Lafzullah

Tafsir Al-Razi — البقرة 2:30 – البقرة 2:47

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. البقرة 2:30
  2. البقرة 2:31
  3. البقرة 2:32
  4. البقرة 2:33
  5. البقرة 2:34
  6. البقرة 2:35
  7. البقرة 2:36
  8. البقرة 2:37
  9. البقرة 2:38
  10. البقرة 2:39
  11. البقرة 2:40
  12. البقرة 2:41
  13. البقرة 2:42
  14. البقرة 2:43
  15. البقرة 2:44
  16. البقرة 2:45
  17. البقرة 2:46
  18. البقرة 2:47

البقرة 2:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى كَيْفِيَّةِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا عامًّا عَلى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَيَكُونُ هَذا هو النِّعْمَةَ الثّالِثَةَ مِن تِلْكَ النِّعَمِ العامَّةِ الَّتِي أوْرَدَها في هَذا المَوْضِعِ ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٧ المَسْألَةُ الأُولى: في إذْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ إلّا أنَّ العَرَبَ يَعْتادُونَ التَّكَلُّمَ بِها، والقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ. الثّانِي: وهو الحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما لا مَعْنى لَهُ، وهو نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والمَعْنى: اذْكُرْ لَهم قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ فَأضْمَرَ هَذا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَشَفَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ [الأحْقافِ: ٢١] وقالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧]، ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٣، ١٤] والقُرْآنُ كُلُّهُ كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَواضِعُ المُصَرِّحَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلا جَرَمَ تُرِكَ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ المُصَرَّحِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ”إذْ“ بِقالُوا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَلَكُ أصْلُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألَكَنِي إلَيْهِ أيْ أرْسَلَنِي إلَيْهِ، والمَأْلُكَةُ والألُوكَةُ الرِّسالَةُ، وأصْلُهُ الهَمْزَةُ مِن ”مَلْأكَةٍ“ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى ما قَبْلَها طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: المَلائِكُ جَمْعُ مَلْأكٍ عَلى الأصْلِ كالشِّمالِ في جَمْعِ شَمْألٍ وإلْحاقُ التّاءِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في المَلائِكَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكَلامِ في الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ . الثّانِي: أنَّ المَلَكَ واسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الرَّسُولِ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ والشَّرِيعَةِ فَكانَ مُقَدَّمًا عَلى الرَّسُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في النُّبُوّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الكَلامِ في المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ المَلائِكَةِ بِالعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، فَكانَ الكَلامُ في النُّبُوّاتِ أصْلًا لِلْكَلامِ في المَلائِكَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُ الكَلامِ في النُّبُوّاتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المَلَكُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِالشَّرَفِ والعِلْيَةِ، وبَعْدَهُ في عُقُولِنا وأذْهانِنا بِحَسَبِ وُصُولِنا إلَيْها بِأفْكارِنا. واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ العُقَلاءِ في أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ العُلْوِيِّ هو وُجُودُ المَلائِكَةِ فِيهِ، كَما أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ هو وُجُودُ الإنْسانِ فِيهِ إلّا أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في ماهِيَّةِ المَلائِكَةِ وحَقِيقَتِهِمْ. وطَرِيقُ ضَبْطِ المَذاهِبِ أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ ذَواتًا قائِمَةً بِأنْفُسِها، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّواتِ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَحَيِّزَةً أوْ لا تَكُونَ، أمّا الأوَّلُ: وهو أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ ذَواتًا مُتَحَيِّزَةً فَهُنا أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ هَوائِيَّةٌ تَقْدِرُ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ مَسْكَنُها السَّماواتُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُسْلِمِينَ. وثانِيًا: قَوْلُ طَوائِفَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ وهو أنَّ المَلائِكَةَ هي الحَقِيقَةُ في هَذِهِ الكَواكِبِ المَوْصُوفَةِ بِالإسْعادِ والإنْحاسِ، فَإنَّها بِزَعْمِهِمْ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، وأنَّ المُسْعِداتِ مِنها مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والمُنْحِساتِ مِنها مَلائِكَةُ العَذابِ. وثالِثُها: قَوْلُ مُعْظَمِ المَجُوسِ والثَّنَوِيَّةِ وهو أنَّ هَذا العالَمَ مُرَكَّبٌ مِن أصْلَيْنِ أزَلِيَّيْنِ وهُما النُّورُ والظُّلْمَةُ، وهُما في الحَقِيقَةِ جَوْهَرانِ شَفّافانِ مُخْتارانِ قادِرانِ مُتَضادّا النَّفْسِ والصُّورَةِ مُخْتَلِفا الفِعْلِ والتَّدْبِيرِ، فَجَوْهَرُ النُّورِ فاضِلٌ خَيِّرٌ نَقِيٌّ طَيِّبُ الرِّيحِ كَرِيمُ النَّفْسِ يَسُرُّ ولا يَضُرُّ، ويَنْفَعُ ولا يَمْنَعُ، ويُحْيِي ولا يُبْلِي، وجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ جَوْهَرَ النُّورِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الأوْلِياءَ وهُمُ المَلائِكَةُ لا عَلى سَبِيلِ التَّناكُحِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ تَوَلُّدِ الحِكْمَةِ مِنَ الحَكِيمِ والضَّوْءِ مِنَ المُضِيءِ، وجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الأعْداءَ وهُمُ الشَّياطِينُ عَلى سَبِيلِ تَوَلُّدِ السَّفَهِ مِنَ السَّفِيهِ، لا عَلى سَبِيلِ التَّناكُحِ، فَهَذِهِ أقْوالُ مَن جَعَلَ المَلائِكَةَ صفحة ١٤٨ أشْياءَ مُتَحَيِّزَةً جُسْمانِيَّةً. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها ولَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ ولا بِأجْسامٍ فَهَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُ طَوائِفَ مِنَ النَّصارى وهو أنَّ المَلائِكَةَ في الحَقِيقَةِ هي الأنْفُسُ النّاطِقَةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها عَلى نَعْتِ الصَّفاءِ والخَيْرِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إنْ كانَتْ صافِيَةً خالِصَةً فَهي المَلائِكَةُ، وإنْ كانَتْ خَبِيثَةً كَدِرَةً فَهي الشَّياطِينُ. وثانِيهِما: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ: وهي أنَّها جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها ولَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ البَتَّةَ، وأنَّها بِالماهِيَّةِ مُخالِفَةٌ لِأنْواعِ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأنَّها أكْمَلُ قُوَّةً مِنها وأكْثَرُ عِلْمًا مِنها، وأنَّها لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ جارِيَةٌ مَجْرى الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأضْواءِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجَواهِرَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما هي بِالنِّسْبَةِ إلى أجْرامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ كَنُفُوسِنا النّاطِقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أبْدانِنا، ومِنها ما هي لا عَلى شَيْءٍ مِن تَدْبِيرِ الأفْلاكِ بَلْ هي مُسْتَغْرِقَةٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ومُشْتَغِلَةٌ بِطاعَتِهِ، وهَذا القِسْمُ هُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، ونِسْبَتُهم إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ السَّماواتِ كَنِسْبَةِ أُولَئِكَ المُدَبِّرِينَ إلى نُفُوسِنا النّاطِقَةِ. فَهَذانَ القِسْمانِ قَدِ اتَّفَقَتِ الفَلاسِفَةُ عَلى إثْباتِهِما، ومِنهم مَن أثْبَتَ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وهي المَلائِكَةُ الأرْضِيَّةُ المُدَبِّرَةُ لِأحْوالِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ إنَّ المُدَبِّراتِ لِهَذا العالَمِ إنْ كانَتْ خَيِّرَةً فَهُمُ المَلائِكَةُ، وإنْ كانَتْ شِرِّيرَةً فَهُمُ الشَّياطِينُ، فَهَذا تَفْصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ في المَلائِكَةِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الحُكْمُ بِوُجُودِها مِن حَيْثُ العَقْلُ أوْ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِالسَّمْعِ ؟ أمّا الفَلاسِفَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ في العَقْلِ دَلائِلَ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ المَلائِكَةِ، ولَنا مَعَهم في تِلْكَ الدَّلائِلِ أبْحاثٌ دَقِيقَةٌ عَمِيقَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في ذَلِكَ وُجُوهًا عَقْلِيَّةً إقْناعِيَّةً ولْنُشِرْ إلَيْها. أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ المَلَكِ الحَيِّ النّاطِقِ الَّذِي لا يَكُونُ مَيِّتًا، فَنَقُولُ: القِسْمَةُ العَقْلِيَّةُ تَقْتَضِي وُجُودَ أقْسامٍ ثَلاثَةٍ، فَإنَّ الحَيَّ إمّا أنْ يَكُونَ ناطِقًا ومَيِّتًا مَعًا وهو الإنْسانُ، أوْ يَكُونَ مَيِّتًا ولا يَكُونَ ناطِقًا وهو البَهائِمُ، أوْ يَكُونَ ناطِقًا ولا يَكُونَ مَيِّتًا وهو المَلَكُ، ولا شَكَّ أنَّ أخَسَّ المَراتِبِ هو المَيِّتُ غَيْرُ النّاطِقِ، وأوْسَطُها النّاطِقُ المَيِّتُ، وأشْرَفُها النّاطِقُ الَّذِي لَيْسَ بِمَيِّتٍ، فَإذا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ إيجادَ أخَسِّ المَراتِبِ وأوْسَطِها، فَلِأنْ تَقْتَضِيَ إيجادَ أشْرَفِ المَراتِبِ وأعْلاها كانَ ذَلِكَ أوْلى. وثانِيها: أنَّ الفِطْرَةَ تَشْهَدُ بِأنَّ عالَمَ السَّماواتِ أشْرَفُ مِن هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَشْهَدُ بِأنَّ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ أشْرَفُ مِن أضْدادِها ومُقابِلَتِها، فَيَبْعُدُ في العَقْلِ أنْ تَحْصُلَ الحَياةُ، والعَقْلُ والنُّطْقُ في هَذا العالَمِ الكَدِرِ الظُّلُمانِيِّ، ولا تَحْصُلُ البَتَّةَ في ذَلِكَ العالَمِ الَّذِي هو عالَمُ الضَّوْءِ والنُّورِ والشَّرَفِ. وثالِثُها: أنَّ أصْحابَ المُجاهَداتِ أثْبَتُوها مِن جِهَةِ المُشاهَدَةِ والمُكاشَفَةِ، وأصْحابَ الحاجاتِ والضَّرُوراتِ أثْبَتُوها مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي ما يُشاهَدُ مِن عَجائِبِ آثارِها في الهِدايَةِ إلى المُعالَجاتِ النّادِرَةِ الغَرِيبَةِ، وتَرْكِيبِ المَعْجُوناتِ واسْتِخْراجِ صَنْعَةِ التِّرْياقاتِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حالُ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ إقْناعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَها ولَمْ يُمارِسْها، وقَطْعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن جَرَّبَها وشاهَدَها واطَّلَعَ عَلى أسْرارِها، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَلا نِزاعَ البَتَّةَ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في إثْباتِ المَلائِكَةِ، بَلْ ذَلِكَ كالأمْرِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ بَيْنَهم، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ كَثْرَتِهِمْ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها صفحة ١٤٩ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ» “ ورُوِيَ أنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الجِنِّ، والجِنُّ وبَنُو آدَمَ عُشْرُ حَيَواناتِ البَرِّ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ الطُّيُورِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ حَيَواناتِ البَحْرِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ الأرْضِ المُوَكَّلِينَ بِها، وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ سَماءِ الدُّنْيا، وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ إلى مَلائِكَةِ السَّماءِ السّابِعَةِ، ثُمَّ الكُلُّ في مُقابَلَةِ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السُّرادِقِ الواحِدِ مِن سُرادِقاتِ العَرْشِ الَّتِي عَدَدُها سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، طُولُ كُلِّ سُرادِقٍ وعَرْضُهُ وسُمْكُهُ إذا قُوبِلَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرَضُونَ وما فِيها وما بَيْنَها، فَإنَّها كُلَّها تَكُونُ شَيْئًا يَسِيرًا، وقَدْرًا صَغِيرًا، وما مِن مِقْدارِ مَوْضِعِ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أوْ قائِمٌ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ العَرْشِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ثُمَّ مَعَ هَؤُلاءِ مَلائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هم أشْياعُ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم جُنُودُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم كُلُّهم سامِعُونَ مُطِيعُونَ لا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، رِطابُ الألْسُنِ بِذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ، يَتَسابَقُونَ في ذَلِكَ مُذْ خَلَقَهم، لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا يَسْأمُونَ، لا يُحْصِي أجْناسَهم، ولا مُدَّةَ أعْمارِهِمْ ولا كَيْفِيَّةَ عِبادَتِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا تَحْقِيقُ حَقِيقَةِ مَلَكُوتِهِ جَلَّ جَلالُهُ عَلى ما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] . وأقُولُ: رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ التَّذْكِيرِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ عُرِجَ بِهِ رَأى مَلائِكَةً في مَوْضِعٍ بِمَنزِلَةِ سُوقٍ بَعْضُهم يَمْشِي تُجاهَ بَعْضٍ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّهم إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أدْرِي إلّا أنِّي أراهم مُذْ خُلِقْتُ ولا أرى واحِدًا مِنهم قَدْ رَأيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَألُوا واحِدًا مِنهم، وقِيلَ لَهُ: مُذْ كَمْ خُلِقْتَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ كَوْكَبًا في كُلِّ أرْبَعِمِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ فَخَلَقَ مِثْلَ ذَلِكَ الكَوْكَبِ مُنْذُ خَلَقَنِي أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ مَرَّةٍ»، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أعْظَمَ قُدْرَتَهُ وما أجَلَّ كَمالَهُ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أصْنافَهم وأوْصافَهم، أمّا الأصْنافُ: فَأحَدُها: حَمَلَةُ العَرْشِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] . وثانِيها: الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] . وثالِثُها: أكابِرُ المَلائِكَةِ، فَمِنهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ صاحِبُ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣، ١٩٤] . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ قَبْلَ سائِرِ المَلائِكَةِ في القُرْآنِ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٧] ولِأنَّ جِبْرِيلَ صاحِبُ الوَحْيِ والعِلْمِ، ومِيكائِيلَ صاحِبُ الأرْزاقِ والأغْذِيَةِ، والعِلْمُ الَّذِي هو الغِذاءُ الرُّوحانِيُّ أشْرَفُ مِنَ الغِذاءِ الجُسْمانِيِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْرَفَ مِن مِيكائِيلَ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ ثانِيَ نَفْسِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] . الرّابِعُ: سَمّاهُ رُوحَ القُدُسِ، قالَ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] . الخامِسُ: يَنْصُرُ أوْلِياءَ اللَّهِ ويَقْهَرُ أعْداءَهُ مَعَ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَسُوِّمِينَ. السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ بِصِفاتٍ سِتٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ - ٢١] فَرِسالَتُهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَجَمِيعُ صفحة ١٥٠ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أُمَّتُهُ وكَرَمُهُ عَلى رَبِّهِ أنَّهُ جَعَلَهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أشْرَفِ عِبادِهِ وهُمُ الأنْبِياءُ، وقُوَّتُهُ أنَّهُ رَفَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ إلى السَّماءِ وقَلَبَها،، ومَكانَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَهُ ثانِيَ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤]، وكَوْنُهُ مُطاعًا أنَّهُ إمامُ المَلائِكَةِ ومُقْتَداهم، وأمّا كَوْنُهُ أمِينًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤]، ومِن جُمْلَةِ أكابِرِ المَلائِكَةِ إسْرافِيلُ وعِزْرائِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما، وقَدْ ثَبَتَ وُجُودُهُما بِالأخْبارِ، وثَبَتَ بِالخَبَرِ أنَّ عِزْرائِيلَ هو مَلَكُ المَوْتِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ مَلائِكَةٍ مُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ رَئِيسَ جَماعَةٍ وُكِّلُوا عَلى قَبْضِ الأرْواحِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠] . وأمّا إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّهُ صاحِبُ الصُّورِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] . ورابِعُها: مَلائِكَةُ الجَنَّةِ قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] . وخامِسُها: مَلائِكَةُ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] ورَئِيسُهم مالِكٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] وأسْماءُ جُمْلَتِهِمُ الزَّبانِيَةُ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العَلَقِ: ١٧، ١٨] . وسادِسُها: المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧، ١٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنْعامِ: ٦١] . وسابِعُها: كَتَبَةُ الأعْمالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٠ - ١٢] . وثامِنُها: المُوَكَّلُونَ بِأحْوالِ هَذا العالَمِ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصّافّاتِ: ١] وبِقَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذّارِياتِ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤] وبِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النّازِعاتِ: ١] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سِوى الحَفَظَةِ يَكْتُبُونَ ما يَسْقُطُ مِن ورَقِ الأشْجارِ، فَإذا أصابَ أحَدَكم حَرِجَةٌ بِأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ: أعِينُوا عِبادَ اللَّهِ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. * * * وأمّا أوْصافُ المَلائِكَةِ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحَجِّ: ٧٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ هُمُ الرُّسُلُ فَقَطْ، وجَوابُهُ أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْيِينِ لا لِلتَّبْعِيضِ. وثانِيها: قُرْبُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القُرْبُ هو القُرْبُ بِالشَّرَفِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وثالِثُها: وصْفُ طاعاتِهِمْ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: صفحة ١٥١ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥ - ١٦٦] واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهم في ذَلِكَ فَثَبَتَ بِها مُواظَبَتُهم عَلى العِبادَةِ. الثّانِي: مُبادَرَتُهم إلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠] . الثّالِثُ: أنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] . ورابِعُها: وصْفُ قُدْرَتِهِمْ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ والكُرْسِيَّ، ثُمَّ إنَّ الكُرْسِيَّ الَّذِي هو أصْغَرُ مِنَ العَرْشِ أعْظَمُ مِن جُمْلَةِ السَّماواتِ السَّبْعِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فانْظُرْ إلى نِهايَةِ قُدْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ. الثّانِي: أنَّ عُلُوَّ العَرْشِ شَيْءٌ لا يُحِيطُ بِهِ الوَهْمُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المَعارِجِ: ٤] ثُمَّ إنَّهم لِشِدَّةِ قُدْرَتِهِمْ يَنْزِلُونَ مِنهُ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَصاحِبُ الصُّورِ يَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ أنَّ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ مِنهُ يُصْعَقُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنهُ يَعُودُونَ أحْياءً. فاعْرِفْ مِنهُ عِظَمَ هَذِهِ القُوَّةِ. والرّابِعُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ في قُوَّتِهِ إلى أنْ قَلَعَ جِبالَ آلِ لُوطٍ وبِلادَهم دَفْعَةً واحِدَةً. وخامِسُها: وصْفُ خَوْفِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى الزَّلّاتِ البَتَّةَ يَكُونُونَ خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى كَأنَّ عِبادَتَهم مَعاصِي قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] وقالَ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] . الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ سَمِعَهُ أهْلُ السَّماواتِ مِثْلَ صَوْتِ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفْوانِ فَفَزِعُوا، فَإذا انْقَضى الوَحْيُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ. الثّالِثُ: رَوى البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِناحِيَةٍ ومَعَهُ جِبْرِيلُ إذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّماءِ فَأقْبَلَ جِبْرِيلُ يَتَضاءَلُ ويَدْخُلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ ويَدْنُو مِنَ الأرْضِ، فَإذا مَلَكٌ قَدْ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأشارَ إلَيَّ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ لِي ناصِحٌ، فَقُلْتُ: عَبْدًا نَبِيًّا، فَعَرَجَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى السَّماءِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ قَدْ كُنْتُ أرَدْتُ أنْ أسْألَكَ عَنْ هَذا فَرَأيْتُ مِن حالِكَ ما شَغَلَنِي عَنِ المَسْألَةِ فَمَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ فَقالَ: هَذا إسْرافِيلُ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صافًّا قَدَمَيْهِ لا يَرْفَعُ طَرْفَهُ، وبَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَهُ سَبْعُونَ نُورًا ما مِنها نُورٌ يَدْنُو مِنهُ إلّا احْتَرَقَ، وبَيْنَ يَدَيْهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ أوْ مِنَ الأرْضِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ بِقُرْبِ جَبِينِهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ، فَإنْ كانَ مِن عَمَلِي أمَرَنِي بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مِيكائِيلَ أمَرَهُ بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مَلَكِ المَوْتِ أمَرَهُ بِهِ. قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ عَلى أيِّ شَيْءٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى الرِّياحِ والجُنُودِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءِ مِيكائِيلُ ؟ قالَ: عَلى النَّباتِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ مَلَكُ المَوْتِ ؟ قالَ: عَلى قَبْضِ الأنْفُسِ، وما ظَنَنْتُ أنَّهُ هَبَطَ إلّا لِقِيامِ السّاعَةِ، وما ذاكَ الَّذِي رَأيْتَ مِنِّي إلّا خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ» . واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ كَلامٌ في وصْفِ المَلائِكَةِ أعْلى وأجَلُّ مِن كَلامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ في بَعْضِ خُطَبِهِ: ثُمَّ فَتَقَ ما بَيْنَ السَّماواتِ العُلا فَمَلَأهُنَّ أطْوارًا مِن مَلائِكَةٍ فَمِنهم سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، ورُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وصافُّونَ لا يَتَزايَلُونَ، ومُسَبِّحُونَ لا يَسْأمُونَ، لا يَغْشاهم نَوْمُ العُيُونِ ولا سَهْوُ العُقُولِ، ولا فَتْرَةُ الأبْدانِ، ولا غَفْلَةُ النِّسْيانِ، ومِنهم أُمَناءُ عَلى وحْيِهِ وألْسِنَةٌ إلى رُسُلِهِ، ومُخْتَلِفُونَ بِقَضائِهِ وأمْرِهِ، ومِنهُمُ الحَفَظَةُ لِعِبادِهِ، والسَّدَنَةُ لِأبْوابِ جِنانِهِ، ومِنهُمُ الثّابِتَةُ في الأرَضِينَ صفحة ١٥٢ السُّفْلى أقْدامُهم، والمارِقَةُ مِنَ السَّماءِ العُلْيا أعْناقُهم، والخارِجَةُ مِنَ الأقْطارِ أرْكانُهم، والمُناسِبَةُ لِقَوائِمِ العَرْشِ أكْتافُهم، ناكِسَةً دُونَهُ أبْصارُهم، مُتَلَفِّعُونَ بِأجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن دُونَهم حُجُبُ العِزَّةِ وأسْتارُ القُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهم بِالتَّصْوِيرِ، ولا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفاتِ المَصْنُوعِينَ، ولا يَحُدُّونَهُ بِالأماكِنِ، ولا يُشِيرُونَ إلَيْهِ بِالنَّظائِرِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم، فَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ كانُوا مُحارِبِينَ مَعَ إبْلِيسَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أسْكَنَ الجِنَّ الأرْضَ فَأفْسَدُوا فِيها وسَفَكُوا الدِّماءَ وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، بَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَقَتَلَهم إبْلِيسُ بِعَسْكَرِهِ حَتّى أخْرَجُوهم مِنَ الأرْضِ، وألْحَقُوهم بِجَزائِرِ البَحْرِ فَقالَ تَعالى لَهم: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إنَّهُ تَعالى قالَ ذَلِكَ لِجَماعَةِ المَلائِكَةِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ المَلائِكَةِ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ خِلافَ الأصْلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: جاعِلٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ دَخَلَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَكانا مَفْعُولَيْنِ، ومَعْناهُ مُصَيِّرٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الظّاهِرُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي في الآيَةِ جَمِيعُ الأرْضِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ وكانَتِ المَلائِكَةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ، وهم أوَّلُ مَن طافَ بِهِ، وهو في الأرْضِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً»﴾ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: الخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ ويَقُومُ مَقامَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ١٤] . ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] فَأمّا أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ مَن ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ المُرادُ ذُرِّيَّتُهُ لا هو. والثّانِي: أنَّهُ ولَدُ آدَمَ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى لِمَ سَمّاهُ خَلِيفَةً ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى الجِنَّ مِنَ الأرْضِ وأسْكَنَ آدَمَ الأرْضَ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيفَةً لِأُولَئِكَ الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ، يُرْوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الثّانِي: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ خَلِيفَةً؛ لِأنَّهُ يَخْلُفُ اللَّهَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ مِن خَلْقِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، وهَذا الرَّأْيُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ ولَدُ آدَمَ، فَقالُوا: إنَّما سَمّاهم خَلِيفَةً؛ لِأنَّهم يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥]، والخَلِيفَةُ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كَما يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، وقُرِئَ خَلِيقَةً بِالقافِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحاجَةِ إلى المَشُورَةِ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم إذا اطَّلَعُوا عَلى ذَلِكَ السِّرِّ أوْرَدُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ السُّؤالَ، فَكانَتِ المَصْلَحَةُ تَقْتَضِي إحاطَتَهم بِذَلِكَ الجَوابِ، فَعَرَّفَهم هَذِهِ الواقِعَةَ لِكَيْ يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤالَ ويَسْمَعُوا ذَلِكَ الجَوابَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَ عِبادَهُ المُشاوَرَةَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن عُلَماءِ الدِّينِ اتَّفَقُوا عَلى عِصْمَةِ كُلِّ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ ولَنا وُجُوهٌ: صفحة ١٥٣ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَلائِكَةِ النّارِ، فَإذا أرَدْنا الدَّلالَةَ العامَّةَ تَمَسَّكْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] فَقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكَ المَنهِيّاتِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنِ الشَّيْءِ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ المَأْمُوراتِ إلّا ويَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٦ - ٢٧ ] فَهَذا صَرِيحٌ في بَراءَتِهِمْ عَنِ المَعاصِي، وكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا بِمُقْتَضى الأمْرِ والوَحْيِ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم طَعَنُوا في البَشَرِ بِالمَعْصِيَةِ ولَوْ كانُوا مِنَ العُصاةِ لَما حَسُنَ مِنهم ذَلِكَ الطَّعْنُ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنهُ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهم، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم: أتَجْعَلُ فِيها هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ. وثانِيها: أنَّهم طَعَنُوا في بَنِي آدَمَ بِالفَسادِ والقَتْلِ وذَلِكَ غِيبَةٌ، والغِيبَةُ مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ. وثالِثُها: أنَّهم بَعْدَ أنْ طَعَنُوا في بَنِي آدَمَ مَدَحُوا أنْفُسَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ وأنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥- ١٦٦] وهَذا لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهم نَفَوْا كَوْنَ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ، وهَذا يُشْبِهُ العُجْبَ والغِيبَةَ وهو مِنَ الذُّنُوبِ المُهْلِكَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ، وذَكَرَ فِيها إعْجابَ المَرْءِ بِنَفْسِهِ» ) . وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] . ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهم: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا يُشْبِهُ الِاعْتِذارَ فَلَوْلا تَقَدُّمُ الذَّنْبِ وإلّا لَما اشْتَغَلُوا بِالعُذْرِ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما قالُوهُ أوَّلًا. وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ ما كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ في كَوْنِ اللَّهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ. وسابِعُها: أنَّ عِلْمَهم يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ، إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ بِالوَحْيِ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ أوْ قالُوهُ اسْتِنْباطًا، والأوَّلُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِإعادَةِ ذَلِكَ الكَلامِ فائِدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم قالُوهُ عَنِ الِاسْتِنْباطِ والظَّنِّ، والقَدْحُ في الغَيْرِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسْراءِ: ٣٦] وقالَ: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النَّجْمِ: ٢٨] . وثامِنُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ كانُوا جُنْدَ إبْلِيسَ في مُحارَبَةِ الجِنِّ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَقالَتِ المَلائِكَةُ مُجِيبِينَ لَهُ سُبْحانَهُ: صفحة ١٥٤ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ ثُمَّ عَلِمُوا غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] ورُوِيَ عَنِ الجِنِّ وقَتادَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخَذَ في خَلْقِ آدَمَ هَمَسَتِ المَلائِكَةُ فِيما بَيْنَهم وقالُوا: لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ أنْ يَخْلُقَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا إلّا كُنّا أعْظَمَ مِنهُ وأكْرَمَ عَلَيْهِ، فَلَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] في أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا وأنْتُمْ أفْضَلُ مِنهُ فَفَزِعَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ إلى التَّوْبَةِ و﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم لَمّا قالُوا: أتَجْعَلُ فِيها، أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكُوا بِقِصَّةِ هارُوتَ ومارُوتَ، وزَعَمُوا أنَّهُما كانا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنَّهُما لَمّا نَظَرا إلى ما يَصْنَعُ أهْلُ الأرْضِ مِنَ المَعاصِي أنْكَرا ذَلِكَ وأكْبَراهُ ودَعَوا عَلى أهْلِ الأرْضِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما إنِّي لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِنَ الشَّهَواتِ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: يا رَبِّ لَوِ ابْتَلَيْتَنا لَمْ نَفْعَلْ فَجَرِّبْنا، فَأهْبَطَهُما إلى الأرْضِ وابْتَلاهُما اللَّهُ بِشَهَواتِ بَنِي آدَمَ، فَمَكَثا في الأرْضِ، وأمَرَ اللَّهُ الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزُّهَرَةِ والمَلَكَ المُوَكَّلَ بِهِ فَهَبَطا إلى الأرْضِ، فَجُعِلَتِ الزُّهَرَةُ في صُورَةِ امْرَأةٍ والمَلَكُ في صُورَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الزُّهَرَةَ اتَّخَذَتْ مَنزِلًا وزَيَّنَتْ نَفْسَها ودَعَتْهُما إلى نَفْسِها، ونَصَبَ المَلَكُ نَفْسَهُ في مَنزِلِها في مِثالِ صَنَمٍ، فَأقْبَلا إلى مَنزِلِها ودَعَواها إلى الفاحِشَةِ، فَأبَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَشْرَبا خَمْرًا، فَقالا: لا نَشْرَبُ الخَمْرَ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَشَرِبا، ثُمَّ دَعَواها إلى ذَلِكَ، فَقالَتْ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ لَسْتُ أُمْكِنُكُما مِن نَفْسِي حَتّى تَفْعَلاها، قالا: وما هي ؟ قالَتْ: تَسْجُدانِ لِهَذا الصَّنَمِ، فَقالا: لا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَقالا: نَفْعَلُ ثُمَّ نَسْتَغْفِرُ، فَسَجَدا لِلصَّنَمِ فارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ ومَلَكُها إلى مَوْضِعِهِما مِنَ السَّماءِ، فَعَرَفا حِينَئِذٍ أنَّهُ إنَّما أصابَهُما ذَلِكَ بِسَبَبِ تَعْيِيرِ بَنِي آدَمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّ الزُّهَرَةَ كانَتْ فاجِرَةً مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّما واقَعاها بَعْدَ أنْ شَرِبا الخَمْرَ، وقَتَلا النَّفْسَ، وسَجَدا لِلصَّنَمِ، وعَلَّماها الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي كانا بِهِ يَعْرُجانِ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتِ المَرْأةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ وعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، فَمَسَخَها اللَّهُ تَعالى وصَيَّرَها هَذا الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزُّهَرَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَ هارُوتَ ومارُوتَ قَبِيحَ ما فِيهِ وقَعا، ثُمَّ خَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ آجِلًا وبَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا عاجِلًا، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَجَعَلَهُما بِبابِلَ مَنكُوسَيْنِ في بِئْرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهُما يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ ويَدْعُوانِ إلَيْهِ ولا يَراهُما أحَدٌ إلّا مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ خاصَّةً، وتَعَلَّقُوا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] . الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، ثُمَّ إنَّهُ عَصى اللَّهَ تَعالى وكَفَرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] قالُوا: فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ يُعَذَّبُونَ، لِأنَّ أصْحابَ النّارِ لا يَكُونُونَ إلّا مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِيها كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى أنْ نَقُولَ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو قَوْلُهم: إنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ السُّؤالِ تَنْبِيهُ اللَّهِ عَلى شَيْءٍ كانَ غافِلًا عَنْهُ، فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ في اللَّهِ فَهو كافِرٌ، ولا الإنْكارُ عَلى اللَّهِ تَعالى في فِعْلٍ فَعَلَهُ، بَلِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ السُّؤالِ أُمُورٌ: صفحة ١٥٥ أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ قاطِعًا بِحِكْمَةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَأى أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ يَفْعَلُ فِعْلًا لا يَقِفُ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا كَأنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِن كَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، ويَقُولُ: إعْطاءُ هَذِهِ النِّعَمِ لِمَن يُفْسِدُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَهْتَدِي العُقُولُ فِيها إلى وجْهِ الحِكْمَةِ، فَإذا كُنْتَ تَفْعَلُها واعْلَمْ أنَّكَ لا تَفْعَلُها إلّا لِوَجْهٍ دَقِيقٍ وسِرٍّ غامِضٍ أنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، فَما أعْظَمَ حِكْمَتَكَ وأجَلَّ عِلْمَكَ، فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإحاطَةِ حِكْمَتِهِ بِما خَفِيَ عَلى كُلِّ العُقَلاءِ. وثانِيها: أنَّ إيرادَ الإشْكالِ طَلَبًا لِلْجَوابِ غَيْرُ مَحْذُورٍ، فَكَأنَّهم قالُوا: إلَهَنا أنْتَ الحَكِيمُ الَّذِي لا يَفْعَلُ السَّفَهَ البَتَّةَ، ونَحْنُ نَرى في العُرْفِ أنَّ تَمْكِينَ السَّفِيهِ مِنَ السَّفَهِ سَفَهٌ، فَإذا خَلَقْتَ قَوْمًا يُفْسِدُونَ ويَقْتُلُونَ وأنْتَ مَعَ عِلْمِكَ أنَّ حالَهم كَذَلِكَ خَلَقْتَهم ومَكَّنْتَهم وما مَنَعْتَهم عَنْ ذَلِكَ فَهَذا يُوهِمُ السَّفَهَ، وأنْتَ الحَكِيمُ المُطْلَقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ فَكَأنَّ المَلائِكَةَ أوْرَدُوا هَذا السُّؤالَ طَلَبًا لِلْجَوابِ، وهَذا جَوابُ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُجَوِّزُوا صُدُورَ القَبِيحِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكانُوا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ العَدْلِ، قالُوا: والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الجَوابَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أضافُوا الفَسادَ وسَفْكَ الدِّماءِ إلى المَخْلُوقِينَ لا إلى الخالِقِ. والثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ ذاتِهِ عَنْ صِفَةِ الأجْسامِ، والتَّقْدِيسَ تَنْزِيهُ أفْعالِهِ عَنْ صِفَةِ الذَّمِّ ونَعْتِ السَّفَهِ. وثالِثُها: أنَّ الشُّرُورَ وإنْ كانَتْ حاصِلَةً في تَرْكِيبِ هَذا العالِمِ السُّفْلِيِّ إلّا أنَّها مِن لَوازِمِ الخَيْراتِ الحاصِلَةِ فِيهِ، وخَيْراتُها غالِبَةٌ عَلى شُرُورِها، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّرُورَ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الخَيْراتِ الحاصِلَةَ مِن أجْلِ تَراكِيبِ العالَمِ السُّفْلِيِّ أكْثَرُ مِنَ الشُّرُورِ الحاصِلَةِ فِيها، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي إيجادَ ما هَذا شَأْنُهُ لا تَرْكَهُ، وهَذا جَوابُ الحُكَماءِ. ورابِعُها: أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في إعْظامِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ العَبْدَ المُخْلِصَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِمَوْلاهُ يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدٌ يَعْصِيهِ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ مَسْألَةٌ مِنهم أنْ يَجْعَلَ الأرْضَ أوْ بَعْضَها لَهم إنْ كانَ ذَلِكَ صَلاحًا، فَكَأنَّهم قالُوا: يا إلَهَنا اجْعَلِ الأرْضَ لَنا لا لَهم كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] والمَعْنى لا تُهْلِكْنا، فَقالَ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن صَلاحِكم وصَلاحِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أجْعَلُهم في الأرْضِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ اخْتارَ لَهُمُ السَّماءَ خاصَّةً، ولِهَؤُلاءِ الأرْضَ خاصَّةً لِعِلْمِهِ بِصَلاحِ ذَلِكَ في أدْيانِهِمْ لِيَرْضى كُلُّ فَرِيقٍ بِما اخْتارَهُ اللَّهُ لَهُ. سادِسُها: أنَّهم طَلَبُوا الحِكْمَةَ الَّتِي لِأجْلِها خَلَقَهم مَعَ هَذا الفَسادِ والقَتْلِ. وسابِعُها: قالَ القَفّالُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها، أيْ سَتَفْعَلُ ذَلِكَ فَهو إيجابٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ قالَ جَرِيرٌ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ كَذَلِكَ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا، ثُمَّ قالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، ونَحْنُ مَعَ هَذا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لِما أنّا نَعْلَمُ أنَّكَ لا تَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ والحِكْمَةَ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهم: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَأنَّهُ قالَ - واللَّهُ أعْلَمُ - نِعْمَ ما فَعَلْتُمْ حَيْثُ لَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ قادِحًا في حِكْمَتِي، فَإنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَأنْتُمْ عَلِمْتُمْ ظاهِرَهم وهو الفَسادُ والقَتْلُ، وما عَلِمْتُمْ باطِنَهم، وأنا أعْلَمُ ظاهِرَهم وباطِنَهم صفحة ١٥٦ فَأعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً تَقْتَضِي خَلْقَهم وإيجادَهم. أمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهم ذَكَرُوا بَنِي آدَمَ بِما لا يَنْبَغِي وهو الغِيبَةُ، فالجَوابُ أنَّ مَحَلَّ الإشْكالِ في خَلْقِ بَنِي آدَمَ إقْدامُهم عَلى الفَسادِ والقَتْلِ، ومَن أرادَ إيرادَ السُّؤالِ وجَبَ أنْ يَتَعَرَّضَ لِمَحَلِّ الإشْكالِ لا لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا مِن بَنِي آدَمَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وما ذَكَرُوا مِنهم عِبادَتَهم وتَوْحِيدَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ الإشْكالِ. أمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهم مَدَحُوا أنْفُسَهم، وذَلِكَ يُوجِبُ العُجْبَ وتَزْكِيَةَ النَّفْسِ. فالجَوابُ: أنَّ مَدْحَ النَّفْسِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحى: ١١] وأيْضًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مَدْحَ النَّفْسِ، بَلِ المُرادُ بَيانُ أنَّ هَذا السُّؤالَ ما أوْرَدْناهُ لِنَقْدَحَ بِهِ في حِكْمَتِكَ يا رَبِّ، فَإنّا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونَعْتَرِفُ لَكَ بِالإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ، فَكَأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنَّهم ما أوْرَدُوا السُّؤالَ لِلطَّعْنِ في الحِكْمَةِ والإلَهِيَّةِ، بَلْ لِطَلَبِ وجْهِ الحِكْمَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو أنَّ قَوْلَهم: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢]، يُشْبِهُ الِاعْتِذارَ فَلا بُدَّ مِن سَبْقِ الذَّنْبِ، قُلْنا: نَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ الأوْلى لِلْمَلائِكَةِ أنْ لا يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤالَ، فَلَمّا تَرَكُوا هَذا الأوْلى كانَ ذَلِكَ الِاعْتِذارُ اعْتِذارًا مِن تَرْكِ الأوْلى، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: (﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] فَهَذا السُّؤالُ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانُوا مَأْذُونِينَ في هَذا السُّؤالِ فَكَيْفَ اعْتَذَرُوا عَنْهُ ؟ قُلْنا العامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ. أمّا الوَجْهُ الخامِسُ: وهو أنَّ إخْبارَ المَلائِكَةِ عَنِ الفَسادِ وسَفْكِ الدِّماءِ، إمّا أنْ يَكُونَ حَصَلَ عَنِ الوَحْيِ أوْ قالُوهُ اسْتِنْباطًا وظَنًّا، قُلْنا: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ ظَنًّا ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم قاسُوهُ عَلى حالِ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا خِلْقَتَهُ وعَرَفُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَرَكَّبَ فِيهِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، فَيَتَوَلَّدَ الفَسادُ عَنِ الشَّهْوَةِ، وسَفْكُ الدِّماءِ عَنِ الغَضَبِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى اليَقِينِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالُوا: رَبَّنا وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةُ ؟ قالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَتَحاسَدُونَ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: رَبَّنا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ إذا كانَ في الأرْضِ خَلْقٌ عَظِيمٌ أفْسَدُوا فِيها وسَفَكُوا الدِّماءَ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى النّارَ خافَتِ المَلائِكَةُ خَوْفًا شَدِيدًا فَقالُوا: رَبَّنا لِمَن خَلَقْتَ هَذِهِ النّارَ ؟ قالَ لِمَن عَصانِي مِن خَلْقِي، ولَمْ يَكُنِ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ خَلْقٌ إلّا المَلائِكَةَ، ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ خَلْقٌ البَتَّةَ، فَلَمّا قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ عَرَفُوا أنَّ المَعْصِيَةَ تَظْهَرُ مِنهم. ورابِعُها: لَمّا كَتَبَ القَلَمُ في اللَّوْحِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَعَلَّهم طالَعُوا اللَّوْحَ فَعَرَفُوا ذَلِكَ. وخامِسُها: إذا كانَ مَعْنى الخَلِيفَةِ مَن يَكُونُ نائِبًا لِلَّهِ تَعالى في الحُكْمِ والقَضاءِ، والِاحْتِجاجُ إلى الحاكِمِ والقاضِي إنَّما يَكُونُ عِنْدَ التَّنازُعِ والتَّظالُمِ، كانَ الإخْبارُ عَنْ وُجُودِ الخَلِيفَةِ إخْبارًا عَنْ وُقُوعِ الفَسادِ والشَّرِّ بِطَرِيقِ صفحة ١٥٧ الِالتِزامِ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: والقَوْلُ بِأنَّهُ كانَ هَذا الإخْبارُ عَنْ مُجَرَّدِ الظَّنِّ - باطِلٌ؛ لِأنَّهُ قَدْحٌ في الغَيْرِ بِما لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فِيهِ، وذَلِكَ يُنافِي العِصْمَةَ والطَّهارَةَ. أمّا الوَجْهُ السّادِسُ: هو الأخْبارُ الَّتِي ذَكَرُوها، فَهي مِن بابِ أخْبارِ الآحادِ فَلا تُعارِضُ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها. أمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِصَّةُ هارُوتَ ومارُوتَ، فالجَوابُ عَنْها أنَّ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوها باطِلَةٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم ذَكَرُوا في القِصَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُما: لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا يا رَبِّ لَما عَصَيْناكَ، وهَذا مِنهم تَكْذِيبٌ لِلَّهِ تَعالى وتَجْهِيلٌ لَهُ، وذَلِكَ مِن صَرِيحِ الكُفْرِ، والحَشْوِيَّةُ سَلَّمُوا أنَّهُما كانا قَبْلَ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ مَعْصُومَيْنِ. وثانِيها: في القِصَّةِ أنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ فاسِدٌ بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُخَيَّرا بَيْنَ التَّوْبَةِ، وبَيْنَ العَذابِ، واللَّهُ تَعالى خَيَّرَ بَيْنَهُما مَن أشْرَكَ بِهِ طُولَ عُمْرِهِ وبالَغَ في إيذاءِ أنْبِيائِهِ. وثالِثُها: في القِصَّةِ أنَّهُما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ حالَ كَوْنِهِما مُعَذَّبَيْنِ ويَدْعُوانِ إلَيْهِ وهُما مُعاقَبانِ عَلى المَعْصِيَةِ. ورابِعُها: أنَّ المَرْأةَ الفاجِرَةَ كَيْفَ يُعْقَلُ أنَّها لَمّا فَجَرَتْ صَعِدَتْ إلى السَّماءِ، وجَعَلَها اللَّهُ تَعالى كَوْكَبًا مُضِيئًا وعَظَّمَ قَدْرَهُ بِحَيْثُ أقْسَمَ بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٥ - ١٦] فَهَذِهِ القِصَّةُ قِصَّةٌ رَكِيكَةٌ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ بِنِهايَةِ رَكاكَتِها، وأمّا الكَلامُ في تَعْلِيمِ السِّحْرِ فَسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيَةِ في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: فَسَنَتَكَلَّمُ في بَيانِ أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ. وأمّا الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ في النّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يُونُسَ: ٢٧] لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالنّارِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ إنَّما عُرِفَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] يُرِيدُ بِهِ خَزَنَةَ النّارِ والمُتَصَرِّفِينَ فِيها والمُدَبِّرِينَ لِأمْرِها، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَلائِكَةَ هَلْ هم قادِرُونَ عَلى المَعاصِي والشُّرُورِ أمْ لا ؟ فَقالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الجَبْرِ: إنَّهم خَيْراتٌ مَحْضٌ ولا قُدْرَةَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلى الشُّرُورِ والفَسادِ. وقالَ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ وكَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّهم قادِرُونَ عَلى الأمْرَيْنِ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً أوْ تَرْكَ الأوْلى وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٩]، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهم مَزْجُورِينَ مَمْنُوعِينَ وقالَ أيْضًا: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦]، والمَدْحُ بِتَرْكِ الِاسْتِكْبارِ إنَّما يَجُوزُ لَوْ كانَ قادِرًا عَلى فِعْلِ الِاسْتِكْبارِ. وثالِثُها: أنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى تَرْكِ الخَيْراتِ لَما كانُوا مَمْدُوحِينَ بِفِعْلِها، لِأنَّ المَلْجَأ إلى الشَّيْءِ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى تَرْكِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مَمْدُوحًا بِفِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ولَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ فَقُلْتُ لَهُ: ألَيْسَ أنَّ الثَّوابَ والعِوَضَ واجِبانِ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ ومَعْنى كَوْنِهِ واجِبًا عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَلَزِمَ مِن تَرْكِهِ إمّا الجَهْلُ وإمّا الحاجَةُ، وهُما مُحالانِ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ التَّرْكُ مُحالًا كانَ الفِعْلُ واجِبًا، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلثَّوابِ، والعِوَضُ واجِبٌ وتَرْكُهُ مُحالٌ مَعَ أنَّهُ تَعالى مَمْدُوحٌ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ امْتِناعَ التَّرْكِ لا يَقْدَحُ في صفحة ١٥٨ حُصُولِ المَدْحِ فانْقَطَعَ، وما قَدَرَ عَلى الجَوابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الواوُ في ﴿ونَحْنُ﴾ لِلْحالِ كَما تَقُولُ: أتُحْسِنُ إلى فُلانٍ وأنا أحَقُّ بِالإحْسانِ، والتَّسْبِيحُ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السُّوءِ وكَذا التَّقْدِيسُ، مِن سَبَحَ في الماءِ وقَدَّسَ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها وأبْعَدَ، واعْلَمْ أنَّ التَّبْعِيدَ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ فَهو التَّسْبِيحُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ التَّبْعِيدُ عَنِ الخَيْراتِ فَهو اللَّعْنُ، فَنَقُولُ: التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ يَدْخُلُ فِيهِ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، أمّا في الذّاتِ فَأنْ لا تَكُونَ مَحَلًّا لِلْإمْكانِ، فَإنَّ مَنعَ السُّوءِ وإمْكانَهُ هو العَدَمُ، ونَفْيُ الإمْكانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الكَثْرَةِ، ونَفْيُها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الجِسْمِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، ونَفْيَ الضِّدِّ والنِّدِّ، وحُصُولَ الوَحْدَةِ المُطْلَقَةِ، والوُجُوبَ الذّاتِيَّ، وأمّا في الصِّفاتِ فَأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الجَهْلِ فَيَكُونَ مُحِيطًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وقادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وتَكُونَ صِفاتُهُ مُنَزَّهَةً عَنِ التَّغْيِيراتِ، وأمّا في الأفْعالِ فَأنْ لا تَكُونَ أفْعالُهُ لِجَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وأنْ لا يَسْتَكْمِلَ بِشَيْءٍ مِنها، ولا يَنْتَقِصَ بِعَدَمِ شَيْءٍ مِنها، فَيَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، مُسْتَوْلِيًا بِالإعْدامِ والإيجادِ عَلى كُلِّ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، وقالَ أهْلُ التَّذْكِيرِ: التَّسْبِيحُ جاءَ تارَةً في القُرْآنِ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ وأُخْرى بِمَعْنى التَّعَجُّبِ. أمّا الأوَّلُ فَجاءَ عَلى وُجُوهٍ: (أ) أنا المُنَزَّهُ عَنِ النَّظِيرِ والشَّرِيكِ، هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ. (ب) أنا المُدَبِّرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ. (ج) أنا المُدَبِّرُ لِكُلِّ العالَمِينَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. (د) أنا المُنَزَّهُ عَنْ قَوْلِ الظّالِمِينَ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ. (ه) أنا المُسْتَغْنِي عَنِ الكُلِّ سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ. (و) أنا السُّلْطانُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ سِوائِي فَهو تَحْتَ قَهْرِي وتَسْخِيرِي، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. (ز) أنا العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ عالِمِ الغَيْبِ. (ح) أنا المُنَزَّهُ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ سُبْحانَهُ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ. (ط) أنا المُنَزَّهُ عَنْ وصْفِهِمْ وقَوْلِهِمْ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، عَمّا يَقُولُونَ، عَمّا يَصِفُونَ. أمّا التَّعَجُّبُ فَكَذَلِكَ: (أ) أنا الَّذِي سَخَّرْتُ البَهائِمَ القَوِيَّةَ لِلْبَشَرِ الضَّعِيفِ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. (ب) أنا الَّذِي خَلَقْتُ العالَمَ وكُنْتُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّعَبِ والنَّصَبِ، سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا. (ج) أنا الَّذِي أعْلَمُ لا بِتَعْلِيمِ المُعَلِّمِينَ ولا بِإرْشادِ المُرْشِدِينَ، سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا. (د) أنا الَّذِي أُزِيلُ مَعْصِيَةَ سَبْعِينَ سَنَةً بِتَوْبَةِ ساعَةٍ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ أرَدْتَ رِضْوانَ اللَّهِ فَسَبِّحْ، وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا، وإنْ أرَدْتَ الفَرَجَ مِنَ البَلاءِ فَسَبِّحْ، لا إلَهَ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، وإنْ أرَدْتَ رِضا الحَقِّ فَسَبِّحْ: ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى، وإنْ أرَدْتَ الخَلاصَ مِنَ النّارِ فَسَبِّحْ، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ، أيُّها العَبْدُ واظِبْ عَلى تَسْبِيحِي، فَسُبْحانَ اللَّهِ فَسَبِّحْ وسَبِّحُوهُ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ تَسْبِيحِي فالضَّرَرُ عائِدٌ إلَيْكَ؛ لِأنَّ لِي مَن يُسَبِّحُنِي، ومِنهم حَمَلَةُ العَرْشِ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٨] ومِنهُمُ المُقَرَّبُونَ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا﴾ [سَبَأٍ: ٤١]، ومِنهم سائِرُ المَلائِكَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ [الفُرْقانِ: ١٨] ومِنهُمُ الأنْبِياءُ كَما قالَ ذُو النُّونِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨٧] وقالَ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] والصَّحابَةُ يُسَبِّحُونَ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] والكُلُّ يُسَبِّحُونَ ومِنهُمُ الحَشَراتُ والدَّوابُّ والذَّرّاتُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ٤٤] وكَذا الحَجَرُ والمَدَرُ والرِّمالُ والجِبالُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والظُّلُماتُ والأنْوارُ والجَنَّةُ والنّارُ والزَّمانُ والمَكانُ والعَناصِرُ والأرْكانُ والأرْواحُ والأجْسامُ عَلى ما قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحَدِيدِ: ١] ثُمَّ يَقُولُ: صفحة ١٥٩ أيُّها العَبْدُ: أنا الغَنِيُّ عَنْ تَسْبِيحِ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لَيْسَتْ مِنَ الأحْياءِ، فَلا حاجَةَ بِها إلى ثَوابِ هَذا التَّسْبِيحِ، فَقَدْ صارَ ثَوابُ هَذِهِ التَّسْبِيحاتِ ضائِعًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِي ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] لَكِنِّي أُوصِلُ ثَوابَ هَذِهِ الأشْياءِ إلَيْكَ لِيَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مَنِ اجْتَهَدَ في خِدْمَتِي أجْعَلُ كُلَّ العالَمِ في خِدْمَتِهِ. والنُّكْتَةُ الأُخْرى اذْكُرْنِي بِالعُبُودِيَّةِ لِتَنْتَفِعَ بِهِ لا أنا ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ [الصّافّاتِ: ١٨٠] فَإنَّكَ إذا ذَكَرْتَنِي بِالتَّسْبِيحِ طَهَّرْتُكَ عَنِ المَعاصِي ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٢] أقْرِضْنِي ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحَدِيدِ: ١٨] وإنْ كُنْتُ أنا الغَنِيُّ حَتّى أرُدَّ الواحِدَ عَلَيْكَ عَشَرَةً ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ [الحَدِيدِ: ١١] كُنْ مُعِينًا لِي وإنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْ إعانَتِكَ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفَتْحِ: ٤] وأيْضًا فَلا حاجَةَ بِي إلى العَسْكَرِ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤] لَكِنَّكَ إذا نَصَرْتَنِي نَصَرْتُكَ ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٧] كُنْ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِي ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٣] ولا حاجَةَ بِي إلى ذِكْرِكَ؛ لِأنَّ الكُلَّ يَذْكُرُونِي ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] لَكِنَّكَ إذا ذَكَرْتَنِي ذَكَرْتُكَ ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٢] اخْدِمْنِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] لا لِأنِّي أحْتاجُ إلى خِدْمَتِكَ فَإنِّي أنا المَلِكُ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٩] . ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] ولَكِنِ انْصَرِفْ إلى خِدْمَتِي هَذِهِ الأيّامَ القَلِيلَةَ لِتَنالَ الرّاحاتِ الكَثِيرَةَ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩١] . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: بِحَمْدِكَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ نُسَبِّحُ لَكَ حامِدِينَ لَكَ، ومُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ، وأمّا المَعْنى فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنّا إذا سَبَّحْناكَ فَنَحْمَدُكَ سُبْحانَكَ يَعْنِي لَيْسَ تَسْبِيحُنا تَسْبِيحًا مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، بَلْ تَسْتَحِقُّ بِحَمْدِكَ وجَلالِكَ هَذا التَّسْبِيحَ. الثّانِي: أنّا نُسَبِّحُكَ بِحَمْدِكَ فَإنَّهُ لَوْلا إنْعامُكَ عَلَيْنا بِالتَّوْفِيقِ لَمْ نَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ كَما قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ كَيْفَ أقْدِرُ أنْ أشْكُرَكَ وأنا لا أصِلُ إلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ إلّا بِنِعْمَتِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ”الآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي حَيْثُ عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنِّي“، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ مِن هَذا التَّسْبِيحِ فَرُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ دَخَلَ بِالغَداةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ بِالعَكْسِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي: أيُّ الكَلامِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: ما اصْطَفاهُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ“» رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: ”«كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ لا تُصَلِّي، فَقالَ لَهُ: امْضِ إلى عَمَلِكَ إنْ كانَ لَكَ عَمَلٌ، فَقالَ ما أظُنُّ إلّا سَيَمُرُّ بِكَ مَن يُنْكِرُ عَلَيْكَ، فَمَرَّ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: يا فُلانُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ، فَقالَ لَهُ مِثْلَها فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ، وقالَ: هَذا مِن عَمَلِي ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِن صِلاتِهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَرَرْتُ آنِفًا عَلى فُلانٍ وأنْتَ تُصَلِّي وهو جالِسٌ، فَقُلْتُ لَهُ: نَبِيُّ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ، فَقالَ لِي: مُرَّ إلى عَمَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ، فَقامَ عُمَرُ مُسْرِعًا لِيَلْحَقَهُ فَيَقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يا عُمَرُ ارْجِعْ فَإنَّ غَضَبَكَ عِزٌّ ورِضاكَ حُكْمٌ، إنَّ لِلَّهِ في السَّماواتِ مَلائِكَةً لَهُ غِنًى بِصَلاتِهِمْ عَنْ صَلاةِ فُلانٍ، فَقالَ عُمَرُ يا رَسُولَ اللَّهِ وما صَلاتُهم ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ سَألَكَ عُمَرُ عَنْ صَلاةِ أهْلِ السَّماءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وأخْبِرْهُ بِأنَّ أهْلَ سَماءِ الدُّنْيا سُجُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأهْلَ السَّماءِ الثّانِيَةِ قِيامٌ إلى يَوْمِ صفحة ١٦٠ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ، وأهْلَ السَّماءِ الثّالِثَةِ رُكُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَهَذا هو تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ» “ . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿نُسَبِّحُ﴾ أيْ نُصَلِّي والتَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: نُطَهِّرُكَ أيْ نَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِنَ العُلُوِّ والعِزَّةِ. وثانِيها: قَوْلُ مُجاهِدٍ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا مِن ذُنُوبِنا وخَطايانا ابْتِغاءً لِمَرْضاتِكَ. وثالِثُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ نُطَهِّرُ أفْعالَنا مِن ذُنُوبِنا حَتّى تَكُونَ خالِصَةً لَكَ. ورابِعُها: نُطَهِّرُ قُلُوبَنا عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِكَ حَتّى تَصِيرَ مُسْتَغْرِقَةً في أنْوارِ مَعْرِفَتِكَ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى العَدْلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ أضافُوا هَذِهِ الأفْعالَ إلى أنْفُسِهِمْ فَلَوْ كانَتْ أفْعالًا لِلَّهِ تَعالى لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِذَلِكَ، ولا فَضْلَ لِذَلِكَ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ؛ إذْ كُلُّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: لَوْ كانَ الفَسادُ والقَتْلُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ أنْ يَقُولَ: إنِّي مالِكٌ أفْعَلُ ما أشاءُ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَقْتَضِي التَّبَرِّيَ مِنَ الفَسادِ والقَتْلِ، لَكِنَّ التَّبَرِّيَ مِن فِعْلِ نَفْسِهِ مُحالٌ. ورابِعُها: إذا كانَ لا فاحِشَةَ ولا قُبْحَ ولا جَوْرَ ولا ظُلْمَ ولا فَسادَ إلّا بِصُنْعِهِ وخَلْقِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّنْزِيهُ والتَّقْدِيسُ ؟ وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ العَدْلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لَكانَ خَلَقَهم لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الجَوابُ نَعَمْ خَلَقَهم لِيُفْسِدُوا ولِيَقْتُلُوا، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ بِهَذا الجَوابِ سَقَطَ هَذا المَذْهَبُ. وسادِسُها: لَوْ كانَ الفَسادُ والقَتْلُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ألْوانِهِمْ وأجْسامِهِمْ، وكَما لا يَصِحُّ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَكَذا مِنَ الفَسادِ والقَتْلِ، والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ المُعارَضَةِ بِمَسْألَةِ الدّاعِي والعِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّؤالَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّعَجُّبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ جَوابًا لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ تَعالى: لا تَتَعَجَّبُوا مِن أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يُفْسِدُ ويَقْتُلُ، فَإنِّي أعْلَمُ مَعَ هَذا بِأنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ الصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وثانِيها: أنَّهُ لِلْغَمِّ فَيَكُونُ الجَوابُ لا تَغْتَمُّوا بِسَبَبِ وُجُودِ المُفْسِدِينَ فَإنِّي أعْلَمُ أيْضًا أنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ المُتَّقِينَ، ومَن لَوْ أقْسَمَ عَلَيَّ لَأبَرَّهُ. وثالِثُها: أنَّهُ طَلَبُ الحِكْمَةِ فَجَوابُهُ أنَّ مَصْلَحَتَكم فِيهِ أنْ تَعْرِفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى الإجْمالِ دُونَ التَّفْصِيلِ، بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ مَفْسَدَةً لَكم. ورابِعُها: أنَّهُ التِماسٌ؛ لِأنْ يَتْرُكَهم في الأرْضِ وجَوابُهُ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ مَصْلَحَتَكم أنْ تَكُونُوا في السَّماءِ لا في الأرْضِ، وفِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهو أنَّ مَعَكم إبْلِيسَ، وأنَّ في قَلْبِهِ حَسَدًا وكِبْرًا ونِفاقًا. ووَجْهٌ سادِسٌ: وهو أنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَإنَّكم لَمّا وصَفْتُمْ أنْفُسَكم بِهَذِهِ المَدائِحِ فَقَدِ اسْتَعْظَمْتُمْ أنْفُسَكم فَكَأنَّكم أنْتُمْ بِهَذا الكَلامِ في تَسْبِيحِ أنْفُسِكم لا في تَسْبِيحِي، ولَكِنِ اصْبِرُوا حَتّى يَظْهَرَ البَشَرُ فَيَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النَّمْلِ: ١٩] . صفحة ١٦١ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أعْلَمَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا سَألُوا عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في خَلْقِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ وإسْكانِهِ تَعالى إيّاهم في الأرْضِ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أرادَ تَعالى أنْ يَزِيدَهم بَيانًا، وأنْ يُفَصِّلَ لَهم ذَلِكَ المُجْمَلَ، فَبَيَّنَ تَعالى لَهم مِن فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهم، وذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلَيْهِمْ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ كَمالَ فَضْلِهِ وقُصُورَهم عَنْهُ في العِلْمِ، فَيَتَأكَّدَ ذَلِكَ الجَوابُ الإجْمالِيُّ بِهَذا الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأشْعَرِيُّ والجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: اللُّغاتُ كُلُّها تَوْقِيفِيَّةٌ، بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِتِلْكَ الألْفاظِ، وتِلْكَ المَعانِي، وبِأنَّ تِلْكَ الألْفاظَ مَوْضُوعَةٌ لِتِلْكَ المَعانِي، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ والكَلامُ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وجَوابًا ذَكَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ. وقالَ أبُو هاشِمٍ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ لُغَةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ، واحْتَجَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الوَضْعُ مَسْبُوقًا بِالِاصْطِلاحِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ تَعالى وضَعَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِهَذا المَعْنى لَكانَ ذَلِكَ العِلْمُ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْعاقِلِ أوْ لِغَيْرِ العاقِلِ، لا جائِزٌ أنْ يَحْصُلَ لِلْعاقِلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ تَعالى وضَعَ ذَلِكَ اللَّفْظَ لِذَلِكَ المَعْنى لَصارَتْ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ مَعَ أنَّ ذاتَهُ مَعْلُومَةٌ بِالِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ولا جائِزَ أنْ يَحْصُلَ لِغَيْرِ العاقِلِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ في العُقُولِ أنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللُّغاتِ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِكَمِ العَجِيبَةِ لِغَيْرِ العاقِلِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْقِيفِ فاسِدٌ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المَلائِكَةَ وذَلِكَ يُوجِبُ تَقَدُّمَ لُغَةٍ عَلى ذَلِكَ التَّكَلُّمِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعْلِيمِ إلى الأسْماءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي في تِلْكَ الأسْماءِ أنَّها كانَتْ أسْماءً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ اللُّغاتُ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ. ورابِعُها: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَحَدّى المَلائِكَةَ بِعِلْمِ الأسْماءِ فَلا بُدَّ وأنْ تَعْلَمَ المَلائِكَةُ كَوْنَهُ صادِقًا في تَعْيِينِ تِلْكَ الأسْماءِ لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِصِدْقِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وضْعُ تِلْكَ الأسْماءِ لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ مُتَقَدِّمًا عَلى ذَلِكَ التَّعْلِيمِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بِخَلْقِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّ واضِعًا وضَعَ هَذِهِ الأسْماءَ لِهَذِهِ المُسَمَّياتِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ أنَّ ذَلِكَ الواضِعَ هو اللَّهُ تَعالى أوِ النّاسُ ؟ وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ أنْ تَصِيرَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ حالَ كَوْنِ الذّاتِ مَعْلُومَةً بِالدَّلِيلِ، سَلَّمْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا العِلْمَ في العاقِلِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ صفحة ١٦٢ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ في غَيْرِ العاقِلِ، والتَّعْوِيلُ عَلى الِاسْتِعْبادِ في هَذا المَقامِ مُسْتَبْعَدٌ، وعَنِ الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: خاطَبَ المَلائِكَةَ بِطَرِيقٍ آخَرَ بِالكِتابَةِ وغَيْرِها، وعَنِ الثّالِثِ: لا شَكَّ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى وضْعَ تِلْكَ الألْفاظِ لِتِلْكَ المَعانِي سابِقَةٌ عَلى التَّعْلِيمِ، فَكَفى ذَلِكَ في إضافَةِ التَّعْلِيمِ إلى الأسْماءِ، وعَنِ الرّابِعِ: ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

