسامُ المُرَكَّبَةُ فَهي النَّباتُ، والمَعادِنُ، والحَيَوانُ، عَلى كَثْرَةِ أقْسامِها وتَبايُنِ أنْواعِها. وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو المُمْكِنُ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزاتِ - فَهي الأعْراضُ، والمُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا ما يَقْرُبُ مِن أرْبَعِينَ جِنْسًا مِن أجْناسِ الأعْراضِ. أمّا الثّالِثُ - وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ - فَهو صفحة ١٨٧ الأرْواحُ، وهي إمّا سُفْلِيَّةٌ، وإمّا عُلْوِيَّةٌ: أمّا السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا خَيِّرَةٌ، وهم صالِحُو الجِنِّ، وإمّا شِرِّيرَةٌ خَبِيثَةٌ وهي مَرَدَةُ الشَّياطِينِ. والأرْواحُ العُلْوِيَّةُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالأجْسامِ وهي الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالأجْسامِ، وهي الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ المُقَدَّسَةُ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى تَقْسِيمِ مَوْجُوداتِ العالَمِ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ كَتَبَ ألْفَ ألْفِ مُجَلَّدٍ في شَرْحِ هَذِهِ الأقْسامِ لَما وصَلَ إلى أقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ هَذِهِ الأقْسامِ، إلّا أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَيَكُونُ مُحْتاجًا في وُجُودِهِ إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وأيْضًا ثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُبْقِي، واللَّهُ تَعالى إلَهُ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهو رَبُّ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي يُبْقِيها حالَ دَوامِها واسْتِقْرارِها. وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ عِنْدَكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وكُلُّ مَن كانَ أكْثَرَ إحاطَةٍ بِأحْوالِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ كانَ أكْثَرَ وُقُوفًا عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: المُرَبِّي عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يُرَبِّيَ شَيْئًا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِ المُرَبِّي، والثّانِي: أنْ يُرَبِّيَهُ لِيَرْبَحَ المُرَبِّي، وتَرْبِيَةُ كُلِّ الخَلْقِ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهم إنَّما يُرَبُّونَ غَيْرَهم لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ إمّا ثَوابًا أوْ ثَناءً، والقِسْمُ الثّانِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم فَهو تَعالى يُرَبِّي ويُحْسِنُ، وهو بِخِلافِ سائِرِ المُرَبِّينَ وبِخِلافِ سائِرِ المُحْسِنِينَ. واعْلَمْ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى مُخالِفَةٌ لِتَرْبِيَةِ غَيْرِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى يُرَبِّي عَبِيدَهُ لا لِغَرَضِ نَفْسِهِ بَلْ لِغَرَضِهِمْ، وغَيْرُهُ يُرَبُّونَ لِغَرَضِ أنْفُسِهِمْ لا لِغَرَضِ غَيْرِهِمْ. الثّانِي: أنَّ غَيْرَهُ إذا رَبّى فَبِقَدْرِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ يَظْهَرُ النُّقْصانُ في خَزائِنِهِ وفي مالِهِ، وهو تَعالى مُتَعالٍ عَنِ النُّقْصانِ والضَّرَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] . الثّالِثُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ إذا ألَحَّ الفَقِيرُ عَلَيْهِ أبْغَضَهُ وحَرَمَهُ ومَنَعَهُ، والحَقُّ تَعالى بِخِلافِ ذَلِكَ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ» . الرّابِعُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ ما لَمْ يُطْلَبْ مِنهُ الإحْسانُ لَمْ يُعْطِ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَأنَّهُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤالِ، تَرى أنَّهُ رَبّاكَ حالَ ما كُنْتَ جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ، وحالَ ما كُنْتَ جاهِلًا غَيْرَ عاقِلٍ، لا تُحْسِنُ أنْ تَسْألَ مِنهُ، ووَقاكَ وأحْسَنَ إلَيْكَ مَعَ أنَّكَ ما سَألْتَهُ، وما كانَ لَكَ عَقْلٌ ولا هِدايَةٌ. الخامِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ إمّا بِسَبَبِ الفَقْرِ أوِ الغَيْبَةِ أوِ المَوْتِ، والحَقُّ تَعالى لا يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ البَتَّةَ. السّادِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَخْتَصُّ إحْسانُهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ولا يُمْكِنُهُ التَّعْمِيمُ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَقَدْ وصَلَ تَرْبِيَتُهُ وإحْسانُهُ إلى الكُلِّ، كَما قالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى رَبُّ العالَمِينَ، ومُحْسِنٌ إلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الَّذِي يُحْمَدُ ويُمْدَحُ ويُعَظَّمُ في الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِأحَدِ وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: إمّا لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ والآفاتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ إحْسانٌ إلَيْكَ. وإمّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلَيْكَ ومُنْعِمًا عَلَيْكَ. وإمّا لِأنَّكَ تَرْجُو وصُولَ إحْسانِهِ إلَيْكَ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ. وإمّا لِأجْلِ أنَّكَ تَكُونُ خائِفًا مِن قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الحالاتُ هي الجِهاتُ المُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الكَمالَ الذّاتِيَّ فاحْمَدُونِي فَإنِّي إلَهُ العالَمِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وإنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الإحْسانَ فَأنا رَبُّ العالَمِينَ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ في المُسْتَقْبَلِ فَأنا صفحة ١٨٨ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها أمْثِلَةً: المِثالُ الأوَّلُ: لَمّا وقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِن صُلْبِ الأبِ إلى رَحِمِ الأُمِّ فانْظُرْ كَيْفَ أنَّها صارَتْ عَلَقَةً أوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنها أعْضاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ العِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ والأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها نَوْعٌ خاصٌّ مِن أنْواعِ القُوى، فَحَصَلَتِ القُوَّةُ الباصِرَةُ في العَيْنِ، والسّامِعَةُ في الأُذُنِ، والنّاطِقَةُ في اللِّسانِ، فَسُبْحانَ مَن أسْمَعَ بِعَظْمٍ، وبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. واعْلَمْ أنَّ كِتابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الإنْسانِ مَشْهُورٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ. المَثّالُ الثّانِي: أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وقَعَتْ في الأرْضِ فَإذا وصَلَتْ نَداوَةُ الأرْضِ إلَيْها انْتَفَخَتْ ولا تَنْشَقُّ مِن شَيْءٍ مِنَ الجَوانِبِ إلّا مِن أعْلاها وأسْفَلِها، مَعَ أنَّ الِانْتِفاخَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ: أمّا الشِّقُّ الأعْلى فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الصّاعِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ وأمّا الشِّقُّ الأسْفَلُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الغائِصُ في الأرْضِ، وهو عُرُوقُ الشَّجَرَةِ، فَأمّا الجُزْءُ الصّاعِدُ فَبَعْدَ صُعُودِهِ يَحْصُلُ لَهُ ساقٌ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ مِن ذَلِكَ السّاقِ أغْصانٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلى تِلْكَ الأغْصانِ الأنْوارُ أوَّلًا، ثُمَّ الثِّمارُ ثانِيًا، ويَحْصُلُ لِتِلْكَ الثِّمارِ أجْزاءٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَثافَةِ واللَّطافَةِ، وهي القُشُورُ ثُمَّ اللُّبُوبُ ثُمَّ الأدْهانُ، وأمّا الجُزْءُ الغائِصُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العُرُوقَ تَنْتَهِي إلى أطْرافِها؛ وتِلْكَ الأطْرافُ تَكُونُ في اللَّطافَةِ كَأنَّها مِياهٌ مُنْعَقِدَةٌ، ومَعَ غايَةِ لَطافَتِها فَإنَّها تَغُوصُ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الخَشِنَةِ، وأوْدَعَ اللَّهُ فِيها قُوًى جاذِبَةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الطِّينِ إلى نَفْسِها، والحِكْمَةُ في كُلِّ هَذِهِ التَّدْبِيراتِ تَحْصِيلُ ما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ والأُدامِ والفَواكِهِ والأشْرِبَةِ والأدْوِيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] الآياتِ. المِثالُ الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ بِحَيْثُ صارَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ مَصالِحِ العِبادِ، فَخَلَقَ اللَّيْلَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلرّاحَةِ والسُّكُونِ، وخَلَقَ النَّهارَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعاشِ والحَرَكَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] واقْرَأْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ - إلى آخِرِ الآيَةِ [النبأ: ٦، ٧]، واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في عَجائِبِ أحْوالِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وآثارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ، قَضى صَرِيحُ عَقْلِكَ بِأنَّ أسْبابَ تَرْبِيَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ودَلائِلَ رَحْمَتِهِ لائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ قَطْرَةٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أضافَ الحَمْدَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثُمَّ أضافَ نَفْسَهُ إلى العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي أُحِبُّ الحَمْدَ، فَنِسْبَتُهُ إلى نَفْسِي بِكَوْنِهِ مِلْكًا، ثُمَّ لَمّا ذَكَرْتُ نَفْسِي عَرَفْتُ نَفْسِي بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، ومَن عَرَفَ ذاتًا بِصِفَةٍ فَإنَّهُ يُحاوِلُ ذِكْرَ أحْسَنِ الصِّفاتِ وأكْمَلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لِلْعالَمِينَ أكْمَلُ الصِّفاتِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أكْمَلَ المَراتِبِ أنْ يَكُونَ تامًّا، وفَوْقَ التَّمامِ، فَقَوْلُنا: اللَّهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ في ذاتِهِ وبِذاتِهِ وهو التَّمامُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ كُلِّ ما سِواهُ فائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا أنَّهُ فَوْقَ التَّمامِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ يَمْلِكُ عِبادًا غَيْرَكَ كَما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنْتَ لَيْسَ لَكَ رَبٌّ سِواهُ، ثُمَّ إنَّهُ يُرَبِّيكَ كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَبْدٌ سِواكَ وأنْتَ تَخْدُمُهُ كَأنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرَهُ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ صفحة ١٨٩ التَّرْبِيَةَ، ألَيْسَ أنَّهُ يَحْفَظُكَ في النَّهارِ عَنِ الآفاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، وبِاللَّيْلِ عَنِ المُخافاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الحُرّاسَ يَحْرُسُونَ المَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ لَدْغِ الحَشَراتِ ؟ وهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ أنْ تَنْزِلَ بِهِ البَلِيّاتُ ؟ أمّا الحَقُّ تَعالى فَإنَّهُ يَحْرُسُهُ مِنَ الآفاتِ، ويَصُونُهُ مِنَ المُخافاتِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ زَجَّ أوَّلَ اللَّيْلِ في أنْواعِ المَحْظُوراتِ وأقْسامِ المُحَرَّماتِ والمُنْكَراتِ، فَما أكْبَرَ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ وما أحْسَنَها، ألَيْسَ مِنَ التَّرْبِيَةِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «الآدَمِيُّ بُنْيانُ الرَّبِّ، مَلْعُونٌ مَن هَدَمَ بُنْيانَ الرَّبِّ»؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] ما ذاكَ إلّا المَلِكُ الجَبّارُ، والواحِدُ القَهّارُ، ومُقَلِّبُ القُلُوبِ والأبْصارِ، والمُطَّلِعُ عَلى الضَّمائِرِ والأسْرارِ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: إنَّما يَكُونُ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ ومُرَبِّيًا لَهم لَوْ كانَ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ دافِعًا لِلْمَضارِّ عَنْهم، أمّا إذا خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ؛ ويَأْمُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنهُ، لَمْ يَكُنْ رَبًّا ولا مُرَبِّيًا، بَلْ كانَ ضارًّا ومُؤْذِيًا، وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: إنَّما سَيَكُونُ رَبًّا ومُرَبِّيًا لَوْ كانَتِ النِّعْمَةُ صادِرَةٌ مِنهُ والألْطافُ فائِضَةٌ مِن رَحْمَتِهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ أعْظَمَ النِّعَمِ وأجَلَّها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُصُولُها مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ إلَيْهِمْ مُحْسِنًا بِخَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُنا ”اللَّهُ“ أشْرَفُ مِن قَوْلِنا ”رَبِّ“ عَلى ما بَيَّنّا ذَلِكَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَ في أكْثَرِ الأمْرِ يَقُولُ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، والسَّبَبُ فِيهِ النُّكَتُ والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَلا نُعِيدُها. * * * الفَصْلُ الثّالِثُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: الرَّحْمَنُ: هو المُنْعِمُ بِما لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، والرَّحِيمُ: هو المُنْعِمُ بِما يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ ضَيْفًا لِبَعْضِ القَوْمِ، فَقَدَّمَ المائِدَةَ، فَنَزَلَ غُرابٌ وسَلَبَ رَغِيفًا، فاتَّبَعْتُهُ تَعَجُّبًا، فَنَزَلَ في بَعْضِ التِّلالِ، وإذا هو بِرَجُلٍ مُقَيَّدٍ مَشْدُودِ اليَدَيْنِ، فَألْقى الغُرابُ ذَلِكَ الرَّغِيفَ عَلى وجْهِهِ. ورُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في البَيْتِ إذْ وقَعَتْ ولْوَلَةٌ في قَلْبِي، وصِرْتُ بِحَيْثُ ما مَلَكْتُ نَفْسِيَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ وانْتَهَيْتُ إلى شَطِّ النِّيلِ، فَرَأيْتُ عَقْرَبًا قَوِيًّا يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَوَصَلَ إلى طَرَفِ النِّيلِ، فَرَأيْتُ ضُفْدَعًا واقِفًا عَلى طَرَفٍ الوادِي، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى ظَهْرِ الضُّفْدَعِ وأخَذَ الضُّفْدَعُ يَسْبَحُ ويَذْهَبُ، فَرَكِبْتُ السَّفِينَةَ وتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ الضُّفْدَعُ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ النِّيلِ، ونَزَلَ العَقْرَبُ مِن ظَهْرِهِ، وأخَذَ يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَرَأيْتُ شابًّا نائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، ورَأيْتُ أفْعى يَقْصِدُهُ، فَلَمّا قَرُبَتِ الأفْعى مِن ذَلِكَ الشّابِّ وصَلَ العَقْرَبُ إلى الأفْعى، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى الأفْعى فَلَدَغَهُ، والأفْعى أيْضًا لَدَغَ العَقْرَبَ، فَماتا مَعًا، وسَلِمَ الإنْسانُ مِنهُما. ويُحْكى أنَّ ولَدَ الغُرابِ كَما يَخْرُجُ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أحْمَرَ، والغُرابُ يَفِرُّ مِنهُ ولا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إنَّ البَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإذا وصَلَتِ البَعُوضُ إلَيْهِ التَقَمَ تِلْكَ البَعُوضَ واغْتَذى بِها، ولا يَزالُ عَلى هَذِهِ الحالِ إلى أنْ يَقْوى ويَنْبُتُ رِيشُهُ ويَخْفى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ إلَيْهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جاءَ في أدْعِيَةِ العَرَبِ: يا رَزّاقَ النَّعّابِ في عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عامٌّ، وإحْسانَهُ شامِلٌ، ورَحْمَتَهُ واسِعَةٌ. صفحة ١٩٠ واعْلَمْ أنَّ الحَوادِثَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُظَنُّ أنَّهُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عَذابًا ونِقْمَةً، ومِنهُ ما يُظَنُّ في الظّاهِرِ أنَّهُ عَذابٌ ونِقْمَةٌ، مَعَ أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ فَضْلًا وإحْسانًا ورَحْمَةً. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالوالِدُ إذا أهْمَلَ ولَدَهُ حَتّى يَفْعَلَ ما يَشاءُ ولا يُؤَدِّبُهُ ولا يَحْمِلُهُ عَلى التَّعَلُّمِ، فَهَذا في الظّاهِرِ رَحْمَةٌ وفي الباطِنِ نِقْمَةٌ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي كالوالِدِ إذا حَبَسَ ولَدَهُ في المَكْتَبِ وحَمَلَهُ عَلى التَّعَلُّمِ فَهَذا في الظّاهِرِ نِقْمَةٌ، وفي الحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وقَعَ في يَدِهِ الآكِلَةُ فَإذا قُطِعَتْ تِلْكَ اليَدُ فَهَذا في الظّاهِرِ عَذابٌ، وفي الباطِنِ راحَةٌ ورَحْمَةٌ، فالأبْلَهُ يَغْتَرُّ بِالظَّواهِرِ، والعاقِلُ يَنْظُرُ في السَّرائِرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَكُلُّ ما في العالَمِ مِن مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ وألَمٍ ومَشَقَّةٍ فَهو وإنْ كانَ عَذابًا وألَمًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ حِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ في الحَقِيقَةِ، وتَحْقِيقُهُ ما قِيلَ في الحِكْمَةِ: إنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّكالِيفِ تَطْهِيرُ الأرْواحِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النّارِ صَرْفُ الأشْرارِ إلى أعْمالِ الأبْرارِ، وجَذْبُها مِن دارِ الفِرارِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وأقْرَبُ مِثالٍ لِهَذا البابِ قِصَّةُ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ مُوسى كانَ يَبْنِي الحُكْمَ عَنْ ظَواهِرِ الأُمُورِ فاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وقَتْلَ الغُلامِ وعِمارَةَ الجِدارِ المائِلِ، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ كانَ يَبْنِي أحْكامَهُ عَلى الحَقائِقِ والأسْرارِ فَقالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٧٩ ٨٢] فَظَهَرَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الحَكِيمَ المُحَقِّقَ هو الَّذِي يَبْنِي أمْرَهُ عَلى الحَقائِقِ لا عَلى الظّاهِرِ، فَإذا رَأيْتَ ما يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ ويَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فاعْلَمْ أنَّ تَحْتَهُ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً، وأنَّ حِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أثَرٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خاصٌّ بِاللَّهِ، والرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الرَّحْمَنُ أعْظَمُ، فَلِمَ ذَكَرَ الأدْنى بَعْدَ ذِكْرِ الأعْلى ؟ والجَوابُ: لِأنَّ الكَبِيرَ العَظِيمَ لا يُطْلَبُ مِنهُ الشَّيْءُ الحَقِيرُ اليَسِيرُ، حُكِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى بَعْضِ الأكابِرِ، فَقالَ: جِئْتُكَ لِمُهِمٍّ يَسِيرٍ، فَقالَ: اطْلُبْ لِلْمُهِمِّ اليَسِيرِ رَجُلًا يَسِيرًا. كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلى ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لاحْتَشَمْتَ عَنِّي ولَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ سُؤالُ الأُمُورِ اليَسِيرَةِ، ولَكِنْ كَما عَلِمْتَنِي رَحْمانًا تَطْلُبُ مِنِّي الأُمُورَ العَظِيمَةَ، فَأنا أيْضًا رَحِيمٌ؛ فاطْلُبْ مِنِّي شِراكَ نَعْلِكَ ومِلْحَ قِدْرِكَ، كَما «قالَ تَعالى لِمُوسى: ”يا مُوسى سَلْنِي عَنْ مِلْحِ قِدْرِكَ وعَلَفِ شاتِكَ» “ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ أعْطى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ رَحْمَةً واحِدَةً حَيْثُ قالَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صارَتْ سَبَبًا لِنَجاتِها مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ مَرَّةً أنَّهُ رَحْمَنٌ وأنَّهُ رَحِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلَواتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ويُقْرَأُ لَفْظُ ”﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾“ في كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلَمّا صارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً واحِدَةً سَبَبًا لِخَلاصِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ عَنِ صفحة ١٩١ المَكْرُوهاتِ أفَلا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ المَرّاتِ الكَثِيرَةِ طُولَ العُمْرِ سَبَبًا لِنَجاةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ والعارِ والدَّمارِ ؟ الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى رَحْمَنٌ لِأنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى جِنْسِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا رَحْمَنٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ نُطْفَةً مَذِرَةً فَأُسَلِّمُها إلَيْكَ صُورَةً حَسَنَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وأنا رَحِيمٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ طاعَةً ناقِصَةً فَأُسَلِّمُ إلَيْكَ جَنَّةً خالِصَةً. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَتًى قَرُبَتْ وفاتُهُ واعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنْ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِهِ، فَقامَ ودَخَلَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الشَّهادَةَ وهو يَتَحَرَّكُ ويَضْطَرِبُ ولا يَعْمَلُ لِسانُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أما كانَ يُصَلِّي ؟ أما كانَ يَصُومُ ؟ أما كانَ يُزَكِّي ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ: هَلْ عَقَّ والِدَيْهِ ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِأُمِّهِ، فَجاءَتْ وهي عَجُوزٌ عَوْراءُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلّا عَفَوْتِ عَنْهُ، فَقالَتْ: لا أعْفُو لِأنَّهُ لَطَمَنِي فَفَقَأ عَيْنِيَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِالحَطَبِ والنّارِ، فَقالَتْ: وما تَصْنَعُ بِالنّارِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُحْرِقُهُ بِالنّارِ بَيْنَ يَدَيْكِ جَزاءً لِما عَمِلَ بِكِ، فَقالَتْ: عَفَوْتُ عَفَوْتُ، ألِلنّارِ حَمَلْتُهُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ ؟ ألِلنّارِ أرْضَعْتُهُ سَنَتَيْنِ ؟ فَأيْنَ رَحْمَةُ الأُمِّ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْطَلَقَ لِسانُهُ، وذَكَرَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . والنُّكْتَةُ أنَّها كانَتْ رَحِيمَةً، وما كانَتْ رَحْمانَةً فَلِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما جَوَّزَتِ الإحْراقَ بِالنّارِ، فالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَمْ يَتَضَرَّرْ بِجِناياتِ عَبِيدِهِ مَعَ عِنايَتِهِ بِعِبادِهِ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ أنْ يَحْرِقَ المُؤْمِنَ الَّذِي واظَبَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ سَبْعِينَ سَنَةً بِالنّارِ ؟ الفائِدَةُ السّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، فَظَهَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَهَذا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَصَلَ فِيهِ هَذا الكَرَمُ وهَذا الإحْسانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَإنْ كانَ أثَرُ الرَّحْمَةِ الواحِدَةِ هَذا المَبْلَغُ، فَكَيْفَ كَرَمُ مَن هو رَحْمَنٌ رَحِيمٌ ؟ وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حِسابَ أُمَّتِي عَلى يَدَيَّ»، ثُمَّ إنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مَدْيُونًا بِدِرْهَمَيْنِ، وأخْرَجَ عائِشَةَ عَنِ البَيْتِ بِسَبَبِ الإفْكِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ لَكَ رَحْمَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ، فَذَرْنِي وعَبِيدِي واتْرُكْنِي وأُمَّتَكَ، فَإنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَرَحْمَتِي لا نِهايَةَ لَها، ومَعْصِيَتُهم مُتَناهِيَةٌ، والمُتَناهِي في جَنْبِ غَيْرِ المُتَناهِي يَصِيرُ فانِيًا، فَلا جَرَمَ مَعاصِي جَمِيعِ الخَلْقِ تَفْنى في بِحارِ رَحْمَتِي، لِأنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: كَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن خَلَقَ الخَلْقَ لِلنّارِ ولِعَذابِ الأبَدِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ويُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن أمَرَ بِالإيمانِ ثُمَّ صَدَّ ومَنَعَ عَنْهُ ؟ وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: أعْظَمُ أنْواعِ النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ هو الإيمانُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ بَلْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ اسْمُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِالعَبْدِ أوْلى مِنهُ بِاللَّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الفاتحة 1:3

البابُ الخامِسُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وفِيهِ فَصُولٌ الفَصْلُ الأوَّلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: هاهُنا ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ: الحَمْدُ والمَدْحُ والشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ألا تَرى أنَّ مَن رَأى لُؤْلُؤَةً في غايَةِ الحُسْنِ أوْ ياقُوتَةً في غايَةِ الحُسْنِ فَإنَّهُ قَدْ يَمْدَحُها، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَحْمَدَها، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ. الوَجْهُ الثّانِي في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإحْسانِ وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْسانِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«احْثُوا التُّرابَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ» “ أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قالَ ﷺ: صفحة ١٧٩ ”«مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» “ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ، وأمّا الحَمْدُ فَهو القَوْلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهي فَضِيلَةُ الإنْعامِ والإحْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ. وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَهو أنَّ الحَمْدَ يَعُمُّ ما إذا وصَلَ ذَلِكَ الإنْعامُ إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالإنْعامِ الواصِلِ إلَيْكَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ حاصِلٌ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ولِلْفاعِلِ المُخْتارِ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ: المَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا مُخْتارًا، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتارًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا القائِلِ مُقِرًّا بِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذّاتِ كَما تَقُولُ الفَلاسِفَةُ بَلْ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِن قَوْلِهِ: الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلى غَيْرِهِ، وأمّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهو ثَناءٌ بِسَبَبِ إنْعامٍ وصَلَ إلى ذَلِكَ القائِلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَواءٌ أعْطَيْتَنِي أوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإنْعامُكَ واصِلٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ العَظِيمِ، وقِيلَ: الحَمْدُ عَلى ما دَفَعَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عَلى ما أعْطى مِنَ النَّعْماءِ. فَإنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ في الإعْطاءِ أكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ في دَفْعِ البَلاءِ، فَلِماذا تَرَكَ الأكْثَرَ وذَكَرَ الأقَلَّ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا شاكِرٌ لِأدْنى النِّعْمَتَيْنِ فَكَيْفَ لِأعْلاهُما. الثّانِي: المَنعُ غَيْرُ مُتَناهٍ، والإعْطاءُ مُتَناهٍ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِشُكْرِ دَفْعِ البَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ أوْلى. الثّالِثُ: أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قَدَّمَهُ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أحْمَدُ اللَّهَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ العِبارَةُ الثّانِيَةُ أوْلى؛ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، أفادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ القائِلِ قادِرًا عَلى حَمْدِهِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِينَ وقَبْلَ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، فَهَؤُلاءِ سَواءٌ حَمِدُوا أوْ لَمْ يَحْمَدُوا، وسَواءٌ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا، فَهو تَعالى مَحْمُودٌ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ بِحَمْدِهِ القَدِيمِ وكَلامِهِ القَدِيمِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ حُقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، فَإنَّهُ تَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أيادِيهِ وأنْواعِ آلائِهِ عَلى العِبادِ، فَقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، ولَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ أوْلى مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى أنَّ شَخْصًا واحِدًا حَمِدَهُ. وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ لَكانَ قَدْ حَمِدَ، لَكِنْ لا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وأمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أنا حَتّى أحْمَدَهُ ؟ لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الحامِدِينَ، مِثالُهُ ما لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ ؟ فَإنْ قَلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ ولَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، ولَوْ قُلْتَ في الجَوابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلى كُلِّ الخَلائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأكْمَلِ المَحامِدِ. ورابِعُها: أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةِ القَلْبِ، وهي اعْتِقادُ كَوْنِ ذَلِكَ المَحْمُودِ مُتَفَضِّلًا مُنْعِمًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَإذا تَلَفَّظَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ غافِلًا عَنْ مَعْنى التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِجَلالِ اللَّهِ كانَ كاذِبًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ حامِدًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ غافِلًا أوْ مُسْتَحْضِرًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ فَإنَّهُ يَكُونُ صادِقًا؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ حَقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ كانَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ صفحة ١٨٠ أوْلى مِن قَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ لا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ، بِخِلافِ قَوْلِنا: أشَهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كاذِبًا في قَوْلِهِ: أشَهْدُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في تَكْذِيبِ المُنافِقِينَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ولِهَذا السِّرِّ أُمِرَ في الأذانِ بِقَوْلِهِ: أشْهَدُ، ثُمَّ وقَعَ الخَتْمُ عَلى قَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أحَدُها: الِاخْتِصاصُ اللّائِقُ كَقَوْلِكَ: الجُلُّ لِلْفَرَسِ. وثانِيها: المِلْكُ كَقَوْلِكَ: الدّارُ لِزَيْدٍ. وثالِثُها: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِكَ: البَلَدُ لِلسُّلْطانِ، واللّامُ في قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ اللّائِقِ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ الحَمْدُ إلّا بِهِ لِغايَةِ جَلالِهِ وكَثْرَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى المِلْكِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِلْكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكَ مِنهم كَوْنَهم مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلى المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وبِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ مِلْكُهُ ومَلَكَهُ، وبِمَعْنى أنَّهُ هو المُسْتَوْلِي عَلى الكُلِّ والمُسْتَعْلِي عَلى الكُلِّ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثَمانِيَةُ أحْرُفٍ، وأبْوابُ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، فَمَن قالَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ عَنْ صَفاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمانِيَةَ أبْوابِ الجَنَّةِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الحَمْدُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ كانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سابِقٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وإلّا يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإجْمالِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ يُفِيدُ الماهِيَّةَ والحَقِيقَةَ فَقَطْ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ أفادَ أنَّ كُلَّ ما كانَ حَمَدًا وثَناءً فَهو لِلَّهِ وحَقُّهُ ومِلْكُهُ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ البَتَّةَ، وإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ ماهِيَّةَ الحَمْدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَنْفِي حُصُولَ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأُسْتاذُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ، والسُّلْطانُ العادِلُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ. قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِ بِإنْعامٍ فالمُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، وإلّا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وسَلَّطَ ذَلِكَ المُنْعِمَ عَلَيْها، ومَكَّنَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ - لَما حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُنْعِمَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ. * * * الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ قَوْلَهَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مَحْمُودَ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ العَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ داعِيَةَ الإنْعامِ في قَلْبِ المُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ، فَيَكُونُ المُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى الغَيْرِ فَإنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الإنْعامِ عِوَضًا؛ إمّا ثَوابًا، أوْ ثَناءً، أوْ تَوْصِيلَ حَقٍّ، أوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِن خُلُقِ البُخْلِ، وطالِبُ العِوَضِ لا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ في الحَقِيقَةِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَطْلُبُ الكَمالَ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَكانَتْ عَطاياهُ جُودًا مَحْضًا وإحْسانًا مَحْضًا، فَلا جَرَمَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ صفحة ١٨١ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ الوُجُودِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الوُجُودِ فَإنَّهُ وُجِدَ بِإيجادِ الحَقِّ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةٍ، يَنْتُجُ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] والحَمْدُ لا مَعْنًى لَهُ إلّا الثَّناءُ عَلى الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ لا إنْعامَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهَ تَعالى. ورابِعُها: النِّعْمَةُ لا تَكُونُ كامِلَةً إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ مَنفَعَةً، والِانْتِفاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا، وكَوْنُهُ حَيًّا مُدْرِكًا لا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ والغَمِّ، وإخْلاءُ المَنافِعِ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ آمِنَةً مِن خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وهَذا الأمْرُ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا ثَبَتَ هَذا فالنِّعْمَةُ الكامِلَةُ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ الكامِلَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا، وما لَمْ يَحْصُلْ شُعُورُ الإنْسانِ بِوُصُولِ النِّعْمَةِ إلَيْهِ امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ عاجِزًا عَنْ حَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ لا يَقْوى عَقْلُ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإذا امْتَنَعَ وُقُوفُ الإنْسانِ عَلَيْها امْتَنَعَ اقْتِدارُهُ عَلى الحَمْدِ والشُّكْرِ والثَّناءِ اللّائِقِ بِها. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُمْكِنُهُ القِيامُ بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ إذا أقْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا خَلَقَ في قَلْبِهِ داعِيَةً إلى فِعْلِ ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا زالَ عَنْهُ العَوائِقُ والحَوائِلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنْعامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتِلْكَ النِّعَمُ أيْضًا تُوجِبُ الشُّكْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالشُّكْرِ والحَمْدِ إلّا عِنْدَ الإتْيانِ بِهِ مِرارًا لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإنْسانُ يَمْتَنِعُ مِنهُ الإتْيانُ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، الثّالِثُ: أنَّ الحَمْدَ والشُّكْرَ لَيْسَ مَعْناهُ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ بِلِسانِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عِلْمُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، وكُلُّ ما خَطَرَ بِبالِ الإنْسانِ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ فَكَمالُ اللَّهِ وجَلالُهُ أعْلى وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ والمُتَصَوَّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الإنْسانِ آتِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ مَعْناهُ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يُقابِلُ الإنْعامَ الصّادِرَ مِنَ المُنْعِمِ بِشُكْرِ نَفْسِهِ وبِحَمْدِ نَفْسِهِ وذَلِكَ بِعِيدٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لا حَدَّ لَها، فَمُقابَلَتُها بِهَذا الِاعْتِقادِ الواحِدِ وبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ في غايَةِ البُعْدِ. وثانِيها: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ حَمْدَهُ وشُكْرَهُ يُساوِي نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أشْرَكَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الواسِطِيِّ الشُّكْرُ شِرْكٌ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى إنْعامِ اللَّهِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أحْوالِهِ، واللَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ وحَمْدِ الحامِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُقابَلَةُ نِعَمِ اللَّهِ بِهَذا الشُّكْرِ وبِهَذا الحَمْدِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإتْيانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَقُلِ احْمَدُوا اللَّهَ، بَلْ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ احْمَدُوا اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ المَعْنى أنَّ كَمالَ الحَمْدِ حَقُّهُ ومِلْكُهُ، سَواءٌ قَدَرَ الخَلْقُ عَلى الإتْيانِ بِهِ أوْ لَمْ يَقْدِرُوا صفحة ١٨٢ عَلَيْهِ؛ ونُقِلَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِكَ عَلَيَّ، وهو أنْ تُوَفِّقَنِي لِذَلِكَ الشُّكْرِ ؟ فَقالَ: يا داوُدُ، لَمّا عَلِمْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي بِحَسَبِ قُدْرَتِكَ وطاقَتِكَ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً فَيَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرُوا إلى عَبْدِي أعْطَيْتُهُ ما لا قَدْرَ لَهُ فَأعْطانِي ما لا قِيمَةَ لَهُ»، وتَفْسِيرُهُ أنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى العَبْدِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أحَدَ الأشْياءِ المُعْتادَةِ مِثْلَ أنَّهُ كانَ جائِعًا فَأطْعَمَهُ، أوْ كانَ عَطْشانًا فَأرْواهُ، أوْ كانَ عُرْيانًا فَكَساهُ، أمّا إذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ حَمْدٍ أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ فَهو لِلَّهِ، وكُلَّ حَمْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ وأمْكَنَ في حُكْمِ العَقْلِ دُخُولُهُ في الوُجُودِ فَهو لِلَّهِ، وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها مَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وساكِنُو أطْباقِ السَّماواتِ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي سَيَذْكُرُونَها إلى وقْتِ قَوْلِهِمْ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ثُمَّ جَمِيعُ هَذِهِ المَحامِدِ مُتَناهِيَةٌ، وأمّا المَحامِدُ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها هي الَّتِي سَيَأْتُونَ بِها أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، فَكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ العَبْدِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: «انْظُرُوا إلى عَبْدِي قَدْ أعْطَيْتُهُ نِعْمَةً واحِدَةً لا قَدْرَ لَها، فَأعْطانِي مِنَ الشُّكْرِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ» . أقُولُ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ، وقَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ المُتَناهِي إذا سَقَطَ مِنهُ المُتَناهِي بَقِيَ الباقِي غَيْرَ مُتَناهٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: عَبْدِي، إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ فالَّذِي بَقِيَ لَكَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ طاعاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا بُدَّ مِن مُقابَلَتِها بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَسْتَحِقُّ العَبْدُ الثَّوابَ الأبَدِيَّ والخَيْرَ السَّرْمَدِيَّ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ العَبْدِ لِلَّهِ يُوجِبُ سَعاداتٍ لا آخِرَ لَها وخَيْراتٍ لا نِهايَةَ لَها. * * * الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَيٌّ فَإنَّهُ يَكْرَهُ عَدَمَ نَفْسِهِ، ولَوْلا أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ حَصَلَ بِإيجادِ اللَّهِ وجُودِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ في عالَمِ الأرْواحِ والأجْسامِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ ورَحْمَةٌ وإحْسانٌ، والنِّعْمَةُ والرَّحْمَةُ والإحْسانُ مُوجِبَةٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مُرادُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيَّ، بَلِ المُرادُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الصّادِرَةِ مِنهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إنْعامَهُ واصِلٌ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، كانَ مَعْناهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ، وعَلى كُلِّ مُحْدَثٍ أحْدَثَهُ مِن نُورٍ، وظُلْمَةٍ، وسُكُونٍ، وحَرَكَةٍ، وعَرْشٍ، وكُرْسِيٍّ، وجِنِّيٍّ، وإنْسِيٍّ، وذاتٍ، وصِفَةٍ، وجِسْمٍ، وعَرَضٍ، إلى أبَدِ الآبادِ ودَهْرِ الدّاهِرِينَ، وأنا أشْهَدُ أنَّها بِأسْرِها حَقُّكَ ومِلْكُكَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَكَ فِيها شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ فَما السَّبَبُ هاهُنا في وُقُوعِ البِدايَةِ بِالتَّحْمِيدِ ؟ والجَوابُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ دَلالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى كَوْنِهِ صفحة ١٨٣ مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى تامًّا، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فَوْقَ التَّمامِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الِابْتِداءُ بِالتَّحْمِيدِ أوْلى، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القَوانِينِ الحِكَمِيَّةِ، وأمّا الوَجْهُ اللّائِقُ بِالقَوانِينِ الأُصُولِيَّةِ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكُونُ مُحْسِنًا بِالعِبادِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِيَعْلَمَ أصْنافَ حاجاتِ العِبادِ، وإلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ لِيَقْدِرَ عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وإلّا إذا كانَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ حاجَةِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الِابْتِداءَ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ. الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالماضِي وتَعَلُّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالماضِي فَهو أنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلى النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ فَهو أنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ النِّعَمَ السّابِقَةَ تُوجِبُ الإقْدامَ عَلى الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ إذا اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ انْفَتَحَتْ عَلى العَقْلِ والقَلْبِ أبْوابُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأبْوابُ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ الحَمْدُ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالماضِي يُغْلِقُ عَنْكَ أبْوابَ النِّيرانِ، وبِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَقْبَلِ يَفْتَحُ لَكَ أبْوابَ الجِنانِ، فَتَأْثِيرُهُ في الماضِي سَدَّ أبْوابَ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وتَأْثِيرُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَتَحَ أبْوابَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِلْعَبْدِ في مَعارِجِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ولا مِفْتاحَ لَها إلّا قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الحَمْدِ بِسُورَةِ الفاتِحَةِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ لَكِنْ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها في مَوْضِعِها وإلّا لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنها، قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ: كَيْفَ يَجِبُ الإتْيانُ بِالطّاعَةِ ؟ قالَ: أنا مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً أسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً واحِدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَقِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: وقَعَ الحَرِيقُ في بَغْدادَ واحْتَرَقَتِ الدَّكاكِينُ والدُّورُ، فَأخْبَرُونِي أنَّ دُكّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وكانَ مَعْناهُ أنِّي فَرِحْتُ بِبَقاءِ دُكّانِي حالَ احْتِراقِ دَكاكِينِ النّاسِ، وكانَ حَقُّ الدِّينِ والمُرُوءَةِ أنْ لا أفْرَحَ بِذَلِكَ، فَأنا في الِاسْتِغْفارِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ وإنْ كانَتْ جَلِيلَةَ القَدْرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ رِعايَةُ مَوْضِعِها، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ كَثِيرَةٌ، إلّا أنَّها بِحَسَبِ القِسْمَةِ الأُولى مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: نِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ إجْلالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن أنْ يَذْكُرَها في مُقابَلَةِ نِعَمِ الدُّنْيا، بَلْ يَجِبُ أنْ لا يَذْكُرَها إلّا عِنْدَ الفَوْزِ بِنِعَمِ الدِّينِ، ثُمَّ نِعَمُ الدِّينِ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ، وأعْمالُ القُلُوبِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، ثُمَّ نِعَمُ الدُّنْيا قِسْمانِ: تارَةً تُعْتَبَرُ تِلْكَ النِّعَمُ مِن حَيْثُ هي نِعَمٌ، وتارَةً تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ إنَّها عَطِيَّةُ المُنْعِمِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، فَهَذِهِ مَقاماتٌ يَجِبُ اعْتِبارُها حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مُوافِقًا لِمَوْضِعِهِ لائِقًا بِسَبَبِهِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَها أبُونا آدَمُ هو قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها أهْلُ الجَنَّةِ هو قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ الرُّوحَ إلى سُرَّتِهِ عَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وأمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَفاتِحَةُ العالَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ صفحة ١٨٤ وخاتِمَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ، فاجْتَهِدْ حَتّى يَكُونَ أوَّلُ أعْمالِكَ وآخِرُها مَقْرُونًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ عالَمٌ صَغِيرٌ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْوالُهُ مُوافِقَةً لِأحْوالِ العالَمِ الكَبِيرِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإضْمارَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِيَصِحَّ الكَلامُ، وهَذا الإضْمارُ يُوجِبُ فَسادَ الكَلامِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لَهُ ومِلْكًا لَهُ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ في نَفْسِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وبِحَسَبِ أفْعالِهِ سَواءٌ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ أعْلى وأجَلُّ مِمّا بِالغَيْرِ. الثّالِثُ: ذَكَرُوا مَسْألَةً في الواقِعاتِ وهي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوالِدِ أنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ: اعْمَلْ كَذا وكَذا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَثِلَ أمْرَهُ فَيَأْثَمَ، بَلْ يَقُولُ: إنَّ كَذا وكَذا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، ثُمَّ إذا كانَ الوَلَدُ كَرِيمًا فَإنَّهُ يُجِيبُ ويُطِيعُهُ، وإنْ كانَ عاقًّا لَمْ يُشافِهْهُ بِالرَّدِّ، فَيَكُونُ إثْمُهُ أقَلَّ، فَكَذَلِكَ هاهُنا قالَ اللَّهُ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَن كانَ مُطِيعًا حَمِدَهُ، ومَن كانَ عاصِيًا إثْمُهُ أقَلُّ. * * * الفائِدَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: تَمَسَّكَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ فِعْلُهُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، وكانَتِ النِّعْمَةُ الصّادِرَةُ عَنْهُ أعْلى وأفْضَلَ، كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْحَمْدِ أكْثَرَ، ولا شَكَّ أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ هو الإيمانُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَ اسْتِحْقاقُ العَبْدِ لِلْحَمْدِ أوْلى وأجَلَّ مِنِ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ لَهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لا بِخَلْقِ العَبْدِ. الثّانِي: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، لَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ لَكانَ قَوْلُهُمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ باطِلًا، فَإنَّ حَمْدَ الفاعِلِ عَلى ما لا يَكُونُ فِعْلًا لَهُ باطِلٌ قَبِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] . الثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَمْدٌ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ كُلُّ الحَمْدِ لِلَّهِ لَوْ كانَ كُلُّ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ، والإيمانُ أفْضَلُ النِّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ مَدْحٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، ومَدْحُ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَلَمّا بَدَأ كِتابَهُ بِمَدْحِ النَّفْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الخَلْقِ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ ما يَقْبُحُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ أنْ تُقاسَ أفْعالُهُ عَلى أفْعالِ الخَلْقِ، فَقَدْ تَقْبُحُ أشْياءُ مِنَ العِبادِ ولا تَقْبُحُ تِلْكَ الأشْياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَهْدِمُ أُصُولَ الِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ. والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْعالَهُ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَسَنَةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ لَها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الحُسْنِ، وإلّا كانَتْ عَبَثًا، وذَلِكَ في حَقِّهِ مُحالٌ، والزّائِدَةُ عَلى الحُسْنِ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ مِن بابِ التَّفَضُّلِ: أمّا الواجِبُ فَهو مِثْلُ إيصالِ الثَّوابِ والعِوَضِ إلى المُكَلَّفِينَ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التَّفَضُّلِ فَهو مِثْلُ أنَّهُ يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الواجِبِ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ، فَنَقُولُ: هَذا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ويُبْطِلُ صِحَّةَ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: أمّا أداءُ الواجِباتِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ دَيْنُ دِينارٍ فَأدّاهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، فَلَوْ وجَبَ عَلى اللَّهِ فِعْلٌ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الذَّمِّ ولا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ، وأمّا فِعْلُ التَّفَضُّلِ فَعِنْدَ الخَصْمِ أنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَزِيدَ حَمْدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الفِعْلُ لَما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الحَمْدُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ صفحة ١٨٥ والمَدْحِ. السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَحْمُودٌ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ والمَدْحَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ أوْ لَيْسَ ثابِتًا لِذاتِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ، وامْتَنَعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ارْتِفاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ في حَقِّهِ تَعالى وُجُوبُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ لِلْعِبادِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْواضِ والثَّوابِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ لِلَّهِ لَيْسَ ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ - فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا قَبِيحَ في فِعْلِهِ، ولا جَوْرَ في أقْضِيَتِهِ، ولا ظُلْمَ في أحْكامِهِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَلِكَ، فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِأعْظَمِ المَحامِدِ والمَدائِحِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ لا قَبِيحَ إلّا وهو فِعْلُهُ، ولا جَوْرَ إلّا وهو حُكْمُهُ، ولا عَبَثَ إلّا وهو صُنْعُهُ؛ لِأنَّهُ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ويُؤْلِمُ الحَيَواناتِ مِن غَيْرِ أنْ يُعَوِّضَها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ؟ وأيْضًا فَذَلِكَ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ الإلَهِيَّةِ إمّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلى العَبْدِ، أوْ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ كَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا. الفائِدَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في أنَّ وُجُوبَ الشُّكْرِ ثابِتٌ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ؛ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ بِالسَّمْعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ ثابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ وبَعْدَ مَجِيئِهِ عَلى الإطْلاقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ أنَّ هَذا الحَمْدَ حَقُّهُ ومِلْكُهُ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَهاهُنا أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، مالِكًا لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ في القِيامَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ إنَّما يَحْصُلُ لِكَوْنِهِ تَعالى مُرَبِّيًا لَهم رَحْمانًا رَحِيمًا بِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ ثابِتٌ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ أوْ بَعْدَهُ. الفائِدَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ حَقِيقَةِ الحَمْدِ وماهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: تَحْمِيدُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عِبارَةً عَنْ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ حُصُولِ الحَمْدِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْمِيدُ اللَّهِ مُغايِرًا لِقَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَنَقُولُ: حَمْدُ المُنْعِمِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا. وذَلِكَ الفِعْلُ إمّا أنْ يَكُونَ فِعْلُ القَلْبِ، أوْ فِعْلُ اللِّسانِ، أوْ فِعْلُ الجَوارِحِ، أمّا فِعْلُ القَلْبِ فَهو أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، وأمّا فِعْلُ اللِّسانِ فَهو أنْ يَذْكُرَ ألْفاظًا دالَّةً عَلى كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ، وأمّا فِعْلُ الجَوارِحِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والإجْلالِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الحَمْدِ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ افْتَرَقُوا في هَذا المَقامِ صفحة ١٨٦ فَرِيقَيْنِ: الفَرِيقُ الأوَّلُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عَبِيدَهُ بِأنْ يَحْمَدُوهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحْمِيدَ إمّا أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى إنْعامٍ وصَلَ إلَيْهِمْ أوْ لا، وبِناءً عَلَيْهِ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِنهم عَلى إنْعامِهِ جَزاءً ومُكافَأةً، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ الكَرَمِ، فَإنَّ الكَرِيمَ إذا أنْعَمَ لَمْ يَطْلُبِ المُكافَأةَ، وأمّا الثّانِي فَهو إتْعابٌ لِلْغَيْرِ ابْتِداءً، وذَلِكَ يُوجِبُ الظُّلْمَ. الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِهَذا الحَمْدِ مُتْعِبٌ لِلْحامِدِ وغَيْرُ نافِعٍ لِلْمَحْمُودِ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ والكامِلُ لِذاتِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَكْمِلَ بِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِهَذا التَّحْمِيدِ عَبَثٌ وضَرَرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا. الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الإيجابِ هو أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، فَإيجابُ حَمْدِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ تَشْتَغِلْ بِهَذا الحَمْدِ لَعاقَبْتُكَ، وهَذا الحَمْدُ لا نَفْعَ لَهُ في حَقِّ اللَّهِ، فَكانَ مَعْناهُ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأحَدٍ، ولَوْ تَرَكْتَهُ لَعاقَبْتُكَ أبَدَ الآبادِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِالحَكَمِ الكَرِيمِ. الفَرِيقُ الثّانِي: قالُوا: الِاشْتِغالُ بِحَمْدِ اللَّهِ سُوءُ أدَبٍ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مُقابَلَةِ إحْسانِ اللَّهِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ القَلِيلِ. والثّانِي: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ لا يَتَأتّى إلّا مَعَ اسْتِحْضارِ تِلْكَ النِّعَمِ في القَلْبِ واشْتِغالَ القَلْبِ بِالنِّعَمِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ. الثّالِثُ: أنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أثْنى عَلَيْهِ لِأجْلِ الفَوْزِ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَقْصُودَهُ مِنَ العِبادَةِ والحَمْدِ والثَّناءِ الفَوْزُ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وهَذا الرَّجُلُ في الحَقِيقَةِ مَعْبُودُهُ ومَطْلُوبُهُ إنَّما هو تِلْكَ النِّعْمَةُ وحَظُّ النَّفْسِ، وذَلِكَ مَقامٌ نازِلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * الفَصْلُ الثّانِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَوْجُودَ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَهو اللَّهُ تَعالى فَقَطْ، وأمّا المُمْكِنُ لِذاتِهِ فَهو كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وهو العالَمُ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا: العالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ، وسَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذا القِسْمِ بِالعالَمِ أنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ بِأنَّهُ عالَمٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، ولا صِفَةَ لِلْمُتَحَيِّزِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: القِسْمُ الأوَّلُ المُتَحَيِّزُ: وهو إمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ قابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَهو الجِسْمُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو الجَوْهَرُ الفَرْدُ؛ أمّا الجِسْمُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ أوْ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ؛ أمّا الأجْسامُ العُلْوِيَّةُ فَهي الأفْلاكُ والكَواكِبُ، وقَدْ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ أشْياءُ أُخَرُ سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، مِثْلُ العَرْشِ، والكُرْسِيِّ، وسِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّوْحِ، والقَلَمِ، والجَنَّةِ، وأمّا الأجْسامُ السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا بَسِيطَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ: أمّا البَسِيطَةُ فَهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ: وأحَدُها: كُرَةُ الأرْضِ بِما فِيها مِنَ المَفاوِزِ والجِبالِ والبِلادِ المَعْمُورَةِ. وثانِيها: كُرَةُ الماءِ وهي البَحْرُ المُحِيطُ وهَذِهِ الأبْحُرُ الكَبِيرَةُ المَوْجُودَةُ في هَذا الرُّبْعِ المَعْمُورِ وما فِيهِ مِنَ الأوْدِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ تَعالى. وثالِثُها: كُرَةُ الهَواءِ. ورابِعُها: كُرَةُ النّارِ. وأمّا الأجْسامُ المُرَكَّبَةُ فَهي النَّباتُ، والمَعادِنُ، والحَيَوانُ، عَلى كَثْرَةِ أقْسامِها وتَبايُنِ أنْواعِها. وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو المُمْكِنُ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزاتِ - فَهي الأعْراضُ، والمُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا ما يَقْرُبُ مِن أرْبَعِينَ جِنْسًا مِن أجْناسِ الأعْراضِ. أمّا الثّالِثُ - وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ - فَهو صفحة ١٨٧ الأرْواحُ، وهي إمّا سُفْلِيَّةٌ، وإمّا عُلْوِيَّةٌ: أمّا السُّفْلِيَّةُ فَهي إمّا خَيِّرَةٌ، وهم صالِحُو الجِنِّ، وإمّا شِرِّيرَةٌ خَبِيثَةٌ وهي مَرَدَةُ الشَّياطِينِ. والأرْواحُ العُلْوِيَّةُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالأجْسامِ وهي الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالأجْسامِ، وهي الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ المُقَدَّسَةُ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى تَقْسِيمِ مَوْجُوداتِ العالَمِ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ كَتَبَ ألْفَ ألْفِ مُجَلَّدٍ في شَرْحِ هَذِهِ الأقْسامِ لَما وصَلَ إلى أقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ هَذِهِ الأقْسامِ، إلّا أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَيَكُونُ مُحْتاجًا في وُجُودِهِ إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وأيْضًا ثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُبْقِي، واللَّهُ تَعالى إلَهُ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهو رَبُّ العالَمِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي يُبْقِيها حالَ دَوامِها واسْتِقْرارِها. وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ عِنْدَكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وكُلُّ مَن كانَ أكْثَرَ إحاطَةٍ بِأحْوالِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ كانَ أكْثَرَ وُقُوفًا عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: المُرَبِّي عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يُرَبِّيَ شَيْئًا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِ المُرَبِّي، والثّانِي: أنْ يُرَبِّيَهُ لِيَرْبَحَ المُرَبِّي، وتَرْبِيَةُ كُلِّ الخَلْقِ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهم إنَّما يُرَبُّونَ غَيْرَهم لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ إمّا ثَوابًا أوْ ثَناءً، والقِسْمُ الثّانِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم فَهو تَعالى يُرَبِّي ويُحْسِنُ، وهو بِخِلافِ سائِرِ المُرَبِّينَ وبِخِلافِ سائِرِ المُحْسِنِينَ. واعْلَمْ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى مُخالِفَةٌ لِتَرْبِيَةِ غَيْرِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى يُرَبِّي عَبِيدَهُ لا لِغَرَضِ نَفْسِهِ بَلْ لِغَرَضِهِمْ، وغَيْرُهُ يُرَبُّونَ لِغَرَضِ أنْفُسِهِمْ لا لِغَرَضِ غَيْرِهِمْ. الثّانِي: أنَّ غَيْرَهُ إذا رَبّى فَبِقَدْرِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ يَظْهَرُ النُّقْصانُ في خَزائِنِهِ وفي مالِهِ، وهو تَعالى مُتَعالٍ عَنِ النُّقْصانِ والضَّرَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] . الثّالِثُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ إذا ألَحَّ الفَقِيرُ عَلَيْهِ أبْغَضَهُ وحَرَمَهُ ومَنَعَهُ، والحَقُّ تَعالى بِخِلافِ ذَلِكَ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ» . الرّابِعُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ ما لَمْ يُطْلَبْ مِنهُ الإحْسانُ لَمْ يُعْطِ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَأنَّهُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤالِ، تَرى أنَّهُ رَبّاكَ حالَ ما كُنْتَ جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ، وحالَ ما كُنْتَ جاهِلًا غَيْرَ عاقِلٍ، لا تُحْسِنُ أنْ تَسْألَ مِنهُ، ووَقاكَ وأحْسَنَ إلَيْكَ مَعَ أنَّكَ ما سَألْتَهُ، وما كانَ لَكَ عَقْلٌ ولا هِدايَةٌ. الخامِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ إمّا بِسَبَبِ الفَقْرِ أوِ الغَيْبَةِ أوِ المَوْتِ، والحَقُّ تَعالى لا يَنْقَطِعُ إحْسانُهُ البَتَّةَ. السّادِسُ: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ يَخْتَصُّ إحْسانُهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ولا يُمْكِنُهُ التَّعْمِيمُ، أمّا الحَقُّ تَعالى فَقَدْ وصَلَ تَرْبِيَتُهُ وإحْسانُهُ إلى الكُلِّ، كَما قالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى رَبُّ العالَمِينَ، ومُحْسِنٌ إلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الَّذِي يُحْمَدُ ويُمْدَحُ ويُعَظَّمُ في الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِأحَدِ وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: إمّا لِكَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ والآفاتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ إحْسانٌ إلَيْكَ. وإمّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلَيْكَ ومُنْعِمًا عَلَيْكَ. وإمّا لِأنَّكَ تَرْجُو وصُولَ إحْسانِهِ إلَيْكَ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ. وإمّا لِأجْلِ أنَّكَ تَكُونُ خائِفًا مِن قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الحالاتُ هي الجِهاتُ المُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الكَمالَ الذّاتِيَّ فاحْمَدُونِي فَإنِّي إلَهُ العالَمِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وإنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الإحْسانَ فَأنا رَبُّ العالَمِينَ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ في المُسْتَقْبَلِ فَأنا صفحة ١٨٨ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها أمْثِلَةً: المِثالُ الأوَّلُ: لَمّا وقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِن صُلْبِ الأبِ إلى رَحِمِ الأُمِّ فانْظُرْ كَيْفَ أنَّها صارَتْ عَلَقَةً أوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنها أعْضاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ العِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ والأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها نَوْعٌ خاصٌّ مِن أنْواعِ القُوى، فَحَصَلَتِ القُوَّةُ الباصِرَةُ في العَيْنِ، والسّامِعَةُ في الأُذُنِ، والنّاطِقَةُ في اللِّسانِ، فَسُبْحانَ مَن أسْمَعَ بِعَظْمٍ، وبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. واعْلَمْ أنَّ كِتابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الإنْسانِ مَشْهُورٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ. المَثّالُ الثّانِي: أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وقَعَتْ في الأرْضِ فَإذا وصَلَتْ نَداوَةُ الأرْضِ إلَيْها انْتَفَخَتْ ولا تَنْشَقُّ مِن شَيْءٍ مِنَ الجَوانِبِ إلّا مِن أعْلاها وأسْفَلِها، مَعَ أنَّ الِانْتِفاخَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ: أمّا الشِّقُّ الأعْلى فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الصّاعِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ وأمّا الشِّقُّ الأسْفَلُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الغائِصُ في الأرْضِ، وهو عُرُوقُ الشَّجَرَةِ، فَأمّا الجُزْءُ الصّاعِدُ فَبَعْدَ صُعُودِهِ يَحْصُلُ لَهُ ساقٌ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ مِن ذَلِكَ السّاقِ أغْصانٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلى تِلْكَ الأغْصانِ الأنْوارُ أوَّلًا، ثُمَّ الثِّمارُ ثانِيًا، ويَحْصُلُ لِتِلْكَ الثِّمارِ أجْزاءٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَثافَةِ واللَّطافَةِ، وهي القُشُورُ ثُمَّ اللُّبُوبُ ثُمَّ الأدْهانُ، وأمّا الجُزْءُ الغائِصُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العُرُوقَ تَنْتَهِي إلى أطْرافِها؛ وتِلْكَ الأطْرافُ تَكُونُ في اللَّطافَةِ كَأنَّها مِياهٌ مُنْعَقِدَةٌ، ومَعَ غايَةِ لَطافَتِها فَإنَّها تَغُوصُ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الخَشِنَةِ، وأوْدَعَ اللَّهُ فِيها قُوًى جاذِبَةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الطِّينِ إلى نَفْسِها، والحِكْمَةُ في كُلِّ هَذِهِ التَّدْبِيراتِ تَحْصِيلُ ما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ والأُدامِ والفَواكِهِ والأشْرِبَةِ والأدْوِيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] الآياتِ. المِثالُ الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ بِحَيْثُ صارَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ مَصالِحِ العِبادِ، فَخَلَقَ اللَّيْلَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلرّاحَةِ والسُّكُونِ، وخَلَقَ النَّهارَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعاشِ والحَرَكَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] واقْرَأْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ - إلى آخِرِ الآيَةِ [النبأ: ٦، ٧]، واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في عَجائِبِ أحْوالِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وآثارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ، قَضى صَرِيحُ عَقْلِكَ بِأنَّ أسْبابَ تَرْبِيَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ودَلائِلَ رَحْمَتِهِ لائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ قَطْرَةٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أضافَ الحَمْدَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثُمَّ أضافَ نَفْسَهُ إلى العالَمِينَ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي أُحِبُّ الحَمْدَ، فَنِسْبَتُهُ إلى نَفْسِي بِكَوْنِهِ مِلْكًا، ثُمَّ لَمّا ذَكَرْتُ نَفْسِي عَرَفْتُ نَفْسِي بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، ومَن عَرَفَ ذاتًا بِصِفَةٍ فَإنَّهُ يُحاوِلُ ذِكْرَ أحْسَنِ الصِّفاتِ وأكْمَلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لِلْعالَمِينَ أكْمَلُ الصِّفاتِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أكْمَلَ المَراتِبِ أنْ يَكُونَ تامًّا، وفَوْقَ التَّمامِ، فَقَوْلُنا: اللَّهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ في ذاتِهِ وبِذاتِهِ وهو التَّمامُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ كُلِّ ما سِواهُ فائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا أنَّهُ فَوْقَ التَّمامِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ يَمْلِكُ عِبادًا غَيْرَكَ كَما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنْتَ لَيْسَ لَكَ رَبٌّ سِواهُ، ثُمَّ إنَّهُ يُرَبِّيكَ كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَبْدٌ سِواكَ وأنْتَ تَخْدُمُهُ كَأنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرَهُ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ صفحة ١٨٩ التَّرْبِيَةَ، ألَيْسَ أنَّهُ يَحْفَظُكَ في النَّهارِ عَنِ الآفاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، وبِاللَّيْلِ عَنِ المُخافاتِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الحُرّاسَ يَحْرُسُونَ المَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ لَدْغِ الحَشَراتِ ؟ وهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ أنْ تَنْزِلَ بِهِ البَلِيّاتُ ؟ أمّا الحَقُّ تَعالى فَإنَّهُ يَحْرُسُهُ مِنَ الآفاتِ، ويَصُونُهُ مِنَ المُخافاتِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ زَجَّ أوَّلَ اللَّيْلِ في أنْواعِ المَحْظُوراتِ وأقْسامِ المُحَرَّماتِ والمُنْكَراتِ، فَما أكْبَرَ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ وما أحْسَنَها، ألَيْسَ مِنَ التَّرْبِيَةِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «الآدَمِيُّ بُنْيانُ الرَّبِّ، مَلْعُونٌ مَن هَدَمَ بُنْيانَ الرَّبِّ»؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] ما ذاكَ إلّا المَلِكُ الجَبّارُ، والواحِدُ القَهّارُ، ومُقَلِّبُ القُلُوبِ والأبْصارِ، والمُطَّلِعُ عَلى الضَّمائِرِ والأسْرارِ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: إنَّما يَكُونُ تَعالى رَبًّا لِلْعالَمِينَ ومُرَبِّيًا لَهم لَوْ كانَ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ دافِعًا لِلْمَضارِّ عَنْهم، أمّا إذا خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ؛ ويَأْمُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنهُ، لَمْ يَكُنْ رَبًّا ولا مُرَبِّيًا، بَلْ كانَ ضارًّا ومُؤْذِيًا، وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: إنَّما سَيَكُونُ رَبًّا ومُرَبِّيًا لَوْ كانَتِ النِّعْمَةُ صادِرَةٌ مِنهُ والألْطافُ فائِضَةٌ مِن رَحْمَتِهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ أعْظَمَ النِّعَمِ وأجَلَّها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُصُولُها مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ رَبًّا لِلْعالَمِينَ إلَيْهِمْ مُحْسِنًا بِخَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُنا ”اللَّهُ“ أشْرَفُ مِن قَوْلِنا ”رَبِّ“ عَلى ما بَيَّنّا ذَلِكَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَ في أكْثَرِ الأمْرِ يَقُولُ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، والسَّبَبُ فِيهِ النُّكَتُ والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَلا نُعِيدُها. * * * الفَصْلُ الثّالِثُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: الرَّحْمَنُ: هو المُنْعِمُ بِما لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، والرَّحِيمُ: هو المُنْعِمُ بِما يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ ضَيْفًا لِبَعْضِ القَوْمِ، فَقَدَّمَ المائِدَةَ، فَنَزَلَ غُرابٌ وسَلَبَ رَغِيفًا، فاتَّبَعْتُهُ تَعَجُّبًا، فَنَزَلَ في بَعْضِ التِّلالِ، وإذا هو بِرَجُلٍ مُقَيَّدٍ مَشْدُودِ اليَدَيْنِ، فَألْقى الغُرابُ ذَلِكَ الرَّغِيفَ عَلى وجْهِهِ. ورُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في البَيْتِ إذْ وقَعَتْ ولْوَلَةٌ في قَلْبِي، وصِرْتُ بِحَيْثُ ما مَلَكْتُ نَفْسِيَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ وانْتَهَيْتُ إلى شَطِّ النِّيلِ، فَرَأيْتُ عَقْرَبًا قَوِيًّا يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَوَصَلَ إلى طَرَفِ النِّيلِ، فَرَأيْتُ ضُفْدَعًا واقِفًا عَلى طَرَفٍ الوادِي، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى ظَهْرِ الضُّفْدَعِ وأخَذَ الضُّفْدَعُ يَسْبَحُ ويَذْهَبُ، فَرَكِبْتُ السَّفِينَةَ وتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ الضُّفْدَعُ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ النِّيلِ، ونَزَلَ العَقْرَبُ مِن ظَهْرِهِ، وأخَذَ يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَرَأيْتُ شابًّا نائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، ورَأيْتُ أفْعى يَقْصِدُهُ، فَلَمّا قَرُبَتِ الأفْعى مِن ذَلِكَ الشّابِّ وصَلَ العَقْرَبُ إلى الأفْعى، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى الأفْعى فَلَدَغَهُ، والأفْعى أيْضًا لَدَغَ العَقْرَبَ، فَماتا مَعًا، وسَلِمَ الإنْسانُ مِنهُما. ويُحْكى أنَّ ولَدَ الغُرابِ كَما يَخْرُجُ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أحْمَرَ، والغُرابُ يَفِرُّ مِنهُ ولا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إنَّ البَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإذا وصَلَتِ البَعُوضُ إلَيْهِ التَقَمَ تِلْكَ البَعُوضَ واغْتَذى بِها، ولا يَزالُ عَلى هَذِهِ الحالِ إلى أنْ يَقْوى ويَنْبُتُ رِيشُهُ ويَخْفى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ إلَيْهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جاءَ في أدْعِيَةِ العَرَبِ: يا رَزّاقَ النَّعّابِ في عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عامٌّ، وإحْسانَهُ شامِلٌ، ورَحْمَتَهُ واسِعَةٌ. صفحة ١٩٠ واعْلَمْ أنَّ الحَوادِثَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُظَنُّ أنَّهُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عَذابًا ونِقْمَةً، ومِنهُ ما يُظَنُّ في الظّاهِرِ أنَّهُ عَذابٌ ونِقْمَةٌ، مَعَ أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ فَضْلًا وإحْسانًا ورَحْمَةً. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالوالِدُ إذا أهْمَلَ ولَدَهُ حَتّى يَفْعَلَ ما يَشاءُ ولا يُؤَدِّبُهُ ولا يَحْمِلُهُ عَلى التَّعَلُّمِ، فَهَذا في الظّاهِرِ رَحْمَةٌ وفي الباطِنِ نِقْمَةٌ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي كالوالِدِ إذا حَبَسَ ولَدَهُ في المَكْتَبِ وحَمَلَهُ عَلى التَّعَلُّمِ فَهَذا في الظّاهِرِ نِقْمَةٌ، وفي الحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وقَعَ في يَدِهِ الآكِلَةُ فَإذا قُطِعَتْ تِلْكَ اليَدُ فَهَذا في الظّاهِرِ عَذابٌ، وفي الباطِنِ راحَةٌ ورَحْمَةٌ، فالأبْلَهُ يَغْتَرُّ بِالظَّواهِرِ، والعاقِلُ يَنْظُرُ في السَّرائِرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَكُلُّ ما في العالَمِ مِن مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ وألَمٍ ومَشَقَّةٍ فَهو وإنْ كانَ عَذابًا وألَمًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ حِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ في الحَقِيقَةِ، وتَحْقِيقُهُ ما قِيلَ في الحِكْمَةِ: إنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّكالِيفِ تَطْهِيرُ الأرْواحِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النّارِ صَرْفُ الأشْرارِ إلى أعْمالِ الأبْرارِ، وجَذْبُها مِن دارِ الفِرارِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وأقْرَبُ مِثالٍ لِهَذا البابِ قِصَّةُ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ مُوسى كانَ يَبْنِي الحُكْمَ عَنْ ظَواهِرِ الأُمُورِ فاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وقَتْلَ الغُلامِ وعِمارَةَ الجِدارِ المائِلِ، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ كانَ يَبْنِي أحْكامَهُ عَلى الحَقائِقِ والأسْرارِ فَقالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٧٩ ٨٢] فَظَهَرَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الحَكِيمَ المُحَقِّقَ هو الَّذِي يَبْنِي أمْرَهُ عَلى الحَقائِقِ لا عَلى الظّاهِرِ، فَإذا رَأيْتَ ما يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ ويَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فاعْلَمْ أنَّ تَحْتَهُ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً، وأنَّ حِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أثَرٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خاصٌّ بِاللَّهِ، والرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الرَّحْمَنُ أعْظَمُ، فَلِمَ ذَكَرَ الأدْنى بَعْدَ ذِكْرِ الأعْلى ؟ والجَوابُ: لِأنَّ الكَبِيرَ العَظِيمَ لا يُطْلَبُ مِنهُ الشَّيْءُ الحَقِيرُ اليَسِيرُ، حُكِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى بَعْضِ الأكابِرِ، فَقالَ: جِئْتُكَ لِمُهِمٍّ يَسِيرٍ، فَقالَ: اطْلُبْ لِلْمُهِمِّ اليَسِيرِ رَجُلًا يَسِيرًا. كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلى ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لاحْتَشَمْتَ عَنِّي ولَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ سُؤالُ الأُمُورِ اليَسِيرَةِ، ولَكِنْ كَما عَلِمْتَنِي رَحْمانًا تَطْلُبُ مِنِّي الأُمُورَ العَظِيمَةَ، فَأنا أيْضًا رَحِيمٌ؛ فاطْلُبْ مِنِّي شِراكَ نَعْلِكَ ومِلْحَ قِدْرِكَ، كَما «قالَ تَعالى لِمُوسى: ”يا مُوسى سَلْنِي عَنْ مِلْحِ قِدْرِكَ وعَلَفِ شاتِكَ» “ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ أعْطى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ رَحْمَةً واحِدَةً حَيْثُ قالَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صارَتْ سَبَبًا لِنَجاتِها مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ مَرَّةً أنَّهُ رَحْمَنٌ وأنَّهُ رَحِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلَواتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ويُقْرَأُ لَفْظُ ”﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾“ في كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ ومَرَّةً في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلَمّا صارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً واحِدَةً سَبَبًا لِخَلاصِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ عَنِ صفحة ١٩١ المَكْرُوهاتِ أفَلا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ المَرّاتِ الكَثِيرَةِ طُولَ العُمْرِ سَبَبًا لِنَجاةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ والعارِ والدَّمارِ ؟ الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى رَحْمَنٌ لِأنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى جِنْسِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا رَحْمَنٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ نُطْفَةً مَذِرَةً فَأُسَلِّمُها إلَيْكَ صُورَةً حَسَنَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وأنا رَحِيمٌ لِأنَّكَ تُسَلِّمُ إلَيَّ طاعَةً ناقِصَةً فَأُسَلِّمُ إلَيْكَ جَنَّةً خالِصَةً. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَتًى قَرُبَتْ وفاتُهُ واعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنْ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِهِ، فَقامَ ودَخَلَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الشَّهادَةَ وهو يَتَحَرَّكُ ويَضْطَرِبُ ولا يَعْمَلُ لِسانُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أما كانَ يُصَلِّي ؟ أما كانَ يَصُومُ ؟ أما كانَ يُزَكِّي ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ: هَلْ عَقَّ والِدَيْهِ ؟ فَقالُوا: بَلى، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِأُمِّهِ، فَجاءَتْ وهي عَجُوزٌ عَوْراءُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلّا عَفَوْتِ عَنْهُ، فَقالَتْ: لا أعْفُو لِأنَّهُ لَطَمَنِي فَفَقَأ عَيْنِيَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هاتُوا بِالحَطَبِ والنّارِ، فَقالَتْ: وما تَصْنَعُ بِالنّارِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُحْرِقُهُ بِالنّارِ بَيْنَ يَدَيْكِ جَزاءً لِما عَمِلَ بِكِ، فَقالَتْ: عَفَوْتُ عَفَوْتُ، ألِلنّارِ حَمَلْتُهُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ ؟ ألِلنّارِ أرْضَعْتُهُ سَنَتَيْنِ ؟ فَأيْنَ رَحْمَةُ الأُمِّ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْطَلَقَ لِسانُهُ، وذَكَرَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . والنُّكْتَةُ أنَّها كانَتْ رَحِيمَةً، وما كانَتْ رَحْمانَةً فَلِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما جَوَّزَتِ الإحْراقَ بِالنّارِ، فالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَمْ يَتَضَرَّرْ بِجِناياتِ عَبِيدِهِ مَعَ عِنايَتِهِ بِعِبادِهِ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ أنْ يَحْرِقَ المُؤْمِنَ الَّذِي واظَبَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ سَبْعِينَ سَنَةً بِالنّارِ ؟ الفائِدَةُ السّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، فَظَهَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَهَذا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَصَلَ فِيهِ هَذا الكَرَمُ وهَذا الإحْسانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَإنْ كانَ أثَرُ الرَّحْمَةِ الواحِدَةِ هَذا المَبْلَغُ، فَكَيْفَ كَرَمُ مَن هو رَحْمَنٌ رَحِيمٌ ؟ وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حِسابَ أُمَّتِي عَلى يَدَيَّ»، ثُمَّ إنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مَدْيُونًا بِدِرْهَمَيْنِ، وأخْرَجَ عائِشَةَ عَنِ البَيْتِ بِسَبَبِ الإفْكِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ لَكَ رَحْمَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ، فَذَرْنِي وعَبِيدِي واتْرُكْنِي وأُمَّتَكَ، فَإنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَرَحْمَتِي لا نِهايَةَ لَها، ومَعْصِيَتُهم مُتَناهِيَةٌ، والمُتَناهِي في جَنْبِ غَيْرِ المُتَناهِي يَصِيرُ فانِيًا، فَلا جَرَمَ مَعاصِي جَمِيعِ الخَلْقِ تَفْنى في بِحارِ رَحْمَتِي، لِأنِّي أنا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: كَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن خَلَقَ الخَلْقَ لِلنّارِ ولِعَذابِ الأبَدِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ويُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ يَكُونُ رَحْمانًا رَحِيمًا مَن أمَرَ بِالإيمانِ ثُمَّ صَدَّ ومَنَعَ عَنْهُ ؟ وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: أعْظَمُ أنْواعِ النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ هو الإيمانُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ بَلْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ اسْمُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِالعَبْدِ أوْلى مِنهُ بِاللَّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الفاتحة 1:4

صفحة ١٩٢ الفَصْلُ الرّابِعُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ مالِكِ يَوْمِ البَعْثِ والجَزاءِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، والمُطِيعِ والعاصِي، والمُوافِقِ والمُخالِفِ، وذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا في يَوْمِ الجَزاءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٨] وقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] واعْلَمْ أنَّ مَن سَلَّطَ الظّالِمَ عَلى المَظْلُومِ ثُمَّ إنَّهُ لا يَنْتَقِمُ مِنهُ فَذاكَ إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ، أوْ لِكَوْنِهِ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ أنَّ يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولَمّا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِانْتِقامُ في دارِ الدُّنْيا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في دارِ الأُخْرى بَعْدَ دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآيَةَ [الزلزلة: ٧] رُوِيَ أنَّهُ يُجاءُ بِرَجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَنْظُرُ في أحْوالِ نَفْسِهِ فَلا يَرى لِنَفْسِهِ حَسَنَةً البَتَّةَ، فَيَأْتِيهِ النِّداءُ، يا فُلانُ ادْخُلِ الجَنَّةَ بِعَمَلِكَ، فَيَقُولُ: إلَهِي، ماذا عَمِلْتُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ألَسْتَ لَمّا كُنْتَ نائِمًا تَقَلَّبْتَ مِن جَنْبٍ إلى جَنْبٍ لَيْلَةَ كَذا فَقُلْتَ في خِلالِ ذَلِكَ ”اللَّهُ“ ثُمَّ غَلَبَكَ النَّوْمُ في الحالِ فَنَسِيتَ ذَلِكَ ؟ أمّا أنا فَلا تَأْخُذُنِي سِنَةٌ ولا نَوْمٌ فَما نَسِيتُ ذَلِكَ، وأيْضًا يُؤْتى بِرَجُلٍ وتُوزَنُ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ فَتَخِفُّ حَسَناتُهُ فَتَأْتِيهِ بِطاقَةٌ فَتُثَقِّلُ مِيزانَهُ فَإذا فِيها شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَلا يَثْقُلُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ غَيْرُهُ. واعْلَمْ أنَّ الواجِباتِ عَلى قِسْمَيْنِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى، وحُقُوقُ العِبادِ. أمّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَمَبْناها عَلى المُسامَحَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وأمّا حُقُوقُ العِبادِ فَهي الَّتِي يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْها. رُوِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ لَهُ عَلى بَعْضِ المَجُوسِ مالٌ، فَذَهَبَ إلى دارِهِ لِيُطالِبَهُ بِهِ، فَلَمّا وصَلَ إلى بابِ دارِهِ وقَعَ عَلى نَعْلِهِ نَجاسَةٌ، فَنَفَضَ نَعْلَهُ فارْتَفَعَتِ النَّجاسَةُ عَنْ نَعْلِهِ ووَقَعَتْ عَلى حائِطِ دارِ المَجُوسِيِّ فَتَحَيَّرَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ: إنْ تَرَكْتُها كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُبْحِ جِدارِ هَذا المَجُوسِيِّ، وإنْ حَكَكْتُها انْحَدَرَ التُّرابُ مِنَ الحائِطِ، فَدَقَّ البابَ، فَخَرَجَتِ الجارِيَةُ، فَقالَ لَها: قُولِي لِمَوْلاكِ: إنَّ أبا حَنِيفَةَ بِالبابِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وظَنَّ أنَّهُ يُطالِبُهُ بِالمالِ، فَأخَذَ يَعْتَذِرُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاهُنا ما هو أوْلى، وذَكَرَ قِصَّةَ الجِدارِ، وأنَّهُ كَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَطْهِيرِهِ، فَقالَ المَجُوسِيُّ: فَأنا أبْدَأُ بِتَطْهِيرِ نَفْسِي، فَأسْلَمَ في الحالِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ لَمّا احْتَرَزَ عَنْ ظُلْمِ المَجُوسِيِّ في ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الظُّلْمِ فَلِأجْلِ تَرْكِهِ ذَلِكَ انْتَقَلَ المَجُوسِيُّ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَمَنِ احْتَرَزَ عَنِ الظُّلْمِ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَمِنهم مَن قَرَأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ومِنهم مَن قَرَأ: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“ . حُجَّةُ مَن قَرَأ ”مالِكِ“ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ حَرْفًا زائِدًا، فَكانَتْ قِراءَتُهُ أكْثَرَ ثَوابًا. الثّانِي أنَّهُ يَحْصُلُ في القِيامَةِ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ. أمّا المالِكُ الحَقُّ لِيَوْمِ الدِّينِ فَلَيْسَ إلّا اللَّهُ. الثّالِثُ: المالِكُ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، كَما أنَّ المَلِكَ قَدْ يَكُونُ مالِكًا وقَدْ لا يَكُونُ، فالمِلْكِيَّةُ والمالِكِيَّةُ قَدْ تَنْفَكُّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَنِ الأُخْرى، إلّا أنَّ المالِكِيَّةَ سَبَبٌ لِإطْلاقِ التَّصَرُّفِ، والمِلْكِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكانَ المالِكُ أوْلى. الرّابِعُ: أنَّ المَلِكَ مَلِكٌ لِلرَّعِيَّةِ، والمالِكُ مالِكٌ لِلْعَبِيدِ، والعَبْدُ أدْوَنُ حالًا مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَهْرُ في المالِكِيَّةِ أكْثَرَ مِنهُ في المَلِكِيَّةِ، صفحة ١٩٣ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المالِكُ أعْلى حالًا مِنَ المَلِكِ. الخامِسُ: أنَّ الرَّعِيَّةَ يُمْكِنُهم إخْراجُ أنْفُسِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ رَعِيَّةً لِذَلِكَ المَلِكِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ، أمّا المَمْلُوكُ فَلا يُمْكِنُهُ إخْراجُ نَفْسِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ المالِكِ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ القَهْرَ في المالِكِيَّةِ أكْمَلُ مِنهُ في المِلْكِيَّةِ. السّادِسُ: أنَّ المَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعايَةُ حالِ الرَّعِيَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» “ ولا يَجِبُ عَلى الرَّعِيَّةِ خِدْمَةُ المَلِكِ. أمّا المَمْلُوكُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ المالِكِ وأنْ لا يَسْتَقِلَّ بِأمْرٍ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُ، حَتّى إنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ القَضاءُ والإمامَةُ والشَّهادَةُ، وإذا نَوى مَوْلاهُ السَّفَرَ يَصِيرُ هو مُسافِرًا، وإنْ نَوى مَوْلاهُ الإقامَةَ صارَ هو مُقِيمًا؛ فَعَلِمْنا أنَّ الِانْقِيادَ والخُضُوعَ في المَمْلُوكِيَّةِ أتَمُّ مِنهُ في كَوْنِهِ رَعِيَّةً، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المالِكَ أكْمَلُ مِنَ المَلِكِ. وحُجَّةُ مَن قالَ إنَّ المَلِكَ أوْلى مِنَ المالِكِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ البَلَدِ يَكُونُ مالِكًا، أمّا المَلِكُ لا يَكُونُ إلّا أعْظَمَ النّاسِ وأعْلاهم فَكانَ المَلِكُ أشْرَفَ مِنَ المالِكِ. الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ١] لَفْظُ المَلِكِ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ ولَوْلا أنَّ المَلِكَ أعْلى حالًا مِنَ المالِكِ وإلّا لَمْ يَتَعَيَّنْ. الثّالِثُ: المَلِكُ أوْلى لِأنَّهُ أقْصَرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْرِكُ مِنَ الزَّمانِ ما تُذْكَرُ فِيهِ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِتَمامِها، بِخِلافِ المالِكِ فَإنَّها أطْوَلُ، فاحْتَمَلَ أنْ لا يَجِدَ مِنَ الزَّمانِ ما يُتِمُّ فِيهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ، هَكَذا نُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأجابَ الكِسائِيُّ بِأنْ قالَ: إنِّي أشْرَعُ في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَإنْ لَمْ أبْلُغْها فَقَدْ بَلَغْتُها حَيْثُ عَزَمْتُ عَلَيْها، نَظِيرُهُ في الشَّرْعِيّاتِ مَن نَوى صَوْمَ الغَدِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ اليَوْمِ في أيّامِ رَمَضانَ لا يُجْزِيهِ؛ لِأنَّهُ في هَذا اليَوْمِ مُشْتَغِلٌ بِصَوْمِ هَذا اليَوْمِ، فَإذا نَوى صَوْمَ الغَدِ كانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا لِلْأمَلِ، أمّا إذا نَوى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ لا يُجْزِيهِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا لِلْأمَلِ إلّا أنَّهُ خَرَجَ عَنِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَمُوتَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَيَقُولُ: إنْ لَمْ أبْلُغْ إلى اليَوْمِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ أكُونَ عَلى عَزْمِ الصَّوْمِ، كَذا هَهُنا يَشْرَعُ في ذِكْرِ قَوْلِهِ ”مالِكِ“ فَإنْ تَمَّمَها فَذاكَ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إتْمامِها كانَ عازِمًا عَلى الإتْمامِ وهو المُرادُ. ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى كَوْنِهِ مَلِكًا أحْكامٌ، وعَلى كَوْنِهِ مالِكًا أحْكامٌ أُخَرُ. أمّا الأحْكامُ المُتَفَرِّعَةُ عَلى كَوْنِهِ مَلِكًا فَوُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ السِّياساتِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: سِياسَةُ المُلّاكِ، وسِياسَةُ المُلُوكِ، وسِياسَةُ المَلائِكَةِ، وسِياسَةُ مَلِكِ المُلُوكِ. فَسِياسَةُ المُلُوكِ أقْوى مِن سِياسَةِ المُلّاكِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ عالَمٌ مِنَ المالِكِينَ فَإنَّهم لا يُقاوِمُونَ مَلِكًا واحِدًا، ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى مَمْلُوكِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المَلِكَ يَمْلِكُ إقامَةَ الحُدُودِ عَلى النّاسِ، وأمّا سِياسَةُ المَلائِكَةِ فَهي فَوْقَ سِياساتِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ عالَمًا مِن أكابِرِ المُلُوكِ لا يُمْكِنُهم دَفْعُ سِياسَةِ مَلِكٍ واحِدٍ، وأمّا سِياسَةُ مَلِكِ المُلُوكِ فَإنَّها فَوْقَ سِياساتِ المَلائِكَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] فَيا أيُّها المُلُوكُ لا تَغْتَرُّوا بِمالِكم مِنَ المالِ والمُلْكِ فَإنَّكم أُسَراءُ في قَبْضَةِ قُدْرَةِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ويا أيُّها الرَّعِيَّةُ إذا كُنْتُمْ تَخافُونَ سِياسَةَ المَلِكِ أفَما تَخافُونَ سِياسَةَ مَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي هو مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ كَوْنِهِ تَعالى مَلِكًا: أنَّهُ مَلِكٌ لا يُشْبِهُ سائِرَ المُلُوكِ لِأنَّهم إنْ تَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ صفحة ١٩٤ انْتَقَصَ مُلْكُهم، وقَلَّتْ خَزائِنُهم؛ أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَمُلْكُهُ لا يَنْتَقِصُ بِالعَطاءِ والإحْسانِ بَلْ يَزْدادُ، بَيانُهُ أنَّهُ تَعالى إذا أعْطاكَ ولَدًا واحِدًا لَمْ يَتَوَجَّهْ حُكْمُهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الوَلَدِ الواحِدِ، أمّا لَوْ أعْطاكَ عَشَرَةً مِنَ الأوْلادِ كانَ حُكْمُهُ وتَكْلِيفُهُ لازِمًا عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى كُلَّما كانَ أكْثَرَ عَطاءً كانَ أوْسَعَ مُلْكًا. الحُكْمُ الثّالِثُ مِن أحْكامِ كَوْنِهِ مَلِكًا: كَمالُ الرَّحْمَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ: إحْداها: ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ قُدُّوسًا عَنِ الظُّلْمِ والجَوْرِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ سَلامًا، وهو الَّذِي سَلَّمَ عِبادَهُ مِن ظُلْمِهِ وجَوْرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ مُؤْمِنًا، وهو الَّذِي يُؤَمِّنُ عَبِيدَهُ عَنْ جَوْرِهِ وظُلْمِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مَلِكًا لا يَتِمُّ إلّا مَعَ كَمالِ الرَّحْمَةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] لَمّا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ المُلْكَ أرْدَفَهُ بِأنْ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمانًا، يَعْنِي: إنْ كانَ ثُبُوتُ المُلْكِ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القَهْرِ، فَكَوْنُهُ رَحْمانًا يَدُلُّ عَلى زَوالِ الخَوْفِ وحُصُولِ الرَّحْمَةِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ١] فَذَكَرَ أوَّلًا كَوْنَهُ رَبًّا لِلنّاسِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا لِلنّاسِ، وهَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُلْكَ لا يَحْسُنُ ولا يَكْمُلُ إلّا مَعَ الإحْسانِ والرَّحْمَةِ، فَيا أيُّها المُلُوكُ اسْمَعُوا هَذِهِ الآياتِ وارْحَمُوا هَؤُلاءِ المَساكِينَ ولا تَطْلُبُوا مَرْتَبَةً زائِدَةً في المُلْكِ عَلى مُلْكِ اللَّهِ تَعالى. الحُكْمُ الرّابِعُ لِلْمَلِكِ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّعِيَّةِ طاعَتُهُ فَإنْ خالَفُوهُ ولَمْ يُطِيعُوهُ وقَعَ الهَرْجُ والمَرَجُ في العالَمِ وحَصَلَ الِاضْطِرابُ والتَّشْوِيشُ ودَعا ذَلِكَ إلى تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الخَلْقِ، فَلَمّا شاهَدْتُمْ أنَّ مُخالَفَةَ المَلِكِ المُجازِي تُفْضِي آخِرَ الأمْرِ إلى تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الخَلْقِ فانْظُرُوا إلى مُخالَفَةِ مَلِكِ المُلُوكِ كَيْفَ يَكُونُ تَأْثِيرُها في زَوالِ المَصالِحِ وحُصُولِ المَفاسِدِ ؟ وتَمامُ تَقْرِيرِهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ لِخَرابِ العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٠] وبَيَّنَ أنَّ طاعَتَهُ سَبَبٌ لِلْمَصالِحِ قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] فَيا أيُّها الرَّعِيَّةُ كُونُوا مُطِيعِينَ لِمُلُوكِكم، ويا أيُّها المُلُوكُ كُونُوا مُطِيعِينَ لِمَلِكِ المُلُوكِ حَتّى تَنْتَظِمَ مَصالِحُ العالَمِ. الحُكْمُ الخامِسُ: أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ أظْهَرَ لِلْعالَمِينَ كَمالَ عَدْلِهِ فَقالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ العَدْلِ فَقالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ كَوْنَهُ مَلِكًا حَقًّا لِيَوْمِ الدِّينِ إنَّما يَظْهَرُ بِسَبَبِ العَدْلِ، فَإنْ كانَ المَلِكُ المُجازِي عادِلًا كانَ مَلِكًا حَقًّا وإلّا كانَ مَلِكًا باطِلًا، فَإنْ كانَ مَلِكًا عادِلًا حَقًّا حَصَلَ مِن بَرَكَةِ عَدْلِهِ الخَيْرُ والرّاحَةُ في العالَمِ، وإنْ كانَ مَلِكًا ظالِمًا ارْتَفَعَ الخَيْرُ مِنَ العالَمِ. يُرْوى أنَّ أنُوشَرْوانَ خَرَجَ إلى الصَّيْدِ يَوْمًا وأوْغَلَ في الرَّكْضِ، وانْقَطَعَ عَنْ عَسْكَرِهِ واسْتَوْلى العَطَشُ عَلَيْهِ، ووَصَلَ إلى بُسْتانٍ فَلَمّا دَخَلَ ذَلِكَ البُسْتانَ رَأى أشْجارَ الرُّمّانِ فَقالَ لِصَبِيٍّ حَضَرَ في ذَلِكَ البُسْتانِ: أعْطِنِي رُمّانَةً واحِدَةً، فَأعْطاهُ رُمّانَةً فَشَقَّها وأخْرَجَ حَبَّها وعَصَرَها فَخَرَجَ مِنهُ ماءٌ كَثِيرٌ فَشَرِبَهُ، وأعْجَبَهُ ذَلِكَ الرُّمّانُ فَعَزَمَ عَلى أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ البُسْتانَ مِن مالِكِهِ ثُمَّ قالَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: أعْطِنِي رُمّانَةً أُخْرى، فَأعْطاهُ فَعَصَرَها فَخَرَجَ مِنها ماءٌ قَلِيلٌ فَشَرِبَهُ فَوَجَدَهُ عَفْصًا مُؤْذِيًا، فَقالَ: أيُّها الصَّبِيُّ لِمَ صارَ الرُّمّانُ هَكَذا ؟ فَقالَ الصَّبِيُّ: لَعَلَّ صفحة ١٩٥ مَلِكَ البَلَدِ عَزَمَ عَلى الظُّلْمِ فَلِأجْلِ شُؤْمِ ظُلْمِهِ صارَ الرُّمّانُ هَكَذا، فَتابَ أنُوشَرْوانَ في قَلْبِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وقالَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: أعْطِنِي رُمّانَةً أُخْرى، فَأعْطاهُ فَعَصَرَها فَوَجَدَها أطْيَبَ مِنَ الرُّمّانَةِ الأُولى، فَقالَ لِلصَّبِيِّ: لِمَ بُدِّلَتْ هَذِهِ الحالَةُ ؟ فَقالَ الصَّبِيُّ: لَعَلَّ مَلِكَ البَلَدِ تابَ عَنْ ظُلْمِهِ، فَلَمّا سَمِعَ أنُوشَرْوانَ هَذِهِ القِصَّةَ مِن ذَلِكَ الصَّبِيِّ وكانَتْ مُطابِقَةً لِأحْوالِ قَلْبِهِ تابَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الظُّلْمِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ اسْمُهُ مُخَلَّدًا في الدُّنْيا بِالعَدْلِ، حَتّى إنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«وُلِدْتُ في زَمَنِ المَلِكِ العادِلِ» “ . * * * أمّا الأحْكامُ المُفَرَّعَةُ عَلى كَوْنِهِ مالِكًا فَهي أرْبَعَةٌ: الحُكْمُ الأوَّلُ: قِراءَةُ المالِكِ أرْجى مِن قِراءَةِ المَلِكِ؛ لِأنَّ أقْصى ما يُرْجى مِنَ المَلِكِ العَدْلُ والإنْصافُ وأنْ يَنْجُوَ الإنْسانُ مِنهُ رَأْسًا بِرَأْسٍ، أمّا المالِكُ فالعَبْدُ يَطْلُبُ مِنهُ الكُسْوَةَ والطَّعامَ والرَّحْمَةَ والتَّرْبِيَةَ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا مالِكُكم فَعَلَيَّ طَعامُكم وثَوابُكم وجَنَّتُكم. الحُكْمُ الثّانِي: المَلِكُ وإنْ كانَ أغْنى مِنَ المالِكِ غَيْرَ أنَّ المَلِكَ يَطْمَعُ فِيكَ والمالِكُ أنْتَ تَطْمَعُ فِيهِ، ولَيْسَتْ لَنا طاعاتٌ ولا خَيْراتٌ فَلا يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ مِنّا يَوْمَ القِيامَةِ أنْواعَ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، بَلْ يُرِيدُ أنْ نَطْلُبَ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ الصَّفْحَ والمَغْفِرَةَ وإعْطاءَ الجَنَّةِ بِمُجَرَّدِ الفَضْلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ الكِسائِيُّ: اقْرَأْ ”﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾“؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ هي الدّالَّةُ عَلى الفَضْلِ الكَثِيرِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. الحُكْمُ الثّالِثُ: أنَّ المَلِكَ إذا عُرِضَ عَلَيْهِ العَسْكَرُ لَمْ يَقْبَلْ إلّا مَن كانَ قَوِيَّ البَدَنِ صَحِيحَ المِزاجِ، أمّا مَن كانَ مَرِيضًا فَإنَّهُ يَرُدُّهُ ولا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنَ الواجِبِ، أمّا المالِكُ إذا كانَ لَهُ عَبْدٌ فَإنْ مَرِضَ عالَجَهُ وإنْ ضَعُفَ أعانَهُ وإنْ وقَعَ في بَلاءٍ خَلَّصَهُ، فالقِراءَةُ بِلَفْظِ المالِكِ أوْفَقُ لِلْمُذْنِبِينَ والمَساكِينِ. الحُكْمُ الرّابِعُ: المَلِكُ لَهُ هَيْبَةٌ وسِياسَةٌ، والمالِكُ لَهُ رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ، واحْتِياجُنا إلى الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِنا إلى الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: المُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، فَكَوْنِهِ مالِكًا ومَلِكًا عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، هَهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مَلِكًا لِلْمَوْجُوداتِ أوْ لِلْمَعْدُوماتِ، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ إيجادَ المَوْجُوداتِ مُحالٌ فَلا قُدْرَةَ لِلَّهِ عَلى المَوْجُوداتِ إلّا بِالإعْدامِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَلا مالِكَ إلّا لِلْعَدَمِ، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ عَلى العَدَمِ ويَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ في المَوْجُوداتِ مالِكِيَّةٌ ولا مُلْكٌ وهَذا بَعِيدٌ. والجَوابُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مالِكُ المَوْجُوداتِ ومَلِكُها، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى نَقْلِها مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ، أوْ بِمَعْنى أنَّهُ قادِرٌ عَلى نَقْلِها مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وهَذِهِ القُدْرَةُ لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فالمَلِكُ الحَقُّ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، إذا عَرَفْتَ أنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ فَنَقُولُ: إنَّهُ المَلِكُ لِيَوْمِ الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى إحْياءِ الخَلْقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، والعِلْمُ بِتِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مِن أبْدانِ النّاسِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَإذا كانَ الحَشْرُ والنَّشْرُ والبَعْثُ والقِيامَةُ لا يَتَأتّى إلّا بِعِلْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وقُدْرَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ ثَبَتَ أنَّهُ لا مالِكَ لِيَوْمِ الدِّينِ إلّا اللَّهُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ المالِكَ لا يَكُونُ مالِكًا لِلشَّيْءِ إلّا إذا كانَ المَمْلُوكُ مَوْجُودًا، والقِيامَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في الحالِ، فَلا يَكُونُ اللَّهُ مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلُ زَيْدٍ، فَهَذا إقْرارٌ، ولَوْ قالَ أنا قاتِلٌ زَيْدًا بِالتَّنْوِينِ كانَ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا. قُلْنا: الحَقُّ ما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّ قِيامَ القِيامَةِ لَمّا كانَ أمْرًا حَقًّا لا يَجُوزُ الإخْلالُ في الحِكْمَةِ جَعَلَ وُجُودَ صفحة ١٩٦ القِيامَةِ كالأمْرِ القائِمِ في الحالِ الحاصِلِ في الحالِ، وأيْضًا مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ فَكانَتِ القِيامَةُ حاصِلَةً في الحالِ فَزالَ السُّؤالُ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أسْماءِ نَفْسِهِ خَمْسَةً: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، والرَّحِيمُ، والمالِكُ. والسَّبَبُ فِيهِ كَأنَّهُ يَقُولُ: خَلَقْتُكَ أوَّلًا فَأنا إلَهٌ، ثُمَّ رَبَّيْتُكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ فَأنا رَبٌّ، ثُمَّ عَصَيْتَ فَسَتَرْتُ عَلَيْكَ فَأنا رَحْمَنٌ، ثُمَّ تُبْتَ فَغَفَرْتُ لَكَ فَأنا رَحِيمٌ، ثُمَّ لا بُدَّ مِن إيصالِ الجَزاءِ إلَيْكَ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ في التَّسْمِيَةِ مَرَّةً واحِدَةً وفي السُّورَةِ مَرَّةً ثانِيَةً، فالتَّكْرِيرُ فِيهِما حاصِلٌ وغَيْرُ حاصِلٍ في الأسْماءِ الثَّلاثَةِ فَما الحِكْمَةُ ؟ . قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ أنِّي إلَهٌ ورَبٌّ مَرَّةً واحِدَةً، واذْكُرْ أنِّي رَحْمَنٌ رَحِيمٌ مَرَّتَيْنِ لِتَعْلَمَ أنَّ العِنايَةَ بِالرَّحْمَةِ أكْثَرُ مِنها بِسائِرِ الأُمُورِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرَّحْمَةَ المُضاعَفَةَ فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإنِّي مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ القَدَرِيَّةُ: إنْ كانَ خالِقُ أعْمالِ العِبادِ هو اللَّهَ امْتَنَعَ القَوْلُ بِالثَّوابِ والعِقابِ والجَزاءِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الرَّجُلِ عَلى ما لَمْ يَعْمَلْهُ عَبَثٌ، وعِقابَهُ عَلى ما لَمْ يَعْمَلْهُ ظُلْمٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَبْطُلُ كَوْنُهُ مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ أعْمالُ العِبادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وتَرْجِيحِهِ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لَها، ولَمّا أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى كَوْنِهِ مالِكًا لِلْعِبادِ ولِأعْمالِهِمْ؛ عَلِمْنا أنَّهُ خالِقٌ لَها مُقَدِّرٌ لَها واللَّهُ أعْلَمُ.

