Lafzullah

Tafsir Al-Razi — البقرة 2:10 – البقرة 2:29

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. البقرة 2:10
  2. البقرة 2:11
  3. البقرة 2:12
  4. البقرة 2:13
  5. البقرة 2:14
  6. البقرة 2:15
  7. البقرة 2:16
  8. البقرة 2:17
  9. البقرة 2:18
  10. البقرة 2:19
  11. البقرة 2:20
  12. البقرة 2:21
  13. البقرة 2:22
  14. البقرة 2:23
  15. البقرة 2:24
  16. البقرة 2:25
  17. البقرة 2:26
  18. البقرة 2:27
  19. البقرة 2:28
  20. البقرة 2:29

البقرة 2:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ أرْبَعَةَ أشْياءَ: أحَدُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أوَّلًا: ما المُخادَعَةُ، ثُمَّ ثانِيًا: ما المُرادُ بِمُخادَعَةِ اللَّهِ ؟ وثالِثًا: أنَّهم لِماذا كانُوا يُخادِعُونَ اللَّهَ ؟ ورابِعًا: أنَّهُ ما المُرادُ بِقَوْلِهِ وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم ؟ صفحة ٥٧ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ الخَدِيعَةَ مَذْمُومَةٌ، والمَذْمُومُ يَجِبُ أنْ يُمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ لِكَيْ لا يُفْعَلَ، وأصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الإخْفاءُ، وسُمِّيَتِ الخِزانَةُ المِخْدَعَ، والأخْدَعانِ عِرْقانِ في العُنُقِ؛ لِأنَّهُما خَفِيّانِ، وقالُوا: خَدَعَ الضَّبُّ خَدْعًا إذا تَوارى في جُحْرِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ إلّا قَلِيلًا، وطَرِيقٌ خَيْدَعٌ وخَدّاعٌ، إذا كانَ مُخالِفًا لِلْمَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يُفْطَنُ لَهُ، ومِنهُ المَخْدَعُ، وأمّا حَدُّها فَهو إظْهارُ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ والسَّدادَ، وإبْطانُ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ والتَّخَلُّصَ مِنهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ النِّفاقِ في الكُفْرِ والرِّياءِ في الأفْعالِ الحَسَنَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِخِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الدِّينُ؛ لِأنَّ الدِّينَ يُوجِبُ الِاسْتِقامَةَ والعُدُولَ عَنِ الغُرُورِ والإساءَةِ، كَما يُوجِبُ المُخالَصَةَ لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، ومِن هَذا الجِنْسِ وصْفُهُمُ المُرائِيَ بِأنَّهُ مُدَلِّسٌ إذا أظْهَرَ خِلافَ مُرادِهِ، ومِنهُ أُخِذَ التَّدْلِيسُ في الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ يُوهِمُ السَّماعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ، وإذا أعْلَنَ ذَلِكَ لا يُقالُ إنَّهُ مُدَلِّسٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم كَيْفَ خادَعُوا اللَّهَ تَعالى ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعَةٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الضَّمائِرَ والسَّرائِرَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخادَعَ؛ لِأنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَوْ أظْهَرُوا أنَّ الباطِنَ بِخِلافِ الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خِداعًا، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ البَواطِنُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُخادَعَ. الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهم في نِفاقِهِمْ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ بِهِ رَسُولَهُ عَلى عادَتِهِ في تَفْخِيمِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وقالَ في عَكْسِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أضافَ السَّهْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ إلى نَفْسِهِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا خادَعُوا الرَّسُولَ قِيلَ إنَّهم خادَعُوا اللَّهَ تَعالى. الثّانِي: أنْ يُقالَ: صُورَةُ حالِهِمْ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم كافِرُونَ صُورَةُ مَن يُخادِعُ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وهم عِنْدَهُ في عِدادِ الكَفَرَةِ صُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ فَأجْرَوْا أحْكامَهُ عَلَيْهِمْ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَهي في بَيانِ الغَرَضِ مِن ذَلِكَ الخِداعِ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يُجْرُونَهم في التَّعْظِيمِ والإكْرامِ مَجْرى سائِرِ المُؤْمِنِينَ إذا أظْهَرُوا لَهُمُ الإيمانَ وإنْ أسَرُّوا خِلافَهُ فَمَقْصُودُهم مِنَ الخِداعِ هَذا. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم إفْشاءَ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهِمْ أسْرارَهُ، وإفْشاءَ المُؤْمِنِينَ أسْرارَهم فَيَنْقُلُونَها إلى أعْدائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ. الثّالِثُ: أنَّهم دَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أحْكامَ الكُفّارِ مِثْلَ القَتْلِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“» . الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَطْمَعُونَ في أمْوالِ الغَنائِمِ، فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُوحِيَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هَتْكًا لِسِتْرِهِمْ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى اسْتِئْصالِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ ولَكِنَّهُ تَعالى أبْقاهم وقَوّاهم، إمّا لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ أوْ لِحِكْمَةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا هو، فَإنْ قِيلَ: هَلْ لِلِاقْتِصارِ بِخادَعْتُ عَلى واحِدٍ وجْهٌ صَحِيحٌ ؟ قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يُقالَ: عَنى بِهِ فَعَلْتُ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ في زِنَةِ فاعَلْتُ؛ لِأنَّ الزِّنَةَ في أصْلِها لِلْمُبالَغَةِ، والفِعْلُ مَتى غُولِبَ فِيهِ فاعِلُهُ جاءَ أبْلَغَ وأحْكَمَ مِنهُ إذا زاوَلَهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ مُغالِبٍ لِزِيادَةِ قُوَّةِ الدّاعِي إلَيْهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ”يَخْدَعُونَ اللَّهَ“ ثُمَّ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ﴾ بَيانًا لِيَقُولُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ ؟ وما نَفْعُهم فِيهِ ؟ فَقِيلَ ﴿يُخادِعُونَ﴾ . صفحة ٥٨ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”وما يُخادِعُونَ“ والباقُونَ ”يَخْدَعُونَ“ وحُجَّةُ الأوَّلِينَ: مُطابَقَةُ اللَّفْظِ حَتّى يَكُونَ مُطابِقًا لِلَّفْظِ الأوَّلِ، وحُجَّةُ الباقِينَ أنَّ المُخادَعَةَ إنَّما تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلا يَكُونُ الإنْسانُ الواحِدُ مُخادِعًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُعاقِبُهم عَلَيْهِ فَلا يَكُونُونَ في الحَقِيقَةِ خادِعِينَ إلّا أنْفُسَهم، عَنِ الحَسَنِ. والثّانِي: ما ذَكَرَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّ وبالَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَدْفَعُ ضَرَرَ خِداعِهِمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ ويَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤، ١٥] ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطّارِقِ: ١٥، ١٦] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٣٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحْزابِ: ٥٧] وبَقِيَ في الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أبْحاثٌ. أحَدُها: قُرِئَ ”وما يُخْدِعُونَ“ مِن أخْدَعَ و”يَخَدِّعُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى يَخْتَدِعُونَ ”ويُخْدَعُونَ“ و”يُخادَعُونَ“ عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وثانِيها: النَّفْسُ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ولا تَخْتَصُّ بِالأجْسامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ ذَواتِهِمْ أنَّ الخِداعَ لا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ. وثالِثُها: أنَّ الشُّعُورَ عِلْمُ الشَّيْءِ إذا حَصَلَ بِالحِسِّ، ومَشاعِرُ الإنْسانِ حَواسُّهُ، والمَعْنى أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ بِهِمْ كالمَحْسُوسِ، لَكِنَّهم لِتَمادِيهِمْ في الغَفْلَةِ كالَّذِي لا يَحُسُّ.

البقرة 2:11

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَرَضَ صِفَةٌ تُوجِبُ وُقُوعَ الضَّرَرِ في الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ مَوْضِعِ تِلْكَ الصِّفَةِ، ولَمّا كانَ الأثَرُ الخاصُّ بِالقَلْبِ إنَّما هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ وعُبُودِيَّتَهُ، فَإذا وقَعَ في القَلْبِ مِنَ الصِّفاتِ ما صارَ مانِعًا مِن هَذِهِ الآثارِ كانَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ أمْراضًا لِلْقَلْبِ، فَإنْ قِيلَ: الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَرَضِ هَهُنا الكُفْرَ والجَهْلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ مَحْمُولًا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلْكُفْرِ والجَهْلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ فِعْلَ الكُفْرِ والجَهْلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَلَوْ كانَ المَعْنى ذَلِكَ لَقالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إذا فَعَلَ اللَّهُ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِالإيمانِ ؟ . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ لَجازَ مِنهُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكَذّابِ، فَكانَ لا يَبْقى كَوْنُ القُرْآنِ حُجَّةً، فَكَيْفَ نَتَشاغَلُ بِمَعانِيهِ وتَفْسِيرِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ كَما خَلَقَ لَوْنَهم وطُولَهم، فَأيُّ ذَنْبٍ لَهم حَتّى يُعَذِّبَهم ؟ . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعَلى هَذا وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وأنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ، وأنَّهم إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: يُحْمَلُ المَرَضُ عَلى الغَمِّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ مَرِضَ قَلْبِي مِن أمْرِ كَذا، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهم لَمّا رَأوْا ثَباتَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِعْلاءَ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وذَلِكَ كانَ يُؤَثِّرُ في زَوالِ رِياسَتِهِمْ، كَما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ عَلى حِمارٍ، فَقالَ لَهُ: نَحِّ حِمارَكَ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ آذَتْنِي رِيحُهُ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصارِ: اعْذِرْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ كُنّا عَزَمْنا عَلى أنْ نُتَوِّجَهُ الرِّياسَةَ قَبْلَ أنْ تَقْدَمَ عَلَيْنا»: فَهَؤُلاءِ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الغَمُّ وصَفَ اللَّهُ صفحة ٥٩ تَعالى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهُمُ اللَّهُ غَمًّا عَلى غَمِّهِمْ بِما يَزِيدُ في إعْلاءِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ. الثّانِي: أنَّ مَرَضَهم وكُفْرَهم كانَ يَزْدادُ بِسَبَبِ ازْدِيادِ التَّكالِيفِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] والسُّورَةُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا ازْدادُوا رِجْسًا عِنْدَ نُزُولِها لَمّا كَفَرُوا بِها قِيلَ ذَلِكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] والدُّعاءُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن هَذا، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا فِرارًا عِنْدَهُ، وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَفْتِنْهُ، ولَكِنَّهُ كانَ يَفْتَتِنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَنُسِبَتِ الفِتْنَةُ إلَيْهِ ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] وقَوْلُكَ لِمَن وعَظْتَهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وتَمادى في فَسادِهِ: ما زادَتْكَ مَوْعِظَتِي إلّا شَرًّا، وما زادَتْكَ إلّا فَسادًا فَكَذا هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لَمّا كانُوا كافِرِينَ، ثُمَّ دَعاهُمُ اللَّهُ إلى شَرائِعِ دِينِهِ فَكَفَرُوا بِتِلْكَ الشَّرائِعِ وازْدادُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ كُفْرًا لا جَرَمَ أُضِيفَتْ زِيادَةُ كُفْرِهِمْ إلى اللَّهِ. الثّالِثُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ المَنعُ مِن زِيادَةِ الألْطافِ، فَيَكُونُ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَنعِ خاذِلًا لَهم وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٤] . الرّابِعُ: أنَّ العَرَبَ تَصِفُ فُتُورَ الطَّرْفِ بِالمَرَضِ، فَيَقُولُونَ: جارِيَةٌ مَرِيضَةُ الطَّرْفِ. قالَ جَرِيرٌ: فَإنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِها مَرَضٌ قَتَلْنَنا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلانا فَكَذا المَرَضُ هَهُنا إنَّما هو الفُتُورُ في النِّيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ قُلُوبُهم قَوِيَّةً عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ وإظْهارِ الخُصُومَةِ، ثُمَّ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهم فَأخَذُوا في النِّفاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْفِ والِانْكِسارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهم ذَلِكَ الِانْكِسارَ والجُبْنَ والضَّعْفَ، ولَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الحَشْرِ: ٢] . الخامِسُ: أنْ يُحْمَلَ المَرَضُ عَلى ألَمِ القَلْبِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مُبْتَلًى بِالحَسَدِ والنِّفاقِ ومُشاهَدَةِ المَكْرُوهِ، فَإذا دامَ بِهِ ذَلِكَ فَرُبَّما صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْرِ مِزاجِ القَلْبِ وتَألُّمِهِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ حَمْلٌ لَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَكانَ أوْلى مِن سائِرِ الوُجُوهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ألِمَ فَهو ألِيمٌ، كَوَجِعَ فَهو وجِيعٌ، ووُصِفَ العَذابُ بِهِ فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: جَدَّ جِدُّهُ، والألَمُ في الحَقِيقَةِ لِلْمُؤْلِمِ كَما أنَّ الجِدَّ لِلْجادِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ، أحَدُها: أنَّ الكَذِبَ هو الخَبَرُ عَنْ شَيْءٍ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ والجاحِظُ لا يُسَمِّيهِ كَذِبًا إلّا إذا عَلِمَ المُخْبِرُ كَوْنَ المُخْبِرِ عَنْهُ مُخالِفًا لِلْخَبَرِ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ كَذِبَهم عِلَّةٌ لِلْعَذابِ الألِيمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ كَذِبٍ حَرامًا فَأمّا ما رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَبَ ثَلاثَ كِذْباتٍ، فالمُرادُ التَّعْرِيضُ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الكَذِبِ سُمِّيَ بِهِ. وثالِثُها: في هَذِهِ الآيَةِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ والمُرادُ بِكَذِبِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما﴾ . والثّانِيَةُ: ”يُكَذِّبُونَ“ مِن كَذَّبَهُ الَّذِي هو نَقِيضُ صَدَّقَهُ، ومِن كَذَّبَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في كَذَبَ، كَما بُولِغَ في صَدَقَ فَقِيلَ صَدَّقَ. صفحة ٦٠ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ: مَنِ القائِلُ ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ؟ . وثانِيها: ما الفَسادُ في الأرْضِ ؟ وثالِثُها: مَنِ القائِلُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ؟ ورابِعُها: ما الصَّلاحُ ؟ أمّا المَسْألَةُ الأُولى: فَمِنهم مَن قالَ: ذَلِكَ القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ مَن لا يَخْتَصُّ بِالدِّينِ والنَّصِيحَةِ، وإنْ كانَ الأقْرَبُ هو أنَّ القائِلَ لَهم ذَلِكَ مَن شافَهَهم بِذَلِكَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَهُ عَنْهُمُ النِّفاقُ ولَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَنَصَحَهم فَأجابُوا بِما يُحَقِّقُ إيمانَهم وأنَّهم في الصَّلاحِ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ كانَ لا يَقْبَلُهُ مِنهم وكانَ يَنْقَلِبُ واعِظًا لَهم قائِلًا لَهم: ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ فَإنْ قِيلَ: أفَما كانُوا يُخْبِرُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، إلّا أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا عُوتِبُوا عادُوا إلى إظْهارِ الإسْلامِ والنَّدَمِ وكَذَّبُوا النّاقِلِينَ عَنْهم وحَلَفُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِ، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٤] وقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَسادُ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ونَقِيضُهُ الصَّلاحُ فَأمّا كَوْنُهُ فَسادًا في الأرْضِ فَإنَّهُ يُفِيدُ أمْرًا زائِدًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: أنَّ المُرادَ بِالفَسادِ في الأرْضِ إظْهارُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو أنَّ إظْهارَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما كانَ إفْسادًا في الأرْضِ؛ لِأنَّ الشَّرائِعَ سُنَنٌ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ العِبادِ، فَإذا تَمَسَّكَ الخَلْقُ بِها زالَ العُدْوانُ ولَزِمَ كُلُّ أحَدٍ شَأْنَهُ، فَحُقِنَتِ الدِّماءُ وسَكَنَتِ الفِتَنُ، وكانَ فِيهِ صَلاحُ الأرْضِ وصَلاحُ أهْلِها، أمّا إذا تَرَكُوا التَّمَسُّكَ بِالشَّرائِعِ وأقْدَمَ كُلُّ أحَدٍ عَلى ما يَهْواهُ لَزِمَ الهَرَجُ والمَرَجُ والِاضْطِرابُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] نَبَّهَهم عَلى أنَّهم إذا أعْرَضُوا عَنِ الطّاعَةِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ بِهِ. وثانِيها: أنْ يُقالَ: ذَلِكَ الفَسادُ هو مُداراةُ المُنافِقِينَ لِلْكافِرِينَ ومُخالَطَتُهم مَعَهم؛ لِأنَّهم لَمّا مالُوا إلى الكُفْرِ مَعَ أنَّهم في الظّاهِرِ مُؤْمِنُونَ أوْهَمَ ذَلِكَ ضَعْفَ الرَّسُولِ ﷺ وضَعْفَ أنْصارِهِ، فَكانَ ذَلِكَ يُجَرِّئُ الكَفَرَةَ عَلى إظْهارِ عَداوَةِ الرَّسُولِ ونَصْبِ الحَرْبِ لَهُ وطَمَعِهِمْ في الغَلَبَةِ، وفِيهِ فَسادٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ. وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: كانُوا يَدْعُونَ في السِّرِّ إلى تَكْذِيبِهِ، وجَحْدِ الإسْلامِ، وإلْقاءِ الشُّبَهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ هُمُ المُنافِقُونَ، والأقْرَبُ في مُرادِهِمْ أنْ يَكُونَ نَقِيضًا لِما نُهُوا عَنْهُ، فَلَمّا كانَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ هو الإفْسادَ في الأرْضِ كانَ قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ كالمُقابِلِ لَهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا في دِينِهِمْ أنَّهُ هو الصَّوابُ، صفحة ٦١ وكانَ سَعْيُهم لِأجْلِ تَقْوِيَةِ ذَلِكَ الدِّينِ، لا جَرَمَ قالُوا: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ لِأنَّهم في اعْتِقادِهِمْ ما سَعَوْا إلّا لِتَطْهِيرِ وجْهِ الأرْضِ عَنِ الفَسادِ. وثانِيهِما: أنّا إذا فَسَّرْنا ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ بِمُداراةِ المُنافِقِينَ لِلْكُفّارِ فَقَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّ هَذِهِ المُداراةَ سَعْيٌ في الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النِّساءِ: ٦٢] فَقَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أيْ نَحْنُ نُصْلِحُ أُمُورَ أنْفُسِنا. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن أظْهَرَ الإيمانَ وجَبَ إجْراءُ حُكْمِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ، وتَجْوِيزُ خِلافِهِ لا يَطْعَنُ فِيهِ، وتَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ مَقْبُولَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ فَخارِجٌ عَلى وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّهم مُفْسِدُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ فَسادٌ في الأرْضِ، إذْ فِيهِ كُفْرانُ نِعْمَةِ اللَّهِ، وإقْدامُ كُلِّ أحَدٍ عَلى ما يَهْواهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَعْتَقِدُ وُجُودَ الإلَهِ ولا يَرْجُو ثَوابًا ولا عِقابًا تَهارَجَ النّاسُ، ومِن هَذا ثَبَتَ أنَّ النِّفاقَ فَسادٌ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

البقرة 2:12

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَرَضَ صِفَةٌ تُوجِبُ وُقُوعَ الضَّرَرِ في الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ مَوْضِعِ تِلْكَ الصِّفَةِ، ولَمّا كانَ الأثَرُ الخاصُّ بِالقَلْبِ إنَّما هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ وعُبُودِيَّتَهُ، فَإذا وقَعَ في القَلْبِ مِنَ الصِّفاتِ ما صارَ مانِعًا مِن هَذِهِ الآثارِ كانَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ أمْراضًا لِلْقَلْبِ، فَإنْ قِيلَ: الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَرَضِ هَهُنا الكُفْرَ والجَهْلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ مَحْمُولًا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلْكُفْرِ والجَهْلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ فِعْلَ الكُفْرِ والجَهْلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَلَوْ كانَ المَعْنى ذَلِكَ لَقالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إذا فَعَلَ اللَّهُ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِالإيمانِ ؟ . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ لَجازَ مِنهُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكَذّابِ، فَكانَ لا يَبْقى كَوْنُ القُرْآنِ حُجَّةً، فَكَيْفَ نَتَشاغَلُ بِمَعانِيهِ وتَفْسِيرِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ كَما خَلَقَ لَوْنَهم وطُولَهم، فَأيُّ ذَنْبٍ لَهم حَتّى يُعَذِّبَهم ؟ . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعَلى هَذا وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وأنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ، وأنَّهم إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: يُحْمَلُ المَرَضُ عَلى الغَمِّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ مَرِضَ قَلْبِي مِن أمْرِ كَذا، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهم لَمّا رَأوْا ثَباتَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِعْلاءَ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وذَلِكَ كانَ يُؤَثِّرُ في زَوالِ رِياسَتِهِمْ، كَما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ عَلى حِمارٍ، فَقالَ لَهُ: نَحِّ حِمارَكَ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ آذَتْنِي رِيحُهُ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصارِ: اعْذِرْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ كُنّا عَزَمْنا عَلى أنْ نُتَوِّجَهُ الرِّياسَةَ قَبْلَ أنْ تَقْدَمَ عَلَيْنا»: فَهَؤُلاءِ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الغَمُّ وصَفَ اللَّهُ صفحة ٥٩ تَعالى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهُمُ اللَّهُ غَمًّا عَلى غَمِّهِمْ بِما يَزِيدُ في إعْلاءِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ. الثّانِي: أنَّ مَرَضَهم وكُفْرَهم كانَ يَزْدادُ بِسَبَبِ ازْدِيادِ التَّكالِيفِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] والسُّورَةُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا ازْدادُوا رِجْسًا عِنْدَ نُزُولِها لَمّا كَفَرُوا بِها قِيلَ ذَلِكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] والدُّعاءُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن هَذا، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا فِرارًا عِنْدَهُ، وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَفْتِنْهُ، ولَكِنَّهُ كانَ يَفْتَتِنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَنُسِبَتِ الفِتْنَةُ إلَيْهِ ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] وقَوْلُكَ لِمَن وعَظْتَهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وتَمادى في فَسادِهِ: ما زادَتْكَ مَوْعِظَتِي إلّا شَرًّا، وما زادَتْكَ إلّا فَسادًا فَكَذا هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لَمّا كانُوا كافِرِينَ، ثُمَّ دَعاهُمُ اللَّهُ إلى شَرائِعِ دِينِهِ فَكَفَرُوا بِتِلْكَ الشَّرائِعِ وازْدادُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ كُفْرًا لا جَرَمَ أُضِيفَتْ زِيادَةُ كُفْرِهِمْ إلى اللَّهِ. الثّالِثُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ المَنعُ مِن زِيادَةِ الألْطافِ، فَيَكُونُ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَنعِ خاذِلًا لَهم وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٤] . الرّابِعُ: أنَّ العَرَبَ تَصِفُ فُتُورَ الطَّرْفِ بِالمَرَضِ، فَيَقُولُونَ: جارِيَةٌ مَرِيضَةُ الطَّرْفِ. قالَ جَرِيرٌ: فَإنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِها مَرَضٌ قَتَلْنَنا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلانا فَكَذا المَرَضُ هَهُنا إنَّما هو الفُتُورُ في النِّيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ قُلُوبُهم قَوِيَّةً عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ وإظْهارِ الخُصُومَةِ، ثُمَّ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهم فَأخَذُوا في النِّفاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْفِ والِانْكِسارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهم ذَلِكَ الِانْكِسارَ والجُبْنَ والضَّعْفَ، ولَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الحَشْرِ: ٢] . الخامِسُ: أنْ يُحْمَلَ المَرَضُ عَلى ألَمِ القَلْبِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مُبْتَلًى بِالحَسَدِ والنِّفاقِ ومُشاهَدَةِ المَكْرُوهِ، فَإذا دامَ بِهِ ذَلِكَ فَرُبَّما صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْرِ مِزاجِ القَلْبِ وتَألُّمِهِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ حَمْلٌ لَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَكانَ أوْلى مِن سائِرِ الوُجُوهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ألِمَ فَهو ألِيمٌ، كَوَجِعَ فَهو وجِيعٌ، ووُصِفَ العَذابُ بِهِ فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: جَدَّ جِدُّهُ، والألَمُ في الحَقِيقَةِ لِلْمُؤْلِمِ كَما أنَّ الجِدَّ لِلْجادِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ، أحَدُها: أنَّ الكَذِبَ هو الخَبَرُ عَنْ شَيْءٍ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ والجاحِظُ لا يُسَمِّيهِ كَذِبًا إلّا إذا عَلِمَ المُخْبِرُ كَوْنَ المُخْبِرِ عَنْهُ مُخالِفًا لِلْخَبَرِ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ كَذِبَهم عِلَّةٌ لِلْعَذابِ الألِيمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ كَذِبٍ حَرامًا فَأمّا ما رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَبَ ثَلاثَ كِذْباتٍ، فالمُرادُ التَّعْرِيضُ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الكَذِبِ سُمِّيَ بِهِ. وثالِثُها: في هَذِهِ الآيَةِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ والمُرادُ بِكَذِبِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما﴾ . والثّانِيَةُ: ”يُكَذِّبُونَ“ مِن كَذَّبَهُ الَّذِي هو نَقِيضُ صَدَّقَهُ، ومِن كَذَّبَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في كَذَبَ، كَما بُولِغَ في صَدَقَ فَقِيلَ صَدَّقَ. صفحة ٦٠ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ: مَنِ القائِلُ ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ؟ . وثانِيها: ما الفَسادُ في الأرْضِ ؟ وثالِثُها: مَنِ القائِلُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ؟ ورابِعُها: ما الصَّلاحُ ؟ أمّا المَسْألَةُ الأُولى: فَمِنهم مَن قالَ: ذَلِكَ القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ مَن لا يَخْتَصُّ بِالدِّينِ والنَّصِيحَةِ، وإنْ كانَ الأقْرَبُ هو أنَّ القائِلَ لَهم ذَلِكَ مَن شافَهَهم بِذَلِكَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَهُ عَنْهُمُ النِّفاقُ ولَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَنَصَحَهم فَأجابُوا بِما يُحَقِّقُ إيمانَهم وأنَّهم في الصَّلاحِ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ كانَ لا يَقْبَلُهُ مِنهم وكانَ يَنْقَلِبُ واعِظًا لَهم قائِلًا لَهم: ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ فَإنْ قِيلَ: أفَما كانُوا يُخْبِرُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، إلّا أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا عُوتِبُوا عادُوا إلى إظْهارِ الإسْلامِ والنَّدَمِ وكَذَّبُوا النّاقِلِينَ عَنْهم وحَلَفُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِ، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٤] وقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَسادُ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ونَقِيضُهُ الصَّلاحُ فَأمّا كَوْنُهُ فَسادًا في الأرْضِ فَإنَّهُ يُفِيدُ أمْرًا زائِدًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: أنَّ المُرادَ بِالفَسادِ في الأرْضِ إظْهارُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو أنَّ إظْهارَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما كانَ إفْسادًا في الأرْضِ؛ لِأنَّ الشَّرائِعَ سُنَنٌ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ العِبادِ، فَإذا تَمَسَّكَ الخَلْقُ بِها زالَ العُدْوانُ ولَزِمَ كُلُّ أحَدٍ شَأْنَهُ، فَحُقِنَتِ الدِّماءُ وسَكَنَتِ الفِتَنُ، وكانَ فِيهِ صَلاحُ الأرْضِ وصَلاحُ أهْلِها، أمّا إذا تَرَكُوا التَّمَسُّكَ بِالشَّرائِعِ وأقْدَمَ كُلُّ أحَدٍ عَلى ما يَهْواهُ لَزِمَ الهَرَجُ والمَرَجُ والِاضْطِرابُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] نَبَّهَهم عَلى أنَّهم إذا أعْرَضُوا عَنِ الطّاعَةِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ بِهِ. وثانِيها: أنْ يُقالَ: ذَلِكَ الفَسادُ هو مُداراةُ المُنافِقِينَ لِلْكافِرِينَ ومُخالَطَتُهم مَعَهم؛ لِأنَّهم لَمّا مالُوا إلى الكُفْرِ مَعَ أنَّهم في الظّاهِرِ مُؤْمِنُونَ أوْهَمَ ذَلِكَ ضَعْفَ الرَّسُولِ ﷺ وضَعْفَ أنْصارِهِ، فَكانَ ذَلِكَ يُجَرِّئُ الكَفَرَةَ عَلى إظْهارِ عَداوَةِ الرَّسُولِ ونَصْبِ الحَرْبِ لَهُ وطَمَعِهِمْ في الغَلَبَةِ، وفِيهِ فَسادٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ. وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: كانُوا يَدْعُونَ في السِّرِّ إلى تَكْذِيبِهِ، وجَحْدِ الإسْلامِ، وإلْقاءِ الشُّبَهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ هُمُ المُنافِقُونَ، والأقْرَبُ في مُرادِهِمْ أنْ يَكُونَ نَقِيضًا لِما نُهُوا عَنْهُ، فَلَمّا كانَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ هو الإفْسادَ في الأرْضِ كانَ قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ كالمُقابِلِ لَهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا في دِينِهِمْ أنَّهُ هو الصَّوابُ، صفحة ٦١ وكانَ سَعْيُهم لِأجْلِ تَقْوِيَةِ ذَلِكَ الدِّينِ، لا جَرَمَ قالُوا: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ لِأنَّهم في اعْتِقادِهِمْ ما سَعَوْا إلّا لِتَطْهِيرِ وجْهِ الأرْضِ عَنِ الفَسادِ. وثانِيهِما: أنّا إذا فَسَّرْنا ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ بِمُداراةِ المُنافِقِينَ لِلْكُفّارِ فَقَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّ هَذِهِ المُداراةَ سَعْيٌ في الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النِّساءِ: ٦٢] فَقَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أيْ نَحْنُ نُصْلِحُ أُمُورَ أنْفُسِنا. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن أظْهَرَ الإيمانَ وجَبَ إجْراءُ حُكْمِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ، وتَجْوِيزُ خِلافِهِ لا يَطْعَنُ فِيهِ، وتَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ مَقْبُولَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ فَخارِجٌ عَلى وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّهم مُفْسِدُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ فَسادٌ في الأرْضِ، إذْ فِيهِ كُفْرانُ نِعْمَةِ اللَّهِ، وإقْدامُ كُلِّ أحَدٍ عَلى ما يَهْواهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَعْتَقِدُ وُجُودَ الإلَهِ ولا يَرْجُو ثَوابًا ولا عِقابًا تَهارَجَ النّاسُ، ومِن هَذا ثَبَتَ أنَّ النِّفاقَ فَسادٌ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

البقرة 2:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ أمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: أوَّلُهُما: تَرْكُ ما لا يَنْبَغِي وهو قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ”وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا“ أيْ إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ بَعِيدًا عَنِ النِّفاقِ، ولِقائِلٍ أنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإقْرارِ إيمانٌ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا لَما تَحَقَّقَ مُسَمّى الإيمانِ إلّا إذا حَصَلَ فِيهِ الإخْلاصُ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ كافِيًا في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، وكانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ لَغْوًا، والجَوابُ: أنَّ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ الإخْلاصُ، أمّا في الظّاهِرِ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِإقْرارِ الظّاهِرِ فَلا جَرَمَ افْتَقَرَ فِيهِ إلى تَأْكِيدِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللّامُ في ﴿النّاسُ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْعَهْدِ أيْ كَما آمَنَ رَسُولُ اللَّهِ ومَن مَعَهُ، وهم ناسٌ مَعْهُودُونَ، أوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأشْياعُهُ؛ لِأنَّهم مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ، والثّانِي: أنَّها لِلْجِنْسِ ثُمَّ هَهُنا أيْضًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ أكْثَرُهم كانُوا مُسْلِمِينَ، وهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كانُوا مِنهم وكانُوا قَلِيلِينَ، ولَفْظُ العُمُومِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الأكْثَرِ. والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أعْطَوُا الإنْسانِيَّةَ حَقَّها؛ لِأنَّ فَضِيلَةَ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِالعَقْلِ المُرْشِدِ والفِكْرِ الهادِي. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا﴾ إمّا الرَّسُولُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ كانَ بَعْضُهم يَقُولُ صفحة ٦٢ لِبَعْضٍ: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ سَفِيهُ بَنِي فُلانٍ وسَفِيهُ بَنِي فُلانٍ، والرَّسُولُ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: السَّفَهُ الخِفَّةُ يُقالُ: سَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إذا حَرَّكَتْهُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَجَرَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِياحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ الرَّواسِمِ وقالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ: فَسَفِيهُ الرُّمْحِ جاهِلُهُ إذا ما ∗∗∗ بَدا فَضْلُ السَّفِيهِ عَلى الحَلِيمِ أرادَ بِهِ سَرِيعَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ خَفِيفَهُ، وإنَّما قِيلَ لِبَذِيءِ اللِّسانِ سَفِيهٌ؛ لِأنَّهُ خَفِيفٌ لا رَزانَةَ لَهُ وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النِّساءِ: ٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”شارِبُ الخَمْرِ سَفِيهٌ“» لِقِلَّةِ عَقْلِهِ، وإنَّما سَمّى المُنافِقُونَ المُسْلِمِينَ بِالسُّفَهاءِ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مِن أهْلِ الخَطَرِ والرِّياسَةِ، وأكْثَرُ المُؤْمِنِينَ كانُوا فَقُراءَ، وكانَ عِنْدَ المُنافِقِينَ أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ باطِلٌ، والباطِلُ لا يَقْبَلُهُ إلّا السَّفِيهُ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ نَسَبُوهم إلى السَّفاهَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَبَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبَ، وقَوْلُهُ الحَقُّ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ الدَّلِيلِ ثُمَّ نَسَبَ المُتَمَسِّكَ بِهِ إلى السَّفاهَةِ فَهو السَّفِيهُ. وثانِيها: أنَّ مَن باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ فَهو السَّفِيهُ. وثالِثُها: أنَّ مَن عادى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ عادى اللَّهَ، وذَلِكَ هو السَّفِيهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيما قَبْلَها: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الوُقُوفَ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ أمْرٌ عَقْلِيٌّ نَظَرِيٌّ، وأمّا أنَّ النِّفاقَ وما فِيهِ مِنَ البَغْيِ يُفْضِي إلى الفَسادِ في الأرْضِ فَضَرُورِيٌّ جارٍ مَجْرى المَحْسُوسِ. الثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ السَّفَهَ وهو جَهْلٌ، فَكانَ ذِكْرُ العِلْمِ أحْسَنَ طِباقًا لَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، يُقالُ: لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ إذا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: ”وإذا لاقَوْا“ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ فالمُرادُ أخْلَصْنا بِالقَلْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ كانَ مَعْلُومًا مِنهم فَما كانُوا يَحْتاجُونَ إلى بَيانِهِ، إنَّما المَشْكُوكُ فِيهِ هو الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم مِن هَذا الكَلامِ ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ”آمَنّا“ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى نَقِيضِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ لِشَياطِينِهِمْ، وإذا كانُوا يُظْهِرُونَ لَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالقَلْبِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم فِيما ذَكَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ صفحة ٦٣ التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ، إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”خَلا“ بِمَعْنى مَضى، ومِنهُ القُرُونُ الخالِيَةُ، ومِن ”خَلَوْتُ بِهِ“ إذا سَخِرْتَ مِنهُ، مِن قَوْلِكَ: ”خَلا فُلانٌ بِعِرْضِ فُلانٍ“ أيْ: يَعْبَثُ بِهِ، ومَعْناهُ أنَّهم أنْهَوُا السُّخْرِيَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى شَياطِينِهِمْ وحَدَّثُوهم بِها كَما تَقُولُ: أحْمَدُ إلَيْكَ فُلانًا وأذُمُّهُ إلَيْكَ. وأمّا شَياطِينُهم فَهُمُ الَّذِينَ ماثَلُوا الشَّياطِينَ في تَمَرُّدِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذا القائِلُ أهَمَّ كُلَّ المُنافِقِينَ أوْ بَعْضَهم. الجَوابُ: في هَذا خِلافٌ؛ لِأنَّ مَن يَحْمِلُ الشَّياطِينَ عَلى كِبارِ المُنافِقِينَ يَحْمِلُ هَذا القَوْلَ عَلى أنَّهُ مِن صِغارِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا وإذا عادُوا إلى أكابِرِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا فِيهِمُ المُبايَنَةَ، ومَن يَقُولُ في الشَّياطِينِ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ لَمْ يَمْنَعْ إضافَةَ هَذا القَوْلِ إلى كُلِّ المُنافِقِينَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِشَياطِينِهِمْ أكابِرُهم، وهم إمّا الكُفّارُ وإمّا أكابِرُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ، وأمّا أصاغِرُهم فَلا. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كانَتْ مُخاطَبَتُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وشَياطِينَهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُحَقَّقَةً بِـ”إنَّ“ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ ما خاطَبُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ جَدِيرًا بِأقْوى الكَلامَيْنِ؛ لِأنَّهم كانُوا في ادِّعاءِ حُدُوثِ الإيمانِ مِنهم لا في ادِّعاءِ أنَّهم في الدَّرَجَةِ الكامِلَةِ مِنهُ، إمّا لِأنَّ أنْفُسَهم لا تُساعِدُهم عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الصّادِرَ عَنِ النِّفاقِ والكَراهَةِ قَلَّما يَحْصُلُ مَعَهُ المُبالَغَةُ، وإمّا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ ادِّعاءَ الكَمالِ في الإيمانِ لا يَرُوجُ عَلى المُسْلِمِينَ، وأمّا كَلامُهم مَعَ إخْوانِهِمْ فَهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ وعَلِمُوا أنَّ المُسْتَمِعِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنهم، فَلا جَرَمَ كانَ التَّأْكِيدُ لائِقًا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ، السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الِاسْتِهْزاءُ ؟ الجَوابُ: أصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو العَدْوُ السَّرِيعِ، وهَزَأ يَهْزَأُ ماتَ عَلى مَكانِهِ، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ، وحَدُّهُ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ مُوافَقَةٍ مَعَ إبْطانِ ما يَجْرِي مَجْرى السُّوءِ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، فَعَلى هَذا قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي نُظْهِرُ لَهُمُ المُوافَقَةَ عَلى دِينِهِمْ لِنَأْمَنَ شَرَّهم ونَقِفَ عَلى أسْرارِهِمْ، ونَأْخُذَ مِن صَدَقاتِهِمْ وغَنائِمِهِمْ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: هو تَوْكِيدٌ لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ مَعْناهُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رَدٌّ لِلْإسْلامِ، ورَدُّ نَقِيضِ الشَّيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَباتِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن حَقَّرَ الإسْلامَ فَقَدْ عَظَّمَ الكُفْرَ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ حِينَ قالُوا: إنّا مَعَكم، فَقالُوا إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُوافِقُونَ أهْلَ الإسْلامِ ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ أجابَهم بِأشْياءَ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وفِيهِ أسْئِلَةٌ. السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّلْبِيسِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ؛ ولِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الجَهْلِ، لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٧] والجَهْلُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. والجَوابُ: ذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ جَزاءٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ سَمّاهُ بِالِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ يُسَمّى بِاسْمِ ذَلِكَ صفحة ٦٤ الشَّيْءِ قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٤] ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا هَجانِي وهو يَعْلَمُ أنِّي لَسْتُ بِشاعِرٍ فاهْجُهُ، اللَّهُمَّ والعَنْهُ عَدَدَ ما هَجانِي“» أيِ اجْزِهِ جَزاءَ هِجائِهِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”تَكَلَّفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا“» . وثانِيها: أنَّ ضَرَرَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ راجِعٌ عَلَيْهِمْ وغَيْرُ ضارٍّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَيَصِيرُ كَأنَّ اللَّهَ اسْتَهْزَأ بِهِمْ. وثالِثُها: أنَّ مِن آثارِ الِاسْتِهْزاءِ حُصُولُ الهَوانِ والحَقارَةِ فَذَكَرَ الِاسْتِهْزاءَ، والمُرادُ حُصُولُ الهَوانِ لَهم تَعْبِيرًا بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ. ورابِعُها: أنَّ اسْتِهْزاءَ اللَّهِ بِهِمْ أنْ يُظْهِرَ لَهم مِن أحْكامِهِ في الدُّنْيا ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ خِلافُها في الآخِرَةِ، كَما أنَّهم أظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ أمْرًا مَعَ أنَّ الحاصِلَ مِنهم في السِّرِّ خِلافُهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أظْهَرَ لَهم أحْكامَ الدُّنْيا فَقَدْ أظْهَرَ الأدِلَّةَ الواضِحَةَ بِما يُعامَلُونَ بِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ مِن سُوءِ المُنْقَلَبِ والعِقابِ العَظِيمِ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِما أظْهَرُهُ في الدُّنْيا. وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهُ تَعالى أطْلَعَ الرَّسُولَ عَلى أسْرارِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا يُبالِغُونَ في إخْفائِها عَنْهُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا دَخَلَ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ، والكافِرُونَ النّارَ فَتَحَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ بابًا عَلى الجَحِيمِ في المَوْضِعِ الَّذِي هو مَسْكَنُ المُنافِقِينَ، فَإذا رَأى المُنافِقُونَ البابَ مَفْتُوحًا أخَذُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الجَحِيمِ ويَتَوَجَّهُونَ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ الجَنَّةِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، فَإذا وصَلُوا إلى بابِ الجَنَّةِ فَهُناكَ يُغْلَقُ دُونَهُمُ البابُ، فَذاكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣٤] فَهَذا هو الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ ابْتَدَأ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ولَمْ يَعْطِفْ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ . الجَوابُ: هو اسْتِئْنافٌ في غايَةِ الجَزالَةِ والفَخامَةِ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَهْزِئُ بِهِمِ اسْتِهْزاءَ العَظِيمِ الَّذِي يَصِيرُ اسْتِهْزاؤُهم في مُقابَلَتِهِ كالعَدَمِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى الِاسْتِهْزاءَ بِهِمُ انْتِقامًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ولا يُحْوِجُ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يُعارِضُوهم بِاسْتِهْزاءٍ مِثْلِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمْ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ ”يَسْتَهْزِئُ“ يُفِيدُ حُدُوثَ الِاسْتِهْزاءِ وتَجَدُّدَهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، وهَذا كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٦] وأيْضًا فَما كانُوا يَخْلُونَ في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ مِن تَهَتُّكِ أسْتارٍ وتَكَشُّفِ أسْرارٍ واسْتِشْعارِ حَذَرٍ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ آيَةٌ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . الجَوابُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ مِن مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ إذا زادَهُ وألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ ويُكَثِّرُهُ، وكَذَلِكَ مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها زادَها ما يُصْلِحُها، ومَدَدْتُ السِّراجَ والأرْضَ إذا أصْلَحْتَهُما بِالزَّيْتِ والسَّمادِ، ومَدَّهُ الشَّيْطانُ في الغَيِّ، وأمَدَّهُ إذا واصَلَهُ بِالوَسْواسِ، ومَدَّ وأمَدَّ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ بَعْضُهم: مَدَّ يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وأمَدَّ في الخَيْرِ قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٥] ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ مِنَ المَدِّ في العُمْرِ والإمْلاءِ والإمْهالِ وهَذا خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صفحة ٦٥ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ ”ونَمُدُّهم“ وقِراءَةُ نافِعٍ (وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ) [الأعْرافِ: ٢٠٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ المَدَدِ دُونَ المَدِّ. الثّانِي: أنَّ الَّذِي بِمَعْنى أمْهَلَهُ إنَّما هو مَدَّ لَهُ، كَأمْلى لَهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها لِوُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أضافَ ذَلِكَ الغَيَّ إلى إخْوانِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى؟ . وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهم عَلى هَذا الطُّغْيانِ فَلَوْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلَيْهِ؟ . وثالِثُها: لَوْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَبَطَلَتِ النُّبُوَّةُ وبَطَلَ القُرْآنُ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِتَفْسِيرِهِ عَبَثًا. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الطُّغْيانَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ”في طُغْيانِهِمْ“ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لَما أضافَهُ إلَيْهِمْ، فَظَهَرَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أضافَهُ إلَيْهِمْ لِيُعْرَفَ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ خالِقٍ لِذَلِكَ، ومِصْداقُهُ أنَّهُ حِينَ أسْنَدَ المَدَّ إلى الشَّياطِينِ أطْلَقَ الغَيَّ ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: التَّأْوِيلُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو تَأْوِيلُ الكَعْبِيِّ وأبِي مُسْلِمِ بْنِ يَحْيى الأصْفَهانِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَحَهم ألْطافَهُ الَّتِي يَمْنَحُها المُؤْمِنِينَ وخَذَلَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ بَقِيَتْ قُلُوبُهم مُظْلِمَةً بِتَزايُدِ الظُّلْمَةِ فِيها وتَزايُدِ النُّورِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ فَسَمّى ذَلِكَ التَّزايُدَ مَدَدًا وأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ فِعْلِهِ بِهِمْ. وثانِيها: أنْ يُحْمَلَ عَلى مَنعِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما قِيلَ: إنَّ السَّفِيهَ إذا لَمْ يُنْهَ فَهو مَأْمُورٌ. وثالِثُها: أنْ يُسْنَدَ فِعْلُ الشَّيْطانِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِتَمْكِينِهِ وإقْدارِهِ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إغْواءِ عِبادِهِ. ورابِعًا: ما قالَهُ الجُبّائِيُّ فَإنَّهُ قالَ ويَمُدُّهم أيْ يَمُدُّ عُمْرَهم ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِما تَبَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ في اللُّغَةِ تَفْسِيرُ ويَمُدُّهم بِالمَدِّ في العُمْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَمُدُّ عُمْرَهم لِغَرَضِ أنْ يَكُونُوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وذَلِكَ يُفِيدُ الإشْكالَ. أجابَ القاضِي عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَمُدُّ عُمْرَهم لِغَرَضِ أنْ يَكُونُوا في الطُّغْيانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُبْقِيهِمْ ويَلْطُفُ بِهِمْ في الطّاعَةِ فَيَأْبَوْنَ إلّا أنْ يَعْمَهُوا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذا البابِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ الطُّغْيانَ هو الغُلُوُّ في الكُفْرِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في العُتُوِّ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقَّةِ: ١١] أيْ جاوَزَ قَدْرَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] أيْ أسْرَفَ وتَجاوَزَ الحَدَّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (فِي طِغْيانِهِمْ) بِالكَسْرِ وهُما لُغَتانِ كَلُقْيانٍ ولِقْيانٍ، والعَمَهُ مِثْلُ العَمى إلّا أنَّ العَمى عامٌّ في البَصَرِ والرَّأْيِ والعَمَهَ في الرَّأْيِ خاصَّةً، وهو التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ لا يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ.

البقرة 2:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، يُقالُ: لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ إذا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: ”وإذا لاقَوْا“ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ فالمُرادُ أخْلَصْنا بِالقَلْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ كانَ مَعْلُومًا مِنهم فَما كانُوا يَحْتاجُونَ إلى بَيانِهِ، إنَّما المَشْكُوكُ فِيهِ هو الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم مِن هَذا الكَلامِ ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ”آمَنّا“ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى نَقِيضِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ لِشَياطِينِهِمْ، وإذا كانُوا يُظْهِرُونَ لَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالقَلْبِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم فِيما ذَكَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ صفحة ٦٣ التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ، إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”خَلا“ بِمَعْنى مَضى، ومِنهُ القُرُونُ الخالِيَةُ، ومِن ”خَلَوْتُ بِهِ“ إذا سَخِرْتَ مِنهُ، مِن قَوْلِكَ: ”خَلا فُلانٌ بِعِرْضِ فُلانٍ“ أيْ: يَعْبَثُ بِهِ، ومَعْناهُ أنَّهم أنْهَوُا السُّخْرِيَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى شَياطِينِهِمْ وحَدَّثُوهم بِها كَما تَقُولُ: أحْمَدُ إلَيْكَ فُلانًا وأذُمُّهُ إلَيْكَ. وأمّا شَياطِينُهم فَهُمُ الَّذِينَ ماثَلُوا الشَّياطِينَ في تَمَرُّدِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذا القائِلُ أهَمَّ كُلَّ المُنافِقِينَ أوْ بَعْضَهم. الجَوابُ: في هَذا خِلافٌ؛ لِأنَّ مَن يَحْمِلُ الشَّياطِينَ عَلى كِبارِ المُنافِقِينَ يَحْمِلُ هَذا القَوْلَ عَلى أنَّهُ مِن صِغارِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا وإذا عادُوا إلى أكابِرِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا فِيهِمُ المُبايَنَةَ، ومَن يَقُولُ في الشَّياطِينِ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ لَمْ يَمْنَعْ إضافَةَ هَذا القَوْلِ إلى كُلِّ المُنافِقِينَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِشَياطِينِهِمْ أكابِرُهم، وهم إمّا الكُفّارُ وإمّا أكابِرُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ، وأمّا أصاغِرُهم فَلا. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كانَتْ مُخاطَبَتُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وشَياطِينَهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُحَقَّقَةً بِـ”إنَّ“ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ ما خاطَبُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ جَدِيرًا بِأقْوى الكَلامَيْنِ؛ لِأنَّهم كانُوا في ادِّعاءِ حُدُوثِ الإيمانِ مِنهم لا في ادِّعاءِ أنَّهم في الدَّرَجَةِ الكامِلَةِ مِنهُ، إمّا لِأنَّ أنْفُسَهم لا تُساعِدُهم عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الصّادِرَ عَنِ النِّفاقِ والكَراهَةِ قَلَّما يَحْصُلُ مَعَهُ المُبالَغَةُ، وإمّا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ ادِّعاءَ الكَمالِ في الإيمانِ لا يَرُوجُ عَلى المُسْلِمِينَ، وأمّا كَلامُهم مَعَ إخْوانِهِمْ فَهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ وعَلِمُوا أنَّ المُسْتَمِعِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنهم، فَلا جَرَمَ كانَ التَّأْكِيدُ لائِقًا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ، السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الِاسْتِهْزاءُ ؟ الجَوابُ: أصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو العَدْوُ السَّرِيعِ، وهَزَأ يَهْزَأُ ماتَ عَلى مَكانِهِ، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ، وحَدُّهُ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ مُوافَقَةٍ مَعَ إبْطانِ ما يَجْرِي مَجْرى السُّوءِ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، فَعَلى هَذا قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي نُظْهِرُ لَهُمُ المُوافَقَةَ عَلى دِينِهِمْ لِنَأْمَنَ شَرَّهم ونَقِفَ عَلى أسْرارِهِمْ، ونَأْخُذَ مِن صَدَقاتِهِمْ وغَنائِمِهِمْ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: هو تَوْكِيدٌ لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ مَعْناهُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رَدٌّ لِلْإسْلامِ، ورَدُّ نَقِيضِ الشَّيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَباتِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن حَقَّرَ الإسْلامَ فَقَدْ عَظَّمَ الكُفْرَ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ حِينَ قالُوا: إنّا مَعَكم، فَقالُوا إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُوافِقُونَ أهْلَ الإسْلامِ ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ أجابَهم بِأشْياءَ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وفِيهِ أسْئِلَةٌ. السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّلْبِيسِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ؛ ولِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الجَهْلِ، لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٧] والجَهْلُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. والجَوابُ: ذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ جَزاءٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ سَمّاهُ بِالِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ يُسَمّى بِاسْمِ ذَلِكَ صفحة ٦٤ الشَّيْءِ قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٤] ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا هَجانِي وهو يَعْلَمُ أنِّي لَسْتُ بِشاعِرٍ فاهْجُهُ، اللَّهُمَّ والعَنْهُ عَدَدَ ما هَجانِي“» أيِ اجْزِهِ جَزاءَ هِجائِهِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”تَكَلَّفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا“» . وثانِيها: أنَّ ضَرَرَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ راجِعٌ عَلَيْهِمْ وغَيْرُ ضارٍّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَيَصِيرُ كَأنَّ اللَّهَ اسْتَهْزَأ بِهِمْ. وثالِثُها: أنَّ مِن آثارِ الِاسْتِهْزاءِ حُصُولُ الهَوانِ والحَقارَةِ فَذَكَرَ الِاسْتِهْزاءَ، والمُرادُ حُصُولُ الهَوانِ لَهم تَعْبِيرًا بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ. ورابِعُها: أنَّ اسْتِهْزاءَ اللَّهِ بِهِمْ أنْ يُظْهِرَ لَهم مِن أحْكامِهِ في الدُّنْيا ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ خِلافُها في الآخِرَةِ، كَما أنَّهم أظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ أمْرًا مَعَ أنَّ الحاصِلَ مِنهم في السِّرِّ خِلافُهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أظْهَرَ لَهم أحْكامَ الدُّنْيا فَقَدْ أظْهَرَ الأدِلَّةَ الواضِحَةَ بِما يُعامَلُونَ بِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ مِن سُوءِ المُنْقَلَبِ والعِقابِ العَظِيمِ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِما أظْهَرُهُ في الدُّنْيا. وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهُ تَعالى أطْلَعَ الرَّسُولَ عَلى أسْرارِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا يُبالِغُونَ في إخْفائِها عَنْهُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا دَخَلَ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ، والكافِرُونَ النّارَ فَتَحَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ بابًا عَلى الجَحِيمِ في المَوْضِعِ الَّذِي هو مَسْكَنُ المُنافِقِينَ، فَإذا رَأى المُنافِقُونَ البابَ مَفْتُوحًا أخَذُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الجَحِيمِ ويَتَوَجَّهُونَ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ الجَنَّةِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، فَإذا وصَلُوا إلى بابِ الجَنَّةِ فَهُناكَ يُغْلَقُ دُونَهُمُ البابُ، فَذاكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣٤] فَهَذا هو الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ ابْتَدَأ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ولَمْ يَعْطِفْ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ . الجَوابُ: هو اسْتِئْنافٌ في غايَةِ الجَزالَةِ والفَخامَةِ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَهْزِئُ بِهِمِ اسْتِهْزاءَ العَظِيمِ الَّذِي يَصِيرُ اسْتِهْزاؤُهم في مُقابَلَتِهِ كالعَدَمِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى الِاسْتِهْزاءَ بِهِمُ انْتِقامًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ولا يُحْوِجُ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يُعارِضُوهم بِاسْتِهْزاءٍ مِثْلِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمْ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ ”يَسْتَهْزِئُ“ يُفِيدُ حُدُوثَ الِاسْتِهْزاءِ وتَجَدُّدَهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، وهَذا كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٦] وأيْضًا فَما كانُوا يَخْلُونَ في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ مِن تَهَتُّكِ أسْتارٍ وتَكَشُّفِ أسْرارٍ واسْتِشْعارِ حَذَرٍ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ آيَةٌ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . الجَوابُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ مِن مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ إذا زادَهُ وألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ ويُكَثِّرُهُ، وكَذَلِكَ مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها زادَها ما يُصْلِحُها، ومَدَدْتُ السِّراجَ والأرْضَ إذا أصْلَحْتَهُما بِالزَّيْتِ والسَّمادِ، ومَدَّهُ الشَّيْطانُ في الغَيِّ، وأمَدَّهُ إذا واصَلَهُ بِالوَسْواسِ، ومَدَّ وأمَدَّ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ بَعْضُهم: مَدَّ يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وأمَدَّ في الخَيْرِ قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٥] ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ مِنَ المَدِّ في العُمْرِ والإمْلاءِ والإمْهالِ وهَذا خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صفحة ٦٥ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ ”ونَمُدُّهم“ وقِراءَةُ نافِعٍ (وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ) [الأعْرافِ: ٢٠٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ المَدَدِ دُونَ المَدِّ. الثّانِي: أنَّ الَّذِي بِمَعْنى أمْهَلَهُ إنَّما هو مَدَّ لَهُ، كَأمْلى لَهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها لِوُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أضافَ ذَلِكَ الغَيَّ إلى إخْوانِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى؟ . وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهم عَلى هَذا الطُّغْيانِ فَلَوْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلَيْهِ؟ . وثالِثُها: لَوْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَبَطَلَتِ النُّبُوَّةُ وبَطَلَ القُرْآنُ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِتَفْسِيرِهِ عَبَثًا. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الطُّغْيانَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ”في طُغْيانِهِمْ“ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لَما أضافَهُ إلَيْهِمْ، فَظَهَرَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أضافَهُ إلَيْهِمْ لِيُعْرَفَ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ خالِقٍ لِذَلِكَ، ومِصْداقُهُ أنَّهُ حِينَ أسْنَدَ المَدَّ إلى الشَّياطِينِ أطْلَقَ الغَيَّ ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: التَّأْوِيلُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو تَأْوِيلُ الكَعْبِيِّ وأبِي مُسْلِمِ بْنِ يَحْيى الأصْفَهانِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَحَهم ألْطافَهُ الَّتِي يَمْنَحُها المُؤْمِنِينَ وخَذَلَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ بَقِيَتْ قُلُوبُهم مُظْلِمَةً بِتَزايُدِ الظُّلْمَةِ فِيها وتَزايُدِ النُّورِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ فَسَمّى ذَلِكَ التَّزايُدَ مَدَدًا وأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ فِعْلِهِ بِهِمْ. وثانِيها: أنْ يُحْمَلَ عَلى مَنعِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما قِيلَ: إنَّ السَّفِيهَ إذا لَمْ يُنْهَ فَهو مَأْمُورٌ. وثالِثُها: أنْ يُسْنَدَ فِعْلُ الشَّيْطانِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِتَمْكِينِهِ وإقْدارِهِ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إغْواءِ عِبادِهِ. ورابِعًا: ما قالَهُ الجُبّائِيُّ فَإنَّهُ قالَ ويَمُدُّهم أيْ يَمُدُّ عُمْرَهم ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لِما تَبَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ في اللُّغَةِ تَفْسِيرُ ويَمُدُّهم بِالمَدِّ في العُمْرِ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَمُدُّ عُمْرَهم لِغَرَضِ أنْ يَكُونُوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وذَلِكَ يُفِيدُ الإشْكالَ. أجابَ القاضِي عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَمُدُّ عُمْرَهم لِغَرَضِ أنْ يَكُونُوا في الطُّغْيانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُبْقِيهِمْ ويَلْطُفُ بِهِمْ في الطّاعَةِ فَيَأْبَوْنَ إلّا أنْ يَعْمَهُوا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذا البابِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ الطُّغْيانَ هو الغُلُوُّ في الكُفْرِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في العُتُوِّ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقَّةِ: ١١] أيْ جاوَزَ قَدْرَهُ، وقالَ: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] أيْ أسْرَفَ وتَجاوَزَ الحَدَّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (فِي طِغْيانِهِمْ) بِالكَسْرِ وهُما لُغَتانِ كَلُقْيانٍ ولِقْيانٍ، والعَمَهُ مِثْلُ العَمى إلّا أنَّ العَمى عامٌّ في البَصَرِ والرَّأْيِ والعَمَهَ في الرَّأْيِ خاصَّةً، وهو التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ لا يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ.