البقرة 2:31

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ أيْ عَلَّمَهُ صِفاتِ الأشْياءِ ونُعُوتَها وخَواصَّها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ اشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ السِّمَةِ أوْ مِنَ السُّمُوِّ، فَإنْ كانَ مِنَ السِّمَةِ كانَ الِاسْمُ هو العَلامَةَ، وصِفاتُ الأشْياءِ ونُعُوتُها وخَواصُّها دالَّةٌ عَلى ماهِيّاتِها، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْماءِ: الصِّفاتُ، وإنْ كانَ مِنَ السُّمُوِّ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلِيلَ الشَّيْءِ كالمُرْتَفِعِ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ حاصِلٌ قَبْلَ العِلْمِ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ الدَّلِيلُ أسْمى في الحَقِيقَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أنَّ أهْلَ النَّحْوِ خَصَّصُوا لَفْظَ الِاسْمِ بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ عُرْفٌ حادِثٌ لا اعْتِبارَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مُمْكِنٌ بِحَسْبَ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لا غَيْرُهُ، لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الفَضِيلَةَ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ الفَضِيلَةِ في مَعْرِفَةِ أسْمائِها، وحَمْلُ الكَلامِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الفَضِيلَةِ عَلى ما يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ التَّحَدِّيَ إنَّما يَجُوزُ ويَحْسُنُ بِما يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن مِثْلِهِ في الجُمْلَةِ، فَإنَّ مَن كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ والفَصاحَةِ، يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي: ائْتِ بِكَلامٍ مِثْلِ كَلامِي في الفَصاحَةِ، أمّا العَرَبِيُّ فَلا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَقُولَ لِلزَّنْجِيِّ في مَعْرِضِ التَّحَدِّي: تَكَلَّمْ بِلُغَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ اللُّغاتِ البَتَّةَ: بَلْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَإنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ، حَصَلَ العِلْمُ بِهِ وإلّا فَلا، أمّا العِلْمُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ، فالعَقْلُ مُتَمَكِّنٌ مِن تَحْصِيلِهِ فَصَحَّ وُقُوعُ التَّحَدِّي فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ أسْماءُ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن أجْناسِ المُحْدَثاتِ مِن جَمِيعِ اللُّغاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها ولَدُ آدَمَ اليَوْمَ مِنَ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، وكانَ ولَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغاتِ، فَلَمّا ماتَ آدَمُ وتَفَرَّقَ ولَدُهُ في نَواحِي العالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسانُ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ وماتَ مِنهم قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سائِرَ اللُّغاتِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَغَيُّرِ الألْسِنَةِ في ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ أسْماءَ المُسَمَّياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، قالُوا: لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ وأنْبَأهم بِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ، وكانَ في المُسَمَّياتِ ما لا يَكُونُ عاقِلًا، فَلِمَ قالَ عَرَضَهم ولَمْ يَقُلْ عَرَضَها ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لَمّا كانَ في جُمْلَتِها المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ وهُمُ العُقَلاءُ، فَغُلِّبَ الأكْمَلُ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِتَغْلِيبِ الكامِلِ عَلى النّاقِصِ كُلَّما غَلَّبُوا. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ عَلى جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَنْبَأهم مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِعَجْزِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . صفحة ١٦٣ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ ما ظَهَرَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِلْمِهِ بِالأسْماءِ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأقْرَبُ أنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى حَوّاءَ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى مَن تَوَجَّهَ التَّحَدِّي إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ كانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الإرْسالُ إلى الرَّسُولِ كَبِعْثَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ العِلْمِ لَهُ ناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ ناقِضٌ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ بِاللُّغَةِ لِمَن عَلَّمَهُ تَعالى، وعَدَمَ حُصُولِهِ لِمَن لَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ لَيْسَ بِناقِضٍ لِلْعادَةِ، وأيْضًا فَإمّا أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ عَلِمُوا كَوْنَ تِلْكَ الأسْماءِ مَوْضُوعَةً لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ أوْ ما عَلِمُوا ذَلِكَ، فَإنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَقَدْ قَدَرُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا أسْماءَ تِلْكَ المُسَمَّياتِ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ المُعارَضَةُ ولا تَظْهَرُ المَزِيَّةُ والفَضِيلَةُ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ عَرَفُوا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أصابَ فِيما ذَكَرَ مِن كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الألْفاظِ اسْمًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المُسَمَّياتِ ؟ واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ هَذا السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: رُبَّما كانَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ لُغَةٌ مِن هَذِهِ اللُّغاتِ، وكانَ كُلُّ صِنْفٍ جاهِلًا بِلُغَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ، ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ أصْنافِ المَلائِكَةِ حَضَرُوا، وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ تِلْكَ اللُّغاتِ بِأسْرِها، فَعَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ إصابَتَهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ خاصَّةً، فَعَرَفُوا بِهَذا الطَّرِيقِ صِدْقَهُ إلّا أنَّهم بِأسْرِهِمْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ تِلْكَ اللُّغاتِ بِأسْرِها، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. الثّانِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى عَرَّفَهم قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الأسْماءَ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى صِدْقِ آدَمَ، فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الأسْماءَ عَرَفُوا صِدْقَهُ فِيها، فَعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، سَلَّمْنا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الكَراماتِ، أوْ مِن بابِ الإرْهاصِ وهُما عِنْدَنا جائِزانِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعًا عَلى الكَلامِ فِيهِما، واحْتَجَّ مَن قَطَعَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ لَكانَ قَدْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ، أمّا المُلازَمَةُ فَلِأنَّ صُدُورَ الزَّلَّةِ عَنْهُ كانَ بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالِاتِّفاقِ، وتِلْكَ الزَّلَّةُ مِن بابِ الكَبائِرِ عَلى ما سَيَأْتِي شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والإقْدامُ عَلى الكَبِيرَةِ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الطَّرْدِ والتَّحْقِيرِ واللَّعْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ غَيْرُ جائِزٍ فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وثانِيها: لَوْ كانَ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ كانَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى المَلائِكَةِ أوِ الإنْسِ أوِ الجِنِّ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُ الأدْوَنِ رَسُولًا إلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ [قائِدٌ] والأُمَّةَ تَبَعٌ، وجَعْلُ الأدْوَنِ مَتْبُوعَ الأشْرَفِ خِلافُ الأصْلِ، وأيْضًا فالمَرْءُ إلى قَبُولِ القَوْلِ مِمَّنْ هو مِن جِنْسِهِ أمْكَنُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى البَشَرِ؛ لِأنَّهُ ما كانَ هُناكَ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ إلّا حَوّاءَ، وإنَّ حَوّاءَ إنَّما عَرَفَتِ التَّكْلِيفَ لا بِواسِطَةِ آدَمَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٥] شافَهَهُما بِهَذا التَّكْلِيفِ، وما جَعَلَ آدَمَ واسِطَةً، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى الجِنِّ؛ لِأنَّهُ ما كانَ في السَّماءِ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ، ولا جائِزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَعْلِهِ رَسُولا التَّبْلِيغُ فَحَيْثُ لا مُبَلَّغَ لَمْ يَكُنْ صفحة ١٦٤ فِي جَعْلِهِ رَسُولًا فائِدَةٌ، وهَذا الوَجْهُ لَيْسَ في غايَةِ القُوَّةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [طَهَ: ١٢٢] فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما اجْتَباهُ بَعْدَ الزَّلَّةِ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَبْلَ الزَّلَّةِ ما كانَ مُجْتَبًى، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتَ مُجْتَبًى وجَبَ أنْ لا يَكُونَ رَسُولًا؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ والِاجْتِباءَ مُتَلازِمانِ؛ لِأنَّ الِاجْتِباءَ لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّخْصِيصُ بِأنْواعِ التَّشْرِيفاتِ، وكُلُّ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا فَقَدْ خَصَّهُ بِذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤] . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: مَعْناهُ أعْلِمُونِي أسْماءَ هَؤُلاءِ إنْ عَلِمْتُمْ أنَّكم تَكُونُونَ صادِقِينَ في ذَلِكَ الإعْلامِ. وثانِيها: مَعْناهُ أخْبِرُونِي ولا تَقُولُوا إلّا حَقًّا وصِدْقًا، فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّوْكِيدَ لِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ؛ لِأنَّهُ مَتى تَمَكَّنَ في أنْفُسِهِمُ العِلْمُ بِأنَّهم إنْ أخْبَرُوا لَمْ يَكُونُوا صادِقِينَ ولا لَهم إلَيْهِ سَبِيلٌ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم أنَّهُ لا شَيْءَ مِمّا يَتَعَبَّدُ بِهِ الخَلْقُ إلّا وأنْتُمْ تَصْلُحُونَ [لَهُ]، وتَقُومُونَ بِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ. ورابِعُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم أنِّي لَمْ أخْلُقْ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ فَأخْبِرُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ العِلْمِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ما أظْهَرَ كَمالَ حِكْمَتِهِ في خَلْقِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِأنْ أظْهَرَ عِلْمَهُ، فَلَوْ كانَ في الإمْكانِ وُجُودُ شَيْءٍ أشْرَفَ مِنَ العِلْمِ لَكانَ مِنَ الواجِبِ إظْهارُ فَضْلِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لا بِالعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والمَنقُولُ، أمّا الكِتابُ فَوُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى العِلْمَ بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَظَّمَ أمْرَ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ العِلْمِ. بَيانُ أنَّهُ تَعالى سَمّى العِلْمَ بِالحِكْمَةِ ما يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ. وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٩] . وثالِثُها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ في النِّساءِ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ٥٤] يَعْنِي النُّبُوَّةَ وفي ص: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥١] . ورابِعُها: القُرْآنُ في النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وفي البَقَرَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] . وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ، ثُمَّ تَفَكَّرْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أعْطى مِنَ العِلْمِ إلّا القَلِيلَ قالَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] فَما سَمّاهُ قَلِيلًا لا يُمْكِنُنا أنْ نُدْرِكَ كَمِّيَّتَهُ فَما ظَنُّكَ بِما سَمّاهُ كَثِيرًا، ثُمَّ البُرْهانُ العَقْلِيُّ عَلى قِلَّةِ الدُّنْيا وكَثْرَةِ الحِكْمَةِ أنَّ الدُّنْيا مُتَناهِي القَدْرِ مُتَناهِي العَدَدِ مُتَناهِي المُدَّةِ، والعِلْمُ لا نِهايَةَ لِقَدْرِهِ وعَدَدِهِ ومُدَّتِهِ، ولا لِلسِّعاداتِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ سَبْعِ نَفَرٍ صفحة ١٦٥ فِي كِتابِهِ، فَرَّقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائِدَةِ: ١٠٠] يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ، وفَرَّقَ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وفَرَّقَ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ فَقالَ: ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وفَرَّقَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبَيْنَ الظِّلِّ والحَرُورِ، وإذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ كُلَّ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٥٩] والمُرادُ مِن أُولِي الأمْرِ العُلَماءُ في أصَحِّ الأقْوالِ؛ لِأنَّ المُلُوكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَةُ العُلَماءِ ولا يَنْعَكِسُ، ثُمَّ انْظُرْ إلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ العالِمِ في مَوْضِعَيْنِ مِن كِتابِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ قالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨]، وقالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٥٩] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى زادَ في الإكْرامِ فَجَعَلَهم في المَرْتَبَةِ الأُولى في آيَتَيْنِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] وقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٤٣] . الرّابِعُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الدَّرَجاتِ لِأرْبَعَةِ أصْنافٍ: أوَّلُها: لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٤] . والثّانِيَةُ: لِلْمُجاهِدِينَ قالَ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ [النِّساءِ: ٩٥] . والثّالِثَةُ: لِلصّالِحِينَ قالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ [طَهَ: ٧٥] . الرّابِعَةُ: لِلْعُلَماءِ، قالَ: ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] واللَّهُ فَضَّلَ أهْلَ بَدْرٍ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَرَجاتٍ، وفَضَّلَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ بِدَرَجاتٍ، وفَضَّلَ الصّالِحِينَ عَلى هَؤُلاءِ بِدَرَجاتٍ، ثُمَّ فَضَّلَ العُلَماءَ عَلى جَمِيعِ الأصْنافِ بِدَرَجاتٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العُلَماءُ أفْضَلَ النّاسِ. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العُلَماءَ في كِتابِهِ بِخَمْسِ مَناقِبَ، أحَدُها: الإيمانُ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] . وثانِيها: التَّوْحِيدُ والشَّهادَةُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] . وثالِثُها: البُكاءُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٩] . ورابِعُها: الخُشُوعُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٧] الآيَةَ. وخامِسُها: الخَشْيَةُ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] أمّا الأخْبارُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عُتَقاءِ اللَّهِ مِنَ النّارِ فَلْيَنْظُرْ إلى المُتَعَلِّمِينَ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إلى بابِ عالِمٍ إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبادَةَ سَنَةٍ، وبَنى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً في الجَنَّةِ، ويَمْشِي عَلى الأرْضِ والأرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، ويُمْسِي ويُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ، وشَهِدَتِ المَلائِكَةُ لَهم بِأنَّهم عُتَقاءُ اللَّهِ مِنَ النّارِ» “ . وثانِيها: عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن طَلَبَ العِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ العِلْمُ، فَيَكُونَ لِلَّهِ، ومَن طَلَبَ العِلْمَ لِلَّهِ فَهو كالصّائِمِ نَهارَهُ وكالقائِمِ لَيْلَهُ، وإنَّ بابًا مِنَ العِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِن صفحة ١٦٦ أنْ يَكُونَ لَهُ أبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا فَيُنْفِقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ» “ . وثالِثُها: عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا ”«مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ» “ . ورابِعُها: أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ مَرْفُوعًا ”«يَبْعَثُ اللَّهُ العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ العُلَماءَ فَيَقُولُ: يا مَعْشَرَ العُلَماءِ، إنِّي لَمْ أضَعْ نُورِي فِيكم إلّا لِعِلْمِي بِكم، ولَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم لِأُعَذِّبَكم، انْطَلِقُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» “ . وخامِسُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مُعَلِّمُ الخَيْرِ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ طَيْرُ السَّماءِ ودَوابُّ الأرْضِ وحِيتانُ البُحُورِ» “ . وسادِسُها: أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ”«مَن صَلّى خَلْفَ عالِمٍ مِنَ العُلَماءِ فَكَأنَّما صَلّى خَلْفَ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ» “ . وسابِعُها: ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا ”«فُضِّلَ العالِمُ عَلى العابِدِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ عَدْوُ الفَرَسِ سَبْعِينَ عامًا، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ يَضَعُ البِدْعَةَ لِلنّاسِ فَيُبْصِرُها العالِمُ فَيُزِيلُها، والعابِدُ يُقْبِلُ عَلى عِبادَتِهِ لا يَتَوَجَّهُ ولا يَتَعَرَّفُ لَها» “ . وثامِنُها: الحَسَنُ مَرْفُوعًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى خُلَفائِي، فَقِيلَ: مَن خُلَفاؤُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي ويُعَلِّمُونَها عِبادَ اللَّهِ» “ . وتاسِعُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن خَرَجَ يَطْلُبُ بابًا مِنَ العِلْمِ لِيَرُدَّ بِهِ باطِلًا إلى حَقٍّ أوْ ضَلالًا إلى هُدًى كانَ عَمَلُهُ كَعِبادَةِ أرْبَعِينَ عامًا» “ . وعاشِرُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ ”«لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ» “ . الحادِيَ عَشَرَ: ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا ”«مَن طَلَبَ العِلْمَ لِيُحَدِّثَ بِهِ النّاسَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ أعْطاهُ أجْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا» “ . الثّانِي عَشَرَ: عامِرٌ الجُهَنِيُّ مَرْفُوعًا ”«يُؤْتى بِمِدادِ طالِبِ العِلْمِ ودَمِ الشَّهِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُفَضَّلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ» “ وفي رِوايَةٍ «فَيُرَجَّحُ مِدادُ العُلَماءِ» . الثّالِثَ عَشَرَ: أبُو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ: ”«أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَما هو جالِسٌ والنّاسُ مَعَهُ إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ أمّا أحَدُهم فَرَأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ إلَيْها، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهم، وأمّا الثّالِثُ فَإنَّهُ رَجَعَ وفَرَّ، فَلَمّا فَرَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَلامِهِ قالَ: أُخْبِرُكم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ، أمّا الأوَّلُ: فَآوى إلى اللَّهِ فَآواهُ اللَّهُ، وأمّا الثّانِي: فاسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ، وأمّا الثّالِثُ: فَأعْرَضَ عَنِ اللَّهِ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. * * * وأمّا الآثارُ فَمِن وُجُوهٍ: (أ) العالِمُ أرْأفُ بِالتِّلْمِيذِ مِنَ الأبِ والأُمِّ؛ لِأنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ يَحْفَظُونَهُ مِن نارِ الدُّنْيا وآفاتِها، والعُلَماءُ يَحْفَظُونَهُ مِن نارِ الآخِرَةِ وشَدائِدِها. (ب) قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: بِمَ وجَدْتَ هَذا العِلْمَ ؟ قالَ: بِلِسانٍ سَئُولٍ، وقَلْبٍ عَقُولٍ. (ج) قالَ بَعْضُهم: سَلْ مَسْألَةَ الحَمْقى، واحْفَظْ حِفْظَ الأكْياسِ. (د) مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ تَعَلَّمِ العِلْمَ فَإنْ كانَ لَكَ مالٌ كانَ العِلْمُ لَكَ جَمالًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مالٌ كانَ العِلْمُ لَكَ مالًا. (ه) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: لا خَيْرَ في الصَّمْتِ عَنِ العِلْمِ كَما لا خَيْرَ في الكَلامِ عَنِ الجَهْلِ. (و) قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: العُلَماءُ ثَلاثَةٌ عالِمٌ صفحة ١٦٧ بِاللَّهِ غَيْرُ عالِمٍ بِأمْرِ اللَّهِ، وعالِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرُ عالِمٍ بِاللَّهِ، وعالِمٌ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو عَبْدٌ قَدِ اسْتَوْلَتِ المَعْرِفَةُ الإلَهِيَّةُ عَلى قَلْبِهِ، فَصارَ مُسْتَغْرِقًا بِمُشاهَدَةِ نُورِ الجَلالِ وصَفَحاتِ الكِبْرِياءِ، فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَعَلُّمِ عِلْمِ الأحْكامِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ. الثّانِي: هو الَّذِي يَكُونُ عالِمًا بِأمْرِ اللَّهِ وغَيْرَ عالِمٍ بِاللَّهِ وهو الَّذِي عَرَفَ الحَلالَ والحَرامَ وحَقائِقَ الأحْكامِ لَكِنَّهُ لا يَعْرِفُ أسْرارَ جَلالِ اللَّهِ. أمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَهو جالِسٌ عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ المَعْقُولاتِ وعالَمِ المَحْسُوساتِ فَهو تارَةً مَعَ اللَّهِ بِالحُبِّ لَهُ، وتارَةً مَعَ الخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، فَإذا رَجَعَ مِن رَبِّهِ إلى الخَلْقِ صارَ مَعَهم كَواحِدٍ مِنهم كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، وإذا خَلا بِرَبِّهِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِهِ وخِدْمَتِهِ فَكَأنَّهُ لا يَعْرِفُ الخَلْقَ، فَهَذا سَبِيلُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سائِلِ العُلَماءَ، وخالِطِ الحُكَماءَ، وجالِسِ الكُبَراءَ» “ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «سائِلِ العُلَماءَ» أيِ العُلَماءَ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرَ العالِمِينَ بِاللَّهِ، فَأمَرَ بِمُساءَلَتِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اللَّهِ اسْتِفْتاءً مِنهم، وأمّا الحُكَماءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أوامِرَ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُخالَطَتِهِمْ، وأمّا الكُبَراءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُجالَسَتِهِمْ؛ لِأنَّ في تِلْكَ المُجالَسَةِ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ثَلاثُ عَلاماتٍ، أمّا العالِمُ بِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ ثَلاثُ عَلاماتٍ: أنْ يَكُونَ ذاكِرًا بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ، وأنْ يَكُونَ خائِفًا مِنَ الخَلْقِ دُونَ الرَّبِّ، وأنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ النّاسِ في الظّاهِرِ ولا يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ في السِّرِّ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ ذاكِرًا خائِفًا مُسْتَحْيِيًا. أمّا الذِّكْرُ فَذِكْرُ القَلْبِ لا ذِكْرُ اللِّسانِ، وأمّا الخَوْفُ فَخَوْفُ الرِّياءِ لا خَوْفُ المَعْصِيَةِ، وأمّا الحَياءُ فَحَياءُ ما يَخْطُرُ عَلى القَلْبِ لا حَياءُ الظّاهِرِ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ سِتَّةُ أشْياءَ، الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرْناها لِلْعالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ مَعَ ثَلاثَةٍ أُخْرى: كَوْنُهُ جالِسًا عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ الغَيْبِ وعالَمِ الشَّهادَةِ، وكَوْنُهُ مُعَلِّمًا لِلْقِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَحْتاجُ الفَرِيقانِ الأوَّلانِ إلَيْهِ وهو يَسْتَغْنِي عَنْهُما، ثُمَّ قالَ: مَثَلُ العالِمِ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، ومَثَلُ العالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ، كَمَثَلِ القَمَرِ يَكْمُلُ تارَةً ويَنْقُصُ تارَةً أُخْرى، ومَثَلُ العالِمِ بِأمْرِ اللَّهِ فَقَطْ، كَمَثَلِ السِّراجِ يُحْرِقُ نَفْسَهُ ويُضِيءُ لِغَيْرِهِ. (ز) قالَ فَتْحٌ المَوْصِلِيُّ: ألَيْسَ المَرِيضُ إذا امْتَنَعَ عَنْهُ الطَّعامُ والشَّرابُ والدَّواءُ يَمُوتُ ؟ فَكَذا القَلْبُ إذا امْتَنَعَ عَنْهُ العِلْمُ والفِكْرُ والحِكْمَةُ يَمُوتُ. (ح) قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: النّاسُ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسِي عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: كافِرٌ مَحْضٌ، ومُنافِقٌ مَحْضٌ، ومُؤْمِنٌ مَحْضٌ، وذَلِكَ لِأنِّي أُفَسِّرُ القُرْآنَ فَأقُولُ عَنِ اللَّهِ وعَنِ الرَّسُولِ فَمَن لا يُصَدِّقُنِي فَهو كافِرٌ مَحْضٌ، ومَن ضاقَ قَلْبُهُ مِنهُ فَهو مُنافِقٌ مَحْضٌ، ومِن نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ، وعَزَمَ عَلى أنْ لا يُذْنِبَ كانَ مُؤْمِنًا مَحْضًا. وقالَ أيْضًا: ثَلاثَةٌ مِنَ النَّوْمِ يُبْغِضُها اللَّهُ تَعالى، وثَلاثَةٌ مِنَ الضَّحِكِ: النَّوْمُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وقَبْلَ صَلاةِ العَتَمَةِ، والنَّوْمُ في الصَّلاةِ، والنَّوْمُ عِنْدَ مَجْلِسِ الذِّكْرِ، والضَّحِكُ خَلْفَ الجِنازَةِ، والضَّحِكُ في المَقابِرِ، والضَّحِكُ في مَجْلِسِ الذِّكْرِ. (ط) قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ [الرَّعْدِ: ١٧] السَّيْلُ هَهُنا العِلْمُ، شَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِالماءِ لِخَمْسِ خِصالٍ: أحَدُها: كَما أنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَذَلِكَ العِلْمُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ. والثّانِي: كَما أنَّ إصْلاحَ الأرْضِ بِالمَطَرِ فَإصْلاحُ الخَلْقِ بِالعِلْمِ. الثّالِثُ: كَما أنَّ الزَّرْعَ والنَّباتَ لا يَخْرُجُ بِغَيْرِ المَطَرِ كَذَلِكَ الأعْمالُ والطّاعاتُ لا تَخْرُجُ بِغَيْرِ العِلْمِ. والرّابِعُ: كَما أنَّ المَطَرَ فَرْعُ الرَّعْدِ والبَرْقِ كَذَلِكَ العِلْمُ فَإنَّهُ فَرْعُ الوَعْدِ والوَعِيدِ. الخامِسُ: كَما أنَّ المَطَرَ نافِعٌ وضارٌّ، كَذَلِكَ العِلْمُ نافِعٌ صفحة ١٦٨ وضارٌّ: نافِعٌ لِمَن عَمِلَ بِهِ ضارٌّ لِمَن لَمْ يَعْمَلْ بِهِ. (ي) كَمْ مِن مُذَكِّرٍ بِاللَّهِ ناسٍ لِلَّهِ، وكَمْ مِن مُخَوِّفٍ بِاللَّهِ جَرِيءٌ عَلى اللَّهِ، وكَمْ مِن مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ بَعِيدٌ عَنِ اللَّهِ، وكَمْ مِن داعٍ إلى اللَّهِ فارٌّ مِنَ اللَّهِ، وكَمْ مِن تالٍ كِتابَ اللَّهِ مُنْسَلِخٌ عَنْ آياتِ اللَّهِ. (يا) الدُّنْيا بُسْتانٌ زُيِّنَتْ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: عِلْمُ العُلَماءِ، وعَدْلُ الأُمَراءِ، وعِبادَةُ العُبّادِ، وأمانَةُ التُّجّارِ، ونَصِيحَةُ المُحْتَرِفِينَ. فَجاءَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أعْلامٍ فَأقامَها بِجَنْبِ هَذِهِ الخَمْسِ جاءَ بِالحَسَدِ فَرَكَزَهُ في جَنْبِ العِلْمِ، وجاءَ بِالجَوْرِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ العَدْلِ، وجاءَ بِالرِّياءِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ العِبادَةِ، وجاءَ بِالخِيانَةِ فَرَكَزَها بِجَنْبِ الأمانَةِ، وجاءَ بِالغِشِّ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ النَّصِيحَةِ. (يب) فُضِّلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَلى التّابِعِينَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: لَمْ يَأْمُرْ أحَدًا بِشَيْءٍ حَتّى عَمِلَهُ. والثّانِي: لَمْ يَنْهَ أحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى عَنْهُ. والثّالِثُ: كُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ شَيْئًا مِمّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْخَلْ بِهِ مِنَ العِلْمِ والمالِ. والرّابِعُ: كانَ يَسْتَغْنِي بِعِلْمِهِ عَنِ النّاسِ، والخامِسُ: كانَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ سَواءً. (يج) إذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ عِلْمَكَ يَنْفَعُكَ أمْ لا فاطْلُبْ مِن نَفْسِكَ خَمْسَ خِصالٍ: حُبُّ الفَقْرِ لِقِلَّةِ المُؤْنَةِ، وحُبُّ الطّاعَةِ طَلَبًا لِلثَّوابِ، وحُبُّ الزُّهْدِ في الدُّنْيا طَلَبًا لِلْفَراغِ، وحُبُّ الحِكْمَةِ طَلَبًا لِصَلاحِ القَلْبِ، وحُبُّ الخَلْوَةِ طَلَبًا لِمُناجاةِ الرَّبِّ. (يد) اطْلُبْ خَمْسَةً في خَمْسَةٍ، الأوَّلُ: اطْلُبِ العِزَّ في التَّواضُعِ لا في المالِ والعَشِيرَةِ. والثّانِي: اطْلُبِ الغِنى في القَناعَةِ لا في الكَثْرَةِ. والثّالِثُ: اطْلُبِ الأمْنَ في الجَنَّةِ لا في الدُّنْيا. والرّابِعُ: اطْلُبِ الرّاحَةَ في القِلَّةِ لا في الكَثْرَةِ. والخامِسُ: اطْلُبْ مَنفَعَةَ العِلْمِ في العَمَلِ لا في كَثْرَةِ الرِّوايَةِ. (يه) قالَ ابْنُ المُبارَكِ: ما جاءَ فَسادُ هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا مِن قِبَلِ الخَواصِّ وهم خَمْسَةٌ: العُلَماءُ، والغُزاةُ، والزُّهّادُ: والتُّجّارُ، والوُلاةُ. أمّا العُلَماءُ فَهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وأمّا الزُّهّادُ فَعِمادُ أهْلِ الأرْضِ، وأمّا الغُزاةُ فَجُنْدُ اللَّهِ في الأرْضِ، وأمّا التُّجّارُ فَأُمَناءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وأمّا الوُلاةُ فَهُمُ الرُّعاةُ، فَإذا كانَ العالِمُ لِلدِّينِ واضِعًا ولِلْمالِ رافِعًا فَبِمَن يَقْتَدِي الجاهِلُ ؟ وإذا كانَ الزّاهِدُ في الدُّنْيا راغِبًا فَبِمَن يَقْتَدِي التّائِبُ ؟ وإذا كانَ الغازِي طامِعًا مُرائِيًا فَكَيْفَ يَظْفَرُ بِالعَدُوِّ ؟ وإذا كانَ التّاجِرُ خائِنًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الأمانَةُ ؟ وإذا كانَ الرّاعِي ذِئْبًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الرِّعايَةُ ؟ (يو) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ المالِ بِسَبْعَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: العِلْمُ مِيراثُ الأنْبِياءِ، والمالُ مِيراثُ الفَراعِنَةِ. الثّانِي: العِلْمُ لا يَنْقُصُ بِالنَّفَقَةِ والمالُ يَنْقُصُ. والثّالِثُ: يَحْتاجُ المالُ إلى الحافِظِ والعِلْمُ يَحْفَظُ صاحِبَهُ. والرّابِعُ: إذا ماتَ الرَّجُلُ يَبْقى مالُهُ والعِلْمُ يَدْخُلُ مَعَ صاحِبِهِ قَبْرَهُ. والخامِسُ: المالُ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والعِلْمُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ. والسّادِسُ: جَمِيعُ النّاسِ يَحْتاجُونَ إلى صاحِبِ العِلْمِ في أمْرِ دِينِهِمْ، ولا يَحْتاجُونَ إلى صاحِبِ المالِ. السّابِعُ: العِلْمُ يُقَوِّي الرَّجُلَ عَلى المُرُورِ عَلى الصِّراطِ، والمالُ يَمْنَعُهُ. (يز) قالَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ: إنَّ مَن يَجْلِسُ عِنْدَ العالِمِ ولا يَقْدِرُ أنْ يَحْفَظَ مِن ذَلِكَ العِلْمِ شَيْئًا فَلَهُ سَبْعُ كَراماتٍ: أوَّلُها: يَنالُ فَضْلَ المُتَعَلِّمِينَ. والثّانِي: ما دامَ جالِسًا عِنْدَهُ كانَ مَحْبُوسًا عَنِ الذُّنُوبِ. والثّالِثُ: إذا خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِ. والرّابِعُ: إذا جَلَسَ في حَلْقَةِ العِلْمِ فَإذا نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ حَصَلَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ. والخامِسُ: ما دامَ يَكُونُ في الِاسْتِماعِ، تُكْتَبُ لَهُ طاعَةٌ. والسّادِسُ: إذا اسْتَمَعَ ولَمْ يَفْهَمْ ضاقَ قَلْبُهُ لِحِرْمانِهِ عَنْ إدْراكِ العِلْمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الغَمُّ وسِيلَةً لَهُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي“ . والسّابِعُ: يَرى إعْزازَ المُسْلِمِينَ لِلْعالِمِ وإذْلالَهم لِلْفُسّاقِ فَيُرَدُّ قَلْبُهُ صفحة ١٦٩ عَنِ الفِسْقِ ويَمِيلُ طَبْعُهُ إلى العِلْمِ؛ فَلِهَذا أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُجالَسَةِ الصّالِحِينَ. * * * (يح) قِيلَ: مِنَ العُلَماءِ مَن يَضِنُّ بِعِلْمِهِ، ولا يُحِبُّ أنْ يُوجَدَ عِنْدَ غَيْرِهِ فَذاكَ في الدَّرْكِ الأوَّلِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَكُونُ في عِلْمِهِ بِمَنزِلَةِ السُّلْطانِ، فَإنْ رُدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حَقِّهِ غَضِبَ، فَذاكَ في الدَّرْكِ الثّانِي مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَجْعَلُ حَدِيثَهُ وغَرائِبَ عِلْمِهِ لِأهْلِ الشَّرَفِ واليَسارِ، ولا يَرى الفُقَراءَ لَهُ أهْلًا، فَذاكَ في الدَّرْكِ الثّالِثِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن كانَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ إنْ وعَظَ عَنَّفَ، وإنَّ وُعِظَ أنِفَ، فَذاكَ في الدَّرْكِ الرّابِعِ مِنَ النّارِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن يَنْصِبُ نَفْسَهُ لَلْفُتْيا فَيُفْتِي خَطَأً، فَذاكَ في الدَّرْكِ الخامِسِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَتَعَلَّمُ كَلامَ المُبْطِلِينَ فَيَمْزُجُهُ بِالدِّينِ فَهو في الدَّرْكِ السّادِسِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَطْلُبُ العِلْمَ لِوُجُوهِ النّاسِ فَذاكَ في الدَّرْكِ السّابِعِ مِنَ النّارِ. (يط) قالَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ: مَن جَلَسَ مَعَ ثَمانِيَةِ أصْنافٍ مِنَ النّاسِ زادَهُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أشْياءَ، مَن جَلَسَ مَعَ الأغْنِياءِ زادَهُ اللَّهُ حُبَّ الدُّنْيا والرَّغْبَةَ فِيها، ومَن جَلَسَ مَعَ الفُقَراءِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الشُّكْرَ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ، ومَن جَلَسَ مَعَ السُّلْطانِ زادَهُ اللَّهُ القَسْوَةَ والكِبْرَ، ومَن جَلَسَ مَعَ النِّساءِ زادَهُ اللَّهُ الجَهْلَ والشَّهْوَةَ، ومَن جَلَسَ مَعَ الصِّبْيانِ ازْدادَ مِنَ اللَّهْوِ والمِزاحِ، ومَن جَلَسَ مَعَ الفُسّاقِ ازْدادَ مِنَ الجُرْأةِ عَلى الذُّنُوبِ وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، ومَن جَلَسَ مَعَ الصّالِحِينَ ازْدادَ رَغْبَةً في الطّاعاتِ، ومَن جَلَسَ مَعَ العُلَماءِ ازْدادَ العِلْمَ والوَرَعَ. (يي) إنَّ اللَّهَ عَلَّمَ سَبْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ أشْياءَ: (أ) عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ . (ب) عَلَّمَ الخَضِرَ الفِراسَةَ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٥] . (ج) وعَلَّمَ يُوسُفَ عِلْمَ التَّعْبِيرِ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] . (د) عَلَّمَ داوُدَ صَنْعَةَ الدِّرْعِ ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨٠] . (ه) عَلَّمَ سُلَيْمانَ مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴿ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النَّمْلِ: ١٦] . (و) عَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٨] . (ز) وعَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ الشَّرْعَ والتَّوْحِيدَ ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النِّساءِ: ١١٣]، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٩]، ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١ - ٢] . فَعِلْمُ آدَمَ كانَ سَبَبًا لَهُ في حُصُولِ السَّجْدَةِ والتَّحِيَّةِ، وعِلْمُ الخَضِرِ كانَ سَبَبًا لِأنْ وجَدَ تِلْمِيذًا مِثْلَ مُوسى ويُوشَعَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وعِلْمُ يُوسُفَ كانَ سَبَبًا لِوِجْدانِ الأهْلِ والمَمْلَكَةِ، وعِلْمُ داوُدَ كانَ سَبَبًا لِوِجْدانِ الرِّياسَةِ والدَّرَجَةِ، وعِلْمُ سُلَيْمانَ كانَ سَبَبًا لِوِجْدانِ بِلْقِيسَ والغَلَبَةِ، وعِلْمُ عِيسى كانَ سَبَبًا لِزَوالِ التُّهْمَةِ عَنْ أُمِّهِ، وعِلْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ سَبَبًا لِوُجُودِ الشَّفاعَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: مَن عَلِمَ أسْماءَ المَخْلُوقاتِ وجَدَ التَّحِيَّةَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَمَن عَلِمَ ذاتَ الخالِقِ وصِفاتِهِ أما يَجِدُ تَحِيَّةَ المَلائِكَةِ ؟ بَلْ يَجِدُ تَحِيَّةَ الرَّبِّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] والخَضِرُ وجَدَ بِعِلْمِ الفِراسَةِ صُحْبَةَ مُوسى، فَيا أُمَّةَ الحَبِيبِ بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا تَجِدُونَ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩]، ويُوسُفُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا نَجا مِن حَبْسِ الدُّنْيا، فَمَن كانَ عالِمًا بِتَأْوِيلِ كِتابِ اللَّهِ كَيْفَ لا يَنْجُو مِن حَبْسِ الشَّهَواتِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يُونُسَ: ٢٥] وأيْضًا فَإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يُوسُفَ: ١٠١] . فَأنْتَ يا عالِمُ أما تَذْكُرُ مِنَّةَ اللَّهِ عَلى نَفْسِكَ حَيْثُ عَلَّمَكَ تَفْسِيرَ كِتابِهِ ؟ فَأيُّ نِعْمَةٍ أجَلُّ مِمّا أعْطاكَ اللَّهُ ؟! حَيْثُ جَعَلَكَ مُفَسِّرًا لِكَلامِهِ، وسَمِيًّا لِنَفْسِهِ، ووارِثًا لِنَبِيِّهِ، وداعِيًا لِخَلْقِهِ، وواعِظًا لِعِبادِهِ، وسِراجًا لِأهْلِ بِلادِهِ، وقائِدًا لِلْخَلْقِ إلى جَنَّتِهِ وثَوابِهِ، وزاجِرًا لَهم عَنْ نارِهِ وعِقابِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «العُلَماءُ سادَةٌ، والفُقَهاءُ قادَةٌ، ومُجالَسَتُهم زِيادَةٌ» (كا) المُؤْمِنُ لا يَرْغَبُ في طَلَبِ العِلْمِ حَتّى يَرى سِتَّ خِصالٍ مِن نَفْسِهِ. أحَدُها: أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ صفحة ١٧٠ أمَرَنِي بِأداءِ الفَرائِضِ، وأنا لا أقْدِرُ عَلى أدائِها إلّا بِالعِلْمِ. الثّانِيَةُ: أنْ يَقُولَ: نَهانِي عَنِ المَعاصِي وأنا لا أقْدِرُ عَلى اجْتِنابِها إلّا بِالعِلْمِ. الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيَّ شُكْرَ نِعَمِهِ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ. والرّابِعَةُ: أمَرَنِي بِإنْصافِ الخَلْقِ وأنا لا أقْدِرُ أنْ أُنْصِفَهم إلّا بِالعِلْمِ. والخامِسَةُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِالصَّبْرِ عَلى بَلائِهِ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ. والسّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِالعَداوَةِ مَعَ الشَّيْطانِ ولا أقْدِرُ عَلَيْها إلّا بِالعِلْمِ. (كب) طَرِيقُ الجَنَّةِ في أيْدِي أرْبَعَةٍ: العالِمِ والزّاهِدِ والعابِدِ والمُجاهِدِ، فالزّاهِدُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الأمْنَ، والعابِدُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الخَوْفَ، والمُجاهِدُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الثَّناءَ والحَمْدَ، والعالِمُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ. (كج) اطْلُبْ أرْبَعَةً مِن أرْبَعَةٍ: مِنَ المَوْضِعِ السَّلامَةَ، ومِنَ الصّاحِبِ الكَرامَةَ، ومِنَ المالِ الفَراغَةَ، ومِنَ العِلْمِ المَنفَعَةَ، فَإذا لَمْ تَجِدْ مِنَ المَوْضِعِ السَّلامَةَ فالسِّجْنُ خَيْرٌ مِنهُ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن صاحِبِكَ الكَرامَةَ فالكَلْبُ خَيْرٌ مِنهُ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن مالِكَ الفَراغَةَ فالمَدَرُ خَيْرٌ مِنهُ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِنَ العِلْمِ المَنفَعَةَ فالمَوْتُ خَيْرٌ مِنهُ. (كد) لا تَتِمُّ أرْبَعَةُ أشْياءَ إلّا بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: لا يَتِمُّ الدِّينُ إلّا بِالتَّقْوى، ولا يَتِمُّ القَوْلُ إلّا بِالفِعْلِ، ولا تَتِمُّ المُرُوءَةُ إلّا بِالتَّواضُعِ، ولا يَتِمُّ العِلْمُ إلّا بِالعَمَلِ، فالدِّينُ بِلا تَقْوى عَلى الخَطَرِ، والقَوْلُ بِلا فِعْلٍ كالهَدْرِ، والمُرُوءَةُ بِلا تَواضُعٍ كَشَجَرٍ بِلا ثَمَرٍ، والعِلْمُ بِلا عَمَلٍ كَغَيْثٍ بِلا مَطَرٍ. (كه) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ: قِوامُ الدُّنْيا بِأرْبَعَةٍ بِعالِمٍ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وجاهِلٍ لا يَسْتَنْكِفُ مِن تَعَلُّمِهِ، وغَنِيٍّ لا يَبْخَلُ بِمالِهِ، وفَقِيرٍ لا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ، فَإذا لَمْ يَعْمَلِ العالِمُ بِعِلْمِهِ اسْتَنْكَفَ الجاهِلُ مِن تَعَلُّمِهِ، وإذا بَخِلَ الغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ باعَ الفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ، فالوَيْلُ لَهم والثُّبُورُ سَبْعِينَ مَرَّةً. (كو) قالَ الخَلِيلُ: الرِّجالُ أرْبَعَةٌ رَجُلٌ يَدْرِي، ويَدْرِي أنَّهُ يَدْرِي فَهو عالِمٌ فاتَّبِعُوهُ، ورَجُلٌ يَدْرِي ولا يَدْرِي أنَّهُ يَدْرِي فَهو نائِمٌ فَأيْقِظُوهُ، ورَجُلٌ لا يَدْرِي ويَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي فَهو مُسْتَرْشِدٌ فَأرْشِدُوهُ، ورَجُلٌ لا يَدْرِي، ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي فَهو شَيْطانٌ فاجْتَنِبُوهُ. (كز) أرْبَعَةٌ لا يَنْبَغِي لِلشَّرِيفِ أنْ يَأْنَفَ مِنها، وإنْ كانَ أمِيرًا: قِيامُهُ مِن مَجْلِسِهِ لِأبِيهِ، وخِدْمَتُهُ لِضَيْفِهِ، وخِدْمَتُهُ لِلْعالِمِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنهُ، والسُّؤالُ عَمًّا لا يَعْلَمُ مِمَّنْ هو أعْلَمُ مِنهُ. (كح) إذا اشْتَغَلَ العُلَماءُ بِجَمْعِ الحَلالِ صارَ العَوامُّ آكِلِينَ لِلشُّبُهاتِ، وإذا صارَ العالِمُ آكِلًا لِلشُّبَهاتِ صارَ العامِّيُّ آكِلًا لِلْحَرامِ، وإذا صارَ العالِمُ آكِلًا لِلْحَرامِ صارَ العامِّيُّ كافِرًا يَعْنِي إذا اسْتَحَلُّوا. أمّا الوُجُوهُ العَقْلِيَّةُ فَأُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ الأُمُورَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، قِسْمٌ يَرْضاهُ العَقْلُ ولا تَرْضاهُ الشَّهْوَةُ، وقِسْمٌ تَرْضاهُ الشَّهْوَةُ، ولا يَرْضاهُ العَقْلُ، وقِسْمٌ يَرْضاهُ العَقْلُ والشَّهْوَةُ مَعًا، وقِسْمٌ لا يَرْضاهُ العَقْلُ ولا تَرْضاهُ الشَّهْوَةُ. أمّا الأوَّلُ: فَهو الأمْراضُ والمَكارِهُ في الدُّنْيا. وأمّا الثّانِي: فَهو المَعاصِي أجْمَعُ. وأمّا الثّالِثُ: فَهو العِلْمُ. وأمّا الرّابِعُ: فَهو الجَهْلُ، فَيَنْزِلُ العِلْمُ مِنَ الجَهْلِ مَنزِلَةَ الجَنَّةِ مِنَ النّارِ، فَكَما أنَّ العَقْلَ والشَّهْوَةَ لا يَرْضَيانِ بِالنّارِ فَكَذَلِكَ لا يَرْضَيانِ بِالجَهْلِ، وكَما أنَّهُما يَرْضَيانِ بِالجَنَّةِ فَكَذا يَرْضَيانِ بِالعِلْمِ، فَمَن رَضِيَ بِالجَهْلِ فَقَدْ رَضِيَ بِنارٍ حاضِرَةٍ، ومَنِ اشْتَغَلَ بِالعِلْمِ فَقَدْ خاضَ في جَنَّةٍ حاضِرَةٍ، فَكُلُّ مَنِ اخْتارَ العِلْمَ صفحة ١٧١ يُقالُ لَهُ: تَعَوَّدْتَ المُقامَ في الجَنَّةِ فادْخُلِ الجَنَّةَ، ومَنِ اكْتَفى بِالجَهْلِ يُقالُ لَهُ: تَعَوَّدْتَ النّارَ فادْخُلِ النّارَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ جَنَّةٌ، والجَهْلَ نارٌ أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ في إدْراكِ المَحْبُوبِ، وكَمالَ الألَمِ في البُعْدِ عَنِ المَحْبُوبِ، والجِراحَةُ إنَّما تُؤْلِمُ؛ لِأنَّها تُبْعِدُ جُزْءًا مِنَ البَدَنِ عَنْ جُزْءٍ مَحْبُوبٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وهو الِاجْتِماعُ، فَلَمّا اقْتَضَتِ الجِراحَةُ إزالَةَ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ، فَقَدِ اقْتَضَتْ إزالَةَ المَحْبُوبِ وبُعْدَهُ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ مُؤْلِمًا، والإحْراقُ بِالنّارِ إنَّما كانَ أشَدَّ إيلامًا مِنَ الجُرْحِ؛ لِأنَّ الجُرْحَ لا يُفِيدُ إلّا تَبْعِيدَ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ عَنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، أمّا النّارُ فَإنَّها تَغُوصُ في جَمِيعِ الأجْزاءِ فاقْتَضَتْ تَبْعِيدَ جَمِيعِ الأجْزاءِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، فَلَمّا كانَتِ التَّفْرِيقاتُ في الإحْراقِ أشَدَّ كانَ الألَمُ هُناكَ أصْعَبَ، أمّا اللَّذَّةُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَحْبُوبِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ تِلْكَ الطُّعُومِ لِمُوافَقَةٍ لِلْبَدَنِ، وكَذَلِكَ لَذَّةُ النَّظَرِ إنَّما تَحْصُلُ؛ لِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ مُشْتاقَةٌ إلى إدْراكِ المَرْئِيّاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ الإدْراكُ لَذَّةً لَها، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا أنَّ اللَّذَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَحْبُوبِ، والألَمَ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَكْرُوهِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلَّما كانَ الإدْراكُ أغْوَصَ وأشَدَّ، والمُدْرِكُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، والمُدْرَكُ أنْقى وأبْقى، وجَبَ أنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ أشْرَفَ وأكْمَلَ. ولا شَكَّ أنَّ مَحْمِلَ العِلْمِ هو الرُّوحُ وهو أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ، ولا شَكَّ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أغَوْصَ وأشْرَفَ عَلى ما سَيَجِيءُ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . وأمّا المَعْلُومُ فَلا شَكَّ أنَّهُ أشْرَفُ؛ لِأنَّهُ هو اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ وجَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأفْلاكِ والعَناصِرِ والجَماداتِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، وجَمِيعُ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ وتَكالِيفِهِ وأيُّ مَعْلُومٍ أشْرَفُ مِن ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا كَمالَ، ولا لَذَّةَ فَوْقَ كَمالِ العِلْمِ ولَذّاتِهِ، ولا شَقاوَةَ ولا نُقْصانَ فَوْقَ شَقاوَةِ الجَهْلِ ونُقْصانِهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّهُ إذا سُئِلَ الواحِدُ مِنّا عَنْ مَسْألَةٍ عِلْمِيَّةٍ، فَإنْ عَلِمَها وقَدِرَ عَلى الجَوابِ والصَّوابِ فِيها فَرِحَ بِذَلِكَ وابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ جَهِلَها نَكَّسَ رَأْسَهُ حَياءً مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّذَّةَ الحاصِلَةَ بِالعِلْمِ أكْمَلُ اللَّذّاتِ، والشَّقاءَ الحاصِلَ بِالجَهْلِ أكْمَلُ أنْواعِ الشَّقاءِ. * * * واعْلَمْ أنَّ هَهُنا وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ نَسِينا إيرادَها قَبْلَ ذَلِكَ فَلا بَأْسَ أنْ نَذْكُرَها هَهُنا. الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العَلَقِ: ١ - ٥] فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ التَّناسُبِ بَيْنَ الآياتِ فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلَ حالِ الإنْسانِ، وهو كَوْنُهُ عَلَقَةً مَعَ أنَّها أخَسُّ الأشْياءِ، وآخِرَ حالِهِ وهي صَيْرُورَتُهُ عالِمًا وهو أجَلُّ المَراتِبِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُنْتَ أنْتَ في أوَّلِ حالِكَ في تِلْكَ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي غايَةُ الخَساسَةِ فَصِرْتَ في آخِرِ حالِكَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي الغايَةُ في الشَّرَفِ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ العِلْمُ أشْرَفَ المَراتِبِ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ أشْرَفَ لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ في هَذا المَقامِ أوْلى. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما اسْتَحَقَّ الوَصْفَ بِالأكْرَمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أعْطى العِلْمَ فَلَوْلا أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ وإلّا لَما كانَتْ إفادَتُهُ أشْرَفَ مِن إفادَةِ غَيْرِهِ. صفحة ١٧٢ الثّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها وُجُوهٌ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى فَضْلِ العِلْمِ. أحَدُها: دَلالَتُها عَلى أُمَمٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العُلَماءَ مِن أهْلِ الخَشْيَةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الخَشْيَةِ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فالعُلَماءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَبَيانُ أنَّ العُلَماءَ مِن أهْلِ الخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨]، وبَيانُ أنَّ أهْلَ الخَشْيَةِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٨]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٦]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ”«وعِزَّتِي وجَلالِي لا أجْمَعُ عَلى عَبْدِي خَوْفَيْنِ ولا أجْمَعُ لَهُ أمْنَيْنِ، فَإذا أمِنَنِي في الدُّنْيا أخَفْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا خافَنِي في الدُّنْيا أمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ» “ واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ إثْباتُ مُقَدِّمَتَيْ هَذِهِ الدَّلالَةِ بِالعَقْلِ، أمّا بَيانُ أنَّ العالِمَ بِاللَّهِ يَجِبُ أنْ يَخْشاهُ، فَذَلِكَ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالشَّيْءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ خائِفًا مِنهُ، ثُمَّ إنَّ العِلْمَ بِالذّاتِ لا يَكْفِي في الخَوْفِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العِلْمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: مِنها: العِلْمُ بِالقُدْرَةِ؛ لِأنَّ المَلِكَ عالِمٌ بِاطِّلاعِ رَعِيَّتِهِ عَلى أفْعالِهِ القَبِيحَةِ، لَكِنَّهُ لا يَخافُهم لِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها، ومِنها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا؛ لِأنَّ السّارِقَ مِن مالِ السُّلْطانِ يَعْلَمُ قُدْرَتَهُ، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِسَرِقَتِهِ فَلا يَخافُهُ، ومِنها العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا، فَإنَّ المُسَخَّرَ عِنْدَ السُّلْطانِ عالِمٌ بِكَوْنِ السُّلْطانِ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عالِمًا بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ يَرْضى بِما لا يَنْبَغِي فَلا يَحْصُلُ الخَوْفُ، أمّا لَوْ عَلِمَ اطِّلاعَ السُّلْطانِ عَلى قَبائِحِ أفْعالِهِ وعَلِمَ قُدْرَتَهُ عَلى مَنعِهِ وعَلِمَ أنَّهُ حَكِيمٌ لا يَرْضى بِشَفاهَتِهِ؛ صارَتْ هَذِهِ العُلُومُ الثَّلاثَةُ مُوجِبَةً لِحُصُولِ الخَوْفِ في قَلْبِهِ، فَثَبَتَ أنَّ خَوْفَ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا عَلِمَ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، غَيْرَ راضٍ بِالمُنْكَراتِ والمُحَرَّماتِ، فَثَبَتَ أنَّ الخَوْفَ مِن لَوازِمِ العِلْمِ بِاللَّهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الخَوْفَ سَبَبُ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا سَنَحَ لِلْعَبْدِ لَذَّةٌ عاجِلَةٌ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ عَلى خِلافِ أمْرِ اللَّهِ، وفِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلى مَنفَعَةٍ ومَضَرَّةٍ، فَصَرِيحُ العَقْلِ حاكِمٌ بِتَرْجِيحِ الجانِبِ الرّاجِحِ عَلى الجانِبِ المَرْجُوحِ، فَإذا عَلِمَ بِنُورِ الإيمانِ أنَّ اللَّذَّةَ العاجِلَةَ حَقِيرَةٌ في مُقابَلَةِ الألَمِ الآجِلِ، صارَ ذَلِكَ الإيمانُ سَبَبًا لِفِرارِهِ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ العاجِلَةِ، وذَلِكَ هو الخَشْيَةُ، وإذا صارَ تارِكًا لِلْمَحْظُورِ فاعِلًا لِلْواجِبِ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالشَّواهِدِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ أنَّ العالِمَ بِاللَّهِ خائِفٌ، والخائِفُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ. وثانِيها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أهْلٌ إلّا العُلَماءَ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا لِلْعُلَماءِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٨] دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ لِأهْلِ الخَشْيَةِ، وكَوْنُها لِأهْلِ الخَشْيَةِ يُنافِي كَوْنَها لِغَيْرِهِمْ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أهْلٌ إلّا العُلَماءَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الخَشْيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن لَوازِمِ العِلْمِ بِاللَّهِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الخَشْيَةِ يَلْزَمُ عَدَمُ العِلْمِ بِاللَّهِ، وهَذِهِ الدَّقِيقَةُ تُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العِلْمَ الَّذِي هو سَبَبُ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يُورِثُ الخَشْيَةَ، وأنَّ أنْواعَ المُجادَلاتِ وإنْ دَقَّتْ وغَمُضَتْ إذا خَلَتْ عَنْ إفادَةِ الخَشْيَةِ كانَتْ مِنَ العِلْمِ المَذْمُومِ. صفحة ١٧٣ وثالِثُها: قُرِئَ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ جازَتِ الخَشْيَةُ عَلَيْهِ، لَما خَشِيَ العُلَماءُ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ ما يَجُوزُ وبَيْنَ ما لا يَجُوزُ، وأمّا الجاهِلُ الَّذِي لا يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ فَأيُّ مُبالاةٍ بِهِ وأيُّ التِفاتٍ إلَيْهِ ؟ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ نِهايَةُ المَنصِبِ لِلْعُلَماءِ والتَّعْظِيمِ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . وفِيهِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى نَفاسَةِ العِلْمِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وفَرْطِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، حَيْثُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِالِازْدِيادِ مِنهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، وقالَ قَتادَةُ: لَوِ اكْتَفى أحَدٌ مِنَ العِلْمِ لاكْتَفى نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقُلْ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٦] . الخامِسُ: كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُلْكِ الدُّنْيا ما كانَ حَتّى إنَّهُ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَفْتَخِرْ بِالمَمْلَكَةِ، وافْتَخَرَ بِالعِلْمِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ: ١٦] فافْتَخَرَ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِمَنطِقِ الطَّيْرِ، فَإذا حَسُنَ مِن سُلَيْمانَ أنْ يَفْتَخِرَ بِذَلِكَ العِلْمِ فَلَأنْ يَحْسُنَ بِالمُؤْمِنِ أنْ يَفْتَخِرَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ كانَ أحْسَنَ، ولِأنَّهُ قَدَّمَ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ: ١٦] وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَمالَ حالِهِمْ قَدَّمَ العِلْمَ أوَّلًا، وقالَ: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ. السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: الهُدْهُدُ مَعَ أنَّهُ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، ومَعَ أنَّهُ كانَ في مَوْقِفِ المُعاتَبَةُ قالَ لِسُلَيْمانَ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٢]، فَلَوْلا أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الأشْياءِ وإلّا فَمِن أيْنَ لِلْهُدْهُدِ أنْ يَتَكَلَّمَ في مَجْلِسِ سُلَيْمانَ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، ولِذَلِكَ يُرى الرَّجُلُ السّاقِطُ إذا تَعَلَّمَ العِلْمَ صارَ نافِذَ القَوْلِ عِنْدَ السَّلاطِينِ، وما ذاكَ إلّا بِبَرَكَةِ العِلْمِ. السّابِعُ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» “ وفي التَّفْضِيلِ وجْهانِ: أحَدُها: أنَّ التَّفَكُّرَ يُوصِلُكَ إلى اللَّهِ تَعالى، والعِبادَةَ تُوصِلُكَ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يُوصِلُكَ إلى اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يُوصِلُكَ إلى غَيْرِ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ التَّفَكُّرَ عَمَلُ القَلْبِ، والطّاعَةَ عَمَلُ الجَوارِحِ، والقَلْبُ أشْرَفُ مِنَ الجَوارِحِ فَكانَ عَمَلُ القَلْبِ أشْرَفَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] جَعَلَ الصَّلاةَ وسِيلَةً إلى ذِكْرِ القَلْبِ، والمَقْصُودُ أشْرَفُ مِنَ الوَسِيلَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ. الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النِّساءِ: ١١٣]، ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١١٣]، فَسَمّى العِلْمَ عَظِيمًا، وسَمّى الحِكْمَةَ خَيْرًا كَثِيرًا، فالحِكْمَةُ هي العِلْمُ، وقالَ أيْضًا: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١ - ٢] فَجَعَلَ هَذِهِ النِّعْمَةَ مُقَدَّمَةً عَلى جَمِيعِ النِّعَمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. التّاسِعُ: أنَّ سائِرَ كُتُبِ اللَّهِ ناطِقَةٌ بِفَضْلِ العِلْمِ، أمّا التَّوْراةُ فَقالَ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”عَظِّمِ الحِكْمَةَ فَإنِّي لا أجْعَلُ الحِكْمَةَ في قَلْبِ عَبْدٍ إلّا وأرَدْتُ أنْ أغْفِرَ لَهُ فَتَعَلَّمْها ثُمَّ اعْمَلْ بِها، ثُمَّ ابْذُلْها كَيْ تَنالَ بِها كَرامَتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ“، وأمّا الزَّبُورُ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ”يا داوُدُ قُلْ لِأحْبارِ صفحة ١٧٤ بَنِي إسْرائِيلَ ورُهْبانِهِمْ حادِثُوا مِنَ النّاسِ الأتْقِياءَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهِمْ تَقِيًّا فَحادِثُوا العُلَماءَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا عالِمًا فَحادِثُوا العُقَلاءَ، فَإنَّ التُّقى والعِلْمَ والعَقْلَ ثَلاثُ مَراتِبَ ما جَعَلْتُ واحِدَةً مِنهُنَّ في أحَدٍ مِن خَلْقِي وأنا أُرِيدُ إهْلاكَهُ“ وأقُولُ: إنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى التُّقى عَلى العِلْمِ؛ لِأنَّ التُّقى لا يُوجَدُ بِدُونِ العِلْمِ، كَما بَيَّنّا أنَّ الخَشْيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مَعَ العِلْمِ، والمَوْصُوفُ بِالأمْرَيْنِ أشْرَفُ مِنَ المَوْصُوفِ بِأمْرٍ واحِدٍ، وهَذا السِّرُّ أيْضًا قَدَّمَ العالِمَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عاقِلًا، أمّا العاقِلُ فَقَدْ لا يَكُونُ عالِمًا، فالعَقْلُ كالبَذْرِ والعِلْمُ كالشَّجَرَةِ والتَّقْوى كالثَّمَرِ. وأمّا الإنْجِيلُ قالَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنهُ ”ويْلٌ لِمَن سَمِعَ بِالعِلْمِ فَلَمْ يَطْلُبْهُ كَيْفَ يُحْشَرُ مَعَ الجُهّالِ إلى النّارِ، اطْلُبُوا العِلْمَ وتَعَلَّمُوهُ، فَإنَّ العِلْمَ إنْ لَمْ يُسْعِدْكم لَمْ يُشْقِكم، وإنْ لَمْ يَرْفَعْكم لَمْ يَضَعْكم، وإنْ لَمْ يُغْنِكم لَمْ يُفْقِرْكم، وإنْ لَمْ يَنْفَعْكم لَمْ يَضُرَّكم، ولا تَقُولُوا: نَخافُ أنْ نَعْلَمَ فَلا نَعْمَلُ، ولَكِنْ قُولُوا: نَرْجُو أنْ نَعْلَمَ فَنَعْمَلَ“ والعِلْمُ شَفِيعٌ لِصاحِبِهِ وحَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُخْزِيَهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: ”يا مَعاشِرَ العُلَماءِ ما ظَنُّكم بِرَبِّكم ؟ يَقُولُونَ: ظَنُّنا أنْ يَرْحَمَنا ويَغْفِرَ لَنا، فَيَقُولُ: فَإنِّي قَدْ فَعَلْتُ، إنِّي قَدِ اسْتَوْدَعْتُكم حِكْمَتِي لا لِشَرٍّ أرَدْتُهُ بِكم، بَلْ لِخَيْرٍ أرَدْتُهُ بِكم، فادْخُلُوا في صالِحِ عِبادِي إلى جَنَّتِي بِرَحْمَتِي“ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ: يا عِيسى عَظِّمِ العُلَماءَ واعْرِفْ فَضْلَهم؛ لِأنِّي فَضَّلْتُهم عَلى جَمِيعِ خَلْقِي إلّا النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلى الكَواكِبِ، وكَفَضْلِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، وكَفَضْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ. * * * أمّا الأخْبارُ: (أ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلْعُلَماءِ: ”إنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ عَلى ما كانَ مِنكم“» . (ب) قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً بَلِيغَةً قَبْلَ وفاتِهِ وهي آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ، فَقالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ العِلْمَ وتَواضَعَ في العِلْمِ وعَلَّمَهَ عِبادَ اللَّهِ يُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ أفْضَلُ ثَوابًا مِنهُ ولا أعْظَمُ مَنزِلَةً، ولَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ مَنزِلَةٌ ولا دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ نَفِيسَةٌ إلّا كانَ لَهُ فِيها أوْفَرُ النَّصِيبِ وأشْرَفُ المَنازِلِ» “ . (ج) ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفَّتْ مَنابِرُ مِن ذَهَبٍ عَلَيْها قِبابٌ مِن فِضَّةٍ مُنَضَّدَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزُّمُرُّدِ جِلالُها السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ، ثُمَّ يُنادِي مُنادِي الرَّحْمَنِ: أيْنَ مَن حَمَلَ إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ: اجْلِسُوا عَلى هَذِهِ المَنابِرِ فَلا خَوْفَ عَلَيْكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ» . (د) عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ: أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عُلَماءُ حُكَماءُ كَأنَّهم مِنَ الفِقْهِ أنْبِياءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللَّهِ بِاليَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، ويَرْضى اللَّهُ مِنهم بِاليَسِيرِ مِنَ العَمَلِ، ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (ه) قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في طَلَبِ العِلْمِ، حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلى النّارِ، واسْتَغْفَرَ لَهُ مَلَكاهُ، وإنْ ماتَ في طَلَبِهِ ماتَ شَهِيدًا، وكانَ قَبْرُهُ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ، ويُوَسَّعُ لَهُ في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، ويُنَوَّرُ عَلى جِيرانِهِ أرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَمِينِهِ، وأرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَسارِهِ، وأرْبَعِينَ عَنْ خَلْفِهِ، وأرْبَعِينَ أمامَهُ، ونَوْمُ العالِمِ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتُهُ تَسْبِيحٌ، ونَفْسُهُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ مِن عَيْنَيْهِ تُطْفِئُ بَحْرًا مِن جَهَنَّمَ، فَمَن أهانَ العالِمَ فَقَدْ أهانَ العِلْمَ، ومَن أهانَ العِلْمَ فَقَدْ أهانَ النَّبِيَّ، ومَن أهانَ النَّبِيَّ فَقَدْ أهانَ جِبْرِيلَ، ومَن أهانَ جِبْرِيلَ أهانَ اللَّهَ، ومَن أهانَ اللَّهَ أهانَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» “ . (و) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا أُخْبِرُكم بِأجْوَدِ الأجْوادِ ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُ تَعالى أجْوَدُ الأجْوادِ، وأنا أجْوَدُ ولَدِ آدَمَ، وأجْوَدُهم مِن بَعْدِي رَجُلٌ عالِمٌ يَنْشُرُ عِلْمَهُ فَيُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ، ورَجُلٌ جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ» “ . (ز) عَنْ أبِي صفحة ١٧٥ هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ”«مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الآخِرَةِ، ومَن يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ تَعالى في عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ، ومَن سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في مَسْجِدٍ مِن مَساجِدِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ. (ح) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ» “ . قالَ الرّاوِي: فَأعْظَمُ مَرْتَبَةٍ هي واسِطَةٌ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ. (ط) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهادٌ، وتَعْلِيمَهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ» “ لِأنَّهُ مَعالِمُ الحَلالِ والحَرامِ ومَنارُ سُبُلِ الجَنَّةِ والأنِيسُ مِنَ الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الوَحْدَةِ والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والسِّلاحُ عَلى الأعْداءِ، والدِّينُ عِنْدَ الِاخْتِلافِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا فَيَجْعَلُهم في الخَيْرِ قادَةً هُداةً يُهْتَدى بِهِمْ، وأئِمَّةً في الخَيْرِ يُقْتَفى بِآثارِهِمْ، ويُقْتَدى بِأفْعالِهِمْ، ويُنْتَهى إلى آرائِهِمْ تَرْغَبُ المَلائِكَةُ في خِلْقَتِهِمْ وبِأجْنِحَتِها تَمْسَحُهم، وفي صَلاتِها تَسْتَغْفِرُ لَهم حَتّى كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وحِيتانُ البَحْرِ وهَوامُّهُ وسِباعُ البَرِّ وأنْعامُهُ والسَّماءُ ونُجُومُها؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ العَمى ونُورُ الأبْصارِ مِنَ الظُّلْمَةِ، وقُوَّةُ الأبْدانِ مِنَ الضَّعْفِ يَبْلُغُ بِالبَعِيدِ مَنازِلَ الأحْرارِ ومَجالِسَ المُلُوكِ والدَّرَجاتِ العُلا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والتَّفَكُّرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصِّيامِ، ومُدارَسَتُهُ بِالقِيامِ بِهِ يُطاعُ اللَّهُ ويُعْبَدُ، وبِهِ يُمَجَّدُ ويُوَحَّدُ، وبِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ، وبِهِ يُعْرَفُ الحَلالُ والحَرامُ. (ي) أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ ولَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ» “ (يا) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«إذا سَألْتُمُ الحَوائِجَ فاسْألُوها النّاسَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ القُرْآنِ، قِيلَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أهْلُ العِلْمِ، قِيلَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: الصِّباحُ الوُجُوهِ» “ . قالَ الرّاوِي: والمُرادُ بِأهْلِ القُرْآنِ مَن يَحْفَظُ مَعانِيَهُ (يب) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، والدُّنْيا سُمُّ اللَّهِ القَتّالُ لِعِبادِهِ فَخُذُوا مِنها بِقَدْرِ السُّمِّ في الأدْوِيَةِ لَعَلَّكم تَنْجُونَ» “ قالَ الرّاوِي: والعُلَماءُ داخِلُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا حَرامٌ فاجْتَنِبُوهُ، وهَذا حَلالٌ فَخُذُوهُ. (يج) في الخَبَرِ: العالِمُ نَبِيٌّ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ. (يد) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُنْ عالِمًا، أوْ مُتَعَلِّمًا، أوْ مُسْتَمِعًا، أوْ مُحِبًّا، ولا تَكُنِ الخامِسَ فَتَهْلِكَ» “ . * * * قالَ الرّاوِي: وجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وبَيْنَ الرِّوايَةِ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ رَجُلانِ: عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ، وسائِرُ النّاسِ هَمَجٌ لا خَيْرَ فِيهِمْ» “ إنَّ المُسْتَمِعَ والمُحِبَّ بِمَنزِلَةِ المُتَعَلِّمِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ الأعْرابِ لِوَلَدِهِ: كُنْ سَبُعًا خالِسًا، أوْ ذِئْبًا خانِسًا، أوْ كَلْبًا حارِسًا، وإيّاكَ وأنْ تَكُونَ إنْسانًا ناقِصًا. (يه) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَنِ اتَّكَأ عَلى يَدِهِ عالِمٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، ومَن قَبَّلَ رَأْسَ عالِمٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً» “ . (يو) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”«بَكَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ ومَن عَلَيْهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ ومَن عَلَيْهِنَّ لِعَزِيزٍ ذَلَّ وغَنِيٍّ افْتَقَرَ، وعالِمٍ يَلْعَبُ بِهِ الجُهّالُ» “ . (يز) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«حَمَلَةُ القُرْآنِ عُرَفاءُ أهْلِ الجَنَّةِ، والشُّهَداءُ قُوّادُ أهْلِ الجَنَّةِ، والأنْبِياءُ سادَةُ أهْلِ الجَنَّةِ» “ . (يح) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«العُلَماءُ مَفاتِيحُ الجَنَّةِ وخُلَفاءُ الأنْبِياءِ» “ . صفحة ١٧٦ قالَ الرّاوِي: الإنْسانُ لا يَكُونُ مِفْتاحًا إنَّما المَعْنى أنَّ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ مِفْتاحَ الجِنانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ مَن رَأى في النَّوْمِ أنَّ بِيَدِهِ مَفاتِيحَ الجَنَّةِ فَإنَّهُ يُؤْتى عِلْمًا في الدِّينِ. (يط) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ألْفَ رَحْمَةٍ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ الغافِلِينَ، والبالِغِينَ وغَيْرِ البالِغِينَ، فَتِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً لِلْعُلَماءِ وطالِبِي العِلْمِ والمُسْلِمِينَ، والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لِسائِرِ النّاسِ» “ . (كَ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«قُلْتُ يا جِبْرِيلُ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ لِأُمَّتِي ؟ قالَ: العِلْمُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: النَّظَرُ إلى العالِمِ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: زِيارَةُ العالِمِ، ثُمَّ قالَ: ومَن كَسَبَ العِلْمَ لِلَّهِ وأرادَ بِهِ صَلاحَ نَفْسِهِ وصَلاحَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، فَأنا كَفِيلُهُ بِالجَنَّةِ» “ . (كا) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَشَرَةٌ تُسْتَجابُ لَهُمُ الدَّعْوَةُ: العالِمُ، والمُتَعَلِّمُ، وصاحِبُ حُسْنِ الخُلُقِ، والمَرِيضُ، واليَتِيمُ، والغازِي، والحاجُّ، والنّاصِحُ لِلْمُسْلِمِينَ، والوَلَدُ المُطِيعُ لِأبَوَيْهِ، والمَرْأةُ المُطِيعَةُ لِزَوْجِها» “ (كب) ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ما العِلْمُ ؟ فَقالَ: دَلِيلُ العَمَلِ، قِيلَ: فَما العَقْلُ ؟ قالَ: قائِدُ الخَيْرِ، قِيلَ: فَما الهَوى ؟ قالَ: مَرْكَبُ المَعاصِي، قِيلَ: فَما المالُ ؟ قالَ: رِداءُ المُتَكَبِّرِينَ، قِيلَ: فَما الدُّنْيا ؟ قالَ: سُوقُ الآخِرَةِ» “ . (كج) «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُحَدِّثُ إنْسانًا فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن عُمُرِ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي تُحَدِّثُهُ إلّا ساعَةٌ، وكانَ هَذا وقْتَ العَصْرِ، فَأخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فاضْطَرَبَ الرَّجُلُ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلى أوْفَقِ عَمَلٍ لِي في هَذِهِ السّاعَةِ، قالَ: اشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ، فاشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ، وقُبِضَ قَبْلَ المَغْرِبِ» . قالَ الرّاوِي: فَلَوْ كانَ شَيْءٌ أفْضَلَ مِنَ العِلْمِ لَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. (كد) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ كُلُّهم مَوْتى إلّا العالِمُونَ» “ والخَبَرُ مَشْهُورٌ. (كه) عَنْ أنَسٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«سَبْعَةٌ لِلْعَبْدِ تَجْرِي بَعْدَ مَوْتِهِ: مَن عَلَّمَ عِلْمًا، أوْ أجْرى نَهْرًا، أوْ حَفَرَ بِئْرًا، أوْ بَنى مَسْجِدًا، أوْ ورِّثَ مُصْحَفًا، أوْ تَرَكَ ولَدًا صالِحًا يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ، أوْ صَدَقَةً تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» “ فَقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّعْلِيمَ عَلى جَمِيعِ الِانْتِفاعاتِ؛ لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ، والرُّوحانِيُّ أبْقى مِنَ الجُسْمانِيّاتِ. (كو) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا تُجالِسُوا العُلَماءَ إلّا إذا دَعَوْكم مِن خَمْسٍ إلى خَمْسٍ: مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ الكِبَرِ إلى التَّواضُعِ، ومِنَ العَداوَةِ إلى النَّصِيحَةِ، ومِنَ الرِّياءِ إلى الإخْلاصِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ إلى الزُّهْدِ» “ (كز) «أوْصى النَّبِيُّ ﷺ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا عَلِيُّ احْفَظِ التَّوْحِيدَ فَإنَّهُ رَأْسُ مالِي، والزَمِ العَمَلَ فَإنَّهُ حِرْفَتِي، وأقِمِ الصَّلاةَ فَإنَّها قُرَّةُ عَيْنِي، واذْكُرِ الرَّبَّ فَإنَّهُ بَصِيرَةُ فُؤادِي، واسْتَعْمِلِ العِلْمَ فَإنَّهُ مِيراثِي» . (كح) أبُو كَبْشَةَ الأنْصارِيُّ قالَ: «ضَرَبَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلَ الدُّنْيا مَثَلَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا وآتاهُ مالًا فَهو يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ في مالِهِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا ولَمْ يُؤْتِهِ مالًا فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَفْعَلُ فُلانٌ فَهُما في الأجْرِ سَواءٌ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا ولَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهو يَمْنَعُهُ مِنَ الحَقِّ ويُنْفِقُهُ في الباطِلِ، ورَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ولَمْ يُؤْتِهِ مالًا، فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَفْعَلُ فُلانٌ فَهُما في الوِزْرِ سَواءٌ» . الآثارُ: (أ) كُمَيْلُ بْنُ زِيادٍ قالَ: أخَذَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِي فَأخْرَجَنِي إلى الجَبّانَةِ فَلَمّا أصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ، ثُمَّ قالَ: يا كُمَيْلُ بْنَ زِيادٍ إنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أوْعِيَةٌ فَخَيْرُها أوْعاها، فاحْفَظْ ما أقُولُ لَكَ: النّاسُ ثَلاثَةٌ: عالِمٌ رَبّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلى سَبِيلِ نَجاةٍ، وهَمَجٌ رِعاعٌ أتْباعُ كُلِّ ناعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ العِلْمِ، ولَمْ يَلْجَئُوا إلى رُكْنٍ وثِيقٍ، ياكُمَيْلُ، العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المالِ، والعِلْمُ يَحْرُسُكَ وأنْتَ تَحْرُسُ المالَ، والمالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، والعِلْمُ يَزْكُو بِالإنْفاقِ، وصَنِيعُ المالِ يَزُولُ بِزَوالِهِ، يا كُمَيْلُ مَعْرِفَةُ العِلْمِ زَيْنٌ يُزانُ بِهِ يَكْتَسِبُ صفحة ١٧٧ بِهِ الإنْسانُ الطّاعَةَ في حَياتِهِ، وجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وفاتِهِ، والعِلْمُ حاكِمٌ، والمالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ. (ب) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِن مَنزِلِهِ وعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ جَبَلِ تِهامَةَ، فَإذا سَمِعَ العِلْمَ، وخافَ واسْتَرْجَعَ عَلى ذُنُوبِهِ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ ولَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، فَلا تُفارِقُوا مَجالِسَ العُلَماءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ تُرْبَةً عَلى وجْهِ الأرْضِ أكْرَمَ مِن مَجالِسِ العُلَماءِ. (ج) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خُيَّرَ سُلَيْمانُ بَيْنَ المُلْكِ والمالِ وبَيْنَ العِلْمِ فاخْتارَ العِلْمَ، فَأُعْطِيَ العِلْمَ والمُلْكَ مَعًا. (د) سُلَيْمانُ لَمْ يَحْتَجْ إلى الهُدْهُدِ إلّا لِعِلْمِهِ لِما رُوِيَ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: كَيْفَ اخْتارَ سُلَيْمانُ الهُدْهُدَ لِطَلَبِ الماءِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ الأرْضَ كالزُّجاجَةِ يُرى باطِنُها مِن ظاهِرِها، فَقالَ نافِعٌ: فَكَيْفَ بِأوْقاتِ الفَخِّ يُغَطّى لَهُ بِأُصْبُعٍ مِن تُرابٍ فَلا يَراهُ بَلْ يَقَعُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ. (ه) قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: تُقَسَّمُ الجَنَّةُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ جُزْءٍ، تِسْعَةُ آلافِ وتِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ مِنها لِلَّذِينِ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ فَكانَ هَذا ثَوابَهم عَلى قَدْرِ ما قَسَمَ اللَّهُ لَهم مِنَ العُقُولِ، يَقْتَسِمُونَ المَنازِلَ فِيها، وجُزْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ الفُقَراءِ الصّالِحِينَ. (و) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِوَلَدِهِ: يا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالأدَبِ؛ فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى المُرُوءَةِ، وأُنْسٌ في الوَحْشَةِ، وصاحِبٌ في الغُرْبَةِ، وقَرِينٌ في الحَضَرِ، وصَدْرٌ في المَجْلِسِ، ووَسِيلَةٌ عِنْدَ انْقِضاءِ الوَسائِلِ، وغِنًى عِنْدَ العَدَمِ، ورِفْعَةٌ لِلْخَسِيسِ، وكَمالٌ لِلشَّرِيفِ، وجَلالَةٌ لِلْمَلِكِ. (ز) عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: صَرِيرُ قَلَمِ العُلَماءِ تَسْبِيحٌ، وكِتابَةُ العِلْمِ والنَّظَرُ فِيهِ عِبادَةٌ، وإذا أصابَ مِن ذَلِكَ المِدادِ ثَوْبَهُ فَكَأنَّما أصابَهُ دَمُ الشُّهَداءِ، وإذا قَطَرَ مِنها عَلى الأرْضِ تَلَأْلَأ نُورُهُ، وإذا قامَ مِن قَبْرِهِ نَظَرَ إلَيْهِ أهْلُ الجَمْعِ، فَيُقالُ: هَذا عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وحُشِرَ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. (ح) في كِتابِ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ: أحَقُّ مَن لا يُسْتَخَفُّ بِحُقُوقِهِمْ ثَلاثَةٌ: العالِمُ والسُّلْطانُ والإخْوانُ، فَإنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالعالِمِ أهْلَكَ دِينَهُ، ومَنِ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطانِ أهْلَكَ دُنْياهُ، ومَنِ اسْتَخَفَّ بِالإخْوانِ أهْلَكَ مُرُوءَتَهُ. (ط) قالَ سُقْراطُ: مِن فَضِيلَةِ العِلْمِ أنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْدِمَكَ فِيهِ أحَدٌ كَما تَجِدُ مَن يَخْدِمُكَ في سائِرِ الأشْياءِ، بَلْ تَخْدِمُهُ بِنَفْسِكَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى سَلْبِهِ عَنْكَ. (ي) قِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: لا تَنْظُرْ، فَأغْمَضَ عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ: لا تَسْمَعْ، فَسَدَّ أُذُنَيْهِ، فَقِيلَ: لا تَتَكَلَّمْ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَعْلَمْ، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ. (يا) إذا كانَ السّارِقُ عالِمًا لا تُقْطَعُ يَدُهُ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: كانَ المالُ ودِيعَةً لِي، وكَذا الشّارِبُ يَقُولُ: حَسِبْتُهُ خَلّا، وكَذا الزّانِي يَقُولُ: تَزَوَّجْتُها فَإنَّهُ لا يُحَدُّ. (يب) قالَ بَعْضُهم: أحْيُوا قُلُوبَ إخْوانِكم بِبَصائِرِ بَيانِكم كَما تُحْيُونَ المَواتَ بِالنَّباتِ والنَّواةِ، فَإنَّ نَفْسًا تَبْعُدُ مِنَ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ أفْضَلُ مِن أرْضٍ تَصْلُحُ لِلنَّباتِ، قالَ الشّاعِرُ: وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ وأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ * * * (وأمّا النُّكَتُ) فَمِن وُجُوهٍ:(أ) المَعْصِيَةُ عِنْدَ الجَهْلِ لا يُرْجى زَوالُها، وعِنْدَ الشَّهْوَةِ يُرْجى زَوالُها، انْظُرْ إلى زَلَّةِ آدَمَ فَإنَّهُ بِعِلْمِهِ اسْتَغْفَرَ والشَّيْطانُ غَوى، وبَقِيَ في غَيِّهِ أبَدًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ الجَهْلِ. (ب) إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صارَ مَلِكًا احْتاجَ إلى وزِيرٍ فَسَألَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: لا تَخْتَرْ إلّا فُلانًا، فَرَآهُ يُوسُفُ في أسْوَأِ الأحْوالِ فَقالَ لِجِبْرِيلَ: إنَّهُ كَيْفَ يَصْلُحُ لِهَذا العَمَلِ مَعَ سُوءِ حالِهِ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ عَيَّنَهُ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ ذَبَّ عَنْكَ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٢٧] والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ذَبَّ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَحَقَّ الشَّرِكَةَ في مَمْلَكَتِهِ، فَمَن ذَبَّ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ بِالبُرْهانِ المُسْتَقِيمِ كَيْفَ لا يَسْتَحِقُّ مِنَ اللَّهِ الإحْسانَ والتَّحْسِينَ ؟! (ج) أرادَ واحِدٌ خِدْمَةَ مَلِكٍ فَقالَ المَلِكُ: اذْهَبْ وتَعَلَّمْ صفحة ١٧٨ حَتّى تَصْلُحَ لِخِدْمَتِي، فَلَمّا شَرَعَ في التَّعَلُّمِ وذاقَ لَذَّةَ العِلْمِ بَعَثَ المَلِكُ إلَيْهِ وقالَ: اتْرُكِ التَّعَلُّمَ، فَقَدْ صِرْتَ أهْلًا لِخِدْمَتِي، فَقالَ: كُنْتُ أهْلًا لِخِدْمَتِكَ حِينَ لَمْ تَرَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ، وحِينَ رَأيْتَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ رَأيْتُ نَفْسِي أهْلًا لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنَّ البابَ بابُكَ لِجَهْلِي، والآنَ عَلِمْتُ أنَّ البابَ بابُ الرَّبِّ. (د) تَحْصِيلُ العِلْمِ إنَّما يَصْعُبُ عَلَيْكَ لِفَرْطِ حُبِّكَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْطاكَ سَوادَ العَيْنِ وسُوَيْداءَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّوادَ أكْبَرُ مِنَ السُّوَيْداءِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ السُّوَيْداءَ تَصْغِيرُ السَّوادِ، ثُمَّ إذا وضَعْتَ عَلى سَوادِ عَيْنِكَ جُزْءًا مِنَ الدُّنْيا لا تَرى شَيْئًا، فَكَيْفَ إذا وضَعْتَ عَلى السُّوَيْداءِ كُلَّ الدُّنْيا كَيْفَ تَرى بِقَلْبِكَ شَيْئًا ؟ (ه) قالَ حَكِيمٌ: القَلْبُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالعِلْمِ، والعِلْمُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالطَّلَبِ، والطَّلَبُ ضَعِيفٌ وقُوَّتُهُ بِالمُدارَسَةِ، فَإذا قَوِيَ بِالمُدارَسَةِ فَهو مُحْتَجِبٌ وإظْهارُهُ بِالمُناظَرَةِ، وإذا ظَهَرَ بِالمُناظَرَةِ فَهو عَقِيمٌ ونِتاجُهُ بِالعَمَلِ، فَإذا زُوِّجَ العِلْمُ بِالعَمَلِ تَوالَدَ وتَناسَلَ مُلْكًا أبَدِيًّا لا آخِرَ لَهُ. (و) ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ ] [النَّمْلِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] كانَتْ رِياسَةُ تِلْكَ النَّمْلَةِ عَلى غَيْرِها لَمْ تَكُنْ إلّا بِسَبَبِ أنَّها عَلِمَتْ مَسْألَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كَأنَّها قالَتْ: إنَّ سُلَيْمانَ مَعْصُومٌ والمَعْصُومُ لا يَجُوزُ مِنهُ إيذاءُ البَرِيءِ عَنِ الجُرْمِ، ولَكِنَّهُ لَوْ حَطَّمَكم فَإنَّما يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ حالَكم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَتِلْكَ النَّمْلَةُ لَمّا عَلِمَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ اسْتَحَقَّتِ الرِّياسَةَ التّامَّةَ، فَمَن عَلِمَ حَقائِقَ الأشْياءِ مِنَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ كَيْفَ لا يَسْتَوْجِبُ الرِّياسَةَ في الدُّنْيا والدِّينِ. (ز) الكَلْبُ إذا تَعَلَّمَ وأرْسَلَهُ المالِكُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى صارَ صَيْدُهُ النَّجِسُ طاهِرًا، والنُّكْتَةُ أنَّ العِلْمَ هُناكَ انْضَمَّ إلى الكَلْبِ فَصارَ النَّجِسُ بِبَرَكَةِ العِلْمِ طاهِرًا، فَهَهُنا النَّفْسُ والرُّوحُ طاهِرَتانِ في أصْلِ الفِطْرَةِ إلّا أنَّهُما تَلَوَّثَتا بِأقْذارِ المَعْصِيَةِ، ثُمَّ انْضَمَّ إلَيْهِما العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ فَنَرْجُو مِن عَمِيمِ لُطْفِهِ أنْ يَقْلِبَ النَّجِسَ طاهِرًا هَهُنا والمَرْدُودَ مَقْبُولًا. (ح) القَلْبُ رَئِيسُ الأعْضاءِ، ثُمَّ تِلْكَ الرِّياسَةُ لَيْسَتْ لِلْقُوَّةِ، فَإنَّ العَظْمَ أقْوى مِنهُ، ولا لِلْعِظَمِ، فَإنَّ الفَخِذَ أعْظَمُ مِنهُ، ولا لِلْحِدَّةِ، فَإنَّ الظُّفْرَ أحَدُّ مِنهُ، وإنَّما تِلْكَ الرِّياسَةُ بِسَبَبِ العِلْمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الصِّفاتِ. (أمّا الحِكاياتُ): (أ) حُكِيَ أنَّ هارُونَ الرَّشِيدَ كانَ مَعَهُ فُقَهاءُ، وكانَ فِيهِمْ أبُو يُوسُفَ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فادَّعى عَلَيْهِ آخَرُ أنَّهُ أخَذَ مِن بَيْتِهِ مالًا بِاللَّيْلِ فَأقَرَّ الآخِذُ بِذَلِكَ في المَجْلِسِ فاتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَقالَ أبُو يُوسُفَ: لا قَطْعَ عَلَيْهِ، قالُوا: لِمَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ أقَرَّ بِالأخْذِ والأخْذُ لا يُوجِبُ القَطْعَ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالسَّرِقَةِ، فَصَدَّقَهُ الكُلُّ في قَوْلِهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْآخِذِ أسَرَقْتَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأجْمَعُوا كُلُّهم عَلى أنَّهُ وجَبَ القَطْعُ، لِأنَّهُ أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، فَقالَ أبُو يُوسُفَ: لا قَطْعَ لِأنَّهُ وإنْ أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ لَكِنْ بَعْدَ ما وجَبَ الضَّمانُ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ بِالأخْذِ فَإذا أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو بِهَذا الإقْرارِ يُسْقِطُ الضَّمانَ عَنْ نَفْسِهِ فَلا يُسْمَعُ إقْرارُهُ فَتَعَجَّبَ الكُلُّ مِن ذَلِكَ. (ب) عَنِ الشَّعْبِيِّ كُنْتُ عِنْدَ الحَجّاجِ فَأُتِيَ بِيَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقِيهِ خُراسانَ مَعَ بَلْخٍ مُكَبَّلًا بِالحَدِيدِ فَقالَ لَهُ الحَجّاجُ: أنْتَ زَعَمْتَ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: بَلى، فَقالَ الحَجّاجُ: لَتَأْتِيَنِّي بِها واضِحَةً بَيِّنَةً مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ لَأُقَطِّعَنَّكَ عُضْوًا عُضْوًا، فَقالَ: آتِيكَ بِها واضِحَةً بَيِّنَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يا حَجّاجُ قالَ: فَتَعَجَّبْتُ مِن جُرْأتِهِ بِقَوْلِهِ: يا حَجّاجُ، فَقالَ لَهُ: ولا تَأْتِنِي بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦١] فَقالَ: آتِيكَ بِها واضِحَةً مِن كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنْعامِ: ٨٥] فَمَن كانَ أبا عِيسى وقَدْ أُلْحِقَ بِذُرِّيَّةِ نُوحٍ ؟ قالَ: فَأطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: كَأنِّي لَمْ أقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ مِن كِتابِ اللَّهِ، حُلُّوا وثاقَهُ وأعْطُوهُ مِنَ المالِ كَذا. (ج) يُحْكى أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ المَدِينَةِ جاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ لِيُناظِرُوهُ في صفحة ١٧٩ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ ويُبَكِّتُوهُ ويُشَنِّعُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم: لا يُمْكِنُنِي مُناظَرَةُ الجَمِيعِ، فَفَوِّضُوا أمْرَ المُناظَرَةِ إلى أعْلَمِكم لِأُناظِرَهُ، فَأشارُوا إلى واحِدٍ فَقالَ: هَذا أعْلَمُكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: والمُناظَرَةُ مَعَهُ كالمُناظَرَةِ مَعَكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: والإلْزامُ عَلَيْهِ كالإلْزامِ عَلَيْكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وإنْ ناظَرْتُهُ وألْزَمْتُهُ الحُجَّةَ فَقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: كَيْفَ ؟ قالُوا: لِأنّا رَضِينا بِهِ إمامًا، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ: فَنَحْنُ لَمّا اخْتَرْنا الإمامَ في الصَّلاةِ كانَتْ قِراءَتُهُ قِراءَةً لَنا وهو يَنُوبُ عَنّا فَأقَرُّوا لَهُ بِالإلْزامِ. (د) هَجا الفَرَزْدَقُ واحِدًا فَقالَ: لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلى بابِكم كَما ضاعَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ وكانَتْ خالِصَةُ مَعْشُوقَةَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وكانَتْ ظَرِيفَةً صاحِبَةَ أدَبٍ، وكانَتْ هَيْبَةُ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ تَفُوقُ هَيْبَةَ المَرْوانِيِّينَ، فَلَمّا بَلَغَها هَذا البَيْتُ شَقَّ عَلَيْها فَدَخَلَتْ عَلى سُلَيْمانَ وشَكَتِ الفَرَزْدَقَ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِإشْخاصِ الفَرَزْدَقِ عَلى أفْظَعِ الوُجُوهِ مُكَبَّلًا مُقَيَّدًا، فَلَمّا حَضَرَ وما كانَ بِهِ مِنَ الرَّمَقِ إلّا مِقْدارُ ما يُقِيمُهُ عَلى الرِّجْلِ مِن شِدَّةِ الهَيْبَةِ، فَقالَ لَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: أنْتَ القائِلُ: لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلى بابِكم ∗∗∗ كَما ضاعَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ فَقالَ: ما قُلْتُهُ هَكَذا، وإنَّما غَيَّرَهُ عَلَيَّ مَن أرادَ بِي مَكْرُوهًا، وإنَّما قُلْتُ: - وخالِصَةُ مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ -: لَقَدْ ضاءَ شِعْرِي عَلى بابِكم ∗∗∗ كَما ضاءَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ فَسُرِّيَ عَنْ خالِصَةَ فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها أنْ خَرَجَتْ مِنَ السِّتْرِ فَألْقَتْ عَلى الفَرَزْدَقِ ما كانَ عَلَيْها مِنَ الحُلِيِّ، وهي زِيادَةٌ عَلى ألْفِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَأتْبَعَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ حاجِبَهُ لَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى اشْتَرى الحُلِيَّ مِنَ الفَرَزْدَقِ بِمِائَةِ ألْفٍ ورَدَّهُ عَلى خالِصَةَ. (ه) دَعا المَنصُورُ أبا حَنِيفَةَ يَوْمًا فَقالَ الرَّبِيعُ - وهو يُعادِيهُ -: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا - يَعْنِي أبا حَنِيفَةَ - يُخالِفُ جَدَّكَ حَيْثُ يَقُولُ: الِاسْتِثْناءُ المُنْفَصِلُ جائِزٌ وأبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُهُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هَذا الرَّبِيعُ يَقُولُ: لَيْسَ لَكَ بَيْعَةٌ في رَقَبَةِ النّاسِ، فَقالَ: كَيْفَ ؟ قالَ: إنَّهم يَعْقِدُونَ البَيْعَةَ لَكَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ فَيَسْتَثْنُونَ فَتَبْطُلُ بَيْعَتُهم، فَضَحِكَ المَنصُورُ، وقالَ: إيّاكَ يا رَبِيعُ وأبا حَنِيفَةَ، فَلَمّا خَرَجَ فَقالَ الرَّبِيعُ: يا أبا حَنِيفَةَ سَعَيْتَ في دَمِي، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كُنْتَ البادِيَ وأنا المُدافِعُ. ويُحْكى أنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا فَحَكَمَ أبُو يُوسُفَ بِقَتْلِ المُسْلِمِ بِهِ، فَبَلَغَ زُبَيْدَةَ ذَلِكَ فَبَعَثَتْ إلى أبِي يُوسُفَ فَقالَتْ: إيّاكَ وأنْ تَقْتُلَ المُسْلِمَ، وكانَتْ في عِنايَةٍ عَظِيمَةٍ بِأمْرِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا حَضَرَ أبُو يُوسُفَ وحَضَرَ الفُقَهاءُ وجِيءَ بِأوْلِياءَ الذِّمِّيِّ والمُسْلِمِ فَقالَ لَهُ الرَّشِيدُ: احْكم بِقَتْلِهِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هو مَذْهَبِي غَيْرَ أنِّي لَسْتُ أقْتُلُ المُسْلِمَ بِهِ حَتّى تَقُومَ البَيِّنَةُ العادِلَةُ أنَّ الذِّمِّيَّ يَوْمَ قَتَلَهُ المُسْلِمُ كانَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الجِزْيَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَبَطَلَ دَمُهُ. (ز) دَخَلَ الغَضْبانُ عَلى الحَجّاجِ بَعْدَما قالَ لِعَدُوِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأشْعَثِ: تَغَدَّ بِالحَجّاجِ قَبْلَ أنْ يَتَعَشّى بِكَ، فَقالَ لَهُ: ما جَوابُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ؟ فَقالَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، ثُمَّ فَطِنَ الحَجّاجُ، وقالَ: قاتَلَكَ اللَّهُ يا غَضْبانُ، أخَذْتَ لِنَفْسِكَ أمانًا بِرَدِّي عَلَيْكَ، أما واللَّهِ لَوْلا الوَفاءُ والكَرَمُ، لَما شَرِبْتَ الماءَ البارِدَ بَعْدَ ساعَتِكَ هَذِهِ. فانْظُرْ إلى فائِدَةِ العِلْمِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلِلَّهِ دَرُّ العِلْمِ ومَن بِهِ تَرَدّى، وتَعْسًا لِلْجَهْلِ ومَن في أوْدِيَتِهِ تَرَدّى. (ح) بَلَغَ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَوْلُ الشّاعِرِ: صفحة ١٨٠ ومِنّا سُوَيْدٌ والبَطِينُ وقَعْنَبُ ∗∗∗ ومِنّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ فَأمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ القائِلُ: ومَنّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ ؟ فَقالَ: إنَّما قُلْتُ: ومِنّا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ، بِنَصْبِ الرّاءِ فَنادَيْتُكَ واسْتَغَثْتُ بِكَ، فَسُرِّيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، وتَخَلَّصَ الرَّجُلُ مِنَ الهَلاكِ بِصَنْعَةٍ يَسِيرَةٍ عَمِلَها بِعِلْمِهِ، وهو أنَّهُ حَوَّلَ الضَّمَّةَ فَتْحَةً. (ط) قالَ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ لِسُلَيْمانَ بْنِ كَثِيرٍ: بَلَغَنِي أنَّكَ كُنْتَ في مَجْلِسٍ وقَدْ جَرى بَيْنَ يَدَيْكَ ذِكْرِي، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ سَوِّدْ وجْهَهُ، واقْطَعْ عُنُقَهُ، وأسْقِنِي مِن دَمِهِ، فَقالَ: نَعَمْ قُلْتُهُ، ولَكِنْ في كَرْمِ كَذا لَمّا نَظَرْتُ إلى الحِصْرِمِ، فاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ، وعَفا عَنْهُ. (ي) قالَ رَجُلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: إنِّي حَلَفْتُ لا أُكَلِّمُ امْرَأتِي حَتّى تُكَلِّمَنِي، وحَلَفَتْ بِصَدَقَةِ ما تَمْلِكُ أنْ لا تُكَلِّمَنِي أوْ أُكَلِّمَها فَتَحَيَّرَ الفُقَهاءُ فِيهِ فَقالَ سُفْيانُ: مَن كَلَّمَ صاحِبَهُ حَنِثَ. فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: اذْهَبْ وكَلِّمْها ولا حِنْثَ عَلَيْكُما، فَذَهَبَ إلى سُفْيانَ وأخْبَرَهُ بِما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، فَذَهَبَ سُفْيانُ إلى أبِي حَنِيفَةَ مُغْضَبًا، وقالَ: تُبِيحُ الفُرُوجَ ! فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: وما ذاكَ ؟ قالَ سُفْيانُ: أعِيدُوا عَلى أبِي حَنِيفَةَ السُّؤالَ، فَأعادُوا وأعادَ أبُو حَنِيفَةَ الفَتْوى، فَقالَ: مِن أيْنَ قُلْتَ ؟ قالَ: لَمّا شافَهَتْهُ بِاليَمِينِ بَعْدَما حَلَفَ كانَتْ مُكَلِّمَةً فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ، وإنْ كَلَّمَها فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ ولا عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ كَلَّمَها بَعْدَ اليَمِينِ فَسَقَطَتِ اليَمِينُ عَنْهُما، قالَ سُفْيانُ: إنَّهُ لَيُكْشَفُ لَكَ مِنَ العِلْمِ عَنْ شَيْءٍ كُلُّنا عَنْهُ غافِلٌ. (يا) دَخَلَ اللُّصُوصُ عَلى رَجُلٍ فَأخَذُوا مَتاعَهُ واسْتَحْلَفُوهُ بِالطَّلاقِ ثَلاثًا أنْ لا يُعْلِمَ أحَدًا، فَأصْبَحَ الرَّجُلُ وهو يَرى اللُّصُوصَ يَبِيعُونَ مَتاعَهُ ولَيْسَ يَقْدِرُ أنْ يَتَكَلَّمَ مِن أجْلِ يَمِينِهِ، فَجاءَ الرَّجُلُ يُشاوِرُ أبا حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ لِي إمامَ مَسْجِدِكَ وأهْلَ مَحَلَّتِكَ فَأحْضَرَهم إيّاهُ، فَقالَ لَهم أبُو حَنِيفَةَ: هَلْ تُحِبُّونَ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلى هَذا مَتاعَهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاجْمَعُوا كُلًّا مِنهم، وأدْخِلُوهم في دارٍ ثُمَّ أخْرِجُوهم واحِدًا واحِدًا، وقُولُوا: أهَذا لِصُّكَ ؟ فَإنْ كانَ لَيْسَ بِلِصِّهِ قالَ: لا، وإنْ كانَ لِصَّهُ فَلْيَسْكُتْ، وإذا سَكَتَ فاقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ أبُو حَنِيفَةَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعَ ما سُرِقَ مِنهُ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿قالَ ياآدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ صفحة ١٩٢ اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ أتَوْا بِالمَعْصِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ قالُوا: إنَّهم لَمّا عَرَفُوا خَطَأهم في هَذا السُّؤالِ رَجَعُوا وتابُوا واعْتَذَرُوا عَنْ خَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ والَّذِينَ أنْكَرُوا مَعْصِيَتَهم ذَكَرُوا في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والتَّسْلِيمِ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما سُئِلُوا عَنْهُ وذَلِكَ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنّا لا نَعْلَمُ إلّا ما عَلَّمْتَنا فَإذا لَمْ تُعَلِّمْنا ذَلِكَ فَكَيْفَ نَعْلَمُهُ ؟ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ إنَّما قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا إنَّكَ أعْلَمْتَنا أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ فَقُلْنا لَكَ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها، وأمّا هَذِهِ الأسْماءُ فَإنَّكَ ما أعْلَمْتَنا كَيْفِيَّتَها فَكَيْفَ نَعْلَمُها ؟ وهَهُنا مَسائِلُ: (المَسْألَةُ الأُولى): احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ عَلى أنَّ المَعارِفَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ أنَّهُ لا عِلْمَ لَنا إلّا مِن جِهَتِهِ إمّا بِالتَّعْلِيمِ، وإمّا بِنَصْبِ الدَّلالَةِ، والجَوابُ أنَّ التَّعْلِيمَ عِبارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ في الغَيْرِ كالتَّسْوِيدِ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ السَّوادِ في الغَيْرِ، لا يُقالُ: التَّعْلِيمُ عِبارَةٌ عَنْ إفادَةِ الأمْرِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ لَوْ حَصَلَ الشَّرْطُ وانْتَفى المانِعُ، ولِذَلِكَ يُقالُ عَلَّمْتُهُ فَما تَعَلَّمَ والأمْرُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ هو وضْعُ الدَّلِيلِ واللَّهُ تَعالى قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنّا نَقُولُ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ العِلْمِ لَيْسَ هو ذاتَ الدَّلِيلِ بَلِ النَّظَرُ في الدَّلِيلِ وذَلِكَ النَّظَرُ فِعْلُ العَبْدِ فَلَمْ يَكُنْ حُصُولُ ذَلِكَ العِلْمِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ . * * * (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): احْتَجَّ أهْلُ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ المُغَيَّباتِ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْها بِعِلْمِ النُّجُومِ والكِهانَةِ والعِرافَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وقَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجِنِّ: ٢٦، ٢٧] ولِلْمُنَجِّمِ أنْ يَقُولَ لِلْمُعْتَزِلِيِّ: إذا فَسَّرْتَ التَّعْلِيمَ بِوَضْعِ الدَّلائِلِ فَعِنْدِي حَرَكاتُ النُّجُومِ دَلائِلُ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَإذا اسْتَدْلَلْتَ بِها عَلى هَذِهِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الغَيْبِ، فَلَأنْ يَعْجِزَ عَنْهُ أحَدُنا كانَ أوْلى. (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): العَلِيمُ مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ التّامَّةِ في العِلْمِ، والمُبالَغَةُ التّامَّةُ لا تَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ الإحاطَةِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وما ذاكَ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلا جَرَمَ لَيْسَ العَلِيمُ المُطْلَقُ إلّا هو، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ. (المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): الحَكِيمُ يُسْتَعْمَلُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى العَلِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الذّاتِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ في الأزَلِ. الآخَرُ: أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ فاعِلًا لِما لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فَلا نَقُولُ إنَّهُ حَكِيمٌ في الأزَلِ، والأقْرَبُ هَهُنا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو المَعْنى الثّانِي وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، فَكَأنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: أنْتَ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَأمْكَنَكَ تَعْلِيمُ آدَمَ، وأنْتَ الحَكِيمُ في هَذا الفِعْلِ المُصِيبُ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مُرادَ المَلائِكَةِ مِنَ الحَكِيمِ، أنَّهُ هو الَّذِي حَكَمَ بِجَعْلِ آدَمَ خَلِيفَةً في الأرْضِ.

البقرة 2:33

(المَسْألَةُ الخامِسَةُ): أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُخْبِرَهم عَنْ أسْماءِ الأشْياءِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَهم بِها، فَلَمّا أخْبَرَهم بِها قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ﴾ صفحة ١٩٣ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الغَيْبِ أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأحْوالِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ حُدُوثِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ هِشامِ بْنِ الحَكَمِ في أنَّهُ لا يَعْلَمُ الأشْياءَ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، فَإنْ قِيلَ الإيمانُ هو العِلْمُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَعْلَمُ الغَيْبَ فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ؟ والإشْعارُ بِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا لِي وأنَّ كُلَّ مَن سِوايَ فَهم خالُونَ عَنْ عِلْمِ الغَيْبِ، وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣] أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ما رَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ أرادَ بِهِ قَوْلَهم: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أرادَ بِهِ ما أسَرَّ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ وأنْ لا يَسْجُدَ: وثانِيها: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الأُمُورِ الغائِبَةِ والأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي يُظَنُّ في الظّاهِرِ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ فِيها ولَكِنِّي لِعِلْمِي بِالأسْرارِ المُغَيَّبَةِ أعْلَمُ أنَّ المَصْلَحَةَ في خَلْقِها. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ آدَمَ رَأتِ المَلائِكَةُ خَلْقًا عَجِيبًا، فَقالُوا: لِيَكُنْ ما شاءَ، فَلَنْ يَخْلُقَ رَبُّنا خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنهُ فَهَذا الَّذِي كَتَمُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ سِرًّا أسَرُّوهُ بَيْنَهم فَأبْداهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وأسَرُّوهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَكانَ في هَذا الفِعْلِ الواحِدِ إبْداءٌ وكِتْمانٌ. ورابِعُها: وهو قَوْلُ الحُكَماءِ أنَّ الأقْسامَ خَمْسَةٌ لِأنَّ الشَّيْءَ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا مَحْضًا، أوْ شَرًّا مَحْضًا أوْ مُمْتَزِجًا وعَلى تَقْدِيرِ الِامْتِزاجِ فَإمّا أنْ يَعْتَدِلَ الأمْرُ، أوْ يَكُونَ الخَيْرُ غالِبًا أوْ يَكُونَ الشَّرُّ غالِبًا، أمّا الخَيْرُ المَحْضُ فالحِكْمَةُ تَقْتَضِي إيجادَهُ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الخَيْرُ غالِبًا فالحِكْمَةُ تَقْتَضِي إيجادَهُ؛ لِأنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا الفَسادَ والقَتْلَ وهو شَرٌّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَحْصُلُ مِنهم مِنَ الخَيْراتِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَأعْرِفُ أنَّ خَيْرَهم غالِبٌ عَلى هَذِهِ الشُّرُورِ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهم وتَكْوِينَهم. (المَسْألَةُ السّادِسَةُ): اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ خَوْفًا عَظِيمًا وفَرَحًا عَظِيمًا، أمّا الخَوْفُ فَلِأنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ الضَّمائِرِ فَيَجِبُ أنْ يَجْتَهِدَ المَرْءُ في تَصْفِيَةِ باطِنِهِ وأنْ لا يَكُونَ بِحَيْثُ يَتْرُكُ المَعْصِيَةَ لِاطِّلاعِ الخَلائِقِ عَلَيْها، ولا يَتْرُكُها عِنْدَ اطِّلاعِ الخالِقِ عَلَيْها، والأخْبارُ مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ. أحَدُها: رَوى عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«يُؤْتى بِناسٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ حَتّى إذا دَنَوْا مِنها ووَجَدُوا رائِحَتَها ونَظَرُوا إلى قُصُورِها وإلى ما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِها نُودُوا أنِ اصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها، فَيَرْجِعُونَ عَنْها بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ أحَدٌ بِمِثْلِها ويَقُولُونَ: يا رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا مِن ثَوابِكَ، وما أعْدَدْتَ فِيها لِأوْلِيائِكَ كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا. فَنُودُوا ذاكَ أرَدْتُ لَكم كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ، وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم بِالمَحَبَّةِ مُخْبِتِينَ تُراءُونَ النّاسَ بِخِلافِ ما تُضْمِرُونَ عَلَيْهِ في قُلُوبِكم، هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي، أجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي تَرَكْتُمُ المَعاصِيَ لِلنّاسِ ولَمْ تَتْرُكُوها لِأجْلِي، كُنْتُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ عَلَيْكم فاليَوْمَ أُذِيقُكم ألِيمَ عَذابِي مَعَ ما حَرَمْتُكم مِنَ النَّعِيمِ» “ . وثانِيها: قالَ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيٍّ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: عِظْنِي، فَقالَ: إنْ كُنْتَ إذا عَصَيْتَ اللَّهَ خالِيًا ظَنَنْتَ أنَّهُ يَراكَ فَلَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ، وإنْ كُنْتَ ظَنَنْتَ أنَّهُ لا يَراكَ فَلَقَدْ كَفَرْتَ. وثالِثُها: قالَ حاتِمٌ الأصَمُّ: طَهِّرْ نَفْسَكَ في ثَلاثَةِ أحْوالٍ: إذا كُنْتَ عامِلًا بِالجَوارِحِ فاذْكُرْ نَظَرَ اللَّهِ إلَيْكَ، وإذا كُنْتَ قائِلًا فاذْكُرْ سَمْعَ اللَّهِ إلَيْكَ، وإذا كُنْتَ ساكِتًا عامِلًا بِالضَّمِيرِ فاذْكُرْ عِلْمَ اللَّهِ بِكَ إذْ هو يَقُولُ: صفحة ١٩٤ ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . ورابِعُها: اعْلَمْ أنَّهُ لا اطِّلاعَ لِأحَدٍ عَلى أسْرارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَلائِكَةُ وقَعَ نَظَرُهم عَلى الفَسادِ والقَتْلِ فاسْتَحْقَرُوا البَشَرَ، ووَقَعَ نَظَرُهم عَلى طاعَةِ إبْلِيسَ فاسْتَعْظَمُوهُ، أمّا عَلّامُ الغُيُوبِ فَإنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهم وإنْ أتَوْا بِالفَسادِ والقَتْلِ لَكِنَّهم سَيَأْتُونَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] وأنَّ إبْلِيسَ وإنْ أتى بِالطّاعاتِ لَكِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾، ومِن شَأْنِ العَقْلِ أنْ لا يَعْتَمِدَ عَلى ما يَراهُ وأنْ يَكُونَ أبَدًا في الخَوْفِ والوَجَلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ﴾ مَعْناهُ أنا الَّذِي أعْرِفُ الظّاهِرَ والباطِنَ والواقِعَ والمُتَوَقَّعَ، وأعْلَمُ أنَّهُ ما تَرَوْنَهُ عابِدًا مُطِيعًا سَيَكْفُرُ، ويَبْعُدُ عَنْ حَضْرَتِي، ومَن تَرَوْنَهُ فاسِقًا بَعِيدًا سَيَقْرُبُ مِن خِدْمَتِي، فالخَلْقُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَخْرُجُوا عَنْ حِجابِ الجَهْلِ، ولا يَتَيَسَّرُ لَهم أنْ يَخْرِقُوا أسْتارَ العَجْزِ فَإنَّهم لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَقَّقَ مِن عِلْمِ الغَيْبِ وعَجْزِ المَلائِكَةِ أنْ أظْهَرَ مِنَ البَشَرِ كَمالَ العُبُودِيَّةِ، ومِن أشَدِّ ساكِنِي السَّماواتِ عِبادَةً كَمالَ الكُفْرِ؛ لِئَلّا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِعَمَلِهِ ويُفَوِّضُوا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ إلى حِكْمَةِ الخالِقِ ويُزِيلُوا الِاعْتِراضَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ عَنْ مَصْنُوعاتِهِ ومُبْدَعاتِهِ.

