Tafsir Al-Razi — البقرة 2:81 – البقرة 2:109
المحتويات
- البقرة 2:81
- البقرة 2:82
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:86
- البقرة 2:87
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:107
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
البقرة 2:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾، أيْ بَلى تَمَسُّكم أبَدًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ . أمّا السَّيِّئَةُ فَإنَّها تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي. قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ولَمّا كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ أنَّ كُلَّ سَيِّئَةٍ صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ فَحالُها سَواءٌ في أنَّ فاعِلَها يُخَلَّدُ في النّارِ لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الخُلُودَ أنْ يَكُونَ سَيِّئَةً مُحِيطَةً بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لَفْظَ الإحاطَةِ حَقِيقَةٌ في إحاطَةِ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ كَإحاطَةِ السُّورِ بِالبَلَدِ والكُوزِ بِالماءِ وذَلِكَ هَهُنا مُمْتَنِعٌ فَنَحْمِلُهُ عَلى ما إذا كانَتِ السَّيِّئَةُ كَبِيرَةً لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُحِيطَ يَسْتُرُ المُحاطَ بِهِ، والكَبِيرَةُ لِكَوْنِها مُحِيطَةً لِثَوابِ الطّاعاتِ كالسّاتِرَةِ لِتِلْكَ الطّاعاتِ، فَكانَتِ المُشابَهَةُ حاصِلَةً مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
والثّانِي: أنَّ الكَبِيرَةَ إذا أحْبَطَتْ ثَوابَ الطّاعاتِ فَكَأنَّها اسْتَوْلَتْ عَلى تِلْكَ الطّاعاتِ وأحاطَتْ بِها كَما يُحِيطُ عَسْكَرُ العَدُوِّ بِالإنْسانِ، بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: بَلى مَن كَسَبَ كَبِيرَةً وأحاطَتْ كَبِيرَتُهُ بِطاعاتِهِ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في حَقِّ اليَهُودِ، قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، هَذا هو الوَجْهُ الَّذِي اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في إثْباتِ الوَعِيدِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ.
صفحة ١٣٣
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن مُعَظَّماتِ المَسائِلِ، ولْنَذْكُرْها هَهُنا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ في وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ، فَمِنَ النّاسِ مَن قَطَعَ بِوَعِيدِهِمْ وهم فَرِيقانِ، مِنهم مَن أثْبَتَ الوَعِيدَ المُؤَبَّدَ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ. ومِنهم مَن أثْبَتَ وعِيدًا مُنْقَطِعًا وهو قَوْلُ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ والخالِدِ، ومِنَ النّاسِ مَن قَطَعَ بِأنَّهُ لا وعِيدَ لَهم وهو قَوْلٌ شاذٌّ يُنْسَبُ إلى مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ المُفَسِّرِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْفُو عَنْ بَعْضِ المَعاصِي ولَكِنّا نَتَوَقَّفُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ عَلى التَّعْيِينِ أنَّهُ هَلْ يَعْفُو عَنْهُ أمْ لا، ونَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى إذا عَذَّبَ أحَدًا مِنهم مُدَّةً فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُهُ أبَدًا، بَلْ يَقْطَعُ عَذابَهُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ وأكْثَرِ الإمامِيَّةِ، فَيَشْتَمِلُ هَذا البَحْثُ عَلى مَسْألَتَيْنِ:
إحْداهُما: في القَطْعِ بِالوَعِيدِ.
والأُخْرى: في أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الوَعِيدُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى نَعْتِ الدَّوامِ أمْ لا ؟
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: في الوَعِيدِ: ولْنَذْكُرْ دَلائِلَ المُعْتَزِلَةِ أوَّلًا، ثُمَّ دَلائِلَ المُرْجِئَةِ الخالِصَةَ، ثُمَّ دَلائِلَ أصْحابِنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم عَوَّلُوا عَلى العُمُوماتِ الوارِدَةِ في هَذا البابِ، وتِلْكَ العُمُوماتُ عَلى جِهَتَيْنِ. بَعْضُها ورَدَتْ بِصِيغَةِ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ وبَعْضُها ورَدَتْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ فَآياتٌ:
إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ المَوارِيثِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤]، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصَّوْمَ والحَجَّ والجِهادَ وارْتَكَبَ شُرْبَ الخَمْرِ والزِّنا وقَتْلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ فَهو مُتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العِقابِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، فَمَتى حَمَلَ الخَصْمُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى الكافِرِ دُونَ المُؤْمِنِ كانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ ثُمَّ الَّذِي يُبْطِلُ قَوْلَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حُدُودَهُ في المَوارِيثِ ثُمَّ وعَدَ مَن يُطِيعُهُ في تِلْكَ الحُدُودِ وتَوَعَّدَ مَن يَعْصِيهِ فِيها، ومَن تَمَسَّكَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِهِ تَعالى فَهو أقْرَبُ إلَيْها إلى الطّاعَةِ فِيها مِمَّنْ يَكُونُ مُنْكِرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ ومُكَذِّبًا لِرُسُلِهِ وشَرائِعِهِ، فَتَرْغِيبُهُ في الطّاعَةِ فِيها أخَصُّ مِمَّنْ هو أقْرَبُ إلى الطّاعَةِ فِيها وهو المُؤْمِنُ، ومَتى كانَ المُؤْمِنُ مُرادًا بِأوَّلِ الآيَةِ فَكَذَلِكَ بِآخِرِها.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِهِ الحُدُودُ المَذْكُورَةُ، ثُمَّ عَلَّقَ بِالطّاعَةِ فِيها الوَعْدَ وبِالمَعْصِيَةِ فِيها الوَعِيدَ، فاقْتَضى سِياقُ الآيَةِ أنَّ الوَعِيدَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْصِيَةِ في هَذِهِ الحُدُودِ فَقَطْ دُونَ أنْ يَضُمَّ إلى ذَلِكَ تَعَدِّي حُدُودٍ أُخَرَ، ولِهَذا كانَ مَزْجُورًا بِهَذا الوَعِيدِ في تَعَدِّي هَذِهِ الحُدُودِ فَقَطْ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُرادًا بِهَذا الوَعِيدِ لَما كانَ مَزْجُورًا بِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُؤْمِنَ مُرادٌ بِها كالكافِرِ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَخُصُّها بِالكافِرِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤] جَمْعٌ مُضافٌ والجَمْعُ المُضافُ عِنْدَكم يُفِيدُ العُمُومَ، كَما لَوْ قِيلَ: ضَرَبْتُ عَبِيدِي، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ شامِلًا لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ اخْتَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَن تَعَدّى جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ وذَلِكَ هو الكافِرُ لا مَحالَةَ دُونَ المُؤْمِنِ، قُلْنا: الأمْرُ وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ لَكِنَّهُ وُجِدَتْ قَرائِنُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هَهُنا تَعَدِّي جَمِيعِ الحُدُودِ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فانْصَرَفَ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ إلى تِلْكَ الحُدُودِ.
وثانِيها: أنَّ الأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ مَزْجُورٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ المَعاصِي، ولَوْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ لَكانَ المُؤْمِنُ غَيْرَ مَزْجُورٍ بِها.
وثالِثُها: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى تَعَدِّي جَمِيعِ الحُدُودِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَعِيدِ بِها فائِدَةٌ لِأنَّ أحَدًا مِنَ المُكَلَّفِينَ لا يَتَعَدّى
صفحة ١٣٤
جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ، لِأنَّ في الحُدُودِ ما لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها في التَّعَدِّي لِتَضادِّها، فَإنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن أنْ يَعْتَقِدَ في حالَةٍ واحِدَةٍ مَذْهَبَ الثَّنَوِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ ولَيْسَ يُوجَدُ في المُكَلَّفِينَ مَن يَعْصِي اللَّهَ بِجَمِيعِ المَعاصِي.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى في قاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣]، دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ جَزاؤُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الجَزاءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] .
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] .
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ . ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] .
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى﴾ . ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ [طه: ٧٤، ٧٥] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ مِن أهْلِ العِقابِ الدّائِمِ كَما أنَّ المُؤْمِنَ مِن أهْلِ الثَّوابِ.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ داخِلًا تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.
وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ تَعْدادِ المَعاصِي: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ . ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] بَيَّنَ أنَّ الفاسِقَ كالكافِرِ في أنَّهُ مِن أهْلِ الخُلُودِ، إلّا مَن تابَ مِنَ الفُسّاقِ أوْ آمَنَ مِنَ الكُفّارِ.
والحادِيَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل: ٨٩، ٩٠] الآيَةَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ كُلَّها مُتَوَعَّدٌ عَلَيْها كَما أنَّ الطّاعاتِ كُلَّها مَوْعُودٌ عَلَيْها.
والثّانِيَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ . ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧، ٣٨، ٣٩] . .
والثّالِثَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] الآيَةَ، ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الكافِرِ والفاسِقِ.
والرّابِعَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الآيَةَ، فَحَكى في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلَ المُرْجِئَةِ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَذَّبَهم فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فَهَذِهِ هي الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في المَسْألَةِ لِاشْتِمالِها عَلى صِيغَةِ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُفِيدُ العُمُومَ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ لَكانَتْ إمّا مَوْضُوعَةً لِلْخُصُوصِ أوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُما والقِسْمانِ باطِلانِ، فَوَجَبَ كَوْنُها مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ، أمّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلْخُصُوصِ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حَسُنَ مِنَ المُتَكَلِّمِ أنْ يُعْطِيَ الجَزاءَ لِكُلِّ مَن أتى بِالشَّرْطِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ ذَلِكَ الجَزاءُ مُرَتَّبًا عَلى ذَلِكَ الشَّرْطِ، لَكِنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إذا قالَ: مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ أنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُكْرِمَ كُلَّ مَن دَخَلَ دارَهُ فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ لِلْخُصُوصِ، وأمّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلِاشْتِراكِ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الِاشْتِراكَ خِلافُ الأصْلِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما عُرِفَ كَيْفِيَّةُ تَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنْ جَمِيعِ الأقْسامِ المُمْكِنَةِ مِثْلَ أنَّهُ إذا قالَ: مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ، فَيُقالُ لَهُ: أرَدْتَ الرِّجالَ أوِ النِّساءَ، فَإذا قالَ: أرَدْتُ الرِّجالَ يُقالُ لَهُ: أرَدْتَ العَرَبَ أوِ العَجَمَ، فَإذا قالَ: أرَدْتُ العَرَبَ يُقالُ لَهُ: أرَدْتَ رَبِيعَةَ أوْ
صفحة ١٣٥
مُضَرَ وهَلُمَّ جَرًّا إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى جَمِيعِ التَّقْسِيماتِ المُمْكِنَةِ، ولَمّا عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ مِن عادَةِ أهِلِ اللِّسانِ قُبْحَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالِاشْتِراكِ باطِلٌ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا قالَ: مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ حَسُنَ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ العُقَلاءِ مِنهُ، والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فِيهِ لِأنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ المُسْتَثْنى مِنَ الجِنْسِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ مَعَ الصِّحَّةِ الوُجُوبُ أوْ لا يُعْتَبَرَ والأوَّلُ باطِلٌ.
أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجَمْعِ المُنَكَّرِ كَقَوْلِهِ: جاءَنِي الفُقَهاءُ إلّا زَيْدًا وبَيْنَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ كَقَوْلِهِ: جاءَنِي الفُقَهاءُ إلّا زَيْدًا فَرْقٌ لِصِحَّةِ دُخُولِ زَيْدٍ في الكَلامَيْنِ، لَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ.
وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ العَدَدِ يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا فائِدَةَ الِاسْتِثْناءِ في جَمِيعِ المَواضِعِ لِأنَّ أحَدًا مِن أهْلِ اللُّغَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ الدّاخِلِ عَلى العَدَدِ وبَيْنَ الدّاخِلِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فِيهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ صِيغَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآيَةَ، قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: لَأخْصِمَنَّ مُحَمَّدًا ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ ألَيْسَ قَدْ عُبِدَتِ المَلائِكَةُ ألَيْسَ قَدْ عُبِدَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ العُمُومَ.
* * *
النَّوْعُ الثّانِي: مِن دَلائِلِ المُعْتَزِلَةِ: التَّمَسُّكُ في الوَعِيدِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُعَرَّفَةِ بِالألِفِ واللّامِ وهي في آياتٍ إحْداها:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] واعْلَمْ أنَّ القاضِيَ والجُبّائِيَّ وأبا الحَسَنِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ العُمُومَ، وأبُو هاشِمٍ يَقُولُ: إنَّها لا تُفِيدُ العُمُومَ، فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّها لِلْعُمُومِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأنْصارَ لَمّا طَلَبُوا الإمامَةَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الأئِمَّةُ مِن قُرَيْشٍ» “ والأنْصارُ سَلَّمُوا تِلْكَ الحُجَّةَ ولَوْ لَمْ يَدُلَّ الجَمْعُ المُعَرَّفُ بِلامِ الجِنْسِ عَلى الِاسْتِغْراقِ لَما صَحَّتْ تِلْكَ الدَّلالَةُ لِأنَّ قَوْلَنا: بَعْضُ الأئِمَّةِ مِن قُرَيْشٍ لا يُنافِي وُجُودَ إمامٍ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ. أمّا كَوْنُ كُلِّ الأئِمَّةِ مِن قُرَيْشٍ يُنافِي كَوْنَ بَعْضِ الأئِمَّةِ مِن غَيْرِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ لَمّا هَمَّ بِقِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ: ألَيْسَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» “ احْتَجَّ عَلى أبِي بَكْرٍ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أبُو بَكْرٍ ولا أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ: إنِ اللَّفْظَ لا يُفِيدُهُ بَلْ عَدَلَ إلى الِاسْتِثْناءِ، فَقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”إلّا بِحَقِّها“ وإنْ كانَ الزَّكاةُ مِن حَقِّها.
وثانِيها: أنَّ هَذا الجَمْعَ يُؤَكَّدُ بِما يَقْتَضِي الِاسْتِغْراقَ، فَوَجَبَ أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، أمّا أنَّهُ يُؤَكَّدُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وأمّا أنَّهُ بَعْدَ التَّأْكِيدِ يَقْتَضِي الِاسْتِغْراقَ، فَبِالإجْماعِ، وأمّا أنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ وجَبَ كَوْنُ المُؤَكَّدِ في أصْلِهِ لِلِاسْتِغْراقِ لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مُسَمّاةٌ بِالتَّأْكِيدِ إجْماعًا، والتَّأْكِيدُ هو تَقْوِيَةُ الحُكْمِ الَّذِي كانَ ثابِتًا في الأصْلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِغْراقُ حاصِلًا في الأصْلِ، وإنَّما حَصَلَ
صفحة ١٣٦
بِهَذِهِ الألْفاظِ ابْتِداءً لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ هَذِهِ الألْفاظِ في تَقْوِيَةِ الحُكْمِ، بَلْ في إعْطاءِ حُكْمٍ جَدِيدٍ، وكانَتْ مُبِيِّنَةً لِلْمُجْمَلِ لا مُؤَكِّدَةً، وحَيْثُ أجْمَعُوا عَلى أنَّها مُؤَكِّدَةٌ عَلِمْنا أنَّ اقْتِضاءَ الِاسْتِغْراقِ كانَ حاصِلًا في الأصْلِ.
وثالِثُها: أنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلا في الِاسْمِ صارَ الِاسْمُ مَعْرِفَةً، كَذا نُقِلَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، فَيَجِبُ صَرْفُهُ إلى ما بِهِ تَحْصُلُ المَعْرِفَةُ، وإنَّما تَحْصُلُ المَعْرِفَةُ عِنْدَ إطْلاقِهِ بِصَرْفِهِ إلى الكُلِّ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِ، وأمّا صَرْفُهُ إلى ما دُونَ الكُلِّ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ المَعْرِفَةَ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ الجَمْعِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَكانَ يَبْقى مَجْهُولًا. فَإنْ قُلْتَ: إذا أفادَ جَمْعًا مَخْصُوصًا مِن ذَلِكَ الجِنْسِ فَقَدْ أفادَ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الجِنْسِ، قُلْتُ: هَذِهِ الفائِدَةُ كانَتْ حاصِلَةً بِدُونِ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: رَأيْتُ رِجالًا، أفادَ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الجِنْسِ وتَمَيُّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ لِلْألِفِ واللّامِ فائِدَةً زائِدَةً وما هي إلّا الِاسْتِغْراقُ.
ورابِعُها: أنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ أيِّ واحِدٍ كانَ مِنهُ وذَلِكَ يُفِيدُ العُمُومَ.
وخامِسُها: الجَمْعُ المُعَرَّفُ في اقْتِضاءِ الكَثْرَةِ فَوْقَ المُنَكَّرِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ انْتِزاعُ المُنَكَّرِ مِنَ المُعَرَّفِ ولا يَنْعَكِسُ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ رِجالًا مِنَ الرِّجالِ، ولا يُقالُ رَأيْتُ الرِّجالَ مِن رِجالٍ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُنْتَزَعَ مِنهُ أكْثَرُ مِنَ المُنْتَزَعِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ المَفْهُومَ مِنَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ، إمّا الكُلُّ أوْ ما دُونَهُ، والثّانِي: باطِلٌ لِأنَّهُ ما مِن عَدَدٍ دُونَ الكُلِّ إلّا ويَصِحُّ انْتِزاعُهُ مِنَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المُنْتَزَعَ مِنهُ أكْثَرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ المُعَرَّفُ مُفِيدًا لِلْكُلِّ واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا عَلى طَرِيقَةِ أبِي هاشِمٍ، وهي أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ لا يُفِيدُ العُمُومَ فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] يَقْتَضِي أنَّ الفُجُورَ هي العِلَّةُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ لَزِمَ عُمُومُ الحُكْمِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ وهو المَطْلُوبُ، وفي هَذا البابِ طَرِيقَةٌ ثالِثَةٌ يَذْكُرُها النَّحْوِيُّونَ وهي أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ﴾ لَيْسَتْ لامَ تَعْرِيفٍ، بَلْ هي بِمَعْنى الَّذِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تُجابُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وكَما تَقُولُ: الَّذِي يَلْقانِي فَلَهُ دِرْهَمٌ.
الثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي دَخَلَتْ هَذِهِ اللّامُ عَلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١٨] فَلَوْلا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ﴾ بِمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ اصَدَّقُوا لَما صَحَّ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] مَعْناهُ: إنَّ الَّذِينَ فَجَرُوا فَهم في الجَحِيمِ، وذَلِكَ يُفِيدُ العُمُومَ.
الآيَةُ الثّانِيَةُ في هَذا البابِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ولَفْظُ المُجْرِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ مُعَرَّفَةٌ بِالألِفِ واللّامِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [فاطر: ٤٥] بَيَّنَ أنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقابَهم إلى يَوْمٍ آخَرَ وذَلِكَ إنَّما يَصْدُقُ أنْ لَوْ حَصَلَ عِقابُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ.
* * *
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ العُمُوماتِ: صِيَغُ الجُمُوعِ المَقْرُونَةُ بِحَرْفِ الَّذِي:
فَأحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ١] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] فَبَيَّنَ ما يُسْتَحَقُّ عَلى تَرْكِ الهِجْرَةِ وتَرْكِ النُّصْرَةِ وإنْ كانَ مُعْتَرَفًا بِاللَّهِ
صفحة ١٣٧
ورَسُولِهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] ولَمْ يَفْصِلْ في الوَعِيدِ بَيْنَ الكافِرِ وغَيْرِهِ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] .
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] ولَوْ لَمْ يَكُنِ الفاسِقُ مِن أهْلِ الوَعِيدِ والعَذابِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا القَوْلِ مَعْنًى، بَلْ لَمْ يَكُنْ بِهِ إلى التَّوْبَةِ حاجَةٌ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] فَبَيَّنَ ما عَلى الفاسِقِ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] .
* * *
النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ العُمُوماتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] تَوَعُّدٌ عَلى مَنعِ الزَّكاةِ.
النَّوْعُ الخامِسُ مِنَ العُمُوماتِ: لَفْظَةُ ”كُلٍّ“ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس: ٥٤] فَبَيَّنَ ما يَسْتَحِقُّ الظّالِمُ عَلى ظُلْمِهِ.
النَّوْعُ السّادِسُ: ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ما تَوَعَّدَهم بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٨، ٢٩] بَيَّنَ أنَّهُ لا يُبَدَّلُ قَوْلُهُ في الوَعِيدِ، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ العِلَّةَ في إزاحَةِ العُذْرِ تَقْدِيمَ الوَعِيدِ، أيْ بَعْدَ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ لَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عِلَّةٌ ولا مَخْلَصٌ مِن عَذابِهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ما دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَهَذا مَجْمُوعُ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن عُمُوماتِ القُرْآنِ.
* * *
أمّا عُمُوماتُ الأخْبارِ فَكَثِيرَةٌ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: المَذْكُورُ بِصِيغَةِ ”مَن“:
أحَدُها: ما رَوى وقّاصُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أكَلَ بِأخِيهِ أكْلَةً أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن نارِ جَهَنَّمَ، ومَن أخَذَ بِأخِيهِ كِسْوَةً كَساهُ اللَّهُ مِن نارِ جَهَنَّمَ ومَن قامَ مَقامَ رِياءٍ وسُمْعَةٍ أقامَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَقامَ رِياءٍ وسُمْعَةٍ» “ وهَذا نَصٌّ في وعِيدِ الفاسِقِ، ومَعْنى أقامَهُ: أيْ جازاهُ عَلى ذَلِكَ.
وثانِيها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كانَ ذا لِسانَيْنِ وذا وجْهَيْنِ كانَ في النّارِ ذا لِسانَيْنِ وذا وجْهَيْنِ» “ ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ المُنافِقِ وبَيْنَ غَيْرِهِ في هَذا البابِ.
وثالِثُها: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قالَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن سَبْعِ أرَضِينَ» .
ورابِعُها: عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ «المُؤْمِنُ مَن أمِنَهُ النّاسُ، والمُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هاجَرَ السُّوءَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَبْدٌ لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» ”. وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى وعِيدِ الفاسِقِ الظّالِمِ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ ولا مُسْلِمٍ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِنَ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.
وخامِسُها: عَنْ ثَوْبانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:“ «مَن جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بَرِيئًا مِن ثَلاثَةٍ، دَخَلَ الجَنَّةَ: الكِبْرِ والغُلُولِ والدَّيْنِ» ”، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى، والمُرادُ مِنَ الدَّيْنِ مَن ماتَ عاصِيًا مانِعًا ولَمْ يُرِدِ التَّوْبَةَ ولَمْ يَتُبْ عَنْهُ.
وسادِسُها: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:“ «مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ الجَنَّةِ، ومَن أبْطَأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» ”. وهَذا نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ لا يَكُونُ إلّا بِالطّاعَةِ والخَلاصَ مِنَ النّارِ لا يَكُونُ إلّا بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
وسابِعُها: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ
صفحة ١٣٨
وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا ولَمْ يَتُبْ مِنها لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ» ”، وهو صَرِيحٌ في وعِيدِ الفاسِقِ وأنَّهُ مِن أهْلِ الخُلُودِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَشْرَبْها لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
وثامِنُها: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَعَلَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَإنَّما قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» ”.
وتاسِعُها: عَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحّاكِ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «مَن حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوى الإسْلامِ كاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهو كَما قالَ ومَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ يُعَذَّبُ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ» ”.
وعاشِرُها: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّلاةِ:“ «مَن حافَظَ عَلَيْها كانَتْ لَهُ نُورًا وبُرْهانًا ونَجاةً يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن لَمْ يُحافِظْ عَلَيْها لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا ولا بُرْهانًا ولا نَجاةً ولا ثَوابًا وكانَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قارُونَ وهامانَ وفِرْعَوْنَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» ”. وهَذا نَصٌّ في أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ يُحْبِطُ العَمَلَ ويُوجِبُ وعِيدَ الأبَدِ.
الحادِيَ عَشَرَ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «مَن لَقِيَ اللَّهَ مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعابِدِ وثَنٍ» ”، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَكْفُرُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ إحْباطُ العَمَلِ.
الثّانِيَ عَشَرَ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها بَطْنَهُ يَهْوِي في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا، ومَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهو مُتَرَدٍّ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» ”.
الثّالِثَ عَشَرَ: عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هم خابُوا وخَسِرُوا ؟ قالَ: المُسْبِلُ والمَنّانُ والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ كاذِبًا» ”، يَعْنِي بِالمُسْبِلِ المُتَكَبِّرَ الَّذِي يُسْبِلُ إزارَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ ولَمْ يَرْحَمْهُ ولَهُ عَذابٌ ألِيمٌ فَهو مِن أهْلِ النّارِ، ووُرُودُهُ في الفاسِقِ نَصٌّ في البابِ.
الرّابِعَ عَشَرَ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «مَن تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمّا يُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللَّهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إلّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ»، ومَن لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ في النّارِ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ أوْ في النّارِ.
الخامِسَ عَشَرَ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كَتَمَ عِلْمًا أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ» “ .
السّادِسَ عَشَرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبًا لِيَقْطَعَ بِها مالَ أخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، وهَذا نَصٌّ في الوَعِيدِ ونَصٌّ في أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في الفُسّاقِ كَوُرُودِها في الكُفّارِ.
السّابِعَ عَشَرَ: عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فاجِرَةٍ لِيَقْطَعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وأوْجَبَ لَهُ النّارَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وإنْ كانَ شَيْئًا يَسِيرًا، قالَ: وإنْ كانَ قَضِيبًا مِن أراكٍ» “ .
الثّامِنَ عَشَرَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَأتاهُ رَجُلٌ وقالَ: إنِّي رَجُلٌ مَعِيشَتِي مِن هَذِهِ التَّصاوِيرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”مَن صَوَّرَ فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتّى يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ ولَيْسَ بِنافِخٍ، ومَنِ اسْتَمَعَ إلى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ مِنهُ صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ ومَن يُرِي عَيْنَيْهِ في المَنامِ ما لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ» “ .
التّاسِعَ عَشَرَ: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«ما مِن عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» “ .
العِشْرُونَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ في مُناظَرَتِهِ مَعَ عُثْمانَ حِينَ أرادَ أنْ يُوَلِّيَهُ القَضاءَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«مَن كانَ قاضِيًا يَقْضِي بِالجَهْلِ كانَ مِن أهْلِ النّارِ، ومَن كانَ قاضِيًا يَقْضِي بِالجَوْرِ كانَ مِن أهْلِ النّارِ» “ .
الحادِي والعِشْرُونَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَنِ ادَّعى أبًا في الإسْلامِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ» “ .
الثّانِي والعِشْرُونَ: عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن قَتَلَ نَفْسًا مُعاهِدًا لَمْ يَرَحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ» “، وإذا
صفحة ١٣٩
كانَ في قَتْلِ الكُفّارِ هَكَذا فَما ظَنُّكَ بِقَتْلِ أوْلادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
الثّالِثُ والعِشْرُونَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» “ وإذا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
* * *
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ العُمُوماتِ الإخْبارِيَّةِ الوارِدَةِ لا بِصِيغَةِ ”مَن“ وهي كَثِيرَةٌ جِدًّا:
الأوَّلُ: عَنْ نافِعٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِسْكِينٌ مُتَكَبِّرٌ ولا شَيْخٌ زانٍ ولا مَنّانٌ عَلى اللَّهِ بِعَمَلِهِ» “، ومَن لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مِن أهْلِ النّارِ بِالإجْماعِ.
الثّانِي: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثَةٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وعَبْدٌ نَصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وثَلاثَةٌ يَدْخُلُونَ النّارَ: أمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وذُو ثَرْوَةٍ مِن مالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وفَقِيرٌ فَخُورٌ» “ .
الثّالِثُ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحِمَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن خَلْقِهِ قامَتِ الرَّحِمُ، فَقالَتْ هَذا مَقامُ العائِذِ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: نَعَمْ، ألا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ وأقْطَعَ مَن قَطَعَكِ ؟ قالَتْ: بَلى. قالَ: فَهو ذاكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ فاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ»﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]، وهَذا نَصٌّ في وعِيدِ قاطِعِ الرَّحِمِ وتَفْسِيرِ الآيَةِ، وفي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «قالَ اللَّهُ تَعالى: (أنا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وشَقَقْتُ لَها اسْمًا مِنِ اسْمِي فَمَن وصَلَها وصَلْتُهُ ومَن قَطَعَها قَطَعْتُهُ») . وفي حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «ما مِن ذَنْبٍ أجْدَرُ أنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصاحِبِهِ العُقُوبَةَ في الدُّنْيا مَعَ ما يَدَّخِرُهُ في الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» .
الرّابِعُ: عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَعْضِ الحاضِرِينَ: ”«ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. قالَ: فَما حَقُّهم عَلى اللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ [ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ] قالَ: أنْ يَغْفِرَ لَهم ولا يُعَذِّبَهم» “ . ومَعْلُومٌ أنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهم إذا لَمْ يَعْبُدُوهُ.
الخامِسُ: عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا اقْتَتَلَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فَقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ.
السّادِسُ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ» “ .
السّابِعُ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُبْغِضُ أهْلَ البَيْتِ رَجُلٌ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ النّارَ» “، وإذا اسْتَحَقُّوا النّارَ بِبُغْضِهِمْ فَلَأنْ يَسْتَحِقُّوها بِقَتْلِهِمْ أوْلى.
الثّامِنُ: «فِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنّا خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عامِ خَيْبَرَ إلى أنْ كُنّا بِوادِي القُرى، فَبَيْنَما يَحْفَظُ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ سَهْمٌ وقَتَلَهُ فَقالَ النّاسُ هَنِيئًا لَهُ الجَنَّةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَلّا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخَذَها يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنَ الغَنائِمِ لَمْ يُصِبْها المَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا“ . فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ بِذَلِكَ جاءَ رَجُلٌ بِشِراكٍ أوْ بِشِراكَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: شِراكٌ مِن نارٍ أوْ شِراكانِ مِنَ النّارِ» .
التّاسِعُ: عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ وقاطِعُ الرَّحِمِ ومُصَدِّقُ السِّحْرِ» “ . العاشِرُ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِن عَبْدٍ لَهُ مالٌ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ إلّا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ صَفائِحَ مِن نارِ جَهَنَّمَ يُكْوى بِها جَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ» “ .
* * *
هَذا مَجْمُوعُ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ بِعُمُوماتِ القُرْآنِ والأخْبارِ. أجابَ أصْحابُنا عَنْها مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ صِيغَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ إذا كانَتْ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ لِلْعُمُومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
صفحة ١٤٠
الأوَّلُ: أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلى هاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ، كُلُّ مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ وبَعْضُ مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ، ويُقالُ أيْضًا: كُلُّ النّاسِ كَذا، وبَعْضُ النّاسِ كَذا، ولَوْ كانَتْ لَفْظَةُ ”مَن“ لِلشَّرْطِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ لَكانَ إدْخالُ لَفْظِ الكُلِّ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا وإدْخالُ لَفْظِ البَعْضِ عَلَيْهِ نَقْضًا، وكَذَلِكَ في لَفْظِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لا تُفِيدُ العُمُومَ.
الثّانِي: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ جاءَتْ في كِتابِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنها تارَةً الِاسْتِغْراقُ وأُخْرى البَعْضُ، فَإنَّ أكْثَرَ عُمُوماتِ القُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ، والمَجازُ والِاشْتِراكُ خِلافُ الأصْلِ ولا بُدَّ مِن جَعْلِهِ حَقِيقَةً في القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العُمُومِ والخُصُوصِ وذَلِكَ هو أنْ يُحْمَلَ عَلى إفادَةِ الأكْثَرِ مِن غَيْرِ بَيانٍ أنَّهُ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ أوْ لا يُفِيدُ.
الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَوْ أفادَتِ العُمُومَ إفادَةً قَطْعِيَّةً لاسْتَحالَ إدْخالُ لَفْظِ التَّأْكِيدِ عَلَيْها، لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ فَحَيْثُ حَسُنَ إدْخالُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلَيْها عَلِمْنا أنَّها لا تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ لا مَحالَةَ، سَلَّمْنا أنَّها تُفِيدُ مَعْنى [ العُمُومِ ] ولَكِنْ إفادَةً قَطْعِيَّةً أوْ ظَنِّيَّةً ؟ الأوَّلُ: مَمْنُوعٌ وباطِلٌ قَطْعًا لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ النّاسَ كَثِيرًا ما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأكْثَرِ بِلَفْظِ الكُلِّ والجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإذا كانَتْ هَذِهِ الألْفاظُ تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ إفادَةً ظَنِّيَّةً، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ فِيها بِهَذِهِ العُمُوماتِ، سَلَّمْنا أنَّها تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ إفادَةً قَطْعِيَّةً ولَكِنْ لا بُدَّ مِنِ اشْتِراطِ أنْ لا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ المُخَصِّصاتِ، فَإنَّهُ لا نِزاعَ في جَوازِ تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إلى العامِّ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنَ المُخَصِّصاتِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: بَحَثْنا فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ المُخَصِّصاتِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ. وإذا كانَتْ إفادَةُ هَذِهِ الألْفاظِ لِمَعْنى الِاسْتِغْراقِ مُتَوَقِّفَةً عَلى نَفْيِ المُخَصِّصاتِ وهَذا الشَّرْطُ غَيْرُ مَعْلُومٍ كانَتِ الدَّلالَةُ مَوْقُوفَةً عَلى شَرْطٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ الدَّلالَةُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَقامَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] حَكَمَ عَلى كُلِّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ إنّا شاهَدْنا قَوْمًا مِنهم قَدْ آمَنُوا فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ:
إمّا لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلشُّمُولِ أوْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لِهَذا المَعْنى إلّا أنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَعْلَمُونَ لِأجْلِها أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا العُمُومِ هو الخُصُوصُ. وأمّا ما كانَ هُناكَ فَلَمْ يَجُزْ مِثْلُهُ هَهُنا ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ المُخَصِّصِ، لَكِنَّ آياتِ العَفْوِ مُخَصِّصَةٌ لَها والرُّجْحانُ مَعَنا لِأنَّ آياتِ العَفْوِ بِالنِّسْبَةِ إلى آياتِ الوَعِيدِ خاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إلى العامِّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ لا مَحالَةَ، سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ المُخَصِّصُ ولَكِنَّ عُمُوماتِ الوَعِيدِ مُعارَضَةٌ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ وهو مَعَنا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ أدْخَلُ في الكَرْمِ مِنَ الوَفاءِ بِالوَعِيدِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ في الأخْبارِ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سابِقَةٌ عَلى غَضَبِهِ وغالِبَةٌ عَلَيْهِ فَكانَ تَرْجِيحُ عُمُوماتِ الوَعْدِ أوْلى.
الثّالِثُ: وهو أنَّ الوَعِيدَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى والوَعْدَ حَقُّ العَبْدِ، وحَقُّ العَبْدِ أوْلى بِالتَّحْصِيلِ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى، سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ المُعارِضُ، ولَكِنَّ هَذِهِ العُمُوماتِ نَزَلَتْ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلا تَكُونُ قاطِعَةً في العُمُوماتِ، فَإنْ قِيلَ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قُلْنا: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ، ولَكِنْ لَمّا رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ الألْفاظِ العامَّةِ
صفحة ١٤١
ورَدَتْ في الأسْبابِ الخاصَّةِ، والمُرادُ تِلْكَ الأسْبابُ الخاصَّةُ فَقَطْ عَلِمْنا أنَّ إفادَتَها لِلْعُمُومِ لا يَكُونُ قَوِيًّا واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا الَّذِينَ قَطَعُوا بِنَفْيِ العِقابِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ الخِزْيِ والسُّوءِ والعَذابِ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِأحَدٍ سِوى الكافِرِينَ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، حَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ الذُّنُوبِ ولَمْ يَعْتَبِرِ التَّوْبَةَ ولا غَيْرَها، وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِغُفْرانِ كُلِّ الذُّنُوبِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وكَلِمَةُ ”عَلى“ تُفِيدُ الحالَ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ المَلِكَ عَلى أكْلِهِ، أيْ رَأيْتُهُ حالَ اشْتِغالِهِ بِالأكْلِ، فَكَذا هَهُنا وجَبَ أنْ يَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهُ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالظُّلْمِ، وحالُ الِاشْتِغالِ بِالظُّلْمِ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ التَّوْبَةِ مِنهم، فَعَلِمْنا أنَّهُ يَحْصُلُ الغُفْرانُ بِدُونِ التَّوْبَةِ ومُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَغْفِرَ لِلْكافِرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إلّا أنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ هُناكَ فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي. والفَرْقُ أنَّ الكُفْرَ أعْظَمُ حالًا مِنَ المَعْصِيَةِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٤]، وكُلُّ نارٍ فَإنَّها مُتَلَظِّيَةٌ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ إنَّ النّارَ لا يَصْلاها إلّا الأشْقى الَّذِي هو المُكَذِّبُ المُتَوَلِّي.
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ مُكَذِّبٌ. لا يُقالُ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ في الكُفّارِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ قَبْلَهُ: ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٦ - ٨] .
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ هَذا مِن قَوْلِ جَمِيعِ الكُفّارِ لِأنّا نَقُولُ: دَلالَةُ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الكُفّارِ لا تَمْنَعُ مِن عُمُومِ ما بَعْدَها.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ الكُفّارِ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ عَلى مُحَمَّدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ.
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] وهَذا بِناءُ المُبالَغَةِ فَوَجَبَ أنْ يَخْتَصَّ بِالكُفْرِ الأصْلِيِّ.
السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَعْدَما أخْبَرَ أنَّ النّاسَ صِنْفانِ: بِيضُ الوُجُوهِ وسُودُهم قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فَذَكَرَ أنَّهُمُ الكُفّارُ.
والثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى بَعْدَما جَعَلَ النّاسَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، السّابِقُونَ وأصْحابُ المَيْمَنَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ، بَيَّنَ أنَّ السّابِقِينَ وأصْحابَ المَيْمَنَةِ في الجَنَّةِ وأصْحابَ المَشْأمَةِ في النّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كُفّارٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] .
التّاسِعُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُخْزى وكُلُّ مَن أُدْخِلَ النّارَ فَإنَّهُ يُخْزى فَإذَنْ صاحِبُ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ وإنَّما قُلْنا: إنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُخْزى لِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ والمُؤْمِنُ لا يُخْزى، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مُؤْمِنٌ لِما سَبَقَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] مِن أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُؤْمِنَ لا يُخْزى لِوُجُوهٍ:
صفحة ١٤٢
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى أنْ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْخُلُ فِيهِ العاصِي والزّانِي وشارِبُ الخَمْرِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى اسْتَجابَ لَهم في ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُخْزِيهِمْ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى لا يُخْزِي عُصاةَ أهْلِ القِبْلَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أُدْخِلَ النّارَ فَقَدْ أُخْزِيَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ.
العاشِرُ: العُمُوماتُ الكَثِيرَةُ الوارِدَةُ في الوَعْدِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥]، فَحَكَمَ بِالفَلاحِ عَلى كُلِّ مَن آمَنَ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢] نَكِرَةٌ في الإثْباتِ فَيَكْفِي فِيهِ الإثْباتُ بِعَمَلٍ واحِدٍ وقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] وإنَّها كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولَنا فِيهِ رِسالَةٌ مُفْرَدَةٌ مَن أرادَها فَلْيُطالِعْ تِلْكَ الرِّسالَةَ.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّها مُعارَضَةٌ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الآياتِ يَجِيءُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* * *
أمّا أصْحابُنا الَّذِينَ قَطَعُوا بِالعَفْوِ في حَقِّ البَعْضِ وتَوَقَّفُوا في البَعْضِ فَقَدِ احْتَجُّوا مِنَ القُرْآنِ بِآياتٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى عَفُوًّا غَفُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] وأيْضًا أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ عِبادِهِ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ أسْمائِهِ العَفُوَّ فَنَقُولُ: العَفْوُ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ أوْ عَمَّنْ لا يَحْسُنُ عِقابُهُ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ عِقابَ مَن لا يَحْسُنُ عِقابُهُ قَبِيحٌ، ومَن تَرَكَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: إنَّهُ عَفا، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَظْلِمْ أحَدًا لا يُقالُ: أنَّهُ عَفا عَنْهُ، إنَّما يُقالُ لَهُ: عَفا إذا كانَ لَهُ أنْ يُعَذِّبَهُ فَتَرَكَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، فَلَوْ كانَ العَفْوُ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَنِ التّائِبِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ العَفْوَ عِبارَةٌ عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ وذَلِكَ هو مَذْهَبُنا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، قالَ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] وقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] وقالَ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [طه: ٨٢] وقالَ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . والمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ لا يَحْسُنُ
صفحة ١٤٣
عِقابُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ صِفَةَ المَغْفِرَةِ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلى العِبادِ ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ لَمْ يَبْقَ هَذا المَعْنى لِأنَّ تَرْكَ القَبِيحِ لا يَكُونُ مِنَّةً عَلى العَبْدِ بَلْ كَأنَّهُ أحْسَنَ إلى نَفْسِهِ فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ واللَّوْمَ والخُرُوجَ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ فَهو بِتَرْكِ القَبائِحِ لا يَسْتَحِقُّ الثَّناءَ مِنَ العَبْدِ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو المَطْلُوبُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العَفْوَ مُسْتَعْمَلٌ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنِ الدُّنْيا قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ اليَهُودِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] والمُرادُ لَيْسَ إسْقاطَ العِقابِ، بَلْ تَأْخِيرَهُ إلى الآخِرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أيْ ما يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى مِن مَصائِبِ عِقابِهِ إمّا عَلى جِهَةِ المِحْنَةِ أوْ عَلى جِهَةِ العُقُوبَةِ المُعَجَّلَةِ فَبِذُنُوبِكم ولا يُعَجِّلُ المِحْنَةَ والعِقابَ عَلى كَثِيرٍ مِنها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] أيْ لَوْ شاءَ إهْلاكَهُنَّ لَأهْلَكَهُنَّ ولا يُهْلِكُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
والجَوابُ: العَفْوُ أصْلُهُ مِن عَفا أثَرَهُ أيْ أزالَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُسَمّى مِنَ العَفْوِ الإزالَةَ لِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّأْخِيرُ، بَلِ الإزالَةُ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّأْخِيرَ إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، بَلِ الإسْقاطُ المُطْلَقُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ لا يَتَناوَلُ التَّأْخِيرَ أنَّ الغَرِيمَ إذا أخَّرَ المُطالَبَةَ لا يُقالُ: إنَّهُ عَفا عَنْهُ ولَوْ أسْقَطَهُ يُقالُ: إنَّهُ عَفا عَنْهُ فَثَبَتَ أنَّ العَفْوَ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّأْخِيرِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا، والِاسْتِدْلالُ بِها أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ إمّا أنْ تَظْهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُطِيعِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ أوْ إلى العُصاةِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ رَحْمَتَهُ في حَقِّهِمْ إمّا أنْ تَحْصُلَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ الثَّوابَ الَّذِي هو حَقُّهم أوْ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِما هو أزْيَدُ مِن حَقِّهِمْ. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ أداءَ الواجِبِ لا يُسَمّى رَحْمَةً، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِينارٍ فَأخَذَها مِنهُ قَهْرًا وتَكْلِيفًا لا يُقالُ في المُعْطِي إنَّهُ أعْطى الآخِذَ ذَلِكَ القَدْرَ رَحْمَةً، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ المُكَلَّفَ صارَ بِما أخَذَ مِنَ الثَّوابِ الَّذِي هو حَقُّهُ كالمُسْتَثْنى عَنْ ذَلِكَ التَّفَضُّلِ فَتِلْكَ الزِّيادَةُ تُسَمّى زِيادَةً في الإنْعامِ ولا تُسَمّى البَتَّةَ رَحْمَةً، ألا تَرى أنَّ السُّلْطانَ المُعَظَّمَ إذا كانَ في خِدْمَتِهِ أمِيرٌ لَهُ ثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ ومَمْلَكَةٌ كامِلَةٌ، ثُمَّ إنَّ السُّلْطانَ ضَمَّ إلى مالِهِ مِنَ المُلْكِ مَمْلَكَةً أُخْرى، فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ رَحِمَهُ بَلْ يُقالُ: زادَ في الإنْعامِ عَلَيْهِ فَكَذا هَهُنا.
أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنَّ رَحْمَتَهُ إنَّما تَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَسْتَحِقُّ العِقابَ، فَإمّا أنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ لِأنَّهُ تَعالى تَرَكَ العَذابَ الزّائِدَ عَلى العَذابِ المُسْتَحَقِّ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ واجِبٌ والواجِبُ لا يُسَمّى رَحْمَةً ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ كافِرٍ وظالِمٍ رَحِيمًا عَلَيْنا لِأجْلِ أنَّهُ ما ظَلَمَنا، فَبَقِيَ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَحِيمًا لِأنَّهُ تَرَكَ العِقابَ المُسْتَحَقَّ وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ في حَقِّ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ ولا في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لِأنَّ تَرْكَ عِقابِهِمْ واجِبٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهُ تَرَكَ عِقابَ صاحِبِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ لِأجْلِ أنَّ الخَلْقَ والتَّكْلِيفَ والرِّزْقَ كُلَّها تَفَضُّلٌ، ولِأنَّهُ تَعالى يُخَفِّفُ عَنْ عِقابِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ ؟ قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَإنَّهُ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَحِيمًا في الدُّنْيا فَأيْنَ رَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ مَعَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن رَحْمَتِهِ في الدُّنْيا. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ عِنْدَكُمُ التَّخْفِيفَ عَنِ العِقابِ غَيْرُ جائِزٍ هَكَذا
صفحة ١٤٤
قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ الوَعِيدِيَّةِ، إذا ثَبَتَ حُصُولُ التَّخْفِيفِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ ثَبَتَ جَوازُ العَفْوِ لِأنَّ كُلَّ مَن قالَ بِأحَدِهِما قالَ بِالآخَرِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَنَقُولُ: ”لِمَن يَشاءُ“ لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ صاحِبَ الصَّغِيرَةِ ولا صاحِبَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الصَّغِيرَةِ ولا عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ تَفَضُّلًا لا أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ اسْتِحْقاقًا دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ والسَّمْعُ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ ويَتَفَضَّلُ بِغُفْرانِ ما دُونَ ذَلِكَ الشِّرْكِ حَتّى يَكُونَ النَّفْيُ والإثْباتُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: فُلانٌ لا يَتَفَضَّلُ بِمِائَةِ دِينارٍ ويُعْطِي ما دُونَها لِمَنِ اسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ كَلامًا مُنْتَظِمًا، ولَمّا كانَ غُفْرانُ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُسْتَحَقًّا امْتَنَعَ كَوْنُهُما مُرادَيْنِ بِالآيَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّهُ يَغْفِرُ المُسْتَحِقِّينَ كالتّائِبِينَ وأصْحابِ الصَّغائِرِ لَمْ يَبْقَ لِتَمْيِيزِ الشِّرْكِ مِمّا دُونَ الشِّرْكِ مَعْنًى لِأنَّهُ تَعالى كَما يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ عِنْدَ الِاسْتِحْقاقِ ولا يَغْفِرُهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقاقِ فَكَذَلِكَ يَغْفِرُ الشِّرْكَ عِنْدَ الِاسْتِحْقاقِ ولا يَغْفِرُهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقاقِ، فَلا يَبْقى لِلْفَصْلِ والتَّمْيِيزِ فائِدَةٌ، وثالِثُها: أنَّ غُفْرانَ التّائِبِينَ وأصْحابِ الصَّغائِرِ واجِبٌ والواجِبُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ، لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى المَشِيئَةِ هو الَّذِي إنْ شاءَ فاعِلُهُ فِعْلَهُ يَفْعَلُهُ وإنْ شاءَ تَرْكَهُ يَتْرُكُهُ فالواجِبُ هو الَّذِي لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ شاءَ أوْ أبى، والمَغْفِرَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ مُعَلَّقَةٌ عَلى المَشِيئَةِ فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَغْفِرَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ مَغْفِرَةَ التّائِبِينَ وأصْحابِ الصَّغائِرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ بِأسْرِها مُبَيَّنَةٌ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّهُ يَجِبُ غُفْرانُ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وأمّا نَحْنُ فَلا نَقُولُ ذَلِكَ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما سِوى الشِّرْكِ وذَلِكَ يَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وقَبْلَ التَّوْبَةِ إلّا أنَّ غُفْرانَ كُلِّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ يَحْتَمِلُ قِسْمَيْنِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَغْفِرَ كُلَّها لِكُلِّ أحَدٍ وأنْ يَغْفِرَ كُلَّها لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كُلَّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كُلَّ تِلْكَ الأشْياءِ لا لِلْكُلِّ بَلْ لِلْبَعْضِ. وهَذا الوَجْهُ هو اللّائِقُ بِأُصُولِنا، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَغْفِرَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ العُصاةَ في الآخِرَةِ، بَيانُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ إسْقاطُ العِقابِ وإسْقاطُ العِقابِ أعَمُّ مِن إسْقاطِ العِقابِ دائِمًا أوْ لا دائِمًا واللَّفْظُ المَوْضُوعُ بِإزاءِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ لا إشْعارَ لَهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ القَيْدَيْنِ، فَإذَنْ لَفْظُ المَغْفِرَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإسْقاطِ الدّائِمِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ عَنِ الدُّنْيا ويُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ ما دُونَ الشِّرْكِ عَنِ الدُّنْيا لِمَن يَشاءُ، لا يُقالُ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا ونَحْنُ لا نَرى مَزِيدًا لِلْكُفّارِ في عِقابِ الدُّنْيا عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنّا نَقُولُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ عِقابَ الشِّرْكِ في الدُّنْيا لِمَن يَشاءُ ويُؤَخِّرُ عِقابَ ما دُونَ الشِّرْكِ في الدُّنْيا لِمَن يَشاءُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَخْوِيفُ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِتَعْجِيلِ العِقابِ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ لِتَجْوِيزِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهُ، وإنْ كانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنهم. سَلَّمْنا أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ الإسْقاطِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى مَغْفِرَةِ التّائِبِ ومَغْفِرَةِ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ ؟ أمّا الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُولى: فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أُصُولٍ لا يَقُولُونَ بِها وهي وُجُوبُ مَغْفِرَةِ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: فَلا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظِ
صفحة ١٤٥
”كُلُّ“ و”بَعْضُ“ عَلى البَدَلِ عَلَيْهِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ويَغْفِرُ كُلَّ ما دُونَ ذَلِكَ. ويَغْفِرُ بَعْضَ ما دُونَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ لَما صَحَّ ذَلِكَ، سَلَّمْنا أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولَكِنّا نُخَصِّصُهُ بِصاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآياتِ الوارِدَةَ في الوَعِيدِ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الكَبائِرِ مِثْلَ القَتْلِ والزِّنا، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِجَمِيعِ المَعاصِي والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، فَآياتُ الوَعِيدِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى هَذِهِ الآيَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنّا إذا حَمَلْنا المَغْفِرَةَ عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ وجَبَ بِحُكْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عِقابُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِن عِقابِ المُؤْمِنِينَ وإلّا لَمْ يَكُنْ في هَذا التَّفْصِيلِ فائِدَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] الآيَةَ. قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ”ما“ تُفِيدُ الإشارَةَ إلى الماهِيَّةِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها دُونَ الشِّرْكِ، وهَذِهِ الماهِيَّةُ ماهِيَّةٌ واحِدَةٌ، وقَدْ حَكَمَ قَطْعًا بِأنَّهُ يَغْفِرُها، فَفي كُلِّ صُورَةٍ تَتَحَقَّقُ فِيها هَذِهِ الماهِيَّةُ وجَبَ تَحَقُّقُ الغُفْرانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولِأنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ أيِّ مَعْصِيَةٍ كانَتْ مِنها وعِنْدَ الوَعِيدِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ، أمّا قَوْلُهُ: آياتُ الوَعِيدِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، قُلْنا: لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أخَصُّ مِنها لِأنَّها تُفِيدُ العَفْوَ عَنِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ وما ذَكَرْتُمُوهُ يُفِيدُ الوَعِيدَ لِلْكُلِّ، ولِأنَّ تَرْجِيحَ آياتِ العَفْوِ أوْلى لِكَثْرَةِ ما جاءَ في القُرْآنِ والأخْبارِ مِنَ التَّرْغِيبِ في العَفْوِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنْ نَتَمَسَّكَ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ وهي كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ أوْ مِنَ التَّوْفِيقِ، والتَّرْجِيحُ مَعْناهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عُمُوماتِ الوَعْدِ أكْثَرُ، والتَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ أمْرٌ مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى صِحَّتِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَنَةَ إنَّما كانَتْ مُذْهِبَةً لِلسَّيِّئَةِ لِكَوْنِها حَسَنَةً عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذا الإيماءِ أنْ تَكُونَ كُلُّ حَسَنَةٍ مُذْهِبَةً لِكُلِّ سَيِّئَةٍ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الحَسَناتِ الصّادِرَةِ مِنَ الكُفّارِ، فَإنَّها لا تُذْهِبُ سَيِّئاتِهِمْ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ عَلى العَشْرَةِ فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وأمّا في جانِبِ السَّيِّئَةِ فَقالَ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهَذا في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ جانِبَ الحَسَنَةِ راجِحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى جانِبِ السَّيِّئَةِ.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةِ الوَعْدِ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] فَقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ إنَّما ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ ولَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ المَواضِعِ وعِيدُ اللَّهِ حَقًّا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] الآيَةَ، يَتَناوَلُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١٠، ١١١] والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ وهو غَيْرُ التَّوْبَةِ فَصَرَّحَ هَهُنا بِأنَّهُ سَواءٌ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ فَإذا اسْتَغْفَرَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولَمْ يَقُلْ ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّهُ يَجِدِ اللَّهَ مُعَذِّبًا مُعاقِبًا، بَلْ قالَ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ جانِبَ الحَسَنَةِ راجِحٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ ?
صفحة ١٤٦
﴿لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] ولَمْ يَقُلْ: وإنْ أسَأْتُمْ أسَأْتُمْ لَها فَكَأنَّهُ تَعالى أظْهَرَ إحْسانَهُ بِأنْ أعادَهُ مَرَّتَيْنِ وسَتَرَ عَلَيْهِ إساءَتَهُ بِأنْ لَمْ يَذْكُرْها إلّا مَرَّةً واحِدَةً، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الحَسَنَةِ راجِحٌ.
وسادِسُها: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] لا يَتَناوَلُ إلّا العَفْوَ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ هَذِهِ الآيَةَ في السُّورَةِ الواحِدَةِ مَرَّتَيْنِ والإعادَةُ لا تَحْسُنُ إلّا لِلتَّأْكِيدِ، ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِن آياتِ الوَعِيدِ عَلى وجْهِ الإعادَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، لا في سُورَةٍ واحِدَةٍ ولا في سُورَتَيْنِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِجانِبِ الوَعْدِ عَلى الحَسَناتِ والعَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ أتَمُّ.
وسابِعُها: أنَّ عُمُوماتِ الوَعْدِ والوَعِيدِ لَمّا تَعارَضَتْ فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ التَّأْوِيلِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وصَرْفُ التَّأْوِيلِ إلى الوَعِيدِ أحْسَنُ مِن صَرْفِهِ إلى الوَعْدِ لِأنَّ العَفْوَ عَنِ الوَعِيدِ مُسْتَحْسَنٌ في العُرْفِ وإهْمالُ الوَعْدِ مُسْتَقْبَحٌ في العُرْفِ، فَكانَ صَرْفُ التَّأْوِيلِ إلى الوَعِيدِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الوَعْدِ.
وثامِنُها: أنَّ القُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِن كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا غَفُورًا غَفّارًا وأنَّ لَهُ الغُفْرانَ والمَغْفِرَةَ، وأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ كَرِيمٌ، وأنَّ لَهُ العَفْوَ والإحْسانَ والفَضْلَ والإفْضالَ، والأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ قَدْ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ جانِبَ الوَعْدِ ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَعِيدٌ عَنِ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ والعَفْوِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ رُجْحانَ جانِبِ الوَعْدِ عَلى جانِبِ الوَعِيدِ.
وتاسِعُها: أنَّ هَذا الإنْسانَ أتى بِما هو أفْضَلُ الخَيْراتِ وهو الإيمانُ ولَمْ يَأْتِ بِما هو أقْبَحُ القَبائِحِ وهو الكُفْرُ، بَلْ أتى بِالشَّرِّ الَّذِي هو في طَبَقَةِ القَبائِحِ لَيْسَ في الغايَةِ، والسَّيِّدُ الَّذِي لَهُ عَبْدٌ ثُمَّ أتى عَبْدُهُ بِأعْظَمِ الطّاعاتِ وأتى بِمَعْصِيَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ فَلَوْ رَجَّحَ المَوْلى تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُتَوَسِّطَةَ عَلى الطّاعَةِ العَظِيمَةِ لَعُدَّ ذَلِكَ السَّيِّدُ لَئِيمًا مُؤْذِيًا فَكَذا هَهُنا، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ ثَبَتَ أنَّ الرُّجْحانَ لِجانِبِ الوَعْدِ.
وعاشِرُها: قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ: إلَهِي إذا كانَ تَوْحِيدُ ساعَةٍ يَهْدِمُ كُفْرَ خَمْسِينَ سَنَةٍ فَتَوْحِيدُ خَمْسِينَ سَنَةٍ كَيْفَ لا يَهْدِمُ مَعْصِيَةَ ساعَةٍ ! إلَهِي لَمّا كانَ الكُفْرُ لا يَنْفَعُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ كانَ مُقْتَضى العَدْلِ أنَّ الإيمانَ لا يَضُرُّ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي وإلّا فالكُفْرُ أعْظَمُ مِنَ الإيمانِ ! فَإنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن رَجاءِ العَفْوِ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
الحادِيَ عَشَرَ: أنا قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الصَّغِيرَةِ ولا عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَلَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ عَلى الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَزِمَ تَعْطِيلُ الآيَةِ، أمّا لَوْ خَصَّصْنا عُمُوماتِ الوَعِيدِ بِمَن يَسْتَحِلُّها لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ إلّا تَخْصِيصُ العُمُومِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّخْصِيصَ أهْوَنُ مِنَ التَّعْطِيلِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: تَرْجِيحُ جانِبِ الوَعِيدِ أوْلى مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: هو أنَّ الأُمَّةَ اتَّفَقَتْ عَلى أنَّ الفاسِقَ يُلْعَنُ ويُحَدُّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ والعَذابِ وأنَّهُ أهْلُ الخِزْيِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ وإذا كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ اسْتَحالَ أنْ يَبْقى في تِلْكَ الحالَةِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ جانِبُ الوَعِيدِ راجِحًا عَلى جانِبِ الوَعْدِ. أمّا بَيانُ أنَّهُ يُلْعَنُ، فالقُرْآنُ والإجْماعُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في قاتِلِ المُؤْمِنِ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وأمّا الإجْماعُ فَظاهِرٌ، وأمّا أنَّهُ يُحَدُّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] وأمّا أنَّهُ يُحَدُّ عَلى سَبِيلِ العَذابِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى في الزّانِي: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وأمّا أنَّهم أهْلُ الخِزْيِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى في قُطّاعِ الطَّرِيقِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] . وإذا ثَبَتَ كَوْنُ الفاسِقِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ والذَّمِّ، ومَن كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُما دائِمًا ومَتى اسْتَحَقَّهُما دائِمًا امْتَنَعَ أنْ يَبْقى مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، لِأنَّ
صفحة ١٤٧
الثَّوابَ والعِقابَ مُتَنافِيانِ، فالجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالٌ، وإذا لَمْ يَبْقَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ ثَبَتَ أنْ جانِبَ الوَعِيدِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الوَعْدِ.
وثانِيها: أنَّ آياتِ الوَعْدِ عامَّةٌ وآياتِ الوَعِيدِ خاصَّةٌ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.
وثالِثُها: أنَّ النّاسَ جُبِلُوا عَلى الفَسادِ والظُّلْمِ فَكانَتِ الحاجَةُ إلى الزَّجْرِ أشَدَّ، فَكانَ جانِبُ الوَعِيدِ أوْلى.
قُلْنا: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: كَما وُجِدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهم يُلْعَنُونَ ويُعَذَّبُونَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَذَلِكَ أيْضًا وُجِدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهم يُعَظَّمُونَ ويُكْرَمُونَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَلَيْسَ تَرْجِيحُ آياتِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم يُعَظَّمُونَ ويُعَذَّبُونَ في الدُّنْيا بِأوْلى مِن تَرْجِيحِ آياتِ الوَعْدِ في الآخِرَةِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم يُعَظَّمُونَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ في الدُّنْيا.
الثّانِي: فَكَما أنَّ آياتِ الوَعْدِ مُعارِضَةٌ لِآياتِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ فَهي مُعارِضَةٌ لِآياتِ الوَعِيدِ والنَّكالِ في الدُّنْيا، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ آياتِ وعِيدِ الدُّنْيا عَلى آياتِ وعِيدِ الآخِرَةِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ .
الثّالِثُ: أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ السّارِقَ وإنْ تابَ إلّا أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ لا نَكالًا ولَكِنِ امْتِحانًا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: (﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا﴾ [المائدة: ٣٨] مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ العَفْوِ ؟ .
والرّابِعُ: أنَّ الجَزاءَ ما يُجْزِي ويَكْفِي وإذا كانَ كافِيًا وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ العِقابُ في الآخِرَةِ وإلّا قَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُجْزِيًا وكافِيًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا يُنافِي العَذابَ في الآخِرَةِ، وإذا ثَبَتَ فَسادُ قَوْلِهِمْ في تَرْجِيحِ جانِبِ الوَعِيدِ فَنَقُولُ: الآيَتانِ الدّالَّتانِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ مَوْجُودَتانِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما، فَأمّا أنْ يُقالَ: العَبْدُ يَصِلُ إلَيْهِ الثَّوابُ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ العِقابَ وهو قَوْلٌ باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، أوْ يُقالُ: العَبْدُ يَصِلُ إلَيْهِ العِقابُ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ الثَّوابِ ويَبْقى هُناكَ أبَدَ الآبادِ وهو المَطْلُوبُ.
أمّا التَّرْجِيحُ الثّانِي فَهو ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] لا يَتَناوَلُ الكُفْرَ وقَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] يَتَناوَلُ الكُلَّ فَكانَ قَوْلُنا هو الخاصُّ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَأْثِيرَ شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في إسْقاطِ العِقابِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وهو نَصٌّ في المَسْألَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنْ دَلَّتْ فَإمّا تَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِالمَغْفِرَةِ لِكُلِّ العُصاةِ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهَذا المَذْهَبِ، فَما تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَقُولُونَ بِهِ وما تَقُولُونَ بِهِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنَّ المُرادَ بِها أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ مَعَ التَّوْبَةِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَحْمَلِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنّا إذا حَمَلْناها عَلى هَذا الوَجْهِ فَقَدْ حَمَلْناها عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ [الزمر: ٥٤] والإنابَةُ هي التَّوْبَةُ. فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ شَرْطٌ فِيهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وعْدٌ مِنهُ بِأنَّهُ تَعالى سَيُسْقِطُها في المُسْتَقْبَلِ، ونَحْنُ نَقْطَعُ بِأنَّهُ سَيَفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ذَلِكَ، فَإنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى سَيُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ النّارِ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ هَذا قَطْعًا بِالغُفْرانِ لا مَحالَةَ، وبِهَذا ثَبَتَ أنَّهُ لا حاجَةَ في إجْراءِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها عَلى قَيْدِ التَّوْبَةِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ فَنَقُولُ: إنَّ المُعْتَزِلَةَ فَسَّرُوا كَوْنَ الخَطِيئَةِ مُحِيطَةً بِكَوْنِها كَبِيرَةً مُحْبِطَةً لِثَوابِ فاعِلِها، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ١٤٨
الأوَّلُ: أنَّهُ كَما أنَّ مِن شَرْطِ كَوْنِ السَّيِّئَةِ مُحِيطَةً بِالإنْسانِ كَوْنُها كَبِيرَةً فَكَذَلِكَ شَرْطُ هَذِهِ الإحاطَةِ عَدَمُ العَفْوِ، لِأنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ العَفْوُ لَما تَحَقَّقَتْ إحاطَةُ السَّيِّئَةِ بِالإنْسانِ، فَإذَنْ لا يَثْبُتُ كَوْنُ السَّيِّئَةِ مُحِيطَةً بِالإنْسانِ إلّا إذا ثَبَتَ عَدَمُ العَفْوِ، وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ ويَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثُبُوتِ المَطْلُوبِ وهو باطِلٌ.
الثّانِي: أنّا لا نُفَسِّرُ إحاطَةَ الخَطِيئَةِ بِكَوْنِها كَبِيرَةً، بَلْ نُفَسِّرُها بِأنْ يَكُونَ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ مَوْصُوفًا بِالمَعْصِيَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ في حَقِّ الكافِرِ الَّذِي يَكُونُ عاصِيًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ، فَأمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَكُونُ مُطِيعًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ ويَكُونُ عاصِيًا لِلَّهِ تَعالى بِبَعْضِ أعْضائِهِ دُونَ البَعْضِ فَهَهُنا لا تَتَحَقَّقُ إحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِالعَبْدِ، ولا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ الإحاطَةِ بِما ذَكَرْناهُ أوْلى، لِأنَّ الجِسْمَ إذا مَسَّ بَعْضَ أجْزاءِ جِسْمٍ آخَرَ دُونَ بَعْضٍ لا يُقالُ إنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا تَتَحَقَّقُ إحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِالعَبْدِ إلّا إذا كانَ كافِرًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ النّارِ لَيْسُوا إلّا هم وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ النّارِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في النّارِ في الحالِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ النّارَ. ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: لَكِنْ لا نِزاعَ في أنَّهُ تَعالى هَلْ يَعْفُو عَنْ هَذا الحَقِّ وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ، ولْنَخْتِمِ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ: وهي أنَّ الشَّرْطَ هَهُنا أمْرانِ:
أحَدُهُما: اكْتِسابُ السَّيِّئَةِ.
والثّانِي: إحاطَةُ تِلْكَ السَّيِّئَةِ بِالعَبْدِ، والجَزاءُ المُعَلَّقُ عَلى وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ لا يُوجَدُ عِنْدَ حُصُولِ أحَدِهِما. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ اليَمِينَ عَلى شَرْطَيْنِ في طَلاقٍ أوْ إعْتاقٍ أنَّهُ لا يَحْنَثُ بِوُجُودِ أحَدِهِما واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما ذَكَرَ في القُرْآنِ آيَةً في الوَعِيدِ إلّا وذَكَرَ بِجَنْبِها آيَةً في الوَعْدِ، وذَلِكَ لِفَوائِدَ:
أحَدُها: لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ عَدْلَهُ سُبْحانَهُ، لِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ بِالعَذابِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ وجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الإيمانِ.
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “، وذَلِكَ الِاعْتِدالُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ.
وثالِثُها: أنَّهُ يُظْهِرُ بِوَعْدِهِ كَمالَ رَحْمَتِهِ وبِوَعِيدِهِ كَمالَ حِكْمَتِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعِرْفانِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العَمَلُ الصّالِحُ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَلَوْ دَلَّ الإيمانُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ لَكانَ ذِكْرُ العَمَلِ الصّالِحِ بَعْدَ الإيمانِ تَكْرارًا، أجابَ القاضِي بِأنَّ الإيمانَ وإنْ كانَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: آمَنَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا واحِدًا مِن أفْعالِ الإيمانِ، فَلِهَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ فِعْلَ الماضِي يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَصْدَرِ في زَمانٍ مَضى والإيمانُ هو المَصْدَرُ، فَلَوْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: آمَنَ دَلِيلًا عَلى صُدُورِ كُلِّ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٤٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ قَدْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ لِأنّا نَتَكَلَّمُ فِيمَن أتى بِالإيمانِ وبِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَبِيرَةِ ولَمْ يَتُبْ عَنْها فَهَذا الشَّخْصُ قَبْلَ إتْيانِهِ بِالكَبِيرَةِ كانَ قَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَن صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ وإذا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إلّا إذا أتى بِجَمِيعِ الصّالِحاتِ ومِن جُمْلَةِ الصّالِحاتِ التَّوْبَةُ، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِها لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالصّالِحاتِ، فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الآيَةِ. قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ قَبْلَ الإتْيانِ بِالكَبِيرَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ؛ لِأنَّهُ مَتى صَدَقَ المُرَكَّبُ يَجِبُ صِدْقُ المُفْرَدِ، بَلْ إنَّهُ إذا أتى بِالكَبِيرَةِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، لَكِنَّ قَوْلَنا: آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ أعَمُّ مِن قَوْلِنا: إنَّهُ كَذَلِكَ في كُلِّ الأوْقاتِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، والمُعْتَبَرُ في الآيَةِ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ حُكْمِ الوَعْدِ. بَقِيَ قَوْلُهم: إنَّ الفاسِقَ أحْبَطَ عِقابُ مَعْصِيَتِهِ ثَوابَ طاعَتِهِ فَيَكُونُ التَّرْجِيحُ لِجانِبِ الوَعِيدِ إلّا أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها تَفَضُّلًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لِلْحَصْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أصْحابٌ إلّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَها فَمَن أُعْطِيَ الجَنَّةَ تَفَضُّلًا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذا الحُكْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أنْواعِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأشْياءِ مُوَصِّلٌ إلى أعْظَمِ النِّعَمِ وهو الجَنَّةُ، والمُوَصِّلُ إلى النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ، فَهَذا التَّكْلِيفُ لا مَحالَةَ مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ كَلَّفَهم بِأشْياءَ:
التَّكْلِيفُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَعْبُدُونَ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ، ووَجْهُ الياءِ أنَّهم غَيْبٌ أخْبَرَ عَنْهم، ووَجْهُ التّاءِ أنَّهم كانُوا مُخاطَبِينَ والِاخْتِيارُ التّاءُ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ألا تَرى أنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قالَ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ فَدَلَّتِ المُخاطَبَةُ عَلى التّاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ ”يَعْبُدُونَ“ مِنَ الإعْرابِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:
صفحة ١٥٠
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: رَفْعُهُ عَلى أنْ لا يَعْبُدُوا كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذْنا مِيثاقَهم بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا أنَّهُ لَمّا أُسْقِطَتْ ”أنْ“ رُفِعَ الفِعْلُ كَما قالَ طَرَفَةُ:
ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
أرادَ أنْ أحْضُرَ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ”أنْ“ وأجازَ هَذا الوَجْهَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ وقُطْرُبٌ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى وأبُو مُسْلِمٍ.
القَوْلُ الثّانِي: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أقْسَمْنا عَلَيْهِمْ لا يَعْبُدُونَ، وأجازَ هَذا الوَجْهَ المُبَرِّدُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الأخْفَشِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّهُ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا كَأنَّهُ قالَ: أخَذْنا مِيثاقَكم غَيْرَ عابِدِينَ إلّا اللَّهَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ الفَرّاءِ إنَّ مَوْضِعَ ”لا تَعْبُدُونَ“ عَلى النَّهْيِ إلّا أنَّهُ جاءَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِالرَّفْعِ والمَعْنى عَلى النَّهْيِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ نَهْيًا أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: (أقِيمُوا) .
وثانِيها: أنَّهُ يَنْصُرُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ: (لا تَعْبُدُوا) .
وثالِثُها: أنَّ الإخْبارَ في مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ آكَدُ وأبْلَغُ مِن صَرِيحِ الأمْرِ والنَّهْيِ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ سُورِعَ إلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ.
القَوْلُ الخامِسُ: التَّقْدِيرُ أنْ لا تَعْبُدُوا تَكُونُ ”أنْ“ مَعَ الفِعْلِ بَدَلًا عَنِ المِيثاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَوْحِيدِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا المِيثاقُ يَدُلُّ عَلى تَمامِ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ونَهى عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ والنَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، وجَمِيعُ ما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وبِالعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ والبَراءَةِ عَنِ الصّاحِبَةِ والأوْلادِ، ومَسْبُوقٌ أيْضًا بِالعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ تِلْكَ العِبادَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ يَتَضَمَّنُ كُلَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الكَلامِ وعِلْمُ الفِقْهِ والأحْكامِ لِأنَّ العِبادَةَ لا تَتَأتّى إلّا مَعَها.
التَّكْلِيفُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بِمَ يَتَّصِلُ الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وعَلامَ انْتَصَبَ ؟ قُلْنا فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ عَلى مَعْنى أحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا.
والثّانِي: قِيلَ عَلى مَعْنى وصَّيْناهم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا لِأنَّ اتِّصالَ الباءِ بِهِ أحْسَنُ عَلى هَذا الوَجْهِ ولَوْ كانَ عَلى الأوَّلِ لَكانَ: وإلى الوالِدَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأحْسِنُوا إلى الوالِدَيْنِ.
الثّالِثُ: قِيلَ: بَلْ هو عَلى الخَبَرِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ يَعْنِي أنْ تَعْبُدُوا وتُحْسِنُوا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أرْدَفَ عِبادَةَ اللَّهِ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ أعْظَمُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ شُكْرِهِ عَلى شُكْرِ غَيْرِهِ ثُمَّ بَعْدَ نِعْمَةِ اللَّهِ فَنِعْمَةُ الوالِدَيْنِ أعَمُّ النِّعَمِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوالِدَيْنِ هُما الأصْلُ والسَّبَبُ في كَوْنِ الوَلَدِ ووُجُودِهِ، كَما أنَّهُما مُنْعِمانِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ، وأمّا غَيْرُ الوالِدَيْنِ فَلا يَصْدُرُ عَنْهُ الإنْعامُ بِأصْلِ الوُجُودِ، بَلْ بِالتَّرْبِيَةِ فَقَطْ، فَثَبَتَ أنَّ إنْعامَهُما أعْظَمُ وُجُوهِ الإنْعامِ بَعْدَ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١٥١
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُؤَثِّرُ في وُجُودِ الإنْسانِ في الحَقِيقَةِ والوالِدانِ هُما المُؤَثِّرانِ في وُجُودِهِ بِحَسَبِ العُرْفِ الظّاهِرِ، فَلَمّا ذَكَرَ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ أرْدَفَهُ بِالمُؤَثِّرِ بِحَسَبِ العُرْفِ الظّاهِرِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَطْلُبُ بِإنْعامِهِ عَلى العَبْدِ عِوَضًا البَتَّةَ بَلِ المَقْصُودُ إنَّما هو مَحْضُ الإنْعامِ والوالِدانِ كَذَلِكَ، فَإنَّهُما لا يَطْلُبانِ عَلى الإنْعامِ عَلى الوَلَدِ عِوَضًا مالِيًّا ولا ثَوابًا، فَإنَّ مَن يُنْكِرُ المِيعادَ يُحْسِنُ إلى ولَدِهِ ويُرَبِّيهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ أشْبَهَ إنْعامُهُما إنْعامَ اللَّهِ تَعالى.
الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمَلُّ مِنَ الإنْعامِ عَلى العَبْدِ ولَوْ أتى العَبْدُ بِأعْظَمِ الجَرائِمِ، فَإنَّهُ لا يَقْطَعُ عَنْهُ مَوادَّ نِعَمِهِ ورَوادِفَ كَرَمِهِ، وكَذا الوالِدانِ لا يَمَلّانِ الوَلَدَ ولا يَقْطَعانِ عَنْهُ مَوادَّ مَنحِهِما وكَرَمِهِما، وإنْ كانَ الوَلَدُ مُسِيئًا إلى الوالِدَيْنِ.
الخامِسُ: كَما أنَّ الوالِدَ المُشْفِقَ يَتَصَرَّفُ في مالِ ولَدِهِ بِالِاسْتِرْباحِ وطَلَبِ الزِّيادَةِ ويَصُونُهُ عَنِ البَخْسِ والنُّقْصانِ، فَكَذا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَصَرِّفٌ في طاعَةِ العَبْدِ فَيَصُونُها عَنِ الضَّياعِ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ أعْمالَهُ الَّتِي لا تَبْقى كالشَّيْءِ الباقِي أبَدَ الآبادِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
السّادِسُ: أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وإنْ كانَتْ أعْظَمَ مِن نِعْمَةِ الوالِدَيْنِ ولَكِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ بِالِاسْتِدْلالِ ونِعْمَةَ الوالِدَيْنِ مَعْلُومَةٌ بِالضَّرُورَةِ، إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى نِعَمِ اللَّهِ فاعْتَدَلا مِن هَذِهِ الجِهَةِ والرُّجْحانِ لِنِعَمِ اللَّهِ فَلا جَرَمَ جَعَلْنا نِعَمَ الوالِدَيْنِ كالتّالِيَةِ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَعْظِيمُ الوالِدَيْنِ وإنْ كانا كافِرَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِما مُؤْمِنَيْنِ أمْ لا، ولِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحُكْمَ المُرَتَّبَ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ الوَصْفِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأمْرَ بِتَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ لِمَحْضِ كَوْنِهِما والِدَيْنِ وذَلِكَ يَقْتَضِي العُمُومَ، وهَكَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] الآيَةَ، وهَذا نِهايَةُ المُبالَغَةِ في المَنعِ مِن إيذائِهِما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] فَصَرَّحَ بِبَيانِ السَّبَبِ في وُجُوبِ هَذا التَّعْظِيمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَيْفَ تَلَطَّفَ في دَعْوَةِ أبِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ثُمَّ إنَّ أباهُ كانَ يُؤْذِيهِ ويَذْكُرُ الجَوابَ الغَلِيظَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ مِثْلُهُ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِما هو ألّا يُؤْذِيَهُما البَتَّةَ ويُوَصِّلَ إلَيْهِما مِنَ المَنافِعِ قَدْرَ ما يَحْتاجانِ إلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ دَعْوَتُهُما إلى الإيمانِ إنْ كانا كافِرَيْنِ وأمْرُهُما بِالمَعْرُوفِ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ إنْ كانا فاسِقَيْنِ.
التَّكْلِيفُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذِي القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أوْصى لِأقارِبِ زَيْدٍ دَخَلَ فِيهِ الوارِثُ المَحْرَمُ وغَيْرُ المَحْرَمِ، ولا يَدْخُلُ الأبُ والِابْنُ لِأنَّهُما لا يُعْرَفانِ بِالقَرِيبِ، ويَدْخُلُ الأحْفادُ والأجْدادُ، وقِيلَ: لا يَدْخُلُ الأُصُولُ والفُرُوعُ وقِيلَ بِدُخُولِ الكُلِّ. وهَهُنا دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العَرَبَ يَحْفَظُونَ الأجْدادَ العالِيَةَ فَيَتَّسِعُ نَسْلُهم وكُلُّهم
صفحة ١٥٢
أقارِبُ، فَلَوْ تَرَقَّيْنا إلى الجَدِّ العالِي وحَسَبْنا أوْلادَهُ كَثُرُوا، فَلِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَرْتَقِي إلى أقْرَبِ جَدٍّ يَنْتَسِبُ هو إلَيْهِ ويُعْرَفُ بِهِ وإنْ كانَ كافِرًا، وذَكَرَ الأصْحابُ في مِثالِهِ: أنَّهُ لَوْ أوْصى لِأقارِبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنّا نَصْرِفُهُ إلى بَنِي شافِعٍ دُونَ بَنِي المُطَّلِبِ وبَنِي عَبْدِ مَنافٍ وإنْ كانُوا أقارِبَ، لِأنَّ الشّافِعِيَّ يَنْتَسِبُ في المَشْهُورِ إلى شافِعٍ دُونَ عَبْدِ مَنافٍ. قالَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ: وهَذا في زَمانِ الشّافِعِيِّ، أمّا في زَمانِنا فَلا يَنْصَرِفُ إلّا إلى أوْلادِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولا يَرْتَقِي إلى بَنِي شافِعٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَن يُعْرَفُ بِهِ أقارِبُهُ في زَمانِنا، أمّا قَرابَةُ الأُمِّ فَإنَّها تَدْخُلُ في وصِيَّةِ العَجَمِ ولا تَدْخُلُ في وصِيَّةِ العَرَبِ عَلى الأظْهَرِ، لِأنَّهم لا يُعِدُّونَ ذَلِكَ قَرابَةً، أمّا لَوْ قالَ لِأرْحامِ فُلانٍ دَخَلَ فِيهِ قَرابَةُ الأبِ والأُمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ حَقَّ ذِي القُرْبى كالتّابِعِ لِحَقِّ الوالِدَيْنِ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَّصِلُ بِهِ أقْرِباؤُهُ بِواسِطَةِ اتِّصالِهِمْ بِالوالِدَيْنِ، والِاتِّصالُ بِالوالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلى الِاتِّصالِ بِذِي القُرْبى، فَلِهَذا أخَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَنِ الوالِدَيْنِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ: أيْ رَبِّ إنِّي ظُلِمْتُ، إنِّي أُسِيءَ إلَيَّ، إنِّي قُطِعْتُ. قالَ فَيُجِيبُها رَبُّها: ألا تَرْضَيْنَ أنِّي أقْطَعُ مَن قَطَعَكِ وأصِلُ مَن وصَلَكِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ»﴾، والسَّبَبُ العَقْلِيُّ في تَأْكِيدِ رِعايَةِ هَذا الحَقِّ أنَّ القَرابَةَ مَظِنَّةُ الِاتِّحادِ والأُلْفَةِ والرِّعايَةِ والنُّصْرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ أشَقَّ عَلى القَلْبِ وأبْلَغَ في الإيلامِ والإيحاشِ والضَّرُورَةِ، وكُلَّما كانَ أقْوى كانَ دَفْعُهُ أوْجَبَ، فَلِهَذا وجَبَتْ رِعايَةُ حُقُوقِ الأقارِبِ.
التَّكْلِيفُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واليَتامى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اليَتِيمُ الَّذِي ماتَ أبُوهُ حَتّى يَبْلُغَ الحُلُمَ وجَمْعُهُ أيْتامٌ ويَتامى، كَقَوْلِهِمْ: نَدِيمٌ ونَدامى، ولا يُقالُ لِمَن ماتَتْ أُمُّهُ إنَّهُ يَتِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في الإنْسانِ، أمّا في غَيْرِ الإنْسانِ فَيُتْمُهُ مِن قِبَلِ أُمِّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اليَتِيمُ كالتّالِي لِرِعايَةِ حُقُوقِ الأقارِبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِصِغَرِهِ لا يَنْتَفِعُ بِهِ ولِيُتْمِهِ وخُلُوِّهِ عَمَّنْ يَقُومُ بِهِ يَحْتاجُ إلى مَن يَنْفَعُهُ، والإنْسانُ قَلَّما يَرْغَبُ في صُحْبَةِ مِثْلِ هَذا، وإذا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ شاقًّا عَلى النَّفْسِ لا جَرَمَ كانَتْ دَرَجَتُهُ عَظِيمَةً في الدِّينِ.
التَّكْلِيفُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَساكِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى:“ والمَساكِينُ ”واحِدُها مِسْكِينٌ، أُخِذَ مِنَ السُّكُونِ كَأنَّ الفَقْرَ قَدْ سَكَنَهُ وهو أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الفَقِيرِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الفَقِيرُ أسْوَأُ حالًا، لِأنَّ الفَقِيرَ اشْتِقاقُهُ مِن فَقارِ الظَّهْرِ كَأنَّ فَقارَهُ انْكَسَرَ لِشِدَّةِ حاجَتِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] جَعَلَهم مَساكِينَ مَعَ أنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ مِلْكًا لَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما تَأخَّرَتْ دَرَجَتُهم عَنِ اليَتامى لِأنَّ المِسْكِينَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ في الِاسْتِخْدامِ فَكانَ المَيْلُ إلى مُخالَطَتِهِ أكْثَرَ مِنَ المَيْلِ إلى مُخالَطَةِ اليَتامى، ولِأنَّ المِسْكِينَ أيْضًا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغالُ بِتَعَهُّدِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ مَعِيشَتِهِ، واليَتِيمُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ اليَتِيمِ عَلى المِسْكِينِ.
صفحة ١٥٣
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإحْسانُ إلى ذِي القُرْبى واليَتامى، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلزَّكاةِ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَّغايُرَ.
التَّكْلِيفُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حَسَنًا) بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ عَلى مَعْنى الوَصْفِ لِلْقَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: قُولُوا لِلنّاسِ قَوْلًا حَسَنًا، والباقُونَ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: ١١] وفِيهِ أوْجُهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ قَوْلًا ذا حُسْنٍ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا في مَوْضِعِ حَسَنًا كَما تَقُولُ: رَجُلٌ عَدْلٌ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ لِيَحْسُنَ قَوْلُكم نُصِبَ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ الأوَّلُ.
الرّابِعُ: حُسْنًا أيْ قَوْلٌ هو حَسَنٌ في نَفْسِهِ لِإفْراطِ حُسْنِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: لِمَ خُوطِبُوا بِقُولُوا بَعْدَ الإخْبارِ ؟ والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] .
وثانِيها: فِيهِ حَذْفٌ أيْ قُلْنا لَهم قُولُوا.
وثالِثُها: المِيثاقُ لا يَكُونُ إلّا كَلامًا كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْتُ لا تَعْبُدُوا وقُولُوا [ لِلنّاسِ حُسْنًا ] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ مَن هو ؟ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وعَلى أنْ يَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ثُمَّ قالَ لِمُوسى وأُمَّتِهِ: قُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا، والكُلُّ مُمْكِنٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وإنْ كانَ الأوَّلُ أقْرَبَ حَتّى تَكُونَ القِصَّةُ واحِدَةً مُشْتَمِلَةً عَلى مَحاسِنِ العاداتِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنهم مَن قالَ: إنَّما يَجِبُ القَوْلُ الحَسَنُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، أمّا مَعَ الكُفّارِ والفُسّاقِ فَلا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهم وذَمُّهم والمُحارَبَةُ مَعَهم، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَعَهم حَسَنًا.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] فَأباحَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ لِمَن ظُلِمَ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ هَذا الأمْرَ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةِ القِتالِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ هَهُنا احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ واقِعًا بِحَسَبِ المُخاطَبِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ وقُولُوا لِلْمُؤْمِنِينَ حُسْنًا.
والثّانِي: أنْ يَقَعَ بِحَسَبِ المُخاطَبِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَتَطَرَّقُ التَّخْصِيصُ إلى المُخاطَبِ دُونَ الخِطابِ، وعَلى الثّانِي يَتَطَرَّقُ إلى الخِطابِ دُونَ المُخاطَبِ، وزَعَمَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الباقِرُ أنَّ هَذا العُمُومَ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّخْصِيصِ، وهَذا هو الأقْوى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ مُوسى وهارُونَ مَعَ جَلالِ مَنصِبِهِما أُمِرا بِالرِّفْقِ واللِّينِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَأْمُورٌ بِالرِّفْقِ وتَرْكِ الغِلْظَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلُهُ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أمّا الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ أوَّلًا مِن أنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهم وذَمُّهم فَلا يُمْكِنُهُمُ القَوْلُ الحَسَنُ مَعَهم، قُلْنا: أوَّلًا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهم وسَبُّهم والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] سَلَّمْنا أنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهم لَكِنْ
صفحة ١٥٤
لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّعْنَ لَيْسَ قَوْلًا حَسَنًا.
بَيانُهُ: أنَّ القَوْلَ الحَسَنَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ القَوْلِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ ويُحِبُّونَهُ، بَلِ القَوْلُ الحَسَنُ هو الَّذِي يَحْصُلُ انْتِفاعُهم بِهِ ونَحْنُ إذا لَعَنّاهم وذَمَمْناهم لِيَرْتَدِعُوا بِهِ عَنِ الفِعْلِ القَبِيحِ كانَ ذَلِكَ المَعْنى نافِعًا في حَقِّهِمْ فَكانَ ذَلِكَ اللَّعْنُ قَوْلًا حَسَنًا ونافِعًا، كَما أنَّ تَغْلِيظَ الوالِدِ [ لِلْوَلَدِ ] في القَوْلِ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا ونافِعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَرْتَدِعُ بِهِ عَنِ الفِعْلِ القَبِيحِ، سَلَّمْنا أنَّ لَعْنَهم لَيْسَ قَوْلًا حَسَنًا ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ وُجُوبَهُ يُنافِي وُجُوبَ القَوْلِ الحَسَنِ. بَيانُهُ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّخْصِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ بِسَبَبِ إحْسانِهِ إلَيْنا ومُسْتَحِقًّا لِلتَّحْقِيرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وُجُوبُ القَوْلِ الحَسَنِ مَعَهم، وأمّا الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ ثانِيًا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] فالجَوابُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَشْفَ حالِ الظّالِمِ لِيَحْتَرِزَ النّاسُ عَنْهُ ؟ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﷺ:“ «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النّاسُ» " .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: كَلامُ النّاسِ مَعَ النّاسِ إمّا أنْ يَكُونَ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أوْ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنْ كانَ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَإمّا أنْ يَكُونَ في الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ وهو مَعَ الكُفّارِ أوْ في الدَّعْوَةِ إلى الطّاعَةِ وهو مَعَ الفاسِقِ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِالقَوْلِ الحَسَنِ كَما قالَ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أمَرَهُما اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ مَعَ فِرْعَوْنَ مَعَ جَلالَتِهِما ونِهايَةِ كُفْرِ فِرْعَوْنَ وتَمَرُّدِهِ وعُتُوِّهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآيَةَ، وأمّا دَعْوَةُ الفُسّاقِ فالقَوْلُ الحَسَنُ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] وأمّا في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَمِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ إذا أمْكَنَ التَّوَصُّلُ إلى الغَرَضِ بِالتَّلَطُّفِ مِنَ القَوْلِ لَمْ يَحْسُنْ سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ آدابِ الدِّينِ والدُّنْيا داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ ? .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإحْسانَ إلى ذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ، وكَذا القَوْلُ الحَسَنُ لِلنّاسِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ ولِأنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ وذَلِكَ يُفِيدُ الوُجُوبَ والأمْرَ في شَرْعِنا أيْضًا، كَذَلِكَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتْ كُلَّ حَقٍّ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مَنِ اشْتَدَّتْ بِهِ الحاجَةُ وشاهَدْناهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإنَّهُ يَلْزَمُنا التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْنا الزَّكاةُ حَتّى أنَّهُ إنْ لَمْ تَنْدَفِعْ حاجَتُهم بِالزَّكاةِ كانَ التَّصَدُّقُ واجِبًا ولا شَكَّ في وُجُوبِ مُكالَمَةِ النّاسِ بِطَرِيقٍ لا يَتَضَرَّرُونَ بِهِ.
التَّكْلِيفُ السّابِعُ والثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ التَّكالِيفِ الثَّمانِيَةِ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ذَلِكَ لِيَقْبَلُوا فَتَحْصُلُ لَهُمُ المَنزِلَةُ العُظْمى عِنْدَ رَبِّهِمْ، تَوَلَّوْا وأساءُوا إلى أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَلَقَّوْا نِعَمَ رَبِّهِمْ بِالقَبُولِ مَعَ تَوْكِيدِ الدَّلائِلِ والمَواثِيقِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يَزِيدُ في قُبْحِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ والتَّوَلِّي؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في البَيانِ والتَّوَثُّقِ يَكُونُ أعْظَمَ مِنَ المُخالَفَةِ مَعَ الجَهالَةِ، واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَن تَقَدَّمَ مِن بَنِي
صفحة ١٥٥
إسْرائِيلَ.
وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، يَعْنِي أعْرَضْتُمْ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ كَإعْراضِ أسْلافِكم.
وثالِثُها: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ مَن تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ومَن تَأخَّرَ.
أمّا وجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ إذا كانَ الكَلامُ الأوَّلُ في المُتَقَدِّمِينَ مِنهم فَظاهِرُ الخَطّابِ يَقْتَضِي أنَّ آخِرَهُ فِيهِمْ أيْضًا إلّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الِانْصِرافَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ساقَ الكَلامَ الأوَّلَ سِياقَةَ إظْهارِ النِّعَمِ بِإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّهم تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهم بَقَوْا عَلى ما دَخَلُوا فِيهِ. أمّا وجْهُ القَوْلِ الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ وهو بِالحاضِرِينَ ألْيَقُ وما تَقَدَّمَ حِكايَةٌ، وهو بِسَلَفِهِمُ الغائِبِينَ ألْيَقُ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ العُهُودَ والمَواثِيقَ كَما لَزِمَهُمُ التَّمَسُّكُ بِها فَذَلِكَ هو لازِمٌ لَكم لِأنَّكم تَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ مِن حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَيَلْزَمُكم مِنَ الحُجَّةِ مِثْلُ الَّذِي لَزِمَهم وأنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ قَدْ تَوَلَّيْتُمْ وأعْرَضْتُمْ عَنْ ذَلِكَ إلّا قَلِيلًا مِنكم وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وأسْلَمُوا، فَهَذا مُحْتَمَلٌ، وأمّا وجْهُ القَوْلِ الثّالِثِ فَهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ إنَّهم تَوَلَّوْا عَنْها كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى نِهايَةِ قُبْحِ أفْعالِهِمْ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مُخْتَصًّا بِمَن في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ أنَّكم بِمَنزِلَةِ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا بَعْدَ أخْذِ هَذِهِ المَواثِيقِ فَإنَّكم بَعْدَ اطِّلاعِكم عَلى دَلائِلِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وكَفَرْتُمْ بِهِ، فَكُنْتُمْ في هَذا الإعْراضِ بِمَثابَةِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في ذَلِكَ التَّوَلِّي واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو أنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم هَذا التَّكْلِيفَ وأنَّهم أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ ثُمَّ خالَفُوا العَهْدَ فِيهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِعُلَماءِ اليَهُودِ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ أسْلافِهِمْ، وتَقْدِيرُهُ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ آبائِكم.
وثالِثُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأسْلافِ وتَقْرِيعٌ لِلْأخْلافِ ومَعْنى: ﴿أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ أمَرْناكم وأكَّدْنا الأمْرَ وقَبِلْتُمْ وأقْرَرْتُمْ بِلُزُومِهِ ووُجُوبِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ، وهو الإنْسانُ مُلْجَأٌ إلى أنْ لا يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في النَّهْيِ عَنْهُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا الإلْجاءَ قَدْ يَتَغَيَّرُ كَما ثَبَتَ في أهْلِ الهِنْدِ أنَّهم يُقَدِّرُونَ في قَتْلِ النَّفْسِ التَّخَلُّصَ مِن عالَمِ الفَسادِ واللُّحُوقَ بِعالَمِ النُّورِ والصَّلاحِ، أوْ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَعُبَ عَلَيْهِ الزَّمانُ، وثَقُلَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ، فَيَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَإذا انْتَفى كَوْنُ الإنْسانِ مُلْجَأً إلى تَرْكِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ صَحَّ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وجَعَلَ غَيْرَ الرَّجُلِ نَفْسَهُ إذا اتَّصَلَ بِهِ نَسَبًا ودِينًا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] .
وثالِثُها: أنَّهُ إذا قَتَلَ غَيْرَهُ فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّهُ يُقْتَصُّ مِنهُ.
صفحة ١٥٦
ورابِعُها: لا تَتَعَرَّضُوا لِمُقاتَلَةِ مَن يَقْتُلُكم فَتَكُونُوا قَدْ قَتَلْتُمْ أنْفُسَكم.