البقرة 2:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ اشْتِراءَ الضَّلالَةِ بِالهُدى اخْتِيارُها عَلَيْهِ واسْتِبْدالُها بِهِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى وما كانُوا عَلى هُدًى قُلْنا جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ كَأنَّهُ في أيْدِيهِمْ فَإذا تَرَكُوهُ ومالُوا إلى الضَّلالَةِ فَقَدِ اسْتَبْدَلُوها بِهِ، صفحة ٦٦ والضَّلالَةُ الجَوْرُ والخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ وفَقْدُ الِاهْتِداءِ، فاسْتُعِيرَ لِلذَّهابِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهم ما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ أُسْنِدَ الخُسْرانُ إلى التِّجارَةِ وهو لِأصْحابِها ؟ الجَوابُ: هو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى شَيْءٍ يَتَلَبَّسُ بِالَّذِي هو في الحَقِيقَةِ لَهُ كَما تَلَبَّسَتِ التِّجارَةُ بِالمُشْتَرِي. السُّؤالُ الثّانِي: هَبْ أنَّ شِراءَ الضَّلالَةِ بِالهُدى وقَعَ مَجازًا في مَعْنى الِاسْتِبْدالِ فَما مَعْنى ذِكْرِ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ وما كانَ ثَمَّ مُبايَعَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ؟ والجَوابُ: هَذا مِمّا يُقَوِّي أمْرَ المَجازِ ويُحَسِّنُهُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ولَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي لَمّا شَبَّهَ الشَّيْبَ بِالنَّسْرِ، والشَّعْرَ الفاحِمَ بِالغُرابِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ التَّعْشِيشِ والوَكْرِ، فَكَذا هَهُنا لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الشِّراءَ أتْبَعَهُ ما يُشاكِلُهُ ويُواخِيهِ، تَمْثِيلًا لِخَسارَتِهِمْ وتَصْوِيرًا لِحَقِيقَتِهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي تَطْلُبُهُ التُّجّارُ في مُتَصَرَّفاتِهِمْ أمْرانِ: سَلامَةُ رَأْسِ المالِ والرِّبْحِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أضاعُوا الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ رَأْسَ مالِهِمْ هو العَقْلُ الخالِي عَنِ المانِعِ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ صارَتْ تِلْكَ العَقائِدُ الفاسِدَةُ الكَسْبِيَّةُ مانِعَةً مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ العَقائِدِ الحَقَّةِ. وقالَ قَتادَةُ: انْتَقَلُوا مِنَ الهُدى إلى الضَّلالَةِ، ومِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، ومِنَ الجَماعَةِ إلى التَّفْرِقَةِ ومِنَ الأمْنِ إلى الخَوْفِ، ومِنَ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا قَبْلَ الخَوْضِ في تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ نَتَكَلَّمُ في شَيْئَيْنِ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ أنَّها تُؤَثِّرُ في القُلُوبِ ما لا يُؤَثِّرُهُ وصْفُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ المَثَلِ تَشْبِيهُ الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائِبِ بِالشّاهِدِ، فَيَتَأكَّدُ الوُقُوفُ عَلى ماهِيَّتِهِ، ويَصِيرُ الحِسُّ مُطابِقًا لِلْعَقْلِ وذَلِكَ في نِهايَةِ الإيضاحِ، ألا تَرى أنَّ التَّرْغِيبَ إذا وقَعَ في الإيمانِ مُجَرَّدًا عَنْ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهُ لَمْ يَتَأكَّدْ وُقُوعُهُ في القَلْبِ كَما يَتَأكَّدُ وُقُوعُهُ إذا مُثِّلَ بِالنُّورِ، وإذا زَهِدَ في الكُفْرِ بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَمْ يَتَأكَّدْ قُبْحُهُ في العُقُولِ كَما يَتَأكَّدُ إذا مُثِّلَ بِالظُّلْمَةِ، وإذا أخْبَرَ بِضَعْفِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وضَرَبَ مَثَلَهُ بِنَسْجِ العَنْكَبُوتِ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَقْرِيرِ صُورَتِهِ مِنَ الإخْبارِ بِضَعْفِهِ مُجَرَّدًا، ولِهَذا أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ وفي سائِرِ كُتُبِهِ أمْثالَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٣] ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُورَةُ الأمْثالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ في أصْلِ كَلامِهِمْ بِمَعْنى المِثْلِ وهو النَّظِيرُ، ويُقالُ مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ، وشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. صفحة ٦٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حَقِيقَةَ صِفاتِ المُنافِقِينَ عَقَّبَها بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ زِيادَةً في الكَشْفِ والبَيانِ. أحَدُهُما: هَذا المَثَلُ وفِيهِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنْ يُقالَ: ما وجْهُ التَّمْثِيلِ بِمَن أُعْطِيَ نُورًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ النُّورُ مِنهُ مَعَ أنَّ المُنافِقَ لَيْسَ لَهُ نُورٌ؟ . وثانِيها: أنْ يُقالَ: إنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ قَلِيلًا فَقَدِ انْتَفَعَ بِها وبِنُورِها ثُمَّ حُرِمَ، فَأمّا المُنافِقُونَ فَلا انْتِفاعَ لَهم ألْبَتَّةَ بِالإيمانِ فَما وجْهُ التَّمْثِيلِ ؟ . وثالِثُها: أنَّ مُسْتَوْقِدَ النّارِ قَدِ اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ النُّورَ، واللَّهُ تَعالى ذَهَبَ بِنُورِهِ وتَرَكَهُ في الظُّلُماتِ، والمُنافِقُ لَمْ يَكْتَسِبْ خَيْرًا وما حَصَلَ لَهُ مِنَ الخَيْبَةِ والحَيْرَةِ فَقَدْ أتى فِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَما وجْهُ التَّشْبِيهِ ؟ . والجَوابُ: أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى المَدِينَةِ ثُمَّ إنَّهم نافَقُوا، والتَّشْبِيهُ هَهُنا في نِهايَةِ الصِّحَّةِ؛ لِأنَّهم بِإيمانِهِمْ أوَّلًا اكْتَسَبُوا نُورًا ثُمَّ بِنِفاقِهِمْ ثانِيًا أبْطَلُوا ذَلِكَ النُّورَ ووَقَعُوا في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَإنَّهُ لا حَيْرَةَ أعْظَمُ مِن حَيْرَةِ الدِّينِ؛ لِأنَّ المُتَحَيِّرَ في طَرِيقِهِ لِأجْلِ الظُّلْمَةِ لا يَخْسَرُ إلّا القَلِيلَ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا المُتَحَيِّرُ في الدِّينِ فَإنَّهُ يَخْسَرُ نَفْسَهُ في الآخِرَةِ أبَدَ الآبِدِينَ. وثانِيها: إنْ لَمْ يَصِحَّ ما قالَهُ السُّدِّيُّ بَلْ كانُوا مُنافِقِينَ أبَدًا مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ فَهَهُنا تَأْوِيلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنَّهم لَمّا أظْهَرُوا الإسْلامَ فَقَدْ ظَفِرُوا بِحَقْنِ دِمائِهِمْ وسَلامَةِ أمْوالِهِمْ عَنِ الغَنِيمَةِ وأوْلادِهِمْ عَنِ السَّبْيِ وظَفِرُوا بِغَنائِمِ الجِهادِ وسائِرِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ، وعُدَّ ذَلِكَ نُورًا مِن أنْوارِ الإيمانِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ بِالإضافَةِ إلى العَذابِ الدّائِمِ قَلِيلًا قَدَّرْتَ شَبَهَهم بِمُسْتَوْقِدِ النّارِ الَّذِي انْتَفَعَ بِضَوْئِها قَلِيلًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ فَدامَتْ حَيْرَتُهُ وحَسْرَتُهُ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي جاءَتْهُ في أعْقابِ النُّورِ، فَكانَ يَسِيرُ انْتِفاعُهم في الدُّنْيا يُشْبِهُ النُّورَ، وعَظِيمُ ضَرَرِهِمْ في الآخِرَةِ يُشْبِهُ الظُّلْمَةَ. وثالِثُها: أنْ نَقُولَ: لَيْسَ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ لِلْمُنافِقِ نُورًا، بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ بِهَذا المُسْتَوْقِدِ أنَّهُ لَمّا زالَ النُّورُ عَنْهُ تَحَيَّرَ، والتَّحَيُّرُ فِيمَن كانَ في نُورٍ ثُمَّ زالَ عَنْهُ أشَدُّ مِن تَحَيُّرِ سالِكِ الطَّرِيقِ في ظُلْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النُّورَ في مُسْتَوْقِدِ النّارِ لِكَيْ يَصِحَّ أنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ، لا أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ مَجْمَعُ النُّورِ والظُّلْمَةِ. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أظْهَرُوهُ يُوهِمُ أنَّهُ مِن بابِ النُّورِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وذَهابُ النُّورِ هو ما يُظْهِرُهُ لِأصْحابِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا قالَ إنَّ المَثَلَ إنَّما عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ فالنّارُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ: ”آمَنّا“ وذَهابُهُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ لِلْكُفّارِ: ”إنّا مَعَكم“ فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ صارَ ما يُظْهِرُهُ المُنافِقُ مِن كَلِمَةِ الإيمانِ مَثَلًا بِالنُّورِ وهو حِينَ تَكَلَّمَ بِها أضْمَرَ خِلافَها ؟ قُلْنا إنَّهُ لَوْ ضَمَّ إلى القَوْلِ اعْتِقادًا لَهُ وعَمَلًا بِهِ لَأتَمَّ النُّورَ لِنَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَتِمَّ نُورُهُ، وإنَّما سَمّى مُجَرَّدَ ذَلِكَ القَوْلِ نُورًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ. وخامِسُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِيقادُ النّارِ عِبارَةً عَنْ إظْهارِ المُنافِقِ كَلِمَةَ الإيمانِ وإنَّما سَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ يَتَزَيَّنُ بِهِ ظاهِرُهُ فِيهِمْ ويَصِيرُ مَمْدُوحًا بِسَبَبِهِ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُذْهِبُ ذَلِكَ النُّورَ بِهَتْكِ سِتْرِ المُنافِقِ بِتَعْرِيفِ نَبِيِّهِ والمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَظْهَرُ لَهُ اسْمُ النِّفاقِ بَدَلَ ما يَظْهَرُ مِنهُ مِنَ اسْمِ الإيمانِ فَبَقِيَ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ، إذِ النُّورُ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلُ قَدْ كَشَفَ اللَّهُ أمْرَهُ فَزالَ. وسادِسُها: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذا التَّمْثِيلِ لِيُمَثِّلَ هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالنّارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، والضَّلالَةَ الَّتِي اشْتَرَوْها وطُبِعَ بِها عَلى قُلُوبِهِمْ بِذَهابِ اللَّهِ بِنُورِهِمْ وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُّلُماتِ. وسابِعُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَوْقِدُ هَهُنا مُسْتَوْقِدَ نارٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى، والغَرَضُ تَشْبِيهُ الفِتْنَةِ الَّتِي حاوَلَ المُنافِقُونَ إثارَتَها بِهَذِهِ النّارِ، فَإنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي كانُوا يُثِيرُونَها كانَتْ قَلِيلَةَ البَقاءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] . وثامِنُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ صفحة ٦٨ وانْتِظارِهِمْ لِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتِفْتاحِهِمْ بِهِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، فَلَمّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ فَكانَ انْتِظارُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ كَإيقادِ النّارِ، وكُفْرُهم بِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ كَزَوالِ ذَلِكَ النُّورِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَأمّا تَشْبِيهُ الإيمانِ بِالنُّورِ والكُفْرِ بِالظُّلْمَةِ فَهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّ النُّورَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في كَوْنِهِ هادِيًا إلى المَحَجَّةِ وإلى طَرِيقِ المَنفَعَةِ وإزالَةِ الحَيْرَةِ، وهَذا حالُ الإيمانِ في بابِ الدِّينِ، فَشَبَّهَ ما هو النِّهايَةُ في إزالَةِ الحَيْرَةِ ووِجْدانِ المَنفَعَةِ في بابِ الدِّينِ بِما هو الغايَةُ في بابِ الدُّنْيا، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَشْبِيهِ الكُفْرِ بِالظُّلْمَةِ؛ لِأنَّ الضّالَّ عَنِ الطَّرِيقِ المُحْتاجِ إلى سُلُوكِهِ لا يَرِدُ عَلَيْهِ مِن أسْبابِ الحِرْمانِ والتَّحَيُّرِ أعْظَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ، ولا شَيْءَ كَذَلِكَ في بابِ الدِّينِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ، فَشَبَّهَ تَعالى أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَهَذا هو الكَلامُ فِيما هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَتْ هَهُنا أسْئِلَةٌ وأجْوِبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعَلُّقِ بِالتَّفاصِيلِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ مَثَلِهِمْ بِمَثَلِ المُسْتَوْقِدِ، فَما مَثَلُ المُنافِقِينَ ومَثَلُ المُسْتَوْقِدِ حَتّى شَبَّهَ أحَدَهُما بِالآخَرِ ؟ . والجَوابُ: اسْتُعِيرَ المَثَلُ لِلْقِصَّةِ أوْ لِلصِّفَةِ إذا كانَ لَها شَأْنٌ وفِيها غَرابَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: قِصَّتُهُمُ العَجِيبَةُ كَقِصَّةِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] أيْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنَ العَجائِبِ قِصَّةُ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النَّحْلِ: ٦٠] أيِ الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالَةِ، ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] أيْ وصْفُهم وشَأْنُهُمُ المُتَعَجَّبُ مِنهُ، ولِما في المَثَلِ مِن مَعْنى الغَرابَةِ قالُوا: فُلانٌ مَثَلُهُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، فاشْتَقُّوا مِنهُ صِفَةً لِلْعَجِيبِ الشَّأْنِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ مُثِّلَتِ الجَماعَةُ بِالواحِدِ ؟ . والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ في اللُّغَةِ وضْعُ ”الَّذِي“ مَوْضِعَ ”الَّذِينَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٩] وإنَّما جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ”الَّذِي“ لِكَوْنِهِ وصْلَةً إلى وصْفِ كُلِّ مَعْرِفَةٍ مُجْمَلَةٍ، وكَثْرَةِ وُقُوعِهِ في كَلامِهِمْ، ولِكَوْنِهِ مُسْتَطالًا بِصِلَتِهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّخْفِيفِ، ولِذَلِكَ أعَلُّوهُ بِالحَذْفِ فَحَذَفُوا ياءَهُ ثُمَّ كَسَرْتَهُ ثُمَّ اقْتَصَرُوا فِيهِ عَلى اللّامِ وحْدَها في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَ المُسْتَوْقِدِينَ أوْ أُرِيدَ الجَمْعُ أوِ الفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا. وثالِثُها: وهو الأقْوى: أنَّ المُنافِقِينَ وذَواتِهِمْ لَمْ يُشَبَّهُوا بِذاتِ المُسْتَوْقِدِ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ تَشْبِيهُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وإنَّما شُبِّهَتْ قِصَّتُهم بِقِصَّةِ المُسْتَوْقِدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] . ورابِعُها: المَعْنى: ومَثَلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧] أيْ يُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الوُقُودُ ؟ وما النّارُ ؟ وما الإضاءَةُ ؟ وما النُّورُ ؟ ما الظُّلْمَةُ ؟ . الجَوابُ: أمّا وُقُودُ النّارِ فَهو سُطُوعُها وارْتِفاعُ لَهَبِها، وأمّا النّارُ فَهو جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ، حارٌّ مُحْرِقٌ، واشْتِقاقُها مِن ”نارَ يَنُورُ“ إذا نَفَرَ؛ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا، والنُّورُ مُشْتَقٌّ مِنها وهو ضَوْؤُها، والمَنارُ العَلامَةُ، والمَنارَةُ هي الشَّيْءُ الَّذِي يُؤَذَّنُ عَلَيْهِ. ويُقالُ أيْضًا لِلشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ السِّراجُ عَلَيْهِ، ومِنهُ النُّورَةُ لِأنَّها تُطَهِّرُ البَدَنَ والإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ، ومِصْداقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] و”أضاءَ“ يَرِدُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، تَقُولُ: أضاءَ القَمَرُ الظُّلْمَةَ، وأضاءَ القَمَرُ بِمَعْنى اسْتَضاءَ، قالَ الشّاعِرُ: صفحة ٦٩ أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَمَ الجِزْعَ ثاقِبُهُ وأمّا ما حَوْلَ الشَّيْءِ فَهو الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ، تَقُولُ دارَ حَوْلَهُ وحَوالَيْهِ، والحَوْلُ السَّنَةُ لِأنَّها تَحُولُ، وحالَ عَنِ العَهْدِ أيْ تَغَيَّرَ، وحالَ لَوْنُهُ أيْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، والحَوالَةُ انْقِلابُ الحَقِّ مِن شَخْصٍ إلى شَخْصٍ، والمُحاوَلَةُ طَلَبُ الفِعْلِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ طالِبًا لَهُ، والحَوَلُ انْقِلابُ العَيْنِ، والحِوَلُ الِانْقِلابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٨] والظُّلْمَةُ عَدَمُ النُّورِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَنِيرَ، والظُّلْمَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ النُّقْصانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٣] أيْ لَمْ تَنْقُصْ وفي المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ، أيْ فَما نَقَصَ حَقَّ الشَّبَهِ، والظُّلْمُ الثَّلْجُ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِصُ سَرِيعًا، والظُّلْمُ ماءُ السِّنِّ وطَراوَتُهُ وبَياضُهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالثَّلْجِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: أضاءَتْ مُتَعَدِّيَةٌ أمْ لا ؟ الجَوابُ: كِلاهُما جائِزٌ، يُقالُ: أضاءَتِ النّارُ بِنَفْسِها وأضاءَتْ غَيْرَها، وكَذَلِكَ أظْلَمَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ وأظْلَمَ غَيْرَهُ أيْ صَيَّرَهُ مُظْلِمًا، وهَهُنا الأقْرَبُ أنَّها مُتَعَدِّيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ مُسْتَنِدَةً إلى ما حَوْلَهُ والتَّأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ أماكِنُ وأشْياءُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ”ضاءَ“ . السُّؤالُ الخامِسُ: هَلّا قِيلَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ؟ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾ ؟ الجَوابُ: ذِكْرُ النُّورِ أبْلَغُ؛ لِأنَّ الضَّوْءَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الزِّيادَةِ، فَلَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ لَأوْهَمَ ذَهابَ الكَمالِ وبَقاءَ ما يُسَمّى نُورًا، والغَرَضُ إزالَةُ النُّورِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى كَيْفَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ والظُّلْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، وكَيْفَ جَمَعَها؟ وكَيْفَ نَكَّرَها؟ وكَيْفَ أتْبَعَها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ ؟ . السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ قالَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهم ؟ والجَوابُ: الفَرْقُ بَيْنَ أذْهَبَ وذَهَبَ بِهِ أنَّ مَعْنى أذْهَبَهُ أزالَهُ وجَعَلَهُ ذاهِبًا، ويُقالُ: ذَهَبَ بِهِ إذا اسْتَصْحَبَهُ، ومَعْنى بِهِ مَعَهُ، وذَهَبَ السُّلْطانُ بِمالِهِ أخَذَهُ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ١٥] ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩١] والمَعْنى أخَذَ اللَّهُ نُورَهم وأمْسَكَهُ ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطِرٍ: ٢] فَهو أبْلَغُ مِنَ الإذْهابِ وقَرَأ اليَمانِيُّ ”أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهم“ . السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى [وتَرَكَهُمْ] ؟ والجَوابُ: تَرَكَ إذا عُلِّقَ بِواحِدٍ فَهو بِمَعْنى طَرَحَ، وإذا عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَجْرِي مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ أصْلُهُ هم في ظُلُماتٍ ثُمَّ دَخَلَ ”تَرَكَ“ فَنَصَبَتِ الجُزْأيْنِ. السُّؤالُ الثّامِنُ: لِمَ حُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مِن لا يُبْصِرُونَ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ مِن قَبِيلِ المَتْرُوكِ الَّذِي لا يُلْتَفَتُ إلى إخْطارِهِ بِالبالِ، لا مِن قَبِيلِ المُقَدَّرِ المَنوِيِّ، كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ أصْلًا. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ صفحة ٧٠ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِمْ أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ ويَنْطِقُونَ ويُبْصِرُونَ امْتَنَعَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَشْبِيهُ حالِهِمْ لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِالعِنادِ، وإعْراضِهِمْ عَمّا يَطْرُقُ سَمْعَهم مِنَ القُرْآنِ، وما يُظْهِرُهُ الرَّسُولُ مِنَ الأدِلَّةِ والآياتِ بِمَن هو أصَمُّ في الحَقِيقَةِ فَلا يَسْمَعُ، وإذا لَمْ يَسْمَعْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الجَوابِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ الأبْكَمِ، وإذا لَمْ يَنْتَفِعْ بِالأدِلَّةِ ولَمْ يُبْصِرْ طَرِيقَ الرُّشْدِ فَهو بِمَنزِلَةِ الأعْمى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو التَّمَسُّكُ بِالنِّفاقِ الَّذِي لِأجْلِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَصارَ ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى نِفاقِهِمْ أبَدًا. وثانِيها: أنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الهُدى بَعْدَ أنْ باعُوهُ، وعَنِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنِ اشْتَرَوْها. وثالِثُها: أرادَ أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا خامِدِينَ في مَكانِهِمْ لا يَبْرَحُونَ، ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ؟ وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى حَيْثُ ابْتَدَءُوا مِنهُ ؟ .

البقرة 2:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا قَبْلَ الخَوْضِ في تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ نَتَكَلَّمُ في شَيْئَيْنِ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ أنَّها تُؤَثِّرُ في القُلُوبِ ما لا يُؤَثِّرُهُ وصْفُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ المَثَلِ تَشْبِيهُ الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائِبِ بِالشّاهِدِ، فَيَتَأكَّدُ الوُقُوفُ عَلى ماهِيَّتِهِ، ويَصِيرُ الحِسُّ مُطابِقًا لِلْعَقْلِ وذَلِكَ في نِهايَةِ الإيضاحِ، ألا تَرى أنَّ التَّرْغِيبَ إذا وقَعَ في الإيمانِ مُجَرَّدًا عَنْ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهُ لَمْ يَتَأكَّدْ وُقُوعُهُ في القَلْبِ كَما يَتَأكَّدُ وُقُوعُهُ إذا مُثِّلَ بِالنُّورِ، وإذا زَهِدَ في الكُفْرِ بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَمْ يَتَأكَّدْ قُبْحُهُ في العُقُولِ كَما يَتَأكَّدُ إذا مُثِّلَ بِالظُّلْمَةِ، وإذا أخْبَرَ بِضَعْفِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وضَرَبَ مَثَلَهُ بِنَسْجِ العَنْكَبُوتِ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَقْرِيرِ صُورَتِهِ مِنَ الإخْبارِ بِضَعْفِهِ مُجَرَّدًا، ولِهَذا أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ وفي سائِرِ كُتُبِهِ أمْثالَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٣] ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُورَةُ الأمْثالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ في أصْلِ كَلامِهِمْ بِمَعْنى المِثْلِ وهو النَّظِيرُ، ويُقالُ مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ، وشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. صفحة ٦٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حَقِيقَةَ صِفاتِ المُنافِقِينَ عَقَّبَها بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ زِيادَةً في الكَشْفِ والبَيانِ. أحَدُهُما: هَذا المَثَلُ وفِيهِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنْ يُقالَ: ما وجْهُ التَّمْثِيلِ بِمَن أُعْطِيَ نُورًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ النُّورُ مِنهُ مَعَ أنَّ المُنافِقَ لَيْسَ لَهُ نُورٌ؟ . وثانِيها: أنْ يُقالَ: إنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ قَلِيلًا فَقَدِ انْتَفَعَ بِها وبِنُورِها ثُمَّ حُرِمَ، فَأمّا المُنافِقُونَ فَلا انْتِفاعَ لَهم ألْبَتَّةَ بِالإيمانِ فَما وجْهُ التَّمْثِيلِ ؟ . وثالِثُها: أنَّ مُسْتَوْقِدَ النّارِ قَدِ اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ النُّورَ، واللَّهُ تَعالى ذَهَبَ بِنُورِهِ وتَرَكَهُ في الظُّلُماتِ، والمُنافِقُ لَمْ يَكْتَسِبْ خَيْرًا وما حَصَلَ لَهُ مِنَ الخَيْبَةِ والحَيْرَةِ فَقَدْ أتى فِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَما وجْهُ التَّشْبِيهِ ؟ . والجَوابُ: أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى المَدِينَةِ ثُمَّ إنَّهم نافَقُوا، والتَّشْبِيهُ هَهُنا في نِهايَةِ الصِّحَّةِ؛ لِأنَّهم بِإيمانِهِمْ أوَّلًا اكْتَسَبُوا نُورًا ثُمَّ بِنِفاقِهِمْ ثانِيًا أبْطَلُوا ذَلِكَ النُّورَ ووَقَعُوا في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَإنَّهُ لا حَيْرَةَ أعْظَمُ مِن حَيْرَةِ الدِّينِ؛ لِأنَّ المُتَحَيِّرَ في طَرِيقِهِ لِأجْلِ الظُّلْمَةِ لا يَخْسَرُ إلّا القَلِيلَ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا المُتَحَيِّرُ في الدِّينِ فَإنَّهُ يَخْسَرُ نَفْسَهُ في الآخِرَةِ أبَدَ الآبِدِينَ. وثانِيها: إنْ لَمْ يَصِحَّ ما قالَهُ السُّدِّيُّ بَلْ كانُوا مُنافِقِينَ أبَدًا مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ فَهَهُنا تَأْوِيلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنَّهم لَمّا أظْهَرُوا الإسْلامَ فَقَدْ ظَفِرُوا بِحَقْنِ دِمائِهِمْ وسَلامَةِ أمْوالِهِمْ عَنِ الغَنِيمَةِ وأوْلادِهِمْ عَنِ السَّبْيِ وظَفِرُوا بِغَنائِمِ الجِهادِ وسائِرِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ، وعُدَّ ذَلِكَ نُورًا مِن أنْوارِ الإيمانِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ بِالإضافَةِ إلى العَذابِ الدّائِمِ قَلِيلًا قَدَّرْتَ شَبَهَهم بِمُسْتَوْقِدِ النّارِ الَّذِي انْتَفَعَ بِضَوْئِها قَلِيلًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ فَدامَتْ حَيْرَتُهُ وحَسْرَتُهُ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي جاءَتْهُ في أعْقابِ النُّورِ، فَكانَ يَسِيرُ انْتِفاعُهم في الدُّنْيا يُشْبِهُ النُّورَ، وعَظِيمُ ضَرَرِهِمْ في الآخِرَةِ يُشْبِهُ الظُّلْمَةَ. وثالِثُها: أنْ نَقُولَ: لَيْسَ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ لِلْمُنافِقِ نُورًا، بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ بِهَذا المُسْتَوْقِدِ أنَّهُ لَمّا زالَ النُّورُ عَنْهُ تَحَيَّرَ، والتَّحَيُّرُ فِيمَن كانَ في نُورٍ ثُمَّ زالَ عَنْهُ أشَدُّ مِن تَحَيُّرِ سالِكِ الطَّرِيقِ في ظُلْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النُّورَ في مُسْتَوْقِدِ النّارِ لِكَيْ يَصِحَّ أنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ، لا أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ مَجْمَعُ النُّورِ والظُّلْمَةِ. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أظْهَرُوهُ يُوهِمُ أنَّهُ مِن بابِ النُّورِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وذَهابُ النُّورِ هو ما يُظْهِرُهُ لِأصْحابِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا قالَ إنَّ المَثَلَ إنَّما عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ فالنّارُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ: ”آمَنّا“ وذَهابُهُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ لِلْكُفّارِ: ”إنّا مَعَكم“ فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ صارَ ما يُظْهِرُهُ المُنافِقُ مِن كَلِمَةِ الإيمانِ مَثَلًا بِالنُّورِ وهو حِينَ تَكَلَّمَ بِها أضْمَرَ خِلافَها ؟ قُلْنا إنَّهُ لَوْ ضَمَّ إلى القَوْلِ اعْتِقادًا لَهُ وعَمَلًا بِهِ لَأتَمَّ النُّورَ لِنَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَتِمَّ نُورُهُ، وإنَّما سَمّى مُجَرَّدَ ذَلِكَ القَوْلِ نُورًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ. وخامِسُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِيقادُ النّارِ عِبارَةً عَنْ إظْهارِ المُنافِقِ كَلِمَةَ الإيمانِ وإنَّما سَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ يَتَزَيَّنُ بِهِ ظاهِرُهُ فِيهِمْ ويَصِيرُ مَمْدُوحًا بِسَبَبِهِ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُذْهِبُ ذَلِكَ النُّورَ بِهَتْكِ سِتْرِ المُنافِقِ بِتَعْرِيفِ نَبِيِّهِ والمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَظْهَرُ لَهُ اسْمُ النِّفاقِ بَدَلَ ما يَظْهَرُ مِنهُ مِنَ اسْمِ الإيمانِ فَبَقِيَ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ، إذِ النُّورُ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلُ قَدْ كَشَفَ اللَّهُ أمْرَهُ فَزالَ. وسادِسُها: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذا التَّمْثِيلِ لِيُمَثِّلَ هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالنّارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، والضَّلالَةَ الَّتِي اشْتَرَوْها وطُبِعَ بِها عَلى قُلُوبِهِمْ بِذَهابِ اللَّهِ بِنُورِهِمْ وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُّلُماتِ. وسابِعُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَوْقِدُ هَهُنا مُسْتَوْقِدَ نارٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى، والغَرَضُ تَشْبِيهُ الفِتْنَةِ الَّتِي حاوَلَ المُنافِقُونَ إثارَتَها بِهَذِهِ النّارِ، فَإنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي كانُوا يُثِيرُونَها كانَتْ قَلِيلَةَ البَقاءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] . وثامِنُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ صفحة ٦٨ وانْتِظارِهِمْ لِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتِفْتاحِهِمْ بِهِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، فَلَمّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ فَكانَ انْتِظارُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ كَإيقادِ النّارِ، وكُفْرُهم بِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ كَزَوالِ ذَلِكَ النُّورِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَأمّا تَشْبِيهُ الإيمانِ بِالنُّورِ والكُفْرِ بِالظُّلْمَةِ فَهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّ النُّورَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في كَوْنِهِ هادِيًا إلى المَحَجَّةِ وإلى طَرِيقِ المَنفَعَةِ وإزالَةِ الحَيْرَةِ، وهَذا حالُ الإيمانِ في بابِ الدِّينِ، فَشَبَّهَ ما هو النِّهايَةُ في إزالَةِ الحَيْرَةِ ووِجْدانِ المَنفَعَةِ في بابِ الدِّينِ بِما هو الغايَةُ في بابِ الدُّنْيا، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَشْبِيهِ الكُفْرِ بِالظُّلْمَةِ؛ لِأنَّ الضّالَّ عَنِ الطَّرِيقِ المُحْتاجِ إلى سُلُوكِهِ لا يَرِدُ عَلَيْهِ مِن أسْبابِ الحِرْمانِ والتَّحَيُّرِ أعْظَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ، ولا شَيْءَ كَذَلِكَ في بابِ الدِّينِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ، فَشَبَّهَ تَعالى أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَهَذا هو الكَلامُ فِيما هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَتْ هَهُنا أسْئِلَةٌ وأجْوِبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعَلُّقِ بِالتَّفاصِيلِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ مَثَلِهِمْ بِمَثَلِ المُسْتَوْقِدِ، فَما مَثَلُ المُنافِقِينَ ومَثَلُ المُسْتَوْقِدِ حَتّى شَبَّهَ أحَدَهُما بِالآخَرِ ؟ . والجَوابُ: اسْتُعِيرَ المَثَلُ لِلْقِصَّةِ أوْ لِلصِّفَةِ إذا كانَ لَها شَأْنٌ وفِيها غَرابَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: قِصَّتُهُمُ العَجِيبَةُ كَقِصَّةِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] أيْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنَ العَجائِبِ قِصَّةُ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النَّحْلِ: ٦٠] أيِ الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالَةِ، ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] أيْ وصْفُهم وشَأْنُهُمُ المُتَعَجَّبُ مِنهُ، ولِما في المَثَلِ مِن مَعْنى الغَرابَةِ قالُوا: فُلانٌ مَثَلُهُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، فاشْتَقُّوا مِنهُ صِفَةً لِلْعَجِيبِ الشَّأْنِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ مُثِّلَتِ الجَماعَةُ بِالواحِدِ ؟ . والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ في اللُّغَةِ وضْعُ ”الَّذِي“ مَوْضِعَ ”الَّذِينَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٩] وإنَّما جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ”الَّذِي“ لِكَوْنِهِ وصْلَةً إلى وصْفِ كُلِّ مَعْرِفَةٍ مُجْمَلَةٍ، وكَثْرَةِ وُقُوعِهِ في كَلامِهِمْ، ولِكَوْنِهِ مُسْتَطالًا بِصِلَتِهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّخْفِيفِ، ولِذَلِكَ أعَلُّوهُ بِالحَذْفِ فَحَذَفُوا ياءَهُ ثُمَّ كَسَرْتَهُ ثُمَّ اقْتَصَرُوا فِيهِ عَلى اللّامِ وحْدَها في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَ المُسْتَوْقِدِينَ أوْ أُرِيدَ الجَمْعُ أوِ الفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا. وثالِثُها: وهو الأقْوى: أنَّ المُنافِقِينَ وذَواتِهِمْ لَمْ يُشَبَّهُوا بِذاتِ المُسْتَوْقِدِ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ تَشْبِيهُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وإنَّما شُبِّهَتْ قِصَّتُهم بِقِصَّةِ المُسْتَوْقِدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] . ورابِعُها: المَعْنى: ومَثَلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧] أيْ يُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الوُقُودُ ؟ وما النّارُ ؟ وما الإضاءَةُ ؟ وما النُّورُ ؟ ما الظُّلْمَةُ ؟ . الجَوابُ: أمّا وُقُودُ النّارِ فَهو سُطُوعُها وارْتِفاعُ لَهَبِها، وأمّا النّارُ فَهو جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ، حارٌّ مُحْرِقٌ، واشْتِقاقُها مِن ”نارَ يَنُورُ“ إذا نَفَرَ؛ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا، والنُّورُ مُشْتَقٌّ مِنها وهو ضَوْؤُها، والمَنارُ العَلامَةُ، والمَنارَةُ هي الشَّيْءُ الَّذِي يُؤَذَّنُ عَلَيْهِ. ويُقالُ أيْضًا لِلشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ السِّراجُ عَلَيْهِ، ومِنهُ النُّورَةُ لِأنَّها تُطَهِّرُ البَدَنَ والإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ، ومِصْداقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] و”أضاءَ“ يَرِدُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، تَقُولُ: أضاءَ القَمَرُ الظُّلْمَةَ، وأضاءَ القَمَرُ بِمَعْنى اسْتَضاءَ، قالَ الشّاعِرُ: صفحة ٦٩ أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَمَ الجِزْعَ ثاقِبُهُ وأمّا ما حَوْلَ الشَّيْءِ فَهو الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ، تَقُولُ دارَ حَوْلَهُ وحَوالَيْهِ، والحَوْلُ السَّنَةُ لِأنَّها تَحُولُ، وحالَ عَنِ العَهْدِ أيْ تَغَيَّرَ، وحالَ لَوْنُهُ أيْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، والحَوالَةُ انْقِلابُ الحَقِّ مِن شَخْصٍ إلى شَخْصٍ، والمُحاوَلَةُ طَلَبُ الفِعْلِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ طالِبًا لَهُ، والحَوَلُ انْقِلابُ العَيْنِ، والحِوَلُ الِانْقِلابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٨] والظُّلْمَةُ عَدَمُ النُّورِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَنِيرَ، والظُّلْمَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ النُّقْصانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٣] أيْ لَمْ تَنْقُصْ وفي المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ، أيْ فَما نَقَصَ حَقَّ الشَّبَهِ، والظُّلْمُ الثَّلْجُ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِصُ سَرِيعًا، والظُّلْمُ ماءُ السِّنِّ وطَراوَتُهُ وبَياضُهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالثَّلْجِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: أضاءَتْ مُتَعَدِّيَةٌ أمْ لا ؟ الجَوابُ: كِلاهُما جائِزٌ، يُقالُ: أضاءَتِ النّارُ بِنَفْسِها وأضاءَتْ غَيْرَها، وكَذَلِكَ أظْلَمَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ وأظْلَمَ غَيْرَهُ أيْ صَيَّرَهُ مُظْلِمًا، وهَهُنا الأقْرَبُ أنَّها مُتَعَدِّيَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ مُسْتَنِدَةً إلى ما حَوْلَهُ والتَّأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ أماكِنُ وأشْياءُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ”ضاءَ“ . السُّؤالُ الخامِسُ: هَلّا قِيلَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ؟ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾ ؟ الجَوابُ: ذِكْرُ النُّورِ أبْلَغُ؛ لِأنَّ الضَّوْءَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الزِّيادَةِ، فَلَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ لَأوْهَمَ ذَهابَ الكَمالِ وبَقاءَ ما يُسَمّى نُورًا، والغَرَضُ إزالَةُ النُّورِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى كَيْفَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ والظُّلْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، وكَيْفَ جَمَعَها؟ وكَيْفَ نَكَّرَها؟ وكَيْفَ أتْبَعَها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ ؟ . السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ قالَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهم ؟ والجَوابُ: الفَرْقُ بَيْنَ أذْهَبَ وذَهَبَ بِهِ أنَّ مَعْنى أذْهَبَهُ أزالَهُ وجَعَلَهُ ذاهِبًا، ويُقالُ: ذَهَبَ بِهِ إذا اسْتَصْحَبَهُ، ومَعْنى بِهِ مَعَهُ، وذَهَبَ السُّلْطانُ بِمالِهِ أخَذَهُ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ١٥] ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩١] والمَعْنى أخَذَ اللَّهُ نُورَهم وأمْسَكَهُ ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطِرٍ: ٢] فَهو أبْلَغُ مِنَ الإذْهابِ وقَرَأ اليَمانِيُّ ”أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهم“ . السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى [وتَرَكَهُمْ] ؟ والجَوابُ: تَرَكَ إذا عُلِّقَ بِواحِدٍ فَهو بِمَعْنى طَرَحَ، وإذا عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَجْرِي مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ أصْلُهُ هم في ظُلُماتٍ ثُمَّ دَخَلَ ”تَرَكَ“ فَنَصَبَتِ الجُزْأيْنِ. السُّؤالُ الثّامِنُ: لِمَ حُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مِن لا يُبْصِرُونَ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ مِن قَبِيلِ المَتْرُوكِ الَّذِي لا يُلْتَفَتُ إلى إخْطارِهِ بِالبالِ، لا مِن قَبِيلِ المُقَدَّرِ المَنوِيِّ، كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ أصْلًا. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ صفحة ٧٠ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِمْ أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ ويَنْطِقُونَ ويُبْصِرُونَ امْتَنَعَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَشْبِيهُ حالِهِمْ لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِالعِنادِ، وإعْراضِهِمْ عَمّا يَطْرُقُ سَمْعَهم مِنَ القُرْآنِ، وما يُظْهِرُهُ الرَّسُولُ مِنَ الأدِلَّةِ والآياتِ بِمَن هو أصَمُّ في الحَقِيقَةِ فَلا يَسْمَعُ، وإذا لَمْ يَسْمَعْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الجَوابِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ الأبْكَمِ، وإذا لَمْ يَنْتَفِعْ بِالأدِلَّةِ ولَمْ يُبْصِرْ طَرِيقَ الرُّشْدِ فَهو بِمَنزِلَةِ الأعْمى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو التَّمَسُّكُ بِالنِّفاقِ الَّذِي لِأجْلِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَصارَ ذَلِكَ دَلالَةً عَلى أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى نِفاقِهِمْ أبَدًا. وثانِيها: أنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الهُدى بَعْدَ أنْ باعُوهُ، وعَنِ الضَّلالَةِ بَعْدَ أنِ اشْتَرَوْها. وثالِثُها: أرادَ أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا خامِدِينَ في مَكانِهِمْ لا يَبْرَحُونَ، ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ؟ وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى حَيْثُ ابْتَدَءُوا مِنهُ ؟ .