البقرة 2:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النِّعْمَةُ الرّابِعَةُ مِنَ النِّعَمِ العامَّةِ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ أبانا مَسْجُودَ المَلائِكَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَخْصِيصَ آدَمَ بِالخِلافَةِ أوَّلًا ثُمَّ تَخْصِيصَهُ بِالعِلْمِ الكَثِيرِ ثانِيًا، ثُمَّ بُلُوغَهُ في العِلْمِ إلى أنْ صارَتِ المَلائِكَةُ عاجِزِينَ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَتِهِ في العِلْمِ، وذَكَرَ الآنَ كَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الأمْرُ بِالسُّجُودِ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ تَعالى خِلْقَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صارَ حَيًّا صارَ مَسْجُودَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: (فَقَعُوا) لِلتَّعْقِيبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَعْلِيمُ الأسْماءِ ومُناظَرَتُهُ مَعَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ حَصَلَ بَعْدَ أنْ صارَ مَسْجُودَ المَلائِكَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَيْسَ سُجُودَ عِبادَةٍ؛ لِأنَّ سُجُودَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ والأمْرُ لا يَرِدُ بِالكُفْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ تَعالى وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كالقِبْلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلِ: أنَّهُ لا يُقالُ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ بَلْ يُقالُ صَلَّيْتُ إلى القِبْلَةِ فَلَوْ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قِبْلَةً لِذَلِكَ السُّجُودِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ اسْجُدُوا إلى آدَمَ فَلَمّا لَمْ يَرِدِ الأمْرُ هَكَذا بَلْ قِيلَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ عَلِمْنا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قِبْلَةً. الثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ قالَ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أيْ أنَّ كَوْنَهُ مَسْجُودًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ حالًا مِنَ السّاجِدِ ولَوْ كانَ قِبْلَةً لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ بِدَلِيلِ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ تَكُونَ الكَعْبَةُ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ . والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ كَما لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: صَلَّيْتُ إلى القِبْلَةِ جازَ أنْ يُقالَ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ والدَّلِيلُ صفحة ١٩٥ عَلَيْهِ القُرْآنُ والشِّعْرُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسْراءِ: ٧٨] والصَّلاةُ لِلَّهِ لا لِلدُّلُوكِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ أنَّ الصَّلاةَ تَكُونُ لِلَّهِ تَعالى لا لِلْقِبْلَةِ ؟ وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ حَسّانَ: ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الأمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكُمْ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ ؟ فَقَوْلُهُ صَلّى لِقِبْلَتِكم نَصٌّ عَلى المَقْصُودِ، والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ إبْلِيسَ شَكا تَكْرِيمَهُ، وذَلِكَ التَّكْرِيمُ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ المَسْجُودِيَّةِ بَلْ لَعَلَّهُ حَصَلَ بِذَلِكَ مَعَ أُمُورٍ أُخَرَ فَهَذا ما في القَوْلِ الأوَّلِ، أمّا القَوْلُ الثّانِي فَهو أنَّ السَّجْدَةَ كانَتْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَحِيَّةً لَهُ كالسَّلامِ مِنهم عَلَيْهِ، وقَدْ كانَتِ الأُمَمُ السّالِفَةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَما يُحَيِّي المُسْلِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠] كانَتْ تَحِيَّةُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ سُجُودَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وعَنْ صُهَيْبٍ «أنَّ مُعاذًا لَمّا قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا مُعاذُ ما هَذا ؟ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَسْجُدُ لِعُظَمائِها وعُلَمائِها ورَأيْتُ النَّصارى تَسْجُدُ لِقُسُسِها وبِطارِقَتِها قُلْتُ: ما هَذا ؟ قالُوا: تَحِيَّةُ الأنْبِياءِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ» “ . وعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِماكِ بْنِ هانِئٍ قالَ: دَخَلَ الجاثَلِيقُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ فَأرادَ أنْ يَسْجُدَ لَهُ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْجُدْ لِلَّهِ ولا تَسْجُدْ لِي. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْها» “ . القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السُّجُودَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ، قالَ الشّاعِرُ: تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ أيْ تِلْكَ الجِبالُ الصِّغارُ كانَتْ مُذَلَّلَةً لِحَوافِرِ الخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ تَعْظِيمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مُجَرَّدَ القِبْلَةِ لا يُفِيدُ تَعْظِيمَ حالِهِ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ السُّجُودَ لا شَكَّ أنَّهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في أصْلِ اللُّغَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ فَإنْ قِيلَ: السُّجُودُ عِبادَةٌ والعِبادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ، قُلْنا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ عِبادَةٌ، بَيانُهُ أنَّ الفِعْلَ قَدْ يَصِيرُ بِالمُواضَعَةِ مُفِيدًا كالقَوْلِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ قِيامَ أحَدِنا لِلْغَيْرِ يُفِيدُ مِنَ الإعْظامِ ما يُفِيدُهُ القَوْلُ، وما ذاكَ إلّا لِلْعادَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ في بَعْضِ الأوْقاتِ سُقُوطُ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ وإلْصاقُهُ الجَبِينَ بِها مُفِيدًا ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِبادَةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إظْهارًا لِرِفْعَتِهِ وكَرامَتِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ ولا سِيَّما المُعْتَزِلَةُ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّهُ كانَ مِنهم واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ظَنَّ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ مِنَ صفحة ١٩٦ الجِنِّ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الجِنَّ جِنْسٌ مُخالِفٌ لِلْمَلَكِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الجِنَّ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاجْتِنانِ وهو السَّتْرُ؛ ولِهَذا سُمِّيَ الجَنِينُ جَنِينًا لِاجْتِنانِهِ، ومِنهُ الجُنَّةُ لِكَوْنِها ساتِرَةً، والجَنَّةُ لِكَوْنِها مُسْتَتِرَةً بِالأغْصانِ، ومِنهُ الجُنُونُ لِاسْتِتارِ العَقْلِ فِيهِ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا والمَلائِكَةُ مَسْتُورُونَ عَنِ العُيُونِ وجَبَ إطْلاقُ لَفْظِ الجِنِّ عَلَيْهِمْ بِحَسْبِ اللُّغَةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَدْرَ لا يُفِيدُ المَقْصُودَ فَنَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في الفَرْقِ بَيْنَ الجِنِّ والمَلَكِ، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كانَ مِنَ الجَنَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: كانَ مِنَ الجِنِّ أيْ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنَ الجِنِّ أيْ صارَ مِنَ الجِنِّ كَما أنَّ قَوْلَهُ ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ صارَ مِنَ الكافِرِينَ، سَلَّمْنا أنَّ ما ذَكَرْتَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الجِنِّ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ وما ذَكَرْتُمْ مِنَ الآيَةِ مُعارَضٌ بِآيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصّافّاتِ: ١٥٨] وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَكَ يُسَمّى جِنًّا ؟ والجَوابُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ يُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ تَرْكِهِ لِلسُّجُودِ لِكَوْنِهِ جِنِّيًّا ولا يُمْكِنُ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ بِكَوْنِهِ خازِنًا لِلْجَنَّةِ، فَيُبْطِلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ صارَ مِنَ الجِنِّ. قُلْنا: هَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصّافّاتِ: ١٥٨] قُلْنا يُحْتَمَلُ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ أثْبَتَ ذَلِكَ النَّسَبَ في الجِنِّ كَما أثْبَتَهُ في المَلائِكَةِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَلَكَ يُسَمّى جِنًّا بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّ لَفْظَ الجِنِّ بِحَسَبِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِغَيْرِهِمْ كَما أنَّ لَفْظَ الدّابَّةِ وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما يَدِبُّ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ ما يَدِبُّ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْناها عَلى العُرْفِ الحادِثِ. وثانِيها: أنَّ إبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ والمَلائِكَةُ لا ذُرِّيَّةَ لَهم، إنَّما قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَهُ ذَرِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ الذُّرِّيَّةِ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المَلائِكَةَ لا ذُرِّيَّةَ لَهم؛ لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، والمَلائِكَةُ لا أُنْثى فِيهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] أنْكَرَ عَلى مَن حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالأُنُوثَةِ فَإذا انْتَفَتِ الأُنُوثَةُ انْتَفى التَّوالُدُ لا مَحالَةَ فانْتَفَتِ الذُّرِّيَّةُ. وثالِثُها: أنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وإبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ. ورابِعُها: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ والمَلائِكَةُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، إنَّما قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] وأيْضًا فَلِأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] والجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧] وقالَ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١٥] وأمّا أنَّ المَلائِكَةَ لَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ بَلْ مِنَ النُّورِ، فَلِما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ «خُلِقَتِ صفحة ١٩٧ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ»؛ ولِأنَّ مِنَ المَشْهُورِ الَّذِي يَدْفَعُ أنَّ المَلائِكَةَ رُوحانِيُّونَ، وقِيلَ إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا مِنَ الرِّيحِ أوِ الرَّوْحِ. وخامِسُها: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] ورُسُلُ اللَّهِ مَعْصُومُونَ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤] فَلَمّا لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ المَلائِكَةِ بِأمْرَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناهُ مِنَ المَلائِكَةِ والِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، لا يُقالُ: الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٧] وقالَ تَعالى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ [النِّساءِ: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النِّساءِ: ٩٢] وأيْضًا فَلِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا واحِدًا بَيْنَ الأُلُوفِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ في قَوْلِهِ (فَسَجَدُوا) ثُمَّ اسْتُثْنِيَ هو مِنهُمُ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهم؛ لِأنّا نَقُولُ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فَذَلِكَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، والدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في نَفْيِ كَوْنِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، لَيْسَ فِيها إلّا الِاعْتِمادُ عَلى العُمُوماتِ، فَلَوْ جَعَلْناهُ مِنَ المَلائِكَةِ لَزِمَ تَخْصِيصُ ما عَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُوماتِ، ولَوْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، لَزِمَنا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَخْصِيصَ العُمُوماتِ أكْثَرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن حَمْلِ الِاسْتِثْناءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَكانَ قَوْلُنا أوْلى. أيْضًا فالِاسْتِثْناءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّنْيِ والصَّرْفِ، ومَعْنى الصَّرْفِ إنَّما يَتَحَقَّقُ حَيْثُ لَوْلا الصَّرْفُ لَدَخَلَ والشَّيْءُ لا يَدْخُلُ في غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُ جِنِّيٌّ واحِدٌ بَيْنَ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ: إنَّما يَجُوزُ إجْراءُ حُكْمِ الكَثِيرِ عَلى القَلِيلِ إذا كانَ القَلِيلُ ساقِطَ العِبْرَةِ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ إذا كانَ مُعْظَمُ الحَدِيثِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَلِكَ الواحِدِ لَمْ يَجُزْ إجْراءُ حُكْمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قالُوا لَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَما كانَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ مُتَناوِلًا لَهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَناوِلًا لَهُ لاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ تَرْكُهُ لِلسُّجُودِ إباءً واسْتِكْبارًا ومَعْصِيَةً، ولَما اسْتَحَقَّ الذَّمَّ والعِقابَ، وحَيْثُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الخِطابَ يَتَناوَلُهُ، ولا يَتَناوَلُهُ ذَلِكَ الخِطابُ إلّا إذا كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، لا يُقالُ إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا أنَّهُ نَشَأ مَعَهم وطالَتْ مُخالَطَتُهُ بِهِمْ والتَصَقَ بِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَتَناوَلُهُ ذَلِكَ الخِطابُ، وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في هَذا الأمْرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالسُّجُودِ بِلَفْظٍ آخَرَ ما حَكاهُ في القُرْآنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] لِأنّا نَقُولُ: أمّا الأوَّلُ فَجَوابُهُ أنَّ المُخالَطَةَ لا تُوجِبُ ما ذَكَرْتُمُوهُ، ولِهَذا قُلْنا في أُصُولِ الفِقْهِ إنَّ خِطابَ الذُّكُورِ لا يَتَناوَلُ الإناثَ، وبِالعَكْسِ مَعَ شَدَّةِ المُخالَطَةِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، وأيْضًا فَشِدَّةُ المُخالَطَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْلِيسَ لَمّا لَمْ تَمْنَعِ اقْتِصارَ اللَّعْنِ عَلى إبْلِيسَ فَكَيْفَ تَمْنَعُ اقْتِصارَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ عَلى المَلائِكَةِ، وأمّا الثّانِي فَجَوابُهُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَلَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أشْعَرَ هَذا التَّعْقِيبُ بِأنَّ هَذا الإباءَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ لا بِسَبَبِ مُخالَفَةِ أمْرٍ آخَرَ، فَهَذا ما عِنْدِي في الجانِبَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ. * * * صفحة ١٩٨ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِنا يَحْتَجُّونَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ بِسُجُودِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ فَرَأيْنا أنْ نَذْكُرَ هَهُنا هَذِهِ المَسْألَةَ فَنَقُولُ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ السُّنَّةِ: الأنْبِياءُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ بَلِ المَلائِكَةُ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الشِّيعَةِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ مِنّا، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ مِن فُقَهائِنا ونَحْنُ نَذْكُرُ مُحَصِّلَ الكَلامِ مِنَ الجانِبَيْنِ: أمّا القائِلُونَ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأُمُورٍ. أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] والِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ العِنْدِيَّةِ عِنْدِيَّةَ المَكانِ والجِهَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بَلْ عِنْدِيَّةُ القُرْبِ والشَّرَفِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةً في صِفَةِ المَلائِكَةِ عَلِمْنا أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ القُرْبَةِ والشَّرَفِ حاصِلٌ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ هَذِهِ العِنْدِيَّةَ في الآخِرَةِ لِآحادِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٥٥] وأمّا في الدُّنْيا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاكِيًا عَنْهُ سُبْحانَهُ ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ وهَذا أكْثَرُ إشْعارًا بِالتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ هَؤُلاءِ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم وما احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ العَبْدِ أدْخَلُ في التَّعْظِيمِ مِن كَوْنِ العَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ عَلى أنَّ غَيْرَهم وجَبَ أنْ لا يَسْتَكْبِرُوا ولَوْ كانَ البَشَرُ أفْضَلَ مِنهم لَما تَمَّ هَذا الِاحْتِجاجُ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا أرادَ أنْ يُقَرِّرَ عَلى رَعِيَّتِهِ وُجُوبَ طاعَتِهِمْ لَهُ يَقُولُ: المُلُوكُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طاعَتِي، فَمَن هَؤُلاءِ المَساكِينُ حَتّى يَتَمَرَّدُوا عَنْ طاعَتِي ! وبِالجُمْلَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأقْوى عَلى الأضْعَفِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نِزاعَ في أنَّ المَلائِكَةَ أشَدُّ قُوَّةً وقُدْرَةً مِنَ البَشَرِ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاسْتِدْلالِ هَذا القَدْرُ مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ واسْتِيلائِهِمْ عَلى أجْرامِ السَّماواتِ والأرْضِ وأمْنِهِمْ مِنَ الهَرَمِ والمَرَضِ وطُولِ أعْمارِهِمْ، لا يَتْرُكُونَ العُبُودِيَّةَ لَحْظَةً واحِدَةً، والبَشَرُ مَعَ نِهايَةِ ضَعْفِهِمْ ووُقُوعِهِمْ في أسْرَعِ الأحْوالِ في المَرَضِ والهَرَمِ وأنْواعِ الآفاتِ أوْلى أنْ لا يَتَمَرَّدُوا، فَهَذا القَدْرُ مِنَ التَّفاوُتِ كافٍ في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولا نِزاعَ في حُصُولِ التَّفاوُتِ في هَذا المَعْنى، إنَّما النِّزاعُ في الأفْضَلِيَّةِ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَ المَلِكُ أكْثَرَ ثَوابًا مِنَ البَشَرِ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ إلى الفَهْمِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ ؟ وثانِيها: أنَّهم قالُوا: عِباداتُ المَلائِكَةِ أشَقُّ مِن عِباداتِ البَشَرِ، فَتَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا مِن عِباداتِ البَشَرِ، وإنَّما قُلْنا إنَّها أشَقُّ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَيْلَهم إلى التَّمَرُّدِ أشَدُّ فَتَكُونُ طاعَتُهم أشَقَّ، وإنَّما قُلْنا إنَّ مَيْلَهم إلى التَّمَرُّدِ أشَدُّ؛ لِأنَّ العَبْدَ السَّلِيمَ مِنَ الآفاتِ، المُسْتَغْنِيَ عَنْ طَلَبِ الحاجاتِ، يَكُونُ أمْيَلَ إلى النِّعَمِ والِالتِذاذِ مِنَ المَغْمُورِ في الحاجاتِ، فَإنَّهُ يَكُونُ كالمُضْطَرِبِ في الرُّجُوعِ إلى عِبادَةِ مَوْلاهُ والِالتِجاءِ إلَيْهِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] ومَعْلُومٌ أنَّ المَلائِكَةَ سُكّانُ السَّماواتِ وهي جَنّاتٌ وبَساتِينُ ومَواضِعُ التَّنَزُّهِ والرّاحَةِ وهم آمِنُونَ صفحة ١٩٩ مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ ثُمَّ إنَّهم مَعَ اسْتِكْمالِ أسْبابِ التَّنَعُّمِ لَهم أبَدًا مُذْ خُلِقُوا مُشْتَغِلُونَ بِالعِبادَةِ خاشِعُونَ وجِلُونَ مُشْفِقُونَ كَأنَّهم مَسْجُونُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى نَعِيمِ الجِنانِ واللَّذّاتِ بَلْ هم مُقْبِلُونَ عَلى الطّاعاتِ الشّاقَّةِ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ الشَّدِيدِ والفَزَعِ العَظِيمِ، وكَأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ أنْ يَبْقى كَذَلِكَ يَوْمًا واحِدًا فَضْلًا عَنْ تِلْكَ الأعْصارِ المُتَطاوِلَةِ ويُؤَكِّدُهُ قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ أطْلَقَ لَهُ جَمِيعَ مَواضِعِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البَقَرَةِ: ٣٥] ثُمَّ مُنِعَ مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ حَتّى وقَعَ في الشَّرِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعَتَهم أشَقُّ مِن طاعاتِ البَشَرِ. وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ المُكَلَّفِ مِن نَوْعِ عِبادَةٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ كالِانْتِقالِ مِن بُسْتانٍ إلى بُسْتانٍ، أمّا الإقامَةُ عَلى نَوْعٍ واحِدٍ فَإنَّها تُورِثُ المَشَقَّةَ والمَلالَةَ؛ ولِهَذا السَّبَبِ جُعِلَتِ التَّصانِيفُ مَقْسُومَةً بِالأبْوابِ والفُصُولِ، وجُعِلَ كِتابُ اللَّهِ مَقْسُومًا بِالسُّوَرِ والأحْزابِ والأعْشارِ والأخْماسِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُواظِبٌ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ لا يَعْدِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] وقالَ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥، ١٦٦] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عِبادَتُهم في نِهايَةِ المَشَقَّةِ، إذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ عِباداتُهم أفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها» “ أيْ أشَقُّها، وقَوْلُهُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ”«إنَّما أجْرُكِ عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ» “ والقِياسُ أيْضًا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإنَّ العَبْدَ كُلَّما كانَ تَحَمُّلُهُ المَشاقَّ لِأجْلِ رِضا مَوْلاهُ أكْثَرَ كانَ أحَقَّ بِالتَّعْظِيمِ والتَّقْدِيمِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الوَجْهَيْنِ: هَبْ أنَّ مَشَقَّتَهم أكْثَرُ فَلِمَ قُلْتُمْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم أكْبَرَ ؟ وذَلِكَ لِأنّا نَرى بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ في زَمانِنا هَذا يَتَحَمَّلُونَ في طَرِيقِ المُجاهَدَةِ مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ ما يَقْطَعُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَتَحَمَّلُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْضَلُ مِنهُ، ومِن أمْثالِهِ، بَلْ يُحْكى عَنْ عُبّادِ الهِنْدِ وزُهّادِهِمْ ورُهْبانِهِمْ أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ مِنَ المَتاعِبِ في التَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى ما لَمْ يُحْكَ مِثْلُهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِكُفْرِهِمْ، فَعَلِمْنا أنَّ كَثْرَةَ المَشَقَّةِ في العِبادَةِ لا تَقْتَضِي زِيادَةَ الثَّوابِ، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا تَحْصُلُ إلّا بِناءً عَلى الدَّواعِي والقُصُودِ، فَلَعَلَّ الفِعْلَ الواحِدَ يَأْتِي بِهِ مُكَلَّفانِ عَلى السَّواءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ الظّاهِرَةِ ويَسْتَحِقُّ أحَدُهُما بِهِ ثَوابًا عَظِيمًا والآخَرُ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوابًا قَلِيلًا، لِما أنَّ إخْلاصَ أحَدِهِما أشَدُّ وأكْثَرُ مِن إخْلاصِ الثّانِي، فَإذَنْ كَثْرَةُ العِباداتِ ومَشَقَّتُها لا تَقْتَضِي التَّفاوُتَ في الفَضْلِ ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ عِباداتِ المَلائِكَةِ أشَقُّ. أمّا قَوْلُهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: السَّماواتُ كالبَساتِينِ النَّزِهَةِ قُلْنا: مُسَلَّمٌ ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِأنَّ الإتْيانَ بِالعِبادَةِ في المَواضِعِ الطَّيِّبَةِ أشَقُّ مِنَ الإتْيانِ بِها في المَواضِعِ الرَّدِيئَةِ ؟ أكْثَرُ ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَدْ يُهَيَّأُ لَهُ أسْبابُ التَّنَعُّمِ فامْتِناعُهُ عَنْها مَعَ تَهْيِئَتِها لَهُ أشَقُّ، ولَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِما أنَّ أسْبابَ البَلاءِ مُجْتَمِعَةٌ عَلى البَشَرِ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ اجْتِماعِها عَلَيْهِمْ يَرْضَوْنَ بِقَضاءِ اللَّهِ ولا تُغَيُّرُهم تِلْكَ المِحَنُ والآفاتُ عَنِ الخُشُوعِ لَهُ والمُواظَبَةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الخَدَمَ والعَبِيدَ تَطِيبُ قُلُوبُهم بِالخِدْمَةِ حالَ ما يَجِدُونَ مِنَ النِّعَمِ والرَّفاهِيَةِ ولا يَصْبِرُ أحَدٌ مِنهم حالَ المَشَقَّةِ عَلى الخِدْمَةِ إلّا مَن كانَ في نِهايَةِ الإخْلاصِ فَما ذَكَرُوهُ بِالعَكْسِ أوْلى، أمّا قَوْلُهُ: والمُواظَبَةُ عَلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ العِبادَةِ شاقٌّ، قُلْنا هَذا مُعارَضٌ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنَّهم لَمّا صفحة ٢٠٠ اعْتادُوا نَوْعًا واحِدًا مِنَ العِبادَةِ صارُوا كالمَجْبُورِينَ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَقْدِرُونَ عَلى خِلافِهِ عَلى ما قِيلَ: العادَةُ طَبِيعَةٌ خامِسَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّوْعُ في نِهايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الوِصالِ في الصَّوْمِ، وقالَ ”«أفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ» “ وهو أنْ يَصُومَ يَوْمًا ويُفْطِرَ يَوْمًا. وثالِثُها: قالُوا: عِباداتُ المَلائِكَةِ أدْوَمُ فَكانَتْ أفْضَلَ، بَيانُ أنَّها أدْوَمُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] وعَلى هَذا لَوْ كانَتْ أعْمارُهم مُساوِيَةً لِأعْمارِ البَشَرِ لَكانَتْ طاعاتُهم أدْوَمَ وأكْثَرَ فَكَيْفَ ولا نِسْبَةَ لَعُمْرِ كُلِّ البَشَرِ إلى عُمَرِ المَلائِكَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في بابِ صِفاتِ المَلائِكَةِ، وعَلى هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ: رُوِيَ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ثُمَّ قالَ ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أفَلا تَكُونُ الرِّسالَةُ مانِعَةً لَهم عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ ؟ وأيْضًا قالَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦١] فَكَيْفَ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِاللَّعْنِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ ؟ أجابَ كَعْبُ الأحْبارِ، فَقالَ: التَّسْبِيحُ لَهم كالتَّنَفُّسِ لَنا فَكَما أنَّ اشْتِغالَنا بِالتَّنَفُّسِ لا يَمْنَعُنا مِنَ الكَلامِ فَكَذَلِكَ اشْتِغالُنا بِالتَّسْبِيحِ لا يَمْنَعُهم مِن سائِرِ الأعْمالِ. وأقُولُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الِاشْتِغالُ بِالتَّنَفُّسِ إنَّما لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ آلَةَ التَّنَفُّسِ غَيْرُ آلَةِ الكَلامِ أمّا اللَّعْنُ والتَّسْبِيحُ فَهُما مِن جِنْسِ الكَلامِ فاجْتِماعُهُما في الآيَةِ الواحِدَةِ مُحالٌ، والجَوابُ الأوَّلُ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهم ألْسُنًا كَثِيرَةً يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى بِبَعْضِها ويَلْعَنُونَ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالبَعْضِ الآخَرِ. والجَوابُ الثّانِي: اللَّعْنُ هو الطَّرْدُ والتَّبْعِيدُ، والتَّسْبِيحُ هو الخَوْضُ في ثَناءِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ أنَّ ثَناءَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ تَبْعِيدَ مَنِ اعْتَقَدَ في اللَّهِ ما لا يَنْبَغِي فَكانَ ذَلِكَ اللَّعْنُ مِن لَوازِمِهِ. والجَوابُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] مَعْناهُ أنَّهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ العَزْمِ عَلى أدائِهِ في أوْقاتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا مُواظِبٌ عَلى الجَماعاتِ لا يَفْتُرُ عَنْها لا يُرادُ بِهِ أنَّهُ أبَدًا مُشْتَغِلٌ بِها بَلْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَزْمِ أبَدًا عَلى أدائِها في أوْقاتِها، وإذا ثَبَتَ أنَّ عِبادَتَهم أدَوْمُ وجَبَ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ. أمّا أوَّلًا؛ فَلِأنَّ الأدْوَمَ أشَقُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في الحُجَّةِ الثّانِيَةِ، وأما ثانِيًا: فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أفْضَلُ العِبادِ مَن طالَ عُمْرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ» والمَلائِكَةُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أطْوَلُ العِبادِ أعْمارًا وأحْسَنُهم أعْمالًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ العِبادِ؛ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ”«الشَّيْخُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ» “ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في البَشَرِ كالنَّبِيِّ في الأُمَّةِ وذَلِكَ يُوجِبُ فَضْلَهم عَلى البَشَرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا لُقْمانُ وكَذا الخَضِرُ كانُوا أطْوَلَ عُمْرًا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ فَبَطَلَ ما قالُوهُ وقَدْ نَجِدُ في الأُمَّةِ مَن هو أطْوَلُ عُمْرًا وأشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وهو مِنهُ أبْعَدُ في الدَّرَجَةِ مِنَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى. والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما بَيَّنّا أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ إنَّما تَحْصُلُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الدَّواعِي والقُصُودِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطّاعَةُ القَلِيلَةُ تَقَعُ مِنَ الإنْسانِ عَلى وجْهٍ يَسْتَحِقُّ بِها ثَوابًا كَثِيرًا والطّاعاتِ الكَثِيرَةَ تَقَعُ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَحِقُّ بِها إلّا ثَوابًا قَلِيلًا. ورابِعُها: أنَّهم أسْبَقُ السّابِقِينَ في كُلِّ العِباداتِ، لا خَصْلَةَ مِن خِصالِ الدِّينِ إلّا وهم أئِمَّةٌ مُقَدَّمُونَ فِيها بَلْ هُمُ المُنْشِئُونَ العامِرُونَ لِطُرُقِ الدِّينِ، والسَّبْقُ في العِبادَةِ جِهَةُ تَفْضِيلٍ وتَعْظِيمٍ، أمّا أوَّلًا صفحة ٢٠١ فَبِالإجْماعِ، وأما ثانِيًا فَلِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] وأمّا ثالِثًا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لِلْمَلائِكَةِ مِنَ الثَّوابِ كُلُّ ما حَصَلَ لِلْأنْبِياءِ مَعَ زِيادَةِ الثَّوابِ الَّتِي اسْتَحَقُّوها بِأفْعالِهِمُ الَّتِي أتَوْا بِها قَبْلَ خَلْقِ البَشَرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى مِنَ البَشَرِ وأوَّلُ مَن سَنَّ دَعْوَةَ الكُفّارِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا بِالإجْماعِ بِطَلَ ما ذَكَرُوهُ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما قَدَّمْناهُ أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ تَكُونُ بِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى النِّيَّةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ نِيَّةُ المُتَأخِّرِ أصْفى فَيَسْتَحِقُّ مِنَ الثَّوابِ أكْثَرَ ما يَسْتَحِقُّهُ المُتَقَدِّمُ. وخامِسُها: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ الأنْبِياءِ والرَّسُولُ أفْضَلُ مِنَ الأُمَّةِ فالمَلائِكَةُ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ، أمّا أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلٌ إلى الأنْبِياءِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النَّجْمِ: ٥] وقَوْلُهُ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] وأمّا أنَّ الرَّسُولَ أفْضَلُ مِنَ الأُمَّةِ فَبِالقِياسِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ مِنَ البَشَرِ أفْضَلُ مِن أُمَمِهِمْ، فَكَذا هَهُنا، فَإنْ قِيلَ: العُرْفُ أنَّ السُّلْطانَ إذا أرْسَلَ واحِدًا إلى جَمْعٍ عَظِيمٍ لِيَكُونَ حاكِمًا فِيهِمْ ومُتَوَلِّيًا لِأُمُورِهِمْ فَذَلِكَ الرَّسُولُ يَكُونُ أشْرَفَ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ، أمّا إذا أرْسَلَ واحِدًا إلى واحِدٍ فَقَدْ لا يَكُونُ الرَّسُولُ أشْرَفَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ كَما إذا أرْسَلَ واحِدًا مِن عَبِيدِهِ إلى وزِيرِهِ في مُهِمٍّ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَبْدُ أشْرَفَ مِنَ الوَزِيرِ، قُلْنا: لَكِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَبْعُوثٌ إلى كافَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ فَلَزِمَ عَلى هَذا القانُونِ الَّذِي ذَكَرَهُ السّائِلُ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَ مِنهم. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُها عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] ثُمَّ لا يَخْلُو الحالُ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ المَلَكُ رَسُولًا إلى مَلَكٍ آخَرَ، أوْ إلى واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هم مِنَ البَشَرِ، وعَلى التَّقْدِيرِ فالمَلَكُ رَسُولٌ وأُمَّتُهُ رُسُلٌ، وأمّا الرَّسُولُ البَشَرِيُّ فَهو رَسُولٌ لَكِنَّ أُمَّتَهُ لَيْسُوا بِرُسُلٍ، والرَّسُولُ الَّذِي كُلُّ أُمَّتِهِ رُسُلٌ أفْضَلُ مِنَ الرَّسُولِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ فَضْلُ المَلَكِ عَلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ ولِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ أفْضَلَ مِنهُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا في عَسْكَرِهِ وكانَ أفْضَلَ مِنهم فَكَذا هَهُنا. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَلِكُ إذا أرْسَلَ رَسُولًا إلى بَعْضِ النَّواحِي قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الرَّسُولَ حاكِمًا عَلَيْهِمْ ومُتَوَلِّيًا لِأُمُورِهِمْ ومُتَصَرِّفًا في أحْوالِهِمْ وقَدْ لا يَكُونُ؛ لِأنَّهُ يَبْعَثُهُ إلَيْهِمْ لِيُخْبِرَهم عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ مَعَ أنَّهُ لا يَجْعَلُهُ حاكِمًا عَلَيْهِمْ ومُتَوَلِّيًا لِأُمُورِهِمْ فالرَّسُولُ في القِسْمِ الأوَّلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ، أمّا في القِسْمِ الثّانِي فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِ فالأنْبِياءُ المَبْعُوثُونَ إلى أُمَمِهِمْ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ فَلا جَرَمَ كانُوا أفْضَلَ مِنَ الأُمَمِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ بِعْثَةَ المَلائِكَةِ إلى الأنْبِياءِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ. * * * وسادِسُها: أنَّ المَلائِكَةَ أتْقى مِنَ البَشَرِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ، أمّا إنَّهم أتْقى فَلِأنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنِ الزَّلّاتِ وعَنِ المَيْلِ إلَيْها؛ لِأنَّ خَوْفَهم دائِمٌ وإشْفاقَهم دائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] والخَوْفُ والإشْفاقُ يُنافِيانِ العَزْمَ عَلى المَعْصِيَةِ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهم مَعَ أنَّهم أفْضَلُ البَشَرِ ما خَلا كُلَّ واحِدٍ مِنهم عَنْ نَوْعِ زَلَّةٍ وقالَ عَلَيْهِ صفحة ٢٠٢ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما مِنّا مِن أحَدٍ إلّا عَصى أوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ غَيْرَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ» “ فَثَبَتَ أنَّ تَقْوى المَلائِكَةِ أشَدُّ فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٣] فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الآدَمِيِّينَ فَلا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ، وأيْضًا فالتَّقْوى مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ ولا شَهْوَةَ في حَقِّ المَلائِكَةِ فَيَسْتَحِيلُ تَحَقُّقُ التَّقْوى في حَقِّهِمْ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ تَرْتِيبَ الكَرامَةِ عَلى التَّقْوى يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَرامَةَ مُعَلَّلَةٌ بِالتَّقْوى فَحَيْثُ كانَتِ التَّقْوى أكْثَرَ كانَتِ الكَرامَةُ أكْثَرَ، وعَنِ الثّانِي: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الشَّهْوَةِ في حَقِّهِمْ لَكِنْ لا شَهْوَةَ لَهم إلى الأكْلِ والمُباشَرَةِ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ شَهْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَدَمُ مُطْلَقِ الشَّهْوَةِ بَلْ لَهم شَهْوَةُ التَّقَدُّمِ والتَّرَفُّعِ، ولِهَذا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٩] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أتْقى مِن سائِرِ الأنْبِياءِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن زِيادَةِ التَّقْوى زِيادَةُ الفَضْلِ، وتَحْقِيقُهُ ما قَدَّمْنا أنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ إنْسانٌ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ المَعْصِيَةُ قَطُّ، وصَدَرَ عَنْهُ مِنَ الطّاعاتِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ الثَّوابِ وإنْسانٌ آخَرُ صَدَرَتْ عَنْهُ مَعْصِيَةٌ، ثُمَّ أتى بِطاعَةٍ اسْتَحَقَّ بِها ألْفَ جُزْءٍ مِنَ الثَّوابِ فَيُقابَلُ مِائَةُ جُزْءٍ مِنَ الثَّوابِ بِمِائَةِ جُزْءٍ مِنَ العِقابِ فَيَبْقى لَهُ تِسْعُمِائَةِ جُزْءٍ مِنَ الثَّوابِ فَهَذا الإنْسانُ مَعَ صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ الإنْسانِ الَّذِي لَمْ تَصْدُرِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ قَطُّ، وأيْضًا فَلا نُسَلِّمُ أنَّ تَقْوى المَلائِكَةِ أشَدُّ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ والمُقْتَضِي لِلْمَعْصِيَةِ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أكْثَرُ فَكانَ تَقْوى المُتَّقِينَ مِنهم أكْثَرَ. قَوْلُهُ: إنَّ المَلائِكَةَ لَهم شَهْوَةُ الرِّياسَةِ، قُلْنا: هَذا لا يَضُرُّنا؛ لِأنَّ هَذِهِ الشَّهْوَةَ حاصِلَةٌ لِلْبَشَرِ أيْضًا، وقَدْ حَصَلَتْ لَهم أنْواعٌ أُخَرُ مِنَ الشَّهَواتِ وهي شَهْوَةُ البَطْنِ والفَرْجِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الشَّهَواتُ الصّارِفَةُ عَنِ الطّاعاتِ أكْثَرَ في بَنِي آدَمَ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تَقْوى المُتَّقِينَ مِنهم أشَدَّ. وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٧٢] وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ لِلْأوَّلِ ومِثْلُ هَذا التَّأْكِيدِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ الأفْضَلِ، يُقالُ: هَذِهِ الخَشَبَةُ لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِها العَشَرَةُ، ولا المِائَةُ ولا يُقالُ: لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِها العَشَرَةُ ولا الواحِدُ، ويُقالُ: هَذا العالِمُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ الوَزِيرُ ولا المَلِكُ، ولا يُقالُ: لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ الوَزِيرُ ولا البَوّابُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ إذا دَلَّتْ فَإنَّما تَدُلُّ عَلى فَضْلِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلى المَسِيحِ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِنهُ فَضْلُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلى مَن هو أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ وهو مُحَمَّدٌ ومُوسى وإبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِالجُمْلَةِ فَلَوْ ثَبَتَ أنَّ المَسِيحَ أفْضَلُ مِن كُلِّ الأنْبِياءِ كانَ مَقْصُودُهم حاصِلًا، فَأمّا إذا لَمْ يُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ فَلا يَحْصُلُ مَقْصُودُهم لا سِيَّما وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما رَأيْنا أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَطَعَ بِفَضْلِ المَسِيحِ عَلى مُوسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ لَيْسَ فِيهِ إلّا واوُ العَطْفِ، والواوُ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ لا يَسْتَنْكِفُ، والمَلائِكَةَ لا يَسْتَنْكِفُونَ، فَأمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ فَلا، وأمّا الأمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرُوها، فَنَقُولُ: المِثالُ لا يَكْفِي في إثْباتِ الدَّعْوى الكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّ المِثالَ مُعارَضٌ بِأمْثِلَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ ما أعانَنِي عَلى هَذا الأمْرِ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو، فَهَذا لا يُفِيدُ كَوْنَ عَمْرٍو أفْضَلَ مِن زَيْدٍ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ [المائِدَةِ: ٢] ولَمّا اخْتَلَفَتِ الأمْثِلَةُ امْتَنَعَ التَّعْوِيلُ عَلَيْها، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أنَّهُ إذا قالَ صفحة ٢٠٣ هَذِهِ الخَشَبَةُ لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِها الواحِدُ ولا العَشَرَةُ فَنَحْنُ بِعُقُولِنا أنَّ العَشَرَةَ أقْوى مِنَ الواحِدِ فَلا جَرَمَ عَرَفْنا أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ الثّانِي المُبالَغَةُ فَهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما عَرَفْناها بِهَذا الطَّرِيقِ لا مِن مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَهَهُنا في الآيَةِ إنَّما يُمْكِنُنا أنْ نَعْرِفَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٧٢] بَيانُ المُبالِغَةِ لَوْ عَرَفْنا قَبْلَ ذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وحِينَئِذٍ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثُبُوتِ المَطْلُوبِ قَبْلَ هَذا الدَّلِيلِ، ويَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ المَطْلُوبِ عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، وأنَّهُ باطِلٌ سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ التَّفاوُتَ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ التَّفاوُتَ في كُلِّ الدَّرَجاتِ بَلْ في بَعْضٍ دُونٍ آخَرَ، بَيانُهُ أنَّهُ إذا قِيلَ: هَذا العالِمُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ القاضِي ولا السُّلْطانُ، فَهَذا لا يُفِيدُ إلّا أنَّ السُّلْطانَ أكْمَلُ مِنَ القاضِي في بَعْضِ الأُمُورِ وهو القُدْرَةُ والقُوَّةُ والِاسْتِيلاءُ والسُّلْطانُ ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ القاضِي في العِلْمِ والزُّهْدِ والخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى إذا ثَبَتَ هَذا فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في القُدْرَةِ والبَطْشِ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَعَ مَدائِنَ لُوطٍ، والبَشَرُ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في كَثْرَةِ الثَّوابِ الحاصِلِ بِسَبَبِ مَزِيدِ الخُضُوعِ والعُبُودِيَّةِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الفَضْلَ المُخْتَلَفَ فِيهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو كَثْرَةُ الثَّوابِ، وكَثْرَةُ الثَّوابِ لا تَحْصُلُ إلّا بِالعُبُودِيَّةِ، والعُبُودِيَّةُ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّواضُعِ والخُضُوعِ وكَوْنُ العَبْدِ مَوْصُوفًا بِنِهايَةِ التَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى لا يُناسِبُ الِاسْتِنْكافَ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، ولا يُلائِمُها البَتَّةَ بَلْ يُناقِضُها ويُنافِيها وإذا كانَ هَذا الكَلامُ ظاهِرًا جَلِيًّا كانَ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الفائِدَةِ، أمّا اتِّصافُ الشَّخْصِ بِالقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ والِاسْتِيلاءِ العَظِيمِ فَإنَّهُ مُناسِبٌ لِلتَّمَرُّدِ وتَرْكِ العُبُودِيَّةِ، فالنَّصارى لَمّا شاهَدُوا مِنَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ أخْرَجُوهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ القُدْرَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ عِيسى لا يَسْتَنْكِفُ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ القُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّتِي، بَلْ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ الَّذِينَ هم فَوْقَهُ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ والبَطْشِ والِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْتَظِمُ وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في الشِّدَّةِ والبَطْشِ، لَكِنَّها لا تَدُلُّ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في كَثْرَةِ الثَّوابِ أوْ يُقالُ: إنَّهم إنَّما ادَّعَوْا إلَهِيَّتَهُ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن غَيْرِ أبٍ فَقِيلَ لَهُمِ: المَلَكُ ما حَصَلَ مِن أبٍ ولا مِن أُمٍّ فَكانُوا أعْجَبَ مِن عِيسى في ذَلِكَ مَعَ أنَّهم لا يَسْتَنْكِفُونَ عَنِ العُبُودِيَّةِ فَإنْ قِيلَ: في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ وُقُوعُ التَّفاوُتِ بَيْنَ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ في العُبُودِيَّةِ لا في القُدْرَةِ والقُوَّةِ والبَطْشِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ، والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ بِالدَّرَجَةِ والمَنزِلَةِ فَلَمّا وصَفَهم هَهُنا بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ وُقُوعُ التَّفاوُتِ بَيْنَهم وبَيْنَ المَسِيحِ في دَرَجاتِ الفَضْلِ لا في الشِّدَّةِ والبَطْشِ. قُلْنا: إنْ كانَ مَقْصُودُكَ مِن هَذا السُّؤالِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ المَلائِكَةَ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ المَسِيحُ كَذَلِكَ فَهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَمّا عَداهُ وإنْ كانَ مَقْصُودُكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّفاوُتُ واقِعًا في ذَلِكَ فَهَذا باطِلٌ أيْضًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ والمُقَرَّبُونَ مَعَ اشْتِراكِهِمْ في صِفَةِ القُرْبِ في الطّاعَةِ يَتَبايَنُونَ بِأُمُورٍ أُخَرَ فَيَكُونُ المُرادُ بَيانَ التَّفاوُتِ في تِلْكَ الأُمُورِ. * * * سُؤالٌ آخَرُ: وهو أنّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الآيَةِ فَنُسَلِّمُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ مَجْمُوعِ المَلائِكَةِ في الفَضْلِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ دُونَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ في الفَضْلِ. سُؤالٌ آخَرُ: لَعَلَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الخِطابَ مَعَ أقْوامٍ اعْتَقَدُوا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ فَأوْرَدَ الكَلامَ عَلى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ كَما في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] صفحة ٢٠٤ وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠] ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا عِنْدَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ لَمْ يَقْدِرْ إبْلِيسُ عَلى أنْ يَغُرَّهُما بِذَلِكَ، ولا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ يَغْتَرّانِ بِذَلِكَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا قَوْلُ إبْلِيسَ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، ولا يُقالُ: إنَّ آدَمَ اعْتَقَدَ صِحَّةَ ذَلِكَ وإلّا لَما اغْتَرَّ، واعْتِقادُ آدَمَ حُجَّةٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْطَأ في ذَلِكَ إمّا لِأنَّ الزَّلَّةَ جائِزَةٌ عَلى الأنْبِياءِ، أوْ لِأنَّهُ ما كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأيْضًا هَبْ أنَّهُ حُجَّةٌ لَكِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الزَّلَّةِ نَبِيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِن فَضْلِ المَلَكِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَضْلُ المَلَكِ عَلَيْهِ حالَ ما صارَ نَبِيًّا، وأيْضًا هَبْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ المَرْغُوبَةِ فَلِمَ قُلْتَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى فَضْلِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ في بابِ الثَّوابِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في بابِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وفي بابِ الحُسْنِ والجَمالِ، وفي بابِ الصَّفاءِ والنَّقاءِ عَنِ الكُدُوراتِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ التَّرْكِيباتِ فَإنَّ المَلائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ الأنْوارِ، وآدَمُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرابِ فَلَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ أفْضَلَ مِنهم في كَثْرَةِ الثَّوابِ إلّا أنَّهُ رَغِبَ في أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لَهم في تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي عَدَدْناها فَكانَ التَّغْرِيرُ حاصِلًا مِن هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠] يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا أنْ تَنْقَلِبا مَلَكَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ اسْتِدْلالُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالمَلائِكَةِ والخالِدِينَ دُونَكُما، هَذا كَما يَقُولُ أحَدُنا لِغَيْرِهِ: ما نَهَيْتَ أنْتَ عَنْ كَذا إلّا أنْ تَكُونَ فُلانًا ويَكُونُ المَعْنى أنَّ المَنهِيَّ هو فُلانٌ دُونَكَ، ولَمْ يُرِدْ إلّا أنْ يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ فُلانًا، ولَمّا كانَ غَرَضُ إبْلِيسَ إيقاعَ الشُّبْهَةِ بِهِما فَمِن أوْكَدِ الشُّبْهَةِ إيهامُ أنَّهُما لَمْ يُنْهَيا، وإنَّما المَنهِيُّ غَيْرُهُما، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِن آدَمَ فَلِمَ قُلْتُ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ مُحَمَّدًا أفْضَلُ مِن آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ المَلَكِ أفْضَلُ مِنَ المَفْضُولِ كَوْنُهُ أفْضَلَ مِنَ الأفْضَلِ. وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٥٠] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ في كَثْرَةِ العُلُومِ، وشِدَّةِ القُدْرَةِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِمالِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: وهو أنَّ الكُفّارَ طالَبُوهُ بِالأُمُورِ العَظِيمَةِ نَحْوَ صُعُودِ السَّماءِ ونَقْلِ الجِبالِ، وإحْضارِ الأمْوالِ العَظِيمَةِ، وهَذِهِ الأُمُورُ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا بِالعُلُومِ الكَثِيرَةِ والقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وقَوْلَهُ ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ وكَما لا أدَّعِي القُدْرَةَ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، والعِلْمَ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَكَذَلِكَ لا أدَّعِي قُدْرَةً مِثْلَ قُدْرَةِ المَلَكِ ولا عِلْمًا مِثْلَ عُلُومِهِمْ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الصُّورَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ الغَرَضَ، وإنَّما نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ وهَذا يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لَهم ولا تَكُونُ صِفاتُهُ مُساوِيَةً لِصِفاتِهِمْ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُقُوعِ التَّفاوُتِ في كُلِّ الصِّفاتِ فَإنَّ عَدَمَ الِاسْتِواءِ في الكُلِّ غَيْرٌ، وحُصُولُ الِاخْتِلافِ في الكُلِّ غَيْرٌ. وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: ٣١] فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وُقُوعَ التَّشْبِيهِ في الصُّورَةِ والجَمالِ، قُلْنا: الأوْلى أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ واقِعًا في السِّيرَةِ لا في صفحة ٢٠٥ الصُّورَةِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فَشَبَّهَهُ بِالمَلَكِ الكَرِيمِ، والمَلَكُ إنَّما يَكُونُ كَرِيمًا بِسِيرَتِهِ المُرْضِيَةِ لا بِمُجَرَّدِ صُورَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُهُ بِالمَلَكِ في نَفْيِ دَواعِي البَشَرِ مِنَ الشَّهْوَةِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ المُشْتَهى، وإثْباتِ ضِدِّ ذَلِكَ، وهي حالَةُ المَلَكِ وهي غَضُّ البَصَرِ، وقَمْعٌ عَنِ المَيْلِ إلى المُحَرَّماتِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إجْماعِ العُقَلاءِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، عَلى اخْتِصاصِ المَلائِكَةِ بِدَرَجَةٍ فائِقَةٍ عَلى دَرَجاتِ البَشَرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ المَرْأةِ ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ كالصَّرِيحِ في أنَّ مُرادَ النِّساءِ بِقَوْلِهِنَّ ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: ٣١] تَعْظِيمُ حالِ يُوسُفَ في الحُسْنِ والجَمالِ لا في السِّيرَةِ؛ لِأنَّ ظُهُورَ عُذْرِها في شِدَّةِ عِشْقِها، إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ فَرْطِ يُوسُفَ في الجَمالِ لا بِسَبَبِ فَرْطِ زُهْدِهِ ووَرَعِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ شِدَّةَ عِشْقِها لَهُ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَلَكِ في الإعْراضِ عَنِ المُشْتَهَياتِ، فَلَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَلَّ ثَوابًا مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ عَدَمَ التِفاتِ البَشَرِ إلى المَطاعِمِ والمَناكِحِ أقَلُّ مِن عَدَمِ التِفاتِ المَلائِكَةِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ المَزِيدَ في الفَضْلِ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ ؟ فَإنْ تَمَسَّكُوا بِأنَّ كُلَّ مَن كانَ أقَلَّ مَعْصِيَةً وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ، فَقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٠] ومَخْلُوقاتُ اللَّهِ تَعالى إمّا المُكَلَّفُونَ أوْ مَن عَداهم، ولا شَكَّ أنَّ المُكَلَّفِينَ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِمْ، أمّا المُكَلَّفُونَ فَهم أرْبَعَةُ أنْواعٍ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والشَّياطِينُ. ولا شَكَّ أنَّ الإنْسَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، فَلَوْ كانَ أفْضَلَ مِنَ المَلَكِ أيْضًا لَزِمَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ البَشَرُ أفْضَلَ مِن كُلِّ المَخْلُوقاتِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٠] فائِدَةٌ، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وفَضَّلْناهم عَلى جَمِيعِ مَن خَلَقْنا تَفْضِيلًا، ولَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّصْرِيحَ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِن كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ الباقِي إلّا بِواسِطَةِ دَلِيلِ الخِطابِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ جِنْسَ المَلائِكَةِ أفْضَلُ مِن جِنْسِ بَنِي آدَمَ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ أحَدِ المَجْمُوعَيْنِ أفْضَلَ مِنَ المَجْمُوعِ الثّانِي أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن أفْرادِ المَجْمُوعِ الأوَّلِ أفْضَلَ مِنَ المَجْمُوعِ الثّانِي، فَإنّا إذا قَدَّرْنا عَشَرَةً مِنَ العَبِيدِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُساوِي مِائَةَ دِينارٍ، وعَشَرَةً أُخْرى حَصَلَ فِيهِمْ عَبْدٌ يُساوِي مِائَتَيْ دِينارٍ، والتِّسْعَةُ الباقِيَةُ يُساوِي كُلُّ واحِدٍ مِنهم دِينارًا. فالمَجْمُوعُ الأوَّلُ أفْضَلُ مِنَ المَجْمُوعِ الثّانِي، إلّا أنَّهُ حَصَلَ في المَجْمُوعِ الثّانِي واحِدٌ هو أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَجْمُوعِ الأوَّلِ، فَكَذا هَهُنا وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧٠] يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفَضَّلْناهم في الكَرامَةِ الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسْراءِ: ٧٠] ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الكَرامَةِ حُسْنَ الصُّورَةِ ومَزِيدَ الذَّكاءِ، والقُدْرَةَ عَلى الأعْمالِ العَجِيبَةِ، والمُبالَغَةَ في النَّظافَةِ والطَّهارَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ المَلَكَ أزْيَدُ مِنَ البَشَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ المَلَكَ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ البَشَرِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لُقْمانَ: ١٠] لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هُناكَ عَمَدٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٧] يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هُناكَ إلَهٌ آخَرُ لَهُ بُرْهانٌ فَكَذَلِكَ هَهُنا. * * * الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما اسْتَغْفَرُوا لِأحَدٍ إلّا بَدَءُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صفحة ٢٠٦ لِغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ آدَمُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] وقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] وقالَ مُوسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ [الأعْرافِ: ١٥١] وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وقالَ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفَتْحِ: ٢] أمّا المَلائِكَةُ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَغْفِرُوا لِأنْفُسِهِمْ ولَكِنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ البَشَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافِرٍ: ٧] وقالَ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافِرٍ: ٧] فَلَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ لَبَدَءُوا في ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الغَيْرِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الوَجْهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمُ الزَّلَّةُ البَتَّةَ، وأنَّ البَشَرَ قَدْ صَدَرَتِ الزَّلّاتُ عَنْهم، لَكِنّا بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ التَّفاوُتَ في ذَلِكَ لا يُوجِبُ التَّفاوُتَ في الفَضِيلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّ اسْتِغْفارَهم لِلْبَشَرِ كالعُذْرِ عَمَّنْ طَعَنُوا فِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الِانْفِطارِ: ١١] وهَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ مِن بَنِي آدَمَ فَدَخَلَ فِيهِ الأنْبِياءُ وغَيْرُهم، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهم أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم حَفَظَةً لِبَنِي آدَمَ والحافِظُ لِلْمُكَلَّفِ مِنَ المَعْصِيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أبْعَدَ عَنِ الخَطَأِ والزَّلَلِ مِنَ المَحْفُوظِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهم أبْعَدَ عَنِ المَعاصِي وأقْرَبَ إلى الطّاعاتِ مِنَ البَشَرِ وذَلِكَ يَقْتَضِي مَزِيدَ الفَضْلِ، والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ كِتابَتَهم حُجَّةً لِلْبَشَرِ في الطّاعاتِ وعَلَيْهِمْ في المَعاصِي، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهم أوْلى بِالقَبُولِ مِن قَوْلِ البَشَرِ ولَوْ كانَ البَشَرُ أعْظَمَ حالًا مِنهم لَكانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أمّا قَوْلُهُ: الحافِظُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِنَ المَحْفُوظِ فَهَذا بَعِيدٌ فَإنَّ المَلِكَ قَدْ يُوَكِّلُ بَعْضَ عَبِيدِهِ عَلى ولَدِهِ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحافِظُ أشْرَفَ مِنَ المَحْفُوظِ هُناكَ، أمّا قَوْلُهُ: جَعَلَ شَهادَتَهم نافِذَةً عَلى البَشَرِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الشّاهِدَ قَدْ يَكُونُ أدْوَنَ حالًا مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ أحْوالِهِمُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ ولَوْ كانَ في الخَلْقِ طائِفَةٌ أُخْرى قِيامُهم وتَضَرُّعُهم أقْوى مِنَ الإنْباءِ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ مِن قِيامِهِمْ لَكانَ ذِكْرُهم أوْلى في هَذا المَقامِ، ثُمَّ كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظَمَةَ ذاتِهِ في الآخِرَةِ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ فَكَذا بَيَّنَ عَظَمَتَهُ في الدُّنْيا بِذِكْرِ المَلائِكَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزْيَدُ حالًا مِنَ البَشَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنَّ تِلْكَ الحالَةَ هي قُوَّتُهم وشِدَّتُهم وبَطْشُهم، وهَذا كَما يُقالُ إنَّ السُّلْطانَ لَمّا جَلَسَ وقَفَ حَوْلَ سَرِيرِهِ مُلُوكُ أطْرافِ العالَمِ خاضِعِينَ خاشِعِينَ، فَإنَّ عَظَمَةَ السُّلْطانِ إنَّما تُشْرَحُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنْ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْرَمُ عِنْدَ السُّلْطانِ مِن ولَدِهِ فَكَذا هَهُنا. الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] صفحة ٢٠٧ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ في صِحَّةِ الإيمانِ بِهَذِهِ الأشْياءِ ثُمَّ بَدَأ بِنَفْسِهِ وثَنّى بِالمَلائِكَةِ وثَلَّثَ بِالكُتُبِ، ورَبَّعَ بِالرُّسُلِ وكَذا في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] والتَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّقْدِيمِ في الدَّرَجَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ تَقْدِيمَ الأدْوَنِ عَلى الأشْرَفِ في الذِّكْرِ قَبِيحٌ عُرْفًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا شَرْعًا، أمّا أنَّهُ قَبِيحٌ عُرْفًا؛ فَلِأنَّ الشّاعِرَ قالَ: عُمَيْرَةَ ودِّعْ إنْ تَجَهَّزْتَ غادِيًا كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ قَدَّمْتَ السَّلامَ لَأجَزْتُكَ، ولِأنَّهم لَمّا كَتَبُوا كِتابَ الصُّلْحِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ وقَعَ التَّنازُعُ في تَقْدِيمِ الِاسْمِ، وكَذا في كِتابِ الصُّلْحِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الشَّرَفِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ في العُرْفِ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ في الشَّرْعِ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» “ فَثَبَتَ أنَّ تَقْدِيمَ المَلائِكَةِ عَلى الرُّسُلِ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِهِمْ في الفَضْلِ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِمادَ إنْ كانَ عَلى الواوِ، فالواوُ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وإنْ كانَ عَلى التَّقْدِيمِ في الذِّكْرِ يَنْتَقِضُ بِتَقْدِيمِ سُورَةِ تَبَّتْ عَلى سُورَةِ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] فَجَعَلَ صَلَواتِ المَلائِكَةِ كالتَّشْرِيفِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ أشْرَفَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ولَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ أفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَذا في المَلائِكَةِ. الحُجَّةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنْ نَتَكَلَّمَ في جِبْرِيلَ ومُحَمَّدٍ ﷺ فَنَقُولُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩-٢٢] وصَفَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسِتٍّ مِن صِفاتِ الكَمالِ، أحَدُها: كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ. وثانِيها: كَوْنُهُ كَرِيمًا عَلى اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: كَوْنُهُ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وقُوَّتُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا قُوَّتَهُ عَلى الطّاعاتِ بِحَيْثُ لا يَقْوى عَلَيْها غَيْرُهُ. ورابِعُها: كَوْنُهُ مَكِينًا عِنْدَ اللَّهِ. وخامِسُها: كَوْنُهُ مُطاعًا في عالَمِ السَّماواتِ، وسادِسُها: كَوْنُهُ أمِينًا في كُلِّ الطّاعاتِ مُبَرَّأً عَنْ أنْواعِ الخِياناتِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ وصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٢] ولَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُساوِيًا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِفاتِ الفَضْلِ أوْ مُقارِنًا لَهُ لَكانَ وصْفُ مُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ وصْفِ جِبْرِيلَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ نَقْصًا مِن مَنصِبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ وإبْطالًا لِحَقِّهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ إلّا مِقْدارُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩] صِفَةً لِمُحَمَّدٍ لا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، قُلْنا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٣] يُبْطِلُ ذَلِكَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا تَوافَقْنا جَمِيعًا عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَضائِلُ أُخْرى سِوى كَوْنِهِ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وأنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الفَضائِلِ في هَذا المَوْضِعِ، فَإذَنْ صفحة ٢٠٨ عَدَمُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى تِلْكَ الفَضائِلَ هَهُنا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِها بِالإجْماعِ، أوْ إذا ثَبَتَ أنَّ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضائِلَ سِوى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ هَهُنا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ تِلْكَ الفَضائِلِ الَّتِي هي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ هَهُنا يَكُونُ أفْضَلَ مِن جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كَما وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِهَذِهِ الصِّفاتِ السِّتِّ وصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ أيْضًا بِصِفاتٍ سِتٍّ وهي قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٥، ٤٦] فالوَصْفُ الأوَّلُ: كَوْنُهُ نَبِيًّا والثّانِي: كَوْنُهُ رَسُولًا، والثّالِثُ: كَوْنُهُ شاهِدًا، والرّابِعُ: كَوْنُهُ مُبَشِّرًا والخامِسُ: كَوْنُهُ نَذِيرًا، والسّادِسُ: كَوْنُهُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى بِإذْنِهِ، والسّابِعُ: كَوْنُهُ سِراجًا، والثّامِنُ: كَوْنُهُ مُنِيرًا وبِالجُمْلَةِ فَإفْرادُ أحَدِ الشَّخْصَيْنِ بِالوَصْفِ لا يَدُلُّ البَتَّةَ عَلى انْتِفاءِ تِلْكَ الأوْصافِ عَنِ الثّانِي. * * * الحُجَّةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: المَلَكُ أعْلَمُ مِنَ البَشَرِ، والأعْلَمُ أفْضَلُ فالمَلَكُ أفْضَلُ إنَّما قُلْنا إنَّ المَلَكَ أعْلَمُ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُعَلِّمًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النَّجْمِ: ٥] والمُعَلِّمُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أعْلَمَ مِنَ المُتَعَلِّمِ، وأيْضًا فالعُلُومُ قِسْمانِ: أحَدُهُما: العُلُومُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِالعُقُولِ كالعِلْمِ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَلا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّقْصِيرِ فِيها لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا لِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ التَّقْصِيرَ في ذَلِكَ جَهْلٌ وهو قادِحٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى وما فِيها مِنَ العَجائِبِ، والعِلْمُ بِأحْوالِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ واللَّوْحِ والقَلَمِ والجَنَّةِ والنّارِ وطِباقِ السَّماواتِ وأصْنافِ المَلائِكَةِ وأنْواعِ الحَيَواناتِ في المَغاوِرِ والجِبالِ والبِحارِ فَلا شَكَّ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْلَمُ بِها؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْوَلُ عُمْرًا وأكْثَرُ مُشاهَدَةً لَها فَكانَ عِلْمُهُ بِها أكْثَرَ وأتَمَّ. وثانِيها: العُلُومُ الَّتِي لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها إلّا بِالوَحْيِ لا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا مِن جِهَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَضِيلَةٌ فِيها عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو كانَ الواسِطَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَكانَ عالِمًا بِكُلِّ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ والحاضِرَةِ، وهو أيْضًا عالِمٌ بِشَرائِعِ المَلائِكَةِ وتَكالِيفِهِمْ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرَ عِلْمًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهم أعْلَمُ مِنَ البَشَرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْثَرُ عِلْمًا مِنهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياآدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا مَزِيدَ عِلْمِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي كَثْرَةَ الثَّوابِ، فَإنّا نَرى الرَّجُلَ المُبْتَدِعَ مُحِيطًا بِكَثِيرٍ مِن دَقائِقِ العِلْمِ ولا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ وسَبَبُهُ ما نَبَّهْنا مِرارًا عَلَيْهِ أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ إنَّما تَحْصُلُ بِحَسَبِ الإخْلاصِ في الأفْعالِ، ولَمْ نَعْلَمْ أنَّ إخْلاصَ المَلائِكَةِ أكْثَرُ. الحُجَّةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٩] صفحة ٢٠٩ فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في التَّرَفُّعِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إلى أنَّهم لَوْ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَما خالَفُوهُ إلّا بِادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لا بِشَيْءٍ آخَرَ مِن مُتابَعَةِ الشَّهَواتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ جَلالِهِمْ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نِزاعَ في نِهايَةِ جَلالِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّهم بَلَغُوا في التَّرَفُّعِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إلى حَيْثُ لَوْ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَما خالَفُوهُ إلّا في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ فَهَذا مُسَلَّمٌ وذَلِكَ لَأنَّ عُلُومَهم كَثِيرَةٌ وقُواهم شَدِيدَةٌ، وهم مُبَرَّءُونَ عَنْ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَوْ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ لَمْ يُخالِفْ إلّا في هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ البَشَرِ ؟ فَإنَّ مَحَلَّ الخِلافِ لَيْسَ إلّا ذاكَ. الحُجَّةُ العِشْرُونَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رِوايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«وإذا ذَكَرَنِي عَبْدِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَأ الأعْلى أشْرَفُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا خَيْرٌ واحِدٌ وأيْضًا فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَلَأ المَلائِكَةِ أفْضَلُ مِن مَلَأِ البَشَرِ، ومَلَأُ البَشَرِ عِبارَةٌ عَنِ العَوامِّ لا عَنِ الأنْبِياءِ فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ المَلَكِ أفْضَلَ مِن عامَّةِ البَشَرِ كَوْنُهم أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، هَذا آخِرُ الكَلامِ في الدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ الفَلاسِفَةَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأرْواحَ السَّماوِيَّةَ المُسَمّاةَ بِالمَلائِكَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ واعْتَمَدُوا في هَذا البابِ عَلى وُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ نَحْنُ نَذْكُرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. الحُجَّةُ الأُولى: قالُوا: المَلائِكَةُ ذَواتُها بَسِيطَةٌ مُبَرَّأةٌ عَنِ الكَثْرَةِ والبَشَرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ والبَدَنِ والنَّفْسُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ القُوى الكَثِيرَةِ والبَدَنُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيرَةِ، والبَسِيطُ خَيْرٌ مِنَ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ أسْبابَ العَدَمِ لِلْمُرَكَّبِ أكْثَرُ مِنها لِلْبَسِيطِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ فَرْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى مِن صِفاتِ جَلالِهِ ونُعُوتِ كِبْرِيائِهِ. الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ البَسِيطَ أشْرَفُ مِنَ المُرَكَّبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جانِبَ الرُّوحانِيِّ أمْرٌ واحِدٌ، وجانِبَ الجُسْمانِيِّ أمْرانِ رُوحُهُ وجِسْمُهُ فَهو مِن حَيْثُ الرُّوحِ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ والأنْوارِ، ومِن حَيْثُ الجَسَدِ مِن عالَمِ الأجْسادِ فَهو لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الرُّوحانِيِّ الصِّرْفِ والجُسْمانِيِّ الصِّرْفِ، وهَذا هو السِّرُّ في أنْ جَعَلَ البَشَرَ الأوَّلَ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ ومِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ المَلَكِيَّةَ مُجَرَّداتٌ مُفارِقَةٌ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، فَكَأنَّ اسْتِغْراقَها في مَقاماتِها النُّورانِيَّةِ عاقَها عَنْ تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ الجَسَدانِيِّ، أمّا النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَإنَّها قَوِيَتْ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ العالَمَيْنِ فَلا دَوامَ تَرَقِّيها في مَعارِجِ المَعارِفِ وعَوالِمِ القُدْسِ يَعُوقُها عَنْ تَدْبِيرِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ولا التِفاتُها إلى مَناظِمِ عالَمِ الأجْسامِ يَمْنَعُها عَنِ الِاسْتِكْمالِ في عالَمِ الأرْواحِ، فَكانَتْ قُوَّتُها وافِيَةً بِتَدْبِيرِ العالَمَيْنِ مُحِيطَةً بِضَبْطِ الجِنْسَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أشْرَفَ وأعْظَمَ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَنشَأُ سَفْكِ الدِّماءِ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ مَقْرُونَةٌ بِها والخالِي عَنْ مَنبَعِ الشَّرِّ أشْرَفُ مِنَ المُبْتَلى بِهِ. الِاعْتِراضُ: لا شَكَّ أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الخِدْمَةِ مَعَ كَثْرَةِ المَوانِعِ والعَوائِقِ أدَلُّ عَلى الإخْلاصِ مِنَ المُواظَبَةِ عَلَيْها مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ العَوائِقِ والمَوانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَقامَ البَشَرِ في المَحَبَّةِ أعْلى وأكْمَلُ، وأيْضًا فالرُّوحانِيّاتُ لَمّا أطاعَتْ خالِقَها لَمْ تَكُنْ طاعَتُها مُوجِبَةً قَهْرَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ، أمّا الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ لَمّا أطاعَتْ خالِقَها لَزِمَ مِن تِلْكَ الطّاعَةِ قَهْرُ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ وهي شَياطِينُ الإنْسِ فَكانَتْ طاعاتُهم أكْمَلَ، وأيْضًا فَمِنَ الظّاهِرِ أنَّ دَرَجاتِ الرُّوحانِيّاتِ حِينَ قالَتْ: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ أكْمَلُ مِن دَرَجاتِهِمْ حِينَ قالَتْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وما ذاكَ إلّا بِسَبَبِ الِانْكِسارِ الحاصِلِ مِنَ الزَّلَّةِ، وهَذا في البَشَرِ أكْمَلُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِكايَةً عَنْ رَبِّهِ تَعالى: ”«لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ» “ صفحة ٢١٠ الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الرُّوحانِيّاتُ مُبَرَّأةٌ عَنْ طَبِيعَةِ القُوَّةِ فَإنَّ كُلَّ ما كانَ مُمْكِنًا لَها بِحَسَبِ أنْواعِها الَّتِي في أشْخاصِها فَقَدْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ، والأنْبِياءُ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم» “ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] ولا شَكَّ أنَّ ما بِالفِعْلِ التّامِّ أشْرَفُ مِمّا بِالقُوَّةِ. الِاعْتِراضُ: لا نُسَلِّمُ أنَّها بِالفِعْلِ التّامِّ فَلَعَلَّها بِالقُوَّةِ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ تَحْرِيكاتِها لِلْأفْلاكِ لِأجْلِ اسْتِخْراجِ التَّعَقُّلاتِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ وهَذِهِ التَّحْرِيكاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالتَّحْرِيكاتِ العارِضَةِ لِلْأرْواحِ الحامِلَةِ لِقُوى الفِكْرِ والتَّخَيُّلِ عِنْدَ مُحاوَلَةِ اسْتِخْراجِ التَّعَقُّلاتِ الَّتِي هي بِالقُوَّةِ إلى الفِعْلِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ أبَدِيَّةُ الوُجُودِ مُبَرَّأةٌ عَنْ طَبِيعَةِ التَّغَيُّرِ، والقُوَّةُ والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ البَشَرِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. الِاعْتِراضُ: المُقَدِّمَتانِ مَمْنُوعَتانِ ألَيْسَ أنَّ الرُّوحانِيّاتِ مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها واجِبَةُ الوُجُودِ بِمادَّتِها فَهي مُحْدَثَةٌ سَلَّمْنا ذَلِكَ، فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ حادِثَةٌ، بَلْ هي عِنْدَ بَعْضِهِمْ أزَلِيَّةٌ وهَؤُلاءِ قالُوا: هَذِهِ الأرْواحُ كانَتْ سَرْمَدِيَّةً مَوْجُودَةً كالأظْلالِ تَحْتَ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ إلّا أنَّ المُبْدِئَ الأوَّلَ أمَرَها حَتّى نَزَلَتْ إلى عالَمِ الأجْسامِ وسَكَناتِ المَوادِّ، فَلَمّا تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الأجْسامِ عَشِقَتْها، واسْتَحْكَمَ إلْفُها بِها فَبَعَثَ مِن تِلْكَ الأظْلالِ أكْمَلَها وأشْرَفَها إلى هَذا العالَمِ لِيَحْتالَ في تَخْلِيصِ تِلْكَ الأرْواحِ عَنْ تِلْكَ السَّكَناتِ، وهَذا هو المُرادُ مِن بابِ الحَمامَةِ المُطَوَّقَةِ المَذْكُورَةِ في كِتابِ ”كَلَيْلَةَ ودِمْنَةَ“ . * * * الحُجَّةُ الخامِسَةُ: الرُّوحانِيّاتُ نُورانِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، والجُسْمانِيّاتُ ظُلْمانِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ كَثِيفَةٌ، وبِدائِيَّةُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ النُّورَ أشْرَفُ مِنَ الظُّلْمَةِ، والعُلْوِيَّ خَيْرٌ مِنَ السُّفْلِيِّ، واللَّطِيفَ أكْمَلُ مِنَ الكَثِيفِ. الِاعْتِراضُ: هَذا كُلُّهُ إشارَةٌ إلى المادَّةِ وعِنْدَنا سَبَبُ الشَّرَفِ الِانْقِيادُ لِأمْرِ رَبِّ العالَمِينَ عَلى ما قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ وادِّعاءُ الشَّرَفِ بِسَبَبِ شَرَفِ المادَّةِ هو حُجَّةُ اللَّعِينِ الأوَّلِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الرُّوحانِيّاتُ السَّماوِيَّةُ فَضَلَتِ الجُسْمانِيّاتِ بِقُوى العِلْمِ والعَمَلِ، أمّا العِلْمُ فَلِاتِّفاقِ الحُكَماءِ عَلى إحاطَةِ الرُّوحانِيّاتِ السَّماوِيَّةِ بِالمُغَيَّباتِ واطِّلاعِها عَلى مُسْتَقْبَلِ الأُمُورِ، وأيْضًا فَعُلُومُهم فِعْلِيَّةٌ فِطْرِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ دائِمَةٌ. وعُلُومُ البَشَرِ عَلى الضِّدِّ في كُلِّ ذَلِكَ، وأمّا العَمَلُ فَلِأنَّهم مُواظِبُونَ عَلى الخِدْمَةِ دائِمًا يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ لا يَلْحَقُهم نَوْمُ العُيُونِ ولا سَهْوُ العُقُولِ، ولا غَفْلَةُ الأبْدانِ، طَعامُهُمُ التَّسْبِيحُ وشَرابُهُمُ التَّقْدِيسُ والتَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ وتَنَفُّسُهم بِذِكْرِ اللَّهِ وفَرْحَتُهم بِخِدْمَةِ اللَّهِ، مُتَجَرِّدُونَ مِنَ العَلائِقِ البَدَنِيَّةِ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ بِشَيْءٍ مِنَ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، فَأيْنَ أحَدُ القِسْمَيْنِ مِنَ الآخَرِ ؟ . الِاعْتِراضُ: لا نِزاعَ في كُلِّ ما ذَكَرْتُمُوهُ إلّا أنَّ هَهُنا دَقِيقَةً وهي أنَّ المُواظِبَ عَلى تَناوُلِ الأغْذِيَةِ اللَّطِيفَةِ لا يَلْتَذُّ بِها كَما يَلْتَذُّ المُبْتَلى بِالجُوعِ أيّامًا كَثِيرَةً، فالمَلائِكَةُ بِسَبَبِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ لا يَجِدُونَ مِنَ اللَّذَّةِ مِثْلَ ما يَجِدُ البَشَرُ الَّذِينَ يَكُونُونَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مَحْجُوبِينَ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ والحُجُبِ الظُّلْمانِيَّةِ فَهَذِهِ المَزِيَّةُ مِنَ اللَّذَّةِ مِمّا يَخْتَصُّ بِها البَشَرُ، ولَعَلَّ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحْزابِ: ٧٢] فَإنَّ إدْراكَ المُلائِمِ بَعْدَ الِابْتِلاءِ بِالمُنافِي ألَذُّ مِن إدْراكِ المُلائِمِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الأطِبّاءُ: إنَّ الحَرارَةَ في حُمّى الدِّقِّ أشَدُّ مِنها في حُمّى الغِبِّ، لَكِنَّ حَرارَةَ الحُمّى في الدِّقِّ إذا دامَتْ واسْتَقَرَّتْ بَطَلَ الشُّعُورُ بِها فَهَذِهِ الحالَةُ لَمْ تَحْصُلْ لِلْمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ صفحة ٢١١ كَمالاتِها دائِمَةٌ ولَمْ تَحْصُلْ لِسائِرِ الأجْسامِ؛ لِأنَّها كانَتْ خالِيَةً عَنِ القُوَّةِ المُسْتَعِدَّةِ لِإدْراكِ المُجَرَّداتِ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّنْ يَقْوى عَلى تَحَمُّلِ هَذِهِ الأمانَةِ إلّا البَشَرُ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ لَهم قُوَّةٌ عَلى تَصْرِيفِ الأجْسامِ وتَقْلِيبِ الأجْرامِ، والقُوَّةُ الَّتِي هي لَهم لَيْسَتْ مِن جِنْسِ القُوى المِزاجِيَّةِ حَتّى يَعْرِضَ لَها كَلالٌ ولُغُوبٌ، ثُمَّ إنَّكَ تَرى الخامَةَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الزَّرْعِ في بَدْءِ نُمُوِّها تَفْتَقُ الحَجَرَ وتَشُقُّ الصَّخْرَ، وما ذاكَ إلّا لِقُوَّةٍ نَباتِيَّةٍ فاضَتْ عَلَيْها مِن جَواهِرِ القُوى السَّماوِيَّةِ فَما ظَنُّكَ بِتِلْكَ القُوى السَّماوِيَّةِ، والرُّوحانِيّاتُ هي الَّتِي تَتَصَرَّفُ في الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ تَقْلِيبًا وتَصْرِيفًا لا يَسْتَثْقِلُونَ حَمْلَ الأثْقالِ ولا يَسْتَصْعِبُونَ تَحْرِيكَ الجِبالَ، فالرِّياحُ تَهُبُّ بَتَحْرِيكاتِها والسَّحابُ تَعْرِضُ وتَزُولُ بِتَصْرِيفِها، وكَذا الزَّلازِلُ تَقَعُ في الجِبالِ بِسَبَبٍ مِن جِهَتِها، والشَّرائِعُ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤] والعُقُولُ أيْضًا دالَّةٌ عَلَيْهِ والأرْواحُ السُّفْلِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَأيْنَ أحَدُ القِسْمَيْنِ مِنَ الآخَرِ. والَّذِي يُقالُ إنَّ الشَّياطِينَ الَّتِي هي الأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلا نِزاعَ في أنَّ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى ذَلِكَ أشَدُّ وأكْمَلُ؛ ولِأنَّ الأرْواحَ الطَّيِّبَةَ المَلَكِيَّةَ تَصْرِفُ قُواها إلى مَناظِمِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ ومَصالِحِها، والأرْواحَ الخَبِيثَةَ تَصْرِفُ قُواها إلى الشُّرُورِ، فَأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ؟ الِاعْتِراضُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَتَّفِقَ في النُّفُوسِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ نَفْسٌ قَوِيَّةٌ كامِلَةٌ مُسْتَعْلِيَةٌ عَلى الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ بِالتَّقْلِيبِ والتَّصْرِيفِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ مِثْلِ هَذِهِ النَّفْسِ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: الرُّوحانِيّاتُ لَها اخْتِياراتٌ فائِضَةٌ مِن أنْوارِ جَلالِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَوَجِّهَةٌ إلى الخَيْراتِ، مَقْصُورَةٌ عَلى نِظامِ هَذا العالَمِ لا يَشُوبُها البَتَّةَ شائِبَةُ الشَّرِّ، والفَسادِ بِخِلافِ اخْتِياراتِ البَشَرِ فَإنَّها مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ جِهَتِي العُلُوِّ والسَّفالَةِ وطَرَفَيِ الخَيْرِ، ومَيْلُهم إلى الخَيْراتِ إنَّما يَحْصُلُ بِإعانَةِ المَلائِكَةِ عَلى ما ورَدَ في الأخْبارِ مِن أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ ويَهْدِيهِ. الِاعْتِراضُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ كالمَجْبُورِينَ عَلى طاعاتِهِمْ، والأنْبِياءَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، والمُخْتارُ أفْضَلُ مِنَ المَجْبُورِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ ما دامَ يَبْقى اسْتَحالَ صُدُورُ الفِعْلِ وإذا حَصَلَ التَّرْجِيحُ التَحَقَ بِالمُوجِبِ، فَكانَ لِلْأنْبِياءِ خَيْراتٌ بِالقُوَّةِ وبِواسِطَةِ المَلائِكَةِ تَصِيرُ خَيْراتٍ بِالفِعْلِ، أمّا المَلائِكَةُ فَهم خَيْراتٌ بِالفِعْلِ فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ . الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالهَياكِلِ وهي السَّيّاراتُ السَّبْعَةُ وسائِرُ الثَّوابِتِ، والأفْلاكُ كالأبْدانِ، والكَواكِبُ كالقُلُوبِ، والمَلائِكَةُ كالأرْواحِ فَنِسْبَةُ الأرْواحِ إلى الأرْواحِ كَنِسْبَةِ الأبْدانِ إلى الأبْدانِ، ثُمَّ إنّا نَعْلَمُ أنَّ اخْتِلافاتِ أحْوالِ الأفْلاكِ مَبادِئُ لِحُصُولِ الِاخْتِلافاتِ في أحْوالِ هَذا العالَمِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ مِن حَرَكاتِ الكَواكِبِ اتِّصالاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ التَّسْدِيسِ والتَّثْلِيثِ والتَّرْبِيعِ والمُقابَلَةِ والمُقارَبَةِ وكَذا مَناطِقُ الأفْلاكِ تارَةً تَصِيرُ مُنْطَبِقَةً بَعْضُها عَلى البَعْضِ، وذَلِكَ هو الرَّتْقُ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عِمارَةُ العالَمِ وأُخْرى يَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ فَتَنْتَقِلُ العِمارَةُ مِن جانِبٍ مِن هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ مُسْتَوْلِيَةً عَلى هَياكِلَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، فَكَذا أرْواحُ العالَمِ السُّفْلِيِّ لا سِيَّما وقَدْ دَلَّتِ المَباحِثُ الحِكْمِيَّةُ والعُلُومُ الفَلْسَفِيَّةُ عَلى أنَّ أرْواحَ هَذا العالَمِ مَعْلُولاتٌ لِأرْواحِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وكِمالاتِ هَذِهِ الأرْواحِ مَعْلُولاتٌ لِكِمالاتِ تِلْكَ الأرْواحِ، ونِسْبَةُ هَذِهِ الأرْواحِ إلى تِلْكَ الأرْواحِ كالشُّعْلَةِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُرْصِ الشَّمْسِ، وكالقَطْرَةِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ الأعْظَمِ، فَهَذِهِ هي الآثارُ، وهُناكَ المَبْدَأُ، والمَعادُ فَكَيْفَ يَلِيقُ القَوْلُ بِادِّعاءِ المُساواةِ فَضْلًا عَنِ الزِّيادَةِ ؟ . الِاعْتِراضُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ صفحة ٢١٢ مُنازَعٌ فِيهِ لَكِنْ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فالبَحْثُ باقٍ بَعْدُ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الوُصُولَ إلى اللَّذِيذِ بَعْدَ الحِرْمانِ ألَذُّ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ فَهَذِهِ الحالَةُ غَيْرُ حاصِلَةٍ إلّا لِلْبَشَرِ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قالُوا الرُّوحانِيّاتُ الفَلَكِيَّةُ مَبادِئُ لِرُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ومُعادِلُها، والمَبْدَأُ أشْرَفُ مِن ذِي المَبْدَأِ؛ لِأنَّ كُلَّ كَمالٍ يَحْصُلُ لِذِي المَبْدَأِ فَهو مُسْتَفادٌ مِنَ المَبْدَأِ، والمُسْتَفِيدُ أقَلُّ حالًا مِنَ الواجِبِ، وكَذَلِكَ المَعادُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ، فَعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ عالِمُ الكَمالِ فالمَبْدَأُ مِنها والمَعادُ إلَيْها والمَصْدَرُ عَنْها والمَرْجِعُ إلَيْها، وأيْضًا فَإنَّ الأرْواحَ إنَّما نَزَلَتْ مِن عالَمِها حَتّى اتَّصَلَتْ بِالأبْدانِ فَتَوَسَّخَتْ بِأوْضارِ الأجْسامِ ثُمَّ تَطَهَّرَتْ عَنْها بِالأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ المُرْضِيَةِ حَتّى انْفَصَلَتْ عَنْها إلى عالَمِها الأوَّلِ، فالنُّزُولُ هو النَّشْأةُ الأُولى والصُّعُودُ هو النَّشْأةُ الأُخْرى فَعُرِفَ أنَّ الرُّوحانِيّاتِ أشْرَفُ مِنَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ. الِاعْتِراضُ: هَذِهِ الكَلِماتُ بَنَيْتُمُوها عَلى نَفْيِ المَعادِ، ونَفْيِ حَشْرِ الأجْسادِ ودُونَهُما خَرْطُ القَتادِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: ألَيْسَ أنَّ الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى أنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِشَيْءٍ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ إلّا بَعْدَ الوَحْيِ فَهَذا اعْتِرافٌ بِأنَّ عُلُومَهم مُسْتَفادَةٌ مِنهم ألَيْسَ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ هُمُ الَّذِينَ يُعِينُونَهم عَلى أعْدائِهِمْ كَما في قَلْعِ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ وفي يَوْمِ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَهم إلى مَصالِحِهِمْ كَما في قِصَّةِ نُوحٍ في نَجْرِ السَّفِينَةِ، فَإذا اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ فَمِن أيْنَ وقَعَ لَكم أنْ فَضَّلْتُمُوهم عَلى المَلائِكَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ فافْتِقارُهم إلَيْهِمْ في كُلِّ الأُمُورِ ؟ . [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:35