الفاتحة 1:5

الفَصْلُ الخامِسُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: العِبادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضِ تَعْظِيمِ الغَيْرِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَكَ إيّاكَ نَعْبُدُ مَعْناهُ لا أعْبُدُ أحَدًا سِواكَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا الحَصْرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن صَدَرَ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وأعْظَمُ وُجُوهِ الإنْعامِ الحَياةُ الَّتِي تُفِيدُ المُكْنَةَ مِنَ الِانْتِفاعِ، وخَلْقُ المُنْتَفِعِ بِهِ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى - وهي الحَياةُ الَّتِي تُفِيدُ المُكْنَةَ مِنَ الِانْتِفاعِ - وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ - وهي خَلْقُ المُنْتَفِعِ بِهِ - وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ولَمّا كانَتِ المَصالِحُ الحاصِلَةُ في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إنَّما تَنْتَظِمُ بِالحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ عَلى سَبِيلِ إجْراءِ العادَةِ لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كُلَّ النِّعَمِ حاصِلٌ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا تُحْسِنَ العِبادَةَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فَلِهَذا المَعْنى قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ. الوَجْهُ الثّانِي: في دَلائِلِ هَذا الحَصْرِ والتَّعْيِينِ: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِخَمْسَةِ أسْماءٍ: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، والرَّحِيمُ، ومالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، ولِلْعَبْدِ أحْوالٌ ثَلاثَةٌ: الماضِي والحاضِرُ والمُسْتَقْبَلُ؛ أمّا الماضِي فَقَدْ كانَ مَعْدُومًا مَحْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٩] وكانَ مَيِّتًا فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وكانَ جاهِلًا فَعَلَّمَهُ اللَّهُ كَما صفحة ١٩٧ قالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] والعَبْدُ إنَّما انْتَقَلَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَجْزِ إلى القُدْرَةِ ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدِيمًا أزَلِيًّا، فَبِقُدْرَتِهِ الأزَلِيَّةِ وعِلْمِهِ الأزَلِيِّ أحْدَثَهُ ونَقَلَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَهو إلَهٌ لِهَذا المَعْنى، وأمّا الحالُ الحاضِرَةُ لِلْعَبْدِ فَحاجَتُهُ شَدِيدَةٌ لِأنَّهُ كُلَّما كانَ مَعْدُومًا كانَ مُحْتاجًا إلى الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمّا لَمّا دَخَلَ في الوُجُوهِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحاجاتِ وحَصَلَتْ عِنْدَهُ أسْبابُ الضَّرُوراتِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا إلَهٌ لِأجْلِ أنِّي أخْرَجْتُكَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. أمّا بَعْدَ أنْ صِرْتَ مَوْجُودًا فَقَدْ كَثُرَتْ حاجاتُكَ إلَيَّ فَأنا رَبٌّ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، وأمّا الحالُ المُسْتَقْبِلَةُ لِلْعَبْدِ فَهي حالُ ما بَعْدَ المَوْتِ والصِّفَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ الحالَةِ هي قَوْلُهُ ”﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾“، فَصارَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الخَمْسُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ لِلْعَبْدِ فَظَهَرَ أنَّ جَمِيعَ مَصالِحِ العَبْدِ في الماضِي والحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ لا يَتِمُّ ولا يَكْتَمِلُ إلّا بِاللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَشْتَغِلَ العَبْدُ بِعِبادَةِ شَيْءٍ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ قالَ العَبْدُ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلِيلِ هَذا الحَصْرِ، وهو أنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى وُجُوبِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عالِمًا مُحْسِنًا جَوادًا كَرِيمًا حَلِيمًا، وأمّا كَوْنُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا أثَرَ يُضافُ إلى الطَّبْعِ والفَلَكِ والكَواكِبِ والعَقْلِ والنَّفْسِ إلّا ويُحْتَمَلُ إضافَتُهُ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ هَذا الِاحْتِمالِ صارَ ذَلِكَ الِانْتِسابُ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الإلَهِ تَعالى مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ أمْرٌ يَقِينِيٌّ، وأمّا كَوْنُ غَيْرِهِ مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ فَهو أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، والأخْذُ بِاليَقِينِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالشَّكِّ، فَوَجَبَ طَرْحُ المَشْكُوكِ والأخْذُ بِالمَعْلُومِ وعَلى هَذا لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلِهَذا المَعْنى قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ العُبُودِيَّةَ ذِلَّةٌ ومَهانَةٌ إلّا أنَّهُ كُلَّما كانَ المَوْلى أشْرَفَ وأعْلى كانَتِ العُبُودِيَّةُ بِهِ أهْنَأ وأمْرَأ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى أشْرَفَ المَوْجُوداتِ وأعْلاها فَكانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أوْلى مِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، وأيْضًا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أعْلى مِن قُدْرَةِ غَيْرِهِ، وعِلْمُهُ أكْمَلُ مِن عِلْمِ غَيْرِهِ، وجُودُهُ أفْضَلُ مِن جُودِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ عُبُودِيَّتَهُ أوْلى مِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الواجِبِ لِذاتِهِ يَكُونُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ وكُلَّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ كانَ مُحْتاجًا فَقِيرًا والمُحْتاجُ مَشْغُولٌ بِحاجَةِ نَفْسِهِ فَلا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنِ الغَيْرِ، والشَّيْءُ ما لَمْ يَكُنْ في ذاتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الحاجَةِ عَنْ غَيْرِهِ، والغَنِيُّ لِذاتِهِ هو اللَّهُ تَعالى، فَدافِعُ الحاجاتِ هو اللَّهُ تَعالى، فَمُسْتَحِقُّ العِباداتِ هو اللَّهُ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. الوَجْهُ السّادِسُ: اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ يَسْتَدْعِي قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يُمْسِكَ سَماءً بِلا عَلاقَةٍ، وأرْضًا بِلا دِعامَةٍ، ويُسَيِّرُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويُسَكِّنُ القُطْبَيْنِ، ويُخْرِجُ مِنَ السَّحابِ تارَةً النّارَ وهو البَرْقُ، وتارَةً الهَواءَ وهي الرِّيحُ، وتارَةً الماءَ وهو المَطَرُ، وأمّا في الأرْضِ فَتارَةً يُخْرِجُ الماءَ مِنَ الحَجَرِ وهو ظاهِرٌ، وتارَةً يُخْرِجُ الحَجَرَ مِنَ الماءِ وهو الجَمْدُ، ثُمَّ جَعَلَ في الأرْضِ أجْسامًا مُقِيمَةً لا تُسافِرُ وهي الجِبالُ؛ وأجْسامًا مُسافِرَةً لا تُقِيمُ وهي الأنْهارُ، وخَسَفَ بِقارُونَ فَجَعَلَ الأرْضَ فَوْقَهُ، ورَفَعَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجُعِلَ قابَ قَوْسَيْنِ تَحْتَهُ، وجَعَلَ الماءَ نارًا عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا، وجَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، ورَفَعَ مُوسى فَوْقَ الطُّورِ، وقالَ لَهُ ”اخْلَعْ نَعْلَيْكَ“ ورَفَعَ الطُّورَ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ صفحة ١٩٨ [النساء: ١٥٤] وغَرَّقَ الدُّنْيا مِنَ التَّنُّورِ اليابِسَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] وجَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمَن كانَتْ قُدْرَتُهُ هَكَذا كَيْفَ يُسَوّى في العِبادَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الجَماداتِ أوِ النَّباتِ أوِ الحَيَوانِ أوِ الإنْسانِ أوِ الفَلَكِ أوِ المَلِكِ، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ النّاقِصِ والكامِلِ والخَسِيسِ والنَّفِيسِ تَدُلُّ عَلى الجَهْلِ والسَّفَهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ المَحْضِ. واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ طَوائِفُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اتَّخَذَ شَرِيكًا لِلَّهِ، فَذَلِكَ الشَّرِيكُ إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا وإمّا أنْ لا يَكُونَ، أمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا شَرِيكًا جُسْمانِيًّا فَذَلِكَ الشَّرِيكُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ أوْ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ، أمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ فَذَلِكَ الجِسْمُ إمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا أوْ بَسِيطًا، أمّا المُرَكَّبُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المَعادِنِ أوْ مِنَ النَّباتِ أوْ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مِنَ الإنْسانِ، أمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ المَعْدِنِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الأصْنامَ إمّا مِنَ الأحْجارِ أوْ مِنَ الذَّهَبِ أوْ مِنَ الفِضَّةِ ويَعْبُدُونَها، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ النَّباتِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شَجَرَةً مُعَيَّنَةً مَعْبُودًا لِأنْفُسِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الحَيَوانِ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ مَعْبُودًا لِأنْفُسِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ النّاسِ فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ البَسِيطَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ وهُمُ المَجُوسُ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ مِنَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ وسائِرَ الكَواكِبِ ويُضِيفُونَ السَّعادَةَ والنُّحُوسَةَ إلَيْها وهُمُ الصّابِئَةُ وأكْثَرُ المُنَجِّمِينَ، وأمّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ مِن غَيْرِ الأجْسامِ فَهم أيْضًا طَوائِفُ: الطّائِفَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: مُدَبِّرُ العالَمِ هو النُّورُ والظُّلْمَةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ المانَوِيَّةُ والثَّنَوِيَّةُ. والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: هُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ عِبارَةٌ عَنِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ، ولِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ، ولِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ هَذا العالَمِ رُوحٌ فَلَكِيٌّ يُدَبِّرُهُ، ويَتَّخِذُونَ لِتِلْكَ الأرْواحِ صُوَرًا وتَماثِيلَ ويَعْبُدُونَها، وهَؤُلاءِ عَبَدَةُ المَلائِكَةِ. والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا لِلْعالَمِ إلَهانِ: أحَدُهُما خَيْرٌ، والآخَرُ شَرٌّ، وقالُوا: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ هو اللَّهُ تَعالى وإبْلِيسُ وهُما أخَوانِ، فَكُلُّ ما في العالَمِ مِنَ الخَيْراتِ فَهو مِنَ اللَّهِ، وكُلُّ ما فِيهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو مِن إبْلِيسَ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ فَنَقُولُ: كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى عِبادَةِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ إمّا طَلَبًا لِنَفْعِهِ أوْ هَرَبًا مِن ضَرَرِهِ، وأمّا الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى التَّوْحِيدِ وأبْطَلُوا القَوْلَ بِالشُّرَكاءِ والأضْدادِ ولَمْ يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى غَيْرِ اللَّهِ فَكانَ رَجاؤُهم مِنَ اللَّهِ وخَوْفُهم مِنَ اللَّهِ ورَغْبَتُهم في اللَّهِ ورَهْبَتُهم مِنَ اللَّهِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ولَمْ يَسْتَعِينُوا إلّا بِاللَّهِ؛ فَلِهَذا قالُوا إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، فَكانَ قَوْلُهُ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ قائِمًا مُقامَ قَوْلِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّ الذِّكْرَ المَشْهُورَ هو أنْ تَقُولَ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ مَعْنى قَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا تامًّا في ذاتِهِ، وقَوْلَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا مُتَمِّمًا لِغَيْرِهِ، والشَّيْءُ لا يَكُونُ مُكَمِّلًا مُتَمِّمًا لِغَيْرِهِ إلّا إذا كانَ قَبْلَ ذَلِكَ تامًّا كامِلًا في ذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنى قَوْلِنا صفحة ١٩٩ سُبْحانَ اللَّهِ، ولَمّا قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ فَأثْبَتَ جَمِيعَ أنْواعِ الحَمْدِ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ لِإثْباتِ جَمِيعِ أنْواعِ الحَمْدِ لِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِالصِّفاتِ الخَمْسِ وهي الَّتِي لِأجْلِها تَتِمُّ مَصالِحُ العَبْدِ في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ عَلى ما بَيَّناهُ، ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ قائِمٌ مُقامَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، ومَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلى وأجَلُّ وأكْبَرُ مِن أنْ يَتِمَّ مَقْصُودٌ مِنَ المَقاصِدِ وغَرَضٌ مِنَ الأغْراضِ إلّا بِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِنا ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، فَثَبَتَ أنَّ سُورَةَ الفاتِحَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُنْطَبِقَةٌ عَلى ذَلِكَ الذِّكْرِ، وآياتُ هَذِهِ السُّورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى الشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ لِلْمَراتِبِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ في ذَلِكَ الذِّكْرِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى قَوْلِهِ نَعْبُدُ ولَمْ يَقُلْ نَعْبُدُكَ، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِهِ لِيَتَنَبَّهُ العابِدُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو اللَّهُ الحَقُّ، فَلا يَتَكاسَلُ في التَّعْظِيمِ ولا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا؛ يُحْكى أنَّ واحِدًا مِنَ المُصارِعِينَ الأُسْتاذِينَ صارَعَ رُسْتاقِيًّا جِلْفًا فَصَرَعَ الرُّسْتاقِيُّ ذَلِكَ الأُسْتاذَ مِرارًا فَقِيلَ لِلرُّسْتاقِيِّ: إنَّهُ فُلانٌ الأُسْتاذُ، فانْصَرَعَ في الحالِ مِنهُ، وما ذاكَ إلّا لِاحْتِشامِهِ مِنهُ، فَكَذا هَهُنا: عَرَّفَهُ ذاتَهُ أوَّلًا حَتّى تَحْصُلَ العِبادَةُ مَعَ الحِشْمَةِ فَلا تَمْتَزِجَ بِالغَفْلَةِ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ ثَقُلَتْ عَلَيْكَ الطّاعاتُ وصَعُبَتْ عَلَيْكَ العِباداتُ مِنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ فاذْكُرْ أوَّلًا قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ لِتَذْكُرَنِي وتَحْضُرَ في قَلْبِكَ مَعْرِفَتِي، فَإذا ذَكَرْتَ جَلالِي وعَظَمَتِي وعِزَّتِي وعَلِمْتَ أنِّي مَوْلاكَ وأنَّكَ عَبْدِي سَهَّلْتُ عَلَيْكَ تِلْكَ العِباداتِ، ومِثالُهُ أنَّ مَن أرادَ حَمْلَ الجِسْمِ الثَّقِيلِ تَناوَلَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يَزِيدُهُ قُوَّةً وشِدَّةً، فالعَبْدُ لَمّا أرادَ حَمْلَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الشَّدِيدَةِ تَناوَلَ أوَّلًا مَعْجُونَ مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بُسْتُوقَةِ قَوْلِهِ إيّاكَ حَتّى يَقْوى عَلى حَمْلِ ثِقَلِ العُبُودِيَّةِ، ومِثالٌ آخَرُ وهو أنَّ العاشِقَ الَّذِي يُضْرَبُ لِأجْلِ مَعْشُوقِهِ في حَضْرَةِ مَعْشُوقِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الضَّرْبُ، فَكَذا هَهُنا: إذا شاهَدَ جَمالَ إيّاكَ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ ثِقَلِ العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] فالنَّفْسُ إذا مَسَّها طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ مِنَ الكَسَلِ والغَفْلَةِ والبِطالَةِ تَذَكَّرُوا حَضْرَةَ جَلالِ اللَّهِ مِن مَشْرِقِ قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ فَيَصِيرُونَ مُبْصِرِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِأداءِ العِباداتِ والطّاعاتِ. ورابِعُها: أنَّكَ إذا قُلْتَ نَعْبُدُكَ فَبَدَأْتَ أوَّلًا بِذِكْرِ عِبادَةِ نَفْسِكَ ولَمْ تَذْكُرْ أنَّ تِلْكَ العِبادَةَ لِمَن، فَيُحْتَمَلُ أنْ إبْلِيسَ يَقُولُ هَذِهِ العِبادَةُ لِلْأصْنامِ أوْ لِلْأجْسامِ أوْ لِلشَّمْسِ أوِ القَمَرِ، أمّا إذا غَيَّرْتَ هَذا التَّرْتِيبَ وقُلْتَ أوَّلًا إيّاكَ ثُمَّ قُلْتَ ثانِيًا نَعْبُدُ كانَ قَوْلُكَ أوَّلًا إيّاكَ صَرِيحًا بِأنَّ المَقْصُودَ والمَعْبُودَ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ هَذا أبْلَغَ في التَّوْحِيدِ وأبْعَدَ عَنِ احْتِمالِ الشِّرْكِ. وخامِسُها: وهو أنَّ القَدِيمَ الواجِبَ لِذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى المُحْدَثِ المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ مُتَقَدِّمًا عَلى جَمِيعِ الأذْكارِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى قَوْلِهِ نَعْبُدُ لِيَكُونَ ذِكْرُ الحَقِّ مُتَقَدِّمًا عَلى ذِكْرِ الخَلْقِ. وسادِسُها: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَن كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ النِّعْمَةِ إلى المُنْعِمِ لا إلى النِّعْمَةِ كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ البَلاءِ إلى المُبْتَلِي لا إلى البَلاءِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ غَرِقًا في كُلِّ الأحْوالِ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ أبَدًا في أعْلى مَراتِبِ السِّعاداتِ، أمّا مَن كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ النِّعْمَةِ إلى النِّعْمَةِ لا إلى المُنْعِمِ كانَ نَظَرُهُ في وقْتِ البَلاءِ إلى البَلاءِ لا إلى المُبْتَلِي فَكانَ غَرِقًا في كُلِّ الأوْقاتِ في الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَكانَ أبَدًا في الشَّقاوَةِ، لِأنَّ في وقْتِ وِجْدانِ النِّعْمَةَ يَكُونُ خائِفًا مِن زَوالِها فَكانَ في العَذابِ، وفي وقْتِ فَواتِ النِّعْمَةِ كانَ مُبْتَلًى بِالخِزْيِ والنَّكالِ فَكانَ في مَحْضِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، ولِهَذا التَّحْقِيقِ قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، وقالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم، صفحة ٢٠٠ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى قَوْلِهِ نَعْبُدُ لِيَكُونَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ نُورِ جَلالِ إيّاكَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ في وقْتِ أداءِ العِبادَةِ مُسْتَقِرًّا في عَيْنِ الفِرْدَوْسِ، كَما قالَ تَعالى: ”«لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا» “ . وسابِعُها: لَوْ قِيلَ نَعْبُدُكَ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ عِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ كَما هو دَأْبُ المُشْرِكِينَ، أمّا لَمّا قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ أفادَ أنَّهم يَعْبُدُونَهُ ولا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ. وثامِنُها: أنَّ هَذِهِ النُّونَ نُونُ العَظَمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ مَتّى كَنْتَ خارِجَ الصَّلاةِ فَلا تَقُلْ نَحْنُ ولَوْ كُنْتَ في ألْفِ ألْفٍ مِنَ العَبِيدِ، أمّا لَمّا اشْتَغَلْتَ بِالصَّلاةِ وأظْهَرْتَ العُبُودِيَّةَ لَنا فَقُلْ نَعْبُدُ لِيَظْهَرَ لِلْكُلِّ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَبْدًا لَنا كانَ مَلِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وتاسِعُها: لَوْ قالَ إيّاكَ أعْبُدُ لَكانَ ذَلِكَ تَكَبُّرًا ومَعْناهُ أنِّي أنا العابِدُ، أمّا لَمّا قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ كانَ مَعْناهُ أنِّي واحِدٌ مِن عَبِيدِكَ، فالأوَّلُ تَكَبُّرٌ، والثّانِي تَواضُعٌ، ومَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: جَمِيعُ ما ذَكَرْتُمْ قائِمٌ في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ مَعَ أنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ الحَمْدِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ. فالجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ الحَمْدُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولِغَيْرِ اللَّهِ، فَإذا قُلْتَ لِلَّهِ فَقَدْ تَقَيَّدَ الحَمْدُ بِأنْ يَكُونَ لِلَّهِ، أمّا لَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ ”نَعْبُدُ“ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وذَلِكَ كُفْرٌ؛ والنُّكْتَةُ أنَّ الحَمْدَ لَمّا جازَ لِغَيْرِ اللَّهِ في ظاهِرِ الأمْرِ كَما جازَ لِلَّهِ، لا جَرَمَ حَسُنَ تَقَدُّمُ الحَمْدِ أمّا هَهُنا فالعِبادَةُ لَمّا لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِ اللَّهِ لا جَرَمَ قَدَّمَ قَوْلَهُ إيّاكَ عَلى نَعْبُدُ، فَتَعَيَّنَ الصَّرْفُ لِلْعِبادَةِ فَلا يَبْقى في الكَلامِ احْتِمالُ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النُّونُ في قَوْلِهِ نَعْبُدُ إمّا أنْ تَكُونَ نُونَ الجَمْعِ أوْ نُونَ التَّعْظِيمِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ لا يَكُونُ جَمْعًا، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ عِنْدَ أداءِ العِبادَةِ فاللّائِقُ بِالإنْسانِ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ والذِّلَّةِ لا بِالعَظَمَةِ والرِّفْعَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ، كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ: فالوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ النُّونِ نُونُ الجَمْعِ وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأوْلى بِالإنْسانِ أنْ يُؤَدِّيَ الصَّلاةَ بِالجَماعَةِ، واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ الصَّلاةِ بِالجَماعَةِ مَعْلُومَةٌ في مَوْضِعِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّكْبِيرَةُ الأُولى في صَلاةِ الجَماعَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» “، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لَوْ أكَلَ الثُّومَ أوِ البَصَلَ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْضُرَ الجَماعَةَ لِئَلّا يَتَأذّى مِنهُ إنْسانٌ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذِهِ الطّاعَةُ الَّتِي لَها هَذا الثَّوابُ العَظِيمُ لا يَفِي ثَوابُها بِأنْ يَتَأذّى واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرائِحَةِ الثُّومِ والبَصَلِ، فَإذا كانَ هَذا الثَّوابُ لا يَفِي بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَفِي بِإيذاءِ المُسْلِمِ، وكَيْفَ يَفِي بِالنَّمِيمَةِ والغِيبَةِ والسِّعايَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ يُصَلِّي بِالجَماعَةِ فَيَقُولُ نَعْبُدُ، والمُرادُ مِنهُ ذَلِكَ الجَمْعُ، وإنْ كانَ يُصَلِّي وحْدَهُ كانَ المُرادُ أنِّي أعْبُدُكَ والمَلائِكَةُ مَعِي في العِبادَةِ. فَكانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ نَعْبُدُ هو وجَمِيعُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ فَلَوْ قالَ إيّاكَ أعْبُدُ لَكانَ قَدْ ذَكَرَ عِبادَةَ نَفْسِهِ ولَمْ يَذْكُرْ عِبادَةَ غَيْرِهِ، أمّا لَمّا قالَ إيّاكَ نَعْبُدُ كانَ قَدْ ذَكَرَ عِبادَةَ نَفْسِهِ وعِبادَةَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ شَرْقًا وغَرْبًا فَكَأنَّهُ سَعى في إصْلاحِ مُهِمّاتِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، وإذا فَعَلَ ذَلِكَ قَضى اللَّهُ مُهِمّاتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن قَضى لِمُسْلِمٍ حاجَةً قَضى اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ حاجاتِهِ» “ . صفحة ٢٠١ الوَجْهُ الرّابِعُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِلْعَبْدِ لَمّا أثْنَيْتَ عَلَيْنا بِقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وفَوَّضْتَ إلَيْنا جَمِيعَ مَحامِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُكَ عِنْدَنا وتَمَكَّنَتْ مَنزِلَتُكَ في حَضْرَتِنا، فَلا تَقْتَصِرُ عَلى إصْلاحِ مُهِمّاتِكَ وحْدَكَ، ولَكِنْ أصْلِحْ حَوائِجَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ فَقُلْ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. الوَجْهُ الخامِسُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي ما بَلَغَتْ عِبادَتِي إلى حَيْثُ أسْتَحِقُّ أنْ أذْكُرَها وحْدَها؛ لِأنَّها مَمْزُوجَةٌ بِجِهاتِ التَّقْصِيرِ، ولَكِنِّي أخْلِطُها بِعِباداتِ جَمِيعِ العابِدِينَ، وأذْكُرُ الكُلَّ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ وأقُولُ إيّاكَ نَعْبُدُ. وهَهُنا مَسْألَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وهي أنَّ الرَّجُلَ إذا باعَ مِن غَيْرِهِ عَشَرَةً مِنَ العَبِيدِ فالمُشْتَرِي إمّا أنْ يَقْبَلَ الكُلَّ، أوْ لا يَقْبَلَ واحِدًا مِنها، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْبَلَ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ في تِلْكَ الصَّفْقَةِ فَكَذا هُنا إذا قالَ العَبْدُ إيّاكَ نَعْبُدُ فَقَدْ عَرَضَ عَلى حَضْرَةِ اللَّهِ جَمِيعَ عِباداتِ العابِدِينَ، فَلا يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يُمَيِّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ ويَقْبَلَ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، فَإمّا أنْ يَرُدَّ الكُلَّ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ قَوْلَهُ إيّاكَ نَعْبُدُ دَخَلَ فِيهِ عِباداتُ المَلائِكَةِ وعِباداتُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وإمّا أنْ يَقْبَلَ الكُلَّ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ عِبادَةُ هَذا القائِلِ مَقْبُولَةً بِبَرَكَةِ قَبُولِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، والتَّقْدِيرُ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي إنْ لَمْ تَكُنْ عِبادَتِي مَقْبُولَةً فَلا تَرُدَّنِي لِأنِّي لَسْتُ بِوَحِيدٍ في هَذِهِ العِبادَةِ بَلْ نَحْنُ كَثِيرُونَ فَإنْ لَمْ أسْتَحِقَّ الإجابَةَ والقَبُولَ فَأتَشَفَّعُ إلَيْكَ بِعِباداتِ سائِرِ المُتَعَبِّدِينَ فَأجِبْنِي. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن عَرَفَ فَوائِدَ العِبادَةِ طابَ لَهُ الِاشْتِغالُ بِها؛ وثَقُلَ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِها، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ بِالذّاتِ، وأكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ وأقْواها في كَوْنِها سَعادَةً اشْتِغالُهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ بِنُورِ الإلَهِيَّةِ، ويَتَشَرَّفُ لِسانُهُ بِشَرَفِ الذِّكْرِ والقِراءَةِ، وتَتَجَمَّلُ أعْضاؤُهُ بِجَمالِ خِدْمَةِ اللَّهِ، وهَذِهِ الأحْوالُ أشْرَفُ المَراتِبِ الإنْسانِيَّةِ والدَّرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، فَإذا كانَ حُصُولُ هَذِهِ الأحْوالِ أعْظَمَ السَّعاداتِ الإنْسانِيَّةِ في الحالِ، وهي مُوجِبَةٌ أيْضًا لِأكْمَلِ السَّعاداتِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَمَن وقَفَ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ زالَ عَنْهُ ثِقَلُ الطّاعاتِ وعَظُمَتْ حَلاوَتُها في قَلْبِهِ. الثّانِي: أنَّ العِبادَةَ أمانَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧٢] وأداءُ الأمانَةِ واجِبٌ عَقْلًا وشَرْعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] وأداءُ الأمانَةِ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ بِالذّاتِ؛ ولِأنَّ أداءَ الأمانَةِ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ سَبَبٌ لِأداءِ الأمانَةِ مِنَ الجانِبِ الثّانِي، قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: رَأيْتُ أعْرابِيًّا أتى بابَ المَسْجِدِ فَنَزَلَ عَنْ ناقَتِهِ وتَرَكَها ودَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ ودَعا بِما شاءَ، فَتَعَجَّبْنا، فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ ناقَتَهُ فَقالَ: إلَهِي أدَّيْتُ أمانَتَكَ فَأيْنَ أمانَتِي ؟ قالَ الرّاوِي فَزِدْنا تَعَجُّبًا، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى جاءَ رَجُلٌ عَلى ناقَتِهِ وقَدْ قُطِعَ يَدُهُ وسَلَّمَ النّاقَةَ إلَيْهِ، والنُّكْتَةُ أنَّهُ لَمّا حَفِظَ أمانَةَ اللَّهِ حَفِظَ اللَّهُ أمانَتَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ”«يا غُلامُ احْفَظِ اللَّهَ في الخَلَواتِ يَحْفَظْكَ في الفَلَواتِ» “ . الثّالِثُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالعِبادَةِ انْتِقالٌ مِن عالَمِ الغُرُورِ إلى عالَمِ السُّرُورِ، ومِنَ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ اللَّذَّةِ والبَهْجَةِ. يُحْكى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وتَفَرَّقَ النّاسُ، وكانَ أبُو حَنِيفَةَ في الصَّلاةِ ولَمْ يَشْعُرْ بِها. ووَقَعَتِ الآكِلَةُ في بَعْضِ أعْضاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، واحْتاجُوا إلى قَطْعِ ذَلِكَ العُضْوِ، فَلَمّا شَرَعَ في الصَّلاةِ قَطَعُوا مِنهُ ذَلِكَ العُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةَ بِذَلِكَ القَطْعِ. وعَنْ رَسُولِ صفحة ٢٠٢ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ حِينَ يَشْرَعُ في الصَّلاةِ كانُوا يَسْمَعُونَ مِن صَدْرِهِ أزِيزًا كَأزِيزِ المِرْجَلِ، ومَنِ اسْتَبْعَدَ هَذا فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] فَإنَّ النِّسْوَةَ لَمّا غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِنَّ جَمالُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَلَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ حَيْثُ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وما شَعَرْنَ بِذَلِكَ، فَإذا جازَ هَذا في حَقِّ البَشَرِ فَلَأنْ يَجُوزَ عِنْدَ اسْتِيلاءِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَلى القَلْبِ أوْلى، ولَأنَّ مَن دَخَلَ عَلى مَلِكٍ مَهِيبٍ فَرُبَّما مَرَّ بِهِ أبَواهُ وبَنُوهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يَعْرِفُهم لِأجْلِ أنَّ اسْتِيلاءَ هَيْبَةِ ذَلِكَ تَمْنَعُ القَلْبَ عَنِ الشُّعُورِ بِهِمْ، فَإذا جازَ هَذا في حَقِّ مَلِكٍ مَخْلُوقٍ مُجازى فَلَأنْ يَجُوزَ في حَقِّ خالِقِ العالَمِ أوْلى. ثُمَّ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: العِبادَةُ لَها ثَلاثُ دَرَجاتٍ: الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ طَمَعًا في الثَّوابِ أوْ هَرَبًا مِنَ العِقابِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالعِبادَةِ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ نازِلَةٌ ساقِطَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ مَعْبُودَهُ في الحَقِيقَةِ هو ذَلِكَ الثَّوابُ، وقَدْ جَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً إلى نَيْلِ المَطْلُوبِ، ومَن جَعَلَ المَطْلُوبَ بِالذّاتِ شَيْئًا مِن أحْوالِ الخَلْقِ وجَعَلَ الحَقَّ وسِيلَةً إلَيْهِ؛ فَهو خَسِيسٌ جِدًّا. والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأجْلِ أنْ يَتَشَرَّفَ بِعِبادَتِهِ، أوْ يَتَشَرَّفَ بِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، أوْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ أعْلى مِنَ الأُولى؛ إلّا أنَّها أيْضًا لَيْسَتْ كامِلَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ غَيْرُ اللَّهِ. والدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِكَوْنِهِ إلَهًا وخالِقًا، ولِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، والإلَهِيَّةُ تُوجِبُ الهَيْبَةَ والعِزَّةَ، والعُبُودِيَّةُ تُوجِبُ الخُضُوعَ والذِّلَّةَ، وهَذا أعْلى المَقاماتِ وأشْرَفُ الدَّرَجاتِ، هَذا هو المُسَمّى بِالعُبُودِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ المُصَلِّي في أوَّلِ الصَّلاةِ: أُصَلِّي لِلَّهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ قالَ أصُلِّي لِثَوابِ اللَّهِ، أوْ لِلْهَرَبِ مِن عِقابِهِ؛ فَسَدَتْ صَلاتُهُ. واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ والعُبُودِيَّةَ مَقامٌ عالٍ شَرِيفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧] والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ المَوْتُ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِالعِبادَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ جَلالَةِ أمْرِ العِبادَةِ. وثانِيهِما: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾؛ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: التَّسْبِيحُ: وهو قَوْلُه فَسَبِّحْ؛ والتَّحْمِيدُ: وهو قَوْلُهُ: بِحَمْدِ رَبِّكَ؛ والسُّجُودُ: وهو قَوْلُهُ: وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ؛ والعِبادَةُ: وهي قَوْلُهُ: واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِبادَةَ تُزِيلُ ضِيقَ القَلْبِ، وتُفِيدُ انْشِراحَ الصَّدْرِ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ العِبادَةَ تُوجِبُ الرُّجُوعَ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ زَوالَ ضِيقِ القَلْبِ. الآيَةُ الثّانِيَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] ولَوْلا أنَّ العُبُودِيَّةَ أشْرَفُ المَقاماتِ، وإلّا لَما وصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ في أعْلى مَقاماتِ المِعْراجِ، ومِنهم مَن قالَ: العُبُودِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ بِالعُبُودِيَّةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وبِالرِّسالَةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ، وأيْضًا بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ يَنْعَزِلُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وبِسَبَبِ الرِّسالَةِ يُقْبِلُ عَلى التَّصَرُّفاتِ، واللّائِقُ بِالعَبْدِ الِانْعِزالُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وأيْضًا العَبْدُ يَتَكَفَّلُ المَوْلى بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ، والرَّسُولُ هو المُتَكَفِّلُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الأُمَّةِ، وشَتّانَ ما بَيْنَهُما. صفحة ٢٠٣ الآيَةُ الثّالِثَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: أنَّ عِيسى أوَّلَ ما نَطَقَ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وصارَ ذِكْرُهُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ سَبَبًا لِطَهارَةِ أُمِّهِ، ولِبَراءَةِ وُجُودِهِ عَنِ الطَّعْنِ، وصارَ مِفْتاحًا لِكُلِّ الخَيْراتِ، ودافِعًا لِكُلِّ الآفاتِ، وأيْضًا لَمّا كانَ أوَّلُ كَلامِ عِيسى ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عاقِبَتُهُ الرِّفْعَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ادَّعى العُبُودِيَّةَ بِالقَوْلِ رُفِعَ إلى الجَنَّةِ، والَّذِي يَدَّعِيها بِالعَمَلِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ كَيْفَ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الجَنَّةِ ؟ . الآيَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ لِأنَ التَّوْحِيدَ أصْلٌ والعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، والتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ والعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، ولا قِوامَ لِأحَدِهِما إلّا بِالآخَرِ، فَهَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ. وأمّا المَعْقُولُ فَظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ مُحْدَثٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَلَوْلا تَأْثِيرُ قُدْرَةِ الحَقِّ فِيهِ لَبَقِيَ في ظُلْمَةِ العَدَمِ وفي فَناءِ الفَناءِ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الوُجُودُ فَضْلًا عَنْ كَمالاتِ الوُجُودِ، فَلَمّا تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ الحَقِّ بِهِ وفاضَتْ عَلَيْهِ آثارُ جُودِهِ وإيجادِهِ حَصَلَ لَهُ الوُجُودُ وكَمالاتُ الوُجُودِ ولا مَعْنى لِكَوْنِهِ مَقْدُورَ قُدْرَةِ الحَقِّ، ولِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ إيجادِ الحَقِّ إلّا العُبُودِيَّةُ، فَكُلُّ شَرَفٍ وكَمالٍ وبَهْجَةٍ وفَضِيلَةٍ ومَسَرَّةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ فَإنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَ العُبُودِيَّةَ مِفْتاحُ الخَيْراتِ، وعُنْوانُ السَّعاداتِ، ومَطْلَعُ الدَّرَجاتِ، ويَنْبُوعُ الكَراماتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ العَبْدُ: إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَقُولُ: كَفى بِي فَخْرًا أنْ أكُونَ لَكَ عَبْدًا، وكَفى بِي شَرَفًا أنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، اللَّهُمَّ إنِّي وجَدْتُكَ إلَهًا كَما أرَدْتَ فاجْعَلْنِي عَبْدًا كَما أرَدْتَ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَقاماتِ مَحْصُورَةٌ في مَقامَيْنِ: مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ ومَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِما يَحْصُلُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أمّا مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكَمالُها مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَكَوْنُ العَبْدِ مُنْتَقِلًا مِنَ العَدَمِ السّابِقِ إلى الوُجُودِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، وحُصُولُ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لِلْعَبْدِ حالَ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا، وأحْوالُ مَعادِ العَبْدِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وعِنْدَ الإحاطَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى أقْصى الغاياتِ، وبَعْدَها جاءَتْ مَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، ولَها مَبْدَأٌ وكَمالٌ وأوَّلُ وآخِرُ، أمّا مَبْدَؤُها وأوَّلُها فَهو الِاشْتِغالُ بِالعُبُودِيَّةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأمّا كَمالُها فَهو أنْ يَعْرِفَ العَبْدُ أنْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ في تَحْصِيلِ كُلِّ المَطالِبِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَمّا تَمَّ الوَفاءُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وبِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الفائِدَةِ والثَّمَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عالٍ يَمْتَنِعُ في العُقُولِ حُصُولُ تَرْتِيبٍ آخَرَ أشْرَفَ مِنهُ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كُلُّهُ مَذْكُورٌ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انْتِقالٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ الخِطابِ، فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُصَلِّيَ كانَ أجْنَبِيًّا عِنْدَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ أثْنى عَلى اللَّهِ بِألْفاظِ المُغايَبَةِ إلى قَوْلِهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ حَمِدْتَنِي وأقْرَرْتَ بِكَوْنِي إلَهًا رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا صفحة ٢٠٤ مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، فَنِعْمَ العَبْدُ أنْتَ قَدْ رَفَعْنا الحِجابَ وأبْدَلْنا البُعْدَ بِالقُرْبِ فَتَكَلَّمْ بِالمُخاطَبَةِ وقُلْ إيّاكَ نَعْبُدُ. الوَجْهُ الثّانِي: إنَّ أحْسَنَ السُّؤالِ ما وقَعَ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ، ألا تَرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا سَألُوا رَبَّهم شافَهُوهُ بِالسُّؤالِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠]، ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ [الشعراء: ٨٣]، ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الرَّدَّ مِنَ الكَرِيمِ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ والمُخاطَبَةِ بَعِيدٌ، وأيْضًا العِبادَةُ خِدْمَةٌ والخِدْمَةُ في الحُضُورِ أوْلى. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثَناءً، والثَّناءُ في الغَيْبَةِ أوْلى، ومِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ دُعاءٌ، والدُّعاءُ في الحُضُورِ أوْلى. الوَجْهُ الرّابِعُ: العَبْدُ لَمّا شَرَعَ في الصَّلاةِ وقالَ نَوَيْتُ أنْ أُصَلِّيَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ فَيَنْوِي حُصُولَ القُرْبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّيَّةِ أنْواعًا مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فاقْتَضى كَرَمُ اللَّهِ إجابَتَهُ في تَحْصِيلِ تِلْكَ القُرْبَةِ، فَنَقَلَهُ مِن مَقامِ الغَيْبَةِ إلى مَقامِ الحُضُورِ، فَقالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . * * * الفَصْلُ السّادِسُ فِي قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ القادِرَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَما لَمْ يَحْصُلِ المُرَجَّحُ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحانُ، وذَلِكَ المُرَجَّحُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لَعادَ في الطَّلَبِ، فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى الفِعْلِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ. الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الحَقَّ والِاعْتِقادَ الصِّدْقَ مَعَ اسْتِوائِهِمْ في القُدْرَةِ والعَقْلِ والجِدِّ والطَّلَبِ، فَفَوْزُ البَعْضِ بِدَرْكِ الحَقِّ لا يَكُونُ إلّا بِإعانَةِ مُعِينٍ، وما ذاكَ المُعِينُ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ ذَلِكَ المُعِينَ لَوْ كانَ بَشَرًا أوْ مَلَكًا لَعادَ الطَّلَبُ فِيهِ. الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُطالَبُ بِشَيْءٍ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ في أثْناءِ حالٍ أوْ وقْتٍ يَأْتِي بِهِ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، ولا يَتَّفِقُ لَهُ تِلْكَ الحالَةُ إلّا إذا وقَعَتْ داعِيَةٌ جازِمَةٌ في قَلْبِهِ تَدْعُوهُ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَإلْقاءُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في القَلْبِ وإزالَةُ الدَّواعِي المُعارِضَةِ لَها لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا مَعْنى لِلْإعانَةِ إلّا ذَلِكَ. وأمّا النَّقْلُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: أُولاها: قَوْلُهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وثانِيتُها: قَوْلُهُ ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقَدِ اضْطَرَبَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ لَما كانَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى الفِعْلِ فائِدَةٌ، وأمّا القَدَرِيَّةُ فَقالُوا الِاسْتِعانَةُ إنَّما تَحْسُنُ لَوْ كانَ العَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِن أصْلِ الفِعْلِ، فَتَبْطُلُ الإعانَةُ مِنَ الغَيْرِ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الفِعْلِ لَمْ تَكُنْ لِلِاسْتِعانَةِ فائِدَةٌ. وعِنْدِي أنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ في الفِعْلِ إلّا مَعَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، فالإعانَةُ المَطْلُوبَةُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ وإزالَةِ الدّاعِيَةِ الصّارِفَةِ. ولْنَذْكُرْ ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ اللَّطائِفِ والفَوائِدِ: الفائِدَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِعانَةُ عَلى العَمَلِ إنَّما تَحْسُنُ قَبْلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ وهَهُنا ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّ المُصَلِّيَ يَقُولُ: شَرَعْتُ في العِبادَةِ فَأسْتَعِينُ بِكَ في إتْمامِها، فَلا تَمْنَعْنِي مِن إتْمامِها بِالمَوْتِ ولا بِالمَرَضِ ولا بِقَلْبِ الدَّواعِي وتَغَيُّرِها. الثّانِي: كَأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: يا إلَهِي إنِّي أتَيْتُ بِنَفْسِي إلّا أنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأسْتَعِينُ صفحة ٢٠٥ بِكَ في إحْضارِهِ وكَيْفَ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ إحْضارُ القَلْبِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ. الثّالِثُ: لا أُرِيدُ في الإعانَةِ غَيْرَكَ لا جِبْرِيلَ ولا مِيكائِيلَ بَلْ أُرِيدُكَ وحْدَكَ وأقْتَدِي في هَذا المَذْهَبِ بِالخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَيَّدَ نُمْرُوذُ رِجْلَيْهِ ويَدَيْهِ ورَماهُ في النّارِ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَقالَ: سَلْهُ، فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، بَلْ رُبَّما أزِيدُ عَلى الخَلِيلِ في هَذا البابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قُيِّدَ رِجْلاهُ ويَداهُ لا غَيْرَ، وأمّا أنا فَقُيِّدَتْ رِجْلَيَّ فَلا أسِيرُ، ويَدَيَّ فَلا أُحَرِّكُهُما، وعَيْنَيَّ فَلا أنْظُرُ بِهِما، وأُذُنَيَّ فَلا أسْمَعُ بِهِما، ولِسانِي فَلا أتَكَلَّمُ بِهِ، وكانَ الخَلِيلُ مُشْرِفًا عَلى نارِ نُمْرُوذَ وأنا مُشْرِفٌ عَلى نارِ جَهَنَّمَ، فَكَما لَمْ يَرْضَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَيْرِكَ مُعِينًا فَكَذَلِكَ لا أُرِيدُ مُعِينًا غَيْرَكَ، فَإيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أتَيْتَ بِفِعْلِ الخَلِيلِ وزِدْتَ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نَزِيدُ أيْضًا في الجَزاءِ لِأنّا ثَمَّتَ قُلْنا: ﴿يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] وأمّا أنْتَ فَقَدْ نَجَّيْناكَ مِنَ النّارِ، وأوْصَلْناكَ إلى الجَنَّةِ، وزِدْناكَ سَماعَ الكَلامِ القَدِيمِ، ورُؤْيَةَ المَوْجُودِ القَدِيمِ، وكَما أنّا قُلْنا لِنارِ نُمْرُوذَ ”﴿يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾“ فَكَذَلِكَ تَقُولُ لَكَ نارُ جَهَنَّمَ: «جُزْ يا مُؤْمِنُ قَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي» . الرّابِعُ: إيّاكَ نَسْتَعِينُ: أيْ: لا أسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ لا يُمْكِنُهُ إعانَتِي إلّا إذا أعَنْتَهُ عَلى تِلْكَ الإعانَةِ، فَإذا كانَتْ إعانَةُ الغَيْرِ لا تَتِمُّ إلّا بِإعانَتِكَ فَلْنَقْطَعْ هَذِهِ الواسِطَةَ ولْنَقْتَصِرْ عَلى إعانَتِكَ. الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ رُتْبَةٍ عَظِيمَةٍ لِلنَّفْسِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُورِثُ العُجْبَ فَأرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ العِبادَةِ ما حَصَلَتْ مِن قُوَّةِ العَبْدِ، بَلْ إنَّما حَصَلَتْ بِإعانَةِ اللَّهِ فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إزالَةُ العُجْبِ، وإفْناءُ تِلْكَ النَّخْوَةِ والكِبْرِ.

الفاتحة 1:6

الفَصْلُ السّابِعُ فِي قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُصَلِّي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، وكُلُّ مُؤْمِنٍ مُهْتَدٍ، فالمُصَلِّي مُهْتَدٍ، فَإذا قالَ اهْدِنا كانَ جارِيًا مَجْرى أنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ فَإنَّهُ يَطْلُبُ الهِدايَةَ فَكانَ هَذا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنَّهُ مُحالٌ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ صِراطُ الأوَّلِينَ في تَحَمُّلِ المَشاقِ العَظِيمَةِ لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. يُحْكى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُضْرَبُ في كُلِّ يَوْمٍ كَذا مَرّاتٍ بِحَيْثُ يُغْشى عَلَيْهِ، وكانَ يَقُولُ في كُلِّ مَرَّةٍ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . فَإنْ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قالَ ذَلِكَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، وهو كانَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ مَرّاتٍ فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أفْضَلَ مِنهُ، والجَوابُ: لَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ طَلَبَ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ الفاتِحَةَ في كُلِّ يَوْمٍ كَذا مَرَّةٍ كانَ تَكَلُّمُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أكْثَرَ مِن تَكَلُّمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ العُلَماءَ بَيَّنُوا أنَّ في كُلِّ خُلُقٍ مِنَ الأخْلاقِ طَرَفَيْ تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والحَقُّ هو الوَسَطُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وذَلِكَ الوَسَطُ هو العَدْلُ والصَّوابُ، فالمُؤْمِنُ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ صارَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، أمّا بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ صفحة ٢٠٦ الحالَةِ فَلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ العَدْلِ الَّذِي هو الخَطُّ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الأعْمالِ الشَّهْوانِيَّةِ وفي الأعْمالِ الغَضَبِيَّةِ وفي كَيْفِيَّةِ إنْفاقِ المالِ، فالمُؤْمِنُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو الوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في كُلِّ الأخْلاقِ وفي كُلِّ الأعْمالِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنَ إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلٍ واحِدٍ فَلا مَوْجُودَ مِن أقْسامِ المُمْكِناتِ إلّا وفِيهِ دَلائِلُ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وجُودِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ. ورُبَّما صَحَّ دِينُ الإنْسانِ بِالدَّلِيلِ الواحِدِ وبَقِيَ غافِلًا عَنْ سائِرِ الدَّلائِلِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ مَعْناهُ عَرِّفْنا يا إلَهَنا ما في كُلِّ شَيْءٍ مِن كَيْفِيَّةِ دَلالَتِهِ عَلى ذاتِكَ وصِفاتِكَ وقُدْرَتِكَ وعِلْمِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] وقالَ أيْضًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وذَلِكَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُعْرِضًا عَمّا سِوى اللَّهِ مُقْبِلًا بِكُلِّيَّةِ قَلْبِهِ وفِكْرِهِ وذِكْرِهِ عَلى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُرادُ أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، مِثالُهُ: أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ أُمِرَ بِذَبْحِ ولَدِهِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَنْقادَ لِيَذْبَحَهُ غَيْرُهُ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ في البَحْرِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَتَّلْمَذَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ في المَنصِبِ إلى أعْلى الغاياتِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَصْبِرَ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى القَتْلِ والتَّفْرِيقِ نِصْفَيْنِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ يَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الِاقْتِداءُ بِأنْبِياءِ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ والثَّباتِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَقامٌ شَدِيدٌ هائِلٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ لا طاقَةَ لَهم بِهِ، إلّا أنّا نَقُولُ: أيُّها النّاسُ، لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّهُ لا يَضِيقُ أمْرٌ في دِينِ اللَّهِ إلّا اتَّسَعَ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى اليُسْرِ والسُّهُولَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ صِراطَ الَّذِينَ ضَرَبُوا وقَتَلُوا بَلْ قالَ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَلْتَكُنْ نِيَّتُكَ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَقُولَ: يا إلَهِي، إنَّ والِدِي رَأيْتُهُ ارْتَكَبَ الكَبائِرَ كَما ارْتَكَبْتُها، وأقْدَمَ عَلى المَعاصِي كَما أقْدَمْتُ عَلَيْها، ثُمَّ رَأيْتُهُ لَمّا قَرُبَ مَوْتُهُ تابَ وأنابَ فَحَكَمْتَ لَهُ بِالنَّجاةِ مِنَ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ فَهو مِمَّنْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأنْ وفَّقْتَهُ لِلتَّوْبَةِ، ثُمَّ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأنْ قَبِلْتَ تَوْبَتَهُ، فَأنا أقُولُ: اهْدِنا إلى مِثْلِ ذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طَلَبًا لِمَرْتَبَةِ التّائِبِينَ، فَإذا وجَدْتَها فاطْلُبِ الِاقْتِداءَ بِدَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ . الوَجْهُ الخامِسُ: كَأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ في الطَّرِيقِ: كَثْرَةُ الأحْبابِ يَجُرُّونَنِي إلى طَرِيقٍ، والأعْداءُ إلى طَرِيقٍ ثانٍ، والشَّيْطانُ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ، وكَذا القَوْلُ في الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِقْدِ والحَسَدِ، وكَذا القَوْلُ في التَّعْطِيلِ والتَّشْبِيهِ والجَبْرِ والقَدَرِ والإرْجاءِ والوَعِيدِ والرَّفْضِ والخُرُوجِ، والعَقْلُ ضَعِيفٌ، والعُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطِرَةٌ، والقَضاءُ عَسِيرٌ، وقَدْ تَحَيَّرْتُ في الكُلِّ فاهْدِنِي إلى طَرِيقٍ أخْرُجُ مِنهُ إلى الجَنَّةِ. والمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لا غِلَظَ فِيهِ. يُحْكى عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ إلى بَيْتِ اللَّهِ، فَإذا أعْرابِيٌّ عَلى ناقَةٍ لَهُ فَقالَ: يا شَيْخُ إلى صفحة ٢٠٧ أيْنَ ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى بَيْتِ اللَّهِ، قالَ كَأنَّكَ مَجْنُونٌ لا أرى لَكَ مَرْكَبًا ولا زادًا، والسَّفَرُ طَوِيلٌ، فَقالَ إبْراهِيمُ: إنَّ لِي مَراكِبَ كَثِيرَةً ولَكِنَّكَ لا تَراها، قالَ: وما هي ؟ قالَ: إذا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الصَّبْرِ، وإذا نَزَلَ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الشُّكْرِ، وإذا نَزَلَ بِيَ القَضاءُ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الرِّضا، وإذا دَعَتْنِي النَّفْسُ إلى شَيْءٍ عَلِمْتُ أنَّ ما بَقِيَ مِنَ العُمُرِ أقَلُّ مِمّا مَضى، فَقالَ الأعْرابِيُّ: سِرْ بِإذْنِ اللَّهِ فَأنْتَ الرّاكِبُ وأنا الرّاجِلُ. الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الإسْلامُ، وقالَ بَعْضُهم: القُرْآنُ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: اهْدِنا صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ومَن تَقَدَّمَنا مِنَ الأُمَمِ ما كانَ لَهُمُ القُرْآنُ والإسْلامُ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ اهْدِنا صِراطَ المُحِقِّينَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ، وإنَّما قالَ الصِّراطَ ولَمْ يَقُلِ السَّبِيلَ ولا الطَّرِيقَ وإنْ كانَ الكُلُّ واحِدًا لِيَكُونَ لَفْظُ الصِّراطِ مُذَكِّرًا لِصِراطِ جَهَنَّمَ فَيَكُونُ الإنْسانُ عَلى مَزِيدِ خَوْفٍ وخَشْيَةٍ. القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ (اهْدِنا): أيْ ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ الَّتِي وهَبْتَها مِنّا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] أيْ: ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ فَكَمْ مِن عالِمٍ وقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ في خاطِرِهِ فَزاغَ وذَلَّ وانْحَرَفَ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ قالَ: اهْدِنا ولَمْ يَقُلْ: اهْدِنِي ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ الدُّعاءَ كُلَّما كانَ أعَمَّ كانَ إلى الإجابَةِ أقْرَبُ. كانَ بَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ لِتَلامِذَتِهِ: إذا قَرَأْتُمْ في خُطْبَةِ السّابِقِ ”ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ“ إنْ نَوَيْتَنِي في قَوْلِكَ ”رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ“ فَحَسَنٌ، وإلّا فَلا حَرَجَ، ولَكِنْ إيّاكَ وأنْ تَنْسانِي في قَوْلِكَ ”وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ“ لِأنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ تَخْصِيصٌ بِالدُّعاءِ فَيَجُوزُ أنْ لا يُقْبَلَ، وأمّا قَوْلُهُ وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في المُسْلِمِينَ مَن يَسْتَحِقُّ الإجابَةَ، وإذا أجابَ اللَّهُ الدُّعاءَ في البَعْضِ فَهو أكْرَمُ مِن أنْ يَرُدَّهُ في الباقِي، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ السُّنَّةَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ دُعاءً أنْ يُصَلِّيَ أوَّلًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يَخْتِمُ الكَلامَ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثانِيًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجِيبُ الدّاعِيَ في صَلاتِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ إذا أُجِيبَ في طَرَفَيْ دُعائِهِ امْتَنَعَ أنْ يُرَدَّ في وسَطِهِ. الثّانِي: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ادْعُوا اللَّهَ بِألْسِنَةٍ ما عَصَيْتُمُوهُ بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن لَنا بِتِلْكَ الألْسِنَةِ ؟ قالَ يَدْعُو بَعْضُكم لِبَعْضٍ؛ لِأنَّكَ ما عَصَيْتَ بِلَسانِهِ وهو ما عَصى بِلِسانِكَ» . والثّالِثُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّها العَبْدُ، ألَسْتَ قُلْتَ في أوَّلِ السُّورَةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وما قُلْتَ: أحْمَدُ اللَّهَ فَذَكَرْتَ أوَّلًا حَمْدَ جَمِيعِ الحامِدِينَ فَكَذَلِكَ في وقْتِ الدُّعاءِ أشْرِكْهم فَقُلِ اهْدِنا. الرّابِعُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَكَ يَقُولُ: الجَماعَةُ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةُ عَذابٌ، فَلَمّا أرَدْتُ تَحْمِيدَكَ ذَكَرْتُ حَمْدَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ الحَمْدُ لِلَّهِ، ولَمّا ذَكَرْتُ العِبادَةَ ذَكَرْتُ عِبادَةَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ إيّاكَ نَعْبُدُ، ولَمّا ذَكَرْتُ الِاسْتِعانَةَ ذَكَرْتُ اسْتِعانَةَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلا جَرَمَ لَمّا طَلَبْتُ الهِدايَةَ طَلَبْتُها لِلْجَمِيعِ فَقُلْتُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ولَمّا طَلَبْتُ الِاقْتِداءَ بِالصّالِحِينَ طَلَبْتُ الِاقْتِداءَ بِالجَمِيعِ فَقُلْتُ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ولَمّا طَلَبْتُ الفِرارَ مِنَ المَرْدُودِينَ فَرَرْتُ مِنَ الكُلِّ فَقُلْتُ: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ، فَلَمّا لَمْ أُفارِقِ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ في الدُّنْيا فَأرْجُو أنْ لا أُفارِقَهم في القِيامَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٩] . صفحة ٢٠٨ الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ الهَنْدَسَةِ قالُوا: الخَطُّ المُسْتَقِيمُ هو أقْصَرُ خَطٍّ يَصِلُ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، فالحاصِلُ أنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ أقْصَرُ مِن جَمِيعِ الخُطُوطِ المُعْوَجَّةِ، فَكَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ أقْرَبُ الخُطُوطِ وأقْصَرُها، وأنا عاجِزٌ فَلا يَلِيقُ بِضَعْفِي إلّا الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ. الثّانِي: أنَّ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ وما عَداهُ مُعْوَجَّةٌ وبَعْضُها يُشْبِهُ بَعْضًا في الِاعْوِجاجِ فَيَشْتَبِهُ الطَّرِيقُ عَلَيَّ، أمّا المُسْتَقِيمُ فَلا يُشابِهُهُ غَيْرُهُ فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الخَوْفِ والآفاتِ وأقْرَبَ إلى الأمانِ. الثّالِثُ: الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ يُوصِلُ إلى المَقْصُودِ، والمُعْوَجُّ لا يُوصِلُ إلَيْهِ. والرّابِعُ: المُسْتَقِيمُ لا يَتَغَيَّرُ، والمُعْوَجُّ يَتَغَيَّرُ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ سَألَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الفاتحة 1:7