البقرة 2:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَثَلُ الثّانِي لِلْمُنافِقِينَ وكَيْفِيَّةُ المُشابَهَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا حَصَلَ السَّحابُ الَّذِي فِيهِ الظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ واجْتَمَعَ مَعَ ظُلْمَةِ السَّحابِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ المَطَرِ عِنْدَ وُرُودِ الصَّواعِقِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ، وأنَّ البَرْقَ يَكادُ يَخْطَفُ أبْصارَهم، فَإذا أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ، وإذا ذَهَبَ بَقُوا في ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ؛ لِأنَّ مَن أصابَهُ البَرْقُ في هَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ تَشْتَدُّ حَيْرَتُهُ، وتَعْظُمُ الظُّلْمَةُ في عَيْنِهِ، وتَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ في حَيْرَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالدِّينِ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهم، إذْ كانُوا لا يَرَوْنَ طَرِيقًا ولا يَهْتَدُونَ. وثانِيها: أنَّ المَطَرَ وإنْ كانَ نافِعًا إلّا أنَّهُ لَمّا وُجِدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ الضّارَّةِ صارَ النَّفْعُ بِهِ زائِلًا، فَكَذا إظْهارُ الإيمانِ نافِعٌ لِلْمُنافِقِ لَوْ وافَقَهُ الباطِنُ: فَإذا فُقِدَ مِنهُ الإخْلاصُ وحَصَلَ مَعَهُ النِّفاقُ صارَ ضَرَرًا في الدِّينِ. وثالِثُها: أنَّ مَن نَزَلَ بِهِ هَذِهِ الأُمُورُ مَعَ الصَّواعِقِ ظَنَّ المَخْلَصَ مِنها أنْ يَجْعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وذَلِكَ لا يُنَجِّيهِ مِمّا يُرِيدُهُ تَعالى بِهِ مِن هَلاكٍ ومَوْتٍ، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في العاداتِ شَبَّهَ تَعالى حالَ المُنافِقِينَ في ظَنِّهِمْ أنَّ إظْهارَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ما أظْهَرُوهُ يَنْفَعُهم، مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِما ذُكِرَ. ورابِعُها: أنَّ عادَةَ المُنافِقِينَ كانَتْ هي التَّأخُّرَ عَنِ الجِهادِ فِرارًا مِنَ المَوْتِ والقَتْلِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ حالَهم في ذَلِكَ بِحالِ مَن نَزَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ بِهِ وأرادَ دَفْعَها يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ. وخامِسُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ صفحة ٧١ أصابِعَهم في آذانِهِمْ وإنْ تَخَلَّصُوا عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ السّاعَةِ فَإنَّ المَوْتَ والهَلاكَ مِن ورائِهِمْ لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، فَكَذَلِكَ حالُ المُنافِقِينَ في أنَّ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ لا يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ النّارِ. وسادِسُها: أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ لِاجْتِماعِ أنْواعِ الظُّلُماتِ وحُصُولِ أنْواعِ المَخافَةِ، وحَصَلَ في المُنافِقِينَ نِهايَةُ الحَيْرَةِ في بابِ الدِّينِ ونِهايَةُ الخَوْفِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ المُنافِقَ يَتَصَوَّرُ في كُلِّ وقْتٍ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ الوُقُوفُ عَلى باطِنِهِ لَقُتِلَ، فَلا يَكادُ الوَجَلُ والخَوْفُ يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَعَ النِّفاقِ. وسابِعُها: المُرادُ مِنَ الصَّيِّبِ هو الإيمانُ والقُرْآنُ، والظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ هو الأشْياءُ الشّاقَّةُ عَلى المُنافِقِينَ، وهي التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وتَرْكِ الرِّياساتِ والجِهادِ مَعَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، وتَرْكِ الأدْيانِ القَدِيمَةِ، والِانْقِيادِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ شِدَّةِ اسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الِانْقِيادِ لَهُ، فَكَما أنَّ الإنْسانَ يُبالِغُ في الِاحْتِرازِ عَنِ المَطَرِ الصَّيِّبِ الَّذِي هو أشَدُّ الأشْياءِ نَفْعًا بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقارِنَةِ، فَكَذا المُنافِقُونَ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقارِنَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ أنَّهُ مَتى حَصَلَ لَهم شَيْءٌ مِنَ المَنافِعِ، وهي عِصْمَةُ أمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ وحُصُولُ الغَنائِمِ لَهم فَإنَّهم يَرْغَبُونَ في الدِّينِ: ﴿وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أيْ مَتى لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِن تِلْكَ المَنافِعِ فَحِينَئِذٍ يَكْرَهُونَ الإيمانَ ولا يَرْغَبُونَ فِيهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ ظاهِرَةٌ في التَّشْبِيهِ، وبَقِيَ عَلى الآيَةِ أسْئِلَةٌ وأجْوِبَةٌ. السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ التَّمْثِيلَيْنِ أبْلَغُ ؟ والجَوابُ: التَّمْثِيلُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ وشِدَّةِ الأغالِيظِ، ولِذَلِكَ تَراهم يَتَدَرَّجُونَ في نَحْوِ هَذا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ عُطِفَ أحَدُ التَّمْثِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ بِحَرْفِ الشَّكِّ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لِأنَّ ”أوْ“ في أصْلِها تُساوِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا في الشَّكِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها فاسْتُعِيرَتْ لِلتَّساوِي في غَيْرِ الشَّكِّ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ تُرِيدُ أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِصْوابِ أنْ تُجالِسَ أيَّهُما شِئْتَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٢٤] أيْ أنَّ الآثِمَ والكَفُورَ مُتَساوِيانِ في وُجُوبِ عِصْيانِهِما، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَيْفِيَّةَ المُنافِقِينَ شَبِيهَةٌ بِكَيْفِيَّتَيْ هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ، فَبِأيَّتِهِما مَثَّلْتَها فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ مَثَّلْتَها بِهِما جَمِيعًا فَكَذَلِكَ. وثانِيها: إنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ قِسْمانِ بَعْضُهم يُشْبِهُونَ أصْحابَ النّارِ، وبَعْضُهم يُشْبِهُونَ أصْحابَ المَطَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٤] وثالِثُها: أوْ بِمَعْنى بَلْ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٧] . ورابِعُها: أوْ بِمَعْنى الواوِ كَأنَّهُ قالَ وكَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] وقالَ الشّاعِرُ: وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها وهَذِهِ الوُجُوهُ مُطَّرِدَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٧٤] السُّؤالُ الثّالِثُ: المُشَبَّهُ بِالصَّيِّبِ والظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ما هو ؟ الجَوابُ: لِعُلَماءِ البَيانِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا تَشْبِيهٌ مُفَرَّقٌ ومَعْناهُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مُرَكَّبًا مِن أُمُورٍ والمُمَثَّلُ يَكُونُ أيْضًا مُرَكَّبًا صفحة ٧٢ مِن أُمُورٍ ويَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَثَلِ شَبِيهًا بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُمَثَّلِ، فَهَهُنا شَبَّهَ دِينَ الإسْلامِ بِالصَّيِّبِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن شُبُهاتِ الكُفّارِ بِالظُّلُماتِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالبَرْقِ والرَّعْدِ، وما يُصِيبُ الكَفَرَةَ مِنَ الفِتَنِ مِن جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِالصَّواعِقِ، والمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، والمُرادُ كَمَثَلِ قَوْمٍ أخَذَتْهُمُ السَّماءُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ، وهو الَّذِي يُشَبَّهُ فِيهِ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ بِالأُخْرى في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وإنْ لَمْ تَكُنْ آحادُ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ شَبِيهَةً بِآحادِ الجُمْلَةِ الأُخْرى، وهَهُنا المَقْصُودُ تَشْبِيهُ حَيْرَةِ المُنافِقِينَ في الدُّنْيا والدِّينِ بِحَيْرَةِ مَنِ انْطَفَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها، وبِحَيْرَةِ مَن أخَذَتْهُ السَّماءُ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ مَعَ رَعْدٍ وبَرْقٍ، فَإنْ قِيلَ: الَّذِي كُنْتَ تُقَدِّرُهُ في التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ مِن حَذْفِ المُضافِ وهو قَوْلُكَ: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ هَلْ يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُرَكَّبِ؟ قُلْنا: لَوْلا طَلَبُ الرّاجِعِ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ لَما كانَ بِنا حاجَةٌ إلى تَقْدِيرِهِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الصَّيِّبُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ المَطَرُ الَّذِي يُصَوَّبُ، أيْ يَنْزِلُ، مِن صابَ يَصُوبُ إذا نَزَلَ ومِنهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ إذا خَفَضَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن صابَ يَصُوبُ إذا قَصَدَ، ولا يُقالُ: صَيِّبٌ إلّا لِلْمَطَرِ الجُودِ، «كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا هَنِيئًا“» أيْ مَطَرًا جُودًا، وأيْضًا يُقالُ لِلسَّحابِ صَيِّبٌ، قالَ الشَّمّاخُ: وأسْحَمَ دانٍ صادِقِ الوَعْدِ صَيِّبِ وتَنْكِيرُ صَيِّبٍ لِأنَّهُ أُرِيدَ نَوْعٌ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٌ هائِلٌ، كَما تَنَكَّرَتِ النّارُ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ، وقُرِئَ ”أوْ كَصائِبٍ“ وصَيِّبٌ أبْلَغُ: والسَّماءُ هَذِهِ المِظَلَّةُ. السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ ما الفائِدَةُ فِيهِ والصَّيِّبُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ ؟ . الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَوْ قالَ: أوْ كَصَيِّبٍ فِيهِ ظُلُماتٌ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّيِّبُ نازِلًا مِن بَعْضِ جَوانِبِ السَّماءِ دُونَ بَعْضٍ، أمّا لَمّا قالَ مِنَ السَّماءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عامٌّ مُطْبِقٌ آخِذٌ بِآفاقِ السَّماءِ فَكَما حَصَلَ في لَفْظِ الصَّيِّبِ مُبالَغاتٌ مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ والتَّنْكِيرِ أيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ جَعَلَهُ مُطْبِقًا. الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المَطَرُ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ ارْتِفاعِ أبْخِرَةٍ رَطْبَةٍ مِنَ الأرْضِ إلى الهَواءِ فَتَنْعَقِدُ هُناكَ مِن شِدَّةِ بَرْدِ الهَواءِ ثُمَّ تَنْزِلُ مَرَّةً أُخْرى، فَذاكَ هو المَطَرُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أبْطَلَ ذَلِكَ المَذْهَبَ هَهُنا بِأنْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّيِّبَ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، كَذا قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] . السُّؤالُ السّادِسُ: ما الرَّعْدُ والبَرْقُ ؟ الجَوابُ: الرَّعْدُ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحابِ كَأنَّ أجْرامَ السَّحابِ تَضْطَرِبُ، وتَنْتَقِضُ وتَرْتَعِدُ إذا أخَذَتْها الرِّيحُ فَصَوَّتَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الِارْتِعادِ، والبَرْقُ الَّذِي يَلْمَعُ مِنَ السَّحابِ مِن بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا إذا لَمَعَ. السُّؤالُ السّابِعُ: الصَّيِّبُ هو المَطَرُ والسَّحابُ فَأيُّهُما أُرِيدَ فَما ظُلُماتُهُ؟ الجَوابُ: أمّا ظُلُماتُ السَّحابِ فَإذا كانَ أسْحَمَ مُطْبِقًا فَظُلْمَتُهُ سُحْمَتُهُ وتَطْبِيقُهُ مَضْمُومَةٌ إلَيْهِما ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وأمّا ظُلْمَةُ المَطَرِ فَظُلْمَتُهُ تَكاثُفُهُ وانْسِجامُهُ بِتَتابُعِ القَطْرِ، وظُلْمَتُهُ إظْلالُ الغَمامَةِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. السُّؤالُ الثّامِنُ: كَيْفَ يَكُونُ المَطَرُ مَكانًا لِلرَّعْدِ والبَرْقِ وإنَّما مَكانُهُما السَّحابُ ؟ . الجَوابُ: لَمّا كانَ التَّعْلِيقُ بَيْنَ السَّحابِ والمَطَرِ شَدِيدًا جازَ إجْراءُ أحَدِهِما مَجْرى الآخَرِ في الأحْكامِ. صفحة ٧٣ السُّؤالُ التّاسِعُ: هَلّا قِيلَ رُعُودٌ وبُرُوقٌ كَما قِيلَ ظُلُماتٌ ؟ الجَوابُ: الفَرْقُ أنَّهُ حَصَلَتْ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ الظُّلُماتِ عَلى الِاجْتِماعِ فاحْتِيجَ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ، أمّا الرَّعْدُ فَإنَّهُ نَوْعٌ واحِدٌ، وكَذا البَرْقُ، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُ أنْواعِ الرَّعْدِ والبَرْقِ في السَّحابِ الواحِدِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ الجَمْعِ. السُّؤالُ العاشِرُ: لِمَ جاءَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مُنَكَّراتٍ ؟ . الجَوابُ: لِأنَّ المُرادَ أنْواعٌ مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ ظُلُماتٌ داجِيَةٌ ورَعْدٌ قاصِفٌ وبَرْقٌ خاطِفٌ. السُّؤالُ الحادِي عَشَرَ: إلى ماذا يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في ”يَجْعَلُونَ“ ؟ . الجَوابُ: إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ وهو وإنْ كانَ مَحْذُوفًا في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ باقٍ في المَعْنى ولا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ يَجْعَلُونَ لِكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرَّعْدَ والبَرْقَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ والهَوْلِ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ الرَّعْدِ ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ ثُمَّ قالَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ البَرْقِ فَقالَ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي عَشَرَ: رُءُوسُ الأصابِعِ هي الَّتِي تُجْعَلُ في الآذانِ فَهَلّا قِيلَ أنامِلُهم ؟ . الجَوابُ المَذْكُورُ وإنْ كانَ هو الأُصْبُعَ لَكِنَّ المُرادَ بَعْضُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائِدَةِ: ٣٨] المُرادُ بَعْضُهُما. السُّؤالُ الثّالِثَ عَشَرَ: ما الصّاعِقَةُ ؟ الجَوابُ: إنَّها قَصْفُ رَعْدٍ يَنْقَضُّ مِنها شُعْلَةٌ مِن نارٍ، وهي نارٌ لَطِيفَةٌ قَوِيَّةٌ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ إلّا أنَّها مَعَ قُوَّتِها سَرِيعَةُ الخُمُودِ. السُّؤالُ الرّابِعَ عَشَرَ: ما إحاطَةُ اللَّهِ بِالكافِرِينَ ؟ . الجَوابُ: أنَّهُ مَجازٌ والمَعْنى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ بِهِ المُحِيطَ بِهِ حَقِيقَةً، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عالِمٌ بِهِمْ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلاقِ: ١٢] . وثانِيها: قُدْرَتُهُ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البُرُوجِ: ٢٠] وثالِثُها: يُهْلِكُهم مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يُوسُفَ: ٦٦] . السُّؤالُ الخامِسَ عَشَرَ: ما الخَطْفُ ؟ . الجَوابُ: إنَّهُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”يَخْطِفُ“ بِكَسْرِ الطّاءِ، والفَتْحُ أفْصَحُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”يَخْتَطِفُ“ وعَنِ الحَسَنِ ”يَخْطَفُ“ بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ، وأصْلُهُ يَخْتَطِفُ، وعَنْهُ يَخْطِفُ بِكَسْرِهِما عَلى إتْباعِ الياءِ الخاءَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: يَخْطِفُ مِن خَطَفَ، وعَنْ أُبَيٍّ: يَتَخَطَّفُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠] فَهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ في حالَتَيْ ظُهُورِ البَرْقِ وخَفائِهِ، والمَقْصُودُ تَمْثِيلُ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أصْحابِ الصَّيِّبِ وما هم فِيهِ مِن غايَةِ التَّحَيُّرِ والجَهْلِ بِما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ إذا صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطَفَ أبْصارَهُمُ انْتَهَزُوا تِلْكَ الخَفْقَةَ فُرْصَةً فَخَطَوْا خُطُواتٍ يَسِيرَةً، فَإذا خَفِيَ وفَتَرَ لَمَعانُهُ بَقُوا واقِفِينَ مُتَقَيِّدِينَ عَنِ الحَرَكَةِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَزادَ في قَصْفِ الرَّعْدِ فَأصَمَّهم، وفي ضَوْءِ البَرْقِ فَأعْماهم، وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَسْلَكًا أخَذُوهُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ”كُلَّما ضاءَ“ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ مَعَ الإضاءَةِ كُلَّما، ومَعَ الإظْلامِ إذا ؟ . قُلْنا: لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى إمْكانِ المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها ولَيْسَ كَذَلِكَ التَّوَقُّفُ، والأقْرَبُ في أظْلَمَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وهو الظّاهِرُ، ومَعْنى قامُوا وقَفُوا وثَبَتُوا في مَكانِهِمْ، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ، وقامَ الماءُ جَمَدَ، ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ الجَوابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ صفحة ٧٤ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَذَهَبَ بِهِما وهَهُنا مَسْألَةٌ، وهي أنَّ المَشْهُورَ أنَّ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وزَعَمَ أنَّها لا تُفِيدُ إلّا الرَّبْطَ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٢٣] فَلَوْ أفادَتْ كَلِمَةُ لَوِ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لا انْتِفاءَ غَيْرِهِ لَلَزِمَ التَّناقُضُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما أسْمَعَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى ما أسْمَعَهم وأنَّهم ما تَوَلَّوْا ولَكِنْ عَدَمُ التَّوَلِّي خَيْرٌ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا، وما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ“» فَعَلى مُقْتَضى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ أنَّهُ خافَ اللَّهَ وعَصاهُ وذَلِكَ مُتَناقِضٌ، فَقَدْ عَلِمْنا أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ لا تُفِيدُ إلّا الرَّبْطَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ، والمَوْجُودُ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِ لِاسْتِحالَةِ إيجادِ المَوْجُودِ، فالَّذِي عَلَيْهِ القُدْرَةُ مَعْدُومٌ وهو شَيْءٌ فالمَعْدُومُ شَيْءٌ. والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ لَزِمَ أنَّ ما لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيْهِ لا يَكُونُ شَيْئًا، فالمَوْجُودُ لَمّا لَمْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جَهْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ، قالَ: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ، واللَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا، واحْتَجَّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] قالَ: لَوْ كانَ هو تَعالى شَيْئًا لَكانَ تَعالى مِثْلَ نَفْسِهِ فَكانَ يُكَذِّبُ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا حَتّى لا تَتَناقَضَ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الخِلافَ في الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ المَوْجُودِ والمَعْدُومِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ . [الأنْعامِ: ١٩] والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصُ: ٨٨] والمُسْتَثْنى داخِلٌ في المُسْتَثْنى مِنهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، وأبِي هاشِمٍ، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَقْدُورُ العَبْدِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُحْدَثَ حالَ حُدُوثِهِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ مُحالٌ، فالشَّيْءُ إنَّما يَكُونُ مَقْدُورًا قَبْلَ حُدُوثِهِ، وبَيانُ اسْتِدْلالِ الأصْحابِ أنَّ المُحْدَثَ حالَ وُجُودِهِ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، وهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي كَوْنَ الباقِي مَقْدُورًا تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّهُ حالَ البَقاءِ مَقْدُورُهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إعْدامِهِ، أمّا حالَ الحُدُوثِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلى إعْدامِهِ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَصِيرَ مَعْدُومًا في أوَّلِ زَمانِ وُجُودِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيجادِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَخْصِيصُ العامِّ جائِزٌ في الجُمْلَةِ، وأيْضًا تَخْصِيصُ العامِّ جائِزٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى نَفْسِهِ ثُمَّ خُصَّ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ صفحة ٧٥ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْكُلِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ غَيْرُ صادِقٍ في الكُلِّ كانَ هَذا كَذِبًا، وذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ في القُرْآنِ، قُلْنا: لَفْظُ الكُلِّ كَما أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في المَجْمُوعِ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الأكْثَرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مَجازًا مَشْهُورًا في اللُّغَةِ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيهِ كَذِبًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَثَلُ الثّانِي لِلْمُنافِقِينَ وكَيْفِيَّةُ المُشابَهَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا حَصَلَ السَّحابُ الَّذِي فِيهِ الظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ واجْتَمَعَ مَعَ ظُلْمَةِ السَّحابِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ المَطَرِ عِنْدَ وُرُودِ الصَّواعِقِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ، وأنَّ البَرْقَ يَكادُ يَخْطَفُ أبْصارَهم، فَإذا أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ، وإذا ذَهَبَ بَقُوا في ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ؛ لِأنَّ مَن أصابَهُ البَرْقُ في هَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ تَشْتَدُّ حَيْرَتُهُ، وتَعْظُمُ الظُّلْمَةُ في عَيْنِهِ، وتَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ في حَيْرَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالدِّينِ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهم، إذْ كانُوا لا يَرَوْنَ طَرِيقًا ولا يَهْتَدُونَ. وثانِيها: أنَّ المَطَرَ وإنْ كانَ نافِعًا إلّا أنَّهُ لَمّا وُجِدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ الضّارَّةِ صارَ النَّفْعُ بِهِ زائِلًا، فَكَذا إظْهارُ الإيمانِ نافِعٌ لِلْمُنافِقِ لَوْ وافَقَهُ الباطِنُ: فَإذا فُقِدَ مِنهُ الإخْلاصُ وحَصَلَ مَعَهُ النِّفاقُ صارَ ضَرَرًا في الدِّينِ. وثالِثُها: أنَّ مَن نَزَلَ بِهِ هَذِهِ الأُمُورُ مَعَ الصَّواعِقِ ظَنَّ المَخْلَصَ مِنها أنْ يَجْعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وذَلِكَ لا يُنَجِّيهِ مِمّا يُرِيدُهُ تَعالى بِهِ مِن هَلاكٍ ومَوْتٍ، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في العاداتِ شَبَّهَ تَعالى حالَ المُنافِقِينَ في ظَنِّهِمْ أنَّ إظْهارَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ما أظْهَرُوهُ يَنْفَعُهم، مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِما ذُكِرَ. ورابِعُها: أنَّ عادَةَ المُنافِقِينَ كانَتْ هي التَّأخُّرَ عَنِ الجِهادِ فِرارًا مِنَ المَوْتِ والقَتْلِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ حالَهم في ذَلِكَ بِحالِ مَن نَزَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ بِهِ وأرادَ دَفْعَها يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ. وخامِسُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ صفحة ٧١ أصابِعَهم في آذانِهِمْ وإنْ تَخَلَّصُوا عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ السّاعَةِ فَإنَّ المَوْتَ والهَلاكَ مِن ورائِهِمْ لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، فَكَذَلِكَ حالُ المُنافِقِينَ في أنَّ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ لا يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ النّارِ. وسادِسُها: أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ لِاجْتِماعِ أنْواعِ الظُّلُماتِ وحُصُولِ أنْواعِ المَخافَةِ، وحَصَلَ في المُنافِقِينَ نِهايَةُ الحَيْرَةِ في بابِ الدِّينِ ونِهايَةُ الخَوْفِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ المُنافِقَ يَتَصَوَّرُ في كُلِّ وقْتٍ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ الوُقُوفُ عَلى باطِنِهِ لَقُتِلَ، فَلا يَكادُ الوَجَلُ والخَوْفُ يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَعَ النِّفاقِ. وسابِعُها: المُرادُ مِنَ الصَّيِّبِ هو الإيمانُ والقُرْآنُ، والظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ هو الأشْياءُ الشّاقَّةُ عَلى المُنافِقِينَ، وهي التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وتَرْكِ الرِّياساتِ والجِهادِ مَعَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، وتَرْكِ الأدْيانِ القَدِيمَةِ، والِانْقِيادِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ شِدَّةِ اسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الِانْقِيادِ لَهُ، فَكَما أنَّ الإنْسانَ يُبالِغُ في الِاحْتِرازِ عَنِ المَطَرِ الصَّيِّبِ الَّذِي هو أشَدُّ الأشْياءِ نَفْعًا بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقارِنَةِ، فَكَذا المُنافِقُونَ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقارِنَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ أنَّهُ مَتى حَصَلَ لَهم شَيْءٌ مِنَ المَنافِعِ، وهي عِصْمَةُ أمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ وحُصُولُ الغَنائِمِ لَهم فَإنَّهم يَرْغَبُونَ في الدِّينِ: ﴿وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أيْ مَتى لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِن تِلْكَ المَنافِعِ فَحِينَئِذٍ يَكْرَهُونَ الإيمانَ ولا يَرْغَبُونَ فِيهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ ظاهِرَةٌ في التَّشْبِيهِ، وبَقِيَ عَلى الآيَةِ أسْئِلَةٌ وأجْوِبَةٌ. السُّؤالُ الأوَّلُ: أيُّ التَّمْثِيلَيْنِ أبْلَغُ ؟ والجَوابُ: التَّمْثِيلُ الثّانِي؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ وشِدَّةِ الأغالِيظِ، ولِذَلِكَ تَراهم يَتَدَرَّجُونَ في نَحْوِ هَذا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ عُطِفَ أحَدُ التَّمْثِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ بِحَرْفِ الشَّكِّ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لِأنَّ ”أوْ“ في أصْلِها تُساوِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا في الشَّكِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها فاسْتُعِيرَتْ لِلتَّساوِي في غَيْرِ الشَّكِّ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ تُرِيدُ أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِصْوابِ أنْ تُجالِسَ أيَّهُما شِئْتَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٢٤] أيْ أنَّ الآثِمَ والكَفُورَ مُتَساوِيانِ في وُجُوبِ عِصْيانِهِما، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ مَعْناهُ أنَّ كَيْفِيَّةَ المُنافِقِينَ شَبِيهَةٌ بِكَيْفِيَّتَيْ هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ، فَبِأيَّتِهِما مَثَّلْتَها فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ مَثَّلْتَها بِهِما جَمِيعًا فَكَذَلِكَ. وثانِيها: إنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ قِسْمانِ بَعْضُهم يُشْبِهُونَ أصْحابَ النّارِ، وبَعْضُهم يُشْبِهُونَ أصْحابَ المَطَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٤] وثالِثُها: أوْ بِمَعْنى بَلْ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٧] . ورابِعُها: أوْ بِمَعْنى الواوِ كَأنَّهُ قالَ وكَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] وقالَ الشّاعِرُ: وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها وهَذِهِ الوُجُوهُ مُطَّرِدَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٧٤] السُّؤالُ الثّالِثُ: المُشَبَّهُ بِالصَّيِّبِ والظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ما هو ؟ الجَوابُ: لِعُلَماءِ البَيانِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا تَشْبِيهٌ مُفَرَّقٌ ومَعْناهُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مُرَكَّبًا مِن أُمُورٍ والمُمَثَّلُ يَكُونُ أيْضًا مُرَكَّبًا صفحة ٧٢ مِن أُمُورٍ ويَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَثَلِ شَبِيهًا بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُمَثَّلِ، فَهَهُنا شَبَّهَ دِينَ الإسْلامِ بِالصَّيِّبِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن شُبُهاتِ الكُفّارِ بِالظُّلُماتِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالبَرْقِ والرَّعْدِ، وما يُصِيبُ الكَفَرَةَ مِنَ الفِتَنِ مِن جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِالصَّواعِقِ، والمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، والمُرادُ كَمَثَلِ قَوْمٍ أخَذَتْهُمُ السَّماءُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ، وهو الَّذِي يُشَبَّهُ فِيهِ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ بِالأُخْرى في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وإنْ لَمْ تَكُنْ آحادُ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ شَبِيهَةً بِآحادِ الجُمْلَةِ الأُخْرى، وهَهُنا المَقْصُودُ تَشْبِيهُ حَيْرَةِ المُنافِقِينَ في الدُّنْيا والدِّينِ بِحَيْرَةِ مَنِ انْطَفَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها، وبِحَيْرَةِ مَن أخَذَتْهُ السَّماءُ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ مَعَ رَعْدٍ وبَرْقٍ، فَإنْ قِيلَ: الَّذِي كُنْتَ تُقَدِّرُهُ في التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ مِن حَذْفِ المُضافِ وهو قَوْلُكَ: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ هَلْ يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُرَكَّبِ؟ قُلْنا: لَوْلا طَلَبُ الرّاجِعِ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ لَما كانَ بِنا حاجَةٌ إلى تَقْدِيرِهِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الصَّيِّبُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ المَطَرُ الَّذِي يُصَوَّبُ، أيْ يَنْزِلُ، مِن صابَ يَصُوبُ إذا نَزَلَ ومِنهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ إذا خَفَضَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن صابَ يَصُوبُ إذا قَصَدَ، ولا يُقالُ: صَيِّبٌ إلّا لِلْمَطَرِ الجُودِ، «كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا هَنِيئًا“» أيْ مَطَرًا جُودًا، وأيْضًا يُقالُ لِلسَّحابِ صَيِّبٌ، قالَ الشَّمّاخُ: وأسْحَمَ دانٍ صادِقِ الوَعْدِ صَيِّبِ وتَنْكِيرُ صَيِّبٍ لِأنَّهُ أُرِيدَ نَوْعٌ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٌ هائِلٌ، كَما تَنَكَّرَتِ النّارُ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ، وقُرِئَ ”أوْ كَصائِبٍ“ وصَيِّبٌ أبْلَغُ: والسَّماءُ هَذِهِ المِظَلَّةُ. السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ ما الفائِدَةُ فِيهِ والصَّيِّبُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ ؟ . الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَوْ قالَ: أوْ كَصَيِّبٍ فِيهِ ظُلُماتٌ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّيِّبُ نازِلًا مِن بَعْضِ جَوانِبِ السَّماءِ دُونَ بَعْضٍ، أمّا لَمّا قالَ مِنَ السَّماءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عامٌّ مُطْبِقٌ آخِذٌ بِآفاقِ السَّماءِ فَكَما حَصَلَ في لَفْظِ الصَّيِّبِ مُبالَغاتٌ مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ والتَّنْكِيرِ أيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ جَعَلَهُ مُطْبِقًا. الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المَطَرُ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ ارْتِفاعِ أبْخِرَةٍ رَطْبَةٍ مِنَ الأرْضِ إلى الهَواءِ فَتَنْعَقِدُ هُناكَ مِن شِدَّةِ بَرْدِ الهَواءِ ثُمَّ تَنْزِلُ مَرَّةً أُخْرى، فَذاكَ هو المَطَرُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أبْطَلَ ذَلِكَ المَذْهَبَ هَهُنا بِأنْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّيِّبَ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، كَذا قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] . السُّؤالُ السّادِسُ: ما الرَّعْدُ والبَرْقُ ؟ الجَوابُ: الرَّعْدُ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحابِ كَأنَّ أجْرامَ السَّحابِ تَضْطَرِبُ، وتَنْتَقِضُ وتَرْتَعِدُ إذا أخَذَتْها الرِّيحُ فَصَوَّتَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الِارْتِعادِ، والبَرْقُ الَّذِي يَلْمَعُ مِنَ السَّحابِ مِن بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا إذا لَمَعَ. السُّؤالُ السّابِعُ: الصَّيِّبُ هو المَطَرُ والسَّحابُ فَأيُّهُما أُرِيدَ فَما ظُلُماتُهُ؟ الجَوابُ: أمّا ظُلُماتُ السَّحابِ فَإذا كانَ أسْحَمَ مُطْبِقًا فَظُلْمَتُهُ سُحْمَتُهُ وتَطْبِيقُهُ مَضْمُومَةٌ إلَيْهِما ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وأمّا ظُلْمَةُ المَطَرِ فَظُلْمَتُهُ تَكاثُفُهُ وانْسِجامُهُ بِتَتابُعِ القَطْرِ، وظُلْمَتُهُ إظْلالُ الغَمامَةِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. السُّؤالُ الثّامِنُ: كَيْفَ يَكُونُ المَطَرُ مَكانًا لِلرَّعْدِ والبَرْقِ وإنَّما مَكانُهُما السَّحابُ ؟ . الجَوابُ: لَمّا كانَ التَّعْلِيقُ بَيْنَ السَّحابِ والمَطَرِ شَدِيدًا جازَ إجْراءُ أحَدِهِما مَجْرى الآخَرِ في الأحْكامِ. صفحة ٧٣ السُّؤالُ التّاسِعُ: هَلّا قِيلَ رُعُودٌ وبُرُوقٌ كَما قِيلَ ظُلُماتٌ ؟ الجَوابُ: الفَرْقُ أنَّهُ حَصَلَتْ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ الظُّلُماتِ عَلى الِاجْتِماعِ فاحْتِيجَ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ، أمّا الرَّعْدُ فَإنَّهُ نَوْعٌ واحِدٌ، وكَذا البَرْقُ، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُ أنْواعِ الرَّعْدِ والبَرْقِ في السَّحابِ الواحِدِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ الجَمْعِ. السُّؤالُ العاشِرُ: لِمَ جاءَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مُنَكَّراتٍ ؟ . الجَوابُ: لِأنَّ المُرادَ أنْواعٌ مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ ظُلُماتٌ داجِيَةٌ ورَعْدٌ قاصِفٌ وبَرْقٌ خاطِفٌ. السُّؤالُ الحادِي عَشَرَ: إلى ماذا يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في ”يَجْعَلُونَ“ ؟ . الجَوابُ: إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ وهو وإنْ كانَ مَحْذُوفًا في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ باقٍ في المَعْنى ولا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ يَجْعَلُونَ لِكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرَّعْدَ والبَرْقَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ والهَوْلِ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ الرَّعْدِ ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ ثُمَّ قالَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ البَرْقِ فَقالَ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي عَشَرَ: رُءُوسُ الأصابِعِ هي الَّتِي تُجْعَلُ في الآذانِ فَهَلّا قِيلَ أنامِلُهم ؟ . الجَوابُ المَذْكُورُ وإنْ كانَ هو الأُصْبُعَ لَكِنَّ المُرادَ بَعْضُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائِدَةِ: ٣٨] المُرادُ بَعْضُهُما. السُّؤالُ الثّالِثَ عَشَرَ: ما الصّاعِقَةُ ؟ الجَوابُ: إنَّها قَصْفُ رَعْدٍ يَنْقَضُّ مِنها شُعْلَةٌ مِن نارٍ، وهي نارٌ لَطِيفَةٌ قَوِيَّةٌ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ إلّا أنَّها مَعَ قُوَّتِها سَرِيعَةُ الخُمُودِ. السُّؤالُ الرّابِعَ عَشَرَ: ما إحاطَةُ اللَّهِ بِالكافِرِينَ ؟ . الجَوابُ: أنَّهُ مَجازٌ والمَعْنى أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ بِهِ المُحِيطَ بِهِ حَقِيقَةً، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عالِمٌ بِهِمْ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلاقِ: ١٢] . وثانِيها: قُدْرَتُهُ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البُرُوجِ: ٢٠] وثالِثُها: يُهْلِكُهم مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يُوسُفَ: ٦٦] . السُّؤالُ الخامِسَ عَشَرَ: ما الخَطْفُ ؟ . الجَوابُ: إنَّهُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”يَخْطِفُ“ بِكَسْرِ الطّاءِ، والفَتْحُ أفْصَحُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”يَخْتَطِفُ“ وعَنِ الحَسَنِ ”يَخْطَفُ“ بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ، وأصْلُهُ يَخْتَطِفُ، وعَنْهُ يَخْطِفُ بِكَسْرِهِما عَلى إتْباعِ الياءِ الخاءَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: يَخْطِفُ مِن خَطَفَ، وعَنْ أُبَيٍّ: يَتَخَطَّفُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠] فَهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ في حالَتَيْ ظُهُورِ البَرْقِ وخَفائِهِ، والمَقْصُودُ تَمْثِيلُ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أصْحابِ الصَّيِّبِ وما هم فِيهِ مِن غايَةِ التَّحَيُّرِ والجَهْلِ بِما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ إذا صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطَفَ أبْصارَهُمُ انْتَهَزُوا تِلْكَ الخَفْقَةَ فُرْصَةً فَخَطَوْا خُطُواتٍ يَسِيرَةً، فَإذا خَفِيَ وفَتَرَ لَمَعانُهُ بَقُوا واقِفِينَ مُتَقَيِّدِينَ عَنِ الحَرَكَةِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَزادَ في قَصْفِ الرَّعْدِ فَأصَمَّهم، وفي ضَوْءِ البَرْقِ فَأعْماهم، وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَسْلَكًا أخَذُوهُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وإمّا غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ”كُلَّما ضاءَ“ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ مَعَ الإضاءَةِ كُلَّما، ومَعَ الإظْلامِ إذا ؟ . قُلْنا: لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى إمْكانِ المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها ولَيْسَ كَذَلِكَ التَّوَقُّفُ، والأقْرَبُ في أظْلَمَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وهو الظّاهِرُ، ومَعْنى قامُوا وقَفُوا وثَبَتُوا في مَكانِهِمْ، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ، وقامَ الماءُ جَمَدَ، ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ الجَوابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ صفحة ٧٤ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَذَهَبَ بِهِما وهَهُنا مَسْألَةٌ، وهي أنَّ المَشْهُورَ أنَّ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وزَعَمَ أنَّها لا تُفِيدُ إلّا الرَّبْطَ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٢٣] فَلَوْ أفادَتْ كَلِمَةُ لَوِ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لا انْتِفاءَ غَيْرِهِ لَلَزِمَ التَّناقُضُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما أسْمَعَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى ما أسْمَعَهم وأنَّهم ما تَوَلَّوْا ولَكِنْ عَدَمُ التَّوَلِّي خَيْرٌ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا، وما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ“» فَعَلى مُقْتَضى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ أنَّهُ خافَ اللَّهَ وعَصاهُ وذَلِكَ مُتَناقِضٌ، فَقَدْ عَلِمْنا أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ لا تُفِيدُ إلّا الرَّبْطَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ، والمَوْجُودُ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِ لِاسْتِحالَةِ إيجادِ المَوْجُودِ، فالَّذِي عَلَيْهِ القُدْرَةُ مَعْدُومٌ وهو شَيْءٌ فالمَعْدُومُ شَيْءٌ. والجَوابُ: لَوْ صَحَّ هَذا الكَلامُ لَزِمَ أنَّ ما لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيْهِ لا يَكُونُ شَيْئًا، فالمَوْجُودُ لَمّا لَمْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جَهْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ، قالَ: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ، واللَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا، واحْتَجَّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] قالَ: لَوْ كانَ هو تَعالى شَيْئًا لَكانَ تَعالى مِثْلَ نَفْسِهِ فَكانَ يُكَذِّبُ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا حَتّى لا تَتَناقَضَ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الخِلافَ في الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ المَوْجُودِ والمَعْدُومِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ . [الأنْعامِ: ١٩] والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصُ: ٨٨] والمُسْتَثْنى داخِلٌ في المُسْتَثْنى مِنهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، وأبِي هاشِمٍ، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَقْدُورُ العَبْدِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُحْدَثَ حالَ حُدُوثِهِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ مُحالٌ، فالشَّيْءُ إنَّما يَكُونُ مَقْدُورًا قَبْلَ حُدُوثِهِ، وبَيانُ اسْتِدْلالِ الأصْحابِ أنَّ المُحْدَثَ حالَ وُجُودِهِ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، وهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي كَوْنَ الباقِي مَقْدُورًا تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّهُ حالَ البَقاءِ مَقْدُورُهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إعْدامِهِ، أمّا حالَ الحُدُوثِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلى إعْدامِهِ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَصِيرَ مَعْدُومًا في أوَّلِ زَمانِ وُجُودِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيجادِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَخْصِيصُ العامِّ جائِزٌ في الجُمْلَةِ، وأيْضًا تَخْصِيصُ العامِّ جائِزٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى نَفْسِهِ ثُمَّ خُصَّ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ صفحة ٧٥ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْكُلِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ غَيْرُ صادِقٍ في الكُلِّ كانَ هَذا كَذِبًا، وذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ في القُرْآنِ، قُلْنا: لَفْظُ الكُلِّ كَما أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في المَجْمُوعِ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الأكْثَرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مَجازًا مَشْهُورًا في اللُّغَةِ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيهِ كَذِبًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:21