وخامِسُها: لا تَسْفِكُونَ دِماءَ مَن قِوامُكم في مَصالِحِ الدُّنْيا بِهِمْ فَتَكُونُونَ مُهْلِكِينَ لِأنْفُسِكم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِسَبَبِهِ أنْ تَخْرُجُوا مِن دِيارِكم.
الثّانِي: المُرادُ النَّهْيُ عَنْ إخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ فِيهِ المِحْنَةُ والشِّدَّةُ حَتّى يُقْرُبَ مِنَ الهَلاكِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأقْوى، أيْ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ بِالمِيثاقِ واعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِلُزُومِهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا أيْ شاهِدٌ عَلَيْها.
وثانِيها: اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ وشَهِدَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ شائِعًا فِيما بَيْنَهم مَشْهُورًا.
وثالِثُها: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ اليَوْمَ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.
ورابِعُها: الإقْرارُ الَّذِي هو الرِّضاءُ بِالأمْرِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ كَأنْ يُقالَ: فُلانٌ لا يُقِرُّ عَلى الضَّيْمِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُكم بِذَلِكَ ورَضِيتُمْ بِهِ فَأقَمْتُمْ عَلَيْهِ وشَهِدْتُمْ بِوُجُوبِهِ وصِحَّتِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ والمَعْنى واحِدٌ، قُلْنا فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أقْرَرْتُمْ يَعْنِي أسْلافَكم وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الآنَ يَعْنِي عَلى إقْرارِهِمْ.
الثّانِي: أقْرَرْتُمْ في وقْتِ المِيثاقِ الَّذِي مَضى وأنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْهَدُونَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ.
البقرة 2:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”أنْتُمْ“ لِلْحاضِرِينَ و”هَؤُلاءِ“ لِلْغائِبِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ الحاضِرُ نَفْسَ الغائِبِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ.
وثانِيها: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أنْتُمْ أعْنِي هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي وصِلَتُهُ ”تَقْتُلُونَ“ ومَوْضِعُ تَقْتُلُونَ رَفْعٌ إذا كانَ خَبَرًا ولا مَوْضِعَ لَهُ إذا كانَ صِلَةً. قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ في الصِّلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ [طه: ١٧] يَعْنِي وما تِلْكَ الَّتِي بِيَمِينِكَ.
ورابِعُها: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ لِأنْتُمْ، والخَبَرُ ”تَقْتُلُونَ“، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ?
صفحة ١٥٧
﴿أنْفُسَكُمْ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ الوُجُوهَ، وأصَحُّها أنَّ المُرادَ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَتْلُ البَعْضِ لِلْبَعْضِ قَدْ يُقالُ فِيهِ إنَّهُ قَتْلٌ لِلنَّفْسِ إذْ كانَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ وبَيَّنّا المُرادَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ ما هو.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَظاهَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ فَوَجْهُ التَّخْفِيفِ الحَذْفُ لِإحْدى التّاءَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢] ووَجْهُ التَّشْدِيدِ إدْغامُ التّاءِ في الظّاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ والحَذْفُ أخَفُّ والإدْغامُ أدَلُّ عَلى الأصْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّظاهُرَ هو التَّعاوُنُ، ولَمّا كانَ الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ وقَتْلُ البَعْضِ بَعْضًا مِمّا تَعْظُمُ بِهِ الفِتْنَةُ واحْتِيجَ فِيهِ إلى اقْتِدارٍ وغَلَبَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم فَعَلُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعانَةِ بِمَن يُظاهِرُهم عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلْمَ كَما هو مُحَرَّمٌ فَكَذا إعانَةُ الظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ مُحَرَّمَةٌ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أقْدَرَ الظّالِمَ عَلى الظُّلْمِ وأزالَ العَوائِقَ والمَوانِعَ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّهْوَةَ الدّاعِيَةَ إلى الظُّلْمِ كانَ قَدْ أعانَهُ عَلى الظُّلْمِ، فَلَوْ كانَتْ إعانَةُ الظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ قَبِيحَةً لَوَجَبَ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ مَكَّنَ الظّالِمَ مِن ذَلِكَ فَقَدْ زَجَرَهُ عَنِ الظُّلْمِ بِالتَّهْدِيدِ والزَّجْرِ، بِخِلافِ المُعِينِ لِلظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ فَإنَّهُ يُرَغِّبُهُ فِيهِ ويُحَسِّنُهُ في عَيْنِهِ ويَدْعُوهُ إلَيْهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ قَدْرَ ذَنْبِ المُعِينِ مِثْلُ قَدْرِ ذَنْبِ المُباشِرِ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى أنَّهُ دُونَهُ لِأنَّ الإعانَةَ لَوْ حَصَلَتْ بِدُونِ المُباشَرَةِ لَما أثَّرَتْ في حُصُولِ الظُّلْمِ ولَوْ حَصَلَتِ المُباشَرَةُ بِدُونِ الإعانَةِ لَحَصَلَ الضَّرَرُ والظُّلْمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُباشَرَةَ أدْخَلُ في الحُرْمَةِ مِنَ الإعانَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: (أُسارى تُفادُوهم) بِالألِفِ فِيهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِغَيْرِ ألِفٍ فِيهِما والباقُونَ: ”أُسارى“ بِال ألِفِ و”تُفْدُوهم“ بِغَيْرِ ألِفٍ و”الأسْرى“ جَمْعُ أسِيرٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وفي أُسارى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أسْرى كَسَكْرى وسُكارى.
والثّانِي: جَمْعُ أسِيرٍ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الأسْرى والأُسارى، وقالَ: الأُسارى الَّذِينَ في وِثاقٍ، والأسْرى الَّذِينَ في اليَدِ، كَأنَّهُ يَذْهَبُ إلى أنَّ أُسارى أشَدُّ مُبالَغَةً، وأنْكَرَ ثَعْلَبٌ ذَلِكَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الِاخْتِيارُ أُسارى بِال ألِفِ لِأنَّ عَلَيْهِ أكْثَرَ الأئِمَّةِ ولِأنَّهُ أدَلُّ عَلى مَعْنى الجَمْعِ إذْ كانَ يُقالُ بِكَثْرَةٍ فِيهِ، وهو قَلِيلٌ في الواحِدِ نَحْوَ شُكاعى ولِأنَّها لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تُفْدُوهم وتُفادُوهم لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ تُفْدُوهم مِنَ الفِداءِ وهو العِوَضُ مِنَ الشَّيْءِ صِيانَةً لَهُ، يُقالُ: فَداهُ فِدْيَةً وتُفادُوهم مِنَ المُفاداةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفادُوهُمْ﴾ وصْفٌ لَهم بِما هو طاعَةٌ وهو
صفحة ١٥٨
التَّخْلِيصُ مِنَ الأسْرِ بِبَذْلِ مالٍ أوْ غَيْرِهِ لِيَعُودُوا إلى كُفْرِهِمْ، وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ أنَّهُ ضِدُّ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّكم مَعَ القَتْلِ والإخْراجِ إذا وقَعَ أسِيرٌ في أيْدِيكم لَمْ تَرْضَوْا مِنهُ إلّا بِأخْذِ مالٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْكم ثُمَّ عِنْدَها تُخْرِجُونَهُ مِنَ الأسْرِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ والمُفَسِّرُونَ: إنَّما أتَوْا مِن جِهَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ هَذا القَوْلَ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ إذا كانَ في الكِتابِ الَّذِي مَعَكم نَبَأُ مُحَمَّدٍ فَجَحَدْتُمُوهُ فَقَدْ آمَنتُمْ بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرْتُمْ بِبَعْضٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ يَحْتَمِلُ لَفْظَ المُفاداةِ لِأنَّ الباذِلَ عَنِ الأسِيرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ فاداهُ، والآخِذَ مِنهُ لِلتَّخْلِيصِ يُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ أقْرَبُ، لِأنَّ عَوْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى أُمُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُها بَعْدَ آياتٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: الَّذِينَ أُخْرِجُوا والَّذِينَ فُودُوا فَرِيقٌ واحِدٌ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ كانا أخَوَيْنِ كالأوْسِ والخَزْرَجِ، فافْتَرَقُوا فَكانَتِ النَّضِيرُ مَعَ الخَزْرَجِ وقُرَيْظَةُ مَعَ الأوْسِ. فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ وإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهم وأخْرَجُوهم وإذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ وقالُوا: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم، ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الَّذِينَ أخْرَجُوهم فُودُوا ولَكِنَّهم قَوْمٌ آخَرُونَ فَعابَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ فَفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ كَأنَّهُ قِيلَ والقِصَّةُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم.
الثّانِي: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإخْراجِ أُعِيدَ ذِكْرُهُ تَوْكِيدًا لِأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُما بِكَلامٍ فَمَوْضِعُهُ عَلى هَذا رَفْعٌ كَأنَّهُ قِيلَ وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، ثُمَّ أُعِيدَ ذِكْرُ إخْراجِهِمْ مُبَيِّنًا لِلْأوَّلِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إخْراجُهم كُفْرٌ، وفِداؤُهم إيمانٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، ولَمْ يَذُمَّهم عَلى الفِداءِ، وإنَّما ذَمَّهم عَلى المُناقَضَةِ إذْ أتَوْا بِبَعْضِ الواجِبِ وتَرَكُوا البَعْضَ، وقَدْ تَكُونُ المُناقَضَةُ أدْخَلَ في الذَّمِّ لا يُقالُ هَبْ أنَّ ذَلِكَ الإخْراجَ مَعْصِيَةٌ، فَلِمَ سَمّاها كُفْرًا مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العاصِيَ لا يَكْفُرُ؛ لِأنّا نَقُولُ لَعَلَّهم صَرَّحُوا أنَّ ذَلِكَ الإخْراجَ غَيْرُ واجِبٍ مَعَ أنَّ صَرِيحَ التَّوْراةِ كانَ دالًّا عَلى وُجُوبِهِ.
وثانِيهِما: المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم في تَمَسُّكِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الحُجَّةَ في أمْرِهِما عَلى سَواءٍ يَجْرِي مَجْرى طَرِيقَةِ السَّلَفِ مِنهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ والكُلُّ في المِيثاقِ سَواءٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَأصْلُ الخِزْيِ الذُّلُّ والمَقْتُ. يُقالُ: أخْزاهُ اللَّهُ، إذا مَقَتَهُ وأبْعَدَهُ، وقِيلَ: أصْلُهُ الِاسْتِحْياءُ، فَإذا قِيلَ: أخْزاهُ اللَّهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْقَعَهُ مَوْقِعًا يُسْتَحَيا مِنهُ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ، واخْتَلَفُوا في هَذا الخِزْيِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الجِزْيَةُ والصَّغارُ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرِيعَتِهِمْ، بَلْ إنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَحَّ هَذا الوَجْهُ، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الخِزْيِ الواقِعِ بِأهْلِ الذِّمَّةِ أخْذَ الجِزْيَةِ مِنهم.
وثانِيها: إخْراجُ بَنِي النَّضِيرِ مِن دِيارِهِمْ، وقَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الحاضِرِينَ في
صفحة ١٥٩
زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وثالِثُها: وهو الأوْلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ والتَّحْقِيرُ البالِغُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِبَعْضِ الوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ”خِزْيٌ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّمَّ واقِعٌ في النِّهايَةِ العُظْمى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ عَذابَ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الصّانِعَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشَدَّ مِن عَذابِ اليَهُودِ، فَكَيْفَ قالَ في حَقِّ اليَهُودِ: ﴿يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أشَدُّ مِنَ الخِزْيِ الحاصِلِ في الدُّنْيا، فَلَفْظُ ”الأشَدِّ“ وإنْ كانَ مُطْلَقًا إلّا أنَّ المُرادَ أشَدُّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ بِتاءِ الخِطابِ والباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجْهُ الأوَّلِ: البِناءُ عَلى أوَّلِ الكَلامِ، أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، ووَجْهُ الثّانِي: البِناءُ عَلى أنَّهُ آخِرُ الكَلامِ واخْتِيارُ الخِطابِ لِأنَّ عَلَيْهِ الأكْثَرَ ولِأنَّهُ أدَلُّ عَلى المَعْنى لِتَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ عَنِ المَعْصِيَةِ وبِشارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى الطّاعَةِ، لِأنَّ الغَفْلَةَ إذا كانَتْ مُمْتَنِعَةً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّهُ أقْدَرُ القادِرِينَ وصَلَتِ الحُقُوقُ لا مَحالَةَ إلى مُسْتَحِقِّيها.
البقرة 2:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ تَحْصِيلِ لَذّاتِ الدُّنْيا ولَذّاتِ الآخِرَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ واللَّهُ سُبْحانَهُ مَكَّنَ المُكَلَّفَ مِن تَحْصِيلِ أيِّهِما شاءَ وأرادَ، فَإذا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ أحَدِهِما فَقَدْ فَوَّتَ الآخَرَ عَلى نَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ما أعْرَضَ اليَهُودُ عَنْهُ مِنَ الإيمانِ بِما في كُتُبِهِمْ وما حَصَلَ في أيْدِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ ولَذّاتِ الدُّنْيا كالبَيْعِ والشِّراءِ، وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نِهايَةِ الذَّمِّ لَهم لِأنَّ المَغْبُونَ في البَيْعِ والشِّراءِ في الدُّنْيا مَذْمُومٌ حَتّى يُوصَفَ بِأنَّهُ تَغَيَّرَ في عَقْلِهِ فَبِأنْ يُذَمَّ مُشْتَرِي مَتاعِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ أوْلى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في دُخُولِ الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: العَطْفُ عَلى ﴿اشْتَرَوُا﴾ والقَوْلُ الآخَرُ بِمَعْنى جَوابِ الأمْرِ، كَقَوْلِكَ أُولَئِكَ الضُّلّالُ انْتَبِهْ فَلا خَيْرَ فِيهِمْ، والأوَّلُ أوْجَهُ لِأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى الإضْمارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَعْضُهم حَمَلَ التَّخْفِيفَ عَلى أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ بَلْ يَدُومُ، لِأنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَكانَ قَدْ خَفَّ، وحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلى شِدَّتِهِ لا عَلى دَوامِهِ والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ قَدْ يَخِفُّ بِالِانْقِطاعِ وقَدْ يَخِفُّ بِالقِلَّةِ في
صفحة ١٦٠
كُلِّ وقْتٍ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَإذا وصَفَ تَعالى عَذابَهم بِأنَّهُ لا يُخَفَّفُ اقْتَضى ذَلِكَ نَفْيَ جَمِيعِ ما ذَكَرْناهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْيِ النُّصْرَةِ في الآخِرَةِ يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يَدْفَعُ هَذا العَذابَ عَنْهم ولا هم يُنْصَرُونَ عَلى مَن يُرِيدُ عَذابَهم، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْيِ النُّصْرَةِ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً عَلى صَنِيعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَلِيقُ إلّا بِالآخِرَةِ، لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا وإنْ حَصَلَ فَيَصِيرُ كالحُدُودِ الَّتِي تُقامُ عَلى المُقَصِّرِ ولِأنَّ الكُفّارَ قَدْ يَصِيرُونَ غالِبِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأوْقاتِ.
البقرة 2:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أفاضَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ إنَّهم قابَلُوهُ بِالكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ اليَهُودِ مِن قَبْلُ بِأنَّهم يُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ وإخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ وبَيَّنَ أنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ اشْتَرَوُا الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، زادَ في تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا الكِتابُ فَهو التَّوْراةُ آتاهُ اللَّهُ إيّاها جُمْلَةً واحِدَةً، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِحَمْلِها فَلَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها فَخَفَّفَها اللَّهُ عَلى مُوسى فَحَمَلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَفَّيْنا، أتْبَعْنا مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ يَأْتِي في قَفاهُ الشَّيْءُ، أيْ بَعْدَ نَحْوِ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتِ الرُّسُلُ تَتَواتَرُ ويَظْهَرُ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جاءَ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا فِيها، قالَ القاضِي: إنَّ الرَّسُولَ الثّانِيَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى شَرِيعَةِ الأوَّلِ حَتّى لا يُؤَدِّيَ إلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِعَيْنِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، مَعَ أنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها بِالتَّواتُرِ عَنِ الأُوَلِ، لِأنَّ الرَّسُولَ إذا كانَ هَذا حالَهُ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَعْلَمَ مِن جِهَةٍ إلّا ما كانَ قَدْ عَلِمَ مِن قَبْلُ أوْ يُمْكِنْ أنْ يَعْلَمَ مِن قَبْلُ، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا لا شَرِيعَةَ مَعَهُ أصْلًا، تُبَيِّنُ العَقْلِيّاتِ لِهَذِهِ العِلَّةِ، فَكَذا القَوْلُ في مَسْألَتِنا: فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أتَوْا بِشَرِيعَةٍ
صفحة ١٦١
جَدِيدَةٍ إنْ كانَتِ الأُولى مَحْفُوظَةً أوْ مُحْيِيَةً لِبَعْضِ ما انْدَرَسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الأُولى. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن بَعْثَةِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ تَنْفِيذَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ السّالِفَةِ عَلى الأُمَّةِ أوْ نَوْعًا آخَرَ مَنِ الألْطافِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ ؟ وبِالجُمْلَةِ فالقاضِي ما أتى في هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا بِإعادَةِ الدَّعْوى، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثُ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ إلّا لِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أوْ لِإحْياءِ شَرِيعَةٍ انْدَرَسَتْ وهَلِ النِّزاعُ وقَعَ إلّا في هَذا ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ هم: يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ وشَعْياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْمَلَ ذِكْرَ الرَّسُولِ ثُمَّ فَصَّلَ ذِكْرَ عِيسى لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ جاءُوا بِشَرِيعَةِ مُوسى فَكانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ عِيسى، لِأنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ أكْثَرَ شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ عِيسى بِالسُّرْيانِيَّةِ أيْشُوعُ، ومَرْيَمُ بِمَعْنى الخادِمِ، وقِيلَ: مَرْيَمُ بِالعِبْرانِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كَزِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في البَيِّناتِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُعْجِزاتُ مِن إحْياءِ المَوْتى ونَحْوِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثانِيها: أنَّها الإنْجِيلُ.
وثالِثُها: وهو الأقْوى أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُ فِيهِ، لِأنَّ المُعْجِزَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما أنَّ الإنْجِيلَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ شَرِيعَتِهِ فَلا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ وأيَّدْناهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”القُدْسِ“ بِالتَّخْفِيفِ والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ وهُما لُغَتانِ مِثْلَ رُعُبٌ ورُعْبٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الرُّوحِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن رُوحِ القُدُسِ الرُّوحُ المُقَدَّسَةُ كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ ورَجُلُ صِدْقٍ فَوُصِفَ جِبْرِيلُ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُ وبَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: سُمِّي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ الدِّينُ كَما يَحْيا البَدَنُ بِالرُّوحِ فَإنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِإنْزالِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، والمُكَلَّفُونَ في ذَلِكَ يَحْيَوْنَ في دِينِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ الرُّوحانِيَّةُ وكَذَلِكَ سائِرُ المَلائِكَةِ غَيْرَ أنَّ رُوحانِيَّتَهُ أتَمُّ وأكْمَلُ.
الرّابِعُ: سُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُوحًا، لِأنَّهُ ما ضَمَّتْهُ أصْلابُ الفُحُولِ وأرْحامُ الأُمَّهاتِ.
وثانِيها: المُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ الإنْجِيلُ، كَما قالَ في القُرْآنِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ ومَصالِحَ الدُّنْيا تَنْتَظِمُ لِأجْلِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَوْتى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
ورابِعُها: أنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى فَنَسَبَ رُوحَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى نَفْسِهِ
صفحة ١٦٢
تَعْظِيمًا لَهُ وتَشْرِيفًا، كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ وناقَةُ اللَّهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِهِ الرُّوحُ الَّذِي يَحْيا بِهِ الإنْسانُ.
واعْلَمْ أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ وعَلى الإنْجِيلِ وعَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ لِأنَّ الرُّوحَ هو الرِّيحُ المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ ومَنافِذِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ ما كانَتْ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِالرُّوحِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ أنَّ الرُّوحَ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِحَياةِ الرَّجُلِ، فَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَبٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِالعُلُومِ، والإنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرائِعِ وحَياتِها، والِاسْمُ الأعْظَمُ سَبَبٌ لِأنْ يُتَوَسَّلَ بِهِ إلى تَحْصِيلِ الأغْراضِ إلّا أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ مُسَمّى الرُّوحِ وبَيْنَ جِبْرِيلَ أتَمُّ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ مِن هَواءٍ نُورانِيٍّ لَطِيفٍ فَكانَتِ المُشابَهَةُ أتَمَّ، فَكانَ إطْلاقُ اسْمِ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أظْهَرُ مِنها فِيما عَداهُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ يَعْنِي قَوَّيْناهُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ التَّقْوِيَةِ الإعانَةُ وإسْنادُ الإعانَةِ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةٌ وإسْنادُها إلى الإنْجِيلِ والِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
ورابِعُها: وهو أنَّ اخْتِصاصَ عِيسى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصاصِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِثْلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ هو الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلادَتِها وإنَّما وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي رَبّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ وكانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ وكانَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ إلى السَّماءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فَهو نِهايَةُ الذَّمِّ لَهم، لِأنَّ اليَهُودَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أتاهُمُ الرَّسُولُ بِخِلافِ ما يَهْوُونَ كَذَّبُوهُ، وإنْ تَهَيَّأ لَهم قَتْلُهُ قَتَلُوهُ. وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِإرادَتِهِمُ الرِّفْعَةَ في الدُّنْيا وطَلَبِهِمْ لَذّاتِها والتَّرَؤُّسَ عَلى عامَّتِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وكانَتِ الرُّسُلُ تُبْطِلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم لِأجْلِ ذَلِكَ ويُوهِمُونَ عَوامَّهم كَوْنَهم كاذِبِينَ ويَحْتَجُّونَ في ذَلِكَ بِالتَّحْرِيفِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ، ومِنهم مَن كانَ يَسْتَكْبِرُ عَلى الأنْبِياءِ اسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلى آدَمَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ وفَرِيقًا قَتَلْتُمْ ؟ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُرادَ الحالُ الماضِيَةُ لِأنَّ الأمْرَ فَظِيعٌ فَأُرِيدَ اسْتِحْضارُهُ في النُّفُوسِ وتَصْوِيرُهُ في القُلُوبِ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَهم بَعْدُ لِأنَّكم حاوَلْتُمْ قَتْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ مِنكم ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَمْتُمْ لَهُ الشّاةَ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي. فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾
أمّا الغُلْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ جَمْعُ أغْلَفَ والأغْلَفُ هو ما في غِلافٍ أيْ قُلُوبِنا مُغَشّاةٌ
صفحة ١٦٣
بِأغْطِيَةٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ أثَرِ دَعْوَتِكَ إلَيْها.
وثانِيها: رَوى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ بِالعِلْمِ ومَمْلُوءَةٌ بِالحِكْمَةِ فَلا حاجَةَ مَعَها بِهِمْ إلى شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: غُلْفٌ أيْ كالغِلافِ الخالِي لا شَيْءَ فِيهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِكَ.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهُمُ اخْتارُوا الوَجْهَ الأوَّلَ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِ الكُفّارِ ما لا يُمْكِنُهم مَعَهُ الإيمانُ، لا غِلافَ ولا كِنَّ ولا سَدَّ عَلى ما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ صادِقِينَ في هَذا القَوْلِ، فَكانَ لا يُكَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَذُمُّ الكاذِبَ المُبْطِلَ لا الصّادِقَ المُحِقَّ المَعْذُورَ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] لَيْسَ المُرادُ كَوْنَهم مَمْنُوعِينَ مِنَ الإيمانِ، بَلِ المُرادُ إمّا مَنعُ الألْطافِ أوْ تَشْبِيهُ حالِهِمْ في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمَنزِلَةِ المَجْبُورِ عَلى الكُفْرِ. قالُوا: ونَظِيرُ ذَمِّ اللَّهِ تَعالى اليَهُودَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ ذَمُّهُ تَعالى الكافِرِينَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ لَكانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ صادِقِينَ في ذَلِكَ، ولَوْ كانُوا صادِقِينَ لَما ذَمَّهم بَلْ كانَ الَّذِي حَكاهُ عَنْهم إظْهارًا لِعُذْرِهِمْ ومُسْقِطًا لِلَوْمِهِمْ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ الغُلْفِ وُجُوهًا ثَلاثَةً فَلا يَجِبُ الجَزْمُ بِواحِدٍ مِنها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ الوَجْهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مَذْمُومٌ ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ فَفِيهِ أجْوِبَةٌ:
أحَدُها: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَعَنَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، أمّا لِمَ قُلْتُمْ بِأنَّهُ إنَّما لَعَنَهم بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ فَلَعَلَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَوْلًا ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مِن حالِهِمْ أنَّهم مَلْعُونُونَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ يَعْنِي لَيْسَتْ قُلُوبُنا في أغْلافٍ ولا في أغْطِيَةٍ، بَلْ قَوِيَّةٌ وخَواطِرُنا مُنِيرَةٌ ثُمَّ إنّا بِهَذِهِ الخَواطِرِ والأفْهامِ تَأمَّلْنا في دَلائِلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَلَمْ نَجِدْ مِنها شَيْئًا قَوِيًّا. فَلَمّا ذَكَرُوا هَذا التَّصَلُّفَ الكاذِبَ لا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى كُفْرِهِمُ الحاصِلِ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وثالِثُها؛ لَعَلَّ قُلُوبَهم ما كانَتْ في الأغْطِيَةِ بَلْ كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] إلّا أنَّهم أنْكَرُوا تِلْكَ المَعْرِفَةَ وادَّعَوْا أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ وغَيْرُ واقِفَةٍ عَلى ذَلِكَ فَكانَ كُفْرُهم كُفْرُ العِنادِ فَلا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ القَلِيلَ صِفَةُ المُؤْمِنِ، أيْ لا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا القَلِيلُ عَنْ قَتادَةَ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ.
وثانِيها: أنَّهُ صِفَةُ الإيمانِ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِقَلِيلٍ مِمّا كُلِّفُوا بِهِ لِأنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، إلّا أنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِالرُّسُلِ.
وثالِثُها: مَعْناهُ لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا كَما يُقالُ: قَلِيلًا ما يَفْعَلُ بِمَعْنى لا يَفْعَلُ البَتَّةَ. قالَ الكِسائِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، يُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] ولِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى إذا كانَ المُصَرَّحُ فِيها ذِكْرُ القَوْمِ فَيَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ الِاسْتِثْناءُ بَعْضَ هَؤُلاءِ القَوْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في انْتِصابِ ”قَلِيلًا“ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ”وما“ مَزِيدَةٌ وهو إيمانُهم
صفحة ١٦٤
بِبَعْضِ الكِتابِ.
وثانِيها: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ بِقَلِيلٍ يُؤْمِنُونَ.
وثالِثُها: فَصارُوا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ.
البقرة 2:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِن قَبائِحِ اليَهُودِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ﴾ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ هو القُرْآنُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ غَيْرُ ما مَعَهم وما ذاكَ إلّا القُرْآنُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم في أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِتَكْلِيفِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ، واللّائِقُ بِذَلِكَ هو كَوْنُهُ مُوافِقًا لِما مَعَهم في دَلالَةِ نُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ بِمُوافِقٍ لِما مَعَهم في سائِرِ الشَّرائِعِ وعَرَفْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدِ المُوافَقَةُ في بابِ أدِلَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّ جَمِيعَ كُتُبِ اللَّهِ كَذَلِكَ ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مُوافَقَتُهُ لِكُتُبِهِمْ فِيما يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها مِنَ العَلاماتِ والنُّعُوتِ والصِّفاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”مُصَدِّقًا“ عَلى الحالِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ نَصْبُها عَنِ النَّكِرَةِ ؟ قُلْنا: إذا وُصِفَتِ النَّكِرَةُ تَخَصَّصَتْ فَصَحَّ انْتِصابُ الحالِ عَنْها وقَدْ وُصِفَ ﴿كِتابٌ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ? .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في جَوابِ ”لَمّا“ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَإنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ وهو: لَكانَ هَذا القُرْآنُ - عَنِ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ.
وثانِيها: أنَّهُ عَلى التَّكْرِيرِ لِطُولِ الكَلامِ والجَوابُ: كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ? (المُؤْمِنُونَ: ٣٥) عَنِ المُبَرِّدِ.
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ الفاءُ جَوابًا لِلَمّا الأُولى و﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ جَوابًا لِلَمًّا الثّانِيَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ، عَنِ الفَرّاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفي سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ مِن قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُزُولِ القُرْآنِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ، أيْ يَسْألُونَ الفَتْحَ والنُّصْرَةَ وكانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنا وانْصُرْنا بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ.
وثانِيها: كانُوا يَقُولُونَ لِمُخالِفِيهِمْ عِنْدَ القِتالِ: هَذا نَبِيٌّ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ يَنْصُرُنا عَلَيْكم، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: كانُوا يَسْألُونَ العَرَبَ عَنْ مَوْلِدِهِ ويَصِفُونَهُ بِأنَّهُ نَبِيٌّ مِن صِفَتِهِ كَذا وكَذا، ويَتَفَحَّصُونَ عَنْهُ، عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أيْ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.
ورابِعُها: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ المَبْعَثِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
وخامِسُها: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ كانُوا إذا قَرَءُوا وذَكَرُوا مُحَمَّدًا في التَّوْراةِ وأنَّهُ
صفحة ١٦٥
مَبْعُوثٌ وأنَّهُ مِنَ العَرَبِ سَألُوا مُشْرِكِي العَرَبِ عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ هَلْ وُلِدَ فِيهِمْ مَن يُوافِقُ حالُهُ حالَ هَذا المَبْعُوثِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِنُبُوَّتِهِ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ التَّوْراةَ نُقِلَتْ نَقْلًا مُتَواتِرًا، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ فِيها نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أعْنِي بَيانَ أنَّ الشَّخْصَ المَوْصُوفَ بِالصُّورَةِ الفُلانِيَّةِ والسِّيرَةِ الفُلانِيَّةِ سَيَظْهَرُ في السَّنَةِ الفُلانِيَّةِ في المَكانِ الفُلانِيِّ، أوْ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَصْفُ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ القَوْمُ مُضْطَرِّينَ إلى مَعْرِفَةِ شَهادَةِ التَّوْراةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلى أهْلِ التَّواتُرِ إطْباقُهم عَلى الكَذِبِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الوَصْفُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ في التَّوْراةِ كانَ وصْفًا إجْمالِيًّا وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا لَمْ يَعْرِفُوا نُبُوَّتَهُ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الأوْصافِ، بَلْ بِظُهُورِ المُعْجِزاتِ صارَتْ تِلْكَ الأوْصافُ كالمُؤَكِّدَةِ، فَلِهَذا ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى الإنْكارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: كَفَرُوا بِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ المَبْعُوثَ يَكُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ مَن جاءَ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانُوا يُرَغِّبُونَ النّاسَ في دِينِهِ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا مِنَ العَرَبِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْها فَأظْهَرُوا التَّكْذِيبَ وخالَفُوا طَرِيقَهُمُ الأوَّلَ.
وثانِيها: اعْتِرافُهم بِنُبُوَّتِهِ كانَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ زَوالَ رِياساتِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَأبَوْا وأصَرُّوا عَلى الإنْكارِ.
وثالِثُها: لَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً فَلا جَرَمَ كَفَرُوا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى كَفَّرَهم بَعْدَ ما بَيَّنَ كَوْنَهم عالِمِينَ بِنُبُوَّتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ هو الجَهْلُ بِاللَّهِ تَعالى فَقَطْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ الإبْعادُ مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، لِأنَّ المُبْعَدَ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا لا يَكُونُ مَلْعُونًا. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وقالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قُلْنا: العامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ عَلى أنّا بَيَّنّا فِيما قَبْلُ أنَّ لَعْنَ مَن يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ بِئْسَما لا يَحْصُلُ إلّا في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ نِعْمَ وبِئْسَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وكَسْرِ الثّانِي، كَقَوْلِنا: ”عَلِمَ“ إلّا أنَّ ما كانَ ثانِيهِ
صفحة ١٦٦
حَرْفَ حَلْقٍ وهو مَكْسُورٌ يَجُوزُ فِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ:
الأوَّلُ: عَلى الأصْلِ أعْنِي بِفَتْحِ الأوَّلِ وكَسْرِ الثّانِي.
والثّانِي: إتْباعُ الأوَّلِ لِلثّانِي وهو أنْ يَكُونَ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، وكَذا يُقالُ: فِخِذٌ بِكَسْرِ الفاءِ والخاءِ، وهم وإنْ كانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الكَسْرَتَيْنِ إلّا أنَّهم جَوَّزُوهُ هَهُنا لِكَوْنِ الحَرْفِ الحَلْقِيِّ مُسْتَتْبَعًا لِما يُجاوِرُهُ.
الثّالِثُ: إسْكانُ الحَرْفِ الحَلْقِيِّ المَكْسُورِ وتَرْكُ ما قَبْلَهُ عَلى ما كانَ فَيُقالُ: نَعْمَ وبَئْسَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وإسْكانِ الثّانِي كَما يُقالُ: فَخْذٌ بِفَتْحِ الفاءِ وإسْكانِ الخاءِ.
الرّابِعُ: أنْ يُسَكَّنَ الحَرْفُ الحَلْقِيُّ وتُنْقَلَ كَسْرَتُهُ إلى ما قَبْلَهُ فَيُقالُ: نِعْمَ بِكَسْرِ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ كَما يُقالُ: فِخْذٌ بِكَسْرِ الفاءِ وإسْكانِ الخاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّغْيِيرَ الأخِيرَ وإنْ كانَ في حَدِّ الجَوازِ عِنْدَ إطْلاقِ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ إلّا أنَّهم جَعَلُوهُ لازِمًا لَهُما لِخُرُوجِهِما عَمّا وُضِعَتْ لَهُ الأفْعالُ الماضِيَةُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُجُودِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي وصَيْرُورَتِهِما كَلِمَتَيْ مَدْحٍ وذَمٍّ ويُرادُ بِهِما المُبالَغَةُ في المَدْحِ والذَّمِّ، لِيَدُلَّ هَذا التَّغْيِيرُ اللّازِمُ في اللَّفْظِ عَلى التَّغْيِيرِ عَنِ الأصْلِ في المَعْنى فَيَقُولُونَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ ولا يَذْكُرُونَهُ عَلى الأصْلِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَما أنْشَدَ المُبَرِّدُ:
فَفِداءٌ لِبَنِي قَيْسٍ عَلى ما أصابَ النّاسَ مِن شَرٍّ وضُرِّ
ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ السّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرِّ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُما فِعْلانِ مِن نَعِمَ يَنْعَمُ وبَئِسَ ويَبْأسُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ التّاءِ الَّتِي هي عَلامَةُ التَّأْنِيثِ فِيهِما، فَيُقالُ: نِعْمَتْ وبِئْسَتْ، والفَرّاءُ يَجْعَلُهُما بِمَنزِلَةِ الأسْماءِ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ألَسْنا بِنِعْمَ الجارِ يُؤْلَفُ بَيْتُهُ ∗∗∗ مِنَ النّاسِ ذا مالٍ كَثِيرٍ ومُعْدَما
وبِما رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا بُشِّرَ بِمَوْلُودَةٍ فَقِيلَ لَهُ: نِعْمَ المَوْلُودُ مَوْلُودَتُكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما هي بِنِعْمَ المَوْلُودَةِ والبَصْرِيُّونَ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ”نِعْمَ وبِئْسَ“ أصْلانِ لِلصَّلاحِ والرَّداءَةِ ويَكُونُ فاعِلُهُما اسْمًا يَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا، والمُظْهَرُ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: نَحْوَ قَوْلِكَ، نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، لا تُرِيدُ رَجُلًا دُونَ الرَّجُلِ وإنَّما تَقْصِدُ الرَّجُلَ عَلى الإطْلاقِ.
والثّانِي: نَحْوَ قَوْلِكَ نِعْمَ غُلامُ الرَّجُلِ زَيْدٌ، أمّا قَوْلُهُ:
فَنِعْمَ صاحِبُ قَوْمٍ لا سِلاحَ لَهم ∗∗∗ وصاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانا
فَنادِرٌ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ”وصاحِبُ الرَّكْبِ“ قَدْ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ إذِ المُرادُ واحِدٌ فَإذا أتى في الرَّكْبِ بِالألِفِ واللّامِ فَكَأنَّهُ قَدْ أتى بِهِ في القَوْمِ، وأمّا المُضْمَرُ فَكَقَوْلِكَ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، الأصْلُ: نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا زَيْدٌ ثُمَّ تُرِكَ ذِكْرُ الأوَّلِ لِأنَّ النَّكِرَةَ المَنصُوبَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ ورَجُلًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، مِثْلُهُ في قَوْلِكَ: عِشْرُونَ رَجُلًا والمُمَيَّزُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً، ألا تَرى أنَّ أحَدًا لا يَقُولُ عِشْرُونَ الدِّرْهَمَ، ولَوْ أدْخَلُوا الألِفَ واللّامَ عَلى هَذا فَقالُوا: نِعْمَ الرَّجُلَ بِالنَّصْبِ لَكانَ نَقْضًا لِلْغَرَضِ إذْ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ الإتْيانَ بِالألِفِ واللّامِ لَرَفَعُوا وقالُوا: نِعْمَ الرَّجُلُ وكَفَوْا أنْفُسَهم مُؤْنَةَ الإضْمارِ وإنَّما أضْمَرُوا الفاعِلَ قَصْدًا لِلِاخْتِصارِ، إذْ كانَ ”نِعْمَ رَجُلًا“ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ الَّذِي فُضِّلَ عَلَيْهِ.
صفحة ١٦٧
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْتَ نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ فَهو عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كَأنَّهُ قِيلَ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، أخَّرْتَ زَيْدًا والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ المِسْكِيُنُ، تُرِيدُ: المِسْكِينُ مَرَرْتُ بِهِ، فَأمّا الرّاجِعُ إلى المُبْتَدَأِ فَإنَّ الرَّجُلَ لَمّا كانَ شائِعًا يَنْتَظِمُ فِيهِ الجِنْسُ كانَ زَيْدٌ داخِلًا تَحْتَهُ فَصارَ بِمَنزِلَةِ الذِّكْرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْهِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ زَيْدٌ في قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: نِعْمَ الرَّجُلُ، قِيلَ: مَن هَذا الَّذِي أُثْنِيَ عَلَيْهِ ؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ أيْ هو زَيْدٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ والذَّمِّ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ المَذْكُورِ بَعْدَ نِعْمَ وبِئْسَ كَزَيْدٍ مِنَ الرِّجالِ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُضافُ إلى القَوْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٧] مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهُ ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وإذْ قَدْ لَخَّصْنا هَذِهِ المَسائِلَ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”ما“ نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ بِمَعْنى بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ”أنْ يَكْفُرُوا“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الشِّراءِ هَهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى البَيْعِ، وبَيانُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَكَّنَ المُكَلَّفَ مِنَ الإيمانِ الَّذِي يُفْضِي بِهِ إلى الجَنَّةِ والكُفْرِ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ إلى النّارِ صارَ اخْتِيارُهُ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ بِمَنزِلَةِ اخْتِيارِ تَمَلُّكِ سِلْعَةٍ عَلى سِلْعَةٍ فَإذا اخْتارَ الإيمانَ الَّذِي فِيهِ فَوْزُهُ ونَجاتُهُ. قِيلَ: نِعْمَ ما اشْتَرى، ولَمّا كانَ الغَرَضُ بِالبَيْعِ والشِّراءِ هو إبْدالَ مِلْكٍ يُمْلَكُ صَلُحَ أنْ يُوصَفَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِأنَّهُ بائِعٌ ومُشْتَرٍ لِوُقُوعِ هَذا المَعْنى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَصَحَّ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنَّ المُرادَ باعُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ لِأنَّ الَّذِي حَصَّلُوهُ عَلى مَنافِعِ أنْفُسِهِمْ لَمّا كانَ هو الكُفْرُ صارُوا بائِعِينَ أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ المُكَلَّفَ إذا كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِن عِقابِ اللَّهِ يَأْتِي بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ مِنَ العِقابِ فَكَأنَّهُ قَدِ اشْتَرى نَفْسَهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ، فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّها تُخَلِّصُهم مِنَ العِقابِ، وتُوَصِّلُهم إلى الثَّوابِ فَقَدْ ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهم بِها، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ إلى المَعْنى واللَّفْظِ مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَفْسِيرَ ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ كُفْرُهم بِالقُرْآنِ لِأنَّ الخِطابَ في اليَهُودِ وكانُوا مُؤْمِنِينَ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ اخْتارُوا هَذا الكُفْرَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾ وأشارَ بِذَلِكَ إلى غَرَضِهِمْ بِالكُفْرِ كَما يُقالُ يُعادِي فُلانٌ فَلانًا حَسَدًا؛ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى غَرَضِهِ ولَوْلا هَذا القَوْلُ لَجَوَّزْنا أنْ يَكْفُرُوا جَهْلًا لا بَغْيًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَدَ حَرامٌ. ولَمّا كانَ البَغْيُ قَدْ يَكُونُ لِوُجُوهٍ شَتّى بَيَّنَ تَعالى غَرَضَهم مِن هَذا البَغْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ والقِصَّةُ لا تَلِيقُ إلّا بِما حَكَيْناهُ مِن أنَّهم ظَنُّوا أنَّ هَذا الفَضْلَ العَظِيمَ بِالنُّبُوَّةِ المُنْتَظَرَةِ يَحْصُلُ في قَوْمِهِمْ فَلَمّا وجَدُوهُ في العَرَبِ حَمَلَهم ذَلِكَ عَلى البَغْيِ والحَسَدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
* * *
صفحة ١٦٨
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الغَضَبَيْنِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِن إثْباتِ سَبَبَيْنِ لِلْغَضَبَيْنِ:
أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ وهو تَكْذِيبُهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ والآخَرُ تَكْذِيبُهم مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَصارَ ذَلِكَ دُخُولًا في غَضَبٍ بَعْدَ غَضَبٍ وسَخَطٍ بَعْدَ سَخَطٍ مِن قِبَلِهِ تَعالى؛ لِأجْلِ أنَّهم دَخَلُوا في سَبَبٍ بَعْدَ سَبَبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ وأبِي العالِيَةِ وقَتادَةَ.
الثّانِي: لَيْسَ المُرادُ إثْباتَ غَضَبَيْنِ فَقَطْ بَلِ المُرادُ إثْباتُ أنْواعٍ مِنَ الغَضَبِ مُتَرادِفَةٍ لِأجْلِ أُمُورٍ مُتَرادِفَةٍ صَدَرَتْ عَنْهم نَحْوَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] . ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] . ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ تَأْكِيدُ الغَضَبِ وتَكْثِيرُهُ؛ لِأجْلِ أنَّ هَذا الكُفْرَ وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّهُ عَظِيمٌ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
الرّابِعُ: الأوَّلُ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، والثّانِي بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وجَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ عَنِ السُّدِّيِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَضَبُ عِبارَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإنْسانِ في مِزاجِهِ عِنْدَ غَلَيانِ دَمِ قَلْبِهِ بِسَبَبِ مُشاهَدَةِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ وذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو مَحْمُولٌ عَلى إرادَتِهِ لِمَن عَصاهُ الإضْرارَ مِن جِهَةِ اللَّعْنِ والأمْرَ بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ يَصِحُّ وصْفُهُ تَعالى بِالغَضَبِ وأنَّ غَضَبَهُ يَتَزايَدُ ويَكْثُرُ، ويَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ كَصِحَّتِهِ في العَذابِ فَلا يَكُونُ غَضَبُهُ عَلى مَن كَفَرَ بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَغَضَبِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِخِصالٍ كَثِيرَةٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ لِأنَّ العِبارَةَ الأُولى يَدْخُلُ فِيها أُولَئِكَ الكُفّارُ وغَيْرُهم والعِبارَةُ الثّانِيَةُ لا يَدْخُلُ فِيها إلّا هم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَذابُ في الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ مُهِينًا لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أهانَ غَيْرَهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَأتّى إلّا فِيما يَعْقِلُ، فاللَّهُ تَعالى هو المُهِينُ لِلْمُعَذَّبِينَ بِالعَذابِ الكَثِيرِ إلّا أنَّ الإهانَةَ لَمّا حَصَلَتْ مَعَ العَذابِ جازَ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن وصْفِهِ، فَإنْ قِيلَ: العَذابُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ الإهانَةِ فَما الفائِدَةُ في هَذا الوَصْفِ ؟ قُلْنا: كَوْنُ العَذابِ مَقْرُونًا بِالإهانَةِ أمْرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا عَذابَ إلّا لِلْكافِرِينَ، ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ:
أحَدُهُما: الخَوارِجُ قالُوا: ثَبَتَ بِسائِرِ الآياتِ أنَّ الفاسِقَ يُعَذَّبُ، وثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ إلّا الكافِرُ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ الفاسِقُ كافِرٌ.
وثانِيها: المُرْجِئَةُ قالُوا: ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ إلّا الكافِرُ وثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِكافِرٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ لا يُعَذَّبُ وفَسادُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا يَخْفى.
البقرة 2:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ أيْضًا مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا﴾ أيْ بِكُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والقائِلُونَ بِالعُمُومِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي تُفِيدُ العُمُومَ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يُؤْمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، فَلَمّا آمَنُوا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ ولَوْلا أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ تُفِيدُ العُمُومَ لَما حَسُنَ هَذا الذَّمُّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِذَلِكَ: ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يَعْنِي بِالتَّوْراةِ وكُتُبِ سائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أتَوْا بِتَقْرِيرِ شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الإنْجِيلُ والقُرْآنُ. وأوْرَدَ هَذِهِ الحِكايَةَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لَهم وذَلِكَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا ولَهم طَرِيقٌ إلى أنْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإلّا كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ بِبَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ دُونَ البَعْضِ تَناقُضٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ فَهو كالإشارَةِ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ أمَرَ المُكَلَّفِينَ بِالإيمانِ بِهِ وكانَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا لا مَحالَةَ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ الإيمانَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ وبَعْضِ الكُتُبِ مَعَ الكُفْرِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ وبَعْضِ الكُتُبِ مُحالٌ.
الثّانِي: ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مُحَمَّدًا صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا ولا اسْتَفادَ مِن أُسْتاذٍ، فَلَمّا أتى بِالحِكاياتِ والقِصَصِ مُوافِقَةً لِما في التَّوْراةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا عَلِمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما اسْتَفادَها مِنَ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ.
الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ وجَبَ اشْتِمالُ التَّوْراةِ عَلى الإخْبارِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ بَلْ مُكَذِّبًا لَها وإذا كانَتِ التَّوْراةُ مُشْتَمِلَةً عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا بِوُجُوبِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ لَزِمَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ وُجُوبُ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ مِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ دَعْواهم كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ مُتَناقِضَةٌ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّوْراةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ ودَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ صادِقًا في
صفحة ١٧٠
ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ قَتْلَهُ كُفْرٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ السَّعْيُ في قَتْلِ يَحْيى وزَكَرِيّا وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُفْرًا فَلِمَ سَعَيْتُمْ في ذَلِكَ إنْ صَدَقْتُمْ في ادِّعائِكم كَوْنَكم مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ في الدِّينِ مِن حِرَفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ إيرادَ المُناقَضَةِ عَلى الخَصْمِ جائِزٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ وإنْ كانَ خِطابَ مُشافَهَةٍ لَكِنَّ المُرادَ مَن تَقَدَّمَ مِن سَلَفِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأنْبِياءَ في ذَلِكَ الزَّمانِ ما كانُوا مَوْجُودِينَ.
وثانِيها: أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَتَأتّى فِيهِ مِن قَبْلُ.