الفَصْلُ الثّامِنُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: في حَدِّ النِّعْمَةِ، وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّها عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المَفْعُولَةِ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، قالُوا وإنَّما زِدْنا هَذا القَيْدَ لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لا يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ الشُّكْرُ بِالإحْسانِ وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأنَّ جِهَةَ اسْتِحْقاقِ الشُّكْرِ غَيْرُ جِهَةِ الذَّنْبِ والعِقابِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما ؟ ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ بِإنْعامِهِ الشُّكْرَ، والذَّمَّ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ. ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الحَدِّ المَذْكُورِ فَنَقُولُ: أمّا قَوْلُنا: ”المَنفَعَةُ“ فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: ”المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ“ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا حَقًّا وقَصَدَ الفاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ لا يَكُونُ نِعْمَةً، وذَلِكَ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها. إذا عَرَفْتَ حَدَّ النِّعْمَةِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ: الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلى الخَلْقِ مِنَ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ثُمَّ إنَّ النِّعْمَةَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: نِعْمَةٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِإيجادِها، نَحْوَ أنْ خَلَقَ ورَزَقَ. وثانِيها: نِعْمَةٌ وصَلَتْ مِن جِهَةِ غَيْرِ اللَّهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، وفي الحَقِيقَةِ فَهي أيْضًا إنَّما وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، والخالِقُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ، والخالِقُ لِداعِيَةِ الإنْعامِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أجْرى تِلْكَ النِّعْمَةَ عَلى يَدِ ذَلِكَ العَبْدِ كانَ ذَلِكَ العَبْدُ مَشْكُورًا، ولَكِنَّ المَشْكُورَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى ولِهَذا قالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] فَبَدَأ بِنَفْسِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إنْعامَ الخَلْقِ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِ اللَّهِ. وثالِثُها: نِعَمٌ وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ إلَيْنا بِسَبَبِ طاعَتِنا، وهي أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وفَّقَنا لِلطّاعاتِ وأعانَنا عَلَيْها وهَدانا إلَيْها وأزاحَ الأعْذارَ عَنّا وإلّا لَما وصَلْنا إلى شَيْءٍ مِنها، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الفَرْعُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى العَبِيدِ هو أنْ خَلَقَهم أحْياءً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ العَقْلُ والنَّقْلُ، أمّا العَقْلُ فَهو أنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ نِعْمَةً إلّا إذا كانَ بِحَيْثُ يُمْكُنُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ولا يُمْكُنُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ صفحة ٢٠٩ الحَياةِ، فَإنَّ الجَمادَ والمَيِّتَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، فَثَبَتَ أنَّ أصْلَ جَمِيعِ النِّعَمِ هو الحَياةُ، وأمّا النَّقْلُ فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَبَدَأ بِذِكْرِ الحَياةِ وثَنّى بِذِكْرِ الأشْياءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ جَمِيعِ النِّعَمِ هو الحَياةُ. الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى الكافِرِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ ونِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ. واحْتَجَّ الأصْحابُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ: أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ. إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ لَكانُوا داخِلِينَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ طَلَبًا لِصِراطِ الكُفّارِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلى الكُفّارِ، فَإنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ”الصِّراطَ“ يَدْفَعُ ذَلِكَ، قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَكانَ التَّقْدِيرُ اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ. والآيَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ عَذابِ الآخِرَةِ عَلى الدَّوامِ قَلِيلَةٌ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، ومِثْلُ هَذا لا يَكُونُ نِعْمَةً، بِدَلِيلِ أنَّ مَن جَعَلَ السُّمَّ في الحَلْواءِ لَمْ يَعُدِ النَّفْعُ الحاصِلُ مِنهُ نِعْمَةٌ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ حَقِيرٌ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ الضَّرَرِ الكَثِيرِ، فَكَذا هَهُنا. وأمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعَمًا كَثِيرَةً فَقَدِ احْتَجُّوا بِآياتٍ: إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الكُلِّ طاعَةُ اللَّهِ لِمَكانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ وشَرْحِ النِّعَمِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] . ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَوْ لَمْ تَحْصُلِ النِّعَمُ لَمْ يَلْزَمِ الشُّكْرُ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى الشُّكْرِ مَحْذُورٌ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ لا يُمْكِنُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ النِّعْمَةِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ واللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَن هم فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٩] ولا شَكَّ أنَّ رَأْسَ الصِّدِّيقِينَ ورَئِيسَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أمَرَنا أنْ نَطْلُبَ الهِدايَةَ الَّتِي كانَ عَلَيْها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وسائِرُ الصِّدِّيقِينَ، ولَوْ كانَ أبُو بَكْرٍ ظالِمًا لَما جازَ الِاقْتِداءُ بِهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْناهُ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ وهَذِهِ النِّعْمَةُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها نِعْمَةَ الدُّنْيا أوْ نِعْمَةَ الدِّينِ، ولَمّا بَطَلَ الأوَّلُ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ نِعْمَةُ الدِّينِ، فَنَقُولُ: كُلُّ نِعْمَةٍ صفحة ٢١٠ دِينِيَّةٍ سِوى الإيمانِ فَهي مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ الإيمانِ، وأمّا النِّعْمَةُ الَّتِي هي الإيمانُ فَيُمْكِنُ حُصُولُها خالِيًا عَنْ سائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو نِعْمَةُ الإيمانِ، فَرَجَعَ حاصِلُ القَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهُ طَلَبٌ لِنِعْمَةِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَنَقُولُ: يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْكامٌ: الحُكْمُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ نِعْمَةُ الإيمانِ، ولَفْظُ الآيَةِ صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ الإيمانِ والمُعْطِيَ لِلْإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ولِأنَّ الإيمانَ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُهُ هو العَبْدَ لَكانَ إنْعامُ العَبْدِ أشْرَفَ وأعْلى مِن إنْعامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرَ إنْعامَهُ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ. الحُكْمُ الثّانِي: يَجِبُ أنْ لا يَبْقى المُؤْمِنُ مُخَلَّدًا في النّارِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذا الإنْعامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ العِقابِ المُؤَبَّدِ لَكانَ قَلِيلَ الفائِدَةِ فَما كانَ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ. الحُكْمُ الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ رِعايَةُ الصَّلاحِ والأصْلَحِ في الدِّينِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الإرْشادُ واجِبًا عَلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنْعامًا؛ لِأنَّ أداءَ الواجِبِ لا يَكُونُ إنْعامًا، وحَيْثُ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى إنْعامًا عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ. الحُكْمُ الرّابِعُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإنْعامِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْدَرَ المُكَلَّفَ عَلَيْهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ وأزاحَ أعْذارَهُ وعِلَلَهُ عَنْهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلَمّا خَصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ المُكَلَّفِينَ بِهَذا الإنْعامِ مَعَ أنَّ هَذا الإقْدارَ وإزاحَةَ العِلَلِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْعامِ لَيْسَ هو الإقْدارَ عَلَيْهِ وإزاحَةَ المَوانِعِ عَنْهُ. * * * الفَصْلُ التّاسِعُ فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وفِيهِ فَوائِدُ الفائِدَةُ الأُولى: المَشْهُورُ أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] والضّالِّينَ: هُمُ النَّصارى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وقِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُنْكِرِي الصّانِعِ والمُشْرِكِينَ أخْبَثُ دِينًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَكانَ الِاحْتِرازُ عَنْ دِينِهِمْ أوْلى، بَلِ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ عَلى كُلِّ مَن أخْطَأ في الأعْمالِ الظّاهِرَةِ وهُمُ الفُسّاقُ، ويُحْمَلُ الضّالُّونَ عَلى كُلِّ مَن أخْطَأ في الِاعْتِقادِ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والتَّقْيِيدُ خِلافُ الأصْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الكُفّارُ، والضّالُّونَ هُمُ المُنافِقُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ في خَمْسِ آياتٍ مِن أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ [البقرة: ٨] فَكَذا هَهُنا بَدَأ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ ضالِّينَ امْتَنَعَ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ. صفحة ٢١١ الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ يُخالِفُ قَوْلَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا عَلى اعْتِقادِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ لَكانَ قَدْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] ولَوْ كانُوا ضالِّينَ لَما جازَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ، ولا الِاقْتِداءُ بِطَرِيقِهِمْ، ولَكانُوا خارِجِينَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا بِهَذِهِ الآيَةِ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: الغَضَبُ تَغَيُّرٌ يَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيانِ دَمِ القَلْبِ لِشَهْوَةِ الِانْتِقامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لَكِنْ هَهُنا قاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، وهي أنَّ جَمِيعَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ - أعْنِي الرَّحْمَةَ والفَرَحَ والسُّرُورَ والغَضَبَ والحَياءَ والغَيْرَةَ والمَكْرَ والخِداعَ والتَّكَبُّرَ والِاسْتِهْزاءَ - لَها أوائِلُ، ولَها غاياتٌ، ومِثالُهُ الغَضَبُ فَإنَّ أوَّلَهُ غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ، وغايَتَهُ إرادَةُ إيصالِ الضَّرَرِ إلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَلَفْظُ الغَضَبِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى لا يُحْمَلُ عَلى أوَّلِهِ الَّذِي هو غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ بَلْ عَلى غايَتِهِ الَّذِي هو إرادَةُ الإضْرارِ، وأيْضًا الحَياءُ لَهُ أوَّلٌ وهو انْكِسارٌ يَحْصُلُ في النَّفْسِ، ولَهُ غَرَضٌ وهو تَرْكُ الفِعْلِ، فَلَفْظُ الحَياءِ في حَقِّ اللَّهِ يُحْمَلُ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ لا عَلى انْكِسارِ النَّفْسِ، وهَذِهِ قاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ في هَذا البابِ. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْقَبائِحِ بِاخْتِيارِهِمْ وإلّا لَكانَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ذُكِرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ كَوْنِهِمْ ضالِّينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عِلَّةٌ لِكَوْنِهِمْ ضالِّينَ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ صِفَةُ اللَّهِ مُؤَثِّرَةً في صِفَةِ العَبْدِ، أمّا لَوْ قُلْنا إنَّ كَوْنَهم ضالِّينَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أنْ تَكُونَ صِفَةُ العَبْدِ مُؤَثِّرَةً في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مُحالٌ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أوَّلُ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَمْدِ لِلَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ والمَدْحِ لَهُ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الذَّمِّ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ والإقْرارِ بِطاعَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَطْلَعَ الخَيْراتِ وعُنْوانَ السَّعاداتِ هو الإقْبالُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَطْلَعَ الآفاتِ ورَأْسَ المَخافاتِ هو الإعْراضُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والبَعْدُ عَنْ طاعَتِهِ والِاجْتِنابُ عَنْ خِدْمَتِهِ. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ ثَلاثُ فِرَقٍ: أهْلُ الطّاعَةِ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وأهْلُ المَعْصِيَةِ وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وأهْلُ الجَهْلِ في دِينِ اللَّهِ والكُفْرِ وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ولا الضّالِّينَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ العُصاةِ عَلى ذِكْرِ الكَفَرَةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَحْتَرِزُ عَنِ الكُفْرِ، أمّا قَدْ لا يَحْتَرِزُ عَنِ الفِسْقِ فَكانَ أهَمَّ فَلِهَذا السَّبَبِ قُدِّمَ. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ غَضَبَ اللَّهِ إنَّما تَوَلَّدَ عَنْ عِلْمِهِ بِصُدُورِ القَبِيحِ والجِنايَةِ عَنْهُ، فَهَذا العِلْمُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ قَدِيمٌ، أوْ مُحْدَثٌ، فَإنْ كانَ هَذا العِلْمُ قَدِيمًا فَلِمَ خَلَقَهُ ولِمَ أخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ مِن دُخُولِهِ في الوُجُودِ إلّا العَذابَ الدّائِمَ، ولِأنَّ مَن كانَ غَضْبانَ عَلى الشَّيْءِ كَيْفَ يُعْقَلُ إقَدامُهُ عَلى إيجادِهِ وعَلى تَكْوِينِهِ ؟ وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ حادِثًا كانَ البارِي تَعالى مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَفْتَقِرَ إحْداثُ ذَلِكَ العِلْمِ إلى سَبْقِ عِلْمٍ آخَرَ، ويَتَسَلْسَلَ، وهو مُحالٌ، وجَوابُهُ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، وهو أنَّ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ وأنْ صفحة ٢١٢ يَكُونَ مِنَ الضّالِّينَ فَلَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فَما الفائِدَةُ في أنْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ”﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾“ ؟ والجَوابُ: الإيمانُ إنَّما يَكْمُلُ بِالرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا»، فَقَوْلُهُ ”﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾“ يُوجِبُ الرَّجاءَ الكامِلَ، وقَوْلُهُ ”﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾“ يُوجِبُ الخَوْفَ الكامِلَ، وحِينَئِذٍ يَقْوى الإيمانُ بِرُكْنَيْهِ وطَرَفَيْهِ ويَنْتَهِي إلى حَدِّ الكَمالِ. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المَقْبُولِينَ طائِفَةً واحِدَةً وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، والمَرْدُودِينَ فَرِيقَيْنِ: المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، والضّالِّينَ ؟ والجَوابُ أنَّ الَّذِينَ كَمُلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، فَإنِ اخْتَلَّ قَيْدُ العَمَلِ فَهُمُ الفَسَقَةُ وهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وإنِ اخْتَلَّ قَيْدُ العِلْمِ فَهُمُ الضّالُّونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] وهَذا آخِرُ كَلامِنا في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّفْصِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:1

صفحة ٣ (سُورَةُ البَقَرَةِ) مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةَ ٢٨١ فَنَزَلَتْ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَداعِ وآياتُها مِائَتانِ وسِتٌّ وثَمانُونَ ﷽ ﴿الم﴾ ﴿الم﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الألْفاظَ الَّتِي يُتَهَجّى بِها أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ، لِأنَّ الضّادَ مَثَلًا لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دالَّةٌ بِالتَّواطُؤِ عَلى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى الزَّمانِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ المَعْنى، وذَلِكَ المَعْنى هو الحَرْفُ الأوَّلُ مِن ”ضَرَبَ“ فَثَبَتَ أنَّها أسْماءٌ ولِأنَّها يُتَصَرَّفُ فِيها بِالإمالَةِ والتَّفْخِيمِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ والجَمْعِ والتَّصْغِيرِ والوَصْفِ والإسْنادِ والإضافَةِ، فَكانَتْ لا مَحالَةَ أسْماءٌ. فَإنْ قِيلَ قَدْ رَوى أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، لا أقُولُ الم حَرْفٌ، لَكِنْ ألْفٌ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْفٌ، ومِيمٌ حَرْفٌ» “ الحَدِيثَ، والِاسْتِدْلالُ بِهِ يُناقِضُ ما ذَكَرْتُمْ قُلْنا: سَمّاهُ حَرْفًا مَجازًا لِكَوْنِهِ اسْمًا لِلْحَرْفِ، وإطْلاقُ اسْمِ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَلى الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ. فُرُوعٌ: الأوَّلُ: أنَّهم راعَوْا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لِمَعانٍ لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ المُسَمَّياتِ لَمّا كانَتْ ألْفاظًا كَأسامِيها وهي حُرُوفٌ مُفْرَدَةٌ، والأسامِي تَرْتَقِي عَدَدَ حُرُوفِها إلى الثَّلاثَةِ اتَّجَهَ لَهم طَرِيقٌ إلى أنْ يَدُلُّوا في الِاسْمِ عَلى المُسَمّى، فَجَعَلُوا المُسَمّى صَدْرَ كُلِّ اسْمٍ مِنها إلّا الألِفَ فَإنَّهُمُ اسْتَعارُوا الهَمْزَةَ مَكانَ مُسَمّاها لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ساكِنًا. الثّانِي: حُكْمُها ما لَمْ تَلِها العَوامِلُ أنْ تَكُونَ ساكِنَةَ الأعْجازِ كَأسْماءِ الأعْدادِ، فَيُقالُ ألِفٌ لامٌ مِيمٌ، كَما تَقُولُ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ، فَإذا ولِيَتْها العَوامِلُ أدْرَكَها الإعْرابُ كَقَوْلِكَ: هَذِهِ ألِفٌ وكَتَبْتُ ألِفًا ونَظَرْتُ إلى ألِفٍ، وهَكَذا كُلُّ اسْمٍ عَمَدْتَ إلى تَأْدِيَةِ مُسَمّاهُ فَحَسْبُ، لِأنَّ جَوْهَرَ اللَّفْظِ مَوْضُوعٌ لِجَوْهَرِ المَعْنى، وحَرَكاتُ اللَّفْظِ دالَّةٌ عَلى أحْوالِ المَعْنى، فَإذا أُرِيدَ إفادَةُ جَوْهَرِ المَعْنى وجَبَ إخْلاءُ اللَّفْظِ عَنِ الحَرَكاتِ. الثّالِثُ: هَذِهِ الأسْماءُ مُعْرَبَةٌ وإنَّما سَكَنَتْ سُكُونَ سائِرِ الأسْماءِ حَيْثُ لا يَمَسُّها إعْرابٌ لِفَقْدِ مُوجِبِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سُكُونَها وقْفٌ لا بِناءٌ أنَّها لَوْ بُنِيَتْ لَحُذِيَ بِها حَذْوَ كَيْفَ وأيْنَ وهَؤُلاءِ ولَمْ يُقَلْ صادْ قافْ نُونْ مَجْمُوعٌ فِيها بَيْنَ السّاكِنَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلنّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الفَواتِحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا صفحة ٤ عِلْمٌ مَسْتُورٌ وسِرٌّ مَحْجُوبٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلَّهِ في كُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّهُ في القُرْآنِ أوائِلُ السُّوَرِ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِكُلِّ كِتابٍ صَفْوَةٌ، وصَفْوَةُ هَذا الكِتابِ حُرُوفُ التَّهَجِّي. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: العِلْمُ بِمَنزِلَةِ البَحْرِ، فَأُجْرِيَ مِنهُ وادٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ الوادِي نَهْرٌ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ النَّهْرِ جَدْوَلٌ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ الجَدْوَلِ ساقِيَةٌ، فَلَوْ أُجْرِيَ إلى الجَدْوَلِ ذَلِكَ الوادِي لَغَرَّقَهُ وأفْسَدَهُ، ولَوْ سالَ البَحْرُ إلى الوادِي لَأفْسَدَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] فَبُحُورُ العِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَأعْطى الرُّسُلَ مِنها أوْدِيَةً، ثُمَّ أعْطَتِ الرُّسُلُ مِن أوْدِيَتِهِمْ أنْهارًا إلى العُلَماءِ، ثُمَّ أعْطَتِ العُلَماءُ إلى العامَّةِ جَداوِلَ صِغارًا عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ، ثُمَّ أجْرَتِ العامَّةُ سَواقِيَ إلى أهالِيهِمْ بِقَدْرِ طاقَتِهِمْ. وعَلى هَذا ما رُوِيَ في الخَبَرِ ”لِلْعُلَماءِ سِرٌّ، ولِلْخُلَفاءِ سِرٌّ، ولِلْأنْبِياءِ سِرٌّ، ولِلْمَلائِكَةِ سِرٌّ، ولِلَّهِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ كُلِّهِ سِرٌّ، فَلَوِ اطَّلَعَ الجُهّالُ عَلى سِرِّ العُلَماءِ لَأبادُوهم، ولَوِ اطَّلَعَ العُلَماءُ عَلى سِرِّ الخُلَفاءِ لَنابَذُوهم، ولَوِ اطَّلَعَ الخُلَفاءُ عَلى سِرِّ الأنْبِياءِ لَخالَفُوهم، ولَوِ اطَّلَعَ الأنْبِياءُ عَلى سِرِّ المَلائِكَةِ لاتَّهَمُوهم، ولَوِ اطَّلَعَ المَلائِكَةُ عَلى سِرِّ اللَّهِ تَعالى لَطاحُوا حائِرِينَ، وبادُوا بائِرِينَ“ والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ العُقُولَ الضَّعِيفَةَ لا تَحْتَمِلُ الأسْرارَ القَوِيَّةَ، كَما لا يَحْتَمِلُ نُورَ الشَّمْسِ أبْصارُ الخَفافِيشِ، فَلَمّا زِيدَتِ الأنْبِياءُ في عُقُولِهِمْ قَدَرُوا عَلى احْتِمالِ أسْرارِ النُّبُوَّةِ، ولَمّا زِيدَتِ العُلَماءُ في عُقُولِهِمْ قَدَرُوا عَلى احْتِمالِ أسْرارِ ما عَجَزَتِ العامَّةُ عَنْهُ، وكَذَلِكَ عُلَماءُ الباطِنِ - وهُمُ الحُكَماءُ - زِيدَ في عُقُولِهِمْ فَقَدَرُوا عَلى احْتِمالِ ما عَجَزَتْ عَنْهُ عُلَماءُ الظّاهِرِ. وسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ هَذِهِ الحُرُوفِ فَقالَ: سِرُّ اللَّهِ فَلا تَطْلُبُوهُ. ورَوى أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عَجَزَتِ العُلَماءُ عَنْ إدْراكِها. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو مِنَ المُتَشابِهِ. واعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ أنْكَرُوا هَذا القَوْلَ، وقالُوا لا يَجُوزُ أنْ يَرِدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لا يَكُونُ مَفْهُومًا لِلْخَلْقِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآياتِ والأخْبارِ والمَعْقُولِ. أمّا الآياتُ فَأرْبَعَةَ عَشَرَ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] أمَرَهم بِالتَّدَبُّرِ في القُرْآنِ، ولَوْ كانَ غَيْرَ مَفْهُومٍ فَكَيْفَ يَأْمُرُهم بِالتَّدَبُّرِ فِيهِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَكَيْفَ يَأْمُرُهم بِالتَّدَبُّرِ فِيهِ لِمَعْرِفَةِ نَفْيِ التَّناقُضِ والِاخْتِلافِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ لِلْخَلْقِ ؟ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا بَطَلَ كَوْنُ الرَّسُولِ ﷺ مُنْذِرًا بِهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نازِلٌ بِلُغَةِ العَرَبِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَفْهُومًا. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ والِاسْتِنْباطُ مِنهُ لا يُمْكِنُ إلّا مَعَ الإحاطَةِ بِمَعْناهُ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ . وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وغَيْرُ المَعْلُومِ لا يَكُونُ هُدًى. وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ لا تَحْصُلُ في غَيْرِ المَعْلُومِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] . وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وكَيْفَ يَكُونُ الكِتابُ كافِيًا وكَيْفَ يَكُونُ ذِكْرى مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ ؟ . وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] فَكَيْفَ يَكُونُ بَلاغًا، وكَيْفَ صفحة ٥ يَقَعُ الإنْذارُ بِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؟ وقالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ مَعْلُومًا. الحادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] فَكَيْفَ يَكُونُ بُرْهانًا ونُورًا مُبِينًا مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؟ . الثّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] فَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّباعُهُ والإعْراضُ عَنْهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؟ . الثّالِثَ عَشَرَ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] فَكَيْفَ يَكُونُ هادِيًا مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؟ . الرّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] والطّاعَةُ لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ الفَهْمِ فَوَجَبَ كَوْنُ القُرْآنِ مَفْهُومًا. وأمّا الأخْبارُ: فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنِّي تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي» “ فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ وهو غَيْرُ مَعْلُومٍ ؟ . وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: عَلَيْكم بِكِتابِ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكم، وخَبَرُ ما بَعْدَكم، وحُكْمُ ما بَيْنَكم، هو الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، ومَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومَنِ اتَّبَعَ الهُدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللَّهُ، وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، والذِّكْرُ الحَكِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هو الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأهْواءُ، ولا تَشْبَعُ مِنهُ العُلَماءُ، ولا يَخْلَقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ، ولا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، ومَن خاصَمَ بِهِ فَلَجَ، ومَن دَعا إلَيْهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. أمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ ورَدَ شَيْءٌ لا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِهِ لَكانَتِ المُخاطَبَةُ بِهِ تَجْرِي مَجْرى مُخاطَبَةِ العَرَبِيِّ بِاللُّغَةِ الزَّنْجِيَّةِ، ولَمّا لَمْ يَجُزْ ذاكَ فَكَذا هَذا. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ الإفْهامُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا لَكانَتِ المُخاطَبَةُ بِهِ عَبَثًا وسَفَهًا، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ. وثالِثُها: أنَّ التَّحَدِّيَ وقَعَ بِالقُرْآنِ وما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّحَدِّي بِهِ، فَهَذا مَجْمُوعُ كَلامِ المُتَكَلِّمِينَ، واحْتَجَّ مُخالِفُوهم بِالآيَةِ، والخَبَرِ، والمَعْقُولِ. أمّا الآيَةُ فَهو أنَّ المُتَشابِهَ مِنَ القُرْآنِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] والوَقْفُ هَهُنا واجِبٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا اللَّهُ﴾ لَبَقِيَ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ مُنْقَطِعًا عَنْهُ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ وحْدَهُ لا يُفِيدُ، لا يُقالُ إنَّهُ حالٌ، لِأنّا نَقُولُ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قائِلًا آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وهَذا كُفْرٌ. وثانِيها: أنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ لَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِهِ لَما كانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالإيمانِ بِهِ وجْهٌ، فَإنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ بِالدَّلالَةِ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ بِهِ إلّا كالإيمانِ بِالمُحْكَمِ، فَلا يَكُونُ في الإيمانِ بِهِ مَزِيدُ مَدْحٍ. وثالِثُها: أنَّ تَأْوِيلَها لَوْ كانَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ لَما كانَ طَلَبُ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ذَمًّا، لَكِنْ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى ذَمًّا حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] . وأمّا الخَبَرُ فَقَدْ رَوَيْنا في أوَّلِ هَذِهِ المَسْألَةِ خَبَرًا يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إنَّ مِنَ العِلْمِ كَهَيْئَةِ المَكْنُونِ لا يَعْلَمُهُ إلّا العُلَماءُ بِاللَّهِ، فَإذا نَطَقُوا بِهِ أنْكَرَهُ أهْلُ الغِرَّةِ بِاللَّهِ» “ ولِأنَّ القَوْلَ بِأنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أكابِرِ الصَّحابَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَقًّا؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» “ . وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الأفْعالَ الَّتِي كُلِّفْنا بِها قِسْمانِ. مِنها ما نَعْرِفُ وجْهَ الحِكْمَةِ فِيها عَلى الجُمْلَةِ صفحة ٦ بِعُقُولِنا: كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ تَواضُعٌ مَحْضٌ وتَضَرُّعٌ لِلْخالِقِ، والزَّكاةَ سَعْيٌ في دَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ، والصَّوْمَ سَعْيٌ في كَسْرِ الشَّهْوَةِ. ومِنها ما لا نَعْرِفُ وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ: كَأفْعالِ الحَجِّ فَإنَّنا لا نَعْرِفُ بِعُقُولِنا وجْهَ الحِكْمَةِ في رَمْيِ الجَمَراتِ والسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، والرَّمَلِ، والِاضْطِباعِ، ثُمَّ اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّهُ كَما يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَأْمُرَ عِبادَهُ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ فَكَذا يَحْسُنُ الأمْرُ مِنهُ بِالنَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ الطّاعَةَ في النَّوْعِ الأوَّلِ لا تَدُلُّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ لِاحْتِمالِ أنَّ المَأْمُورَ إنَّما أتى بِهِ لَمّا عَرَفَ بِعَقْلِهِ مِن وجْهِ المَصْلَحَةِ فِيهِ، أمّا الطّاعَةُ في النَّوْعِ الثّانِي فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ ونِهايَةِ التَّسْلِيمِ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ وجْهَ مَصْلَحَةٍ البَتَّةَ لَمْ يَكُنْ إتْيانُهُ بِهِ إلّا لِمَحْضِ الِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الأفْعالِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الأقْوالِ ؟ وهو أنْ يَأْمُرَنا اللَّهُ تَعالى تارَةً أنْ نَتَكَلَّمَ بِما نَقِفُ عَلى مَعْناهُ، وتارَةً بِما لا نَقِفُ عَلى مَعْناهُ، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ ظُهُورَ الِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ مِنَ المَأْمُورِ لِلْآمِرِ، بَلْ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ الإنْسانَ إذا وقَفَ عَلى المَعْنى وأحاطَ بِهِ سَقَطَ وقْعُهُ عَنِ القَلْبِ، وإذا لَمْ يَقِفْ عَلى المَقْصُودِ مَعَ قَطْعِهِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ فَإنَّهُ يَبْقى قَلْبُهُ مُتَلَفِّتًا إلَيْهِ أبَدًا، ومُتَفَكِّرًا فِيهِ أبَدًا، ولُبابُ التَّكْلِيفِ إشْغالُ السِّرِّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في كَلامِهِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في بَقاءِ العَبْدِ مُلْتَفِتَ الذِّهْنِ مُشْتَغِلَ الخاطِرِ بِذَلِكَ أبَدًا مَصْلَحَةً عَظِيمَةً لَهُ، فَيَتَعَبَّدُهُ بِذَلِكَ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ المَصْلَحَةِ، فَهَذا مُلَخَّصُ كَلامِ الفَرِيقَيْنِ في هَذا البابِ. القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مَعْلُومٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ وذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّها أسْماءُ السُّوَرِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ واخْتِيارُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، قالَ القَفّالُ: وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ أشْياءَ، فَسَمَّوْا بِلامٍ والِدَ حارِثَةَ بْنِ لامٍ الطّائِيِّ، وكَقَوْلِهِمْ لِلنُّحاسِ: صادٌ، ولِلنَّقْدِ عَيْنٌ، ولِلسَّحابِ غَيْنٌ، وقالُوا: جَبَلُ قافٍ، وسَمَّوُا الحُوتَ نُونًا. الثّانِي: أنَّها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ”يا كهيعص، يا حم عسق“ . الثّالِثُ: أنَّها أبْعاضُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ: (الر، حم، ن) مَجْمُوعُها هو اسْمُ الرَّحْمَنِ، ولَكِنّا لا نَقْدِرُ عَلى كَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِها في البَواقِي. الرّابِعُ: أنَّها أسْماءُ القُرْآنِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ والسُّدِّيِّ وقَتادَةَ. الخامِسُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها دالٌّ عَلى اسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما في (الم): الألِفُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى أحَدٌ، أوَّلٌ، آخِرٌ، أزَلِيٌّ، أبَدِيٌّ، واللّامُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَطِيفٌ، والمِيمُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَلِكٌ مَجِيدٌ مَنّانٌ، وقالَ في: ﴿كهيعص﴾ إنَّهُ ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ، والكافُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كافِيًا، والهاءُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ هادِيًا، والعَيْنُ يَدُلُّ عَلى العالِمِ، والصّادُ يَدُلُّ عَلى الصّادِقِ، وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَمَلَ الكافَ عَلى الكَبِيرِ والكَرِيمِ، والياءَ عَلى أنَّهُ يُجِيرُ، والعَيْنَ عَلى العَزِيزِ والعَدْلِ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ في الأوَّلِ خَصَّصَ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ باسِمٍ مُعَيَّنٍ، وفي الثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ. السّادِسُ: بَعْضُها يَدُلُّ عَلى أسْماءِ الذّاتِ، وبَعْضُها عَلى أسْماءِ الصِّفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في (الم) أنا اللَّهُ أعْلَمُ، وفي ﴿المص﴾ أنا اللَّهُ أفْصِلُ، وفي ( الر) أنا اللَّهُ أرى، وهَذا رِوايَةُ أبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ. السّابِعُ: كُلُّ واحِدٍ مِنها يَدُلُّ عَلى صِفاتِ الأفْعالِ، فالألِفُ آلاؤُهُ، واللّامُ لُطْفُهُ، والمِيمُ مَجْدُهُ. قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ما مِنها حَرْفٌ إلّا في ذِكْرِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ. الثّامِنُ: بَعْضُها يَدُلُّ عَلى أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى أسْماءِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ، واللّامُ مِن جِبْرِيلَ، والمِيمُ مِن مُحَمَّدٍ، أيْ أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ إلى صفحة ٧ مُحَمَّدٍ ﷺ . التّاسِعُ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ يَدُلُّ عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، فالألِفُ مَعْناهُ ألِفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، واللّامُ أيْ لامَهُ الجاحِدُونَ، والمِيمُ أيْ مِيمَ الكافِرُونَ غِيظُوا وكُبِتُوا بِظُهُورِ الحَقِّ. وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: الألِفُ مَعْناهُ أنا، واللّامُ مَعْناهُ لِي، والمِيمُ مَعْناهُ مِنِّي. العاشِرُ: ما قالَهُ المُبَرِّدُ واخْتارَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ - إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَها احْتِجاجًا عَلى الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمّا تَحَدّاهم أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ القُرْآنِ، أوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ، أوْ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ فَعَجَزُوا عَنْهُ، أُنْزِلَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ إلّا مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، وعارِفُونَ بِقَوانِينِ الفَصاحَةِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزْتُمْ عَنْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ البَشَرِ. الحادِيَ عَشَرَ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَها لِأنَّ في التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اسْمَعُوها مُقَطَّعَةً حَتّى إذا ورَدَتْ عَلَيْكم مُؤَلَّفَةً كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُوها قَبْلَ ذَلِكَ، كَما أنَّ الصِّبْيانَ يَتَعَلَّمُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ أوَّلًا مُفْرَدَةً ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ المُرَكَّباتِ. الثّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُ ابْنِ رَوْقٍ وقُطْرُبٍ: إنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ وتَواصَوْا بِالإعْراضِ عَنْهُ أرادَ اللَّهُ تَعالى لَمّا أحَبَّ مِن صَلاحِهِمْ ونَفْعِهِمْ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ ما لا يَعْرِفُونَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْكاتِهِمْ واسْتِماعِهِمْ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُرُوفَ فَكانُوا إذا سَمِعُوها قالُوا كالمُتَعَجِّبِينَ: اسْمَعُوا إلى ما يَجِيءُ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا أصْغَوْا هَجَمَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِماعِهِمْ وطَرِيقًا إلى انْتِفاعِهِمْ. الثّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُ أبِي العالِيَةِ إنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنها في مُدَّةِ أقْوامٍ، وآجالِ آخَرِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَتْلُو سُورَةَ البَقَرَةِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾، ثُمَّ أتى أخُوهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ فَسَألُوهُ عَنْ ”﴿الم﴾“ وقالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أحَقٌّ أنَّها أتَتْكَ مِنَ السَّماءِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”نَعَمْ كَذَلِكَ نَزَلَتْ“، فَقالَ حُيَيٌّ: إنْ كُنْتَ صادِقًا إنِّي لَأعْلَمُ أجَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ قالَ كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينِ رَجُلٍ دَلَّتْ هَذِهِ الحُرُوفُ بِحِسابِ الجُمَلِ عَلى أنَّ مُنْتَهى أجَلِ أُمَّتِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ حُيَيٌّ فَهَلْ غَيْرُ هَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ ﴿المص﴾، فَقالَ حُيَيٌّ: هَذا أكْثَرُ مِنَ الأوَّلِ هَذا مِائَةٌ وإحْدى وسِتُّونَ سَنَةً، فَهَلْ غَيْرُ هَذا، قالَ: نَعَمْ (الر)، فَقالَ حُيَيٌّ هَذا أكْثَرُ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، فَنَحْنُ نَشْهَدُ إنْ كُنْتَ صادِقًا ما مَلَكَتْ أُمَّتُكَ إلّا مِائَتَيْنِ وإحْدى وثَلاثِينَ سَنَةً، فَهَلْ غَيْرُ هَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ ﴿المر﴾، قالَ حُيَيٌّ: فَنَحْنُ نَشْهَدُ أنّا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا نَدْرِي بِأيِّ أقْوالِكَ نَأْخُذُ. فَقالَ أبُو ياسِرٍ: أمّا أنا فَأشْهَدُ عَلى أنَّ أنْبِياءَنا قَدْ أخْبَرُونا عَنْ مُلْكِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُبَيِّنُوا أنَّها كَمْ تَكُونُ، فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ إنِّي لَأُراهُ يُسْتَجْمَعُ لَهُ هَذا كُلُّهُ، فَقامَ اليَهُودُ وقالُوا اشْتَبَهَ عَلَيْنا أمْرُكَ كُلُّهُ، فَلا نَدْرِي أبِالقَلِيلِ نَأْخُذُ أمْ بِالكَثِيرِ ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ»﴾ ) [آلِ عِمْرانَ: ٧] . الرّابِعَ عَشَرَ: هَذِهِ الحُرُوفُ تَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ كَلامٍ واسْتِئْنافِ كَلامٍ آخَرَ، قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى بْنِ ثَعْلَبٍ: إنَّ العَرَبَ إذا اسْتَأْنَفَتْ كَلامًا فَمِن شَأْنِهِمْ أنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ غَيْرِ الكَلامِ الَّذِي يُرِيدُونَ اسْتِئْنافَهُ، فَيَجْعَلُونَهُ تَنْبِيهًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى قَطْعِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتِئْنافِ الكَلامِ الجَدِيدِ. الخامِسَ عَشَرَ: رَوى ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ ثَناءٌ أثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ عَلى نَفْسِهِ. السّادِسَ عَشَرَ: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِالحُرُوفِ المُعْجَمَةِ لِشَرَفِها وفَضْلِها ولِأنَّها مَبانِي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ بِالألْسِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، ومَبانِي أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا، وأُصُولُ كَلامِ الأُمَمِ، بِها يَتَعارَفُونَ ويَذْكُرُونَ اللَّهَ ويُوَحِّدُونَهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ البَعْضِ وإنْ كانَ المُرادُ هو الكُلَّ، كَما تَقُولُ قَرَأْتُ صفحة ٨ الحَمْدَ، وتُرِيدُ السُّورَةَ بِالكُلِّيَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أُقْسِمُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إنَّ هَذا الكِتابَ هو ذَلِكَ الكِتابُ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ التَّكَلُّمَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ وإنْ كانَ مُعْتادًا لِكُلِّ أحَدٍ إلّا أنَّ كَوْنَها مُسَمّاةً بِهَذِهِ الأسْماءِ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعَلُّمٍ واسْتِفادَةٍ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَها لِيَكُونَ أوَّلُ ما يُسْمَعُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِهِ. الثّامِنَ عَشَرَ: قالَ أبُو بَكْرٍ التِّبْرِيزِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّ طائِفَةً مِن هَذِهِ الأُمَّةِ تَقُولُ بِقِدَمِ القُرْآنِ فَذَكَرَ هَذِهِ الحُرُوفَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَلامَهُ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، فَيَجِبُ أنْ لا يَكُونَ قَدِيمًا. التّاسِعَ عَشَرَ: قالَ القاضِي الماوَرْدِيُّ: المُرادُ مِن ”﴿الم﴾“ أنَّهُ ألَمَّ بِكم ذَلِكَ الكِتابُ، أيْ نَزَلَ عَلَيْكم، والإلْمامُ الزِّيارَةُ، وإنَّما قالَ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِهِ نُزُولَ الزّائِرِ. العِشْرُونَ: الألِفُ إشارَةٌ إلى ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الِاسْتِقامَةِ في أوَّلِ الأمْرِ، وهو رِعايَةُ الشَّرِيعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠] واللّامُ إشارَةٌ إلى الِانْحِناءِ الحاصِلِ عِنْدَ المُجاهَداتِ، وهو رِعايَةُ الطَّرِيقَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٩]، والمِيمُ إشارَةٌ إلى أنْ يَصِيرَ العَبْدُ في مَقامِ المَحَبَّةِ كالدّائِرَةِ الَّتِي يَكُونُ نِهايَتُها عَيْنَ بِدايَتِها وبِدايَتُها عَيْنَ نِهايَتِها، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالفَناءِ في اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، وهو مَقامُ الحَقِيقَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنْعامِ: ٩١] . الحادِي والعِشْرُونَ: الألِفُ مِن أقْصى الحَلْقِ، وهو أوَّلُ مَخارِجِ الحُرُوفِ، واللّامُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، وهو وسَطُ المَخارِجِ، والمِيمُ مِنَ الشَّفَةِ، وهو آخِرُ المَخارِجِ، فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أوَّلَ ذِكْرِ العَبْدِ ووَسَطَهُ وآخِرَهُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، عَلى ما قالَ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٠] . والمُخْتارُ عِنْدَ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّها أسْماءُ السُّوَرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إمّا أنْ لا تَكُونَ مَفْهُومَةً، أوْ تَكُونَ مَفْهُومَةً، والأوَّلُ باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ التَّكَلُّمُ مَعَ العَرَبِيِّ بِلُغَةِ الزَّنْجِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ أجْمَعَ بِأنَّهُ هُدًى وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ غَيْرَ مَعْلُومٍ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنها جَعْلَها أسْماءَ الألْقابِ، أوْ أسْماءَ المَعانِي، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ في لُغَةِ العَرَبِ لِهَذِهِ المَعانِي الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُها عَلَيْها؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، فَلا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى ما لا يَكُونُ حاصِلًا في لُغَةِ العَرَبِ؛ ولِأنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً، ولَيْسَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى بَعْضِ ما ذَكَرُوهُ أوْلى مِن دَلالَتِها عَلى الباقِي، فَإمّا أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ، وهو مُتَعَذِّرٌ بِالإجْماعِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّما حَمَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن حَمَلَها عَلى الكُلِّ، أوْ لا يُحْمَلَ عَلى شَيْءٍ مِنها، وهو الباقِي، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ الحُكْمُ بِأنَّها مِن أسْماءِ الألْقابِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الألْفاظُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، قَوْلُهُ: ”لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ التَّكَلُّمُ مَعَ العَرَبِيِّ بِلُغَةِ الزَّنْجِ“ قُلْنا: ولِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ ؟ وبَيانُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِالمِشْكاةِ وهو بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والسِّجِّيلُ والإسْتَبْرَقُ فارِسِيّانِ، قَوْلُهُ: ”وصْفُ القُرْآنِ أجْمَعَ بِأنَّهُ هُدًى وبَيانٌ“ قُلْنا: لا نِزاعَ في اشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى المُجْمَلاتِ والمُتَشابِهاتِ، فَإذا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في كَوْنِهِ هُدًى وبَيانًا فَكَذا هَهُنا، سَلَّمْنا أنَّها مَفْهُومَةٌ، لَكِنَّ قَوْلَكَ: ”إنِّها إمّا أنْ تَكُونَ مِن أسْماءِ الألْقابِ أوْ مِن أسْماءِ المَعانِي“ إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُها مَوْضُوعَةً لِإفادَةِ أمْرٍ ما وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِها لِحِكْمَةٍ أُخْرى، مِثْلَ ما قالَ قُطْرُبٌ مِن أنَّهم لَمّا تَواضَعُوا في الِابْتِداءِ صفحة ٩ عَلى أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى القُرْآنِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِأنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الأحْرُفِ في الِابْتِداءِ حَتّى يَتَعَجَّبُوا عِنْدَ سَماعِها فَيَسْكُتُوا، فَحِينَئِذٍ يَهْجِمُ القُرْآنُ عَلى أسْماعِهِمْ، سَلَّمْنا أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِأمْرٍ ما، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها مِن أسْماءِ المَعانِي ؟ قَوْلُهُ: ”إنَّها في اللُّغَةِ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِشَيْءٍ البَتَّةَ“، قُلْنا لا نِزاعَ في أنَّها وحْدَها غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِشَيْءٍ، ولَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها مَعَ القَرِينَةِ المَخْصُوصَةِ تُفِيدُ مَعْنًى مُعَيَّنًا ؟ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: (أحَدُها): أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَدّاهم بِالقُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَلَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحُرُوفَ دَلَّتْ قَرِينَةُ الحالِ عَلى أنَّ مُرادَهُ تَعالى مِن ذِكْرِها أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما تَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي أنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، فَلَوْ كانَ هَذا مِن فِعْلِ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ تَقْدِرُوا عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. (وثانِيها): أنَّ حَمْلَ هَذِهِ الحُرُوفِ عَلى حِسابِ الجُمَلِ عادَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ النّاسِ. (وثالِثُها): أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ لَمّا كانَتْ أُصُولَ الكَلامِ كانَتْ شَرِيفَةً عَزِيزَةً، فاللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِها كَما أقْسَمَ بِسائِرِ الأشْياءِ. (ورابِعُها): أنَّ الِاكْتِفاءَ مِنَ الِاسْمِ الواحِدِ بِحَرْفٍ واحِدٍ مِن حُرُوفِهِ عادَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الحُرُوفَ تَنْبِيهًا عَلى أسْمائِهِ تَعالى. سَلَّمْنا دَلِيلَكم لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِوُجُوهٍ: (أحَدُها): أنّا وجَدْنا السُّوَرَ الكَثِيرَةَ اتَّفَقَتْ في (الم) و(حم) فالِاشْتِباهُ حاصِلٌ فِيها، والمَقْصُودُ مِنِ اسْمِ العَلَمِ إزالَةُ الِاشْتِباهِ. فَإنْ قِيلَ: يَشْكُلُ هَذا بِجَماعَةٍ كَثِيرِينَ يُسَمَّوْنَ بِمُحَمَّدٍ؛ فَإنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ لا يُنافِي العَلَمِيَّةَ. قُلْنا: قَوْلُنا (الم) لا يُفِيدُ مَعْنًى البَتَّةَ، فَلَوْ جَعَلْناهُ عَلَمًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ سِوى التَّعْيِينِ وإزالَةِ الِاشْتِباهِ فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الغَرَضُ امْتَنَعَ جَعْلُهُ عَلَمًا، بِخِلافِ التَّسْمِيَةِ بِمُحَمَّدٍ، فَإنَّ في التَّسْمِيَةِ بِهِ مَقاصِدَ أُخْرى سِوى التَّعْيِينِ، وهو التَّبَرُّكُ بِهِ لِكَوْنِهِ اسْمًا لِلرَّسُولِ، ولِكَوْنِهِ دالًّا عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الشَّرَفِ، فَجازَ أنْ يَقْصِدَ التَّسْمِيَةَ بِهِ لِغَرِضٍ آخَرَ مِن هَذِهِ الأغْراضِ سِوى التَّعْيِينِ، بِخِلافِ قَوْلِنا: (الم) فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ سِوى التَّعْيِينِ، فَإذا لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الفائِدَةَ كانَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِ عَبَثًا مَحْضًا. (وثانِيها): لَوْ كانَتْ هَذِهِ الألْفاظُ أسْماءً لِلسُّوَرِ لَوَجَبَ أنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأسْماءَ لَيْسَتْ عَلى قَوانِينِ أسْماءِ العَرَبِ، والأُمُورُ العَجِيبَةُ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى نَقْلِها لا سِيَّما فِيما لا يَتَعَلَّقُ بِإخْفائِهِ رَغْبَةٌ أوْ رَهْبَةٌ، ولَوْ تَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِها لَصارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ وارْتَفَعَ الخِلافُ فِيهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِن أسْماءِ السُّوَرِ. (وثالِثُها): أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلِسانِ العَرَبِ، وهم ما تَجاوَزُوا ما سَمَّوْا بِهِ مَجْمُوعَ اسْمَيْنِ نَحْوَ مَعْدِ يَكْرِبَ وبَعْلَبَكَّ، ولَمْ يُسَمِّ أحَدٌ مِنهم بِمَجْمُوعِ ثَلاثَةِ أسْماءٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ، فالقَوْلُ بِأنَّها أسْماءُ السُّوَرِ خُرُوجٌ عَنْ لُغَةِ العَرَبِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. (ورابِعُها): أنَّها لَوْ كانَتْ أسْماءَ هَذِهِ السُّوَرِ لَوَجَبَ اشْتِهارُ هَذِهِ السُّوَرِ بِها لا بِسائِرِ الأسْماءِ، لَكِنَّها إنَّما اشْتَهَرَتْ بِسائِرِ الأسْماءِ، كَقَوْلِهِمْ سُورَةُ البَقَرَةِ وسُورَةُ آلِ عِمْرانَ. (وخامِسُها): هَذِهِ الألْفاظُ داخِلَةٌ في السُّورَةِ وجُزْءٍ مِنها، وجُزْءُ الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّيْءِ بِالرُّتْبَةِ، واسْمُ الشَّيْءِ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّيْءِ بِالرُّتْبَةِ، فَلَوْ جَعَلْناها اسْمًا لِلسُّورَةِ لَزِمَ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مَعًا، وهو مُحالٌ، فَإنْ قِيلَ: مَجْمُوعُ قَوْلِنا: ”صادٌ“ اسْمٌ لِلْحَرْفِ الأوَّلِ مِنهُ، فَإذا جازَ أنْ يَكُونَ المُرَكَّبُ اسْمًا لِبَعْضِ مُفْرَداتِهِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَعْضُ مُفْرَداتِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ اسْمًا لِذَلِكَ المُرَكَّبِ ؟ قُلْنا: الفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُرَكَّبَ يَتَأخَّرُ عَنِ المُفْرَدِ، والِاسْمُ يَتَأخَّرُ عَنِ المُسَمّى، فَلَوْ جَعَلْنا المُرَكَّبَ اسْمًا لِلْمُفْرَدِ لَمْ يَلْزَمْ إلّا تَأخُّرُ ذَلِكَ المُرَكَّبِ عَلى ذَلِكَ المُفْرَدِ مِن وجْهَيْنِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٌ، أمّا لَوْ جَعَلْنا المُفْرَدَ اسْمًا لِلْمُرَكَّبِ لَزِمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُفْرَدٌ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا ومِن حَيْثُ إنَّهُ اسْمٌ كَوْنُهُ مُتَأخِّرًا، وذَلِكَ مُحالٌ. (وسادِسُها): لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا تَخْلُوَ سُورَةٌ مِن سُوَرِ القُرْآنِ مِنِ اسْمٍ عَلى هَذا الوَجْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ. صفحة ١٠ الجَوابُ: ”قَوْلُهُ المِشْكاةُ والسِّجِّيلُ لَيْسَتا مِن لُغَةِ العَرَبِ“ قُلْنا: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَرَبِيٌّ، لَكِنَّهُ مُوافِقٌ لِسائِرِ اللُّغاتِ، وقَدْ يَتَّفِقُ مِثْلُ ذَلِكَ في اللُّغَتَيْنِ. الثّانِي: أنَّ المُسَمّى بِهَذِهِ الأسْماءِ لَمْ يُوجَدْ أوَّلًا في بِلادِ العَرَبِ، فَلَمّا عَرَفُوهُ عَرَفُوا مِنها أسْماءَها، فَتَكَلَّمُوا بِتِلْكَ الأسْماءِ، فَصارَتْ تِلْكَ الألْفاظُ عَرَبِيَّةً أيْضًا. قَوْلُهُ: ”وُجِدَ أنَّ المُجْمَلَ في كِتابِ اللَّهِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ بَيانًا“ قُلْنا: كُلُّ مُجْمَلٍ وُجِدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى قَدْ وُجِدَ في العَقْلِ، أوْ في الكِتابِ، أوْ في السُّنَّةِ بَيانُهُ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، إنَّما البَيانُ فِيما لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مُرادِ اللَّهِ مِنهُ. وقَوْلُهُ: ”لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الألْفاظِ إسْكاتَهم عَنِ الشَّغَبِ ؟“ قُلْنا: لَوْ جازَ ذِكْرُ هَذِهِ الألْفاظِ لِهَذا الغَرَضِ فَلْيَجُزْ ذِكْرُ سائِرِ الهَذَياناتِ لِمِثْلِ هَذا الغَرَضِ، وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ. وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَنا: ”﴿الم﴾“ غَيْرُ مَوْضُوعٍ في لُغَةِ العَرَبِ لِإفادَةِ تِلْكَ المَعانِي، فَلا يَجُوزُ اسْتِعْمالُها فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ولِأنَّها مُتَعارِضَةٌ، فَلَيْسَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى بَعْضِها أوْلى مِنَ البَعْضِ؛ ولِأنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لانْفَتَحَتْ أبْوابُ تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ وسائِرِ الهَذَياناتِ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. أمّا الجَوابُ عَنِ المُعارَضَةِ الأُولى: فَهو أنْ لا يَبْعُدَ أنْ يَكُونَ في تَسْمِيَةِ السُّوَرِ الكَثِيرَةِ بِاسْمٍ واحِدٍ - ثُمَّ يُمَيَّزُ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَنِ الآخَرِ بِعَلامَةٍ أُخْرى - حِكْمَةٌ خَفِيَّةٌ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ تَسْمِيَةَ السُّورَةِ بِلَفْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَيْسَتْ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، فَجازَ أنْ لا يَبْلُغَ في الشُّهْرَةِ إلى حَدِّ التَّواتُرِ. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ خُرُوجٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ إذا جُعِلَتِ اسْمًا واحِدًا عَلى طَرِيقَةِ ”حَضْرَمَوْتَ“ فَأمّا غَيْرُ مَرَكَّبَةٍ بَلْ صُورَةُ نَثْرِ أسْماءِ الأعْدادِ فَذاكَ جائِزٌ؛ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلى جَوازِ التَّسْمِيَةِ بِالجُمْلَةِ، والبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ، والتَّسْمِيَةِ بِطائِفَةٍ مِن أسْماءِ حُرُوفِ المُعْجَمِ. وعَنِ الرّابِعِ: أنَّهُ لا يَبْعُدَ أنْ يَصِيرَ اللَّقَبُ أكْثَرَ شُهْرَةً مِنَ الِاسْمِ فَكَذا هَهُنا. وعَنِ الخامِسِ: أنَّ الِاسْمَ لَفْظٌ دالٌّ عَلى أمْرٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى زَمانِهِ المُعَيَّنِ، ولَفْظُ الِاسْمِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الِاسْمُ اسْمًا لِنَفْسِهِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُزْءُ الشَّيْءِ اسْمًا لَهُ. وعَنِ السّادِسِ: أنَّ وضْعَ الِاسْمِ إنَّما يَكُونُ بِحَسَبِ الحِكْمَةِ، ولا يَبْعُدَ أنْ تَقْتَضِيَ الحِكْمَةُ وضْعَ الِاسْمِ لِبَعْضِ السُّوَرِ دُونَ البَعْضِ. عَلى أنَّ القَوْلَ الحَقَّ: أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَهَذا مُنْتَهى الكَلامِ في نُصْرَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. واعْلَمْ أنَّ بَعْدَ هَذا المَذْهَبِ الَّذِي نَصَرْناهُ بِالأقْوالِ الَّتِي حَكَيْناها قَوْلُ قُطْرُبٍ: مِن أنَّ المُشْرِكِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ فَكانَ إذا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ ما فَهِمُوا مِنها شَيْئًا، والإنْسانُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ، فَكانُوا يُصْغُونَ إلى القُرْآنِ ويَتَفَكَّرُونَ ويَتَدَبَّرُونَ في مَقاطِعِهِ ومَطالِعِهِ؛ رَجاءَ أنَّهُ رُبَّما جاءَ كَلامٌ يُفَسِّرُ ذَلِكَ المُبْهَمَ، ويُوضِحُّ ذَلِكَ المُشْكِلَ. فَصارَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى أنْ يَصِيرُوا مُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ ومُتَدَبِّرِينَ في مَطالِعِهِ ومَقاطِعِهِ. والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا المَذْهَبَ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ ما جاءَتْ إلّا في أوائِلِ السُّوَرِ، وذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ الغَرَضَ ما ذَكَرْنا. والثّانِي: أنَّ صفحة ١١ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ الحِكْمَةَ في إنْزالِ المُتَشابِهاتِ هي أنَّ المُعَلِّلَ لَمّا عَلِمَ اشْتِمالَ القُرْآنِ عَلى المُتَشابِهاتِ فَإنَّهُ يَتَأمَّلُ القُرْآنَ ويَجْتِهِدُ في التَّفَكُّرِ فِيهِ عَلى رَجاءِ أنَّهُ رَبَّما وجَدَ شَيْئًا يُقَوِّي قَوْلَهُ ويَنْصُرُ مَذْهَبَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِهِ عَلى المُحْكَماتِ المُخَلِّصَةِ لَهُ عَنِ الضَّلالاتِ، فَإذا جازَ إنْزالُ المُتَشابِهاتِ الَّتِي تُوهِمُ الضَّلالاتِ لِمِثْلِ هَذا الغَرَضِ فَلَأنْ يَجُوزَ إنْزالُ هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي لا تُوهِمُ شَيْئًا مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ لِمِثْلِ هَذا الغَرَضِ كانَ أوْلى. أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَوْ جازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالزَّنْجِيَّةِ مَعَ العَرَبِيِّ، وأنْ يَتَكَلَّمَ بِالهَذَيانِ لِهَذا الغَرَضِ، وأيْضًا فَهَذا يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ هُدًى وبَيانًا، لَكِنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَكَلَّمَ بِالزَّنْجِيَّةِ مَعَ العَرَبِيِّ - وكانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِمِثْلِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ - فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جائِزًا ؟ وتَحْقِيقُهُ أنَّ الكَلامَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ، والدّاعِي إلَيْهِ قَدْ يَكُونُ هو الإفادَةَ، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَها، قَوْلُهُ: ”إنَّهُ يَكُونُ هَذَيانًا“ قُلْنا: إنْ عَنَيْتَ بِالهَذَيانِ الفِعْلَ الخالِيَ عَنِ المَصْلَحَةِ بِالكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ عَنَيْتَ بِهِ الألْفاظَ الخالِيَةَ عَنِ الإفادَةِ فَلِمَ قُلْتَ إنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في الحِكْمَةِ إذا كانَ فِيها وُجُوهٌ أُخَرُ مِنَ المَصْلَحَةِ سِوى هَذا الوَجْهِ ؟ وأمّا وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى وبَيانًا فَذَلِكَ لا يُنافِي ما قُلْناهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الغَرَضُ ما ذَكَرْناهُ كانَ اسْتِماعُها مِن أعْظَمِ وُجُوهِ البَيانِ والهُدى واللَّهُ أعْلَمُ. (فُرُوعٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّها أسْماءُ السُّوَرِ): الأوَّلُ: هَذِهِ الأسْماءُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: يَتَأتّى فِيهِ الإعْرابُ، وهو إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا مُفْرَدًا ”كَصادْ، وقافْ، ونُونْ“ أوْ أسْماءً عِدَّةً مَجْمُوعُها عَلى زِنَةِ مُفْرَدٍ كحم، وطس ويس؛ فَإنِّها مُوازِنَةٌ لِقابِيلَ وهابِيلَ، وأمّا ”طسم“ فَهو وإنْ كانَ مُرَكَّبًا مِن ثَلاثَةِ أسْماءٍ فَهو كَدَرابَجِرْدَ، وهو مِن بابِ ما لا يَنْصَرِفُ، لِاجْتِماعِ سَبَبَيْنِ فِيها وهُما العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ. والثّانِي: ما لا يَتَأتّى فِيهِ الإعْرابُ، نَحْوَ كهيعص، والمر، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا المُفْرَدَةُ فَفِيها قِراءَتانِ: إحْداهُما: قِراءَةُ مَن قَرَأ صادْ وقافْ ونُونْ بِالفَتْحِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوَ: اذْكُرْ، وإنَّما لَمْ يَصْحَبْهُ التَّنْوِينُ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وأجازَ سِيبَوَيْهِ مِثْلَهُ في حم وطس ويس لَوْ قُرِئَ بِهِ، وحَكى السِّيرافِيُّ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ ”يس“ بِفَتْحِ النُّونِ؛ وأنْ يَكُونَ الفَتْحُ جَرًّا، وذَلِكَ بِأنْ يُقَدِّرَها مَجْرُورَةً بِإضْمارِ الباءِ القَسَمِيَّةِ، فَقَدْ جاءَ عَنْهم: ”اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“ غَيْرَ أنَّها فُتِحَتْ في مَوْضِعِ الجَرِّ لِكَوْنِها غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِما رُوِّينا عَنْ بَعْضِهِمْ ”أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ“ . وثانِيتُهُما: قِراءَةُ بَعْضِهِمْ صادْ بِالكَسْرِ، وسَبَبُهُ التَّحْرِيكُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. أمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو ما لا يَتَأتّى الإعْرابُ فِيهِ - فَهو يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا، ومَعْناهُ أنْ يُجاءَ بِالقَوْلِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَلى اسْتِبْقاءِ صُورَتِهِ الأُولى كَقَوْلِكَ: ”دَعْنِي مِن تَمْرَتانِ“ . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْرَدَ في هَذِهِ الفَواتِحِ نِصْفَ أسامِي حُرُوفِ المُعْجَمِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ سَواءً، وهي: الألِفُ، واللّامُ، والمِيمُ، والصّادُ، والرّاءُ، والكافُ، والهاءُ، والياءُ، والعَيْنُ والطّاءُ، والسِّينُ، والحاءُ، والقافُ، والنُّونُ، في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً. الثّالِثُ: هَذِهِ الفَواتِحُ جاءَتْ مُخْتَلِفَةَ الأعْدادِ، فَوَرَدَتْ ”ص ق ن“ عَلى حَرْفٍ، و”طه وطس ويس وحم“ عَلى حَرْفَيْنِ، و”الم والر وطسم“ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ، والمص والمر عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ، و”كهعيص“ و”حم عسق“ عَلى خَمْسَةِ أحْرُفٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أبْنِيَةَ كَلِماتِهِمْ عَلى حَرْفٍ وحَرْفَيْنِ إلى خَمْسَةِ أحْرُفٍ فَقَطْ فَكَذا هَهُنا. صفحة ١٢ الرّابِعُ: هَلْ لِهَذِهِ الفَواتِحِ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ: إنْ جَعَلْناها أسْماءً لِلسُّوَرِ فَنَعَمْ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ، أمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وأمّا النَّصْبُ والجَرُّ فَلِما مَرَّ مِن صِحَّةِ القَسَمِ بِها، ومَن لَمْ يَجْعَلْها أسْماءً لِلسُّورِ لَمْ يَتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ لَها مَحَلٌّ عَلى قَوْلِهِ، كَما لا مَحَلَّ لِلْجُمَلِ المُبْتَدَأةِ ولِلْمُفْرَداتِ المَعْدُودَةِ.