القَوْلُ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ أمّا التَّوْحِيدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ أحْكامَ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] وفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ فِيهِ مَزِيدَ هَزٍّ وتَحْرِيكٍ مِنَ السّامِعِ كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ حاكِيًا عَنْ ثالِثٍ: إنَّ فُلانًا مِن قِصَّتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ثُمَّ تُخاطِبُ ذَلِكَ الثّالِثَ، فَقُلْتَ: يا فُلانُ مِن حَقِّكَ أنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَةَ الحَمِيدَةَ في مَجارِي أُمُورِكَ، فَهَذا الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ يُوجِبُ مَزِيدَ تَحْرِيكٍ لِذَلِكَ الثّالِثِ. وثانِيها: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: جَعَلْتُ الرَّسُولَ واسِطَةً بَيْنِي وبَيْنَكَ أوَّلًا، ثُمَّ الآنَ أزِيدُ في إكْرامِكَ وتَقْرِيبِكَ، فَأُخاطِبُكَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، لِيَحْصُلَ لَكَ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الأدِلَّةِ، شَرَفُ المُخاطَبَةِ والمُكالَمَةِ. وثالِثُها: أنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ العَبْدَ إذا كانَ مُشْتَغِلًا بِالعُبُودِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في التَّرَقِّي، بِدَلِيلِ أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ. ورابِعُها: أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ كانَتْ في حِكايَةِ أحْوالِهِمْ، وأمّا هَذِهِ الآياتُ فَإنَّها أمْرٌ وتَكْلِيفٌ، فَفِيهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ فَلا بُدَّ مِن راحَةٍ تُقابِلُ هَذِهِ الكُلْفَةَ، وتِلْكَ الرّاحَةُ هي أنْ يَرْفَعَ مَلِكُ المُلُوكِ الواسِطَةَ مِنَ البَيْنِ ويُخاطِبَهم بِذاتِهِ، كَما أنَّ العَبْدَ إذا أُلْزِمَ تَكْلِيفًا شاقًّا فَلَوْ شافَهَهُ المَوْلى، وقالَ: أُرِيدُ مِنكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ الشّاقُّ لَذِيذًا لِأجْلِ ذَلِكَ الخِطابِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حُكِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ، وما كانَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَبِالمَدِينَةِ، قالَ القاضِي: هَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كانَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلى النَّقْلِ فَمُسَلَّمٌ، وإنْ كانَ السَّبَبُ فِيهِ حُصُولَ المُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ عَلى الكَثْرَةِ دُونَ مَكَّةَ فَهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ مَرَّةً بِصِفَتِهِمْ، ومَرَّةً بِاسْمِ جِنْسِهِمْ، وقَدْ يُؤْمَرُ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِالعِبادَةِ، كَما يُؤْمَرُ صفحة ٧٦ المُؤْمِنُ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى العِبادَةِ والِازْدِيادِ مِنها، فالخِطابُ في الجَمِيعِ مُمْكِنٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الألْفاظَ في الأغْلَبِ عِباراتٌ دالَّةٌ عَلى أُمُورٍ هي: إمّا الألْفاظُ أوْ غَيْرُها، أمّا الألْفاظُ فَهي: كالِاسْمِ والفِعْلِ والحَرْفِ، فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ يَدُلُّ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، هو في نَفْسِهِ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ، وغَيْرُ الألْفاظِ: فَكالحَجَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، ولَفْظُ النِّداءِ لَمْ يُجْعَلْ دَلِيلًا عَلى شَيْءٍ آخَرَ، بَلْ هو لَفْظٌ يَجْرِي مَجْرى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عامِلٌ لِأجْلِ التَّنْبِيهِ. فَأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَنا: ”يا زَيْدُ“ بِأُنادِي زَيْدًا، أوْ أُخاطِبُ زَيْدًا فَهو خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَنا: أُنادِي زَيْدًا خَبَرٌ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ والتَّكْذِيبَ، وقَوْلُنا: يا زَيْدُ، لا يَحْتَمِلُها. وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا يا زَيْدُ، يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ زَيْدٍ مُنادًى في الحالِ، وقَوْلُنا أُنادِي زَيْدًا، لا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَنا: يا زَيْدُ يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ زَيْدٍ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ، وقَوْلُنا: أُنادِي زَيْدًا لا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ يُخْبِرُ إنْسانًا آخَرَ بِأنِّي أُنادِي زَيْدًا. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَنا أُنادِي زَيْدًا إخْبارٌ عَنِ النِّداءِ، والإخْبارُ عَنِ النِّداءِ غَيْرُ النِّداءِ، والنِّداءُ هو قَوْلُنا: يا زَيْدُ، فَإذَنْ قَوْلُنا: أُنادِي زَيْدًا، غَيْرُ قَوْلِنا: يا زَيْدُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ هَذا القَوْلِ، ثُمَّ هَهُنا نُكْتَةٌ نَذْكُرُها وهي: أنَّ أقْوى المَراتِبِ الِاسْمُ، وأضْعَفَها الحَرْفُ، فَظَنَّ قَوْمٌ أنَّهُ لا يَأْتَلِفُ الِاسْمُ بِالحَرْفِ، وكَذا أعْظَمُ المَوْجُوداتِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأضْعَفُها البَشَرُ ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّساءِ: ٢٨] فَقالَتِ المَلائِكَةُ: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَقِيلَ: قَدْ يَأْتَلِفُ الِاسْمُ مَعَ الحَرْفِ في حالِ النِّداءِ، فَكَذا البَشَرُ يَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ حالَ النِّداءِ والتَّضَرُّعِ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣]، ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”يا“ حَرْفٌ وُضِعَ في أصْلِهِ لِنِداءِ البَعِيدِ وإنْ كانَ لِنِداءِ القَرِيبِ لَكِنْ لِسَبَبِ أمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا، وأمّا نِداءُ القَرِيبِ فَلَهُ: أيْ والهَمْزَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في نِداءِ مَن سَها وغَفَلَ وإنَ قَرُبَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ يَقُولُ الدّاعِي يا رَبِّ يا أللَّهُ وهو ﴿أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ؟ . قُلْنا: هو اسْتِبْعادٌ لِنَفْسِهِ مِن مَظانِّ الزُّلْفى وما يُقَرِّبُهُ إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وإقْرارًا عَلَيْها بِالتَّنْقِيصِ حَتّى يَتَحَقَّقَ الإجابَةَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي“ أوْ لِأجْلِ أنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ لِلدّاعِي. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ”أيْ“ وصْلَةٌ إلى نِداءِ ما فِيهِ الألِفُ واللّامُ كَما أنَّ ”ذُو“ و”الَّذِي“ وصْلَتانِ إلى الوَصْفِ بِأسْماءِ الأجْناسِ ووَصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهو اسْمٌ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلى ما يُزِيلُ إبْهامَهُ، فَلا بُدَّ وأنْ يُرْدِفَهُ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ يَتَّصِفُ بِهِ حَتّى يَحْصُلَ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ، فالَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ حَرْفُ النِّداءِ هو أيْ والِاسْمُ التّابِعُ لَهُ صِفَةٌ كَقَوْلِكَ: يا زَيْدُ الظَّرِيفَ إلّا أنَّ أيا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلالَ زَيْدٍ فَلَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها، وأمّا كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ المُقْحَمَةُ بَيْنَ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها فَفِيها فائِدَتانِ: الأُولى: مُعاضَدَةُ حَرْفِ النِّداءِ بِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، والثّانِيَةُ: وُقُوعُها عِوَضًا مِمّا يَسْتَحِقُّهُ أيْ مِنَ الإضافَةِ، وإنَّما كَثُرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى النِّداءُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِاسْتِقْلالِهِ بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ والمُبالَغاتِ، فَإنَّ كُلَّ ما نادى اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والوَعْدِ والوَعِيدِ، واقْتِصاصِ أخْبارِ المُتَقَدِّمِينَ بِأُمُورٍ عِظامٍ، وأشْياءَ يَجِبُ عَلى المُسْتَمِعِينَ أنْ يَتَيَقَّظُوا لَها مَعَ أنَّهم غافِلُونَ عَنْها، فَلِهَذا وجَبَ أنْ يُنادَوْا بِالأبْلَغِ الآكَدِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ كُلَّ النّاسِ صفحة ٧٧ بِالعِبادَةِ فَلَوْ خَرَجَ البَعْضُ عَنْ هَذا الخِطابِ لَكانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ. وهَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِلامِ التَّعْرِيفِ يُفِيدُ العُمُومَ، والخِلافُ فِيهِ مَعَ الأشْعَرِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرٍ وأبِي هاشِمٍ، لَنا أنَّهُ يَصِحُّ تَأْكِيدُهُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠] ولَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ في أصْلِهِ لِلْعُمُومِ لَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّهُمْ﴾ تَأْكِيدًا، بَلْ بَيانًا؛ ولِأنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ عَنْهُ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ فَوَجَبَ أنْ يُفِيدَ العُمُومَ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ. البَحْثُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ فَهَلْ يَتَناوَلُ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْ لا ؟ والأقْرَبُ أنَّهُ لا يَتَناوَلُهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ وخِطابُ المُشافَهَةِ مَعَ المَعْدُومِ لا يَجُوزُ، وأيْضًا فالَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ما كانُوا مَوْجُودِينَ في تِلْكَ الحالَةِ، وما لا يَكُونُ مَوْجُودًا لا يَكُونُ إنْسانًا، وما لا يَكُونُ إنْسانًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَوَجَبَ أنْ لا يَتَناوَلَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الخِطاباتِ الَّذِينَ وُجِدُوا بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمانِ وأنَّهُ باطِلٌ قَطْعًا، قُلْنا: لَوْ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ لَكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا عَرَفْنا بِالتَّواتُرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ تِلْكَ الخِطاباتِ ثابِتَةٌ في حَقِّ مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قِيامِ السّاعَةِ فَلِهَذِهِ الدَّلالَةِ المُنْفَصِلَةِ حَكَمْنا بِالعُمُومِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أمْرٌ لِلْكُلِّ بِالعِبادَةِ فَهَلْ يُفِيدُ أمْرُ الكُلِّ بِكُلِّ عِبادَةٍ ؟ الحَقُّ لا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ اعْبُدُوا مَعْناهُ ادْخُلُوا هَذِهِ الماهِيَّةَ في الوُجُودِ، فَإذا أتَوْا بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ في الوُجُودِ فَقَدْ أدْخَلُوا الماهِيَّةَ في الوُجُودِ؛ لِأنَّ الفَرْدَ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ مُشْتَمِلٌ عَلى الماهِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنِ العِبادَةِ مَعَ قَيْدِ كَوْنِها هَذِهِ، ومَتى وُجِدَ المُرَكَّبَ فَقَدْ وُجِدَ قَيْداهُ، فالآتِي بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِبادَةِ آتٍ بِالعِبادَةِ، والآتِي بِالعِبادَةِ آتٍ بِتَمامِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ خُرُوجُهُ عَنِ العُهْدَةِ، فَإنْ أرَدْنا أنْ نَجْعَلَهُ دالًّا عَلى العُمُومِ نَقُولُ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ كَوْنِها عِبادَةً؛ لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الوَصْفِ، لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ، وهَهُنا كَوْنُ العِبادَةِ عِبادَةً يُناسِبُ الأمْرَ بِها، لِما أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارِ الخُضُوعِ لَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مُناسِبٌ في العُقُولِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ عِبادَةً عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِها وجَبَ في كُلِّ عِبادَةٍ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِها؛ لِأنَّهُ أيْنَما حَصَلَتِ العِلَّةُ وجَبَ حُصُولُ الحُكْمِ لا مَحالَةَ. البَحْثُ الرّابِعُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا﴾ لا يَتَناوَلُ الكُفّارَ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ، أمّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ؛ فَلِأنَّ الأمْرَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ يَتَناوَلَهُ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عارِفٍ بِاللَّهِ تَعالى أوْ حالَ كَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى، أمّا إنْ تَناوَلَهُ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عارِفٍ بِاللَّهِ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عارِفًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالصِّفَةِ مَعَ الجَهْلِ بِالذّاتِ مُحالٌ فَلَوْ تَناوَلَهُ الأمْرُ في هَذِهِ الحالَةِ لَكانَ قَدْ تَناوَلَهُ الأمْرُ في حالٍ يَسْتَحِيلُ مِنهُ أنْ يَعْرِفَ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الأمْرِ، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، وإنْ تَناوَلَهُ الأمْرُ بِالمَعْرِفَةِ حالَ كَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ فَذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَثَبَتَ أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، وإذا اسْتَحالَ ذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُؤْمَرَ بِالعِبادَةِ قَبْلَ صفحة ٧٨ المَعْرِفَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يَعْرِفُ مُمْتَنِعَةٌ أوْ يُؤْمَرُ بِالعِبادَةِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ مَوْقُوفًا عَلى الأمْرِ بِالمَعْرِفَةِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرِفَةِ مُمْتَنِعًا كانَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ أيْضًا مُمْتَنِعًا، وأيْضًا يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَأمْرُهم بِالعِبادَةِ يَكُونُ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، كَما أنَّ الأمْرَ بِالزَّكاةِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ مِلْكِ النِّصابِ، وهَؤُلاءِ هُمُ القائِلُونَ بِأنَّ المَعارِفَ ضَرُورِيَّةٌ، وأمّا مَن لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَعارِفَ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً فَقالَ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ حاصِلٌ، والعِبادَةُ لا تُمْكِنُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، والأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِما هو مِن ضَرُورِيّاتِهِ، كَما أنَّ الطَّهارَةَ إذا لَمْ تَصِحَّ إلّا بِإحْضارِ الماءِ كانَ إحْضارُ الماءِ واجِبًا، والدَّهْرِيُّ لا يَصِحُّ مِنهُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إلّا بِتَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَتْ، والمُحْدِثُ لا تَصِحُّ مِنهُ الصَّلاةُ إلّا بِتَقْدِيمِ الطَّهارَةِ فَوَجَبَتْ، والمُودِعُ لا يُمْكِنُهُ رَدُّ الوَدِيعَةِ إلّا بِالسَّعْيِ إلَيْها، فَكانَ السَّعْيُ واجِبًا، فَكَذا هَهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافِرُ مُخاطَبًا بِالعِبادَةِ، وشَرْطُ الإتْيانِ بِها الإتْيانُ بِالإيمانِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَقِيَ لَهم: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ مُحالٌ، قُلْنا: هَذِهِ المَسْألَةُ مُسْتَقْصاةٌ في الأُصُولِ والَّذِي نَقُولُ هَهُنا: إنَّ هَذا الكَلامَ وإنْ تَمَّ في كُلِّ ما يَتَوَقَّفُ العِلْمُ يَكُونُ اللَّهُ آمِرًا عَلى العِلْمِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يَجْرِي فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِذَلِكَ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ هَذا الأمْرُ بِتَناوُلِ المُؤْمِنِينَ ؟ . قَوْلُهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، قُلْنا: لَمّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَنَحْمِلُهُ إمّا عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى العِبادَةِ أوْ عَلى الأمْرِ بِالِازْدِيادِ مِنها، ومَعْلُومٌ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى العِبادَةِ عِبادَةٌ، فَصَحَّ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا﴾ بِالزِّيادَةِ في العِبادَةِ. البَحْثُ الخامِسُ: قالَ مُنْكِرُو التَّكْلِيفِ: لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّكْلِيفِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّكْلِيفَ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ عَلى العَبْدِ حالَ اسْتِواءِ دَواعِيهِ إلى الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّ في حالِ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ التَّرْجِيحِ؛ لِأنَّ الِاسْتِواءَ يُناقِضُ التَّرْجِيحَ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، والتَّكْلِيفُ بِالفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِيِينَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فالرّاجِحُ واجِبُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ المَرْجُوحَ حالَ ما كانَ مُساوِيًا لِلرّاجِحِ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإلّا فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجِّحٍ، وإذا كانَ حالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ فَبِأنْ يَصِيرَ حالَ المَرْجُوحِيَّةِ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ أوْلى، وإذا كانَ المَرْجُوحُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ كانَ الرّاجِحُ واجِبَ الوُقُوعِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خُرُوجَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالتَّكْلِيفُ إنْ وقَعَ بِالرّاجِحِ كانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا بِإيجادِ ما يَجِبُ وُقُوعُهُ، وإنْ وقَعَ بِالمَرْجُوحِ كانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا بِما يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ، وكِلاهُما تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. وثانِيها: أنَّ الَّذِي ورَدَ بِهِ التَّكْلِيفُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ في الأزَلِ وُقُوعَهُ، أوْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقَعُ أوْ لَمْ يَعْلَمْ لا هَذا ولا ذاكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعَ العَدَمِ، فَلا فائِدَةَ في وُرُودِ الأمْرِ بِهِ، وإنْ عُلِمَ لا وُقُوعُهُ كانَ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ واجِبَ العَدَمِ، فَكانَ الأمْرُ بِإيقاعِهِ أمْرًا بِإيقاعِ المُمْتَنِعِ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ لا هَذا ولا ذاكَ كانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِالجَهْلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو مُحالٌ؛ ولِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَتَمَيَّزُ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في الطّاعَةِ فائِدَةٌ. وثالِثُها: أنَّ وُرُودَ الأمْرِ بِالتَّكالِيفِ إمّا أنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ أوْ لا لِفائِدَةٍ، فَإنْ كانَ لِفائِدَةٍ فَهي إمّا عائِدَةٌ إلى المَعْبُودِ أوْ إلى العابِدِ أمّا إلى المَعْبُودِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَكُونُ كامِلًا بِغَيْرِهِ؛ ولِأنّا نَعْلَمُ صفحة ٧٩ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإلَهَ العالِيَ عَلى الدَّهْرِ والزَّمانِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْتَفِعَ بِرُكُوعِ العَبْدِ وسُجُودِهِ، وأمّا إلى العابِدِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الفَوائِدِ مَحْصُورَةٌ في حُصُولِ اللَّذَّةِ ودَفْعِ الألَمِ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ كُلِّ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ هَذِهِ المَشاقِّ، فَيَكُونُ تَوَسُّطُها عَبَثًا، والعَبَثُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ. ورابِعُها: أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها، ومَن لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مُوجِدًا لَهُ، وإذا لَمْ يَكُنِ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ فَإنَّ أمْرَهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ حالَ ما خَلَقَهُ فِيهِ فَقَدْ أمَرَهُ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنْ أمَرَهُ بِهِ حالَ ما لَمْ يَخْلُقْهُ فِيهِ فَقَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ. وخامِسُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ إنَّما هو تَطْهِيرُ القَلْبِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ، فَلَوْ قَدَّرْنا إنْسانًا مُشْتَغِلَ القَلْبِ دائِمًا بِاللَّهِ تَعالى، وبِحَيْثُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهَذِهِ الأفْعالِ الظّاهِرَةِ لَصارَ ذَلِكَ عائِقًا لَهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ هَذِهِ التَّكالِيفُ الظّاهِرَةُ، فَإنَّ الفُقَهاءَ والقِياسِيِّينَ قالُوا: إذا لاحَ المَقْصُودُ والحِكْمَةُ في التَّكالِيفِ وجَبَ اتِّباعُ الأحْكامِ المَعْقُولَةِ لا اتِّباعُ الظَّواهِرِ. والجَوابُ عَنِ الشُّبَهِ الثَّلاثَةِ الأُولى مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْحابَ هَذِهِ الشُّبَهِ أوْجَبُوا بِما ذَكَرُوهُ اعْتِقادَ عَدَمِ التَّكالِيفِ، فَهَذا تَكْلِيفٌ يَنْفِي التَّكْلِيفَ وأنَّهُ مُتَناقِضٌ. الثّانِي: أنَّ عِنْدَنا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ شَيْءٍ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ أوْ غَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ مالِكٌ، والمالِكُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ. البَحْثُ السّادِسُ: قالُوا: الأمْرُ بِالعِبادَةِ، وإنْ كانَ عامًّا لِكُلِّ النّاسِ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ مَن لا يَفْهَمُ كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والغافِلِ والنّاسِي، وفي حَقِّ مَن لا يَقْدِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] . ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ العَبِيدِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمْ طاعَةَ مَوالِيهِمْ، واشْتِغالُهم بِطاعَةِ المَوالِي يَمْنَعُهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالعِبادَةِ، والأمْرُ الدّالُّ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ المَوْلى أخَصُّ مِنَ الأمْرِ الدّالِّ عَلى وُجُوبِ العِبادَةِ، والخاصُّ يُقَدَّمُ عَلى العامِّ، والكَلامُ في هَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ وُجُودِ العِبادَةِ ما بَيَّنَهُ مِن خَلْقِهِ لَنا والإنْعامِ عَلَيْنا، واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الثَّوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ خَلْقُهُ إيّانا وإنْعامُهُ عَلَيْنا سَبَبًا لِوُجُوبِ العِبادَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اشْتِغالُنا بِالعِبادَةِ أداءً لِلْواجِبِ، والإنْسانُ لا يَسْتَحِقُّ بِأداءِ الواجِبِ شَيْئًا فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العَبْدُ عَلى العِبادَةِ ثَوابًا عَلى اللَّهِ تَعالى. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِعِبادَةِ الرَّبِّ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وهو خَلْقُ المُكَلَّفِينَ وخَلْقُ مَن قَبْلَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وطَعَنَ قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِيَّةِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وقالُوا: الِاشْتِغالُ بِهَذا العِلْمِ بِدْعَةٌ، ولَنا في إثْباتِ مَذْهَبِنا وُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ وعَقْلِيَّةٌ، وهَهُنا ثَلاثُ مَقاماتٍ: المَقامُ الأوَّلُ: في بَيانِ فَضْلِ هَذا العِلْمِ وهو مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَفَ العِلْمِ بِشَرَفِ المَعْلُومِ فَمَهْما كانَ المَعْلُومُ أشْرَفَ كانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِهِ أشْرَفَ، فَلَمّا كانَ أشْرَفَ المَعْلُوماتِ ذاتُ اللَّهِ تَعالى وصِفاتُهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِهِ أشْرَفَ العُلُومِ. صفحة ٨٠ وثانِيها: أنَّ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ دِينِيًّا أوْ غَيْرَ دِينِيٍّ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ الدِّينِيَّ أشْرَفُ مِن غَيْرِ الدِّينِيِّ، وأمّا العِلْمُ الدِّينِيُّ فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عِلْمَ الأُصُولِ، أوْ ما عَداهُ، أمّا ما عَداهُ فَإنَّهُ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ؛ لِأنَّ المُفَسِّرَ إنَّما يَبْحَثُ عَنْ مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ فَرْعٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ المُتَكَلِّمِ، وأمّا المُحَدِّثُ فَإنَّما يَبْحَثُ عَنْ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ فَرْعٌ عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، والفَقِيهُ إنَّما يَبْحَثُ عَنْ أحْكامِ اللَّهِ، وذَلِكَ فَرْعٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ مُفْتَقِرَةٌ إلى عِلْمِ الأُصُولِ، والظّاهِرُ أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ غَنِيٌّ عَنْها فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِلْمُ الأُصُولِ أشْرَفَ العُلُومِ. وثالِثُها: أنَّ شَرَفَ الشَّيْءِ قَدْ يَظْهَرُ بِواسِطَةِ خَساسَةِ ضِدِّهِ، فَكُلَّما كانَ ضِدُّهُ أخَسَّ كانَ هو أشْرَفَ، وضِدُّ عِلْمِ الأُصُولِ هو الكُفْرُ والبِدْعَةُ، وهُما مِن أخَسِّ الأشْياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِلْمُ الأُصُولِ أشْرَفَ الأشْياءِ. ورابِعُها: أنَّ شَرَفَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِشَرَفِ مَوْضُوعِهِ وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ لِقُوَّةِ بَراهِينِهِ، وعِلْمُ الأُصُولِ مُشْتَمِلٌ عَلى الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَ الهَيْئَةِ أشْرَفُ مِن عِلْمِ الطِّبِّ نَظَرًا إلى أنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الهَيْئَةِ أشْرَفُ مِن مَوْضُوعِ عِلْمِ الطِّبِّ، وإنْ كانَ الطِّبُّ أشْرَفَ مِنهُ نَظَرًا إلى أنَّ الحاجَةَ إلى الطِّبِّ أكْثَرُ مِنَ الحاجَةِ إلى الهَيْئَةِ، وعِلْمُ الحِسابِ أشْرَفُ مِنهُما نَظَرًا إلى أنَّ بَراهِينَ عِلْمِ الحِسابِ أقْوى، أمّا عِلْمُ الأُصُولِ فالمَطْلُوبُ مِنهُ مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ومَعْرِفَةُ أقْسامِ المَعْلُوماتِ مِنَ المَعْدُوماتِ والمَوْجُوداتِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أشْرَفَ الأُمُورِ، وأمّا الحاجَةُ إلَيْهِ فَشَدِيدَةٌ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إمّا في الدِّينِ أوْ في الدُّنْيا، أمّا في الدِّينِ فَشَدِيدَةٌ؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ هَذِهِ الأشْياءَ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ العَظِيمَ والتَحَقَ بِالمَلائِكَةِ، ومَن جَهِلَها اسْتَوْجَبَ العِقابَ العَظِيمَ والتَحَقَ بِالشَّياطِينِ، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ مَصالِحَ العالَمِ إنَّما تَنْتَظِمُ عِنْدَ الإيمانِ بِالصّانِعِ والبَعْثِ والحَشْرِ، إذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإيمانُ لَوَقَعَ الهَرَجُ والمَرَجُ في العالَمِ، وأمّا قُوَّةُ البَراهِينِ فَبَراهِينُ هَذا العِلْمِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتٍ يَقِينِيَّةٍ تَرْكِيبًا يَقِينِيًّا وهَذا هو النِّهايَةُ في القُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العِلْمَ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ جِهاتِ الشَّرَفِ والفَضْلِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ العُلُومِ. وخامِسُها: أنَّ هَذا العِلْمَ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ النَّسْخُ ولا التَّغْيِيرُ، ولا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والنَّواحِي بِخِلافِ سائِرِ العُلُومِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ العُلُومِ. وسادِسُها: أنَّ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى مَطالِبِ هَذا العِلْمِ وبَراهِينِها أشْرَفُ مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَطالِبِ الفِقْهِيَّةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ جاءَ في فَضِيلَةِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] و﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وآيَةِ الكُرْسِيِّ ما لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ في فَضِيلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العِلْمَ أفْضَلُ. وسابِعُها: أنَّ الآياتِ الوارِدَةَ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أقَلُّ مِن سِتِّمِائَةِ آيَةٍ، وأمّا البَواقِي فَفي بَيانِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ وأصْنافِ المُشْرِكِينَ، وأمّا الآياتُ الوارِدَةُ في القَصَصِ فالمَقْصُودُ مِنها مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يُوسُفَ: ١١١] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا العِلْمَ أفْضَلُ، ونُشِيرُ إلى مَعاقِدِ الدَّلائِلِ: أمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ فالقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنهُ: أوَّلُها: ما ذُكِرَ هَهُنا مِنَ الدَّلائِلِ الخَمْسَةِ وهي خَلْقُ المُكَلَّفِينَ وخَلْقُ مَن قَبْلَهم، وخَلْقُ السَّماءِ وخَلْقُ صفحة ٨١ الأرْضِ، وخَلْقُ الثَّمَراتِ مِنَ الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وكُلُّ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن عَجائِبِ السَّماواتِ والأرْضِ، فالمَقْصُودُ مِنهُ ذَلِكَ، وأمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى الصِّفاتِ. أمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥، ٦] وهَذا هو عَيْنُ دَلِيلِ المُتَكَلِّمِينَ فَإنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِأحْكامِ الأفْعالِ وإتْقانِها عَلى عِلْمِ الصّانِعِ، وهَهُنا اسْتَدَلَّ الصّانِعُ سُبْحانَهُ بِتَصْوِيرِ الصُّوَرِ في الأرْحامِ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِالأشْياءِ، وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [المُلْكِ: ١٤] وهو عَيْنُ تِلْكَ الدَّلالَةِ وقالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْبِرٌ عَنِ المُغَيَّباتِ فَتَقَعُ تِلْكَ الأشْياءُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الخَبَرِ، فَلَوْلا كَوْنُهُ عالِمًا بِالمُغَيَّباتِ وإلّا لَما وقَعَ كَذَلِكَ، وأمّا صِفَةُ القُدْرَةِ فَكُلُّ ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن حُدُوثِ الثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ والحَيَواناتِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الطَّبائِعِ الأرْبَعِ فَذاكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ قادِرًا مُخْتارًا لا مُوجَبًا بِالذّاتِ، وأمّا التَّنْزِيهُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في مَكانٍ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَإنَّ المُرَكَّبَ مُفْتَقِرٌ إلى أجْزائِهِ والمُحْتاجَ مُحْدَثٌ، وإذا كانَ أحَدًا وجَبَ أنْ لا يَكُونُ جِسْمًا وإذا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ في المَكانِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ و[الأنْبِياءِ: ٢٢] قَوْلُهُ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩١] وأمّا النُّبُوَّةُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣] وأمّا المَعادُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وأنْتَ لَوْ فَتَّشْتَ عِلْمَ الكَلامِ لَمْ تَجِدْ فِيهِ إلّا تَقْرِيرَ هَذِهِ الدَّلائِلِ والذَّبَّ عَنْها ودَفْعَ المَطاعِنِ والشُّبُهاتِ القادِحَةِ فِيها، أفَتَرى أنَّ عِلْمَ الكَلامِ يُذَمُّ لِاشْتِمالِهِ عَلى هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ أوْ لِاشْتِمالِهِ عَلى دَفْعِ المَطاعِنِ والقَوادِحِ عَنْ هَذِهِ الأدِلَّةِ؟ ما أرى أنَّ عاقِلًا مُسْلِمًا يَقُولُ ذَلِكَ ويَرْضى بِهِ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ عَنِ المَلائِكَةِ وأكْثَرِ الأنْبِياءِ، أمّا المَلائِكَةُ فَلِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] كانَ المُرادُ أنَّ خَلْقَ مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ قَبِيحٌ، والحَكِيمُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ إنِّي لَمّا كُنْتُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ كُنْتُ قَدْ عَلِمْتُ في خَلْقِهِمْ وتَكْوِينِهِمْ حِكْمَةً لا تَعْلَمُونَها أنْتُمْ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا هو المُناظَرَةُ، وأمّا مُناظَرَةُ اللَّهِ تَعالى مَعَ إبْلِيسَ فَهي أيْضًا ظاهِرَةٌ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَأوَّلُهم آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى حُجَّتَهُ عَلى فَضْلِهِ بِأنْ أظْهَرَ عِلْمَهُ عَلى المَلائِكَةِ وذَلِكَ مَحْضُ الِاسْتِدْلالِ، وأمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢] ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ ما كانَتْ في تَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ كانَتْ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فالمُجادَلَةُ في نُصْرَةِ الحَقِّ في هَذا العِلْمِ هي حِرْفَةُ الأنْبِياءِ، وأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالِاسْتِقْصاءُ في شَرْحِ أحْوالِهِ في هَذا البابِ يَطُولُ ولَهُ مَقاماتٌ: أحَدُها: مَعَ نَفْسِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] وهَذا هو طَرِيقَةُ المُتَكَلِّمِينَ في الِاسْتِدْلالِ بِتَغَيُّرِها عَلى حُدُوثِها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٢] صفحة ٨٢ وثانِيها: حالُهُ مَعَ أبِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] . وثالِثُها: حالُهُ مَعَ قَوْمِهِ تارَةً بِالقَوْلِ وأُخْرى بِالفِعْلِ، أمّا بِالقَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٢] وأمّا بِالفِعْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٨] . ورابِعُها: حالُهُ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] إلى آخِرِهِ، وكُلُّ مَن سَلِمَتْ فِطْرَتُهُ عَلِمَ أنَّ عِلْمَ الكَلامِ لَيْسَ إلّا تَقْرِيرَ هَذِهِ الدَّلائِلِ ودَفْعَ الأسْئِلَةِ والمُعارَضاتِ عَنْها، فَهَذا كُلُّهُ بَحْثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في المَبْدَأِ، وأمّا بَحْثُهُ في المَعادِ فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] إلى آخِرِهِ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فانْظُرْ إلى مُناظَرَتِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، أمّا التَّوْحِيدُ فاعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما يُعَوِّلُ في أكْثَرِ الأمْرِ عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سُورَةِ طَه: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طَه: ٤٩، ٥٠] وهَذا هو الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٦] وهَذا هو الَّذِي قالَهُ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] فَلَمّا لَمْ يَكْتَفِ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ وطالَبَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ قالَ مُوسى: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] فَهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ حِرْفَةُ هَؤُلاءِ المَعْصُومِينَ، وأنَّهم كَما اسْتَفادُوها مِن عُقُولِهِمْ فَقَدْ تَوارَثُوها مِن أسْلافِهِمُ الطّاهِرِينَ، وأمّا اسْتِدْلالُ مُوسى عَلى النُّبُوَّةِ بِالمُعْجِزَةِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا هو الِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاشْتِغالُهُ بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ أظْهَرُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى التَّطْوِيلِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنهُ، ولَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبْتَلًى بِجَمِيعِ فِرَقِ الكُفّارِ. فالأوَّلُ: الدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٤] واللَّهُ تَعالى أبْطَلَ قَوْلَهم بِأنْواعِ الدَّلائِلِ. والثّانِي: الَّذِينَ يُنْكِرُونَ القادِرَ المُخْتارَ، واللَّهُ تَعالى أبْطَلَ قَوْلَهم بِحُدُوثِ أنْواعِ النَّباتِ وأصْنافِ الحَيَواناتِ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الطَّبائِعِ وتَأْثِيراتِ الأفْلاكِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ القادِرِ. والثّالِثُ: الَّذِينَ أثْبَتُوا شَرِيكًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ الشَّرِيكُ إمّا أنْ يَكُونَ عُلْوِيًّا أوْ سُفْلِيًّا، أمّا الشَّرِيكُ العُلْوِيُّ فَمِثْلُ مَن جَعَلَ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةً في هَذا العالَمِ، واللَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِدَلِيلِ الخَلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] وأمّا الشَّرِيكُ السُّفْلِيُّ فالنَّصارى قالُوا بِإلاهِيَّةِ المَسِيحِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ قالُوا بِإلاهِيَّةِ الأوْثانِ، واللَّهُ تَعالى أكْثَرَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ. الرّابِعُ: الَّذِينَ طَعَنُوا في النُّبُوَّةِ وهم فَرِيقانِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ طَعَنُوا في أصْلِ النُّبُوَّةِ وهُمُ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٤] . والثّانِي: الَّذِينَ سَلَّمُوا أصْلَ النُّبُوَّةِ وطَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّ طَعْنَهم مِن وُجُوهٍ تارَةً بِالطَّعْنِ في القُرْآنِ فَأجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] وتارَةً بِالتِماسِ سائِرِ صفحة ٨٣ المُعْجِزاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، وتارَةً بِأنَّ هَذا القُرْآنَ نَزَلَ نَجْمًا نَجْمًا، وذَلِكَ يُوجِبُ تَطَرُّقَ التُّهْمَةِ إلَيْهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] . الخامِسُ: الَّذِينَ نازَعُوا في الحَشْرِ والنَّشْرِ، واللَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ وعَلى إبْطالِ قَوْلِ المُنْكِرِينَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ. السّادِسُ: الَّذِينَ طَعَنُوا في التَّكْلِيفِ تارَةً بِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]، وتارَةً بِأنَّ الحَقَّ هو الجَبْرُ، وأنَّهُ يُنافِي صِحَّةَ التَّكْلِيفِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وإنَّما اكْتَفَيْنا في هَذا المَقامِ بِهَذِهِ الإشاراتِ المُخْتَصَرَةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْصاءَ فِيها مَذْكُورٌ في جُمْلَةِ هَذا الكِتابِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الحِرْفَةَ هي حِرْفَةُ كُلِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلِمْنا أنَّ الطّاعِنَ فِيها إمّا أنْ يَكُونَ كافِرًا أوْ جاهِلًا. * * * المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَحْصِيلَ هَذا العِلْمِ مِنَ الواجِباتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْقُولُ والمَنقُولُ: أمّا المَعْقُولُ: فَهو أنَّهُ لَيْسَ تَقْلِيدُ البَعْضِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ الباقِي، فَإمّا أنْ يَجُوزَ تَقْلِيدُ الكُلِّ فَيَلْزَمُنا تَقْلِيدُ الكُفّارِ، وإمّا أنْ يُوجَبَ تَقْلِيدُ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ فَيَلْزَمُ أنْ يَصِيرَ الرَّجُلُ مُكَلَّفًا بِتَقْلِيدِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ سَبِيلٌ إلى أنَّهُ لِمَ قَلَّدَ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وإمّا أنْ لا يَجُوزَ التَّقْلِيدُ أصْلًا، وهو المَطْلُوبُ، فَإذا بَطَلَ التَّقْلِيدُ لَمْ يَبْقَ إلّا هَذِهِ الطَّرِيقَةُ النَّظَرِيَّةُ. وأمّا المَنقُولُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ الآياتُ والأخْبارُ، أمّا الآياتُ: فَأحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: بِالحِكْمَةِ؛ أيْ بِالبُرْهانِ والحُجَّةِ، فَكانَتِ الدَّعْوَةُ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ إلى اللَّهِ تَعالى مَأْمُورًا بِها. وقَوْلُهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُجادَلَةَ في فُرُوعِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّ مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ فَلا فائِدَةَ في الخَوْضِ مَعَهُ في تَفارِيعِ الشَّرْعِ، ومَن أثْبَتَ نُبُوَّتَهُ فَإنَّهُ لا يُخالِفُهُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الجِدالَ كانَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَكانَ الجِدالُ فِيهِ مَأْمُورًا بِهِ ثُمَّ إنّا مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ولِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فَوَجَبَ كَوْنُنا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الجِدالِ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [ الحَجِّ: ٣، ٨، لُقْمانَ: ٢٠ ]، ذَمُّ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المُجادِلَ بِالعِلْمِ لا يَكُونُ مَذْمُومًا بَلْ يَكُونُ مَمْدُوحًا، وأيْضًا حَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هود: ٣٢] . وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالنَّظَرِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]، ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١]، ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . [الأعراف: ١٨٥] ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ التَّفَكُّرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١]، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣]، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ صفحة ٨٤ [طه: ٥٤، ١٢٨]، وأيْضًا ذَمَّ المُعْرِضِينَ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ التَّقْلِيدَ، فَقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وقالَ: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [لقمان: ٢١]، وقالَ: ﴿بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤]، وقالَ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]، وقالَ عَنْ والِدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ والتَّفَكُّرِ وذَمِّ التَّقْلِيدِ، فَمَن دَعا إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كانَ عَلى وفْقِ القُرْآنِ ودِينِ الأنْبِياءِ، ومَن دَعا إلى التَّقْلِيدِ كانَ عَلى خِلافِ القُرْآنِ وعَلى وِفاقِ دِينِ الكُفّارِ. وأمّا الأخْبارُ فَفِيها كَثْرَةٌ، ولْنَذْكُرْ مِنها وُجُوهًا: أحَدُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ”«جاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي فَزارَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي وضَعَتْ غُلامًا أسْوَدَ، فَقالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: فَما ألْوانُها ؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ: فَهَلْ فِيها مِن أوْرَقَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأنّى ذَلِكَ ؟ قالَ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قالَ: وهَذا عَسى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذا هو التَّمَسُّكُ بِالإلْزامِ والقِياسِ. وثانِيها: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”قالَ اللَّهُ تَعالى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُكَذِّبَنِي، وشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْتُمَنِي. أمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَما بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ خَلْقِهِ بِأهْوَنَ عَلَيَّ مِن إعادَتِهِ، وأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا وأنا اللَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ ألِدْ ولَمْ أُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أحَدٌ» “ فانْظُرْ كَيْفَ احْتَجَّ اللَّهُ تَعالى في المَقامِ الأوَّلِ بِالقُدْرَةِ عَلى الِابْتِداءِ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ، وفي المَقامِ الثّانِي احْتَجَّ بِالأحَدِيَّةِ عَلى نَفْيِ الجِسْمِيَّةِ والوالِدِيَّةِ والمَوْلُودِيَّةِ. وثالِثُها: رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ“ فَقالَتْ عائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ فَذاكَ كَراهَتُنا لِقاءَ اللَّهِ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”لا؛ ولَكِنَّ المُؤْمِنَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ فَأحَبَّ اللَّهَ لِقاءَهُ، والكافِرَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» “ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ والفِكْرَ في الدَّلائِلِ مَأْمُورٌ بِهِ. * * * واعْلَمْ أنَّ لِلْخَصْمِ مَقاماتٍ: أحَدُها: أنَّ النَّظَرَ لا يُفِيدُ العِلْمَ. وثانِيها: أنَّ النَّظَرَ المُفِيدَ لِلْعِلْمِ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وثالِثُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ. ورابِعُها: أنَّ الرَّسُولَ ما أمَرَ بِهِ. وخامِسُها: أنَّهُ بِدْعَةٌ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فاحْتَجَّ الخَصْمُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنّا إذا تَفَكَّرْنا وحَصَلَ لَنا عَقِيبَ فِكْرِنا اعْتِقادٌ فَعَلِمْنا بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ عِلْمًا، إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَأمَّلَ في اعْتِقادِهِ في كَوْنِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ عِلْمًا، وفي اعْتِقادِهِ في أنَّ الواحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وأنَّ الشَّمْسَ مُضِيئَةٌ، والنّارَ مُحْرِقَةٌ، وجَدَ الأوَّلَ أضْعَفَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَطَرُّقَ الضَّعْفِ إلى الأوَّلِ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ في ذَلِكَ الفِكْرِ الثّانِي كالكَلامِ في الأوَّلِ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. صفحة ٨٥ وثانِيها: أنّا رَأيْنا عالَمًا مِنَ النّاسِ قَدْ تَفَكَّرُوا واجْتَهَدُوا وحَصَلَ لَهم عَقِيبَ فِكْرِهِمُ اعْتِقادٌ، وكانُوا جازِمِينَ بِأنَّهُ عِلْمٌ ثُمَّ ظَهَرَ لَهم أوْ لِغَيْرِهِمْ أنَّ ذَلِكَ كانَ جَهْلًا فَرَجَعُوا عَنْهُ وتَرَكُوهُ، وإذا شاهَدْنا ذَلِكَ في الوَقْتِ الأوَّلِ جازَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِقادُ الحاصِلُ ثانِيًا كَذَلِكَ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنَ العَقائِدِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الفِكْرِ والنَّظَرِ. وثالِثُها: أنَّ المَطْلُوبَ إنْ كانَ مَشْعُورًا بِهِ اسْتَحالَ طَلَبُهُ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ كانَ الذِّهْنُ غافِلًا عَنْهُ، والمَغْفُولُ عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَوَجَّهَ الطَّلَبُ إلَيْهِ. ورابِعُها: أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ النَّظَرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا وجَبَ اشْتِراكُ العُقَلاءِ فِيهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وإنْ كانَ نَظَرِيًّا لَزِمَ إثْباتُ جِنْسِ الشَّيْءِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ النِّزاعَ لَمّا وقَعَ في الماهِيَّةِ كانَ واقِعًا في ذَلِكَ الفَرْدِ أيْضًا فَيَلْزَمُ إثْباتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ وسِيلَةُ الإثْباتِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلُ، ومِن حَيْثُ إنَّهُ مَطْلُوبٌ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلُ، فَيَلْزَمُ اجْتِماعُ النَّفْيِ والإثْباتِ وهو مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّ المُقَدَّمَةَ الواحِدَةَ لا تُنْتِجُ بَلِ المُنْتِجُ مَجْمُوعُ المُقَدَّمَتَيْنِ، لَكِنَّ حُضُورَ المُقَدَّمَتَيْنِ دُفْعَةً واحِدَةً في الذِّهْنِ مُحالٌ؛ لِأنّا جَرَّبْنا أنْفُسَنا فَوَجَدْنا أنّا مَتى وجَّهْنا الخاطِرَ نَحْوَ مَعْلُومٍ اسْتَحالَ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَوْجِيهُهُ نَحْوَ مَعْلُومٍ آخَرَ، ورُبَّما سَلَّمَ بَعْضُهم أنَّ النَّظَرَ في الجُمْلَةِ يُفِيدُ العِلْمَ لَكِنَّهُ يَقُولُ: النَّظَرُ في الإلَهِيّاتِ لا يُفِيدُ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ وإذا لَمْ تَكُنِ الحَقِيقَةُ مُتَصَوَّرَةً اسْتَحالَ التَّصْدِيقُ لا بِثُبُوتِهِ ولا بِثُبُوتِ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ. بَيانُ الأوَّلِ أنَّ المَعْلُومَ عِنْدَ البَشَرِ كَوْنُ واجِبِ الوُجُودِ مُنَزَّهًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، وكَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ. أمّا الوُجُوبُ والتَّنْزِيهُ فَهو قَيْدٌ سَلْبِيٌّ ولَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ نَفْسَ هَذا السَّلْبِ. فَلَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِهَذا السَّلْبِ عِلْمًا بِحَقِيقَتِهِ، وأمّا المَوْصُوفِيَّةُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ انْتِسابِ ذاتِهِ إلى هَذِهِ الصِّفاتِ ولَيْسَتْ ذاتُهُ نَفْسَ هَذا الِانْتِسابِ، فالعِلْمُ بِهَذا الِانْتِسابِ لَيْسَ عِلْمًا بِذاتِهِ. بَيانُ الثّانِي أنَّ التَّصْدِيقَ مَوْقُوفٌ عَلى التَّصَوُّرِ، فَإذا فُقِدَ التَّصَوُّرُ امْتَنَعَ التَّصْدِيقُ، ولا يُقالُ: ذاتُهُ تَعالى وإنْ لَمْ تَكُنْ مُتَصَوَّرَةً بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي لَهُ لَكِنَّها مُتَصَوَّرَةٌ بِحَسَبِ لَوازِمِها؛ أعْنِي أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ شَيْءٌ ما، يَلْزَمُهُ الوُجُوبُ والتَّنْزِيهُ والدَّوامُ فَيُحْكَمُ عَلى هَذا المُتَصَوَّرِ، قُلْنا: هَذِهِ الأُمُورُ المَعْلُومَةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها نَفْسُ الذّاتِ، وهو مُحالٌ، أوْ أُمُورٌ خارِجَةٌ عَنِ الذّاتِ، فَلَمّا لَمْ نَعْلَمِ الذّاتَ لا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ كَوْنَها مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفاتِ، فَإنْ كانَ التَّصَوُّرُ الَّذِي هو شَرْطُ إسْنادِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى ذاتِهِ هو أيْضًا تَصَوُّرٌ بِحَسَبِ صِفاتٍ أُخَرَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ أظْهَرَ الأشْياءِ عِنْدَنا ذاتُنا وحَقِيقَتُنا الَّتِي إلَيْها نُشِيرُ بِقَوْلِنا: أنا. ثُمَّ النّاسُ تَحَيَّرُوا في ماهِيَّةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ: أنا، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هو هَذا البِنْيَةُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: هو المِزاجُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَعْضُ الأجْزاءِ الدّاخِلَةِ في هَذِهِ البِنْيَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: شَيْءٌ لا داخِلَ هَذا البَدَنِ ولا خارِجَهُ، فَإذا كانَ الحالُ في أظْهَرِ الأشْياءِ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِأبْعَدِ الأشْياءِ مُناسَبَةً عَنّا وعَنْ أحْوالِنا. صفحة ٨٦ أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ النَّظَرَ المُفِيدَ لِلْعِلْمِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَنا، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تَحْصِيلَ التَّصَوُّراتِ غَيْرُ مَقْدُورٍ فالتَّصْدِيقاتُ البَدِيهِيَّةُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ، فَجَمِيعُ التَّصْدِيقاتِ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ التَّصَوُّراتِ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ؛ لِأنَّ طالِبَ تَحْصِيلِها إنْ كانَ عارِفًا بِها اسْتَحالَ مِنهُ طَلَبُها لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَإنْ كانَ غافِلًا عَنْها اسْتَحالَ كَوْنُهُ طالِبًا لَها لِأنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ طالِبًا لَهُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِن وجْهٍ ومَجْهُولًا مِن وجْهٍ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الوَجْهَ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ الوَجْهِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وإلّا فَقَدْ صَدَقَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وهو مُحالٌ، وحِينَئِذٍ نَقُولُ: الوَجْهُ المَعْلُومُ اسْتَحالَ طَلَبُهُ لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، والوَجْهُ الَّذِي هو غَيْرُ مَعْلُومٍ اسْتَحالَ طَلَبُهُ؛ لِأنَّ المَغْفُولَ عَنْهُ لا يَكُونُ مَطْلُوبًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ التَّصَوُّراتِ لَمّا كانَتْ غَيْرَ كَسْبِيَّةٍ اسْتَحالَ كَوْنُ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةِ كَسْبِيَّةً، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ حُضُورِ طَرَفَيِ المَوْضُوعِ والمَحْمُولِ في الذِّهْنِ مِنَ القَضِيَّةِ البَدِيهِيَّةِ إمّا أنْ يَلْزَمَ مِن مُجَرَّدِ حُضُورِهِما جَزْمُ الذِّهْنِ بِإسْنادِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ بِالنَّفْيِ أوِ الإثْباتِ، أوْ لا يَلْزَمُ، فَإنْ لَمْ يَلْزَمْ لَمْ تَكُنِ القَضِيَّةُ بَدِيهِيَّةً بَلْ كانَتْ مَشْكُوكَةً. وإنْ لَزِمَ كانَ التَّصْدِيقُ واجِبَ الحُصُولِ عِنْدَ حُضُورِ ذَيْنَكَ التَّصَوُّرَيْنِ ومُمْتَنِعَ الحُصُولِ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِهِما، وما يَكُونُ واجِبَ الدَّوَرانِ نَفْيًا وإثْباتًا مَعَ ما لا يَكُونُ مَقْدُورًا نَفْيًا وإثْباتًا وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا كَذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ؛ وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذِهِ التَّصْدِيقاتِ لَمّا لَمْ تَكُنْ كَسْبِيَّةً لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ التَّصْدِيقاتِ كَسْبِيًّا؛ لِأنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ بَدِيهِيًّا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ واجِبَ اللُّزُومِ عِنْدَ حُضُورِ تِلْكَ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ واجِبَ اللُّزُومِ مِنها لَمْ يَلْزَمْ مِن صِدْقِ تِلْكَ المُقَدَّماتِ صِدْقُ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِدْلالًا يَقِينِيًّا، بَلْ إمّا ظَنًّا أوِ اعْتِقادًا تَقْلِيدِيًّا، وإنْ كانَ واجِبًا فَكانَتْ تِلْكَ النَّظَرِيّاتُ واجِبَةَ الدَّوَرانِ نَفْيًا وإثْباتًا مَعَ تِلْكَ القَضايا الضَّرُورِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن تِلْكَ النَّظَرِيّاتِ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ أصْلًا. وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى إدْخالِ الشَّيْءِ في الوُجُودِ لَوْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُمَيَّزَ ذَلِكَ المَطْلُوبَ عَنْ غَيْرِهِ، والعِلْمُ إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ مُطابِقًا لِلْمَعْلُومِ دُونَ الجَهْلِ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ لَوْ عُلِمَ المَعْلُومُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُهُ إيجادُ العِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِن إيجادِ العَلَمِ ولا مِن طَلَبِهِ. وثالِثُها: أنَّ المُوجِبَ لِلنَّظَرِ، إمّا ضَرُورَةُ العَقْلِ أوِ النَّظَرِ أوِ السَّمْعِ. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الضَّرُورِيَّ لَمْ يُشْتَرَطِ العَقْلُ فِيهِ، ووُجُوبُ الفِكْرِ والنَّظَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ العُقَلاءِ يَسْتَقْبِحُونَهُ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ في الأكْثَرِ يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى الجَهْلِ، فَوَجَبَ الِاحْتِرازُ مِنهُ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ العِلْمُ بِوُجُوبِهِ يَكُونُ نَظَرِيًّا، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُهُ العِلْمُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ قَبْلَ النَّظَرِ، فَتَكْلِيفُهُ بِذَلِكَ يَكُونُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا بَعْدَ النَّظَرِ فَلا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ؛ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ. والثّالِثُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ النَّظَرِ لا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن مَعْرِفَةِ وُجُوبِ النَّظَرِ، وبَعْدَ النَّظَرِ لا يُمْكِنُهُ إيجابُهُ أيْضًا لِعَدَمِ الفائِدَةِ، وإذا بَطَلَتِ الأقْسامُ ثَبَتَ نَفْيُ الوُجُوبِ. * * * المَقامُ الثّالِثُ: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ النَّظَرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ ومَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، لَكِنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَأْمُرَ المُكَلَّفَ بِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ النَّظَرَ في أكْثَرِ الأمْرِ يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى الجَهْلِ، فالمُقْدِمُ عَلَيْهِ مُقْدِمٌ عَلى أمْرٍ يُفْضِي بِهِ غالِبًا إلى الجَهْلِ. وما يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ قَبِيحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الفِكْرُ صفحة ٨٧ قَبِيحًا، واللَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالقَبِيحِ. وثانِيها: أنَّ الواحِدَ مِنّا مَعَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ وضَعْفِ الخاطِرِ وما يَعْتَرِيهِ مِنَ الشُّبَهاتِ الكَثِيرَةِ المُتَعارِضَةِ، لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى عَقْلِهِ في التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. فَلَمّا رَأيْنا أرْبابَ المَذاهِبِ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وأنَّ الباطِلَ مَعَ خَصْمِهِ، ثُمَّ إذا تَرَكُوا التَّعَصُّبَ واللَّجاجَ وأنْصَفُوا وجَدُوا الكَلِماتِ مُتَعارِضَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَجْزِ العَقْلِ عَنْ إدْراكِ هَذِهِ الحَقائِقِ. وثالِثُها: أنَّ مَدارَ الدِّينِ لَوْ كانَ عَلى النَّظَرِ في حَقائِقِ الدَّلائِلِ لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَقِرَّ الإنْسانُ عَلى الإيمانِ ساعَةً واحِدَةً؛ لِأنَّ صاحِبَ النَّظَرِ إذا خَطَرَ بِبالِهِ سُؤالٌ عَلى مُقَدَّمَةٍ مِن مُقَدَّماتِ دَلِيلِ الدِّينِ، فَقَدْ صارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ السُّؤالِ شاكًّا في تِلْكَ المُقَدَّمَةِ، وإذا صارَ بَعْضُ مُقَدَّماتِ الدَّلِيلِ مَشْكُوكًا فِيهِ صارَتِ النَّتِيجَةُ ظَنِّيَّةً؛ لِأنَّ المَظْنُونَ لا يُفِيدُ اليَقِينَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَخْرُجَ الإنْسانُ في كُلِّ ساعَةٍ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ مِنَ الأسْئِلَةِ والمَباحِثِ. ورابِعُها: أنَّهُ اشْتُهِرَ في الألْسِنَةِ أنَّ مَن طَلَبَ المالَ بِالكِيمْياءِ أفْلَسَ، ومَن طَلَبَ الدِّينَ بِالكَلامِ تَزَنْدَقَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ فَتْحُ البابِ فِيهِ. المَقامُ الرّابِعُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ قَبِيحٍ، ولَكِنّا نُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ما أمَرا بِذَلِكَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ المَطالِبَ لا تَخْلُو، إمّا أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِدَلائِلِها عِلْمًا ضَرُورِيًّا غَنِيًّا عَنِ التَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ يُحْتاجُ في تَحْصِيلِها إلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِفادَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ لِكُلِّ النّاسِ وهو مُكابَرَةٌ، ولِأنّا نُجَرِّبُ أذْكى النّاسِ في هَذا العِلْمِ فَلا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ في السِّنِينَ المُتَطاوِلَةِ بَعْدَ الِاسْتِعانَةِ بِالأُسْتاذِ والتَّصانِيفِ. وإنْ كانَ الثّانِي وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ ذَلِكَ العِلْمُ لِلْإنْسانِ إلّا بَعْدَ المُمارَسَةِ الشَّدِيدَةِ والمُباحَثَةِ الكَثِيرَةِ، فَلَوْ كانَ الدِّينُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ لَوَجَبَ أنْ لا يَحْكُمَ الرَّسُولُ بِصِحَّةِ إسْلامِ الرَّجُلِ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْألَهُ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ ويُجَرِّبَهُ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ. ولَوْ فَعَلَ الرَّسُولُ ذَلِكَ لاشْتُهِرَ، ولَمّا لَمْ يُشْتَهَرْ - بَلِ المَشْهُورُ المَنقُولُ عَنْهُ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَحْكُمُ بِإسْلامِ مَن يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ - عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في صِحَّةِ الدِّينِ. فَإنْ قِيلَ: مَعْرِفَةُ أُصُولِ الدَّلائِلِ حاصِلَةٌ لِأكْثَرِ العُقَلاءِ، إنَّما المُحْتاجُ إلى التَّدْقِيقِ دَفْعُ الأسْئِلَةِ والجَوابُ عَنِ الشُّبُهاتِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في صِحَّةِ أصْلِ الدِّينِ، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدَّماتٍ عَشْرَةٍ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ جازِمًا بِصِحَّةِ تِلْكَ المُقَدَّماتِ كانَ عارِفًا بِالدَّلِيلِ مَعْرِفَةً لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ عَلى تِلْكَ العَشْرَةِ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا في تَحَقُّقِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ بَطَلَ قَوْلُنا: إنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مُرَكَّبٌ مِنَ العَشْرَةِ فَقَطْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِهِ عِلْمًا بِزِيادَةِ شَيْءٍ في الدَّلِيلِ، بَلْ يَكُونُ عِلْمًا مُنْفَصِلًا. فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الدَّلِيلَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا يَقْبَلُ النُّقْصانَ أيْضًا؛ لِأنَّ تِسْعَةً مِنها لَوْ كانَتْ يَقِينِيَّةً وكانَتِ المُقَدَّمَةُ العاشِرَةُ ظَنِّيَّةً اسْتَحالَ كَوْنُ المَطْلُوبِ يَقِينِيًّا لَأنَّ المَبْنِيَّ عَلى الظَّنِّيِّ أوْلى أنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الدَّلِيلَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ وبَطَلَ بِبُطْلانِهِ ذَلِكَ السُّؤالُ. مِثالُهُ: إذا رَأى الإنْسانُ حُدُوثَ مَطَرٍ ورَعْدٍ وبَرْقٍ بَعْدَ أنْ كانَ الهَواءُ صافِيًا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: سُبْحانَ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ إذا عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ الحادِثَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ ثُمَّ يَعْرِفُ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ فِيهِ سِوى اللَّهِ تَعالى. وهَذِهِ المُقَدَّمَةُ الثّانِيَةُ إنَّما تَسْتَقِيمُ لَوْ عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ إسْنادُ هَذا الحُدُوثِ إلى الفَلَكِ والنُّجُومِ، والطَّبِيعَةِ والعِلَّةِ المُوجِبَةِ. فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ بُطْلانَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ لَكانَ مُعْتَقِدًا صفحة ٨٨ لِهَذِهِ المُقَدَّمَةِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ فَتَكُونُ المُقَدَّمَةُ تَقْلِيدِيَّةً ويَكُونُ المَبْنِيُّ عَلَيْها تَقْلِيدًا لا يَقِينًا، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ ما قُلْتُمُوهُ. * * * المَقامُ الخامِسُ: أنْ نَقُولَ: الِاشْتِغالُ بِعِلْمِ الكَلامِ بِدْعَةٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والإجْماعُ وقَوْلُ السَّلَفِ والحُكْمُ. أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، ذَمَّ الجَدَلَ وقالَ أيْضًا: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]، قالُوا: فَأمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم عِنْدَ خَوْضِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ» “ وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«عَلَيْكم بِدِينِ العَجائِزِ» “ وقَوْلُهُ: ”«إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسِكُوا» “ . وأمّا الإجْماعُ فَهو أنَّ هَذا عِلْمٌ لَمْ تَتَكَلَّمْ فِيهِ الصَّحابَةُ فَيَكُونُ بِدْعَةً فَيَكُونُ حَرامًا، أمّا أنَّ الصَّحابَةَ ما تَكَلَّمُوا فِيهِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلِاسْتِدْلالِ في هَذِهِ الأشْياءِ، بَلْ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ إنْكارًا عَلى مَن خاضَ فِيهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّهُ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ حَرامٌ بِالِاتِّفاقِ. وأمّا الأثَرُ، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: إيّاكم والبِدَعَ، قِيلَ: وما البِدَعُ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قالَ: أهْلُ البِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ في أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وكَلامِهِ ولا يَسْكُتُونَ عَمّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ. وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الكَلامِ فَقالَ: اتَّبِعِ السُّنَّةَ ودَعِ البِدْعَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأنْ يَبْتَلِيَ اللَّهُ العَبْدَ بِكُلِّ ذَنْبٍ سِوى الشِّرْكِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَلْقاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الكَلامِ. وقالَ: لَوْ أوْصى رَجُلٌ بِكُتُبِهِ العِلْمِيَّةِ لِآخَرَ وكانَ فِيها كُتُبُ الكَلامِ، لَمْ تَدْخُلْ تِلْكَ الكُتُبُ في الوَصِيَّةِ. وأمّا الحُكْمُ فَهو أنَّهُ لَوْ أوْصى لِلْعُلَماءِ لا يَدْخُلُ المُتَكَلِّمُ فِيهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَهَذا مَجْمُوعُ كَلامِ الطّاعِنِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. والجَوابُ: أمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ النَّظَرَ لا يُفِيدُ العِلْمَ فَهي فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الشُّبَهَ الَّتِي ذَكَرُوها لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً بَلْ نَظَرِيَّةٌ، فَهم أبْطَلُوا كُلَّ النَّظَرِ بِبَعْضِ أنْواعِهِ وهو مُتَناقِضٌ، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَهي فاسِدَةٌ؛ لِأنَّهم مُخْتارُونَ في اسْتِخْراجِ تِلْكَ الشُّبَهِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّها لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ التَّعاوِيلَ عَلى النَّظَرِ قَبِيحٌ فَهي مُتَناقِضَةٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ إيرادُهم لِهَذِهِ الشُّبَهِ الَّتِي أوْرَدُوها قَبِيحًا، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ الرَّسُولَ ما أمَرَ بِذَلِكَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأنْبِياءَ بِأسْرِهِمْ ما جاءُوا إلّا بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَدَلِ بِالباطِلِ، تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فَجَوابُهُ أنَّ الخَوْضَ لَيْسَ هو النَّظَرُ، بَلِ الخَوْضُ في الشَّيْءِ هو اللَّجاجُ، وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ» “ فَذاكَ إنَّما أمَرَ بِهِ لِيُسْتَفادَ مِنهُ مَعْرِفَةُ الخالِقِ، وهو المَطْلُوبُ. وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«عَلَيْكم بِدِينِ العَجائِزِ» “ فَلَيْسَ المُرادُ إلّا تَفْوِيضَ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادَ في كُلِّ الأُمُورِ عَلى اللَّهِ، عَلى ما قُلْنا. وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسِكُوا» “ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّهْيَ الجُزْئِيَّ لا يُفِيدُ النَّهْيَ الكُلِّيَّ. وأمّا الإجْماعُ فَنَقُولُ: إنْ عَنَيْتُمْ أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا ألْفاظَ المُتَكَلِّمِينَ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنهُ القَدْحُ في الكَلامِ، كَما أنَّهم لَمْ يَسْتَعْمِلُوا ألْفاظَ الفُقَهاءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ القَدْحُ في الفِقْهِ البَتَّةَ، وإنْ عَنَيْتُمْ أنَّهم ما عَرَفُوا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ بِالدَّلِيلِ، فَبِئْسَ ما قُلْتُمْ، وأمّا تَشْدِيدُ السَّلَفِ عَلى الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أهْلِ البِدْعَةِ، وأمّا مَسْألَةُ الوَصِيَّةِ فَهي مُعارَضَةٌ بِما أنَّهُ لَوْ أوْصى لِمَن كانَ عارِفًا بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ لا يَدْخُلُ فِيهِ الفَقِيهُ. ولِأنَّ مَبْنى الوَصايا صفحة ٨٩ عَلى العُرْفِ، فَهَذا إتْمامُ هَذِهِ المَسْألَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا حَقِيقَةُ العِبادَةِ فَذَكَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤] . وأمّا الخَلْقُ فَحَكى الأزْهَرِيُّ صاحِبُ ”التَّهْذِيبِ“ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، واحْتَجُّوا فِيهِ بِالآيَةِ والشِّعْرِ والِاسْتِشْهادِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، أيِ المُقَدِّرِينَ ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، أيْ تُقَدِّرُونَ كَذِبًا ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، أيْ تُقَدِّرُ. وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ آخَرُ: ولا يَئِطُّ بِأيْدِي الخالِقِينَ ولا ∗∗∗ أيْدِي الخَوالِقِ إلّا جَيِّدُ الأدَمِ وأمّا الِاسْتِشْهادُ: يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ: إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالقِياسِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لِلْأحادِيثِ الَّتِي لا يُصَدَّقُ بِها: أحادِيثُ الخُلُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، والخَلاقُ: المِقْدارُ مِنَ الخَيْرِ، وهو خَلِيقٌ؛ أيْ جَدِيرٌ، كَأنَّهُ الَّذِي مِنهُ الخَلاقُ، والصَّخْرَةُ الخَلْقاءُ: المَلْساءُ؛ لِأنَّ في المَلاسَةِ اسْتِواءً، وفي الخُشُونَةِ اخْتِلاقٌ ومِنهُ ”أخْلَقَ الثَّوْبُ“ لِأنَّهُ إذا بَلِيَ صارَ أمْلَسَ واسْتَوى نُتُوُّهُ واعْوِجاجُهُ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ والِاسْتِواءِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الخَلْقُ فِعْلٌ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، واللُّغَةُ لا تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، بَلِ الكِتابُ نَطَقَ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ يَفْعَلُ الأفْعالَ لِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ وكَيْفِيَّةِ المَصْلَحَةِ ولا فِعْلَ لَهُ إلّا كَذَلِكَ، لا جَرَمَ اخْتُصَّ بِهَذا الِاسْمِ. وقالَ أُسْتاذُهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ: إطْلاقُ اسْمِ ”خالِقٍ“ عَلى اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ الفِكْرِ والنَّظَرِ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ. وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ: الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والإنْشاءِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ المُسْلِمِينَ: لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، ولَوْ كانَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنِ التَّقْدِيرِ لَما صَحَّ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِعِبادَتِهِ، والأمْرُ بِعِبادَتِهِ مَوْقُوفٌ عَلى مَعْرِفَةِ وجُودِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوُجُودِهِ ضَرُورِيًّا بَلِ اسْتِدْلالِيًّا، لا جَرَمَ أوْرَدَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ. واعْلَمْ أنَّنا بَيَّنّا في ”الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ“ أنَّ الطَّرِيقَ إلى إثْباتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إمّا الإمْكانُ وإمّا الحُدُوثُ وإمّا مَجْمُوعُهُما، وكُلُّ ذَلِكَ إمّا في الجَواهِرِ أوْ في الأعْراضِ. فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الطُّرُقِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى سِتَّةً لا مَزِيدَ عَلَيْها: أحَدُها: الِاسْتِدْلالُ بِإمْكانِ الذَّواتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨]، وبِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]، ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . وثانِيها: الِاسْتِدْلالُ بِإمْكانِ الصِّفاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ عَلى ما سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وثالِثُها: الِاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِ الأجْسامِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] . ورابِعُها: الِاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِ الأعْراضِ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى أفْهامِ الخَلْقِ، وذَلِكَ مَحْصُورٌ في أمْرَيْنِ صفحة ٩٠ دَلائِلُ الأنْفُسِ ودَلائِلُ الآفاقِ، والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في الأكْثَرِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذَيْنِ البابَيْنِ، واللَّهُ تَعالى جَمَعَ هَهُنا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. أمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ، فَهي أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ وأنَّهُ صارَ الآنَ مَوْجُودًا وأنَّ كُلَّ ما وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وذَلِكَ المُوجِدُ لَيْسَ هو نَفْسُهُ ولا الأبَوانِ ولا سائِرُ النّاسِ؛ لِأنَّ عَجْزَ الخَلْقِ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَلا بُدَّ مِن مُوجِدٍ يُخالِفُ هَذِهِ المَوْجُوداتِ حَتّى يَصِحَّ مِنهُ إيجادُ هَذِهِ الأشْخاصِ، إلّا أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَهُنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ طَبائِعَ الفُصُولِ والأفْلاكِ والنُّجُومِ ؟ ولَمّا كانَ هَذا السُّؤالُ مُحْتَمَلًا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى افْتِقارِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى المُحْدِثِ والمُوجِدِ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ وهو المُرادُ مِن دَلائِلَ الآفاقِ، ويَنْدَرِجُ فِيها كُلُّ ما يُوجَدُ مِن تَغْيِيراتِ أحْوالِ العالَمِ مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والرِّياحِ والسَّحابِ واخْتِلافِ الفُصُولِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى أنَّ الأجْسامَ الفَلَكِيَّةَ والأجْسامَ العُنْصُرِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، فاخْتِصاصُ بَعْضِها بِبَعْضِ الصِّفاتِ مِنَ المَقادِيرِ والأشْكالِ والأحْيازِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجِسْمِيَّةِ ولا لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِها. وإلّا وجَبَ اشْتِراكُ الكُلِّ في تِلْكَ الصِّفاتِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأمْرٍ مُنْفَصِلٍ، وذَلِكَ الأمْرُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ البَحْثُ في أنَّهُ لِمَ اخْتُصَّ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ مِن بَيْنِ تِلْكَ الأجْسامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجَبًا أوْ مُخْتارًا. والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَمْ يَكُنِ اخْتِصاصُ بَعْضِ الأجْسامِ بِبَعْضِ الصِّفاتِ أوْلى مِنَ العَكْسِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ افْتِقارُ جَمِيعِ الأجْسامِ إلى مُؤَثِّرٍ قادِرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجُسْمانِيٍّ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِحُدُوثِ الأعْراضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ لا يَكْفِي إلّا بَعْدَ الِاسْتِعانَةِ بِإمْكانِ الأعْراضِ والصِّفاتِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَصَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الأدِلَّةِ بِالإيرادِ في أوَّلِ كِتابِهِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الطَّرِيقَ لَمّا كانَ أقْرَبَ الطُّرُقِ إلى أفْهامِ الخَلْقِ وأشَدَّها التِصاقًا بِالعُقُولِ، وكانَتِ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أبْعَدَها عَنِ الدِّقَّةِ وأقْرَبَها إلى الأفْهامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَواصِّ والعَوامِّ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ كِتابِهِ ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الدَّلائِلِ القُرْآنِيَّةِ المُجادَلَةَ، بَلِ الغَرَضُ مِنها تَحْصِيلُ العَقائِدِ الحَقَّةِ في القُلُوبِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الدَّلائِلِ أقْوى مِن سائِرِ الطُّرُقِ في هَذا البابِ؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الدَّلائِلِ كَما يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُودِ الخالِقِ فَهو يُذَكِّرُ بِنِعَمِ الخالِقِ عَلَيْنا، فَإنَّ الوُجُودَ والحَياةَ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ عَلَيْنا، وتَذْكِيرُ النِّعَمِ مِمّا يُوجِبُ المَحَبَّةَ وتَرْكَ المُنازَعَةِ وحُصُولَ الِانْقِيادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ ذِكْرُ هَذا النَّوْعِ مِنَ الأدِلَّةِ أوْلى مِن سائِرِ الأنْواعِ. واعْلَمْ أنَّ لِلسَّلَفِ طُرُقًا لَطِيفَةً في هَذا البابِ: أحَدُها: يُرْوى أنَّ بَعْضَ الزَّنادِقَةِ أنْكَرَ الصّانِعَ عِنْدَ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ جَعْفَرٌ: هَلْ رَكِبْتَ البَحْرَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: هَلْ رَأيْتَ أهْوالَهُ ؟ قالَ: بَلى؛ هاجَتْ يَوْمًا رِياحٌ هائِلَةٌ فَكَسَّرَتِ السُّفُنَ وغَرَّقَتِ المَلّاحِينَ، فَتَعَلَّقْتُ أنا بِبَعْضِ ألْواحِها ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي ذَلِكَ اللَّوْحُ فَإذا أنا مَدْفُوعٌ في تَلاطُمِ الأمْواجِ حَتّى دُفِعْتُ إلى السّاحِلِ، فَقالَ جَعْفَرٌ: قَدْ كانَ اعْتِمادُكَ مِن قَبْلُ عَلى السَّفِينَةِ والمَلّاحِ ثُمَّ عَلى اللَّوْحِ حَتّى تُنْجِيَكَ، فَلَمّا ذَهَبَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنْكَ هَلْ أسْلَمْتَ نَفْسَكَ لِلْهَلاكِ أمْ كُنْتَ تَرْجُو السَّلامَةَ بَعْدُ ؟ قالَ: بَلْ رَجَوْتُ السَّلامَةَ، قالَ: مِمَّنْ كُنْتَ تَرْجُوها ؟ فَسَكَتَ الرَّجُلُ، فَقالَ جَعْفَرٌ: إنَّ الصّانِعَ هو الَّذِي كُنْتَ تَرْجُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو صفحة ٩١ الَّذِي أنْجاكَ مِنَ الغَرَقِ، فَأسْلَمَ الرَّجُلُ عَلى يَدِهِ. وثانِيها: جاءَ في كِتابِ ”دِياناتِ العَرَبِ“ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: ”«كَمْ لَكَ مِن إلَهٍ ؟“ قالَ: عَشْرَةٌ، قالَ: فَمَن لِغَمِّكَ وكَرْبِكَ ودَفْعِ الأمْرِ العَظِيمِ إذا نَزَلَ بِكَ مِن جُمْلَتِهِمْ ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”ما لَكَ مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ» “ . وثالِثُها: كانَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَيْفًا عَلى الدَّهْرِيَّةِ، وكانُوا يَنْتَهِزُونَ الفُرْصَةَ لِيَقْتُلُوهُ، فَبَيْنَما هو يَوْمًا في مَسْجِدِهِ قاعِدٌ إذْ هَجَمَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ بِسُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَقالَ لَهم: أجِيبُونِي عَنْ مَسْألَةٍ ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقالُوا لَهُ: هاتِ، فَقالَ: ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ يَقُولُ لَكم: إنِّي رَأيْتُ سَفِينَةً مَشْحُونَةً بِالأحْمالِ مَمْلُوءَةً مِنَ الأثْقالِ قَدِ احْتَوَشَها في لُجَّةِ البَحْرِ أمْواجٌ مُتَلاطِمَةٌ ورِياحٌ مُخْتَلِفَةٌ، وهي مِن بَيْنِها تَجْرِي مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَها مَلّاحٌ يُجْرِيها ولا مُتَعَهِّدٌ يَدْفَعُها، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ في العَقْلِ ؟ قالُوا: لا، هَذا شَيْءٌ لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يا سُبْحانَ اللَّهِ إذا لَمْ يَجُزْ في العَقْلِ سَفِينَةٌ تَجْرِي في البَحْرِ مُسْتَوِيَةً مِن غَيْرِ مُتَعَهِّدٍ ولا مُجْرٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ قِيامُ هَذِهِ الدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها وتَغَيُّرِ أعْمالِها وسِعَةِ أطْرافِها وتَبايُنِ أكْنافِها مِن غَيْرِ صانِعٍ وحافِظٍ ؟ فَبَكَوْا جَمِيعًا وقالُوا: صَدَقْتَ، وأغْمَدُوا سُيُوفَهم وتابُوا. ورابِعُها: سَألُوا الشّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ؟ فَقالَ: ورَقَةُ الفِرْصادِ طَعْمُها ولَوْنُها ورِيحُها وطَبْعُها واحِدٌ عِنْدَكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَتَأْكُلُها دُودَةُ القَزِّ فَيَخْرُجُ مِنها الإبْرَيسَمُ، والنَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنها العَسَلُ، والشّاةُ فَيَخْرُجُ مِنها البَعْرُ، ويَأْكُلُها الظِّباءُ فَيَنْعَقِدُ في نَوافِجِها المِسْكُ، فَمَنِ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الطَّبْعَ واحِدٌ ؟ فاسْتَحْسَنُوا مِنهُ ذَلِكَ وأسْلَمُوا عَلى يَدِهِ وكانَ عَدَدُهم سَبْعَةَ عَشَرَ. وخامِسُها: سُئِلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّةً أُخْرى فَتَمَسَّكَ بِأنَّ الوالِدَ يُرِيدُ الذَّكَرَ فَيَكُونُ أُنْثى وبِالعَكْسِ، فَدَلَّ عَلى الصّانِعِ. وسادِسُها: تَمَسَّكَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مَلْساءَ لا فُرْجَةَ فِيها، ظاهِرُها كالفِضَّةِ المُذابَةِ وباطِنُها كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الجُدْرانُ وخَرَجَ مِنَ القَلْعَةِ حَيَوانٌ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الفاعِلِ، عَنى بِالقَلْعَةِ البَيْضَةَ وبِالحَيَوانِ الفَرْخَ. وسابِعُها: سَألَ هارُونُ الرَّشِيدُ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فاسْتَدَلَّ بِاخْتِلافِ الأصْواتِ وتَرَدُّدِ النَّغَماتِ وتَفاوُتِ اللُّغاتِ. وثامِنُها: سُئِلَ أبُو نُواسِ عَنْهُ، فَقالَ: تَأمَّلْ في نَباتِ الأرْضِ وانْظُرْ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٍ ∗∗∗ وأزْهارٌ كَما الذَّهَبُ السَّبِيكُ عَلى قُضُبُ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٍ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ وتاسِعُها: سُئِلَ أعْرابِيٌّ عَنِ الدَّلِيلِ فَقالَ: البَعْرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ. والرَّوْثُ عَلى الحَمِيرِ، وآثارُ الأقْدامِ عَلى المَسِيرِ، فَسَماءٌ ذاتُ أبْراجٍ وأرْضٌ ذاتُ فِجاجٍ وبِحارٌ ذاتُ أمْواجٍ، أما تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَلِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ ؟ صفحة ٩٢ وعاشِرُها: قِيلَ لِطَبِيبٍ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: بِإهْلِيلِجٍ مُجَفَّفٍ أُطْلِقُ، ولُعابٍ مُلَيِّنٍ أُمْسِكُ. وقالَ آخَرُ: عَرَفْتُهُ بِنَحْلَةٍ، بِأحَدِ طَرَفَيْها تَعْسِلُ والآخَرِ تَلْسَعُ، والعَسَلُ مَقْلُوبُ اللَّسْعِ. وحادِي عَشَرِها: حُكْمُ البَدِيهَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أنَّ العِبادَةَ لا تُسْتَحَقُّ إلّا بِذَلِكَ، فَلَمّا ألْزَمَ عِبادَهُ بِالعِبادَةِ بَيَّنَ ما لَهُ ولِأجْلِهِ تَلْزَمُ العِبادَةُ. فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وخَلْقُ اللَّهِ مَن قَبْلَهم لا يَقْتَضِي وُجُوبَ العِبادَةِ عَلَيْهِمْ، قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: إنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتَ ولَكِنَّ عِلْمَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم كَعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ مَن قَبْلَهم لِأنَّ طَرِيقَةَ العِلْمِ بِذَلِكَ واحِدَةٌ. الثّانِي: أنَّ مَن قَبْلَهم كالأُصُولِ لَهم، وخَلْقُ الأُصُولِ يَجْرِي مَجْرى الإنْعامِ عَلى الفُرُوعِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يُذَكِّرُهم عَظِيمَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا تَظُنَّ أنِّي إنَّما أنْعَمْتُ عَلَيْكَ حِينَ وُجِدْتَ بَلْ كُنْتُ مُنْعِمًا عَلَيْكَ قَبْلَ أنْ وُجِدْتَ بِأُلُوفِ سِنِينَ بِسَبَبِ أنِّي كُنْتُ خالِقًا لِأُصُولِكَ وآبائِكَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي والإشْفاقِ، تَقُولُ: لَعَلَّ زَيْدًا يُكْرِمُنِي، وقالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]، والتَّرَجِّي والإشْفاقُ لا يَحْصُلانِ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِالعاقِبَةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى ”لَعَلَّ“ راجِعٌ إلى العِبادِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أيِ اذْهَبا أنْتُما عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما في إيمانِهِ، ثُمَّ اللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ. وثانِيها: أنَّ مِن عادَةِ المُلُوكِ والعُظَماءِ أنْ يَقْتَصِرُوا في مَواعِيدِهِمُ الَّتِي يُوَطِّنُونَ أنْفُسَهم عَلى إنْجازِها عَلى أنْ يَقُولُوا: لَعَلَّ وعَسى، ونَحْوَهُما مِنَ الكَلِماتِ، أوْ لِلظَّفَرِ مِنهم بِالرَّمْزَةِ أوِ الِابْتِسامَةِ أوِ النَّظْرَةِ الحُلْوَةِ، فَإذا عُثِرَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلطّالِبِ شَكٌّ في الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ، فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ ورَدَ لَفْظُ (لَعَلَّ) في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: ما قِيلَ أنَّ (لَعَلَّ) بِمَعْنى (كَيْ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: و(لَعَلَّ) لا يَكُونُ بِمَعْنى (كَيْ) ولَكِنَّ كَلِمَةَ (لَعَلَّ) لِلْإطْماعِ، والكَرِيمُ الرَّحِيمُ إذا أطْمَعَ فَعَلى ما يُطْمَعُ فِيهِ لا مَحالَةَ، تَجْرِي أطْماعُهُ مَجْرى وعْدِهِ المَحْتُومِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قِيلَ: (لَعَلَّ) في كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى (كَيْ) . ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى فَعَلَ بِالمُكَلَّفِينَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لاقْتَضى رَجاءَ حُصُولِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُمُ القُدْرَةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ وخَلَقَ لَهُمُ العُقُولَ الهادِيَةَ وأزاحَ أعْذارَهم، فَكُلُّ مَن فَعَلَ بِغَيْرِهِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَرْجُو مِنهُ حُصُولَ المَقْصُودِ، فالمُرادُ مِن لَفْظَةِ (لَعَلَّ) فِعْلُ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ مُوجِبًا لِلرَّجاءِ. خامِسُها: قالَ القَفّالُ: (لَعَلَّ) مَأْخُوذٌ مِن تَكَرُّرِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِمْ: عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، واللّامُ فِيها هي لامُ التَّأْكِيدِ كاللّامِ الَّتِي تَدْخُلُ في (لَقَدْ) فَأصْلُ (لَعَلَّ) عَلَّ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: عَلَّكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ لَعَلَّكَ، فَإذا كانَتْ حَقِيقَتُهُ التَّكْرِيرَ والتَّأْكِيدَ كانَ قَوْلُ القائِلِ: افْعَلْ كَذا لَعَلَّكَ تَظْفَرُ بِحاجَتِكَ، مَعْناهُ افْعَلْهُ فَإنَّ فِعْلَكَ لَهُ يُؤَكِّدُ طَلَبَكَ لَهُ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَتِ العِبادَةُ تَقْوًى فَقَوْلُهُ: (اعْبُدُوا رَبَّكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ) جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ: اعْبُدُوا رَبَّكم لَعَلَّكم تَعْبُدُونَ. أوِ: اتَّقَوْا رَبَّكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: صفحة ٩٣ لا نُسَلِّمُ أنَّ العِبادَةَ نَفْسُ التَّقْوى، بَلِ العِبادَةُ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الِاتِّقاءَ هو الِاحْتِرازُ عَنِ المَضارِّ، والعِبادَةُ فِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، ونَفْسُ هَذا الفِعْلِ لَيْسَ هو نَفْسُ الِاحْتِرازِ عَنِ المَضارِّ بَلْ يُوجِبُ الِاحْتِرازَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اعْبُدُوا رَبَّكم لِتَحْتَرِزُوا بِهِ عَنْ عِقابِهِ، وإذا قِيلَ في نَفْسِ الفِعْلِ: إنَّهُ اتِّقاءٌ؛ فَذَلِكَ مَجازٌ؛ لِأنَّ الِاتِّقاءَ غَيْرُ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ، لَكِنْ لِاتِّصالِ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ أُجْرِيَ اسْمُهُ عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ المُكَلَّفِينَ لِكَيْ يَتَّقُوا ويُطِيعُوا عَلى ما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِعِبادَةِ الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَهم لِهَذا الغَرَضِ، وهَذا التَّأْوِيلُ لائِقٌ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: (خَلَقكُّمْ) بِالإدْغامِ، وقَرَأ أبُو السَّمَيْفَعِ: (وخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (والَّذِينَ مَن قَبْلَكم) . قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَجْهُ فِيهِ أنَّهُ أقْحَمَ المَوْصُولَ الثّانِيَ بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ تَأْكِيدًا، كَما أقْحَمَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ: يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبًا لَكُمُوا تَيْمًا الثّانِيَ بَيْنَ الأوَّلِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ.