(المَسْألَةُ السّابِعَةُ): قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ نَهْيٌ ولَكِنْ فِيهِ بَحْثانِ. (الأوَّلُ): أنَّ هَذا نَهْيُ تَحْرِيمٍ أوْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَقالَ قائِلُونَ: هَذِهِ الصِّيغَةُ لِنَهْيِ التَّنْزِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ ورَدَتْ تارَةً في التَّنْزِيهِ وأُخْرى في التَّحْرِيمِ، والأصْلُ عَدَمُ الِاشْتِراكِ فَلا بُدَّ مِن جَعْلِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وما ذَلِكَ إلّا أنْ يُجْعَلَ حَقِيقَةً في تَرْجِيحِ جانِبِ التَّرْكِ عَلى جانِبِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى المَنعِ مِنَ الفِعْلِ أوْ عَلى الإطْلاقِ فِيهِ، لَكِنَّ الإطْلاقَ فِيهِ كانَ ثابِتًا بِحُكْمِ الأصْلِ، فَإنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ، فَإذا ضَمَمْنا مَدْلُولَ اللَّفْظِ إلى هَذا الأصْلِ صارَ المَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلى التَّنْزِيهِ، قالُوا: وهَذا هو الأوْلى بِهَذا المَقامِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَرْجِعُ حاصِلُ مَعْصِيَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَرْكِ الأوْلى، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ كانَ أفْضى إلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَ أوْلى بِالقَبُولِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا النَّهْيُ نَهْيُ صفحة ٦ تَحْرِيمٍ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ. (أحَدُها): أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فَكَما أنَّ هَذا لِلتَّحْرِيمِ فَكَذا الأوَّلُ. (وثانِيها): أنَّهُ قالَ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] مَعْناهُ إنْ أكَلْتُما مِنها فَقَدْ ظَلَمْتُما أنْفُسَكُما ألا تَراهُما لَمّا أكَلا ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . وثالِثُها: أنَّ هَذا النَّهْيَ لَوْ كانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَما اسْتَحَقَّ آدَمُ بِفِعْلِهِ الإخْراجَ مِنَ الجَنَّةِ ولَما وجَبَتِ التَّوْبَةُ عَلَيْهِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ نَقُولُ: إنَّ النَّهْيَ وإنْ كانَ في الأصْلِ لِلتَّنْزِيهِ ولَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلى التَّحْرِيمِ لِدَلالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ فَتَظْلِما أنْفُسَكُما بِفِعْلِ ما الأوْلى بِكُما تَرْكُهُ؛ لِأنَّكُما إذا فَعَلْتُما ذَلِكَ أُخْرِجْتُما مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي لا تَظْمَآنِ فِيها ولا تَجُوعانِ ولا تَضْحَيانِ ولا تَعْرَيانِ إلى مَوْضِعٍ لَيْسَ لَكُما فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذا، وعَنِ الثّالِثِ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الإخْراجَ مِنَ الجَنَّةِ كانَ لِهَذا السَّبَبِ وسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. (البَحْثُ الثّانِي): قالَ قائِلُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ يُفِيدُ بِفَحْواهُ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ القُرْبِ لا يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ؛ إذْ رُبَّما كانَ الصَّلاحُ في تَرْكِ قُرْبِها مَعَ أنَّهُ لَوْ حُمِلَ إلَيْهِ لَجازَ لَهُ أكْلُهُ، بَلْ هَذا الظّاهِرُ يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنِ القُرْبِ. وأمّا النَّهْيُ عَنِ الأكْلِ فَإنَّما عُرِفَ بِدَلائِلَ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما﴾ [الأعراف: ٢٢] ولِأنَّهُ صَدَّرَ الكَلامَ في بابِ الإباحَةِ بِالأكْلِ، فَقالَ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] فَصارَ ذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى نَهاهُما عَنْ أكْلِ ثَمَرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ لَكِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ يَعُمُّ الأكْلَ وسائِرَ الِانْتِفاعاتِ ولَوْ نَصَّ عَلى الأكْلِ ما كانَ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ فَفِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ. * * * (المَسْألَةُ الثّامِنَةُ): اخْتَلَفُوا في الشَّجَرَةِ ما هي ؟ فَرَوى مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: أنَّها البُرُّ والسُّنْبُلَةُ. ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشَّجَرَةِ فَقالَ: هي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ السُّنْبُلَةُ» . ورَوى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها الكَرْمُ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها التِّينُ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَتْ شَجَرَةً مَن أكَلَ مِنها أحْدَثَ ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ حَدَثٌ. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ فَلا حاجَةَ أيْضًا إلى بَيانِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يُعَرِّفَنا عَيْنَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وما لا يَكُونُ مَقْصُودًا في الكَلامِ لا يَجِبُ عَلى الحَكِيمِ أنْ يُبَيِّنَهُ، بَلْ رُبَّما كانَ بَيانُهُ عَبَثًا؛ لِأنَّ أحَدَنا لَوْ أرادَ أنْ يُقِيمَ العُذْرَ لِغَيْرِهِ في التَّأخُّرِ فَقالَ: شُغِلْتُ بِضَرْبِ غِلْمانِي لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ لَكانَ هَذا القَدْرُ أحْسَنَ مِن أنْ يَذْكُرَ عَيْنَ هَذا الغُلامِ ويَذْكُرَ اسْمَهُ وصِفَتَهُ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ وقَعَ هَهُنا تَقْصِيرٌ في البَيانِ. ثُمَّ قالَ بَعْضُهُمُ: الأقْرَبُ في لَفْظِ الشَّجَرَةِ أنْ يَتَناوَلَ ما لَهُ ساقٌ وأغْصانٌ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] مَعَ أنَّها كالزَّرْعِ والبِطِّيخِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَهابُهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن أنْ يَكُونَ شَجَرًا، قالَ المُبَرِّدُ: وأحْسَبُ أنَّ كُلَّ ما تَفَرَّعَتْ لَهُ أغْصانٌ وعِيدانٌ فالعَرَبُ تُسَمِّيهِ شَجَرًا في وقْتِ تَشَعُّبِهِ، وأصْلُ هَذا أنَّهُ كُلُّ ما شَجَرَ أيْ أخَذَ يُمْنَةً ويُسْرَةً، يُقالُ: رَأيْتُ فُلانًا قَدْ شَجَرَتُهُ الرِّماحُ. وقالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] وتَشاجَرَ الرَّجُلانِ في أمْرِ كَذا. (المَسْألَةُ التّاسِعَةُ): اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ هو أنَّكُما إنْ أكَلْتُما فَقَدْ ظَلَمْتُما أنْفُسَكُما؛ لِأنَّ الأكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ظُلْمُ الغَيْرِ، وقَدْ يَكُونُ ظالِمًا بِأنْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ وبِأنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ صفحة ٧ فَظُلْمُ النَّفْسِ أعَمُّ وأعْظَمُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ النّاسُ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: قَوْلُ الحَشَوِيَّةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ أقْدَمَ عَلى الكَبِيرَةِ فَلا جَرَمَ كانَ فِعْلُهُ ظُلْمًا. الثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ أقْدَمَ عَلى الصَّغِيرَةِ ثُمَّ لِهَؤُلاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وهو أنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِأنْ ألْزَمَها ما يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ والتَّلافِي. وثانِيهِما: قَوْلُ أبِي هاشِمٍ وهو أنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ مِن حَيْثُ أحْبَطَ بَعْضَ ثَوابِهِ الحاصِلِ، فَصارَ ذَلِكَ نَقْصًا فِيما قَدِ اسْتَحَقَّهُ. الثّالِثُ: قَوْلُ مَن يُنْكِرُ صُدُورَ المَعْصِيَةِ مِنهم مُطْلَقًا، وحَمَلَ هَذا الظُّلْمَ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ما الأوْلى لَهُ أنْ لا يَفْعَلَهُ، ومِثالُهُ: إنْسانٌ طَلَبَ الوِزارَةَ ثُمَّ إنَّهُ تَرَكَها واشْتَغَلَ بِالحِياكَةِ، فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: يا ظالِمَ نَفْسِهِ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ وصْفُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ أوْ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِي أنْفُسَهم ؟ والجَوابُ أنَّ الأوْلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إيهامِ الذَّمِّ.