البقرة 2:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُشارُ إلَيْهِ هَهُنا حاضِرٌ، و”ذَلِكَ“ اسْمٌ مُبْهَمٌ يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حاضِرٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ما قالَهُ الأصَمُّ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ بَعْضَهُ بَعْدَ بَعْضٍ، فَنَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ سُوَرٌ كَثِيرَةٌ، وهي كُلُّ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ مِمّا فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى التَّوْحِيدِ وفَسادِ الشِّرْكِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ وإثْباتِ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ يُسَمّى بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٤] وقالَ حاكِيًا عَنِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجِنِّ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحْقافِ: ٣٠] وهم ما سَمِعُوا إلّا البَعْضَ، وهُو الَّذِي كانَ قَدْ نَزَلَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ كِتابًا لا يَمْحُوهُ الماحِي، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِذَلِكَ ورَوَتِ الأُمَّةُ ذَلِكَ عَنْهُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٥] وهَذا في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وهي إنَّما نَزَلَتْ في ابْتِداءِ المَبْعَثِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وأكْثَرُها احْتِجاجٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أخْبَرَهم مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ مُحَمَّدًا ﷺ ويُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابًا فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ أيِ الكِتابُ الَّذِي أخْبَرَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤] وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِذَلِكَ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَقُولَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ لِيُعْلِمَ أنَّ هَذا المُنَزَّلَ هو ذَلِكَ الكِتابُ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وخامِسُها: أنَّهُ وقَعَتِ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ”الم“ بَعْدَ ما سَبَقَ التَّكَلُّمُ بِهِ وانْقَضى، والمُنْقَضِي في حُكْمِ المُتَباعَدِ. وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ وقَعَ في حَدِّ البُعْدِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ - وقَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا - احْتَفِظْ بِذَلِكَ. وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا اشْتَمَلَ عَلى حِكَمٍ عَظِيمَةٍ وعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَسَّرُ اطِّلاعُ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَلَيْها بِأسْرِها - والقُرْآنُ وإنْ كانَ حاضِرًا نَظَرًا إلى صُورَتِهِ لَكِنَّهُ غائِبٌ نَظَرًا إلى أسْرارِهِ وحَقائِقِهِ - فَجازَ أنْ يُشارَ إلَيْهِ كَما يُشارُ إلى البَعِيدِ الغائِبِ. المَقامُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حاضِرٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَةَ ”ذَلِكَ“ لا يُشارُ بِها إلّا إلى البَعِيدِ، بَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ وهَذا حَرْفا إشارَةٍ، وأصْلُهُما ”ذا“؛ لِأنَّهُ حَرْفٌ لِلْإشارَةِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] ومَعْنى ”ها“ تَنْبِيهٌ، فَإذا قَرُبَ الشَّيْءُ أُشِيرَ إلَيْهِ فَقِيلَ: هَذا، أيْ تَنَبَّهْ صفحة ١٣ أيُّها المُخاطَبُ لِما أشَرْتُ إلَيْهِ فَإنَّهُ حاضِرٌ لَكَ بِحَيْثُ تَراهُ، وقَدْ تَدْخُلُ الكافُ عَلى ”ذا“ لِلْمُخاطَبَةِ واللّامُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإشارَةِ فَقِيلَ: ”ذَلِكَ“ فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ بالِغٌ في التَّنْبِيهِ لِتَأخُّرِ المُشارِ إلَيْهِ عَنْهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَةَ ذَلِكَ لا تُفِيدُ البُعْدَ في أصْلِ الوَضْعِ، بَلِ اخْتُصَّ في العُرْفِ بِالإشارَةِ إلى البَعِيدِ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَصارَتْ كالدّابَّةِ، فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ في العُرْفِ بِالفَرَسِ، وإنْ كانَتْ في أصْلِ الوَضْعِ مُتَناوِلَةً لِكُلِّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنّا نَحْمِلُهُ هَهُنا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ العُرْفِيِّ، وحِينَئِذٍ لا يُفِيدُ البُعْدَ؛ ولِأجْلِ هَذِهِ المُقارَبَةِ يُقامُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ مَقامَ الآخَرِ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٥-٤٨] ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٩] وقالَ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٢، ٥٣] وقالَ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وقالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٥، ٢٦] وقالَ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٥] ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٦] وقالَ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٧٣] أيْ هَكَذا يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، وقالَ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ [طه: ١٧] أيْ ما هَذِهِ الَّتِي بِيَمِينِكَ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ ذَكَّرَ اسْمَ الإشارَةِ والمُشارُ إلَيْهِ مُؤَنَّثٌ، وهو السُّورَةُ ؟ الجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ مُؤَنَّثٌ؛ لِأنَّ المُؤَنَّثَ إمّا المُسَمّى أوِ الِاسْمُ، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى هو ذَلِكَ البَعْضُ مِنَ القُرْآنِ وهو لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ، وأمّا الِاسْمُ فَهو (الم) وهو لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ، نَعَمْ ذَلِكَ المُسَمّى لَهُ اسْمٌ آخَرُ وهو السُّورَةُ وهو مُؤَنَّثٌ، لَكِنَّ المَذْكُورَ السّابِقَ هو الِاسْمُ الَّذِي لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ وهو (الم)، لا الَّذِي هو مُؤَنَّثٌ وهو السُّورَةُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أسْماءَ القُرْآنِ كَثِيرَةٌ: أحَدُها: الكِتابُ، وهو مَصْدَرٌ كالقِيامِ والصِّيامِ، وقِيلَ: فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ كاللِّباسِ بِمَعْنى المَلْبُوسِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ قالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ [ص: ٢٩] والكِتابُ جاءَ في القُرْآنِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: الفَرْضُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٢ ) ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النِّساءِ: ١٠٣] . وثانِيها: الحُجَّةُ والبُرْهانُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٥٧] أيْ بُرْهانِكم. وثالِثُها: الأجَلُ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤] أيْ أجَلٌ. ورابِعُها: بِمَعْنى مُكاتَبَةِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٣] وهَذا المَصْدَرُ فِعالٌ بِمَعْنى المُفاعَلَةِ كالجِدالِ والخِصامِ والقِتالِ بِمَعْنى المُجادَلَةِ والمُخاصَمَةِ والمُقاتَلَةِ، واشْتِقاقُ الكُتُبِ مِن كَتَبْتُ الشَّيْءَ إذا جَمَعْتَهُ، وسُمِّيَتِ الكَتِيبَةُ لِاجْتِماعِها، فَسُمِّيَ الكِتابُ كِتابًا لِأنَّهُ كالكَتِيبَةِ عَلى عَساكِرِ الشُّبُهاتِ، أوْ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ العُلُومِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ألْزَمَ فِيهِ التَّكالِيفَ عَلى الخَلْقِ. وثانِيها: القُرْآنُ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسْراءِ: ٨٨] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القُرْآنَ والقِراءَةَ صفحة ١٤ واحِدٌ، كالخُسْرانِ والخَسارَةِ واحِدٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القِيامَةِ: ١٨] أيْ تِلاوَتَهُ، أيْ إذا تَلَوْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ تِلاوَتَهُ. الثّانِي وهو قَوْلُ قَتادَةَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِ القائِلِ: قَرَأْتُ الماءَ في الحَوْضِ إذا جَمَعْتَهُ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: سُمِّيَ القُرْآنُ قُرْآنًا لِأنَّ الحُرُوفَ جُمِعَتْ فَصارَتْ كَلِماتٍ، والكَلِماتُ جُمِعَتْ فَصارَتْ آياتٍ، والآياتُ جُمِعَتْ فَصارَتْ سُوَرًا، والسُّوَرُ جُمِعَتْ فَصارَتْ قُرْآنًا، ثُمَّ جُمِعَ فِيهِ عُلُومُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. فالحاصِلُ أنَّ اشْتِقاقَ لَفْظِ القُرْآنِ إمّا مِنَ التِّلاوَةِ أوْ مِنَ الجَمْعِيَّةِ. وثالِثُها: الفُرْقانُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفُرْقانِ: ١] ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ نُزُولَهُ كانَ مُتَفَرِّقًا أنْزَلَهُ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] ونَزَلَتْ سائِرُ الكُتُبِ جُمْلَةً واحِدَةً، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٢] وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ، والمُجْمَلِ والمُبَيَّنِ، والمُحْكَمِ والمُؤَوَّلِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ هو النَّجاةُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَلْقَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ فَبِالقُرْآنِ وجَدُوا النَّجاةَ، وعَلَيْهِ حَمَلَ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٣] . ورابِعُها: الذِّكْرُ، والتَّذْكِرَةُ، والذِّكْرى، أمّا الذِّكْرُ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] . ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ذَكَّرَ بِهِ عِبادَهُ فَعَرَّفَهم تَكالِيفَهُ وأوامِرَهُ. والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ وشَرَفٌ وفَخْرٌ لِمَن آمَنَ بِهِ، وأنَّهُ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأُمَّتِهِ، وأمّا التَّذْكِرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٨] وأمّا الذِّكْرى فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . وخامِسُها: التَّنْزِيلُ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٢-١٩٣] . وسادِسُها: الحَدِيثُ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] سَمّاهُ حَدِيثًا؛ لِأنَّ وُصُولَهُ إلَيْكَ حَدِيثٌ، ولِأنَّهُ تَعالى شَبَّهَهُ بِما يُتَحَدَّثُ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ خاطَبَ بِهِ المُكَلَّفِينَ. وسابِعُها: المَوْعِظَةُ ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٥٧] وهو في الحَقِيقَةِ مَوْعِظَةٌ لِأنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، والآخِذُ جِبْرِيلُ، والمُسْتَمْلِي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكَيْفَ لا تَقَعُ بِهِ المَوْعِظَةُ. وثامِنُها: الحُكْمُ، والحِكْمَةُ، والحَكِيمُ، والمُحْكَمُ، أمّا الحُكْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرَّعْدِ: ٣٧] وأمّا الحِكْمَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القَمَرِ: ٥] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٤] وأمّا الحَكِيمُ فَقَوْلُهُ: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢] وأمّا المُحْكَمُ فَقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] واخْتَلَفُوا في مَعْنى الحِكْمَةِ، فَقالَ الخَلِيلُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الإحْكامِ والإلْزامِ، وقالَ المُؤَرِّجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن حِكْمَةِ اللِّجامِ؛ لِأنَّها تَضْبِطُ الدّابَّةِ، والحِكْمَةُ تَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ. وتاسِعُها: الشِّفاءُ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يُونُسَ: ٥٧] وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ. والثّانِي: أنَّهُ شِفاءٌ مِن مَرَضِ صفحة ١٥ الكُفْرِ، لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفْرَ والشَّكَّ بِالمَرَضِ، فَقالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠] وبِالقُرْآنِ يَزُولُ كُلُّ شَكٍّ عَنِ القَلْبِ، فَصَحَّ وصْفُهُ بِأنَّهُ شِفاءٌ. وعاشِرُها: الهُدى، والهادِي: أمّا الهُدى فَلِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٥٧] وأمّا الهادِي ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وقالَتِ الجِنُّ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجِنِّ: ١] . الحادِيَ عَشَرَ: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٣] . والثّانِيَ عَشَرَ: الحَبْلُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٣] في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ القُرْآنُ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِ يَتَخَلَّصُ بِهِ مِن عُقُوبَةِ الآخِرَةِ ونَكالِ الدُّنْيا، كَما أنَّ المُتَمَسِّكَ بِالحَبْلِ يَنْجُو مِنَ الغَرَقِ والمَهالِكِ، ومِن ذَلِكَ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عِصْمَةً فَقالَ: ”«إنَّ هَذا القُرْآنَ عِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ» “ لِأنَّهُ يَعْصِمُ النّاسَ مِنَ المَعاصِي. الثّالِثَ عَشَرَ: الرَّحْمَةُ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسْراءِ: ٨٢] وأيُّ رَحْمَةٍ فَوْقَ التَّخْلِيصِ مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ. الرّابِعَ عَشَرَ: الرُّوحُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وإنَّما سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِحَياةِ الأرْواحِ، وسُمِّيَ جِبْرِيلُ بِالرُّوحِ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مَرْيَمَ: ١٧] وعِيسى بِالرُّوحِ ﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النِّساءِ: ١٧١] . الخامِسَ عَشَرَ: القَصَصُ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يُوسُفَ: ٣] سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يَجِبُ اتِّباعُهُ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القَصَصِ: ١١] أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ؛ أوْ لِأنَّ القُرْآنَ يَتَتَبَّعُ قَصَصَ المُتَقَدِّمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٢] . السّادِسَ عَشَرَ: البَيانُ، والتِّبْيانُ، والمُبِينُ: أمّا البَيانُ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٨] والتِّبْيانُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] وأمّا المُبِينُ فَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [يُوسُفَ: ١] . السّابِعَ عَشَرَ: البَصائِرُ ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٣] أيْ هي أدِلَّةٌ يُبْصَرُ بِها الحَقُّ تَشْبِيهًا بِالبَصَرِ الَّذِي يَرى طَرِيقَ الخَلاصِ. الثّامِنَ عَشَرَ: الفَصْلُ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطّارِقِ: ١٣-١٤] واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ مَعْناهُ القَضاءُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْضِي بِهِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ قِيلَ لِأنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَهْدِي قَوْمًا إلى الجَنَّةِ ويَسُوقُ آخَرِينَ إلى النّارِ، فَمَن جَعَلَهُ إمامَهُ في الدُّنْيا قادَهُ إلى الجَنَّةِ، ومَن جَعَلَهُ وراءَهُ ساقَهُ إلى النّارِ. صفحة ١٦ التّاسِعَ عَشَرَ: النُّجُومُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٥] ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النَّجْمِ: ١] لِأنَّهُ نَزَلَ نَجْمًا نَجْمًا. العِشْرُونَ: المَثانِي: ﴿مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] قِيلَ لِأنَّهُ ثَنّى فِيهِ القَصَصَ والأخْبارَ. الحادِي والعِشْرُونَ: النِّعْمَةُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحى: ١١] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ. الثّانِي والعِشْرُونَ: البُرْهانُ ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] وكَيْفَ لا يَكُونُ بُرْهانًا وقَدْ عَجَزَتِ الفُصَحاءُ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ. الثّالِثُ والعِشْرُونَ: البَشِيرُ والنَّذِيرُ، وبِهَذا الِاسْمِ وقَعَتِ المُشارَكَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ قالَ تَعالى في صِفَةِ الرُّسُلِ: ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] وقالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الفَتْحِ: ٨] وقالَ في صِفَةِ القُرْآنِ في حم السَّجْدَةِ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤] يَعْنِي مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَ وبِالنّارِ مُنْذِرًا لِمَن عَصى، ومِن هَهُنا نَذْكُرُ الأسْماءَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ القُرْآنِ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ: القَيِّمُ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكَهْفِ: ٢] والدِّينُ أيْضًا قَيِّمٌ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٦] واللَّهُ سُبْحانَهُ هو القَيُّومُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وإنَّما سُمِّيَ قَيِّمًا لِأنَّهُ قائِمٌ بِذاتِهِ في البَيانِ والإفادَةِ. الخامِسُ والعِشْرُونَ: المُهَيْمِنُ ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأمِينِ، وإنَّما وُصِفَ بِهِ لِأنَّهُ مَن تَمَسَّكَ بِالقُرْآنِ أمِنَ الضَّرَرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والرَّبُّ المُهَيْمِنُ أنْزَلَ الكِتابَ المُهَيْمِنَ عَلى النَّبِيِّ الأمِينِ لِأجْلِ قَوْمٍ هم أُمَناءُ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . السّادِسُ والعِشْرُونَ: الهادِي ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسْراءِ: ٩] وقالَ: ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجِنِّ: ٢] واللَّهُ تَعالى هو الهادِي لِأنَّهُ جاءَ في الخَبَرِ ”النُّورُ الهادِي“ . السّابِعُ والعِشْرُونَ: النُّورُ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وفي القُرْآنِ ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] يَعْنِي القُرْآنَ وسُمِّيَ الرَّسُولُ نُورًا ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائِدَةِ: ١٥] يَعْنِي مُحَمَّدًا وسُمِّيَ دِينُهُ نُورًا ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [الصَّفِّ: ٨] وسُمِّيَ بَيانُهُ نُورًا ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وسُمِّيَ التَّوْراةُ نُورًا ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٤] وسُمِّيَ الإنْجِيلُ نُورًا ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٦] وسَمّى الإيمانَ نُورًا ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ [الحَدِيدِ: ١٢] . الثّامِنُ والعِشْرُونَ: الحَقُّ: ورَدَ في الأسْماءِ ”الباعِثُ الشَّهِيدُ الحَقُّ“ والقُرْآنُ حَقٌّ ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٥١] فَسَمّاهُ اللَّهُ حَقًّا؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الباطِلِ فَيُزِيلُ الباطِلَ كَما قالَ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٨] أيْ ذاهِبٌ زائِلٌ. صفحة ١٧ التّاسِعُ والعِشْرُونَ: العَزِيزُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩] وفي صِفَةِ القُرْآنِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤١] والنَّبِيُّ عَزِيزٌ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ والأُمَّةُ عَزِيزَةٌ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨] فَرُبَّ عَزِيزٍ أنْزَلَ كِتابًا عَزِيزًا عَلى نَبِيٍّ عَزِيزٍ لِأُمَّةٍ عَزِيزَةٍ، ولِلْعَزِيزِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: القاهِرُ، والقُرْآنُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي قَهَرَ الأعْداءَ وامْتَنَعَ عَلى مَن أرادَ مُعارَضَتَهُ. والثّانِي: أنْ لا يُوجَدَ مِثْلُهُ. الثَّلاثُونَ: الكَرِيمُ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٧] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى سَمّى سَبْعَةَ أشْياءَ بِالكَرِيمِ ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الِانْفِطارِ: ٦٠] إذْ لا جَوادَ أجْوَدُ مِنهُ، والقُرْآنُ بِالكَرِيمِ، لِأنَّهُ لا يُسْتَفادُ مِن كِتابٍ مِنَ الحِكَمِ والعُلُومِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ، وسَمّى مُوسى كَرِيمًا ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدُّخانِ: ١٧] وسَمّى ثَوابَ الأعْمالِ كَرِيمًا ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] وسَمّى عَرْشَهُ كَرِيمًا ﴿لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٦] لِأنَّهُ مَنزِلُ الرَّحْمَةِ، وسَمّى جِبْرِيلَ كَرِيمًا ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٠] ومَعْناهُ أنَّهُ عَزِيزٌ، وسَمّى كِتابَ سُلَيْمانَ كَرِيمًا ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النَّمْلِ: ٢٩] فَهو كِتابٌ كَرِيمٌ مِن رَبٍّ كَرِيمٍ نَزَلَ بِهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ عَلى نَبِيٍّ كَرِيمٍ لِأجْلِ أُمَّةٍ كَرِيمَةٍ، فَإذا تَمَسَّكُوا بِهِ نالُوا ثَوابًا كَرِيمًا. الحادِي والثَّلاثُونَ: العَظِيمُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحِجْرِ: ٨٧] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ عَظِيمًا فَقالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وعَرْشَهُ عَظِيمًا ﴿وهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وكِتابَهُ عَظِيمًا ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحِجْرِ: ٨٧] ويَوْمَ القِيامَةِ عَظِيمًا ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٥-٦] والزَّلْزَلَةَ عَظِيمَةً ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحَجِّ: ١] وخُلُقَ الرَّسُولِ عَظِيمًا ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ٤] والعِلْمَ عَظِيمًا ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١١٣] وكَيْدَ النِّساءِ عَظِيمًا ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: ٢٨] وسِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ عَظِيمًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ١١٦] وسَمّى نَفْسَ الثَّوابِ عَظِيمًا ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] وسَمّى عِقابَ المُنافِقِينَ عَظِيمًا ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٦] . الثّانِي والثَّلاثُونَ: المُبارَكُ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] وسَمّى اللَّهُ تَعالى بِهِ أشْياءَ، فَسَمّى المَوْضِعَ الَّذِي كَلَّمَ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُبارَكًا ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القَصَصِ: ٣٠] وسَمّى شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ مُبارَكَةً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٥] لِكَثْرَةِ مَنافِعِها، وسَمّى عِيسى مُبارَكًا ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] وسَمّى المَطَرَ مُبارَكًا ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، وسَمّى لَيْلَةَ القَدْرِ مُبارَكَةً ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدُّخانِ: ٣] فالقُرْآنُ ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلَهُ مَلَكٌ مُبارَكٌ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ عَلى نَبِيٍّ مُبارَكٍ لِأُمَّةٍ مُبارَكَةٍ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ اتِّصالِ قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنْ جَعَلْتَ ﴿الم﴾ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَفي التَّأْلِيفِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ﴿الم﴾ مُبْتَدَأً و﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأً ثانِيًا و﴿الكِتابُ﴾ خَبَرَهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، ومَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ هو الكِتابُ الكامِلُ، كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ في مِقابَلَتِهِ ناقِصٌ، وإنَّهُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا صفحة ١٨ كَما تَقُولُ: هو الرَّجُلُ، أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ الجامِعُ لِما يَكُونُ في الرِّجالِ مِن مُرْضِياتِ الخِصالِ، وأنْ يَكُونَ الكِتابُ صِفَةً، ومَعْناهُ هو ذَلِكَ الكِتابُ المَوْعُودُ، وأنْ يَكُونَ ﴿الم﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ ﴿الم﴾ ويَكُونَ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ خَبَرًا ثانِيًا أوْ بَدَلًا عَلى أنَّ الكِتابَ صِفَةٌ، ومَعْناهُ هو ذَلِكَ، وأنْ تَكُونَ هَذِهِ ﴿الم﴾ جُمْلَةً و﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ جُمْلَةً أُخْرى وإنْ جُعِلَتْ ﴿الم﴾ بِمَنزِلَةِ الصَّوْتِ كانَ ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿الكِتابُ﴾ أيْ ذَلِكَ الكِتابُ المُنَزَّلُ هو الكِتابُ الكامِلُ، أوِ الكِتابُ صِفَةٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أيْ هو يَعْنِي المُؤَلَّفَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ ذَلِكَ الكِتابُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢] وتَأْلِيفُ هَذا ظاهِرٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الرَّيْبُ قَرِيبٌ مِنَ الشَّكِّ، وفِيهِ زِيادَةٌ، كَأنَّهُ ظَنُّ سُوءٍ، تَقُولُ رابَنِي أمْرُ فُلانٍ إذا ظَنَنْتَ بِهِ سُوءًا، ومِنها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» “ فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ في قَوْلِهِمْ: ”رَيْبُ الدَّهْرِ“ و”رَيْبُ الزَّمانِ“ أيْ حَوادِثُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطُّورِ: ٣٠] ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في مَعْنى ما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: قَضَيْنا مِن تِهامَةَ كُلَّ رَيْبٍ وخَيْبَرَ ثُمَّ أجْمَعْنا السُّيُوفا قُلْنا: هَذانِ قَدْ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الشَّكِّ، لِأنَّ ما يُخافُ مِن رَيْبِ المَنُونِ مُحْتَمَلٌ، فَهو كالمَشْكُوكِ فِيهِ، وكَذَلِكَ ما اخْتَلَجَ بِالقَلْبِ فَهو غَيْرُ مَتَيَقَّنٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلرَّيْبِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في صِحَّتِهِ، ولا في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولا في كَوْنِهِ مُعْجِزًا. ولَوْ قُلْتَ: المُرادُ لا رَيْبَ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا عَلى الخُصُوصِ كانَ أقْرَبَ لِتَأْكِيدِ هَذا التَّأْوِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣] وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: طَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ فِيهِ فَقالَ: إنْ عَنى أنَّهُ لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَنا فَنَحْنُ قَدْ نَشُكُّ فِيهِ، وإنْ عَنى أنَّهُ لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَهُ فَلا فائِدَةَ فِيهِ. الجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى حَيْثُ لا يَنْبَغِي لِمُرْتابٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَعَ بُلُوغِهِمْ في الفَصاحَةِ إلى النِّهايَةِ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَةِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الحُجَّةُ في الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَرْتابَ فِيهِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ هَهُنا: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصّافّاتِ: ٤٧] ؟ الجَوابُ: لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، وهَهُنا الأهَمُّ نَفْيُ الرَّيْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الكِتابِ، ولَوْ قُلْتَ: لا فِيهِ رَيْبٌ لَأوْهَمَ أنَّ هُناكَ كِتابًا آخَرَ حَصَلَ الرَّيْبُ فِيهِ لا هَهُنا، كَما قَصَدَ في قَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ تَفْضِيلَ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُّنْيا، فَإنَّها لا تَغْتالُ العُقُولَ كَما تَغْتالُها خَمْرَةُ الدُّنْيا. السُّؤالُ الثّالِثُ: مِن أيْنَ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ عَلى نَفْيِ الرَّيْبِ بِالكُلِّيَّةِ ؟ الجَوابُ: قَرَأ أبُو الشَّعْثاءِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ بِالرَّفْعِ. واعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ تُوجِبُ ارْتِفاعَ الرَّيْبِ بِالكُلِّيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا رَيْبَ﴾ نَفْيٌ لِماهِيَّةِ الرَّيْبِ ونَفْيُ الماهِيَّةِ يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ فَرْدٌ مِن صفحة ١٩ أفْرادِ الماهِيَّةِ لَثَبَتَتِ الماهِيَّةُ، وذَلِكَ يُناقِضُ نَفْيَ الماهِيَّةِ، ولِهَذا السِّرِّ كانَ قَوْلُنا: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ نَفْيًا لِجَمِيعِ الآلِهَةِ سِوى اللَّهِ تَعالى. وأمّا قَوْلُنا: ”لا رَيْبُ فِيهِ“ بِالرَّفْعِ فَهو نَقِيضٌ لِقَوْلِنا: ”رَيْبَ فِيهِ“ وهو يُفِيدُ ثُبُوتَ فَرْدٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ النَّفْيُ يُوجِبُ انْتِفاءَ جَمِيعِ الأفْرادِ لِيَتَحَقَّقَ التَّناقُضُ. الوَقْفُ عَلى ”فِيهِ“: المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَقْفُ عَلى ﴿فِيهِ﴾ هو المَشُهُورُ، وعَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ أنَّهُما وقَفا عَلى ﴿لا رَيْبَ﴾ ولا بُدَّ لِلْواقِفِ مِن أنْ يَنْوِيَ خَبَرًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٠] وقَوْلُ العَرَبِ: لا بَأْسَ، وهي كَثِيرَةٌ في لِسانِ أهْلِ الحِجازِ؛ والتَّقْدِيرُ: (لا رَيْبَ فِيهِ فِيهِ هُدًى) . واعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ الأُولى أوْلى؛ لِأنَّ عَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الكِتابُ نَفْسُهُ هُدًى، وفي الثّانِيَةِ لا يَكُونُ الكِتابُ نَفْسُهُ هُدًى، بَلْ يَكُونُ فِيهِ هُدًى، والأوَّلُ أوْلى لِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِن أنَّ القُرْآنَ نُورٌ وهُدًى، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في حَقِيقَةِ الهُدى: الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الهُدى هو الدَّلالَةُ المُوَصِّلَةُ إلى البُغْيَةِ، وقالَ آخَرُونَ: الهُدى هو الِاهْتِداءُ والعِلْمُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ وفَسادِ القَوْلِ الثّانِي والثّالِثِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَوْنُ الدَّلالَةِ مُوَصِّلَةً إلى البُغْيَةِ مُعْتَبَرًا في مُسَمّى الهُدى لامْتَنَعَ حُصُولُ الهُدى عِنْدَ عَدَمِ الِاهْتِداءِ، لِأنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ مُوَصِّلَةً إلى الِاهْتِداءِ حالَ عَدَمِ الِاهْتِداءِ مُحالٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فُصِّلَتْ: ١٧] أثْبَتَ الهُدى مَعَ عَدَمِ الِاهْتِداءِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يُقالَ: هَدَيْتُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، واحْتَجَّ صاحِبُ الكَشّافِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: وُقُوعُ الضَّلالَةِ في مُقابَلَةِ الهُدى، قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البَقَرَةِ: ١٦] وقالَ: ﴿لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤] . وثانِيها: يَقُولُ مَهْدِيٌّ في مَوْضِعِ المَدْحِ كَمُهْتَدٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِن شَرْطِ الهُدى كَوْنُ الدَّلالَةِ مُوَصِّلَةً إلى البُغْيَةِ لَمْ يَكُنِ الوَصْفُ بِكَوْنِهِ مَهْدِيًّا مَدْحًا؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ هُدِيَ فَلَمْ يَهْتَدِ. وثالِثُها: أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، يُقالُ: هَدَيْتُهُ فاهْتَدى، كَما يُقالُ: كَسَرْتُهُ فانْكَسَرَ، وقَطَعْتُهُ فانْقَطَعَ، فَكَما أنَّ الِانْكِسارَ والِانْقِطاعَ لازِمانِ لِلْكَسْرِ والقَطْعِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاهْتِداءُ مِن لَوازِمِ الهُدى. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الهُدى وبَيْنَ الِاهْتِداءِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَمُقابِلُ الهُدى هو الضَّلالُ، ومُقابِلُ الِاهْتِداءِ هو الإضْلالُ، فَجَعْلُ الهُدى في مُقابَلَةِ الضَّلالِ مُمْتَنِعٌ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ المُنْتَفِعَ بِالهُدى سُمِّيَ مَهْدِيًّا، وغَيْرُ المُنْتَفِعِ بِهِ لا يُسَمّى مَهْدِيًّا؛ ولِأنَّ الوَسِيلَةَ إذا لَمْ تُفْضِ إلى المَقْصُودِ كانَتْ نازِلَةً مَنزِلَةَ المَعْدُومِ. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ الِائْتِمارَ مُطاوِعُ الأمْرِ، يُقالُ: أمَرْتُهُ فائْتَمَرَ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ آمِرًا حُصُولُ الِائْتِمارِ، فَكَذا هَذا لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ هُدًى أنْ يَكُونَ مُفْضِيًا إلى الِاهْتِداءِ، عَلى أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ: هَدَيْتُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: الهُدى هو العِلْمُ خاصَّةً أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ هُدًى ولا شَكَّ أنَّهُ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الهُدى هو الدَّلالَةُ لا الِاهْتِداءُ والعِلْمُ. صفحة ٢٠ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُتَّقِي في اللُّغَةِ اسْمُ فاعِلٍ مِن قَوْلِهِمْ وقاهُ فاتَّقى، والوِقايَةُ فَرْطُ الصِّيانَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المُتَّقِي هَهُنا في مَعْرِضِ المَدْحِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا في أُمُورِ الدُّنْيا، بَلْ بِأنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا فِيما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ آتِيًا بِالعِباداتِ مُحْتَرِزًا عَنِ المَحْظُوراتِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ اجْتِنابُ الصَّغائِرِ في التَّقْوى ؟ فَقالَ بَعْضُهم: يَدْخُلُ كَما يَدْخُلُ الصَّغائِرُ في الوَعِيدِ، وقالَ آخَرُونَ: لا يَدْخُلُ، ولا نِزاعَ في وُجُوبِ التَّوْبَةِ عَنِ الكُلِّ، إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَقَّ الصَّغائِرَ هَلْ يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ ؟ فَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ”«لا يَبْلُغُ العَبْدُ دَرَجَةَ المُتَّقِينَ حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ البَأْسُ» “ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ العُقُوبَةَ في تَرْكِ ما يَمِيلُ الهَوى إلَيْهِ، ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِما جاءَ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّ التَّقْوى هي الخَشْيَةُ، قالَ في أوَّلِ النِّساءِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النِّساءِ: ١] ومِثْلُهُ في أوَّلِ الحَجِّ، وفي الشُّعَراءِ: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [هُودٍ: ١٠٦] يَعْنِي ألا تَخْشَوْنَ اللَّهَ، وكَذَلِكَ قالَ هُودٌ، وصالِحٌ، ولُوطٌ، وشُعَيْبٌ لِقَوْمِهِمْ، وفي العَنْكَبُوتِ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نُوحٍ: ٣] يَعْنِي اخْشَوْهُ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٢] ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] واعْلَمْ أنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوى، وإنْ كانَتْ هي الَّتِي ذَكَرْناها، إلّا أنَّها قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ، والغَرَضُ الأصْلِيُّ مِنها الإيمانُ تارَةً، والتَّوْبَةُ أُخْرى، والطّاعَةُ ثالِثَةً، وتَرْكُ المَعْصِيَةِ رابِعًا، والإخْلاصُ خامِسًا، أمّا الإيمانُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفَتْحِ: ٢٦] أيِ التَّوْحِيدَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحُجُراتِ: ٣] وفي الشُّعَراءِ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١١] أيْ ألا يُؤْمِنُونَ، وأمّا التَّوْبَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] أيْ تابُوا، وأمّا الطّاعَةُ فَقَوْلُهُ في النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وفِيهِ أيْضًا: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٢] وفي المُؤْمِنِينَ ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٢] وأمّا تَرْكُ المَعْصِيَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] أيْ فَلا تَعْصُوهُ، وأمّا الإخْلاصُ فَقَوْلُهُ في الحَجِّ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحَجِّ: ٣٢] أيْ مِن إخْلاصِ القُلُوبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١] واعْلَمْ أنَّ مَقامَ التَّقْوى مَقامٌ شَرِيفٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٨] وقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٣] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ النّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، ومَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، ومَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أغْنى النّاسِ فَلْيَكُنْ بِما في يَدِ اللَّهِ أوْثَقَ مِمّا في يَدِهِ» “، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: التَّقْوى تَرْكُ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ، وتَرْكُ الِاغْتِرارِ بِالطّاعَةِ. قالَ الحَسَنُ: التَّقْوى أنْ لا تَخْتارَ عَلى اللَّهِ سِوى اللَّهِ، وتَعْلَمَ أنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِ اللَّهِ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: التَّقْوى أنْ لا يَجِدَ الخَلْقُ في لِسانِكَ عَيْبًا، ولا المَلائِكَةُ في أفْعالِكَ عَيْبًا، ولا مَلِكُ العَرْشِ في سِرِّكَ عَيْبًا، وقالَ الواقِدِيُّ: التَّقْوى أنْ تُزَيِّنَ سِرَّكَ لِلْحَقِّ كَما زَيَّنْتَ ظاهِرَكَ لِلْخَلْقِ، ويُقالُ: التَّقْوى أنْ لا يَراكَ مَوْلاكَ حَيْثُ نَهاكَ، ويُقالُ: المُتَّقِي مَن سَلَكَ سَبِيلَ المُصْطَفى، ونَبَذَ الدُّنْيا وراءَ القَفا، وكَلَّفَ نَفْسَهُ الإخْلاصَ والوَفا، واجْتَنَبَ الحَرامَ والجَفا، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَّقِي فَضِيلَةٌ إلّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَفاهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ هُدًى لِلنّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] ثُمَّ قالَ هَهُنا في القُرْآنِ: إنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هم كُلُّ النّاسِ، فَمَن لا يَكُونُ مُتَّقِيًا كَأنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ. صفحة ٢١ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في السُّؤالاتِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَوْنُ الشَّيْءِ هُدًى ودَلِيلًا لا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَلِماذا جَعَلَ القُرْآنَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ فَقَطْ ؟ وأيْضًا فالمُتَّقِي مُهْتَدٍ، والمُهْتَدِي لا يَهْتَدِي ثانِيًا، والقُرْآنُ لا يَكُونُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الجَوابُ: القُرْآنُ كَما أنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ودَلالَةٌ لَهم عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وعَلى دِينِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ، فَهو أيْضًا دَلالَةٌ لِلْكافِرِينَ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المُتَّقِينَ مَدْحًا لِيُبَيِّنَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وانْتَفَعُوا بِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] وقالَ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْذِرًا لِكُلِّ النّاسِ، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ النّاسَ لِأجْلِ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِإنْذارِهِ، وأمّا مَن فَسَّرَ الهُدى بِالدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصُودِ فَهَذا السُّؤالُ زائِلٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ مُوَصِّلًا إلى المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا في حَقِّ المُتَّقِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ وصَفَ القُرْآنَ كُلَّهُ بِأنَّهُ هُدًى وفِيهِ مُجْمَلٌ ومُتَشابِهٌ كَثِيرٌ؛ ولَوْلا دَلالَةُ العَقْلِ لَما تَمَيَّزَ المُحْكَمُ عَنِ المُتَشابِهِ، فَيَكُونُ الهُدى في الحَقِيقَةِ هو الدَّلالَةُ العَقْلِيَّةُ لا القُرْآنُ، ومِن هَذا نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولًا إلى الخَوارِجِ: لا تَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ خَصْمٌ ذُو وجْهَيْنِ، ولَوْ كانَ هُدًى لَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ذَلِكَ فِيهِ؛ ولِأنّا نَرى جَمِيعَ فِرَقِ الإسْلامِ يَحْتَجُّونَ بِهِ، ونَرى القُرْآنَ مَمْلُوءًا مِن آياتٍ بَعْضُها صَرِيحٌ في الجَبْرِ وبَعْضُها صَرِيحٌ في القَدَرِ، فَلا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما إلّا بِالتَّعَسُّفِ الشَّدِيدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُدًى ؟ الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ المُتَشابِهَ والمُجْمَلَ لَمّا لَمْ يَنْفَكَّ عَمّا هو المُرادُ عَلى التَّعْيِينِ - وهو إمّا دَلالَةُ العَقْلِ أوْ دَلالَةُ السَّمْعِ - صارَ كُلُّهُ هُدًى. السُّؤالُ الثّالِثُ: كُلُّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً عَلى صِحَّتِهِ لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ هُدًى فِيهِ، فَإذَنِ اسْتَحالَ كَوْنُ القُرْآنِ هُدًى في مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وفي مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ المَطالِبَ أشْرَفُ المَطالِبِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ هُدًى فِيها فَكَيْفَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى هُدًى عَلى الإطْلاقِ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ هُدًى أنْ يَكُونَ هُدًى في كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ أنْ يَكُونَ هُدًى في بَعْضِ الأشْياءِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ هُدًى في تَعْرِيفِ الشَّرائِعِ، أوْ يَكُونَ هُدًى في تَأْكِيدِ ما في العُقُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المُطْلَقَ لا يَقْتَضِي العُمُومَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ هُدًى مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ في اللَّفْظِ، مَعَ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هُدًى في إثْباتِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُطْلَقَ لا يُفِيدُ العُمُومَ. السُّؤالُ الرّابِعُ: الهُدى هو الَّذِي بَلَغَ في البَيانِ والوُضُوحِ إلى حَيْثُ بَيَّنَ غَيْرَهُ، والقُرْآنُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المُفَسِّرِينَ ما يَذْكُرُونَ آيَةً إلّا وذَكَرُوا فِيها أقْوالًا كَثِيرَةً مُتَعارِضَةً، وما يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مُبَيِّنًا في نَفْسِهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُدًى ؟ قُلْنا: مَن تَكَلَّمَ في التَّفْسِيرِ بِحَيْثُ يُورِدُ الأقْوالَ المُتَعارِضَةَ، ولا يُرَجِّحُ واحِدًا مِنها عَلى الباقِي، يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ هو هَذا السُّؤالُ، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ رَجَّحْنا واحِدًا عَلى البَواقِي بِالدَّلِيلِ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْنا هَذا السُّؤالُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَحَلُّ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ الرَّفْعُ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ مَعَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لِـ ﴿ذَلِكَ﴾، أوْ مُبْتَدَأٌ إذا جُعِلَ الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الحالِ، صفحة ٢٢ والعامِلُ فِيهِ الإشارَةُ، أوِ الظَّرْفُ، والَّذِي هو أرْسَخُ عِرْقًا في البَلاغَةِ أنْ يَضْرِبَ عَنْ هَذا المَجالِ صَفْحًا، وأنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الم﴾ جُمْلَةٌ بِرَأْسِها، أوْ طائِفَةٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، و﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثالِثَةٌ و﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ رابِعَةٌ، وقَدْ أُصِيبَ بِتَرْتِيبِها مَفْصِلُ البَلاغَةِ ومُوجِبُ حُسْنِ النَّظْمِ، حَيْثُ جِيءَ بِها مُتَناسِقَةً هَكَذا مِن غَيْرِ حَرْفِ نَسَقٍ، وذَلِكَ لِمَجِيئِها مُتَآخِيَةً آخِذًا بَعْضُها بِعُنُقِ بَعْضٍ، والثّانِيَةُ مُتَّحِدَةٌ بِالأُولى، وهَلُمَّ جَرًّا إلى الثّالِثَةِ، والرّابِعَةِ. بَيانُهُ: أنَّهُ نُبِّهَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ الكَلامُ المُتَحَدّى بِهِ، ثُمَّ أُشِيرَ إلَيْهِ بِأنَّهُ الكِتابُ المَنعُوتُ بِغايَةِ الكَمالِ، فَكانَ تَقْرِيرُ الجِهَةِ التَّحَدِّي ثُمَّ نَفى عَنْهُ أنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ طَرَفٌ مِنَ الرَّيْبِ، فَكانَ شَهادَةً بِكَمالِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَقَرَّرَ بِذَلِكَ كَوْنَهُ يَقِينًا لا يَحُومُ الشَّكُّ حَوْلَهُ، ثُمَّ لَمْ يَخْلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ بَعْدَ أنْ رُتِّبَتْ هَذا التَّرْتِيبَ الأنِيقَ مِن نُكْتَةٍ، فَفي الأُولى الحَذْفُ والرَّمْزُ إلى الغَرَضِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وفي الثّانِيَةِ ما في التَّعْرِيفِ مِنَ الفَخامَةِ، وفي الثّالِثَةِ ما في تَقْدِيمِ الرَّيْبِ عَلى الظَّرْفِ، وفي الرّابِعَةِ الحَذْفُ ووَضْعُ المَصْدَرِ الَّذِي هو هُدًى مَوْضِعَ الوَصْفِ الَّذِي هو هادٍ، وإيرادُهُ مُنَكَّرًا.