فَأمّا المُرادُ بِهِ الماضِي فَظاهِرٌ لِأنَّ القَرِينَةَ دالَّةٌ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ خِطابٌ لِهَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ: و﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ حِكايَةُ فِعْلِ أسْلافِهِمْ فَكَيْفَ وُجِّهَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا مَعْناهُ: أنَّكم بِهَذا التَّكْذِيبِ خَرَجْتُمْ مِنَ الإيمانِ بِما آمَنتُمْ كَما خَرَجَ أسْلافُكم بِقَتْلِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَنِ الإيمانِ بِالباقِينَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ كَيْفَ جازَ قَوْلُهُ: لِمَ تَقْتُلُونَ مِن قَبْلُ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنا أضْرِبُكَ أمْسُ ؟ والجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ فِيما كانَ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ اللّازِمَةِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَعْرِفُهُ بِما سَلَفَ مِن قُبْحِ فِعْلِهِ: ويْحَكَ لِمَ تَكْذِبُ ؟ كَأنَّكَ قُلْتَ: لَمْ يَكُنْ هَذا مِن شَأْنِكَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ولَمْ يُقِلْ ما تَلَتْ لِأنَّهُ أرادَ مِن شَأْنِها التِّلاوَةَ.
والثّانِي: كَأنَّهُ قالَ: لِمَ تَرْضَوْنَ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ تَكْرِيرَ هَذِهِ الآيَةِ يُغْنِي عَنْ تَفْسِيرِها والسَّبَبُ في تَكْرِيرِها أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى طَرِيقَةَ اليَهُودِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووَصَفَهم بِالعِنادِ والتَّكْذِيبِ ومَثَّلَهم بِسَلَفِهِمْ في قَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ الَّذِي يُناسِبُ التَّكْذِيبَ لَهم بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، أعادَ ذِكْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما جاءَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ وأنَّهم مَعَ وُضُوحِ ذَلِكَ أجازُوا أنْ يَتَّخِذُوا العِجْلَ إلَهًا وهو مَعَ ذَلِكَ صابِرٌ ثابِتٌ عَلى الدُّعاءِ إلى رَبِّهِ والتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ وشَرْعِهِ فَكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِي مَعَكم وإنْ بالَغْتُمْ في التَّكْذِيبِ والإنْكارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ١٧١
اعْلَمْ أنَّ في الإعادَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ التَّكْرارَ في هَذا وأمْثالِهِ لِلتَّأْكِيدِ وإيجابِ الحُجَّةِ عَلى الخَصْمِ عَلى عادَةِ العَرَبِ.
وثانِيها: أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ لَجاجِهِمْ.
البقرة 2:93
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ إظْلالَ الجَبَلِ لا شَكَّ أنَّهُ مِن أعْظَمِ المُخَوِّفاتِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وصَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّخْوِيفَ وإنْ عَظُمَ لا يُوجِبُ الِانْقِيادَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم قالُوا هَذا القَوْلَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى سَمِعُوهُ فَتَلَقَّوْهُ بِالعِصْيانِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ وإنْ لَمْ يَقُولُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١٧٧] وكَقَوْلِهِ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ صَرْفَ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ الدَّلِيلِ لا يَجُوزُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمْ حُبَّ العِجْلِ، وفي وجْهِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ تَداخَلَهم حُبُّهُ والحِرْصُ عَلى عِبادَتِهِ كَما يَتَداخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] .
الثّانِي: كَما أنَّ الشُّرْبَ مادَّةٌ لِحَياةِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ فَكَذا تِلْكَ المَحَبَّةُ كانَتْ مادَّةً لِجَمِيعِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُشْرِبُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلًا غَيْرَهم فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِوى اللَّهِ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما أرادَ اللَّهُ أنَّ غَيْرَهم فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهم لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ وإلْفِهِمْ بِعِبادَتِهِ أشْرَبُوا قُلُوبَهم حُبَّهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن أشْرَبَ أيْ زَيَّنَهُ عِنْدَهم ودَعاهم إلَيْهِ كالسّامِرِيِّ وإبْلِيسَ وشَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.
أجابَ الأصْحابُ عَنِ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَمّا أقَمْنا الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ القَطْعِيَّةَ عَلى أنَّ مُحْدِثَ كُلِّ الأشْياءِ هو اللَّهُ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ فالمُرادُ بِاعْتِقادِهِمُ التَّشْبِيهَ عَلى اللَّهِ وتَجْوِيزِهِمُ العِبادَةَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِالتَّوْراةِ لِأنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ عِبادَةُ العِجْلِ، وإضافَةُ الأمْرِ إلى إيمانِهِمْ تَهَكُّمٌ كَما قالَ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] وكَذَلِكَ إضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإيمانُ عَرَضٌ ولا يَصِحُّ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ لَكِنَّ الدّاعِيَ إلى الفِعْلِ قَدْ يُشَبَّهُ بِالآمِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالمُرادُ التَّشْكِيكُ في إيمانِهِمْ والقَدْحُ في صِحَّةِ دَعْواهم.
البقرة 2:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِهِمْ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الخَصْمِ إنْ كانَ كَذا وكَذا فافْعَلْ كَذا إلّا والأوَّلُ مَذْهَبُهُ لِيَصِحَّ إلْزامُ الثّانِي عَلَيْهِ.
وثانِيها: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .
وثالِثُها: اعْتِقادُهم في أنْفُسِهِمْ أنَّهم هُمُ المُحِقُّونَ لِأنَّ النَّسْخَ غَيْرُ جائِزٍ في شَرْعِهِمْ، وأنَّ سائِرَ الفِرَقِ مُبْطِلُونَ.
ورابِعُها: اعْتِقادُهم أنَّ انْتِسابَهم إلى أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْنِي يَعْقُوبَ وإسْحاقَ وإبْراهِيمَ يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى ويُوَصِّلُهم إلى ثَوابِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِهَذِهِ الأشْياءِ عَظَّمُوا شَأْنَ أنْفُسِهِمْ فَكانُوا يَفْتَخِرُونَ عَلى العَرَبِ ورُبَّما جَعَلُوهُ كالحُجَّةِ في أنَّ النَّبِيَّ المُنْتَظَرَ المُبَشَّرَ بِهِ في التَّوْراةِ مِنهم لا مِنَ العَرَبِ وكانُوا يَصْرِفُونَ النّاسَ بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ وبَيانُ هَذِهِ المُلازَمَةِ أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ بِالقِياسِ إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ الدُّنْيا عَلى قِلَّتِها كانَتْ مُنَغَّصَةً عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُنازَعَتِهِ مَعَهم بِالجِدالِ والقِتالِ، ومَن كانَ في النِّعَمِ القَلِيلَةِ المُنَغَّصَةِ، ثُمَّ إنْ تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِلَ إلى تِلْكَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راغِبًا في المَوْتِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ مَطْلُوبَةٌ ولا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالمَوْتِ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإنْسانُ راضِيًا بِالمَوْتِ مُتَمَنِّيًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَوْ كانَتْ لَهم خالِصَةً لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ بَلْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ قَطْعًا بُطْلانُ ادِّعائِهِمْ في قَوْلِهِمْ إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ.
فَإنْ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ كانَتْ لَهُمُ الدّارُ الآخِرَةُ خالِصَةً لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ، قَوْلُهُ لَأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ مَطْلُوبٌ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالمَوْتِ والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا. قُلْنا: الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا نَظَرًا إلى كَوْنِهِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ مَكْرُوهًا نَظَرًا إلى ذاتِهِ، والمَوْتُ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا بِالآلامِ العَظِيمَةِ وما كانُوا يُطِيقُونَها فَلا جَرَمَ ما تَمَنَّوُا المَوْتَ.
صفحة ١٧٣
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَهم أنْ يَقْلِبُوا هَذا السُّؤالَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُوا: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ دُونَ مَن يُنازِعُكَ في الأمْرِ فَإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فارْضَ بِأنْ نَقْتُلَكَ ونَقْتُلَ أُمَّتَكَ، فَإنّا نَراكَ ونَرى أُمَّتَكَ في الضُّرِّ الشَّدِيدِ والبَلاءِ العَظِيمِ بِسَبَبِ الجِدالِ والقِتالِ وبَعْدَ المَوْتِ فَإنَّكم تَتَخَلَّصُونَ إلى نَعِيمِ الجَنَّةِ فَوَجَبَ أنْ تَرْضَوْا بِقَتْلِكم !
السُّؤالُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ الدّارُ الآخِرَةُ خالِصَةٌ لِمَن كانَ عَلى دِينِهِمْ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاحْتِرازِ عَنِ الكَبائِرِ، فَأمّا صاحِبُ الكَبِيرَةِ فَإنَّهُ يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ أبَدًا لِأنَّهم كانُوا وعِيدِيَّةً أوْ لِأنَّهم جَوَّزُوا في صاحِبِ الكَبِيرَةِ أنَّ يَصِيرَ مُعَذَّبًا فَلِأجْلِ هَذا ما تَمَنَّوُا المَوْتَ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَدْفَعَ هَذا السُّؤالَ بِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّهُ لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً لِأنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ القِيامَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ فَكانَتْ هَذِهِ الأيّامُ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً بِحَسَبِ العَدَدِ لَكِنَّها طَوِيلَةً بِحَسَبِ المُدَّةِ فَلا جَرَمَ ما تَمَنَّوُا المَوْتَ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ فَقالَ: ”«لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ولَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ أحْيِنِي إنْ كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي وتَوَفَّنِي إنْ كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي» “ وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨] فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَدّى القَوْمَ بِذَلِكَ.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ لَفْظَ التَّمَنِّي مُشْتَرِكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي الَّذِي هو المَعْنى القائِمُ بِالقَلْبِ وبَيْنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى وهو قَوْلُ القائِلِ: لَيْتَنِي مِتُّ، لِلْيَهُودِ أنْ يَقُولُوا إنَّكَ طَلَبْتَ مِنّا التَّمَنِّي والتَّمَنِّي لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ، فَإنْ ذَكَرْناهُ بِاللِّسانِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: ما أرَدْتُ بِهِ هَذا اللَّفْظَ، وإنَّما أرَدْتُ بِهِ المَعْنى الَّذِي في القَلْبِ وإنْ فَعَلْنا ذَلِكَ المَعْنى القائِمَ بِالقَلْبِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: كَذَبْتُمْ ما أتَيْتُمْ بِذَلِكَ في قُلُوبِكم ولَمّا عَلِمَ اليَهُودُ أنَّهُ أتى بِلَفْظَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لا يُمْكِنُ الِاعْتِراضُ عَلَيْها لا جَرَمَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: هَبْ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَوْ كانَتْ لَهم لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ضَعِيفٌ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ حَقًّا، والنِّزاعُ لَيْسَ إلّا فِيهِ ؟ .
(الجَوابُ): قَوْلُهُ [ أوَّلًا ] كَوْنُ المَوْتِ مُتَضَمِّنًا لِلْألَمِ يَكُونُ كالصّارِفِ عَنْ تَمَنِّيهِ، قُلْنا كَما أنَّ الألَمَ الحاصِلَ عِنْدَ الحِجامَةِ لا يَصْرِفُ عَنِ الحِجامَةِ لِلْعِلْمِ الحاصِلِ بِأنَّ المَنفَعَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الحِجامَةِ عَظِيمَةٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهم لَوْ قَلَبُوا الكَلامَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَزِمَهُ أنْ يَرْضى بِالقَتْلِ، قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم أنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَقُولُ إنِّي بُعِثْتُ لِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إلى أهْلِ التَّواتُرِ، وهَذا المَقْصُودُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ فَلِأجْلِ هَذا لا أرْضى بِالقَتْلِ، وأمّا أنْتُمْ فَلَسْتُمْ كَذَلِكَ فَظَهَرَ الفَرْقُ، قَوْلُهُ ثالِثًا: كانُوا خائِفِينَ مِن عِقابِ الكَبائِرِ، قُلْنا: القَوْمُ ادَّعَوْا كَوْنَ الآخِرَةِ خالِصَةً لَهم وذَلِكَ يُؤَمِّنُهم مِنَ امْتِزاجِ ثَوابِها بِالعِقابِ.
قَوْلُهُ رابِعًا: نُهِيَ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ قُلْنا هَذا النَّهْيُ طَرِيقَةُ الشَّرْعِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ الحالُ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأوْقاتِ، رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ في غِلالَةٍ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما هَذا بِزِيِّ المُحارِبِينَ فَقالَ: يا بُنَيَّ لا يُبالِي أبُوكَ أعَلى المَوْتِ سَقَطَ أمْ عَلَيْهِ يَسْقُطُ المَوْتُ، وقالَ عَمّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِصِفِّينَ:
صفحة ١٧٤
الآنَ أُلاقِي الأحِبَّهْ مُحَمَّدًا وحِزْبَهْ
وقَدْ ظَهَرَ عَنِ الأنْبِياءِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ تَمَنِّي المَوْتِ عَلى أنَّ هَذا النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرَّمَ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ عِنْدَ الشَّدائِدِ لِأنَّ ذَلِكَ كالجَزَعِ والخُرُوجِ عَنِ الرِّضاءِ بِما قَسَمَ اللَّهُ، فَأيْنَ هَذا مِنَ التَّمَنِّي الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ خامِسًا: إنَّهم ما عَرَفُوا أنَّ المُرادَ هو التَّمَنِّي بِاللِّسانِ أوْ بِالقَلْبِ، قُلْنا: التَّمَنِّي في لُغَةِ العَرَبِ لا يُعْرَفُ إلّا ما يَظْهَرُ [ مِنهُ ] كَما أنَّ الخَبَرَ لا يُعْرَفُ إلّا ما يَظْهَرُ بِالقَوْلِ والَّذِي في القَلْبِ مِن ذَلِكَ لا يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وأيْضًا فَمِنَ المُحالِ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم تَمَنَّوُا المَوْتَ ويُرِيدُ بِذَلِكَ ما لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ الغَرَضَ بِذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ سادِسًا: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ ما وُجِدَ التَّمَنِّي، قُلْنا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَثْبُتُ القَوْلُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذا التَّمَنِّي يَبْطُلُ القَوْلُ بِنُبُوَّتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا، ولَمّا لَمْ يُنْقَلْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.
وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الرَّأْيِ والحَزْمِ وحُسْنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ والوُصُولِ إلى المَنصِبِ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا والدِّينِ والوُصُولِ إلى الرِّياسَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي انْقادَ لَها المُخالِفُ قَهْرًا والمُوافِقُ طَوْعًا لا يَجُوزُ وهو غَيْرُ واثِقٍ مِن جِهَةِ رَبِّهِ بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ أنْ يَتَحَدّاهم بِأمْرٍ لا يَأْمَنُ عاقِبَةَ الحالِ فِيهِ ولا يَأْمَنُ مِن خَصْمِهِ أنْ يَقْهَرَهُ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ لِأنَّ العاقِلَ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ لا يَكادُ يَرْضى بِذَلِكَ فَكَيْفَ الحالُ في أعْقَلِ العُقَلاءِ فَيَثْبُتُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أقْدَمَ عَلى تَحْرِيرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ إلّا وقَدْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ورَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أهْلًا ولا مالًا» “، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقُوا بِهِ ولَماتُوا، وبِالجُمْلَةِ فالأخْبارُ الوارِدَةُ في أنَّهم ما تَمَنَّوْا بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ فَحَصَلَتِ الحُجَّةُ، فَهَذا آخِرُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فالمُرادُ الجَنَّةُ لِأنَّها هي المَطْلُوبَةُ مِن دارِ الآخِرَةِ دُونَ النّارِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ المَكانَ بَلِ المَنزِلَةُ ولا بُعْدَ أيْضًا في حَمْلِهِ عَلى المَكانِ فَلَعَلَّ اليَهُودَ كانُوا مُشَبِّهَةً فاعْتَقَدُوا العِنْدِيَّةَ المَكانِيَّةَ فَأبْطَلَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ بِالدَّلالَةِ الَّتِي ذَكَرَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً﴾ فَنُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ، أيْ سالِمَةً لَكم خاصَّةً بِكم لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ، يَعْنِي إنْ صَحَّ قَوْلُكم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى و(النّاسِ) لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ وهُمُ المُسْلِمُونَ والجِنْسُ أوْلى لِقَوْلِهِ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ولِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَهُنا مَعْهُودٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ فالمُرادُ بِهِ سِوى لا مَعْنى المَكانِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن وُهِبَ مِنهُ مُلْكًا: هَذا لَكَ مِن دُونِ النّاسِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا أمْرٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ وهو كَوْنُهم صادِقِينَ فَلا يَكُونُ الأمْرُ مَوْجُودًا والغَرَضُ مِنهُ التَّحَدِّي وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في دَعْواهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّمَنِّي قَوْلانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم يَتَحَدَّوْا بِأنْ يَدْعُوَ الفَرِيقانِ بِالمَوْتِ عَلى أيِّ فَرِيقٍ كانَ أكْذَبَ.
والثّانِي: أنْ يَقُولُوا: لَيْتَنا نَمُوتُ وهَذا الثّانِي أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ فَخَبَرٌ قاطِعٌ عَنْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ لِأنَّ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي عَلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وسُهُولَةِ الإتْيانِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، أخْبَرَ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ، فَهَذا إخْبارٌ جازِمٌ عَنْ أمْرٍ قامَتِ الأماراتُ عَلى ضِدِّهِ فَلا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ إلّا بِالوَحْيِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ فَهو غَيْبٌ آخَرُ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يُوجَدُ ولا في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ ولا شَكَّ أنَّ الإخْبارَ عَنْ عَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ الأوْقاتِ فَهُما غَيَبانِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ فَبَيانٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي لَها لا يَتَمَنَّوْنَ [ المَوْتَ ] لِأنَّهم إذا عَلِمُوا سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ وكَثْرَةَ ذُنُوبِهِمْ دَعاهم ذَلِكَ إلى أنْ لا يَتَمَنَّوُا المَوْتَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ فَهو كالزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ لِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِالسِّرِّ والنَّجْوى ولَمْ يُمْكِنْ إخْفاءُ شَيْءٍ عَنْهُ صارَ تَصَوُّرُ المُكَلَّفِ لِذَلِكَ مِن أعْظَمِ الصَّوارِفِ عَنِ المَعاصِي، وإنَّما ذَكَرَ الظّالِمِينَ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ ظالِمٌ ولَيْسَ كُلُّ ظالِمٍ كافِرًا فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أعَمَّ كانَ أوْلى بِالذِّكْرِ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ وقالَ في سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا﴾ [الجُمُعَةِ: ٧ ] فَلِمَ ذَكَرَ هَهُنا (لَنْ) وفي سُورَةِ الجُمُعَةِ ”لا“ ؟ قُلْنا: إنَّهم في هَذِهِ السُّورَةِ، ادَّعَوْا أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مَن دُونِ النّاسِ وادَّعَوْا في سُورَةِ الجُمُعَةِ أنَّهم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ واللَّهُ تَعالى أبْطَلَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ والدَّعْوى الأُولى أعْظَمُ مِنَ الثّانِيَةِ إذِ السَّعادَةُ القُصْوى هي الحُصُولُ في دارِ الثَّوابِ، وأمّا مَرْتَبَةُ الوَلايَةِ فَهي وإنْ كانَتْ شَرِيفَةً إلّا أنَّها إنَّما تُرادُ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الجَنَّةِ فَلَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ الأوْلى أعْظَمَ لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ: ”لَنْ“ لِأنَّهُ أقْوى الألْفاظِ النّافِيَةِ ولَمّا كانَتِ الدَّعْوى الثّانِيَةُ لَيْسَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ لا جَرَمَ اكْتَفى في إبْطالِها بِلَفْظِ ”لا“ لِأنَّهُ لَيْسَ في نِهايَةِ القُوَّةِ في إفادَةِ مَعْنى النَّفْيِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِهِمْ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الخَصْمِ إنْ كانَ كَذا وكَذا فافْعَلْ كَذا إلّا والأوَّلُ مَذْهَبُهُ لِيَصِحَّ إلْزامُ الثّانِي عَلَيْهِ.
وثانِيها: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .
وثالِثُها: اعْتِقادُهم في أنْفُسِهِمْ أنَّهم هُمُ المُحِقُّونَ لِأنَّ النَّسْخَ غَيْرُ جائِزٍ في شَرْعِهِمْ، وأنَّ سائِرَ الفِرَقِ مُبْطِلُونَ.
ورابِعُها: اعْتِقادُهم أنَّ انْتِسابَهم إلى أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْنِي يَعْقُوبَ وإسْحاقَ وإبْراهِيمَ يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى ويُوَصِّلُهم إلى ثَوابِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِهَذِهِ الأشْياءِ عَظَّمُوا شَأْنَ أنْفُسِهِمْ فَكانُوا يَفْتَخِرُونَ عَلى العَرَبِ ورُبَّما جَعَلُوهُ كالحُجَّةِ في أنَّ النَّبِيَّ المُنْتَظَرَ المُبَشَّرَ بِهِ في التَّوْراةِ مِنهم لا مِنَ العَرَبِ وكانُوا يَصْرِفُونَ النّاسَ بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ وبَيانُ هَذِهِ المُلازَمَةِ أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ بِالقِياسِ إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ الدُّنْيا عَلى قِلَّتِها كانَتْ مُنَغَّصَةً عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُنازَعَتِهِ مَعَهم بِالجِدالِ والقِتالِ، ومَن كانَ في النِّعَمِ القَلِيلَةِ المُنَغَّصَةِ، ثُمَّ إنْ تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِلَ إلى تِلْكَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راغِبًا في المَوْتِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ مَطْلُوبَةٌ ولا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالمَوْتِ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإنْسانُ راضِيًا بِالمَوْتِ مُتَمَنِّيًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَوْ كانَتْ لَهم خالِصَةً لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ بَلْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ قَطْعًا بُطْلانُ ادِّعائِهِمْ في قَوْلِهِمْ إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ.
فَإنْ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ كانَتْ لَهُمُ الدّارُ الآخِرَةُ خالِصَةً لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ، قَوْلُهُ لَأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ مَطْلُوبٌ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالمَوْتِ والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا. قُلْنا: الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا نَظَرًا إلى كَوْنِهِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ مَكْرُوهًا نَظَرًا إلى ذاتِهِ، والمَوْتُ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا بِالآلامِ العَظِيمَةِ وما كانُوا يُطِيقُونَها فَلا جَرَمَ ما تَمَنَّوُا المَوْتَ.
صفحة ١٧٣
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَهم أنْ يَقْلِبُوا هَذا السُّؤالَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُوا: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ دُونَ مَن يُنازِعُكَ في الأمْرِ فَإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فارْضَ بِأنْ نَقْتُلَكَ ونَقْتُلَ أُمَّتَكَ، فَإنّا نَراكَ ونَرى أُمَّتَكَ في الضُّرِّ الشَّدِيدِ والبَلاءِ العَظِيمِ بِسَبَبِ الجِدالِ والقِتالِ وبَعْدَ المَوْتِ فَإنَّكم تَتَخَلَّصُونَ إلى نَعِيمِ الجَنَّةِ فَوَجَبَ أنْ تَرْضَوْا بِقَتْلِكم !
السُّؤالُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ الدّارُ الآخِرَةُ خالِصَةٌ لِمَن كانَ عَلى دِينِهِمْ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاحْتِرازِ عَنِ الكَبائِرِ، فَأمّا صاحِبُ الكَبِيرَةِ فَإنَّهُ يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ أبَدًا لِأنَّهم كانُوا وعِيدِيَّةً أوْ لِأنَّهم جَوَّزُوا في صاحِبِ الكَبِيرَةِ أنَّ يَصِيرَ مُعَذَّبًا فَلِأجْلِ هَذا ما تَمَنَّوُا المَوْتَ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَدْفَعَ هَذا السُّؤالَ بِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّهُ لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً لِأنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ القِيامَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ فَكانَتْ هَذِهِ الأيّامُ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً بِحَسَبِ العَدَدِ لَكِنَّها طَوِيلَةً بِحَسَبِ المُدَّةِ فَلا جَرَمَ ما تَمَنَّوُا المَوْتَ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ فَقالَ: ”«لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ولَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ أحْيِنِي إنْ كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي وتَوَفَّنِي إنْ كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي» “ وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨] فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَدّى القَوْمَ بِذَلِكَ.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ لَفْظَ التَّمَنِّي مُشْتَرِكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي الَّذِي هو المَعْنى القائِمُ بِالقَلْبِ وبَيْنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى وهو قَوْلُ القائِلِ: لَيْتَنِي مِتُّ، لِلْيَهُودِ أنْ يَقُولُوا إنَّكَ طَلَبْتَ مِنّا التَّمَنِّي والتَّمَنِّي لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ، فَإنْ ذَكَرْناهُ بِاللِّسانِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: ما أرَدْتُ بِهِ هَذا اللَّفْظَ، وإنَّما أرَدْتُ بِهِ المَعْنى الَّذِي في القَلْبِ وإنْ فَعَلْنا ذَلِكَ المَعْنى القائِمَ بِالقَلْبِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: كَذَبْتُمْ ما أتَيْتُمْ بِذَلِكَ في قُلُوبِكم ولَمّا عَلِمَ اليَهُودُ أنَّهُ أتى بِلَفْظَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لا يُمْكِنُ الِاعْتِراضُ عَلَيْها لا جَرَمَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: هَبْ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَوْ كانَتْ لَهم لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ضَعِيفٌ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ حَقًّا، والنِّزاعُ لَيْسَ إلّا فِيهِ ؟ .
(الجَوابُ): قَوْلُهُ [ أوَّلًا ] كَوْنُ المَوْتِ مُتَضَمِّنًا لِلْألَمِ يَكُونُ كالصّارِفِ عَنْ تَمَنِّيهِ، قُلْنا كَما أنَّ الألَمَ الحاصِلَ عِنْدَ الحِجامَةِ لا يَصْرِفُ عَنِ الحِجامَةِ لِلْعِلْمِ الحاصِلِ بِأنَّ المَنفَعَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الحِجامَةِ عَظِيمَةٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهم لَوْ قَلَبُوا الكَلامَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَزِمَهُ أنْ يَرْضى بِالقَتْلِ، قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم أنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَقُولُ إنِّي بُعِثْتُ لِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إلى أهْلِ التَّواتُرِ، وهَذا المَقْصُودُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ فَلِأجْلِ هَذا لا أرْضى بِالقَتْلِ، وأمّا أنْتُمْ فَلَسْتُمْ كَذَلِكَ فَظَهَرَ الفَرْقُ، قَوْلُهُ ثالِثًا: كانُوا خائِفِينَ مِن عِقابِ الكَبائِرِ، قُلْنا: القَوْمُ ادَّعَوْا كَوْنَ الآخِرَةِ خالِصَةً لَهم وذَلِكَ يُؤَمِّنُهم مِنَ امْتِزاجِ ثَوابِها بِالعِقابِ.
قَوْلُهُ رابِعًا: نُهِيَ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ قُلْنا هَذا النَّهْيُ طَرِيقَةُ الشَّرْعِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ الحالُ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأوْقاتِ، رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ في غِلالَةٍ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما هَذا بِزِيِّ المُحارِبِينَ فَقالَ: يا بُنَيَّ لا يُبالِي أبُوكَ أعَلى المَوْتِ سَقَطَ أمْ عَلَيْهِ يَسْقُطُ المَوْتُ، وقالَ عَمّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِصِفِّينَ:
صفحة ١٧٤
الآنَ أُلاقِي الأحِبَّهْ مُحَمَّدًا وحِزْبَهْ
وقَدْ ظَهَرَ عَنِ الأنْبِياءِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ تَمَنِّي المَوْتِ عَلى أنَّ هَذا النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرَّمَ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ عِنْدَ الشَّدائِدِ لِأنَّ ذَلِكَ كالجَزَعِ والخُرُوجِ عَنِ الرِّضاءِ بِما قَسَمَ اللَّهُ، فَأيْنَ هَذا مِنَ التَّمَنِّي الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ خامِسًا: إنَّهم ما عَرَفُوا أنَّ المُرادَ هو التَّمَنِّي بِاللِّسانِ أوْ بِالقَلْبِ، قُلْنا: التَّمَنِّي في لُغَةِ العَرَبِ لا يُعْرَفُ إلّا ما يَظْهَرُ [ مِنهُ ] كَما أنَّ الخَبَرَ لا يُعْرَفُ إلّا ما يَظْهَرُ بِالقَوْلِ والَّذِي في القَلْبِ مِن ذَلِكَ لا يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وأيْضًا فَمِنَ المُحالِ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم تَمَنَّوُا المَوْتَ ويُرِيدُ بِذَلِكَ ما لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ الغَرَضَ بِذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ سادِسًا: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ ما وُجِدَ التَّمَنِّي، قُلْنا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَثْبُتُ القَوْلُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذا التَّمَنِّي يَبْطُلُ القَوْلُ بِنُبُوَّتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا، ولَمّا لَمْ يُنْقَلْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.
وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الرَّأْيِ والحَزْمِ وحُسْنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ والوُصُولِ إلى المَنصِبِ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا والدِّينِ والوُصُولِ إلى الرِّياسَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي انْقادَ لَها المُخالِفُ قَهْرًا والمُوافِقُ طَوْعًا لا يَجُوزُ وهو غَيْرُ واثِقٍ مِن جِهَةِ رَبِّهِ بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ أنْ يَتَحَدّاهم بِأمْرٍ لا يَأْمَنُ عاقِبَةَ الحالِ فِيهِ ولا يَأْمَنُ مِن خَصْمِهِ أنْ يَقْهَرَهُ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ لِأنَّ العاقِلَ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ لا يَكادُ يَرْضى بِذَلِكَ فَكَيْفَ الحالُ في أعْقَلِ العُقَلاءِ فَيَثْبُتُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أقْدَمَ عَلى تَحْرِيرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ إلّا وقَدْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ورَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أهْلًا ولا مالًا» “، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقُوا بِهِ ولَماتُوا، وبِالجُمْلَةِ فالأخْبارُ الوارِدَةُ في أنَّهم ما تَمَنَّوْا بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ فَحَصَلَتِ الحُجَّةُ، فَهَذا آخِرُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فالمُرادُ الجَنَّةُ لِأنَّها هي المَطْلُوبَةُ مِن دارِ الآخِرَةِ دُونَ النّارِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ المَكانَ بَلِ المَنزِلَةُ ولا بُعْدَ أيْضًا في حَمْلِهِ عَلى المَكانِ فَلَعَلَّ اليَهُودَ كانُوا مُشَبِّهَةً فاعْتَقَدُوا العِنْدِيَّةَ المَكانِيَّةَ فَأبْطَلَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ بِالدَّلالَةِ الَّتِي ذَكَرَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً﴾ فَنُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ، أيْ سالِمَةً لَكم خاصَّةً بِكم لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ، يَعْنِي إنْ صَحَّ قَوْلُكم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى و(النّاسِ) لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ وهُمُ المُسْلِمُونَ والجِنْسُ أوْلى لِقَوْلِهِ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ولِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَهُنا مَعْهُودٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ فالمُرادُ بِهِ سِوى لا مَعْنى المَكانِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن وُهِبَ مِنهُ مُلْكًا: هَذا لَكَ مِن دُونِ النّاسِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا أمْرٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ وهو كَوْنُهم صادِقِينَ فَلا يَكُونُ الأمْرُ مَوْجُودًا والغَرَضُ مِنهُ التَّحَدِّي وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في دَعْواهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّمَنِّي قَوْلانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم يَتَحَدَّوْا بِأنْ يَدْعُوَ الفَرِيقانِ بِالمَوْتِ عَلى أيِّ فَرِيقٍ كانَ أكْذَبَ.
والثّانِي: أنْ يَقُولُوا: لَيْتَنا نَمُوتُ وهَذا الثّانِي أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ فَخَبَرٌ قاطِعٌ عَنْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ لِأنَّ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي عَلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وسُهُولَةِ الإتْيانِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، أخْبَرَ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ، فَهَذا إخْبارٌ جازِمٌ عَنْ أمْرٍ قامَتِ الأماراتُ عَلى ضِدِّهِ فَلا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ إلّا بِالوَحْيِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ فَهو غَيْبٌ آخَرُ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يُوجَدُ ولا في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ ولا شَكَّ أنَّ الإخْبارَ عَنْ عَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ الأوْقاتِ فَهُما غَيَبانِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ فَبَيانٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي لَها لا يَتَمَنَّوْنَ [ المَوْتَ ] لِأنَّهم إذا عَلِمُوا سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ وكَثْرَةَ ذُنُوبِهِمْ دَعاهم ذَلِكَ إلى أنْ لا يَتَمَنَّوُا المَوْتَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ فَهو كالزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ لِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِالسِّرِّ والنَّجْوى ولَمْ يُمْكِنْ إخْفاءُ شَيْءٍ عَنْهُ صارَ تَصَوُّرُ المُكَلَّفِ لِذَلِكَ مِن أعْظَمِ الصَّوارِفِ عَنِ المَعاصِي، وإنَّما ذَكَرَ الظّالِمِينَ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ ظالِمٌ ولَيْسَ كُلُّ ظالِمٍ كافِرًا فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أعَمَّ كانَ أوْلى بِالذِّكْرِ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ وقالَ في سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا﴾ [الجُمُعَةِ: ٧ ] فَلِمَ ذَكَرَ هَهُنا (لَنْ) وفي سُورَةِ الجُمُعَةِ ”لا“ ؟ قُلْنا: إنَّهم في هَذِهِ السُّورَةِ، ادَّعَوْا أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مَن دُونِ النّاسِ وادَّعَوْا في سُورَةِ الجُمُعَةِ أنَّهم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ واللَّهُ تَعالى أبْطَلَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ والدَّعْوى الأُولى أعْظَمُ مِنَ الثّانِيَةِ إذِ السَّعادَةُ القُصْوى هي الحُصُولُ في دارِ الثَّوابِ، وأمّا مَرْتَبَةُ الوَلايَةِ فَهي وإنْ كانَتْ شَرِيفَةً إلّا أنَّها إنَّما تُرادُ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الجَنَّةِ فَلَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ الأوْلى أعْظَمَ لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ: ”لَنْ“ لِأنَّهُ أقْوى الألْفاظِ النّافِيَةِ ولَمّا كانَتِ الدَّعْوى الثّانِيَةُ لَيْسَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ لا جَرَمَ اكْتَفى في إبْطالِها بِلَفْظِ ”لا“ لِأنَّهُ لَيْسَ في نِهايَةِ القُوَّةِ في إفادَةِ مَعْنى النَّفْيِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الحَياةِ لِأنَّ هَهُنا قِسْمًا ثالِثًا وهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ بِحَيْثُ لا يَتَمَنّى المَوْتَ ولا يَتَمَنّى
صفحة ١٧٦
الحَياةَ فَقالَ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ ? .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهُمْ﴾ فَهو مِن وجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِ: وجَدْتُ زَيْدًا ذا حِفاظٍ، ومَفْعُولاهُ ”هم“ و”أحْرَصَ“ وإنَّما قالَ: ﴿عَلى حَياةٍ﴾ بِالتَّنْكِيرِ لِأنَّهُ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ ولِذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِها أوْقَعَ مِن قِراءَةِ أُبَيٍّ ”عَلى الحَياةِ“ أمّا الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ فَفِيهِ [ ثَلاثَةُ أقْوالٍ ]:
أحَدُها: أنَّها واوُ عَطْفٍ والمَعْنى أنَّ اليَهُودَ أحْرَصُ النّاسِ عَلى حَياةٍ وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا كَقَوْلِكَ: هو أسْخى النّاسِ ومِن حاتِمٍ. هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ والأصَمِّ. فَإنْ قِيلَ: ألَمْ يَدْخُلِ الَّذِينَ أشْرَكُوا تَحْتَ النّاسِ ؟ قُلْنا: بَلى ولَكِنَّهم أُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ حِرْصَهم شَدِيدٌ وفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لِأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ وما يَعْرِفُونَ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا فَحِرْصُهم عَلَيْها لا يُسْتَبْعَدُ لِأنَّها جَنَّتُهم فَإذا زادَ عَلَيْهِمْ في الحِرْصِ مَن لَهُ كِتابٌ وهو مُقِرٌّ بِالجَزاءِ كانَ حَقِيقًا بِأعْظَمِ التَّوْبِيخِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ زادَ حِرْصُهم عَلى حِرْصِ المُشْرِكِينَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ لا مَحالَةَ والمُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الواوَ واوُ اسْتِئْنافٍ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ”عَلى حَياةٍ“ [ و] تَقْدِيرُهُ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أُناسٌ يَوَدُّ أحَدُهم عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] .
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وتَقْدِيرُهُ: ولَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ هَذِهِ المَحَبَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ إذا كانَتِ القِصَّةُ في شَأْنِ اليَهُودِ خاصَّةً فالألْيَقُ بِالظّاهِرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولَتَجِدَنَّ اليَهُودَ أحْرَصَ عَلى الحَياةِ مِن سائِرِ النّاسِ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في إبْطالِ دَعْواهم وفي إظْهارِ كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ. إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَنا لا لِغَيْرِنا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ قِيلَ المَجُوسُ: لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِمَلِكِهِمْ: عِشْ ألْفَ نَيْرُوزَ وألْفَ مِهْرَجانٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو قَوْلُ الأعاجِمِ: زِيُّ هَزارْسالَ، وقِيلَ: المُرادُ مُشْرِكُو العَرَبِ وقِيلَ: كُلُّ مُشْرِكٍ لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ حِرْصَ هَؤُلاءِ عَلى الدُّنْيا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ولَيْسَ المُرادُ مِن ذِكْرِ ألْفِ سَنَةٍ قَوْلَ الأعاجِمِ عِشْ ألْفَ سَنَةٍ، بَلِ المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بُعْدَهم عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ مِن حَيْثُ إنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هَذا البَقاءَ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ هَذا الحِرْصَ الشَّدِيدَ، ومَن هَذا حالُهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ تَمَنِّي المَوْتِ ؟
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هُوَ﴾ كِنايَةٌ عَمّاذا ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ”أحَدِهِمْ“ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ أيْ وما أحَدُهم بِمَن يُزَحْزِحُهُ مِنَ النّارِ تَعْمِيرُهُ.
وثانِيها: أنَّهُ ضَمِيرٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ”يُعَمَّرُ“ مِن مَصْدَرِهِ و(أنْ يُعَمَّرَ) بَدَلٌ مِنهُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا و(أنْ يُعَمَّرَ) مُوَضِّحُهُ.
صفحة ١٧٧
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الزَّحْزَحَةُ التَّبْعِيدُ والإنْحاءُ، قالَ القاضِي: والمُرادُ أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في إزالَةِ العَذابِ أقَلَّ تَأْثِيرٍ ولَوْ قالَ تَعالى: وما هو بِمُبْعِدِهِ وبِمُنْجِيهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى قِلَّةِ التَّأْثِيرِ كَدَلالَةِ هَذا القَوْلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ البَصَرَ قَدْ يُرادُ بِهِ العِلْمُ، يُقالُ: إنَّ لِفُلانٍ بَصَرًا بِهَذا الأمْرِ، أيْ مَعْرِفَةً، وقَدْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ عَلى صِفَةٍ لَوْ وُجِدَتِ المُبْصَراتُ لَأبْصَرَها وكِلا الوَصْفَيْنِ يَصِحّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا أنَّ مَن قالَ: إنَّ في الأعْمالِ ما لا يَصِحُّ أنْ يُرى حُمِلَ هَذا البَصَرُ عَلى العِلْمِ لا مَحالَةَ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ أيْضًا مِن أنْواعِ قَبائِحِ اليَهُودِ ومُنْكَراتِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مَن سَبَبٍ وأمْرٍ قَدْ ظَهَرَ مِنَ اليَهُودِ حَتّى يَأْمُرَهُ بِأنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى المُحاجَّةِ، فَإذا لَمْ يَثْبُتْ مِنهم في ذَلِكَ أمْرٌ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا أُمُورًا، أحَدُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ أتاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا فَقالَ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَومُكَ، فَقَدْ أُخْبِرْنا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ في آخِرِ الزَّمانِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”تَنامُ عَيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي“ قالَ: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنِي عَنِ الوَلَدِ أمِنَ الرَّجُلِ يَكُونُ أمْ مِنَ المَرْأةِ ؟ فَقالَ: أمّا العِظامُ والعَصَبُ والعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وأمّا اللَّحْمُ والدَّمُ والظُّفْرُ والشَّعْرُ، فَمِنَ المَرْأةِ فَقالَ صَدَقْتَ. فَما بالُ الرَّجُلِ يُشْبِهُ أعْمامَهُ دُونَ أخْوالِهِ أوْ يُشْبِهُ أخْوالَهُ دُونَ أعْمامِهِ ؟ فَقالَ: أيُّهُما غَلَبَ ماؤُهُ ماءَ صاحِبِهِ كانَ الشَّبَهُ لَهُ، قالَ: صَدَقْتَ فَقالَ: أخْبِرْنِي أيُّ الطَّعامِ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ وفي التَّوْراةِ أنَّ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ يُخْبِرُ عَنْهُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أُنْشِدُكم بِاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ إسْرائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سُقْمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ عافاهُ اللَّهُ مِن سُقْمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلى نَفْسِهِ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ، وهو لُحْمانُ الإبِلِ وألْبانُها ؟ فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ لَهُ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ إنْ قُلْتَها آمَنتُ بِكَ، أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِما تَقُولُ عَنِ اللَّهِ ؟ قالَ جِبْرِيلُ: قالَ إنَّ ذَلِكَ عَدُوُّنا يَنْزِلُ بِالقِتالِ والشِّدَّةِ، ورَسُولُنا مِيكائِيلُ يَأْتِي بِالبِشْرِ والرَّخاءِ فَلَوْ كانَ هو الَّذِي يَأْتِيكَ آمَنّا بِكَ، فَقالَ عُمَرُ: وما مَبْدَأُ هَذِهِ العَداوَةِ ؟ فَقالَ ابْنُ صُورِيًّا: مَبْدَأُ هَذِهِ العَداوَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ في زَمانِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: بُخْتُنَصَّرُ ووَصَفَهُ لَنا فَطَلَبْناهُ فَلَمّا وجَدْناهُ بَعَثْنا لِقَتْلِهِ رِجالًا فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ وقالَ: إنْ سَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلى قَتْلِهِ فَهَذا لَيْسَ هو ذاكَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَيُخَرِّبُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَلا فائِدَةَ في قَتْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَبُرَ وقَوِيَ ومَلَكَ وغَزانا وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَنا، فَلِذَلِكَ نَتَّخِذُهُ عَدُوًّا، وأمّا مِيكائِيلُ
صفحة ١٧٨
فَإنَّهُ عَدُوُّ جِبْرِيلَ فَقالَ عُمَرُ؛ فَإنِّي أشْهَدُ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَهو عَدُوٌّ لِمِيكائِيلَ وهُما عَدُوّانِ لِمَن عاداهُما فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلى عُمَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ» .
وثانِيها: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعُمَرَ أرْضٌ بِأعْلى المَدِينَةِ وكانَ مَمَرُّهُ عَلى مِدْراسِ اليَهُودِ وكانَ يَجْلِسُ إلَيْهِمْ ويَسْمَعُ كَلامَهم فَقالُوا: يا عُمَرُ قَدْ أحْبَبْناكَ وإنّا لَنَطْمَعُ فِيكَ فَقالَ: واللَّهِ ما أجِيئُكم لِحُبِّكم ولا أسْألُكم لِأنِّي شاكٌّ في دِينِي وإنَّما أدْخُلُ عَلَيْكم لِأزْدادَ بَصِيرَةً في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأرى آثارَهُ في كِتابِكم، ثُمَّ سَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ فَقالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا وهو صاحِبُ كَلِّ خَسْفٍ وعَذابٍ، وإنَّ مِيكائِيلَ يَجِيءُ بِالخِصْبِ والسَّلْمِ فَقالَ لَهم: وما مَنزِلَتُهُما مِنَ اللَّهِ ؟ قالُوا: أقْرَبُ مَنزِلَةً، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ ومِيكائِيلُ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَقالَ عُمَرُ: لَئِنْ كانَ كَما تَقُولُونَ فَما هُما بِعَدُوَّيْنِ ولَأنْتُمْ أكْفَرُ مِنَ الحَمِيرِ، ومَن كانَ عَدُوٌّ لِأحَدِهِما كانَ عَدُوًّا لِلْآخَرِ ومَن كانَ عَدُوًّا لَهُما كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ «لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ» ”قالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأيْتَنِي في دِينِي بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: زَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدُوُّنا، أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينا فَجَعَلَها في غَيْرِنا فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنْ يَكُونَ سَبَبُ عَداوَتِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنَزِّلُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا التَّنْزِيلَ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ لِأنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ فَلا يَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ وتَقْرِيرُ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ مِنَ القُرْآنِ بِشارَةُ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ وإنْذارُ العُصاةِ بِالعِقابِ والأمْرُ بِالمُحارِبَةِ والمُقاتَلَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاخْتِيارِهِ بَلْ بِأمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ أمْرِهِ ولا سَبِيلَ إلى مُخالَفَتِهِ فَعَداوَةُ مَن هَذا سَبِيلُهُ تُوجِبُ عَداوَةَ اللَّهِ، وعَداوَةُ اللَّهِ كُفْرٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ عَداوَةَ مَن هَذا سَبِيلُهُ كُفْرٌ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أمَرَ مِيكائِيلَ بِإنْزالِ مِثْلِ هَذا الكِتابِ فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَتَمَرَّدُ أوْ يَأْبى عَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِالمَلائِكَةِ المَعْصُومِينَ أوْ كانَ يَقْبَلُهُ ويَأْتِي بِهِ عَلى وفْقِ أمْرِ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ عَلى مِيكائِيلَ ما ذَكَرُوهُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَما الوَجْهُ في تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ بِالعَداوَةِ ؟ .
وثالِثُها: أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَما شَقَّ عَلى اليَهُودِ فَإنْزالُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى شَقَّ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَإنِ اقْتَضَتْ نَفْرَةُ بَعْضِ النّاسِ لِإنْزالِ القُرْآنِ قُبْحَهُ فَلْتَقْتَضِ نَفْرَةُ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ إنْزالَ التَّوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُبْحَهُ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ باطِلٌ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ ما قالُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَبْعَدَ أنْ يَقُولَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ: إنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّهم قالُوا: لِأنّا نَرى اليَهُودَ في زَمانِنا هَذا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ مُصِرِّينَ عَلى أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِهِمْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا باطِلٌ لِأنَّ حِكايَةَ اللَّهِ أصْدَقُ، ولِأنَّ جَهْلَهم كانَ شَدِيدًا وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ:“ جَبْرِيلَ ”بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ مَهْمُوزًا والباقُونَ بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ بِوَزْنِ قِنْدِيلٍ وفِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ ثَلاثٌ مِنها ذَكَرْناها، وجِبْرائِلُ عَلى وزْنِ جِبْراعِلَ وجِبْرائِيلُ عَلى وزْنِ جِبْراعِيلَ وجِبْرايِلُ عَلى وزْنِ جِبْراعِلَ وجِبْرِينَ بِالنُّونِ ومُنِعَ الصَّرْفُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ.