البقرة 2:36

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ تَحْقِيقُهُ، فَأصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما عَنْها، ولَفْظَةُ (عَنْ) في هَذِهِ الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو مِنَ الزَّلَلِ، يَكُونُ الإنْسانُ ثابِتَ القَدَمِ عَلى الشَّيْءِ فَيَزِلُّ عَنْهُ ويَصِيرُ مُتَحَوِّلًا عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ، ومَن قَرَأ: ﴿فَأزَلَّهُما﴾ فَهو مِنَ الزَّوالِ عَنِ المَكانِ، وحُكِيَ عَنْ أبِي مُعاذٍ أنَّهُ قالَ: يُقالُ أزَلْتُكَ عَنْ كَذا حَتّى زِلْتَ عَنْهُ، وأزْلَلْتُكَ حَتّى زَلَلْتَ، ومَعْناهُما واحِدٌ، أيْ: حَوَّلْتُكَ عَنْهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أزَلَّهُما الشَّيْطانُ أيِ اسْتَزَلَّهُما، فَهو مِن قَوْلِكَ: زَلَّ في دِينِهِ إذا أخْطَأ، وأزَلَّهُ غَيْرُهُ إذا سَبَّبَ لَهُ ما يَزِلُّ مِن أجْلِهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ. واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: (المَسْألَةُ الأُولى): اخْتَلَفَ النّاسُ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وضَبْطُ القَوْلِ فِيهِ أنْ يُقالَ: الِاخْتِلافُ في هَذا البابِ يَرْجِعُ إلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: ما يَقَعُ في بابِ الِاعْتِقادِ. وثانِيها: ما يَقَعُ في بابِ التَّبْلِيغِ. وثالِثُها: ما يَقَعُ في بابِ الأحْكامِ والفُتْيا. ورابِعُها: ما يَقَعُ في أفْعالِهِمْ وسِيرَتِهِمْ. أمّا اعْتِقادُهُمُ الكُفْرَ والضَّلالَ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ أكْثَرَ الأُمَّةِ. وقالَتِ الفَضِيلِيَّةُ مِنَ الخَوارِجِ: إنَّهم قَدْ وقَعَتْ مِنهُمُ الذُّنُوبُ، والذَّنْبُ عِنْدَهم كُفْرٌ وشِرْكٌ، فَلا جَرَمَ قالُوا بِوُقُوعِ الكُفْرِ مِنهم، وأجازَتِ الإمامِيَّةُ عَلَيْهِمْ إظْهارَ الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ. أمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَوْنِهِمْ مَعْصُومِينَ عَنِ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ، فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، وإلّا لارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِالأداءِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنهم عَمْدًا كَما لا يَجُوزُ أيْضًا سَهْوًا، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا، قالُوا: لِأنَّ الِاحْتِرازَ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالفُتْيا فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ خَطَؤُهم فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّعَمُّدِ، وأمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهم وأباهُ آخَرُونَ. صفحة ٨ وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو الَّذِي يَقَعُ في أفْعالِهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ فِيهِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قَوْلُ مَن جَوَّزَ عَلَيْهِمُ الكَبائِرَ عَلى جِهَةِ العَمْدِ وهو قَوْلُ الحَشَوِيَّةِ. والثّانِي: قَوْلُ مَن لا يُجَوِّزُ عَلَيْهِمُ الكَبائِرَ لَكِنَّهُ يُجَوِّزُ عَلَيْهِمُ الصَّغائِرَ عَلى جِهَةِ العَمْدِ إلّا ما يُنَفِّرُ كالكَذِبِ والتَّطْفِيفِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْتُوا بِصَغِيرَةٍ ولا بِكَبِيرَةٍ عَلى جِهَةِ العَمْدِ ألْبَتَّةَ، بَلْ عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُمُ الذَّنْبُ إلّا عَلى جِهَةِ السَّهْوِ والخَطَأِ ولَكِنَّهم مُؤاخَذُونَ بِما يَقَعُ مِنهم عَلى هَذِهِ الجِهَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْرِفَتَهم أقْوى ودَلائِلَهم أكْثَرُ، وأنَّهم يَقْدِرُونَ مِنَ التَّحَفُّظِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهم. القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُمُ الذَّنْبُ لا الكَبِيرَةُ ولا الصَّغِيرَةُ لا عَلى سَبِيلِ القَصْدِ ولا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ ولا عَلى سَبِيلِ التَّأْوِيلِ والخَطَأِ، وهو مَذْهَبُ الرّافِضَةِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في وقْتِ العِصْمَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهم مَعْصُومُونَ مَن وقْتِ مَوْلِدِهِمْ وهو قَوْلُ الرّافِضَةِ. وثانِيها: قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ وقْتَ عِصْمَتِهِمْ وقْتُ بُلُوغِهِمْ ولَمْ يُجَوِّزُوا مِنهُمُ ارْتِكابَ الكُفْرِ والكَبِيرَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. وثالِثُها: قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ وقْتَ النُّبُوَّةِ، أمّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَجائِزٌ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أصْحابِنا وقَوْلُ أبِي الهُذَيْلِ وأبِي عَلِيٍّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. والمُخْتارُ عِنْدَنا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمُ الذَّنْبُ حالَ النُّبُوَّةِ ألْبَتَّةَ لا الكَبِيرَةُ ولا الصَّغِيرَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لَوْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهم لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةً مِن عُصاةِ الأُمَّةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ دَرَجَةَ الأنْبِياءِ كانَتْ في غايَةِ الجَلالِ والشَّرَفِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهُ أفْحَشَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾، [الأحزاب: ٣٠] والمُحْصَنُ يُرْجَمُ وغَيْرُهُ يُحَدُّ، وحَدُّ العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ، وأمّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أقَلَّ حالًا مِنَ الأُمَّةِ فَذاكَ بِالإجْماعِ. وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ إقْدامِهِ عَلى الفِسْقِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهادَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لَكِنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ، وإلّا كانَ أقَلَّ حالًا مِن عُدُولِ الأُمَّةِ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا مَعْنى لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلّا أنَّهُ يَشْهَدُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ شَرَعَ هَذا الحُكْمَ وذاكَ، وأيْضًا فَهو يَوْمَ القِيامَةِ شاهِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ إقْدامِهِ عَلى الكَبِيرَةِ يَجِبُ زَجْرُهُ عَنْها، فَلَمْ يَكُنْ إيذاؤُهُ مُحَرَّمًا لَكِنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] . ورابِعُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَوْ أتى بِالمَعْصِيَةِ لَوَجَبَ عَلَيْنا الِاقْتِداءُ بِهِ فِيها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ فَيُفْضِي إلى الجَمْعِ بَيْنَ الحُرْمَةِ والوُجُوبِ وهو مُحالٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ثَبَتَ أيْضًا في سائِرِ الأنْبِياءِ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. وخامِسُها: أنّا نَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا شَيْءَ أقْبَحَ مِن نَبِيٍّ رَفَعَ اللَّهَ دَرَجَتَهُ وائْتَمَنَهُ عَلى وحْيِهِ وجَعَلَهُ خَلِيفَةً في عِبادِهِ وبِلادِهِ يَسْمَعُ رَبَّهُ يُنادِيهِ: لا تَفْعَلْ كَذا فَيُقْدِمُ عَلَيْهِ تَرْجِيحًا لِلَذَّتِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى نَهْيِ رَبِّهِ ولا مُنْزَجِرٍ بِوَعِيدِهِ. هَذا مَعْلُومُ القُبْحِ بِالضَّرُورَةِ. وسادِسُها: أنَّهُ لَوْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ مِنَ الأنْبِياءِ لَكانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ صفحة ٩ ﴿ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [الجن: ٢٣] ولا اسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ لِقَوْلِهِ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ ولا لِلْعَذابِ فَثَبَتَ أنَّهُ ما صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ. وسابِعُها: أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ فَلَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ لَدَخَلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقالَ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، فَما لا يَلِيقُ بِواحِدٍ مِن وُعّاظِ الأُمَّةِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ولَفْظُ الخَيْراتِ لِلْعُمُومِ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ ما يَنْبَغِي وتَرْكُ ما لا يَنْبَغِي، فَثَبَتَ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا فاعِلِينَ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ وتارِكِينَ كُلَّ ما يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وذَلِكَ يُنافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهم. وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٧]، وهَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ بِدَلِيلِ جَوازِ الِاسْتِثْناءِ فَيُقالُ: فُلانٌ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ إلّا في الفِعْلَةِ الفُلانِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ يُخَرِّجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ تَحْتَهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا أخْيارًا في كُلِّ الأُمُورِ، وذَلِكَ يُنافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهم. وقالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] . وقالَ في إبْراهِيمَ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠] . وقالَ في مُوسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] . وقالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٧] . فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالِاصْطِفاءِ والخَيْرِيَّةِ، وذَلِكَ يُنافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهم. عاشِرُها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْلِيسَ قَوْلَهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]، فاسْتَثْنى مِن جُمْلَةِ مَن يُغْوِيهِمُ المُخْلَصِينَ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. قالَ تَعالى في صِفَةِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ [ص: ٤٦] وقالَ في يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ العِصْمَةِ في حَقِّ البَعْضِ ثَبَتَ وُجُوبُها في حَقِّ الكُلِّ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. والحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ ما اتَّبَعُوهُ وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ما صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهم وإلّا فَقَدْ كانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ، وإذا ثَبَتَ في ذَلِكَ الفَرِيقِ أنَّهم ما أذْنَبُوا فَذَلِكَ الفَرِيقُ إمّا الأنْبِياءُ أوْ غَيْرُهم، فَإنْ كانُوا هُمُ الأنْبِياءَ فَقَدْ ثَبَتَ في النَّبِيِّ أنَّهُ لا يُذْنِبُ وإنْ كانُوا غَيْرَ الأنْبِياءِ فَلَوْ ثَبَتَ في الأنْبِياءِ أنَّهم أذْنَبُوا لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَيَكُونُ غَيْرُ النَّبِيِّ أفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ فَثَبَتَ أنَّ الذَّنْبَ ما صَدَرَ عَنْهم. الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ تَعالى قَسَمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقالَ في الصِّنْفِ الآخَرِ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ولا شَكَّ أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هو الَّذِي يَفْعَلُ ما يَرْتَضِيهِ الشَّيْطانُ، والَّذِي يَرْتَضِيهِ الشَّيْطانُ هو المَعْصِيَةُ، فَكُلُّ مَن عَصى اللَّهَ تَعالى كانَ مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ، فَلَوْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ مِنَ الرَّسُولِ لَصَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ صفحة ١٠ مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ ولَصَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِنَ الخاسِرِينَ ولَصَدَقَ عَلى زُهّادِ الأُمَّةِ أنَّهم مِن حِزْبِ اللَّهِ، وأنَّهم مِنَ المُفْلِحِينَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الواحِدُ مِنَ الأُمَّةِ أفْضَلَ بِكَثِيرٍ عِنْدَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ الرَّسُولِ، وهَذا لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الرَّسُولَ أفْضَلُ مِنَ المَلَكِ فَوَجَبَ أنْ لا يَصْدُرَ الذَّنْبُ مِنَ الرَّسُولِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ أفْضَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في مَسْألَةِ فَضْلِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَصْدُرَ الذَّنْبُ عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ المَلائِكَةَ بِتَرْكِ الذَّنْبِ فَقالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وقالَ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فَلَوْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنِ الرَّسُولِ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ أفْضَلَ مِنَ المَلَكِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] . الرّابِعَ عَشَرَ: رُوِيَ «أنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ ثابِتٍ شَهِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وفْقِ دَعْواهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيْفَ شَهِدْتَ لِي“ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُصَدِّقُكَ عَلى الوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْكَ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ أفَلا أُصَدِّقُكَ في هَذا القَدْرِ ؟ فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَمّاهُ بِذِي الشَّهادَتَيْنِ» ولَوْ كانَتِ المَعْصِيَةُ جائِزَةً عَلى الأنْبِياءِ لَما جازَتْ تِلْكَ الشَّهادَةُ. الخامِسَ عَشَرَ: قالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] والإمامُ مَن يُؤْتَمُّ بِهِ فَأوْجَبَ عَلى كُلِّ النّاسِ أنْ يَأْتَمُّوا بِهِ فَلَوْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتَمُّوا بِهِ في ذَلِكَ الذَّنْبِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى التَّناقُضِ. السّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والمُرادُ بِهَذا العَهْدِ إمّا عَهْدُ النُّبُوَّةِ أوْ عَهْدُ الإمامَةِ، فَإنْ كانَ المُرادُ عَهْدَ النُّبُوَّةِ وجَبَ أنْ لا تَثْبُتَ النُّبُوَّةُ لِلظّالِمِينَ، وإنْ كانَ المُرادُ عَهْدَ الإمامَةِ وجَبَ أنْ لا تَثْبُتَ الإمامَةُ لِلظّالِمِينَ، وإذا لَمْ تَثْبُتِ الإمامَةُ لِلظّالِمِينَ وجَبَ أنْ لا تَثْبُتَ النُّبُوَّةُ لِلظّالِمِينَ، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمامًا يُؤْتَمُّ بِهِ ويُقْتَدى بِهِ. * * * والآيَةُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَكُونُ مُذْنِبًا، أمّا المُخالِفُ فَقَدْ تَمَسَّكَ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ المَواضِعِ الأرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْناها بِآياتٍ ونَحْنُ نُشِيرُ إلى مَعاقِدِها ونُحِيلُ بِالِاسْتِقْصاءِ عَلى ما سَيَأْتِي في هَذا التَّفْسِيرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. أمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في بابِ الِاعْتِقادِ فَثَلاثَةٌ: أوَّلُها: تَمَسَّكُوا بِالطَّعْنِ في اعْتِقادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] إلى آخِرِ الآيَةِ. قالُوا: لا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ الواحِدَةَ هي آدَمُ، وزَوْجَها المَخْلُوقَ مِنها هي حَوّاءُ، فَهَذِهِ الكِناياتُ بِأسْرِها عائِدَةٌ إلَيْهِما، فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٠] يَقْتَضِي صُدُورَ الشِّرْكِ عَنْهُما، والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّفْسَ الواحِدَةَ هي آدَمُ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ وهم آلُ قُصَيٍّ، والمَعْنى خَلَقَكم مِن نَفْسِ قُصَيٍّ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَةً عَرَبِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ وعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ الدّارِ وعَبْدِ قُصَيٍّ، والضَّمِيرُ في يُشْرِكُونَ لَهُما ولِأعْقابِهِما، فَهَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ. صفحة ١١ . وثانِيها: قالُوا: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ قالَ في الكَواكِبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] وأمّا الثّانِي فَقَوْلُهُ: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، والجَوابُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فالمُرادُ أنَّهُ لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ. وثالِثُها: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ في شَكٍّ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ. والجَوابُ: أنَّ القَلْبَ في دارِ الدُّنْيا لا يَنْفَكُّ عَنِ الأفْكارِ المُسْتَعْقِبَةِ لِلشُّبَهاتِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُزِيلُها بِالدَّلائِلِ. أمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في بابِ التَّبْلِيغِ فَثَلاثَةٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦] فَهَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النِّسْيانِ في الوَحْيِ، الجَوابُ: لَيْسَ النَّهْيُ عَنِ النِّسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، لِأنَّ ذاكَ غَيْرُ داخِلٍ في الوُسْعِ بَلْ عَنِ النِّسْيانِ بِمَعْنى التَّرْكِ، فَنَحْمِلُهُ عَلى تَرْكِ الأوْلى. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، والكَلامُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الحَجِّ عَلى الِاسْتِقْصاءِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنِّ: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] قالُوا: فَلَوْلا الخَوْفُ مِن وُقُوعِ التَّخْلِيطِ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ مِن جِهَةِ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ في الِاسْتِظْهارِ بِالرَّصَدِ المُرْسَلِ مَعَهم فائِدَةٌ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ أنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الرَّصْدُ الشَّياطِينَ عَنْ إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ. أمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في الفُتْيا فَثَلاثَةٌ، أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وثانِيها: قَوْلُهُ في أُسارى بَدْرٍ حِينَ فاداهَمُ النَّبِيُّ ﷺ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، فَلَوْلا أنَّهُ أخْطَأ في هَذِهِ الحُكُومَةِ وإلّا لَما عُوتِبَ، وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنّا نَحْمِلُهُ عَلى تَرْكِ الأوْلى. أمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في الأفْعالِ فَكَثِيرَةٌ، أوَّلُها: قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَمَسَّكُوا بِها مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ عاصِيًا والعاصِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ كانَ عاصِيًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وإنَّما قُلْنا: إنَّ العاصِيَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعاقَبًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فَلا مَعْنى لِصاحِبِ الكَبِيرَةِ إلّا ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ العاصِيَ اسْمُ ذَمٍّ فَوَجَبَ أنْ لا يَتَناوَلَ إلّا صاحِبَ الكَبِيرَةِ. الوَجْهُ الثّانِي في التَّمَسُّكِ بِقِصَّةِ آدَمَ أنَّهُ كانَ غاوِيًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ [طَهَ: ١٢١] والغَيُّ ضِدُّ الرُّشْدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فَجَعَلَ الغَيَّ مُقابِلًا لِلرُّشْدِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تائِبٌ والتّائِبُ مُذْنِبٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ تائِبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وقالَ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [طه: ١٢٢] وإنَّما قُلْنا: التّائِبُ مُذْنِبٌ؛ لِأنَّ التّائِبَ صفحة ١٢ هُوَ النّادِمُ عَلى فِعْلِ الذَّنْبِ، والنّادِمُ عَلى فِعْلِ الذَّنْبِ مُخْبِرٌ عَنْ كَوْنِهِ فاعِلًا الذَّنْبَ، فَإنْ كَذَبَ في ذَلِكَ الإخْبارِ فَهو مُذْنِبٌ بِالكَذِبِ، وإنْ صَدَقَ فِيهِ فَهو المَطْلُوبُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ ارْتَكَبَ المَنهِيَّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وارْتِكابُ المَنهِيِّ عَنْهُ عَيْنُ الذَّنْبِ. الوَجْهُ الخامِسُ: سَمّاهُ ظالِمًا في قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وهو سَمّى نَفْسَهُ ظالِمًا في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] والظّالِمُ مَلْعُونٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ومَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ كانَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ. الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ لَوْلا مَغْفِرَةُ اللَّهِ إيّاهُ وإلّا لَكانَ خاسِرًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ. وسابِعُها: أنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وإزْلالِهِ جَزاءً عَلى ما أقْدَمَ عَلَيْهِ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ صاحِبَ الكَبِيرَةِ، ثُمَّ قالُوا: هَبْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلْكَبِيرَةِ، لَكِنَّ مَجْمُوعَها لا شَكَّ في كَوْنِهِ قاطِعًا في الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الشَّيْءِ، لَكِنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الوُجُوهِ يَكُونُ دالًّا عَلى الشَّيْءِ. والجَوابُ المُعْتَمَدُ عَنِ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ عِنْدَنا أنْ نَقُولَ: كَلامُكم إنَّما يَتِمُّ لَوْ أتَيْتُمْ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ حالَ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ ما صَدَرَتْ عَنْهُ هَذِهِ الزَّلَّةُ ما كانَ نَبِيًّا؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صارَ نَبِيًّا ؟ ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى هَذا المَقامِ. وأمّا الِاسْتِقْصاءُ في الجَوابِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الوُجُوهِ المُفَصَّلَةِ فَسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الآياتِ. ولْنَذْكُرْ هَهُنا كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الزَّلَّةِ لِيَظْهَرَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾ فَنَقُولُ: لِنَفْرِضْ أنَّهُ صَدَرَ ذَلِكَ الفِعْلُ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَإقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ كَوْنِهِ ناسِيًا أوْ حالَ كَوْنِهِ ذاكِرًا، أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّهُ فَعَلَهُ ناسِيًا فَهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ومَثَّلُوهُ بِالصّائِمِ يَشْتَغِلُ بِأمْرٍ يَسْتَغْرِقُهُ ويَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ ساهِيًا عَنِ الصَّوْمِ ويَأْكُلُ في أثْناءِ ذَلِكَ السَّهْوِ [ لا ] عَنْ قَصْدٍ، لا يُقالُ هَذا باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقَوْلَهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما نَسِيَ النَّهْيَ حالَ الإقْدامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَمَّدَ لِأنَّهُ قالَ لَمّا أكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما خَرَجَ آدَمُ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِن شَجَرِ الجَنَّةِ، فَحَبَسَتْهُ فَناداهُ اللَّهُ تَعالى أفِرارًا مِنِّي، فَقالَ: بَلْ حَياءً مِنكَ، فَقالَ لَهُ: أما كانَ فِيما مَنَحْتُكَ مِنَ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ ؟ قالَ: بَلى يا رَبِّ ولَكِنِّي وعِزَّتِكَ ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا، فَقالَ: وعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ مِنها ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا. الثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْ كانَ ناسِيًا لَما عُوتِبَ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، أمّا مِن حَيْثُ العَقْلِ فَلِأنَّ النّاسِيَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الفِعْلِ، فَلا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأمّا مِن حَيْثُ النَّقْلُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» “، فَلَمّا عُوتِبَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ صفحة ١٣ النِّسْيانِ؛ لِأنّا نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ فَهو أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ قَبِلا مِن إبْلِيسَ ذَلِكَ الكَلامَ ولا صَدَّقاهُ فِيهِ؛ لِأنَّهُما لَوْ صَدَّقاهُ لَكانَتْ مَعْصِيَتُهُما في هَذا التَّصْدِيقِ أعْظَمَ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ؛ لَأنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ لَهُما: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فَقَدْ ألْقى إلَيْهِما سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ ودَعاهُما إلى تَرْكِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِهِ والرِّضا بِحُكْمِهِ، وإلى أنْ يَعْتَقِدا فِيهِ كَوْنَ إبْلِيسَ ناصِحًا لَهُما، وأنَّ الرَّبَّ تَعالى قَدْ غَشَّهُما، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أعْظَمُ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ المُعاتَبَةُ في ذَلِكَ أشَدَّ، وأيْضًا كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِتَمَرُّدِ إبْلِيسَ عَنِ السُّجُودِ وكَوْنِهِ مُبْغِضًا لَهُ وحاسِدًا لَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ العاقِلِ أنَّ يَقْبَلَ قَوْلَ عَدُوِّهِ مَعَ هَذِهِ القَرائِنِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُما أقْدَما عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ عِنْدَ ذَلِكَ الكَلامِ أوْ بَعْدَهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ كانَ عالِمًا بِعَداوَتِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] . وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَهو أثَرٌ مَرْوِيٌّ بِالآحادِ، فَكَيْفَ يُعارِضُ القُرْآنَ ؟ وأمّا الجَوابُ عَنِ الثّانِي: فَهو أنَّ العِتابَ إنَّما حَصَلَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِن أسْبابِ النِّسْيانِ، وهَذا الضَّرْبُ مِنَ السَّهْوِ مَوْضُوعٌ عَنِ المُسْلِمِينَ وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُؤاخَذُوا بِهِ، ولَيْسَ بِمَوْضُوعٍ عَنِ الأنْبِياءِ لِعِظَمِ خَطَرِهِمْ ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأوْلِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» “ . وقالَ أيْضًا: ”«إنِّي أُوعَكُ كَما يُوَعَكُ الرَّجُلانِ مِنكم» “، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُؤَثِّرَ عِظَمُ حالِهِمْ وعُلُوُّ مَنزِلَتِهِمْ في حُصُولِ شَرْطٍ في تَكْلِيفِهِمْ دُونَ تَكْلِيفِ غَيْرِهِمْ ؟ قُلْنا: أما سَمِعْتَ: ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“، ولَقَدْ كانَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّشْدِيداتِ في التَّكْلِيفِ ما لَمْ يَكُنْ عَلى غَيْرِهِ. فَهَذا في تَقْرِيرِ أنَّهُ صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى جِهَةِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ. ورَأيْتُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ حَوّاءَ سَقَتْهُ الخَمْرَ حَتّى سَكِرَ ثُمَّ في أثْناءِ السُّكْرِ فَعَلَ ذَلِكَ. قالُوا: وهَذا لَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْذُونًا لَهُ في تَناوُلِ كُلِّ الأشْياءِ سِوى تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَإذا حَمَلْنا الشَّجَرَةَ عَلى البُرِّ، كانَ مَأْذُونًا في تَناوُلِ الخَمْرِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ لا يُسْكِرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ خَمْرِ الجَنَّةِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] . أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَهُ عامِدًا فَهَهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ كانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا القَوْلِ وعِلَّتِهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ عَمْدًا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً مَعَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا، وقَدْ عَرَّفْتُ فَسادَ هَذا القَوْلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَهُ عَمْدًا، لَكِنْ كانَ مَعَهُ مِنَ الوَجَلِ والفَزَعِ والإشْفاقِ ما صَيَّرَ ذَلِكَ في حُكْمِ الصَّغِيرَةِ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا باطِلٌ بِالدَّلائِلِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ المُقْدِمَ عَلى تَرْكِ الواجِبِ أوْ فِعْلِ المَنهِيِّ عَمْدًا وإنْ فَعَلَهُ مَعَ الخَوْفِ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ عاصِيًا مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ والذَّمِّ والخُلُودِ في النّارِ، ولا يَصِحُّ وصْفُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالنِّسْيانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وذَلِكَ يُنافِي العَمْدِيَّةَ. القَوْلُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَ عَلى الأكْلِ بِسَبَبِ اجْتِهادٍ أخْطَأ فِيهِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ كَبِيرَةً، بَيانُ الِاجْتِهادِ الخَطَأِ أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فَلَفْظُ ﴿هَذِهِ﴾ صفحة ١٤ قَدْ يُشارُ بِهِ إلى الشَّخْصِ، وقَدْ يُشارُ بِهِ إلى النَّوْعِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ حَرِيرًا وذَهَبًا بِيَدِهِ وقالَ: ”«هَذانِ حِلٌّ لِإناثِ أُمَّتِي حَرامٌ عَلى ذُكُورِهِمْ» “، وأرادَ بِهِ نَوْعَهُما، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَوَضَّأ مَرَّةً وقالَ: ”«هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» “، وأرادَ نَوْعَهُ، فَلَمّا سَمِعَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ظَنَّ أنَّ النَّهْيَ إنَّما يَتَناوَلُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ المُعَيَّنَةَ، فَتَرَكَها وتَناوَلَ مِن شَجَرَةٍ أُخْرى مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، إلّا أنَّهُ كانَ مُخْطِئًا في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن كَلِمَةِ ﴿هَذِهِ﴾ كانَ النَّوْعَ لا الشَّخْصَ، والِاجْتِهادُ في الفُرُوعِ، إذا كانَ خَطَأً لا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ العِقابِ واللَّعْنِ؛ لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ صَغِيرَةً مَغْفُورَةً كَما في شَرْعِنا، فَإنْ قِيلَ: الكَلامُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ كَلِمَةَ (هَذا) في أصْلِ اللُّغَةِ لِلْإشارَةِ إلى الشَّيْءِ الحاضِرِ، والشَّيْءُ الحاضِرُ لا يَكُونُ إلّا شَيْئًا مُعَيَّنًا، فَكَلِمَةُ هَذا في أصْلِ اللُّغَةِ لِلْإشارَةِ إلى الشَّيْءِ المُعَيَّنِ فَأمّا أنْ يُرادَ بِها الإشارَةُ إلى النَّوْعِ، فَذاكَ عَلى خِلافِ الأصْلِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ الإشارَةُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أمَرَ بَعْضَ المَلائِكَةِ بِالإشارَةِ إلى ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَكانَ ما عَداهُ خارِجًا عَنِ النَّهْيِ لا مَحالَةَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُجْتَهِدُ مُكَلَّفٌ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَمَلَ لَفْظَ (هَذا) عَلى المُعَيَّنِ كانَ قَدْ فَعَلَ الواجِبَ ولا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُهُ عَلى النَّوْعِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَأيَّدٌ بِأمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ أفادَ الإذْنَ في تَناوُلِ كُلِّ ما في الجَنَّةِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والثّانِي: أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي حِلَّ الِانْتِفاعِ بِجَمِيعِ المَنافِعِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والدَّلِيلُ المُخَصِّصُ لَمْ يَدُلَّ إلّا عَلى ذَلِكَ المُعَيَّنِ، فَثَبَتَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْذُونًا لَهُ في الِانْتِفاعِ بِسائِرِ الأشْجارِ، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ أنْ يَسْتَحِقَّ بِسَبَبِ هَذا عِتابًا وأنْ يُحْكُمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ القِصَّةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، يُوجِبُ أنْ يُحْكُمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ كانَ مُصِيبًا لا مُخْطِئًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ فَسادُ هَذا التَّأْوِيلِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الِاعْتِراضِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. هَبْ أنَّ لَفْظَ (هَذا) مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الشَّخْصِ والنَّوْعِ، ولَكِنْ هَلْ قَرَنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ النَّوْعُ دُونَ الشَّخْصِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَّرَ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ البَيانِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أتى بِالذَّنْبِ، وإنْ لَمْ يُقَصِّرْ في مَعْرِفَتِهِ بَلْ عَرَفَهُ فَقَدْ عَرَفَ حِينَئِذٍ أنَّ المُرادَ هو النَّوْعُ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّناوُلِ مِن شَجَرَةٍ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ يَكُونُ إقْدامًا عَلى الذَّنْبِ قَصْدًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجُوزُ لَهُمُ الِاجْتِهادُ لِأنَّ الِاجْتِهادَ إقْدامٌ عَلى العَمَلِ بِالظَّنِّ، وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ في حَقِّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن تَحْصِيلِ العِلْمِ، أمّا الأنْبِياءُ فَإنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَهُمُ الِاجْتِهادُ؛ لِأنَّ الِاكْتِفاءَ بِالظَّنِّ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ غَيْرُ جائِزٍ عَقْلًا وشَرْعًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الإقْدامَ عَلى الِاجْتِهادِ مَعْصِيَةٌ. الوَجْهُ الرّابِعُ: هَذِهِ المَسْألَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ المَسائِلِ القَطْعِيَّةِ أوِ الظَّنِّيَّةِ، فَإنْ كانَتْ مِنَ القَطْعِيّاتِ كانَ الخَطَأُ فِيها كَبِيرًا وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإشْكالُ، وإنْ كانَتْ مِنَ الظَّنِّيّاتِ فَإنْ قُلْنا: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَلا يَتَحَقَّقُ الخَطَأُ فِيها أصْلًا، وإنْ قُلْنا المُصِيبُ فِيها واحِدٌ والمُخْطِئُ فِيها مَعْذُورٌ بِالِاتِّفاقِ فَكَيْفَ صارَ هَذا القَدْرُ مِنَ الخَطَأِ سَبَبًا لِأنْ نُزِعَ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِباسُهُ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ وأُهْبِطَ إلى الأرْضِ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: صفحة ١٥ أنَّ لَفْظَ هَذا وإنْ كانَ في الأصْلِ لِلْإشارَةِ إلى الشَّخْصِ لَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الإشارَةِ إلى النَّوْعِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ قَدْ قَرَنَ بِهِ ما دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو النَّوْعُ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: هو أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَعَلَّهُ قَصَّرَ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ في الحالِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ في وقْتِ ما نَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَيْنِ الشَّجَرَةِ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ غَفَلَ عَنْهُ؛ لِأنَّ في الخَبَرِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ في الجَنَّةِ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ ثُمَّ أُخْرِجَ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ لا حاجَةَ هَهُنا إلى إثْباتِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَمَسَّكُوا بِالِاجْتِهادِ، فَإنّا بَيَّنّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَّرَ في مَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ أوْ أنَّهُ كانَ قَدْ عَرَفَها لَكِنَّهُ قَدْ نَسِيَها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كانَتِ الدَّلالَةُ قَطْعِيَّةً إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَسِيَها صارَ النِّسْيانُ عُذْرًا في أنْ لا يَصِيرَ الذَّنْبُ كَبِيرًا أوْ يُقالَ: كانَتْ ظَنِّيَّةً إلّا أنَّهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّشْدِيداتِ ما لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى خَطَأِ سائِرِ المُجْتَهِدِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، وكَما أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخْصُوصٌ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ في بابِ التَّشْدِيداتِ والتَّخْفِيفاتِ بِما لا يَثْبُتُ في حَقِّ الأُمَّةِ، فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في المَسْألَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ونَهاهُما مَعًا فَظَنَّ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ أنْ يَقْرَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ وأنْ يَتَناوَلَ مِنها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا﴾ نَهْيٌ لَهُما عَلى الجَمْعِ، ولا يَلْزَمُ مِن حُصُولِ النَّهْيِ حالَ الِاجْتِماعِ حُصُولُهُ حالَ الِانْفِرادِ، فَلَعَلَّ الخَطَأ في هَذا الِاجْتِهادِ إنَّما وقَعَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يُقالُ في هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ تَمَكَّنَ إبْلِيسُ مِن وسْوَسَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ خارِجَ الجَنَّةِ وآدَمَ كانَ في الجَنَّةِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قَوْلُ القُصّاصِ وهو الَّذِي رَوَوْهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ اليَمانِيِّ والسُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرِهِ: أنَّهُ لَمّا أرادَ إبْلِيسُ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ مَنَعَتْهُ الخَزَنَةُ فَأتى الحَيَّةَ وهي دابَّةٌ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ كَأنَّها البُخْتِيَّةُ، وهي كَأحْسَنِ الدَّوابِّ بَعْدَما عَرَضَ نَفْسَهُ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ فَما قَبِلَهُ واحِدٌ مِنها فابْتَلَعَتْهُ الحَيَّةُ وأدْخَلَتْهُ الجَنَّةَ خُفْيَةً مِنَ الخَزَنَةِ، فَلَمّا دَخَلَتِ الحَيَّةُ الجَنَّةَ خَرَجَ إبْلِيسُ مِن فَمِها واشْتَغَلَ بِالوَسْوَسَةِ. فَلا جَرَمَ لُعِنَتِ الحَيَّةُ وسَقَطَتْ قَوائِمُها وصارَتْ تَمْشِي عَلى بَطْنِها، وجُعِلَ رِزْقُها في التُّرابِ، وصارَتْ عَدُوًّا لِبَنِي آدَمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِمّا يَجِبُ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَوْ قَدَرَ عَلى الدُّخُولِ في فَمِ الحَيَّةِ فَلِمَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حَيَّةً ثُمَّ يَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ ولِأنَّهُ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بِالحَيَّةِ فَلِمَ عُوقِبَتِ الحَيَّةُ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ بِعاقِلَةٍ ولا مُكَلَّفَةٍ ؟ وثانِيها: أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ الجَنَّةَ في صُورَةِ دابَّةٍ، وهَذا القَوْلُ أقَلُّ فَسادًا مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: قالَ بَعْضُ أهْلِ الأُصُولِ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَعَلَّهُما كانا يَخْرُجانِ إلى بابِ الجَنَّةِ وإبْلِيسَ كانَ بِقُرْبِ البابِ ويُوَسْوِسُ إلَيْهِما. ورابِعُها: هو قَوْلُ الحَسَنِ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ في الأرْضِ وأوْصَلَ الوَسْوَسَةَ إلَيْهِما في الجَنَّةِ. قالَ بَعْضُهم: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ كَلامٌ خَفِيٌّ، والكَلامُ الخَفِيُّ لا يُمْكِنُ إيصالُهُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، واخْتَلَفُوا مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ إبْلِيسَ هَلْ باشَرَ خِطابَهُما أوْ يُقالُ: إنَّهُ أوْصَلَ الوَسْوَسَةَ إلَيْهِما عَلى لِسانِ بَعْضِ أتْباعِهِ صفحة ١٦ حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُشافَهَةَ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] . وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ كانا يَعْرِفانِهِ ويَعْرِفانِ ما عِنْدَهُ مِنَ الحَسَدِ والعَداوَةِ، فَيَسْتَحِيلُ في العادَةِ أنْ يَقْبَلا قَوْلَهُ وأنْ يَلْتَفِتا إلَيْهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُباشِرُ لِلْوَسْوَسَةِ مِن بَعْضِ أتْباعِ إبْلِيسَ. بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أضافَ هَذا الإزْلالَ إلى إبْلِيسَ فَلِمَ عاتَبَهُما عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ ؟ قُلْنا: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما﴾ أنَّهُما عِنْدَ وسْوَسَتِهِ أتَيا بِذَلِكَ الفِعْلِ فَأُضِيفَ ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ إبْلِيسَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، هَذا ما قالَهُ المُعْتَزِلَةُ. والتَّحْقِيقُ في هَذِهِ الإضافَةِ ما قَرَّرْناهُ مِرارًا أنَّ الإنْسانَ قادِرٌ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ ومَعَ التَّساوِي يَسْتَحِيلُ أنْ يَصِيرَ مَصْدَرًا لِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلّا عِنْدَ انْضِمامِ الدّاعِي إلَيْهِ، والدّاعِي عِبارَةٌ في حَقِّ العَبْدِ عَنْ عِلْمٍ أوْ ظَنٍّ أوِ اعْتِقادٍ بِكَوْنِ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى مَصْلَحَةٍ، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ العِلْمُ أوِ الظَّنُّ بِسَبَبٍ مُنَبِّهٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ كانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى ذَلِكَ لِما لِأجْلِهِ صارَ الفاعِلُ بِالقُوَّةِ فاعِلًا بِالفِعْلِ، فَلِهَذا المَعْنى انْضافَ الفِعْلُ هَهُنا إلى الوَسْوَسَةِ، وما أحْسَنَ ما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ زَلَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَبْ أنَّها كانَتْ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، فَمَعْصِيَةُ إبْلِيسَ حَصَلَتْ بِوَسْوَسَةٍ مِنّا، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ ما لَمْ يَحْصُلِ الدّاعِي لا يَحْصُلُ الفِعْلُ، وأنَّ الدَّواعِيَ وإنْ تَرَتَّبَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَلا بُدَّ مِنِ انْتِهائِها إلى ما يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً وهو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الوَسْوَسَةُ ؟ الجَوابُ: أنَّها هي الَّتِي حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، فَلَمْ يَقْبَلا ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا أيِسَ مِن ذَلِكَ عَدَلَ إلى اليَمِينِ عَلى ما قالَ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَلَ إلى شَيْءٍ آخَرَ وهو أنَّهُ شَغَلَهُما بِاسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ المُباحَةِ حَتّى صارا مُسْتَغْرِقَيْنِ فِيهِ فَحَصَلَ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِما فِيهِ نِسْيانُ النَّهْيِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَصَلَ ما حَصَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ كَيْفَ كانَتْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَن قالَ: إنَّ جَنَّةَ آدَمَ كانَتْ في السَّماءِ فَسَّرَ الهُبُوطَ بِالنُّزُولِ مِنَ العُلُوِّ إلى السُّفْلِ، ومَن قالَ: إنَّها كانَتْ في الأرْضِ فَسَّرَهُ بِالتَّحَوُّلِ مِن مَوْضِعٍ إلى غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ كانا مُخاطَبَيْنِ بِهِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، أنَّ إبْلِيسَ داخِلٌ فِيهِ أيْضًا، قالُوا: لِأنَّ إبْلِيسَ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ أيْ فَأزَلَّهُما وقُلْنا لَهُمُ اهْبِطُوا. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَهَذا تَعْرِيفٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُما ولِذُرِّيَّتِهِما كَما عَرَّفَهُما ذَلِكَ قَبْلَ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ فَقالَ: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا أبى مِنَ السُّجُودِ صارَ كافِرًا وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ وقِيلَ لَهُ: صفحة ١٧ ﴿اهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣]، وقالَ أيْضًا: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]، وإنَّما أُهْبِطَ مِنها لِأجْلِ تَكَبُّرِهِ، فَزَلَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهُبُوطِ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ، فَلَمّا حَصَلَ هُبُوطُ إبْلِيسَ قَبْلَ ذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطُوا﴾، مُتَناوِلًا لَهُ ؟ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْبَطَهُ إلى الأرْضِ فَلَعَلَّهُ عادَ إلى السَّماءِ مَرَّةً أُخْرى لِأجْلِ أنْ يُوَسْوِسَ إلى آدَمَ وحَوّاءَ فَحِينَ كانَ آدَمُ وحَوّاءُ في الجَنَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُما: ﴿اهْبِطا﴾ [طه: ١٢٣] فَلَمّا خَرَجا مِنَ الجَنَّةِ واجْتَمَعَ إبْلِيسُ مَعَهُما خارِجَ الجَنَّةِ أمَرَ الكُلَّ فَقالَ: ﴿اهْبِطُوا﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا﴾ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ قالَ ذَلِكَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى حِدَةٍ في وقْتٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّ المُكَلَّفِينَ هُمُ المَلائِكَةُ والجِنُّ والإنْسُ، ولِقائِلٍ أنْ يَمْنَعَ هَذا الإجْماعَ فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: قَدْ يَحْصُلُ في غَيْرِهِمْ جَمْعٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، وقالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] . الثّالِثُ: المُرادُ آدَمُ وحَوّاءُ وذُرِّيَّتُهُما؛ لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الإنْسِ جُعِلا كَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] . وهَذا حُكْمٌ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم، ومَعْنى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ التَّعادِي والتَّباغُضِ وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ ما كانُوا مَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَكَيْفَ يَتَناوَلُهُمُ الخِطابُ ؟ أمّا مَن زَعَمَ أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ فالسُّؤالُ زائِلٌ عَلى قَوْلِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطُوا﴾ أمْرٌ أوْ إباحَةٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ أمْرٌ؛ لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً؛ لِأنَّ مُفارَقَةَ ما كانا فِيهِ مِنَ الجَنَّةِ إلى مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ المَعِيشَةُ فِيهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ والكَدِّ مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ، وإذا ثَبَتَ هَذا بَطَلَ ما يُظَنُّ أنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ؛ لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ سَبَبٌ لِلثَّوابِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِقابًا مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ العَظِيمِ ؟ فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ في الحُدُودِ وكَثِيرٍ مِنَ الكَفّاراتِ: إنَّها عُقُوباتٌ وإنْ كانَتْ مِن بابِ التَّكالِيفِ، قُلْنا: أمّا الحُدُودُ فَهي واقِعَةٌ بِالمَحْدُودِ مِن فِعْلِ الغَيْرِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِقابًا إذا كانَ الرَّجُلُ مُصِرًّا، وأمّا الكَفّاراتُ فَإنَّما يُقالُ في بَعْضِها: إنَّهُ يَجْرِي مَجْرى العُقُوباتِ؛ لِأنَّها لا تَثْبُتُ إلّا مَعَ المَأْثَمِ. فَأمّا أنْ تَكُونَ عُقُوبَةً مَعَ كَوْنِها تَعْرِيضاتٍ لِلثَّوابِ العَظِيمِ فَلا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، أمْرٌ بِالهُبُوطِ ولَيْسَ أمْرًا بِالعَداوَةِ؛ لِأنَّ عَداوَةَ إبْلِيسَ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِسَبَبِ الحَسَدِ والِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ، واخْتِداعَهُ إيّاهُما حَتّى أخْرَجَهُما مِنَ الجَنَّةِ، وعَداوَتَهُ لِذُرِّيَّتِهِما بِإلْقاءِ الوَسْوَسَةِ والدَّعْوَةِ إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، فَأمّا عَداوَةُ آدَمَ لِإبْلِيسَ فَإنَّها مَأْمُورٌ بِها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ اهْبِطُوا مِنَ السَّماءِ وأنْتُمْ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُسْتَقَرُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢]، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَكانِ الَّذِي يُسْتَقَرُّ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ صفحة ١٨ [الفرقان: ٢٤]، وقالَ تَعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأكْثَرُونَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] [الأعراف: ٢٤]، عَلى المَكانِ، والمَعْنى أنَّها مُسْتَقَرُّكم حالَتَيِ الحَياةِ والمَوْتِ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: المُسْتَقَرُّ هو القَبْرُ، أيْ قُبُورُكم تَكُونُونَ فِيها. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ المَتاعَ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِحالِ الحَياةِ؛ ولِأنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِذَلِكَ عِنْدَ الإهْباطِ وذَلِكَ يَقْتَضِي حالَ الحَياةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الأعْرافِ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾، إلى آخِرِ الكَلامِ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ زِيادَةً عَلى الأوَّلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى الحِينِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلزَّمانِ، والأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ المُمْتَدُّ مِنَ الزَّمانِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: ما رَأيْتُكَ مُنْذُ حِينٍ إذا بَعُدَتْ مُشاهَدَتُهُ لَهُ ولا يُقالُ ذَلِكَ مَعَ قُرْبِ المُشاهَدَةِ، فَلَمّا كانَتْ أعْمارُ النّاسِ طَوِيلَةً، وآجالُهم عَنْ أوائِلِ حُدُوثِهِمْ مُتَباعِدَةً جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ . المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ تَحْذِيرًا عَظِيمًا عَنْ كُلِّ المَعاصِي مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَن تَصَوَّرَ ما جَرى عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى هَذِهِ الزَّلَّةِ الصَّغِيرَةِ، كانَ عَلى وجَلٍ شَدِيدٍ مِنَ المَعاصِي، قالَ الشّاعِرُ: يا ناظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ راقِدِ ومُشاهِدًا لِلْأمْرِ غَيْرَ مُشاهِدِ تَصِلُ الذُّنُوبَ إلى الذُّنُوبِ وتَرْتَجِي ∗∗∗ دَرْكَ الجِنانِ ونَيْلَ فَوْزِ العابِدِ أنْسِيتَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ آدَما ∗∗∗ مِنها إلى الدُّنْيا بِذَنْبٍ واحِدِ وعَنْ فَتْحٍ المَوْصِلِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنّا قَوْمًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَسَبانا إبْلِيسُ إلى الدُّنْيا، فَلَيْسَ لَنا إلّا الهَمُّ والحُزْنُ حَتّى نُرَدَّ إلى الدّارِ الَّتِي أُخْرِجْنا مِنها. وثانِيها: التَّحْذِيرُ عَنِ الِاسْتِكْبارِ والحَسَدِ والحِرْصِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، قالَ حَسَدَ عَدُوُّ اللَّهِ إبْلِيسُ آدَمَ عَلى ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ فَقالَ: أنا نارِيٌّ وهَذا طِينِيٌّ، ثُمَّ ألْقى الحِرْصَ في قَلْبِ آدَمَ حَتّى حَمَلَهُ عَلى ارْتِكابِ المَنهِيِّ عَنْهُ، ثُمَّ ألْقى الحَسَدَ في قَلْبِ قابِيلَ حَتّى قَتَلَ هابِيلَ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وإبْلِيسَ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ الحَذَرِ.

البقرة 2:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ: أصْلُ التَّلَقِّي هو التَّعَرُّضُ لِلِقاءٍ ثُمَّ يُوضَعُ في مَوْضِعِ الِاسْتِقْبالِ لِلشَّيْءِ الجائِي ثُمَّ يُوضَعُ مَوْضِعَ القَبُولِ والأخْذِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] صفحة ١٩ أيْ تُلَقَّنَهُ. ويُقالُ: تَلَقَّيْنا الحُجّاجَ أيِ اسْتَقْبَلْناهم. ويُقالُ: تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن فُلانٍ أيْ أخَذْتُها مِنهُ. وإذا كانَ هَذا أصْلَ الكَلِمَةِ وكانَ مَن تَلَقّى رَجُلًا فَتَلاقَيا لَقِيَ كُلُّ واحِدٍ صاحِبَهُ فَأُضِيفَ الِاجْتِماعُ إلَيْهِما مَعًا صَلُحَ أنْ يَشْتَرِكا في الوَصْفِ بِذَلِكَ، فَيُقالُ: كُلُّ ما تَلَقَّيْتَهُ فَقَدْ تَلَقّاكَ فَجازَ أنْ يُقالَ: تَلَقّى آدَمُ كَلِماتٍ أيْ: أخَذَها ووَعاها واسْتَقْبَلَها بِالقَبُولِ، وجازَ أنْ يُقالَ: تَلَّقى كَلِماتٌ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى جاءَتْهُ عَنِ اللَّهِ كَلِماتٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (الظّالِمُونَ) . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أعْلَنَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا بُدَّ وأنْ يَعْرِفَ ماهِيَّةَ التَّوْبَةِ ويَتَمَكَّنَ بِفِعْلِها مِن تَدارُكِ الذُّنُوبِ ويُمَيِّزَها عَنْ غَيْرِها فَضْلًا عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ الأُمُورِ: أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى المَعْصِيَةِ الواقِعَةِ مِنهُ عَلى وجْهٍ صارَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ التّائِبِينَ المُنِيبِينَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى عَرَّفَهُ وُجُوبَ التَّوْبَةِ وكَوْنَها مَقْبُولَةً لا مَحالَةَ عَلى مَعْنى أنَّ مَن أذْنَبَ ذَنَبًا صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا ثُمَّ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ وعَزَمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ فَإنِّي أتُوبُ عَلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾، أيْ أخَذَها وقَبِلَها وعَمِلَ بِها. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ العَظِيمَةِ عَلَيْهِ فَصارَ ذَلِكَ مِنَ الدَّواعِي القَوِيَّةِ إلى التَّوْبَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ كَلامًا لَوْ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ مَعَهُ لَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ حالِ التَّوْبَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ ما هي ؟ فَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ بِلا واسِطَةٍ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ تَرُدُّنِي إلى الجَنَّةِ ؟ قالَ: بَلى فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ وزادَ السُّدِّيُّ فِيهِ: يا رَبِّ هَلْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ ذَنْبًا ؟ قالَ: نَعَمْ. وثانِيها: قالَ النَّخَعِيُّ: أتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقُلْتُ: ما الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ ؟ قالَ: عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ وحَوّاءَ أمْرَ الحَجِّ فَحَجّا وهي الكَلِماتُ الَّتِي تُقالُ في الحَجِّ، فَلَمّا فَرَغا مِنَ الحَجِّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما بِأنِّي قَبِلْتُ تَوْبَتَكُما. وثالِثُها: قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُما هي قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . ورابِعُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: إنَّها قَوْلُهُ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ. لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ. وخامِسُها: قالَتْ عائِشَةُ لَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلى آدَمَ طافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، والبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْراءُ، فَلَمّا صَلّى رَكْعَتَيْنِ اسْتَقْبَلَ البَيْتَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وعَلانِيَتِي فاقْبَلْ مَعْذِرَتِي وتَعْلَمُ حاجَتِي فَأعْطِنِي سُؤْلِي، وتَعْلَمُ ما في نَفْسِي فاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي. اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ إيمانًا يُباشِرُ قَلْبِي ويَقِينًا صادِقًا حَتّى أعْلَمَ أنَّهُ لَنْ يُصِيبَنِي إلّا ما كَتَبْتَ لِي وأرْضى بِما قَسَمْتَ لِي. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى آدَمَ: يا آدَمُ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ذَنْبَكَ ولَنْ يَأْتِيَنِي أحَدٌ مِن ذُرِّيَّتِكَ فَيَدْعُوَنِي بِهَذا الدُّعاءِ الَّذِي دَعَوْتَنِي بِهِ إلّا غَفَرْتُ ذَنْبَهُ وكَشَفْتُ هُمُومَهُ وغُمُومَهُ ونَزَعْتُ الفَقْرَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ وجاءَتْهُ الدُّنْيا وهو لا يُرِيدُها. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ تَتَحَقَّقُ مِن ثَلاثَةِ أُمُورٍ مُتَرَتِّبَةٍ، عِلْمٌ وحالٌ وعَمَلٌ، فالعِلْمُ أوَّلُ، والحالُ ثانٍ والعَمَلُ ثالِثٌ، والأوَّلُ مُوجِبٌ لِلثّانِي، والثّانِي مُوجِبٌ لِلثّالِثِ إيجابًا اقْتَضَتْهُ سُنَّةُ اللَّهِ صفحة ٢٠ فِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ ما في الذَّنْبِ مِنَ الضَّرَرِ وكَوْنِهِ حِجابًا بَيْنَ العَبْدِ ورَحْمَةِ الرَّبِّ، فَإذا عَرَفَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً حَصَلَ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَواتِ المَحْبُوبِ، فَإنَّ القَلْبَ مَهْما شَعَرَ بِفَواتِ المَحْبُوبِ تَألَّمَ، فَإذا كانَ فَواتُهُ يُفْعَلُ مِن جِهَتِهِ تَأسَّفَ بِسَبَبِ فَواتِ المَحْبُوبِ عَلى الفِعْلِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِذَلِكَ الفَواتِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ التَّأسُّفُ نَدَمًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الألَمَ إذا تَأكَّدَ حَصَلَتْ مِنهُ إرادَةٌ جازِمَةٌ ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ وبِالمُسْتَقْبَلِ وبِالماضِي، أمّا تَعَلُّقُها بِالحالِ فَبِتَرْكِ الذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالمُسْتَقْبَلِ فالعَزْمُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمْرِ. وأمّا بِالماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ، فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهِ اليَقِينَ التّامَّ بِأنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ، فَهَذا اليَقِينُ نُورٌ وهَذا النُّورُ يُوجِبُ نارَ النَّدَمِ، فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ أبْصَرَ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ، وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَيَطْلُعُ النُّورُ عَلَيْهِ بِانْقِشاعِ السَّحابِ، فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَتَنْبَعِثُ مِن تِلْكَ النِّيرانِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ، فالعِلْمُ والنَّدَمُ والقَصْدُ المُتَعَلِّقُ بِالتَّرْكِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ والتَّلافِي لِلْماضِي ثَلاثَةُ مَعانٍ مُتَرَتِّبَةٌ في الحُصُولِ (عَلى التَّوْبَةِ) . ويُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلى مَجْمُوعِها وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلى مَعْنى النَّدَمِ وحْدَهُ ويُجْعَلُ العِلْمُ السّابِقُ كالمُقَدِّمَةِ، والتَّرْكُ كالثَّمَرَةِ والتّابِعِ المُتَأخِّرِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “، إذْ لا يَنْفَكُّ النَّدَمُ عَنْ عِلْمٍ أوْجَبَهُ وعَنْ عَزْمٍ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ النَّدَمُ مَحْفُوفًا بِطَرَفَيْهِ، أعْنِي مُثْمِرَهُ وثَمَرَتَهُ، فَهَذا هو الَّذِي لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ في حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وقالَ القَفّالُ: لا بُدَّ في التَّوْبَةِ مِن تَرْكِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، ومِنَ النَّدَمِ عَلى ما سَبَقَ ومِنَ العَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِهِ، ومِنَ الإشْفاقِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، أمّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّرْكِ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُتْرَكْ لَكانَ فاعِلًا لَهُ فَلا يَكُونُ تائِبًا، وأمّا النَّدَمُ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْدَمْ لَكانَ راضِيًا بِكَوْنِهِ فاعِلًا لَهُ، والرّاضِي بِالشَّيْءِ قَدْ يَفْعَلُهُ والفاعِلُ لِلشَّيْءِ لا يَكُونُ تائِبًا عَنْهُ، وأمّا العَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِهِ فَلِأنَّ فِعْلَهُ مَعْصِيَةٌ، والعَزْمُ عَلى المَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وأمّا الإشْفاقُ فَلِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ ولا سَبِيلَ لَهُ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ أتى بِالتَّوْبَةِ كَما لَزِمَهُ فَيَكُونُ خائِفًا، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “، واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أبْيَنُ وأدْخَلُ في التَّحْقِيقِ، إلّا أنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إشْكالٌ وهو أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الفِعْلِ الفُلانِيِّ ضَرَرًا مَعَ العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ صَدَرَ مِنهُ يُوجِبُ تَألُّمَ القَلْبِ، وذَلِكَ التَّألُّمُ يُوجِبُ إرادَةَ التَّرْكِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ وإرادَةَ تَلافِي ما حَصَلَ مِنهُ في الماضِي، وإذا كانَ بَعْضُ هَذِهِ الأشْياءِ مُرَتَّبًا عَلى البَعْضِ تَرَتُّبًا ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِهِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ. والحاصِلُ أنَّ الدّاخِلَ في الوُسْعِ لَيْسَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَأمّا ما عَداهُ فَلَيْسَ لِلِاخْتِيارِ إلَيْهِ سَبِيلٌ، لَكِنْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: تَحْصِيلُ العِلْمِ لَيْسَ أيْضًا في الوُسْعِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِبَعْضِ المَجْهُولاتِ لا يُمْكِنُ إلّا بِواسِطَةِ مَعْلُوماتٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلى ذَلِكَ المَجْهُولِ؛ فَتِلْكَ العُلُومُ الحاضِرَةُ المُتَوَسَّلُ بِها إلى اكْتِسابِ ذَلِكَ المَجْهُولِ إمّا أنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ المَجْهُولِ أوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَلْزِمَةً. فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ تَرَتُّبُ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ عَلى المُتَوَسَّلِ بِهِ ضَرُورِيًّا، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَكُنِ اسْتِنْتاجُ المَطْلُوبِ المَجْهُولِ عَنْ تِلْكَ المَعْلُوماتِ الحاضِرَةِ؛ لِأنَّ المُقَدِّماتِ القَرِيبَةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِحالٍ يَلْزَمُ مِن تَسْلِيمِها في الذِّهْنِ تَسْلِيمُ المَطْلُوبِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ المُقَدِّماتُ مُنْتِجَةً لِتِلْكَ النَّتِيجَةِ. فَإنْ صفحة ٢١ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ المُقَدِّماتُ وإنْ كانَتْ حاضِرَةً في الذِّهْنِ إلّا أنَّ كَيْفِيَّةَ التَّوَصُّلِ بِها إلى تِلْكَ النَّتِيجَةِ غَيْرُ حاضِرَةٍ في الذِّهْنِ، فَلا جَرَمَ لا يَلْزَمُ مِنَ العِلْمِ بِتِلْكَ المُقَدِّماتِ العِلْمُ بِتِلْكَ النَّتِيجَةِ لا مَحالَةَ ؟ قُلْنا: العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ التَّوَصُّلِ بِها إلى تِلْكَ النَّتِيجَةِ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ البَدِيهِيّاتِ أوْ مِنَ الكَسْبِيّاتِ، فَإنْ كانَ مِنَ البَدِيهِيّاتِ لَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ الكَسْبِيّاتِ كانَ القَوْلُ في كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِهِ كَما في الأوَّلِ، فَإمّا أنْ يُفْضِيَ إلى التَّسَلْسُلِ وهو مُحالٌ، أوْ يُفْضِيَ إلى أنْ يَصِيرَ مِن لَوازِمِهِ فَيَعُودَ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: سَألَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ نَفْسَهُ فَقالَ: إذا كانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَكَيْفَ تَلْزَمُ التَّوْبَةُ ؟ وأجابَ بِأنَّ أبا عَلِيٍّ قالَ: إنَّها تَلْزَمُهُ لِأنَّ المُكَلَّفَ مَتّى عَلِمَ أنَّهُ قَدْ عَصى لَمْ يُحَدَّ فِيما بَعْدُ، وهو مُخْتارٌ ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ نادِمًا أوْ مُصِرًّا لَكِنَّ الإصْرارَ قَبِيحٌ فَلا تَتِمُّ مُفارَقَتُهُ لِهَذا القَبِيحِ إلّا بِالتَّوْبَةِ، فَهي إذَنْ لازِمَةٌ سَواءٌ كانَتِ المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً وسَواءٌ ذَكَرَها وقَدْ تابَ عَنْها مِن قَبْلُ أوْ لَمْ يَتُبْ. أمّا أبُو هاشِمٍ فَإنَّهُ يُجَوِّزُ أنْ يَخْلُوَ العاصِي مِنَ التَّوْبَةِ والإصْرارِ ويَقُولُ: لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ واجِبَةً عَلى الأنْبِياءِ لِهَذا الوَجْهِ بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ واجِبَةً لِإحْدى خِلالٍ، فَإمّا أنْ تَجِبَ؛ لِأنَّ بِالصَّغِيرَةِ قَدْ نَقَصَ ثَوابُهم فَيَعُودُ ذَلِكَ النُّقْصانُ بِالتَّوْبَةِ؛ وإمّا لِأنَّ التَّوْبَةَ نازِلَةٌ مَنزِلَةَ التَّرْكِ، فَإذا كانَ التَّرْكُ واجِبًا عِنْدَ الإمْكانِ فَلا بُدَّ مِن وُجُوبِ التَّوْبَةِ مَعَ عَدَمِ الإمْكانِ، ورُبَّما قالَ: تَجِبُ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ السَّمْعِ، وهَذا هو الأصَحُّ عَلى قَوْلِهِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَجِبَ لِعَوْدِ الثَّوابِ الَّذِي هو المَنافِعُ فَقَطْ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَجُوزُ أنْ يَجِبَ لِأجْلِ جَلْبِ المَنافِعِ كَما لا تَجِبُ النَّوافِلُ بَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى صارَ أحَدُ أسْبابِ عِصْمَتِهِمُ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ في التَّوْبَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ وإنْ كانَتْ مَعاصِيهِمْ صَغِيرَةً. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القَفّالُ: أصْلُ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ كالأوْبَةِ، يُقالُ: تَوَبَ كَما يُقالُ: أوَبَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] فَقَوْلُهم: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا وتَوْبَةً ومَتابًا فَهو تائِبٌ وتَوّابٌ كَقَوْلِهِمْ: آبَ يَئُوبُ أوْبًا وأوْبَةً فَهو آيِبٌ وأوّابٌ، والتَّوْبَةُ لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها الرَّبُّ والعَبْدُ، فَإذا وُصِفَ بِها العَبْدُ فالمَعْنى رَجَعَ إلى رَبِّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ عاصٍ فَهو في مَعْنى الهارِبِ مِن رَبِّهِ، فَإذا تابَ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَرَبِهِ إلى رَبِّهِ فَيُقالُ: تابَ إلى رَبِّهِ، والرَّبُّ في هَذِهِ الحالَةِ كالمُعْرِضِ عَنْ عَبْدِهِ، وإذا وُصِفَ بِها الرَّبُّ تَعالى فالمَعْنى أنَّهُ رَجَعَ عَلى عَبْدِهِ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِاخْتِلافُ في الصِّلَةِ، فَقِيلَ في العَبْدِ: تابَ إلى رَبِّهِ. وفي الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ، وقَدْ يُفارِقُ الرَّجُلُ خِدْمَةَ رَئِيسٍ فَيَقْطَعُ الرَّئِيسُ مَعْرُوفَهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ يُراجِعُ خِدْمَتَهُ، فَيُقالُ: فُلانٌ عادَ إلى الأمِيرِ والأمِيرُ عادَ عَلَيْهِ بِإحْسانِهِ ومَعْرُوفِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَبُولُ التَّوْبَةِ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُثِيبَ عَلَيْها الثَّوابَ العَظِيمَ كَما أنَّ قَبُولَ الطّاعَةِ يُرادُ بِهِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: المُرادُ مِن وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّوّابِ المُبالَغَةُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ واحِدًا مِن مُلُوكِ الدُّنْيا مَتى جَنى عَلَيْهِ إنْسانٌ ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيْهِ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاعْتِذارَ، ثُمَّ إذا عادَ إلى الجِنايَةِ وإلى الِاعْتِذارِ مَرَّةً أُخْرى فَإنَّهُ لا يَقْبَلُهُ؛ لِأنَّ طَبْعَهُ يَمْنَعُهُ مِن قَبُولِ العُذْرِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ بِخِلافِ صفحة ٢٢ ذَلِكَ فَإنَّهُ إنَّما يَقْبَلُ التَّوْبَةَ لا لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى رِقَّةِ طَبْعٍ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ بَلْ إنَّما يَقْبَلُها لِمَحْضِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، فَلَوْ عَصى المُكَلَّفُ كُلَّ ساعَةٍ ثُمَّ تابَ وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ العُمْرَ الطَّوِيلَ لَكانَ اللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ما قَدْ سَلَفَ ويَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَصارَ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْمُبالَغَةِ في قَبُولِ التَّوْبَةِ فَوُصِفَ بِأنَّهُ تَعالى تَوّابٌ. الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَكْثُرُ عَدَدُهم فَإذا قَبِلَ تَوْبَةَ الجَمِيعِ اسْتَحَقَّ المُبالَغَةَ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ مَعَ إزالَةِ العِقابِ يَقْتَضِي حُصُولَ الثَّوابِ وكانَ الثَّوابُ مِن جِهَتِهِ نِعْمَةً ورَحْمَةً وصَفَ نَفْسَهُ مَعَ كَوْنِهِ تَوّابًا بِأنَّهُ رَحِيمٌ. * * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بِالتَّوْبَةِ في كُلٍّ حِينٍ وأوانٍ، لِما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ، أمّا الأحادِيثُ (أ) رُوِيَ أنَّ رَجُلًا سَألَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الرَّجُلِ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، فَقالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ: يَسْتَغْفِرُ أبَدًا حَتّى يَكُونَ الشَّيْطانُ هو الخاسِرَ فَيَقُولُ: لا طاقَةَ لِي مَعَهُ، وقالَ عَلِيٌّ: كُلَّما قَدَرْتَ أنْ تَطْرَحَهُ في ورْطَةٍ وتَتَخَلَّصَ مِنها فافْعَلْ. (ب) ورَوى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ يُصِرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . (ج) وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «تُوبُوا إلى رَبِّكم فَإنِّي أتُوبُ إلَيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» . (د) وأبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكم مِنَ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يا عَبّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» “ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحِ. (ه) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» “ . واعْلَمْ أنَّ الغَيْنَ شَيْءٌ يَغْشى القَلْبَ فَيُغَطِّيهِ بَعْضَ التَّغْطِيَةِ وهو كالغَيْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَعْرِضُ في الجَوِّ فَلا يَحْجُبُ عَنِ الشَّمْسِ ولَكِنْ يَمْنَعُ كَمالَ ضَوْئِها، ثُمَّ ذَكَرُوا لِهَذا الحَدِيثِ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلى ما يَكُونُ في أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ مِنَ الخِلافِ وما يُصِيبُهم، فَكانَ إذا ذَكَرَ ذَلِكَ وجَدَ غَيْمًا في قَلْبِهِ فاسْتَغْفَرَ لِأُمَّتِهِ. وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَنْتَقِلُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أرْفَعَ مِنَ الأُولى، فَكانَ الِاسْتِغْفارُ لِذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ الغَيْمَ عِبارَةٌ عَنِ السُّكْرِ الَّذِي كانَ يَلْحَقُهُ في طَرِيقِ المَحَبَّةِ حَتّى يَصِيرَ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَإذا عادَ إلى الصَّحْوِ كانَ الِاسْتِغْفارُ مِن ذَلِكَ الصَّحْوِ وهو تَأْوِيلُ أرْبابِ الحَقِيقَةِ. ورابِعُها: وهو تَأْوِيلُ أهْلِ الظّاهِرِ أنَّ القَلْبَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الخَطَراتِ والخَواطِرِ والشَّهَواتِ وأنْواعِ المَيْلِ والإراداتِ فَكانَ يَسْتَعِينُ بِالرَّبِّ تَعالى في دَفْعِ تِلْكَ الخَواطِرِ. (و) أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] إنَّهُ هو الرَّجُلُ يَعْمَلُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ ولا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ بِهِ ولا يَعُودَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو أنْ يَهْجُرَ الذَّنْبَ ويَعْزِمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا. (ز) قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى: يَقُولُ لِمَلائِكَتِهِ: ”«إذا هَمَّ عَبْدِي بِالحَسَنَةِ فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها بِعَشْرِ أمْثالِها، وإذا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَعَمِلَها فاكْتُبُوها سَيِّئَةً واحِدَةً فَإنْ تَرَكَها فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. (ح) رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو يَقُولُ: يا كَرِيمَ العَفْوِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: أوَ تَدْرِي ما كَرِيمُ العَفْوِ ؟ فَقالَ: لا يا جِبْرِيلُ. صفحة ٢٣ قالَ: أنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّيِّئَةِ ويَكْتُبَها حَسَنَةً. (ط) أبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَنِ اسْتَفْتَحَ أوَّلَ نَهارِهِ بِالخَيْرِ وخَتَمَهُ بِالخَيْرِ قالَ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ لا تَكْتُبُوا عَلى عَبْدِي ما بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ» “ . (ي) عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كانَ فِيمَن قَبْلَكم رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَألَ عَنْ أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ عَلى راهِبٍ فَأتاهُ فَقالَ إنَّهُ قَدْ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لِلْقاتِلِ مِن تَوْبَةٍ ؟ فَقالَ: لا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ المِائَةَ. ثُمَّ سَألَ عَنْ أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ عَلى رَجُلٍ عالِمٍ فَأتاهُ فَقالَ إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَقالَ: نَعَمْ ومَن يَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذا وكَذا فَإنَّ بِها ناسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى فاعْبُدْهُ مَعَهم ولا تَرْجِعْ إلى أرْضِكَ فَإنَّها أرْضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتّى أتى نِصْفَ الطَّرِيقِ فَأتاهُ المَوْتُ فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ، فَقالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جاءَ تائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَتْ مَلائِكَةُ العَذابِ: إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأتاهم مَلَكُ في صُورَةِ آدَمِيٍّ وتَوَسَّطَ بَيْنَهم فَقالَ: قِيسُوا ما بَيْنَ الأرْضِينَ فَإلى أيِّهِما كانَ أدْنى فَهو لَهُ فَقاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أدْنى إلى الأرْضِ الَّتِي أرادَ بِشِبْرٍ فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ (يا) ثابِتٌ البُنانِيُّ: بَلَغَنا أنَّ إبْلِيسَ قالَ: يا رَبِّ إنَّكَ خَلَقْتَ آدَمَ وجَعَلْتَ بَيْنِي وبَيْنَهُ عَداوَةً فَسَلِّطْنِي عَلَيْهِ وعَلى ولَدِهِ، فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (جَعَلْتُ صُدُورَهم مَساكِنَ لَكَ)، فَقالَ: رَبِّ زِدْنِي، فَقالَ: لا يُولَدُ ولَدٌ لِآدَمَ إلّا وُلِدَ لَكَ عَشْرَةٌ. قالَ: رَبِّ زِدْنِي. قالَ: تَجْرِي مِنهُ مَجْرى الدَّمِ. قالَ: رَبِّ زِدْنِي. قالَ: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، قالَ: فَعِنْدَها شَكا آدَمُ إبْلِيسَ إلى رَبِّهِ تَعالى فَقالَ: يا رَبِّ إنَّكَ خَلَقْتَ إبْلِيسَ وجَعَلْتَ بَيْنِي وبَيْنَهُ عَداوَةً وبَغْضاءَ وسَلَّطْتَهُ عَلَيَّ وعَلى ذُرِّيَّتِي وأنا لا أُطِيقُهُ إلّا بِكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لا يُولَدُ لَكَ ولَدٌ إلّا وكَّلْتُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِهِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ. قالَ: رَبِّ زِدْنِي. قالَ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها. قالَ: رَبِّ زِدْنِي. قالَ: لا أحْجُبُ عَنْ أحَدٍ مِن ولَدِكَ التَّوْبَةَ ما لَمْ يُغَرْغِرْ ”. (يب) أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ وبِالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. (يج) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ إذا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنهُ بِما شاءَ أنْ يَنْفَعَنِي، فَإذا حَدَّثَنِي أحَدٌ مِن أصْحابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإذا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وحَدَّثَنِي أبُو بَكْرٍ وصَدَقَ أبُو بَكْرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«ما مِن عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى إلّا غَفَرَ لَهُ» “ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٥] . (يد) أبُو أُمامَةَ قالَ: «بَيْنا أنا قاعِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ. قالَ: فَأعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى ثُمَّ خَرَجَ قالَ أبُو أُمامَةَ: فَكُنْتُ أمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والرَّجُلُ يَتْبَعُهُ ويَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ألَيْسَ حِينَ خَرَجْتَ مِن بَيْتِكَ تَوَضَّأْتَ فَأحْسَنْتَ الوُضُوءَ ؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ، قالَ: وشَهِدْتَ مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ أوْ قالَ ذَنْبَكَ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. (يه) عَبْدُ اللَّهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً مِن أقْصى المَدِينَةِ وإنِّي أصَبْتُ ماءً دُونَ أنْ أمَسَّها، فَها أنا ذا فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَقامَ الرَّجُلُ فانْطَلَقَ فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] . فَقالَ واحِدٌ مِنَ القَوْمِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَذا لَهُ خاصَّةً، قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً» . رَواهُ صفحة ٢٤ مُسْلِمٌ. (يو) أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ عَبْدًا أصابَ ذَنْبًا فَقالَ يا رَبِّ إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْ لِي فَقالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ أصابَ ذَنْبًا آخَرَ. فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فاغْفِرْهُ لِي، فَقالَ رَبُّهُ: إنَّ عَبْدِي عَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ أصابَ ذَنْبًا آخَرَ فَقالَ: يا رَبِّ أذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فاغْفِرْهُ لِي، فَقالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ» “ . أخْرَجاهُ في الصَّحِيحِ. (يز) أبُو بَكْرٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَمْ يُصِرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» “ . (يح) أبُو أيُّوبَ قالَ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُكم شَيْئًا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«لَوْلا أنَّكم تُذْنِبُونَ فَتَسْتَغْفِرُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى خَلْقًا يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. (يط) قالَ عَبْدُ اللَّهِ: «بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِساءٌ وفي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ التَفَّ عَلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي مَرَرْتُ بَغَيْضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْتُ فِيها أصْواتَ فِراخِ طائِرٍ فَأخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ في كِسائِي فَجاءَتْ أُمُّهُنَّ فاسْتَدارَتْ عَلى رَأْسِي فَكَشَفْتُ لَها عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ أُمُّهُنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ جَمِيعًا في كِسائِي فَهُنَّ مَعِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ضَعْهُنَّ عَنْكَ فَوَضَعْتُهُنَّ فَأبَتْ أُمُّهُنَّ إلّا لُزُومَهُنَّ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ أتَعْجَبُونَ لِرَحْمَةٍ أُمِّ الأفْراخِ بِفِراخِها ”، قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ أوْ قالَ فَوالَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيًّا لَلَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرْحَمُ بِعِبادِهِ مِن أُمِّ الأفْراخِ بِفِراخِها، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتّى تَضَعَهُنَّ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُنَّ وأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ فَرَجَعَ بِهِنَّ“» . (ك) عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ”«يا عِبادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي وجَعَلْتُهُ مُحَرَّمًا بَيْنَكم فَلا تَظالَمُوا. يا عِبادِي إنَّكم تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وأنا الَّذِي أغْفِرُ الذُّنُوبَ ولا أُبالِي فاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكم، يا عِبادِي كُلُّكم جائِعٌ إلّا مَن أطْعَمْتُهُ فاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكم، يا عِبادِي كُلُّكم عارٍ إلّا مَن كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسُكم، يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أتْقى رَجُلٍ مِنكم لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا، يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا، يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكُمُ اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنكم ما سَألَ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا إلّا كَما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ فِيهِ المِخْيَطُ غَمْسَةً واحِدَةً، يا عِبادِي إنَّما هي أعْمالُكم أحْفَظُها عَلَيْكم فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ» “ . قالَ: وكانَ أبُو إدْرِيسَ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ إعْظامًا لَهُ: وأمّا الآثارُ فَسُئِلَ ذُو النُّونِ عَنِ التَّوْبَةِ فَقالَ: إنَّها اسْمٌ جامِعٌ لِمَعانٍ سِتَّةٍ: أوَّلُهُنَّ: النَّدَمُ عَلى ما مَضى. الثّانِي: العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذُّنُوبِ في المُسْتَقْبَلِ. الثّالِثُ: أداءُ كُلِّ فَرِيضَةٍ ضَيَّعْتَها فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أداءُ المَظالِمِ إلى المَخْلُوقِينَ في أمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ. الخامِسُ: إذابَةُ كُلِّ لَحْمٍ ودَمٍ نَبَتَ مِنَ الحَرامِ. السّادِسُ: إذاقَةُ البَدَنِ ألَمَ الطّاعاتِ كَما ذاقَ حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ. وكانَ أحْمَدُ بْنُ حارِسٍ يَقُولُ: يا صاحِبَ الذُّنُوبِ ألَمْ يَأْنَ لَكَ أنْ تَتُوبَ، يا صاحِبَ الذُّنُوبِ إنَّ الذَّنْبَ في الدِّيوانِ مَكْتُوبٌ، يا صاحِبَ الذُّنُوبِ أنْتَ بِها في القَبْرِ مَكْرُوبٌ، يا صاحِبَ الذُّنُوبِ أنْتَ غَدًا بِالذُّنُوبِ مَطْلُوبٌ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: مِن فَوائِدِ الآيَةِ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنِ التَّوْبَةِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ فالواحِدُ مِنّا أوْلى بِذَلِكَ. صفحة ٢٥ الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ما ظَهَرَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البُكاءِ عَلى زَلَّتِهِ تَنْبِيهٌ لَنا أيْضًا؛ لِأنّا أحَقُّ بِالبُكاءِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ جُمِعَ بُكاءُ أهْلِ الدُّنْيا إلى بُكاءِ داوُدَ لَكانَ بُكاءُ داوُدَ أكْثَرَ، ولَوْ جُمِعَ بُكاءُ أهْلِ الدُّنْيا وبُكاءُ داوُدَ إلى بُكاءِ نُوحٍ لَكانَ بُكاءُ نُوحٍ أكْثَرَ، ولَوْ جُمِعَ بُكاءُ أهْلِ الدُّنْيا وبُكاءُ داوُدَ وبُكاءُ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ إلى بُكاءِ آدَمَ عَلى خَطِيئَتِهِ لَكانَ بُكاءُ آدَمَ أكْثَرَ» “ . المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إنَّما اكْتَفى اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ تَوْبَةِ آدَمَ دُونَ تَوْبَةِ حَوّاءَ لِأنَّها كانَتْ تَبَعًا لَهُ كَما طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ لِذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] .