البقرة 2:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ إمّا مَوْصُولٌ بِالمُتَّقِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مَجْرُورَةٌ، أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَدْحٌ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ أعْنِي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، وإمّا مُنْقَطِعٌ عَنِ المُتَّقِينَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ مُخْبَرٌ عَنْهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ فَإذا كانَ مَوْصُولًا كانَ الوَقْفُ عَلى المُتَّقِينَ حَسَنًا غَيْرَ تامٍّ، وإذا كانَ مُنْقَطِعًا كانَ وقْفًا تامًّا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالتَّفْسِيرِ لِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَكُونُ فاعِلًا لِلْحَسَناتِ وتارِكًا لِلسَّيِّئاتِ، أمّا الفِعْلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ فِعْلَ القَلْبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ - وإمّا أنْ يَكُونَ فِعْلَ الجَوارِحِ، وأساسُهُ الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّدَقَةُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ إمّا أنْ تَكُونَ بَدَنِيَّةً وأجَلُّها الصَّلاةُ، أوْ مالِيَّةً، وأجَلُّها الزَّكاةُ؛ ولِهَذا سَمّى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ، والزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ» “ وأمّا التَّرْكُ فَهو داخِلٌ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٥] والأقْرَبُ أنْ لا تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ تَفْسِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ السَّعادَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ ما لا يَنْبَغِي وفِعْلِ ما يَنْبَغِي، فالتَّرْكُ هو التَّقْوى، والفِعْلُ إمّا فِعْلُ القَلْبِ، وهو الإيمانُ، أوْ فِعْلُ الجَوارِحِ، وهو الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وإنَّما قَدَّمَ التَّقْوى الَّذِي هو التَّرْكُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو الإيمانُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ، لِأنَّ القَلْبَ كاللَّوْحِ القابِلِ لِنُقُوشِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، واللَّوْحُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أوَّلًا عَنِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ، حَتّى يُمْكِنَ إثْباتُ النُّقُوشِ الجَيِّدَةِ فِيهِ، وكَذا القَوْلُ في الأخْلاقِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ التَّقْوى وهو تَرْكُ ما لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ فِعْلَ ما يَنْبَغِي. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الإيمانُ إفْعالٌ مِنَ الأمْنِ، ثُمَّ يُقالُ: آمَنَهُ، إذا صَدَقَهُ، وحَقِيقَتُهُ صفحة ٢٣ آمَنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ، وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ فَلِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ”أُقِرُّ وأعْتَرِفُ“ وأمّا ما حَكى أبُو زَيْدٍ: ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً، أيْ ما وثِقْتُ، فَحَقِيقَتُهُ صِرْتُ ذا أمْنٍ، أيْ ذا سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ، وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ أوْ يَثِقُونَ بِأنَّهُ حَقٌّ. وأقُولُ: اخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ في مُسَمّى الإيمانِ في عُرْفِ الشَّرْعِ، ويَجْمَعُهم فِرَقٌ أرْبَعُ. الفِرْقَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: الإيمانُ اسْمٌ لِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُمُ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ والزَّيْدِيَّةُ، وأهْلُ الحَدِيثِ، أمّا الخَوارِجُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يَتَناوَلُ المَعْرِفَةَ بِاللَّهِ وبِكُلِّ ما وضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويَتَناوَلُ طاعَةَ اللَّهِ في جَمِيعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا، فَقالُوا: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ هو الإيمانُ، وتَرْكُ كُلِّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ كُفْرٌ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الإيمانَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ فالمُرادُ بِهِ التَّصْدِيقُ، ولِذَلِكَ يُقالُ: فُلانٌ آمَنَ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ويَكُونُ المُرادُ التَّصْدِيقَ، إذِ الإيمانُ بِمَعْنى أداءِ الواجِباتِ لا يُمْكِنُ فِيهِ هَذِهِ التَّعْدِيَةُ، فَلا يُقالُ: فُلانٌ آمَنَ بِكَذا إذا صَلّى وصامَ، بَلْ يُقالُ: فُلانٌ آمَنَ بِاللَّهِ كَما يُقالُ: صامَ وصَلّى لِلَّهِ، فالإيمانُ المُعَدّى بِالباءِ يَجْرِي عَلى طَرِيقَةِ أهْلِ اللُّغَةِ، أمّا إذا ذُكِرَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَدًّى فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ المُسَمّى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ إلى مَعْنًى آخَرَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ كُلِّ الطّاعاتِ سَواءٌ كانَتْ واجِبَةً أوْ مَندُوبَةً، أوْ مِن بابِ الأقْوالِ أوِ الأفْعالِ أوِ الِاعْتِقاداتِ، وهو قَوْلُ واصِلِ بْنِ عَطاءٍ وأبِي الهُذَيْلِ والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ. وثانِيها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ فَقَطْ دُونَ النَّوافِلِ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ. وثالِثُها: أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ اجْتِنابِ كُلِّ ما جاءَ فِيهِ الوَعِيدُ، فالمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ مَنِ اجْتَنَبَ كُلَّ الكَبائِرِ، والمُؤْمِنُ عِنْدَنا كُلُّ مَنِ اجْتَنَبَ كُلَّ ما ورَدَ فِيهِ الوَعِيدُ، وهو قَوْلُ النَّظّامِ، ومِن أصْحابِهِ مَن قالَ: شَرْطُ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا عِنْدَنا وعِنْدَ اللَّهِ اجْتِنابُ الكَبائِرِ كُلِّها. وأمّا أهْلُ الحَدِيثِ فَذَكَرُوا وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْرِفَةَ إيمانٌ كامِلٌ وهو الأصْلُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ إيمانٌ عَلى حِدَةٍ، وهَذِهِ الطّاعاتُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها إيمانًا إلّا إذا كانَتْ مُرَتَّبَةً عَلى الأصْلِ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ. وزَعَمُوا أنَّ الجُحُودَ وإنْكارَ القَلْبِ كُفْرٌ، ثُمَّ كَلُّ مَعْصِيَةٍ بَعْدَهُ كُفْرٌ عَلى حِدَةٍ، ولَمْ يَجْعَلُوا شَيْئًا مِنَ الطّاعاتِ إيمانًا ما لَمْ تُوجَدِ المَعْرِفَةُ والإقْرارُ، ولا شَيْئًا مِنَ المَعاصِي كُفْرًا ما لَمْ يُوجَدِ الجُحُودُ والإنْكارُ، لِأنَّ الفَرْعَ لا يَحْصُلُ بِدُونِ ما هو أصْلُهُ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كِلابٍ. الثّانِي: زَعَمُوا أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِلطّاعاتِ كُلِّها، وهو إيمانٌ واحِدٌ، وجَعَلُوا الفَرائِضَ والنَّوافِلَ كُلَّها مِن جُمْلَةِ الإيمانِ، ومَن تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الفَرائِضِ فَقَدِ انْتَقَصَ إيمانُهُ، ومَن تَرَكَ النَّوافِلَ لا يَنْتَقِصُ إيمانُهُ، ومِنهم مَن قالَ: الإيمانُ اسْمٌ لِلْفَرائِضِ دُونَ النَّوافِلِ. الفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ قالُوا: الإيمانُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، وقَدِ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ عَلى مَذاهِبَ، الأوَّلُ: أنَّ الإيمانَ إقْرارٌ بِاللِّسانِ ومَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وعامَّةِ الفُقَهاءِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا في مَوْضِعَيْنِ، أحَدُهُما: اخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ، فَمِنهم مَن فَسَّرَها بِالِاعْتِقادِ الجازِمِ سَواءٌ كانَ اعْتِقادًا تَقْلِيدِيًّا أوْ كانَ عِلْمًا صادِرًا عَنِ الدَّلِيلِ وهُمُ الأكْثَرُونَ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِأنَّ المُقَلِّدَ مُسْلِمٌ، ومِنهم مَن فَسَّرَها بِالعِلْمِ الصّادِرِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ. وثانِيهِما: اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ المُعْتَبَرَ في تَحَقُّقِ الإيمانِ عِلْمٌ بِماذا ؟ قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: هو العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كَثُرَ اخْتِلافُ الخَلْقِ في صِفاتِ اللَّهِ صفحة ٢٤ تَعالى لا جَرَمَ أقْدَمَ كُلُّ طائِفَةٍ عَلى تَكْفِيرِ مَن عَداها مِنَ الطَّوائِفِ. وقالَ أهْلُ الإنْصافِ: المُعْتَبَرُ هو العِلْمُ بِكُلِّ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعَلى هَذا القَوْلِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالعِلْمِ أوْ عالِمًا لِذاتِهِ وبِكَوْنِهِ مَرْئِيًّا أوْ غَيْرِهِ لا يَكُونُ داخِلًا في مُسَمّى الإيمانِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، وهو قَوْلُ بِشْرِ بْنِ عَتّابٍ المَرِيسِيِّ، وأبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ، والمُرادُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ الكَلامُ القائِمُ بِالنَّفْسِ. القَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: الإيمانُ إقْرارٌ بِاللِّسانِ، وإخْلاصٌ بِالقَلْبِ. الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا: الإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ عَمَلِ القَلْبِ فَقَطْ، وهَؤُلاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالقَلْبِ، حَتّى أنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ جَحَدَ بِلِسانِهِ وماتَ قَبْلَ أنْ يُقِرَّ بِهِ فَهو مُؤْمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، وهو قَوْلُ جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ. أمّا مَعْرِفَةُ الكُتُبِ والرُّسُلِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ زَعَمَ أنَّها غَيْرُ داخِلَةٍ في حَدِّ الإيمانِ. وحَكى الكَعْبِيُّ عَنْهُ: أنَّ الإيمانَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ مَعَ مَعْرِفَةِ كُلِّ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وثانِيهِما: أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ، وهو قَوْلُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ البَجَلِيِّ. الفِرْقَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ قالُوا: الإيمانُ هو الإقْرارُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، وهم فَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ هو الإيمانُ فَقَطْ، لَكِنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ إيمانًا حُصُولُ المَعْرِفَةِ في القَلْبِ، فالمَعْرِفَةُ شَرْطٌ لِكَوْنِ الإقْرارِ اللِّسانِيِّ إيمانًا، لا أنَّها داخِلَةٌ في مُسَمّى الإيمانِ، وهو قَوْلُ غَيْلانَ بْنِ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيِّ والفَضْلِ الرَّقاشِيِّ، وإنْ كانَ الكَعْبِيُّ قَدْ أنْكَرَ كَوْنَهُ قَوْلًا لِغَيْلانَ. الثّانِي: أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، وزَعَمُوا أنَّ المُنافِقَ مُؤْمِنُ الظّاهِرِ كافِرُ السَّرِيرَةِ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا وحُكْمُ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ، فَهَذا مَجْمُوعُ أقْوالِ النّاسِ في مُسَمّى الإيمانِ في عُرْفِ الشَّرْعِ، والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ ونَفْتَقِرُ هَهُنا إلى شَرْحِ ماهِيَّةِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَن قالَ العالَمُ مُحْدَثٌ، فَلَيْسَ مَدْلُولُ هَذِهِ الألْفاظِ كَوْنَ العالَمِ مَوْصُوفًا بِالحُدُوثِ، بَلْ مَدْلُولُها حُكْمُ ذَلِكَ القائِلِ بِكَوْنِ العالَمِ حادِثًا، والحُكْمُ بِثُبُوتِ الحُدُوثِ لِلْعالَمِ مُغايِرٌ لِثُبُوتِ الحُدُوثِ لِلْعالَمِ، فَهَذا الحُكْمُ الذِّهْنِيُّ بِالثُّبُوتِ أوْ بِالِانْتِفاءِ أمْرٌ يُعَبَّرُ عَنْهُ في كُلِّ لُغَةٍ بِلَفْظٍ خاصٍّ، واخْتِلافُ الصِّيَغِ والعِباراتِ مَعَ كَوْنِ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ أمْرًا واحِدًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الذِّهْنِيَّ أمْرٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الصِّيَغِ والعِباراتِ، ولِأنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ والدّالُّ غَيْرُ المَدْلُولِ، ثُمَّ نَقُولُ هَذا الحُكْمُ الذِّهْنِيُّ غَيْرُ العِلْمِ، لِأنَّ الجاهِلَ بِالشَّيْءِ قَدْ يَحْكُمُ بِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الحُكْمَ الذِّهْنِيَّ مُغايِرٌ لِلْعِلْمِ، فالمُرادُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ هو هَذا الحُكْمُ الذِّهْنِيُّ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثٌ لَفْظِيٌّ، وهو أنَّ المُسَمّى بِالتَّصْدِيقِ في اللُّغَةِ هو ذَلِكَ الحُكْمُ الذِّهْنِيُّ أمِ الصِّيغَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ. * * * إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِكُلِّ ما عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ الِاعْتِقادِ، فَنَفْتَقِرُ في إثْباتِ هَذا المَذْهَبِ إلى إثْباتِ قُيُودٍ أرْبَعَةٍ: القَيْدُ الأوَّلُ: أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في أصْلِ اللُّغَةِ لِلتَّصْدِيقِ، فَلَوْ صارَ في عُرْفِ الشَّرْعِ لِغَيْرِ التَّصْدِيقِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ كَلامِ العَرَبِ، وذَلِكَ يُنافِي وصْفَ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا. الثّانِي: أنَّ الإيمانَ أكْثَرُ الألْفاظِ دَوَرانًا عَلى ألْسِنَةِ المُسْلِمِينَ، فَلَوْ صارَ صفحة ٢٥ مَنقُولًا إلى غَيْرِ مُسَمّاهُ الأصْلِيِّ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ المُسَمّى، ولاشْتَهَرَ وبَلَغَ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ بَقِيَ عَلى أصْلِ الوَضْعِ. الثّالِثُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الإيمانَ المُعَدّى بِحَرْفِ الباءِ مُبْقًى عَلى أصْلِ اللُّغَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرُ المُعَدّى كَذَلِكَ. الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى كُلَّما ذَكَرَ الإيمانَ في القُرْآنِ أضافَهُ إلى القَلْبِ، قالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٤] الخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ الإيمانَ قَرَنَ العَمَلَ الصّالِحَ بِهِ، ولَوْ كانَ العَمَلُ الصّالِحُ داخِلًا في الإيمانِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرارًا. السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ذَكَرَ الإيمانَ وقَرَنَهُ بِالمَعاصِي، قالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنْعامِ: ٨٢] ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجُراتِ: ٩] واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: أنَّ القِصاصَ إنَّما يَجِبُ عَلى القاتِلِ المُتَعَمِّدِ، ثُمَّ إنَّهُ خاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُؤْمِنٌ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] وهَذِهِ الأُخُوَّةُ لَيْسَتْ إلّا أُخُوَّةَ الإيمانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٧٢] هَذا أبْقى اسْمَ الإيمانِ لِمَن لَمْ يُهاجِرْ مَعَ عِظَمِ الوَعِيدِ في تَرْكِ الهِجْرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٧٢] ومَعَ هَذا جَعَلَهم مُؤْمِنِينَ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١] وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] والأمْرُ بِالتَّوْبَةِ لِمَن لا ذَنْبَ لَهُ مُحالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ [النُّورِ: ٣١] لا يُقالُ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُذْنِبًا ولَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُنا: هَبْ أنَّهُ خَصَّ فِيما عَدا المُذْنِبَ، فَبَقِيَ فِيهِمْ حُجَّةٌ. القَيْدُ الثّانِي: أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ اللِّسانِيِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٨] نَفى كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ، ولَوْ كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ عِبارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ اللِّسانِيِّ لَما صَحَّ هَذا النَّفْيُ. القَيْدُ الثّالِثُ: أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ التَّصْدِيقِ لِأنَّ مَن صَدَّقَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ لا يُسَمّى مُؤْمِنًا. القَيْدُ الرّابِعُ: لَيْسَ مِن شَرْطِ الإيمانِ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَحْكُمُ بِإيمانِ مَن لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا لِذاتِهِ أوْ بِالعِلْمِ، ولَوْ كانَ هَذا القَيْدُ وأمْثالُهُ شَرْطًا مُعْتَبَرًا في تَحْقِيقِ الإيمانِ لَما جازَ أنْ يَحْكُمَ الرَّسُولُ بِإيمانِهِ قَبْلَ أنْ يُجَرِّبَهُ في أنَّهُ هَلْ يَعْرِفُ ذَلِكَ أمْ لا. فَهَذا هو بَيانُ القَوْلِ في تَحْقِيقِ الإيمانِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَهُنا صُورَتانِ: الصُّورَةُ الأُولى: مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى بِالدَّلِيلِ صفحة ٢٦ والبُرْهانِ، ولَمّا تَمَّ العِرْفانُ ماتَ ولَمْ يَجِدْ مِنَ الزَّمانِ والوَقْتِ ما يَتَلَفَّظُ فِيهِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، فَهَهُنا إنْ حَكَمْتُمْ أنَّهُ مُؤْمِنٌ فَقَدْ حَكَمْتُمْ بِأنَّ الإقْرارَ اللِّسانِيَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في تَحْقِيقِ الإيمانِ، وهو خَرْقٌ لِلْإجْماعِ، وإنْ حَكَمْتُمْ بِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ فَهو باطِلٌ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ» “ وهَذا قَلْبٌ طافِحٌ بِالإيمانِ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا ؟ الصُّورَةُ الثّانِيَةُ: مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى بِالدَّلِيلِ، ووَجَدَ مِنَ الوَقْتِ ما أمْكَنَهُ أنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِها، فَإنْ قُلْتُمْ إنَّهُ مُؤْمِنٌ فَهو خَرْقٌ لِلْإجْماعِ، وإنْ قُلْتُمْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهو باطِلٌ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ ولا يَنْتَفِي الإيمانُ مِنَ القَلْبِ بِالسُّكُوتِ عَنِ النُّطْقِ. والجَوابُ: أنَّ الغَزالِيَّ مَنَعَ مِن هَذا الإجْماعِ في الصُّورَتَيْنِ، وحَكَمَ بِكَوْنِهِما مُؤْمِنَيْنِ، وأنَّ الِامْتِناعَ عَنِ النُّطْقِ يَجْرِي مَجْرى المَعاصِي الَّتِي يُؤْتى بِها مَعَ الإيمانِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: ”الغَيْبُ“ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامِ اسْمِ الفاعِلِ، كالصَّوْمِ بِمَعْنى الصّائِمِ، والزَّوْرِ بِمَعْنى الزّائِرِ، ثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِالغَيْبِ﴾ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ مَعْناهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ حالَ الغَيْبِ كَما يُؤْمِنُونَ بِهِ حالَ الحُضُورِ، لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا، وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٢] ويَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: نِعْمَ الصَّدِيقُ لَكَ فُلانٌ بِظَهْرِ الغَيْبِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ ظاهِرِهِمْ مُوافِقًا لِباطِنِهِمْ ومُبايَنَتِهِمْ لِحالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ، والثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الغَيْبَ هو الَّذِي يَكُونُ غائِبًا عَنِ الحاسَّةِ، ثُمَّ هَذا الغَيْبُ يَنْقَسِمُ إلى ما عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وإلى ما لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَدْحُ المُتَّقِينَ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بِأنْ يَتَفَكَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا فَيُؤْمِنُوا بِهِ، وعَلى هَذا يَدْخُلُ فِيهِ العِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ والعِلْمُ بِالآخِرَةِ والعِلْمُ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمُ بِالأحْكامِ وبِالشَّرائِعِ، فَإنَّ في تَحْصِيلِ هَذِهِ العُلُومِ بِالِاسْتِدْلالِ مَشَقَّةً، فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ الثَّناءِ العَظِيمِ. واحْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ عَلى قَوْلِهِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤] إيمانٌ بِالأشْياءِ الغائِبَةِ فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ هو الإيمانُ بِالأشْياءِ الغائِبَةِ لَكانَ المَعْطُوفُ نَفْسَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. الثّانِي: لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الإيمانِ بِالغَيْبِ يَلْزَمُ إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّ الإنْسانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] أمّا لَوْ فَسَّرْنا الآيَةَ بِما قُلْنا لا يَلْزَمُ هَذا المَحْذُورُ. الثّالِثُ: لَفْظُ الغَيْبِ إنَّما يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ الغَيْبِ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالغَيْبِ لَما دَخَلَ فِيهِ الإيمانُ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، ولا يَبْقى فِيهِ إلّا الإيمانُ بِالآخِرَةِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الرُّكْنَ العَظِيمَ في الإيمانِ هو الإيمانُ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَعْنًى يَقْتَضِي خُرُوجَ الأصْلِ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَرْناهُ لَمْ يَلْزَمْنا هَذا المَحْذُورُ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ يَتَناوَلُ الإيمانَ بِالغائِباتِ عَلى الإجْمالِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤] يَتَناوَلُ الإيمانَ بِبَعْضِ الغائِباتِ، فَكانَ هَذا مِن بابِ عَطْفِ التَّفْصِيلِ عَلى الجُمْلَةِ، وهو جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنّا نُؤْمِنُ بِالأشْياءِ الغائِبَةِ عَنّا، فَكانَ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ لازِمًا عَلى صفحة ٢٧ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: العَبْدُ يَعْلَمُ الغَيْبَ أمْ لا ؟ قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الغَيْبَ يَنْقَسِمُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وإلى ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، أمّا الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى العالِمُ بِهِ لا غَيْرُهُ، وأمّا الَّذِي عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تَقُولَ: نَعْلَمُ مِنَ الغَيْبِ ما لَنا عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ويُفِيدُ الكَلامُ فَلا يَلْتَبِسُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ العُلَماءُ: الِاسْتِدْلالُ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ أحَدُ أقْسامِ الأدِلَّةِ. وعَنِ الثّالِثِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ الغَيْبَةِ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ هَذا مِن بابِ إلْحاقِ الغائِبِ بِالشّاهِدِ. ويُرِيدُونَ بِالغائِبِ ذاتَ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * (المَسْألَةُ الخامِسَةُ): قالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ: المُرادُ بِالغَيْبِ المَهْدِيُّ المُنْتَظَرُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في القُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النُّورِ: ٥٥] وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا يَوْمٌ واحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِي، يُواطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، يَمْلَأُ الأرْضَ عَدْلًا وقِسْطًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا وظُلْمًا» “ واعْلَمْ أنَّ تَخْصِيصَ المُطْلَقِ مِن غَيْرِ الدَّلِيلِ باطِلٌ. * * * (المَسْألَةُ السّادِسَةُ): ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ إقامَتَها عِبارَةٌ عَنْ تَعْدِيلِ أرْكانِها وحِفْظِها مِن أنْ يَقَعَ خَلَلٌ في فَرائِضِها وسُنَنِها وآدابِها، مِن: أقامَ العُودَ، إذا قَوَّمَهُ. وثانِيها: أنَّها عِبارَةٌ عَنِ المُداوَمَةِ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] وقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٢٣] مِن: قامَتِ السُّوقُ، إذا نَفَقَتْ، وإقامَتُها نَفاقُها؛ لِأنَّها إذا حُوفِظَ عَلَيْها كانَتْ كالشَّيْءِ النّافِقِ الَّذِي تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّغَباتُ، وإذا أُضِيعَتْ كانَتْ كالشَّيْءِ الكاسِدِ الَّذِي لا يُرْغَبُ فِيهِ، وثالِثُها: أنَّها عِبارَةٌ عَنِ التَّجَرُّدِ لِأدائِها، وأنْ لا يَكُونَ في مُؤَدِّيها فُتُورٌ مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ، وقامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، وفي ضِدِّهِ: قَعَدَ عَنِ الأمْرِ، وتَقاعَدَ عَنْهُ إذا تَقاعَسَ وتَثَبَّطَ. ورابِعُها: إقامَتُها عِبارَةٌ عَنْ أدائِها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الأداءِ بِالإقامَةِ؛ لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقُنُوتِ وبِالرُّكُوعِ وبِالسُّجُودِ، وقالُوا: سَبَّحَ إذا صَلّى، لِوُجُودِ التَّسْبِيحِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٣] واعْلَمْ أنَّ الأوْلى حَمْلُ الكَلامِ عَلى ما يَحْصُلُ مَعَهُ مِنَ الثَّناءِ العَظِيمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَمَلْنا الإقامَةَ عَلى إدامَةِ فِعْلِها مِن غَيْرِ خَلَلٍ في أرْكانِها وشَرائِطِها؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ القَيِّمَ بِأرْزاقِ الجُنْدِ إنَّما يُوصَفُ بِكَوْنِهِ قَيِّمًا إذا أعْطى الحُقُوقَ مِن دُونِ بَخْسٍ ونَقْصٍ؛ ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ قائِمٌ وقَيُّومٌ؛ لِأنَّهُ يَجِبُ دَوامُ وُجُودِهِ؛ ولِأنَّهُ يُدِيمُ إدْرارَ الرِّزْقِ عَلى عِبادِهِ. * * * (المَسْألَةُ السّابِعَةُ): ذَكَرُوا في لَفْظِ الصَّلاةِ في أصْلِ اللُّغَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها الدُّعاءُ قالَ الشّاعِرُ: وقابَلَها الرِّيحُ في دَنِّها وصَلّى عَلى دَنِّها وارْتَسَمْ وثانِيها: قالَ الخارْزَنْجِيُّ: اشْتِقاقُها مِنَ الصَّلى، وهي النّارُ، مِن قَوْلِهِمْ: صَلَيْتُ العَصا إذا قَوَّمْتُها بِالصَّلى، فالمُصَلِّي كَأنَّهُ يَسْعى في تَعْدِيلِ باطِنِهِ وظاهِرِهِ مِثْلَ مَن يُحاوِلُ تَقْوِيمَ الخَشَبَةِ بِعَرْضِها عَلى النّارِ. وثالِثُها: أنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ المُلازَمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ٤] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ٣] وسُمِّيَ الفَرَسُ الثّانِي مِن أفْراسِ المُسابَقَةِ مُصَلِّيًا. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الصَّلاةُ فَعْلَةٌ مِن ”صَلّى“ كالزَّكاةِ مِن ”زَكّى“ وكَتَبْتُها بِالواوِ عَلى لَفْظِ المُفَخَّمِ، وحَقِيقَةُ صَلّى حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ، صفحة ٢٨ لِأنَّ المُصَلِّيَ يَفْعَلُ ذَلِكَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، وقِيلَ لِلدّاعِي مُصَلٍّ تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالرّاكِعِ والسّاجِدِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الِاشْتِقاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ يُفْضِي إلى طَعْنٍ عَظِيمٍ في كَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ مِن أشَدِّ الألْفاظِ شُهْرَةً وأكْثَرِها دَوَرانًا عَلى ألْسِنَةِ المُسْلِمِينَ، واشْتِقاقُهُ مِن تَحْرِيكِ الصَّلَوَيْنِ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ اشْتِهارًا فِيما بَيْنَ أهْلِ النَّقْلِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يُقالَ: مُسَمّى الصَّلاةِ في الأصْلِ ما ذَكَرَهُ، ثُمَّ إنَّهُ خَفِيَ وانْدَرَسَ حَتّى صارَ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ إلّا الآحادُ، لَكانَ مِثْلُهُ في سائِرِ الألْفاظِ جائِزًا، ولَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما قَطَعْنا بِأنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الألْفاظِ ما تَتَبادَرُ أفْهامُنا إلَيْهِ مِنَ المَعانِي في زَمانِنا هَذا، لِاحْتِمالِ أنَّها كانَتْ في زَمانِ الرَّسُولِ مَوْضُوعَةً لِمَعانٍ أُخَرَ، وكانَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنها تِلْكَ المَعانِيَ، إلّا أنَّ تِلْكَ المَعانِيَ خَفِيَتْ في زَمانِنا وانْدَرَسَتْ، كَما وقَعَ مِثْلُهُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلِمْنا أنَّ الِاشْتِقاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَرْدُودٌ باطِلٌ. الثّانِي: الصَّلاةُ في الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ أفْعالٍ مَخْصُوصَةٍ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّحْلِيلِ، وهَذا الِاسْمُ يَقَعُ عَلى الفَرْضِ والنَّفْلِ. لَكِنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الفَرْضُ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَقِفُ الفَلاحُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ «عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَيَّنَ لِلْأعْرابِيِّ صِفَةَ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ قالَ: واللَّهِ لا أزِيدُ عَلَيْها ولا أنْقُصُ مِنها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أفْلَحَ إنْ صَدَقَ“» . * * * (المَسْألَةُ الثّامِنَةُ): الرِّزْقُ في كَلامِ العَرَبِ هو الحَظُّ، قالَ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٢] أيْ حَظَّكم مِن هَذا الأمْرِ، والحَظُّ هو نَصِيبُ الرَّجُلِ وما هو خاصٌّ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: الرِّزْقُ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ أوْ يُسْتَعْمَلُ، وهو باطِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِأنْ نُنْفِقَ مِمّا رَزَقَنا، فَقالَ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] فَلَوْ كانَ الرِّزْقُ هو الَّذِي يُؤْكَلُ لَما أمْكَنَ إنْفاقُهُ. وقالَ آخَرُونَ: الرِّزْقُ هو ما يُمْلَكُ وهو أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي ولَدًا صالِحًا، أوْ زَوْجَةً صالِحَةً، وهو لا يَمْلِكُ الوَلَدَ ولا الزَّوْجَةَ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَقْلًا أعِيشُ بِهِ، ولَيْسَ العَقْلُ بِمَمْلُوكٍ، وأيْضًا البَهِيمَةُ يَكُونُ لَها رِزْقٌ، ولا يَكُونُ لَها مِلْكٌ. وأمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ أبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ: الرِّزْقُ هو تَمْكِينُ الحَيَوانِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ والحَظْرُ عَلى غَيْرِهِ أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإذا قُلْنا: قَدْ رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الأمْوالَ، فَمَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مَكَّنَنا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، وإذا سَألْناهُ تَعالى أنْ يَرْزُقَنا مالًا فَإنّا نَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَجْعَلَنا بِالمالِ أخَصَّ، وإذا سَألْناهُ أنْ يَرْزُقَ البَهِيمَةَ فَإنّا نَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَجْعَلَها بِهِ أخَصَّ، وإنَّما تَكُونُ بِهِ أخَصَّ إذا مَكَّنَها مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَمْنَعَها مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمّا فَسَّرُوا الرِّزْقَ بِذَلِكَ لا جَرَمَ قالُوا: الحَرامُ لا يَكُونُ رِزْقًا. وقالَ أصْحابُنا: الحَرامُ قَدْ يَكُونُ رِزْقًا، فَحُجَّةُ الأصْحابِ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ الرِّزْقَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو الحَظُّ والنَّصِيبُ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَمَنِ انْتَفَعَ بِالحَرامِ فَذَلِكَ الحَرامُ صارَ حَظًّا ونَصِيبًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رِزْقًا لَهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: ٦] وقَدْ يَعِيشُ الرَّجُلُ طُولَ عُمُرِهِ لا يَأْكُلُ إلّا مِنَ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ طُولَ عُمُرِهِ لَمْ يَأْكُلْ مِن رِزْقِهِ شَيْئًا. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والمَعْنى. أمّا الكِتابُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها قَوْلُهُ صفحة ٢٩ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ مَدَحَهم عَلى الإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَلَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقُّوا المَدْحَ إذا أنْفَقُوا مِنَ الحَرامِ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ. وثانِيها: لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَجازَ أنْ يُنْفِقَ الغاصِبُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْغاصِبِ أنْ يُنْفِقَ مِمّا أخَذَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٥٩] فَبَيَّنَ أنَّ مَن حَرَّمَ رِزْقَ اللَّهِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا، وأمّا السُّنَّةُ فَما رَواهُ أبُو الحُسَيْنِ في كِتابِ الغَرَرِ بِإسْنادِهِ «عَنْ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قالَ: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ، فَلا أرانِي أُرْزَقُ إلّا مِن دُفِّي بِكَفِّي، فائْذَنْ لِي في الغِناءِ مِن غَيْرِ فاحِشَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا إذْنَ لَكَ، ولا كَرامَةَ، ولا نِعْمَةَ، كَذَبْتَ أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ رِزْقًا طَيِّبًا، فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن حَلالِهِ، أما إنَّكَ لَوْ قُلْتَ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ شَيْئًا ضَرَبْتُكَ ضَرْبًا وجِيعًا“» وأمّا المَعْنى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ المُكَلَّفَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرامِ، وأمَرَ غَيْرَهُ بِمَنعِهِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، ومَن مَنَعَ مِن أخْذِ الشَّيْءِ والِانْتِفاعِ بِهِ لا يُقالُ إنَّهُ رَزَقَهُ إيّاهُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ قَدْ رَزَقَ جُنْدَهُ مالًا قَدْ مَنَعَهم مِن أخْذِهِ، وإنَّما يُقالُ: إنَّهُ رَزَقَهم ما مَكَّنَهم مِن أخْذِهِ، ولا يَمْنَعُهم مِنهُ، ولا أمَرَ بِمَنعِهِمْ مِنهُ، أجابَ أصْحابُنا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآياتِ بِأنَّهُ وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ: يا خالِقَ المُحْدَثاتِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، ولا يُقالُ: يا خالِقَ الكِلابِ والخَنازِيرِ، وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦] فَخَصَّ اسْمَ العِبادِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ الكُفّارُ أيْضًا مِنَ العِبادِ، وكَذَلِكَ هَهُنا خَصَّ اسْمَ الرِّزْقِ بِالحَلالِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإنْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا أيْضًا، وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالخَبَرِ بِأنَّهُ حُجَّةٌ لَنا، لِأنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ» “ صَرِيحٌ في أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، وأجابُوا عَنِ المَعْنى بِأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مَحْضُ اللُّغَةِ، وهو أنَّ الحَرامَ هَلْ يُسَمّى رِزْقًا أمْ لا ؟ ولا مَجالَ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ في الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * (المَسْألَةُ التّاسِعَةُ): أصْلُ الإنْفاقِ إخْراجُ المالِ مِنَ اليَدِ، ومِنهُ نَفَقَ المَبِيعُ نَفاقًا إذا كَثُرَ المُشْتَرُونَ لَهُ، ونَفَقَتِ الدّابَّةُ إذا ماتَتْ أيْ خَرَجَ رُوحُها، ونافِقاءُ الفَأْرَةِ لِأنَّها تَخْرُجُ مِنها ومِنهُ النَّفَقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] . (المَسْألَةُ العاشِرَةُ): في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ فَوائِدُ: أحَدُها: أدْخَلَ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةَ صِيانَةً لَهم، وكَفًّا عَنِ الإسْرافِ والتَّبْذِيرِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وثانِيها: قَدَّمَ مَفْعُولَ الفِعْلِ دَلالَةً عَلى كَوْنِهِ أهَمَّ، كَأنَّهُ قالَ: ويَخُصُّونَ بَعْضَ المالِ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ. وثالِثُها: يَدْخُلُ في الإنْفاقِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، الإنْفاقُ الواجِبُ، والإنْفاقُ المَندُوبُ، والإنْفاقُ الواجِبُ أقْسامٌ: أحَدُها: الزَّكاةُ وهي قَوْلُهُ في آيَةِ الكَنْزِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٤] . وثانِيها: الإنْفاقُ عَلى النَّفْسِ وعَلى مَن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وثالِثُها: الإنْفاقُ في الجِهادِ. وأمّا الإنْفاقُ المَندُوبُ فَهو أيْضًا إنْفاقٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] وأرادَ بِهِ الصَّدَقَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] فَكُلُّ هَذِهِ الإنْفاقاتِ داخِلَةٌ تَحْتَ الآيَةِ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ.

البقرة 2:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ ما كانَ مُؤْمِنًا بِهِما، ودَلالَةُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما دَخَلَ فِيهِ التَّخْصِيصُ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ الخاصِّ عَلى ذَلِكَ البَعْضِ، لِأنَّ العامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، والخاصَّ لا يَحْتَمِلُهُ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ فَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ لِأنَّ في هَذا التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ مَزِيدَ تَشْرِيفٍ لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ تَخْصِيصُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِهَذا التَّشْرِيفِ تَرْغِيبٌ لِأمْثالِهِ في الدِّينِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِّ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: (المَسْألَةُ الأُولى): لا نِزاعَ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الإيمانَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ فالمُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ، فَإذا قُلْنا: فُلانٌ آمَنَ بِكَذا، فالمُرادُ أنَّهُ صَدَّقَ بِهِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ صامَ وصَلّى، فالمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا التَّصْدِيقُ بِالِاتِّفاقِ، لَكِنْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ هَهُنا خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ، والمُصَدِّقُ مَعَ الشَّكِّ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا، فَهو إلى الذَّمِّ أقْرَبُ. * * * (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): المُرادُ مِن إنْزالِ الوَحْيِ وكَوْنِ القُرْآنِ مُنْزَلًا، ومُنَزَّلًا، ومَنزُولًا بِهِ - أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ في السَّماءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ عَلى الرَّسُولِ بِهِ، وهَذا كَما يُقالُ: نَزَلَتْ رِسالَةُ الأمِيرِ مِنَ القَصْرِ، والرِّسالَةُ لا تَنْزِلُ، لَكِنَّ المُسْتَمِعَ يَسْمَعُ الرِّسالَةَ مِن عُلُوٍّ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي في سُفْلٍ. وقَوْلُ الأمِيرِ لا يُفارِقُ ذاتَهُ، ولَكِنَّ السّامِعَ يَسْمَعُ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي بِلَفْظِ نَفْسِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَنْقُلُ الكَلامَ إذا سَمِعَ في مَوْضِعٍ وأدّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمِعَ جِبْرِيلُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وكَلامُهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ عِنْدَكم ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَمْعًا لِكَلامِهِ، ثُمَّ أقْدَرَهُ عَلى عِبارَةٍ يُعَبِّرُ بِها عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كِتابَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ، فَقَرَأهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفِظَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أصْواتًا مُقَطَّعَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ في جِسْمٍ مَخْصُوصٍ، فَيَتَلَقَّفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّهُ هو العِبارَةُ المُؤَدِّيَةُ لِمَعْنى ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ هَذا الإيمانُ واجِبٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥] فَثَبَتَ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا الإيمانُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُفْلِحًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبٌ وجَبَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عِلْمًا وعَمَلًا إلّا إذا عَلِمَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ القِيامُ بِهِ، إلّا أنَّ تَحْصِيلَ هَذا العِلْمِ واجِبٌ عَلى سَبِيلِ الكِفايَةِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِالشَّرائِعِ صفحة ٣١ النّازِلَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى العامَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ فالمُرادُ بِهِ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما تَعَبَّدَنا الآنَ بِهِ حَتّى يُلْزِمَنا مَعْرِفَتَهُ عَلى التَّفْصِيلِ، بَلْ إنْ عَرَفْنا شَيْئًا مِن تَفاصِيلِهِ فَهُناكَ يَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِتِلْكَ التَّفاصِيلِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: (المَسْألَةُ الأُولى): الآخِرَةُ صِفَةُ الدّارِ الآخِرَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ لِلدُّنْيا دُنْيا لِأنَّها أدْنى مِنَ الآخِرَةِ. (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): اليَقِينُ هو العِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبُهُ شاكًّا فِيهِ، فَلِذَلِكَ لا يَقُولُ القائِلُ: تَيَقَّنْتُ وُجُودَ نَفْسِي، وتَيَقَّنْتُ أنَّ السَّماءَ فَوْقِي، لِما أنَّ العِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَدْرَكٍ، ويُقالُ ذَلِكَ في العِلْمِ الحادِثِ بِالأُمُورِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، فَيَقُولُ القائِلُ: تَيَقَّنْتُ ما أرَدْتُهُ بِهَذا الكَلامِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ مُرادَهُ بِالِاضْطِرارِ، ويَقُولُ: تَيَقَّنْتُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ بِالِاكْتِسابِ؛ ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَتَيَقَّنُ الأشْياءَ. (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَهم عَلى كَوْنِهِمْ مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُمْدَحُ المَرْءُ بِأنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ إلّا إذا تَيَقَّنَ وُجُودَ الآخِرَةِ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ وإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، والكافِرِينَ النّارَ. رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ مِنَ الشّاكِّ في اللَّهِ وهو يَرى خَلْقَهُ، وعَجَبًا مِمَّنْ يَعْرِفُ النَّشْأةَ الأُولى ثُمَّ يُنْكِرُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، وعَجَبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ البَعْثَ والنُّشُورَ وهو في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ يَمُوتُ ويَحْيا - يَعْنِي النَّوْمَ واليَقَظَةَ - وعَجَبًا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالجَنَّةِ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ ثُمَّ يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ، وعَجَبًا مِنَ المُتَكَبِّرِ الفَخُورِ وهو يَعْلَمُ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ» “ .

البقرة 2:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: (المَسْألَةُ الأُولى): في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنْ يَنْوِيَ الِابْتِداءَ ”بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ“، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَخَصَّ المُتَّقِينَ بِأنَّ الكِتابَ هُدًى لَهم كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: ما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِذَلِكَ ؟ فَوَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يَكُونُ مُنْشَغِلًا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والفَوْزِ بِالفَلاحِ والنَّجاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِ. وثانِيها: أنْ لا يَنْوِيَ الِابْتِداءَ بِهِ، بَلْ يَجْعَلَهُ تابِعًا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِداءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ سَبَبٍ في أنْ صارَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُخْتَصِّينَ بِالهُدى ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أنْ يَفُوزُوا دُونَ النّاسِ بِالهُدى عاجِلًا وبِالفَلاحِ آجِلًا. وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ المَوْصُولُ الأوَّلُ صِفَةَ ”المُتَّقِينَ“، ويُرْفَعَ الثّانِي عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ خَبَرُهُ، ويَكُونُ المُرادُ جَعْلَ اخْتِصاصِهِمْ بِالفَلاحِ والهُدى تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ صفحة ٣٢ يُؤْمِنُوا بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم ظانُّونَ أنَّهم عَلى الهُدى، وطامِعُونَ أنَّهم يَنالُونَ الفَلاحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * * (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى هُدًى﴾ بَيانٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، ونَظِيرُهُ ”فُلانٌ عَلى الحَقِّ، أوْ عَلى الباطِلِ“ وقَدْ صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ”جَعَلَ الغِوايَةَ مَرْكَبًا، وامْتَطى الجَهْلَ“، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في كَوْنِهِمْ عَلى الهُدى تَمَسُّكُهم بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ الواجِبَ عَلى المُتَمَسِّكِ بِالدَّلِيلِ أنْ يَدُومَ عَلى ذَلِكَ ويَحْرُسَهُ عَنِ المَطاعِنِ والشُّبَهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ومَدَحَهم بِالإيمانِ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ أوَّلًا، ومَدَحَهم بِالإقامَةِ عَلى ذَلِكَ والمُواظَبَةِ عَلى حِراسَتِهِ عَنِ الشُّبَهِ ثانِيًا، وذَلِكَ واجِبٌ عَلى المُكَلَّفِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُتَشَدِّدًا في الدِّينِ خائِفًا وجِلًا فَلا بُدَّ مِن أنْ يُحاسِبَ نَفْسَهُ في عِلْمِهِ وعَمَلِهِ، ويَتَأمَّلَ حالَهُ فِيهِما، فَإذا حَرَسَ نَفْسَهُ عَنِ الإخْلالِ كانَ مَمْدُوحًا بِأنَّهُ عَلى هُدًى وبَصِيرَةٍ، وإنَّما نَكَّرَ ﴿هُدًى﴾ لِيُفِيدَ ضَرْبًا مُبْهَمًا لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ ولا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، كَما يُقالُ: لَوْ أبْصَرْتَ فَلانًا لَأبْصَرْتَ رَجُلًا. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الهُدى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ، ولا يُبْصِرُهُ إلّا بَصِيرٌ، ولا يَعْمَلُ بِهِ إلّا يَسِيرٌ، ألا تَرى أنَّ نُجُومَ السَّماءِ يُبْصِرُها البُصَراءُ، ولا يَهْتَدِي بِها إلّا العُلَماءُ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): في تَكْرِيرِ ﴿أُولَئِكَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كَما ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصاصُ بِالهُدى ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصاصُ بِالفَلاحِ أيْضًا، فَقَدْ تَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الِاخْتِصاصَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جاءَ مَعَ العاطِفِ ؟ وما الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٩] قُلْنا: قَدِ اخْتَلَفَ الخَبَرانِ هُنا، فَلِذَلِكَ دَخَلَ العاطِفُ بِخِلافِ الخَبَرَيْنِ ثَمَّتَ، فَإنَّهُما مُتَّفِقانِ؛ لِأنَّ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ بِالغَفْلَةِ وتَشْبِيهَهم بِالبَهائِمِ شَيْءٌ واحِدٌ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِما في الأُولى، فَهي مِنَ العَطْفِ بِمَعْزِلٍ. * * * (المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): ﴿هُمُ﴾ فَصْلٌ، ولَهُ فائِدَتانِ: إحْداهُما: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الوارِدَ بَعْدَهُ خَبَرٌ لا صِفَةٌ، وثانِيَتُهُما: حَصْرُ الخَبَرِ في المُبْتَدَأِ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: الإنْسانُ ضاحِكٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الضّاحِكِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الإنْسانِ، أمّا لَوْ قُلْتَ: الإنْسانُ هو الضّاحِكُ، فَهَذا يُفِيدُ أنَّ الضّاحِكِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الإنْسانِ. * * * (المَسْألَةُ الخامِسَةُ): مَعْنى التَّعْرِيفِ في ﴿المُفْلِحُونَ﴾ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم يُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ، كَما إذا بَلَغَكَ أنَّ إنْسانًا قَدْ تابَ مِن أهْلِ بَلَدِكَ، فاسْتَخْبَرْتَ: مَن هو ؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ التّائِبُ، أيْ هو الَّذِي أُخْبِرْتَ بِتَوْبَتِهِ، أوْ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ إنْ حَصَلَتْ صِفَةُ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ فَهم هم، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: هَلْ عَرَفْتَ الأسَدَ وما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن فَرْطِ الإقْدامِ ؟ إنَّ زَيْدًا هو هو. (المَسْألَةُ السّادِسَةُ): المُفْلِحُ الظّافِرُ بِالمَطْلُوبِ، كَأنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَّفَرِ، ولَمْ تَسْتَغْلِقْ عَلَيْهِ، والمُفْلِجُ بِالجِيمِ مِثْلُهُ، والتَّرْكِيبُ دالٌّ عَلى مَعْنى الشَّقِّ والفَتْحِ، ولِهَذا سُمِّيَ الزَّرّاعُ فَلّاحًا، ومَشْقُوقُ الشَّفَةِ السُّفْلى أفْلَحَ، وفي المَثَلِ ”الحَدِيدُ بِالحَدِيدِ يُفْلَحُ“، وتَحْقِيقُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالقِيامِ بِما يَلْزَمُهم عِلْمًا وعَمَلًا بَيَّنَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ وهو الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ الَّذِي هو النَّعِيمُ الدّائِمُ مِن غَيْرِ شَوْبٍ عَلى وجْهِ الإجْلالِ والإعْظامِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الثَّوابُ المَطْلُوبُ لِلْعِباداتِ. * * * (المَسْألَةُ السّابِعَةُ): هَذِهِ الآياتُ يَتَمَسَّكُ الوَعِيدِيَّةُ بِها مِن وجْهٍ، والمُرْجِئَةُ مِن وجْهٍ آخَرَ. أمّا الوَعِيدِيَّةُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَوَجَبَ فِيمَن أخَلَّ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أنْ لا صفحة ٣٣ يَكُونَ مُفْلِحًا، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ عَلى وعِيدِ تارِكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ. الثّانِي: أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ الفَلاحِ هي فِعْلَ الإيمانِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَمَن أخَلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلَّةُ الفَلاحِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الفَلاحُ. أمّا المُرْجِئَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِالفَلاحِ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الأشْياءِ مُفْلِحًا وإنْ زَنى وسَرَقَ وشَرِبَ الخَمْرَ، وإذا ثَبَتَ في هَذِهِ الطّائِفَةِ تَحَقُّقُ العَفْوِ ثَبَتَ في غَيْرِهِمْ ضَرُورَةً، إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. والجَوابُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الِاحْتِجاجَيْنِ مَعارَضٌ بِالآخَرِ فَيَتَساقَطانِ، ثُمَّ الجَوابُ عَنْ قَوْلِ الوَعِيدِيَّةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ غَيْرَ كامِلٍ في الفَلاحِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَإنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ كامِلًا في الفَلاحِ وهو غَيْرُ جازِمٍ بِالخَلاصِ مِنَ العَذابِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَكُونَ خائِفًا مِنهُ، وعَنِ الثّانِي: أنَّ نَفْيَ السَّبَبِ الواحِدِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ المُسَبَّبِ، فَعِنْدَنا مِن أسْبابِ الفَلاحِ عَفْوُ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ عَنْ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: أنَّ وصْفَهم بِالتَّقْوى يَكْفِي في نَيْلِ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ اتِّقاءَ المَعاصِي، واتِّقاءَ تَرْكِ الواجِباتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ نَحْوِيَّةً، ومَسائِلَ أُصُولِيَّةً، ونَحْنُ نَأْتِي عَلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: (إنَّ) فَفِيهِ مَسائِلُ: (المَسْألَةُ الأُولى): اعْلَمْ أنَّ (إنَّ) حَرْفٌ، والحَرْفُ لا أصْلَ لَهُ في العَمَلِ، لَكِنَّ هَذا الحَرْفَ أشْبَهَ الفِعْلَ صُورَةً ومَعْنًى، وتِلْكَ المُشابَهَةُ تَقْتَضِي كَوْنَها عامِلَةً، وفِيهِ مُقَدِّماتٌ: (المُقَدِّمَةُ الأُولى): في بَيانِ المُشابَهَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُشابَهَةَ حاصِلَةٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، أمّا في اللَّفْظِ فَلِأنَّها تَرَكَّبَتْ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ وانْفَتَحَ آخِرُها ولَزِمَتِ الأسْماءَ كالأفْعالِ، ويَدْخُلُها نُونُ الوِقايَةِ نَحْوَ إنَّنِي وكَأنَّنِي، كَما يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ نَحْوَ: أعْطانِي وأكْرَمَنِي، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّها تُفِيدُ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ، وهو تَأكُّدُ مَوْصُوفِيَّتِهِ بِالخَبَرِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ، فَقَوْلُكَ: قامَ أفادَ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ. (المُقَدِّمَةَ الثّانِيَةُ): أنَّها لَمّا أشْبَهَتِ الأفْعالَ وجَبَ أنْ تُشْبِهَها في العَمَلِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى الدَّوَرانِ. (المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ): في أنَّها لِمَ نَصَبَتِ الِاسْمَ ورَفَعَتِ الخَبَرَ ؟ وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا صارَتْ عامِلَةً، فَإمّا أنْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ مَعًا، أوْ تَنْصِبَهُما مَعًا، أوْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ وتَنْصِبَ الخَبَرَ وبِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ كانا قَبْلَ دُخُولِ (إنَّ) عَلَيْهِما مَرْفُوعَيْنِ، فَلَوْ بَقِيا كَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِها عَلَيْهِما لَما ظَهَرَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ، ولِأنَّها أُعْطِيَتْ عَمَلَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَرْفَعُ الِاسْمَيْنِ، فَلا مَعْنى لِلِاشْتِراكِ، والفَرْعُ لا يَكُونُ أقْوى مِنَ الأصْلِ، والقِسْمُ الثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا أيْضًا مُخالِفٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ، لِأنَّ الفِعْلَ لا يَنْصِبُ شَيْئًا مَعَ خُلُوِّهِ عَمّا يَرْفَعُهُ. والقِسْمُ الثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ، فَإنَّ الفِعْلَ يَكُونُ عَمَلُهُ في الفاعِلِ أوَّلًا بِالرَّفْعِ ثُمَّ في المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ، فَلَوْ جُعِلَ الحَرْفُ هَهُنا كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ. ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنَّها تَنْصِبُ الِاسْمَ وتَرْفَعُ صفحة ٣٤ الخَبَرَ، وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ دَخِيلَةٌ في العَمَلِ لا أصْلِيَّةٌ، لِأنَّ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ عَلى المَرْفُوعِ في بابِ الفِعْلِ عُدُولٌ عَنِ الأصْلِ، فَذَلِكَ يَدُلُّ هَهُنا عَلى أنَّ العَمَلَ لِهَذِهِ الحُرُوفِ لَيْسَ بِثابِتٍ بِطَرِيقِ الأصالَةِ، بَلْ بِطَرِيقٍ عارِضٍ. * * * (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا الحَرْفُ يَنْصِبُ الِاسْمَ ويَرْفَعُ الخَبَرَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: لا أثَرَ لَهُ في رَفْعِ الخَبَرِ، بَلْ هو مُرْتَفِعٌ بِما كانَ مُرْتَفِعًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. حُجَّةُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تُشْبِهُ الفِعْلَ مُشابَهَةً تامَّةً عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والفِعْلُ لَهُ تَأْثِيرٌ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ، فَهَذِهِ الحُرُوفُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. وحَجَّةُ الكُوفِيِّينَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى الخَبَرِيَّةِ باقٍ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وهو أوْلى بِاقْتِضاءِ الرَّفْعِ، فَتَكُونُ الخَبَرِيَّةُ رافِعَةً، وإذا كانَتِ الخَبَرِيَّةُ رافِعَةً اسْتَحالَ ارْتِفاعُهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثَةٌ: إحْداها: قَوْلُنا: الخَبَرِيَّةُ باقِيَةٌ، وذَلِكَ ظاهِرٌ، لِأنَّ المُرادَ مِنَ الخَبَرِيَّةِ كَوْنُ الخَبَرِ مُسْنَدًا إلى المُبْتَدَأِ، وبَعْدَ دُخُولِ حَرْفِ ”إنَّ“ عَلَيْهِ فَذاكَ الإسْنادُ باقٍ. وثانِيها: قَوْلُنا: الخَبَرِيَّةُ هَهُنا مُقْتَضِيَةٌ لِلرَّفْعِ: وذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرِيَّةَ كانَتْ قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“ مُقْتَضِيَةً لِلرَّفْعِ، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ الحَرْفِ هُناكَ جُزْءًا مِنَ المُقْتَضى؛ لِأنَّ العَدَمَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ العِلَّةِ، فَبَعْدَ دُخُولِ هَذِهِ الحُرُوفِ كانَتِ الخَبَرِيَّةُ مُقْتَضِيَةً لِلرَّفْعِ، لِأنَّ المُقْتَضى بِتَمامِهِ لَوْ حَصَلَ ولَمْ يُؤَثِّرْ لَكانَ ذَلِكَ لِمانِعٍ، وهو خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: قَوْلُنا: الخَبَرِيَّةُ أوْلى بِالِاقْتِضاءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَهُ خَبَرًا وصْفٌ حَقِيقِيٌّ قائِمٌ بِذاتِهِ، وذَلِكَ الحَرْفُ أجْنَبِيٌّ مُبايِنٌ عَنْهُ، وكَما أنَّهُ مُبايِنٌ عَنْهُ فَغَيْرُ مُجاوِرٍ لَهُ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَخَلَّلُهُما. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ يُشابِهُ الفِعْلَ مُشابَهَةً حَقِيقِيَّةً مَعْنَوِيَّةً، وهو كَوْنُ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما مُسْنَدًا إلى الغَيْرِ، أمّا الحَرْفُ فَإنَّهُ لا يُشابِهُ الفِعْلَ في وصْفٍ حَقِيقِيٍّ مَعْنَوِيٍّ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْنادٌ، فَكانَتْ مُشابَهَةُ الخَبَرِ لِلْفِعْلِ أقْوى مِن مُشابَهَةِ هَذا الحَرْفِ لِلْفِعْلِ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَتِ الخَبَرِيَّةُ بِاقْتِضاءِ الرَّفْعِ لِأجْلِ مُشابَهَةِ الفِعْلِ أوْلى مِنَ الحَرْفِ بِسَبَبِ مُشابَهَتِهِ لِلْفِعْلِ. ورابِعُها: لَمّا كانَتِ الخَبَرِيَّةُ أقْوى في اقْتِضاءِ الرَّفْعِ اسْتَحالَ كَوْنُ هَذا الحَرْفِ رافِعًا، لِأنَّ الخَبَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الحَرْفِ أوْلى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الحُكْمُ بِالخَبَرِيَّةِ قَبْلَ حُصُولِ هَذا الحَرْفِ، فَبَعْدَ وُجُودِ هَذا الحَرْفِ لَوْ أُسْنِدَ هَذا الحُكْمُ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ، وهو مُحالٌ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ سِيبَوَيْهِ وافَقَ عَلى أنَّ الحَرْفَ غَيْرُ أصْلٍ في العَمَلِ، فَيَكُونُ إعْمالُهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وما ثَبَتَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ. والضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإعْمالِها في الِاسْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُعْمِلَها في الخَبَرِ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): رَوى الأنْبارِيُّ أنَّ الكِنْدِيَّ المُتَفَلْسِفَ رَكِبَ إلى المُبَرِّدِ، وقالَ: إنِّي أجِدُ في كَلامِ العَرَبِ حَشْوًا، أجِدُ العَرَبَ تَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ، ثُمَّ تَقُولُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ، ثُمَّ تَقُولُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ، فَقالَ المُبَرِّدُ: بَلِ المَعانِي مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلافِ الألْفاظِ، فَقَوْلُهم: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ، وقَوْلُهم: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ، وقَوْلُهم: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ جَوابٌ عَنْ إنْكارِ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ، واحْتَجَّ عَبْدُ القاهِرِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأنَّها إنَّما تُذْكَرُ جَوابًا لِسُؤالِ السّائِلِ بِأنْ قالَ: إنّا رَأيْناهم قَدْ ألْزَمُوها الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ إذا كانَ جَوابًا لِلْقَسَمِ نَحْوَ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكَهْفِ: ٨٣] وقَوْلُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٦] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحَجِّ: ٨٩] صفحة ٣٥ وأشْباهُ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ بِهِ الكُفّارَ في بَعْضِ ما جادَلُوا ونَظَرُوا فِيهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٠٤] وفي قِصَّةِ السَّحَرَةِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٥] إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ جَوابُ فِرْعَوْنَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ﴾ [طه: ٧١] وقالَ عَبْدُ القاهِرِ: والتَّحْقِيقُ أنَّها لِلتَّأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ بِأمْرٍ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِ ظَنٌّ في خِلافِهِ لَمْ يُحْتَجْ هُناكَ إلى ”إنَّ“، وإنَّما يُحْتاجُ إلَيْها إذا كانَ السّامِعُ ظَنَّ الخِلافَ، ولِذَلِكَ تَراها تَزْدادُ حُسْنًا إذا كانَ الخَبَرُ بِأمْرٍ يَبْعُدُ مِثْلُهُ، كَقَوْلِ أبِي نُواسٍ: فَعَلَيْكَ بِاليَأْسِ مِنَ النّاسِ إنَّ غِنى نَفْسِكَ في الياسِ وإنَّما حَسُنَ مَوْقِعُها؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ النّاسَ لا يَحْمِلُونَ أنْفُسَهم عَلى اليَأْسِ. وأمّا جَعْلُها مَعَ اللّامِ جَوابًا لِلْمُنْكِرِ في قَوْلِكَ: ”إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ“ فَجَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الكَلامُ مَعَ المُنْكَرِ كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ، وكَما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإنْكارُ مِنَ السّامِعِ احْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الحاضِرِينَ. واعْلَمْ أنَّها قَدْ تَجِيءُ إذا ظَنَّ المُتَكَلِّمُ في الَّذِي وجَدَ أنَّهُ لا يُوجَدُ مِثْلُ قَوْلِكَ: إنَّهُ كانَ مِنِّي إلَيْهِ إحْسانٌ فَعامَلَنِي بِالسُّوءِ، فَكَأنَّكَ تَرُدُّ عَلى نَفْسِكَ ظَنَّكَ الَّذِي ظَنَنْتَ، وتُبَيِّنُ الخَطَأ في الَّذِي تَوَهَّمْتَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٦] وكَذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشُّعَراءِ: ١١٧] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: ) المَسْألَةُ الأُولى ): اعْلَمْ أنَّهُ صَعْبٌ عَلى المُتَكَلِّمِينَ ذِكْرُ حَدِّ الكُفْرِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ كُلَّ ما يُنْقَلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ وقالَ بِهِ فَإمّا أنْ يُعْرَفَ صِحَّةُ ذَلِكَ النَّقْلِ بِالضَّرُورَةِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ أوْ بِخَبَرِ الواحِدِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ فَمَن صَدَّقَهُ في كُلِّ ذَلِكَ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْهُ في ذَلِكَ، فَإمّا بِأنْ لا يُصَدِّقَهُ في جَمِيعِها، أوْ بِأنْ لا يُصَدِّقَهُ في البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، فَذَلِكَ هو الكافِرُ، فَإذَنِ الكُفْرُ عَدَمُ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ في شَيْءٍ مِمّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، ومِثالُهُ مَن أنْكَرَ وُجُودَ الصّانِعِ، أوْ كَوْنَهُ عالِمًا قادِرًا مُخْتارًا، أوْ كَوْنَهُ واحِدًا، أوْ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، أوْ أنْكَرَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ صِحَّةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، أوْ أنْكَرَ الشَّرائِعَ الَّتِي عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ كَوْنَها مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَوُجُوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وحُرْمَةِ الرِّبا والخَمْرِ، فَذَلِكَ يَكُونُ كافِرًا؛ لِأنَّهُ تَرَكَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ فِيما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ مِن دِينِهِ. فَأمّا الَّذِي عُرِفَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ مِن دِينِهِ مِثْلُ كَوْنِهِ عالِمًا بِالعِلْمِ أوْ لِذاتِهِ، وأنَّهُ مَرْئِيٌّ أوْ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وأنَّهُ خالِقٌ أعْمالَ العِبادِ أمْ لا، فَلَمْ يُنْقَلْ بِالتَّواتُرِ القاطِعِ لِعُذْرِ مَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأحَدِ القَوْلَيْنِ دُونَ الثّانِي، بَلْ إنَّما يُعْلَمُ صِحَّةُ أحَدِ القَوْلَيْنِ وبُطْلانُ الثّانِي بِالِاسْتِدْلالِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهُ ولا الإقْرارُ بِهِ داخِلًا في ماهِيَّةِ الإيمانِ فَلا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جُزْءَ ماهِيَّةِ الإيمانِ لَكانَ يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يَحْكُمَ بِإيمانِ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ هَلْ يَعْرِفُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسْألَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لاشْتُهِرَ قَوْلُهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَّةِ، ولَنُقِلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ، فَلَمّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما وقَّفَ الإيمانَ عَلَيْها، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَعْرِفَتُها مِنَ الإيمانِ، ولا إنْكارُها مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، ولِأجْلِ هَذِهِ القاعِدَةِ لا يُكَفَّرُ أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا نُكَفِّرُ أرْبابَ التَّأْوِيلِ. صفحة ٣٦ وأمّا الَّذِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِرِوايَةِ الآحادِ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَوَقُّفُ الكُفْرِ والإيمانِ عَلَيْهِ. فَهَذا قَوْلُنا في حَقِيقَةِ الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: يَبْطُلُ ما ذَكَرْتُمْ مِن جِهَةِ العَكْسِ بِلُبْسِ الغِيارِ وشَدِّ الزُّنّارِ وأمْثالِهِما، فَإنَّهُ كَفَرَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ سِوى تَرْكِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، قُلْنا: هَذِهِ الأشْياءُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ كُفْرًا لِأنَّ التَّصْدِيقَ وعَدَمَهُ أمْرٌ باطِنٌ لا اطِّلاعَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، ومِن عادَةِ الشَّرْعِ أنَّهُ لا يَبْنِي الحُكْمَ في أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى نَفْسِ المَعْنى، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الِاطِّلاعِ، بَلْ يَجْعَلُ لَها مُعَرِّفاتٍ وعَلاماتٍ ظاهِرَةً، ويَجْعَلُ تِلْكَ المَظانَّ الظّاهِرَةَ مَدارًا لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَيْسَ الغِيارُ وشَدُّ الزُّنّارِ مِن هَذا البابِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يُصَدِّقُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِهَذِهِ الأفْعالِ، فَحَيْثُ أتى بِها دَلَّ عَلى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، فَلا جَرَمَ الشَّرْعُ يُفَرِّعُ الأحْكامَ عَلَيْها، لا أنَّها في أنْفُسِها كُفْرٌ، فَهَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إخْبارٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِصِيغَةِ الماضِي، والإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِصِيغَةِ الماضِي يَقْتَضِي كَوْنَ المُخْبَرِ عَنْهُ مُتَقَدِّمًا عَلى ذَلِكَ الإخْبارِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِكُلِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ شَيْءٍ ماضٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أوْ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩]، ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١]، ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نُوحٍ: ١] عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ الكَلامُ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتِ، أوْ كانَ شَيْئًا آخَرَ. قالُوا: لِأنَّ الخَبَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ صِدْقًا إلّا إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالخَبَرِ عَنْهُ، والقَدِيمُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالغَيْرِ، فَهَذا الخَبَرُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، أجابَ القائِلُونَ بِقِدَمِ الكَلامِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَلَمّا أوْجَدَهُ انْقَلَبَ العِلْمُ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ عِلْمًا بِأنَّهُ قَدْ حَدَثَ في الماضِي ولَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى في الأزَلِ كانَ خَبَرًا بِأنَّهم سَيَكْفُرُونَ، فَلَمّا وُجِدَ كُفْرُهم صارَ ذَلِكَ الخَبَرُ خَبَرًا عَنْ أنَّهم قَدْ كَفَرُوا، ولَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] فَلَمّا دَخَلُوا المَسْجِدَ لا بُدَّ وأنْ يَنْقَلِبَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى أنَّهم قَدْ دَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرامَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَغَيَّرَ الخَبَرُ الأوَّلُ، فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ في مَسْألَتِنا مِثْلُهُ ؟ أجابَ المُسْتَدِلُّ أوَّلًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالَ: عِنْدَ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ وأصْحابِهِ العِلْمُ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ تَغَيُّرِ المَعْلُوماتِ، وكَيْفَ لا والعِلْمُ بِأنَّ العالَمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وأنَّهُ سَيُوجَدُ لَوْ بَقِيَ حالَ وُجُودِ العالَمِ، لَكانَ ذَلِكَ جَهْلًا لا عِلْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَغَيُّرُ ذَلِكَ العِلْمِ، وعَلى هَذا سَقَطَتْ هَذِهِ المُعارَضَةُ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى وكَلامَهُ أصْواتٌ مَخْصُوصَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذا الكَلامِ في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ عَلى دُخُولِ المَسْجِدِ لا أنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ، فَنَظِيرُهُ في مَسْألَتِنا أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم لا قَبْلَهُ، إلّا أنَّهُ مَتى قِيلَ ذَلِكَ كانَ اعْتِرافًا بِأنَّ تَكَلُّمَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في الأزَلِ وهَذا هو المَقْصُودُ، أجابَ القائِلُونَ بِالقِدَمِ بِأنّا لَوْ قُلْنا إنَّ العِلْمَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ المَعْلُومِ لَكُنّا إمّا أنْ نَقُولَ بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ أوْ ما كانَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في الأزَلِ كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِالجَهْلِ. وذَلِكَ كُفْرٌ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ كانَ حاصِلًا فَزَوالُهُ يَقْتَضِي زَوالَ القَدِيمِ، وذَلِكَ سَدُّ بابِ إثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صِيغَةٌ لِلْجَمْعِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ، وهي لِلِاسْتِغْراقِ بِظاهِرِهِ، ثُمَّ صفحة ٣٧ إنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنها هَذا الظّاهِرَ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ أسْلَمُوا، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالعامِّ ويَكُونُ مُرادُهُ الخاصَّ؛ إمّا لِأجْلِ أنَّ القَرِينَةَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ ذَلِكَ الخُصُوصُ كانَتْ ظاهِرَةً في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَحَسُنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّلْبِيسِ وظُهُورِ المَقْصُودِ، ومِثالُهُ ما إذا كانَ لِلْإنْسانِ في البَلَدِ جَمْعٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الأعْداءِ، فَإذا قالَ: ”إنَّ النّاسَ يُؤْذُونَنِي“ فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُرادَهُ مِنَ النّاسِ ذَلِكَ الجَمْعُ عَلى التَّعْيِينِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ التَّكَلُّمَ بِالعامِّ لِإرادَةِ الخاصِّ جائِزٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ البَيانُ مَقْرُونًا بِهِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيانِ التَّخْصِيصِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِن صِيَغِ العُمُومِ عَلى القَطْعِ بِالِاسْتِغْراقِ لِاحْتِمالِ أنَّ المُرادَ مِنها هو الخاصُّ، وكانَتِ القَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ ظاهِرَةً في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ ذَلِكَ، وأقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ لَعَرَفْناها، وحَيْثُ لَمْ نَعْرِفْها عَلِمْنا أنَّها ما وُجِدَتْ إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِعَدَمِ الوِجْدانِ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ مِن أضْعَفِ الأماراتِ المُفِيدَةِ لِلظَّنِّ فَضْلًا عَنِ القَطْعِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ عَلى القَطْعِ بِالوَعِيدِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَنِ احْتالَ في دَفْعِ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ“ كالنَّقِيضِ لِقَوْلِهِ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُؤْمِنُونَ“، وقَوْلُهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُؤْمِنُونَ“ لا يَصْدُقُ إلّا إذا آمَنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ في جانِبِ الثُّبُوتِ يَقْتَضِي العُمُومَ وجَبَ أنْ لا يَتَوَقَّفَ في جانِبِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ، بَلْ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ لا يَصْدُرَ الإيمانُ عَنْ واحِدٍ مِنهم؛ لِأنَّهُ مَتى لَمْ يُؤْمِن واحِدٌ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الجَمْعَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُمُ الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ“ يَكْفِي في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، أنْ لا يُؤْمِنَ واحِدٌ مِنهم، فَكَيْفَ إذا لَمْ يُؤْمِنِ الكَثِيرُ مِنهم ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صِيغَةُ الجَمْعِ، وقَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْضًا صِيغَةُ جَمْعٍ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ تَوَزَّعَ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يُؤْمِنُ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الكَلامُ المَذْكُورُ. * * * (المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقالَ قائِلُونَ: إنَّهم رُؤَساءُ اليَهُودِ المُعانِدُونَ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، كَأبِي لَهَبٍ وأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا بَعْدَ البَيِّنَةِ، وأنْكَرُوا بَعْدَ المَعْرِفَةِ، ونَظِيرُهُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤، ٥] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرِيصًا عَلى أنْ يُؤْمِنَ قَوْمُهُ جَمِيعًا حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكَهْفِ: ٦] وقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٩] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِيَقْطَعَ طَمَعَهُ عَنْهم ولا يَتَأذّى بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإنَّ اليَأْسَ إحْدى الرّاحَتَيْنِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: (المَسْألَةُ الأُولى): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ﴿سَواءٌ﴾ اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٤] ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٠] بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ. (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): في ارْتِفاعِ ﴿سَواءٌ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ارْتِفاعَهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِإنَّ و﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ صفحة ٣٨ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابْنُ عَمِّهِ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم“ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، وسَواءٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا بِمَعْنى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِإنَّ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ أوْلى؛ لِأنَّ ”سَواءٌ“ اسْمٌ، وتَنْزِيلَهُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ يَكُونُ تَرْكًا لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ وصْفُ الإنْذارِ وعَدَمُ الإنْذارِ بِالِاسْتِواءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ”سَواءٌ“ خَبَرًا، فَيَكُونُ الخَبَرُ مُقَدَّمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ جائِزٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] ورَوى سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: ”تَمِيمِيٌّ أنا“ ”ومَشْنُوءٌ مَن يَشْنَؤُكَ“، أمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُبْتَدَأُ ذاتٌ، والخَبَرُ صِفَةٌ، والذّاتُ قَبْلَ الصِّفَةِ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبْلَها في اللَّفْظِ قِياسًا عَلى تَوابِعِ الإعْرابِ، والجامِعُ التَّبَعِيَّةُ المَعْنَوِيَّةُ. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ وأنْ يَتَضَمَّنَ الضَّمِيرَ، فَلَوْ قُدِّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ لَوُجِدَ الضَّمِيرُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ هو اللَّفْظُ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى أمْرٍ مَعْلُومٍ، فَقَبْلَ العِلْمِ بِهِ امْتَنَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، فَكانَ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ مُحالًا، أجابَ البَصْرِيُّونَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّ ما ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ المُبْتَدَأِ أوْلى، لا أنْ يَكُونَ واجِبًا، وعَنِ الثّانِي: أنَّ الإضْمارَ قَبْلَ الذِّكْرِ واقِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِمْ: ”في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ“، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧]، وقالَ زُهَيْرٌ: مَن يَلْقَ يَوْمًا عَلى عِلّاتِهِ هَرِمًا يَلْقَ السَّماحَةَ مِنهُ والنَّدى خُلُقًا واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ( المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ( اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الفِعْلَ لا يُخْبَرُ عَنْهُ، لِأنَّ مَن قالَ: خَرَجَ ضَرَبَ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِكَلامٍ مُنْتَظِمٍ، ومِنهم مَن قَدَحَ فِيهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فِعْلٌ وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يُوسُفَ: ٣٥] فاعِلُ ”بَدا“ هو ”لَيَسْجُنُنَّهُ“ . وثانِيها: أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فِعْلًا، فالفِعْلُ قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ، فَإنْ قِيلَ: المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ هو تِلْكَ الكَلِمَةُ، وتِلْكَ الكَلِمَةُ اسْمٌ، قُلْنا: فَعَلى هَذا: المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بَلِ اسْمًا كانَ هَذا الخَبَرُ كَذِبًا، والتَّحْقِيقُ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ هَذا الخَبَرُ كَذِبًا، لِأنَّ الِاسْمَ لا يَكُونُ فِعْلًا، وإنْ كانَ فِعْلًا فَقَدْ صارَ الفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ، وثالِثُها: أنّا إذا قُلْنا: الفِعْلُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ فَقَدْ أخْبَرْنا عَنْهُ بِأنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ، والمُخْبَرُ عَنْهُ بِهَذا الخَبَرِ لَوْ كانَ اسْمًا لَزِمَ أنّا قَدْ أخْبَرْنا عَنِ الِاسْمِ بِأنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ، وهَذا خَطَأٌ، وإنْ كانَ فِعْلًا صارَ الفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ، ثُمَّ قالَ هَؤُلاءِ: لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في الإخْبارِ عَنِ الفِعْلِ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى تَرْكِ الظّاهِرِ. أمّا جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْبارُ عَنِ الفِعْلِ، فَلا جَرَمَ كانَ التَّقْدِيرُ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُ إنْذارِكَ، فَإنْ قِيلَ: العُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ زائِدَةٍ إمّا في المَعْنى أوْ في اللَّفْظِ، فَما تِلْكَ الفائِدَةُ هَهُنا ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مَعْناهُ سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُ إنْذارِكَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ بَلَغُوا في الإصْرارِ واللَّجاجِ والإعْراضِ عَنِ الآياتِ والدَّلائِلِ إلى حالَةٍ ما بَقِيَ فِيهِمُ البَتَّةَ رَجاءُ القَبُولِ بِوَجْهٍ. وقَبْلَ ذَلِكَ ما كانُوا كَذَلِكَ، ولَوْ قالَ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُ إنْذارِكَ لَما أفادَ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ في هَذا الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَهُ، ولَمّا قالَ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ صفحة ٣٩ أفادَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ في هَذا الوَقْتِ، فَكانَ ذَلِكَ يُفِيدُ حُصُولَ اليَأْسِ وقَطْعَ الرَّجاءِ مِنهم، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَلِكَ. * * * (المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”الهَمْزَةُ“ و”أمْ“ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُما مَعْنى الِاسْتِفْهامِ رَأْسًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: جَرى هَذا عَلى حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ كَما جَرى عَلى حَرْفِ النِّداءِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، يَعْنِي أنَّ هَذا جَرى عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا اسْتِفْهامَ، كَما أنَّ ذَلِكَ جَرى عَلى صُورَةِ النِّداءِ ولا نِداءَ. (المَسْألَةُ الخامِسَةُ): في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ سِتُّ قِراءاتٍ: إمّا بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، أوْ لا ألِفَ بَيْنَهُما، أوْ بِأنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ الأُولى قَوِيَّةً والثّانِيَةُ بَيْنَ بَيْنَ بَيْنَهُما ألِفٌ، أوْ لا ألِفَ بَيْنَهُما، وبِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، وبِحَذْفِهِ وإلْقاءِ حَرَكَتِهِ عَلى السّاكِنِ قَبْلَهُ كَما قُرِئَ: ”قَدْ أفْلَحَ“، فَإنْ قِيلَ: فَما تَقُولُ فِيمَن يَقْلِبُ الثّانِيَةَ ألِفًا ؟ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هو لاحِنٌ خارِجٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ. (المَسْألَةُ السّادِسَةُ): الإنْذارُ هو التَّخْوِيفُ مِن عِقابِ اللَّهِ بِالزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي، وإنَّما ذُكِرَ الإنْذارُ دُونَ البِشارَةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الإنْذارِ في الفِعْلِ والتَّرْكِ أقْوى مِن تَأْثِيرِ البِشارَةِ؛ لِأنَّ اشْتِغالَ الإنْسانِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ أشَدُّ مِنَ اشْتِغالِهِ بِجَلْبِ المَنفَعَةِ، وهَذا المَوْضِعُ مَوْضِعُ المُبالَغَةِ، وكانَ ذِكْرُ الإنْذارِ أوْلى. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: (المَسْألَةُ الأُولى): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذِهِ إمّا أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، أوْ خَبَرًا ”لِإنَّ“، والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ. (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): احْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ وكُلِّ ما أشْبَهَها مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١١، ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] عَلى تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ، فَلَوْ صَدَرَ مِنهُ الإيمانُ لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، والكَذِبُ عِنْدَ الخَصْمِ قَبِيحٌ، وفِعْلُ القَبِيحِ يَسْتَلْزِمُ إمّا الجَهْلَ وإمّا الحاجَةَ، وهُما مُحالانِ عَلى اللَّهِ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالٌ، فالتَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفٌ بِالمُحالِ، وقَدْ يُذْكَرُ هَذا في صُورَةِ العِلْمِ، هو أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ. فالأمْرُ واقِعٌ بِالمُحالِ. ونَذْكُرُ هَذا عَلى وجْهٍ ثالِثٍ: وهو أنَّ وُجُودَ الإيمانِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ مَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْلُومِ، والعِلْمُ بِعَدَمِ الإيمانِ إنَّما يَكُونُ مُطابِقًا لَوْ حَصَلَ عَدَمُ الإيمانِ، فَلَوْ وُجِدَ الإيمانُ مَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ في الإيمانِ كَوْنُهُ مَوْجُودًا ومَعْدُومًا مَعًا، وهو مُحالٌ، فالأمْرُ بِالإيمانِ مَعَ وُجُودِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ أمْرٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، بَلْ أمْرٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ العَدَمِ والوُجُودِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، ونَذْكُرُ هَذا عَلى وجْهٍ رابِعٍ: وهو أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالإيمانِ ألْبَتَّةَ، والإيمانُ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَطُّ، فَقَدْ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَطُّ، وهَذا تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، ونَذْكُرُ هَذا عَلى وجْهٍ خامِسٍ: وهو أنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ عَلى أنَّهم صفحة ٤٠ حاوَلُوا فِعْلَ شَيْءٍ عَلى خِلافِ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفَتْحِ: ١٥] فَثَبَتَ أنَّ القَصْدَ إلى تَكْوِينِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَدَمِ تَكْوِينِهِ قَصْدٌ لِتَبْدِيلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ. ثُمَّ هَهُنا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، فَمُحاوَلَةُ الإيمانِ مِنهم تَكُونُ قَصْدًا إلى تَبْدِيلِ كَلامِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وتَرْكُ مُحاوَلَةِ الإيمانِ يَكُونُ أيْضًا مُخالَفَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ الذَّمُّ حاصِلًا عَلى التَّرْكِ والفِعْلِ، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في هَذا المَوْضِعِ، وهَذا هو الكَلامُ الهادِمُ لِأُصُولِ الِاعْتِزالِ. ولَقَدْ كانَ السَّلَفُ والخَلَفُ مِنَ المُحَقِّقِينَ مُعَوِّلِينَ عَلَيْهِ في دَفْعِ أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ وهَدْمِ قَواعِدِهِمْ، ولَقَدْ قامُوا وقَعَدُوا واحْتالُوا عَلى دَفْعِهِ، فَما أتَوْا بِشَيْءٍ مُقْنِعٍ، وأنا أذْكُرُ أقْصى ما ذَكَرُوهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَنا في هَذِهِ الآيَةِ مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وخَبَرُ اللَّهِ تَعالى عَنْ عَدَمِ الإيمانِ مانِعًا مِنَ الإيمانِ، والمَقامُ الثّانِي: بَيانُ الجَوابِ العَقْلِيِّ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَقالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ لِأحَدٍ مِنَ الإيمانِ، قالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ [الإسْراءِ: ٩٤] وهو إنْكارٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ رَجُلًا لَوْ حَبَسَ آخَرَ في بَيْتٍ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ عَنْهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ما مَنَعَكَ مِنَ التَّصَرُّفِ في حَوائِجِي ؟ كانَ ذَلِكَ مِنهُ مُسْتَقْبَحًا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ [الأعْرافِ: ١٢] وقَوْلُهُ لِإبْلِيسَ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ [النِّساءِ: ٣٩] وقَوْلُ مُوسى لِأخِيهِ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٢٠] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٩] ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٣] ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١] قالَ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في فَصْلٍ لَهُ في هَذا البابِ: كَيْفَ يَأْمُرُهُ بِالإيمانِ وقَدْ مَنَعَهُ عَنْهُ ؟ ويَنْهاهُ عَنِ الكُفْرِ وقَدْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ ؟ وكَيْفَ يَصْرِفُهُ عَنِ الإيمانِ ثُمَّ يَقُولُ: أنّى تُصْرَفُونَ ؟ ويَخْلُقُ فِيهِمُ الإفْكَ ثُمَّ يَقُولُ: أنّى تُؤْفَكُونَ ؟ وأنْشَأ فِيهِمُ الكُفْرَ ثُمَّ يَقُولُ: لِمَ تَكْفُرُونَ ؟ وخَلَقَ فِيهِمْ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧١] وصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٩] وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ ثُمَّ قالَ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ وذَهَبَ بِهِمْ عَنِ الرُّشْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٦] وأضَلَّهم عَنِ الدِّينِ حَتّى أعْرَضُوا ثُمَّ قالَ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ . [المُدَّثِّرِ: ٤٩] . وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] فَلَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما أبْقى لَهم عُذْرًا إلّا وقَدْ أزالَهُ عَنْهم، فَلَوْ كانَ عِلْمُهُ بِكُفْرِهِمْ وخَبَرُهُ عَنْ كُفْرِهِمْ مانِعًا لَهم عَنِ الإيمانِ لَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأعْذارِ وأقْوى الوُجُوهِ الدّافِعَةِ لِلْعِقابِ عَنْهم، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ في سُورَةِ ”حم السَّجْدَةِ“ أنَّهم قالُوا: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ذَمًّا لَهم في هَذا القَوْلِ، فَلَوْ كانَ العِلْمُ مانِعًا لَكانُوا صادِقِينَ في ذَلِكَ، فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟ . ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ - إلى آخِرِهِ ) ذَمًّا لَهم وزَجْرًا عَنِ الكُفْرِ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ، فَلَوْ كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنِ الإيمانِ غَيْرَ قادِرِينَ عَلَيْهِ لَما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ البَتَّةَ، بَلْ كانُوا مَعْذُورِينَ كَما يَكُونُ الأعْمى مَعْذُورًا في أنْ لا يَمْشِيَ. وخامِسُها: القُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ، لا أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةً عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ، فَلَوْ صفحة ٤١ كانَ العِلْمُ والخَبَرُ مانِعًا لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: إذا عَلِمْتَ الكُفْرَ وأُخْبِرْتَ عَنْهُ كانَ تَرْكُ الكُفْرِ مُحالًا مِنّا، فَلِمَ تَطْلُبُ المُحالَ مِنّا ولَمْ تَأْمُرْنا بِالمُحالِ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا مِمّا لا جَوابَ لِلَّهِ ولا لِرَسُولِهِ عَنْهُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ والخَبَرَ يَمْنَعُ. وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] ولَوْ كانَ مَعَ قِيامِ المانِعِ عَنِ الإيمانِ كُلِّفَ بِهِ لَما كانَ نِعْمَ المَوْلى، بَلْ كانَ بِئْسَ المَوْلى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لَيْسَ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ مانِعٌ ألْبَتَّةَ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ، وخَبَرَهُ عَنْ عَدَمِهِ، لا يَكُونُ مانِعًا عَنِ الإيمانِ. * * * المَقامُ الثّانِي: قالُوا: إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الإيمانِ لا يَمْنَعُ مِن وُجُودِ الإيمانِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى شَيْءٍ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ، والَّذِي عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، والواجِبُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ واجِبَ الوُقُوعِ لا بِالقُدْرَةِ، فَسَواءٌ حَصَلَتِ القُدْرَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ كانَ واجِبَ الوُقُوعِ، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أثَرٌ، وأمّا المُمْتَنِعُ فَلا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وذَلِكَ كُفْرٌ بِالِاتِّفاقِ فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الشَّيْءِ لا يَمْنَعُ مِن إمْكانِ وُجُودِهِ. وثانِيها: أنَّ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالمَعْلُومِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ مُمْكِنًا عِلْمُهُ مُمْكِنًا، وإنْ كانَ واجِبًا عِلْمُهُ واجِبًا، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ، فَلَوْ صارَ واجِبَ الوُجُودِ بِسَبَبِ العِلْمِ كانَ العِلْمُ مُؤَثِّرًا في المَعْلُومِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ مُحالٌ. وثالِثُها: لَوْ كانَ الخَبَرُ والعِلْمُ مانِعًا لَما كانَ العَبْدُ قادِرًا عَلى شَيْءٍ أصْلًا؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وُقُوعَهُ كانَ واجِبَ الوُقُوعِ، والواجِبُ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ والَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، والمُمْتَنِعُ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ قادِرًا عَلى شَيْءٍ أصْلًا، فَكانَتْ حَرَكاتُهُ وسَكَناتُهُ جارِيَةً مَجْرى حَرَكاتِ الجَماداتِ، والحَرَكاتِ الِاضْطِرارِيَّةِ لِلْحَيَواناتِ، لَكِنّا بِالبَدِيهَةِ نَعْلَمُ فَسادَ ذَلِكَ، فَإنْ رَمى إنْسانٌ إنْسانًا بِالآجُرَّةِ حَتّى شَجَّهُ فَإنّا نَذُمُّ الرّامِيَ ولا نَذُمُّ الآجُرَّةَ، ونُدْرِكُ بِالبَدِيهَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ ما إذا سَقَطَتِ الآجُرَّةُ عَلَيْهِ، وبَيْنَ ما إذا لَكَمَهُ إنْسانٌ بِالِاخْتِيارِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ العُقَلاءَ بِبَداءَةِ عُقُولِهِمْ يُدْرِكُونَ الفَرْقَ بَيْنَ مَدْحِ المُحْسِنِ وذَمِّ المُسِيءِ، ويَلْتَمِسُونَ ويَأْمُرُونَ ويُعاتِبُونَ ويَقُولُونَ: لِمَ فَعَلْتَ ولِمَ تَرَكْتَ ؟ فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ والخَبَرَ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ. ورابِعُها: لَوْ كانَ العِلْمُ بِالعَدَمِ مانِعًا لِلْوُجُودِ لَكانَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى لِلْكافِرِ بِالإيمانِ أمْرًا بِإعْدامِ عِلْمِهِ، وكَما أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَأْمُرَ عِبادَهُ بِأنْ يُعْدِمُوهُ فَكَذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يُعْدِمُوا عِلْمَهُ؛ لِأنَّ إعْدامَ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والأمْرُ بِهِ سَفَهٌ وعَبَثٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالعَدَمِ لا يَكُونُ مانِعًا مِنَ الوُجُودِ. وخامِسُها: أنَّ الإيمانَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ المُمْكِناتِ الجائِزاتِ نَظَرًا إلى ذاتِهِ وعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُمْكِناتِ الجائِزاتِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ العِلْمُ جَهْلًا، وهو مُحالٌ، وإذا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُمْكِناتِ الجائِزاتِ الَّتِي لا يَمْتَنِعُ وُجُودُها وعَدَمُها البَتَّةَ، فَلَوْ صارَ بِسَبَبِ العِلْمِ واجِبًا لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَوْنُهُ مِنَ المُمْكِناتِ، وكَوْنُهُ لَيْسَ مِنَ المُمْكِناتِ وذَلِكَ مُحالٌ. وسادِسُها: أنَّ الأمْرَ بِالمُحالِ سَفَهٌ وعَبَثٌ، فَلَوْ جازَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لَجازَ وُرُودُهُ أيْضًا بِكُلِّ أنْواعِ السَّفَهِ، فَما كانَ يَمْتَنِعُ وُرُودُهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكاذِبِينَ، ولا إنْزالِ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ ولا بِصِحَّةِ القُرْآنِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّهُ كَذِبًا وسَفَهًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الإيمانِ والخَبَرَ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ. وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ وُرُودُ الأمْرِ بِالمُحالِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَجازَ صفحة ٤٢ وُرُودُ أمْرِ الأعْمى بِنَقْطِ المَصاحِفِ، والمُزْمِنِ بِالطَّيَرانِ في الهَواءِ، وأنْ يُقالَ لِمَن قُيِّدَ يَداهُ ورِجْلاهُ وأُلْقِيَ مِن شاهِقِ جَبَلٍ: لِمَ لا تَطِيرُ إلى فَوْقٍ ؟ ولَمّا لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في العُقُولِ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجُوزُ الأمْرُ بِالمُحالِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعَدَمِ لا يَمْنَعُ مِنَ الوُجُودِ. وثامِنُها: لَوْ جازَ وُرُودُ الأمْرِ بِذَلِكَ لَجازَ بِعْثَةُ الأنْبِياءِ إلى الجَماداتِ وإنْزالُ الكُتُبِ عَلَيْها، وإنْزالُ المَلائِكَةِ لِتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ إلَيْها حالًا بَعْدَ حالٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سُخْرِيَةٌ وتَلاعُبٌ بِالدِّينِ. وتاسِعُها: أنَّ العِلْمَ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لَوِ اقْتَضى وُجُوبَهُ لَأغْنى العِلْمُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قادِرًا مُرِيدًا مُخْتارًا، وذَلِكَ قَوْلُ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِالمُوجِبِ. وعاشِرُها: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ لَمْ يُوجَدْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] وقالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] وقالَ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] وأيُّ حَرَجٍ ومَشَقَّةٍ فَوْقَ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ. * * * المَقامُ الثّالِثُ: الجَوابُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ طَرِيقانِ: الأوَّلُ: طَرِيقَةُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ، فَإنّا لَمّا قُلْنا: لَوْ وقَعَ خِلافُ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا، قالُوا خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَنْقَلِبُ عِلْمُهُ جَهْلًا، وخَطَأٌ أيْضًا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يَنْقَلِبُ، ولَكِنْ يَجِبُ الإمْساكُ عَنِ القَوْلَيْنِ. والثّانِي: طَرِيقَةُ الكَعْبِيِّ واخْتِيارُ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ: أنَّ العِلْمَ تَبَعُ المَعْلُومِ، فَإذا فَرَضْتَ الواقِعَ مِنَ العَبْدِ مِنَ الإيمانِ عَرَفْتَ أنَّ الحاصِلَ في الأزَلِ لِلَّهِ تَعالى هو العِلْمُ بِالإيمانِ، ومَتى فَرَضْتَ الواقِعَ مِنهُ هو الكُفْرُ بَدَلًا عَنِ الإيمانِ عَرَفْتَ أنَّ الحاصِلَ في الأزَلِ هو العِلْمُ بِالكُفْرِ بَدَلًا عَنِ الإيمانِ، فَهَذا فَرْضُ عِلْمٍ بَدَلًا عَنْ عِلْمٍ آخَرَ، لا أنَّهُ تَغَيَّرَ العِلْمُ. فَهَذانِ الجَوابانِ هُما اللَّذانِ عَلَيْهِما اعْتِمادُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَبْحَثَ صارَ مَنشَأً لِضَلالاتٍ عَظِيمَةٍ: فَمِنها أنَّ مُنْكِرِي التَّكالِيفِ والنُّبُوّاتِ قالُوا: قَدْ سَمِعْنا كَلامَ أهْلِ الجَبْرِ فَوَجَدْناهُ قَوِيًّا قاطِعًا، وهَذانِ الجَوابانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما المُعْتَزِلَةُ يَجْرِيانِ مَجْرى الخُرافَةِ، ولا يَلْتَفِتُ العاقِلُ إلَيْهِما، وسَمِعْنا كَلامَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ مَعَ القَوْلِ بِالجَبْرِ لا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ ويُقَبَّحُ، والجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ أهْلُ الجَبْرِ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَصارَ مَجْمُوعُ الكَلامَيْنِ كَلامًا قَوِيًّا في نَفْيِ التَّكالِيفِ، ومَتّى بَطَلَ ذَلِكَ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوّاتِ. ومِنها أنَّ الطّاعِنِينَ في القُرْآنِ قالُوا: الَّذِي قالَهُ المُعْتَزِلَةُ مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا مَنعَ مِنَ الإيمانِ ومِنَ الطّاعَةِ فَقَدْ صَدَقُوا فِيهِ، والَّذِي قالَهُ الجَبْرِيَّةُ: مِن أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الإيمانِ مانِعٌ عَنْهُ فَقَدْ صَدَقُوا فِيهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ القُرْآنَ ورَدَ عَلى ضِدِّ العَقْلِ وعَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَطاعِنِ، وأقْوى القَوادِحِ فِيهِ، ثُمَّ مَن سَلَّمَ مِن هَؤُلاءِ أنَّ هَذا القُرْآنَ هو القُرْآنُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ فِيهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ الرّافِضَةِ: إنَّ هَذا الَّذِي عِنْدَنا لَيْسَ هو القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ بَلْ غُيِّرَ وبُدِّلَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اشْتِمالُهُ عَلى هَذِهِ المُناقَضاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ المُناظَرَةِ الدّائِرَةِ بَيْنَ أهْلِ الجَبْرِ وأهْلِ القَدَرِ. ومِنها أنَّ المُقَلِّدَةَ الطّاعِنِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ المُناظَرَةِ وقالُوا: لَوْ جَوَّزْنا التَّمَسُّكَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لَزِمَ القَدْحُ في التَّكْلِيفِ والنُّبُوَّةِ بِسَبَبِ هَذِهِ المُناظَرَةِ، فَإنَّ كَلامَ أهْلِ الجَبْرِ في نِهايَةِ القُوَّةِ في إثْباتِ الجَبْرِ، وكَلامَ أهْلِ القَدَرِ في بَيانِ أنَّهُ مَتى ثَبَتَ الجَبْرُ بَطَلَ التَّكْلِيفُ بِالكُلِّيَّةِ في نِهايَةِ القُوَّةِ، فَيَتَوَلَّدُ مِن مَجْمُوعِ الكَلامَيْنِ أعْظَمُ شُبْهَةٍ في القَدْحِ والتَّكْلِيفِ والنُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى العَقْلِيّاتِ يُورِثُ الكُفْرَ والضَّلالَ، وعِنْدَ هَذا قِيلَ: مَن تَعَمَّقَ في الكَلامِ تَزَنْدَقَ. ومِنها أنَّ هِشامَ بْنَ الحَكَمِ زَعَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ صفحة ٤٣ وُقُوعِها، وجَوَّزَ البَداءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إنَّما وقَعَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِالأمارَةِ، ويَجُوزُ لَهُ أنْ يُظْهِرَ خِلافَ ما ذَكَرَهُ، وإنَّما قالَ بِهَذا المَذْهَبِ فِرارًا مِن تِلْكَ الإشْكالاتِ المُتَقَدِّمَةِ. واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ الوُجُوهِ الَّتِي رَوَيْناها عَنِ المُعْتَزِلَةِ كَلِماتٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالكَشْفِ عَنْ وجْهِ الجَوابِ. بَلْ هي جارِيَةٌ مَجْرى التَّشْنِيعاتِ. فَأمّا الجَوابانِ اللَّذانِ عَلَيْهِما اعْتِمادُ القَوْمِ فَفي نِهايَةِ الضَّعْفِ. أمّا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هِشامٍ والقاضِي: خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ يَدُلُّ، وخَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ لا يَدُلُّ، إنْ كانَ المُرادُ مِنهُ الحُكْمَ بِفَسادِ القِسْمَيْنِ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِفَسادِ النَّفْيِ والإثْباتِ، وذَلِكَ لا يَرْتَضِيهِ العَقْلُ، وإنْ كانَ مَعْناهُ أنَّ أحَدَهُما حَقٌّ لَكِنْ لا أعْرِفُ أنَّ الحَقَّ هو أنَّهُ يَدُلُّ أوْ لا يَدُلُّ، كَفى في دَفْعِهِ تَقْرِيرُ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ، فَإنّا لَمّا بَيَّنّا أنَّ العِلْمَ بِالعَدَمِ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ العَدَمِ، فَلَوْ حَصَلَ الوُجُودُ مَعَهُ لَكانَ قَدِ اجْتَمَعَ العَدَمُ والوُجُودُ مَعًا ولا يَتَمَكَّنُ العَقْلُ مِن تَقْرِيرِ كَلامٍ أوْضَحَ مِن هَذا وأقَلِّ مُقَدِّماتٍ فِيهِ. وأمّا قَوْلُ الكَعْبِيِّ فَفي نِهايَةِ الضَّعْفِ، لِأنّا وإنْ كُنّا لا نَدْرِي أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِوُجُودِ الإيمانِ أوْ بِعَدَمِهِ لَكُنّا نَعْلَمُ أنَّ العِلْمَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ كانَ حاصِلًا، وهو الآنَ أيْضًا حاضِرٌ، فَلَوْ حَصَلَ مَعَ العِلْمِ بِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ ذَلِكَ النَّقِيضُ الآخَرُ لَزِمَ اجْتِماعُ النَّقِيضَيْنِ، ولَوْ قِيلَ بِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ لا يَبْقى كانَ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِانْقِلابِ العِلْمِ جَهْلًا، وهَذا آخِرُ الكَلامِ في هَذا البَحْثِ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المَعْنَوِيَّ هو الَّذِي تَقَدَّمَ، وبَقِيَ في هَذا البابِ أُمُورٌ أُخْرى إقْناعِيَّةٌ، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِها وهي خَمْسَةٌ: أحَدُها: رَوى الخَطِيبُ في كِتابِ تارِيخِ بَغْدادَ عَنْ مُعاذِ بْنِ مُعاذٍ العَنْبَرِيِّ، قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، فَأتاهُ رَجُلٌ، فَقالَ: يا أبا عُثْمانَ سَمِعْتُ واللَّهِ اليَوْمَ بِالكُفْرِ، فَقالَ: لا تُعَجِّلُ بِالكُفْرِ، وما سَمِعْتَ ؟ قالَ: سَمِعْتُ هاشِمًا الأوْقَصَ يَقُولُ: إنَّ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] وقَوْلَهُ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٢٦] إنَّ هَذا لَيْسَ في أُمِّ الكِتابِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدُّخانِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤] فَما الكُفْرُ إلّا هَذا يا أبا عُثْمانَ، فَسَكَتَ عَمْرٌو هُنَيْهَةً ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ، فَقالَ: واللَّهِ لَوْ كانَ القَوْلُ كَما يَقُولُ ما كانَ عَلى أبِي لَهَبٍ مِن لَوْمٍ، ولا عَلى الوَلِيدِ مِن لَوْمٍ، فَلَمّا سَمِعَ الرَّجُلُ ذَلِكَ قالَ: أتَقُولُ يا أبا عُثْمانَ ذَلِكَ، هَذا واللَّهِ الَّذِي قالَ مُعاذٌ ! فَدَخَلَ بِالإسْلامِ وخَرَجَ بِالكُفْرِ. وحُكِيَ أيْضًا أنَّهُ دَخَلَ رَجُلٌ عَلى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ عِنْدَهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] فَقالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ (تَبَّتْ) أكانَتْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟ فَقالَ عَمْرٌو: لَيْسَ هَكَذا كانَتْ، بَلْ كانَتْ: تَبَّتْ يَدا مَن عَمِلَ بِمِثْلِ ما عَمِلَ أبُو لَهَبٍ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تُقْرَأ إذا قُمْنا إلى الصَّلاةِ، فَغَضِبَ عَمْرٌو وقالَ: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَيْسَ بِشَيْطانٍ، إنَّ عِلْمَ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وهَذِهِ الحِكايَةُ تَدُلُّ عَلى شَكِّ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ في صِحَّةِ القُرْآنِ. وثانِيها: رَوى القاضِي في كِتابِ طَبَقاتِ المُعْتَزِلَةِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا قامَ إلَيْهِ، فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنَّ أقْوامًا يَزْنُونَ ويَسْرِقُونَ ويَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ويَقُولُونَ: كانَ ذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ فَلَمْ نَجِدْ مِنهُ بُدًّا، فَغَضِبَ ثُمَّ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، قَدْ كانَ في عِلْمِهِ أنَّهم يَفْعَلُونَها، فَلَمْ صفحة ٤٤ يَحْمِلْهم عِلْمُ اللَّهِ عَلى فِعْلِها. حَدَّثَنِي أبِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَثَلُ عِلْمِ اللَّهِ فِيكم كَمَثَلِ السَّماءِ الَّتِي أظَلَّتْكم، والأرْضِ الَّتِي أقَلَّتْكم، فَكَما لا تَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَكَذَلِكَ لا تَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَما لا تَحْمِلُكُمُ السَّماءُ والأرْضُ عَلى الذُّنُوبِ، فَكَذَلِكَ لا يَحْمِلُكم عِلْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها» . واعْلَمْ أنَّ في الأخْبارِ الَّتِي يَرْوِيها الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ كَثْرَةٌ، والغَرَضُ مِن رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ بَيانُ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ أنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مُتَناقِضٌ وفاسِدٌ، أمّا المُتَناقِضُ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ”«وكَذَلِكَ لا تَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِن عِلْمِ اللَّهِ» “ صَرِيحٌ في الجَبْرِ، وما قَبْلَهُ صَرِيحٌ في القَدَرِ، فَهو مُتَناقِضٌ، وأمّا أنَّهُ فاسِدٌ، فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الإيمانِ ووُجُودَ الإيمانِ مُتَنافِيانِ، فالتَّكْلِيفُ بِالإيمانِ مَعَ وُجُودِ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، أمّا السَّماءُ والأرْضُ فَإنَّهُما لا يُنافِيانِ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ، فَظَهَرَ أنَّ تَشْبِيهَ إحْدى الصُّورَتَيْنِ بِالأُخْرى لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ جاهِلٍ أوْ مُتَجاهِلٍ، وجُلُّ مَنصِبِ الرِّسالَةِ عَنْهُ. وثالِثُها: الحَدِيثانِ المَشْهُورانِ في هَذا البابِ: أمّا الحَدِيثُ الأوَّلُ: فَهو ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ: ”«إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ، وأجَلَهُ، وعَمَلَهُ، وشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ، فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلُها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُها» “ وحَكى الخَطِيبُ في تارِيخِ بَغْدادَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، أنَّهُ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ الأعْمَشَ يَقُولُ هَذا لَكَذَّبْتُهُ، ولَوْ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وهْبٍ يَقُولُ هَذا ما أحْبَبْتُهُ، ولَوْ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ هَذا ما قَبِلْتُهُ، ولَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذا لَرَدَدْتُهُ، ولَوْ سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ هَذا لَقُلْتُ: لَيْسَ عَلى هَذا أخَذْتَ مِيثاقَنا. وأمّا الحَدِيثُ الثّانِي: فَهو مُناظَرَةُ آدَمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ مُوسى قالَ لِآدَمَ: «أنْتَ الَّذِي أشْقَيْتَ النّاسَ وأخْرَجْتَهم مِنَ الجَنَّةِ ؟ فَقالَ آدَمُ: أنْتَ الَّذِي اصْطَفاكَ اللَّهُ لِرِسالاتِهِ ولِكَلامِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْراةَ، فَهَلْ تَجِدُ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيَّ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسى»، والمُعْتَزِلَةُ طَعَنُوا فِيهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا الخَبَرَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُوسى قَدْ ذَمَّ آدَمَ عَلى الصَّغِيرَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الجَهْلَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وثانِيها: أنَّ الوَلَدَ كَيْفَ يُشافِهُ والِدَهُ بِالقَوْلِ الغَلِيظِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: أنْتَ الَّذِي أشْقَيْتَ النّاسَ وأخْرَجْتَهم مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّ شَقاءَ الخَلْقِ وإخْراجَهم مِنَ الجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ مِن جِهَةِ آدَمَ، بَلِ اللَّهُ أخْرَجَهُ مِنها. ورابِعُها: أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - احْتَجَّ بِما لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذْ لَوْ كانَ حُجَّةً لَكانَ لِفِرْعَوْنَ وهامانَ وسائِرِ الكُفّارِ أنْ يَحْتَجُّوا بِها، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ هَذِهِ الحُجَّةِ. وخامِسُها: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَوَّبَ آدَمَ في ذَلِكَ مَعَ أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ بِصَوابٍ. إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَكى ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لا أنَّهُ حَكاهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أوْ عَنْ نَفْسِهِ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الحِكايَةَ إلّا أنَّ الرّاوِيَ حِينَ دَخَلَ ما سَمِعَ إلّا هَذا الكَلامَ، فَظَنَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ لا عَنِ اليَهُودِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ”فَحَجَّ آدَمَ“ مَنصُوبًا، أيْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبَهُ وجَعَلَهُ مَحْجُوجًا، وأنَّ الَّذِي أتى بِهِ آدَمُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ولا بِعُذْرٍ. وثالِثُها: وهو المُعْتَمَدُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ المُناظَرَةِ الذَّمَّ عَلى المَعْصِيَةِ، ولا الِاعْتِذارَ مِنهُ بِعِلْمِ اللَّهِ، بَلْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَهُ عَنِ السَّبَبِ صفحة ٤٥ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى تِلْكَ الزَّلَّةِ حَتّى خَرَجَ بِسَبَبِها مِنَ الجَنَّةِ، فَقالَ آدَمُ: إنَّ خُرُوجِي مِنَ الجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ تِلْكَ الزَّلَّةِ، بَلْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ أنْ أخْرُجَ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ وأكُونَ خَلِيفَةً فِيها، وهَذا المَعْنى كانَ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ حُجَّةُ آدَمَ قَوِيَّةً، وصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ كالمَغْلُوبِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ طَوِيلٌ جِدًّا، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنهُ، وسَنَسْتَقْصِي القَوْلَ فِيها في هَذا التَّفْسِيرِ إنْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ وفِيما ذَكَرْنا هَهُنا كِفايَةٌ.