صفحة ١٧٩
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: جِبْرِيلُ مَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَ“ جَبَرَ ”عَبَدَ و“ إيلُ ”اللَّهُ، وُمِيكائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، قالَ: أبُو عَلِيٍّ السُّوسِيُّ: هَذا لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ“ إيلُ ”.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ آخِرُ الِاسْمِ مَجْرُورًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الهاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:“ فَإنَّهُ ”وفي قَوْلِهِ:“ نَزَّلَهُ ”إلى ماذا يَعُودُ ؟ الجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاءَ الأُولى تَعُودُ عَلى جِبْرِيلَ، والثّانِيَةَ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] يَعْنِي عَلى الأرْضِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. أيْ إنْ كانَتْ عَداوَتُهم لِأنَّ جِبْرِيلَ يُنَزِّلُ القُرْآنَ فَإنَّما يُنَزِّلُهُ بِإذْنِ اللَّهِ. قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”: إضْمارُ ما لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ فِيهِ فَخامَةٌ لِشَأْنِ صاحِبِهِ حَيْثُ يُجْعَلُ لِفَرْطِ شُهْرَتِهِ كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْسِهِ ويَكْتَفِي عَنِ اسْمِهِ الصَّرِيحِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ.
وثانِيهِما: المَعْنى فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا أنَّهُ نَزَّلَ نَفْسَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: القُرْآنُ إنَّما نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَما السَّبَبُ في قَوْلِهِ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ؟ الجَوابُ: هَذِهِ المَسْألَةُ ذَكَرْناها في سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وأكْثَرُ الأُمَّةِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلَيْهِ لا عَلى قَلْبِهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ القَلْبَ بِالذِّكْرِ لِأجْلِ أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ثَبَتَ في قَلْبِهِ حِفْظًا حَتّى أدّاهُ إلى أُمَّتِهِ، فَلَمّا كانَ سَبَبُ تَمَكُّنِهِ مِنَ الأداءِ ثَباتَهُ في قَلْبِهِ حِفْظًا جازَ أنْ يُقالَ: نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ نَزَّلَهُ عَلَيْهِ لا عَلى قَلْبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كانَ حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ عَلى قَلْبِي، والجَوابُ: جاءَتْ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ ما تَكَلَّمْتُ بِهِ مِن قَوْلِي، مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ اسْتَقامَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ العَداوَةَ فاسِدَةٌ لِأنَّهُ ما أتى إلّا أنَّهُ أُمِرَ بِإنْزالِ كِتابٍ فِيهِ الهِدايَةُ والبِشارَةُ فَأنْزَلَهُ، فَهو مِن حَيْثُ إنَّهُ مَأْمُورٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، ومِن حَيْثُ إنَّهُ أتى بِالهِدايَةِ والبِشارَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَشْكُورًا فَكَيْفَ تَلِيقُ بِهِ العَداوَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ اليَهُودَ إنْ كانُوا يُعادُونَهُ فَيَحِقُّ لَهم ذاكَ، لِأنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بُرْهانًا عَلى نُبُوَّتِكَ، ومِصْداقًا لِصِدْقِكَ وهم يَكْرَهُونَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لا يُبْغِضُونَ مَن أكَّدَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فالأظْهَرُ بِأمْرِ اللَّهِ وهو أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالعِلْمِ لِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الإذْنَ حَقِيقَةٌ في الأمْرِ مَجازٌ في العِلْمِ، واللَّفْظُ واجِبُ الحَمْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ما أمْكَنَ.
وثانِيها: أنَّ إنْزالَهُ كانَ مِنَ الواجِباتِ، والوُجُوبُ مُسْتَفادٌ مِنَ الأمْرِ لا مِنَ العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّ ذَلِكَ الإنْزالَ إذا كانَ عَنْ أمْرٍ لازِمٍ كانَ أوْكَدَ في الحُجَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فَمَحْمُولٌ عَلى ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ المُرادَ ما قَبْلَهُ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ كِتابٍ، ومِنهم مَن خَصَّهُ بِالتَّوْراةِ وزَعَمَ أنَّهُ أشارَ إلى أنَّ
صفحة ١٨٠
القُرْآنَ يُوافِقُ التَّوْراةَ في الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ شَرائِعَ القُرْآنِ مُخالِفَةٌ لِشَرائِعِ سائِرِ الكُتُبِ، فَلِمَ صارَ بِأنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لَها لِكَوْنِها مُتَوافِقَةً في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ أوْلى بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لَها ؟ قُلْنا: الشَّرائِعُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها سائِرُ الكُتُبِ كانَتْ مُقَدَّرَةً بِتِلْكَ الأوْقاتِ ومُنْتَهِيَةً في هَذا الوَقْتِ بِناءً عَلى أنَّ النَّسْخَ بَيانُ انْتِهاءِ مُدَّةِ العِبادَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ بَيْنَ القُرْآنِ وبَيْنَ سائِرِ الكُتُبِ اخْتِلافٌ في الشَّرائِعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُدًى﴾ فالمُرادُ بِهِ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ ما وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مِن أعْمالِ القُلُوبِ وأعْمالِ الجَوارِحِ وهو مِن هَذا الوَجْهِ هُدًى.
وثانِيهِما: بَيانُ أنَّ الآتِيَ بِتِلْكَ الأعْمالِ كَيْفَ يَكُونُ ثَوابُهُ وهو مِن هَذا الوَجْهِ بُشْرى، ولَمّا كانَ الأوَّلُ مُقَدَّمًا عَلى الثّانِي في الوُجُودِ لا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ لَفْظَ الهُدى عَلى لَفْظِ البُشْرى، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خَصَّ كَوْنَهُ هُدًى وبُشْرى بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّهم بِذَلِكَ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالكِتابِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
والثّانِي: أنَّهُ لا يَكُونُ بُشْرى إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ البُشْرى عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الدّالِّ عَلى حُصُولِ الخَيْرِ العَظِيمِ وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَلِهَذا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ.
أمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ لِأجْلِ أنَّهُ نَزَّلَ القُرْآنَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلَّهِ تَعالى، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ كانَ عَدُوًّا لَهُ، فَبَيَّنَ أنَّ في مُقابَلَةِ عَداوَتِهِمْ ما يُعَظِّمُ ضَرَرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو عَداوَةُ اللَّهِ لَهم، لِأنَّ عَداوَتَهم لا تُؤَثِّرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وعَداوَتُهُ تَعالى تُؤَدِّي إلى العَذابِ الدّائِمِ الألِيمِ الَّذِي لا ضَرَرَ أعْظَمَ مِنهُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أعْداءَ اللَّهِ ومِن حَقِّ العَداوَةِ الإضْرارُ بِالعَدُوِّ، وذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ والجَوابُ: أنَّ مَعْنى العَداوَةِ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَصِحُّ إلّا فِينا لِأنَّ العَدُوَّ لِلْغَيْرِ هو الَّذِي يُرِيدُ إنْزالَ المَضارِّ بِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، بَلِ المُرادُ مِنهُ أحَدُ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُعادُوا أوْلِياءَ اللَّهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَداوَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] لِأنَّ المُرادَ بِالآيَتَيْنِ أوْلِياءُ اللَّهِ دُونَهُ لِاسْتِحالَةِ المُحارَبَةِ والأذِيَّةِ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ كَراهَتُهُمُ القِيامَ بِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ وبُعْدَهم عَنِ التَّمَسُّكِ بِذَلِكَ فَلَمّا كانَ العَدُوُّ لا يَكادُ يُوافِقُ عَدُوَّهُ أوْ يَنْقادُ لَهُ شَبَّهَ طَرِيقَتَهم في هَذا الوَجْهِ بِالعَداوَةِ، فَأمّا عَداوَتُهم لِجِبْرِيلَ والرُّسُلِ فَصَحِيحَةٌ لِأنَّ الإضْرارَ جائِزٌ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ عَداوَتَهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأُمُورِ المُؤَثِّرَةِ فِيهِمْ، وعَداوَتُهم مُؤَثِّرَةٌ في اليَهُودِ لِأنَّها في العاجِلِ تَقْتَضِي الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ، وفي الآجِلِ تَقْتَضِي العَذابَ الدّائِمَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا ذَكَرَ المَلائِكَةَ فَلِمَ أعادَ ذِكْرَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مَعَ انْدِراجِهِما في المَلائِكَةِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِما كَأنَّهُما لِكَمالِ فَضْلِهِما صارا جِنْسًا آخَرَ سِوى جِنْسِ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ واليَهُودِ هو ذِكْرُهُما والآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِما، فَلا جَرَمَ نَصَّ عَلى اسْمَيْهِما، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُما أشْرَفَ مِن جَمِيعِ المَلائِكَةِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّأْوِيلُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَ مِن مِيكائِيلَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وتَقْدِيمُ المَفْضُولِ عَلى الفاضِلِ في الذِّكْرِ مُسْتَقْبَحٌ عُرْفًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَحًا شَرْعًا
صفحة ١٨١
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» " .
وثانِيها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ والوَحْيِ والعِلْمِ وهو مادَّةُ بَقاءِ الأرْواحِ، ومِيكائِيلُ يَنْزِلُ بِالخِصْبِ والأمْطارِ وهي مادَّةُ بَقاءِ الأبْدانِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ أشْرَفَ مِنَ الأغْذِيَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أفْضَلَ مِن مِيكائِيلَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ جِبْرِيلَ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ذَكَرَهُ بِوَصْفِ المُطاعِ عَلى الإطْلاقِ، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُطاعًا بِالنِّسْبَةِ إلى مِيكائِيلَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ مِيكالَ بِوَزْنِ قِنْطارٍ، ونافِعٌ مِيكائِلَ مُخْتَلَسَةً لَيْسَ بَعْدَ الهَمْزَةِ ياءٌ عَلى وزْنِ مِيكاعِلَ، وقَرَأ الباقُونَ مِيكائِيلَ عَلى وزْنِ مِيكاعِيلَ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى مِيكَيْئِلُ عَلى وزْنِ مِيكَيْعِلَ، ومِيكَئِيلُ كَمِيكَعِيلَ، قالَ ابْنُ جِنِّي: العَرَبُ إذا نَطَقَتْ بِالأعْجَمِيِّ خَلَطَتْ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الواوُ في جِبْرِيلَ ومِيكالَ، قِيلَ: واوُ العَطْفِ، وقِيلَ: بِمَعْنى أوْ يَعْنِي مَن كانَ عَدُوًّا لِأحَدٍ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ أرادَ عَدُوٌّ لَهم إلّا أنَّهُ جاءَ بِالظّاهِرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عاداهم لِكُفْرِهِمْ وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ.
البقرة 2:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ أيْضًا مِن أنْواعِ قَبائِحِ اليَهُودِ ومُنْكَراتِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مَن سَبَبٍ وأمْرٍ قَدْ ظَهَرَ مِنَ اليَهُودِ حَتّى يَأْمُرَهُ بِأنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى المُحاجَّةِ، فَإذا لَمْ يَثْبُتْ مِنهم في ذَلِكَ أمْرٌ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا أُمُورًا، أحَدُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ أتاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا فَقالَ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَومُكَ، فَقَدْ أُخْبِرْنا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ في آخِرِ الزَّمانِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”تَنامُ عَيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي“ قالَ: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنِي عَنِ الوَلَدِ أمِنَ الرَّجُلِ يَكُونُ أمْ مِنَ المَرْأةِ ؟ فَقالَ: أمّا العِظامُ والعَصَبُ والعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وأمّا اللَّحْمُ والدَّمُ والظُّفْرُ والشَّعْرُ، فَمِنَ المَرْأةِ فَقالَ صَدَقْتَ. فَما بالُ الرَّجُلِ يُشْبِهُ أعْمامَهُ دُونَ أخْوالِهِ أوْ يُشْبِهُ أخْوالَهُ دُونَ أعْمامِهِ ؟ فَقالَ: أيُّهُما غَلَبَ ماؤُهُ ماءَ صاحِبِهِ كانَ الشَّبَهُ لَهُ، قالَ: صَدَقْتَ فَقالَ: أخْبِرْنِي أيُّ الطَّعامِ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ وفي التَّوْراةِ أنَّ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ يُخْبِرُ عَنْهُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أُنْشِدُكم بِاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ إسْرائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سُقْمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ عافاهُ اللَّهُ مِن سُقْمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلى نَفْسِهِ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ، وهو لُحْمانُ الإبِلِ وألْبانُها ؟ فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ لَهُ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ إنْ قُلْتَها آمَنتُ بِكَ، أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِما تَقُولُ عَنِ اللَّهِ ؟ قالَ جِبْرِيلُ: قالَ إنَّ ذَلِكَ عَدُوُّنا يَنْزِلُ بِالقِتالِ والشِّدَّةِ، ورَسُولُنا مِيكائِيلُ يَأْتِي بِالبِشْرِ والرَّخاءِ فَلَوْ كانَ هو الَّذِي يَأْتِيكَ آمَنّا بِكَ، فَقالَ عُمَرُ: وما مَبْدَأُ هَذِهِ العَداوَةِ ؟ فَقالَ ابْنُ صُورِيًّا: مَبْدَأُ هَذِهِ العَداوَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ في زَمانِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: بُخْتُنَصَّرُ ووَصَفَهُ لَنا فَطَلَبْناهُ فَلَمّا وجَدْناهُ بَعَثْنا لِقَتْلِهِ رِجالًا فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ وقالَ: إنْ سَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلى قَتْلِهِ فَهَذا لَيْسَ هو ذاكَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَيُخَرِّبُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَلا فائِدَةَ في قَتْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَبُرَ وقَوِيَ ومَلَكَ وغَزانا وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَنا، فَلِذَلِكَ نَتَّخِذُهُ عَدُوًّا، وأمّا مِيكائِيلُ
صفحة ١٧٨
فَإنَّهُ عَدُوُّ جِبْرِيلَ فَقالَ عُمَرُ؛ فَإنِّي أشْهَدُ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَهو عَدُوٌّ لِمِيكائِيلَ وهُما عَدُوّانِ لِمَن عاداهُما فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلى عُمَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ» .
وثانِيها: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعُمَرَ أرْضٌ بِأعْلى المَدِينَةِ وكانَ مَمَرُّهُ عَلى مِدْراسِ اليَهُودِ وكانَ يَجْلِسُ إلَيْهِمْ ويَسْمَعُ كَلامَهم فَقالُوا: يا عُمَرُ قَدْ أحْبَبْناكَ وإنّا لَنَطْمَعُ فِيكَ فَقالَ: واللَّهِ ما أجِيئُكم لِحُبِّكم ولا أسْألُكم لِأنِّي شاكٌّ في دِينِي وإنَّما أدْخُلُ عَلَيْكم لِأزْدادَ بَصِيرَةً في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأرى آثارَهُ في كِتابِكم، ثُمَّ سَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ فَقالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا وهو صاحِبُ كَلِّ خَسْفٍ وعَذابٍ، وإنَّ مِيكائِيلَ يَجِيءُ بِالخِصْبِ والسَّلْمِ فَقالَ لَهم: وما مَنزِلَتُهُما مِنَ اللَّهِ ؟ قالُوا: أقْرَبُ مَنزِلَةً، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ ومِيكائِيلُ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَقالَ عُمَرُ: لَئِنْ كانَ كَما تَقُولُونَ فَما هُما بِعَدُوَّيْنِ ولَأنْتُمْ أكْفَرُ مِنَ الحَمِيرِ، ومَن كانَ عَدُوٌّ لِأحَدِهِما كانَ عَدُوًّا لِلْآخَرِ ومَن كانَ عَدُوًّا لَهُما كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ «لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ» ”قالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأيْتَنِي في دِينِي بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: زَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدُوُّنا، أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينا فَجَعَلَها في غَيْرِنا فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنْ يَكُونَ سَبَبُ عَداوَتِهِمْ لَهُ أنَّهُ كانَ يُنَزِّلُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا التَّنْزِيلَ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ لِأنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ فَلا يَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ وتَقْرِيرُ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ مِنَ القُرْآنِ بِشارَةُ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ وإنْذارُ العُصاةِ بِالعِقابِ والأمْرُ بِالمُحارِبَةِ والمُقاتَلَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاخْتِيارِهِ بَلْ بِأمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ أمْرِهِ ولا سَبِيلَ إلى مُخالَفَتِهِ فَعَداوَةُ مَن هَذا سَبِيلُهُ تُوجِبُ عَداوَةَ اللَّهِ، وعَداوَةُ اللَّهِ كُفْرٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ عَداوَةَ مَن هَذا سَبِيلُهُ كُفْرٌ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أمَرَ مِيكائِيلَ بِإنْزالِ مِثْلِ هَذا الكِتابِ فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ يَتَمَرَّدُ أوْ يَأْبى عَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِالمَلائِكَةِ المَعْصُومِينَ أوْ كانَ يَقْبَلُهُ ويَأْتِي بِهِ عَلى وفْقِ أمْرِ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ عَلى مِيكائِيلَ ما ذَكَرُوهُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَما الوَجْهُ في تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ بِالعَداوَةِ ؟ .
وثالِثُها: أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَما شَقَّ عَلى اليَهُودِ فَإنْزالُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى شَقَّ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَإنِ اقْتَضَتْ نَفْرَةُ بَعْضِ النّاسِ لِإنْزالِ القُرْآنِ قُبْحَهُ فَلْتَقْتَضِ نَفْرَةُ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ إنْزالَ التَّوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُبْحَهُ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ باطِلٌ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ ما قالُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَبْعَدَ أنْ يَقُولَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ: إنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّهم قالُوا: لِأنّا نَرى اليَهُودَ في زَمانِنا هَذا مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ مُصِرِّينَ عَلى أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِهِمْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا باطِلٌ لِأنَّ حِكايَةَ اللَّهِ أصْدَقُ، ولِأنَّ جَهْلَهم كانَ شَدِيدًا وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ:“ جَبْرِيلَ ”بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ مَهْمُوزًا والباقُونَ بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ بِوَزْنِ قِنْدِيلٍ وفِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ ثَلاثٌ مِنها ذَكَرْناها، وجِبْرائِلُ عَلى وزْنِ جِبْراعِلَ وجِبْرائِيلُ عَلى وزْنِ جِبْراعِيلَ وجِبْرايِلُ عَلى وزْنِ جِبْراعِلَ وجِبْرِينَ بِالنُّونِ ومُنِعَ الصَّرْفُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ.
صفحة ١٧٩
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: جِبْرِيلُ مَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَ“ جَبَرَ ”عَبَدَ و“ إيلُ ”اللَّهُ، وُمِيكائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، قالَ: أبُو عَلِيٍّ السُّوسِيُّ: هَذا لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ“ إيلُ ”.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ آخِرُ الِاسْمِ مَجْرُورًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الهاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:“ فَإنَّهُ ”وفي قَوْلِهِ:“ نَزَّلَهُ ”إلى ماذا يَعُودُ ؟ الجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الهاءَ الأُولى تَعُودُ عَلى جِبْرِيلَ، والثّانِيَةَ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] يَعْنِي عَلى الأرْضِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. أيْ إنْ كانَتْ عَداوَتُهم لِأنَّ جِبْرِيلَ يُنَزِّلُ القُرْآنَ فَإنَّما يُنَزِّلُهُ بِإذْنِ اللَّهِ. قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”: إضْمارُ ما لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ فِيهِ فَخامَةٌ لِشَأْنِ صاحِبِهِ حَيْثُ يُجْعَلُ لِفَرْطِ شُهْرَتِهِ كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْسِهِ ويَكْتَفِي عَنِ اسْمِهِ الصَّرِيحِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ.
وثانِيهِما: المَعْنى فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا أنَّهُ نَزَّلَ نَفْسَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: القُرْآنُ إنَّما نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَما السَّبَبُ في قَوْلِهِ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ؟ الجَوابُ: هَذِهِ المَسْألَةُ ذَكَرْناها في سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وأكْثَرُ الأُمَّةِ عَلى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلَيْهِ لا عَلى قَلْبِهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ القَلْبَ بِالذِّكْرِ لِأجْلِ أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ثَبَتَ في قَلْبِهِ حِفْظًا حَتّى أدّاهُ إلى أُمَّتِهِ، فَلَمّا كانَ سَبَبُ تَمَكُّنِهِ مِنَ الأداءِ ثَباتَهُ في قَلْبِهِ حِفْظًا جازَ أنْ يُقالَ: نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ نَزَّلَهُ عَلَيْهِ لا عَلى قَلْبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كانَ حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ عَلى قَلْبِي، والجَوابُ: جاءَتْ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ ما تَكَلَّمْتُ بِهِ مِن قَوْلِي، مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ اسْتَقامَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ العَداوَةَ فاسِدَةٌ لِأنَّهُ ما أتى إلّا أنَّهُ أُمِرَ بِإنْزالِ كِتابٍ فِيهِ الهِدايَةُ والبِشارَةُ فَأنْزَلَهُ، فَهو مِن حَيْثُ إنَّهُ مَأْمُورٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، ومِن حَيْثُ إنَّهُ أتى بِالهِدايَةِ والبِشارَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَشْكُورًا فَكَيْفَ تَلِيقُ بِهِ العَداوَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ اليَهُودَ إنْ كانُوا يُعادُونَهُ فَيَحِقُّ لَهم ذاكَ، لِأنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بُرْهانًا عَلى نُبُوَّتِكَ، ومِصْداقًا لِصِدْقِكَ وهم يَكْرَهُونَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لا يُبْغِضُونَ مَن أكَّدَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فالأظْهَرُ بِأمْرِ اللَّهِ وهو أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالعِلْمِ لِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الإذْنَ حَقِيقَةٌ في الأمْرِ مَجازٌ في العِلْمِ، واللَّفْظُ واجِبُ الحَمْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ما أمْكَنَ.
وثانِيها: أنَّ إنْزالَهُ كانَ مِنَ الواجِباتِ، والوُجُوبُ مُسْتَفادٌ مِنَ الأمْرِ لا مِنَ العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّ ذَلِكَ الإنْزالَ إذا كانَ عَنْ أمْرٍ لازِمٍ كانَ أوْكَدَ في الحُجَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فَمَحْمُولٌ عَلى ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ المُرادَ ما قَبْلَهُ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ كِتابٍ، ومِنهم مَن خَصَّهُ بِالتَّوْراةِ وزَعَمَ أنَّهُ أشارَ إلى أنَّ
صفحة ١٨٠
القُرْآنَ يُوافِقُ التَّوْراةَ في الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ شَرائِعَ القُرْآنِ مُخالِفَةٌ لِشَرائِعِ سائِرِ الكُتُبِ، فَلِمَ صارَ بِأنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لَها لِكَوْنِها مُتَوافِقَةً في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ أوْلى بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لَها ؟ قُلْنا: الشَّرائِعُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها سائِرُ الكُتُبِ كانَتْ مُقَدَّرَةً بِتِلْكَ الأوْقاتِ ومُنْتَهِيَةً في هَذا الوَقْتِ بِناءً عَلى أنَّ النَّسْخَ بَيانُ انْتِهاءِ مُدَّةِ العِبادَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ بَيْنَ القُرْآنِ وبَيْنَ سائِرِ الكُتُبِ اخْتِلافٌ في الشَّرائِعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُدًى﴾ فالمُرادُ بِهِ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ ما وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مِن أعْمالِ القُلُوبِ وأعْمالِ الجَوارِحِ وهو مِن هَذا الوَجْهِ هُدًى.
وثانِيهِما: بَيانُ أنَّ الآتِيَ بِتِلْكَ الأعْمالِ كَيْفَ يَكُونُ ثَوابُهُ وهو مِن هَذا الوَجْهِ بُشْرى، ولَمّا كانَ الأوَّلُ مُقَدَّمًا عَلى الثّانِي في الوُجُودِ لا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ لَفْظَ الهُدى عَلى لَفْظِ البُشْرى، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خَصَّ كَوْنَهُ هُدًى وبُشْرى بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّهم بِذَلِكَ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالكِتابِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
والثّانِي: أنَّهُ لا يَكُونُ بُشْرى إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ البُشْرى عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الدّالِّ عَلى حُصُولِ الخَيْرِ العَظِيمِ وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَلِهَذا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ.
أمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ لِأجْلِ أنَّهُ نَزَّلَ القُرْآنَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلَّهِ تَعالى، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ كانَ عَدُوًّا لَهُ، فَبَيَّنَ أنَّ في مُقابَلَةِ عَداوَتِهِمْ ما يُعَظِّمُ ضَرَرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو عَداوَةُ اللَّهِ لَهم، لِأنَّ عَداوَتَهم لا تُؤَثِّرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وعَداوَتُهُ تَعالى تُؤَدِّي إلى العَذابِ الدّائِمِ الألِيمِ الَّذِي لا ضَرَرَ أعْظَمَ مِنهُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أعْداءَ اللَّهِ ومِن حَقِّ العَداوَةِ الإضْرارُ بِالعَدُوِّ، وذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ والجَوابُ: أنَّ مَعْنى العَداوَةِ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَصِحُّ إلّا فِينا لِأنَّ العَدُوَّ لِلْغَيْرِ هو الَّذِي يُرِيدُ إنْزالَ المَضارِّ بِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، بَلِ المُرادُ مِنهُ أحَدُ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُعادُوا أوْلِياءَ اللَّهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَداوَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] لِأنَّ المُرادَ بِالآيَتَيْنِ أوْلِياءُ اللَّهِ دُونَهُ لِاسْتِحالَةِ المُحارَبَةِ والأذِيَّةِ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ كَراهَتُهُمُ القِيامَ بِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ وبُعْدَهم عَنِ التَّمَسُّكِ بِذَلِكَ فَلَمّا كانَ العَدُوُّ لا يَكادُ يُوافِقُ عَدُوَّهُ أوْ يَنْقادُ لَهُ شَبَّهَ طَرِيقَتَهم في هَذا الوَجْهِ بِالعَداوَةِ، فَأمّا عَداوَتُهم لِجِبْرِيلَ والرُّسُلِ فَصَحِيحَةٌ لِأنَّ الإضْرارَ جائِزٌ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ عَداوَتَهم لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأُمُورِ المُؤَثِّرَةِ فِيهِمْ، وعَداوَتُهم مُؤَثِّرَةٌ في اليَهُودِ لِأنَّها في العاجِلِ تَقْتَضِي الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ، وفي الآجِلِ تَقْتَضِي العَذابَ الدّائِمَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا ذَكَرَ المَلائِكَةَ فَلِمَ أعادَ ذِكْرَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مَعَ انْدِراجِهِما في المَلائِكَةِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِما كَأنَّهُما لِكَمالِ فَضْلِهِما صارا جِنْسًا آخَرَ سِوى جِنْسِ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ واليَهُودِ هو ذِكْرُهُما والآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِما، فَلا جَرَمَ نَصَّ عَلى اسْمَيْهِما، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُما أشْرَفَ مِن جَمِيعِ المَلائِكَةِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّأْوِيلُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَ مِن مِيكائِيلَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وتَقْدِيمُ المَفْضُولِ عَلى الفاضِلِ في الذِّكْرِ مُسْتَقْبَحٌ عُرْفًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَحًا شَرْعًا
صفحة ١٨١
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» " .
وثانِيها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ والوَحْيِ والعِلْمِ وهو مادَّةُ بَقاءِ الأرْواحِ، ومِيكائِيلُ يَنْزِلُ بِالخِصْبِ والأمْطارِ وهي مادَّةُ بَقاءِ الأبْدانِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ أشْرَفَ مِنَ الأغْذِيَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أفْضَلَ مِن مِيكائِيلَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ جِبْرِيلَ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ذَكَرَهُ بِوَصْفِ المُطاعِ عَلى الإطْلاقِ، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُطاعًا بِالنِّسْبَةِ إلى مِيكائِيلَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ مِيكالَ بِوَزْنِ قِنْطارٍ، ونافِعٌ مِيكائِلَ مُخْتَلَسَةً لَيْسَ بَعْدَ الهَمْزَةِ ياءٌ عَلى وزْنِ مِيكاعِلَ، وقَرَأ الباقُونَ مِيكائِيلَ عَلى وزْنِ مِيكاعِيلَ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى مِيكَيْئِلُ عَلى وزْنِ مِيكَيْعِلَ، ومِيكَئِيلُ كَمِيكَعِيلَ، قالَ ابْنُ جِنِّي: العَرَبُ إذا نَطَقَتْ بِالأعْجَمِيِّ خَلَطَتْ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الواوُ في جِبْرِيلَ ومِيكالَ، قِيلَ: واوُ العَطْفِ، وقِيلَ: بِمَعْنى أوْ يَعْنِي مَن كانَ عَدُوًّا لِأحَدٍ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ أرادَ عَدُوٌّ لَهم إلّا أنَّهُ جاءَ بِالظّاهِرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عاداهم لِكُفْرِهِمْ وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ.
البقرة 2:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَلَمّا بُعِثَ مِنَ العَرَبِ كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا ما كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: فَقالَ لَهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ونَحْنُ أهْلُ الشِّرْكِ وتُخْبِرُونَنا أنَّهُ مَبْعُوثٌ وتَصِفُونَ لَنا صِفَتَهُ، فَقالَ بَعْضُهم ما جاءَنا بِشَيْءٍ مِنَ البَيِّناتِ وما هو بِالَّذِي كُنّا نَذْكُرُ لَكم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ آياتُ القُرْآنِ الَّذِي لا يَأْتِي بِمِثْلِهِ الجِنُّ والإنْسُ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، وقالَ بَعْضُهم: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ القُرْآنَ مَعَ سائِرِ الدَّلائِلِ نَحْوَ امْتِناعِهِمْ مِنَ المُباهَلَةِ ومِن تَمَنِّي المَوْتِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ نَحْوَ إشْباعِ الخَلْقِ الكَثِيرِ مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ ونُبُوعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ وانْشِقاقِ القَمَرِ. قالَ القاضِي: الأوْلى تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالقُرْآنِ لِأنَّ الآياتِ إذا قُرِنَتْ إلى التَّنْزِيلِ كانَتْ أخَصَّ بِالقُرْآنِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَجْهُ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالآياتِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الآيَةَ هي الدّالَّةُ وإذا كانَتْ أبْعاضُ القُرْآنِ دالَّةً بِفَصاحَتِها عَلى صِدْقِ المُدَّعِي كانَتْ آياتٍ.
وثانِيها: أنَّ مِنها ما يَدُلُّ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ فَهي دالَّةٌ عَلى تِلْكَ الغُيُوبِ.
وثالِثُها: أنَّها دالَّةٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ فَهي آياتٌ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ لا يَكُونُ إلّا بَيِّنًا فَما مَعْنى وصْفِ الآياتِ بِكَوْنِها بَيِّنَةً، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ المُرادُ كَوْنُ بَعْضِها
صفحة ١٨٢
أبْيَنَ مِن بَعْضٍ؛ لِأنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ أمْكَنَ في العُلُومِ أنْ يَكُونَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ وذَلِكَ مُحالٌ، وذَلِكَ لَأنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ إمّا أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ تَجْوِيزُ نَقِيضِ ما اعْتَقَدَهُ أوْ لا يَحْصُلَ، فَإنْ حَصَلَ مَعَهُ ذَلِكَ التَّجْوِيزُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ عِلْمًا وإنْ لَمْ يَحْصُلِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ آخَرُ آكَدَ مِنهُ. قُلْنا: التَّفاوُتُ لا يَقَعُ في نَفْسِ العِلْمِ بَلْ في طَرِيقِهِ؛ فَإنَّ العُلُومَ تَنْقَسِمُ إلى ما يَكُونُ طَرِيقُ تَحْصِيلِهِ والدَّلِيلُ الدّالُّ عَلَيْهِ أكْثَرَ مُقَدِّماتٍ فَيَكُونُ الوُصُولُ إلَيْهِ أصْعَبَ، وإلى ما يَكُونُ أقَلَّ مُقَدِّماتٍ فَيَكُونُ الوُصُولُ إلَيْهِ أقْرَبَ، وهَذا هو الآيَةُ البَيِّنَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإنْزالُ عِبارَةٌ عَنْ تَحْرِيكِ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ وذاكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الجِسْمِيِّ فَهو عَلى هَذا الكَلامِ مُحالٌ لَكِنَّ جِبْرِيلَ لَمّا نَزَلَ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ وأخْبَرَ بِهِ سُمِّيَ ذَلِكَ إنْزالًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكُفْرُ بِها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: جُحُودُها مَعَ العِلْمِ بِصِحَّتِها.
والثّانِي: جُحُودُها مَعَ الجَهْلِ وتَرْكِ النَّظَرِ فِيها والإعْراضِ عَنْ دَلائِلِها، ولَيْسَ في الظّاهِرِ تَخْصِيصٌ فَيَدْخُلُ الكُلُّ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفِسْقُ في اللُّغَةِ خُرُوجُ الإنْسانِ عَمّا حُدَّ لَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وتَقُولُ العَرَبُ لِلنَّواةِ: إذا خَرَجَتْ مِنَ الرُّطَبَةِ عِنْدَ سُقُوطِها فَسَقَتِ النَّواةُ، وقَدْ يَقْرُبُ مِن مَعْناهُ الفُجُورُ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فُجُورِ السَّدِّ الَّذِي يَمْنَعُ الماءَ مِن أنْ يَصِيرَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَفْسُدُ [ إذا صارَ إلَيْهِ ] فَشَبَّهَ تَعَدِّي الإنْسانِ ما حُدَّ لَهُ إلى الفَسادِ بِالَّذِي فَجَّرَ السَّدَّ حَتّى صارَ إلى حَيْثُ يُفْسِدُ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ صاحِبَ الصَّغِيرَةِ تَجاوَزَ أمْرَ اللَّهِ ولا يُوصَفُ بِالفِسْقِ والفُجُورِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ إنَّما يُسَمّى بِهِما كُلُّ أمْرٍ يُعَظَّمُ مِنَ البابِ الَّذِي ذَكَرْنا لِأنَّ مَن فَتَحَ مِنَ النَّهْرِ نَقْبًا يَسِيرًا لا يُوصَفُ بِأنَّهُ فَجَّرَ ذَلِكَ النَّهْرَ وكَذَلِكَ الفِسْقُ إنَّما يُقالُ إذا عَظُمَ التَّعَدِّي. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الفاسِقُونَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ كافِرٍ فاسِقٌ ولا يَنْعَكِسُ فَكَأنَّ ذِكْرَ الفاسِقِ يَأْتِي عَلى الكافِرِ وغَيْرِهِ فَكانَ أوْلى.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يُكَفَّرُ بِها إلّا الكافِرُ المُتَجاوِزُ عَنْ كُلِّ حَدٍّ في كَفْرِهِ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا كانَتْ بَيِّنَةً ظاهِرَةً لَمْ يَكْفُرْ بِها إلّا الكافِرُ الَّذِي يَبْلُغُ في الكُفْرِ إلى النِّهايَةِ القُصْوى وتَجاوَزَ عَنْ كُلِّ حَدٍّ مُسْتَحْسَنٍ في العَقْلِ والشَّرْعِ.
البقرة 2:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾ واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وقِيلَ الواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّهُ مَعَ صِحَّةِ مَعْناهُ لا يَجُوزُ أنْ يُحْكَمَ بِالزِّيادَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْناهُ: أكَفَرُوا بِالآياتِ والبَيِّناتِ
صفحة ١٨٣
وكُلَّما عاهَدُوا، وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِسُكُونِ الواوِ عَلى أنَّ (الفاسِقُونَ) بِمَعْنى الَّذِينَ فَسَقُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا أوْ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ مِرارًا كَثِيرَةً وقُرِئَ عُوهِدُوا وعُهِدُوا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ، الإنْكارُ وإعْظامُ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إذا قِيلَ بِهَذا اللَّفْظِ كانَ أبْلَغَ في التَّنْكِيرِ والتَّبْكِيتِ ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ عَلى عَهْدٍ بَعْدَ عَهْدٍ نَقَضُوهُ ونَبَذُوهُ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالعادَةِ فِيهِمْ فَكَأنَّهُ تَعالى أرادَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عِنْدَ كُفْرِهِمْ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهم، بَلْ هو سَجِيَّتُهم وعادَتُهم وعادَةُ سَلَفِهِمْ عَلى ما بَيَّنَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن نَقْضِهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ حالًا بَعْدَ حالٍ لِأنَّ مَن يُعْتادُ مِنهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لا يَصْعُبُ عَلى النَّفْسِ مُخالَفَتُهُ كَصُعُوبَةِ مَن لَمْ تَجْرِ عادَتُهُ بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في العَهْدِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أظْهَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى صِحَّةِ شَرْعِهِ كانَ ذَلِكَ كالعَهْدِ مِنهُ سُبْحانَهُ، وقَبُولُهم لِتِلْكَ الدَّلائِلِ كالمُعاهَدَةِ مِنهم لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وثانِيها: أنَّ العَهْدَ هو الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَئِنْ خَرَجَ النَّبِيُّ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنُخْرِجَنَّ المُشْرِكِينَ مِن دِيارِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُعاهِدُونَ اللَّهَ كَثِيرًا ويَنْقُضُونَهُ.
ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا قَدْ عاهَدُوهُ عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وأعانُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا يَوْمَ الخَنْدَقِ، قالَ القاضِي: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ تَحْتَ الآيَةِ لَكِنْ لا يَجُوزُ قَصْرُ الآيَةِ عَلَيْهِ بَلِ الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحَمْلُهُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ مِن صِحَّةِ القَوْلِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أقْوى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾ لِأنَّ في جُمْلَةِ مَن عاهَدَ مَن آمَنَ أوْ يَجُوزُ أنْ يُؤْمِنَ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِفَةَ جَمِيعِهِمْ خَصَّ الفَرِيقَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ الفَرِيقَ هُمُ الأقَلُّونَ بَيَّنَ أنَّهُمُ الأكْثَرُونَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أكْثَرُ أُولَئِكَ الفُسّاقِ لا يُصَدِّقُونَ بِكَ أبَدًا لِحَسَدِهِمْ وبَغْيِهِمْ.
والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ: أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِكِتابِهِمْ لِأنَّهم كانُوا في قَوْمِهِمْ كالمُنافِقِينَ مَعَ الرَّسُولِ يُظْهِرُونَ لَهُمُ الإيمانَ بِكِتابِهِمْ ورَسُولِهِمْ ثُمَّ لا يَعْمَلُونَ بِمُوجَبِهِ ومُقْتَضاهُ.
البقرة 2:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مَعْنى كَوْنِ الرَّسُولِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم هو أنَّهُ كانَ مُعْتَرِفًا بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِصِحَّةِ التَّوْراةِ أوْ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مِن حَيْثُ إنَّ التَّوْراةَ بَشَّرَتْ بِمَقْدِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإذا أتى مُحَمَّدٌ كانَ مُجَرَّدُ مَجِيئِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ.
صفحة ١٨٤
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ فَهو مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ بِمِثْلِ ما يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ اسْتِغْناءً عَنْهُ وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمَ الكِتابِ مَن يَدْرُسُهُ ويَحْفَظُهُ، قالَ هَذا القائِلُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الفَرِيقَ بِالعِلْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مَن يَدَّعِي التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ سَواءٌ عَلِمَهُ أوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وهَذا كَوَصْفِ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مِن أهْلِ القُرْآنِ لا يُرادُ بِذَلِكَ مَن يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ عُلُومِهِ، بَلِ المُرادُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ويَتَمَسَّكُ بِمُوجَبِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ التَّوْراةُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبْذَ لا يُعْقَلُ إلّا فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ أوَّلًا وأمّا إذا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ لا يُقالُ إنَّهم نَبَذُوهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الفَرِيقِ مَعْنًى لِأنَّ جَمِيعَهم لا يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ نَبْذُهُمُ التَّوْراةَ وهم يَتَمَسَّكُونَ بِهِ ؟ قُلْنا: إذا كانَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما فِيهِ مِنَ النَّعْتِ والصِّفَةِ وفِيهِ وُجُوبُ الإيمانِ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْهُ كانُوا نابِذِينَ لِلتَّوْراةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَدَلالَةٌ عَلى أنَّهم نَبَذُوهُ عَنْ عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ إلّا فِيمَن يَعْلَمُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ عَلى أنَّ هَذا الفَرِيقَ كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ إلّا أنَّهم جَحَدُوا ما يَعْلَمُونَ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَمْعَ العَظِيمَ لا يَصِحُّ الجَحْدُ عَلَيْهِمْ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أُولَئِكَ الجاحِدِينَ كانُوا في القِلَّةِ بِحَيْثُ تَجُوزُ المُكابَرَةُ عَلَيْهِمْ.
البقرة 2:102
قَوْلُهُ تَعالى: (? ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
صفحة ١٨٥
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ وهو اشْتِغالُهم بِالسِّحْرِ وإقْبالُهم عَلَيْهِ ودُعاؤُهُمُ النّاسَ إلَيْهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ اليَهُودُ، ثُمَّ فِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وثانِيها: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا مِنَ اليَهُودِ.
وثالِثُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّحَرَةِ لِأنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَعُدُّونَهُ مِن جُمْلَةِ المُلُوكِ في الدُّنْيا، فالَّذِينَ كانُوا مِنهم في زَمانِهِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ أنَّهُ إنَّما وُجِدَ ذَلِكَ المُلْكُ العَظِيمُ بِسَبَبِ السِّحْرِ.
ورابِعُها: أنَّهُ يَتَناوَلُ الكُلَّ وهَذا أوْلى لِأنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى غَيْرِهِ، إذْ لا دَلِيلَ عَلى التَّخْصِيصِ. قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ فَخاصَمُوهُ بِها فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والقُرْآنُ فَنَبَذُوا التَّوْراةَ وأخَذُوا بِكِتابِ آصِفَ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ فَلَمْ يُوافِقِ القُرْآنَ، فَهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا كُتُبَ السِّحْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ: ﴿تَتْلُو﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ التِّلاوَةُ والإخْبارُ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ (تَتْلُوا) أيْ تَكْذِبُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. يُقالُ: تَلا عَلَيْهِ إذا كَذَبَ وتَلا عَنْهُ إذا صَدَقَ وإذا أبْهَمَ جازَ الأمْرانِ. والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِأنَّ التِّلاوَةَ حَقِيقَةٌ في الخَبَرِ، إلّا أنَّ المُخْبِرَ يُقالُ في خَبَرِهِ إذا كانَ كَذِبًا إنَّهُ تَلا فُلانٌ وإنَّهُ قَدْ تَلا عَلى فُلانٍ لِيَمِيزَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي لا يُقالُ فِيهِ رَوى عَلى فُلانٍ، بَلْ يُقالُ: رَوى عَنْ فُلانٍ وأخْبَرَ عَنْ فُلانٍ وتَلا عَنْ فُلانٍ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالأخْبارِ والتِّلاوَةِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الَّذِي كانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ سُلَيْمانَ مِمّا يُتْلى ويُقْرَأُ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ كُلُّ الأوْصافِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في الشَّياطِينِ فَقِيلَ: المُرادُ شَياطِينُ الجِنِّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: شَياطِينُ الإنْسِ وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: هم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ مَعًا. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى شَياطِينِ الجِنِّ قالُوا: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ثُمَّ يَضُمُّونَ إلى ما سَمِعُوا أكاذِيبَ يُلَفِّقُونَها ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، وقَدْ دَوَّنُوها في كُتُبٍ يَقْرَءُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وفَشا ذَلِكَ في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى قالُوا: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ وكانُوا يَقُولُونَ: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ وما تَمَّ لَهُ مُلْكُهُ إلّا بِهَذا العِلْمِ وبِهِ يُسَخِّرُ الجِنَّ والإنْسَ والرِّيحَ الَّتِي تَجْرِي بِأمْرِهِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى شَياطِينِ الإنْسِ قالُوا: رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ العُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ حِرْصًا عَلى أنَّهُ إنْ هَلَكَ الظّاهِرُ مِنها يَبْقى ذَلِكَ المَدْفُونُ، فَلَمّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلى ذَلِكَ تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أنْ كَتَبُوا في خِلالِ ذَلِكَ أشْياءَ مِنَ السِّحْرِ تُناسِبُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ واطِّلاعِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الكُتُبِ أوْهَمُوا النّاسَ أنَّهُ مِن عَمَلِ سُلَيْمانَ وأنَّهُ ما وصَلَ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ إلّا بِسَبَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَهَذا مَعْنى: ”﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾“ .
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ شَياطِينَ الجِنِّ لَوْ قَدَرُوا عَلى تَغْيِيرِ كُتُبِ الأنْبِياءِ وشَرائِعِهِمْ بِحَيْثُ يَبْقى ذَلِكَ التَّحْرِيفُ فِيما بَيْنَ النّاسِ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ وذَلِكَ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في كُلِّ الأدْيانِ. فَإنْ قِيلَ: إذا جَوَّزْتُمْ ذَلِكَ عَلى شَياطِينِ الإنْسِ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ عَلى شَياطِينِ الجِنِّ ؟ قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ الإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، أمّا لَوْ جَوَّزْنا هَذا الِافْتِعالَ مِنَ الجِنِّ وهو أنْ نَزِيدَ في
صفحة ١٨٦
كُتُبِ سُلَيْمانَ بِخَطٍّ مِثْلِ خَطِّ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ ويَبْقى مَخْفِيًّا فَيُفْضِي إلى الطَّعْنِ في جَمِيعِ الأدْيانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَقِيلَ في مُلْكِ سُلَيْمانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ لِأنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ مِن كُتُبِ السِّحْرِ ويَقُولُونَ إنَّ سُلَيْمانَ إنَّما وجَدَ ذَلِكَ المُلْكَ بِسَبَبِ هَذا العِلْمِ، فَكانَتْ تِلاوَتُهم لِتِلْكَ الكُتُبِ كالِافْتِراءِ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِمُلْكِ سُلَيْمانَ، فَقالَ القاضِي: إنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ هو النُّبُوَّةُ، أوْ يَدْخُلُ فِيهِ النُّبُوَّةُ وتَحْتَ النُّبُوَّةِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ والشَّرِيعَةُ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ ثُمَّ أخْرَجَ القَوْمُ صَحِيفَةً فِيها ضُرُوبُ السِّحْرِ وقَدْ دَفَنُوها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ ثُمَّ أخْرَجُوها بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْهَمُوا أنَّها مِن جِهَتِهِ صارَ ذَلِكَ مِنهم تَقَوُّلا عَلى مُلْكِهِ في الحَقِيقَةِ. والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ سُلَيْمانَ إنَّما وجَدَ تِلْكَ المَمْلَكَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِلْمِ كانَ ذَلِكَ الِادِّعاءُ كالِافْتِراءِ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: السَّبَبُ في أنَّهم أضافُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم أضافُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَرْغِيبًا لِلْقَوْمِ في قَبُولِ ذَلِكَ مِنهم.
وثانِيها: أنَّ اليَهُودَ ما كانُوا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ سُلَيْمانَ بَلْ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّما وجَدَ ذَلِكَ المُلْكَ بِسَبَبِ السِّحْرِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَخَّرَ الجِنَّ لِسُلَيْمانَ فَكانَ يُخالِطُهم ويَسْتَفِيدُ مِنهم أسْرارًا عَجِيبَةً فَغَلَبَ عَلى الظُّنُونِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَفادَ السِّحْرَ مِنهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ( ? ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ فَهَذا تَنْزِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الكُفْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ والسِّحْرِ قِيلَ فِيهِ أشْياءُ:
أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أحْبارِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا: ألا تَعْجَبُونَ مِن مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ نَبِيًّا وما كانَ إلّا ساحِرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وثانِيها: أنَّ السَّحَرَةَ مِنَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهم أخَذُوا السِّحْرَ عَنْ سُلَيْمانَ فَنَزَّهَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أنَّ قِوامَ مُلْكِهِ كانَ بِالسِّحْرِ فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِنهُ لِأنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا يُنافِي كَوْنَهُ ساحِرًا كافِرًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي بَرَّأهُ مِنهُ لاصِقٌ بِغَيْرِهِ فَقالَ: ( ? ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ يُشِيرُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ السِّحْرَ كالحِرْفَةِ لِنَفْسِهِ ويَنْسِبُهُ إلى سُلَيْمانَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما بِهِ كَفَرُوا فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهم ما كَفَرُوا أوَّلًا بِالسِّحْرِ فَقالَ تَعالى: ( ? ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في السِّحْرِ يَقَعُ مِن وُجُوهٍ:
المَسْألَةُ الأُولى: في البَحْثِ عَنْهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ فَنَقُولُ: ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ في الأصْلِ عِبارَةٌ عَمّا لَطُفَ وخَفِيَ سَبَبُهُ، والسَّحْرُ بِالنَّصْبِ هو الغِذاءُ لِخَفائِهِ ولُطْفِ مَجارِيهِ، قالَ لَبِيَدٌ:
ونَسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنّا نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ كالمَسْحُورِ المَخْدُوعِ.