البقرة 2:22

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (الَّذِي) وهو مَوْصُولٌ مَعَ صِلَتِهِ، إمّا أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ وصْفًا لِلَّذِي خَلَقَكم، أوْ عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، وفِيهِ ما في النَّصْبِ مِنَ المَدْحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (الَّذِي) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْإشارَةِ إلى مُفْرَدٍ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبَ الرَّجُلُ الَّذِي أبُوهُ مُنْطَلِقٌ، فَأبُوهُ مُنْطَلِقٌ قَضِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ، فَإذا حاوَلْتَ تَعْرِيفَ الرَّجُلِ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ المَعْلُومَةِ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ الَّذِي، وهو تَحْقِيقُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِوَصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِوُجُودِ شَيْءٍ جَعَلَ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً، وذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، اثْنَيْنِ مِنَ الأنْفُسِ وثَلاثَةً مِنَ الآفاقِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وثانِيًا: بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وثالِثًا: بِكَوْنِ الأرْضِ فِراشًا، ورابِعًا: بِكَوْنِ السَّماءِ بِناءً، وخامِسًا: بِالأُمُورِ الحاصِلَةِ مِن مَجْمُوعِ السَّماءِ والأرْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ . ولِهَذا التَّرْتِيبِ أسْبابٌ، الأوَّلُ: أنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ إلى الإنْسانِ نَفْسُهُ، وعِلْمُ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أظْهَرُ مِن عِلْمِهِ بِأحْوالِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ الغَرَضُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إفادَةَ العِلْمِ، فَكُلَّما كانَ أظْهَرَ دَلالَةً كانَ أقْوى إفادَةً، وكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِ الإنْسانِ، ثُمَّ ثَنّاهُ بِآبائِهِ وأُمَّهاتِهِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالأرْضِ؛ لِأنَّ الأرْضَ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ مِنَ السَّماءِ والإنْسانَ أعْرَفُ بِحالِ الأرْضِ مِنهُ بِأحْوالِ السَّماءِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ السَّماءِ عَلى نُزُولِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الثَّمَراتِ بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ المُتَوَلَّدِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ والأثَرُ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤَثِّرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أخَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ الأرْضِ والسَّماءِ. الثّانِي: هو أنَّ خَلْقَ المُكَلَّفِينَ أحْياءَ قادِرِينَ أصْلٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، وأمّا خَلْقُ الأرْضِ والسَّماءِ والماءِ فَذاكَ إنَّما يُنْتَفَعُ بِهِ بِشَرْطِ حُصُولِ الخَلْقِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والشَّهْوَةِ، فَلا جَرَمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الأُصُولِ عَلى الفُرُوعِ. صفحة ٩٤ الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ والسَّماءِ مِن دَلائِلِ الصّانِعِ فَهو حاصِلٌ في الإنْسانِ، وقَدْ حَصَلَ في الإنْسانِ مِنَ الدَّلائِلِ ما لَمْ يَحْصُلْ فِيهِما؛ لِأنَّ الإنْسانَ حَصَلَ فِيهِ الحَياةُ والقُدْرَةُ والشَّهْوَةُ والعَقْلُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِوى اللَّهِ تَعالى. فَلَمّا كانَتْ وُجُوهُ الدَّلائِلِ لَهُ هَهُنا أتَمَّ كانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ. واعْلَمْ أنّا كَما ذَكَرْنا السَّبَبَ في التَّرْتِيبِ فَلْنَذْكُرْ ما في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ مِنَ المَنافِعِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ جَعَلَ الأرْضَ فِراشًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ [النمل: ٦١]، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ [ طَهَ: ٥٣، الزُّخْرُفِ: ١٠ ]، واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ فِراشًا مَشْرُوطٌ بِأُمُورٍ: الشَّرْطُ الأوَّلُ: كَوْنُها ساكِنَةً، وذَلِكَ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً لَكانَتْ حَرَكَتُها إمّا بِالِاسْتِقامَةِ أوْ بِالِاسْتِدارَةِ، فَإنْ كانَتْ بِالِاسْتِقامَةِ لَما كانَتْ فِراشًا لَنا عَلى الإطْلاقِ لِأنَّ مَن طَفَرَ مِن مَوْضِعٍ عالٍ كانَ يَجِبُ أنْ لا يَصِلَ إلى الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ هاوِيَةٌ، وذَلِكَ الإنْسانُ هاوٍ، والأرْضُ أثْقَلُ مِنَ الإنْسانِ، والثَّقِيلانِ إذا نَزَلا كانَ أثْقَلُهُما أسْرَعَهَما والأبْطَأُ لا يَلْحَقُ الأسْرَعَ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَصِلَ الإنْسانُ إلى الأرْضِ فَثَبَتَ أنَّها لَوْ كانَتْ هاوِيَةً لَما كانَتْ فِراشًا. أمّا لَوْ كانَتْ حَرَكَتُها بِالِاسْتِدارَةِ لَمْ يَكْمُلِ انْتِفاعُنا بِها؛ لَأنَّ حَرَكَةَ الأرْضِ مَثَلًا إذا كانَتْ إلى المَشْرِقِ والإنْسانُ يُرِيدُ أنْ يَتَحَرَّكَ إلى جانِبِ المَغْرِبِ ولا شَكَّ أنَّ حَرَكَةَ الأرْضِ أسْرَعُ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَبْقى الإنْسانُ عَلى مَكانِهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى حَيْثُ يُرِيدُ، فَلَمّا أمْكَنَهُ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الأرْضَ غَيْرُ مُتَحَرِّكَةٍ لا بِالِاسْتِدارَةِ ولا بِالِاسْتِقامَةِ فَهي ساكِنَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ ذَلِكَ السُّكُونِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأرْضَ لا نِهايَةَ لَها مِن جانِبِ السُّفْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَها مَهْبِطٌ فَلا تَنْزِلُ، وهَذا فاسِدٌ لِما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ تَناهِي الأجْسامِ. وثانِيها: الَّذِينَ سَلَّمُوا تَناهِيَ الأجْسامِ قالُوا: الأرْضُ لَيْسَتْ كُرَةً بَلْ هي كَنِصْفِ كُرَةٍ وحَدَبَتُها فَوْقُ وسَطْحُها أسْفَلُ، وذَلِكَ السَّطْحُ مَوْضُوعٌ عَلى الماءِ والهَواءِ، ومِن شَأْنِ الثَّقِيلِ إذا انْبَسَطَ أنْ يَنْدَغِمَ عَلى الماءِ والهَواءِ مِثْلَ الرَّصاصَةِ فَإنَّها إذا انْبَسَطَتْ طَفَتْ عَلى الماءِ، وإنْ جُمِعَتْ رَسَبَتْ. وهَذا باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ البَحْثَ عَنْ سَبَبِ وُقُوفِ الماءِ والهَواءِ كالبَحْثِ عَنْ سَبَبِ وُقُوفِ الأرْضِ. والثّانِي: لِمَ صارَ ذَلِكَ الجانِبُ مِنَ الأرْضِ مُنْبَسِطًا حَتّى وقَفَ عَلى الماءِ وصارَ هَذا الجانِبُ مُتَحَدِّبًا ؟ وثالِثُها: الَّذِينَ قالُوا: سَبَبُ سُكُونِ الأرْضِ جَذْبُ الفَلَكِ لَها مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَلَمْ يَكُنِ انْجِذابُها إلى بَعْضِ الجَوانِبِ أوْلى مِن بَعْضٍ فَبَقِيَتْ في الوَسَطِ. وهَذا باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأصْغَرَ أسْرَعُ انْجِذابًا مِنَ الأكْبَرِ، فَما بالُ الذَّرَّةِ لا تَنْجَذِبُ إلى الفَلَكِ. الثّانِي: الأقْرَبُ أوْلى بِالِانْجِذابِ فالذَّرَّةُ المَقْذُوفَةُ إلى فَوْقٍ أوْلى بِالِانْجِذابِ وكانَ يَجِبُ أنْ لا تَعُودَ. ورابِعُها: قَوْلُ مَن جَعَلَ سَبَبَ سُكُونِها دَفْعَ الفَلَكِ لَها مِن كُلِّ الجَوانِبِ، كَما إذا جُعِلَ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ في قِنِّينَةٍ ثُمَّ أُدِيرَتِ القِنِّينَةُ عَلى قُطْبِها إدارَةً سَرِيعَةً، فَإنَّهُ يَقِفُ التُّرابُ في وسَطِ القِنِّينَةِ لِتَساوِي الدَّفْعِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ. وهَذا أيْضًا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ خَمْسَةٍ: الأوَّلُ: الدَّفْعُ إذا بَلَغَ في القُوَّةِ إلى هَذا الحَدِّ فَلِمَ لا يُحِسُّ بِهِ الواحِدُ مِنّا ؟ . الثّانِي: ما بالُ هَذا الدَّفْعِ لا يَجْعَلُ حَرَكَةَ السُّحُبِ والرِّياحِ إلى جِهَةٍ بِعَيْنِها. الثّالِثُ: ما بالُهُ لَمْ يَجْعَلِ انْتِقالَها إلى المَغْرِبِ أسْهَلَ مِنَ انْتِقالِها إلى المَشْرِقِ. الرّابِعُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ الثَّقِيلُ كُلَّما كانَ صفحة ٩٥ أعْظَمَ أنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ أبْطَأ؛ لِأنَّ انْدِفاعَ الأعْظَمِ مِنَ الدّافِعِ القاسِرِ، أبْطَأُ مِنَ انْدِفاعِ الأصْغَرِ. الخامِسُ: يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ النّازِلِ مِنَ الِابْتِداءِ أسْرَعَ مِن حَرَكَتِهِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ الِابْتِداءِ أبْعَدُ مِنَ الفَلَكِ. وخامِسُها: أنَّ الأرْضَ بِالطَّبْعِ تَطْلُبُ وسَطَ الفَلَكِ، وهو قَوْلُ أرِسْطاطالِيسَ وجُمْهُورِ أتْباعِهِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، فاخْتِصاصُ البَعْضِ بِالصِّفَةِ الَّتِي لِأجْلِها تَطْلُبُ تِلْكَ الحالَةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جائِزًا، فَيَفْتَقِرُ فِيهِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ. وسادِسُها: قالَ أبُو هاشِمٍ: النِّصْفُ الأسْفَلُ مِنَ الأرْضِ فِيهِ اعْتِماداتٌ صاعِدَةٌ، والنِّصْفُ الأعْلى فِيهِ اعْتِماداتٌ هابِطَةٌ، فَتَدافَعَ الِاعْتِمادانِ فَلَزِمَ الوُقُوفُ. والسُّؤالُ عَلَيْهِ: أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النِّصْفَيْنِ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لا يُمْكِنُ إلّا بِالفاعِلِ المُخْتارِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ سُكُونَ الأرْضِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: انْظُرْ إلى الأرْضِ لِتَعْرِفَ أنَّها مُسْتَقِرَّةٌ بِلا عَلّاقَةٍ فَوْقَها ولا دِعامَةٍ تَحْتَها، أمّا أنَّها لا عَلّاقَةَ فَوْقَها فَمُشاهَدٌ، عَلى أنَّها لَوْ كانَتْ مُعَلَّقَةً بِعَلّاقَةٍ لاحْتاجَتِ العَلّاقَةُ إلى عَلّاقَةٍ أُخْرى لا إلى نِهايَةٍ، وبِهَذا الوَجْهِ ثَبَتَ أنَّهُ لا دِعامَةَ تَحْتَها فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُمْسِكٍ يُمْسِكُها بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] . الشَّرْطُ الثّانِي في كَوْنِ الأرْضِ فِراشًا لَنا: أنْ لا تَكُونَ في غايَةِ الصَّلابَةِ كالحَجَرِ، فَإنَّ النَّوْمَ والمَشْيَ عَلَيْهِ مِمّا يُؤْلِمُ البَدَنَ، وأيْضًا فَلَوْ كانَتِ الأرْضُ مِنَ الذَّهَبِ مَثَلًا لَتَعَذَّرَتِ الزِّراعَةُ عَلَيْها، ولا يُمْكِنُ اتِّخاذُ الأبْنِيَةِ مِنهُ لِتَعَذُّرِ حَفْرِها وتَرْكِيبِها كَما يُرادُ؛ وأنْ لا تَكُونَ في غايَةِ اللِّينِ، كالماءِ الَّذِي تَغُوصُ فِيهِ الرِّجْلُ. الشَّرْطُ الثّالِثُ: أنْ لا تَكُونَ في غايَةِ اللَّطافَةِ والشَّفافِيَّةِ؛ فَإنَّ الشَّفّافَ لا يَسْتَقِرُّ النُّورُ عَلَيْهِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَتَسَخَّنُ مِنَ الكَواكِبِ والشَّمْسِ، فَكانَ يَبْرُدُ جِدًّا، فَجَعَلَ اللَّهُ كَوْنَهُ أغْبَرَ، لِيَسْتَقِرَّ النُّورُ عَلَيْهِ فَيَتَسَخَّنَ فَيَصْلُحَ أنْ يَكُونَ فِراشًا لِلْحَيَواناتِ. الشَّرْطُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ بارِزَةً مِنَ الماءِ؛ لِأنَّ طَبْعَ الأرْضِ أنْ يَكُونَ غائِصًا في الماءِ، فَكانِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ البِحارُ مُحِيطَةً بِالأرْضِ، ولَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَما كانَتْ فِراشًا لَنا، فَقَلَبَ اللَّهُ طَبِيعَةَ الأرْضِ وأخْرَجَ بَعْضَ جَوانِبِها مِنَ الماءِ كالجَزِيرَةِ البارِزَةِ حَتّى صَلُحَتْ لِأنْ تَكُونُ فِراشًا لَنا. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِ الأرْضِ فِراشًا أنْ لا تَكُونَ كُرَةً، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ كُرَةً، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ جِدًّا كانَتِ القِطْعَةُ مِنها كالسَّطْحِ في إمْكانِ الِاسْتِقْرارِ عَلَيْهِ، والَّذِي يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا أنَّ الجِبالَ أوْتادُ الأرْضِ ثُمَّ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، فَهَذا أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في سائِرِ مَنافِعَ الأرْضِ وصِفاتِها: فالمَنفَعَةُ الأُولى: الأشْياءُ المُتَوَلِّدَةُ فِيها مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَها إلّا اللَّهُ تَعالى. الثّانِيَةُ: أنْ يَتَخَمَّرَ الرَّطْبُ بِها فَيَحْصُلُ التَّماسُكُ في أبْدانِ المُرَكَّباتِ. الثّالِثَةُ: اخْتِلافُ بِقاعِ الأرْضِ، فَمِنها أرْضٌ رَخْوَةٌ وصُلْبَةٌ ورَمَلَةٌ وسَبِخَةٌ وحَرَّةٌ، صفحة ٩٦ وهِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤]، وقالَ: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] . الرّابِعَةُ: اخْتِلافُ ألْوانِها؛ فَأحْمَرُ وأبْيَضُ وأسْوَدُ ورَمادِيُّ اللَّوْنِ وأغْبَرُ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] . الخامِسَةُ: انْصِداعُها بِالنَّباتِ، قالَ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] . السّادِسَةُ: كَوْنُها خازِنَةً لِلْماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] . السّابِعَةُ: العُيُونُ والأنْهارُ العِظامُ الَّتِي فِيها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا﴾ [الرعد: ٣] . الثّامِنَةُ: ما فِيها مِنَ المَعادِنِ والفِلِزّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩]، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ تَمامَ البَيانِ، فَقالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ . التّاسِعَةُ: الخَبْءُ الَّذِي تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِنَ الحَبِّ والنَّوى، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥]، وقالَ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] . ثُمَّ إنَّ الأرْضَ لَها طَبْعُ الكَرَمِ لِأنَّكَ تَدْفَعُ إلَيْها حَبَّةً واحِدَةً، وهي تَرُدُّها عَلَيْكَ سَبْعَمِائَةٍ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] . العاشِرَةُ: حَياتُها بَعْدَ مَوْتِها؛ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧]، وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]، . الحادِيَةَ عَشْرَةَ: ما عَلَيْها مِنَ الدَّوابِّ المُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والصُّوَرِ والخَلْقِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [لقمان: ١٠] . والثّانِيَةَ عَشْرَةَ: ما فِيها مِنَ النَّباتِ المُخْتَلِفِ ألْوانُهُ وأنْواعُهُ ومَنافِعُهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]، فاخْتِلافُ ألْوانِها دَلالَةٌ، واخْتِلافُ طَعُومِها دَلالَةٌ، واخْتِلافُ رَوائِحِها دَلالَةٌ، فَمِنها قُوتُ البَشَرِ، ومِنها قُوتُ البَهائِمِ، كَما قالَ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤]، أمّا مَطْعُومُ البَشَرِ، فَمِنها الطَّعامُ، ومِنها الإدامُ، ومِنها الدَّواءُ، ومِنها الفاكِهَةُ، ومِنها الأنْواعُ المُخْتَلِفَةُ في الحَلاوَةِ والحُمُوضَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]، وأيْضًا فَمِنها كُسْوَةُ البَشَرِ؛ لِأنَّ الكُسْوَةَ إمّا نَباتِيَّةٌ، وهي القُطْنُ والكَتّانُ، وإمّا حَيَوانِيَّةٌ وهي الشَّعْرُ والصُّوفُ والإبْرَيْسَمُ والجُلُودُ، وهي مِنَ الحَيَواناتِ الَّتِي بَثَّها اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ، فالمَطْعُومُ مِنَ الأرْضِ، والمَلْبُوسُ مِنَ الأرْضِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَنافِعَ كَثِيرَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. صفحة ٩٧ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الأرْضَ ساتِرَةً لِقَبائِحِكَ بَعْدَ مَماتِكَ، فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] . ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَمَعَ هَذِهِ المَنافِعَ العَظِيمَةَ لِلسَّماءِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] . الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: ما فِيها مِنَ الأحْجارِ المُخْتَلِفَةِ، فَفي صِغارِها ما يَصْلُحُ لِلزِّينَةِ فَتُجْعَلُ فُصُوصُها لِلْخَواتِمِ، وفي كِبارِها ما يُتَّخَذُ لِلْأبْنِيَةِ، فانْظُرْ إلى الحَجَرِ الَّذِي تَخْرُجُ النّارُ مِنهُ مَعَ كَثْرَتِهِ، وانْظُرْ إلى الياقُوتِ الأحْمَرِ مَعَ عِزَّتِهِ. ثُمَّ انْظُرْ إلى كَثْرَةِ النَّفْعِ بِذَلِكَ الحَقِيرِ، وقِلَّةِ النَّفْعِ بِهَذا الشَّرِيفِ. الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: ما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ المَعادِنِ الشَّرِيفَةِ، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ، ثُمَّ تَأمَّلْ فَإنَّ البَشَرَ اسْتَخْرَجُوا الحِرَفَ الدَّقِيقَةَ والصَّنائِعَ الجَلِيلَةَ واسْتَخْرَجُوا السَّمَكَةَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، واسْتَنْزَلُوا الطَّيْرَ مِن أوْجِ الهَواءِ، ثُمَّ عَجَزُوا عَنْ إيجادِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ لا فائِدَةَ في وُجُودِهِما إلّا الثَّمَنِيَّةُ، وهَذِهِ الفائِدَةُ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ العِزَّةِ، فالقادِرُ عَلى إيجادِهِما يُبْطِلُ هَذِهِ الحِكْمَةَ، فَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ دُونَهُما بابًا مَسْدُودًا، إظْهارًا لِهَذِهِ الحِكْمَةِ وإبْقاءً لِهَذِهِ النِّعْمَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ ما لا مَضَرَّةَ عَلى الخَلْقِ فِيهِ، مَكَّنَهم مِنهُ فَصارُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ اتِّخاذِ الشَّبَهِ مِنَ النُّحاسِ، والزُّجاجِ مِنَ الرَّمْلِ، وإذا تَأمَّلَ العاقِلُ في هَذِهِ اللَّطائِفِ والعَجائِبِ اضْطُرَّ في افْتِقارِ هَذِهِ التَّدابِيرِ إلى صانِعٍ حَكِيمٍ مُقْتَدِرٍ عَلِيمٍ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الخامِسَةَ عَشْرَةَ: كَثْرَةُ ما يُوجَدُ عَلى الجِبالِ والأراضِي مِنَ الأشْجارِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْبِناءِ والسُّقُفِ، ثُمَّ الحَطَبِ. وما أشَدَّ الحاجَةَ إلَيْهِ في الخَبْزِ والطَّبْخِ. قَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى دَلائِلِ الأرْضِ ومَنافِعِها بِألْفاظٍ لا يَبْلُغُها البُلَغاءُ، ويَعْجَزُ عَنْها الفُصَحاءُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]، وأمّا الأنْهارُ فَمِنها العَظِيمَةُ كالنِّيلِ وسَيْحُونَ وجَيْحُونَ والفُراتِ، ومِنها الصِّغارُ، وهي كَثِيرَةٌ، وكُلُّها تَحْمِلُ مِياهًا عَذْبَةً لِلسَّقْيِ والزِّراعَةِ وسائِرِ الفَوائِدِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في أنَّ السَّماءَ أفْضَلُ أمِ الأرْضَ ؟ قالَ بَعْضُهم: السَّماءُ أفْضَلُ؛ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماءَ مُتَعَبَّدُ المَلائِكَةِ، وما فِيها بُقْعَةٌ عَصى اللَّهَ فِيها أحَدٌ. وثانِيها: لَمّا أتى آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الجَنَّةِ بِتِلْكَ المَعْصِيَةِ قِيلَ لَهُ: اهْبِطْ مِنَ الجَنَّةِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: لا يَسْكُنُ في جِوارِي مَن عَصانِي. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، وقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ولَمْ يَذْكُرْ في الأرْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّ في أكْثَرِ الأمْرِ ورَدَ ذِكْرُ السَّماءِ مُقَدَّمًا عَلى الأرْضِ في الذِّكْرِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الأرْضُ أفْضَلُ؛ لِوُجُوهٍ: ”أ“ أنَّهُ تَعالى وصَفَ بِقاعًا مِنَ الأرْضِ بِالبَرَكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، ”ب“ ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، ”ج“ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، ”د“ وصَفَ أرْضَ الشّامِ بِالبَرَكَةِ فَقالَ: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . وخامِسُها: وصَفَ جُمْلَةَ الأرْضِ بِالبَرَكَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت: ٩]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ١٠] . فَإنْ قِيلَ: وأيُّ بَرَكَةٍ في الفَلَواتِ الخالِيَةِ والمَفاوِزِ المُهْلِكَةِ ؟ قُلْنا: إنَّها مَساكِنُ لِلْوُحُوشِ ومَرْعاها، ثُمَّ إنَّها مَساكِنُ لِلنّاسِ إذا احْتاجُوا إلَيْها، فَلِهَذِهِ البَرَكاتِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، وهَذِهِ الآياتُ وإنْ كانَتْ حاصِلَةً لِغَيْرِ المُوقِنِينَ لَكِنْ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِها إلّا المُوقِنُونَ جَعَلَها آياتٍ لِلْمُوقِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم صفحة ٩٨ كَما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . وسادِسُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الأنْبِياءَ المُكَرَّمِينَ مِنَ الأرْضِ عَلى ما قالَ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، ولَمْ يَخْلُقْ مِنَ السَّماواتِ شَيْئًا لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] . وسابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَ نَبِيَّهُ بِها فَجَعَلَ الأرْضَ كُلَّها مَساجِدَ لَهُ وجَعَلَ تُرابَها طَهُورًا. * * * أمّا قَوْلُ: (السَّماءَ بِناءً) فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ في كِتابِهِ في مَواضِعَ، ولا شَكَّ أنَّ إكْثارَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِن ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِما، وعَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِما أسْرارًا عَظِيمَةً وحِكَمًا بالِغَةً لا يَصِلُ إلَيْها أفْهامُ الخَلْقِ ولا عُقُولُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فَضائِلِ السَّماءِ، وهي مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها بِسَبْعَةِ أشْياءَ، بِالمَصابِيحِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، وبِالقَمَرِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وبِالشَّمْسِ ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦]، وبِالعَرْشِ ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وبِالكُرْسِيِّ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وبِاللَّوْحِ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وبِالقَلَمِ ﴿ن والقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، فَهَذِهِ سَبْعَةٌ: ثَلاثَةٌ مِنها ظاهِرَةٌ، وأرْبَعَةٌ خَفِيَّةٌ ثَبَتَتْ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى سَمّى السَّماواتِ بِأسْماءَ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِها: سَماءً، وسَقْفًا مَحْفُوظًا، وسَبْعًا طِباقًا، وسَبْعًا شِدادًا. ثُمَّ ذَكَرَ عاقِبَةَ أمْرِها فَقالَ: ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]، ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]، ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩]، ﴿فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، وذَكَرَ مَبْدَأها في آيَتَيْنِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠]، فَهَذا الِاسْتِقْصاءُ الشَّدِيدُ في كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِما وفَنائِهِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُما لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ عَلى ما قالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] . والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ السَّماءَ قِبْلَةَ الدُّعاءِ: فالأيْدِي تُرْفَعُ إلَيْها، والوُجُوهُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَها، وهي مَنزِلُ الأنْوارِ ومَحَلُّ الصَّفاءِ والأضْواءِ والطَّهارَةِ والعِصْمَةِ عَنِ الخَلَلِ والفَسادِ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهُمُ: السَّماواتُ والأرْضُونَ عَلى صِفَتَيْنِ، فالسَّماواتُ مُؤَثِّرَةٌ غَيْرُ مُتَأثِّرَةٍ. والأرْضُونَ مُتَأثِّرَةٌ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ والمُؤَثِّرُ أشْرَفُ مِنَ القابِلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قُدِّمَ ذِكْرُ السَّماءِ عَلى الأرْضِ في الأكْثَرِ، وأيْضًا فَفي أكْثَرِ الأمْرِ ذِكْرُ السَّماواتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، والأرْضِ بِلَفْظِ الواحِدِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ السَّماواتِ الكَثِيرَةِ لِيَحْصُلَ بِسَبَبِها الِاتِّصالاتُ المُخْتَلِفَةُ لِلْكَواكِبِ وتَغَيُّرُ مَطارِحِ الشُّعاعاتِ، وأمّا الأرْضُ فَقابِلَةٌ فَكانَتِ الأرْضُ الواحِدَةُ كافِيَةً. الخامِسُ: تَفَكَّرْ في لَوْنِ السَّماءِ وما فِيهِ مِن صَوابِ التَّدْبِيرِ، فَإنَّ هَذا اللَّوْنَ أشَدُّ الألْوانِ مُوافَقَةً لِلْبَصَرِ وتَقْوِيَةً لَهُ، حَتّى أنَّ الأطِبّاءَ يَأْمُرُونَ مَن أصابَهُ وجَعُ العَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى الزُّرْقَةِ، فانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أدِيمَ صفحة ٩٩ السَّماءِ مُلَوَّنًا بِهَذا اللَّوْنِ الأزْرَقِ، لِتَنْتَفِعَ بِهِ الأبْصارُ النّاظِرَةُ إلَيْها، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى جَعَلَ لَوْنَها أنْفَعَ الألْوانِ، وهو المُسْتَنِيرُ وشَكْلَها أفْضَلَ الأشْكالِ، وهو المُسْتَدِيرُ، ولِهَذا قالَ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] يَعْنِي ما فِيها مِن فُصُولٍ، ولَوْ كانَتْ سَقْفًا غَيْرَ مُحِيطٍ بِالأرْضِ لَكانَتِ الفُرُوجُ حاصِلَةً. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ فَضائِلِ السَّماءِ وبَيانِ فَضائِلِ ما فِيها، وهي الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ: أمّا الشَّمْسُ فَتَفَكَّرْ في طُلُوعِها وغُرُوبِها، فَلَوْلا ذَلِكَ لَبَطَلَ أمْرُ العالَمِ كُلِّهِ، فَكَيْفَ كانَ النّاسُ يَسْعَوْنَ في مَعايِشِهِمْ، ثُمَّ المَنفَعَةُ في طُلُوعِ الشَّمْسِ ظاهِرَةٌ، ولَكِنْ تَأمَّلِ النَّفْعَ في غُرُوبِها، فَلَوْلا غُرُوبُها لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ هُدُوٌّ ولا قَرارٌ مَعَ احْتِياجِهِمْ إلى الهُدُوِّ والقَرارِ لِتَحْصِيلِ الرّاحَةِ وانْبِعاثِ القُوَّةِ الهاضِمَةِ وتَنْفِيذِ الغِذاءِ إلى الأعْضاءِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وأيْضًا فَلَوْلا الغُرُوبُ لَكانَ الحِرْصُ يَحْمِلُهم عَلى المُداوَمَةِ عَلى العَمَلِ عَلى ما قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا الغُرُوبُ لَكانَتِ الأرْضُ تَحْمى بِشُرُوقِ الشَّمْسِ عَلَيْها حَتّى يَحْتَرِقَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن حَيَوانٍ، ويَهْلَكَ ما عَلَيْها مِن نَباتٍ عَلى ما قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥]، فَصارَتِ الشَّمْسُ بِحِكْمَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى تَطْلُعُ في وقْتٍ وتَغِيبُ في وقْتٍ، بِمَنزِلَةِ سِراجٍ يُدْفَعُ لِأهْلِ بَيْتٍ بِمِقْدارِ حاجَتِهِمْ ثُمَّ يُرْفَعُ عَنْهم لِيَسْتَقِرُّوا ويَسْتَرِيحُوا، فَصارَ النُّورُ والظُّلْمَةُ عَلى تَضادِّهِما مُتَعاوِنَيْنِ مُتَظاهِرَيْنِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ العالَمِ، هَذا كُلُّهُ في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها. أمّا ارْتِفاعُ الشَّمْسِ وانْحِطاطُها فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لِإقامَةِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ: فَفي الشِّتاءِ تَغُورُ الحَرارَةُ في الشَّجَرِ والنَّباتِ فَيَتَوَلَّدُ مِنهُ مَوادُّ الثِّمارِ ويَلْطُفُ الهَواءُ ويَكْثُرُ السَّحابُ والمَطَرُ، ويَقْوى أبْدانُ الحَيَواناتِ بِسَبَبِ احْتِقانِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ في البَواطِنِ. وفي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ الطَّبائِعُ وتَظْهَرُ المَوادُّ المُتَوَلِّدَةُ في الشِّتاءِ فَيَطْلُعُ النَّباتُ ويُنَوِّرُ الشَّجَرُ ويَهِيجُ الحَيَوانُ لِلسِّفادِ. وفي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الهَواءُ فَتَنْضُجُ الثِّمارُ، وتَنْحَلُّ فُضُولُ الأبْدانِ، ويَجِفُّ وجْهُ الأرْضِ، ويَتَهَيَّأُ لِلْبِناءِ والعِماراتِ. وفي الخَرِيفِ يَظْهَرُ اليُبْسُ والبَرْدُ فَتَنْتَقِلُ الأبْدانُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى الشِّتاءِ، فَإنَّهُ إنْ وقَعَ الِانْتِقالُ دُفْعَةً واحِدَةً هَلَكَتِ الأبْدانُ وفَسَدَتْ. وأمّا حَرَكَةُ الشَّمْسِ فَتَأمَّلْ في مَنافِعِها، فَإنَّها لَوْ كانَتْ واقِفَةً في مَوْضِعٍ واحِدٍ لاشْتَدَّتِ السُّخُونَةُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ واشْتَدَّ البَرْدُ في سائِرِ المَواضِعِ، لَكِنَّها تَطْلُعُ في أوَّلِ النَّهارِ مِنَ المَشْرِقِ فَتَقَعُ عَلى ما يُحاذِيها مِن وجْهِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا تَزالُ تَدُورُ وتَغْشى جِهَةً بَعْدِ جِهَةٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى الغُرُوبِ فَتُشْرِقَ عَلى الجَوانِبِ الشَّرْقِيَّةِ فَلا يَبْقى مَوْضِعٌ مَكْشُوفٌ إلّا ويَأْخُذُ حَظًّا مِن شُعاعِ الشَّمْسِ، وأيْضًا كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: لَوْ وقَفَتْ في جانِبِ الشَّرْقِ والغَنِيُّ قَدْ رَفَعَ بِناءَهُ عَلى كُوَّةِ الفَقِيرِ، فَكانَ لا يَصِلُ النُّورُ إلى الفَقِيرِ، لَكِنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ الغَنِيُّ مَنَعَهُ نُورَ الشَّمْسِ فَأنا أُدِيرُ الفَلَكَ وأُدِيرُها عَلَيْهِ حَتّى يَأْخُذَ الفَقِيرُ نَصِيبَهُ. وأمّا مَنافِعُ مَيْلِها في حَرَكَتِها عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةٌ في المَيْلِ لَكانَ التَّأْثِيرُ مَخْصُوصًا بِبُقْعَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ سائِرُ الجَوانِبِ يَخْلُو عَنِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُ وكانَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنهُ مُتَشابِهَ الأحْوالِ، وكانَتِ القُوَّةُ هُناكَ لِكَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَإنْ كانَتْ حارَّةً أفْنَتِ الرُّطُوباتِ وأحالَتْها كُلَّها إلى النّارِيَّةِ ولَمْ تَتَكَوَّنِ المُتَوَلِّداتُ فَيَكُونُ المَوْضِعُ المُحاذِي لِمَمَرِّ الكَواكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وخَطُّ ما لا يُحاذِيهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى صفحة ١٠٠ وخَطٌّ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما عَلى كَيْفِيَّةٍ مُتَوَسِّطَةٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعٍ شِتاءٌ دائِمٌ يَكُونُ فِيهِ الهَواءُ والعَجاجَةُ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ صَيْفٌ دائِمٌ يُوجِبُ الِاحْتِراقَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ رَبِيعٌ أوْ خَرِيفٌ لا يَتِمُّ فِيهِ النُّضْجُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَوْداتٌ مُتَتالِيَةٌ وكانَتِ الكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ بَطِيئًا لَكانَ المَيْلُ قَلِيلَ المَنفَعَةِ وكانَ التَّأْثِيرُ شَدِيدَ الإفْراطِ، وكانَ يَعْرِضُ قَرِيبًا مِمّا لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ، ولَوْ كانَتِ الكَواكِبُ أسْرَعَ حَرَكَةً مِن هَذِهِ لَما كَمُلَتِ المَنافِعُ وما تَمَّتْ، فَأمّا إذا كانَ هُناكَ مَيْلٌ يَحْفَظُ الحَرَكَةَ في جِهَةٍ مُدَّةً، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلى جِهَةٍ أُخْرى بِمِقْدارِ الحاجَةِ وتَبْقى في كُلِّ جِهَةٍ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ تَمَّ بِذَلِكَ تَأْثِيرُهُ وكَثُرَتْ مَنفَعَتُهُ، فَسُبْحانَ الخالِقِ المُدَبِّرِ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ. هَذا، أمّا القَمَرُ، وهو المُسَمّى بِآيَةِ اللَّيْلِ: فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ طُلُوعَهُ وغَيْبَتَهُ مَصْلَحَةً، وجَعَلَ طُلُوعَهُ في وقْتٍ مَصْلَحَةً، وغُرُوبَهُ في وقْتٍ آخَرَ مَصْلَحَةً، أمّا غُرُوبُهُ فَفِيهِ نَفْعٌ لِمَن هَرَبَ مِن عَدُوِّهِ فَيَسْتُرُهُ اللَّيْلُ يُخْفِيهِ فَلا يَلْحَقُهُ طالِبٌ فَيَنْجُوَ، ولَوْلا الظَّلامُ لَأدْرَكَهُ العَدُوُّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ المُتَنَبِّي: وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخْبِرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ وأمّا طُلُوعُهُ فَفِيهِ نَفْعٌ لِمَن ضَلَّ عَنْهُ شَيْءٌ أخْفاهُ الظَّلامُ وأظْهَرَهُ القَمَرُ. ومِنَ الحِكاياتِ: أنَّ أعْرابِيًّا نامَ عَنْ جَمَلِهِ لَيْلًا فَفَقَدَهُ، فَلَمّا طَلَعَ القَمَرُ وجَدَهُ فَنَظَرَ إلى القَمَرِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ صَوَّرَكَ ونَوَّرَكَ، وعَلى البُرُوجِ دَوَّرَكَ، فَإذا شاءَ نَوَّرَكَ، وإذا شاءَ كَوَّرَكَ، فَلا أعْلَمُ مَزِيدًا أسْألُهُ لَكَ، ولَئِنْ أهْدَيْتَ إلَيَّ سُرُورًا لَقَدْ أهْدى اللَّهُ إلَيْكَ نُورًا، ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: ماذا أقُولُ وقَوْلِي فِيكَ ذُو قِصَرٍ ∗∗∗ وقَدْ كَفَيْتَنِي التَّفْصِيلَ والجُمَلا إنْ قُلْتُ: لا زِلْتَ مَرْفُوعًا، فَأنْتَ كَذا ∗∗∗ أوْ قَلْتُ: زانَكَ رَبِّي، فَهو قَدْ فَعَلا ولَقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن يَذُمُّ القَمَرَ ويَقُولُ: القَمَرُ يُقَرِّبُ الأجَلَ ويَفْضَحُ السّارِقَ ويُدْرِكُ الهارِبَ ويَهْتِكُ العاشِقَ ويُبْلِي الكَتّانَ ويُهْرِمُ الشُّبّانَ ويُنْسِي ذِكْرَ الأحْبابِ ويُقَرِّبُ الدَّيْنَ ويُدْنِي الحَيْنَ. وكانَ فِيهِمْ أيْضًا مَن يُفَضِّلُ القَمَرَ عَلى الشَّمْسِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ القَمَرَ مُذَكَّرٌ، والشَّمْسَ مُؤَنَّثٌ، لَكِنَّ المُتَنَبِّيَ طَعَنَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: فَما التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ ∗∗∗ ولا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلالِ وثانِيها: أنَّهم قالُوا: القَمَرانِ، فَجَعَلُوا الشَّمْسَ تابِعَةً لِلْقَمَرِ. ومِنهم مَن فَضَّلَ الشَّمْسَ عَلى القَمَرِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَها عَلى القَمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ١ - ٢]، إلّا أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ مَنقُوضَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقالَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢]، وقالَ: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]، وقالَ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، الآيَةَ. أمّا النُّجُومُ: فَفِيها مَنافِعُ: المَنفَعَةُ الأُولى: كَوْنُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، والثّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ القِبْلَةِ بِها، والثّالِثَةُ: أنْ يَهْتَدِيَ بِها المُسافِرُ في البَرِّ والبَحْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] . ثُمَّ النُّجُومُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: غارِبَةٌ لا تَطْلُعُ، كالكَواكِبِ الجَنُوبِيَّةِ، وطالِعَةٌ لا تَغْرُبُ، كالشَّمالِيَّةِ، ومِنها ما يَغْرُبُ تارَةً ويَطْلُعُ أُخْرى، وأيْضًا مِنها ثَوابِتُ ومِنها سَيّاراتٌ ومِنها شَرْقِيَّةٌ ومِنها غَرْبِيَّةٌ، والكَلامُ فِيها طَوِيلٌ. أمّا الَّذِي تَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ مِن مَعْرِفَةِ الأجْرامِ والأبْعادِ: صفحة ١٠١ فَدَعْ عَنْكَ بَحْرًا ضَلَّ فِيهِ السَّوابِحُ قالَ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦]، وقالَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١]، وقالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، فَقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى مَعْرِفَةِ أبْعَدِ الأشْياءِ عَنْهم، والعَرَبُ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ عَرَفُوا ذَلِكَ، قالَ قائِلُهم: وأعْرِفُ ما في اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِي وقالَ لَبِيَدٌ: فَواللَّهِ ما تَدْرِي الضَّوارِبُ بِالحَصى ∗∗∗ ولا زاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللَّهُ صانِعُ * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ كَوْنِ السَّماءِ بِناءً، قالَ الجاحِظُ: إذا تَأمَّلْتَ في هَذا العالَمِ وجَدْتَهُ كالبَيْتِ المُعَدِّ فِيهِ كُلُّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، فالسَّماءُ مَرْفُوعَةٌ كالسَّقْفِ، والأرْضُ مَمْدُودَةٌ كالبِساطِ، والنُّجُومُ مُنَوِّرَةٌ كالمَصابِيحِ، والإنْسانُ كَمالِكِ البَيْتِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ، وضُرُوبُ النَّباتِ مُهَيَّأةٌ لِمَنافِعِهِ وضُرُوبُ الحَيَواناتِ مُصَرَّفَةٌ في مَصالِحِهِ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ واضِحَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ العالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَدْبِيرٍ كامِلٍ وتَقْدِيرٍ شامِلٍ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وقُدْرَةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ وكانَتْ كالصَّدَفِ والدُّرَّةِ المُودَعَةِ فِيهِ آدَمُ وأوْلادُهُ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أصْنافَ حاجاتِهِمْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: يا آدَمُ لا أُحْوِجُكَ إلى شَيْءٍ غَيْرِ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي لَكَ كالأُمِّ فَقالَ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦]، فانْظُرْ يا عَبْدِي أنَّ أعَزَّ الأشْياءِ عِنْدَكَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، ولَوْ أنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ هَلْ كانَ يَحْصُلُ مِنها هَذِهِ المَنافِعُ، ثُمَّ إنِّي جَعَلْتُ هَذِهِ الأشْياءَ في هَذِهِ الدُّنْيا مَعَ أنَّها سِجْنٌ، فَكَيْفَ الحالُ في الجَنَّةِ، فالحاصِلُ أنَّ الأرْضَ أُمُّكَ بَلْ أشْفَقُ مِنَ الأُمِّ؛ لِأنَّ الأُمَّ تَسْقِيكَ لَوْنًا واحِدًا مِنَ اللَّبَنِ، والأرْضَ تُطْعِمُكَ كَذا وكَذا لَوْنًا مِنَ الأطْعِمَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، مَعْناهُ نَرُدُّكم إلى هَذِهِ الأُمِّ، وهَذا لَيْسَ بِوَعِيدٍ؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يُوعَدُ بِأُمِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَكانَكَ مِنَ الأُمِّ الَّتِي ولَدَتْكَ أضْيَقُ مِن مَكانِكَ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّكَ كُنْتَ في بَطْنِ الأُمِّ تِسْعَةَ أشْهُرٍ ما مَسَّكَ جُوعٌ ولا عَطَشٌ، فَكَيْفَ إذا دَخَلْتَ بَطْنَ الأُمِّ الكُبْرى، ولَكِنَّ الشَّرْطَ أنْ تَدْخُلَ بَطْنَ هَذِهِ الأُمِّ الكُبْرى، كَما كُنْتَ في بَطْنِ الأُمِّ الصُّغْرى؛ لِأنَّكَ حِينَ كُنْتَ في بَطْنِ الأُمِّ الصُّغْرى ما كانَتْ لَكَ زَلَّةٌ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ لَكَ كَبِيرَةٌ، بَلْ كُنْتَ مُطِيعًا لِلَّهِ بِحَيْثُ دَعاكَ مَرَّةً إلى الخُرُوجِ إلى الدُّنْيا فَخَرَجْتَ إلَيْها بِالرَّأْسِ طاعَةً مِنكَ لِرَبِّكَ، واليَوْمَ يَدْعُوكَ سَبْعِينَ مَرَّةً إلى الصَّلاةِ فَلا تُجِيبُهُ بِرِجْلِكَ.واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ والسَّماءَ بَيَّنَ ما بَيْنَهُما مِن شِبْهِ عَقْدِ النِّكاحِ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ عَلى الأرْضِ والإخْراجِ بِهِ مِن بَطْنِها أشْباهَ النَّسْلِ الحاصِلِ مِنَ الحَيَوانِ، ومِن أنْواعِ الثِّمارِ رِزْقًا لِيَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أحْوالِ ما فَوْقَهم وما تَحْتَهم، ويَعْرِفُوا أنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ لا يَقْدِرُ عَلى تَكْوِينِها وتَخْلِيقِها إلّا مَن كانَ مُخالِفًا لَها في الذّاتِ والصِّفاتِ، وذَلِكَ هو الصّانِعُ الحَكِيمُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَهُنا سُؤالاتٌ: صفحة ١٠٢ السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو الخالِقُ لِهَذِهِ الثَّمَراتِ عَقِيبَ وُصُولِ الماءِ إلَيْها بِمَجْرى العادَةِ، أوْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في الماءِ طَبِيعَةً مُؤَثِّرَةً، وفي الأرْضِ طَبِيعَةً قابِلَةً، فَإذا اجْتَمَعا حَصَلَ الأثَرُ مِن تِلْكَ القُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى ؟ والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ عَلى كِلّا القَوْلَيْنِ لا بُدَّ مِنَ الصّانِعِ الحَكِيمِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الثِّمارِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ هَذِهِ الوَسائِطِ لِأنَّ الثَّمَرَةَ لا مَعْنى لَها إلّا جِسْمٌ قامَ بِهِ طَعْمٌ ولَوْنٌ ورائِحَةٌ ورُطُوبَةٌ، والجِسْمُ قابِلٌ لِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهَذِهِ الصِّفاتُ مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى ابْتِداءً؛ لِأنَّ المُصَحِّحَ لِلْمَقْدُورِيَّةِ إمّا الحُدُوثُ، أوِ الإمْكانُ، وإمّا هُما. وعَلى التَّقْدِيراتِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأعْراضِ في الجِسْمِ ابْتِداءً بِدُونِ هَذِهِ الوَسائِطِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ مِنَ الدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ ما ورَدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ تَعالى يَخْتَرِعُ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ لِلْمُثابِينَ مِن غَيْرِ هَذِهِ الوَسائِطِ، إلّا أنّا نَقُولُ: قُدْرَتُهُ عَلى خَلْقِها ابْتِداءً لا تُنافِي قُدْرَتَهُ عَلَيْها بِواسِطَةِ خَلْقِ هَذِهِ القُوى المُؤَثِّرَةِ والقابِلَةِ في الأجْسامِ، وظاهِرُ قَوْلِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إنْكارُ ذَلِكَ ولا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ. السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ هَذِهِ الثِّمارِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسائِطِ فَما الحِكْمَةُ في خَلْقِها بِهَذِهِ الوَسائِطِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ؟ والجَوابُ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. ثُمَّ ذَكَرُوا مِنَ الحَكَمِ المُفَصَّلَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إنَّما أجْرى العادَةَ بِأنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ إلّا عَلى تَرْتِيبٍ وتَدْرِيجٍ؛ لِأنَّ المُكَلَّفِينَ إذا تَحَمَّلُوا المَشَقَّةَ في الحَرْثِ والغَرْسِ طَلَبًا لِلثَّمَراتِ وكَدُّوا أنْفُسَهم في ذَلِكَ حالًا بَعْدَ حالٍ عَلِمُوا أنَّهم لَمّا احْتاجُوا إلى تَحَمُّلِ هَذِهِ المَشاقِّ لِطَلَبِ هَذِهِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَأنْ يَتَحَمَّلُوا مَشاقَّ أقَلَّ مِنَ المَشاقِّ الدُّنْيَوِيَّةِ لِطَلَبِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كانَ أوْلى، وصارَ هَذا كَما قُلْنا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الشِّفاءِ مِن غَيْرِ تَناوُلِ الدَّواءِ لَكِنَّهُ أجْرى عادَتَهُ بِتَوْقِيفِهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا تَحَمَّلَ مَرارَةَ الأدْوِيَةِ دَفْعًا لِضَرَرِ المَرَضِ، فَلَأنْ يَتَحَمَّلَ مَشاقَّ التَّكْلِيفِ دَفْعًا لِضَرَرِ العِقابِ كانَ أوْلى. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَها دُفْعَةً مِن غَيْرِ هَذِهِ الوَسائِطِ لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِإسْنادِها إلى القادِرِ الحَكِيمِ، وذَلِكَ كالمُنافِي لِلتَّكْلِيفِ والِابْتِلاءِ. أمّا لَوْ خَلَقَها بِهَذِهِ الوَسائِطِ فَحِينَئِذٍ يَفْتَقِرُ المُكَلَّفُ في إسْنادِها إلى القادِرِ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، فَيَسْتَوْجِبُ الثَّوابَ، ولِهَذا قِيلَ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ. وثالِثُها: أنَّهُ رُبَّما كانَ لِلْمَلائِكَةِ ولِأهْلِ الِاسْتِبْصارِ عِبَرٌ في ذَلِكَ وأفْكارٌ صائِبَةٌ. السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَقْتَضِي نُزُولَ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الأمْطارَ إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن أبْخِرَةٍ تَرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ وتَتَصاعَدُ إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ فَتَجْتَمِعُ هُناكَ بِسَبَبِ البَرْدِ وتَنْزِلُ بَعْدَ اجْتِماعِها وذَلِكَ هو المَطَرُ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماءَ إنَّما سُمِّيَتْ سَماءً لِسُمُوِّها، فَكُلُّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ، فَإذا نَزَلَ مِنَ السَّحابِ فَقَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ. وثانِيها: أنَّ المُحَرِّكَ لِإثارَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ الرَّطْبَةِ مِن عُمْقِ الأرْضِ الأجْزاءُ الرَّطْبَةُ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ . وثالِثُها: أنَّ قَوْلَ اللَّهِ هو الصِّدْقُ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ تَعالى يُنَزِّلُ المَطَرَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا عَلِمْنا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ، ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ . الجَوابُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّبْعِيضُ لِأنَّ المُنَكَّرَيْنِ - أعْنِي ماءً ورِزْقًا - يَكْتَنِفانِهِ، وقَدْ قُصِدَ بِتَنْكِيرِهِما مَعْنى البَعْضِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ فَأخْرَجْنا بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكم. والثّانِي: أنْ يَكُونَ لِلْبَيانِ، كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ صفحة ١٠٣ إنْفاقًا. فَإنْ قِيلَ: فَبِمَ انْتَصَبَ (رِزْقًا) ؟ قُلْنا: إنْ كانَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كانَ انْتِصابُهُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. وإنْ كانَتْ مُبَيِّنَةً كانَ مَفْعُولًا لِـ (أخْرَجَ) . السُّؤالُ الخامِسُ: الثَّمَرُ المُخْرَجُ بِماءِ السَّماءِ كَثِيرٌ، فَلِمَ قِيلَ: (الثَّمَراتِ) دُونَ الثَّمَرِ أوِ الثِّمارِ ؟ الجَوابُ: تَنْبِيهًا عَلى قِلَّةِ ثِمارِ الدُّنْيا وإشْعارًا بِتَعْظِيمِ أمْرِ الآخِرَةِ، واللَّهِ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ. السُّؤالُ الأوَّلُ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾ ؟ الجَوابُ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتَعَلَّقَ بِالأمْرِ، أيِ اعْبُدُوا فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا؛ فَإنَّ أصْلَ العِبادَةِ وأساسَها التَّوْحِيدُ. وثانِيها: بِـ (لَعَلَّ) والمَعْنى خَلَقَكم لِكَيْ تَتَّقُوا وتَخافُوا عِقابَهُ، فَلا تُثْبِتُوا لَهُ نِدًّا فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ. وثالِثُها: بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ أيْ هو الَّذِي خَلَقَ لَكم هَذِهِ الدَّلائِلَ الباهِرَةَ فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما النِّدُّ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ المِثْلُ المُنازِعُ، ونادَدْتُ الرَّجُلَ: نافَرْتُهُ، مِن نَدَّ نُدُودًا: إذا نَفَرَ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النِّدَّيْنِ يُنادُّ صاحِبَهُ، أيْ يُنافِرُهُ ويُعانِدُهُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَقُولُوا: إنَّ الأصْنامَ تُنازِعُ اللَّهَ. قُلْنا: لَمّا عَبَدُوها وسَمَّوْها آلِهَةً أشْبَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها آلِهَةٌ قادِرَةٌ عَلى مُنازَعَتِهِ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وكَما تَهَكَّمَ بِلَفْظِ النِّدِّ شَنَّعَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم جَعَلُوا أنْدادًا كَثِيرَةً لِمَن لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ قَطُّ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا) . * * * السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: مَعْناهُ إنَّكم لِكَمالِ عُقُولِكم تَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يَصِحُّ جَعْلُها أنْدادًا لِلَّهِ تَعالى، فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ فَإنَّ القَوْلَ القَبِيحَ مِمَّنْ عَلِمَ قُبْحَهُ يَكُونُ أقْبَحَ. وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العالَمِ أحَدٌ يُثْبِتُ لِلَّهِ شَرِيكًا يُساوِيهِ في الوُجُودِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، وهَذا مِمّا لَمْ يُوجَدْ إلى الآنِ، لَكِنَّ الثَّنَوِيَّةَ يُثْبِتُونَ إلَهَيْنِ، أحَدُهُما: حَلِيمٌ يَفْعَلُ الخَيْرَ، والثّانِي: سَفِيهٌ يَفْعَلُ الشَّرَّ. وأمّا اتِّخاذُ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى فَفي الذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ كَثْرَةٌ، الفَرِيقُ الأوَّلُ: عَبْدَةُ الكَواكِبِ وهُمُ الصّابِئَةُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الكَواكِبَ، وهَذِهِ الكَواكِبُ هي المُدَبِّراتُ لِهَذا العالَمِ، قالُوا: فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَعْبُدَ الكَواكِبَ، والكَواكِبُ تَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى. والفَرِيقُ الثّانِي: النَّصارى الَّذِينَ يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، عَلَيْهِ السَّلامُ. والفَرِيقُ الثّالِثُ: عَبْدَةُ الأوْثانِ. واعْلَمْ أنَّهُ لا دِينَ أقْدَمَ مِن دِينِ عَبْدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ أقْدَمَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نُقِلَ إلَيْنا تارِيخُهم هو نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو إنَّما جاءَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي باقِيَةٌ إلى الآنِ، بَلْ أكْثَرُ أهْلِ العالَمِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ. والدِّينُ والمَذْهَبُ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعْرَفُ فَسادُهُ بِالضَّرُورَةِ، لَكِنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذا الحَجَرَ المَنحُوتَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَ هو الَّذِي خَلَقَنِي وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، فَيَسْتَحِيلُ إطْباقُ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِعَبَدَةِ الأوْثانِ غَرَضٌ آخَرُ سِوى ذَلِكَ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: صفحة ١٠٤ أحَدُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمُ البَلْخِيُّ في بَعْضِ مُصَنَّفاتِهِ أنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الصِّينِ والهِنْدِ كانُوا يَقُولُونَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ وذُو صُورَةٍ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ، وهَكَذا حالُ المَلائِكَةِ أيْضًا في صُوَرِهِمُ الحَسَنَةِ، وأنَّهم كُلُّهم قَدِ احْتَجَبُوا عَنّا بِالسَّماءِ، وأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَصُوغُوا تَماثِيلَ أنِيقَةَ المَنظَرِ حَسَنَةَ الرُّواءِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي كانُوا يَعْتَقِدُونَها مِن صُوَرِ الإلَهِ والمَلائِكَةِ، فَيَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها قاصِدِينَ طَلَبَ الزُّلْفى إلى اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ، فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ أبُو مَعْشَرٍ فالسَّبَبُ في عِبادَةِ الأوْثانِ اعْتِقادُ الشَّبَهِ. وثانِيها: ما ذَكَرَهُ أكْثَرُ العُلَماءِ وهو أنَّ النّاسَ رَأوْا تَغَيُّراتِ أحْوالِ هَذا العالَمِ مَرْبُوطَةً بِتَغَيُّراتِ أحْوالِ الكَواكِبِ، فَإنَّ بِحَسَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ وبُعْدِها عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ تَحْدُثُ الفُصُولُ المُخْتَلِفَةُ والأحْوالُ المُتَبايِنَةُ، ثُمَّ إنَّهم رَصَدُوا أحْوالَ سائِرِ الكَواكِبِ فاعْتَقَدُوا ارْتِباطَ السَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ في الدُّنْيا بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها في طَوالِعِ النّاسِ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ بالَغُوا في تَعْظِيمِها، فَمِنهم مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها أشْياءٌ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها وهي الَّتِي خَلَقَتْ هَذِهِ العَوالِمَ، ومِنهم مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلْإلَهِ الأكْبَرِ لَكِنَّها خالِقَةٌ لِهَذا العالَمِ، فالأوَّلُونَ اعْتَقَدُوا أنَّها هي الإلَهُ في الحَقِيقَةِ والفَرِيقُ الثّانِي: أنَّها هي الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها والخُضُوعِ لَها، ثُمَّ لَمّا رَأوُا الكَواكِبَ مُسْتَتِرَةً في أكْثَرِ الأوْقاتِ عَنِ الأبْصارِ اتَّخَذُوا لَها أصْنامًا وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِها قاصِدِينَ بِتِلْكَ العِباداتِ تِلْكَ الأجْرامَ العالِيَةَ، ومُتَقَرِّبِينَ إلى أشْباحِها الغائِبَةِ، ثُمَّ لَمّا طالَتِ المُدَّةُ ألْغَوْا ذِكْرَ الكَواكِبِ وتَجَرَّدُوا لِعِبادَةِ تِلْكَ التَّماثِيلِ، فَهَؤُلاءِ في الحَقِيقَةِ عَبَدَةُ الكَواكِبِ. وثالِثُها: أنَّ أصْحابَ الأحْكامِ كانُوا يُعَيِّنُونَ أوْقاتًا في السِّنِينَ المُتَطاوِلَةِ نَحْوَ الألْفِ والألْفَيْنِ ويَزْعُمُونَ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ طَلْسَمًا في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ في أحْوالٍ مَخْصُوصَةٍ نَحْوَ السَّعادَةِ والخِصْبِ ودَفْعِ الآفاتِ، وكانُوا إذا اتَّخَذُوا ذَلِكَ الطَّلْسَمَ عَظَّمُوهُ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَلَمّا بالَغُوا في ذَلِكَ التَّعْظِيمِ صارَ ذَلِكَ كالعِبادَةِ، ولَمّا طالَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ الفِعْلِ نَسَوْا مَبْدَأ الأمْرِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها عَلى الجَهالَةِ بِأصْلِ الأمْرِ. ورابِعُها: أنَّهُ مَتى ماتَ مِنهم رَجُلٌ كَبِيرٌ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ مُجابُ الدَّعْوَةِ ومَقْبُولُ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى اتَّخَذُوا صَنَمًا عَلى صُورَتِهِ يَعْبُدُونَهُ، عَلى اعْتِقادِ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يَكُونُ شَفِيعًا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما أخْبَرُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِهَذِهِ المَقالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] . وخامِسُها: لَعَلَّهُمُ اتَّخَذُوها مَحارِيبَ لِصَلَواتِهِمْ وطاعاتِهِمْ ويَسْجُدُونَ إلَيْها لا لَها كَما أنّا نَسْجُدُ إلى القِبْلَةِ لا لِلْقِبْلَةِ ولَمّا اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ الحالَةُ ظَنَّ الجُهّالُ مِنَ القَوْمِ أنَّهُ يَجِبُ عِبادَتُها. وسادِسُها: لَعَلَّهم كانُوا مِنَ المُجَسِّمَةِ فاعْتَقَدُوا جَوازَ حُلُولِ الرَّبِّ فِيها فَعَبَدُوها عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَقالَةِ عَلَيْها حَتّى لَيَصِيرَ بِحَيْثُ يُعْلَمُ بُطْلانُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ. * * * صفحة ١٠٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا رَجَعَ حاصِلُ مَذْهَبِ عَبْدَةِ الأوْثانِ إلى هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها فَمِن أيْنَ يَلْزَمُ مِن إثْباتِ خالِقِ العالَمِ أنْ لا يَجُوزَ عِبادَةُ الأوْثانِ ؟ الجَوابُ: قُلْنا: إنَّهُ تَعالى إنَّما نَبَّهَ عَلى كَوْنِ الأرْضِ والسَّماءِ مَخْلُوقَتَيْنِ بِما بَيَّنّا أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ يُشارِكُونَ سائِرَ الأجْسامِ في الجِسْمِيَّةِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الأشْكالِ والصِّفاتِ والأخْبارِ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ المُخَصِّصَ لَوْ كانَ جِسْمًا لافْتَقَرَ هو أيْضًا إلى مُخَصِّصٍ آخَرَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ الشَّبَهِ، فَلَمّا دَلَلْنا بِهَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الجِسْمِيَّةِ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُهُ. وأمّا القَوْلُ الثّانِي، وهو أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ فَلَمّا أقَمْنا الدَّلالَةَ عَلى أنَّ كُلَّ جِسْمٍ يَفْتَقِرُ في اتِّصافِهِ بِكُلِّ ما اتَّصَفَ بِهِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ بَطَلَ كَوْنُها آلِهَةً، وثَبَتَ أنَّها عَبِيدٌ لا أرْبابٌ. وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أصْحابِ الطَّلْسَماتِ فَقَدْ بَطَلَ أيْضًا لِأنَّ تَأْثِيرَ الطَّلْسَماتِ إنَّما يَكُونُ بِواسِطَةِ قُوى الكَواكِبِ، فَلَمّا دَلَّلْنا عَلى حُدُوثِ الكَواكِبِ ثَبَتَ قَوْلُنا وبَطَلَ قَوْلُهم. وأمّا القَوْلُ الرّابِعُ والخامِسُ: فَلَيْسَ في العَقْلِ ما يُوجِبُهُ أوْ يُحِيلُهُ، لَكِنَّ الشَّرْعَ لَمّا مَنَعَ مِنهُ وجَبَ الِامْتِناعُ عَنْهُ. وأمّا القَوْلُ السّادِسُ، فَهو أيْضًا بِناءً عَلى التَّشْبِيهِ، فَثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى افْتِقارِ العالَمِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ المُنَزَّهِ عَنِ الجِسْمِيَّةِ يُبْطِلُ القَوْلَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ عَلى كُلِّ التَّأْوِيلاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ اليُونانِيِّينَ كانُوا قَبْلَ خُرُوجِ الإسْكَنْدَرِ عَمَدُوا إلى بِناءِ هَياكِلَ لَهم مَعْرُوفَةٍ بِأسْماءِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ والأجْرامِ النَّيِّرَةِ واتَّخَذُوها مَعْبُودًا لَهم عَلى حِدَةٍ، وقَدْ كانَ هَيْكَلُ العِلَّةِ الأُولى - وهي عِنْدُهُمُ الأمْرُ الإلَهِيُّ - وهَيْكَلُ العَقْلِ الصَّرِيحِ، وهَيْكَلُ السِّياسَةِ المُطْلَقَةِ، وهَيْكَلُ النَّفْسِ والصُّورَةِ مُدَوَّراتٍ كُلَّها، وكانَ هَيْكَلُ زُحَلَ مُسَدَّسًا، وهَيْكَلُ المُشْتَرِي مُثَلَّثًا، وهَيْكَلُ المِرِّيخِ مُسْتَطِيلًا، وهَيْكَلُ الشَّمْسِ مُرَبَّعًا، وكانَ هَيْكَلُ الزُّهْرَةِ مُثَلَّثًا في جَوْفِهِ مُرَبَّعٌ وهَيْكَلُ عُطارِدَ مُثَلَّثًا في جَوْفِهِ مُسْتَطِيلٌ، وهَيْكَلُ القَمَرِ مُثَمَّنًا. فَزَعَمَ أصْحابُ التّارِيخِ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ لَمّا سادَ قَوْمَهُ وتَرَأَّسَ عَلى طَبَقاتِهِمْ ووَلِيَ أمْرَ البَيْتِ الحَرامِ اتَّفَقَتْ لَهُ سَفْرَةٌ إلى البَلْقاءِ فَرَأى قَوْمًا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَسَألَهم عَنْها فَقالُوا: هَذِهِ أرْبابٌ نَسْتَنْصِرُ بِها فَنُنْصَرُ، ونَسْتَسْقِي بِها فَنُسْقى، فالتَمَسَ إلَيْهِمْ أنْ يُكْرِمُوهُ بِواحِدٍ مِنها فَأعْطَوْهُ الصَّنَمَ المَعْرُوفَ بِهُبَلَ، فَسارَ بِهِ إلى مَكَّةَ ووَضَعَهُ في الكَعْبَةِ ودَعا النّاسَ إلى تَعْظِيمِهِ، وذَلِكَ في أوَّلِ مُلْكِ سابُورَ ذِي الأكْتافِ. واعْلَمْ أنَّ مِن بُيُوتِ الأصْنامِ المَشْهُورَةِ ”غَمْدانَ“ الَّذِي بَناهُ الضَّحّاكُ عَلى اسْمِ الزُّهْرَةِ بِمَدِينَةِ صَنْعاءَ، وخَرَّبَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِنها ”نُوبَهارُ بَلْخَ“ الَّذِي بَناهُ مُنُوشَهَرْ المَلِكُ عَلى اسْمِ القَمَرِ. ثُمَّ كانَ لِقَبائِلِ العَرَبِ أوْثانٌ مَعْرُوفَةٌ مِثْلَ ”وُدٍّ“ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ لِكَلْبٍ، و”سُواعٍ“ لِبَنِي هُذَيْلٍ، و”يَغُوثَ“ لِبَنِي مَذْحِجٍ، و”يَعُوقَ“ لِهَمْدانَ، و”نَسْرٍ“ بِأرْضِ حِمْيَرٍ لِذِي الكُلاعِ، و”اللّاتِ“ بِالطّائِفِ لِثَقِيفٍ، و”مَناةَ“ بِيَثْرِبَ لِلْخَزْرَجِ، و”العُزّى“ لِكِنانَةَ بِنَواحِي مَكَّةَ و”إسافٍ ونائِلَةَ“ عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ، وكانَ قُصَيٌّ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْهاهم عَنْ عِبادَتِها ويَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وهو الَّذِي يَقُولُ: أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ

البقرة 2:23

الكَلامُ في النُّبُوَّةِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أقامَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ وأبْطَلَ القَوْلَ بِالشَّرِيكِ عَقَّبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ مُسْتَفادَةً مِن مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ، وقَوْلِ الحَشَوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إلّا مِنَ القُرْآنِ والأخْبارِ، ولَمّا كانَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَبْنِيَّةً عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا. واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ مُعْجِزًا يُمْكِنُ بَيانُهُ مِن طَرِيقَيْنِ: الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ لا يَخْلُو حالُهُ مِن أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ: إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِسائِرِ كَلامِ الفُصَحاءِ، أوْ زائِدًا عَلى سائِرِ كَلامِ الفُصَحاءِ بِقَدْرٍ لا يَنْقُضُ العادَةَ، أوْ زائِدًا عَلَيْهِ بِقَدْرٍ يَنْقُضُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ باطِلانِ فَتَعَيَّنَ الثّالِثُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُما باطِلانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ إمّا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُنْفَرِدِينَ، فَإنْ وقَعَ التَّنازُعُ وحَصَلَ الخَوْفُ مِن عَدَمِ القَبُولِ فالشُّهُودُ والحُكّامِ يُزِيلُونَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ نِهايَةٌ في الِاحْتِجاجِ لِأنَّهم كانُوا في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ والِاطِّلاعِ عَلى قَوانِينِ الفَصاحَةِ في الغايَةِ. وكانُوا في مَحَبَّةِ إبْطالِ أمْرِهِ في الغايَةِ حَتّى بَذَلُوا النُّفُوسَ والأمْوالَ وارْتَكَبُوا ضُرُوبَ المَهالِكِ والمِحَنِ، وكانُوا في الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ عَلى حَدٍّ لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ فَكَيْفَ الباطِلُ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الإتْيانَ بِما يَقْدَحُ في قَوْلِهِ، والمُعارَضَةُ أقْوى القَوادِحِ، فَلَمّا لَمْ يَأْتُوا بِها عَلِمْنا عَجْزَهم عَنْها فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ لا يُماثِلُ قَوْلَهم، وأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَلامِهِمْ لَيْسَ تَفاوُتًا مُعْتادًا فَهو إذَنْ تَفاوُتٌ ناقِضٌ لِلْعادَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ فَظَهَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما لَمْ يَكْتَفِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ بِالتَّقْلِيدِ فَكَذا في مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ في القُرْآنِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ تَقْتَضِي نُقْصانَ فَصاحَتِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ في الفَصاحَةِ بَلَغَ النِّهايَةَ الَّتِي لا غايَةَ لَها وراءَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا: أحَدُها: أنَّ فَصاحَةَ العَرَبِ أكْثَرُها في وصْفِ مُشاهَداتٍ مِثْلَ وصْفِ بِعِيرٍ أوْ فَرَسٍ أوْ جارِيَةٍ أوْ مَلِكٍ أوْ ضَرْبَةٍ أوْ طَعْنَةٍ، أوْ وصْفِ حَرْبٍ أوْ وصْفِ غارَةٍ، ولَيْسَ في القُرْآنِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ شَيْءٌ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَحْصُلَ فِيهِ الألْفاظُ الفَصِيحَةُ الَّتِي اتَّفَقَتِ العَرَبُ عَلَيْها في كَلامِهِمْ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى راعى فِيهِ طَرِيقَةَ الصِّدْقِ وتَنَزَّهَ عَنِ الكَذِبِ في جَمِيعِهِ، وكُلُّ شاعِرٍ تَرَكَ الكَذِبَ والتَزَمَ صفحة ١٠٧ الصِّدْقَ نَزَلَ شِعْرُهُ ولَمْ يَكُنْ جَيِّدًا، ألا تَرى أنَّ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ لَمّا أسْلَما نَزَلَ شِعْرُهُما. ولَمْ يَكُنْ شِعْرُهُما الإسْلامِيُّ في الجَوْدَةِ كَشِعْرِهِما الجاهِلِيِّ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَ ما تَنَزَّهَ عَنِ الكَذِبِ والمُجازَفَةِ جاءَ بِالقُرْآنِ فَصِيحًا كَما تَرى. وثالِثُها: أنَّ الكَلامَ الفَصِيحَ والشِّعْرَ الفَصِيحَ إنَّما يَتَّفِقُ في القَصِيدَةِ في البَيْتِ والبَيْتَيْنِ. والباقِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ القُرْآنُ لِأنَّهُ كُلَّهُ فَصِيحٌ بِحَيْثُ يَعْجَزُ الخَلْقُ عَنْهُ كَما عَجَزُوا عَنْ جُمْلَتِهِ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ مَن قالَ شِعْرًا فَصِيحًا في وصْفِ شَيْءٍ فَإنَّهُ إذا كَرَّرَهُ لَمْ يَكُنْ كَلامُهُ الثّانِي في وصْفِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ كَلامِهِ الأوَّلِ. وفي القُرْآنِ التَّكْرارُ الكَثِيرُ ومَعَ ذَلِكَ كُلُّ واحِدٍ مِنها في نِهايَةِ الفَصاحَةِ ولَمْ يَظْهَرِ التَّفاوُتُ أصْلًا. وخامِسُها: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى إيجابِ العِباداتِ وتَحْرِيمِ القَبائِحِ والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ وتَرْكِ الدُّنْيا واخْتِيارِ الآخِرَةِ، وأمْثالُ هَذِهِ الكَلِماتِ تُوجِبُ تَقْلِيلَ الفَصاحَةِ. وسادِسُها: أنَّهم قالُوا: إنَّ شِعْرَ امْرِئِ القَيْسِ يَحْسُنُ عِنْدَ الطَّرَبِ وذِكْرِ النِّساءِ وصِفَةِ الخَيْلِ، وشِعْرَ النّابِغَةِ عِنْدَ الخَوْفِ، وشِعْرَ الأعْشى عِنْدَ الطَّلَبِ ووَصْفِ الخَمْرِ، وشِعْرَ زُهَيْرٍ عِنْدَ الرَّغْبَةِ والرَّجاءِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ شاعِرٍ يَحْسُنُ كَلامُهُ في فَنٍّ فَإنَّهُ يَضْعُفُ كَلامُهُ في غَيْرِ ذَلِكَ الفَنِّ. أمّا القُرْآنُ فَإنَّهُ جاءَ فَصِيحًا في كُلِّ الفُنُونِ عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ، ألا تَرى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ في التَّرْغِيبِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقالَ في التَّرْهِيبِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الآياتِ [الإسراء: ٦٨]، وقالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٦، ١٧]، وقالَ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وقالَ في الزَّجْرِ ما لا يَبْلُغُهُ وهْمُ البَشَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقالَ في الوَعْظِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] وقالَ في الإلَهِيّاتِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ إلى آخِرِهِ [الرعد: ٨] . وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ أصْلُ العُلُومِ كُلِّها، فَعِلْمُ الكَلامِ كُلُّهُ في القُرْآنِ، وعِلْمُ الفِقْهِ كُلُّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ القُرْآنِ، وكَذا عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ، وعِلْمُ النَّحْوِ واللُّغَةِ، وعِلْمُ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، وأخْبارُ الآخِرَةِ واسْتِعْمالُ مَكارِمِ الأخْلاقِ، ومَن تَأمَّلَ كِتابِنا في دَلائِلِ الإعْجازِ عَلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ في جَمِيعِ وُجُوهِ الفَصاحَةِ إلى النِّهايَةِ القُصْوى. الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: القُرْآنُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا في الفَصاحَةِ إلى حَدِّ الإعْجازِ، أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ ثَبَتَ أنَّهُ مُعْجِزٌ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَتِ المُعارَضَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُمْكِنَةً فَعَدَمُ إتْيانِهِمْ بِالمُعارَضَةِ مَعَ كَوْنِ المُعارَضَةِ مُمْكِنَةً، ومَعَ تَوَفُّرِ دَواعِيهِمْ عَلى الإتْيانِ بِها أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهَذا الطَّرِيقُ عِنْدَنا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿نَزَّلْنا﴾ عَلى لَفْظِ التَّنْزِيلِ دُونَ الإنْزالِ؛ لِأنَّ المُرادَ النُّزُولُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، وذِكْرُ هَذا اللَّفْظِ هو اللّائِقُ بِهَذا المَكانِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ ومُخالِفًا لِما يَكُونُ مِن عِنْدِ النّاسِ لَمْ يَنْزِلْ هَكَذا نُجُومًا سُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ عَلى حَسَبِ النَّوازِلِ ووُقُوعِ الحَوادِثِ وعَلى سَنَنِ ما صفحة ١٠٨ نَرى عَلَيْهِ أهْلَ الخَطابَةِ والشِّعْرِ مِن وُجُودِ ما يُوجَدُ مِنهم مُفَرَّقًا حِينًا فَحِينًا بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِنَ الأحْوالِ المُتَجَدِّدَةِ والحاجاتِ المُخْتَلِفَةِ، فَإنَّ الشّاعِرَ لا يُظْهِرُ دِيوانَ شِعْرِهِ دُفْعَةً والمُتَرَسِّلَ لا يُظْهِرُ دِيوانَ رَسائِلِهِ وخُطَبِهِ دُفْعَةً، فَلَوْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَأنْزَلَهُ عَلى خِلافِ هَذِهِ العادَةِ جُمْلَةً ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مَعَ ما يُزِيلُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ. وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذا القُرْآنَ النّازِلَ عَلى هَذا التَّدْرِيجِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ مَقْدُورِ البَشَرِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ إتْيانُهم بِمِثْلِهِ أوْ بِما يَقْرُبُ مِنهُ عَلى التَّدْرِيجِ، وإنْ كانَ الثّانِي ثَبَتَ أنَّهُ مَعَ نُزُولِهِ عَلى التَّدْرِيجِ مُعْجِزٌ. وقُرِئَ: (عَلى عِبادِنا) يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتَهُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السُّورَةُ هي طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وواوُها إنْ كانَتْ أصْلًا فَإمّا أنْ تُسَمّى بِسُورِ المَدِينَةِ وهو حائِطُها؛ لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ مَحْدُودَةٌ كالبَلَدِ المُسَوَّرِ، أوْ لِأنَّها مُحْتَوِيَةٌ عَلى فُنُونٍ مِنَ العِلْمِ كاحْتِواءِ سُورِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها، وإمّا أنْ تُسَمّى بِالسُّورَةِ الَّتِي هي الرُّتْبَةُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ بِمَنزِلَةِ المَنازِلِ والمَراتِبِ يَتَرَقّى فِيها القارِئُ، وهي أيْضًا في أنْفُسِها طُوالٌ وأوْساطٌ وقِصارٌ. أوْ لِرِفْعَةِ شَأْنِها وجَلالَةِ مَحَلِّها في الدِّينِ، وإنْ جَعَلْتَ واوَها مُنْقَلِبَةً عَنْ هَمْزَةٍ فَلِأنَّها قِطْعَةٌ وطائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ كالسُّورَةِ الَّتِي هي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ والفَضْلَةُ مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ تَقْطِيعِ القُرْآنِ سُوَرًا ؟ قُلْنا: مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ما لِأجْلِهِ بَوَّبَ المُصَنِّفُونَ كُتُبَهم أبْوابًا وفُصُولًا. وثانِيها: أنَّ الجِنْسَ إذا حَصَلَ تَحْتَهُ أنْواعٌ كانَ إفْرادُ كُلِّ نَوْعٍ عَنْ صاحِبِهِ أحْسَنَ. وثالِثُها: أنَّ القارِئَ إذا خَتَمَ سُورَةً أوْ بابًا مِنَ الكِتابِ ثُمَّ أخَذَ في آخَرَ كانَ أنْشَطَ لَهُ وأثْبَتَ عَلى التَّحْصِيلِ مِنهُ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلى الكِتابِ بِطُولِهِ، ومِثْلُهُ المُسافِرُ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَطَعَ مِيلًا أوْ طَوى فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ عَنْهُ ونَشَّطَهُ لِلسَّيْرِ. ورابِعُها: أنَّ الحافِظَ إذا حَفِظَ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَيُجِلُّ في نَفْسِهِ ذَلِكَ ويَغْتَبِطُ بِهِ، ومِن ثَمَّ كانَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ بِسُورَةٍ تامَّةٍ أفْضَلَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ وما هو عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ سُوَرًا هو عَلى حَدِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، بِخِلافِ قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ: إنَّهُ نُظِمَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ في أيّامِ عُثْمانَ، فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّحَدِّي مَرَّةً بِسُورَةٍ ومَرَّةً بِكُلِّ القُرْآنِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحَدِّيَ بِالقُرْآنِ جاءَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى﴾ [القصص: ٤٩] . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ ونَظِيرُ هَذا كَمَنَ يَتَحَدّى صاحِبَهُ بِتَصْنِيفِهِ فَيَقُولُ: ائْتِنِي بِمِثْلِهِ، ائْتِنِي بِنِصْفِهِ، ائْتِنِي بِرُبْعِهِ، ائْتِنِي بِمَسْألَةٍ مِنهُ، فَإنَّ هَذا هو النِّهايَةُ في التَّحَدِّي وإزالَةِ العُذْرِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ يَتَناوَلُ سُورَةَ الكَوْثَرِ، وسُورَةَ العَصْرِ وسُورَةَ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ أوْ بِما يَقْرُبُ مِنهُ مُمْكِنٌ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ الإتْيانَ بِأمْثالِ هَذِهِ السُّوَرِ خارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، كانَ ذَلِكَ مُكابَرَةً، والإقْدامُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المُكابِراتِ مِمّا يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إلى الدِّينِ. قُلْنا: فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَرْنا الطَّرِيقَ الثّانِيَ، وقُلْنا: إنْ بَلَغَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في الفَصاحَةِ إلى حَدِّ الإعْجازِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ امْتِناعُهم عَنِ المُعارَضَةِ مَعَ شِدَّةِ دَواعِيهِمْ إلى تَوْهِينِ أمْرِهِ مُعْجِزًا. فَعَلى هَذَيْنِ صفحة ١٠٩ التَّقْدِيرَيْنِ يَحْصُلُ المُعْجِزُ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى (ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ أيْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِمّا هو عَلى صِفَتِهِ في الفَصاحَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى (عَبْدِنا) أيْ فَأْتُوا مِمَّنْ هو عَلى حالِهِ مِن كَوْنِهِ بَشَرًا أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ ولَمْ يَأْخُذْ مِنَ العُلَماءِ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وأكْثَرِ المُحَقِّقِينَ، ويَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ مُطابِقٌ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في بابِ التَّحَدِّي لا سِيَّما ما ذَكَرَهُ في يُونُسَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] . وثانِيها: أنَّ البَحْثَ إنَّما وقَعَ في المُنَزَّلِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا﴾ فَوَجَبَ صَرْفُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى: وإنِ ارْتَبْتُمْ في أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهاتُوا شَيْئًا مِمّا يُماثِلُهُ، وقَضِيَّةُ التَّرْتِيبِ لَوْ كانَ الضَّمِيرُ مَرْدُودًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقالَ: وإنِ ارْتَبْتُمْ في أنَّ مُحَمَّدًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ فَهاتُوا قُرْآنًا مِن مِثْلِهِ. وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ لَوْ كانَ عائِدًا إلى القُرْآنِ لاقْتَضى كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ سَواءً اجْتَمَعُوا أوِ انْفَرَدُوا وسَواءً كانُوا أُمِّيِّينَ أوْ كانُوا عالِمِينَ مُحَصِّلِينَ، أمّا لَوْ كانَ عائِدًا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَذَلِكَ لا يَقْتَضِي إلّا كَوْنَ أحَدِهِمْ مِنَ الأُمِّيِّينَ عاجِزِينَ عَنْهُ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِثْلُ مُحَمَّدٍ إلّا الشَّخْصَ الواحِدَ الأُمِّيَّ. فَأمّا لَوِ اجْتَمَعُوا وكانُوا قارِئِينَ لَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مُحَمَّدٍ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ لا تُماثِلُ الواحِدَ، والقارِئُ لا يَكُونُ مِثْلَ الأُمِّيِّ، ولا شَكَّ أنَّ الإعْجازَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أقْوى. ورابِعُها: أنّا لَوْ صَرَفْنا الضَّمِيرَ إلى القُرْآنِ فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا إنَّما يَحْصُلُ لِكَمالِ حالِهِ في الفَصاحَةِ، أمّا لَوْ صَرَفْناهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا إنَّما يَكْمُلُ بِتَقْرِيرِ كَمالِ حالِهِ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا بَعِيدًا عَنِ العِلْمِ. وهَذا وإنْ كانَ مُعْجِزًا أيْضًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ لا يَتِمُّ إلّا بِتَقْرِيرِ نَوْعٍ مِنَ النُّقْصانِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ الأوَّلُ أوْلى. وخامِسُها: أنّا لَوْ صَرَفْنا الضَّمِيرَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ صُدُورَ مِثْلِ القُرْآنِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُحَمَّدٍ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا مُمْكِنٌ، ولَوْ صَرَفْناهُ إلى القُرْآنِ لَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ صُدُورَ مِثْلِهِ مِنَ الأُمِّيِّ وغَيْرِ الأُمِّيِّ مُمْتَنِعٌ، فَكانَ هَذا أوْلى. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في المُرادِ مِنَ الشُّهَداءِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مَنِ ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ وهي الأوْثانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّها تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِما أنَّها تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَقَدْ دُفِعْتُمْ في مُنازَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى فاقَةٍ شَدِيدَةٍ وحاجَةٍ عَظِيمَةٍ في التَّخَلُّصِ عَنْها، فَتَعَجَّلُوا الِاسْتِعانَةَ بِها وإلّا فاعْلَمُوا أنَّكم مُبْطِلُونَ في ادِّعاءِ كَوْنِها آلِهَةً وأنَّها تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَيَكُونُ في الكَلامِ مُحاجَّةٌ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما في إبْطالِ كَوْنِها آلِهَةً، والثّانِي: في إبْطالِ ما أنْكَرُوهُ مِن إعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ مِن قِبَلِهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ الشُّهَداءِ أكابِرُهم أوْ مَن يُوافِقُهم في إنْكارِ أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَعْنى: وادْعُوا أكابِرَكم ورُؤَساءَكم لِيُعِينُوكم عَلى المُعارَضَةِ ولِيَحْكُمُوا لَكم وعَلَيْكم فِيما يُمْكِنُ ويَتَعَذَّرُ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ يُمْكِنُ صفحة ١١٠ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِما مَعًا ؟ وبِتَقْدِيرِ التَّعَذُّرِ فَأيُّهُما أوْلى ؟ قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَمُمْكِنٌ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ، فَيُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجازًا عَنِ المُعِينِ والنّاصِرِ، وأوْثانُهم وأكابِرُهم مُشْتَرِكَةٌ في أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ كَوْنَهم أنْصارًا لَهم وأعْوانًا، وإذا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى هَذا المَفْهُومِ المُشْتَرَكِ دَخَلَ الكُلُّ فِيهِ. وأمّا الثّانِي فَنَقُولُ: الأوْلى حَمْلُهُ عَلى الأكابِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ لا يُطْلَقُ ظاهِرًا إلّا عَلى مَن يَصِحُّ أنْ يُشاهِدَ ويَشْهَدَ، فَيَتَحَمَّلُ بِالمُشاهَدَةِ ويُؤَدِّي الشَّهادَةَ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في حَقِّ رُؤَسائِهِمْ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الأوْثانِ لَزِمَ المَجازُ في إطْلاقِ لَفْظِ الشُّهَداءِ عَلى الأوْثانِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ: وادْعُوا مَن تَزْعُمُونَ أنَّهم شُهَداؤُكم، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، أمّا إذا حَمَلْنا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صَحَّ الكَلامُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وادْعُوا مَن يَشْهَدُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ لِاتِّفاقِكم عَلى هَذا الإنْكارِ. فَإنَّ المُتَّفِقِينَ عَلى المَذْهَبِ يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمَكانِ المُوافَقَةِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ في قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَكُمْ﴾، ولِأنَّهُ كانَ في العَرَبِ أكابِرُ يَشْهَدُونَ عَلى المُتَنازِعِينَ في الفَصاحَةِ بِأنَّ أيَّهُما أعْلى دَرَجَةً مِنَ الآخَرِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أمّا [ دُونَ ]، فَهو أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ، ومِنهُ الشَّيْءُ الدُّونُ، وهو الحَقِيرُ الدَّنِيُّ، ودَوَّنَ الكُتُبَ: إذا جَمَعَها لِأنَّ جَمْعَ الشَّيْءِ أدْناهُ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، ويُقالُ: هَذا دُونَ ذاكَ: إذا كانَ أحَطَّ مِنهُ قَلِيلًا، ودُونَكَ هَذا، أصْلُهُ: خُذْهُ مِن دُونِكَ؛ أيْ مِن أدْنى مَكانٍ مِنكَ، فاخْتُصِرَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِلتَّفاوُتِ في الأحْوالِ، فَقِيلَ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو في الشَّرَفِ والعِلْمِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ ما يُجاوِزُ حَدًّا إلى حَدٍّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أيْ لا يَتَجاوَزُونَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ إلى وِلايَةِ الكافِرِينَ. فَإنْ قِيلَ: فَما مُتَعَلِّقُ (مِن دُونِ اللَّهِ) قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُتَعَلِّقَهُ ”شُهَداءَكم“ وهَذا فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: المَعْنى: ادْعُوا الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم آلِهَةً مَن دُونِ اللَّهِ وزَعَمْتُمْ أنَّهم يَشْهَدُونَ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّكم عَلى الحَقِّ، وفي أمْرِهِمْ أنْ يَسْتَظْهِرُوا بِالجَمادِ الَّذِي لا يَنْطِقُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ المُعْجِزِ بِفَصاحَتِهِ غايَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والثّانِي: ادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ مِن دُونِ أوْلِيائِهِ ومِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ لِيَشْهَدُوا لَكم أنَّكم أتَيْتُمْ بِمِثْلِهِ، وهَذا مِنَ المُساهَلَةِ والإشْعارِ بِأنَّ شُهَداءَهم وهم فُرْسانُ الفَصاحَةِ تَأْبى عَلَيْهِمُ الطَّبائِعُ السَّلِيمَةُ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ بِالشَّهادَةِ الكاذِبَةِ. وثانِيهِما: أنَّ مُتَعَلِّقَهُ هو الدُّعاءُ، والمَعْنى: ادْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُهَداءَكم، يَعْنِي لا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ ولا تَقُولُوا اللَّهُ يَشْهَدُ أنَّ ما نَدَّعِيهِ حَقٌّ، كَما يَقُولُ العاجِزُ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ، وادْعُوا الشُّهَداءَ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ شَهادَتُهم بَيِّنَةٌ تُصَحَّحُ بِها الدَّعاوى عِنْدَ الحُكّامِ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وبَيانٌ لِانْقِطاعِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم مُتَشَبَّثٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: اللَّهُ يَشْهَدُ إنّا لَصادِقُونَ.

البقرة 2:24

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ القاضِي: هَذا التَّحَدِّي يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَذُّرِ مِثْلِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ الفِعْلُ مِنهُ، فَمَن يَنْفِي كَوْنَ العَبْدِ فاعِلًا لَمْ يُمْكِنْهُ إثْباتُ التَّحَدِّي أصْلًا، وفي هَذا إبْطالُ الِاسْتِدْلالِ بِالمُعْجِزِ. وثانِيها: أنَّ تَعَذُّرَهُ عَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ لِفَقْدِ القُدْرَةِ المُوجِبَةِ ويَسْتَوِي في ذَلِكَ ما يَكُونُ مُعْجِزًا وما لا يَكُونُ، فَلا يَصِحُّ مَعْنى التَّحَدِّي عَلى قَوْلِهِمْ. صفحة ١١١ وثالِثُها: أنَّ ما يُضافُ إلى العَبْدِ فاللَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لَهُ، فَتَحَدِّيهِ تَعالى لَهم يَعُودُ في التَّحْقِيقِ إلى أنَّهُ مُتَحَدٍّ لِنَفْسِهِ وهو قادِرٌ عَلى مِثْلِهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ فَيَجِبُ أنْ لا يَثْبُتَ الإعْجازُ عَلى هَذا القَوْلِ. ورابِعُها: أنَّ المُعْجِزَ إنَّما يَدُلُّ بِما فِيهِ مِن نَقْضِ العادَةِ، فَإذا كانَ قَوْلُهم: إنَّ المُعْتادَ أيْضًا لَيْسَ بِفِعْلٍ، لَمْ يَثْبُتْ هَذا الفَرْقُ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزِ. وخامِسُها: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَحْتَجُّ بِأنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِيما ادَّعاهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ داخِلًا في الإعْجازِ. وعَلى قَوْلِهِمْ بِالجَبْرِ لا يَصِحُّ هَذا الفَرْقُ؛ لِأنَّ المُعْتادَ وغَيْرَ المُعْتادِ لا يَكُونُ إلّا مِن قِبَلِهِ. والجَوابُ: أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ التَّحَدِّي إمّا أنْ يَأْتِيَ الخَصْمُ بِالمُتَحَدّى بِهِ قَصْدًا أوْ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنهُ اتِّفاقًا، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الِاتِّفاقِيّاتِ لا تَكُونُ في وُسْعِهِ، فَثَبَتَ الأوَّلُ وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ إتْيانَهُ بِالتَّحَدِّي مَوْقُوفٌ عَلى أنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ قَصْدٌ إلَيْهِ، فَذَلِكَ القَصْدُ إنْ كانَ مِنهُ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الجَبْرُ ويَلْزَمُهُ كُلُّ ما أوْرَدَهُ عَلَيْنا فَيَبْطُلُ كُلُّ ما قالَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: أنّا نَعْلَمُ بِالتَّواتُرِ أنَّ العَرَبَ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي غايَةِ الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ؛ لِأنَّ مُفارَقَةَ الأوْطانِ والعَشِيرَةِ وبَذْلَ النُّفُوسِ والمُهَجِ مِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا التَّقْرِيعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَلَوْ كانَ في وُسْعِهِمْ وإمْكانِهِمِ الإتْيانُ بِمِثْلِ القُرْآنِ أوْ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ لَأتَوْا بِهِ، فَحَيْثُ ما أتَوْا بِهِ ظَهَرَ المُعْجِزُ. وثانِيها: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ كانَ مُتَّهَمًا عِنْدَهم فِيما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ فَقَدْ كانَ مَعْلُومَ الحالِ في وُفُورِ العَقْلِ والفَضْلِ والمَعْرِفَةِ بِالعَواقِبِ، فَلَوْ تَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ إلى ما ادَّعاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ لَما اسْتَجازَ أنْ يَتَحَدّاهم ويَبْلُغَ في التَّحَدِّي إلى نِهايَتِهِ، بَلْ كانَ يَكُونُ وجِلًا خائِفًا مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِن فَضِيحَةٍ يَعُودُ وبالُها عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ، حاشاهُ مِن ذَلِكَ ﷺ فَلَوْلا مَعْرِفَتُهُ بِالِاضْطِرارِ مِن حالِهِمْ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لَما جَوَّزَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَحْمِلَهم عَلى المُعارَضَةِ بِأبْلَغِ الطُّرُقِ. وثالِثُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ لَمْ يَكُنْ قاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَما قَطَعَ في الخَبَرِ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ قاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كانَ يَجُوزُ خِلافُهُ، وبِتَقْدِيرِ وُقُوعِ خِلافِهِ يَظْهَرُ كَذِبُهُ، فالمُبْطِلُ المُزَوِّرُ البَتَّةَ لا يَقْطَعُ في الكَلامِ ولا يَجْزِمُ بِهِ، فَلَمّا جَزَمَ دَلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ قاطِعًا في أمْرِهِ. ورابِعُها: أنَّهُ وُجِدَ مُخْبَرُ هَذا الخَبَرِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّ مِن أيّامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى عَصْرِنا هَذا لَمْ يَخْلُ وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ مِمَّنْ يُعادِي الدِّينَ والإسْلامَ وتَشْتَدُّ دَواعِيهِ في الوَقِيعَةِ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هَذا الحِرْصِ الشَّدِيدِ لَمْ تُوجَدِ المُعارَضَةُ قَطُّ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ في الدَّلالَةِ عَلى المُعْجِزِ مِمّا تَشْتَمِلُ عَلَيْها هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الجُهّالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ لا يَشْتَمِلُ عَلى الحُجَّةِ والِاسْتِدْلالِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: انْتِفاءُ إتْيانِهِمْ بِالسُّورَةِ واجِبٌ، فَهَلّا جِيءَ بِإذا الَّذِي لِلْوُجُوبِ دُونَ ”إنْ“ الَّذِي لِلشَّكِّ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُساقَ القَوْلُ مَعَهم عَلى حَسَبِ حُسْبانِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا بَعْدُ غَيْرَ جازِمِينَ صفحة ١١٢ بِالعَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ لِاتِّكالِهِمْ عَلى فَصاحَتِهِمْ واقْتِدارِهِمْ عَلى الكَلامِ. الثّانِي: أنْ يَتَهَكَّمَ بِهِمْ كَما يَقُولُ المَوْصُوفُ بِالقُوَّةِ الواثِقُ مِن نَفْسِهِ بِالغَلَبَةِ عَلى مَن يُقاوِمُهُ: إنْ غَلَبْتُكَ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ غالِبُهُ؛ تَهَكُّمًا بِهِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِهِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذا أخْصَرُ مِن أنْ يُقالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ولَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ ما مَحَلُّها ؟ الجَوابُ لا مَحَلَّ لَها لِأنَّها جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما حَقِيقَةُ (لَنْ) في بابِ النَّفْيِ ؟ الجَوابُ: لا ولَنْ أُخْتانَ في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنَّ في ”لَنْ“ تَوْكِيدًا وتَشْدِيدًا، تَقُولُ لِصاحِبِكَ: لا أُقِيمُ غَدًا عِنْدَكَ، فَإنْ أنْكَرَ عَلَيْكَ قُلْتَ: لَنْ أُقِيمَ غَدًا. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أصْلُهُ لا أنْ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ. وثانِيها: لا، أُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ. وثالِثُها: حَرْفُ نَصْبٍ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الخَلِيلِ. السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى اشْتِراطِهِ في اتِّقاءِ النّارِ انْتِفاءُ إتْيانِهِمْ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ؟ الجَوابُ: إذا ظَهَرَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ صَحَّ عِنْدَهم صِدْقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ ثُمَّ لَزِمُوا العِنادَ اسْتَوْجَبُوا العِقابَ بِالنّارِ، فاتِّقاءُ النّارِ يُوجِبُ تَرْكَ العِنادِ، فَأُقِيمَ المُؤَثِّرُ مَقامَ الأثَرِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ﴾ قائِمًا مَقامَ قَوْلِهِ: فاتْرُكُوا العِنادَ، وهَذا هو الإيجازُ الَّذِي هو أحَدُ أبْوابِ البَلاغَةِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِشَأْنِ العِنادِ؛ لِإنابَةِ اتِّقاءِ النّارِ مَنابَهُ مُتْبِعًا ذَلِكَ بِتَهْوِيلِ صِفَةِ النّارِ. السُّؤالُ السّادِسُ: ما الوَقُودُ ؟ الجَوابُ: هو ما يُوقَدُ بِهِ النّارُ، وأمّا المَصْدَرُ فَمَضْمُومٌ وقَدْ جاءَ فِيهِ الفَتْحُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وسَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وقَدْنا النّارَ وقُودًا عالِيًا، ثُمَّ قالَ: والوَقُودُ أكْثَرُ، والوَقُودُ: الحَطَبُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالضَّمِّ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ فَخَرُ قَوْمِهِ وزَيْنُ بَلَدِهِ. السُّؤالُ السّابِعُ: صِلَةُ ”الَّذِي“ يَجِبُ أنْ تَكُونَ قَضِيَّةً مَعْلُومَةً فَكَيْفَ عَلِمَ أُولَئِكَ أنَّ نارَ الآخِرَةِ تُوقَدُ بِالنّاسِ والحِجارَةِ ؟ الجَوابُ: لا يَمْنَعُ أنْ يَتَقَدَّمَ لَهم بِذَلِكَ سَماعٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ سَمِعُوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ سَمِعُوا مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ . السُّؤالُ الثّامِنُ: فَلِمَ جاءَتِ النّارُ المَوْصُوفَةُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُنَكَّرَةً في سُورَةِ التَّحْرِيمِ وهَهُنا مُعَرَّفَةً ؟ الجَوابُ: تِلْكَ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَعَرَفُوا مِنها نارًا مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ بِالمَدِينَةِ مُسْتَنِدَةً إلى ما عَرَفُوهُ أوَّلًا. السُّؤالُ التّاسِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾الجَوابُ: أنَّها نارٌ مُمْتازَةٌ مِنَ النِّيرانِ بِأنَّها لا تَتَّقِدُ إلّا بِالنّاسِ والحِجارَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُوَّتِها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ سائِرَ النِّيرانِ إذا أُرِيدَ إحْراقُ النّاسِ بِها أوْ إحْماءُ الحِجارَةِ أُوقِدَتْ أوَّلًا بِوَقُودٍ ثُمَّ طُرِحَ فِيها ما يُرادُ إحْراقُهُ أوْ إحْماؤُهُ، وتِلْكَ - أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ - تُوقَدُ بِنَفْسِ ما تَحْرِقُ. الثّانِي: أنَّها لِإفْراطِ حَرِّها تَتَّقِدُ في الحَجَرِ. السُّؤالُ العاشِرُ: لِمَ قُرِنَ النّاسُ بِالحِجارَةِ وجُعِلَتِ الحِجارَةُ مَعَهم وقُودًا ؟ الجَوابُ: لِأنَّهم قَرَنُوا بِها أنْفُسَهم في الدُّنْيا حَيْثُ نَحَتُوها أصْنامًا وجَعَلُوها لِلَّهِ أنْدادًا وعَبَدُوها مِن دُونِهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وهَذِهِ الآيَةُ مُفَسِّرَةٌ لَها، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، صفحة ١١٣ فِي مَعْنى النّاسِ والحِجارَةِ، وحَصَبُ جَهَنَّمَ في مَعْنى وقُودِها، ولَمّا اعْتَقَدَ الكُفّارُ في حِجارَتِهِمُ المَعْبُودَةِ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّها الشُّفَعاءُ والشُّهَداءُ الَّذِينَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ ويَسْتَدْفِعُونَ المَضارَّ عَنْ أنْفُسِهِمْ تَمَسُّكًا بِهِمْ، جَعَلَها اللَّهُ عَذابَهم فَقَرَنَهم بِها مُحْماةً في نارِ جَهَنَّمَ إبْلاغًا وإغْرابًا في تَحَسُّرِهِمْ، ونَحْوُهُ ما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا ذَهَبَهم وفِضَّتَهم عُدَّةً وذَخِيرَةً فَشَحُّوا بِها ومَنَعُوها مِنَ الحُقُوقِ حَيْثُ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم. وقِيلَ: هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ هَهُنا تَعْظِيمُ صِفَةِ هَذِهِ النّارِ، والإيقادُ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ أمْرٌ مُعْتادٌ فَلا يَدُلُّ الإيقادُ بِها عَلى قُوَّةِ النّارِ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى سائِرِ الأحْجارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عِظَمِ أمْرِ النّارِ فَإنَّ سائِرَ الأحْجارِ تُطْفَأُ بِها النِّيرانُ، فَكَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ النِّيرانُ بَلَغَتْ لِقُوَّتِها أنْ تَتَعَلَّقَ في أوَّلِ أمْرِها بِالحِجارَةِ الَّتِي هي مُطْفِئَةٌ لِنِيرانِ الدُّنْيا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ النّارَ المَوْصُوفَةَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ نِيرانًا أُخْرى غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُعَدَّةً لِفُسّاقِ أهْلِ الصَّلاةِ.

البقرة 2:25

الكَلامُ في المَعادِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُما في المَعادِ وبَيَّنَ عِقابَ الكافِرِ وثَوابَ المُطِيعِ، ومِن عادَةِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ إذا ذَكَرَ آيَةً في الوَعِيدِ أنْ يُعْقِبَها بِآيَةٍ في الوَعْدِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِنَ المَسائِلِ المُعْتَبَرَةِ في صِحَّةِ الدِّينِ، والبَحْثُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ إمّا أنْ يَقَعَ عَنْ إمْكانِها أوْ عَنْ وُقُوعِها. أمّا الإمْكانُ فَيَجُوزُ إثْباتُهُ تارَةً بِالعَقْلِ، وبِالنَّقْلِ أُخْرى، وأمّا الوُقُوعُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالنَّقْلِ. وأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ في كِتابِهِ وبَيَّنَ الحَقَّ فِيهِما مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا ما حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ واقِعٌ كائِنٌ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ فِيهِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْهِ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ كَذَلِكَ، فَجازَ إثْباتُها بِالنَّقْلِ، مِثالُهُ ما حَكَمَ هَهُنا بِالنّارِ لِلْكَفّارِ، والجَنَّةِ لِلْأبْرارِ، وما أقامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا بَلِ اكْتَفى بِالدَّعْوى، وأمّا في إثْباتِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ فَلَمْ يَكْتَفِ فِيهِ بِالدَّعْوى بَلْ ذَكَرَ فِيهِ الدَّلِيلَ، وسَبَبُ الفَرْقِ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: صفحة ١١٤ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]، وقالَ في سُورَةِ التَّغابُنِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ إمْكانَ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أُمُورٍ تُشْبِهُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، وقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ عَلى وُجُوهٍ، فَأجْمَعُها ما جاءَ في سُورَةِ الواقِعَةِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيها حِكايَةً عَنْ أصْحابِ الشِّمالِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلى إمْكانِهِ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ أنَّ المَنِيَّ إنَّما يَحْصُلُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ وهو كالطَّلِّ المُنْبَثِّ في آفاقِ أطْرافِ الأعْضاءِ ولِهَذا تَشْتَرِكُ الأعْضاءُ في الِالتِذاذِ بِالوِقاعِ بِحُصُولِ الِانْحِلالِ عَنْها كُلِّها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ قُوَّةَ الشَّهْوَةِ عَلى البَقِيَّةِ حَتّى أنَّها تَجْمَعُ تِلْكَ الأجْزاءَ الطَّلِّيَّةَ، فالحاصِلُ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً جِدًّا، أوَّلًا في أطْرافِ العالَمِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَمَعَها في بَدَنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في أطْرافِ بَدَنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ فَجَمَعَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوْعِيَةِ المَنِيِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْرَجَها ماءً دافِقًا إلى قَرارِ الرَّحِمِ. فَإذا كانَتْ هَذِهِ الأجْزاءُ مُتَفَرِّقَةً فَجَمَعَها وكَوَّنَ مِنها ذَلِكَ الشَّخْصَ، فَإذا افْتَرَقَتْ بِالمَوْتِ مَرَّةً أُخْرى فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَمْعُها مَرَّةً أُخْرى ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ هَذِهِ الحُجَّةِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرُهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، مِنها في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥]، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقالَ في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذِكْرِ مَراتِبِ الخِلْقَةِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]، وقالَ في سُورَةِ الطّارِقِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ﴾ [الطارق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٣]، إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧]، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الحَبَّ وأقْسامَهُ مُطَوَّلٌ مَشْقُوقٌ وغَيْرُ مَشْقُوقٍ، كالأُرْزِ والشَّعِيرِ، ومُدَوَّرٌ ومُثَلَّثٌ ومُرَبَّعٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ أشْكالِهِ إذا وقَعَ في الأرْضِ النَّدِيَّةِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ الماءُ والتُّرابُ، فالنَّظَرُ العَقْلِيُّ يَقْتَضِي أنْ يَتَعَفَّنَ ويَفْسُدَ؛ لِأنَّ أحَدَهُما يَكْفِي في حُصُولِ العُفُونَةِ، فَفِيهِما جَمِيعًا أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ لا يَفْسُدُ بَلْ يَبْقى مَحْفُوظًا، ثُمَّ إذا ازْدادَتِ الرُّطُوبَةُ تَنْفَلِقُ الحَبَّةُ فِلْقَتَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنها ورَقَتانِ، وأمّا المُطَوَّلُ فَيَظْهَرُ في رَأْسِهِ ثُقْبٌ وتَظْهَرُ الوَرَقَةُ الطَّوِيلَةُ كَما في الزَّرْعِ، وأمّا النَّوى فَما فِيهِ مِنَ الصَّلابَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي بِسَبَبِها يَعْجِزُ عَنْ فَلْقِهِ أكْثَرُ النّاسِ إذا وقَعَ في الأرْضِ النَّدِيَّةِ يَنْفَلِقُ بِإذْنِ اللَّهِ، ونَواةُ التَّمْرِ تَنْفَلِقُ مِن نُقْرَةٍ عَلى ظَهْرِها ويَصِيرُ مَجْمُوعُ النَّواةِ مِن نِصْفَيْنِ يَخْرُجُ مِن أحَدِ النِّصْفَيْنِ الجُزْءُ الصّاعِدُ، ومِنَ الثّانِي الجُزْءُ الهابِطُ، أمّا الصّاعِدُ فَيَصْعَدُ، وأمّا الهابِطُ فَيَغُوصُ في أعْماقِ الأرْضِ، والحاصِلُ أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّواةِ الصَّغِيرَةِ شَجَرَتانِ، إحْداهُما خَفِيفٌ صاعِدٌ، والأُخْرى ثَقِيلٌ هابِطٌ مَعَ اتِّحادِ العُنْصُرِ واتِّحادِ طَبْعِ النَّواةِ والماءِ والهَواءِ والتُّرْبَةِ، أفَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى قُدْرَةٍ كامِلَةٍ وحِكْمَةٍ شامِلَةٍ فَهَذا القادِرُ كَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ جَمْعِ الأجْزاءِ وتَرْكِيبِ الأعْضاءِ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الحَجِّ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩]، وتَقْدِيرُهُ أنَّ الماءَ جِسْمٌ ثَقِيلٌ بِالطَّبْعِ، وإصْعادُ الثَّقِيلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، فَلا بُدَّ مِن قادِرٍ صفحة ١١٥ قاهِرٍ يَقْهَرُ الطَّبْعَ ويُبْطِلُ الخاصِّيَّةَ ويُصْعِدُ ما مِن شَأْنِهِ الهُبُوطُ والنُّزُولُ. وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ المائِيَّةَ اجْتَمَعَتْ بَعْدَ تَفَرُّقِها. وثالِثُها: تَسْيِيرُها بِالرِّياحِ. ورابِعُها: إنْزالُها في مَظانِّ الحاجَةِ والأرْضِ الجُرُزِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ. أمّا صُعُودُ الثَّقِيلِ فَلِأنَّهُ قَلْبُ الطَّبِيعَةِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُظْهِرَ الحَياةَ والرُّطُوبَةَ مِن حَساوَةِ التُّرابِ والماءِ ؟ والثّانِي: لَمّا قَدَرَ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الذَّرّاتِ المائِيَّةِ بَعْدَ تَفَرُّقِها فَلِمَ لا يَجُوزُ جَمْعُ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ بَعْدَ تَفَرُّقِها ؟ والثّالِثُ: تَسْيِيرُ الرِّياحِ فَإذا قَدَرَ عَلى تَحْرِيكِ الرِّياحِ الَّتِي تَضُمُّ بَعْضَ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَجانِسَةِ إلى بَعْضٍ فَلِمَ لا يَجُوزُ هَهُنا ؟ والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أنْشَأ السَّحابَ لِحاجَةِ النّاسِ إلَيْهِ فَهَهُنا الحاجَةُ إلى إنْشاءِ المُكَلَّفِينَ مَرَّةً أُخْرى لِيَصِلُوا إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ أوْلى. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الدَّلالَةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كِتابِهِ فَقالَ في الأعْرافِ لَمّا ذَكَرَ دَلالَةَ التَّوْحِيدِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي﴾ [الأعراف: ٥٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ الحَشْرِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ [الأعراف: ٥٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢]، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ النّارَ صاعِدَةٌ والشَّجَرَةَ هابِطَةٌ، وأيْضًا النّارُ لَطِيفَةٌ والشَّجَرَةُ كَثِيفَةٌ، وأيْضًا النّارُ نُورانِيَّةٌ والشَّجَرَةُ ظَلْمانِيَّةٌ، والنّارُ حارَّةٌ يابِسَةٌ والشَّجَرَةُ بارِدَةٌ رَطْبَةٌ، فَإذا أمْسَكَ اللَّهُ تَعالى في داخِلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الأجْزاءَ النُّورانِيَّةَ النّارِيَّةَ فَقَدْ جَمَعَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ المُتَنافِرَةِ، فَإذا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ تَرْكِيبِ الحَيَواناتِ وتَأْلِيفِها ؟ واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلالَةَ في سُورَةِ يس فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أمَرَ الماءِ والنّارِ وذَكَرَ في النَّمْلِ أمْرَ الهَواءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣]، إلى قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل: ٦٤]، وذَكَرَ الأرْضَ في الحَجِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥]، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ عَلى جَمِيعِ أحْوالِها شاهِدَةٌ بِإمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ. النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ: هو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَمّا كُنْتُ قادِرًا عَلى الإيجادِ أوَّلًا فَلَأنْ أكُونُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ أوْلى. وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَقْرِيرُها في العَقْلِ ظاهِرٌ، وأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، مِنها في البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، ومِنها قَوْلُهُ في سُبْحانَ الَّذِي: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً﴾ [الإسراء: ٤٩، ٥٠]، إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] ومِنها في العَنْكَبُوتِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]، ومِنها قَوْلُهُ في الرُّومِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧]، ومِنها في يس: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] . النَّوْعُ الثّالِثُ: الِاسْتِدْلالُ بِاقْتِدارِهِ عَلى السَّماواتِ عَلى اقْتِدارِهِ عَلى الحَشْرِ. وذَلِكَ في آياتٍ، مِنها في سُورَةِ سُبْحانَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، وقالَ في يس: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وقالَ في الأحْقافِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، ومِنها في سُورَةِ ق: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ [ق: ٣] إلى قَوْلِهِ: صفحة ١١٦ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، [ق: ١٥] . النَّوْعُ الرّابِعُ: الِاسْتِدْلالُ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إثابَةِ المُحْسِنِ وتَعْذِيبِ العاصِي وتَمْيِيزِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ بِآياتٍ، مِنها في يُونُسَ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤] ومِنها في طَهَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥]، ومِنها في ص: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] . النَّوْعُ الخامِسُ: الِاسْتِدْلالُ بِإحْياءِ المَوْتى في الدُّنْيا عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَمِنها خَلْقُهُ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ابْتِداءً ومِنها قِصَّةُ البَقَرَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾، [البقرة: ٧٣]، ومِنها قِصَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومِنها قِصَّةُ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى إمْكانِهِما بِعَيْنِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، ومِنها في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الكهف: ٢١]، ومِنها قِصَّةُ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٤] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ ماتُوا ومِنها ما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن إحْياءِ المَوْتى بِحَيْثُ قالَ: ﴿يُحْيِي المَوْتى﴾ [الحج: ٦]، وقالَ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى أُصُولِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ، وسَيَأْتِي الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِن هَذِهِ الآياتِ عِنْدَ الوُصُولِ إلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَصَّ في القُرْآنِ عَلى أنَّ مُنْكِرَ الحَشْرِ والنَّشْرِ كافِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٥] ووَجْهُ إلْزامِ الكُفْرِ أنَّ دُخُولَ هَذا الشَّيْءِ في الوُجُودِ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ، إذْ لَوْ كانَ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لَما وُجِدَ في المَرَّةِ الأُولى، فَحَيْثُ وُجِدَ في المَرَّةِ الأُولى عَلِمْنا أنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ في ذاتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَدَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى عَجْزِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إيجادِ ما هو جائِزُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ، أوْ عَلى جَهْلِهِ حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ المُكَلَّفِ الآخَرِ، ومَعَ القَوْلِ بِالعَجْزِ والجَهْلِ لا يَصِحُّ إثْباتُ النُّبُوَّةِ فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ صَرِيحَةٌ في كَوْنِ الجَنَّةِ والنّارِ مَخْلُوقَيْنِ، أمّا النّارُ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِها: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] فَهَذا صَرِيحٌ في أنَّها مَخْلُوقَةٌ، وأمّا الجَنَّةُ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ولِأنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهَذا إخْبارٌ عَنْ وُقُوعِ هَذا المِلْكِ وحُصُولِهِ، وحُصُولُ المِلْكِ في الحالِ صفحة ١١٧ يَقْتَضِي حُصُولَ المَمْلُوكِ في الحالِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ مَخْلُوقَتانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ اللَّذّاتِ إمّا المَسْكَنُ أوِ المَطْعَمُ أوِ المَنكَحُ، فَوَصَفَ اللَّهُ تَعالى المَسْكَنَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والمَطْعَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ والمَنكَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إذا حَصَلَتْ وقارَنَها خَوْفُ الزَّوالِ كانَ التَّنَعُّمُ مُنَغَّصًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الخَوْفَ زائِلٌ عَنْهم فَقالَ: ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ فَصارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَمالِ التَّنَعُّمِ والسُّرُورِ. ولْنَتَكَلَّمِ الآنَ في ألْفاظِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: عَلامَ عُطِفَ هَذا الأمْرُ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ الَّذِي اعْتُمِدَ بِالعَطْفِ هو الأمْرُ حَتّى يُطْلَبَ لَهُ مُشاكِلٌ مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. إنَّما المُعْتَمَدُ بِالعَطْفِ هو جُمْلَةُ وصْفِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ عِقابِ الكافِرِينَ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ يُعاقَبُ بِالقَيْدِ والضَّرْبِ، وبَشِّرْ عَمْرًا بِالعَفْوِ والإطْلاقِ. وثانِيها: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٤] كَما تَقُولُ يا بَنِي تَمِيمٍ احْذَرُوا عُقُوبَةَ ما جَنَيْتُمْ، وبَشِّرْ يا فُلانُ بَنِي أسَدٍ بِإحْسانِي إلَيْهِمْ. وثالِثُها: قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وبُشِّرَ) عَلى لَفْظِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى أُعِدَّتْ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ المَأْمُورُ بُقُولِهِ: وبَشِّرْ ؟ والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنْ يَكُونَ كُلَّ أحَدٍ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ في الظُّلَمِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ» “ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ واحِدًا بِعَيْنِهِ، وإنَّما كُلُّ أحَدٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأجْزَلُ؛ لِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا الأمْرَ لِعَظَمَتِهِ وفَخامَتِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُبَشِّرَ بِهِ كُلُّ مَن قَدَرَ عَلى البِشارَةِ بِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما البِشارَةُ ؟ الجَوابُ: أنَّها الخَبَرُ الَّذِي يُظْهِرُ السُّرُورَ، ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ: إذا قالَ لِعَبِيدِهِ: أيُّكم بَشَّرَنِي بِقُدُومِ فُلانٍ فَهو حُرٌّ، فَبَشَّرُوهُ فُرادى عُتِقَ أوَّلُهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أفادَ خَبَرُهُ السُّرُورَ، ولَوْ قالَ مَكانَ بَشَّرَنِي: أخْبَرَنِي، عُتِقُوا جَمِيعًا؛ لِأنَّهم جَمِيعًا أخْبَرُوهُ، ومِنهُ البَشَرَةُ لِظاهِرِ الجِلْدِ، وتَباشِيرُ الصُّبْحِ: ما ظَهَرَ مِن أوائِلِ ضَوْئِهِ، وأمّا ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَمِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِهْزاءُ الزّائِدُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَدُوِّهِ: أبْشِرْ بِقَتْلِ ذُرِّيَّتِكَ ونَهْبِ مالِكَ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: (المَسْألَةُ الأُولى): هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ داخِلَةٍ في مُسَمّى الإيمانِ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الإيمانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ العَمَلَ الصّالِحَ وجَبَ التَّغايُرُ وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ وهو خِلافُ الأصْلِ. (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): مِنَ النّاسِ مَن أجْرى هَذِهِ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها فَقالَ: كُلُّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ. فَإذا قِيلَ لَهُ: ما قَوْلُكَ فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ كَفَرَ ؟ قالَ: إنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ لِأنَّ فِعْلَ الإيمانِ والطّاعَةِ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ الدّائِمِ، وفِعْلُ الكُفْرِ اسْتِحْقاقُ العِقابِ الدّائِمِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، والقَوْلُ أيْضًا بِالتَّحابُطِ مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: هَذا الفَرْضُ الَّذِي فَرَضْتُمُوهُ مُمْتَنِعٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ القَوْلَ بِالتَّحابُطِ مُحالٌ لِوُجُوهٍ: صفحة ١١٨ أحَدُها: أنَّ الِاسْتِحْقاقَيْنِ إمّا أنْ يَتَضادّا أوْ لا يَتَضادّا، فَإنْ تَضادّا كانَ طَرَيانُ الطّارِئِ مَشْرُوطًا بِزَوالِ الباقِي، فَلَوْ كانَ زَوالُ الباقِي مُعَلَّلًا بِطَرَيانِ الطّارِئِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. وثانِيها: أنَّ المُنافاةَ حاصِلَةٌ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَلَيْسَ زَوالُ الباقِي لِطَرَيانِ الطّارِئِ أوْلى مِنِ انْدِفاعِ الطّارِئِ بِقِيامِ الباقِي، فَإمّا أنْ يُوجَدا مَعًا وهو مُحالٌ، أوْ يَتَدافَعا، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ القَوْلُ بِالمُحابَطَةِ. وثالِثُها: أنَّ الِاسْتِحْقاقَيْنِ إمّا أنْ يَتَساوَيا أوْ كانَ المُقَدَّمُ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ، فَإنْ تَعادَلا مِثْلَ أنْ يُقالَ: كانَ قَدْ حَصَلَ اسْتِحْقاقُ عَشَرَةِ أجْزاءٍ مِنَ الثَّوابِ فَطَرَأ اسْتِحْقاقُ عَشَرَةِ أجْزاءٍ مِنَ العِقابِ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقاقُ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ العِقابِ مُسْتَقِلٌّ بِإزالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ هَذا الجُزْءِ في إزالَةِ هَذا الجُزْءِ أوْلى مِن تَأْثِيرِهِ في إزالَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ ومِن تَأْثِيرِ جُزْءٍ آخَرَ في إزالَتِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأجْزاءِ الطّارِئَةِ مُؤَثِّرًا في إزالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ المُتَقَدِّمَةِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العِلَلِ مَعْلُولاتٌ كَثِيرَةٌ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْلُولاتِ عِلَلٌ كَثِيرَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وإمّا أنْ يَخْتَصَّ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ الطّارِئَةِ بِواحِدٍ مِنَ الباقِي مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، فَذَلِكَ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرَجُّحِ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وأمّا إنْ كانَ المُقَدَّمُ أكْثَرَ فالطّارِئُ لا يُزِيلُ إلّا بَعْضَ أجْزاءِ الباقِي، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ أجْزاءِ الباقِي أنْ يَزُولَ بِهِ أوْلى مِن سائِرِ الأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يَزُولَ الكُلُّ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الزّائِلَ لا يَزُولُ إلّا بِالنّاقِصِ، أوْ يَتَعَيَّنَ البَعْضُ لِلزَّوالِ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ وهو مُحالٌ، أوْ لا يَزُولَ شَيْءٌ مِنها وهو المَطْلُوبُ. وأيْضًا فَهَذا الطّارِئُ إذا أزالَ بَعْضَ أجْزاءِ الباقِي، فَإمّا أنْ يَبْقى الطّارِئُ أوْ يَزُولَ. أمّا القَوْلُ بِبَقاءِ الطّارِئِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ. وأمّا القَوْلُ بِزَوالِهِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في إزالَةِ الآخَرِ مَعًا أوْ عَلى التَّرْتِيبِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المُزِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حالَ الإزالَةِ، فَلَوْ وُجِدَ الزَّوالانِ مَعًا لَوُجِدَ المُزِيلانِ مَعًا، فَيَلْزَمُ أنْ يُوجَدا حالَ ما عُدِما وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ عَلى التَّرْتِيبِ فالمَغْلُوبُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْقَلِبَ غالِبًا. وأمّا إنْ كانَ المُتَقَدِّمُ أقَلَّ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في زَوالِهِ بَعْضَ أجْزاءِ الطّارِئِ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ جَمِيعَ أجْزائِهِ صالِحٌ لِلْإزالَةِ، واخْتِصاصُ البَعْضِ بِذَلِكَ تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ يَصِيرَ الكُلُّ مُؤَثِّرًا في الإزالَةِ فَيَلْزَمُ أنْ يَجْتَمِعَ عَلى المَعْلُولِ الواحِدِ عِلَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ وذَلِكَ مُحالٌ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ فَسادُ القَوْلِ بِالإحْباطِ، وعِنْدَ هَذا تَعَيَّنَ في الجَوابِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ المُوافاةَ، وهو أنَّ شَرْطَ حُصُولِ الإيمانِ أنْ لا يَمُوتَ عَلى الكُفْرِ، فَلَوْ ماتَ عَلى الكُفْرِ عَلِمْنا أنَّ ما أتى بِهِ أوَّلًا كانَ كُفْرًا، وهَذا قَوْلٌ ظاهِرُ السُّقُوطِ. الثّانِي: أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى الطّاعَةِ ثَوابًا ولا عَلى المَعْصِيَةِ عِقابًا اسْتِحْقاقًا عَقْلِيًّا واجِبًا، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ واخْتِيارُنا، وبِهِ يَحْصُلُ الخَلاصُ مِن هَذِهِ الظُّلُماتِ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): احْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ فَإنَّ في حالِ ما بَشَّرَهم بِأنَّ لَهم جَنّاتٍ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَهم عَلى طَرِيقِ الوُقُوعِ، ولَمّا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ وجَبَ حَمْلُها عَلى اسْتِحْقاقِ الوُقُوعِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِالوُقُوعِ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُقُوعِ مَجازًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجَنَّةُ: البُسْتانُ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ المُظَلِّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ. والتَّرْكِيبُ دائِرٌ عَلى مَعْنى السِّتْرِ وكَأنَّها لِتَكاثُفِها وتَظْلِيلِها سُمِّيَتْ بِالجَنَّةِ الَّتِي هي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ جَنَّهَ إذا سَتَرَهُ، كَأنَّها سُتْرَةٌ صفحة ١١٩ واحِدَةٌ لِفَرْطِ التِفافِها، وسُمِّيَتْ دارُ الثَّوابِ جَنَّةً لِما فِيها مِنَ الجِنانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ نُكِّرَتِ الجَنّاتُ وعُرِّفَتِ الأنْهارُ ؟ الجَوابُ: أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الجَنَّةَ اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ كُلِّها وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ مُرَتَّبَةٍ مَراتِبَ عَلى حَسَبِ اسْتِحْقاقاتِ العامِلِينَ، لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنهم جَنّاتٌ مِن تِلْكَ الجَنّاتِ، وأمّا تَعْرِيفُ الأنْهارِ فالمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، كَما يُقالُ: لِفُلانٍ بُسْتانٌ فِيهِ الماءُ الجارِي والتِّينُ والعِنَبُ، يُشِيرُ إلى الأجْناسِ الَّتِي في عِلْمِ المُخاطَبِ، أوْ يُشارُ بِاللّامِ إلى الأنْهارِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ فَهَذا لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً لِجَنّاتٍ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنَّ لَهم جَنّاتٍ، لَمْ يَخْلُ قَلْبُ السّامِعِ أنْ يَقَعَ فِيهِ أنَّ ثِمارَ تِلْكَ الجَنّاتِ أشْباهُ ثِمارِ الدُّنْيا أمْ لا ؟ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَوْقِعُ مِن ثَمَرَةٍ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: هو كَقَوْلِكَ: كُلَّما أكَلْتُ مِن بُسْتانِكَ مِنَ الرُّمّانِ شَيْئًا حَمِدْتُكَ، فَمَوْقِعُ (مِن ثَمَرَةٍ) مَوْقِعُ قَوْلِكَ: مِنَ الرُّمّانِ، فَـ (مِنَ) الأُولى والثّانِيَةُ كِلْتاهُما لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ لِأنَّ الرِّزْقَ قَدِ ابْتَدَأ مِنَ الجَنّاتِ والرِّزْقَ مِنَ الجَنّاتِ قَدِ ابْتَدَأ مِن ثَمَرَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالثَّمَرَةِ التُّفّاحَةَ الواحِدَةَ أوِ الرُّمّانَةَ الفَرْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وإنَّما المُرادُ النَّوْعُ مِن أنْواعِ الثِّمارِ. الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ (مِن ثَمَرَةٍ) بَيانًا عَلى مِنهاجِ قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا، تُرِيدُ أنْتَ أسَدٌ، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالثَّمَرَةِ النَّوْعُ مِنَ الثَّمَرَةِ أوِ الحَبَّةُ الواحِدَةُ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولُوا: هَذا الَّذِي رُزِقْنا الآنَ هو الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ؟ الجَوابُ: لَمّا اتَّحَدَ في الماهِيَّةِ وإنْ تَغايَرَ بِالعَدَدِ صَحَّ أنْ يُقالَ: هَذا هو ذاكَ؛ أيْ بِحَسَبِ الماهِيَّةِ فَإنَّ الوَحْدَةَ النَّوْعِيَّةَ لا تُنافِيها الكَثْرَةُ بِالشَّخْصِ، ولِذَلِكَ إذا اشْتَدَّتْ مُشابَهَةُ الِابْنِ بِالأبِ قالُوا: إنَّهُ الأبُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم شَبَّهُوا رِزْقَهُمُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ في الجَنَّةِ بِرِزْقٍ آخَرَ جاءَهم قَبْلَ ذَلِكَ، فالمُشَبَّهُ بِهِ أهُوَ مِن أرْزاقِ الدُّنْيا أمْ مِن أرْزاقِ الجَنَّةِ ؟ والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن أرْزاقِ الدُّنْيا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ بِالمَأْلُوفِ آنَسُ وإلى المَعْهُودِ أمْيَلُ، فَإذا رَأى ما لَمْ يَأْلَفْهُ نَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ، ثُمَّ إذا ظَفَرَ بِشَيْءٍ مِن جِنْسِ ما سَلَفَ لَهُ بِهِ عَهْدٌ ثُمَّ وجَدَهُ أشْرَفَ مِمّا ألِفَهُ أوَّلًا عَظُمَ ابْتِهاجُهُ وفَرَحُهُ بِهِ، فَأهْلُ الجَنَّةِ إذا أبْصَرُوا الرُّمّانَةَ في الدُّنْيا ثُمَّ أبْصَرُوها في الآخِرَةِ ووَجَدُوا رُمّانَةَ الجَنَّةِ أطْيَبَ وأشْرَفَ مِن رُمّانَةِ الدُّنْيا كانَ فَرَحُهم بِها أشَدَّ مِن فَرَحِهِمْ بِشَيْءٍ مِمّا شاهَدُوهُ في الدُّنْيا. والدَّلِيلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَرّاتِ، فَيَتَناوَلُ المَرَّةَ الأُولى، فَلَهم في المَرَّةِ الأُولى مِن أرْزاقِ الجَنَّةِ شَيْءٌ لا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ، ولا يَكُونُ قَبْلَ المَرَّةِ الأُولى شَيْءٌ مِن أرْزاقِ الجَنَّةِ حَتّى يُشَبَّهَ ذَلِكَ بِهِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أرْزاقِ الدُّنْيا. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ رِزْقُ الجَنَّةِ أيْضًا والمُرادُ تَشابُهُ أرْزاقِهِمْ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما حَصَلَتِ المُشابَهَةُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُرادُ تَساوِي ثَوابِهِمْ في كُلِّ الأوْقاتِ في القَدْرِ والدَّرَجَةِ حَتّى لا يَزِيدَ ولا يَنْقُصَ. الثّانِي: المُرادُ تَشابُهُها في المَنظَرِ فَيَكُونُ الثّانِي كَأنَّهُ الأوَّلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. ثُمَّ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفُونَ فَمِنهم مَن يَقُولُ: الِاشْتِباهُ كَما يَقَعُ في المَنظَرِ يَقَعُ في المَطْعَمِ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا التَذَّ بِشَيْءٍ وأُعْجِبَ بِهِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُهُ إلّا بِمِثْلِهِ، فَإذا جاءَ ما يُشْبِهُ الأوَّلَ مِن كُلِّ الوُجُوهِ كانَ ذَلِكَ نِهايَةَ اللَّذَّةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ وإنْ حَصَلَ الِاشْتِباهُ في اللَّوْنِ لَكِنَّها تَكُونُ مُخْتَلِفَةً في الطَّعْمِ، قالَ الحَسَنُ: يُؤْتى أحَدُهم بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها ثُمَّ يُؤْتى بِالأُخْرى فَيَقُولُ: هَذا الَّذِي أُتِينا بِهِ مِن قَبْلُ، فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ فاللَّوْنُ واحِدٌ والطَّعْمُ صفحة ١٢٠ مُخْتَلِفٌ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ عَلى لِسانِ أهْلِ المَعْرِفَةِ، وهو أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ لَيْسَ إلّا في مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ ومَعْرِفَةِ أفْعالِهِ مِنَ المَلائِكَةِ الكُرُوبِيَّةِ والمَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ وطَبَقاتِ الأرْواحِ وعالَمِ السَّماواتِ، وبِالجُمْلَةِ يَجِبُ أنْ يَصِيرَ رُوحُ الإنْسانِ كالمِرْآةِ المُحاذِيَةِ لِعالَمِ القُدُسِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَعارِفَ تَحْصُلُ في الدُّنْيا ولا يَحْصُلُ بِها كَمالُ الِالتِذاذِ والِابْتِهاجِ، لِما أنَّ العَلائِقَ البَدَنِيَّةَ تَعُوقُ عَنْ ظُهُورِ تِلْكَ السَّعاداتِ واللَّذّاتِ، فَإذا زالَ هَذا العائِقُ حَصَلَتِ السَّعادَةُ العَظِيمَةُ والغِبْطَةُ الكُبْرى، فالحاصِلُ أنَّ كُلَّ سَعادَةٍ رُوحانِيَّةٍ يَجِدُها الإنْسانُ بَعْدَ المَوْتِ فَإنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ هي الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لِي حِينَ كُنْتُ في الدُّنْيا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ الحاصِلَةَ في الآخِرَةِ هي الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا إلّا أنَّها في الدُّنْيا ما أفادَتِ اللَّذَّةَ والبَهْجَةَ والسُّرُورَ، وفي الآخِرَةِ أفادَتْ هَذِهِ الأشْياءَ لِزَوالِ العائِقِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إلامَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتُوا بِهِ﴾ ؟ الجَوابُ: إنْ قُلْنا: المُشَبَّهُ بِهِ هو رِزْقُ الدُّنْيا، فَإلى الشَّيْءِ المَرْزُوقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، يَعْنِي أُتُوا بِذَلِكَ النَّوْعِ مُتَشابِهًا يُشْبِهُ الحاصِلُ مِنهُ في الآخِرَةِ ما كانَ حاصِلًا مِنهُ في الدُّنْيا، وإنْ قُلْنا: المُشَبَّهُ بِهِ هو رِزْقُ الجَنَّةِ أيْضًا، فَإلى الشَّيْءِ المَرْزُوقِ في الجَنَّةِ، يَعْنِي أُتُوا بِذَلِكَ النَّوْعِ في الجَنَّةِ بِحَيْثُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ مِن نَظْمِ الكَلامِ ؟ والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ ادِّعاءَ تَشابُهِ الأرْزاقِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ فاللَّهُ تَعالى صَدَّقَهم في تِلْكَ الدَّعْوَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ . * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ فالمُرادُ طَهارَةُ أبْدانِهِنَّ مِنَ الحَيْضِ والِاسْتِحاضَةِ وجَمِيعِ الأقْذارِ، وطَهارَةُ أزْواجِهِنَّ مِن جَمِيعِ الخِصالِ الذَّمِيمَةِ، ولا سِيَّما ما يَخْتَصُّ بِالنِّساءِ، وإنَّما حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى الكُلِّ لِاشْتِراكِ القِسْمَيْنِ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، قالَ أهْلُ الإشارَةِ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّنَبُّهِ لِمَسائِلَ: أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ إذا حاضَتْ فاللَّهُ تَعالى مَنَعَكَ عَنْ مُباشَرَتِها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فَإذا مَنَعَكَ عَنْ مُقارَبَتِها لِما عَلَيْها مِنَ النَّجاسَةِ الَّتِي هي مَعْذُورَةٌ فِيها، فَإذا كانَتِ الأزْواجُ اللَّواتِي في الجَنَّةِ مُطَهَّراتٍ فَلَأنْ يَمْنَعَكَ عَنْهُنَّ حالَ كَوْنِكَ مُلَوَّثًا بِنَجاساتِ المَعاصِي مَعَ أنَّكَ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِيها كانَ أوْلى. وثانِيها: أنَّ مَن قَضى شَهْوَتَهُ مِنَ الحَلالِ فَإنَّهُ يُمْنَعُ الدُّخُولَ في المَسْجِدِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ بَرٍّ وفاجِرٍ، فَمَن قَضى شَهْوَتَهُ مِنَ الحَرامِ كَيْفَ يُمَكَّنُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ الَّتِي لا يَسْكُنُها إلّا المُطَهَّرُونَ ؟ ولِذَلِكَ فَإنَّ آدَمَ لَمّا أتى بِالزَّلَّةِ أُخْرِجَ مِنها. وثالِثُها: مَن كانَ عَلى ثَوْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ النَّجاسَةِ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَن كانَ عَلى قَلْبِهِ مِن نَجاساتِ المَعاصِي أعْظَمُ مِنَ الدُّنْيا كَيْفَ تُقْبَلُ صَلاتُهُ ؟ وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: هَلّا جاءَتِ الصِّفَةُ مَجْمُوعَةً كالمَوْصُوفِ ؟ الجَوابُ: هُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، يُقالُ: النِّساءُ فَعَلْنَ والنِّساءُ فَعَلَتْ. ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ: وإذا العَذارى بِالدُّخانِ تَقَنَّعَتْ واسْتَعْمَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتْ صفحة ١٢١ والمَعْنى وجَماعَةُ أزْواجٍ مُطَهَّرَةٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (مُطَهَّراتٌ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (مُطَّهِّرَةٌ) يَعْنِي مُتَطَهِّرَةً. السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا قِيلَ: طاهِرَةٌ ؟ الجَوابُ: في (المُطَهَّرَةِ) إشْعارٌ بِأنَّ مُطَهِّرًا طَهَّرَهُنَّ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يُفِيدُ فَخامَةَ أمْرِ أهْلِ الثَّوابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَهُنَّ لِأهْلِ الثَّوابِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الخُلْدَ هَهُنا هو الثَّباتُ اللّازِمُ والبَقاءُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والشِّعْرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فَنَفى الخُلْدَ عَنِ البَشَرِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أعْطى بَعْضَهُمُ العُمُرَ الطَّوِيلَ، والمَنفِيُّ غَيْرُ المُثْبَتِ، فالخُلْدُ هو البَقاءُ الدّائِمُ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وهَلْ يَعِمَنُ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ هُمُومٍ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ وقالَ أصْحابُنا: الخُلْدُ هو الثَّباتُ الطَّوِيلُ سَواءٌ دامَ أوْ لَمْ يَدُمْ، واحْتَجُّوا فِيهِ بِالآيَةِ والعُرْفِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] ولَوْ كانَ التَّأْبِيدُ داخِلًا في مَفْهُومِ الخُلْدِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرارًا، وأمّا العُرْفُ فَيُقالُ: حَبَسَ فُلانٌ فُلانًا حَبْسًا مُخَلَّدًا، ولِأنَّهُ يُكْتَبُ في صُكُوكِ الأوْقافِ: وقَفَ فُلانٌ وقْفًا مُخَلَّدًا، فَهَذا هو الكَلامُ في أنَّ هَذا اللَّفْظَ هَلْ يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ أمْ لا ؟ وقالَ آخَرُونَ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلى دَوامِهِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ دَوامُهُ لَجَوَّزُوا انْقِطاعَهُ فَكانَ خَوْفُ الِانْقِطاعِ يُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةِ؛ لَأنَّ النِّعْمَةَ كُلَّما كانَتْ أعْظَمَ كانَ خَوْفُ انْقِطاعِها أعْظَمَ وقْعًا في القَلْبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَنْفَكَّ أهْلُ الثَّوابِ البَتَّةَ مِنَ الغَمِّ والحَسْرَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