البقرة 2:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالسَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهو الخَتْمُ، والكَلامُ هَهُنا يَقَعُ في مَسائِلَ: (المَسْألَةُ الأُولى): الخَتْمُ والكَتْمُ أخَوانِ؛ لِأنَّ في الِاسْتِيثاقِ مِنَ الشَّيْءِ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ كَتْمًا لَهُ وتَغْطِيَةً، لِئَلّا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ أوْ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، والغِشاوَةُ الغِطاءُ فِعالَةٌ مَن غَشّاهُ إذا غَطّاهُ، وهَذا البِناءُ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ كالعِصابَةِ والعِمامَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا الخَتْمِ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَهَذا الكَلامُ عَلى مَذْهَبِهِمْ ظاهِرٌ، ثُمَّ لَهم قَوْلانِ، مِنهم مَن قالَ: الخَتْمُ هو خَلْقُ الكُفْرِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: هو خَلْقُ الدّاعِيَةِ الَّتِي إذا انْضَمَّتْ إلى القُدْرَةِ صارَ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَها سَبَبًا مُوجِبًا لِوُقُوعِ الكُفْرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القادِرَ عَلى الكُفْرِ إمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَرْكِهِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَرْكِهِ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ، فَخَلْقُ القُدْرَةِ عَلى الكُفْرِ يَقْتَضِي خَلْقَ الكُفْرِ، وإنْ قَدَرَ عَلى التَّرْكِ كانَتْ نِسْبَةُ تِلْكَ القُدْرَةِ إلى فِعْلِ الكُفْرِ وإلى تَرْكِهِ عَلى سَواءٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ صَيْرُورَتُها مَصْدَرًا لِلْفِعْلِ بَدَلًا عَنِ التَّرْكِ يَتَوَقَّفُ عَلى انْضِمامٍ مُرَجَّحٍ إلَيْها أوْ لا يَتَوَقَّفُ، فَإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجَّحٍ، وتَجْوِيزُهُ يَقْتَضِي القَدْحَ في الِاسْتِدْلالِ بِالمُمْكِنِ عَلى المُؤَثِّرِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الصّانِعِ وهو مُحالٌ، وأمّا إنْ تَوَقَّفَ عَلى المُرَجَّحِ فَذَلِكَ المُرَجَّحُ إمّا أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ أوْ مِن فِعْلِ العَبْدِ أوْ لا مِن فِعْلِ اللَّهِ ولا مِن فِعْلِ العَبْدِ، لا جائِزَ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ العَبْدِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ لا بِفِعْلِ اللَّهِ ولا بِفِعْلِ العَبْدِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُدُوثُ شَيْءٍ لا لِمُؤَثِّرٍ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالصّانِعِ. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَصْدَرًا لِلْمَقْدُورِ المُعَيَّنِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مُرَجَّحٌ هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى. فَنَقُولُ: إذا انْضَمَّ ذَلِكَ المُرَجَّحُ إلى تِلْكَ القُدْرَةِ فَإمّا أنْ يَصِيرَ تَأْثِيرُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ الأثَرِ واجِبًا أوْ جائِزًا أوْ مُمْتَنِعًا، والثّانِي والثّالِثُ باطِلٌ، فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جائِزًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ جائِزًا لَكانَ يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يَحْصُلَ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ تارَةً مَعَ ذَلِكَ الأثَرِ، وأُخْرى مُنْفَكًّا عَنْهُ، فَلْنَفْرِضْ وُقُوعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ جائِزًا لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، فَذاكَ المَجْمُوعُ تارَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأثَرُ، وأُخْرى لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأثَرُ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ الأثَرُ عَلَيْهِ إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى صفحة ٤٦ انْضِمامِ قَرِينَةٍ إلَيْهِ، أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ كانَ المُؤَثِّرُ هو ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَعَ هَذِهِ القَرِينَةِ الزّائِدَةِ، لا ذَلِكَ المَجْمُوعُ، وكُنّا قَدْ فَرَضْنا أنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ هو المُسْتَقِلُّ خَلْفَ هَذا، وأيْضًا فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ في هَذا المَجْمُوعِ الثّانِي، فَإنْ تَوَقَّفَ عَلى قَيْدٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَحِينَئِذٍ حَصَلَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ تارَةً بِحَيْثُ يَكُونُ مَصْدَرًا لِلْأثَرِ، وأُخْرى بِحَيْثُ لا يَكُونُ مَصْدَرًا لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُ الوَقْتَيْنِ عَنِ الآخَرِ بِأمْرٍ ما ألْبَتَّةَ، فَيَكُونُ هَذا قَوْلًا بِتَرَجُّحِ المُمْكِنِ لا عَنْ مُرَجَّحٍ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ المُرَجِّحِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ ذَلِكَ الأثَرِ جائِزًا، وأمّا أنَّهُ لا يَكُونُ مُمْتَنِعًا فَظاهِرٌ، وإلّا لَكانَ مُرَجِّحُ الوُجُودِ مُرَجِّحًا لِلْعَدَمِ وهو مُحالٌ، وإذا بَطَلَ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ مُرَجِّحِ الوُجُودِ يَكُونُ الأثَرُ واجِبَ الوُجُودِ عَنِ المَجْمُوعِ الحاصِلِ مِنَ القُدْرَةِ، ومِن ذَلِكَ المُرَجِّحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ القَوْلُ بِالجَبْرِ لازِمًا؛ لِأنَّ قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ المُرَجِّحِ كانَ صُدُورُ الفِعْلِ مُمْتَنِعًا، وبَعْدَ حُصُولِهِ يَكُونُ واجِبًا، وإذْ عَرَفْتَ هَذا كانَ خَلْقُ الدّاعِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ في القَلْبِ خَتْمًا عَلى القَلْبِ ومَنعًا لَهُ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ يُفِيدُ العِلْمَ بِالمَعْلُولِ، والعِلْمُ بِالمَعْلُولِ لا يَكْمُلُ إلّا إذا اسْتُفِيدَ مِنَ العِلْمِ بِالعِلَّةِ، فَهَذا قَوْلُ مَن أضافَ جَمِيعَ المُحْدَثاتِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَنعِ مِنَ الإيمانِ، واحْتَجُّوا فِيهِ بِالوُجُوهِ الَّتِي حَكَيْناها عَنْهم في الآيَةِ الأُولى، وزادُوا هَهُنا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَذَّبَ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ كِنًّا وغِطاءً يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٨]، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٥٥]، وقالَ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤، ٥] وهَذا كُلُّهُ عَيْبٌ وذَمٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيما ادَّعَوْا أنَّهم مَمْنُوعُونَ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: بَلْ لا بُدَّ مِن حَمْلِ الخَتْمِ والغِشاوَةِ عَلى أُمُورٍ أُخَرَ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ القَوْمَ لَمّا أعْرَضُوا وتَرَكُوا الِاهْتِداءَ بِدَلائِلِ اللَّهِ تَعالى حَتّى صارَ ذَلِكَ كالإلْفِ والطَّبِيعَةِ لَهم أشْبَهَ حالُهم حالَ مَن مَنَعَ عَنِ الشَّيْءِ وصَدَّ عَنْهُ، وكَذَلِكَ هَذا في عُيُونِهِمْ حَتّى كَأنَّها مَسْدُودَةٌ لا تُبْصِرُ شَيْئًا، وكَأنَّ بِآذانِهِمْ وقْرًا حَتّى لا يَخْلُصَ إلَيْها الذِّكْرُ، وإنَّما أُضِيفَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ في تَمَكُّنِها وقُوَّةِ ثَباتِها كالشَّيْءِ الخِلْقِيِّ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥٥] ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٤] ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . [التَّوْبَةِ: ٧٧] . وثانِيها: أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالشَّيْطانُ هو الخاتِمُ في الحَقِيقَةِ أوِ الكافِرُ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ هو الَّذِي أقْدَرَهُ أسْنَدَ إلَيْهِ الخَتْمَ كَما يُسْنَدُ الفِعْلُ إلى السَّبَبِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ ولَمْ يُصْغُوا إلى الذِّكْرِ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ إيرادِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الدَّلائِلَ أُضِيفُ ما فَعَلُوا إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ حُدُوثَهُ إنَّما اتَّفَقَ عِنْدَ إيرادِهِ تَعالى دَلائِلَهُ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] أيِ ازْدادُوا بِها كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. ورابِعُها: أنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ إلى حَيْثُ لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إلى تَحْصِيلِ الإيمانِ لَهم إلّا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أقَرَّهم عَلَيْهِ لِئَلّا يَبْطُلَ التَّكْلِيفُ، فَعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ القَسْرِ والإلْجاءِ بِالخَتْمِ إشْعارًا بِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَهَوْا في الكُفْرِ إلى حَيْثُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْهُ إلّا بِالقَسْرِ، وهي الغايَةُ القُصْوى في وصْفِ لَجاجِهِمْ في الغَيِّ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكايَةً لِما كانَ الكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ تَهَكُّمًا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] ونَظِيرُهُ في الحِكايَةِ والتَّهَكُّمِ قَوْلُهُ: صفحة ٤٧ ( ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ١] . وسادِسُها: الخَتْمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو الشَّهادَةُ مِنهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وعَلى قُلُوبِهِمْ بِأنَّها لا تَعِي الذِّكْرَ ولا تَقْبَلُ الحَقَّ، وعَلى أسْماعِهِمْ بِأنَّها لا تُصْغِي إلى الحَقِّ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أُرِيدُ أنْ تَخْتِمَ عَلى ما يَقُولُهُ فُلانٌ، أيْ تُصَدِّقُهُ وتَشْهَدُ بِأنَّهُ حَقٌّ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِذَلِكَ وحَفِظَهُ عَلَيْهِمْ. وسابِعُها: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما جاءَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنَ الكُفّارِ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ هَذا الخَتْمَ والطَّبْعَ في الدُّنْيا عِقابًا لَهم في العاجِلِ، كَما عَجَّلَ لِكَثِيرٍ مِنَ الكُفّارِ عُقُوباتٍ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٥] وقالَ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٢٦] ونَحْوُ هَذا مِنَ العُقُوباتِ المُعَجَّلَةِ لِما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ العِبْرَةِ لِعِبادِهِ والصَّلاحِ لَهم، فَيَكُونُ هَذا مِثْلَ ما فُعِلَ بِهَؤُلاءِ مِنَ الخَتْمِ والطَّبْعِ، إلّا أنَّهم إذا صارُوا بِذَلِكَ إلى أنْ لا يَفْهَمُوا سَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ كَسُقُوطِهِ عَمَّنْ مُسِخَ، وقَدْ أسْقَطَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَمَّنْ يَعْقِلُ بَعْضَ العَقْلِ كَمَن قارَبَ البُلُوغَ، ولَسْنا نُنْكِرُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في قُلُوبِ الكافِرِينَ مانِعًا يَمْنَعُهم عَنِ الفَهْمِ والِاعْتِبارِ إذا عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ أصْلَحُ لَهم كَما قَدْ يَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ ويُعْمِي أبْصارَهم، ولَكِنْ لا يَكُونُونَ في هَذا الحالِ مُكَلَّفِينَ. وثامِنُها: يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمُ الخَتْمَ وعَلى أبْصارِهِمُ الغِشاوَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حائِلًا بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ كالبَلادَةِ الَّتِي يَجِدُها الإنْسانُ في قَلْبِهِ والقَذى في عَيْنَيْهِ والطَّنِينِ في أُذُنِهِ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ بِهِمْ لِيُضَيِّقَ صُدُورَهم ويُورِثَهُمُ الكَرْبَ والغَمَّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُقُوبَةً مانِعَةً مِنَ الإيمانِ كَما قَدْ فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَتاهُوا، ثُمَّ يَكُونُ هَذا الفِعْلُ في بَعْضِ الكُفّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ آيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ودَلالَةً لَهُ كالرِّجْزِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حَتّى اسْتَغاثُوا مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مُقَيَّدٌ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أصْلَحُ لِلْعِبادِ. وتاسِعُها: يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ هَذا الخَتْمَ بِهِمْ في الآخِرَةِ كَما قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ يُعْمِيهِمْ، قالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وقالَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] وقالَ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] وقالَ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٠] . وعاشِرُها: ما حَكَوْهُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ - وهو اخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ والقاضِي - أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ عَلامَةٌ وسِمَةٌ يَجْعَلُها في قَلْبِ الكُفّارِ وسَمْعِهِمْ، فَتَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم كُفّارٌ، وعَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ عَلامَةٌ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] وحِينَئِذٍ المَلائِكَةُ يُحِبُّونَهُ ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، ويَكُونُ لِقُلُوبِ الكُفّارِ عَلامَةٌ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها كَوْنَهم مَلْعُونِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَيُبْغِضُونَهُ ويَلْعَنُونَهُ، والفائِدَةُ في تِلْكَ العَلامَةِ إمّا مَصْلَحَةٌ عائِدَةٌ إلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مَتى عَلِمُوا بِتِلْكَ العَلامَةِ كَوْنَهُ كافِرًا مَلْعُونًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى صارَ ذَلِكَ مُنَفِّرًا لَهم عَنِ الكُفْرِ. أوْ إلى المُكَلَّفِ، فَإنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ مَتى آمَنَ فَقَدْ أحَبَّهُ أهْلُ السَّماواتِ صارَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا لَهُ في الإيمانِ، وإذا عَلِمَ أنَّهُ مَتى أقْدَمَ عَلى الكُفْرِ عَرَفَ المَلائِكَةُ مِنهُ ذَلِكَ فَيُبْغِضُونَهُ ويَلْعَنُونَهُ صارَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهُ عَنِ الكُفْرِ. قالُوا: والخَتْمُ بِهَذا المَعْنى لا يُمْنَعُ؛ لِأنّا نَتَمَكَّنُ بَعْدَ خَتْمِ الكِتابِ أنْ نَفُكَّهُ ونَقْرَأهُ، ولِأنَّ الخَتْمَ هو بِمَنزِلَةِ أنْ يُكْتَبَ عَلى جَبِينِ الكافِرِ أنَّهُ كافِرٌ، فَإذا لَمْ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ فَكَذا هَذا الكافِرُ يُمْكِنُهُ أنْ يُزِيلَ تِلْكَ السِّمَةَ عَنْ قَلْبِهِ بِأنْ يَأْتِيَ بِالإيمانِ ويَتْرُكَ الكُفْرَ. قالُوا: وإنَّما خَصَّ القَلْبَ والسَّمْعَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ لا تُسْتَفادُ إلّا مِن جِهَةِ السَّمْعِ، والأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ لا تُسْتَفادُ إلّا مِن جانِبِ القَلْبِ، ولِهَذا خَصَّهُما بِالذِّكْرِ. صفحة ٤٨ فَإنْ قِيلَ: فَيَتَحَمَّلُونَ الغِشاوَةَ في البَصَرِ أيْضًا عَلى مَعْنى العَلامَةِ ؟ قُلْنا: لا؛ لِأنّا إنَّما حَمَلْنا ما تَقَدَّمَ عَلى السِّمَةِ والعَلامَةِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، ولا مانِعَ مِنهُ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ. أمّا الغِشاوَةُ فَحَقِيقَتُها الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الإبْصارِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِ الكُفّارِ خِلافُ ذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ، وهو تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ مَن لا يَنْتَفِعُ بِبَصَرِهِ في بابِ الهِدايَةِ. فَهَذا مَجْمُوعُ أقْوالِ النّاسِ في هَذا المَوْضِعِ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): الألْفاظُ الوارِدَةُ في القُرْآنِ القَرِيبَةُ مِن مَعْنى الخَتْمِ هي: الطَّبْعُ، والكِنانُ، والرَّيْنُ عَلى القَلْبِ، والوَقْرُ في الآذانِ، والغِشاوَةُ في البَصَرِ، ثُمَّ الآياتُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، فالقِسْمُ الأوَّلُ: ورَدَتْ دَلالَةٌ عَلى حُصُولِ هَذِهِ الأشْياءِ، قالَ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٤] ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنْعامِ: ٢٥] ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٧] ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النِّساءِ: ١٥٥] ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤] ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [الرُّومِ: ٥٢] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٢١] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠] . والقِسْمُ الثّانِي: ورَدَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ البَتَّةَ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسْراءِ: ٩٤] ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٩] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧١] والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وصارَ كُلُّ قِسْمٍ مِنهُما مُتَمَسَّكًا لِطائِفَةٍ، فَصارَتِ الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ لِكَوْنِها مِنَ الطَّرَفَيْنِ واقِعَةً في حَيِّزِ التَّعارُضِ، أمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ فَهي الَّتِي سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْها، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أعْظَمِ المَسائِلِ الإسْلامِيَّةِ وأكْثَرِها شَعَبًا وأشَدِّها شَغَبًا، ويُحْكى أنَّ الإمامَ أبا القاسِمِ الأنْصارِيَّ سُئِلَ عَنْ تَكْفِيرِ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: لا؛ لِأنَّهم نَزَّهُوهُ، فَسُئِلَ عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ، فَقالَ: لا، لِأنَّهم عَظَّمُوهُ، والمَعْنى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ ما طَلَبَ إلّا إثْباتَ جَلالِ اللَّهِ وعُلُوِّ كِبْرِيائِهِ، إلّا أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ وقَعَ نَظَرُهم عَلى العَظَمَةِ، فَقالُوا: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو المُوجِدَ ولا مُوجِدَ سِواهُ، والمُعْتَزِلَةُ وقَعَ نَظَرُهم عَلى الحِكْمَةِ، فَقالُوا: لا يَلِيقُ بِجَلالِ حَضَرْتِهِ هَذِهِ القَبائِحُ، وأقُولُ: هَهُنا سِرٌّ آخَرُ، وهو أنَّ إثْباتَ الإلَهِ يُلْجِئُ إلى القَوْلِ بِالجَبْرِ، لِأنَّ الفاعِلِيَّةَ لَوْ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلى الدّاعِيَةِ لَزِمَ وُقُوعُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وهو نَفْيُ الصّانِعِ، ولَوْ تَوَقَّفَتْ لَزِمَ الجَبْرُ. وإثْباتُ الرَّسُولِ يُلْجِئُ إلى القَوْلِ بِالقُدْرَةِ. بَلْ هَهُنا سِرٌّ آخَرُ، هو فَوْقَ الكُلِّ، وهو أنّا لَمّا رَجَعْنا إلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ والعَقْلِ الأوَّلِ وجَدْنا أنَّ ما اسْتَوى الوُجُودُ والعَدَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وهَذا يَقْتَضِي الجَبْرَ، ونَجِدُ أيْضًا تَفْرِقَةً بَدِيهِيَّةً بَيْنَ الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ والحَرَكاتِ الِاضْطِرارِيَّةِ، وجَزْمًا بَدِيهِيًّا بِحُسْنِ المَدْحِ وقُبْحِ الذَّمِّ والأمْرِ والنَّهْيِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ، فَكَأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ وقَعَتْ في حَيِّزِ التَّعارُضِ بِحَسَبِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وبِحَسَبِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وبِحَسَبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا إلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وبِحَسَبِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ، وبِحَسَبِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَلِهَذِهِ المَآخِذِ الَّتِي شَرَحْناها والأسْرارِ الَّتِي كَشَفْنا عَنْ حَقائِقِها صَعُبَتِ المَسْألَةُ وغَمُضَتْ وعَظُمَتْ، فَنَسْألُ اللَّهَ العَظِيمَ أنْ يُوَفِّقَنا لِلْحَقِّ، وأنْ يَخْتِمَ عاقِبَتَنا بِالخَيْرِ آمِينَ رَبَّ العالَمِينَ. * * * (المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الأسْماعُ داخِلَةً في حُكْمِ الخَتْمِ، وفي حُكْمِ التَّغْشِيَةِ، إلّا أنَّ الأوْلى دُخُولُها في حُكْمِ الخَتْمِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٣] ولِوَقْفِهِمْ عَلى سَمْعِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ. صفحة ٤٩ (المَسْألَةُ الخامِسَةُ): الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ أنَّها لَمّا أُعِيدَتْ لِلْأسْماعِ كانَ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الخَتْمِ في المَوْضِعَيْنِ. (المَسْألَةُ السّادِسَةُ): إنَّما جَمَعَ القُلُوبَ والأبْصارَ ووَحَّدَ السَّمْعَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ وحَّدَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم سَمْعًا واحِدًا، كَما يُقالُ: أتانِي بِرَأْسِ الكَبْشَيْنِ، يَعْنِي رَأْسَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، كَما وحَّدَ البَطْنَ في قَوْلِهِ: ” كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُو تَعِيشُوا “ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا أمِنُوا اللَّبْسَ، فَإذا لَمْ يُؤْمَن كَقَوْلِكَ: فَرَسُهم وثَوْبُهم، وأنْتَ تُرِيدُ الجَمْعَ، رَفَضُوهُ. الثّانِي: أنَّ السَّمْعَ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ، والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، يُقالُ: رَجُلانِ صَوْمٌ، ورِجالُ صَوْمٌ، فَرُوعِيَ الأصْلُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ جَمْعُ الأُذُنِ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] . الثّالِثُ: أنْ نُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا أيْ وعَلى حَواسِّ سَمْعِهِمْ. الرّابِعُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ وحَّدَ لَفْظَ السَّمْعِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَمْعُ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [المائِدَةِ: ١٦] ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ [المَعارِجِ: ٣٧] قالَ الرّاعِي: بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ وإنَّما أرادَ جُلُودَها، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ [وعَلى أسْماعِهِمْ] . * * * (المَسْألَةُ السّابِعَةُ): مِنَ النّاسِ مَن قالَ: السَّمْعُ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَهُما قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ، والتَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى التَّفْضِيلِ، ولِأنَّ السَّمْعَ شَرْطُ النُّبُوَّةِ بِخِلافِ البَصَرِ، ولِذَلِكَ ما بَعَثَ رَسُولًا أصَمَّ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن كانَ مُبْتَلًى بِالعَمى، ولِأنَّ بِالسَّمْعِ تَصِلُ نَتائِجُ عُقُولِ البَعْضِ إلى البَعْضِ، فالسَّمْعُ كَأنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِكْمالِ العَقْلِ بِالمَعارِفِ، والبَصَرُ لا يُوقِفُكَ إلّا عَلى المَحْسُوساتِ، ولِأنَّ السَّمْعَ مُتَصَرِّفٌ في الجِهاتِ السِّتِّ بِخِلافِ البَصَرِ، ولِأنَّ السَّمْعَ مَتّى بَطَلَ بَطَلَ النُّطْقُ، والبَصَرُ إذا بَطَلَ لَمْ يَبْطُلِ النُّطْقُ. ومِنهم مَن قَدَّمَ البَصَرَ؛ لِأنَّ آلَةَ القُوَّةِ الباصِرَةِ أشْرَفُ، ولِأنَّ مُتَعَلِّقَ القُوَّةِ الباصِرَةِ هو النُّورُ، ومُتَعَلِّقَ القُوَّةِ السّامِعَةِ الرِّيحُ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ هو القَلْبُ. واسْتَقْصَيْنا بَيانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. (المَسْألَةُ التّاسِعَةُ): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: البَصَرُ نُورُ العَيْنِ، وهو ما يُبْصِرُ بِهِ الرّائِي ويُدْرِكُ المَرْئِيّاتِ، كَما أنَّ البَصِيرَةَ نُورُ القَلْبِ، وهو ما يَسْتَبْصِرُ بِهِ ويَتَأمَّلُ، فَكَأنَّهُما جَوْهَرانِ لَطِيفانِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما آلَتَيْنِ لِلْأبْصارِ والِاسْتِبْصارِ، أقُولُ: إنَّ أصْحابَهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ لا يَرْضَوْنَ مِنهُ بِهَذا الكَلامِ: وتَحْقِيقُ القَوْلِ في الإبْصارِ يَسْتَدْعِي أبْحاثًا غامِضَةً لا تَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ. (المَسْألَةُ العاشِرَةُ): قُرِئَ (غِشاوَةً) بِالكَسْرِ والنَّصْبِ، وغُشاوَةٌ بِالضَّمِّ والرَّفْعِ، وغَشاوَةً بِالفَتْحِ والنَّصْبِ، وغِشْوَةٌ بِالكَسْرِ والرَّفْعِ، وغَشْوَةٌ بِالفَتْحِ والرَّفْعِ والنَّصْبِ، وعَشاوَةٌ بِالعَيْنِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ والرَّفْعِ مِنَ العَشا، والغِشاوَةُ هي الغِطاءُ، ومِنهُ الغاشِيَةُ، ومِنهُ غُشِيَ عَلَيْهِ إذا زالَ عَقْلُهُ والغَشَيانُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ. (المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ): العَذابُ مِثْلُ النَّكالِ بِناءً ومَعْنًى؛ لِأنَّكَ تَقُولُ أعْذَبَ عَنِ الشَّيْءِ إذا أمْسَكَ عَنْهُ، كَما تَقُولُ نَكَلَ عَنْهُ، ومِنهُ العَذْبُ، لِأنَّهُ يَقْمَعُ العَطَشَ ويَرْدَعُهُ بِخِلافِ المِلْحُ فَإنَّهُ يَزِيدُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَسْمِيَتُهم إيّاهُ نُقاخًا، لِأنَّهُ يَنْقَخُ العَطَشَ أيْ يَكْسِرُهُ، وفُراتًا لِأنَّهُ يَرْفُتُهُ عَنِ القَلْبِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَسُمِّيَ كُلُّ ألَمٍ صفحة ٥٠ فادِحٍ عَذابًا وإنْ لَمْ يَكُنْ نَكالًا أيْ عِقابًا يَرْتَدِعُ بِهِ الجانِي عَنِ المُعاوَدَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ الكَبِيرِ: أنَّ العَظِيمَ نَقِيضُ الحَقِيرِ، والكَبِيرَ نَقِيضُ الصَّغِيرِ، فَكَأنَّ العَظِيمَ فَوْقَ الكَبِيرِ، كَما أنَّ الحَقِيرَ دُونَ الصَّغِيرِ، ويُسْتَعْمَلانِ في الجُثَثِ والأحْداثِ جَمِيعًا، تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ وكَبِيرٌ تُرِيدُ جُثَّتَهُ أوْ خَطَرَهُ، ومَعْنى التَّنْكِيرِ أنَّ عَلى أبْصارِهِمْ نَوْعًا مِنَ الأغْطِيَةِ غَيْرَ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ، وهو غِطاءُ التَّعامِي عَنْ آياتِ اللَّهِ، ولَهم مِن بَيْنِ الآلامِ العِظامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. * * * (المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ): اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُ الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَحْسُنُ وفَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٧] بِأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لَكِنَّ كَرَمَهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ العَفْوَ، ولْنَذْكُرْ هَهُنا دَلائِلَ الفَرِيقَيْنِ، أمّا الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ التَّعْذِيبَ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ التَّعْذِيبَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جِهاتِ المَنفَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا، أمّا أنَّهُ ضَرَرٌ فَلا شَكَّ، وأمّا أنَّهُ خالٍ عَنْ جِهاتِ المَنفَعَةِ؛ فَلِأنَّ تِلْكَ المَنفَعَةَ إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى، أوْ إلى غَيْرِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ بِخِلافِ الواحِدِ مِنّا في الشّاهِدِ، فَإنَّ عَبْدَهُ إذا أساءَ إلَيْهِ أدَّبَهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلِذُّ بِذَلِكَ التَّأْدِيبِ لِما كانَ في قَلْبِهِ مِن حُبِّ الِانْتِقامِ؛ ولِأنَّهُ إذا أدَّبَهُ فَإنَّهُ يَنْزَجِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَمّا يَضُرُّهُ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَنفَعَةَ إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى المُعَذَّبِ أوْ إلى غَيْرِهِ أمّا إلى المُعَذَّبِ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الإضْرارَ لا يَكُونُ عَيْنَ الِانْتِفاعِ، وأمّا إلى غَيْرِهِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِن إيصالِ النَّفْعِ، فَإيصالُ الضَّرَرِ إلى شَخْصٍ لِغَرَضِ إيصالِ النَّفْعِ إلى شَخْصٍ آخَرَ تَرْجِيحٌ لِلْمَرْجُوحِ عَلى الرّاجِحِ، وهو باطِلٌ وأيْضًا فَلا مَنفَعَةَ يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى إيصالَها إلى أحَدٍ إلّا وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ الِاتِّصالِ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ الإضْرارِ بِالغَيْرِ، فَيَكُونُ تَوْسِيطُ ذَلِكَ الإضْرارِ عَدِيمَ الفائِدَةِ، فَثَبَتَ أنَّ التَّعْذِيبَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ المَنفَعَةِ وأنَّهُ مَعْلُومُ القُبْحِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، بَلْ قُبْحُهُ أجْلى في العُقُولِ مِن قُبْحِ الكَذِبِ الَّذِي لا يَكُونُ ضارًّا، والجَهْلُ الَّذِي لا يَكُونُ ضارًّا، بَلْ مِن قُبْحِ الكَذِبِ الضّارِّ والجَهْلِ الضّارِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكَذِبَ الضّارَّ وسِيلَةٌ إلى الضَّرَرِ، وقُبْحُ ما يَكُونُ وسِيلَةً إلى الضَّرَرِ دُونَ قَبِيحِ نَفْسِ الضَّرَرِ، وإذا ثَبَتَ قُبْحُهُ امْتَنَعَ صُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ والحَكِيمُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ الكافِرَ لا يُؤْمَنُ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّهُ مَتى كُلِّفَ الكافِرُ لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ إلّا العِصْيانُ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ العِصْيانُ سَبَبًا لِلْعِقابِ لَكانَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ مُسْتَعْقِبًا لِاسْتِحْقاقِ العِقابِ، إمّا لِأنَّهُ تَمامُ العِلَّةِ، أوْ لِأنَّهُ شَطْرُ العِلَّةِ، وعَلى الجُمْلَةِ فَذَلِكَ التَّكْلِيفُ أمْرٌ مَتى حَصَلَ حَصَلَ عَقِيبَهُ لا مَحالَةَ العِقابُ، وما كانَ مُسْتَعْقِبًا لِلضَّرَرِ الخالِي عَنِ النَّفْعِ كانَ قَبِيحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ قَبِيحًا، والقَبِيحُ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يُقالَ لَمْ يُوجَدْ هَذا التَّكْلِيفُ أوْ إنْ وُجِدَ لَكِنَّهُ لا يَسْتَعْقِبُ العِقابَ، وكَيْفَ كانَ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يُقالَ: خَلَقَ الخَلْقَ لِلْإنْفاعِ، أوْ لِلْإضْرارِ، أوْ لا لِلْإنْفاعِ ولا لِلْإضْرارِ، فَإنْ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ وجَبَ أنْ لا يُكَلِّفَهم ما يُؤَدِّي بِهِ إلى ضِدِّ مَقْصُودِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، ولَمّا عَلِمَ إقْدامَهم عَلى العِصْيانِ لَوْ كَلَّفَهم كانَ التَّكْلِيفُ فِعْلًا يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِقابِ، فَإذا كانَ قاصِدًا لِإنْفاعِهِمْ وجَبَ أنْ لا يُكَلِّفَهم، وحَيْثُ كَلَّفَهم دَلَّ عَلى أنَّ العِصْيانَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ العَذابِ، ولا جائِزَ أنْ يُقالَ: خَلَقَهم لا لِلْإنْفاعِ صفحة ٥١ ولا لِلْإضْرارِ؛ لِأنَّ التَّرْكَ عَلى العَدَمِ يَكْفِي في ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبَثًا، ولا جائِزَ أنْ يُقالَ: خَلَقَهم لِلْإضْرارِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَكُونُ رَحِيمًا كَرِيمًا، وقَدْ تَطابَقَتِ العُقُولُ والشَّرائِعُ عَلى كَوْنِهِ رَحِيمًا كَرِيمًا، وعَلى أنَّهُ نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ العِقابِ. ورابِعُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلدَّواعِي الَّتِي تُوجِبُ المَعاصِيَ، فَيَكُونُ هو المُلْجِئَ إلَيْها فَيَقْبُحُ أنْ يُعاقِبَ عَلَيْها، إنَّما قُلْنا إنَّهُ الخالِقُ لِتِلْكَ الدَّواعِي، لَمّا بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنْ مَقْدِرَةٍ يَتَوَقَّفُ عَلى انْضِمامِ الدّاعِيَةِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى إلَيْها، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الجَبْرَ، وتَعْذِيبُ المَجْبُورِ قَبِيحٌ في العُقُولِ، ورُبَّما قَرَّرُوا هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: إذا كانَتِ الأوامِرُ والنَّواهِي الشَّرْعِيَّةُ قَدْ جاءَتْ إلى شَخْصَيْنِ مِنَ النّاسِ فَقَبِلَها أحَدُهُما وخالَفَها الآخَرُ فَأُثِيبَ أحَدُهُما وعُوقِبَ الآخَرُ، فَإذا قِيلَ لِمَ قَبِلَ هَذا وخالَفَ الآخَرُ ؟ فَيُقالُ: لِأنَّ القابِلَ أحَبَّ الثَّوابَ وحَذِرَ العِقابَ فَأطاعَ، والآخَرُ لَمْ يُحِبَّ ولَمْ يَحْذَرْ فَعَصى، أوْ أنَّ هَذا أصْغى إلى مَن وعَظَهُ وفَهِمَ عَنْهُ مَقالَتَهُ فَأطاعَ، وهَذا لَمْ يُصْغِ ولَمْ يَفْهَمْ فَعَصى، فَيُقالُ: ولِمَ أصْغى هَذا وفَهِمَ ولَمْ يُصْغِ ذَلِكَ ولَمْ يَفْهَمْ ؟ فَنَقُولُ: لِأنَّ هَذا لَبِيبٌ حازِمٌ فَطِنٌ، وذَلِكَ أخْرَقُ جاهِلٌ غَبِيٌّ، فَيُقالُ: ولِمَ اخْتُصَّ هَذا بِالحَزْمِ والفِطْنَةِ دُونَ ذاكَ؟ ولا شَكَّ أنَّ الفِطْنَةَ والبَلادَةَ مِنَ الأحْوالِ الغَرِيزِيَّةِ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ الغَباوَةَ والخَرَقَ ولا يَفْعَلُهُما في نَفْسِهِ فَإذا تَناهَتِ التَّعْلِيلاتُ إلى أُمُورٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى اضْطِرارًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ يُمْكِنُكَ أنْ تُسَوِّيَ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ أطاعَ أحَدُهُما وعَصى الآخَرُ في كُلِّ حالٍ أعْنِي في العَقْلِ والجَهْلِ، والفَطانَةِ والغَباوَةِ، والحَزْمِ والخَرَقِ، والمُعَلِّمِينَ والباعِثِينَ والزّاجِرِينَ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ إنَّهُما لَوِ اسْتَوَيا في ذَلِكَ كُلِّهِ لَما اسْتَوَيا في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَإذَنْ سَبَبُ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ مِنَ الأشْخاصِ أُمُورٌ وقَعَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ، وعِنْدَ هَذا يُقالُ: أيْنَ مِنَ العَدْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ أنْ يُخْلَقَ العاصِي عَلى ما خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الفَظاظَةِ والجَسارَةِ، والغَباوَةِ والقَساوَةِ، والطَّيْشِ والخَرَقِ، ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ؟ وهَلّا خَلَقَهُ مِثْلَ ما خَلَقَ الطّائِعَ لَبِيبًا حازِمًا عارِفًا عالِمًا، وأيْنَ مِنَ العَدْلِ أنْ يُسَخِّنَ قَلْبَهُ ويُقَوِّيَ غَضَبَهُ ويُلْهِبَ دِماغَهُ ويُكْثِرَ طَيْشَهُ ولا يَرْزُقَهُ ما رَزَقَ غَيْرَهُ مِن مُؤَدِّبٍ أدِيبٍ ومُعَلِّمٍ عالِمٍ، وواعِظٍ مُبَلِّغٍ، بَلْ يُقَيِّضُ لَهُ أضْدادَ هَؤُلاءِ في أفْعالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ فَيَتَعَلَّمُ مِنهم، ثُمَّ يُؤاخِذُهُ بِما يُؤاخِذُ بِهِ اللَّبِيبَ الحازِمَ، والعاقِلَ العالِمَ، البارِدَ الرَّأْسِ، المُعْتَدِلَ مِزاجِ القَلْبِ، اللَّطِيفَ الرُّوحِ الَّذِي رَزَقَهُ مُرَبِّيًا شَفِيقًا، ومُعَلِّمًا كامِلًا؟ ما هَذا مِنَ العَدْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ والرَّأْفَةِ في شَيْءٍ ! فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِالعِقابِ عَلى خِلافِ قَضايا العُقُولِ. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَنا النَّفْعَ لِعَوْدِهِ إلَيْنا؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسْراءِ: ٧] فَإذا عَصَيْنا فَقَدْ فَوَّتْنا عَلى أنْفُسِنا تِلْكَ المَنافِعَ، فَهَلْ يَحْسُنُ في العُقُولِ أنْ يَأْخُذَ الحَكِيمُ إنْسانًا ويَقُولَ لَهُ: إنِّي أُعَذِّبُكَ العَذابَ الشَّدِيدَ؛ لِأنَّكَ فَوَّتَّ عَلى نَفْسِكَ بَعْضَ المَنافِعِ، فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: إنْ تَحْصِيلَ النَّفْعِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ، فَهَبْ أنِّي فَوَّتُّ عَلى نَفْسِي أدْوَنَ المَطْلُوبَيْنِ أفَتَفُوتُ عَلَيَّ لِأجْلِ ذَلِكَ أعْظَمُها، وهَلْ يَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ ويَقُولَ إنَّكَ قَدَرْتَ عَلى أنْ تَكْتَسِبَ دِينارًا لِنَفْسِكَ ولِتَنْتَفِعَ بِهِ خاصَّةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي فِيهِ غَرَضٌ البَتَّةَ، فَلَمّا لَمْ تَكْتَسِبْ ذَلِكَ الدِّينارَ، ولَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ آخُذُكَ وأقْطَعُ أعْضاءَكَ إرْبًا إرْبًا، لا شَكَّ أنَّ هَذا نِهايَةُ السَّفاهَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ؟! ثُمَّ قالُوا: هَبْ أنّا سَلَّمْنا هَذا العِقابَ فَمِن أيْنَ القَوْلُ بِالدَّوامِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا وأشَدَّهم غِلْظَةً وفَظاظَةً وبُعْدًا عَنِ الخَيْرِ إذا أخَذَ مَن بالَغَ في الإساءَةِ إلَيْهِ وعَذَّبَهُ يَوْمًا أوْ شَهْرًا أوْ سَنَةً فَإنَّهُ يَشْبَعُ مِنهُ ويَمَلُّ، فَلَوْ بَقِيَ مُواظِبًا عَلَيْهِ لامَهُ كُلُّ أحَدٍ، ويُقالُ صفحة ٥٢ هَبْ أنَّهُ بالَغَ هَذا في إضْرارِكَ، ولَكِنْ إلى مَتى هَذا التَّعْذِيبُ؟ فَإمّا أنْ تَقْتُلَهُ وتُرِيحَهُ، وإمّا أنْ تُخَلِّصَهُ، فَإذا قَبُحَ هَذا مِنَ الإنْسانِ الَّذِي يَلْتَذُّ بِالِانْتِقامِ، فالغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الدَّوامُ الَّذِي يُقالُ ؟! . وسادِسُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَهى عِبادَهُ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ، فَقالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] ثُمَّ إنَّ العَبْدَ هَبْ أنَّهُ عَصى اللَّهَ تَعالى طُولَ عُمْرِهِ فَأيْنَ عُمْرُهُ مِنَ الأبَدِ ؟ فَيَكُونُ العِقابُ المُؤَبَّدُ ظُلْمًا. وسابِعُها: أنَّ العَبْدَ لَوْ واظَبَ عَلى الكُفْرِ طُولَ عُمْرِهِ فَإذا تابَ ثُمَّ ماتَ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وأجابَ دُعاءَهُ وقَبِلَ تَوْبَتَهُ، ألا تَرى أنَّ هَذا الكَرِيمَ العَظِيمَ ما بَقِيَ في الآخِرَةِ، أوْ عُقُولُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ ما بَقِيَتْ فَلِمَ لا يَتُوبُونَ عَنْ مَعاصِيهِمْ ؟ وإذا تابُوا فَلِمَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنهم تَوْبَتَهم، ولِمَ لا يَسْمَعُ نِداءَهم، ولِمَ يُخَيِّبُ رَجاءَهُمْ؟ ولِمَ كانَ في الدُّنْيا في الرَّحْمَةِ والكَرَمِ إلى حَيْثُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] وفي الآخِرَةِ صارَ بِحَيْثُ كُلَّما كانَ تَضَرُّعُهم إلَيْهِ أشَدَّ فَإنَّهُ لا يُخاطِبُهم إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] قالُوا: فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِمّا تُوجِبُ القَطْعَ بِعَدَمِ العِقابِ، ثُمَّ قالَ مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ بِالقُرْآنِ: العُذْرُ عَمّا ورَدَ في القُرْآنِ مِن أنْواعِ العَذابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لا يُفِيدُ اليَقِينَ، والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ تُفِيدُ اليَقِينَ، والمَظْنُونُ لا يُعارِضُ المَقْطُوعَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الدَّلائِلَ اللَّفْظِيَّةَ لا تُفِيدُ اليَقِينَ، لِأنَّ الدَّلائِلَ اللَّفْظِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أُصُولٍ كُلُّها ظَنِّيَّةٌ والمَبْنِيُّ عَلى الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ، وإنَّما قُلْنا إنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أُصُولٍ ظَنِّيَّةٍ؛ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى نَقْلِ اللُّغاتِ ونَقْلِ النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ، ورُواةُ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُعْلَمُ بُلُوغُهم إلى حَدِّ التَّواتُرِ، فَكانَتْ رِوايَتُهم مَظْنُونَةً، وأيْضًا فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراكِ وعَدَمِ المَجازِ وعَدَمِ التَّخْصِيصِ وعَدَمِ الإضْمارِ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وعَدَمِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأيْضًا فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى عَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ، فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِصِدْقِهِما ولا بِكَذِبِهِما مَعًا، ولا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ النَّقْلِ عَلى العَقْلِ؛ لِأنَّ العَقْلَ أصْلُ النَّقْلِ، والطَّعْنُ في العَقْلِ يُوجِبُ الطَّعْنَ في العَقْلِ والنَّقْلِ مَعًا، لَكِنَّ عَدَمَ المُعارِضِ العَقْلِيِّ مَظْنُونٌ، هَذا إذا لَمْ يُوجَدْ، فَكَيْفَ وقَدْ وجَدْنا هَهُنا دَلائِلَ عَقْلِيَّةً عَلى خِلافِ هَذِهِ الظَّواهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ ظَنِّيَّةٌ، وأمّا أنَّ الظَّنِّيَّ لا يُعارِضُ اليَقِينِيَّ فَلا شَكَّ فِيهِ. وثانِيها: وهو أنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الوَعِيدِ مُسْتَحْسَنٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ، قالَ الشّاعِرُ: وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي بَلِ الإصْرارُ عَلى تَحْقِيقِ الوَعِيدِ كَأنَّهُ يُعَدُّ لُؤْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَصْلُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بِناءً عَلى حَرْفٍ وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ جَوَّزُوا نَسْخَ الفِعْلِ قَبْلَ مُدَّةِ الِامْتِثالِ، وحاصِلُ حُرُوفِهِمْ فِيهِ أنَّ الأمْرَ يُسَنُّ تارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِن نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ، وتارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِن نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ افْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ غَدًا، وإنْ كانَ يَعْلَمُ في الحالِ أنَّهُ سَيَنْهاهُ عَنْهُ غَدًا، ويَكُونُ مَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ أنْ يُظْهِرَ العَبْدُ الِانْقِيادَ لِسَيِّدِهِ في ذَلِكَ ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى طاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ العَبْدِ أنَّهُ سَيَمُوتُ غَدًا فَإنَّهُ يَحْسُنُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يَقُولَ: صَلِّ غَدًا إنْ عِشْتَ، ولا يَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الأمْرِ تَحْصِيلَ المَأْمُورِ بِهِ؛ لِأنَّهُ هَهُنا مُحالٌ بَلِ المَقْصُودُ حِكْمَةٌ تَنْشَأُ مِن نَفْسِ الأمْرِ فَقَطْ، وهو حُصُولُ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، إذا ثَبَتَ هَذا صفحة ٥٣ فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الخَبَرُ أيْضًا كَذَلِكَ ؟ فَتارَةً يَكُونُ مَنشَأُ الحِكْمَةِ مِنَ الأخْبارِ هو الشَّيْءَ المُخْبَرَ عَنْهُ وذَلِكَ في الوَعْدِ، وتارَةً يَكُونُ مَنشَأُ الحِكْمَةِ هو نَفْسَ الخَبَرِ لا المُخْبَرَ عَنْهُ كَما في الوَعِيدِ، فَإنَّ الأخْبارَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ مِمّا يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ المَعاصِي والإقْدامَ عَلى الطّاعاتِ، فَإذا حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ جازَ أنْ لا يُوجَدَ المُخْبَرُ عَنْهُ كَما في الوَعِيدِ، وعِنْدَ هَذا قالُوا: إنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالثَّوابِ حَقٌّ لازِمٌ، وأمّا تَوَعُّدُهُ بِالعِقابِ فَغَيْرُ لازِمٍ، وإنَّما قُصِدَ بِهِ صَلاحُ المُكَلَّفِينَ مَعَ رَحْمَتِهِ الشّامِلَةِ لَهم، كالوالِدِ يُهَدِّدُ ولَدَهُ بِالقَتْلِ والسَّمْلِ والقَطْعِ والضَّرْبِ، فَإنْ قَبِلَ الوَلَدُ أمْرَهُ فَقَدِ انْتَفَعَ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَما في قَلْبِ الوالِدِ مِنَ الشَّفَقَةِ يَرُدُّهُ عَنْ قَتْلِهِ وعُقُوبَتِهِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا والكَذِبُ قَبِيحٌ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ كَذِبٍ قَبِيحٌ بَلِ القَبِيحُ هو الكَذِبُ الضّارُّ، فَأمّا الكَذِبُ النّافِعُ فَلا، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كَذِبٌ، ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ عُمُوماتِ القُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ ولا يُسَمّى ذَلِكَ كَذِبًا، ألَيْسَ أنَّ كُلَّ المُتَشابِهاتِ مَصْرُوفَةٌ عَنْ ظَواهِرِها، ولا يُسَمّى ذَلِكَ كَذِبًا فَكَذا هَهُنا. وثالِثُها: ألَيْسَ أنَّ آياتِ الوَعِيدِ في حَقِّ العُصاةِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مَذْكُورًا في صَرِيحِ النَّصِّ، فَهي أيْضًا عِنْدَنا مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مَذْكُورًا بِصَرِيحِ النَّصِّ صَرِيحًا، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ أنَّ العاصِيَ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العِقابِ فَيُحْمَلُ الإخْبارُ عَنِ الوُقُوعِ عَلى الإخْبارِ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُقُوعِ فَهَذا جُمْلَةُ ما يُقالُ في تَقْرِيرِ هَذا المَذْهَبِ، وأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا وُقُوعَ العَذابِ، فَقالُوا إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُقُوعُ العَذابِ فَإنْكارُهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها في نَفْيِ العِقابِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ وذَلِكَ مِمّا لا نَقُولُ بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ في وصْفِ المُنافِقِينَ، قالُوا: وصَفَ اللَّهُ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَبَدَأ بِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ صَحَّتْ سَرائِرُهم وسَلِمَتْ ضَمائِرُهم، ثُمَّ أتْبَعَهم بِالكافِرِينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، ثُمَّ وصَفَ حالَ مَن يَقُولُ بِلِسانِهِ إنَّهُ مُؤْمِنٌ وضَمِيرُهُ يُخالِفُ ذَلِكَ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في حَقِيقَةِ النِّفاقِ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِتَقْسِيمٍ نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: أحْوالُ القَلْبِ أرْبَعَةٌ، وهي الِاعْتِقادُ المُطابِقُ المُسْتَفادُ عَنِ الدَّلِيلِ وهو العِلْمُ، والِاعْتِقادُ المُطابِقُ المُسْتَفادُ لا عَنِ الدَّلِيلِ وهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ، والِاعْتِقادُ غَيْرُ المُطابِقِ وهو الجَهْلُ، وخُلُوُّ القَلْبِ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ، وأمّا أحْوالُ اللِّسانِ فَثَلاثَةٌ: الإقْرارُ، والإنْكارُ، والسُّكُوتُ، فَيَحْصُلُ مِن تَرْكِيباتِها اثْنا عَشَرَ قِسْمًا. النَّوْعُ الأوَّلُ: ما إذا حَصَلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ، فَهَهُنا إمّا أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ أوِ الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوِ السُّكُوتُ. القِسْمُ الأوَّلُ: ما إذا حَصَلَ العِرْفانُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ فَهَذا الإقْرارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَصاحِبُهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا بِالِاتِّفاقِ، وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا وهو ما إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ ولَكِنَّهُ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْلا الخَوْفُ لَما أقَرَّ، بَلْ أنْكَرَ، فَهَذا يَجِبُ أنْ يُعَدَّ مُنافِقًا؛ لِأنَّهُ بِقَلْبِهِ مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ، فَإذا كانَ بِاللِّسانِ مُقِرًّا مُصَدِّقًا وجَبَ أنْ يُعَدَّ مُنافِقًا؛ لِأنَّهُ بِقَلْبِهِ صفحة ٥٤ مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ بِوُجُوبِ الإقْرارِ، القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَحْصُلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ والإنْكارُ اللِّسانِيُّ، فَهَذا الإنْكارُ إنْ كانَ اضْطِرارِيًّا كانَ صاحِبُهُ مُسْلِمًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] وإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا كانَ كافِرًا مُعانِدًا. القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْصُلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ ويَكُونُ اللِّسانُ خالِيًا عَنِ الإقْرارِ والإنْكارِ، فَهَذا السُّكُوتُ إمّا أنْ يَكُونَ اضْطِرارِيًّا أوِ اخْتِيارِيًّا، فَإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَذَلِكَ إذا خافَ ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ فَهَذا مُسْلِمٌ حَقًّا أوْ كَما إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ لَمّا تَمَّمَ النَّظَرَ ماتَ فَجْأةً، فَهَذا مُؤْمِنٌ قَطْعًا؛ لِأنَّهُ أتى بِكُلِّ ما كُلِّفَ بِهِ ولَمْ يَجِدْ زَمانَ الإقْرارِ والإنْكارِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ، وأمّا إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهو كَمَن عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالإقْرارِ، فَهَذا مَحَلُّ البَحْثِ، ومَيْلُ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ“» وهَذا الرَّجُلُ قَلْبُهُ مَمْلُوءٌ مِن نُورِ الإيمانِ فَكَيْفَ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ؟ . النَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ، فَإمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ، أوِ الإنْكارُ أوِ السُّكُوتُ: القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ، ثُمَّ ذَلِكَ الإقْرارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهَذا هو المَسْألَةُ المَشْهُورَةُ مِن أنَّ المُقَلِّدَ هَلْ هو مُؤْمِنٌ أمْ لا ؟ وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَهَذا يُفَرَّعُ عَلى الصُّورَةِ الأُولى، فَإنْ حَكَمْنا في الصُّورَةِ الأُولى بِالكُفْرِ، فَهَهُنا لا كَلامَ، وإنْ حَكَمْنا هُناكَ بِالإيمانِ وجَبَ أنْ يُحْكَمَ هَهُنا بِالنِّفاقِ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ كانَ القَلْبُ عارِفًا لَكانَ هَذا الشَّخْصُ مُنافِقًا، فَبِأنْ يَكُونَ مُنافِقًا عِنْدَ التَّقْلِيدِ كانَ أوْلى. القِسْمُ الثّانِي: الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ مَعَ الإنْكارِ اللِّسانِيِّ، ثُمَّ هَذا الإنْكارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَلا شَكَّ في الكُفْرِ، وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا وحَكَمْنا بِإيمانِ المُقَلِّدِ وجَبَ أنْ نَحْكُمَ بِالإيمانِ في هَذِهِ الصُّورَةِ. القِسْمُ الثّالِثُ: الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ مَعَ السُّكُوتِ اضْطِرارِيًّا كانَ أوِ اخْتِيارِيًّا، وحُكْمُهُ حُكْمُ القِسْمِ الثّالِثِ مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ إذا حَكَمْنا بِإيمانِ المُقَلِّدِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: الإنْكارُ القَلْبِيُّ فَإمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ، أوِ الإنْكارُ اللِّسانِيُّ، أوِ السُّكُوتُ. القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ، فَذَلِكَ الإقْرارُ إنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَهو المُنافِقُ وإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهو مِثْلُ أنْ يَعْتَقِدَ بِناءً عَلى شُبْهَةٍ أنَّ العالَمَ قَدِيمٌ ثُمَّ بِالِاخْتِيارِ أقَرَّ بِاللِّسانِ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَعْرِفَ بِالقَلْبِ ثُمَّ يُنْكِرَ بِاللِّسانِ وهو كُفْرُ الجُحُودِ والعِنادِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَجْهَلَ بِالقَلْبِ ثُمَّ يُقِرَّ بِاللِّسانِ ؟ فَهَذا القِسْمُ أيْضًا مِنَ النِّفاقِ. القِسْمُ الثّانِي: أنْ يُوجَدَ الإنْكارُ القَلْبِيُّ ويُوجَدَ الإنْكارُ اللِّسانِيُّ فَهَذا كافِرٌ ولَيْسَ بِمُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ ما أظْهَرَ شَيْئًا بِخِلافِ باطِنِهِ. القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يُوجَدَ الإنْكارُ القَلْبِيُّ مَعَ السُّكُوتِ اللِّسانِيِّ فَهَذا كافِرٌ ولَيْسَ بِمُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ ما أظْهَرَ شَيْئًا. النَّوْعُ الرّابِعُ: القَلْبُ الخالِي عَنْ جَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ فَهَذا إمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ أوِ الإنْكارُ أوِ السُّكُوتُ. القِسْمُ الأوَّلُ: إذا وُجِدَ الإقْرارُ فَهَذا الإقْرارُ إمّا أنْ يَكُونَ اخْتِيارِيًّا أوِ اضْطِرارِيًّا، فَإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا، فَإنْ كانَ صاحِبُهُ في مُهْلَةِ النَّظَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الكُفْرُ، لَكِنَّهُ فَعَلَ ما لا يَجُوزُ حَيْثُ أخْبَرَ عَمّا لا يَدْرِي أنَّهُ هَلْ هو صادِقٌ فِيهِ أمْ لا ؟ وإنْ كانَ لا في مُهْلَةِ النَّظَرِ فَفِيهِ نَظَرٌ، أمّا إذا كانَ اضْطِرارِيًّا لَمْ يَكْفُرْ صاحِبُهُ؛ لِأنَّ تَوَقُّفَهُ إذا كانَ في مُهْلَةِ النَّظَرِ وكانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِن تَرْكِ الإقْرارِ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ قَبِيحًا. القِسْمُ الثّانِي: القَلْبُ الخالِي مَعَ الإنْكارِ بِاللِّسانِ وحُكْمُهُ عَلى العَكْسِ مِن حُكْمِ القِسْمِ العاشِرِ. القِسْمُ الثّالِثُ: القَلْبُ الخالِي مَعَ اللِّسانِ الخالِي، فَهَذا إنْ كانَ في مُهْلَةِ النَّظَرِ فَذاكَ هو الواجِبُ، وإنْ كانَ خارِجًا عَنْ مُهْلَةِ النَّظَرِ وجَبَ تَكْفِيرُهُ ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنِّفاقِ ألْبَتَّةَ، فَهَذِهِ هي الأقْسامُ المُمْكِنَةُ في هَذا البابِ، وقَدْ ظَهَرَ مِنهُ أنَّ النِّفاقَ ما هو، وأنَّهُ الَّذِي لا يُطابِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ سَواءٌ كانَ في باطِنِهِ ما يُضادُّ ما في ظاهِرِهِ أوْ كانَ باطِنُهُ خالِيًا عَمّا يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، وإذْ عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: صفحة ٥٥ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الأصْلِيِّ أقْبَحُ، أمْ كُفْرَ المُنافِقِ ؟ قالَ قَوْمٌ: كُفْرُ الكافِرِ الأصْلِيِّ أقْبَحُ؛ لِأنَّهُ جاهِلٌ بِالقَلْبِ كاذِبٌ بِاللِّسانِ، والمُنافِقُ جاهِلٌ بِالقَلْبِ صادِقٌ بِاللِّسانِ، وقالَ آخَرُونَ بَلِ المُنافِقُ أيْضًا كاذِبٌ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ كَوْنِهِ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٤] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١] ثُمَّ إنَّ المُنافِقَ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ أُمُورٍ مُنْكَرَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَصَدَ التَّلْبِيسَ والكافِرُ الأصْلِيُّ ما قَصَدَ ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ الكافِرَ عَلى طَبْعِ الرِّجالِ، والمُنافِقَ عَلى طَبْعِ الخُنُوثَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكافِرَ ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالكَذِبِ بَلِ اسْتَنْكَفَ مِنهُ ولَمْ يَرْضَ إلّا بِالصِّدْقِ، والمُنافِقُ رَضِيَ بِذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّ المُنافِقَ ضَمَّ إلى كُفْرِهِ الِاسْتِهْزاءَ بِخِلافِ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِأجْلِ غِلَظِ كُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النِّساءِ: ١٤٥] . وخامِسُها: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ في أرْبَعِ آياتٍ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ الكُفّارِ في آيَتَيْنِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ في ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنافِقَ أعْظَمُ جُرْمًا. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ الِاقْتِصاصِ بِخَبَرِهِمْ لا تُوجِبُ كَوْنَ جُرْمِهِمْ أعْظَمَ، فَإنْ عُظِّمَ فَلِغَيْرِ ذَلِكَ، وهو ضَمُّهم إلى الكُفْرِ وُجُوهًا مِنَ المَعاصِي كالمُخادَعَةِ والِاسْتِهْزاءِ، وطَلَبِ الغَوائِلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ كَثْرَةَ الِاقْتِصاصِ بِخَبَرِهِمْ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاهْتِمامَ بِدَفْعِ شَرِّهِمْ أشَدُّ مِنَ الِاهْتِمامِ بِدَفْعِ شَرِّ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ الكُفّارِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وأقَرَّ بِهِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، لِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقالَتِ الكَرّامِيَّةُ: إنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا. الثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ كُلَّ المُكَلَّفِينَ عارِفُونَ بِاللَّهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ بِهِ عارِفًا لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لَوْ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ وقَدْ أقَرُّوا بِهِ لَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إقْرارُهم بِذَلِكَ إيمانًا؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى وأقَرَّ بِهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ غَيْرَ العارِفِ لَوْ كانَ مَعْذُورًا لَما ذَمَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ عَلى عَدَمِ العِرْفانِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن قالَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ مَن لا يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ يَكُونُ مَعْذُورًا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في اشْتِقاقِ لَفْظِ الإنْسانِ وُجُوهًا: أحَدُها: يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سُمِّيَ إنْسانًا؛ لِأنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، وقالَ الشّاعِرُ: سُمِّيتَ إنْسانًا لِأنَّكَ ناسِي . وقالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ: فَيا أكْثَرَ النّاسِ إحْسانًا إلى النّاسِ ∗∗∗ وأكْثَرَ النّاسِ إفْضالًا عَلى النّاسِ نَسِيتُ عَهْدَكَ والنِّسْيانُ مُغْتَفَرٌ ∗∗∗ فاغْفِرْ فَأوَّلُ ناسٍ أوَّلُ النّاسِ وثانِيها: سُمِّيَ إنْسانًا لِاسْتِئْناسِهِ بِمِثْلِهِ. وثالِثُها: قالُوا: الإنْسانُ إنَّما سُمِّيَ إنْسانًا لِظُهُورِهِمْ وأنَّهم يُؤْنِسُونَ أيْ يُبْصِرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ [القَصَصِ: ٢٩] كَمّا سُمِّيَ الجِنُّ لِاجْتِنانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَجِبُ في كُلِّ لَفْظٍ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن شَيْءٍ آخَرَ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى جَعْلِ لَفْظِ الإنْسانِ مُشْتَقًّا مِن شَيْءٍ آخَرَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ صفحة ٥٦ ومُعَتَّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، كانُوا إذا لَقُوا المُؤْمِنِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ والتَّصْدِيقَ ويَقُولُونَ إنّا لَنَجِدُ في كِتابِنا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لَفْظَةُ ”مَن“ لَفْظَةٌ صالِحَةٌ لِلتَّثْنِيَةِ، والجَمْعِ، والواحِدِ. أمّا في الواحِدِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٥] وفي الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يُونُسَ: ٤٢] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَعِنْدَ التَّوْحِيدِ يُرْجَعُ إلى اللَّفْظِ، وعِنْدَ الجَمْعِ يُرْجَعُ إلى المَعْنى، وحَصَلَ الأمْرانِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ﴾ لَفْظُ الواحِدِ و﴿آمَنّا﴾ لَفْظُ الجَمْعِ وبَقِيَ مِن مَباحِثِ الآيَةِ أسْئِلَةٌ. السُّؤالُ الأوَّلُ: المُنافِقُونَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ولَكِنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِمَ كَذَّبَهم في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ؟ . والجَوابُ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى مُنافِقِي المُشْرِكِينَ فَلا إشْكالَ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم كانُوا جاهِلِينَ بِاللَّهِ ومُنْكِرِينَ البَعْثَ والنُّشُورَ، وإنْ حَمَلْناها عَلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ فَإنَّما كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ إيمانَ اليَهُودِ بِاللَّهِ لَيْسَ بِإيمانٍ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَهُ جِسْمًا، وقالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ إيمانُهم بِاليَوْمِ الآخِرِ لَيْسَ بِإيمانٍ، فَلَمّا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ كانَ خُبْثُهم فِيهِ مُضاعَفًا؛ لِأنَّهم كانُوا بِقُلُوبِهِمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الباطِلِ، وبِاللِّسانِ يُوهِمُونَ المُسْلِمِينَ بِهَذا الكَلامِ: إنّا آمَنّا لِلَّهِ مِثْلَ إيمانِكم، فَلِهَذا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلَهم: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ والأوَّلُ في ذِكْرِ شَأْنِ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، والثّانِي في ذِكْرِ شَأْنِ الفاعِلِ لا الفِعْلِ ؟ . والجَوابُ: أنَّ مَن قالَ: فُلانٌ ناظَرَ في المَسْألَةِ الفُلانِيَّةِ، فَلَوْ قُلْتَ إنَّهُ لَمْ يُناظِرْ في تِلْكَ المَسْألَةِ كُنْتَ قَدْ كَذَّبْتَهُ، أمّا لَوْ قُلْتَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّاظِرِينَ كُنْتَ قَدْ بالَغْتَ في تَكْذِيبِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ مِن هَذا الجِنْسِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ ؟ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ فَلَوْ قالَ اللَّهُ ما آمَنُوا كانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهم، أمّا لَمّا قالَ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَكْذِيبِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائِدَةِ: ٣٧] هو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِمْ: وما يَخْرُجُونَ مِنها. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ وهو الأبَدُ الدّائِمُ، الَّذِي لا يَنْقَطِعُ لَهُ أمَدٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ المَحْدُودُ مِنَ النُّشُورِ إلى أنْ تَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ؛ لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ، وما بَعْدَهُ فَلا حَدَّ لَهُ.

البقرة 2:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ أرْبَعَةَ أشْياءَ: أحَدُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أوَّلًا: ما المُخادَعَةُ، ثُمَّ ثانِيًا: ما المُرادُ بِمُخادَعَةِ اللَّهِ ؟ وثالِثًا: أنَّهم لِماذا كانُوا يُخادِعُونَ اللَّهَ ؟ ورابِعًا: أنَّهُ ما المُرادُ بِقَوْلِهِ وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم ؟ صفحة ٥٧ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ الخَدِيعَةَ مَذْمُومَةٌ، والمَذْمُومُ يَجِبُ أنْ يُمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ لِكَيْ لا يُفْعَلَ، وأصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الإخْفاءُ، وسُمِّيَتِ الخِزانَةُ المِخْدَعَ، والأخْدَعانِ عِرْقانِ في العُنُقِ؛ لِأنَّهُما خَفِيّانِ، وقالُوا: خَدَعَ الضَّبُّ خَدْعًا إذا تَوارى في جُحْرِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ إلّا قَلِيلًا، وطَرِيقٌ خَيْدَعٌ وخَدّاعٌ، إذا كانَ مُخالِفًا لِلْمَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يُفْطَنُ لَهُ، ومِنهُ المَخْدَعُ، وأمّا حَدُّها فَهو إظْهارُ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ والسَّدادَ، وإبْطانُ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ والتَّخَلُّصَ مِنهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ النِّفاقِ في الكُفْرِ والرِّياءِ في الأفْعالِ الحَسَنَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِخِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الدِّينُ؛ لِأنَّ الدِّينَ يُوجِبُ الِاسْتِقامَةَ والعُدُولَ عَنِ الغُرُورِ والإساءَةِ، كَما يُوجِبُ المُخالَصَةَ لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، ومِن هَذا الجِنْسِ وصْفُهُمُ المُرائِيَ بِأنَّهُ مُدَلِّسٌ إذا أظْهَرَ خِلافَ مُرادِهِ، ومِنهُ أُخِذَ التَّدْلِيسُ في الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ يُوهِمُ السَّماعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ، وإذا أعْلَنَ ذَلِكَ لا يُقالُ إنَّهُ مُدَلِّسٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم كَيْفَ خادَعُوا اللَّهَ تَعالى ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعَةٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الضَّمائِرَ والسَّرائِرَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخادَعَ؛ لِأنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَوْ أظْهَرُوا أنَّ الباطِنَ بِخِلافِ الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خِداعًا، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ البَواطِنُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُخادَعَ. الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهم في نِفاقِهِمْ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ بِهِ رَسُولَهُ عَلى عادَتِهِ في تَفْخِيمِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وقالَ في عَكْسِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أضافَ السَّهْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ إلى نَفْسِهِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا خادَعُوا الرَّسُولَ قِيلَ إنَّهم خادَعُوا اللَّهَ تَعالى. الثّانِي: أنْ يُقالَ: صُورَةُ حالِهِمْ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم كافِرُونَ صُورَةُ مَن يُخادِعُ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وهم عِنْدَهُ في عِدادِ الكَفَرَةِ صُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ فَأجْرَوْا أحْكامَهُ عَلَيْهِمْ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَهي في بَيانِ الغَرَضِ مِن ذَلِكَ الخِداعِ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يُجْرُونَهم في التَّعْظِيمِ والإكْرامِ مَجْرى سائِرِ المُؤْمِنِينَ إذا أظْهَرُوا لَهُمُ الإيمانَ وإنْ أسَرُّوا خِلافَهُ فَمَقْصُودُهم مِنَ الخِداعِ هَذا. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم إفْشاءَ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهِمْ أسْرارَهُ، وإفْشاءَ المُؤْمِنِينَ أسْرارَهم فَيَنْقُلُونَها إلى أعْدائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ. الثّالِثُ: أنَّهم دَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أحْكامَ الكُفّارِ مِثْلَ القَتْلِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“» . الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَطْمَعُونَ في أمْوالِ الغَنائِمِ، فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُوحِيَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هَتْكًا لِسِتْرِهِمْ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى اسْتِئْصالِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ ولَكِنَّهُ تَعالى أبْقاهم وقَوّاهم، إمّا لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ أوْ لِحِكْمَةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا هو، فَإنْ قِيلَ: هَلْ لِلِاقْتِصارِ بِخادَعْتُ عَلى واحِدٍ وجْهٌ صَحِيحٌ ؟ قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يُقالَ: عَنى بِهِ فَعَلْتُ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ في زِنَةِ فاعَلْتُ؛ لِأنَّ الزِّنَةَ في أصْلِها لِلْمُبالَغَةِ، والفِعْلُ مَتى غُولِبَ فِيهِ فاعِلُهُ جاءَ أبْلَغَ وأحْكَمَ مِنهُ إذا زاوَلَهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ مُغالِبٍ لِزِيادَةِ قُوَّةِ الدّاعِي إلَيْهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ”يَخْدَعُونَ اللَّهَ“ ثُمَّ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ﴾ بَيانًا لِيَقُولُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ ؟ وما نَفْعُهم فِيهِ ؟ فَقِيلَ ﴿يُخادِعُونَ﴾ . صفحة ٥٨ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”وما يُخادِعُونَ“ والباقُونَ ”يَخْدَعُونَ“ وحُجَّةُ الأوَّلِينَ: مُطابَقَةُ اللَّفْظِ حَتّى يَكُونَ مُطابِقًا لِلَّفْظِ الأوَّلِ، وحُجَّةُ الباقِينَ أنَّ المُخادَعَةَ إنَّما تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلا يَكُونُ الإنْسانُ الواحِدُ مُخادِعًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُعاقِبُهم عَلَيْهِ فَلا يَكُونُونَ في الحَقِيقَةِ خادِعِينَ إلّا أنْفُسَهم، عَنِ الحَسَنِ. والثّانِي: ما ذَكَرَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّ وبالَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَدْفَعُ ضَرَرَ خِداعِهِمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ ويَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤، ١٥] ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطّارِقِ: ١٥، ١٦] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٣٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحْزابِ: ٥٧] وبَقِيَ في الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أبْحاثٌ. أحَدُها: قُرِئَ ”وما يُخْدِعُونَ“ مِن أخْدَعَ و”يَخَدِّعُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى يَخْتَدِعُونَ ”ويُخْدَعُونَ“ و”يُخادَعُونَ“ عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وثانِيها: النَّفْسُ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ولا تَخْتَصُّ بِالأجْسامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ ذَواتِهِمْ أنَّ الخِداعَ لا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ. وثالِثُها: أنَّ الشُّعُورَ عِلْمُ الشَّيْءِ إذا حَصَلَ بِالحِسِّ، ومَشاعِرُ الإنْسانِ حَواسُّهُ، والمَعْنى أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ بِهِمْ كالمَحْسُوسِ، لَكِنَّهم لِتَمادِيهِمْ في الغَفْلَةِ كالَّذِي لا يَحُسُّ.