والآخَرُ: نُغَذّى، وأيُّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَمَعْناهُ الخَفاءُ وقالَ:
صفحة ١٨٧
فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَهُ الأوَّلُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِالمُسَحَّرِ أنَّهُ ذُو سَحْرٍ، والسَّحْرُ هو الرِّئَةُ، وما تَعَلَّقَ بِالحُلْقُومِ وهَذا أيْضًا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَفاءِ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي» “، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ? ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، يَعْنِي مِنَ المَخْلُوقِينَ، الَّذِي يَطْعَمُ ويَشْرَبُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ( ? ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٥٤] ويُحْتَمَلُ أنَّهُ ذُو سَحْرٍ مِثْلُنا، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ( ? ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] وقالَ: ( ? ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦] فَهَذا هو مَعْنى السِّحْرِ في أصْلِ اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ السِّحْرِ في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ أمْرٍ يَخْفى سَبَبُهُ ويُتَخَيَّلُ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ ويَجْرِي مَجْرى التَّمْوِيهِ والخِداعِ، ومَتى أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ أفادَ ذَمَّ فاعِلِهِ قالَ تَعالى: ( ? ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم تَسْعى وقالَ تَعالى: ( ? ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُقَيَّدًا فِيما يُمْدَحُ ويُحْمَدُ. رُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، فَقالَ لِعَمْرٍو: خَبِّرْنِي عَنِ الزِّبْرِقانِ، فَقالَ: مُطاعٌ في نادِيهِ شَدِيدُ العارِضَةِ مانِعٌ لِما وراءَ ظَهْرِهِ، فَقالَ الزِّبْرِقانُ: هو واللَّهِ يَعْلَمُ أنِّي أفْضَلُ مِنهُ، فَقالَ عَمْرٌو: إنَّهُ زَمَنُ المُرُوءَةِ ضَيِّقُ العَطَنِ أحْمَقُ الأبِ لَئِيمُ الخالِ، يا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْتَ فِيهِما، أرْضانِي فَقُلْتُ أحْسَنَ ما عَلِمْتُ، وأسْخَطَنِي فَقُلْتُ أسْوَأ ما عَلِمْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا“» فَسَمّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ البَيانِ سِحْرًا لِأنَّ صاحِبَهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ المُشْكِلَ ويَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِحُسْنِ بَيانِهِ وبَلِيغِ عِبارَتِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَمِّيَ ما يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا، وهَذا القائِلُ إنَّما قَصَدَ إظْهارَ الخَفِيِّ لا إخْفاءَ الظّاهِرِ ولَفْظُ السِّحْرِ إنَّما يُفِيدُ إخْفاءَ الظّاهِرِ ؟ قُلْنا: إنَّما سَمّاهُ سِحْرًا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ لِلُطْفِهِ وحُسْنِهِ اسْتَمالَ القُلُوبَ فَأشْبَهَ السِّحْرَ الَّذِي يَسْتَمِيلُ القُلُوبَ، فَمِن هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ سِحْرًا، لا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ.
الثّانِي: أنَّ المُقْتَدِرَ عَلى البَيانِ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْسِينِ ما يَكُونُ قَبِيحًا وتَقْبِيحِ ما يَكُونُ حَسَنًا فَذَلِكَ يُشْبِهُ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في أقْسامِ السِّحْرِ: اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ عَلى أقْسامٍ:
الأوَّلُ: سِحْرُ الكَلْدانِيِّينَ والكَسْدانِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَزْعُمُونَ أنَّها هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، ومِنها تَصْدُرُ الخَيْراتُ والشُّرُورُ والسَّعادَةُ والنُّحُوسَةُ وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبْطِلًا لِمَقالَتِهِمْ ورادًّا عَلَيْهِمْ في مَذْهَبِهِمْ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ، واحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ ذَكَرَها القاضِي ولَخَّصَها في تَفْسِيرِهِ وفي سائِرِ كُتُبِهِ ونَحْنُ نَنْقُلُ تِلْكَ الوُجُوهَ ونَنْظُرُ فِيها.
أوَّلُها: وهو النُّكْتَةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ إمّا مُتَحَيِّزٌ وإمّا قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ، فَلَوْ كانَ غَيْرُ اللَّهِ فاعِلًا لِلْجِسْمِ والحَياةِ لَكانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مُتَحَيِّزًا، وذَلِكَ المُتَحَيِّزُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا بِالقُدْرَةِ، إذْ لَوْ كانَ قادِرًا لِذاتِهِ لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ لَكِنَّ القادِرَ بِالقُدْرَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الجِسْمِ
صفحة ١٨٨
والحَياةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ الواحِدَ مِنّا لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ ابْتِداءً، فَقُدْرَتُنا مُشْتَرِكَةٌ في امْتِناعِ ذَلِكَ عَلَيْها، فَهَذا الِامْتِناعُ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ فَلا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ ولا مُشْتَرَكَ هَهُنا إلّا كَوْنُنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ فِيمَن كانَ قادِرًا بِالقُدْرَةِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ الجِسْمِ والحَياةِ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ الَّتِي لَنا لا شَكَّ أنَّ بَعْضَها يُخالِفُ بَعْضًا، فَلَوْ قَدَّرْنا قُدْرَةً صالِحَةً لِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ لَمْ تَكُنْ مُخالَفَتُها لِهَذِهِ القُدْرَةِ أشَدَّ مِن مُخالَفَةِ بَعْضِ هَذِهِ القُدْرَةِ لِلْبَعْضِ، فَلَوْ كَفى ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ المُخالَفَةِ في صَلاحِيَّتِها لِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ لَوَجَبَ في هَذِهِ القُدْرَةِ أنْ يُخالِفَ بَعْضُها بَعْضًا، وأنْ تَكُونَ صالِحَةً لِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ القادِرَ بِالقُدْرَةِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ.
وثانِيها: أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزاتِ عَلى النُّبُوّاتِ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا اسْتِحْداثَ الخَوارِقِ بِواسِطَةِ تَمْزِيجِ القُوى السَّماوِيَّةِ بِالقُوى الأرْضِيَّةِ لَمْ يُمْكِنّا القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الخَوارِقَ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَدَرَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ يَجُوزُ فِيها أنَّهم أتَوْا بِها مِن طَرِيقِ السِّحْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ القَوْلُ بِالنُّبُوّاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
وثالِثُها: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ في النّاسِ مَن يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ والألْوانِ لَقَدَرَ ذَلِكَ الإنْسانُ عَلى تَحْصِيلِ الأمْوالِ العَظِيمَةِ مِن غَيْرِ تَعَبٍ، لَكِنّا نَرى مَن يَدَّعِي السِّحْرَ مُتَوَصِّلًا إلى اكْتِسابِ الحَقِيرِ مِنَ المالِ بِجُهْدٍ جَهِيدٍ، فَعَلِمْنا كَذِبَهُ وبِهَذا الطَّرِيقِ نَعْلَمُ فَسادَ ما يَدَّعِيهِ قَوْمٌ مِنَ الكِيمْياءِ، لِأنّا نَقُولُ: لَوْ أمْكَنَهم بِبَعْضِ الأدْوِيَةِ أنْ يَقْلِبُوا غَيْرَ الذَّهَبِ ذَهَبًا لَكانَ إمّا أنْ يُمْكِنَهم ذَلِكَ بِالقَلِيلِ مِنَ الأمْوالِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُغْنُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ عَنِ المَشَقَّةِ والذِّلَّةِ أوْ لا يُمْكِنَهم إلّا بِالآلاتِ العِظامِ والأمْوالِ الخَطِيرَةِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ لِلْمُلُوكِ المُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَفْطِنَ المُلُوكُ لِذَلِكَ لِأنَّهُ أنْفَعُ لَهم مِن فَتْحِ البِلادِ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِإخْراجِ الأمْوالِ والكُنُوزِ، وفي عِلْمِنا بِانْصِرافِ النُّفُوسِ والهِمَمِ عَنْ ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ، قالَ القاضِي: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ السّاحِرَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا:
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإمّا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، أما عَلِمْتُمْ أنَّ الفَلاسِفَةَ مُصِرُّونَ عَلى إثْباتِ العُقُولِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ، وزَعَمُوا أنَّها في أنْفُسِها لَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ ولا قائِمَةٍ بِالمُتَحَيِّزِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِهَذا ؟ فَإنْ قالُوا: لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في الأُسْلُوبِ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في الماهِيَّةِ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأجْسامِ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِذاتِهِ ؟ قَوْلُهُ: الأجْسامُ مُتَماثِلَةٌ. فَلَوْ كانَ جِسْمٌ كَذَلِكَ لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ، قُلْنا: ما الدَّلِيلُ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ، فَإنْ قالُوا: إنَّهُ لا مَعْنى لِلْجِسْمِ إلّا المُمْتَدُّ في الجِهاتِ، الشّاغِلُ لِلْأحْيازِ ولا تَفاوُتَ بَيْنَها في هَذا المَعْنى، قُلْنا: الِامْتِدادُ في الجِهاتِ والشُّغْلُ لِلْأحْيازِ صِفَةٌ مِن صِفاتِها ولازِمٌ مِن لَوازِمِها، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ في الماهِيَّةِ مُشْتَرِكَةً في بَعْضِ اللَّوازِمِ، سَلَّمْنا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا بِالقُدْرَةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ القادِرَ بِالقُدْرَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ خَلْقُ الجِسْمِ والحَياةِ ؟ قَوْلُهُ: لِأنَّ القُدْرَةَ الَّتِي لَنا مُشْتَرِكَةٌ في هَذا الِامْتِناعِ وهَذا الِامْتِناعُ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ ولا مُشْتَرَكَ سِوى كَوْنِنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ، قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّماتُ بِأسْرِها مَمْنُوعَةٌ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الِامْتِناعَ حُكْمٌ مُعَلَّلٌ وذَلِكَ لِأنَّ الِامْتِناعَ عَدَمِيٌّ والعَدَمُ لا يُعَلَّلُ، سَلَّمْنا أنَّهُ أمْرٌ وُجُودِيٌّ، ولَكِنْ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْكامِ لا يُعَلَّلُ، فَلِمَ
صفحة ١٨٩
لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ مُعَلَّلٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الحُكْمَ المُشْتَرَكَ لا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، ألَيْسَ أنَّ القُبْحَ حَصَلَ في الظُّلْمِ مُعَلَّلًا بِكَوْنِهِ ظُلْمًا وفي الكَذِبِ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، وفي الجَهْلِ بِكَوْنِهِ جَهْلًا ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا مُشْتَرَكَ إلّا كَوْنُنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القُدْرَةُ الَّتِي لَنا مُشْتَرِكَةً في وصْفٍ مُعَيَّنٍ وتِلْكَ القُدْرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِخَلْقِ الجِسْمِ تَكُونُ خارِجَةً عَنْ ذَلِكَ الوَصْفِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لَيْسَتْ مُخالَفَةُ تِلْكَ القُدْرَةِ لِبَعْضِ القُدَرِ أشَدَّ مِن مُخالَفَةِ بَعْضِ هَذِهِ القُدَرِ لِلْبَعْضِ، فَنَقُولُ: هَذا ضَعِيفٌ، لِأنّا لا نُعَلِّلُ صَلاحِيَّتَها لِخَلْقِ الجِسْمِ بِكَوْنِها مُخالِفَةً لِهَذِهِ القُدَرِ، بَلْ لِخُصُوصِيَّتِها المُعَيَّنَةِ الَّتِي لِأجْلِها خالَفَتْ سائِرَ القُدَرِ، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةُ مَعْلُومٌ أنَّها غَيْرُ حاصِلَةٍ في سائِرِ القُدَرِ. ونَظِيرُ ما ذَكَرُوهُ أنْ يُقالَ: لَيْسَتْ مُخالَفَةُ الصَّوْتِ لِلْبَياضِ بِأشَدَّ مِن مُخالَفَةِ السَّوادِ لِلْبَياضِ، فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ المُخالَفَةُ مانِعَةً لِلصَّوْتِ مِن صِحَّةِ أنْ يُرى لَوَجَبَ لِكَوْنِ السَّوادِ مُخالِفًا لِلْبَياضِ أنْ يَمْتَنِعَ رُؤْيَتُهُ.
ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ فاسِدًا فَكَذا ما قالُوهُ، والعَجَبُ مِنَ القاضِي أنَّهُ لَمّا حَكى هَذِهِ الوُجُوهَ عَنِ الأشْعَرِيَّةِ في مَسْألَةِ الرُّؤْيَةِ وزَيْفِها بِهَذِهِ الأسْئِلَةِ، ثُمَّ إنَّهُ نَفْسَهُ تَمَسَّكَ بِها في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي الأصْلُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ والرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَنا. أمّا الوَجْهُ الثّانِي وهو أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ النُّبُوّاتِ لا يَبْقى مَعَ تَجْوِيزِ هَذا الأصْلِ فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوّاتِ مُتَفَرِّعًا عَلى فَسادِ هَذِهِ القاعِدَةِ أوْ لا يَكُونُ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ فَسادُ هَذا الأصْلِ بِالبِناءِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوّاتِ، وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَقَدْ سَقَطَ هَذا الكَلامُ بِالكُلِّيَّةِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الكَلامُ في الإمْكانِ غَيْرٌ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ بَلْ هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ لِلْبَشَرِ إلّا في الأعْصارِ المُتَباعِدَةِ فَكَيْفَ يَلْزَمُنا ما ذَكَرْتُمُوهُ ؟ فَهَذا هو الكَلامُ في النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ السِّحْرِ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ والنَّفْسِ القَوِيَّةِ، قالُوا: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: ”أنا“ ما هو ؟ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ هو هَذِهِ البِنْيَةُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ جِسْمٌ صارَ في هَذِهِ البِنْيَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بِأنَّهُ مَوْجُودٌ ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجِسْمانِيٍّ. أمّا إذا قُلْنا إنَّ الإنْسانَ هو هَذِهِ البِنْيَةُ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذِهِ البِنْيَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ في بَعْضِ الأعْصارِ البارِدَةِ أنْ يَكُونَ مِزاجُهُ مِزاجًا مِنَ الأمْزِجَةِ في ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي يَقْتَضِي القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والعِلْمِ بِالأُمُورِ الغائِبَةِ عَنّا والمُتَعَذِّرَةِ، وهَكَذا الكَلامُ إذا قُلْنا الإنْسانُ جِسْمٌ صارَ في هَذِهِ البِنْيَةِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّ الإنْسانَ هو النَّفْسُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: النُّفُوسُ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَّفِقُ في بَعْضِ النُّفُوسِ إنْ كانَتْ لِذاتِها قادِرَةً عَلى هَذِهِ الحَوادِثِ الغَرِيبَةِ مُطَّلِعَةً عَلى الأسْرارِ الغائِبَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مِمّا لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ عَلى فَسادِهِ سِوى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَدْ بانَ بُطْلانُها، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّ الجِذْعَ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ المَشْيِ عَلَيْهِ لَوْ كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ لا يُمْكِنُهُ المَشْيُ عَلَيْهِ لَوْ كانَ كالجِسْرِ عَلى هاوِيَةٍ تَحْتَهُ، وما ذاكَ إلّا أنَّ تَخَيُّلَ السُّقُوطِ مَتى قَوِيَ أوْجَبَهُ.
وثانِيها: اجْتَمَعَتِ الأطِبّاءُ عَلى نَهْيِ المَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ الحُمْرِ، والمَصْرُوعِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ والدَّوَرانِ، وما ذاكَ إلّا أنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأوْهامِ.
وثالِثُها: حَكى صاحِبُ الشِّفاءِ عَنْ ”أرِسْطُو“ أنَّ طَبائِعَ الحَيَوانِ: أنَّ الدَّجاجَةَ إذْ تَشَبَّهَتْ كَثِيرًا بِالدِّيَكَةِ في الصَّوْتِ وفي الحَرْبِ مَعَ الدِّيَكَةِ نَبَتَ عَلى ساقِها مِثْلُ الشَّيْءِ النّابِتِ عَلى ساقِ الدِّيكِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ الشِّفاءِ: وهَذا يَدُلُّ
صفحة ١٩٠
عَلى أنَّ الأحْوالَ الجُسْمانِيَّةَ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ.
ورابِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَمُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ اللِّسانِيَّ الخالِيَ عَنِ الطَّلَبِ النَّفْسانِيِّ قَلِيلُ العَمَلِ عَدِيمُ الأثَرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لِلْهِمَمِ والنُّفُوسِ آثارًا وهَذا الِاتِّفاقُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَسْألَةٍ مُعَيَّنَةٍ وحِكْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
وخامِسُها: أنَّكَ لَوْ أنْصَفْتَ لَعَلِمْتَ أنَّ المَبادِئَ القَرِيبَةَ لِلْأفْعالِ الحَيَوانِيَّةِ لَيْسَتْ إلّا التَّصَوُّراتِ النَّفْسانِيَّةَ لِأنَّ القُوَّةَ المُحَرِّكَةَ المَغْرُوزَةَ في العَضَلاتِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ وتَرْكِهِ أوْ ضِدِّهِ، ولَنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وما ذاكَ إلّا تَصَوُّرُ كَوْنِ الفِعْلِ جَمِيلًا أوْ لَذِيذًا أوْ تَصَوُّرُ كَوْنِهِ قَبِيحًا أوْ مُؤْلِمًا فَتِلْكَ التَّصَوُّراتُ هي المَبادِئُ لِصَيْرُورَةِ القُوى العَضَلِيَّةِ، مَبادِئُ لِلْفِعْلِ لِوُجُودِ الأفْعالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ كَذَلِكَ بِالقُوَّةِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ التَّصَوُّراتُ هي المَبادِئَ لِمَبادِئِ هَذِهِ الأفْعالِ فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِها مَبادِئَ الِأفْعالِ أنْفُسَها وإلْغاءَ الواسِطَةِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.
وسادِسُها: التَّجْرِبَةُ والعِيانُ شاهِدانِ بِأنَّ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ مَبادِئُ قَرِيبَةٌ لِحُدُوثِ الكَيْفِيّاتِ في الأبْدانِ فَإنَّ الغَضْبانَ تَشْتَدُّ سُخُونَةُ مِزاجِهِ حَتّى أنَّهُ يُفِيدُهُ سُخُونَةٌ قَوِيَّةٌ.
يُحْكى أنَّ بَعْضَ المُلُوكِ عَرَضَ لَهُ فالِجٌ فَأعْيا الأطِبّاءَ مُزاوَلَةُ عِلاجِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الحُذّاقِ مِنهم عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهُ وشافَهَهُ بِالشَّتْمِ والقَدْحِ في العِرْضِ، فاشْتَدَّ غَضَبُ المَلِكِ وقَفَزَ مِن مَرْقَدِهِ قَفْزَةً اضْطِرارِيَّةً لِما نالَهُ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ الكَلامِ فَزالَتْ تِلْكَ العِلَّةُ المُزْمِنَةُ والمَرْضَةُ المُهْلِكَةُ. وإذا جازَ كَوْنُ التَّصَوُّراتِ مَبادِئَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في البَدَنِ فَأيُّ اسْتِبْعادٍ مِن كَوْنِها مَبادِئَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ خارِجَ البَدَنِ.
وسابِعُها: أنَّ الإصابَةَ بِالعَيْنِ أمْرٌ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ العُقَلاءُ وذَلِكَ أيْضًا يُحَقِّقُ إمْكانَ ما قُلْناهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النُّفُوسُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الأفاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا، فَتَسْتَغْنِي في هَذِهِ الأفْعالِ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالآلاتِ والأدَواتِ، وقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ بِهَذِهِ الآلاتِ. وتَحْقِيقُهُ أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلى البَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ [ السَّماءِ ] كانَتْ كَأنَّها رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، فَكانَتْ قَوِيَّةً عَلى التَّأْثِيرِ في مَوادِّ هَذا العالَمِ، أمّا إذا كانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَها تَصَرُّفٌ البَتَّةَ إلّا في هَذا البَدَنِ، فَإذا أرادَ هَذا الإنْسانُ صَيْرُورَتَها بِحَيْثُ يَتَعَدّى تَأْثِيرٌ مِن بَدَنِها إلى بَدَنٍ آخَرَ اتَّخَذَ تِمْثالَ ذَلِكَ الغَيْرِ ووَضَعَهُ عِنْدَ الحِسِّ واشْتَغَلَ الحِسُّ بِهِ فَيَتْبَعُهُ الخَيالُ عَلَيْهِ، وأقْبَلَتِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ عَلَيْهِ فَقَوِيَتِ التَّأْثِيراتُ النَّفْسانِيَّةُ والتَّصَرُّفاتُ الرُّوحانِيَّةُ، ولِذَلِكَ أجْمَعْتِ الأُمَمُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِمُزاوَلَةِ هَذِهِ الأعْمالِ مِنِ انْقِطاعِ المَأْلُوفاتِ والمُشْتَهَياتِ وتَقْلِيلِ الغِذاءِ والِانْقِطاعِ عَنْ مُخالَطَةِ الخَلْقِ. وكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ أتَمَّ كانَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ أقْوى، فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَتِ النَّفْسُ مُناسِبَةً لِهَذا الأمْرِ نَظَرًا إلى ماهِيَّتِها وخاصِّيَّتِها عَظُمَ التَّأْثِيرُ، والسَّبَبُ المُتَعَيَّنُ فِيهِ أنَّ النَّفْسَ إذا اشْتَغَلَتْ بِالجانِبِ الأوَّلِ أشْغَلَتْ جَمِيعَ قُوَّتِها في ذَلِكَ الفِعْلِ وإذا اشْتَغَلَتْ بِالأفْعالِ الكَثِيرَةِ تَفَرَّقَتْ قُوَّتُها وتَوَزَّعَتْ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ فَتَصِلُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأفْعالِ شُعْبَةٌ مِن تِلْكَ القُوَّةِ وجَدْوَلٌ مِن ذَلِكَ النَّهْرِ. ولِذَلِكَ نَرى أنَّ إنْسانَيْنِ يَسْتَوِيانِ في قُوَّةِ الخاطِرِ إذا اشْتَغَلَ أحَدُهُما بِصِناعَةٍ واحِدَةٍ واشْتَغَلَ الآخَرُ بِصِناعَتَيْنِ. فَإنَّ [ ذا الفَنِّ ] الواحِدِ يَكُونُ أقْوى مِن ذِي الفَنَّيْنِ، ومَن حاوَلَ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ مَسْألَةٍ مِنَ المَسائِلِ فَإنَّهُ حالَ تَفَكُّرِهِ فِيها لا بُدَّ وأنْ يُفَرِّغَ خاطِرَهُ عَمّا عَداها، فَإنَّهُ عِنْدَ تَفْرِيغِ الخاطِرِ يَتَوَجَّهُ الخاطِرُ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِ فَيَكُونُ الفِعْلُ أسْهَلَ وأحْسَنَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا كانَ الإنْسانُ مَشْغُولَ الهَمِّ والهِمَّةِ بِقَضاءِ اللَّذّاتِ وتَحْصِيلِ الشَّهَواتِ كانَتِ القُوَّةُ النَّفْسانِيَّةُ مَشْغُولَةً بِها مُسْتَغْرِقَةً فِيها، فَلا يَكُونُ انْجِذابُها إلى تَحْصِيلِ الفِعْلِ الغَرِيبِ الَّذِي يُحاوِلُهُ انْجِذابًا قَوِيًّا لا سِيَّما، وهَهُنا آفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ مِثْلَ هَذِهِ النَّفْسِ قَدِ اعْتادَتِ الِاشْتِغالَ بِاللَّذّاتِ مِن أوَّلِ أمْرِها إلى آخِرِهِ، ولَمْ تَشْتَغِلْ قَطُّ بِاسْتِحْداثِ هَذِهِ الأفْعالِ الغَرِيبَةِ، فَهي بِالطَّبْعِ حَنُونٌ إلى الأوَّلِ عَزُوفٌ عَنْ
صفحة ١٩١
الثّانِي، فَإذا وجَدَتْ مَطْلُوبَها مِنَ النَّمَطِ الأوَّلِ فَأنّى تَلْتَفِتُ إلى الجانِبِ الآخَرِ ؟ فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا أنَّ مُزاوَلَةَ هَذِهِ الأعْمالِ لا تَتَأتّى إلّا مَعَ التَّجَرُّدِ عَنِ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، وتَرْكِ مُخالَطَةِ الخَلْقِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عالَمِ الصَّفاءِ والأرْواحِ.
وأمّا الرُّقى فَإنْ كانَتْ مَعْلُومَةً فالأمْرُ فِيها ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنها أنَّ حِسَّ البَصَرِ كَما شَغَلْناهُ بِالأُمُورِ المُناسِبَةِ لِذَلِكَ الغَرَضِ، فَحِسُّ السَّمْعِ نَشْغَلُهُ أيْضًا بِالأُمُورِ المُناسِبَةِ لِذَلِكَ الغَرَضِ، فَإنَّ الحَواسَّ مَتى تَطابَقَتْ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الغَرَضِ الواحِدِ كانَ تَوَجُّهُ النَّفْسِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ أقْوى، وأمّا إنْ كانَتْ بِألْفاظٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ حَصَلَتْ لِلنَّفْسِ هُناكَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ إنَّما تُقْرَأُ لِلِاسْتِعانَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَدْرِي كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الِاسْتِعانَةِ حَصَلَتْ لِلنَّفْسِ هُناكَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ويَحْصُلُ لِلنَّفْسِ في أثْناءِ ذَلِكَ انْقِطاعٌ عَنِ المَحْسُوساتِ، وإقْبالٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ وجِدٌّ عَظِيمٌ، فَيَقْوى التَّأْثِيرُ النَّفْسانِيُّ؛ فَيَحْصُلُ الغَرَضُ، وهَكَذا القَوْلُ في الدُّخْنِ، قالُوا: فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ القُوَّةِ النَّفْسانِيَّةِ مُشْتَغِلٌ بِالتَّأْثِيرِ، فَإنِ انْضَمَّ إلَيْهِ النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ السِّحْرِ، وهو الِاسْتِعانَةُ بِالكَواكِبِ وتَأْثِيراتِها عَظُمَ التَّأْثِيرُ، بَلْ هَهُنا نَوْعانِ آخَرانِ.
الأوَّلُ: أنَّ النُّفُوسَ الَّتِي فارَقَتِ الأبْدانَ قَدْ يَكُونُ فِيها ما هو شَدِيدُ المُشابَهَةِ لِهَذِهِ النُّفُوسِ في قُوَّتِها وفي تَأْثِيراتِها، فَإذا صارَتْ تِلْكَ النُّفُوسُ صافِيَةً لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَنْجَذِبَ إلَيْها ما يُشابِهُها مِنَ النُّفُوسِ المُفارِقَةِ، ويَحْصُلُ لِتِلْكَ النُّفُوسِ نَوْعٌ ما مِنَ التَّعَلُّقِ بِهَذا البَدَنِ؛ فَتَتَعاضَدُ النُّفُوسُ الكَثِيرَةُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، وإذا كَمُلَتِ القُوَّةُ وتَزايَدَتْ قَوِيَ التَّأْثِيرُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ إذا صارَتْ صافِيَةً عَنِ الكُدُوراتِ البَدَنِيَّةِ، صارَتْ قابِلَةً لِلْأنْوارِ الفائِضَةِ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ، فَتَقْوى هَذِهِ النُّفُوسُ بِأنْوارِ تِلْكَ الأرْواحِ، فَتَقْوى عَلى أُمُورٍ غَرِيبَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، فَهَذا شَرْحُ سِحْرِ أصْحابِ الأوْهامِ والرُّقى.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ السِّحْرِ: الِاسْتِعانَةُ بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِالجِنِّ مِمّا أنْكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ الفَلاسِفَةِ والمُعْتَزِلَةِ، أمّا أكابِرُ الفَلاسِفَةِ فَإنَّهم ما أنْكَرُوا القَوْلَ بِهِ إلّا أنَّهم سَمَّوْها بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ، وهي في أنْفُسِها مُخْتَلِفَةٌ، مِنها خَيِّرَةٌ ومِنها شِرِّيرَةٌ، فالخَيِّرَةُ هم مُؤْمِنُو الجِنِّ، والشِّرِّيرَةُ هم كُفّارُ الجِنِّ وشَياطِينُهم، ثُمَّ قالَ الخَلَفُ مِنهم: هَذِهِ الأرْواحُ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها لا مُتَحَيِّزَةٌ، ولا حالَّةٌ في المُتَحَيِّزِ، وهي قادِرَةٌ عالِمَةٌ مُدْرِكَةٌ لِلْجُزْئِيّاتِ، واتِّصالُ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ بِها أسْهَلُ مِنِ اتِّصالِها بِالأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، إلّا أنَّ القُوَّةَ الحاصِلَةَ لِلنُّفُوسِ النّاطِقَةِ بِسَبَبِ اتِّصالِها بِهَذِهِ الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ أضْعَفُ مِنَ القُوَّةِ الحاصِلَةِ إلَيْها؛ بِسَبَبِ اتِّصالِها بِتِلْكَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، أمّا أنَّ الِاتِّصالَ أسْهَلُ فَلِأنَّ المُناسِبَةَ بَيْنَ نُفُوسِنا وبَيْنَ هَذِهِ الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ أسْهَلُ، ولِأنَّ المُشابَهَةَ والمُشاكَلَةَ بَيْنَهُما أتَمُّ وأشَدُّ مِنَ المُشاكَلَةِ بَيْنَ نُفُوسِنا وبَيْنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، وأمّا أنَّ القُوَّةَ بِسَبَبِ الِاتِّصالِ بِالأرْواحِ السَّماوِيَّةِ أقْوى؛ فَلِأنَّ الأرْواحَ السَّماوِيَّةَ هي بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ؛ كالشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشُّعْلَةِ، والبَحْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَطْرَةِ، والسُّلْطانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّعِيَّةِ.
قالُوا: وهَذِهِ الأشْياءُ وإنْ لَمْ يَقُمْ عَلى وُجُودِها بُرْهانٌ قاهِرٌ فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ والإمْكانِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَ الصَّنْعَةِ وأرْبابَ التَّجْرِبَةِ شاهَدُوا أنَّ الِاتِّصالَ بِهَذِهِ الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ يَحْصُلُ بِأعْمالٍ سَهْلَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الرُّقى والدُّخْنِ والتَّجْرِيدِ، فَهَذا النَّوْعُ هو المُسَمّى بِالعَزائِمِ، وعَمَلِ تَسْخِيرِ الجِنِّ.
النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ السِّحْرِ: التَّخَيُّلاتُ والأخْذُ بِالعُيُونِ، وهَذا الأخْذُ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّماتٍ:
إحْداها: أنَّ أغْلاطَ البَصَرِ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ راكِبَ السَّفِينَةِ إذا نَظَرَ إلى الشَّطِّ رَأى السَّفِينَةَ واقِفَةً والشَّطَّ مُتَحَرِّكًا. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى
صفحة ١٩٢
أنَّ السّاكِنَ يُرى مُتَحَرِّكًا، والمُتَحَرِّكَ يُرى ساكِنًا، والقَطْرَةَ النّازِلَةَ تُرى خَطًّا مُسْتَقِيمًا، والذُّبالَةَ الَّتِي تُدارُ بِسُرْعَةٍ تُرى دائِرَةً، والعِنَبَةَ تُرى في الماءِ كَبِيرَةً كالإجّاصَةِ، والشَّخْصَ الصَّغِيرَ يُرى في الضَّبابِ عَظِيمًا، وكَبُخارِ الأرْضِ الَّذِي يُرِيكَ قُرْصَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِها عَظِيمًا، فَإذا فارَقَتْهُ وارْتَفَعَتْ عَنْهُ صَغُرَتْ، وأمّا رُؤْيَةُ العَظِيمِ مِنَ البَعِيدِ صَغِيرًا فَظاهِرٌ، فَهَذِهِ الأشْياءُ قَدْ هَدَتِ العُقُولَ إلى أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قَدْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ لِبَعْضِ الأسْبابِ العارِضَةِ.
وثانِيها: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ إنَّما تَقِفُ عَلى المَحْسُوساتِ وُقُوفًا تامًّا إذا أدْرَكَتِ المَحْسُوسَ في زَمانٍ لَهُ مِقْدارٌ ما، فَأمّا إذا أدْرَكَتِ المَحْسُوسَ في زَمانٍ صَغِيرٍ جِدًّا ثُمَّ أدْرَكَتْ بَعْدَهُ مَحْسُوسًا آخَرَ، وهَكَذا فَإنَّهُ يَخْتَلِطُ البَعْضُ بِالبَعْضِ، ولا يَتَمَيَّزُ بَعْضُ المَحْسُوساتِ عَنِ البَعْضِ، وذَلِكَ فَإنَّ الرَّحى إذا أخْرَجْتَ مِن مَرْكَزِها إلى مُحِيطِها خُطُوطًا كَثِيرَةً بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ ثُمَّ اسْتَدارَتْ، فَإنَّ الحِسَّ يَرى لَوْنًا واحِدًا كَأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كُلِّ تِلْكَ الألْوانِ.
وثالِثُها: أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مَشْغُولَةً بِشَيْءٍ، فَرُبَّما حَضَرَ عِنْدَ الحِسِّ شَيْءٌ آخَرُ ولا يَشْعُرُ الحِسُّ بِهِ ألْبَتَّةَ، كَما أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلى السُّلْطانِ قَدْ يَلْقاهُ إنْسانٌ آخَرُ ويَتَكَلَّمُ مَعَهُ، فَلا يَعْرِفُهُ ولا يَفْهَمُ كَلامَهُ؛ لِما أنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ بِشَيْءٍ آخَرَ، وكَذا النّاظِرُ في المِرْآةِ فَإنَّهُ رُبَّما قَصَدَ أنْ يَرى قَذاةً في عَيْنِهِ فَيَراها، ولا يَرى ما هو أكْبَرُ مِنها، إنْ كانَ بِوَجْهِهِ أثَرٌ أوْ بِجَبْهَتِهِ أوْ بِسائِرِ أعْضائِهِ الَّتِي تُقابِلُ المِرْآةَ، ورُبَّما قَصَدَ أنْ يَرى سَطْحَ المِرْآةِ هَلْ هو مُسْتَوٍ أمْ لا، فَلا يَرى شَيْئًا مِمّا في المِرْآةِ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ سَهُلَ عِنْدَ ذَلِكَ تَصَوُّرُ كَيْفِيَّةِ هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشَعْبِذَ الحاذِقَ يُظْهِرُ عَمَلَ شَيْءٍ يَشْغَلُ أذْهانَ النّاظِرِينَ بِهِ، ويَأْخُذُ عُيُونَهم إلَيْهِ حَتّى إذا اسْتَغْرَقَهُمُ الشُّغْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ والتَّحْدِيقُ نَحْوَهُ؛ عَمِلَ شَيْئًا آخَرَ عَمَلًا بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ، فَيَبْقى ذَلِكَ العَمَلُ خَفِيًّا لِتَفاوُتِ الشَّيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: اشْتِغالُهم بِالأمْرِ الأوَّلِ.
والثّانِي: سُرْعَةُ الإتْيانِ بِهَذا العَمَلِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَهم شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ ما انْتَظَرُوهُ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنهُ جِدًّا، ولَوْ أنَّهُ سَكَتَ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَصْرِفُ الخَواطِرَ إلى ضِدِّ ما يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَهُ، ولَمْ تَتَحَرَّكِ النُّفُوسُ والأوْهامُ إلى غَيْرِ ما يُرِيدُ إخْراجَهُ، لَفَطِنَ النّاظِرُونَ لِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ المُشَعْبِذَ يَأْخُذُ بِالعُيُونِ؛ لِأنَّهُ بِالحَقِيقَةِ يَأْخُذُ العُيُونَ إلى غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي يَحْتالُ فِيها، وكُلَّما كانَ أخْذُهُ لِلْعُيُونِ والخَواطِرِ وجَذْبُهُ لَها إلى سِوى مَقْصُودِهِ أقْوى، كانَ أحَذَقَ في عَمَلِهِ، وكُلَّما كانَتِ الأحْوالُ الَّتِي تُفِيدُ حِسَّ البَصَرِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الخَلَلِ أشَدَّ، كانَ هَذا العَمَلُ أحْسَنَ، مِثْلَ أنْ يَجْلِسَ المُشَعْبِذُ في مَوْضِعٍ مُضِيءٍ جِدًّا، فَإنَّ البَصَرَ يُفِيدُ البَصَرَ كَلالًا واخْتِلالًا، وكَذا الظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ وكَذَلِكَ الألْوانُ المُشْرِقَةُ القَوِيَّةُ تُفِيدُ البَصَرَ كَلالًا واخْتِلالًا، والألْوانُ المُظْلِمَةُ قَلَّما تَقِفُ القُوَّةُ الباصِرَةُ عَلى أحْوالِها، فَهَذا مَجامِعُ القَوْلِ في هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ.
النَّوْعُ الخامِسُ مِنَ السِّحْرِ: الأعْمالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِن تَرْكِيبِ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسَبِ الهَنْدَسِيَّةِ تارَةً، وعَلى ضُرُوبِ الخُيَلاءِ أُخْرى، مِثْلَ: فارِسَيْنِ يَقْتَتِلانِ فَيَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ، وكَفارِسٍ عَلى فَرَسٍ في يَدِهِ بُوقٌ، كُلَّما مَضَتْ ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ ضَرَبَ البُوقَ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّهُ أحَدٌ، ومِنها الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُها الرُّومُ والهِنْدُ حَتّى لا يُفَرِّقَ النّاظِرُ بَيْنَها وبَيْنَ الإنْسانِ، حَتّى يُصَوِّرُونَها ضاحِكَةً وباكِيَةً، حَتّى يُفَرِّقَ فِيها بَيْنَ ضَحِكِ السُّرُورِ وبَيْنَ ضَحِكِ الخَجَلِ، وضَحِكِ الشّامِتِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِن لَطِيفِ أُمُورِ المَخايِلِ، وكانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا الضَّرْبِ، ومِن هَذا البابِ تَرْكِيبُ صُنْدُوقِ السّاعاتِ، ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ عِلْمُ جَرِّ الأثْقالِ، وهو أنْ يَجُرَّ ثَقِيلًا عَظِيمًا بِآلَةٍ خَفِيفَةٍ سَهْلَةٍ، وهَذا في الحَقِيقَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ مِن بابِ السِّحْرِ لِأنَّ لَها أسْبابًا
صفحة ١٩٣
مَعْلُومَةً نَفِيسَةً مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْها قَدَرَ عَلَيْها، إلّا أنَّ الِاطِّلاعَ عَلَيْها لَمّا كانَ عَسِيرًا شَدِيدًا لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا الفَرْدُ بَعْدَ الفَرْدِ، لا جَرَمَ عَدَّ أهْلُ الظّاهِرِ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ، ومِن هَذا البابِ عَمَلُ ”أرْجَعْيانُوسَ“ المُوسِيقارِ في هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ العَتِيقِ عِنْدَ تَجْدِيدِهِ إيّاهُ، وذَلِكَ أنَّهُ اتَّفَقَ لَهُ أنَّهُ كانَ مُجْتازًا بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَوَجَدَ فِيها فَرْخًا مِن فِراخِ البَراصِلِ، والبَراصِلُ هو طائِرٌ عَطُوفٌ، وكانَ يُصَفِّرُ صَفِيرًا حَزِينًا بِخِلافِ سائِرِ البَراصِلِ، وكانَتِ البَراصِلُ تَجِيئُهُ بِلَطائِفِ الزَّيْتُونِ فَتَطْرَحُها عِنْدَهُ، فَيَأْكُلُ بَعْضَها عِنْدَ حاجَتِهِ، ويَفْضُلُ بَعْضُها عَنْ حاجَتِهِ، فَوَقَفَ هَذا المُوسِيقارُ هُناكَ، وتَأمَّلَ حالَ ذَلِكَ الفَرْخِ، وعَلِمَ أنَّ في صَفِيرِهِ المُخالِفِ لِصَفِيرِ البَراصِلِ ضَرْبًا مِنَ التَّوَجُّعِ والِاسْتِعْطافِ حَتّى رَقَّتْ لَهُ الطُّيُورُ وجاءَتْهُ بِما يَأْكُلُهُ؛ فَتَلَطَّفَ بِعَمَلِ آلَةٍ تُشْبِهُ الصَّفّارَةَ، إذا اسْتَقْبَلَ الرِّيحَ بِها أدَّتْ ذَلِكَ الصَّفِيرَ، ولَمْ يَزَلْ يُجَرِّبُ ذَلِكَ حَتّى وثِقَ بِها، وجاءَتْهُ البَراصِلُ بِالزَّيْتُونِ كَما كانَتْ تَجِيءُ إلى ذَلِكَ الفَرْخِ؛ لِأنَّها تَظُنُّ أنَّ هُناكَ فَرْخًا مِن جِنْسِها، فَلَمّا صَحَّ لَهُ ما أرادَ أظْهَرَ النُّسُكَ وعَمَدَ إلى هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ، وسَألَ عَنِ اللَّيْلَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيها ”أُسْطُرْخُسُ“ النّاسِكُ القَيِّمُ بِعِمارَةِ ذَلِكَ الهَيْكَلِ؛ فَأُخْبِرَ أنَّهُ دُفِنَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن آبَ، فاتَّخَذَ صُورَةً مِن زُجاجٍ مُجَوَّفٍ عَلى هَيْئَةِ البَرْصَلَةِ، ونَصَبَها فَوْقَ ذَلِكَ الهَيْكَلِ، وجَعَلَ فَوْقَ تِلْكَ الصُّورَةِ قُبَّةً، وأمَرَهم بِفَتْحِها في أوَّلِ آبَ، وكانَ يُظْهِرُ صَوْتَ البَرْصَلَةِ بِسَبَبِ نُفُوذِ الرِّيحِ في تِلْكَ الصُّورَةِ، وكانَتِ البَراصِلُ تَجِيءُ بِالزَّيْتُونِ حَتّى كانَتْ تَمْتَلِئُ تِلْكَ القُبَّةُ كُلَّ يَوْمٍ مِن ذَلِكَ الزَّيْتُونِ، والنّاسُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ مِن كَراماتِ ذَلِكَ المَدْفُونِ، ويَدْخُلُ في البابِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ لا يَلِيقُ شَرْحُها في هَذا المَوْضِعِ.
النَّوْعُ السّادِسُ مِنَ السِّحْرِ: الِاسْتِعانَةُ بِخَواصِّ الأدْوِيَةِ مِثْلَ أنْ يَجْعَلَ في طَعامِهِ بَعْضَ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ المُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ، والدُّخْنِ المُسْكِرَةِ، نَحْوَ دِماغِ الحِمارِ إذا تَناوَلَهُ الإنْسانُ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ وقَلَّتْ فِطْنَتُهُ. واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِ الخَواصِّ فَإنَّ أثَرَ المِغْناطِيسِ مَشاهَدٌ إلّا أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ، وخَلَطُوا الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، والباطِلَ بِالحَقِّ.
النَّوْعُ السّابِعُ مِنَ السِّحْرِ: تَعْلِيقُ القَلْبِ، وهو أنْ يَدَّعِيَ السّاحِرُ أنَّهُ قَدْ عَرَفَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأنَّ الجِنَّ يُطِيعُونَهُ ويَنْقادُونَ لَهُ في أكْثَرِ الأُمُورِ، فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَ السّامِعُ لِذَلِكَ ضَعِيفَ العَقْلِ قَلِيلَ التَّمْيِيزِ، اعْتَقَدَ أنَّهُ حَقٌّ وتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ، وحَصَلَ في نَفْسِهِ نَوْعٌ مِنَ الرُّعْبِ والمَخافَةِ، وإذا حَصَلَ الخَوْفُ ضَعُفَتِ القُوى الحَسّاسَةُ؛ فَحِينَئِذٍ يَتَمَكَّنَ السّاحِرُ مِن أنْ يَفْعَلَ حِينَئِذٍ ما يَشاءُ، وإنَّ مَن جَرَّبَ الأُمُورَ وعَرَفَ أحْوالَ أهْلِ العِلْمِ، عَلِمَ أنَّ لِتَعَلُّقِ القَلْبِ أثَرًا عَظِيمًا في تَنْفِيذِ الأعْمالِ وإخْفاءِ الأسْرارِ.
النَّوْعُ الثّامِنُ مِنَ السِّحْرِ: السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ، والتَّضْرِيبِ مِن وُجُوهٍ خَفِيفَةٍ لَطِيفَةٍ، وذَلِكَ شائِعٌ في النّاسِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في أقْسامِ السِّحْرِ، وشَرْحُ أنْواعِهِ وأصْنافِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في أقْوالِ المُسْلِمِينَ في أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ هَلْ هي مُمْكِنَةٌ أمْ لا ؟
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى إنْكارِها إلّا النَّوْعَ المَنسُوبَ إلى التَّخَيُّلِ، والمَنسُوبَ إلى إطْعامِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ، والمَنسُوبَ إلى التَّضْرِيبِ والنَّمِيمَةِ، فَأمّا الأقْسامُ الخَمْسَةُ الأُوَلُ فَقَدْ أنْكَرُوها، ولَعَلَّهم كَفَّرُوا مَن قالَ بِها وجَوَّزَ وُجُودَها.
وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَقْدِرَ السّاحِرُ عَلى أنْ يَطِيرَ في الهَواءِ، ويَقْلِبَ الإنْسانَ حِمارًا، والحِمارَ إنْسانًا، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو الخالِقُ لِهَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَما يَقْرَأُ السّاحِرُ رُقًى مَخْصُوصَةً وكَلِماتٍ مُعَيَّنَةً. فَأمّا أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في ذَلِكَ الفَلَكُ والنُّجُومُ فَلا.
وأمّا الفَلاسِفَةُ والمُنَجِّمُونَ والصّابِئَةُ فَقَوْلُهم عَلى ما سَلَفَ تَقْرِيرُهُ،
صفحة ١٩٤
واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى فَسادِ قَوْلِ الصّابِئَةِ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُوجِدُهُ قادِرًا، والشَّيْءُ الَّذِي حَكَمَ العَقْلُ بِأنَّهُ مَقْدُورٌ إنَّما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، والإمْكانُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كُلِّ المُمْكِناتِ، فَإذَنْ كُلُّ المُمْكِناتِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى، ولَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَقْدُوراتِ بِسَبَبٍ آخَرَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ مُزِيلًا لِتَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ المَقْدُورِ، فَيَكُونُ الحادِثُ سَبَبًا لِعَجْزِ اللَّهِ، وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وعِنْدَهُ يَبْطُلُ كُلُّ ما قالَهُ الصّابِئَةُ، قالُوا: إذا ثَبَتَ هَذا فَنَدَّعِي أنَّهُ يَمْتَنِعُ وُقُوعُ هَذِهِ الخَوارِقِ بِإجْراءِ العادَةِ عِنْدَ سِحْرِ السَّحَرَةِ، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى وُقُوعِ هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ.
أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، والِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الآثارِ بِسَبَبِهِ، وأمّا الأخْبارُ فَهي وارِدَةٌ عَنْهُ ﷺ مُتَواتِرَةً وآحادًا:
أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُحِرَ، وأنَّ السِّحْرَ عَمِلَ فِيهِ حَتّى قالَ: ”«إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيَّ أنِّي أقُولُ الشَّيْءَ وأفْعَلُهُ، ولَمْ أقُلْهُ ولَمْ أفْعَلْهُ» “، وأنَّ امْرَأةً يَهُودِيَّةً سَحَرَتْهُ، وجَعَلَتْ ذَلِكَ السِّحْرَ تَحْتَ راعُوفَةِ البِئْرِ، فَلَمّا اسْتُخْرِجَ ذَلِكَ زالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ العارِضُ، وأُنْزِلَ المُعَوِّذَتانِ بِسَبَبِهِ.