البقرة 2:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هَهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ صفحة ١٢٢ صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا يَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلْ: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فَطَعَنَ في أصْنامِهِمْ ثُمَّ شَبَّهَ عِبادَتَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ قالَتِ اليَهُودُ: أيُّ قَدْرٍ لِلذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ حَتّى يَضْرِبَ اللَّهُ المَثَلَ بِهِما ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ طَعَنُوا في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالنّارِ والظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الطَّعْنَ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَ القَفّالُ: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ هَهُنا، أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّهُ قِيلَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وهَذا صِفَةُ اليَهُودِ؛ لِأنَّ الخِطابَ بِالوَفاءِ وبِالعَهْدِ فِيما بَعْدُ إنَّما هو لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الكُفّارُ والمُنافِقُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في سُورَةِ المُدَّثِّرِ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةَ، فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا يَحْتَمِلُ المُشْرِكِينَ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَقَدْ جُمِعَ الفَرِيقانِ هَهُنا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: احْتِمالُ الكُلِّ هَهُنا قائِمٌ لِأنَّ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا مُتَوافِقِينَ في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ مَضى مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ المُنافِقِينَ وذِكْرُ المُشْرِكِينَ. وكُلُّهم مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبَبٍ لِأنَّ مَعْناهُ في نَفْسِهِ مُفِيدٌ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَياءَ تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن خَوْفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ، يُقالُ: حَيِيَ الرَّجُلُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشَظِيَ الفَرَسُ: إذا اعْتَلَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ. جَعَلَ الحَيِيَّ لِما يَعْتَرِيهِ الِانْكِسارُ والتَّغَيُّرُ مُنْكَسِرَ القُوَّةِ مُنَغَّصَ الحَياةِ، كَما قالُوا: فُلانٌ هَلَكَ حَياءً مِن كَذا، وماتَ حَياءً، ورَأيْتُ الهَلاكَ في وجْهِهِ مِن شِدَّةِ الحَياءِ، وذابَ حَياءً، وإذا ثَبَتَ هَذا اسْتَحالَ الحَياءُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ البَدَنَ، وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في حَقِّ الجِسْمِ، ولَكِنَّهُ وارِدٌ في الأحادِيثِ. رَوى سَلْمانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ إلَيْهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيهِما خَيْرًا» “، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُهُ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو القانُونُ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ مِمّا يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ فَإذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ، مِثالُهُ أنَّ الحَياءَ حالَةٌ تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ لَكِنَّ لَها مَبْدَأً ومُنْتَهًى، أمّا المَبْدَأُ فَهو التَّغَيُّرُ الجُسْمانِيُّ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن خَوْفِ أنْ يُنْسَبَ إلى القَبِيحِ، وأمّا النِّهايَةُ فَهو أنْ يَتْرُكَ الإنْسانُ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَإذا ورَدَ الحَياءُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ الخَوْفُ الَّذِي هو مَبْدَأُ الحَياءِ ومُقَدَّمَتُهُ، بَلْ تَرْكُ الفِعْلِ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ وغايَتُهُ، وكَذَلِكَ الغَضَبُ لَهُ عَلامَةٌ ومُقَدَّمَةٌ وهي غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ وشَهْوَةُ الِانْتِقامِ، ولَهُ غايَةٌ وهو إنْزالُ العِقابِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإذا وصَفْنا اللَّهَ تَعالى بِالغَضَبِ فَلَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ المَبْدَأ - أعْنِي شَهْوَةَ الِانْتِقامِ وغَلَيانَ دَمِ القَلْبِ - بَلِ المُرادُ تِلْكَ النِّهايَةُ وهو إنْزالُ العِقابِ، فَهَذا هو القانُونُ الكُلِّيُّ في هَذا البابِ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ العِبارَةُ في كَلامِ الكَفَرَةِ فَقالُوا: أمّا يَسْتَحِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ إطْباقِ الجَوابِ عَلى السُّؤالِ، وهَذا فَنٌّ بَدِيعٌ مِنَ الكَلامِ، ثُمَّ صفحة ١٢٣ قالَ القاضِي: ما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ مِن هَذا الجِنْسِ إثْباتًا فَيَجِبُ أنْ لا يُطْلَقَ عَلى طَرِيقِ النَّفْيِ أيْضًا عَلَيْهِ، وإنَّما يُقالُ: إنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: لا يَسْتَحِي، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَمُحالٌ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ نَفْيَ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فَهو بِصُورَةِ النَّفْيِ ولَيْسَ بِنَفْيٍ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ولَيْسَ كُلُّ ما ورَدَ في القُرْآنِ إطْلاقُهُ جائِزًا أنْ يُطْلَقَ في المُخاطَبَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ إلّا مَعَ بَيانِ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا شَكَّ في أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ مَنفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَكانَ الإخْبارُ عَنِ انْتِفائِها صِدْقًا فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ الإخْبارَ عَنِ انْتِفائِها يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ الدَّلالَةُ مَمْنُوعَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ هَذا النَّفْيِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ غَيْرِهِ، بَلْ لَوْ قُرِنَ بِاللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الصِّحَّةِ أيْضًا كانَ ذَلِكَ أحْسَنَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ مُبالَغَةً في البَيانِ، ولَيْسَ إذا كانَ غَيْرُهُ أحْسَنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبِيحًا. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ضَرْبَ الأمْثالِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في العُقُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: إطْباقُ العَرَبِ والعَجَمِ عَلى ذَلِكَ، أمّا العَرَبُ فَذَلِكَ مَشْهُورٌ عِنْدَهم وقَدْ تَمَثَّلُوا بِأحْقَرِ الأشْياءِ، فَقالُوا في التَّمْثِيلِ بِالذَّرَّةِ: أجْمَعُ مِن ذَرَّةٍ، وأضْبَطُ مِن ذَرَّةٍ، وأخْفى مِنَ الذَّرَّةِ، وفي التَّمْثِيلِ بِالذُّبابِ: أجْرَأُ مِنَ الذُّبابِ، وأخْطَأُ مِنَ الذُّبابِ، وأطْيَشُ مِنَ الذُّبابِ، وأشْبَهُ مِنَ الذُّبابِ بِالذُّبابِ، وألَحُّ مِنَ الذُّبابِ. وفي التَّمْثِيلِ بِالقُرادِ: أسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأصْغَرُ مِن قُرادٍ. وأعْلَقُ مِن قُرادٍ. وأغَمُّ مِن قُرادٍ، وأدَبُّ مِن قُرادٍ، وقالُوا في الجَرادِ: أطْيَرُ مِن جَرادَةٍ، وأحْطَمُ مِن جَرادَةٍ، وأفْسَدُ مِن جَرادَةٍ. وأصْفى مِن لُعابِ الجَرادِ. وفي الفَراشَةِ: أضْعَفُ مِن فَراشَةٍ، وأطْيَشَ مِن فَراشَةٍ، وأجْهَلُ مِن فَراشَةٍ، وفي البَعُوضَةِ: أضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ، وأعَزُّ مِن مُخِّ البَعُوضَةِ، وكَلَّفَنِي مُخَّ البَعُوضَةِ، في مِثْلِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ. وأمّا العَجَمُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ”كِتابُ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ“ وأمْثالُهُ، وفي بَعْضِها: قالَتِ البَعُوضَةُ، وقَدْ وقَعَتْ عَلى نَخْلَةٍ عالِيَةٍ وأرادَتْ أنْ تَطِيرَ عَنْها: يا هَذِهِ اسْتَمْسِكِي فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أطِيرَ، فَقالَتِ النَّخْلَةُ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِوُقُوعِكِ فَكَيْفَ أشْعُرُ بِطَيَرانِكِ. وثانِيها: أنَّهُ ضَرَبَ الأمْثالَ في إنْجِيلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأشْياءِ المُسْتَحْقَرَةِ، قالَ: مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّماءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ في قَرْيَتِهِ حِنْطَةً جَيِّدَةً نَقِيَّةً، فَلَمّا نامَ النّاسُ جاءَ عَدُوُّهُ فَزَرَعَ الزُّوانَ بَيْنَ الحِنْطَةِ، فَلَمّا نَبَتَ الزَّرْعُ وأثْمَرَ العُشْبُ غَلَبَ عَلَيْهِ الزُّوانُ، فَقالَ عَبِيدُ الزّارِعِ: يا سَيِّدَنا ألَيْسَ حِنْطَةً جَيِّدَةً نَقِيَّةً زَرَعْتَ في قَرْيَتِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَمِن أيْنَ هَذا الزُّوانُ ؟ قالَ: لَعَلَّكم إنْ ذَهَبْتُمْ أنْ تَقْلَعُوا الزُّوانَ فَتَقْلَعُوا مَعَهُ الحِنْطَةَ، فَدَعُوهُما يَتَرَبَّيانِ جَمِيعًا حَتّى الحَصادِ. فَأمَرَ الحَصّادِينَ أنْ يَلْتَقِطُوا الزُّوانَ مِنَ الحِنْطَةِ وأنْ يَرْبُطُوهُ حُزَمًا ثُمَّ يَحْرِقُوهُ بِالنّارِ ويَجْمَعُوا الحِنْطَةَ إلى الخَزائِنِ. وأُفَسِّرُ لَكم: ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي زَرَعَ الحِنْطَةَ الجَيِّدَةَ هو أبُو البَشَرِ، والقَرْيَةُ هي العالَمُ، والحِنْطَةُ الجَيِّدَةُ النَّقِيَّةُ هو نَحْنُ أبْناءُ المَلَكُوتِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَ الزُّوانَ هو إبْلِيسُ، والزُّوانُ هو المَعاصِي الَّتِي يَزْرَعُها إبْلِيسُ وأصْحابُهُ، والحَصّادُونَ هُمُ المَلائِكَةُ يَتْرُكُونَ النّاسَ حَتّى تَدْنُوَ آجالُهم فَيَحْصُدُونَ أهْلَ الخَيْرِ إلى مَلَكُوتِ اللَّهِ، وأهْلَ الشَّرِّ إلى الهاوِيَةِ وكَما أنَّ الزُّوانَ يُلْتَقَطُ ويُحْرَقُ بِالنّارِ كَذَلِكَ رُسُلُ اللَّهِ ومَلائِكَتُهُ يَلْتَقِطُونَ مِن مَلَكُوتِهِ المُتَكاسِلِينَ وجَمِيعَ عُمّالِ الإثْمِ فَيُلْقُونَهم في أتُونِ الهاوِيَةِ فَيَكُونُ هُنالِكَ البُكاءُ وصَرِيفُ الأسْنانِ، ويَكُونُ الأبْرارُ هُنالِكَ في مَلَكُوتِ صفحة ١٢٤ رَبِّهِمْ، مَن كانَتْ لَهُ أُذُنٌ تَسْمَعُ فَلْيَسْمَعْ. وأضْرِبُ لَكم مَثَلًا آخَرَ يُشْبِهُ مَلَكُوتَ السَّماءِ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أخَذَ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ وهي أصْغَرُ الحُبُوبِ وزَرَعَها في قَرْيَتِهِ، فَلَمّا نَبَتَتْ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ كَأعْظَمِ شَجَرَةٍ مِنَ البُقُولِ، وجاءَ طَيْرٌ مِنَ السَّماءِ فَعَشَّشَ في فُرُوعِها، فَكَذَلِكَ الهُدى؛ مَن دَعا إلَيْهِ ضاعَفَ اللَّهُ أجْرَهُ وعَظَّمَهُ ورَفَعَ ذِكْرَهُ، ونَجّى مَنِ اقْتَدى بِهِ. وقالَ: لا تَكُونُوا كَمُنْخُلٍ يَخْرُجُ مِنهُ الدَّقِيقُ الطَّيِّبُ ويُمْسِكُ النُّخالَةَ، وكَذَلِكَ أنْتُمْ تَخْرُجُ الحِكْمَةُ مِن أفْواهِكم وتُبْقُونَ الغِلَّ في صُدُورِكم. وقالَ: قُلُوبُكم كالحَصاةِ الَّتِي لا تُنْضِجُها النّارُ ولا يُلَيِّنُها الماءُ ولا تَنْسِفُها الرِّياحُ، وقالَ لا تَدَّخِرُوا ذَخائِرَكم حَيْثُ السُّوسُ والأرَضَةُ فَتُفْسِدَها، ولا في البَرِّيَّةِ حَيْثُ السُّمُومُ واللُّصُوصُ فَتَحْرِقَها السُّمُومُ وتَسْرِقَها اللُّصُوصُ، ولَكِنِ ادَّخِرُوا ذَخائِرَكم عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ: نَحْفِرُ فَنَجِدُ دَوابَّ عَلَيْها لِباسُها وهُناكَ رِزْقُها وهُنَّ لا يَزْرَعْنَ ولا يَحْصُدْنَ، ومِنهُنَّ مَن هو في جَوْفِ الحَجَرِ الأصَمِّ أوْ في جَوْفِ العُودِ، مَن يَأْتِيهِنَّ بِلِباسِهِنَّ وأرْزاقِهِنَّ إلّا اللَّهُ ؟ أفَلا تَعْقِلُونَ ؟ وقالَ: لا تُثِيرُوا الزَّنابِيرَ فَتَلْدَغَكم ولا تُخاطِبُوا السُّفَهاءَ فَيَشْتُمُوكم. فَظَهَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ الأمْثالَ بِهَذِهِ الأشْياءِ الحَقِيرَةِ، وأمّا العَقْلُ فَلِأنَّ مِن طَبْعِ الخَيالِ المُحاكاةُ والتَّشَبُّهُ، فَإذا ذُكِرَ المَعْنى وحْدَهُ أدْرَكَهُ العَقْلُ ولَكِنْ مَعَ مُنازَعَةِ الخَيالِ، وإذا ذُكِرَ مَعَهُ الشَّبَهُ أدْرَكَهُ العَقْلُ مَعَ مُعاوَنَةِ الخَيالِ، ولا شَكَّ أنَّ الثّانِيَ يَكُونُ أكْمَلَ، وأيْضًا فَنَحْنُ نَرى أنَّ الإنْسانَ يَذْكُرُ مَعْنًى ولا يَلُوحُ لَهُ كَما يَنْبَغِي، فَإذا ذَكَرَ المِثالَ اتَّضَحَ وصارَ مُبَيَّنًا مَكْشُوفًا، وإنْ كانَ التَّمْثِيلُ يُفِيدُ زِيادَةَ البَيانِ والوُضُوحِ وجَبَ ذِكْرُهُ في الكِتابِ الَّذِي لا يُرادُ مِنهُ إلّا الإيضاحُ والبَيانُ. أمّا قَوْلُهم: ضَرْبُ الأمْثالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ الحَقِيرَةِ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، قُلْنا: هَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ وحُكْمُهُ في كُلِّ ما خَلَقَ وبَرَأ عامٌّ؛ لِأنَّهُ قَدْ أحْكَمَ جَمِيعَهُ، ولَيْسَ الصَّغِيرُ أخَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الكَبِيرِ والعَظِيمُ أصْعَبَ مِنَ الصَّغِيرِ، وإذا كانَ الكُلُّ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَكُنِ الكَبِيرُ أوْلى أنْ يَضْرِبَهُ مَثَلًا لِعِبادِهِ مِنَ الصَّغِيرِ، بَلِ المُعْتَبَرُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالقِصَّةِ، فَإذا كانَ الألْيَقُ بِها الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ يَضْرِبُ المَثَلَ بِهِما لا بِالفِيلِ والجَمَلِ، فَإذا أرادَ تَعالى أنْ يُقَبِّحَ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ وعُدُولَهم عَنْ عِبادَةِ الرَّحْمَنِ صَلُحَ أنْ يَضْرِبَ المَثَلَ بِالذُّبابِ لِيُبَيِّنَ أنَّ قَدَرَ مَصَرَّتِها لا يَنْدَفِعُ بِهَذِهِ الأصْنامِ، ويَضْرِبُ المَثَلَ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِيُبَيِّنَ أنَّ عِبادَتَها أوْهَنُ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ كُلَّما كانَ المَضْرُوبُ بِهِ المَثَلُ أضْعَفَ كانَ المَثَلُ أقْوى وأوْضَحَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأصَمُّ: ”ما“ في قَوْلِهِ: (مَثَلًا ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ زِيادَةٌ ولَغْوٌ، والأصَحُّ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى وبَيانًا، وكَوْنُهُ لَغْوًا يُنافِي ذَلِكَ. وفي (بَعُوضَةً) قِراءَتانِ، إحْداهُما: النَّصْبُ، وفي لَفْظَةِ (ما) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنَّها مَبْنِيَّةٌ وهي الَّتِي إذا قُرِنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أبْهَمَتْهُ إبْهامًا وزادَتْهُ شُيُوعًا وبُعْدًا عَنِ الخُصُوصِيَّةِ. بَيانُهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِصاحِبِهِ: أعْطِنِي كِتابًا أنْظُرْ فِيهِ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الكُتُبِ، صَحَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: أرَدْتُ كِتابًا آخَرَ ولَمْ أُرِدْ هَذا، ولَوْ قالَهُ مَعَ (ما) لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: أعْطِنِي كِتابًا، أيَّ كِتابٍ كانَ. الثّانِي: أنَّها نَكِرَةٌ قامَ تَفْسِيرُها بِاسْمِ الجِنْسِ مَقامَ الصِّفَةِ، أمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مَوْصُولَةٌ صِلَتُها الجُمْلَةُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ هو بَعُوضَةٌ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ كَما حُذِفَ في ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . الثّانِي: أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ كَأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ما بَعُوضَةٌ فَما فَوْقَها، حَتّى يَضْرِبَ المَثَلَ بِهِ، بَلْ لَهُ أنْ يُمَثِّلَ بِما هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا، كَما يُقالُ: فُلانٌ لا يُبالِي بِما وهَبَ، ما دِينارٌ ودِينارانِ، أيْ يَهَبُ ما هو أكْثَرُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. * * * صفحة ١٢٥ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ضَرْبُ المَثَلِ: اعْتِمادُهُ وتَكْوِينُهُ، مِن ضَرْبِ اللَّبِنِ وضَرْبِ الخاتَمِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: انْتَصَبَ (بَعُوضَةً) بِأنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِـ (مَثَلًا) أوْ مَفْعُولٌ لِـ (يَضْرِبَ) و(مَثَلًا) حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، أوْ ثانِي مَفْعُولَيْنِ لِـ (يَضْرِبَ) مُضَمَّنًا مَعْنى يَجْعَلُ، وهَذا إذا كانَتْ (ما) صِلَةً أوْ إبْهامِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مُفَسَّرَةً بِبَعُوضَةٍ فَهي تابِعَةٌ لِما هي تَفْسِيرٌ لَهُ، والمُفَسِّرُ والمُفَسَّرُ مَعًا لِمَجْمُوعِهِما عَطْفُ بَيانٍ أوْ مَفْعُولٌ، و(مَثَلًا) حالٌ مُقَدَّمَةٌ. وأمّا رَفْعُها فَبِكَوْنِها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أمّا إذا كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً أوِ اسْتِفْهامِيَّةً فَأمْرُها ظاهِرٌ، فَإذا كانَتْ إبْهامِيَّةً فَهي عَلى الجَوابِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما هو ؟ فَقِيلَ: بَعُوضَةٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اشْتِقاقُ البَعُوضِ مِنَ البَعْضِ وهو القَطْعُ كالبَضْعِ والعَضْبِ، يُقالُ: بَعَضَهُ البَعُوضُ، ومِنهُ: بَعْضُ الشَّيْءِ؛ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنهُ، والبَعُوضُ في أصْلِهِ صِفَةٌ عَلى فَعُولٍ كالقَطُوعِ، فَغَلَبَتِ اسْمِيَّتُهُ، وعَنْ بَعْضِهِمِ: اشْتِقاقُهُ مِن بَعْضِ الشَّيْءِ، سُمِّيَ بِهِ لِقِلَّةِ جُرْمِهِ وصِغَرِهِ ولِأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى كُلِّهِ، والوَجْهُ القَوِيُّ هو الأوَّلُ، قالَ: وهو مِن عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّهُ صَغِيرٌ جِدًّا وخُرْطُومُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُجَوَّفٌ ثُمَّ ذَلِكَ الخُرْطُومُ مَعَ فَرْطِ صِغَرِهِ وكَوْنِهِ جَوْفًا يَغُوصُ في جِلْدِ الفِيلِ والجامُوسِ عَلى ثَخانَتِهِ، كَما يَضْرِبُ الرَّجُلُ إصْبَعَهُ في الخَبِيصِ، وذَلِكَ لِما رَكَّبَ اللَّهُ في رَأْسِ خُرْطُومِهِ مِنَ السُّمِّ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَما فَوْقَها﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَما هو أعْظَمُ مِنها في الجُثَّةِ كالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ والحِمارِ والكَلْبِ، فَإنَّ القَوْمَ أنْكَرُوا تَمْثِيلَ اللَّهِ تَعالى بِكُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ. والثّانِي: أرادَ بِما فَوْقَها في الصِّغَرِ أيْ بِما هو أصْغَرُ مِنها، والمُحَقِّقُونَ مالُوا إلى هَذا القَوْلِ لِوُجُوهٍ : أحَدُها: أنَّ المَقْصِدَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ تَحْقِيرُ الأوْثانِ، وكُلَّما كانَ المُشَبَّهُ بِهِ أشَدَّ حَقارَةً كانَ المَقْصُودُ في هَذا البابِ أكْمَلَ حُصُولًا. وثانِيها: أنَّ الغَرَضَ هَهُنا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمْتَنِعُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الحَقِيرِ، وفي مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ ثانِيًا أشَدَّ حَقارَةً مِنَ الأوَّلِ، يُقالُ: إنَّ فُلانًا يَتَحَمَّلُ الذُّلَّ في اكْتِسابِ الدِّينارِ، وفي اكْتِسابِ ما فَوْقَهُ، يَعْنِي في القِلَّةِ؛ لِأنَّ تَحَمُّلَ الذُّلِّ في اكْتِسابِ أقَلَّ مِنَ الدِّينارِ أشَدُّ مِن تَحَمُّلِهِ في اكْتِسابِ الدِّينارِ. وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أصْغَرَ كانَ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِهِ أصْعَبَ، فَإذا كانَ في نِهايَةِ الصِّغَرِ لَمْ يُحِطْ بِهِ إلّا عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الكَبِيرِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنَّ لَفْظَ ”فَوْقَ“ يَدُلُّ عَلى العُلُوِّ، فَإذا قِيلَ هَذا فَوْقَ ذاكَ، فَإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا مَدَحَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والرَّجُلُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، فَقالَ عَلِيٌّ: أنا دُونَ ما تَقُولُ وفَوْقَ ما في نَفْسِكَ، أرادَ بِهَذا أعْلى مِمّا في نَفْسِكَ. الثّانِي: كَيْفَ يُضْرَبُ المَثَلُ بِما دُونَ البَعُوضَةِ وهي النِّهايَةُ في الصِّغَرِ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَ ثُبُوتُ صِفَةٍ فِيهِ أقْوى مِن ثُبُوتِها في شَيْءٍ آخَرَ كانَ ذَلِكَ الأقْوى فَوْقَ الأضْعَفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ، يُقالُ: إنَّ فُلانًا فَوْقَ فُلانٍ في اللُّؤْمِ والدَّناءَةِ. أيْ هو أكْثَرُ لُؤْمًا ودَناءَةً مِنهُ، وكَذا إذا قِيلَ: هَذا فَوْقَ ذَلِكَ في الصِّغَرِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ صِغَرًا مِنهُ، والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ جَناحَ البَعُوضَةِ أقَلُّ مِنها وقَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلًا لِلدُّنْيا. * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: ”أمّا“ حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ يُجابُ بِالفاءِ وهَذا يُفِيدُ التَّأْكِيدُ، تَقُولُ: زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَإذا قَصَدْتَ تَوْكِيدَ ذَلِكَ وأنَّهُ لا مَحالَةَ ذاهِبٌ قُلْتَ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيرادُ صفحة ١٢٦ الجُمْلَتَيْنِ مُصَدَّرَتَيْنِ بِهِ إحْمادٌ عَظِيمٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ واعْتِدادٌ بِعِلْمِهِمْ أنَّهُ الحَقُّ وذَمٌّ عَظِيمٌ لِلْكافِرِينَ عَلى ما قالُوهُ وذَكَرُوهُ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: ”الحَقُّ“ الثّابِتُ الَّذِي لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، يُقالُ: حَقَّ الأمْرُ: إذا ثَبَتَ ووَجَبَ، وحَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، وثَوْبٌ مُحَقَّقٌ: مُحْكَمُ النَّسْجِ. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: ”ماذا“ فِيهِ وجْهانِ أنْ يَكُونَ (ذا) اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونُ كَلِمَتَيْنِ، وأنْ يَكُونَ (ذا) مُرَكَّبَةً مَعَ (ما) مَجْعُولَيْنِ اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ كَلِمَةً واحِدَةً، فَهو عَلى الوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ (ذا) مَعَ صِلَتِهِ، وعَلى الثّانِي: مَنصُوبُ المَحَلِّ في حُكْمِ (ما) وحْدَهُ كَما لَوْ قُلْتَ: ما أرادَ اللَّهُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الإرادَةُ ماهِيَّةٌ يَجِدُها العاقِلُ مِن نَفْسِهِ ويُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ البَدِيهِيَّةَ بَيْنَها وبَيْنَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وألَمِهِ ولَذَّتِهِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَصَوُّرُ ماهِيَّتِها مُحْتاجًا إلى التَّعْرِيفِ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّها صِفَةٌ تَقْتَضِي رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ الجائِزِ عَلى الآخَرِ لا في الوُقُوعِ بَلْ في الإيقاعِ، واحْتَرَزْنا بِهَذا القَيْدِ الأخِيرِ عَنِ القُدْرَةِ، واخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ تَعالى مُرِيدًا مَعَ اتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّجّارِيَّةُ: إنَّهُ مَعْنًى سَلْبِيٌّ ومَعْناهُ أنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ولا مُسْتَكْرَهٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمْرٌ ثُبُوتِيٌّ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الجاحِظُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحَسَنِ البَصْرِيُّ: مَعْناهُ عِلْمُهُ تَعالى بِاشْتِمالِ الفِعْلِ عَلى المَصْلَحَةِ أوِ المَفْسَدَةِ، ويُسَمُّونَ هَذا العِلْمَ بِالدّاعِي أوِ الصّارِفِ، وقالَ أصْحابُنا وأبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ وأتْباعُهُما: إنَّهُ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، ثُمَّ القِسْمَةُ في تِلْكَ الصِّفَةِ، إمّا أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً وهو القَوْلُ الثّانِي لِلنَّجّارِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً، وذَلِكَ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا وهو قَوْلُ الأشْعَرِيَّةِ، أوْ مُحْدَثًا وذَلِكَ المُحْدَثُ إمّا أنْ يَكُونَ قائِمًا بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، أوْ قائِمًا بِجِسْمٍ آخَرَ، وهَذا القَوْلَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، أوْ يَكُونَ مَوْجُودًا لا في مَحَلٍّ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ وأتْباعِهِما. المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: الضَّمِيرُ في ”﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾“ لِلْمَثَلِ أوْ لِـ (أنْ يَضْرِبَ) وفي قَوْلِهِمْ: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا، اسْتِحْقارٌ، كَما قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: يا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: ”﴿مَثَلًا﴾“ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، كَقَوْلِكَ لِمَن أجابَ بِجَوابٍ غَثٍّ: ماذا أرَدْتَ بِهَذا جَوابًا ؟ ولِمَن حَمَلَ سِلاحًا رَدِيئًا: كَيْفَ تَنْتَفِعُ بِهَذا سِلاحًا ؟ أوْ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] . المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنْهم كُفْرَهم واسْتِحْقارَهم كَلامَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ ونُرِيدُ أنَّ نَتَكَلَّمَ هَهُنا في الهِدايَةِ والإضْلالِ لِيَكُونَ هَذا المَوْضِعُ كالأصْلِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في كُلِّ ما يَجِيءُ في هَذا المَعْنى مِنَ الآياتِ، فَنَتَكَلَّمُ أوَّلًا في الإضْلالِ فَنَقُولُ: إنَّ الهَمْزَةَ تارَةً تَجِيءُ لِنَقْلِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ المُتَعَدِّي إلى المُتَعَدِّي كَقَوْلِكَ: خَرَجَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَإذا قُلْتَ: أخْرَجَ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ مُتَعَدِّيًا، وقَدْ تَجِيءُ لِنَقْلِ الفِعْلِ مِنَ المُتَعَدِّي إلى غَيْرِ المُتَعَدِّي كَقَوْلِكَ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، وقَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ الوُجْدانِ. حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، وهاجَيْناكم فَما أفْحَمْناكم، وسَألْناكم فَما أبْخَلْناكم. أيْ فَما وجَدْناكم جُبَناءَ صفحة ١٢٧ ولا مُفْحَمِينَ ولا بُخَلاءَ. ويُقالُ: أتَيْتُ أرْضَ فُلانٍ فَأعْمَرْتُها؛ أيْ وجَدْتُها عامِرَةً، قالَ المُخَبَّلُ: تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ خُزاعَةَ فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا أيْ وُجِدَ ذَلِيلًا مَقْهُورًا، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الهَمْزَةُ لا تُفِيدُ إلّا نَقْلَ الفِعْلِ مِن غَيْرِ المُتَعَدِّي إلى المُتَعَدِّي ؟ فَأمّا قَوْلُهُ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، فَلَعَلَّ المُرادَ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ نَفْسَهُ عَلى وجْهِهِ، فَيَكُونُ قَدْ ذُكِرَ الفِعْلُ مَعَ حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ، وهَذا لَيْسَ بِعَزِيزٍ. وأمّا قَوْلُهُ، قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، فالمُرادُ ما أثَّرَ قِتالُنا في صَيْرُورَتِكم جُبَناءَ. وما أثَّرَ هِجاؤُنا لَكم في صَيْرُورَتِكم مُفْحَمِينَ، وكَذا القَوْلُ في البَواقِي، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قُلْناهُ أوْلى؛ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُنا: أضَلَّهُ اللَّهُ، لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلّا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا، والثّانِي: أنَّهُ وجَدَهُ ضالًّا، أمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا فَلَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى صَيَّرَهُ ضالًّا عَنْ ماذا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا عَنِ الدِّينِ. والثّانِي: أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا عَنِ الجَنَّةِ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ تَعالى صَيَّرَهُ ضالًّا عَنِ الدِّينِ، فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الإضْلالِ عَنِ الدِّينِ في اللُّغَةِ هو الدُّعاءُ إلى تَرْكِ الدِّينِ وتَقْبِيحِهِ في عَيْنِهِ، وهَذا هو الإضْلالُ الَّذِي أضافَهُ اللَّهُ تَعالى إلى إبْلِيسَ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]، وقالَ: ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ [فصلت: ٢٩]، وقالَ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، ﴿وقالَ الشَّيْطانُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وأيْضًا أضافَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإضْلالَ إلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ بِهَذا المَعْنى لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى ما دَعا إلى الكُفْرِ وما رَغَّبَ فِيهِ بَلْ نَهى عَنْهُ وزَجَرَ وتَوَعَّدَ بِالعِقابِ عَلَيْهِ، وإذا كانَ المَعْنى الأصْلِيُّ لِلْإضْلالِ في اللُّغَةِ لَيْسَ إلّا هَذا، وهَذا المَعْنى مَنفِيٌّ بِالإجْماعِ ثَبَتَ انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ. وعِنْدَ هَذا افْتَقَرَ أهْلُ الجَبْرِ والقَدَرِ إلى التَّأْوِيلِ، أمّا أهْلُ الجَبْرِ فَقَدْ حَمَلُوهُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الضَّلالَ والكُفْرَ فِيهِمْ وصَدَّهم عَنِ الإيمانِ وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ورُبَّما قالُوا: هَذا هو حَقِيقَةُ اللَّفْظِ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ الإضْلالَ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ ضالًّا كَما أنَّ الإخْراجَ والإدْخالَ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ خارِجًا وداخِلًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لا بِحَسَبِ الأوْضاعِ اللُّغَوِيَّةِ ولا بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ. * * * أمّا الأوْضاعُ اللُّغَوِيَّةُ فَبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ أنْ يُقالَ لِمَن مَنَعَ غَيْرَهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ كَرْهًا وجَبْرًا أنَّهُ أضَلَّهُ، بَلْ يُقالُ: مَنَعَهُ مِنهُ وصَرَفَهُ عَنْهُ، وإنَّما يَقُولُونَ: إنَّهُ أضَلَّهُ عَنِ الطَّرِيقِ، إذا لَبَّسَ عَلَيْهِ وأوْرَدَ مِنَ الشُّبْهَةِ ما يُلَبِّسُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فَلا يَهْتَدِي لَهُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْلِيسَ وفِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِما مُضَلِّلَيْنِ، مَعَ أنَّ فِرْعَوْنَ وإبْلِيسَ ما كانا خالِقَيْنِ لِلضَّلالِ في قُلُوبِ المُسْتَجِيبِينَ لَهُما بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عِنْدُ الجَبْرِيَّةِ فَلِأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى الإيجادِ، وأمّا عِنْدَ القَدَرِيَّةِ فَلِأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الإيجادِ، فَلَمّا حَصَلَ اسْمُ المُضِلِّ حَقِيقَةً مَعَ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، عَلِمْنا أنَّ اسْمَ المُضِلِّ غَيْرُ مَوْضُوعٍ في اللُّغَةِ لِخالِقِ الضَّلالِ. صفحة ١٢٨ وثالِثُها: أنَّ الإضْلالَ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ فَكَما صَحَّ أنْ يُقالَ: هَدَيْتُهُ فَما اهْتَدى، وجَبَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ: أضْلَلْتُهُ فَما ضَلَّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ حَمْلُ الإضْلالِ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ، وأمّا بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ الضَّلالَ في العَبْدِ ثُمَّ كَلَّفَهُ بِالإيمانِ لَكانَ قَدْ كَلَّفَهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وهو سَفَهٌ وظُلْمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وثانِيها: لَوْ كانَ تَعالى خالِقًا لِلْجَهْلِ ومُلَبِّسًا عَلى المُكَلَّفِينَ لَما كانَ مُبَيِّنًا لِما كُلِّفَ العَبْدُ بِهِ، وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبَيِّنًا. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ فِيهِمُ الضَّلالَ وصَدَّهم عَنِ الإيمانِ لَمْ يَكُنْ لِإنْزالِ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَكُونُ مُمْكِنَ الحُصُولِ كانَ السَّعْيُ في تَحْصِيلِهِ عَبَثًا وسَفَهًا. ورابِعُها: أنَّهُ عَلى مُضادَّةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الآياتِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]، ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ البَتَّةَ، وإنَّما امْتَنَعُوا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، وقالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٥٥]، وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقالَ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] وقالَ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ وصَرَفَهم عَنِ الإيمانِ لَكانَتْ هَذِهِ الآياتُ باطِلَةً. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ وحِزْبَهُ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهُ في إضْلالِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ وصَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ وأمَرَ عِبادَهُ ورَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ [الناس: ٤] و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾، ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ عَنِ الدِّينِ كَما تُضِلُّ الشَّياطِينُ لاسْتَحَقَّ مِنَ المَذَمَّةِ مِثْلَ ما اسْتَحَقُّوهُ ولَوَجَبَ الِاسْتِعاذَةُ مِنهُ كَما وجَبَ مِنهم، ولَوَجَبَ أنْ يَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مِن حَيْثُ أضَلَّ أكْثَرَ خَلْقِهِ كَما وجَبَ اتِّخاذُ إبْلِيسَ عَدُوًّا لِأجْلِ ذَلِكَ، قالُوا: بَلْ خِصِّيصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ أكْثَرُ؛ إذْ تَضْلِيلُ إبْلِيسَ سَواءٌ وجُودُهُ وعَدَمُهُ فِيما يَرْجِعُ إلى حُصُولِ الضَّلالِ، بِخِلافِ تَضْلِيلِ اللَّهِ فَإنَّهُ هو المُؤَثِّرُ في الضَّلالِ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا تَنْزِيهُ إبْلِيسَ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ وإحالَتُها كُلِّها عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ الذَّمُّ مُنْقَطِعًا بِالكُلِّيَّةِ عَنْ إبْلِيسَ وعائِدًا إلى اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ قَوْلِ الظّالِمِينَ. وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ إلى غَيْرِهِ وذَمَّهم لِأجْلِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩]، ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]، ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦]، وقَوْلُهُ تَعالى حاكِيًا عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، فَهَؤُلاءِ إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ أضَلُّوا غَيْرَهم عَنِ الدِّينِ في الحَقِيقَةِ أوْ يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي أضَلَّهم أوْ حَصَلَ الإضْلالُ بِاللَّهِ وبِهِمْ عَلى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ، فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ دُونَ هَؤُلاءِ فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى قَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِمْ إذْ صفحة ١٢٩ قَدْ رَماهم بِدَأْبِهِ وعابَهم بِما فِيهِ وذَمَّهم بِما لَمْ يَفْعَلُوهُ، واللَّهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَذُمَّهم عَلى فِعْلٍ هو شَرِيكٌ فِيهِ ومُساوٍ لَهم فِيهِ، وإذا فَسَدَ الوَجْهانِ صَحَّ أنْ لا يُضافَ خَلْقُ الضَّلالِ إلى اللَّهِ تَعالى. وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أكْثَرَ الآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ الضَّلالِ مَنسُوبًا إلى العُصاةِ عَلى ما قالَ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾، ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِالضَّلالِ المُضافِ إلَيْهِ تَعالى هو ما هم فِيهِ، كانَ كَذَلِكَ إثْباتًا لِلثّابِتِ وهَذا مُحالٌ. وثامِنُها: أنَّهُ تَعالى نَفى إلَهِيَّةَ الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن حَيْثُ إنَّهم لا يَهْدُونَ إلى الحَقِّ، قالَ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥]، فَنَفى رُبُوبِيَّةَ تِلْكَ الأشْياءِ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَهْدِي، وأوْجَبَ رُبُوبِيَّةَ نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَهْدِي، فَلَوْ كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُضِلُّ عَنِ الحَقِّ لَكانَ قَدْ ساواهم في الضَّلالِ وفِيما لِأجْلِهِ نَهى عَنِ اتِّباعِهِمْ، بَلْ كانَ قَدْ أرْبى عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الأوْثانَ كَما أنَّها لا تَهْدِي فَهي لا تُضِلُّ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مَعَ أنَّهُ إلَهٌ يَهْدِي فَهو يُضِلُّ. وتاسِعُها: أنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ هَذا الضَّلالَ جَزاءً لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ كانَ ذَلِكَ عُقُوبَةً وتَهْدِيدًا بِأمْرٍ هم لَهُ مُلابِسُونَ، وعَلَيْهِ مُقْبِلُونَ، وبِهِ مُلْتَذُّونَ ومُغْتَبِطُونَ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَتِ العُقُوبَةُ بِالزِّنا عَلى الزِّنا وبِشُرْبِ الخَمْرِ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وهَذا لا يَجُوزُ. وعاشِرُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ بِهِ هَذا الإضْلالَ بَعْدَ أنْ صارَ هو مِنَ الفاسِقِينَ النّاقِضِينَ لِعَهْدِ اللَّهِ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الإضْلالَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ فاسِقًا وناقِضًا لِلْعَهْدِ مُغايِرٌ لِفِسْقِهِ ونَقْضِهِ. وحادِي عاشِرِها: أنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الإضْلالَ المَنسُوبَ إلَيْهِ في كِتابِهِ، إمّا بِكَوْنِهِ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، أوْ بِكَوْنِهِ عُقُوبَةً ونَكالًا، فَقالَ في الِابْتِلاءِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] أيِ امْتِحانًا، إلى أنْ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، فَبَيَّنَ أنَّ إضْلالَهُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن إنْزالِهِ آيَةً مُتَشابِهَةً أوْ فِعْلًا مُتَشابِهًا لا يُعْرَفُ حَقِيقَةُ الغَرَضِ فِيهِ؛ والضّالُّ بِهِ هو الَّذِي لا يَقِفُ عَلى المَقْصُودِ ولا يَتَفَكَّرُ في وجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ بَلْ يَتَمَسَّكُ بِالشُّبُهاتِ في تَقْرِيرِ المُجْمَلِ الباطِلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، وأمّا العُقُوبَةُ والنَّكالُ فَكَقَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١]، إلى أنْ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] فَبَيَّنَ أنَّ إضْلالَهُ لا يَعْدُو أحَدَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وإذا كانَ الإضْلالُ مُفَسَّرًا بِأحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُفَسَّرًا بِغَيْرِهِما دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الإضْلالِ عَلى خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: بَيَّنّا أنَّ الإضْلالَ في أصْلِ اللُّغَةِ الدُّعاءُ إلى الباطِلِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ والسَّعْيُ في إخْفاءِ مَقابِحِهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَهَبَتِ الجَبْرِيَّةُ إلَيْهِ قَدْ أبْطَلْناهُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى وُجُوهٍ أُخَرَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ: أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَلَّ بِاخْتِيارِهِ عِنْدَ حُصُولِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أثَّرَ في صفحة ١٣٠ إضْلالِهِ فَيُقالُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ: إنَّهُ أضَلَّهُ، قالَ تَعالى في حَقِّ الأصْنامِ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، أيْ ضَلُّوا بِهِنَّ، وقالَ: ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣، ٢٤]، أيْ ضَلَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِهِمْ، وقالَ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، وقالَ: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]، أيْ لَمْ يَزْدادُوا بِدُعائِي لَهم إلّا فِرارًا، وقالَ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠]، وهم لَمْ يُنْسُوهم في الحَقِيقَةِ بَلْ كانُوا يُذَكِّرُونَهُمُ اللَّهَ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ اشْتِغالُهم بِالسُّخْرِيَةِ مِنهم سَبَبًا لِنِسْيانِهِمْ أُضِيفَ الإنْساءُ إلَيْهِمْ، وقالَ في بَراءَةٍ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الشَّرائِعِ يُعَرِّفُ أحْوالَهم، فَمِنهم مَن يَصْلُحُ عَلَيْها فَيَزْدادُ بِها إيمانًا، ومِنهم مَن يَفْسُدُ عَلَيْها فَيَزْدادُ بِها كُفْرًا، فَإذَنْ أُضِيفَتِ الزِّيادَةُ في الإيمانِ والزِّيادَةُ في الكُفْرِ إلى السُّورَةِ، إذْ كانُوا إنَّما صَلُحُوا عِنْدَ نُزُولِها وفَسَدُوا كَذَلِكَ أيْضًا، فَكَذا أُضِيفَ الهُدى والإضْلالُ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَ إحْداثُهُما عِنْدَ ضَرْبِهِ تَعالى الأمْثالَ لَهم، وقالَ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ ذِكْرَهُ لِعِدَّةِ خَزَنَةِ النّارِ امْتِحانٌ مِنهُ لِعِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُرْتابِ، فَآلَتِ العاقِبَةُ إلى أنْ صَلُحَ عَلَيْها المُؤْمِنُونَ وفَسَدَ الكافِرُونَ، وأضافَ زِيادَةَ الإيمانِ وضِدَّها إلى المُمْتَحَنِينَ، فَقالَ: (لِيَزْدادَ) (ولِيَقُولَ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ إضْلالَهم وهُداهم بَعْدَ أنْ أضافَ إلَيْهِمُ الأمْرَيْنِ مَعًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإضْلالَ مُفَسَّرٌ بِهَذا الِامْتِحانِ، ويُقالُ في العُرْفِ أيْضًا: أمْرَضَنِي الحُبُّ؛ أيْ مَرِضْتُ بِهِ، ويُقالُ: قَدْ أفْسَدَتْ فُلانَةٌ فُلانًا، وهي لَمْ تَعْلَمْ بِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فَإنَّ اللَّوْمَ إغْراءُ أيْ يُغْرِي المَلُومَ بِاللَّوْمِ. والإضْلالُ عَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى أنَّ الكافِرِينَ ضَلُّوا بِسَبَبِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِامْتِحاناتِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ لَمّا قالُوا: ما الحاجَةُ إلى الأمْثالِ وما الفائِدَةُ فِيها، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ هَذا الِامْتِحانُ، حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ. وثانِيها: أنَّ الإضْلالَ هو التَّسْمِيَةُ بِالضَّلالِ، فَيُقالُ: أضَلَّهُ؛ أيْ سَمّاهُ ضالًّا وحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وأكْفَرَ فُلانٌ فُلانًا: إذا سَمّاهُ كافِرًا، وأنْشَدُوا بَيْتَ الكُمَيْتِ: وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكم ∗∗∗ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ وقالَ طَرَفَةُ: وما زالَ شُرْبِي الرّاحَ حَتّى أضَلَّنِي ∗∗∗ صَدِيقِي وحَتّى ساءَنِي بَعْضُ ذَلِكا أرادَ سَمّانِي ضالًّا. وهَذا الوَجْهُ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ قُطْرُبٌ وكَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن أنْكَرَهُ، وقالَ: إنَّما يُقالُ: ضَلَّلْتُهُ تَضْلِيلًا: إذا سَمَّيْتُهُ ضالًّا، وكَذَلِكَ فَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ: إذا سَمَّيْتُهُ فاجِرًا فاسِقًا، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ مَتى صَيَّرَهُ في نَفْسِهِ ضالًّا لَزِمَهُ أنْ يَصِيرَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالضَّلالِ، فَهَذا الحُكْمُ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ التَّصْيِيرِ، وإطْلاقُ اسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ مَجازٌ مَشْهُورٌ وأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ أيْضًا لِأنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِآخَرَ: فُلانٌ ضالٌّ، جازَ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ جَعَلْتَهُ ضالًّا ؟ ويَكُونُ المَعْنى: لِمَ سَمَّيْتَهُ بِذَلِكَ ولِمَ حَكَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ ؟ فَعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلُوا الإضْلالَ عَلى صفحة ١٣١ الحُكْمِ والتَّسْمِيَةِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الإضْلالُ هو التَّخْلِيَةُ وتَرْكُ المَنعِ بِالقَهْرِ والجَبْرِ، فَيُقالُ: أضَلَّهُ: إذا خَلّاهُ وضَلالَهُ، قالُوا: ومِن مَجازِهِ قَوْلُهم: أفْسَدَ فُلانٌ ابْنَهُ وأهْلَكَهُ ودَمَّرَ عَلَيْهِ: إذا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِالتَّأْدِيبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرْجِيِّ: أضاعُونِي وأيَّ فَتًى أضاعُوا ∗∗∗ لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وسَدادِ ثَغْرِ ويُقالُ لِمَن تَرَكَ سَيْفَهُ في الأرْضِ النَّدِيَّةِ حَتّى فَسَدَ وصَدِئَ: أفْسَدْتَ سَيْفَكَ وأصْدَأْتَهُ. ورابِعُها: الضَّلالُ والإضْلالُ هو العَذابُ والتَّعْذِيبُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨]، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ في ضَلالٍ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَذابَهم، وقالَ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [ غافِرٍ: ٧١: ٧٤ ]، فُسِّرَ ذَلِكَ الضَّلالُ بِالعَذابِ. وخامِسُها: أنْ يُحْمَلَ الإضْلالُ عَلى الإهْلاكِ والإبْطالِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، قِيلَ: أبْطَلَها وأهْلَكَها، ومِن مَجازِهِ قَوْلُهم: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ: إذا صارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، ويُقالُ: أضْلَلْتُهُ أنا: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِ فَأهْلَكْتَهُ وصَيَّرْتَهُ كالمَعْدُومِ، ومِنهُ يُقالُ: أضَلَّ القَوْمُ مَيِّتَهم: إذا وارَوْهُ في قَبْرِهِ فَأخْفَوْهُ حَتّى صارَ لا يُرى، قالَ النّابِغَةُ: وآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونائِلُ وقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]، أيْ أئِذا انْدَفَنّا فِيها فَخَفِيَتْ أشْخاصُنا، فَيُحْتَمَلُ عَلى هَذا المَعْنى: يُضِلُّ اللَّهُ إنْسانًا؛ أيْ يُهْلِكُهُ ويُعْدِمُهُ فَتَجُوزُ إضافَةُ الإضْلالِ إلَيْهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الخَمْسَةُ إذا حَمَلْنا الإضْلالَ عَلى الإضْلالِ عَنِ الدِّينِ. وسادِسُها: أنْ يُحْمَلَ الإضْلالُ عَلى الإضْلالِ عَنِ الجَنَّةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ تَأْوِيلًا بَلْ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، فَإنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَنْ ماذا يُضِلُّهم، فَنَحْنُ نَحْمِلُها عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، ثُمَّ حَمَلُوا كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن هَذا الجِنْسِ عَلى هَذا المَحْمَلِ، وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] أيْ يُضِلُّهُ عَنِ الجَنَّةِ وثَوابِها. هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الهَمْزَةَ في الإضْلالِ عَلى التَّعْدِيَةِ. وسابِعُها: أنْ نَحْمِلَ الهَمْزَةَ لا عَلى التَّعْدِيَةِ بَلْ عَلى الوُجْدانِ عَلى ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ المَسْألَةِ بَيانُهُ، فَيُقالُ: أضَلَّ فُلانٌ بَعِيرَهُ؛ أيْ ضَلَّ عَنْهُ، فَمَعْنى إضْلالِ اللَّهِ تَعالى لَهم أنَّهُ تَعالى وجَدَهم ضالِّينَ. وثامِنُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ فَإنَّهم قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَثَلِ الَّذِي لا يَظْهَرُ وجْهُ الفائِدَةِ فِيهِ، ثُمَّ قالُوا: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، فَهَذا مِن قَوْلِ الكُفّارِ، ثُمَّ قالَ تَعالى جَوابًا لَهم: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ أيْ ما أضَلَّ بِهِ إلّا الفاسِقَ. هَذا مَجْمُوعُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ. * * * وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: لَقَدْ سَمِعْنا كَلامَكم واعْتَرَفْنا لَكم بِجَوْدَةِ الإيرادِ وحُسْنِ التَّرْتِيبِ وقُوَّةِ الكَلامِ، ولَكِنْ ماذا نَعْمَلُ ولَكم أعْداءٌ ثَلاثَةٌ يُشَوِّشُونَ عَلَيْكم هَذِهِ الوُجُوهَ الحَسَنَةَ والدَّلائِلَ اللَّطِيفَةَ ؟ أحَدُها: مَسْألَةُ الدّاعِي وهي أنَّ القادِرَ عَلى العِلْمِ والجَهْلِ والإهْداءِ والإضْلالِ لِمَ فَعَلَ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ ؟ صفحة ١٣٢ وثانِيها: مَسْألَةُ العِلْمِ، عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وما رَأيْنا لَكم في دَفْعِ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ كَلامًا مُحِيلًا قَوِيًّا ونَحْنُ لا شَكَّ نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْكم مَعَ ما مَعَكم مِنَ الذَّكاءِ الضَّعْفَ عَنْ تِلْكَ الأجْوِبَةِ الَّتِي تَكَلَّمُوا بِها، فَكَما أنْصَفْنا واعْتَرَفْنا لَكم بِحُسْنِ الكَلامِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فَأنْصِفُوا أيْضًا واعْتَرِفُوا بِأنَّهُ لا وجْهَ لَكم عَنْ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّ التَّعامِيَ والتَّغافُلَ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ. وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ كانَ بِإيجادِهِ لَما حَصَلَ إلّا الَّذِي قَصَدَ إيجادَهُ، لَكِنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ والِاهْتِداءِ، ويَحْتَرِزُ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الجَهْلُ والإضْلالُ لِلْعَبْدِ مَعَ أنَّهُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ والِاهْتِداءِ ؟ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الكُفْرُ بِالإيمانِ والعِلْمُ بِالجَهْلِ فَظَنَّ في الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ، فَقَصَدَ إيقاعَهُ، فَلِذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الجَهْلُ، قُلْنا: ظَنُّهُ في الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ ظَنُّ خَطَأٍ، فَإنْ كانَ اخْتارَهُ أوَّلًا فَقَدِ اخْتارَ الجَهْلَ والخَطَأ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ظَنٍّ آخَرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ كُلِّ ظَنٍّ ظَنٌّ لا إلى نِهايَةٍ، وهو مُحالٌ. ورابِعُها: أنَّ التَّصَوُّراتِ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ والتَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ والتَّصْدِيقاتِ بِأسْرِها غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، فَهَذِهِ مُقَدَّماتٌ ثَلاثَةٌ: المُقَدَّمَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ التَّصَوُّراتِ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُحاوِلُ اكْتِسابَها: فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَصَوِّرًا لَها، أوْ لا يَكُونَ مُتَصَوِّرًا لَها. فَإنْ كانَ مُتَصَوِّرًا لَها اسْتَحالَ أنْ يَطْلُبَ تَحْصِيلَ تَصَوُّرِها لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَصَوِّرًا لَها كانَ ذِهْنُهُ غافِلًا عَنْها، والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ طالِبَهُ. المُقَدَّمَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ لِأنَّ حُصُولَ طَرَفَيِ التَّصْدِيقِ إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِذَلِكَ التَّصْدِيقِ أوْ لا يَكُونَ كافِيًا، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ دائِرًا مَعَ ذَيْنَكِ التَّصَوُّرَيْنِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ نَفْيًا وإثْباتًا، وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَكُنِ التَّصْدِيقُ بَدِيهِيًّا بَلْ مُتَوَقَّفًا فِيهِ. المُقَدَّمَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ أنَّ التَّصْدِيقاتِ بِأسْرِها غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النَّظَرِيّاتِ إنْ كانَتْ واجِبَةَ اللُّزُومِ عَنْ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ الَّتِي هي غَيْرُ مَقْدُورَةٍ كانَتْ تِلْكَ النَّظَرِيّاتُ أيْضًا غَيْرَ مَقْدُورَةٍ. وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةَ اللُّزُومِ عَنْ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ لَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِدْلالُ بِتِلْكَ البَدِيهِيّاتِ عَلى تِلْكَ النَّظَرِيّاتِ، فَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الِاعْتِقاداتُ الحاصِلَةُ في تِلْكَ النَّظَرِيّاتِ عُلُومًا، بَلْ لا تَكُونُ إلّا اعْتِقادًا حاصِلًا لِلْمُقَلِّدِ ولَيْسَ كَلامُنا فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَلامَكم في عَدَمِ إسْنادِ الِاهْتِداءِ والضَّلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مُعارَضٌ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ الَّتِي لا جَوابَ عَنْها. ولْنَتَكَلَّمِ الآنَ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ: أمّا التَّأْوِيلُ الأوَّلُ فَساقِطٌ؛ لِأنَّ إنْزالَ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ هَلْ لَها أثَرٌ في تَحْرِيكِ الدَّواعِي أوْ لَيْسَ لَها أثَرٌ في ذَلِكَ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ عَلى قَوْلِكم أنْ يُقَبَّحَ لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ الوُجُوبُ وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الِاسْتِواءِ وبَيْنَ الوُجُوبِ المانِعِ مِنَ النَّقِيضِ واسِطَةٌ، فَإذا أثَّرَ إنْزالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ في التَّرْجِيحِ وثَبَتَ أنَّهُ مَتى حَصَلَ التَّرْجِيحُ فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ، فَحِينَئِذٍ جاءَ الجَبْرُ وبَطَلَ ما قُلْتُمُوهُ. الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الوُجُوبِ إلّا أنَّ المُكَلَّفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُزاحَ العُذْرِ والعِلَّةِ، وإنْزالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ صفحة ١٣٣ لَها أثَرًا في تَرْجِيحِ جانِبِ الضَّلالِ عَلى جانِبِ الِاهْتِداءِ كالعُذْرِ لِلْمُكَلَّفِ في عَدَمِ الإقْدامِ عَلى الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا إنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ أثَرٌ في إقْدامِهِمْ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِ الضَّلالِ عَلى جانِبِ الِاهْتِداءِ كانَتْ نِسْبَةُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ إلى ضَلالِهِمْ كَصَرِيرِ البابِ ونَعِيقِ الغُرابِ، فَكَما أنَّ ضَلالَهم لا يُنْسَبُ إلى هَذِهِ الأُمُورِ الأجْنَبِيَّةِ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يُنْسَبَ إلى هَذِهِ المُتَشابِهاتِ بِوَجْهٍ ما، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ تَأْوِيلُهم. أمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو التَّسْمِيَةُ والحُكْمُ فَهو وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ لَكِنَّ الإشْكالَ مَعَهُ باقٍ؛ لِأنَّهُ إذا سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ المُكَلَّفُ بِهِ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إتْيانِ المُكَلَّفِ بِهِ مُحالًا وإتْيانُهُ بِهِ واجِبًا، وهَذا عَيْنُ الجَبْرِ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ وأنَّهُ مُلاقِيكم لا مَحالَةَ، وهَهُنا يَنْتَهِي البَحْثُ إلى الجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ لَهُما في هَذا المَقامِ وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ سُقُوطَ ذَلِكَ. وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ وهو التَّخْلِيَةُ وتَرْكُ المَنعِ، فَهَذا إنَّما يُسَمّى إضْلالًا إذا كانَ الأوْلى والأحْسَنُ بِالوالِدِ أنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأمّا إذا كانَ الوَلَدُ بِحَيْثُ لَوْ مَنَعَهُ والِدُهُ عَنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ في مَفْسَدَةٍ أعْظَمَ مِن تِلْكَ المَفْسَدَةِ الأُولى، لَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّهُ أفْسَدَ ولَدَهُ وأضَلَّهُ، وهَهُنا الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ مَنَعَ المُكَلَّفَ جَبْرًا عَنْ هَذِهِ المَفْسَدَةِ لَزِمَتْ مَفْسَدَةٌ أُخْرى أعْظَمُ مِنَ الأُولى، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أفْسَدَ المُكَلَّفَ وأضَلَّهُ، بِمَعْنى أنَّهُ ما مَنَعَهُ عَنِ الضَّلالِ مَعَ أنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ لَكانَتْ تِلْكَ المَفْسَدَةُ أعْظَمَ. وأمّا التَّأْوِيلُ الرّابِعُ فَقَدِ اعْتَرَضَ القَفّالُ عَلَيْهِ فَقالَ: لا نُسَلِّمُ بِأنَّ الضَّلالَ جاءَ بِمَعْنى العَذابِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا، وفي سُعُرٍ؛ أيْ في عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ [القمر: ٤٨] مِن صِلَةِ سُعُرٍ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] فَمَعْنى قَوْلِهِ: ضَلُّوا عَنّا؛ أيْ بَطَلُوا فَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِمْ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي كُنّا نَرْجُو شَفاعَتَهم فِيهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] قَدْ يَكُونُ عَلى مَعْنى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ أعْمالَهم، أيْ يُحْبِطُها يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ: كَذَلِكَ يَخْذُلُهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا فَلا يُوَفِّقُهم لِقَبُولِ الحَقِّ إذْ ألِفُوا الباطِلَ وأعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ، فَإذا خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأتَوْا يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِها في الدُّنْيا. وأمّا التَّأْوِيلُ الخامِسُ: وهو الإهْلاكُ، فَغَيْرُ لائِقٍ بِهَذا المَوْضِعِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يَمْنَعُ مِن حَمْلِ الإضْلالِ عَلى الإهْلاكِ. وأمّا التَّأْوِيلُ السّادِسُ: وهو أنَّهُ يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أيْ يُضِلُّ بِسَبَبِ اسْتِماعِ هَذِهِ الآياتِ، والإضْلالُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ لَيْسَ بِسَبَبِ اسْتِماعِ هَذِهِ الآياتِ بَلْ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَبائِحِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وأمّا التَّأْوِيلُ السّابِعُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أيْ يَجِدُهُ ضالًّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ إثْباتَ هَذِهِ اللُّغَةِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ عَدّى الإضْلالَ بِحَرْفِ الباءِ فَقالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ والإضْلالُ بِمَعْنى الوُجْدانِ لا يَكُونُ مُعَدًّى بِحَرْفِ الباءِ. صفحة ١٣٤ وأمّا التَّأْوِيلُ الثّامِنُ: فَهو في هَذِهِ الآيَةِ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ؛ لِأنَّهُ إلى قَوْلِهِ: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) مِن كَلامِ الكُفّارِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُما بَلْ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ وهو الواوُ، ثُمَّ هَبْ أنَّهُ هَهُنا كَذَلِكَ لَكِنَّهُ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١] لا شَكَّ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو الكَلامُ في الإضْلالِ. * * * أمّا الهُدى فَقَدْ جاءَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: الدَّلالَةُ والبَيانُ، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا﴾ [السجدة: ٢٦]، وقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الهُدى عِبارَةً عَنِ البَيانِ، وقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣]، وقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، أيْ سَواءٌ شَكَرَ أوْ كَفَرَ فالهِدايَةُ قَدْ جاءَتْهُ في الحالَتَيْنِ، وقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، وقالَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِ، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ خُصُومِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ [ص: ٢٢]، أيْ أرْشِدْنا، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، وقالَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩]، أخْبَرَ أنَّهُ قَدْ هَدى الكافِرَ مِمّا جاءَهُ مِنَ الآياتِ، وقالَ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكافِرِينَ. وثانِيها: قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، أيْ لَتَدْعُو، وقَوْلُهُ: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أيْ داعٍ يَدْعُوهم إلى ضَلالٍ أوْ هُدًى. وثالِثُها: التَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ بِالألْطافِ المَشْرُوطَةِ بِالإيمانِ، يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ جَزاءً عَلى إيمانِهِمْ ومَعُونَةً عَلَيْهِ وعَلى الِازْدِيادِ مِن طاعَتِهِ، فَهَذا ثَوابٌ لَهم، وبِإزائِهِ ضِدُّهُ لِلْكافِرِينَ وهو أنْ يَسْلُبَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم يَكُونُ قَدْ أضَلَّهم، والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ وأنَّهم قَدْ جاءَهُمُ البَيِّناتُ، فَهَذا الهُدى غَيْرُ البَيانِ لا مَحالَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . ورابِعُها: الهُدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، وقالَ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . صفحة ١٣٥ [المائدة: ١٦]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ﴾ [محمد: ٥]، والهِدايَةُ بَعْدَ القَتْلِ لا تَكُونُ إلّا إلى الجَنَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩]، وهَذا تَأْوِيلُ الجُبّائِيِّ. وخامِسُها: الهُدى بِمَعْنى التَّقْدِيمِ، يُقالُ: هَدى فُلانٌ فُلانًا؛ أيْ قَدَّمَهُ أمامَهُ، وأصْلُ هَدى مِن هِدايَةِ الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَتَقَدَّمُ المَدْلُولَ. وتَقُولُ العَرَبُ: أقْبَلَتْ هَوادِي الخَيْلِ؛ أيْ مُتَقَدِّماتُها، ويُقالُ لِلْعُنُقِ: هادِي، وهَوادِي الخَيْلِ: أعْناقُها لِأنَّها تَتَقَدَّمُها. وسادِسُها: يَهْدِي؛ أيْ يَحْكُمُ بِأنَّ المُؤْمِنَ مُهْتَدٍ، وتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ القائِلِ: هَداهُ: جَعَلَهُ مُهْتَدِيًا، وهَذا اللَّفْظُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الحُكْمِ والتَّسْمِيَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أيْ ما حَكَمَ ولا شَرَعَ، وقالَ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، مَعْناهُ أنَّ الهُدى ما حَكَمَ اللَّهُ بِأنَّهُ هُدًى، وقالَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ [الكهف: ١٧] أيْ مَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالهُدى فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُسَمّى مُهْتَدِيًا، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرَها المُعْتَزِلَةُ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها فِيما تَقَدَّمَ في بابِ الإضْلالِ. قالَتِ الجَبْرِيَّةُ: وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ الهُدى بِمَعْنى خَلْقِ الهِدايَةِ والعِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، قالَتِ القَدَرِيَّةُ: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ في اللُّغَةِ أنْ يُقالَ لِمَن حَمَلَ غَيْرَهُ عَلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ كَرْهًا وجَبْرًا، أنَّهُ هَداهُ إلَيْهِ، وإنَّما يُقالُ: رَدَّهُ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وحَمَلَهُ عَلَيْهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ هَداهُ إلَيْهِ، فَلا. وثانِيها: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَبَطَلَ الأمْرُ والنَّهْيُ والمَدْحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ كَسْبُ العَبْدِ. قُلْنا: هَذا الكَسْبُ مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الحَرَكَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى أوْ لا يَكُونَ بِتَخْلِيقِهِ، فَإنْ كانَ بِتَخْلِيقِهِ، فَمَتى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَحالَ مِنَ العَبْدِ أنْ يَمْتَنِعَ مِنهُ، ومَتى لَمْ يَخْلُقْهُ اسْتَحالَ مِنَ العَبْدِ الإتْيانُ بِهِ، فَحِينَئِذٍ تَتَوَجَّهُ الإشْكالاتُ المَذْكُورَةُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى بَلْ مِنَ العَبْدِ فَهَذا هو القَوْلُ بِالِاعْتِزالِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى وكَسْبًا لِلْعَبْدِ لَمْ يَخْلُ مِن أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، إمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَخْلُقُهُ أوَّلًا ثُمَّ يَكْتَسِبُهُ العَبْدُ، أوْ يَكْتَسِبُهُ العَبْدُ أوَّلًا ثُمَّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ يَقَعُ الأمْرانِ مَعًا، فَإنْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى كانَ العَبْدُ مَجْبُورًا عَلى اكْتِسابِهِ فَيَعُودُ الإلْزامُ، وإنِ اكْتَسَبَهُ العَبْدُ أوَّلًا فاللَّهُ مَجْبُورٌ عَلى خَلْقِهِ، وإنْ وقَعا مَعًا وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الأمْرُ إلّا بَعْدَ اتِّفاقِهِما، لَكِنَّ هَذا الِاتِّفاقَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الِاتِّفاقُ، وأيْضًا فَهَذا الِاتِّفاقُ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا بِاتِّفاقٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ مِن كَسْبِهِ وفِعْلِهِ، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ الِاتِّفاقِ وهو مُحالٌ. هَذا مَجْمُوعُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ. قالَتِ الجَبْرِيَّةُ: إنّا قَدْ دَلَّلْنا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْبَلُ الِاحْتِمالَ والتَّأْوِيلَ عَلى أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأفْعالِ هو اللَّهُ تَعالى، إمّا بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والوُجُوهُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها وُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلِاحْتِمالِ، والقاطِعُ لا يُعارِضُهُ المُحْتَمَلُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْناهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ وُصِفَ المَهْدِيُّونَ بِالكَثْرَةِ، والقِلَّةُ صِفَتُهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ولِحَدِيثِ: ”«النّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً» “ وحَدِيثِ: ”«النّاسُ أُخْبِرْ تَقْلَهُ» “، والجَوابُ: أهْلُ الهُدى كَثِيرٌ في أنْفُسِهِمْ، وحَيْثُ يُوصَفُونَ بِالقِلَّةِ إنَّما يُوصَفُونَ بِها صفحة ١٣٦ بِالقِياسِ إلى أهْلِ الضَّلالِ، وأيْضًا فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المَهْدِيِّينَ كَثِيرٌ في الحَقِيقَةِ وإنْ قَلُّوا في الصُّورَةِ فَسُمُّوا بِالكَثِيرِ ذَهابًا إلى الحَقِيقَةِ. المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: قالَ الفَرّاءُ: الفاسِقُ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ مِن قِشْرِها؛ أيْ خَرَجَتْ، فَكَأنَّ الفاسِقَ هو الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وتُسَمّى الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِها لِأجْلِ المَضَرَّةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ في أنَّهُ هَلْ هو مُؤْمِنٌ أوْ كافِرٌ، فَعِنْدَ أصْحابِنا أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وعِنْدَ الخَوارِجِ أنَّهُ كافِرٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقالَ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وهَذِهِ المَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ.