البقرة 2:38

قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في فائِدَةِ تَكْرِيرِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الهُبُوطُ الأوَّلُ غَيْرُ الثّانِي، فالأوَّلُ مِنَ الجَنَّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيا. والثّانِي مِن سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ في الهُبُوطِ الأوَّلِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ فَلَوْ كانَ الِاسْتِقْرارُ في الأرْضِ إنَّما حَصَلَ بِالهُبُوطِ الثّانِي لَكانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦] عَقِيبَ الهُبُوطِ الثّانِي أوْلى. وثانِيهِما: أنَّهُ قالَ في الهُبُوطِ الثّانِي: ﴿اهْبِطُوا مِنها﴾ والضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ إلى الجَنَّةِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الهُبُوطِ الثّانِي مِنَ الجَنَّةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ التَّكْرِيرَ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ أقْوى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وهو أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ لَمّا أتَيا بِالزَّلَّةِ أُمِرا بِالهُبُوطِ فَتابا بَعْدَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، ووَقَعَ في قَلْبِهِما أنَّ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لَمّا كانَ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ فَبَعْدَ التَّوْبَةِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى الأمْرُ بِالهُبُوطِ فَأعادَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ بِالهُبُوطِ مَرَّةً ثانِيَةً لِيَعْلَما أنَّ الأمْرَ بِالهُبُوطِ ما كانَ جَزاءً عَلى ارْتِكابِ الزَّلَّةِ حَتّى يَزُولَ بِزَوالِها، بَلِ الأمْرُ بِالهُبُوطِ باقٍ بَعْدِ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِهِ كانَ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ المُتَقَدَّمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنْ قِيلَ: ما جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ، كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدَرْتُ أحْسَنْتُ إلَيْكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ بِالهِنْدِ، وحَوّاءَ بِجُدَّةَ، وإبْلِيسَ بِمَوْضِعٍ مِنَ البَصْرَةِ عَلى أمْيالٍ، والحَيَّةَ بِأصْفَهانَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في ”الهُدى“ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُرادُ مِنهُ كُلُّ دَلالَةٍ وبَيانٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ دَلِيلُ العَقْلِ، وكُلُّ كَلامٍ يَنْزِلُ عَلى نَبِيٍّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى آدَمَ وحَوّاءَ فَكَأنَّهُ قالَ: وإنْ أهْبَطْتُّكم مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ فَقَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكم بِما يُؤَدِّيكم مَرَّةً أُخْرى إلى الجَنَّةِ مَعَ الدَّوامِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. قالَ الحَسَنُ: صفحة ٢٦ لَمّا أُهْبِطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الأرْضِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا آدَمُ أرْبَعُ خِصالٍ فِيها كُلُّ الأمْرِ لَكَ ولِوَلَدِكَ: واحِدَةٌ لِي، وواحِدَةٌ لَكَ، وواحِدَةٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ، وواحِدَةٌ بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ، أمّا الَّتِي لِي فَتَعْبُدُنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، وأمّا الَّتِي لَكَ فَإذا عَمِلْتَ نِلْتَ أُجْرَتَكَ، وأمّا الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعاءُ وعَلَيَّ الإجابَةُ، وأمّا الَّتِي بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ فَأنْ تَصْحَبَهم بِما تُحِبُّ أنْ يَصْحَبُوكَ بِهِ. وثانِيها: ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ الهُدى الأنْبِياءُ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ غَيْرَ آدَمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا التَّأْوِيلُ يُوجِبُ تَخْصِيصَ المُخاطَبِينَ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ، وتَخْصِيصَ الهُدى بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ وهو الأنْبِياءُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ دَلَّ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هُداهُ بِحَقِّهِ عِلْمًا وعَمَلًا بِالإقْدامِ عَلى ما يَلْزَمُ والِاحْجامِ عَمّا يَحْرُمُ؛ فَإنَّهُ يَصِيرُ إلى حالٍ لا خَوْفَ فِيها ولا حُزْنَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ اخْتِصارِها تَجْمَعُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ المَعانِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ دَخَلَ فِيهِ الإنْعامُ بِجَمِيعِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ وزِياداتِ البَيانِ وجَمِيعِ ما لا يَتِمُّ ذَلِكَ إلّا بِهِ مِنَ العَقْلِ ووُجُوهِ التَّمَكُّنِ، وجَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ تَأمُّلَ الأدِلَّةِ بِحَقِّها والنَّظَرَ فِيها واسْتِنْتاجَ المَعارِفِ مِنها والعَمَلَ بِها، ويَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّ التَّكالِيفِ، وجَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ جَمِيعَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ؛ لِأنَّ زَوالَ الخَوْفِ يَتَضَمَّنُ السَّلامَةَ مِن جَمِيعِ الآفاتِ، وزَوالَ الحُزْنِ يَقْتَضِي الوُصُولَ إلى كُلِّ اللَّذّاتِ والمُراداتِ، وقَدَّمَ عَدَمَ الخَوْفِ عَلى عَدَمِ الحُزْنِ؛ لِأنَّ زَوالَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلى طَلَبِ ما يَنْبَغِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُكَلَّفَ الَّذِي أطاعَ اللَّهَ تَعالى لا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ في القَبْرِ ولا عِنْدَ البَعْثِ ولا عِنْدَ حُضُورِ المَوْقِفِ ولا عِنْدَ تَطايُرِ الكُتُبِ ولا عِنْدَ نَصْبِ المَوازِينِ ولا عِنْدَ الصِّراطِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ أهْوالَ القِيامَةِ كَما تَصِلُ إلى الكُفّارِ والفُسّاقِ تَصِلُ أيْضًا إلى المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] وأيْضًا فَإذا انْكَشَفَتْ تِلْكَ الأهْوالُ وصارُوا إلى الجَنَّةِ ورِضْوانِ اللَّهِ، صارَ ما تَقَدَّمَ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ رُبَّما كانَ زائِدًا في الِالتِذاذِ بِما يَجِدُهُ مِنَ النَّعِيمِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ أخَصُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أمامَهم فَلَيْسَ شَيْءٌ أعْظَمَ في صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ، فَأمَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ. ثُمَّ سَلاهم عَنِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى ما خَلَّفُوهُ بَعْدَ وفاتِهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما حَصَلا في الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِينَ أكْثَرَ مِن حُصُولِهِما لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فالمُؤْمِنُ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ أنَّهُ أتى بِالعِباداتِ كَما يَنْبَغِي، فَخَوْفُ التَّقْصِيرِ حاصِلٌ وأيْضًا فَخَوْفُ سُوءِ العاقِبَةِ حاصِلٌ، قُلْنا: قَرائِنُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُهُما في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا. ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا حِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] أيْ أذْهَبَ عَنّا ما كُنّا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ والإشْفاقِ في الدُّنْيا مِن أنْ تَفُوتَنا كَرامَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي نِلْناها الآنَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَدُلُّ صفحة ٢٧ عَلى أُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ الهُدى قَدْ يَثْبُتُ ولا اهْتِداءَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ . وثانِيها: بُطْلانُ القَوْلِ بِأنَّ المَعارِفَ ضَرُورِيَّةٌ. وثالِثُها: أنَّ بِاتِّباعِ الهُدى تُسْتَحَقُّ الجَنَّةَ. ورابِعُها: إبْطالُ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ المُقَلِّدَ لا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِلْهُدى.

البقرة 2:39

قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا وعَدَ اللَّهُ مُتَّبِعَ الهُدى بِالأمْنِ مِنَ العَذابِ والحُزْنِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَن أعَدَّ لَهُ العَذابَ الدّائِمَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ سَواءٌ كانُوا مِنَ الإنْسِ أوْ مِنَ الجِنِّ فَهم أصْحابُ العَذابِ الدّائِمِ. وأمّا الكَلامُ في أنَّ العَذابَ هَلْ يَحْسُنُ أمْ لا، وبِتَقْدِيرِ حُسْنِهِ فَهَلْ يَحْسُنُ دائِمًا أمْ لا ؟ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] وهَهُنا آخِرُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، وهي دالَّةٌ عَلى التَّوْحِيدِ مِن حَيْثُ إنَّ هَذِهِ النِّعَمَ أُمُورٌ حادِثَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن مُحْدِثٍ وعَلى النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أخْبَرَ عَنْها مُوافِقًا لِما كانَ مَوْجُودًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ ولا تَلْمَذَةٍ لِأحَدٍ، وعَلى المَعادِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى خَلْقِها إعادَةً، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

البقرة 2:40

القَوْلُ في النِّعَمِ الخاصَّةِ بِبَنِي إسْرائِيلَ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أقامَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ أوَّلًا ثُمَّ عَقَّبَها بِذِكْرِ الإنْعاماتِ العامَّةِ لِكُلِّ البَشَرِ عَقَّبَها بِذِكْرِ الإنْعاماتِ الخاصَّةِ عَلى أسْلافِ اليَهُودِ كَسْرًا لِعِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ بِتَذْكِيرِ النِّعَمِ السّالِفَةِ، واسْتِمالَةً لِقُلُوبِهِمْ بِسَبَبِها وتَنْبِيهًا عَلى ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن حَيْثُ كَوْنِها إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَّرَهم تِلْكَ النِّعَمَ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ وفَرَّعَ عَلى تَذْكِيرِها الأمْرَ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] ثُمَّ عَقَّبَها بِذِكْرِ الأُمُورِ الَّتِي تَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِهِ، ثُمَّ ذَكَّرَهم تِلْكَ النِّعَمَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ثانِيًا بِقَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ أرْدَفَ هَذا التَّذْكِيرَ بِالتَّرْغِيبِ البالِغِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ مَقْرُونًا بِالتَّرْهِيبِ البالِغِ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] إلى آخَرِ الآيَةِ، ثُمَّ شَرَعَ صفحة ٢٨ بَعْدَ ذَلِكَ في تَعْدِيدِ تِلْكَ النِّعَمِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ومَن تَأمَّلَ وأنْصَفَ عَلِمَ أنَّ هَذا هو النِّهايَةُ في حُسْنِ التَّرْتِيبِ لِمَن يُرِيدُ الدَّعْوَةَ وتَحْصِيلَ الِاعْتِقادِ في قَلْبِ المُسْتَمِعِ. وإذْ قَدْ حَقَّقْنا هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَلْنَتَكَلَّمِ الآنَ في التَّفْسِيرِ بِعَوْنِ اللَّهِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ: (المَسْألَةُ الأُولى): اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ إسْرائِيلَ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ ويَقُولُونَ: إنَّ مَعْنى إسْرائِيلَ عَبْدُ اللَّهِ؛ لِأنَّ ”إسْرا“ في لُغَتِهِمْ هو العَبْدُ و”إيلُ“ هو اللَّهُ، وكَذَلِكَ جِبْرِيلُ وهو عَبْدُ اللَّهِ ومِيكائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ. قالَ القَفّالُ: قِيلَ إنْ ”إسْرا“ بِالعِبْرانِيَّةِ في مَعْنى إنْسانٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَجُلُ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ خِطابٌ مَعَ جَماعَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أيّامِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): حَدُّ النِّعْمَةِ أنَّها المَنفَعَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُوَلَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، قالُوا: وإنَّما زِدْنا هَذا؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لَمْ يُسْتَحَقَّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقَّ الشُّكْرَ بِالإحْسانِ وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا؛ لِأنَّ جِهَةَ اسْتِحْقاقِ الشُّكْرِ غَيْرُ جِهَةِ اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والعِقابِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما ؟ ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ بِإنْعامِهِ والذَّمَّ بِمَعْصِيَتِهِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ هَهُنا أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟ ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الحَدِّ فَنَقُولُ: أمّا قَوْلُنا: المَنفَعَةُ؛ فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ؛ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا وقَصَدَ الفاعِلُ نَفْعَ نَفْسِهِ لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها، أوْ أرادَ اسْتِدْراجَهُ إلى ضَرَرٍ واخْتِداعِهِ كَمَن أطْعَمَ خَبِيصًا مَسْمُومًا لِيُهْلِكَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِعْمَةً، فَأمّا إذا كانَتِ المَنفَعَةُ مَفْعُولَةً عَلى قَصْدِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ كانَتْ نِعْمَةً. إذا عَرَفْتَ حَدَّ النِّعْمَةِ فَلْنُفَرِّعْ عَلَيْهِ فُرُوعًا: الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلَيْنا آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ثُمَّ إنَّ النِّعْمَةَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: نِعْمَةٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِها نَحْوَ أنْ خَلَقَ ورَزَقَ. وثانِيها: نِعْمَةٌ وصَلَتْ إلَيْنا مِن جِهَةِ غَيْرِهِ بِأنْ خَلَقَها وخَلَقَ المُنْعِمَ ومَكَّنَهُ مِنَ الإنْعامِ، وخَلَقَ فِيهِ قُدْرَةَ الإنْعامِ وداعِيَتَهُ، ووَفَّقَهُ عَلَيْهِ وهَداهُ إلَيْهِ، فَهَذِهِ النِّعْمَةُ في الحَقِيقَةِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أجْراها عَلى يَدِ عَبْدِهِ كانَ ذَلِكَ العَبْدُ مَشْكُورًا، ولَكِنَّ المَشْكُورَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا قالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَبَدَأ بِنَفْسِهِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ» “ . وثالِثُها: نِعْمَةٌ وصَلَتْ إلَيْنا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ طاعاتِنا، وهي أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وفَّقَنا عَلى الطّاعاتِ وأعانَنا عَلَيْها وهَدانا إلَيْها وأزاحَ الأعْذارَ وإلّا لَما وصَلْنا إلى شَيْءٍ مِنها، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] . صفحة ٢٩ الفَرْعُ الثّانِي: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبِيدِهِ مِمّا لا يُمْكِنُ عَدُّها وحَصْرُها عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] وإنَّما لا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أُودِعَ فِينا مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ الَّتِي نَنْتَفِعُ بِها والجَوارِحِ والأعْضاءِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ وما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى في العالَمِ مِمّا يُلْتَذُّ بِهِ ويُسْتَدَلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وما وُجِدَ في العالَمِ مِمّا يَحْصُلُ الِانْزِجارُ بِرُؤْيَتِهِ عَنِ المَعاصِي مِمّا لا يُحْصى عَدَدُهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مَنافِعُ؛ لِأنَّ المَنفَعَةَ هي اللَّذَّةُ أوْ ما يَكُونُ وسِيلَةً إلى اللَّذَّةِ، وجَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما يُلْتَذُّ بِهِ نِعْمَةٌ، وكُلُّ ما يُلْتَذُّ بِهِ وهو وسِيلَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ فَهو كَذَلِكَ، والَّذِي لا يَكُونُ جالِبًا لِلنَّفْعِ الحاضِرِ ولا دافِعًا لِلضَّرَرِ الحاضِرِ فَهو صالِحٌ لِأنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَيَقَعُ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى مَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ وهُما وسِيلَتانِ إلى اللَّذّاتِ الأبَدِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ نِعَمٌ عَلى العَبِيدِ، ولَمّا كانَتِ العُقُولُ قاصِرَةً عَنْ تَعْدِيدِ ما في أقَلِّ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ والحِكَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الإحاطَةُ بِكُلِّ ما في العالَمِ مِنَ المَنافِعِ والحِكَمِ، فَصَحَّ بِهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتِ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ وما لا يَتَناهى لا يَحْصُلُ العِلْمُ بِهِ في حَقِّ العَبْدِ فَكَيْفَ أمَرَ بِتَذَكُّرِها في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والجَوابُ أنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأشْخاصِ إلّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ بِحَسَبِ الأجْناسِ، وذَلِكَ يَكْفِي في التَّذْكِيرِ الَّذِي يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ والثَّناءِ والطّاعَةِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عَلى إيصالِ النِّعْمَةِ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِحَمْدِ الحامِدِينَ؛ ولِهَذا قالَ في ذَمِّ الأصْنامِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] وقالَ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥] . الفَرْعُ الثّالِثُ: أنَّ أوَّلَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى عَبِيدِهِ هو أنْ خَلَقَهم أحْياءً والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إلى آخِرِ الآيَةِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ أصْلَ النِّعَمِ الحَياةُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوَّلَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ فَإنَّما ذَكَرَ الحَياةَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَها سائِرَ النِّعَمِ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ لِيُبَيِّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن حَياةِ الدُّنْيا حَياةُ الآخِرَةِ والثَّوابُ. وبَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ ما خَلَقَ قِسْمانِ مُنْتَفِعٌ ومُنْتَفَعٌ بِهِ، هَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنَّهُ سُبْحانَهُ كَما خَلَقَ المَنافِعَ خَلَقَ المَضارَّ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، ولِهَذا سَمّى نَفْسَهُ ”النّافِعَ الضّارَّ“ ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. الفَرْعُ الرّابِعُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْعَمَ عَلى المُكَلَّفِينَ بِنِعْمَةِ الدُّنْيا ونِعْمَةِ الدِّينِ، وسَوّى بَيْنِ الجَمِيعِ في النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، أمّا في النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ فَلِأنَّ كُلَّ ما كانَ في المَقْدُورِ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَ بِهِمْ، والَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ فَغَيْرُ داخِلٍ في القُدْرَةِ، إذْ لَوْ قَدَرَ عَلى لُطْفٍ لَمْ يَفْعَلْهُ بِالمُكَلَّفِ لَبَقِيَ عُذْرُ المُكَلَّفِ، وأمّا في الدُّنْيا فَعَلى قَوْلِ البَغْدادِيِّينَ خاصَّةً؛ لِأنَّ عِنْدَهم يَجِبُ رِعايَةُ الأصْلَحِ في الدُّنْيا وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجِبُ. وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكافِرَ لِلنّارِ ولِعَذابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلى الكافِرِ في الدُّنْيا ؟ فَمِنهم مَن قالَ: هَذِهِ النِّعَمُ القَلِيلَةُ في الدُّنْيا لَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى الضَّرَرِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِعْمَةً عَلى الكافِرِ في الدُّنْيا، فَإنَّ مَن جَعَلَ السُّمَّ في الحَلْوى لَمْ يَعُدَّ النَّفْعَ الحاصِلَ مِن أكْلِ الحَلْوى نِعْمَةً لَمّا صفحة ٣٠ كانَ ذَلِكَ سَبِيلًا إلى الضَّرَرِ العَظِيمِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يُنْعِمْ عَلى الكافِرِ بِنِعْمَةِ الدِّينِ فَلَقَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الدُّنْيا، وهو قَوْلُ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهَذا القَوْلُ أصْوَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الكُلِّ طاعَتُهُ لِمَكانِ هَذِهِ النِّعَمِ وهي نِعْمَةُ الخَلْقِ والرِّزْقِ. ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلى آخِرِهِ، وذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ وشَرْحِ النِّعَمِ ولَوْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ لَما صَحَّ ذَلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢] وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْعَمَ عَلى الكافِرِ، إذِ المُخاطَبُ بِذَلِكَ هم أهْلُ الكِتابِ وكانُوا مِنَ الكُفّارِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١] وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] . وكُلُّ ذَلِكَ عَدٌّ لِلنِّعَمِ عَلى العَبِيدِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ [الأنعام: ٦] . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ﴾ [الأنعام: ٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] . وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، وقالَ في قِصَّةِ إبْلِيسَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ لَما كانَ لِهَذا القَوْلِ فائِدَةٌ. وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ٧٤] الآيَةَ، وقالَ حاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وقالَ حاكِيًا عَنْ مُوسى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠] . وثامِنُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ [الأنفال: ٥٣] وهَذا صَرِيحٌ. وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] . وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٢١] . الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها﴾ [يونس: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] . صفحة ٣١ الثّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] . وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] . الثّالِثَ عَشَرَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨] . الرّابِعَ عَشَرَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢] . الخامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ النِّعْمَةِ في حَقِّ الكُفّارِ. واعْلَمْ أنَّ الخِلافَ في هَذِهِ المَسْألَةِ راجِعٌ إلى العِبارَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أعْنِي الحَياةَ والعَقْلَ والسَّمْعَ والبَصَرَ وأنْواعَ الرِّزْقِ والمَنافِعِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ إنَّما الخِلافُ في أنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَنافِعِ إذا حَصَلَ عَقِيبَها تِلْكَ المَضارُّ الأبَدِيَّةُ هَلْ يُطْلَقُ في العُرْفِ عَلَيْها اسْمُ النِّعْمَةِ أمْ لا ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ نِزاعٌ في مُجَرَّدِ عِبارَةٍ، وأمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ ما لا يَلْتَذُّ بِهِ المُكَلَّفُ فَهو تَعالى إنَّما خَلَقَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ وعَلى لُطْفِهِ وإحْسانِهِ فَأُمُورٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ( أتى أمْرُ اللَّهِ): ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ولِأجْلِ الدَّعْوَةِ إلى وحْدانِيَّتِهِ والإيمانِ بِتَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] فَبَيَّنَ أنَّ حُدُوثَ العَبْدِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الكُفْرِ مَن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو انْقِلابُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَنْتَهِيَ مِن أخَسِّ أحْوالِهِ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى أشْرَفِ أحْوالِهِ وهو كَوْنُهُ خَصِيمًا مُبِينًا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وُجُوهَ إنْعامِهِ فَقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] بَيَّنَ بِذَلِكَ الرَّدِّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ وأصْحابِ الطَّبائِعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الماءَ واحِدٌ والتُّرابَ واحِدٌ ومَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الألْوانُ والطُّعُومُ والرَّوائِحُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ [النحل: ١٢] بَيَّنَ بِهِ الرَّدَّ عَلى المُنَجِّمِينَ وأصْحابِ الأفْلاكِ حَيْثُ اسْتُدِلَّ بِحَرَكاتِها وبِكَوْنِها مُسَخَّرَةً عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ عَلى حُدُوثِها، فَأثْبَتَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مَخْلُوقٌ لِأجْلِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مِمّا يُغايِرُ ذاتَ المُكَلَّفِ لَيْسَ يَخْلُو مِن أنْ يَلْتَذَّ بِهِ المُكَلَّفُ ويَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ سُرُورٌ أوْ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ كُلْفَةً أوْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ اعْتِبارٌ، نَحْوَ الأجْسامِ المُؤْذِيَةِ كالحَيّاتِ والعَقارِبِ فَيَتَذَكَّرُ بِالنَّظَرِ إلَيْها أنْواعَ العِقابِ في الآخِرَةِ فَيَحْتَرِزُ مِنها، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى المُنْعِمِ الأعْظَمِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَنْ هَذِهِ المَنافِعِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبَّهَ عَلى عِظَمِ إنْعامِهِ بِهَذِهِ الأشْياءِ في آخِرِ هَذِهِ الآياتِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ﴾ صفحة ٣٢ ﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ كَوْنَ النِّعْمَةِ واصِلَةً إلَيْهِمْ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرانُها سَبَبًا لِلتَّبْدِيلِ، وثالِثُها: قَوْلُهُ في قِصَّةِ قارُونَ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] وقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] وقالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ، وكُلُّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ فَهو مِنَ النِّعَمِ، إمّا في الدِّينِ أوْ في الدُّنْيا، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البابِ. * * * (المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): في النِّعَمِ المَخْصُوصَةِ بِبَنِي إسْرائِيلَ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: عَبِيدُ النِّعَمِ كَثِيرُونَ وعَبِيدُ المُنْعِمِ قَلِيلُونَ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَّرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ولَمّا آلَ الأمْرُ إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ذَكَّرَهم بِالمُنْعِمِ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى فَضْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سائِرِ الأُمَمِ. واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كَثِيرَةٌ (أ) اسْتَنْقَذَهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وأبْدَلَهم مِن ذَلِكَ بِتَمْكِينِهِمْ في الأرْضِ وتَخْلِيصِهِمْ مِنَ العُبُودِيَّةِ كَما قالَ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥] . (ب) جَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ فَأهْلَكَ أعْداءَهم وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم كَما قالَ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] (ج) أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ العَظِيمَةَ الَّتِي ما أنْزَلَها عَلى أُمَّةٍ سِواهم كَما قالَ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] . (د) رَوى هِشامٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مِن نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ نَجّاهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ وظَلَّلَ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ الغَمامَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى في التِّيهِ وأعْطاهُمُ الحَجَرَ الَّذِي كانَ كَرَأْسِ الرَّجُلِ يَسْقِيهِمْ ما شاءُوا مِنَ الماءِ مَتى أرادُوا، فَإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ رَفَعُوهُ فاحْتَبَسَ الماءُ عَنْهم وأعْطاهم عَمُودًا مِنَ النُّورِ لِيُضِيءَ لَهم بِاللَّيْلِ، وكانَتْ رُءُوسُهم لا تَتَشَعَّثُ وثِيابُهم لا تَبْلى. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما ذَكَّرَهم بِهَذِهِ النِّعَمِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ في جُمْلَةِ النِّعَمِ ما يَشْهَدُ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ. وثانِيها: أنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُوجِبُ عِظَمَ المَعْصِيَةِ فَذَكَّرَهم تِلْكَ النِّعَمَ لِكَيْ يَحْذَرُوا مُخالَفَةَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ. وثالِثُها: أنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ يُوجِبُ الحَياءَ عَنْ إظْهارِ المُخالَفَةِ. ورابِعُها: أنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ يُفِيدُ أنَّ المُنْعِمَ خَصَّهم مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ بِها، ومَن خَصَّ أحَدًا بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يُزِيلُها عَنْهم لِما قِيلَ: إتْمامُ المَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنَ ابْتِدائِهِ فَكَأنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ السّالِفَةِ يُطْمِعُ في النِّعَمِ الآتِيَةِ، وذَلِكَ الطَّمَعُ مانِعٌ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ والمُخاصَمَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ النِّعَمُ ما كانَتْ عَلى المُخاطَبِينَ بَلْ كانَتْ عَلى آبائِهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ نِعَمًا عَلَيْهِمْ وسَبَبًا لِعِظَمِ مَعْصِيَتِهِمْ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لَوْلا هَذِهِ النِّعَمُ عَلى آبائِهِمْ لَما بَقُوا فَما كانَ يَحْصُلُ هَذا النَّسْلُ فَصارَتِ النِّعَمُ عَلى الآباءِ كَأنَّها نِعَمٌ عَلى الأبْناءِ. صفحة ٣٣ . وثانِيها: أنَّ الِانْتِسابَ إلى الآباءِ وقَدْ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ في حَقِّ الأوْلادِ. وثالِثُها: الأوْلادُ مَتى سَمِعُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ آباءَهم بِهَذِهِ النِّعَمِ لِمَكانِ طاعَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الكُفْرِ والجُحُودِ رَغِبَ الوَلَدُ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ مَجْبُولٌ عَلى التَّشَبُّهِ بِالأبِ في أفْعالِ الخَيْرِ، فَيَصِيرُ هَذا التَّذْكِيرُ داعِيًا إلى الِاشْتِغالِ بِالخَيْراتِ والإعْراضِ عَنِ الشُّرُورِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَهْدَ يُضافُ إلى المُعاهِدِ والمُعاهَدِ جَمِيعًا وذَكَرُوا في هَذا العَهْدِ قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ جَمِيعُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِبَعْضِ التَّكالِيفِ دُونَ بَعْضٍ ثُمَّ فِيهِ رِواياتٌ، إحْداها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَعْرِيفَهُ إيّاهم نِعَمَهُ عَهْدًا لَهُ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ يَلْزَمُهُمُ القِيامُ بِشُكْرِها، كَما يَلْزَمُهُمُ الوَفاءُ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ، وقَوْلُهُ: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أرادَ بِهِ الثَّوابَ والمَغْفِرَةَ، فَجَعَلَ الوَعْدَ بِالثَّوابِ شَبِيهًا بِالعَهْدِ مِن حَيْثُ اشْتِراكُهُما في أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ. ثانِيها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾ [المائدة: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] فَمَن وفّى لِلَّهِ بِعَهْدِهِ وفّى اللَّهُ لَهُ بِعَهْدِهِ. وثالِثُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ أوْفُوا بِما أمَرْتُكم بِهِ مِنَ الطّاعاتِ ونَهَيْتُكم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي أُوفِ بِعَهْدِكم، أيْ أرْضى عَنْكم وأُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ، وهو الَّذِي حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَحْقِيقُهُ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَهْدِ ما أثْبَتَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِن وصْفِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّهُ سَيَبْعَثُهُ عَلى ما صَرَّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] وقالَ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وأمّا عَهْدُ اللَّهِ مَعَهم فَهو أنْ يُنْجِزَ لَهم ما وعَدَهم مِن وضْعِ ما كانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإصْرِ والأغْلالِ الَّتِي كانَتْ في أعْناقِهِمْ، وقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. وقالَ: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَهِدَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنِّي باعِثٌ مِن بَنِي إسْماعِيلَ نَبِيًّا أُمِّيًّا فَمَن تَبِعَهُ وصَدَّقَ بِالنُّورِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ - أيْ بِالقُرْآنِ - غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَهُ وأدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ وجَعَلْتُ لَهُ أجْرَيْنِ، أجْرًا بِاتِّباعِ ما جاءَ بِهِ مُوسى وجاءَتْ بِهِ سائِرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأجْرًا بِاتِّباعِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وتَصْدِيقُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] وكانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى يَقُولُ: تَصْدِيقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٣٤ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] وتَصْدِيقُهُ أيْضًا فِيما رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِعِيسى ثُمَّ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ أدَّبَ أمَتَهُ فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها وعَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها ثُمَّ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ سَيِّدَهُ فَلَهُ أجْرانِ» “ بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن جَماعَتِهِمْ جَحْدَهُ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا العِلْمَ كانَ حاصِلًا عِنْدَ العُلَماءِ بِكُتُبِهِمْ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ العَدَدُ الكَثِيرُ فَجازَ مِنهم كِتْمانُهُ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ النَّصَّ كانَ نَصًّا خَفِيًّا لا جَلِيًّا فَجازَ وُقُوعُ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ فِيهِ. السُّؤالُ الثّانِي: الشَّخْصُ المُبَشَّرُ بِهِ في هَذِهِ الكُتُبِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الكُتُبِ وقْتُ خُرُوجِهِ ومَكانُ خُرُوجِهِ وسائِرُ التَّفاصِيلِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ أوْ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ النَّصُّ نَصًّا جَلِيًّا وارِدًا في كُتُبٍ مَنقُولَةٍ إلى أهْلِ العِلْمِ بِالتَّواتُرِ فَكانَ يَمْتَنِعُ قُدْرَتُهم عَلى الكِتْمانِ، وكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ. وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ النَّصُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِاحْتِمالِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ ذَلِكَ المُبَشَّرَ بِهِ سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ما هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ. والجَوابُ أنَّ الَّذِينَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ عَلى الأمْرِ بِالتَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما شَرَحْناهُ في القَوْلِ الأوَّلِ إنَّما اخْتارُوهُ لِقُوَّةِ هَذا السُّؤالِ، فَأمّا مَن أرادَ أنْ يَنْصُرَ القَوْلَ الثّانِيَ فَإنَّهُ يُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ تَعْيِينَ الزَّمانِ والمَكانِ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ نَصًّا جَلِيًّا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، بَلْ كانَ مَنصُوصًا عَلَيْهِ نَصًّا خَفِيًّا، فَلا جَرَمَ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولْنَذْكُرِ الآنَ بَعْضَ ما جاءَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ: فالأوَّلُ: جاءَ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ هاجَرَ لَمّا غَضِبَتْ عَلَيْها سارَّةُ تَراءى لَها مَلَكٌ [ مِن قِبَلِ ] اللَّهِ فَقالَ لَها: يا هاجَرُ أيْنَ تُرِيدِينَ، ومِن أيْنَ أقْبَلْتِ ؟ قالَتْ: أهْرُبُ مِن سَيِّدَتِي سارَّةَ فَقالَ لَها: ارْجِعِي إلى سَيِّدَتِكِ واخْفِضِي لَها فَإنَّ اللَّهَ سَيُكْثِرُ زَرْعَكِ، وذُرِّيَّتَكِ وسَتَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا وتُسَمِّينَهُ إسْماعِيلَ مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ سَمِعَ تَبَتُّلَكِ وخُشُوعَكِ وهو يَكُونُ عَيْنَ النّاسِ وتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الجَمِيعِ ويَدُ الجَمِيعِ مَبْسُوطَةٌ إلَيْهِ بِالخُضُوعِ وهو يَشْكُرُ عَلى رَغْمِ جَمِيعِ إخْوَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ البِشارَةِ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَ المَلَكُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالظُّلْمِ والجَوْرِ وبِأمْرٍ لا يَتِمُّ إلّا بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ ووَلَدَهُ لَمْ يَكُونُوا مُتَصَرِّفِينَ في الكُلِّ أعْنِي في مُعْظَمِ الدُّنْيا ومُعْظَمِ الأُمَمِ، ولا كانُوا مُخالِطِينَ لِلْكُلِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِيلاءِ إلّا بِالإسْلامِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ مَحْصُورِينَ في البادِيَةِ لا يَتَجاسَرُونَ عَلى الدُّخُولِ في أوائِلِالعِراقِ وأوائِلِ الشّامِ إلّا عَلى أتَمِّ خَوْفٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ اسْتَوْلَوْا عَلى الشَّرْقِ والغَرْبِ بِالإسْلامِ ومازَجُوا الأُمَمَ ووَطِئُوا بِلادَهم، ومازَجَتْهُمُ الأُمَمُ وحَجُّوا بَيْتَهم ودَخَلُوا بادِيَتَهم بِسَبَبِ مُجاوَرَةِ الكَعْبَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ صادِقًا لَكانَتْ هَذِهِ المُخالَطَةُ مِنهم لِلْأُمَمِ ومِنَ الأُمَمِ لَهم مَعْصِيَةً لِلَّهِ تَعالى وخُرُوجًا عَنْ طاعَتِهِ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، واللَّهُ يَتَعالى عَنْ أنْ يُبَشِّرَ بِما هَذا سَبِيلُهُ. والثّانِي: جاءَ في الفَصْلِ الحادِي عَشَرَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ: ”إنَّ الرَّبَّ إلَهَكم يُقِيمُ لَكم نَبِيًّا مِثْلِي مِن صفحة ٣٥ بَيْنِكم ومِن إخْوانِكم“، وفي هَذا الفَصْلِ أنَّ الرَّبَّ تَعالى قالَ لِمُوسى: ”إنِّي مُقِيمٌ لَهم نَبِيًّا مِثْلَكَ مِن بَيْنِ إخْوانِهِمْ، وأيُّما رَجُلٍ لَمْ يَسْمَعْ كَلِماتِي الَّتِي يُؤَدِّيها عَنِّي ذَلِكَ الرَّجُلُ بِاسْمِي أنا أنْتَقِمُ مِنهُ“ . وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ الَّذِي يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كَما أنَّ مَن قالَ لِبَنِي هاشِمٍ: إنَّهُ سَيَكُونُ مِن إخْوانِكم إمامٌ، عَقَلَ أنَّهُ لا يَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ، ثُمَّ إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو إسْرائِيلُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أخٌ إلّا العِيصَ، ولَمْ يَكُنْ لِلْعِيصِ ولَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ سِوى أيُّوبَ وإنَّهُ كانَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُبَشِّرًا بِهِ، وأمّا إسْماعِيلُ فَإنَّهُ كانَ أخًا لِإسْحَقَ والِدِ يَعْقُوبَ ثُمَّ إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَ مُوسى كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مِنهم لَكِنَّهُ كانَ مِن إخْوانِهِمْ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ الَّذِي هو أخُو إسْحَقَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ”مِن بَيْنِكم“ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُمْ مِن بَيْنِ بَنِي إسْرائِيلَ. قُلْنا: بَلْ قَدْ قامَ مِن بَيْنِهِمْ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهَرَ بِالحِجازِ فَبُعِثَ بِمَكَّةَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ وبِها تَكامَلَ أمْرُهُ. وقَدْ كانَ حَوْلَ المَدِينَةِ بِلادُ اليَهُودِ كَخَيْبَرَ وبَنِي قَيْنُقاعَ والنَّضِيرِ وغَيْرِهِمْ، وأيْضًا فَإنَّ الحِجازَ يُقارِبُ الشّامَ، وجُمْهُورُ اليَهُودِ كانُوا إذْ ذاكَ بِالشّامِ، فَإذا قامَ مُحَمَّدٌ بِالحِجازِ فَقَدْ قامَ مِن بَيْنِهِمْ، وأيْضًا فَإنَّهُ إذا كانَ مِن إخْوانِهِمْ فَقَدْ قامَ مِن بَيْنِهِمْ فَإنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنهم. والثّالِثُ: قالَ في الفَصْلِ العِشْرِينَ مِن هَذا السِّفْرِ: ”إنَّ الرَّبَّ تَعالى جاءَ في طُورِ سَيْناءَ وطَلَعَ لَنا مِن ساعِيرَ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ وصَفَّ عَنْ يَمِينِهِ عُنْوانَ القِدِّيسِينَ فَمَنَحَهُمُ العِزَّ وحَبَّبَهم إلى الشُّعُوبِ ودَعا لِجَمِيعِ قِدِّيسِيهِ بِالبَرَكَةِ“ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ جَبَلَ فارانَ هو بِالحِجازِ؛ لِأنَّ في التَّوْراةِ أنَّ إسْماعِيلَ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما سَكَنَ بِمَكَّةَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ”فَمَنَحَهُمُ العِزَّ“ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ سُكْنى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ عِزٌّ ولا اجْتَمَعَ هُناكَ رَبَواتُ القِدِّيسِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَتِ اليَهُودُ: المُرادُ أنَّ النّارَ لَمّا ظَهَرَتْ مِن طُورِ سَيْناءَ ظَهَرَتْ مِن ساعِيرَ نارٌ أيْضًا، ومِن جَبَلِ فارانَ أيْضًا، فانْتَشَرَتْ في هَذِهِ المَواضِعِ. قُلْنا: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ خَلَقَ نارًا في مَوْضِعٍ فَإنَّهُ لا يُقالُ جاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ إذا تابَعَ ذَلِكَ الواقِعَةَ وحْيٌ نَزَلَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ أوْ عُقُوبَةٌ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وعِنْدَكم أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ ظُهُورَ النّارِ وحْيٌ ولا كَلامٌ إلّا مِن طُورِ سَيْناءَ فَما كانَ يَنْبَغِي إلّا أنْ يُقالَ: ظَهَرَ مِن ساعِيرَ ومِن جَبَلِ فارانَ فَلا يَجُوزُ وُرُودُهُ كَما لا يُقالُ جاءَ اللَّهُ مِنَ الغَمامِ إذا ظَهَرَ في الغَمامِ احْتِراقٌ ونِيرانٌ كَما يَتَّفِقُ ذَلِكَ في أيّامِ الرَّبِيعِ، وأيْضًا فَفي كِتابِ حَبْقُوقَ بَيانُ ما قُلْنا وهو: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ والقُدْسِ مِن جَبَلِ فارانَ، وانْكَشَفَتِ السَّماءُ مِن بَهاءِ مُحَمَّدٍ وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِن حَمْدِهِ. يَكُونُ شُعاعُ مَنظَرِهِ مِثْلَ النُّورِ يَحْفَظُ بَلَدَهُ بِعِزِّهِ، تَسِيرُ المَنايا أمامَهُ، ويَصْحَبُ سِباعُ الطَّيْرِ أجْنادَهُ، قامَ فَمَسَحَ الأرْضَ، وتَأمَّلَ الأُمَمَ وبَحَثَ عَنْها فَتَضَعْضَعَتِ الجِبالُ القَدِيمَةُ، واتَّضَعَتِ الرَّوابِي والدَّهْرِيَّةُ، وتَزَعْزَعَتْ سُتُورُ أهْلِ مَدْيَنَ، ورَكِبْتَ الخُيُولَ، وعَلَوْتَ مَراكِبَ الِانْقِيادِ والغَوْثِ، وسَتَنْزِعُ في قِسِيِّكَ إغْراقًا ونَزْعًا، وتَرْتَوِي السِّهامُ بِأمْرِكَ يا مُحَمَّدُ ارْتِواءً، وتَخُورُ الأرْضُ بِالأنْهارِ، ولَقَدْ رَأتْكَ الجِبالُ فارْتاعَتْ وانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، ونَفَرَتِ المَهارِي نَفِيرًا ورُعْبًا، ورَفَعَتْ أيْدِيَها وجَلًا وفَرَقًا، وتَوَقَّفَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ عَنْ مَجْراهُما، وسارَتِ العَساكِرُ في بَرْقِ سِهامِكَ ولَمَعانِ بَيانِكَ تُدَوِّخُ الأرْضَ غَضَبًا وتَدُوسُ الأُمَمَ زَجْرًا؛ لِأنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلاصِ أُمَّتِكَ وإنْقاذِ تُرابِ آبائِكَ ”. هَكَذا نُقِلَ عَنِ ابْنِ رَزِينٍ الطَّبَرِيِّ. أمّا النَّصارى فَقالَ أبُو الحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ الغَرَرِ قَدْ رَأيْتُ في نُقُولِهِمْ:“ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ لَقَدْ تَقَطَّعَتِ السَّماءُ مِن بَهاءِ مُحَمَّدٍ المَحْمُودِ وتَرْتَوِي السِّهامُ بِأمْرِكَ المَحْمُودِ؛ لِأنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلاصِ صفحة ٣٦ أُمَّتِكَ وإنْقاذِ مَسِيحِكَ ”، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في التَّوْراةِ:“ ظَهَرَ الرَّبُّ مِن جِبالِ فارانَ ”لَيْسَ مَعْناهُ ظُهُورُ النّارِ مِنهُ بَلْ مَعْناهُ ظُهُورُ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وما ذاكَ إلّا رَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ . فَإنْ قالُوا: المُرادُ مَجِيءُ اللَّهِ تَعالى ولِهَذا قالَ في آخِرِ الكَلامِ:“ وإنْقاذِ مَسِيحِكَ ”قُلْنا: لا يَجُوزُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَرْكَبُ الخُيُولَ، وبِأنَّ شُعاعَ مَنظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ، وبِأنَّهُ جازَ المَشاعِرَ القَدِيمَةَ، أمّا قَوْلُهُ: (وإنْقاذِ مَسِيحِكِ) فَإنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنْقَذَ المَسِيحَ مِن كَذِبِ اليَهُودِ والنَّصارى. والرّابِعُ: ما جاءَ في كِتابِ أشْعِياءَ في الفَصْلِ الثّانِي والعِشْرِينَ مِنهُ:“ قُومِي فَأزْهِرِي مِصْباحَكِ - يُرِيدُ مَكَّةَ - فَقَدْ دَنا وقْتُكِ، وكَرامَةُ اللَّهِ تَعالى طالِعَةٌ عَلَيْكِ، فَقَدْ تَجَلَّلَ الأرْضَ الظَّلامُ وغَطّى عَلى الأُمَمِ الضَّبابُ، والرَّبُّ يُشْرِقُ عَلَيْكِ إشْراقًا ويُظْهِرُ كَرامَتَهُ عَلَيْكِ تَسِيرُ الأُمَمُ إلى نُورِكِ والمُلُوكُ إلى ضَوْءِ طُلُوعِكِ وارْفَعِي بَصَرَكِ إلى ما حَوْلَكِ وتَأمَّلِي فَإنَّهم مُسْتَجْمَعُونَ عِنْدَكِ، ويَحُجُّونَكِ ويَأْتِيكِ ولَدُكِ مِن بَلَدٍ بَعِيدٍ لِأنَّكِ أُمُّ القُرى، فَأوْلادُ سائِرِ البِلادِ كَأنَّهم أوْلادُ مَكَّةَ، وتَتَزَيَّنُ ثِيابُكِ عَلى الأرائِكِ والسُّرُرِ حِينَ تَرَيْنَ ذَلِكَ تُسَرِّينَ وتَبْتَهِجِينَ مِن أجْلِ أنَّهُ يَمِيلُ إلَيْكِ ذَخائِرُ البَحْرِ، ويَحُجُّ إلَيْكِ عَساكِرُ الأُمَمِ، ويُساقُ إلَيْكِ كِباشُ مَدْيَنَ، ويَأْتِيكِ أهْلُ سَبَأٍ ويَتَحَدَّثُونَ بِنِعَمِ اللَّهِ ويُمَجِّدُونَهُ، وتَسِيرُ إلَيْكِ أغْنامُ فارانَ، ويُرْفَعُ إلى مَذْبَحِي ما يُرْضِينِي، وأُحْدِثُ حِينَئِذٍ لِبَيْتِ مَحْمَدَتِي حَمْدًا ”فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها مَوْجُودَةٌ لِمَكَّةَ، فَإنَّهُ قَدْ حَجَّ إلَيْها عَساكِرُ الأُمَمِ، ومالَ إلَيْها ذَخائِرُ البَحْرِ، وقَوْلُهُ:“ وأُحْدِثُ لِبَيْتِ مَحْمَدَتِي حَمْدًا ”مَعْناهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تُلَبِّي قَبْلَ الإسْلامِ فَتَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. ثُمَّ صارَ في الإسْلامِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. فَهَذا هو الحَمْدُ الَّذِي جَدَّدَهُ اللَّهُ لِبَيْتِ مَحْمَدَتِهِ. فَإنْ قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ بَيْتُ المَقْدِسِ وسَيَكُونُ ذَلِكَ فِيما بَعْدُ. قُلْنا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ:“ قَدْ دَنا وقْتُكِ ”مَعَ أنَّهُ ما دَنا بَلِ الَّذِي دَنا أمْرٌ لا يُوافِقُ رِضاهُ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُحَذِّرُ مِنهُ، وأيْضًا فَإنَّ كِتابَ أشْعِياءَ مَمْلُوءٌ مِن ذِكْرِ البادِيَةِ وصِفَتِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهم. والخامِسُ: رَوى السَّمّانُ في تَفْسِيرِهِ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ:“ قَدْ أجَبْتُ دُعاكَ في إسْماعِيلَ وبارَكْتُ عَلَيْهِ فَكَبَّرْتُهُ وعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا وسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا وأجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ ”والِاسْتِدْلالُ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ولَدِ إسْماعِيلَ مَن كانَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ غَيْرَ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَأمّا دُعاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإسْماعِيلَ فَكانَ لِرَسُولِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَرَغا مِن بِناءِ الكَعْبَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] ولِهَذا كانَ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى» ”وهو قَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فَإنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَمْدِ والِاسْمُ المُشْتَقُّ مِنَ الحَمْدِ لَيْسَ إلّا لِنَبِيِّنا فَإنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ ومَحْمُودٌ. قِيلَ إنَّ صِفَتَهُ في التَّوْراةِ أنَّ مَوْلِدَهُ بِمَكَّةَ، ومَسْكَنَهُ بِطِيبَةَ، ومُلْكَهُ بِالشّامِ، وأُمَّتَهُ الحَمّادُونَ. والسّادِسُ: قالَ المَسِيحُ لِلْحَوارِيِّينَ:“ أنا أذْهَبُ وسَيَأْتِيكُمُ الفارْقَلِيطْ رَوُحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ إنَّما يَقُولُ كَما يُقالُ لَهُ ”وتَصْدِيقُ ذَلِكَ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] أمّا“ الفارْقَلِيطْ ”فَفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشّافِعُ المُشَفَّعُ، وهَذا أيْضًا صِفَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. الثّانِي: قالَ بَعْضُ النَّصارى: الفارْقَلِيطْ هو صفحة ٣٧ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وكانَ في الأصْلِ فارُوقٌ كَما يُقالُ راوُوقٌ لِلَّذِي يُرَوَّقُ بِهِ وأمّا“ لِيطْ ”فَهو التَّحْقِيقُ في الأمْرِ كَما يُقالُ شَيْبٌ أشْيَبُ ذُو شَيْبٍ، وهَذا أيْضًا صِفَةُ شَرْعِنا؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. والسّابِعُ: قالَ دانْيالُ لِبُخْتَنَصَّرَ حِينَ سَألَهُ عَنِ الرُّؤْيا الَّتِي كانَ رَآها مِن غَيْرِ أنْ قَصَّها عَلَيْهِ: رَأيْتَ أيُّها المَلِكُ مَنظَرًا هائِلًا رَأْسُهُ مِنَ الذَّهَبِ الأبْرِيزِ، وساعِدُهُ مِنَ الفِضَّةِ، وبَطْنُهُ وفَخِذاهُ مِن نُحاسٍ، وساقاهُ مِن حَدِيدٍ وبَعْضُها مِن خَزَفٍ، ورَأيْتَ حَجَرًا يَقْطَعُ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وصَكَّ رِجْلَ ذَلِكَ الصَّنَمَ ودَقَّها دَقًّا شَدِيدًا فَتَفَتَّتَ الصَّنَمُ كُلُّهُ حَدِيدُهُ ونُحاسُهُ وفِضَّتُهُ وذَهَبُهُ وصارَتْ رُفاتًا، وعَصَفَتْ بِها الرِّياحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَها أثَرٌ، وصارَ ذَلِكَ الحَجَرُ الَّذِي صَكَّ ذَلِكَ الرِّجْلَ مِن ذَلِكَ الصَّنَمِ جَبَلًا عالِيًا امْتَلَأتْ بِهِ الأرْضُ فَهَذا رُؤْياكَ أيُّها المَلِكُ. وأمّا تَفْسِيرُها فَأنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ ويَقُومُ بَعْدَكَ مَمْلَكَةٌ أُخْرى دُونَكَ، والمَمْلَكَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي تُشْبِهُ النُّحاسَ تَنْبَسِطُ عَلى الأرْضِ كُلِّها، والمَمْلَكَةُ الرّابِعَةُ تَكُونُ قُوَّتُها مِثْلَ الحَدِيدِ، وأمّا الرِّجْلُ الَّتِي كانَ بَعْضُها مِن خَزَفٍ فَإنَّ بَعْضَ المَمْلَكَةِ يَكُونُ عَزِيزًا وبَعْضَها يَكُونُ ذَلِيلًا، وتَكُونُ كَلِمَةُ المُلْكِ مُتَفَرِّقَةً، ويُقِيمُ إلَهُ السَّماءِ في تِلْكَ الأيّامِ مَمْلَكَةً أبَدِيَّةً لا تَتَغَيَّرُ ولا تَزُولُ وإنَّها تُزِيلُ جَمِيعَ المَمالِكِ وسُلْطانُها يُبْطِلُ جَمِيعَ السَّلاطِينِ وتَقُومُ هي إلى الدَّهْرِ الدّاهِرِ، فَهَذا تَفْسِيرُ الحَجَرِ الَّذِي رَأيْتَ أنَّهُ يَقْطَعُ مِن جَبَلٍ بِلا قاطِعٍ حَتّى دَقَّ الحَدِيدَ والنُّحاسَ والخَزَفَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ. فَهَذِهِ هي البِشاراتُ الوارِدَةُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِمَبْعَثِ رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ العَهْدُ هو ما دَلَّ العَقْلُ عَلَيْهِ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِبُ عَلَيْهِ إيصالُ الثَّوابِ إلى المُطِيعِ وصَحَّ وصْفُ ذَلِكَ الوُجُوبِ بِالعَهْدِ؛ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ فَكانَ ذَلِكَ أوْكَدَ مِنَ العَهْدِ بِالإيجابِ بِالنَّذْرِ واليَمِينِ: وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ النِّعَمِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ دَلَّ عَلى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ السّالِفَةَ تُوجِبُ عَهْدَ العُبُودِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ أداءُ العِباداتِ أداءً لِما وجَبَ بِسَبَبِ النِّعَمِ السّالِفَةِ وأداءُ الواجِبِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِواجِبٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ أداءَ التَّكالِيفِ لا يُوجِبُ الثَّوابَ فَبَطَلَ قَوْلُالمُعْتَزِلَةِ بَلِ التَّفْسِيرُ الحَقُّ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ بِالثَّوابِ - وكُلُّ ما وعَدَ بِهِ اسْتَحالَ أنْ لا يُوجَدَ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لانْقَلَبَ خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا والكَذِبُ عَلَيْهِ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ - فَكانَ ذَلِكَ واجِبَ الوُقُوعِ فَكانَ ذَلِكَ آكَدَ مِمّا ثَبَتَ بِاليَمِينِ والنَّذْرِ. الثّانِي: أنْ يُقالَ العَهْدُ هو الأمْرُ والعَبْدُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَرى في ذَلِكَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الرَّهْبَةَ هي الخَوْفُ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الخَوْفُ مِنهُ تَعالى هو الخَوْفُ مِن عِقابِهِ، وقَدْ يُقالُ في المُكَلَّفِ: إنَّهُ خائِفٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعَ العِلْمِ، والآخَرُ مَعَ الظَّنِّ، أمّا العِلْمُ فَإذا كانَ عَلى يَقِينٍ مِن أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ واحْتَرَزَ عَنْ كُلِّ ما نُهِيَ عَنْهُ فَإنَّ خَوْفَهُ إنَّما يَكُونُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وعَلى هَذا نَصِفُ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالخَوْفِ والرَّهْبَةِ. قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وأمّا الظَّنُّ فَإذا لَمْ يَقْطَعْ بِأنَّهُ فَعَلَ صفحة ٣٨ المَأْمُوراتِ واحْتَرَزَ عَنِ المَنهِيّاتِ، فَحِينَئِذٍ يَخافُ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ خَوْفُهُ في الدُّنْيا أشَدَّ كانَ أمْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرَ وبِالعَكْسِ. رُوِيَ:“ «أنَّهُ يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ وعِزَّتِي وجَلالِي إنِّي لا أجْمَعُ عَلى عَبْدِي خَوْفَيْنِ ولا أمْنَيْنِ مَن أمِنَنِي في الدُّنْيا خَوَّفْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن خافَنِي في الدُّنْيا أمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ» " وقالَ العارِفُونَ: الخَوْفُ خَوْفانِ: خَوْفُ العِقابِ وخَوْفُ الجَلالِ. والأوَّلُ: نَصِيبُ أهْلِ الظّاهِرِ، والثّانِي: نَصِيبُ أهْلِ القَلْبِ، والأوَّلُ يَزُولُ، والثّانِي لا يَزُولُ. واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُعَظِّمُ المَعْصِيَةَ، ودَلالَةً عَلى ما تَقَدَّمَ العَهْدُ يُعَظِّمُ المُخالَفَةَ ودَلالَةً عَلى أنَّ الرَّسُولَ كَما كانَ مَبْعُوثًا إلى العَرَبِ كانَ مَبْعُوثًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ يَجِبُ أنْ لا يَخافَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى، وكَما يَجِبُ ذَلِكَ في الخَوْفِ فَكَذا في الرَّجاءِ والأمَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ إذْ لَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ لَوَجَبَ أنْ يُخافَ مِنهُ كَما يُخافُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الحَصْرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ لا يَرْهَبَ إلّا نَفْسَهُ؛ لِأنَّ مَفاتِيحَ الثَّوابِ والعِقابِ بِيَدِهِ لا بِيَدِ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ لا يَخافَ إلّا نَفْسَهُ، وأنْ لا يَخافَ اللَّهَ ألْبَتَّةَ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَأْتِيَ بِالطّاعاتِ لِلْخَوْفِ والرَّجاءِ، وأنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ مِنهُ في صِحَّتِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أنْزَلْتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، الأقْوى أنَّهُ القُرْآنُ وعَلَيْهِ دَلِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] . والثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مِنَ الكُتُبِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ مِن كِتابٍ ورَسُولٍ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّ في القُرْآنِ أنَّ مُوسى وعِيسى حَقٌّ، وأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ حَقٌّ، وأنَّ التَّوْراةَ أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، والإنْجِيلَ عَلى عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَكانَ الإيمانُ بِالقُرْآنِ مُؤَكِّدًا لِلْإيمانِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في الإيمانِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَآمِنُوا بِالقُرْآنِ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يُؤَكِّدُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والثّانِي: أنَّهُ حَصَلَتِ البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَكَأنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ تَصْدِيقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ والقُرْآنِ تَكْذِيبٌ صفحة ٣٩ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى؛ لِأنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا يَلْزَمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخْبِرًا عَنْ كَوْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ حَقًّا لا يَجِبُ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ؛ أمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ إذا اشْتَمَلا عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا، فالإيمانُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ يُوجِبُ الإيمانَ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ صادِقًا لا مَحالَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في وُجُوبِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ شَهادَةَ كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكُونُ إلّا حَقًّا. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ كُتُبِهِمْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ الوَحْيِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فَمَعْناهُ أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ أوْ أوَّلَ فَرِيقٍ أوْ فَوْجٍ كافِرٍ بِهِ أوْ ولا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ. ثُمَّ فِيهِ سُؤْلانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جُعِلُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ وقَدْ سَبَقَهم إلى الكُفْرِ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا تَعْرِيفٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ؛ ولِأنَّهم كانُوا هُمُ المُبَشِّرُونَ بِزَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ والمُسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ . [البقرة: ٨٩] . وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولا تَكُونُوا مِثْلَ أوَّلِ كافِرٍ بِهِ يَعْنِي مَن أشْرَكَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أيْ ولا تَكُونُوا -وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ- مِثْلَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ وهو مُشْرِكٌ لا كِتابَ لَهُ. وثالِثُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِالقُرْآنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَتْ قُرَيْشٌ كَفَرُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. ورابِعُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، يَعْنِي بِكِتابِكم يَقُولُ ذَلِكَ لِعُلَمائِهِمْ: أيْ ولا تَكُونُوا أوَّلَ أحَدٍ مِن أُمَّتِكم كَذَلِكَ كِتابُكم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ يُوجِبُ تَكْذِيبَكم بِكِتابِكم. وخامِسُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ تَغْلِيظِ كُفْرِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِهِ عَرَفُوا البِشاراتِ الوارِدَةَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَقْدَمِهِ، فَكانَ كُفْرُهم أشَدَّ مِن كُفْرِ مَن لَمْ يَعْرِفْ إلّا نَوْعًا واحِدًا مِنَ الدَّلِيلِ، والسّابِقُ إلى الكُفْرِ يَكُونُ أعْظَمَ ذَنْبًا مِمَّنْ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» “ فَلَمّا كانَ كَفْرُهم عَظِيمًا وكُفْرُ مَن كانَ سابِقًا في الكُفْرِ عَظِيمًا فَقَدِ اشْتَرَكا مِن هَذا الوَجْهِ فَصَحَّ إطْلاقُ اسْمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وسادِسُها: المَعْنى ولا تَكُونُوا أوَّلَ مَن جَحَدَ مَعَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُفْرَ قُرَيْشٍ كانَ مَعَ الجَهْلِ لا مَعَ المَعْرِفَةِ. وسابِعُها: أوَّلَ كافِرٍ بِهِ مِنَ اليَهُودِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وبِها قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ فَكَفَرُوا بِهِ، ثُمَّ تَتابَعَتْ سائِرُ اليَهُودِ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوَّلُ مَن كَفَرَ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] أيْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ. وثامِنُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ عِنْدَ سَماعِكم بِذِكْرِهِ بَلْ تَثَبَّتُوا فِيهِ وراجِعُوا عُقُولَكم فِيهِ. وتاسِعُها: أنَّ لَفْظَ: ”أوَّلَ“ صِلَةٌ والمَعْنى ولا تَكُونُوا كافِرِينَ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ لَهُمِ الكُفْرُ إذْ لَمْ يَكُونُوا أوَّلًا، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ تِلْكَ الشَّيْءِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما عَداهُ بِخِلافِهِ. وثانِيها: أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّ كُفْرَهم أوَّلًا وآخِرًا مَحْظُورٌ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ عَمَدٍ لا يَرَوْنَها. وقَوْلَهُ: ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥] لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ قَتْلِ الأنْبِياءِ بِحَقٍّ. وقَوْلُهُ: عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ الكَثِيرِ، فَكَذا هَهُنا، بَلِ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السِّياقَةِ اسْتِعْظامُ وُقُوعِ الجَحْدِ والإنْكارِ مِمَّنْ قَرَأ في الكُتُبِ نَعْتَ رَسُولِ صفحة ٤٠ اللَّهِ ﷺ وصِفَتَهُ. ورابِعُها: قالَ المُبَرِّدُ: هَذا الكَلامُ خِطابٌ لِقَوْمٍ خُوطِبُوا بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: لا تَكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ فَإنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَكُمُ الكُفّارُ فَلا تَكُونُوا أنْتُمْ أوَّلَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأوَّلِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الإثْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا سَبَقُوا إلى الكُفْرِ فَإمّا أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ غَيْرُهم في ذَلِكَ الكُفْرِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ فَإنِ اقْتَدى بِهِمْ غَيْرُهم في ذَلِكَ الكُفْرِ كانَ لَهم وِزْرُ ذَلِكَ الكُفْرِ ووِزْرُ كُلِّ مَن كَفَرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ لَمْ يَقْتَدِ بِهِمْ غَيْرُهُمُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أمْرانِ: أحَدُهُما: السَّبْقُ إلى الكُفْرِ. والثّانِي: التَّفَرُّدُ بِهِ، ولا شَكَّ في أنَّهُ مَنقَصَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]، أنَّ الِاشْتِراءَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِاسْتِبْدالِ، فَكَذا الثَّمَنُ يُوضَعُ مَوْضِعَ البَدَلِ عَنِ الشَّيْءِ والعِوَضِ عَنْهُ، فَإذا اخْتِيرَ عَلى ثَوابِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا فَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ثَمَنًا عِنْدَ فاعِلِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأمْثالَهُما كانُوا يَأْخُذُونَ مِن فُقَراءِ اليَهُودِ الهَدايا، وعَلِمُوا أنَّهم لَوِ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا لانْقَطَعَتْ عَنْهم تِلْكَ الهَدايا، فَأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ لِئَلّا يَنْقَطِعَ عَنْهم ذَلِكَ القَدْرُ المُحَقَّرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَنِسْبَتُها إلَيْهِ نِسْبَةُ المُتَناهِي إلى غَيْرِ المُتَناهِي، ثُمَّ تِلْكَ الهَدايا كانَتْ في نِهايَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا، فالقَلِيلُ جِدًّا مِنَ القَلِيلِ جِدًّا أيُّ نِسْبَةٍ لَهُ إلى الكَثِيرِ الَّذِي لا يَتَناهى ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّهْيَ صَحِيحٌ سَواءٌ كانَ فِيهِمْ مَن فَعَلَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ لَوْ ثَبَتَ أنَّ عُلَماءَهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرُّشا عَلى كِتْمانِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وتَحْرِيفِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ كانَ الكَلامُ أبْيَنَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ فَيَقْرُبُ مَعْناهُ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ والفَرْقُ أنَّ الرَّهْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَوْفِ، وأمّا الِاتِّقاءُ فَإنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الجَزْمِ بِحُصُولِ ما يُتَّقى مِنهُ فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهَمْ بِالرَّهْبَةِ لِأجْلِ أنَّ جَوازَ العِقابِ قائِمٌ، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ تَعَيُّنَ العِقابِ قائِمٌ.