وثانِيها: أنَّ امْرَأةً أتَتْ عائِشَةً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَقالَتْ لَها: إنِّي ساحِرَةٌ فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَقالَتْ: وما سِحْرُكِ ؟ فَقالَتْ: صِرْتُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ هارُوتُ ومارُوتُ بِبابِلَ لِطَلَبِ عِلْمِ السِّحْرِ؛ فَقالا لِي: يا أمَةَ اللَّهِ لا تَخْتارِي عَذابَ الآخِرَةِ بِأمْرِ الدُّنْيا، فَأبَيْتُ، فَقالا لِي: اذْهَبِي فَبُولِي عَلى ذَلِكَ الرَّمادِ، فَذَهَبْتُ لِأبُولَ عَلَيْهِ، فَفَكَّرْتُ في نَفْسِي، فَقُلْتُ: لا أفْعَلُ. وجِئْتُ إلَيْهِما، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقالا لِي: ما رَأيْتِ لَمّا فَعَلْتِ ؟ فَقُلْتُ: ما رَأيْتُ شَيْئًا. فَقالا لِي: أنْتِ عَلى رَأْسِ أمْرٍ؛ فاتَّقِي اللَّهَ ولا تَفْعَلِي، فَأبَيْتُ؛ فَقالا لِي: اذْهَبِي فافْعَلِي، فَذَهَبْتُ فَفَعَلْتُ، فَرَأيْتُ كَأنَّ فارِسًا مُقَنَّعًا بِالحَدِيدِ قَدْ خَرَجَ مِن فَرْجِي، فَصَعِدَ إلى السَّماءِ، فَجِئْتُهُما فَأخْبَرْتُهُما، فَقالا: إيمانُكِ قَدْ خَرَجَ عَنْكِ، وقَدْ أحْسَنْتِ السِّحْرَ، فَقُلْتُ: وما هو ؟ قالا: ما تُرِيدِينَ شَيْئًا فَتُصَوِّرِيهِ في وهْمِكِ إلّا كانَ، فَصَوَّرْتُ في نَفْسِي حَبًّا مِن حِنْطَةٍ، فَإذا أنا بِحَبٍّ، فَقُلْتُ: انْزَرِعْ. فانْزَرَعَ فَخَرَجَ مِن ساعَتِهِ سُنْبُلًا، فَقُلْتُ: انْطَحِنْ. فانْطَحَنَ مِن ساعَتِهِ، فَقُلْتُ: انْخَبِزْ. فانْخَبَزَ، وأنا لا أُرِيدُ شَيْئًا أُصَوِّرُهُ في نَفْسِي إلّا حَصَلَ، فَقالَتْ عائِشَةُ: لَيْسَ لَكِ تَوْبَةٌ.
وثالِثُها: ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ الحِكاياتِ الكَثِيرَةِ في هَذا البابِ، وهي مَشْهُورَةٌ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى إنْكارِهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى في وصْفِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]، ولَوْ صارَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْحُورًا لَما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ مِنَ السِّحْرِ فَكَيْفَ يَتَمَيَّزُ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ الدَّلائِلُ يَقِينِيَّةٌ، والأخْبارُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها مِن بابِ الآحادِ فَلا تَصْلُحُ مُعارِضَةً لِهَذِهِ الدَّلائِلِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في أنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ غَيْرُ قَبِيحٍ ولا مَحْظُورٌ: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِلْمَ لِذاتِهِ شَرِيفٌ، وأيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ولِأنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ لَما أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزِ، والعِلْمُ بِكَوْنِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا واجِبٌ، وما يَتَوَقَّفُ الواجِبُ عَلَيْهِ فَهو واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ واجِبًا، وما يَكُونُ واجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وقَبِيحًا.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في أنَّ السّاحِرَ قَدْ يُكَفَّرُ أمْ لا، اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في أنَّ السّاحِرَ هَلْ يُكَفَّرُ أمْ لا ؟ رُوِيَ
صفحة ١٩٥
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن أتى كاهِنًا أوْ عَرّافًا فَصَدَّقَهُما بِقَوْلٍ، فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ» “ عَلَيْهِ السَّلامُ، واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ بَيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ الكَواكِبَ هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، وهي الخالِقَةُ لِما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ والخَيْراتِ والشُّرُورِ، فَإنَّهُ يَكُونُ كافِرًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا هو النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ السِّحْرِ.
أمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ رُوحُ الإنْسانِ في التَّصْفِيَةِ والقُوَّةِ إلى حَيْثُ يَقْدِرُ بِها عَلى إيجادِ الأجْسامِ والحَياةِ والقُدْرَةِ وتَغْيِيرِ البِنْيَةِ والشَّكْلِ، فالأظْهَرُ إجْماعُ الأُمَّةِ أيْضًا عَلى تَكْفِيرِهِ.
أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنْ يَعْتَقِدَ السّاحِرُ أنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ في التَّصْفِيَةِ وقِراءَةِ الرُّقى وتَدْخِينِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ، إلى حَيْثُ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ أفْعالِهِ عَلى سَبِيلِ العادَةِ الأجْسامَ والحَياةَ والعَقْلَ وتَغْيِيرَ البِنْيَةِ والشَّكْلِ، فَهَهُنا المُعْتَزِلَةُ اتَّفَقُوا عَلى تَكْفِيرِ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ؛ قالُوا: لِأنَّهُ مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ صِدْقَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وهَذا رَكِيكٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الإنْسانَ لَوِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وكانَ كاذِبًا في دَعْواهُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى يَدِهِ؛ لِئَلّا يَحْصُلَ التَّلْبِيسُ، أمّا إذا لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ هَذِهِ الأشْياءَ عَلى يَدِهِ لَمْ يُفْضِ ذَلِكَ إلى التَّلْبِيسِ، فَإنَّ المُحِقَّ يَتَمَيَّزُ عَنِ المُبْطِلِ بِما أنَّ المُحِقَّ تَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الأشْياءُ مَعَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، والمُبْطِلَ لا تَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الأشْياءُ مَعَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ.
وأمّا سائِرُ الأنْواعِ الَّتِي عَدَدْناها مِنَ السِّحْرِ فَلا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا أضافُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ قالَ اللَّهُ تَعالى تَنْزِيهًا لَهُ عَنْهُ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ وهَذا أيْضًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ السِّحْرُ عَلى الإطْلاقِ كُفْرًا.
وحَكى عَنِ المَلَكَيْنِ أنَّهُما لا يُعَلِّمانِ أحَدًا السِّحْرَ حَتّى يَقُولا: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ، قُلْنا: حِكايَةُ الحالِ يَكْفِي في صِدْقِها صُورَةٌ واحِدَةٌ، فَنَحْمِلُها عَلى سِحْرِ مَن يَعْتَقِدُ إلَهِيَّةَ النُّجُومِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في أنَّهُ هَلْ يَجِبُ قَتْلُهم أمْ لا ؟ .
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَعْتَقِدَ في الكَواكِبِ كَوْنَها آلِهَةً مُدَبِّرَةً.
والنَّوْعُ الثّانِي: وهو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ السّاحِرَ قَدْ يَصِيرُ مَوْصُوفًا بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ، وخَلْقِ الحَياةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ وتَرْكِيبِ الأشْكالِ، فَلا شَكَّ في كُفْرِهِما، فالمُسْلِمُ إذا أتى بِهَذا الِاعْتِقادِ كانَ كالمُرْتَدِّ يُسْتَتابُ؛ فَإنْ أصَرَّ قُتِلَ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، لَنا أنَّهُ أسْلَمَ، فَيُقْبَلُ إسْلامُهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ» “ .
أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِخَلْقِ الأجْسامِ والحَياةِ وتَغْيِيرِ الشَّكْلِ والهَيْئَةِ عِنْدَ قِراءَةِ بَعْضِ الرُّقى، وتَدْخِينِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ، فالسّاحِرُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ يُمْكِنُ الوُصُولُ إلى اسْتِحْداثِ الأجْسامِ والحَياةِ وتَغْيِيرِ الخِلْقَةِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ كُفْرٌ، قالُوا: لِأنَّهُ مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ لا يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزِ عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، وهَذا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: الفَرْقُ هو أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إنْ كانَ صادِقًا في دَعْواهُ أمْكَنَهُ الإتْيانُ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وإنْ كانَ كاذِبًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ. إذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ وثَبَتَ أنَّهُ مُمْكِنُ الوُقُوعِ، فَإذا أتى السّاحِرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّ إتْيانَهُ بِهِ مُباحٌ كَفَرَ؛ لِأنَّهُ حَكَمَ عَلى المَحْظُورِ بِكَوْنِهِ مُباحًا، وإنِ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الجِنايَةِ، إنْ قالَ: إنِّي سَحَرْتُهُ وسِحْرِي يَقْتُلُ غالِبًا، يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ، وإنْ قالَ: سَحَرْتُهُ، وسِحْرِي قَدْ يَقْتُلُ وقَدْ لا يَقْتُلُ. فَهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإنْ قالَ: سَحَرْتُ غَيْرَهُ، فَوافَقَ اسْمَهُ فَهو خَطَأٌ تَجِبُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً في مالِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِإقْرارِهِ إلّا أنْ تُصَدِّقَهُ العاقِلَةُ، فَحِينَئِذٍ العاقِلَةُ تَجِبُ عَلَيْهِمْ. هَذا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ
صفحة ١٩٦
أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: يُقْتَلُ السّاحِرُ إذا عُلِمَ أنَّهُ ساحِرٌ، ولا يُسْتَتابُ ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنِّي أتْرُكُ السِّحْرَ وأتُوبُ مِنهُ، فَإذا أقَرَّ أنَّهُ ساحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ، وإنْ شَهِدَ شاهِدانِ عَلى أنَّهُ ساحِرٌ أوْ وصَفُوهُ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أنَّهُ ساحِرٌ قُتِلَ ولا يُسْتَتابُ، وإنْ أقَرَّ بِأنِّي كُنْتُ أسْحَرُ مَرَّةً، وقَدْ تَرَكْتُ ذَلِكَ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ مِنهُ ولَمْ يُقْتَلْ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ شُجاعٍ عَنْ عَلِيٍّ الرّازِيِّ، قالَ: سَألْتُ أبا يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في السّاحِرِ: يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المُرْتَدِّ، فَقالَ: السّاحِرُ جَمَعَ مَعَ كُفْرِهِ السَّعْيَ في الأرْضِ بِالفَسادِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ إذا قَتَلَ قُتِلَ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ هَذا النَّوْعَ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَهو فِسْقٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ جِنايَةً عَلى حَقِّ الغَيْرِ كانَ الحَقُّ هو التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
الثّانِي: أنَّ ساحِرَ اليَهُودِ لا يُقْتَلُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ، وامْرَأةٌ مَن يَهُودِ خَيْبَرَ يُقالُ لَها: زَيْنَبُ، فَلَمْ يَقْتُلْهُما؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ، وعَلَيْهِمْ ما عَلى المُسْلِمِينَ» “ .
واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى قَوْلِهِ بِأخْبارٍ:
أحَدُها: ما رَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ جارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْها، وأخَذُوها فاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَها، فَبَلَغَ عُثْمانَ فَأنْكَرَهُ، فَأتاهُ ابْنُ عُمَرَ وأخْبَرَهُ أمْرَها، فَكَأنَّ عُثْمانَ إنَّما أنْكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها قَتَلَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وثانِيها: ما رَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ أنَّهُ ورَدَ كِتابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنِ اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ؛ فَقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ.
وثالِثُها: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ هَؤُلاءِ العَرّافِينَ كُهّانُ العَجَمِ، فَمَن أتى كاهِنًا يُؤْمِنُ لَهُ بِما يَقُولُ: فَقَدْ بَرِئَ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
والجَوابُ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ الَّذِينَ قُتِلُوا كانُوا مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ حِكايَةَ الحالِ يَكْفِي في صِدْقِها صُورَةٌ واحِدَةٌ، وأمّا سائِرُ أنْواعِ السِّحْرِ، أعْنِي الإتْيانَ بِضُرُوبِ الشَّعْبَذَةِ والآلاتِ العَجِيبَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى ضُرُوبِ الخُيَلاءِ، والمَبْنِيَّةِ عَلى النِّسَبِ الهَنْدَسِيَّةِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيمَن يُوهِمُ ضُرُوبًا مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّقْرِيعِ حَتّى يَصِيرَ مَن بِهِ السَّوْداءُ مُحْكِمَ الِاعْتِقادِ فِيهِ، ويَتَمَشّى بِالتَّضْرِيبِ والنَّمِيمَةِ ويَحْتالُ في إيقاعِ الفُرْقَةِ بَعْدَ الوَصْلَةِ، ويُوهِمُ أنَّ ذَلِكَ بِكِتابَةٍ يَكْتُبُها مِنَ الِاسْمِ الأعْظَمِ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في دَفْنِ الأشْياءِ الوَسِخَةِ في دُورِ النّاسِ، وكَذا القَوْلُ في إيهامِ أنَّ الجِنَّ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكَذا القَوْلُ فِيمَن يَدُسُّ الأدْوِيَةَ المُبَلِّدَةَ في الأطْعِمَةِ، فَإنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لا يَبْلُغُ حَدَّ الكُفْرِ، ولا يُوجِبُ القَتْلَ ألْبَتَّةَ، فَهَذا هو الكَلامُ الكُلِّيُّ في السِّحْرِ، واللَّهُ الكافِي والواقِي، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم إنَّما كَفَرُوا لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ؛ لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، وتَعْلِيمُ ما لا يَكُونُ كُفْرًا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَصارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، وعَلى أنَّ السِّحْرَ أيْضًا كُفْرٌ، ولِمَن مَنَعَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، بَلِ المَعْنى أنَّهم كَفَرُوا وهم مَعَ ذَلِكَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، فَإنْ قِيلَ: هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ في آخِرِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَيْنِ يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، فَلَوْ كانَ تَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرًا لَزِمَ تَكْفِيرُ المَلَكَيْنِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ بِأسْرِهِمْ مَعْصُومُونَ، وأيْضًا فَلِأنَّكم قَدْ دَلَلْتُمْ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما يُسَمّى سِحْرًا فَهو كُفْرٌ. قُلْنا: اللَّفْظُ المُشْتَرَكُ لا يَكُونُ عامًّا في جَمِيعِ مُسَمَّياتِهِ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ هَذا السِّحْرَ الَّذِي هو كُفْرٌ عَلى النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الأشْياءِ المُسَمّاةِ بِالسِّحْرِ، وهو اعْتِقادُ إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ والِاسْتِعانَةُ بِها في إظْهارِ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ، فَهَذا السِّحْرُ كُفْرٌ، والشَّياطِينُ إنَّما كَفَرُوا لِإتْيانِهِمْ بِهَذا السِّحْرِ لا بِسائِرِ الأقْسامِ.
صفحة ١٩٧
وأمّا المَلَكانِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُما عَلَّما هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ، بَلْ لَعَلَّهم يُعَلِّمانِ سائِرَ الأنْواعِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما عَلَّما هَذا النَّوْعَ، لَكِنَّ تَعْلِيمَ هَذا النَّوْعِ إنَّما يَكُونُ كُفْرًا إذا قَصَدَ المُعَلِّمُ أنْ يُعْتَقَدَ حَقِيقَتُهُ وكَوْنُهُ صَوابًا، فَأمّا أنْ يُعَلِّمَهُ لِيُحْتَرَزَ عَنْهُ، فَهَذا التَّعْلِيمُ لا يَكُونُ كُفْرًا، وتَعْلِيمُ المَلائِكَةِ كانَ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ المُكَلَّفُ مُحْتَرِزًا عَنْهُ عَلى ما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُما: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ وأمّا الشَّياطِينُ الَّذِينَ عَلَّمُوا النّاسَ السِّحْرَ فَكانَ مَقْصُودُهُمُ اعْتِقادَ حَقِيقَةِ هَذِهِ الأشْياءِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِ ”لَكِنَّ“ و”الشَّياطِينَ“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْمُ ”لَكِنَّ“ والباقُونَ: ”لَكِنْ“ بِالتَّخْفِيفِ و”الشَّياطِينُ“ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى واحِدٌ، وكَذَلِكَ في الأنْفالِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] والِاخْتِيارُ أنَّهُ إذا كانَ بِالواوِ كانَ التَّشْدِيدُ أحْسَنَ، وإذا كانَ بِغَيْرِ الواوِ فالتَّخْفِيفُ أحْسَنُ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّ ”لَكِنْ“ بِالتَّخْفِيفِ يَكُونُ عَطْفًا فَلا يَحْتاجُ إلى الواوِ لِاتِّصالِ الكَلامِ، والمُشَدَّدَةُ لا تَكُونُ عَطْفًا؛ لِأنَّها تَعْمَلُ عَمَلَ ”إنَّ“ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي، ثُمَّ هَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ”السِّحْرِ“ أيْ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، ويُعَلِّمُونَهم ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ أيْضًا.
وثانِيها: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيْ: واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ؛ لِأنَّ السِّحْرَ مِنهُ ما هو كُفْرٌ، وهو الَّذِي تَلَتْهُ الشَّياطِينُ، ومِنهُ ما تَأْثِيرُهُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، وهو الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ اليَهُودِ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا كِلا الأمْرَيْنِ، ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أحَدِهِما.
وثالِثُها: أنَّ مَوْضِعَهُ جَرٌّ عَطْفًا عَلى ﴿مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ وتَقْدِيرُهُ: ما تَتْلُوهُ الشَّياطِينُ افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وعَلى ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وأنْكَرَ في المَلَكَيْنِ أنْ يَكُونَ السِّحْرُ نازِلًا عَلَيْهِما، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ السِّحْرَ لَوْ كانَ نازِلًا عَلَيْهِما لَكانَ مُنْزِلُهُ هو اللَّهَ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لَأنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ وعَبَثٌ، ولا يَلِيقُ بِاللَّهِ إنْزالُ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، فَلَوْ ثَبَتَ في المَلائِكَةِ أنَّهم يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ لَزِمَهُمُ الكُفْرُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
الثّالِثُ: كَما لا يَجُوزُ في الأنْبِياءِ أنْ يُبْعَثُوا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَكَذَلِكَ في المَلائِكَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
الرّابِعُ: أنَّ السِّحْرَ لا يَنْضافُ إلّا إلى الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ والشَّياطِينِ المَرَدَةِ، وكَيْفَ يُضافُ إلى اللَّهِ ما يَنْهى عَنْهُ ويَتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالعِقابِ ؟ وهَلِ السِّحْرُ إلّا الباطِلُ المُمَوَّهُ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِإبْطالِهِ كَما قالَ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ سَلَكَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَهْجًا آخَرَ يُخالِفُ قَوْلَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ: كَما أنَّ الشَّياطِينَ نَسَبُوا السِّحْرَ إلى مُلْكِ سُلَيْمانَ مَعَ أنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَكَذَلِكَ نَسَبُوا ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ إلى السِّحْرِ مَعَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِما كانَ مُبَرَّأً عَنِ السِّحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِما كانَ هو الشَّرْعَ والدِّينَ والدُّعاءَ إلى الخَيْرِ، وإنَّما كانا يُعَلِّمانِ النّاسَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِما: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ تَوْكِيدًا لِبَعْثِهِمْ عَلى القَبُولِ والتَّمَسُّكِ، وكانَتْ طائِفَةٌ تَتَمَسَّكُ وأُخْرى
صفحة ١٩٨
تُخالِفُ وتَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ ويَتَعَلَّمُونَ مِنهُما - أيْ: مِنَ الفِتْنَةِ والكُفْرِ - مِقْدارَ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ أبِي مُسْلِمٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الجَحْدِ ويَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَكْفُرْ سُلَيْمانُ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ سِحْرٌ؛ لِأنَّ السَّحَرَةَ كانَتْ تُضِيفُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَزْعُمُ أنَّهُ مِمّا أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ جَحْدٌ أيْضًا، أيْ: لا يُعَلِّمانِ أحَدًا، بَلْ يَنْهَيانِ عَنْهُ أشَدَّ النَّهْيِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيِ: ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾، وهو كَقَوْلِكَ: ما أمَرْتُ فُلانًا بِكَذا حَتّى قُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ كَذا نالَكَ كَذا، أيْ: ما أمَرْتُ بِهِ بَلْ حَذَّرْتُهُ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ وإنْ كانَتْ حَسَنَةً إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أحْسَنُ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ﴾ عَلى ما يَلِيهِ أوْلى مِن عَطْفِهِ عَلى ما بَعُدَ عَنْهُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، أمّا قَوْلُهُ: لَوْ نَزَلَ السِّحْرُ عَلَيْهِما لَكانَ مُنْزِلُ ذَلِكَ السِّحْرِ هو اللَّهَ تَعالى. قُلْنا: تَعْرِيفُ صِفَةِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّرْغِيبِ في إدْخالِهِ في الوُجُودِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ أنْ يَقَعَ الِاحْتِرازُ عَنْهُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾، فالجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ واقِعَةُ حالٍ، فَيَكْفِي في صِدْقِها صُورَةٌ واحِدَةٌ، وهي ما إذا اشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ سِحْرِ مَن يَقُولُ بِإلَهِيَّةِ الكَواكِبِ، ويَكُونُ قَصْدُهُ مِن ذَلِكَ التَّعْلِيمِ إثْباتَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ حَقٌّ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَكَذا المَلائِكَةُ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَعْلِيمِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ التَّعْلِيمِ التَّنْبِيهَ عَلى إبْطالِهِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّما يُضافُ السِّحْرُ إلى الكَفَرَةِ والمَرَدَةِ، فَكَيْفَ يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى ما يَنْهى عَنْهُ ؟ قُلْنا: فَرْقٌ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَ التَّعْلِيمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَمَلُ مَنهِيًّا عَنْهُ ؟ وأمّا تَعْلِيمُهُ لِغَرَضِ التَّنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللّامِ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الحَسَنُ: كانا عِلْجَيْنِ أقْلَفَيْنِ بِبابِلَ يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، وقِيلَ: كانا رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ مِنَ المُلُوكِ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِفَتْحِ اللّامِ، وهُما كانا مَلَكَيْنِ نَزَلا مِنَ السَّماءِ، وهارُوتُ ومارُوتُ اسْمانِ لَهُما، وقِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما، أمّا الَّذِينَ كَسَرُوا اللّامَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ تَعْلِيمُ السِّحْرِ.
وثانِيها: كَيْفَ يَجُوزُ إنْزالُ المَلَكَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] .
وثالِثُها: لَوْ أنْزَلَ المَلَكَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَجْعَلَهُما في صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ أوْ لا يَجْعَلَهُما كَذَلِكَ، فَإنْ جَعَلَهُما في صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ مَعَ أنَّهُما لَيْسا بِرَجُلَيْنِ كانَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا وتَلْبِيسًا عَلى النّاسِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ نُشاهِدُهم لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ إنْسانًا، بَلْ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ ؟ وإنْ لَمْ يَجْعَلْهُما في صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا سَنُبَيِّنُ وجْهَ الحِكْمَةِ في إنْزالِ المَلائِكَةِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، وعَنِ
صفحة ١٩٩
الثّانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ وقِراءَةُ المَلَكَيْنِ بِفَتْحِ اللّامِ مُتَواتِرَةٌ وخاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وعَنِ الثّالِثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما في صُورَةِ رَجُلَيْنِ، وكانَ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِينَ في زَمانِ الأنْبِياءِ أنْ لا يَقْطَعُوا عَلى مَن صُورَتُهُ صُورَةُ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ إنْسانًا، كَما أنَّهُ في زَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ الواجِبُ عَلى مَن شاهَدَ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ ألّا يَقْطَعَ بِكَوْنِهِ مِنَ البَشَرِ، بَلِ الواجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا قُلْنا بِأنَّهُما كانا مِنَ المَلائِكَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِهِما، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِآدَمَ وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ عَلَيْهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، فَكانُوا يَعْرُجُونَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَجِبَتِ المَلائِكَةُ مِنهم ومِن تَبْقِيَةِ اللَّهِ لَهم مَعَ ما ظَهَرَ مِنهم مِنَ القَبائِحِ، ثُمَّ أضافُوا إلَيْها عَمَلَ السِّحْرِ فازْدادَ تَعَجُّبُ المَلائِكَةِ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْتَلِيَ المَلائِكَةَ، فَقالَ لَهُمُ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِن أعْظَمِ المَلائِكَةِ عِلْمًا وزُهْدًا ودِيانَةً لِأُنْزِلَهُما إلى الأرْضِ فَأخْتَبِرَهُما، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، ورَكَّبَ فِيهِما شَهْوَةَ الإنْسِ، وأنْزَلَهُما ونَهاهُما عَنِ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا والشُّرْبِ، فَنَزَلا فَذَهَبَتْ إلَيْهِما امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، وهي الزُّهَرَةُ فَراوَداها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ أنْ تُطِيعَهُما إلّا بَعْدَ أنْ يَعْبُدا الصَّنَمَ، وإلّا بَعْدَ أنْ يَشْرَبا الخَمْرَ، فامْتَنَعا أوَّلًا، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَأطاعاها في كُلِّ ذَلِكَ، فَعِنْدَ إقْدامِهِما عَلى الشُّرْبِ وعِبادَةِ الصَّنَمِ دَخَلَ سائِلٌ عَلَيْهِمْ، فَقالَتْ: إنْ أظْهَرَ هَذا السّائِلُ لِلنّاسِ ما رَأى مِنّا فَسَدَ أمْرُنا، فَإنْ أرَدْتُما الوُصُولَ إلَيَّ فاقْتُلا هَذا الرَّجُلَ، فامْتَنَعا مِنهُ ثُمَّ اشْتَغَلا بِقَتْلِهِ، فَلَمّا فَرَغا مِنَ القَتْلِ وطَلَبا المَرْأةَ فَلَمْ يَجِداها، ثُمَّ إنَّ المَلَكَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ نَدِما وتَحَسَّرا وتَضَرَّعا إلى اللَّهِ تَعالى، فَخَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، وهُما يُعَذَّبانِ بِبابِلَ مُعَلَّقانِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، ثُمَّ لَهم في الزُّهَرَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ابْتَلى المَلَكَيْنِ بِشَهْوَةِ بَنِي آدَمَ، أمَرَ اللَّهُ الكَوْكَبَ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الزُّهَرَةُ وفَلَكَها أنِ اهْبِطا إلى الأرْضِ، إلى أنْ كانَ ما كانَ، فَحِينَئِذٍ ارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ وفَلَكُها إلى مَوْضِعِهِما مِنَ السَّماءِ مُوَبِّخَيْنِ لَهُما عَلى ما شاهَداهُ مِنهُما.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَرْأةَ فاجِرَةٌ مِن أهْلِ الأرْضِ، وواقَعاها بَعْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وعِبادَةِ الصَّنَمِ، ثُمَّ عَلَّماها الِاسْمَ الَّذِي كانا بِهِ يَعْرُجانِ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ بِهِ وعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، وكانَ اسْمُها ”بِيدَخْتَ“ فَمَسَخَها اللَّهُ، وجَعَلَها هي الزُّهَرَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ فاسِدَةٌ، مَرْدُودَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ ما يُبْطِلُها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلالَةِ الدّالَّةِ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهم: إنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ فاسِدٌ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُخَيَّرا بَيْنَ التَّوْبَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ بَيْنَهُما مَن أشْرَكَ بِهِ طُولَ عُمُرِهِ، فَكَيْفَ يَبْخَلُ عَلَيْهِما بِذَلِكَ ؟ .
وثالِثُها: أنَّ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ قَوْلَهم: إنَّهُما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ في حالِ كَوْنِهِما مُعَذَّبَيْنِ، ويَدْعُوانِ إلَيْهِ وهُما يُعاقَبانِ، ولَمّا ظَهَرَ فَسادُ هَذا القَوْلِ فَنَقُولُ: السَّبَبُ في إنْزالِهِما وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ السَّحَرَةَ كَثُرَتْ في ذَلِكَ الزَّمانِ، واسْتَنْبَطَتْ أبْوابًا غَرِيبَةً في السِّحْرِ، وكانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ، ويَتَحَدَّوْنَ النّاسَ بِها، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِأجْلِ أنْ يُعَلِّما النّاسَ أبْوابَ السِّحْرِ، حَتّى يَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ كَذِبًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أحْسَنِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ.
وثانِيها: أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ المُعْجِزَةِ مُخالِفَةً لِلسِّحْرِ
صفحة ٢٠٠
مُتَوَقِّفٌ عَلى العِلْمِ بِماهِيَّةِ المُعْجِزَةِ وبِماهِيَّةِ السِّحْرِ، والنّاسُ كانُوا جاهِلِينَ بِماهِيَّةِ السِّحْرِ، فَلا جَرَمَ، هَذا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ المُعْجِزَةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِتَعْرِيفِ ماهِيَّةِ السِّحْرِ؛ لِأجْلِ هَذا الغَرَضِ.
وثالِثُها: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: السِّحْرُ الَّذِي يُوقِعُ الفُرْقَةَ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ والأُلْفَةَ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ كانَ مُباحًا عِنْدَهم أوْ مَندُوبًا، فاللَّهُ تَعالى بَعَثَ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ لِهَذا الغَرَضِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِنهُما، واسْتَعْمَلُوهُ في الشَّرِّ وإيقاعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ والأُلْفَةِ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ.
ورابِعُها: أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ، ولَمّا كانَ السِّحْرُ مَنهِيًّا عَنْهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا مَعْلُومًا؛ لِأنَّ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا امْتَنَعَ النَّهْيُ عَنْهُ.
وخامِسُها: لَعَلَّ الجِنَّ كانَ عِنْدَهم أنْواعٌ مِنَ السِّحْرِ لَمْ يَقْدِرِ البَشَرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها، فَبَعَثَ اللَّهُ المَلائِكَةَ لِيُعَلِّمُوا البَشَرَ أُمُورًا يَقْدِرُونَ بِها عَلى مُعارَضَةِ الجِنِّ.
وسادِسُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا عَلَّمَهُ ما أمْكَنَهُ أنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إلى اللَّذّاتِ العاجِلَةِ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنِ اسْتِعْمالِها كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ؛ فَيَسْتَوْجِبُ بِهِ الثَّوابَ الزّائِدَ، كَما ابْتُلِيَ قَوْمُ طالُوتَ بِالنَّهَرِ عَلى ما قالَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْزالُ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الواقِعَةُ إنَّما وقَعَتْ في زَمانِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُما إذا كانا مَلَكَيْنِ نَزَلا بِصُورَةِ البَشَرِ لِهَذا الغَرَضِ فَلا بُدَّ مِن رَسُولٍ في وقْتِهِما لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُما رَسُولَيْنِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يَبْعَثُ الرَّسُولَ إلى الإنْسِ مَلَكًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ”هارُوتُ ومارُوتُ“ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، عَلَمانِ لَهُما، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ، ولَوْ كانا مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ، وهو الكَسْرُ كَما زَعَمَ بَعْضُهم لانْصَرَفا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”هارُوتُ ومارُوتُ“ بِالرَّفْعِ عَلى: هُما هارُوتُ ومارُوتُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهُما، فَقالَ: وهَذانِ المَلَكانِ لا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ إلّا بَعْدَ التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ العَمَلِ بِهِ، وهو قَوْلُهُما: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ والمُرادُ هَهُنا بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، كَقَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، إذا عُرِضَ عَلى النّارِ لِيَتَمَيَّزَ الخالِصُ عَنِ المَشُوبِ، وقَدْ بَيَّنّا الوُجُوهَ في أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ بَعْثَةُ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، فالمُرادُ أنَّهُما لا يُعَلِّمانِ أحَدًا السِّحْرَ، ولا يَصِفانِهِ لِأحَدٍ ولا يَكْشِفانِ لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِيالِ حَتّى يَبْذُلا لَهُ النَّصِيحَةَ، فَيَقُولا لَهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي نَصِفُهُ لَكَ، وإنْ كانَ الغَرَضُ مِنهُ أنْ يَتَمَيَّزَ بِهِ الفَرْقُ بَيْنَ السِّحْرِ وبَيْنَ المُعْجِزِ، ولَكِنَّهُ يُمَكِّنُكَ أنْ تَتَوَصَّلَ بِهِ إلى المَفاسِدِ والمَعاصِي، فَإيّاكَ بَعْدَ وُقُوفِكَ عَلَيْهِ أنْ تَسْتَعْمِلَهُ فِيما نُهِيتَ عَنْهُ، أوْ تَتَوَصَّلَ بِهِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأعْراضِ العاجِلَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذا التَّفْرِيقِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّفْرِيقَ إنَّما يَكُونُ بِأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ ذَلِكَ السِّحْرَ مُؤَثِّرٌ في هَذا التَّفْرِيقِ، فَيَصِيرُ كافِرًا، وإذا صارَ كافِرًا بانَتْ مِنهُ امْرَأتُهُ، فَيَحْصُلُ تَفَرُّقٌ بَيْنَهُما.
الثّانِي: أنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما بِالتَّمْوِيهِ والحِيَلِ والتَّضْرِيبِ، وسائِرِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَعَلَّمُونَ مِنهُما لَيْسَ إلّا هَذا القَدْرَ، لَكِنْ ذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَةَ تَنْبِيهًا عَلى سائِرِ الصُّوَرِ، فَإنَّ اسْتِكانَةَ المَرْءِ إلى زَوْجَتِهِ ورُكُونَهُ إلَيْها مَعْرُوفٌ زائِدٌ عَلى كُلِّ مَوَدَّةٍ، فَنَبَّهَ
صفحة ٢٠١
اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّحْرَ إذا أمْكَنَ بِهِ هَذا الأمْرُ عَلى شِدَّتِهِ فَغَيْرُهُ بِهِ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّهُ أطْلَقَ الضَّرَرَ، ولَمْ يَقْصُرْهُ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ مِن أعْلى مَراتِبِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإذْنَ حَقِيقَةٌ في الأمْرِ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ بِالسِّحْرِ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ عَيْبَهم وذَمَّهم، ولَوْ كانَ قَدْ أمَرَهم بِهِ لَما جازَ أنْ يَذُمَّهم عَلَيْهِ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ التَّخْلِيَةُ، يَعْنِي: السِّحْرُ إذا سَحَرَ إنْسانًا فَإنْ شاءَ اللَّهُ مَنَعَهُ مِنهُ، وإنْ شاءَ خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَرَرِ السِّحْرِ.
وثانِيها: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ، وإنَّما سُمِّيَ الأذانُ أذانًا؛ لِأنَّهُ إعْلامٌ لِلنّاسِ بِوَقْتِ الصَّلاةِ، وسُمِّيَ الإذْنُ إذْنًا؛ لِأنَّ بِالحاسَّةِ القائِمَةِ بِهِ يُدْرَكُ الإذْنُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ﴾ [التوبة: ٣] أيْ: إعْلامٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] مَعْناهُ: فاعْلَمُوا، وقَوْلُهُ: ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] .
وثالِثُها: أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ عِنْدَ فِعْلِ السِّحْرِ إنَّما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ وإيجادِهِ وإبْداعِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُضافَ إلى إذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإذْنِ الأمْرَ، وهَذا الوَجْهُ لا يَلِيقُ إلّا بِأنْ يُفَسَّرَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ بِأنْ يَصِيرَ كافِرًا، والكُفْرُ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، فَإنَّ هَذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَ الشِّراءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لَمّا نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى التَّمَسُّكِ بِما تَتْلُو الشَّياطِينُ، فَكَأنَّهم قَدِ اشْتَرَوْا ذَلِكَ السِّحْرَ بِكِتابِ اللَّهِ.
وثانِيها: أنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما قَصَدا بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ الِاحْتِرازَ عَنْهُ لِيَصِلَ بِذَلِكَ الِاحْتِرازِ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَلَمّا اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى بِمَنافِعِ الآخِرَةِ مَنافِعَ الدُّنْيا.
وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما تَحَمَّلَ المَشَقَّةَ لِيَتَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى بِالمِحَنِ الَّتِي تَحَمَّلَها قُدْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ: ”الخَلاقُ“ النَّصِيبُ، قالَ القَفّالُ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الخَلَقِ، ومَعْناهُ التَّقْدِيرُ، ومِنهُ خَلِقَ الأدِيمُ، ومِنهُ يُقالُ: قَدَّرَ لِلرَّجُلِ كَذا دِرْهَمًا رِزْقًا عَلى عَمَلِ كَذا. وقالَ آخَرُونَ: الخَلاقُ الخَلاصُ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
يَدْعُونَ بِالوَيْلِ فِيها لا خَلاقَ لَهم إلّا سَرابِيلَ قَطْرانٍ وأغْلالِ
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ: كَيْفَ أثْبَتَ لَهُمُ العِلْمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثُمَّ نَفاهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِينَ عَلِمُوا غَيْرَ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا، فالَّذِينَ عَلِمُوا هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا السِّحْرَ ودَعَوُا النّاسَ إلى تَعَلُّمِهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وأمّا الجُهّالُ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ في تَعَلُّمِ السِّحْرِ فَهُمُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا جَوابُ الأخْفَشِ وقُطْرُبٍ.
وثانِيها: لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ القَوْمِ واحِدًا ولَكِنَّهم عَلِمُوا شَيْئًا وجَهِلُوا شَيْئًا آخَرَ،
صفحة ٢٠٢
عَلِمُوا أنَّهم لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ خَلاقٌ، ولَكِنَّهم جَهِلُوا مِقْدارَ ما فاتَهم مِن مَنافِعِ الآخِرَةِ، وما حَصَلَ لَهم مِن مَضارِّها وعُقُوباتِها.
وثالِثُها: لَوْ سَلَّمْنا أنَّ القَوْمَ واحِدٌ والمَعْلُومَ واحِدٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعِلْمِهِمْ، بَلْ أعْرَضُوا عَنْهُ فَصارَ ذَلِكَ العِلْمُ كالعَدَمِ كَما سَمّى اللَّهُ تَعالى الكُفّارَ: ”صُمًّا وبُكْمًا وعُمْيًا“ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الحَواسِّ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ في شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لَكِنَّهُ لا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ: صَنَعْتَ ولَمْ تَصْنَعْ.
البقرة 2:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيهِمُ الوَعِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ﴾ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ جامِعًا بَيْنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما أدْعى إلى الطّاعَةِ والعُدُولِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمَنُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ، وأنَّهم تَمَسَّكُوا بِالسِّحْرِ. قالَ مِن بَعْدِ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ يَعْنِي: بِما نَبَذُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ. فَإنْ حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلى القُرْآنِ جازَ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى كِتابِهِمُ المُصَدِّقِ لِلْقُرْآنِ جازَ؛ وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الأمْرَيْنِ جازَ، والمُرادُ مِنَ التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَنْ فِعْلِ المَنهِيّاتِ وتَرْكِ المَأْمُوراتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَأُثِيبُوا إلّا أنَّهُ تُرِكَتِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ إلى هَذِهِ الِاسْمِيَّةِ لِما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها. فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: لَمَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المُرادَ: لَشَيْءٌ مِن ثَوابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهم.
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ تَمَنِّيًا لِإيمانِهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ إيمانَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ: لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ.
البقرة 2:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا شَرَحَ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أرادَ مِن هَهُنا أنْ يَشْرَحَ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ في القَدْحِ فِيهِ والطَّعْنِ في دِينِهِ، وهَذا هو النَّوْعُ الأوَّلُ مِن هَذا البابِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثَمانِيَةٍ وثَمانِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ يُخاطِبُ في التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ: ”يا أيُّها المَساكِينُ“ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خاطَبَهم أوَّلًا بِالمَساكِينِ أثْبَتَ المَسْكَنَةَ لَهم آخِرًا حَيْثُ قالَ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾
صفحة ٢٠٣
[البقرة: ٦١] .
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالإيمانِ أوَّلًا فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمُ الأمانَ مِنَ العَذابِ في النِّيرانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأيْضًا فاسْمُ المُؤْمِنِ أشْرَفُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَإذا كانَ يُخاطِبُنا في الدُّنْيا بِأشْرَفِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَنَرْجُو مِن فَضْلِهِ أنْ يُعامِلَنا في الآخِرَةِ بِأحْسَنِ المُعامَلاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ في الكَلِمَتَيْنِ المُتَرادِفَتَيْنِ أنْ يَمْنَعَ اللَّهُ مِن أحَدِهِما، ويَأْذَنَ في الأُخْرى، ولِذَلِكَ فَإنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا تَصْلُحُ الصَّلاةُ بِتَرْجَمَةِ الفاتِحَةِ، سَواءٌ كانَتْ بِالعِبْرِيَّةِ أوْ بِالفارِسِيَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَمْنَعَ اللَّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿راعِنا﴾ ويَأْذَنَ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْنا﴾ وإنْ كانَتا مُتَرادِفَتَيْنِ، ولَكِنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما مَنَعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿راعِنا﴾ لِاشْتِمالِها عَلى نَوْعِ مَفْسَدَةٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ: راعِنا يا رَسُولَ اللَّهِ، واليَهُودُ كانَتْ لَهم كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ يَتَسابُّونَ بِها تُشْبِهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهي ”راعِينا“، ومَعْناها: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، فَلَمّا سَمِعُوا المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: راعِنا افْتَرَضُوهُ وخاطَبُوا بِهِ النَّبِيَّ، وهم يَعْنُونَ تِلْكَ المَسَبَّةَ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْها وأُمِرُوا بِلَفْظَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْنا﴾، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]، ورُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَمِعَها مِنهم فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ، عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَقالُوا: أوَلَسْتُمْ تَقُولُونَها ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وثانِيها: قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ الكَلِمَةُ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةَ المَعْنى إلّا أنَّ أهْلَ الحِجازِ ما كانُوا يَقُولُونَها إلّا عِنْدَ الهُزُؤِ والسُّخْرِيَةِ، فَلا جَرَمَ نَهى اللَّهُ عَنْها.
وثالِثُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: راعِينا، أيْ: أنْتَ راعِي غَنَمِنا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّعْيِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكانَ هَذا اللَّفْظُ مُوهِمًا لِلْمُساواةِ بَيْنَ المُخاطَبِينَ، كَأنَّهم قالُوا: أرْعِنا سَمْعَكَ لِنُرْعِيَكَ أسْماعَنا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وبَيَّنَ أنْ لا بُدَّ مِن تَعْظِيمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُخاطَبَةِ عَلى ما قالَ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ خِطابٌ مَعَ الِاسْتِعْلاءِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: راعِ كَلامِي ولا تَغْفُلْ عَنْهُ، ولا تَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ في ”انْظُرْنا“ إلّا سُؤالُ الِانْتِظارِ، كَأنَّهم قالُوا لَهُ تَوَقَّفْ في كَلامِكَ وبَيانِكَ مِقْدارَ ما نَصِلُ إلى فَهْمِهِ.
وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ عَلى وزْنِ عاطِنا مِنَ المُعاطاةِ، ورامِنا مِنَ المُراماةِ، ثُمَّ إنَّهم قَلَبُوا هَذِهِ النُّونَ إلى النُّونِ الأصْلِيَّةِ، وجَعَلُوها كَلِمَةً مُشْتَقَّةً مِنَ الرُّعُونَةِ وهي الحُمْقُ، فالرّاعِنُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الرُّعُونَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ المَصْدَرَ. كَقَوْلِهِمْ: عِياذًا بِكَ، أيْ أعُوذُ عِياذًا بِكَ، فَقَوْلُهم: راعِنًا: أيْ فَعَلْتَ رُعُونَةً. ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ: صِرْتَ راعِنًا، أيْ صِرْتَ ذا رُعُونَةٍ، فَلَمّا قَصَدُوا هَذِهِ الوُجُوهَ الفاسِدَةَ لا جَرَمَ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
وسابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تَقُولُوا قَوْلًا راعِنًا، أيْ: قَوْلًا مَنسُوبًا إلى الرُّعُونَةِ، بِمَعْنًى راعِنٍ: كَتامِرٍ ولابِنٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مِن ”نَظَرَهُ“ أيِ: انْتَظَرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فَأمَرَهم تَعالى بِأنْ يَسْألُوهُ الإمْهالَ لِيَنْقُلُوا عَنْهُ، فَلا يَحْتاجُونَ إلى الِاسْتِعادَةِ. فَإنْ قِيلَ: أفَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ حَتّى يَقُولُوا هَذا ؟ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ تُقالُ في خِلالِ الكَلامِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ عَجَلَةٌ تُحْوِجُ إلى ذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ في خِلالِ حَدِيثِهِ: اسْمَعْ أوْ سَمِعْتَ.
الثّانِي: أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعْجَلُ قَوْلَ ما يُلْقِيهِ إلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِرْصًا عَلى تَحْصِيلِ الوَحْيِ وأخْذِ القُرْآنِ، فَقِيلَ لَهُ: ”لا
صفحة ٢٠٤
تَحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ“، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَعْجَلَ فِيما يُحَدِّثُ بِهِ أصْحابَهُ مِن أمْرِ الدِّينِ حِرْصًا عَلى تَعْجِيلِ أفْهامِهِمْ، فَكانُوا يَسْألُونَهُ في هَذِهِ الحالَةِ أنْ يُمْهِلَهم فِيما يُخاطِبُهم بِهِ إلى أنْ يَفْهَمُوا كُلَّ ذَلِكَ الكَلامِ.
وثانِيها: ”انْظُرْنا“ مَعْناهُ: انْظُرْ إلَيْنا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ ”إلى“ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] والمَعْنى: مِن قَوْمِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ المُعَلِّمَ إذا نَظَرَ إلى المُتَعَلِّمِ كانَ إيرادُهُ لِلْكَلامِ عَلى نَعْتِ الإفْهامِ والتَّعْرِيفِ أظْهَرَ وأقْوى.
وثالِثُها: قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”أنْظِرْنا“ مِنَ النَّظِرَةِ، أيْ: أمْهِلْنا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْمَعُوا﴾ فَحُصُولُ السَّماعِ عِنْدَ سَلامَةِ الحاسَّةِ أمْرٌ ضَرُورِيٌّ خارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، فَلا يَجُوزُ وُقُوعُ الأمْرِ بِهِ، فَإذَنِ المُرادُ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: فَرِّغُوا أسْماعَكم لِما يَقُولُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى لا تَحْتاجُوا إلى الِاسْتِعادَةِ.
وثانِيها: اسْمَعُوا سَماعَ قَبُولٍ وطاعَةٍ، ولا يَكُنْ سَماعُكم سَماعَ اليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.
وثالِثُها: اسْمَعُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ حَتّى لا تَرْجِعُوا إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما لِلْكافِرِينَ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، إذا لَمْ يَسْلُكُوا مَعَ الرَّسُولِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِنَ الإعْظامِ والتَّبْجِيلِ والإصْغاءِ إلى ما يَقُولُ والتَّفَكُّرِ فِيما يَقُولُ، ومَعْنى ”العَذابِ الألِيمِ“ قَدْ تَقَدَّمَ.