البقرة 2:27

المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهَذا المِيثاقِ حُجَجُهُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ الدّالَّةُ لَهم عَلى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِيثاقًا وعَهْدًا عَلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ، إذا كانَ يَلْزَمُ بِهَذِهِ الحُجَجِ ما ذَكَرْنا مِنَ التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] . وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ما حَلَفُوا عَلَيْهِ وصَفَهم بِنَقْضِ عَهْدِهِ ومِيثاقِهِ، والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ يُمْكِنُ فِيهِ العُمُومُ في كُلِّ مَن ضَلَّ وكَفَرَ، والثّانِي لا يُمْكِنُ إلّا فِيمَنِ اخْتَصَّ بِهَذا القَسَمِ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ رُجْحانُ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يُمْكِنُ إجْراءُ الآيَةِ عَلى عُمُومِها، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ، الثّانِي: أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأنَّهم نَقَضُوا عَهْدًا أبْرَمَهُ اللَّهُ وأحْكَمَهُ بِما أنْزَلَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي كَرَّرَها عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وأوْضَحَها وأزالَ التَّلْبِيسَ عَنْها، ولِما أوْدَعَ في العُقُولِ مِن دَلائِلِها وبَعَثَ الأنْبِياءَ وأنْزَلَ الكُتُبَ مُؤَكِّدًا لَها، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا شَيْئًا هم بِأنْفُسِهِمُ التَزَمُوهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَرْتِيبَ الذَّمِّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى. وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالآيَةِ قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ والمِيثاقُ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيَّنَ لَهم أمْرَهُ وأمْرَ أُمَّتِهِ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وأعْرَضُوا عَنْهُ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ. ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم، إنَّهُ عَنى بِهِ مِيثاقًا أخَذَهُ مِنَ النّاسِ وهم عَلى صُورَةِ الذَّرِّ وأخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ كَذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذا ساقِطٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْتَجُّ عَلى العِبادِ بِعَهْدٍ ومِيثاقٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ، كَما لا يُؤاخِذُهم بِما ذَهَبَ عِلْمُهُ عَنْ قَلْبِهِمْ بِالسَّهْوِ والنِّسْيانِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعِيبَهم بِذَلِكَ ؟ وخامِسُها: عَهْدُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ ثَلاثَةُ عُهُودٍ، العَهْدُ الأوَّلُ: الَّذِي أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وهو الإقْرارُ صفحة ١٣٧ بِرُبُوبِيَّتِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ النَّبِيِّينَ أنْ يُبَلِّغُوا الرِّسالَةَ ويُقِيمُوا الدِّينَ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ العُلَماءَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في (مِيثاقِهِ) لِلْعَهْدِ وهو ما وثَّقُوا بِهِ عَهْدَ اللَّهِ مِن قَبُولِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَوْثِيقِهِ، كَما أنَّ المِيعادَ والمِيلادَ بِمَعْنى الوَعْدِ والوِلادَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما وثَّقَ بِهِ عَهْدَهُ مِن آياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ فَذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أرادَ بِهِ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ وحُقُوقَ القَراباتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قَطَعُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ القَرابَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ خاصَّةً. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم أنْ يَصِلُوا حَبْلَهم بِحَبْلِ المُؤْمِنِينَ فَهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ واتَّصَلُوا بِالكُفّارِ، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهم نُهُوا عَنِ التَّنازُعِ وإثارَةِ الفِتَنِ وهم كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِذَلِكَ. المَسْألَةُ العِشْرُونَ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فالأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِهِ الفَسادُ الَّذِي يَتَعَدّى دُونَ ما يَقِفُ عَلَيْهِمْ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ الصَّدُّ عَنْ طاعَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّ تَمامَ الصَّلاحِ في الأرْضِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ بِالتِزامِ الشَّرائِعِ يَلْتَزِمُ الإنْسانُ كُلَّ ما لَزِمَهُ، ويَتْرُكُ التَّعَدِّيَ إلى الغَيْرِ، ومِنهُ زَوالُ التَّظالُمِ، وفي زَوالِهِ العَدْلُ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، قالَ تَعالى فِيما حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦]، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ خاسِرٌ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وفي هَذا الخُسْرانِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا نَعِيمَ الجَنَّةِ لِأنَّهُ لا أحَدَ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ أهْلٌ ومَنزِلٌ، فَإنْ أطاعَ اللَّهَ وجَدَهُ، وإنْ عَصاهُ ورِثَهُ المُؤْمِنُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١٠: ١١ ]، وقالَ: ﴿إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الشورى: ٤٥] . وثانِيها: أنَّهم خَسِرُوا حَسَناتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها لِأنَّهم أحْبَطُوها بِكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَصِلْ لَهم مِنها خَيْرٌ ولا ثَوابٌ، والآيَةُ في اليَهُودِ ولَهم أعْمالٌ في شَرِيعَتِهِمْ، وفي المُنافِقِينَ وهم يَعْمَلُونَ في الظّاهِرِ ما يَعْمَلُهُ المُخْلِصُونَ فَحَبِطَ ذَلِكَ كُلُّهُ. وثالِثُها: أنَّهم إنَّما أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ خَوْفًا مِن أنْ تَفُوتَهُمُ اللَّذّاتُ العاجِلَةُ، ثُمَّ إنَّها تَفُوتُهم إمّا عِنْدَما يَصِيرُ الرَّسُولُ ﷺ مَأْذُونًا في الجِهادِ أوْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ. وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وبِالجُمْلَةِ أنَّ الخاسِرَ اسْمٌ عامٌّ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَن عَمِلَ عَمَلًا لا يُجْزى عَلَيْهِ فَيُقالُ لَهُ خاسِرٌ، كالرَّجُلِ الَّذِي إذا تَعَنّى وتَصَرَّفَ في أمْرٍ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنهُ عَلى نَفْعٍ قِيلَ لَهُ: خابَ وخَسِرَ؛ لِأنَّهُ كَمَن أعْطى شَيْئًا ولَمْ يَأْخُذْ بِإزائِهِ ما يَقُومُ مَقامَهُ، فَسَمّى الكُفّارَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَعاصِي اللَّهِ خاسِرِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣]، وقالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ إلى هَذا المَوْضِعِ، فَمِن هَذا المَوْضِعِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، في شَرْحِ النِّعَمِ الَّتِي عَمَّتْ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ وهي أرْبَعَةٌ: أوَّلُها: نِعْمَةُ الإحْياءِ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ فالمُرادُ بِهِ التَّبْكِيتُ والتَّعْنِيفُ؛ لِأنَّ عِظَمَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي عِظَمَ مَعْصِيَةِ المُنْعِمِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ الوالِدَ كُلَّما عَظُمَتْ نِعْمَتُهُ عَلى الوَلَدِ بِأنْ رَبّاهُ وعَلَّمَهُ وخَرَّجَهُ ومَوَّلَهُ وعَرَّضَهُ لِلْأُمُورِ الحِسانِ، كانَتْ مَعْصِيَتُهُ لِأبِيهِ أعْظَمَ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ عِظَمَ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، بِأنْ ذَكَّرَهم نِعَمَهُ العَظِيمَةَ عَلَيْهِمْ لِيَزْجُرَهم بِذَلِكَ عَمّا أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ التَمَسُّكِ بِالكُفْرِ ويَبْعَثَهم عَلى اكْتِسابِ الإيمانِ، فَذَكَرَ تَعالى مِن نِعَمِهِ ما هو الأصْلُ في النِّعَمِ وهو الإحْياءُ، فَهَذا هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ كانَ العَطْفُ الأوَّلُ بِالفاءِ والبَواقِي بِثُمَّ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإحْياءَ الأوَّلَ قَدْ يَعْقُبُهُ المَوْتُ بِغَيْرِ تَراخٍ، وأمّا المَوْتُ فَقَدْ تَراخى عَنِ الإحْياءِ، والإحْياءُ الثّانِي كَذَلِكَ مُتَراخٍ عَنِ المَوْتِ - إنْ أُرِيدَ بِهِ النُّشُورُ - تَراخِيًا ظاهِرًا، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِ العِبادِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ هو الخالِقُ لِلْكُفْرِ فِيهِمْ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مُوَبِّخًا لَهم، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ تَسْوَدُّونَ وتَبْيَضُّونَ وتَصِحُّونَ وتَسْقَمُونَ، لَمّا كانَ ذَلِكَ أجْمَعَ مِن خَلْقِهِ فِيهِمْ. وثانِيها: إذا كانَ خَلَقَهم أوَّلًا لِلشَّقاءِ والنّارِ وما أرادَ بِخَلْقِهِمْ إلّا الكُفْرَ وإرادَةَ الوُقُوعِ في النّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ مُوَبِّخًا لَهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ ؟ وثالِثُها: أنَّهُ كَيْفَ يُعْقَلُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ حالَ ما يَخْلُقُ الكُفْرَ فِيهِمْ، ويَقُولُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ٩٤] حالَ ما مَنَعَهم عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]، ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، وهو يَخْلُقُ فِيهِمُ الإعْراضَ، ويَقُولُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ويَخْلُقُ فِيهِمُ الإفْكَ والصَّرْفَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ بِأنْ يُعَدَّ مِنَ السُّخْرِيَةِ أوْلى مِن أنْ يُذْكَرَ في بابِ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلى العِبادِ. ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ لِلْعَبِيدِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ فَهَلْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ تَوْجِيهًا لِلْحُجَّةِ عَلى العَبْدِ وطَلَبًا لِلْجَوابِ مِنهُ، أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِطَلَبِ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ فَكانَ هَذا الخِطابُ عَبَثًا، وإنْ ذَكَرَهُ لِتَوْجِيهِ الحُجَّةِ عَلى العَبْدِ، فَلِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ: حَصَلَ في حَقِّي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. فالأوَّلُ: أنَّكَ عَلِمْتَ بِالكُفْرِ مِنِّي، والعِلْمُ بِالكُفْرِ يُوجِبُ الكُفْرَ. والثّانِي: أنَّكَ أرَدْتَ الكُفْرَ مِنِّي وهَذِهِ الإرادَةُ مُوجِبَةٌ لَهُ. والثّالِثُ: أنَّكَ خَلَقْتَ الكُفْرَ فِيَّ وأنا لا أقْدِرُ عَلى إزالَةِ فِعْلِكَ. والرّابِعُ: أنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ صفحة ١٣٩ قُدْرَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. والخامِسُ: أنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ إرادَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. والسّادِسُ: أنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ قُدْرَةً مُوجِبَةً لِلْإرادَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأسْبابُ السِّتَّةُ في حُصُولِ الكُفْرِ والإيمانِ يُوقَفُ عَلى حُصُولِ هَذِهِ الأسْبابِ السِّتَّةِ في طَرَفِ الإيمانِ وهي بِأسْرِها كانَتْ مَفْقُودَةً، فَقَدْ حَصَلَ لِعَدَمِ الإيمانِ اثْنا عَشَرَ سَبَبًا كُلُّ واحِدٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِالمَنعِ مِنَ الإيمانِ، ومَعَ قِيامِ هَذِهِ الأسْبابِ الكَثِيرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ؟ وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: قُلْ لَهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، أعْنِي نِعْمَةَ الحَياةِ، وعَلى قَوْلِ أهْلِ الجَبْرِ لا نِعْمَةَ لَهُ تَعالى عَلى الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِالكافِرِ فَإنَّما فَعَلَهُ لِيَسْتَدْرِجَهُ إلى الكُفْرِ ويَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فَأيُّ نِعْمَةٍ تَكُونُ لِلَّهِ عَلى العَبْدِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِمَنزِلَةِ مَن قَدَّمَ إلى غَيْرِهِ صَحْفَةَ فالُوذَجَ مَسْمُومٍ، فَإنَّ ظاهِرَهُ وإنْ كانَ لَذِيذًا ويُعَدُّ نِعْمَةً لَكِنْ لَمّا كانَ باطِنُهُ مُهْلِكًا فَإنَّ أحَدًا لا يَعُدُّهُ نِعْمَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ العَذابَ الدّائِمَ أشَدُّ ضَرَرًا مِن ذَلِكَ السُّمِّ فَلا يَكُونُ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى الكافِرِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِمَن أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ. والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ عِنْدَ البَحْثِ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ والأمْرِ والنَّهْيِ والثَّوابِ والعِقابِ، فَنَحْنُ أيْضًا نُقابِلُها بِالكَلامِ المُعْتَمَدِ في هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ، فَلَوْ وُجِدَ لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَوُقُوعُهُ مُحالٌ مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ وأيْضًا فالقُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ إنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ امْتَنَعَ كَوْنُها مَصْدَرًا لِلْإيمانِ عَلى التَّعْيِينِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ مِنَ العَبْدِ عادَ السُّؤالُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ فَما لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ المُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ امْتَنَعَ حُصُولُ الكُفْرِ، وإذا حَصَلَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ وجَبَ، وعَلى هَذا كَيْفَ لا يُعْقَلُ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلِيَّ إذا طَوَّلَ كَلامَهُ وفَرَّعَ وُجُوهَهُ في المَدْحِ والذَّمِّ فَعَلَيْكَ بِمُقابَلَتِها بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ فَإنَّهُما يَهْدِمانِ جَمِيعَ كَلامِهِ ويُشَوِّشانِ كُلَّ شُبَهاتِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ المُرادُ بِهِ: وكُنْتُمْ تُرابًا ونُطَفًا؛ لِأنَّ ابْتِداءَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ التُّرابِ وخُلِقَ سائِرُ المُكَلَّفِينَ مِن أوْلادِهِ إلّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النُّطَفِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ إطْلاقَ اسْمِ المَيِّتِ عَلى الجَمادِ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ مَجازٌ؛ لِأنَّهُ شَبَّهَ المَواتَ بِالمَيِّتِ ولَيْسَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ بِسَبِيلٍ لِأنَّ المَيِّتَ ما يَحِلُّ بِهِ المَوْتُ ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِصِفَةِ مَن يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيًّا في العادَةِ فَيَكُونُ اللَّحْمِيَّةُ والرُّطُوبَةُ، وقالَ الأوَّلُونَ هو حَقِيقَةٌ فِيهِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: كانُوا أمْواتًا في أصْلابِ آبائِهِمْ فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أخْرَجَهم ثُمَّ أماتَهُمُ المَوْتَةَ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، ثُمَّ أحْياهم بَعْدَ المَوْتِ. فَهُما حَياتانِ ومَوْتَتانِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] والمَوْتُ المُقَدَّمُ عَلى الحَياةِ هو كَوْنُهُ مَواتًا فَدَلَّ عَلى أنَّ إطْلاقَ المَيِّتِ عَلى المَواتِ ثابِتٌ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ والأوَّلُ هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّهُ يُقالُ في الجَمادِ: إنَّهُ مَواتٌ، ولَيْسَ بِمَيِّتٍ، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ أحَدِهِما في الآخَرِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، قالَ القَفّالُ: وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الإنْسانَ كانَ لا شَيْءَ يُذْكَرُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَيًّا وجَعَلَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ومَجازُهُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَيِّتُ الذِّكْرِ. وهَذا أمْرٌ مَيِّتٌ، وهَذِهِ سِلْعَةٌ مَيِّتَةٌ: إذا لَمْ يَكُنْ لَها طالِبٌ ولا ذاكِرٌ، قالَ المُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ: وأحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي وما خامِلًا ولَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِن بَعْضِ صفحة ١٤٠ فَكَذا مَعْنى الآيَةِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ أيْ خامِلِينَ ولا ذِكْرَ لَكم لِأنَّكم لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا ﴿فَأحْياكُمْ﴾ أيْ فَجَعَلَكم خَلْقًا سَمِيعًا بَصِيرًا. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ عَذابِ القَبْرِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يُحْيِيهِمْ مَرَّةً في الدُّنْيا وأُخْرى في الآخِرَةِ ولَمْ يَذْكُرْ حَياةَ القَبْرِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]، ولَمْ يَذْكُرْ حَياةً فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، قالُوا: ولا يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، لِأنَّهُ قَوْلُ الكُفّارِ، ولِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ أثْبَتُوا حَياةَ الذَّرِّ في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ اسْتَخْرَجَهم وقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَصَلَ حَياتانِ ومَوْتَتانِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إثْباتِ حَياةٍ في القَبْرِ، فالجَوابُ: لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا تَكُونَ حاصِلَةً. وأيْضًا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ حَياةَ القَبْرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لَيْسَ هو الحَياةَ الدّائِمَةَ وإلّا لَمّا صَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِأنَّ كَلِمَةَ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّراخِيَ، والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى حاصِلٌ عَقِبَ الحَياةِ الدّائِمَةِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، فَلَوْ جَعَلْنا الآيَةَ مِن هَذا الوَجْهِ دَلِيلًا عَلى حَياةِ القَبْرِ كانَ قَرِيبًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي بِهِ العامَّةَ، وأمّا بَعْضُ النّاسِ فَقَدْ أماتَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ نَحْوَ ما حَكى في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البقرة: ٧٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الكهف: ٢١]، وكَقَوْلِهِ في قِصَّةِ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ بَعْدَما أماتَهم. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَمَسَّكَ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى في مَكانٍ، وهَذا ضَعِيفٌ، والمُرادُ أنَّهم إلى حُكْمِهِ يُرْجَعُونَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ ويَجْمَعُهم في المَحْشَرِ وذَلِكَ هو الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى حَيْثُ لا يَتَوَلّى الحُكْمَ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِمْ: رَجَعَ أمْرُهُ إلى الأمِيرِ، أيْ إلى حَيْثُ لا يَحْكُمُ غَيْرُهُ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أُمُورٍ، الأوَّلُ: أنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَيَبْطُلُ بِهِ قَوْلُ أهْلِ الطَّبائِعِ مِن أنَّ المُؤَثِّرَ في الحَياةِ والمَوْتِ كَذا وكَذا مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والأرْكانِ والمِزاجاتِ، كَما حَكى عَنْ قَوْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . الثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أحْيا هَذِهِ الأشْياءَ بَعْدَ مَوْتِها في المَرَّةِ الأُولى فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ. الثّالِثُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى التَّكْلِيفِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. الرّابِعُ: أنَّها دالَّةٌ عَلى الجَبْرِ والقَدَرِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. الخامِسُ: أنَّها دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا يُتْرَكُ عَلى هَذا المَوْتِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ. أمّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى صفحة ١٤١ أنَّهُ بَعْدَما كانَ نُطْفَةً فَإنَّ اللَّهَ أحْياهُ وصَوَّرَهُ أحْسَنَ صُورَةٍ وجَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا وأكْمَلَ عَقْلَهُ وصَيَّرَهُ بَصِيرًا بِأنْواعِ المَنافِعِ والمَضارِّ ومَلَّكَهُ الأمْوالَ والأوْلادَ والدُّورَ والقُصُورَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُزِيلُ كُلَّ ذَلِكَ عَنْهُ بِأنْ يُمِيتَهُ ويُصَيِّرَهُ بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ ويَبْقى مُدَّةً طَوِيلَةً في اللُّحُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، يُنادى فَلا يُجِيبُ ويُسْتَنْطَقُ فَلا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ لا يَزُورُهُ الأقْرَبُونَ، بَلْ يَنْساهُ الأهْلُ والبَنُونَ. كَما قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ: يَمُرُّ أقارِبِي بِحِذاءِ قَبْرِي كَأنَّ أقارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي وقالَ أيْضًا: إلَهِي كَأنِّي بِنَفْسِي وقَدْ أضْجَعُوها في حُفْرَتِها، وانْصَرَفَ المُشَيِّعُونَ عَنْ تَشْيِيعِها، وبَكى الغَرِيبُ عَلَيْها لِغُرْبَتِها، وناداها مِن شَفِيرِ القَبْرِ ذُو مَوَدَّتِها، ورَحِمَتْها الأعادِي عِنْدَ جَزْعَتِها، ولَمْ يَخْفَ عَلى النّاظِرِينَ عَجْزُ حِيلَتِها، فَما رَجائِي إلّا أنْ تَقُولَ ما تَقُولُ مَلائِكَتِي انْظُرُوا إلى فَرِيدٍ قَدْ نَأى عَنْهُ الأقْرَبُونَ، ووَحِيدٍ قَدْ جَفاهُ المُحِبُّونَ، أصْبَحَ مِنِّي قَرِيبًا وفي اللَّحْدِ غَرِيبًا، وكانَ لِي في الدُّنْيا داعِيًا ومُجِيبًا، ولِإحْسانِي إلَيْهِ عِنْدَ وُصُولِهِ إلى هَذا البَيْتِ راجِيًا، فَأحْسِنْ إلَيَّ هُناكَ يا قَدِيمَ الإحْسانِ، وحَقِّقْ رَجائِيَ فِيكَ يا واسِعَ الغُفْرانِ. وأمّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْمُرُ بِأنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقالَ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، ثُمَّ يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، فَيَقُومُونَ خاشِعِينَ خاضِعِينَ كَما قالَ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] . وقالَ بَعْضُهم: إلَهَنا إذا قُمْنا مِن ثَرى الأجْداثِ مُغْبَرَّةٌ رُؤُوسُنا، ومِن شِدَّةِ الخَوْفِ شاحِبَةٌ وُجُوهُنا، ومِن هَوْلِ القِيامَةِ مُطْرِقَةٌ رُؤُوسُنا، وجائِعَةٌ لِطُولِ القِيامَةِ بُطُونُنا، وبادِيَةٌ لِأهْلِ المَوْقِفِ سَوْآتُنا، ومُوقَرَةٌ مِن ثِقَلِ الأوْزارِ ظُهُورُنا، وبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ في أُمُورِنا نادِمِينَ عَلى ذُنُوبِنا، فَلا تُضْعِفِ المَصائِبَ بِإعْراضِكَ عَنّا، ووَسِّعْ رَحْمَتَكَ وغُفْرانَكَ لَنا، يا عَظِيمَ الرَّحْمَةِ يا واسِعَ المَغْفِرَةِ.

البقرة 2:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عَمَّتِ المُكَلَّفِينَ بِأسْرِهِمْ وما أحْسَنَ ما رَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا التَّرْتِيبَ؛ فَإنَّ الِانْتِفاعَ بِالأرْضِ والسَّماءِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الحَياةِ، فَلِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ أمْرَ الحَياةِ أوَّلًا ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُورَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ﴾ لِأجْلِ انْتِفاعِنا في الدِّينِ والدُّنْيا، أمّا في الدُّنْيا فَلِيُصْلِحَ أبْدانَنا ولِنَتَقَوّى بِهِ عَلى الطّاعاتِ، وأمّا في الدِّينِ فَلِلِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ والِاعْتِبارِ بِها، وجَمَعَ بِقَوْلِهِ: صفحة ١٤٢ ﴿ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ جَمِيعَ المَنافِعِ، فَمِنها ما يَتَّصِلُ بِالحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ والجِبالِ، ومِنها ما يَتَّصِلُ بِضُرُوبِ الحِرَفِ والأُمُورِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُقَلاءُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما خَلَقَها كَيْ يُنْتَفَعَ بِها، كَما قالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم، وكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وقَدْ خَلَقَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا، أوْ يُقالُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإعادَةِ وقَدْ أحْياكم بَعْدَ مَوْتِكم، ولِأنَّهُ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا، فَكَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ إعادَتِكم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَفاصِيلَ هَذِهِ المَنافِعِ في سُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ كَما قالَ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥]، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]، إلى آخِرِهِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَفْعَلُ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَكْمَلًا بِذَلِكَ الغَرَضِ، والمُسْتَكْمَلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنْ قِيلَ: فِعْلُهُ تَعالى مُعَلَّلٌ بِغَرَضٍ غَيْرِ عائِدٍ إلَيْهِ بَلْ إلى غَيْرِهِ، قُلْنا: عَوْدُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ، هَلْ هو أوْلى لِلَّهِ تَعالى مِن عَوْدِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلَيْهِ أوْ لَيْسَ أوْلى ؟ فَإنْ كانَ أوْلى فَهو تَعالى قَدِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ الفِعْلِ فَيَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ المَذْكُورِ لِذَلِكَ الغَيْرِ غَرَضًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ. وثانِيها: أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِواسِطَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ، والعَجْزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ إنْ كانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا كانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الغَرَضِ لِغَرَضٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ هو رِعايَةُ مَصْلَحَةِ المُكَلَّفِينَ، ولَوْ تَوَقَّفَتْ فاعِلِيَّتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما فَعَلَ ما كانَ مَفْسَدَةً في حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ كَلَّفَ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ. ثُمَّ إنَّهم تَكَلَّمُوا في اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأجْلِ الغَرَضِ، لا جَرَمَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَفْظَ الغَرَضِ بِسَبَبِ هَذِهِ المُشابَهَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الإباحَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُلَّ لِلْكُلِّ فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ اخْتِصاصٌ بِشَيْءٍ أصْلًا، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قابَلَ الكُلَّ بِالكُلِّ، فَيَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، والتَّعْيِينُ يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، والفُقَهاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ أكْلِ الطِّينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ لَنا ما في الأرْضِ دُونَ نَفْسِ الأرْضِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ في جُمْلَةِ الأرْضِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ في الأرْضِ، فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْمَوْضِعَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ المَعادِنَ داخِلَةٌ في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ عُرُوقُ الأرْضِ وما يَجْرِي مَجْرى بَعْضٍ لَها، ولِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لا تَصِحُّ الحاجَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإلّا لَكانَ قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لِنَفْسِهِ أيْضًا لا لِغَيْرِهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِواءُ في كَلامِ العَرَبِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْتِصابِ وضِدُّهُ الِاعْوِجاجُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فاللَّهُ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ، ولِأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ: صفحة ١٤٣ ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِواءِ العُلُوَّ بِالمَكانِ لَكانَ ذَلِكَ العُلُوُّ حاصِلًا أوَّلًا، ولَوْ كانَ حاصِلًا أوَّلًا لَما كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ ما في الأرْضِ. لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا وجَبَ التَّأْوِيلُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الِاسْتِواءَ هو الِاسْتِقامَةُ، يُقالُ: اسْتَوى العُودُ: إذا قامَ واعْتَدَلَ، ثُمَّ قِيلَ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، أيْ خَلَقَ بَعْدَ الأرْضِ السَّماءَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما زَمانًا ولَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِ الأرْضَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩، ١٠]، بِمَعْنى تَقْدِيرِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وتَقْدِيرِ الأقْواتِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: مِنَ الكُوفَةِ إلى المَدِينَةِ عِشْرُونَ يَوْمًا، وإلى مَكَّةَ ثَلاثُونَ يَوْمًا، يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ هو هَذا القَدْرُ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةُ أيّامٍ عَلى ما قالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، وقالَ في سُورَةِ النّازِعاتِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [ النّازِعاتِ: ٢٧: ٣٠ ]، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضَ بَعْدَ السَّماءِ، وذَكَرَ العُلَماءُ في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا: أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ إلّا أنَّهُ ما دَحاها حَتّى خَلَقَ السَّماءَ؛ لِأنَّ التَّدْحِيَةَ هي البَسْطُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ مُشْكِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ فامْتَنَعَ انْفِكاكُ خَلْقِها عَنِ التَّدْحِيَةِ، وإذا كانَتِ التَّدْحِيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ خَلْقِ السَّماءِ كانَ خَلْقُها أيْضًا لا مَحالَةَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ السَّماءِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ كُلِّ ما فِيها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، لَكِنَّ خَلْقَ الأشْياءِ في الأرْضِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَتْ مَدْحُوَّةً، فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقَدُّمَ كَوْنِها مَدْحُوَّةً قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّناقُضُ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ خَلْقِ السَّماءِ عَلى الأرْضِ ولا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ تَسْوِيَةُ السَّماءِ مُقَدَّمَةً عَلى خَلْقِ الأرْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ التَّناقُضُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَلْقُ السَّماءِ وتَسْوِيَتُها مُقَدَّمًا عَلى تَدْحِيَةِ الأرْضِ، ولَكِنَّ تَدْحِيَةَ الأرْضِ مُلازِمَةٌ لِخَلْقِ ذاتِ الأرْضِ، فَإنَّ ذاتَ السَّماءِ وتَسْوِيَتَها مُتَقَدِّمَةٌ عَلى ذاتِ الأرْضِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ. وثالِثُها: وهو الجَوابُ الصَّحِيحُ أنَّ قَوْلَهُ: ”ثُمَّ“ لَيْسَ لِلتَّرْتِيبِ هَهُنا وإنَّما هو عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، مِثالُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ ثُمَّ رَفَعْتُ قَدْرَكَ ثُمَّ دَفَعْتُ الخُصُومَ عَنْكَ، ولَعَلَّ بَعْضَ ما أخَّرَهُ في الذِّكْرِ قَدْ تَقَدَّمَ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الضَّمِيرُ في ”فَسَوّاهُنَّ“ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ، وسَبْعُ سَماواتٍ تَفْسِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ: رَبَّهُ رَجُلًا، وفائِدَتُهُ أنَّ المُبْهَمَ إذا تَبَيَّنَ كانَ أفْخَمَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُبَيَّنَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ إذا أُبْهِمَ تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وفي البَيانِ صفحة ١٤٤ بَعْدَ ذَلِكَ شِفاءٌ لَها بَعْدَ التَّشَوُّفِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى السَّماءِ، والسَّماءُ في مَعْنى الجِنْسِ، وقِيلَ: جَمْعُ سِماءَةٍ، والوَجْهُ العَرَبِيُّ هو الأوَّلُ، ومَعْنى تَسْوِيَتِهِنَّ تَعْدِيلُ خَلْقِهِنَّ وإخْلاؤُهُ مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ وإتْمامُ خَلْقِهِنَّ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ هَهُنا قَدْ دَلَّ عَلى وُجُودِ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ أصْحابُ الهَيْئَةِ أقْرَبُها إلَيْنا كُرَةُ القَمَرِ، وفَوْقَها كُرَةُ عُطارِدَ، ثُمَّ كُرَةُ الزُّهْرَةِ، ثُمَّ كُرَةُ الشَّمْسِ، ثُمَّ كُرَةُ المِرِّيخِ، ثُمَّ كُرَةُ المُشْتَرِي، ثُمَّ كُرَةُ زُحَلَ، قالُوا: ولا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ هَذا التَّرْتِيبِ إلّا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: السِّتْرُ، وذَلِكَ أنَّ الكَوْكَبَ الأسْفَلَ إذا مَرَّ بَيْنَ أبْصارِنا وبَيْنَ الكَوْكَبَ الأعْلى فَإنَّهُما يَصِيرانِ كَكَوْكَبٍ واحِدٍ، ويَتَمَيَّزُ السّاتِرُ عَنِ المَسْتُورِ بِكَوْنِهِ الغالِبَ كَحُمْرَةِ المِرِّيخِ وصُفْرَةِ عُطارِدَ، وبَياضِ الزُّهْرَةِ، وزُرْقَةِ المُشْتَرِي، وكُدُورَةِ زُحَلَ، كَما أنَّ القُدَماءَ وجَدُوا القَمَرَ يَكْسِفُ الكَواكِبَ السِّتَّةَ. وكَوْكَبَ عُطارِدَ يَكْسِفُ الزُّهْرَةَ، والزُّهْرَةَ تَكْسِفُ المِرِّيخَ، وهَذا التَّرْتِيبُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ القَمَرِ لِانْكِسافِها بِهِ ولَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها تَحْتَ سائِرِ الكَواكِبِ أوْ فَوْقَها لِأنَّها لا تَنْكَسِفُ بِشَيْءٍ مِنها لِاضْمِحْلالٍ سائِرِ الكَواكِبِ عِنْدَ طُلُوعِها، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرُوا طَرِيقَيْنِ: أحَدُهُما: ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ رَأى الزُّهْرَةَ كَشامَةٍ في صَحِيفَةِ الشَّمْسِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ في وجْهِ الشَّمْسِ شامَةً كَما أنَّهُ حَصَلَ في وجْهِ القَمَرِ المَحْوُ. الثّانِي: اخْتِلافُ المَنظَرِ، فَإنَّهُ مَحْسُوسٌ لِلْقَمَرِ وعُطارِدَ والزُّهْرَةِ وغَيْرُ مَحْسُوسٍ لِلْمِرِّيخِ والمُشْتَرِي وزُحَلَ، وأمّا في حَقِّ الشَّمْسِ فَإنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّمْسُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ القِسْمَيْنِ. هَذا ما قالَهُ الأكْثَرُونَ، إلّا أنَّ أبا الرَّيْحانِ قالَ في تَلْخِيصِهِ لِفُصُولِ الفَرْغانِيِّ: إنَّ اخْتِلافَ المَنظَرِ لا يُحَسُّ إلّا في القَمَرِ، فَبَطَلَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ وبَقِيَ مَوْضِعُ الشَّمْسِ مَشْكُوكًا. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ وأرْبابَ الهَيْئَةِ زَعَمُوا أنَّ الأفْلاكَ تِسْعَةٌ، فالسَّبْعَةُ هي هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْناها، والفَلَكُ الثّامِنُ هو الَّذِي حَصَلَتْ هَذِهِ الكَواكِبُ الثّابِتَةُ فِيهِ، وأمّا الفَلَكُ التّاسِعُ فَهو الفَلَكُ الأعْظَمُ وهو يَتَحَرَّكُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً واحِدَةً بِالتَّقْرِيبِ، واحْتَجُّوا عَلى إثْباتِ الفَلَكِ الثّامِنِ بِأنّا وجَدْنا لِهَذِهِ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ حَرَكاتٍ بَطِيئَةً وثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ فَلَكِها والأفْلاكُ الحامِلَةُ لِهَذِهِ السَّيّاراتِ تَتَحَرَّكُ حَرَكاتٍ سَرِيعَةً فَلا بُدَّ مِن جِسْمٍ آخَرَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً بَطِيئَةً ويَكُونُ هو الحامِلَ لِهَذِهِ الثَّوابِتِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ ضَعِيفَةٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في جِسْمٍ آخَرَ ؟ وهَذا الِاحْتِمالُ لا يَفْسُدُ إلّا بِإفْسادِ المُخْتارِ، ودُونَهُ خَرْطُ القَتادِ. وثانِيها: سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في مُمَثِّلاتِ السَّيّاراتِ والسَّيّاراتِ مَرْكُوزَةٌ في حَوامِلِها، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يُحْتاجُ إلى إثْباتِ الفَلَكِ الثّامِنِ. وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفَلَكُ تَحْتَ فَلَكِ القَمَرِ فَيَكُونُ تَحْتَ كُراتِ السَّيّاراتِ لا فَوْقَها، فَإنْ قِيلَ: إنّا نَرى هَذِهِ السَّيّاراتِ تَكْسِفُ هَذِهِ الثَّوابِتَ والكاسِفُ تَحْتَ المَكْسُوفِ لا مَحالَةَ. قُلْنا: هَذِهِ السَّيّاراتُ إنَّما تَكْسِفُ الثَّوابِتَ القَرِيبَةَ مِنَ المِنطَقَةِ فَأمّا الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ القُطْبَيْنِ فَلا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ المِنطَقَةِ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ الَّذِي هو فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ، وهَذِهِ الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ القُطْبَيْنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ انْكِسافُها بِالسَّيّاراتِ مَرْكُوزَةٌ في كُرَةٍ أُخْرى تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ ؟ وهَذا الِاحْتِمالُ لا دافِعَ لَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّكم أثْبَتُّمْ هَذِهِ الأفْلاكَ التِّسْعَةَ فَما الَّذِي دَلَّكم عَلى نَفْيِ الفَلَكِ العاشِرِ، أقْصى ما في البابِ أنَّ الرَّصْدَ ما دَلَّ صفحة ١٤٥ إلّا عَلى هَذا القَدْرِ إلّا أنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنهم: إنَّهُ ما تَبَيَّنَ لِي إلى الآنِ أنَّ كُرَةَ الثَّوابِتِ كُرَةٌ واحِدَةٌ أوْ كُراتٌ مُنْطَوٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وأقُولُ: هَذا الِاحْتِمالُ واقِعٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وحْدَةِ كُرَةِ الثَّوابِتِ لَيْسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ حَرَكاتِها مُتَشابِهَةٌ ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ، وكِلْتا المُقَدِّمَتَيْنِ غَيْرُ يَقِينِيَّتَيْنِ. أمّا الأُولى: فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في الحِسِّ واحِدَةً ولَكِنْ لَعَلَّها لا تَكُونُ في الحَقِيقَةِ واحِدَةً؛ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ واحِدًا مِنها يُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ. والآخَرُ يُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في مِثْلِ هَذِهِ المُدَّةِ بِنُقْصانِ سَنَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا وزَّعَنا ذَلِكَ النُّقْصانَ عَلى هَذِهِ السِّنِينَ كانَ الَّذِي هو حِصَّةُ السَّنَةِ الواحِدَةِ ثَلاثَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن ألْفٍ ومِائَتَيْ جُزْءٍ مِن واحِدٍ، وهَذا القَدْرُ مِمّا لا يُحَسُّ بِهِ بَلِ العَشْرُ سِنِينَ والمِائَةُ والألْفُ مِمّا لا يُحَسُّ بِهِ البَتَّةَ. وإذا كانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا سَقَطَ القَطْعُ البَتَّةَ عَنِ اسْتِواءِ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّ اسْتِواءَ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ في مَقادِيرِ حَرَكاتِها لا يُوجِبُ كَوْنَها بِأسْرِها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ لِاحْتِمالِ كَوْنِها مَرْكُوزَةً في كُراتٍ مُتَبايِنَةٍ، وإنْ كانَتْ مُشْتَرِكَةً في مَقادِيرِ حَرَكاتِها، وهَذا كَما يَقُولُونَ في مُمَثِّلاتِ أكْثَرِ الكَواكِبِ، فَإنَّها في حَرَكاتِها مُساوِيَةٌ لِفَلَكِ الثَّوابِتِ، فَكَذا هَهُنا. وأقُولُ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ، فَلَعَلَّ الجِرْمَ المُتَحَرِّكَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ لَيْسَ جِرْمًا واحِدًا بَلْ أجْرامًا كَثِيرَةً، إمّا مُخْتَلِفَةَ الحَرَكاتِ لَكِنْ بِتَفاوُتٍ قَلِيلٍ لا تَفِي بِإدْراكِها أعْمارُنا وأرْصادُنا، وإمّا مُتَساوِيَةً عَلى الإطْلاقِ ولَكِنَّ تَساوِيَها لا يُوجِبُ وِحْدَتَها. ومِن أصْحابِ الهَيْئَةِ مَن قَطَعَ بِإثْباتِ أفْلاكٍ أُخَرَ غَيْرِ هَذِهِ التِّسْعَةِ فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوابِتِ وتَحْتَ الفَلَكِ الأعْظَمِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرّاصِدِينَ لِلْمَيْلِ الأعْظَمِ وجَدُوهُ مُخْتَلِفَ المِقْدارِ فَكُلُّ مَن كانَ رَصْدُهُ أقْدَمَ وجَدَ مِقْدارَ المَيْلِ أعْظَمَ، فَإنَّ بَطْلَيْمُوسَ وجَدَهُ ”لَحَّ يا“ ثُمَّ وُجِدَ في زَمانِ المَأْمُونِ ”كَحَّ لَهُ“ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ المَأْمُونِ قَدْ تَناقَصَ بِدَقِيقَةٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مِن شَأْنِ المَنطِقَتَيْنِ أنْ يَقِلَّ مَيْلُهُما تارَةً ويَكْثُرَ أُخْرى، وهَذا إنَّما يُمْكِنُ إذا كانَ بَيْنَ كُرَةِ الكُلِّ وكُرَةِ الثَّوابِتِ كُرَةٌ أُخْرى يَدُورُ قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيِ كُرَةِ الكُلِّ وتَكُونُ كُرَةُ الثَّوابِتِ يَدُورُ قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيِ تِلْكَ الكُرَةِ، فَيَعْرِضُ لِقُطْبِها تارَةً أنْ يَصِيرَ إلى جانِبِ الشَّمالِ مُنْخَفِضًا وتارَةً إلى جانِبِ الجَنُوبِ مُرْتَفِعًا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَنْطَبِقَ مُعَدَّلُ النَّهارِ عَلى مَنطِقَةِ البُرُوجِ، وأنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ تارَةً أُخْرى إلى الجَنُوبِ عِنْدَما يَرْتَفِعُ قُطْبُ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الجَنُوبِ، وتارَةً إلى الشَّمالِ. كَما هو الآنَ. الثّانِي: أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا في مِقْدارِ سَيْرِ الشَّمْسِ عَلى ما هو مَشْرُوحٌ في ”كُتُبِ النُّجُومِ“ حَتّى إنَّ بَطْلَيْمُوسَ حَكى عَنْ أبْرَخِيسَ أنَّهُ كانَ شاكًّا في أنَّ هَذِهِ العَوْدَةَ تَكُونُ في أزْمِنَةٍ مُتَساوِيَةٍ أوْ مُخْتَلِفَةٍ، وأنَّهُ يَقُولُ في بَعْضِ أقاوِيلِهِ: إنَّها مُخْتَلِفَةٌ، وفي بَعْضِها: إنَّها مُتَساوِيَةٌ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في سَبَبِ اخْتِلافِهِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُ مَن يَجْعَلُ أوْجَ الشَّمْسِ مُتَحَرِّكًا، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي يَلْحَقُ حَرَكَةَ الشَّمْسِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ يَخْتَلِفُ عِنْدَ نُقْطَةِ الِاعْتِدالِ لِاخْتِلافِ بُعْدِها عَنِ الأوْجِ، فَيَخْتَلِفُ زَمانُ سَيْرِ الشَّمْسِ مِن أجْلِهِ. الثّانِي: قَوْلُ أهْلِ الهِنْدِ والصِّينِ وبابِلَ وأكْثَرِ قُدَماءِ الرُّومِ ومِصْرَ والشّامِ: إنَّ السَّبَبَ فِيهِ انْتِقالُ فَلَكِ صفحة ١٤٦ البُرُوجِ وارْتِفاعُ قُطْبِهِ وانْحِطاطُهُ، وحُكِيَ عَنْ أبْرَخِيسَ أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ هَذا الرَّأْيَ وذَكَرَ بارِياءُ الإسْكَنْدَرانِيُّ أنَّ أصْحابَ الطَّلْسَماتِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وأنَّ نُقْطَةَ فَلَكِ البُرُوجِ تَتَقَدَّمُ عَنْ مَوْضِعِها وتَتَأخَّرُ ثَمانِ دَرَجاتٍ، وقالُوا: إنَّ ابْتِداءَ الحَرَكَةِ مِن ”كَبَّ“ دَرَجَةً مِنَ الحُوتِ إلى أوَّلِ الحَمَلِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الخَبْطَ مِمّا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعُقُولِ البَشَرِيَّةِ إلى إدْراكِ هَذِهِ الأشْياءِ وأنَّهُ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُ فاطِرِها وخالِقِها، فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ فِيهِ عَلى الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَدُلُّ التَّنْصِيصُ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ عَلى نَفْيِ العَدَدِ الزّائِدِ ؟ قُلْنا: الحَقُّ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْأرْضِ وما فِيها ولِلسَّماواتِ وما فِيها مِنَ العَجائِبِ والغَرائِبِ، إلّا إذا كانَ عالِمًا بِها مُحِيطًا بِجُزْئِيّاتِها وكُلِّيّاتِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ: أحَدُها: فَسادُ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، وصِحَّةُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ اسْتَدَلُّوا عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ بِأنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ لِهَذِهِ الأجْسامِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ وكُلُّ فاعِلٍ عَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِما فَعَلَهُ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ بِعَيْنِها ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ كَوْنَهُ عالِمًا، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَ المُتَكَلِّمِينَ في هَذا المَذْهَبِ وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ مُطابِقٌ لِلْقُرْآنِ. وثانِيها: فَسادُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ الخالِقَ لِلشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ والتَّحْدِيدِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ وبِتَفاصِيلِهِ لِأنَّ خالِقَهُ قَدْ خَصَّهُ بِقَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ، والتَّخْصِيصُ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِإرادَةٍ وإلّا فَقَدْ حَصَلَ الرُّجْحانُ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ والإرادَةُ مَشْرُوطَةٌ بِالعِلْمِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. فَلَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِها وبِتَفاصِيلِها في العَدَدِ والكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَلَمّا لَمْ يَحْصُلْ هَذا العِلْمُ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُوجِدٍ نَفْسَهُ. وثالِثُها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ظَهَرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ، والجَوابُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ عامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.