البقرة 2:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ الإغْراءِ والإضْلالِ، واعْلَمْ أنَّ إضْلالَ الغَيْرِ لا يَحْصُلُ إلّا بِطَرِيقَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ إنْ كانَ قَدْ سَمِعَ دَلائِلَ الحَقِّ فَإضْلالُهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَشْوِيشِ تِلْكَ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ ما سَمِعَها فَإضْلالُهُ إنَّما يُمْكِنُ بِإخْفاءِ تِلْكَ الدَّلائِلِ عَنْهُ ومَنعِهِ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمِ الأوَّلِ وهو تَشْوِيشُ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمِ الثّانِي، وهو مَنعُهُ مِنَ الوُصُولِ إلى الدَّلائِلِ. واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ في الباءِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿بِالباطِلِ﴾ أنَّها باءُ الِاسْتِعانَةِ كالَّتِي في قَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، والمَعْنى ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِسَبَبِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى السّامِعِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النُّصُوصَ الوارِدَةَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْكم كانَتْ نُصُوصًا خَفِيَّةً يُحْتاجُ في مَعْرِفَتِها إلى الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ إنَّهم صفحة ٤١ كانُوا يُجادِلُونَ فِيها ويُشَوِّشُونَ وجْهَ الدَّلالَةِ عَلى المُتَأمِّلِينَ فِيها بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ فَهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ ما في إضْلالِ الخَلْقِ مِنَ الضَّرَرِ العَظِيمِ العائِدِ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ صارَ صارِفًا لِلْخَلْقِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وداعِيًا لَهم إلى الِاسْتِمْرارِ عَلى الباطِلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا شَكَّ في أنَّ مَوْقِعَهُ عَظِيمٌ، وهَذا الخِطابُ وإنْ ورَدَ فِيهِمْ، فَهو تَنْبِيهٌ لِسائِرِ الخَلْقِ وتَحْذِيرٌ مِن مِثْلِهِ، فَصارَ الخِطابُ وإنْ كانَ خاصًّا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ عامٌّ في المَعْنى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ جَزْمٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ بِمَعْنى ولا تَكْتُمُوا أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ النَّهْيَ عَنِ اللَّبْسِ والكِتْمانِ وإنْ تَقَيَّدَ بِالعِلْمِ فَلا يَدُلُّ عَلى جَوازِهِما حالَ عَدَمِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُعْلَمْ حالُ الشَّيْءِ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ اللَّبْسَ والكِتْمانَ حَقٌّ أوْ باطِلٌ، وما لا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَقًّا أوْ باطِلًا لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وسَبَبُ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ أنَّ الإقْدامَ عَلى الفِعْلِ الضّارِّ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ ضارًّا أفْحَشُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ ضارًّا، فَلَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما في التَّلْبِيسِ مِنَ المَفاسِدِ كانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ أقْبَحَ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُهُ ويَحْرُمُ عَلَيْهِ كِتْمانُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ أوَّلًا ثُمَّ نَهاهم عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ ثانِيًا، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيانَ ما لَزِمَهم مِنَ الشَّرائِعِ، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ الشَّرائِعِ ما كانَ كالمُقَدَّمِ، والأصْلُ فِيها وهو الصَّلاةُ الَّتِي هي أعْظَمُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والزَّكاةُ الَّتِي هي أعْظَمُ العِباداتِ المالِيَّةِ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيانِ المُجْمَلِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ قالُوا: إنَّما جاءَ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بَعْدَ أنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ وصَفَ لَهم أرْكانَ الصَّلاةِ وشَرائِطَها فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأقِيمُوا الصَّلاةَ الَّتِي عَرَفْتُمُوها والقائِلُونَ بِجَوازِ التَّأْخِيرِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ يُرادَ الأمْرُ بِالصَّلاةِ وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ أنَّ الصَّلاةَ ما هي ويَكُونُ المَقْصُودُ أنْ يُوَطِّنَ السّامِعُ نَفْسَهُ عَلى الِامْتِثالِ، وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ ما هو كَما أنَّهُ لا نِزاعَ في أنْ يَحْسُنَ مِنَ السَّيِّدِ أنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إنِّي آمُرُكَ غَدًا بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَفْعَلَهُ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ بِأنْ يَعْزِمَ العَبْدُ في الحالِ عَلى أدائِهِ في الوَقْتِ الثّانِي. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الصَّلاةُ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ قالُوا: لِأنَّها أمْرٌ حَدَثَ في الشَّرْعِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ المَوْضُوعُ قَدْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الشَّرْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وجْهِ التَّشْبِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: أصْلُها في اللُّغَةِ الدُّعاءُ. قالَ الأعْشى: صفحة ٤٢ عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاعْتَصِمِي عَيْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجِعا وقالَ آخَرُ: وقابَلَها الرِّيحُ في دَنِّها ∗∗∗ وصَلّى عَلى دَنِّها وارْتَسَمَ وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ فِيها اللُّزُومُ قالَ الشّاعِرُ: لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَّهُ ∗∗∗ وإنِّي بَحْرَها اليَوْمَ صالِي أيْ مُلازِمٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُصَلِّي وهو الفَرَسُ الَّذِي يَتْبَعُ غَيْرَهُ. والأقْرَبُ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدُّعاءِ؛ إذْ لا صَلاةَ إلّا ويَقَعُ فِيها الدُّعاءُ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، وقَدْ تَكُونُ صَلاةً ولا يَحْصُلُ فِيها مُتابَعَةُ الغَيْرِ، وإذا حَصَلَ في وجْهِ التَّشْبِيهِ ما عَمَّ كُلَّ الصُّوَرِ كانَ أوْلى أنْ يُجْعَلَ وجْهُ التَّشْبِيهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ. وقالَ أصْحابُنا مِنَ المَجازاتِ المَشْهُورَةِ في اللُّغَةِ إطْلاقُ اسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلى الدُّعاءِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ اسْمُ الدُّعاءِ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَإنْ كانَ مُرادُ المُعْتَزِلَةِ مِن كَوْنِها اسْمًا شَرْعِيًّا هَذا. فَذَلِكَ حَقٌّ، وإنْ كانَ المُرادَ أنَّ الشَّرْعَ ارْتَجَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ابْتِداءً لِهَذا المُسَمّى فَهو باطِلٌ وإلّا لَما كانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَرَبِيَّةً، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢٠] أمّا الزَّكاةُ فَهي في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ النَّماءِ، يُقالُ: زَكا الزَّرْعُ إذا نَما، وعَنِ التَّطْهِيرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أيْ طاهِرَةً. وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] أيْ تَطَهَّرَ، وقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقالَ: ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨] أيْ تَطَهَّرَ بِطاعَةِ اللَّهِ، ولَعَلَّ إخْراجَ نِصْفِ دِينارٍ مِن عِشْرِينَ دِينارًا سُمِّيَ بِالزَّكاةِ تَشْبِيهًا بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ في إخْراجِ ذَلِكَ القَدْرِ تَنْمِيَةً لِلْبَقِيَّةِ مِن حَيْثُ البَرَكَةُ، فَإنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ البَلاءَ عَنْ ذَلِكَ المالِ بِسَبَبِ تَزْكِيَةِ تِلْكَ العَطِيَّةِ، فَصارَ ذَلِكَ الإعْطاءُ نَماءً في المَعْنى وإنْ كانَ نُقْصانًا في الصُّورَةِ، ولِهَذا قالَ ﷺ: ”«عَلَيْكم بِالصَّدَقَةِ فَإنَّ فِيها سِتَّ خِصالٍ، ثَلاثَةً في الدُّنْيا وثَلاثَةً في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَتَزِيدُ في الرِّزْقِ وتُكْثِرُ المالَ وتُعَمِّرُ الدِّيارَ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَتَسْتُرُ العَوْرَةَ وتَصِيرُ ظِلًّا فَوْقَ الرَّأْسِ وتَكُونُ سِتْرًا في النّارِ» “ . ويَجُوزُ أنْ تُسَمّى الزَّكاةُ بِالوَجْهِ الثّانِي مِن حَيْثُ إنَّها تُطَهِّرُ مُخْرِجَ الزَّكاةِ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، ولِهَذا قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ خِطابٌ مَعَ اليَهُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ فَخَصَّ اللَّهُ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى الإتْيانِ بِصَلاةِ المُسْلِمِينَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ، وعَلى هَذا يَزُولُ التَّكْرارُ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ أمَرَ تَعالى بِإتْقانِها، وأمَرَ في الثّانِي بِفِعْلِها في الجَماعَةِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّكُوعِ هو الأمْرَ بِالخُضُوعِ؛ لِأنَّ الرُّكُوعَ والخُضُوعَ في اللُّغَةِ سَواءٌ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ المَذْمُومِ وأمْرًا بِالتَّذَلُّلِ كَما قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وكَقَوْلِهِ تَأْدِيبًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] وكَمَدْحِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهَكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٤٣ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِانْقِيادِ والخُضُوعِ وتَرْكِ التَّمَرُّدِ. وحَكى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إنَّما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ بِالزَّكاةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٢] وبِقَوْلِهِ: ”وأكْلِهِمُ الرِّبا“ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ١٦٦] فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ما كانَ مَكْتُومًا لِيَحْذَرُوا أنْ يَفْضَحَهم في سائِرِ أسْرارِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فَيَصِيرُ هَذا كالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي هو أحَدُ دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

البقرة 2:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الهَمْزَةَ في أتَأْمَرُونَ النّاسَ بِالبَرِّ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، وأمّا البِرُّ فَهو اسْمٌ جامِعٌ لِأعْمالِ الخَيْرِ، ومِنهُ بِرُّ الوالِدَيْنِ وهو طاعَتُهُما، ومِنهُ عَمَلٌ مَبْرُورٌ أيْ قَدْ رَضِيَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الصِّدْقِ كَما يُقالُ: بَرَّ في يَمِينِهِ أيْ صَدَقَ ولَمْ يَحْنَثْ، ويُقالُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩] فَأخْبَرَ أنَّ البِرَّ جامِعٌ لِلتَّقْوى، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِالإيمانِ والشَّرائِعِ بِناءً عَلى ما خَصَّهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ ورَغَّبَهم في ذَلِكَ بَناهُ عَلى مَأْخَذٍ آخَرَ، وهو أنَّ التَّغافُلَ عَنْ أعْمالِ البِرِّ مَعَ حَثِّ النّاسِ عَلَيْها مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، إذِ المَقْصُودُ مِن أمْرِ النّاسِ بِذَلِكَ إمّا النَّصِيحَةُ أوِ الشَّفَقَةُ، ولَيْسَ مِنَ العَقْلِ أنْ يُشْفِقَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ أوْ أنْ يَنْصَحَ غَيْرَهُ ويُهْمِلَ نَفْسَهُ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِأنْ قَرَّعَهم بِهَذا الكَلامِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالبَرِّ في هَذا المَوْضِعِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهَوْنَهم عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهم كانُوا يَتْرُكُونَ الطّاعَةَ ويُقْدِمُونَ عَلى المَعْصِيَةِ. وثانِيها: قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وهم كانُوا يَتْرُكُونَهُما. وثالِثُها: أنَّهُ إذا جاءَهم أحَدٌ في الخُفْيَةِ لِاسْتِعْلامِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: هو صادِقٌ فِيما يَقُولُ، وأمْرُهُ حَقٌّ فاتَّبِعُوهُ، وهم كانُوا لا يَتَّبِعُونَهُ لِطَعِمِهِمْ في الهَدايا والصِّلاتِ الَّتِي كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ مِن أتْباعِهِمْ. ورابِعُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ ﷺ يُخْبِرُونَ مُشْرِكِي العَرَبِ أنَّ رَسُولًا سَيَظْهَرُ مِنكم ويَدْعُو إلى الحَقِّ، وكانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ تَرَكُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دِينِهِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ. وخامِسُها: هو قَوْلُ الزَّجّاجِ كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِبَذْلِ الصَّدَقَةِ وكانُوا يَشِحُّونَ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِقَساوَةِ القُلُوبِ وأكْلِ الرِّبا والسُّحْتِ. صفحة ٤٤ وسادِسُها: لَعَلَّ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ في الظّاهِرِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا في قُلُوبِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ. وسابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَأْمُرُونَ غَيْرَهم بِاتِّباعِ التَّوْراةِ ثُمَّ إنَّهم خالَفُوهُ؛ لِأنَّهم وجَدُوا فِيها ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم ما آمَنُوا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ فالنِّسْيانُ عِبارَةٌ عَنِ السَّهْوِ الحادِثِ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ والنّاسِي غَيْرُ مُكَلَّفٍ، ومَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا لا يَجُوزُ أنْ يَذُمَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ مِنهُ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ أنَّكم تَغْفُلُونَ عَنْ حَقِّ أنْفُسِكم وتَعْدِلُونَ عَمّا لَها فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَمَعْناهُ تَقْرَأُونَ التَّوْراةَ وتَدْرُسُونَها وتَعْلَمُونَ بِما فِيها مِنَ الحَثِّ عَلى أفْعالِ البِرِّ والإعْراضِ عَنْ أفْعالِ الإثْمِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَهو تَعَجُّبٌ لِلْعُقَلاءِ مِن أفْعالِهِمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وسَبَبُ التَّعَجُّبِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إرْشادُ الغَيْرِ إلى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ وتَحْذِيرُهُ عَمّا يُوقِعُهُ في المَفْسَدَةِ، والإحْسانُ إلى المَعْرُوفِ أوْلى مِنَ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِشَواهِدِ العَقْلِ والنَّقْلِ فَمَن وعَظَ ولَمْ يَتَّعِظْ فَكَأنَّهُ أتى بِفِعْلٍ مُتَناقِضٍ لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ فَلِهَذا قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّ مَن وعَظَ النّاسَ وأظْهَرَ عِلْمَهُ لِلْخَلْقِ ثُمَّ لَمْ يَتَّعِظْ صارَ ذَلِكَ الوَعْظُ سَبَبًا لِرَغْبَةِ النّاسِ في المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعَ هَذا العِلْمِ لَوْلا أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى أنَّهُ لا أصْلَ لِهَذِهِ التَّخْوِيفاتِ، وإلّا لَما أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ ثُمَّ أتى بِفِعْلٍ يُوجِبُ الجَراءَةَ عَلى المَعْصِيَةِ فَكَأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ المُتَناقِضَيْنِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأفْعالِ العُقَلاءِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . الثّالِثُ: أنَّ مَن وعَظَ فَلا بُدَّ وأنْ يَجْتَهِدَ في أنْ يَصِيرَ وعْظُهُ مُؤَثِّرًا في القُلُوبِ، ومَن عَصى كانَ غَرَضُهُ أنْ لا يَصِيرَ وعْظُهُ مُؤَثِّرًا في القُلُوبِ فالجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ غَيْرُ لائِقٍ بِالعُقَلاءِ، ولِهَذا قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلانِ: عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وجاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ. وبَقِيَ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: لَيْسَ لِلْعاصِي أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وقالَ أيْضًا: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ لِمَن يَزْنِي بِامْرَأةٍ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْها في أثْناءِ الزِّنا عَلى كَشْفِها عَنْ وجْهِها، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَنْكَرٌ. والجَوابُ: أنَّ المُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما تَرْكُ المَعْصِيَةِ، والثّانِي: مَنعُ الغَيْرِ عَنْ فِعْلِ المَعْصِيَةِ والإخْلالُ بِأحَدِ التَّكْلِيفَيْنِ لا يَقْتَضِي الإخْلالَ بِالآخَرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، والنَّهْيُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النَّهْيَ عَنْ نِسْيانِ النَّفْسِ مُطْلَقًا. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النَّهْيَ عَنْ تَرْغِيبِ النّاسِ في صفحة ٤٥ البَرِّ حالَ كَوْنِهِ ناسِيًا لِلنَّفْسِ، وعِنْدَنا المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الأوَّلُ لا الثّانِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ قَوْلُ هَذا الخَصْمِ، وأمّا المَعْقُولُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَيَلْزَمُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ إنَّما يَصِحُّ ويَحْسُنُ لَوْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَأمّا إذا كانَ مَخْلُوقًا فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْأسْوَدِ: لِمَ لا تَبْيَضَّ ؟ لَمّا كانَ السَّوادُ مَخْلُوقًا فِيهِ. والجَوابُ: أنَّ قُدْرَتَهُ لَمّا صَلَحَتْ لِلضِّدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ أحَدُ الضِّدَّيْنِ دُونَ الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ كانَ ذَلِكَ مَحْضَ الِاتِّفاقِ، والأمْرُ الِاتِّفاقِيُّ لا يُمْكِنُ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ. وإنْ حَصَلَ فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُرَجَّحُ مِنهُ عادَ البَحْثُ فِيهِ، وإنْ حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَعِنْدَ حُصُولِهِ يَصِيرُ ذَلِكَ الطَّرَفُ راجِحًا والآخَرُ مَرْجُوحًا والمَرْجُوحُ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّهُ حالَ الِاسْتِواءِ لَمّا كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ فَحالُ المَرْجُوحِيَّةِ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإذا امْتَنَعَ أحَدُ النَّقِيضَيْنِ وجَبَ الآخَرُ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ عَلَيْكم كُلُّ ما أوْرَدْتُمُوهُ عَلَيْنا. ثُمَّ الجَوابُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الكُلِّ: أنَّهُ ”﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (أ) عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفاهم بِمَقارِيضَ مِنَ النّارِ، فَقُلْتُ: يا أخِي يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ ؟ فَقالَ: هَؤُلاءِ خُطَباءُ مِن أهْلِ الدُّنْيا كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبَرِّ ويَنْسَوْنَ أنْفُسَهم» “ (ب) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ في النّارِ رَجُلًا يَتَأذّى أهْلُ النّارِ بِرِيحِهِ. فَقِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ عالِمٌ لا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ» ”(ج) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ ولا يَعْمَلُ بِهِ كالسِّراجِ يُضِيءُ لِلنّاسِ ويَحْرِقُ نَفْسَهُ» " (د) وعَنِ الشَّعْبِيِّ: يَطَّلِعُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلى قَوْمٍ مِنَ النّارِ فَيَقُولُونَ: لِمَ دَخَلْتُمُ النّارَ ونَحْنُ إنَّما دَخَلْنا الجَنَّةَ بِفَضْلِ تَعْلِيمِكم ؟ فَقالُوا: إنّا كُنّا نَأْمُرُ بِالخَيْرِ ولا نَفْعَلُهُ. كَما قِيلَ: مَن وعَظَ بِقَوْلِهِ ضاعَ كَلامُهُ، ومَن وعَظَ بِفِعْلِهِ نَفَذَتْ سِهامُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: يا أيُّها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ هَلّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّعْلِيمُ تَصِفُ الدَّواءَ لِذِي السَّقامِ وذِي الضَّنا ∗∗∗ كَيْما يَصِحُّ بِهِ وأنْتَ سَقِيمُ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ فَهُناكَ يُقْبَلُ إنْ وعَظْتَ ويُقْتَدى ∗∗∗ بِالرَّأْيِ مِنكَ ويَنْفَعُ التَّعْلِيمُ قِيلَ: عَمَلُ رَجُلٌ في ألْفِ رَجُلٍ أبْلَغُ مِن قَوْلِ ألْفِ رَجُلٍ في رَجُلٍ، وأمّا مَن وعَظَ واتَّعَظَ فَمَحَلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. رُوِيَ أنَّ يَزِيدَ بْنَ هارُونَ ماتَ وكانَ واعِظًا زاهِدًا، فَرُؤِيَ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ فَقالَ: غَفَرَ لِي وأوَّلُ ما سَألَنِي مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ فَقالا: مَن رَبُّكَ ؟ فَقُلْتُ: أما تَسْتَحِيانِ مِن شَيْخٍ دَعا إلى اللَّهِ تَعالى كَذا وكَذا سَنَةً فَتَقُولانِ لَهُ مَن رَبُّكَ ؟ وقِيلَ لِلشِّبْلِيِّ عِنْدَ النَّزْعِ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقالَ: إنَّ بَيْتًا أنْتَ ساكِنُهُ ∗∗∗ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى السُّرُجِ صفحة ٤٦ (واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ)

البقرة 2:45

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُ الصَّلاةَ أصْلًا والصَّبْرَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ: اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ وجَبَ صَرْفُهُ إلى مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والأقْرَبُ أنَّ المُخاطَبِينَ هم بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُما ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ كَوْنَهم مُنْكِرِينَ لَهُما؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وأنَّ الصَّلاةَ الَّتِي هي تَواضُعٌ لِلْخالِقِ والِاشْتِغالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّي عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا وآفاتِها، وإنَّما الِاخْتِلافُ في الكَيْفِيَّةِ فَإنَّ صَلاةَ اليَهُودِ واقِعَةٌ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وصَلاةَ المُسْلِمِينَ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى. وإذا كانَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ هو الماهِيَّةَ الَّتِي هي القَدْرُ المُشْتَرَكُ زالَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ وبِتَرْكِ الإضْلالِ وبِالتِزامِ الشَّرائِعِ وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ الرِّياساتِ والإعْراضِ عَنِ المالِ والجاهِ لا جَرَمَ عالَجَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَرَضَ فَقالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّبْرِ والصَّلاةِ وُجُوهًا: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ واسْتَعِينُوا عَلى تَرْكِ ما تُحِبُّونَ مِنَ الدُّنْيا والدُّخُولِ فِيما تَسْتَثْقِلُهُ طِباعُكم مِن قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ، أيْ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ اللَّذّاتِ فَإنَّكم إذا كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم ذَلِكَ مُرِّنَتْ عَلَيْهِ وخَفَّ عَلَيْها، ثُمَّ إذا ضَمَمْتُمُ الصَّلاةَ إلى ذَلِكَ تَمَّ الأمْرُ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالصَّلاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وذِكْرِ جَلالِهِ وقَهْرِهِ وذِكْرِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، فَإذا تَذَكَّرَ رَحْمَتَهُ صارَ مائِلًا إلى طاعَتِهِ، وإذا تَذَكَّرَ عِقابَهُ تَرَكَ مَعْصِيَتَهُ، فَيَسْهُلُ عِنْدَ ذَلِكَ اشْتِغالُهُ بِالطّاعَةِ وتَرْكُهُ لِلْمَعْصِيَةِ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ هَهُنا هو الصَّوْمُ؛ لِأنَّ الصّائِمَ صابِرٌ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ قَضاءِ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ زالَتْ عَنْهُ كُدُوراتُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الصَّلاةُ اسْتَنارَ القَلْبُ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّوْمِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النّارِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّ الصَّلاةَ تَمْنَعُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، وتُخَشِّعُ القَلْبَ، ويَحْصُلُ بِسَبَبِها تِلاوَةُ الكِتابِ والوُقُوفُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ والآدابِ الجَمِيلَةِ، وذِكْرِ مَصِيرِ الخَلْقِ إلى دارِ الثَّوابِ أوْ دارِ العِقابِ رَغْبَةً في الآخِرَةِ، ونُفْرَةً عَنِ الدُّنْيا، فَيَهُونُ عَلى الإنْسانِ حِينَئِذٍ تَرْكُ الرِّياسَةِ، ومَقْطَعَةً عَنِ المَخْلُوقِينَ إلى قِبْلَةِ خِدْمَةِ الخالِقِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٤٧ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّها﴾ فَفي هَذا الضَّمِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ أيْ صَلاةٌ ثَقِيلَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ. وثانِيها: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الِاسْتِعانَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي أُمِرَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ ونُهُوا عَنْها مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ والعَرَبُ قَدْ تُضْمِرُ الشَّيْءَ اخْتِصارًا أوْ تَقْتَصِرُ فِيهِ عَلى الإيماءِ إذا وثِقَتْ بِعِلْمِ المُخاطَبِ فَيَقُولُ القائِلُ: ما عَلَيْها أفْضَلُ مِن فُلانٍ يَعْنِي الأرْضَ، ويَقُولُونَ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ المَدِينَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] ولا ذِكْرَ لِلْأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أيْ لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ عَلى هَؤُلاءِ سَهْلَةٌ عَلى الخاشِعِينَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم أكْثَرَ وثَوابُ الخاشِعِ أقَلَّ، وذَلِكَ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ، قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ أنَّ الَّذِي يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ أكْثَرُ مِمّا يَلْحَقُ الخاشِعَ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ والخاشِعُ يَسْتَعْمِلُ عِنْدَ الصَّلاةِ جَوارِحَهُ وقَلْبَهُ وسَمْعَهُ وبَصَرَهُ ولا يَغْفُلُ عَنْ تَدَبُّرِ ما يَأْتِي بِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّذَلُّلِ والخُشُوعِ، وإذا تَذَكَّرَ الوَعِيدَ لَمْ يَخْلُ مِن حَسْرَةٍ وغَمٍّ، وإذا ذَكَرَ الوَعْدَ فَكَمِثْلِ ذَلِكَ، وإذا كانَ هَذا فِعْلَ الخاشِعِ فالثِّقَلُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الصَّلاةِ أعْظَمُ، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: وإنَّها ثَقِيلَةٌ عَلى مَن لَمْ يَخْشَعْ أنَّهُ مِن حَيْثُ لا يَعْتَقِدُ في فِعْلِها ثَوابًا ولا في تَرْكِها عِقابًا فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ فِعْلُها. فالحاصِلُ أنَّ المُلْحِدَ إذا لَمْ يَعْتَقِدْ في فِعْلِها مَنفَعَةً ثَقُلَ عَلَيْهِ فِعْلُها؛ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِما لا فائِدَةَ فِيهِ يَثْقُلُ عَلى الطَّبْعِ، أمّا المُوَحِّدُ فَلَمّا اعْتَقَدَ في فِعْلِها أعْظَمَ المَنافِعِ وفي تَرْكِها أعْظَمَ المَضارِّ لَمْ يَثْقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِما يَعْتَقِدُ في فِعْلِهِ مِنَ الثَّوابِ والفَوْزِ العَظِيمِ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ والخَلاصِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ يَتَوَقَّعُونَ نَيْلَ ثَوابِهِ والخَلاصَ مِن عِقابِهِ. مِثالُهُ إذا قِيلَ لِلْمَرِيضِ: كُلْ هَذا الشَّيْءَ المُرَّ، فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّ لَهُ فِيهِ شِفاءً سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فِيهِ صَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» “ وصَفَ الصَّلاةَ بِذَلِكَ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها لا لِأنَّها كانَتْ لا تَثْقُلُ عَلَيْهِ، وكَيْفَ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلِّي حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. وأمّا الخُشُوعُ فَهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى العِلْمِ قالُوا: لِأنَّ الظَّنَّ وهو الِاعْتِقادُ الَّذِي يُقارِنُهُ تَجْوِيزُ النَّقِيضِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صاحِبُهُ غَيْرَ جازِمٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ وذَلِكَ كُفْرٌ، واللَّهُ تَعالى مَدَحَ عَلى هَذا الظَّنِّ، والمَدْحُ عَلى الكُفْرِ غَيْرُ جائِزٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الظَّنِّ هَهُنا العِلْمَ، وسَبَبُ هَذا المَجازِ أنَّ العِلْمَ والظَّنَّ يَشْتَرِكانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما اعْتِقادًا راجِحًا إلّا أنَّ العِلْمَ راجِحٌ مانِعٌ مِنَ النَّقِيضِ، والظَّنَّ راجِحٌ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ النَّقِيضِ فَلَمّا اشْتَبَها مِن هَذا الوَجْهِ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: فَأرْسَلَهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وبَعْثًا عَلى الظَّنِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى الِاعْتِقادِ المُجَوِّزِ لِلنَّقِيضِ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالظَّنِّ هَهُنا العِلْمُ. صفحة ٤٨ القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ وهو الظَّنُّ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ تُجْعَلَ مُلاقاةُ الرَّبِّ مَجازًا عَنِ المَوْتِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُلاقاةَ الرَّبِّ مُسَبَّبٌ عَنِ المَوْتِ فَأطْلَقَ المُسَبِّبَ والمُرادُ مِنهُ السَّبَبُ، وهَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ فَإنَّهُ يُقالُ لِمَن ماتَ: إنَّهُ لَقِيَ رَبَّهُ. إذْ ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ المَوْتَ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مُتَوَقِّعًا لِلْمَوْتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ فَإنَّهُ لا يُفارِقُ قَلْبَهُ الخُشُوعُ، فَهم يُبادِرُونَ إلى التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ خَوْفَ المَوْتِ مِمّا يُقَوِّي دَواعِيَ التَّوْبَةِ مَعَ خُشُوعِهِ، لا بُدَّ في كُلِّ حالٍ مِن أنْ لا يَأْمَنَ تَقْصِيرًا جَرى مِنهُ فَيُلْزِمَهُ التَّلافِيَ، فَإذا كانَ حالُهُ ما ذَكَرْنا كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ. الثّانِي: أنْ تُفَسَّرَ مُلاقاةُ الرَّبِّ بِمُلاقاةِ ثَوابِ الرَّبِّ، وذَلِكَ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ فَإنَّ الزّاهِدَ العابِدَ لا يَقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُلاقِيًا لِثَوابِ اللَّهِ، بَلْ يَظُنُّ إلّا أنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى كَمالِ الخُشُوعِ. الثّالِثُ: المَعْنى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبِهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ الخاشِعَ قَدْ يُسِيءُ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ وبِأعْمالِهِ فَيَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يَلْقى اللَّهَ تَعالى بِذُنُوبِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسارِعُ إلى التَّوْبَةِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ المَدْحِ. بَقِيَ هُنا مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّ بَعْضُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ عَلى جَوازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَفْظُ اللِّقاءِ لا يُفِيدُ الرُّؤْيَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ والعُرْفُ. أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ، وقالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] وقالَ تَعالى في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَهَذا يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، والرُّؤْيَةُ لا تَثْبُتُ لِلْكافِرِ، فَعَلِمْنا أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “ ولَيْسَ المُرادُ رَأى اللَّهَ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفُ أهْلِ النّارِ، وأمّا العُرْفُ فَهو قَوْلُ المُسْلِمِينَ فِيمَن ماتَ: لَقِيَ اللَّهَ، ولا يَعْنُونَ أنَّهُ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وأيْضًا فاللِّقاءُ يُرادُ بِهِ القُرْبُ مِمَّنْ يَلْقاهُ عَلى وجْهٍ يَزُولُ الحِجابُ بَيْنَهُما، ولِذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا حُجِبَ عَنِ الأمِيرِ: ما لَقِيتُهُ بَعْدُ وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ، وإذا أُذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ يَقُولُ: لَقِيتُهُ، وإنْ كانَ ضَرِيرًا، ويُقالُ: لَقِيَ فُلانٌ جَهْدًا شَدِيدًا ولَقِيتُ مِن فُلانٍ الدّاهِيَةَ، ولاقى فُلانٌ حِمامَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] وهَذا إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الجِسْمِ ولا يَصِحُّ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ الأصْحابُ: اللِّقاءُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ وُصُولِ أحَدِ الجِسْمَيْنِ إلى الآخَرِ بِحَيْثُ يُماسُّهُ بِمُسَطَّحَةٍ يُقالُ: لَقِيَ هَذا ذاكَ إذا ماسَّهُ واتَّصَلَ بِهِ، ولَمّا كانَتِ المُلاقاةُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُدْرِكَيْنِ سَبَبًا لِحُصُولِ الإدْراكِ فَحَيْثُ يَمْتَنِعُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى المُماسَّةِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الإدْراكِ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مِن أقْوى وُجُوهِ المَجازِ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ لَفْظَ اللِّقاءِ عَلى الإدْراكِ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّهُ تَرَكَ هَذا المَعْنى في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى الإدْراكِ في البَواقِي، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ زالَتِ السُّؤالاتُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ، قُلْنا: فَلِأجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ المُرادُ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ حِسابَهُ وحُكْمَهُ، إلّا أنَّ هَذا الإضْمارَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وإنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَفي هَذا المَوْضِعِ لَمّا اضْطُرِرْنا إلَيْهِ اعْتَبَرْناهُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ ولا في إضْمارِ هَذِهِ الزِّيادَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَعْلِيقُ اللِّقاءِ بِاللَّهِ صفحة ٤٩ تَعالى لا بِحُكْمِ اللَّهِ، فَإنِ اشْتَغَلُوا بِذِكْرِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِن جَوازِ الرُّؤْيَةِ بَيَّنّا ضَعْفَها وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ مِن هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى الرُّجُوعُ إلى حَيْثُ يَكُونُ لَهم مالِكٌ سِواهُ، وأنْ لا يَمْلِكَ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا غَيْرَهُ كَما كانُوا كَذَلِكَ في أوَّلِ الخَلْقِ، فَجَعَلَ مَصِيرَهم إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ أوَّلًا رُجُوعًا إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانُوا في سائِرِ أيّامِ حَياتِهِمْ، قَدْ يَمْلِكُ غَيْرُهُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ ويَمْلِكُ أنْ يَضُرَّهم ويَنْفَعَهم وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مالِكًا لَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ مِنَ المُبْطِلِينَ: الأوَّلُ: المُجَسِّمَةُ، فَإنَّهم قالُوا: الرُّجُوعُ إلى غَيْرِ الجِسْمِ مُحالٌ، فَلَمّا ثَبَتَ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ وجَبَ كَوْنُ اللَّهِ جِسْمًا. الثّانِي: التَّناسُخِيَّةُ، فَإنَّهم قالُوا: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِالكَوْنِ عِنْدَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِ الأرْواحِ قَدِيمَةً وأنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. والجَوابُ عَنْها قَدْ حَصَلَ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:46

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُ الصَّلاةَ أصْلًا والصَّبْرَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ: اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ وجَبَ صَرْفُهُ إلى مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والأقْرَبُ أنَّ المُخاطَبِينَ هم بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُما ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ كَوْنَهم مُنْكِرِينَ لَهُما؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وأنَّ الصَّلاةَ الَّتِي هي تَواضُعٌ لِلْخالِقِ والِاشْتِغالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّي عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا وآفاتِها، وإنَّما الِاخْتِلافُ في الكَيْفِيَّةِ فَإنَّ صَلاةَ اليَهُودِ واقِعَةٌ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وصَلاةَ المُسْلِمِينَ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى. وإذا كانَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ هو الماهِيَّةَ الَّتِي هي القَدْرُ المُشْتَرَكُ زالَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ وبِتَرْكِ الإضْلالِ وبِالتِزامِ الشَّرائِعِ وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ الرِّياساتِ والإعْراضِ عَنِ المالِ والجاهِ لا جَرَمَ عالَجَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَرَضَ فَقالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّبْرِ والصَّلاةِ وُجُوهًا: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ واسْتَعِينُوا عَلى تَرْكِ ما تُحِبُّونَ مِنَ الدُّنْيا والدُّخُولِ فِيما تَسْتَثْقِلُهُ طِباعُكم مِن قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ، أيْ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ اللَّذّاتِ فَإنَّكم إذا كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم ذَلِكَ مُرِّنَتْ عَلَيْهِ وخَفَّ عَلَيْها، ثُمَّ إذا ضَمَمْتُمُ الصَّلاةَ إلى ذَلِكَ تَمَّ الأمْرُ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالصَّلاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وذِكْرِ جَلالِهِ وقَهْرِهِ وذِكْرِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، فَإذا تَذَكَّرَ رَحْمَتَهُ صارَ مائِلًا إلى طاعَتِهِ، وإذا تَذَكَّرَ عِقابَهُ تَرَكَ مَعْصِيَتَهُ، فَيَسْهُلُ عِنْدَ ذَلِكَ اشْتِغالُهُ بِالطّاعَةِ وتَرْكُهُ لِلْمَعْصِيَةِ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ هَهُنا هو الصَّوْمُ؛ لِأنَّ الصّائِمَ صابِرٌ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ قَضاءِ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ زالَتْ عَنْهُ كُدُوراتُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الصَّلاةُ اسْتَنارَ القَلْبُ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّوْمِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النّارِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّ الصَّلاةَ تَمْنَعُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، وتُخَشِّعُ القَلْبَ، ويَحْصُلُ بِسَبَبِها تِلاوَةُ الكِتابِ والوُقُوفُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ والآدابِ الجَمِيلَةِ، وذِكْرِ مَصِيرِ الخَلْقِ إلى دارِ الثَّوابِ أوْ دارِ العِقابِ رَغْبَةً في الآخِرَةِ، ونُفْرَةً عَنِ الدُّنْيا، فَيَهُونُ عَلى الإنْسانِ حِينَئِذٍ تَرْكُ الرِّياسَةِ، ومَقْطَعَةً عَنِ المَخْلُوقِينَ إلى قِبْلَةِ خِدْمَةِ الخالِقِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٤٧ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّها﴾ فَفي هَذا الضَّمِيرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ أيْ صَلاةٌ ثَقِيلَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ. وثانِيها: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الِاسْتِعانَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي أُمِرَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ ونُهُوا عَنْها مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ والعَرَبُ قَدْ تُضْمِرُ الشَّيْءَ اخْتِصارًا أوْ تَقْتَصِرُ فِيهِ عَلى الإيماءِ إذا وثِقَتْ بِعِلْمِ المُخاطَبِ فَيَقُولُ القائِلُ: ما عَلَيْها أفْضَلُ مِن فُلانٍ يَعْنِي الأرْضَ، ويَقُولُونَ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ المَدِينَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] ولا ذِكْرَ لِلْأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أيْ لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ عَلى هَؤُلاءِ سَهْلَةٌ عَلى الخاشِعِينَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم أكْثَرَ وثَوابُ الخاشِعِ أقَلَّ، وذَلِكَ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ، قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ أنَّ الَّذِي يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ أكْثَرُ مِمّا يَلْحَقُ الخاشِعَ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ والخاشِعُ يَسْتَعْمِلُ عِنْدَ الصَّلاةِ جَوارِحَهُ وقَلْبَهُ وسَمْعَهُ وبَصَرَهُ ولا يَغْفُلُ عَنْ تَدَبُّرِ ما يَأْتِي بِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّذَلُّلِ والخُشُوعِ، وإذا تَذَكَّرَ الوَعِيدَ لَمْ يَخْلُ مِن حَسْرَةٍ وغَمٍّ، وإذا ذَكَرَ الوَعْدَ فَكَمِثْلِ ذَلِكَ، وإذا كانَ هَذا فِعْلَ الخاشِعِ فالثِّقَلُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الصَّلاةِ أعْظَمُ، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: وإنَّها ثَقِيلَةٌ عَلى مَن لَمْ يَخْشَعْ أنَّهُ مِن حَيْثُ لا يَعْتَقِدُ في فِعْلِها ثَوابًا ولا في تَرْكِها عِقابًا فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ فِعْلُها. فالحاصِلُ أنَّ المُلْحِدَ إذا لَمْ يَعْتَقِدْ في فِعْلِها مَنفَعَةً ثَقُلَ عَلَيْهِ فِعْلُها؛ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِما لا فائِدَةَ فِيهِ يَثْقُلُ عَلى الطَّبْعِ، أمّا المُوَحِّدُ فَلَمّا اعْتَقَدَ في فِعْلِها أعْظَمَ المَنافِعِ وفي تَرْكِها أعْظَمَ المَضارِّ لَمْ يَثْقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِما يَعْتَقِدُ في فِعْلِهِ مِنَ الثَّوابِ والفَوْزِ العَظِيمِ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ والخَلاصِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ يَتَوَقَّعُونَ نَيْلَ ثَوابِهِ والخَلاصَ مِن عِقابِهِ. مِثالُهُ إذا قِيلَ لِلْمَرِيضِ: كُلْ هَذا الشَّيْءَ المُرَّ، فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّ لَهُ فِيهِ شِفاءً سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فِيهِ صَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» “ وصَفَ الصَّلاةَ بِذَلِكَ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها لا لِأنَّها كانَتْ لا تَثْقُلُ عَلَيْهِ، وكَيْفَ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلِّي حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. وأمّا الخُشُوعُ فَهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى العِلْمِ قالُوا: لِأنَّ الظَّنَّ وهو الِاعْتِقادُ الَّذِي يُقارِنُهُ تَجْوِيزُ النَّقِيضِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صاحِبُهُ غَيْرَ جازِمٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ وذَلِكَ كُفْرٌ، واللَّهُ تَعالى مَدَحَ عَلى هَذا الظَّنِّ، والمَدْحُ عَلى الكُفْرِ غَيْرُ جائِزٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الظَّنِّ هَهُنا العِلْمَ، وسَبَبُ هَذا المَجازِ أنَّ العِلْمَ والظَّنَّ يَشْتَرِكانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما اعْتِقادًا راجِحًا إلّا أنَّ العِلْمَ راجِحٌ مانِعٌ مِنَ النَّقِيضِ، والظَّنَّ راجِحٌ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ النَّقِيضِ فَلَمّا اشْتَبَها مِن هَذا الوَجْهِ صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: فَأرْسَلَهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وبَعْثًا عَلى الظَّنِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى الِاعْتِقادِ المُجَوِّزِ لِلنَّقِيضِ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالظَّنِّ هَهُنا العِلْمُ. صفحة ٤٨ القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ وهو الظَّنُّ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ تُجْعَلَ مُلاقاةُ الرَّبِّ مَجازًا عَنِ المَوْتِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُلاقاةَ الرَّبِّ مُسَبَّبٌ عَنِ المَوْتِ فَأطْلَقَ المُسَبِّبَ والمُرادُ مِنهُ السَّبَبُ، وهَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ فَإنَّهُ يُقالُ لِمَن ماتَ: إنَّهُ لَقِيَ رَبَّهُ. إذْ ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ المَوْتَ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مُتَوَقِّعًا لِلْمَوْتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ فَإنَّهُ لا يُفارِقُ قَلْبَهُ الخُشُوعُ، فَهم يُبادِرُونَ إلى التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ خَوْفَ المَوْتِ مِمّا يُقَوِّي دَواعِيَ التَّوْبَةِ مَعَ خُشُوعِهِ، لا بُدَّ في كُلِّ حالٍ مِن أنْ لا يَأْمَنَ تَقْصِيرًا جَرى مِنهُ فَيُلْزِمَهُ التَّلافِيَ، فَإذا كانَ حالُهُ ما ذَكَرْنا كانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ. الثّانِي: أنْ تُفَسَّرَ مُلاقاةُ الرَّبِّ بِمُلاقاةِ ثَوابِ الرَّبِّ، وذَلِكَ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ فَإنَّ الزّاهِدَ العابِدَ لا يَقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُلاقِيًا لِثَوابِ اللَّهِ، بَلْ يَظُنُّ إلّا أنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى كَمالِ الخُشُوعِ. الثّالِثُ: المَعْنى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبِهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ الخاشِعَ قَدْ يُسِيءُ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ وبِأعْمالِهِ فَيَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يَلْقى اللَّهَ تَعالى بِذُنُوبِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسارِعُ إلى التَّوْبَةِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ المَدْحِ. بَقِيَ هُنا مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّ بَعْضُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ عَلى جَوازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَفْظُ اللِّقاءِ لا يُفِيدُ الرُّؤْيَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ والعُرْفُ. أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ، وقالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] وقالَ تَعالى في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَهَذا يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، والرُّؤْيَةُ لا تَثْبُتُ لِلْكافِرِ، فَعَلِمْنا أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “ ولَيْسَ المُرادُ رَأى اللَّهَ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفُ أهْلِ النّارِ، وأمّا العُرْفُ فَهو قَوْلُ المُسْلِمِينَ فِيمَن ماتَ: لَقِيَ اللَّهَ، ولا يَعْنُونَ أنَّهُ رَأى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وأيْضًا فاللِّقاءُ يُرادُ بِهِ القُرْبُ مِمَّنْ يَلْقاهُ عَلى وجْهٍ يَزُولُ الحِجابُ بَيْنَهُما، ولِذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ إذا حُجِبَ عَنِ الأمِيرِ: ما لَقِيتُهُ بَعْدُ وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ، وإذا أُذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ يَقُولُ: لَقِيتُهُ، وإنْ كانَ ضَرِيرًا، ويُقالُ: لَقِيَ فُلانٌ جَهْدًا شَدِيدًا ولَقِيتُ مِن فُلانٍ الدّاهِيَةَ، ولاقى فُلانٌ حِمامَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] وهَذا إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الجِسْمِ ولا يَصِحُّ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ الأصْحابُ: اللِّقاءُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ وُصُولِ أحَدِ الجِسْمَيْنِ إلى الآخَرِ بِحَيْثُ يُماسُّهُ بِمُسَطَّحَةٍ يُقالُ: لَقِيَ هَذا ذاكَ إذا ماسَّهُ واتَّصَلَ بِهِ، ولَمّا كانَتِ المُلاقاةُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُدْرِكَيْنِ سَبَبًا لِحُصُولِ الإدْراكِ فَحَيْثُ يَمْتَنِعُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى المُماسَّةِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الإدْراكِ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مِن أقْوى وُجُوهِ المَجازِ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ لَفْظَ اللِّقاءِ عَلى الإدْراكِ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّهُ تَرَكَ هَذا المَعْنى في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى الإدْراكِ في البَواقِي، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ زالَتِ السُّؤالاتُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ، قُلْنا: فَلِأجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ المُرادُ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ حِسابَهُ وحُكْمَهُ، إلّا أنَّ هَذا الإضْمارَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وإنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَفي هَذا المَوْضِعِ لَمّا اضْطُرِرْنا إلَيْهِ اعْتَبَرْناهُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ ولا في إضْمارِ هَذِهِ الزِّيادَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَعْلِيقُ اللِّقاءِ بِاللَّهِ صفحة ٤٩ تَعالى لا بِحُكْمِ اللَّهِ، فَإنِ اشْتَغَلُوا بِذِكْرِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِن جَوازِ الرُّؤْيَةِ بَيَّنّا ضَعْفَها وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ مِن هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى الرُّجُوعُ إلى حَيْثُ يَكُونُ لَهم مالِكٌ سِواهُ، وأنْ لا يَمْلِكَ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا غَيْرَهُ كَما كانُوا كَذَلِكَ في أوَّلِ الخَلْقِ، فَجَعَلَ مَصِيرَهم إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ أوَّلًا رُجُوعًا إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانُوا في سائِرِ أيّامِ حَياتِهِمْ، قَدْ يَمْلِكُ غَيْرُهُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ ويَمْلِكُ أنْ يَضُرَّهم ويَنْفَعَهم وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مالِكًا لَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ مِنَ المُبْطِلِينَ: الأوَّلُ: المُجَسِّمَةُ، فَإنَّهم قالُوا: الرُّجُوعُ إلى غَيْرِ الجِسْمِ مُحالٌ، فَلَمّا ثَبَتَ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ وجَبَ كَوْنُ اللَّهِ جِسْمًا. الثّانِي: التَّناسُخِيَّةُ، فَإنَّهم قالُوا: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِالكَوْنِ عِنْدَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِ الأرْواحِ قَدِيمَةً وأنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. والجَوابُ عَنْها قَدْ حَصَلَ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:47

قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذا الكَلامَ مَرَّةً أُخْرى تَوْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرًا مِن تَرْكِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قَرَنَهُ بِالوَعِيدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨] كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تُطِيعُونِي لِأجْلِ سَوالِفِ نِعْمَتِي عَلَيْكم فَأطِيعُونِي لِلْخَوْفِ مِن عِقابِي في المُسْتَقْبَلِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ قَوْمٌ: العالَمُ عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ عالَمًا مِنَ النّاسِ، والمُرادُ مِنهُ الكَثِيرُ لا الكُلُّ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ العالَمِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَلَمِ، وهو الدَّلِيلُ فَكُلُّ ما كانَ دَلِيلًا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ عالَمًا فَكانَ مِنَ العالَمِ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: العالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ لَفْظٍ بِبَعْضِ المُحْدَثاتِ. ثانِيها: المُرادُ فَضَّلْتُكم عَلى عالَمِي زَمانِكم؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ وهو الآنَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ حالَ عَدَمِهِ؛ لِأنَّ شَرْطَ العالَمِ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا والشَّيْءُ حالَ عَدَمِهِ لا يَكُونُ مَوْجُودًا، فالشَّيْءُ حالَ عَدَمِهِ لا يَكُونُ مِنَ العالَمِينَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَما كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مِنَ العالَمِينَ فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ أفْضَلَ العالَمِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَوْنُهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] وقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وأرادَ بِهِ عالَمِي ذَلِكَ الزَّمانِ، وإنَّما كانُوا أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ بِما أُعْطَوْا مِنَ المُلْكِ والرِّسالَةِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. صفحة ٥٠ وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ عامٌّ في العالَمِينَ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ في الفَضْلِ والمُطْلَقُ يَكْفِي في صِدْقِهِ واحِدَةٌ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فُضِّلُوا عَلى العالَمِينَ في أمْرِها، وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مَن كُلِّ العالَمِينَ في كُلِّ الأُمُورِ، بَلْ لَعَلَّهم وإنْ كانُوا أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ في أمْرٍ واحِدٍ فَغَيْرُهم يَكُونُ أفْضَلَ مِنهم فِيما عَدا ذَلِكَ الأمْرَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّهُ لا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] عَلى أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ مِنهم؛ لِأنَّ عُصاتَهم مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] وقالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] . البَحْثُ الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ ما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ تَنْبِيهٌ لِلْعَرَبِ؛ لِأنَّ الفَضِيلَةَ بِالنَّبِيِّ قَدْ لَحِقَتْهم، وجَمِيعُ أقاصِيصِ الأنْبِياءِ تَنْبِيهٌ وإرْشادٌ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وقالَ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] ولِذَلِكَ رَوى قَتادَةُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَقُولُ: قَدْ مَضى واللَّهِ بَنُو إسْرائِيلَ وما يُغْنِي ما تَسْمَعُونَ عَنْ غَيْرِكم. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ ”النِّعْمَةُ“ بِكَسْرِ النُّونِ المِنَّةُ وما يُنْعِمُ بِهِ الرَّجُلُ عَلى صاحِبِهِ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] وأمّا النَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهو ما يُتَنَعَّمُ بِهِ في العَيْشِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ رِعايَةَ الأصْلَحِ لا تَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى لا في الدُّنْيا ولا في الدِّينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ نِعَمِ الدُّنْيا والدِّينِ، فَذَلِكَ التَّفْضِيلُ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَإنْ كانَ واجِبًا لَمْ يَجُزْ جَعْلُهُ مِنَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن أدّى واجِبًا فَلا مِنَّةَ لَهُ عَلى أحَدٍ، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِبٍ مَعَ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ البَعْضَ بِذَلِكَ دُونَ البَعْضِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رِعايَةَ الأصْلَحِ غَيْرُ واجِبَةٍ لا في الدُّنْيا ولا في الدِّينِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا خَصَّهم بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا فَهَذا يُناسِبُ أنْ يَخُصَّهم أيْضًا بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ في الآخِرَةِ كَما قِيلَ: إتْمامُ المَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنِ ابْتِدائِهِ، فَلِمَ أرْدَفَ ذَلِكَ التَّخْوِيفَ الشَّدِيدَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَعَ عِظَمِ النِّعْمَةِ تَكُونُ أقْبَحَ وأفْحَشَ فَلِهَذا حَذَّرَهم عَنْها. البَحْثُ الخامِسُ: في بَيانِ أنَّ أيَّ فِرَقِ العالَمِ أفْضَلُ يَعْنِي أنَّ أيَّهم أكْثَرُ اسْتِجْماعًا لِخِصالِ الخَيْرِ، اعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا وقَعَ فِيهِ النِّزاعُ الشَّدِيدُ بَيْنَ سُكّانِ النَّواحِي، فَكُلُّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّها أفْضَلُ وأكْثَرُ اسْتِجْماعًا لِصِفاتِ الكَمالِ ونَحْنُ نُشِيرُ إلى مَعاقِدِ الكَلامِ في هَذا البابِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وعَوْنِهِ.