البقرة 2:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ اليَهُودِ والكُفّارِ في العَداوَةِ والمُعانَدَةِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم، فَقالَ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَنَفى عَنْ قُلُوبِهِمُ الوُدَّ والمَحَبَّةَ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ بِهِ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ، وهَهُنا مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”مِن“ الأوْلى لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ، تَحْتَهُ نَوْعانِ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] والثّانِيَةُ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الخَيْرِ، والثّالِثَةُ: لِابْتِداءِ الغايَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَيْرُ الوَحْيُ وكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] المَعْنى أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ، فَيَحْسُدُونَكم وما يُحِبُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ الحَسَدَ لا يُؤَثِّرُ في زَوالِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ مَن يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن طَعْنِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ
صفحة ٢٠٥
بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا وغَدًا يَرْجِعُ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والكَلامُ في الآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلى مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: النَّسْخُ في أصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنى إبْطالِ الشَّيْءِ، وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ لِلنَّقْلِ والتَّحْوِيلِ، لَنا أنَّهُ يُقالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ آثارَ القَوْمِ إذا عُدِمَتْ، ونَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إذا عُدِمَ، لِأنَّهُ قَدْ لا يَحْصُلُ الظِّلُّ في مَكانٍ آخَرَ حَتّى يُظَنَّ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ: يُزِيلُهُ ويُبْطِلُهُ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ. وإذا ثَبَتَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في الإبْطالِ وجَبَ ألّا يَكُونَ حَقِيقَةً في النَّقْلِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. فَإنْ قِيلَ: وصْفُهُمُ الرِّيحَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلْآثارِ، والشَّمْسَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلظِّلِّ مَجازٌ، لِأنَّ المُزِيلَ لِلْآثارِ والظِّلِّ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ ذَلِكَ مَجازًا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَدْلُولِهِ، ثُمَّ نُعارِضُ ما ذَكَرْتُمُوهُ ونَقُولُ: بَلِ النَّسْخُ هو النَّقْلُ والتَّحْوِيلُ، ومِنهُ نَسَخَ الكِتابَ إلى كِتابٍ آخَرَ، كَأنَّهُ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ أوْ يَنْقُلُ حِكايَتَهُ، ومِنهُ تَناسُخُ الأرْواحِ، وتَناسُخُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وتَناسُخُ المَوارِيثِ إنَّما هو التَّحَوُّلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بَدَلًا عَنِ الأوَّلِ، وقالَ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً في النَّقْلِ، ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ حَقِيقَةً في الإبْطالِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ هو النّاسِخَ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الشَّمْسِ والرِّيحِ المُؤَثِّرَتَيْنِ في تِلْكَ الإزالَةِ، ويَكُونانِ أيْضًا ناسِخَيْنِ لِكَوْنِهِما مُخْتَصَّيْنِ بِذَلِكَ التَّأْثِيرِ.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ إنَّما أخْطَئُوا في إضافَةِ النَّسْخِ إلى الشَّمْسِ والرِّيحِ، فَهَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ مُتَمَسَّكَنا إطْلاقُهم لَفْظَ النَّسْخِ عَلى الإزالَةِ، لِإسْنادِهِمْ هَذا الفِعْلَ إلى الرِّيحِ والشَّمْسِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ النَّقْلَ أخَصُّ مِنَ الإبْطالِ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ النَّقْلُ فَقَدْ عُدِمَتْ صِفَةٌ وحَصَلَ عَقِيبَها صِفَةٌ أُخْرى، فَإنَّ مُطْلَقَ العَدَمِ أهَمُّ مِن عَدَمٍ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وإذا دارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ كانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً في العامِّ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ما نُنْسِخْ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِفَتْحِهِما، أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَفِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
والثّانِي: أنْسَخْتُهُ جَعَلْتُهُ ذا نَسْخٍ؛ كَما قالَ قَوْمٌ لِلْحَجّاجِ، وقَدْ صَلَبَ رَجُلًا: أقْبِرُوا فُلانًا، أيِ اجْعَلُوهُ ذا قَبْرٍ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (نَنْسَأْها) بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ، وهو جَزْمٌ بِالشَّرْطِ، ولا يَدَعُ أبُو عَمْرٍو الهَمْزَةَ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّ سُكُونَها عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وهو مِنَ النَّسْءِ، وهو التَّأْخِيرُ. ومِنهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ومِنهُ سُمِّيَ بَيْعُ الأجَلِ نَسِيئَةً، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنْسَأ اللَّهُ أجْلَهُ، ونَسَأ في أجْلِهِ، أيْ: أخَّرَ وزادَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن سَرَّهُ النَّسْءُ في الأجَلِ، والزِّيادَةُ في الرِّزْقِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» “ . والباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ، وهو مِنَ النِّسْيانِ، ثُمَّ الأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى النِّسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، ومِنهم مَن حَمَلَ النِّسْيانَ عَلى التَّرْكِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] أيْ: فَتَرَكَ، وقالَ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] أيْ: نَتْرُكُهم كَما تَرَكُوا، والأظْهَرُ أنَّ حَمْلَ النِّسْيانِ عَلى التَّرْكِ مَجازٌ؛ لِأنَّ المَنسِيَّ يَكُونُ مَتْرُوكًا، فَلَمّا كانَ التَّرْكُ مِن لَوازِمِ النِّسْيانِ أطْلَقُوا اسْمَ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، وقُرِئَ ”نُنْسِها“، و”نُنَسِّها“ بِالتَّشْدِيدِ، و”تُنْسَها“، و”تَنْسَها“ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”ما نُنْسِكْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها“، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: ”ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِكْها“ .
صفحة ٢٠٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ جَزائِيَّةٌ، كَقَوْلِكَ: ما تَصْنَعْ أصْنَعْ، وعَمَلُها الجَزْمُ في الشَّرْطِ والجَزاءِ إذا كانا مُضارِعَيْنِ، فَقَوْلُهُ: (نَنْسَخْ) شَرْطٌ، وقَوْلُهُ: (نَأْتِ) جَزاءٌ، وكِلاهُما مَجْزُومانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّناسُخَ في اصْطِلاحِ العُلَماءِ عِبارَةٌ عَنْ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي كانَ ثابِتًا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ لا يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ تَراخِيهِ عَنْهُ عَلى وجْهٍ لَوْلاهُ لَكانَ ثابِتًا. فَقَوْلُنا: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ - نَعْنِي بِهِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ رَسُولِهِ، والفِعْلِ المَنقُولِ عَنْهُما. ويَخْرُجُ عَنْهُ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّرْعُ ناسِخًا لِحُكْمِ العَقْلِ، لِأنَّ العَقْلَ لَيْسَ طَرِيقًا شَرْعِيًّا، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُعْجِزُ ناسِخًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأنَّ المُعْجِزَ لَيْسَ طَرِيقًا شَرْعِيًّا، ولا يَلْزَمُ تَقَيُّدُ الحُكْمِ بِغايَةٍ أوْ شَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَراخٍ، ولا يَلْزَمُ ما إذا أمَرَنا اللَّهُ بِفِعْلٍ واحِدٍ، ثُمَّ نَهانا عَنْ مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذا النَّهْيِ ناسِخًا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ حُكْمِ الأمْرِ ثابِتًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: النَّسْخُ عِنْدَنا جائِزٌ عَقْلًا واقِعٌ سَمْعًا خِلافًا لِلْيَهُودِ، فَإنَّ مِنهم مَن أنْكَرَهُ عَقْلًا، ومِنهم مَن جَوَّزَهُ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مَنَعَ مِنهُ سَمْعًا، ويُرْوى عَنْ بَعْضِ المُسْلِمِينَ إنْكارُ النَّسْخِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ النَّسْخِ ووُقُوعِهِ؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ لا تَصِحُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِنَسْخِ شَرْعِ مَن قَبْلَهُ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِالنَّسْخِ، وأيْضًا قُلْنا: عَلى اليَهُودِ إلْزامانِ:
الأوَّلُ: جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الفُلْكِ: ”إنِّي جَعَلْتُ كُلَّ دابَّةٍ مَأْكَلًا لَكَ ولِذُرِّيَّتِكَ، وأطْلَقْتُ ذَلِكَ لَكم كَنَباتِ العُشْبِ ما خَلا الدَّمَ فَلا تَأْكُلُوهُ“، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلى مُوسى وعَلى بَنِي إسْرائِيلَ كَثِيرًا مِنَ الحَيَوانِ.
الثّانِي: كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُزَوِّجُ الأُخْتَ مِنَ الأخِ، وقَدْ حَرَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ مُنْكِرُو النَّسْخِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تَصِحُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ؛ لِأنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - أُمِرَ النّاسُ بِشَرْعِهِما إلى زَمانِ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرَ النّاسُ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعِنْدَ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - زالَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِهِما، وحَصَلَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أنْكَرُوا وُقُوعَ النَّسْخِ أصْلًا بَنَوْا مَذْهَبَهم عَلى هَذا الحَرْفِ، وقالُوا: قَدْ ثَبَتَ في القُرْآنِ أنَّ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَدْ بَشَّرا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ عِنْدَ ظُهُورِهِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى شَرْعِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَمَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ امْتَنَعَ الجَزْمُ بِوُقُوعِ النَّسْخِ، وهَذا هو الِاعْتِراضُ عَلى الإلْزامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، واحْتَجَّ مُنْكِرُو النَّسْخِ بِأنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شَرْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فاللَّفْظُ الدّالُّ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها دالَّةٌ عَلى دَوامِها أوْ لا عَلى دَوامِها، أوْ ما كانَ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ ولا عَلى اللّادَوامِ، فَإنْ بَيَّنَ فِيها ثُبُوتَها عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّها ما دامَتْ كانَ الخَبَرُ الأوَّلُ كَذِبًا، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الشَّرْعِ، وأيْضًا فَلَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَنا طَرِيقٌ إلى العِلْمِ بِأنَّ شَرْعَنا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ دائِمَةٌ ولا تَصِيرُ مَنسُوخَةً قَطُّ ألْبَتَّةَ، ولَكِنّا إذا رَأيْنا مِثْلَ هَذا الكَلامِ حاصِلًا في شَرْعِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ أنَّهُما لَمْ يَدُوما، زالَ الوُثُوقُ عَنْهُ في كُلِّ الصُّوَرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَيَنْسَخُهُ أوْ ما قَرَنَ بِهِ إلّا أنَّهُ نَصَّ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا في الجُمْلَةِ ؟ قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
صفحة ٢٠٧
أحَدُها: أنَّ التَّنْصِيصَ عَلى اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الدَّوامِ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يَدُومُ جَمْعٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، وإنَّهُ سَفَهٌ وعَبَثٌ.
وثانِيها: عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ شَرْعَهُما سَيَصِيرُ مَنسُوخًا، فَإذا نَقَلَ شَرْعَهُ وجَبَ أنْ يَنْقُلَ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ أيْضًا، لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَنْقُلَ أصْلَ الشَّرْعِ بِدُونِ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ لَجازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا أيْضًا، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَنا طَرِيقٌ إلى القَطْعِ بِأنَّ شَرْعَنا غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ فِيها الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ اشْتِهارُهُ وبُلُوغُهُ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، وإلّا فَلَعَلَّ القُرْآنَ عُورِضَ، ولَمْ تُنْقَلْ مُعارَضَتُهُ، ولَعَلَّ مُحَمَّدًا ﷺ غَيَّرَ هَذا الشَّرْعَ عَنْ هَذا الوَضْعِ ولَمْ يُنْقَلْ، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ أنْ تُنْقَلَ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ، فَنَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ في زَمانِ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ شَرْعَيْهِما سَيَصِيرانِ مَنسُوخَيْنِ لَكانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا لِأهْلِ التَّواتُرِ، ومَعْلُومًا لَهم بِالضَّرُورَةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لاسْتَحالَ مُنازَعَةُ الجَمْعِ العَظِيمِ فِيهِ، فَحَيْثُ رَأيْنا اليَهُودَ والنَّصارى مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ شَرْعَيْهِما يَصِيرانِ مَنسُوخَيْنِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ عَلى شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ دائِمٍ. فَهَذا باطِلٌ لِما ثَبَتَ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ لِأهْلِ التَّواتُرِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ انْتِهاءً لِلْغايَةِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ كَوْنَهُ دائِمًا، أوْ كَوْنَهُ غَيْرَ دائِمٍ، فَنَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ مُجَرَّدَ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، وإنَّما يُفِيدُ المَرَّةَ الواحِدَةَ، فَإذا أتى المُكَلَّفُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الأمْرِ، فَوُرُودُ أمْرٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكُونُ نَسْخًا لِلْأمْرِ الأوَّلِ، فَثَبَتَ بِهَذا التَّقْسِيمِ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ مُحالٌ.
واعْلَمْ أنّا بَعْدَ أنْ قَرَّرْنا هَذِهِ الجُمْلَةَ في كِتابِ المَحْصُولِ في أُصُولِ الفِقْهِ تَمَسَّكْنا في وُقُوعِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾، والِاسْتِدْلالُ بِهِ أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”ما“ هَهُنا تُفِيدُ الشَّرْطَ والجَزاءَ، وكَما أنَّ قَوْلَكَ: ومَن جاءَكَ فَأكْرِمْهُ - لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَجِيءِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مَتى جاءَ وجَبَ الإكْرامُ، فَكَذا هَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى حُصُولِ النَّسْخِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ النَّسْخُ وجَبَ أنْ يَأْتِيَ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ، فالأقْوى أنْ نُعَوِّلَ في الإثْباتِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اتَّفَقُوا عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ في القُرْآنِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: هَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾، أجابَ أبُو مُسْلِمٍ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ المَنسُوخَةِ هي الشَّرائِعُ الَّتِي في الكُتُبِ القَدِيمَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كالسَّبْتِ والصَّلاةِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنّا وتَعَبَّدَنا بِغَيْرِهِ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ”لا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم“، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ النَّسْخِ نَقْلُهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وتَحْوِيلُهُ عَنْهُ إلى سائِرِ الكُتُبِ، وهو كَما يُقالُ نَسَخْتُ الكِتابَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ، بَلْ عَلى أنَّهُ لَوْ وقَعَ النَّسْخُ لَوَقَعَ إلى خَيْرٍ مِنهُ، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّ الآياتِ إذا أُطْلِقَتْ فالمُرادُ
صفحة ٢٠٨
بِها آياتُ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ هو المَعْهُودُ عِنْدَنا.
وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ نَقْلَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ القُرْآنِ، وهَذا النَّسْخُ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالقُرْآنِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ الدَّلائِلِ، وعَلى الثّانِي: لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّسْخَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ القُرْآنِ، بَلِ التَّقْدِيرُ واللَّهُ أعْلَمُ: ما نَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَإنّا نَأْتِي بَعْدَهُ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِلْقائِلِينَ بِوُقُوعِ النَّسْخِ في القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها بِالِاعْتِدادِ حَوْلًا كامِلًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ ما زالَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ حامِلًا ومُدَّةُ حَمْلِها حَوْلٌ كامِلٌ لَكانَتْ عِدَّتُها حَوْلًا كامِلًا، وإذا بَقِيَ هَذا الحُكْمُ في بَعْضِ الصُّوَرِ كانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لا ناسِخًا، والجَوابُ: أنْ مُدَّةَ عِدَّةِ الحَمْلِ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الحَمْلِ، سَواءٌ حَصَلَ وضْعُ الحَمْلِ بِسَنَةٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، فَجَعْلُ السَّنَةِ العِدَّةَ يَكُونُ زائِلًا بِالكُلِّيَّةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أمَرَ اللَّهُ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوى الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّما زالَ ذَلِكَ لِزَوالِ سَبَبِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ التَّعَبُّدِ بِها أنْ يَمْتازَ المُنافِقُونَ مِن حَيْثُ لا يَتَصَدَّقُونَ عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا حَصَلَ هَذا الغَرَضُ سَقَطَ التَّعَبُّدُ. والجَوابُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَن لَمْ يَتَصَدَّقْ مُنافِقًا، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ غَيْرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] .
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِثَباتِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] .
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أزالَهم عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حُكْمُ تِلْكَ القِبْلَةِ ما زالَ بِالكُلِّيَّةِ، لِجَوازِ التَّوَجُّهِ إلَيْها عِنْدَ الإشْكالِ، أوْ مَعَ العِلْمِ إذا كانَ هُناكَ عُذْرٌ. الجَوابُ: أنَّ عَلى ما ذَكَرْتَهُ لا فَرْقَ بَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ وسائِرِ الجِهاتِ، فالخُصُوصِيَّةُ الَّتِي بِها امْتازَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَنْ سائِرِ الجِهاتِ قَدْ زالَتْ بِالكُلِّيَّةِ فَكانَ نَسْخًا.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] والتَّبْدِيلُ يَشْتَمِلُ عَلى رَفْعٍ وإثْباتٍ، والمَرْفُوعُ إمّا التِّلاوَةُ وإمّا الحُكْمُ، فَكَيْفَ كانَ فَهو رَفْعٌ ونَسْخٌ، وإنَّما أطْنَبْنا في هَذِهِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ في الجُمْلَةِ، واحْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كِتابَهُ بِأنَّهُ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، فَلَوْ نُسِخَ لَكانَ قَدْ أتاهُ الباطِلُ. والجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الكِتابَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ ما يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِيهِ مِن بَعْدِهِ أيْضًا ما يُبْطِلُهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: المَنسُوخُ إمّا أنْ يَكُونَ هو الحُكْمَ فَقَطْ أوِ التِّلاوَةَ فَقَطْ أوْ هُما مَعًا، أمّا الَّذِي يَكُونُ المَنسُوخُ هو الحُكْمَ دُونَ التِّلاوَةِ فَكَهَذِهِ الآياتِ الَّتِي عَدَدْناها، وأمّا الَّذِي يَكُونُ المَنسُوخُ هو التِّلاوَةَ فَقَطْ، فَكَما
صفحة ٢٠٩
يُرْوى عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“، ورُوِيَ: ”«لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى إلَيْهِما ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» “، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مَنسُوخَ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ مَعًا فَهو ما رَوَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ القُرْآنَ قَدْ نَزَلَ في الرَّضاعِ بِعَشْرٍ مَعْلُوماتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فالعَشْرُ مَرْفُوعُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ جَمِيعًا، والخُمْسُ مَرْفُوعُ التِّلاوَةِ باقِي الحُكْمِ. ويُرْوى أيْضًا أنَّ سُورَةَ الأحْزابِ كانَتْ بِمَنزِلَةِ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ أزْيَدَ ثُمَّ وقَعَ النُّقْصانُ فِيهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَ النَّسْخَ بِالإزالَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالنَّسْخِ بِمَعْنى نَسَخْتُ الكِتابَ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ وأنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ أوْ نُنْسِها، أيْ: مِنَ القُرْآنِ ما قُرِئَ بَيْنَكم ثُمَّ نُسِّيتُمْ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، فَحَمَلُوهُ عَلى نَسْخِ الحُكْمِ دُونَ التِّلاوَةِ، ونُنْسِها عَلى نَسْخِ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ مَعًا، فَإنْ قِيلَ: وُقُوعُ هَذا النِّسْيانِ مَمْنُوعٌ عَقْلًا وشَرْعًا. أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ القُرْآنَ لا بُدَّ مِن إيصالِهِ إلى أهْلِ التَّواتُرِ، والنِّسْيانُ عَلى أهْلِ التَّواتُرِ بِأجْمَعِهِمْ مُمْتَنِعٌ.
وأمّا النَّقْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْيانَ يَصِحُّ بِأنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِطَرْحِهِ مِنَ القُرْآنِ، وإخْراجِهِ مِن جُمْلَةِ ما يُتْلى ويُؤْتى بِهِ في الصَّلاةِ أوْ يُحْتَجُّ بِهِ، فَإذا زالَ حُكْمُ التَّعَبُّدِ بِهِ وطالَ العَهْدُ نُسِيَ، أوْ إنْ ذُكِرَ فَعَلى طَرِيقِ ما يُذْكَرُ خَبَرُ الواحِدِ فَيَصِيرُ لِهَذا الوَجْهِ مَنسِيًّا عَنِ الصُّدُورِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُرْوى فِيهِ خَبَرٌ: أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ السُّورَةَ، فَيُصْبِحُونَ وقَدْ نَسُوها.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦] وبِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] .
القَوْلُ الثّانِي: ”﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾“ أيْ: نُبَدِّلْها، إمّا بِأنْ نُبَدِّلَ حُكْمَها فَقَطْ أوْ تِلاوَتَها فَقَطْ أوْ نُبَدِّلَهُما، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نُنْسِها﴾ فالمُرادُ نَتْرُكُها كَما كانَتْ فَلا نُبَدِّلُها، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ النِّسْيانَ بِمَعْنى التَّرْكِ قَدْ جاءَ، فَيَصِيرُ حاصِلُ الآيَةِ أنَّ الَّذِي نُبَدِّلُهُ فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنهُ أوْ مِثْلِهِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾، أيْ: ما نَرْفَعْها بَعْدَ إنْزالِها أوْ نَنْسَأْها عَلى قِراءَةِ الهَمْزَةِ، أيْ: نُؤَخِّرْ إنْزالَها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ نُؤَخِّرُ نَسْخَها، فَلا نَنْسَخُها في الحالِ، فَإنّا نُنَزِّلُ بَدَلَها ما يَقُومُ مَقامَها في المَصْلَحَةِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾، وهي الآيَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً في الحُكْمِ والتِّلاوَةِ مَعًا، أوْ نُنْسِها، أيْ نَتْرُكْها، وهي الآيَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً في الحُكْمِ، ولَكِنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ في التِّلاوَةِ، بَلْ هي باقِيَةٌ في التِّلاوَةِ، فَأمّا مَن قالَ بِالقَوْلِ الثّانِي: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، أيْ نَنْسَخْها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ نَنْسَأْها، نُؤَخِّرْها. وأمّا قِراءَةُ ”نُنْسِها“ فالمَعْنى نَتْرُكُها يَعْنِي نَتْرُكُ نَسْخَها فَلا نَنْسَخُها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ فَكُلُّ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَ أبِي مُسْلِمٍ، فَإنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.
* * *
صفحة ٢١٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الأخَفُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الأصْلَحُ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ المُكَلَّفُ عَلى مَصالِحِهِ، لا عَلى ما هو أخَفُّ عَلى طِباعِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الثّانِي أصْلَحَ مِنَ الأوَّلِ، لَكانَ الأوَّلُ ناقِصَ الصَّلاحِ فَكَيْفَ أمَرَ اللَّهُ بِهِ ؟ قُلْنا: الأوَّلُ أصْلَحُ مِنَ الثّانِي بِالنِّسْبَةِ إلى الوَقْتِ الأوَّلِ، والثّانِي بِالعَكْسِ مِنهُ، فَزالَ السُّؤالُ. واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اسْتَنْبَطُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ أكْثَرَ مَسائِلِ النَّسْخِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمٌ: لا يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ إلّا إلى بَدَلٍ، واحْتَجُّوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا نَسَخَ لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ، أوْ بِما يَكُونُ مِثْلَهُ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في وُجُوبِ البَدَلِ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ نَفْيَ ذَلِكَ الحُكْمِ، وإسْقاطَ التَّعَبُّدِ بِهِ - خَيْرٌ مِن ثُبُوتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ لا إلى بَدَلٍ أنَّهُ نَسَخَ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ لا إلى بَدَلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَوْمٌ: لا يَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ إلى ما هو أثْقَلُ مِنهُ، واحْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ يُنافِي كَوْنَهُ أثْقَلَ؛ لِأنَّ الأثْقَلَ لا يَكُونُ خَيْرًا مِنهُ ولا مِثْلَهُ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَيْرِ ما يَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَسَخَ في حَقِّ الزُّناةِ الحَبْسَ في البُيُوتِ إلى الجَلْدِ والرَّجْمِ، ونَسَخَ صَوْمَ عاشُوراءَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، وكانَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ قَوْمٍ فَنُسِخَتْ بِأرْبَعٍ في الحَضَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا نَسْخُ الشَّيْءِ إلى الأثْقَلِ فَقَدْ وقَعَ في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ، وأمّا نَسْخُهُ إلى الأخَفِّ فَكَنَسْخِ العِدَّةِ مِن حَوْلٍ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، وكَنَسْخِ صَلاةِ اللَّيْلِ إلى التَّخْيِيرِ فِيها. وأمّا نَسْخُ الشَّيْءِ إلى المِثْلِ فَكالتَّحْوِيلِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الكِتابُ لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ ما يَنْسَخُهُ مِنَ الآياتِ يَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ يَأْتِي بِما هو مِن جِنْسِهِ، كَما إذا قالَ الإنْسانُ: ما آخُذُ مِنكَ مِن ثَوْبٍ آتِيكَ بِخَيْرٍ مِنهُ، يُفِيدُ أنَّهُ يَأْتِيهِ بِثَوْبٍ مِن جِنْسِهِ خَيْرٍ مِنهُ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِهِ فَجِنْسُ القُرْآنِ قُرْآنٌ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ يُفِيدُ أنَّهُ القُرْآنُ الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ دُونَ السُّنَّةِ الَّتِي يَأْتِي بِها الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ يُفِيدُ أنَّ المَأْتِيَّ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الآيَةِ، والسُّنَّةُ لا تَكُونُ خَيْرًا مِنَ القُرْآنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ الآتِيَ بِذَلِكَ الخَيْرِ هو المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الخَيْراتِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى. والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ بِأسْرِها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ لَيْسَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، بَلْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الخَيْرُ شَيْئًا مُغايِرًا لِلنّاسِخِ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ النَّسْخِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ هَذا الِاحْتِمالِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإتْيانَ بِذَلِكَ الخَيْرِ مُرَتَّبٌ عَلى نَسْخِ الآيَةِ الأوْلى، فَلَوْ كانَ نَسْخُ تِلْكَ الآيَةِ مُرَتَّبًا عَلى الإتْيانِ بِهَذا الخَيْرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ، ثُمَّ احْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأنَّ آيَةَ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ مَنسُوخَةٌ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» “ وبِأنَّ آيَةَ الجَلْدِ صارَتْ مَنسُوخَةً بِخَبَرِ الرَّجْمِ.
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَ المِيراثِ حَقًّا لِلْوارِثِ يَمْنَعُ مِن صَرْفِهِ إلى الوَصِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ آيَةَ المِيراثِ مانِعَةٌ مِنَ الوَصِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوى أنَّ قَوْلَهُ ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ“ كانَ قُرْآنًا، فَلَعَلَّ النَّسْخَ إنَّما وقَعَ بِهِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢١١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَتَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى تَصْرِيفِ المُكَلَّفِ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ لا دافِعَ لِما أرادَ، ولا مانِعَ لِما اخْتارَ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ النّاسِخُ والمَنسُوخُ قَدِيمَيْنِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لَأنَّ النّاسِخَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنِ المَنسُوخِ، والمُتَأخِّرُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، وأمّا المَنسُوخُ فَلِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَزُولَ ويَرْتَفِعَ، وما ثَبَتَ زَوالُهُ اسْتَحالَ قِدَمُهُ بِالِاتِّفاقِ.
وثانِيها: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ خَيْرٌ مِن بَعْضٍ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ قَدِيمًا.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نَسْخِ بَعْضِها، والإتْيانِ بِشَيْءٍ آخَرَ بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وما كانَ داخِلًا تَحْتَ القُدْرَةِ وكانَ فِعْلًا كانَ مُحْدَثًا، أجابَ الأصْحابُ عَنْهُ: بِأنَّ كَوْنَهُ ناسِخًا ومَنسُوخًا إنَّما هو مِن عَوارِضِ الألْفاظِ والعِباراتِ واللُّغاتِ، ولا نِزاعَ في حُدُوثِها، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ الَّذِي هو مَدْلُولُ العِباراتِ والِاصْطِلاحاتِ مُحْدَثٌ ؟ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي هو مَدْلُولُ العِباراتِ واللُّغاتِ لا شَكَّ أنَّ تَعَلُّقَهُ الأوَّلَ قَدْ زالَ وحَدَثَ لَهُ تَعَلُّقٌ آخَرُ، فالتَّعَلُّقُ الأوَّلُ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّهُ زالَ، والقَدِيمُ لا يَزُولُ، والتَّعَلُّقُ الثّانِي حادِثٌ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ، والكَلامُ الحَقِيقِيُّ لا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ التَّعَلُّقاتِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ التَّعَلُّقاتِ (مُحْدَثٌ) وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ والكَلامُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا.
أجابَ الأصْحابُ: أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ كانَتْ في الأزَلِ مُتَعَلِّقَةً بِإيجادِ العالِمِ، فَعِنْدَ دُخُولِ العالَمِ في الوُجُودِ هَلْ بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ أوْ لَمْ يَبْقَ ؟ فَإنْ بَقِيَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ القادِرُ قادِرًا عَلى إيجادِ المَوْجُودِ، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ؛ فَيَلْزَمُكم حُدُوثُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ، وكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَعِنْدَ دُخُولِ العالَمِ في الوُجُودِ إنْ بَقِيَ التَّعَلُّقُ الأوَّلُ كانَ جَهْلًا، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَيَلْزَمُكم كَوْنُ التَّعَلُّقِ الأوَّلِ حادِثًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَما زالَ، ويَكُونُ التَّعَلُّقُ الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ حادِثًا، فَإذَنْ عالِمِيَّةُ اللَّهِ تَعالى لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّعَلُّقاتِ الحادِثَةِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فَعالِمِيَّةُ اللَّهِ مُحْدَثَةٌ، فَكُلُّ ما تَجْعَلُونَهُ جَوابًا عَنِ العالِمِيَّةِ والقادِرِيَّةِ فَهو جَوابُنا عَنِ الكَلامِ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَقْرِيرِهِ فَلا نُعِيدُهُ، والقَدِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، وهو بِناءُ المُبالَغَةِ.
البقرة 2:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ اليَهُودِ والكُفّارِ في العَداوَةِ والمُعانَدَةِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم، فَقالَ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَنَفى عَنْ قُلُوبِهِمُ الوُدَّ والمَحَبَّةَ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ بِهِ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ، وهَهُنا مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”مِن“ الأوْلى لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ، تَحْتَهُ نَوْعانِ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] والثّانِيَةُ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الخَيْرِ، والثّالِثَةُ: لِابْتِداءِ الغايَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَيْرُ الوَحْيُ وكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] المَعْنى أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ، فَيَحْسُدُونَكم وما يُحِبُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ الحَسَدَ لا يُؤَثِّرُ في زَوالِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ مَن يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن طَعْنِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ
صفحة ٢٠٥
بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا وغَدًا يَرْجِعُ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والكَلامُ في الآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلى مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: النَّسْخُ في أصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنى إبْطالِ الشَّيْءِ، وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ لِلنَّقْلِ والتَّحْوِيلِ، لَنا أنَّهُ يُقالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ آثارَ القَوْمِ إذا عُدِمَتْ، ونَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إذا عُدِمَ، لِأنَّهُ قَدْ لا يَحْصُلُ الظِّلُّ في مَكانٍ آخَرَ حَتّى يُظَنَّ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ: يُزِيلُهُ ويُبْطِلُهُ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ. وإذا ثَبَتَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في الإبْطالِ وجَبَ ألّا يَكُونَ حَقِيقَةً في النَّقْلِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. فَإنْ قِيلَ: وصْفُهُمُ الرِّيحَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلْآثارِ، والشَّمْسَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلظِّلِّ مَجازٌ، لِأنَّ المُزِيلَ لِلْآثارِ والظِّلِّ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ ذَلِكَ مَجازًا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَدْلُولِهِ، ثُمَّ نُعارِضُ ما ذَكَرْتُمُوهُ ونَقُولُ: بَلِ النَّسْخُ هو النَّقْلُ والتَّحْوِيلُ، ومِنهُ نَسَخَ الكِتابَ إلى كِتابٍ آخَرَ، كَأنَّهُ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ أوْ يَنْقُلُ حِكايَتَهُ، ومِنهُ تَناسُخُ الأرْواحِ، وتَناسُخُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وتَناسُخُ المَوارِيثِ إنَّما هو التَّحَوُّلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بَدَلًا عَنِ الأوَّلِ، وقالَ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً في النَّقْلِ، ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ حَقِيقَةً في الإبْطالِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ هو النّاسِخَ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الشَّمْسِ والرِّيحِ المُؤَثِّرَتَيْنِ في تِلْكَ الإزالَةِ، ويَكُونانِ أيْضًا ناسِخَيْنِ لِكَوْنِهِما مُخْتَصَّيْنِ بِذَلِكَ التَّأْثِيرِ.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ إنَّما أخْطَئُوا في إضافَةِ النَّسْخِ إلى الشَّمْسِ والرِّيحِ، فَهَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ مُتَمَسَّكَنا إطْلاقُهم لَفْظَ النَّسْخِ عَلى الإزالَةِ، لِإسْنادِهِمْ هَذا الفِعْلَ إلى الرِّيحِ والشَّمْسِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ النَّقْلَ أخَصُّ مِنَ الإبْطالِ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ النَّقْلُ فَقَدْ عُدِمَتْ صِفَةٌ وحَصَلَ عَقِيبَها صِفَةٌ أُخْرى، فَإنَّ مُطْلَقَ العَدَمِ أهَمُّ مِن عَدَمٍ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وإذا دارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ كانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً في العامِّ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ما نُنْسِخْ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِفَتْحِهِما، أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَفِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
والثّانِي: أنْسَخْتُهُ جَعَلْتُهُ ذا نَسْخٍ؛ كَما قالَ قَوْمٌ لِلْحَجّاجِ، وقَدْ صَلَبَ رَجُلًا: أقْبِرُوا فُلانًا، أيِ اجْعَلُوهُ ذا قَبْرٍ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (نَنْسَأْها) بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ، وهو جَزْمٌ بِالشَّرْطِ، ولا يَدَعُ أبُو عَمْرٍو الهَمْزَةَ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّ سُكُونَها عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وهو مِنَ النَّسْءِ، وهو التَّأْخِيرُ. ومِنهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ومِنهُ سُمِّيَ بَيْعُ الأجَلِ نَسِيئَةً، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنْسَأ اللَّهُ أجْلَهُ، ونَسَأ في أجْلِهِ، أيْ: أخَّرَ وزادَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن سَرَّهُ النَّسْءُ في الأجَلِ، والزِّيادَةُ في الرِّزْقِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» “ . والباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ، وهو مِنَ النِّسْيانِ، ثُمَّ الأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى النِّسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، ومِنهم مَن حَمَلَ النِّسْيانَ عَلى التَّرْكِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] أيْ: فَتَرَكَ، وقالَ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] أيْ: نَتْرُكُهم كَما تَرَكُوا، والأظْهَرُ أنَّ حَمْلَ النِّسْيانِ عَلى التَّرْكِ مَجازٌ؛ لِأنَّ المَنسِيَّ يَكُونُ مَتْرُوكًا، فَلَمّا كانَ التَّرْكُ مِن لَوازِمِ النِّسْيانِ أطْلَقُوا اسْمَ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، وقُرِئَ ”نُنْسِها“، و”نُنَسِّها“ بِالتَّشْدِيدِ، و”تُنْسَها“، و”تَنْسَها“ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”ما نُنْسِكْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها“، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: ”ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِكْها“ .
صفحة ٢٠٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ جَزائِيَّةٌ، كَقَوْلِكَ: ما تَصْنَعْ أصْنَعْ، وعَمَلُها الجَزْمُ في الشَّرْطِ والجَزاءِ إذا كانا مُضارِعَيْنِ، فَقَوْلُهُ: (نَنْسَخْ) شَرْطٌ، وقَوْلُهُ: (نَأْتِ) جَزاءٌ، وكِلاهُما مَجْزُومانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّناسُخَ في اصْطِلاحِ العُلَماءِ عِبارَةٌ عَنْ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي كانَ ثابِتًا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ لا يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ تَراخِيهِ عَنْهُ عَلى وجْهٍ لَوْلاهُ لَكانَ ثابِتًا. فَقَوْلُنا: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ - نَعْنِي بِهِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ رَسُولِهِ، والفِعْلِ المَنقُولِ عَنْهُما. ويَخْرُجُ عَنْهُ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّرْعُ ناسِخًا لِحُكْمِ العَقْلِ، لِأنَّ العَقْلَ لَيْسَ طَرِيقًا شَرْعِيًّا، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُعْجِزُ ناسِخًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأنَّ المُعْجِزَ لَيْسَ طَرِيقًا شَرْعِيًّا، ولا يَلْزَمُ تَقَيُّدُ الحُكْمِ بِغايَةٍ أوْ شَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَراخٍ، ولا يَلْزَمُ ما إذا أمَرَنا اللَّهُ بِفِعْلٍ واحِدٍ، ثُمَّ نَهانا عَنْ مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذا النَّهْيِ ناسِخًا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ حُكْمِ الأمْرِ ثابِتًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: النَّسْخُ عِنْدَنا جائِزٌ عَقْلًا واقِعٌ سَمْعًا خِلافًا لِلْيَهُودِ، فَإنَّ مِنهم مَن أنْكَرَهُ عَقْلًا، ومِنهم مَن جَوَّزَهُ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مَنَعَ مِنهُ سَمْعًا، ويُرْوى عَنْ بَعْضِ المُسْلِمِينَ إنْكارُ النَّسْخِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ النَّسْخِ ووُقُوعِهِ؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ لا تَصِحُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِنَسْخِ شَرْعِ مَن قَبْلَهُ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِالنَّسْخِ، وأيْضًا قُلْنا: عَلى اليَهُودِ إلْزامانِ:
الأوَّلُ: جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الفُلْكِ: ”إنِّي جَعَلْتُ كُلَّ دابَّةٍ مَأْكَلًا لَكَ ولِذُرِّيَّتِكَ، وأطْلَقْتُ ذَلِكَ لَكم كَنَباتِ العُشْبِ ما خَلا الدَّمَ فَلا تَأْكُلُوهُ“، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلى مُوسى وعَلى بَنِي إسْرائِيلَ كَثِيرًا مِنَ الحَيَوانِ.
الثّانِي: كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُزَوِّجُ الأُخْتَ مِنَ الأخِ، وقَدْ حَرَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ مُنْكِرُو النَّسْخِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تَصِحُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ؛ لِأنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - أُمِرَ النّاسُ بِشَرْعِهِما إلى زَمانِ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرَ النّاسُ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعِنْدَ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - زالَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِهِما، وحَصَلَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أنْكَرُوا وُقُوعَ النَّسْخِ أصْلًا بَنَوْا مَذْهَبَهم عَلى هَذا الحَرْفِ، وقالُوا: قَدْ ثَبَتَ في القُرْآنِ أنَّ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَدْ بَشَّرا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ عِنْدَ ظُهُورِهِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى شَرْعِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَمَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ امْتَنَعَ الجَزْمُ بِوُقُوعِ النَّسْخِ، وهَذا هو الِاعْتِراضُ عَلى الإلْزامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، واحْتَجَّ مُنْكِرُو النَّسْخِ بِأنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شَرْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فاللَّفْظُ الدّالُّ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها دالَّةٌ عَلى دَوامِها أوْ لا عَلى دَوامِها، أوْ ما كانَ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ ولا عَلى اللّادَوامِ، فَإنْ بَيَّنَ فِيها ثُبُوتَها عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّها ما دامَتْ كانَ الخَبَرُ الأوَّلُ كَذِبًا، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الشَّرْعِ، وأيْضًا فَلَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَنا طَرِيقٌ إلى العِلْمِ بِأنَّ شَرْعَنا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ دائِمَةٌ ولا تَصِيرُ مَنسُوخَةً قَطُّ ألْبَتَّةَ، ولَكِنّا إذا رَأيْنا مِثْلَ هَذا الكَلامِ حاصِلًا في شَرْعِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ أنَّهُما لَمْ يَدُوما، زالَ الوُثُوقُ عَنْهُ في كُلِّ الصُّوَرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَيَنْسَخُهُ أوْ ما قَرَنَ بِهِ إلّا أنَّهُ نَصَّ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا في الجُمْلَةِ ؟ قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
صفحة ٢٠٧
أحَدُها: أنَّ التَّنْصِيصَ عَلى اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الدَّوامِ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يَدُومُ جَمْعٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، وإنَّهُ سَفَهٌ وعَبَثٌ.
وثانِيها: عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ شَرْعَهُما سَيَصِيرُ مَنسُوخًا، فَإذا نَقَلَ شَرْعَهُ وجَبَ أنْ يَنْقُلَ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ أيْضًا، لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَنْقُلَ أصْلَ الشَّرْعِ بِدُونِ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ لَجازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا أيْضًا، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَنا طَرِيقٌ إلى القَطْعِ بِأنَّ شَرْعَنا غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ فِيها الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ اشْتِهارُهُ وبُلُوغُهُ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، وإلّا فَلَعَلَّ القُرْآنَ عُورِضَ، ولَمْ تُنْقَلْ مُعارَضَتُهُ، ولَعَلَّ مُحَمَّدًا ﷺ غَيَّرَ هَذا الشَّرْعَ عَنْ هَذا الوَضْعِ ولَمْ يُنْقَلْ، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ أنْ تُنْقَلَ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ، فَنَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ في زَمانِ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ شَرْعَيْهِما سَيَصِيرانِ مَنسُوخَيْنِ لَكانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا لِأهْلِ التَّواتُرِ، ومَعْلُومًا لَهم بِالضَّرُورَةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لاسْتَحالَ مُنازَعَةُ الجَمْعِ العَظِيمِ فِيهِ، فَحَيْثُ رَأيْنا اليَهُودَ والنَّصارى مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ شَرْعَيْهِما يَصِيرانِ مَنسُوخَيْنِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ عَلى شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ دائِمٍ. فَهَذا باطِلٌ لِما ثَبَتَ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ لِأهْلِ التَّواتُرِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ انْتِهاءً لِلْغايَةِ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ كَوْنَهُ دائِمًا، أوْ كَوْنَهُ غَيْرَ دائِمٍ، فَنَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ مُجَرَّدَ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، وإنَّما يُفِيدُ المَرَّةَ الواحِدَةَ، فَإذا أتى المُكَلَّفُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الأمْرِ، فَوُرُودُ أمْرٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكُونُ نَسْخًا لِلْأمْرِ الأوَّلِ، فَثَبَتَ بِهَذا التَّقْسِيمِ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ مُحالٌ.
واعْلَمْ أنّا بَعْدَ أنْ قَرَّرْنا هَذِهِ الجُمْلَةَ في كِتابِ المَحْصُولِ في أُصُولِ الفِقْهِ تَمَسَّكْنا في وُقُوعِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾، والِاسْتِدْلالُ بِهِ أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”ما“ هَهُنا تُفِيدُ الشَّرْطَ والجَزاءَ، وكَما أنَّ قَوْلَكَ: ومَن جاءَكَ فَأكْرِمْهُ - لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَجِيءِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مَتى جاءَ وجَبَ الإكْرامُ، فَكَذا هَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى حُصُولِ النَّسْخِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ النَّسْخُ وجَبَ أنْ يَأْتِيَ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ، فالأقْوى أنْ نُعَوِّلَ في الإثْباتِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اتَّفَقُوا عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ في القُرْآنِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: هَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾، أجابَ أبُو مُسْلِمٍ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ المَنسُوخَةِ هي الشَّرائِعُ الَّتِي في الكُتُبِ القَدِيمَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كالسَّبْتِ والصَّلاةِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنّا وتَعَبَّدَنا بِغَيْرِهِ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ”لا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم“، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ النَّسْخِ نَقْلُهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وتَحْوِيلُهُ عَنْهُ إلى سائِرِ الكُتُبِ، وهو كَما يُقالُ نَسَخْتُ الكِتابَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ، بَلْ عَلى أنَّهُ لَوْ وقَعَ النَّسْخُ لَوَقَعَ إلى خَيْرٍ مِنهُ، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّ الآياتِ إذا أُطْلِقَتْ فالمُرادُ
صفحة ٢٠٨
بِها آياتُ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ هو المَعْهُودُ عِنْدَنا.
وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ نَقْلَ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ القُرْآنِ، وهَذا النَّسْخُ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالقُرْآنِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ الدَّلائِلِ، وعَلى الثّانِي: لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّسْخَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ القُرْآنِ، بَلِ التَّقْدِيرُ واللَّهُ أعْلَمُ: ما نَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَإنّا نَأْتِي بَعْدَهُ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِلْقائِلِينَ بِوُقُوعِ النَّسْخِ في القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها بِالِاعْتِدادِ حَوْلًا كامِلًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ ما زالَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ حامِلًا ومُدَّةُ حَمْلِها حَوْلٌ كامِلٌ لَكانَتْ عِدَّتُها حَوْلًا كامِلًا، وإذا بَقِيَ هَذا الحُكْمُ في بَعْضِ الصُّوَرِ كانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لا ناسِخًا، والجَوابُ: أنْ مُدَّةَ عِدَّةِ الحَمْلِ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الحَمْلِ، سَواءٌ حَصَلَ وضْعُ الحَمْلِ بِسَنَةٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، فَجَعْلُ السَّنَةِ العِدَّةَ يَكُونُ زائِلًا بِالكُلِّيَّةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أمَرَ اللَّهُ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوى الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّما زالَ ذَلِكَ لِزَوالِ سَبَبِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ التَّعَبُّدِ بِها أنْ يَمْتازَ المُنافِقُونَ مِن حَيْثُ لا يَتَصَدَّقُونَ عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا حَصَلَ هَذا الغَرَضُ سَقَطَ التَّعَبُّدُ. والجَوابُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَن لَمْ يَتَصَدَّقْ مُنافِقًا، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ غَيْرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] .
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِثَباتِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] .
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أزالَهم عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حُكْمُ تِلْكَ القِبْلَةِ ما زالَ بِالكُلِّيَّةِ، لِجَوازِ التَّوَجُّهِ إلَيْها عِنْدَ الإشْكالِ، أوْ مَعَ العِلْمِ إذا كانَ هُناكَ عُذْرٌ. الجَوابُ: أنَّ عَلى ما ذَكَرْتَهُ لا فَرْقَ بَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ وسائِرِ الجِهاتِ، فالخُصُوصِيَّةُ الَّتِي بِها امْتازَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَنْ سائِرِ الجِهاتِ قَدْ زالَتْ بِالكُلِّيَّةِ فَكانَ نَسْخًا.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] والتَّبْدِيلُ يَشْتَمِلُ عَلى رَفْعٍ وإثْباتٍ، والمَرْفُوعُ إمّا التِّلاوَةُ وإمّا الحُكْمُ، فَكَيْفَ كانَ فَهو رَفْعٌ ونَسْخٌ، وإنَّما أطْنَبْنا في هَذِهِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ في الجُمْلَةِ، واحْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كِتابَهُ بِأنَّهُ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، فَلَوْ نُسِخَ لَكانَ قَدْ أتاهُ الباطِلُ. والجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الكِتابَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ ما يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِيهِ مِن بَعْدِهِ أيْضًا ما يُبْطِلُهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: المَنسُوخُ إمّا أنْ يَكُونَ هو الحُكْمَ فَقَطْ أوِ التِّلاوَةَ فَقَطْ أوْ هُما مَعًا، أمّا الَّذِي يَكُونُ المَنسُوخُ هو الحُكْمَ دُونَ التِّلاوَةِ فَكَهَذِهِ الآياتِ الَّتِي عَدَدْناها، وأمّا الَّذِي يَكُونُ المَنسُوخُ هو التِّلاوَةَ فَقَطْ، فَكَما
صفحة ٢٠٩
يُرْوى عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“، ورُوِيَ: ”«لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى إلَيْهِما ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» “، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مَنسُوخَ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ مَعًا فَهو ما رَوَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ القُرْآنَ قَدْ نَزَلَ في الرَّضاعِ بِعَشْرٍ مَعْلُوماتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فالعَشْرُ مَرْفُوعُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ جَمِيعًا، والخُمْسُ مَرْفُوعُ التِّلاوَةِ باقِي الحُكْمِ. ويُرْوى أيْضًا أنَّ سُورَةَ الأحْزابِ كانَتْ بِمَنزِلَةِ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ أزْيَدَ ثُمَّ وقَعَ النُّقْصانُ فِيهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ فَمِنهم مَن فَسَّرَ النَّسْخَ بِالإزالَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالنَّسْخِ بِمَعْنى نَسَخْتُ الكِتابَ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ وأنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ أوْ نُنْسِها، أيْ: مِنَ القُرْآنِ ما قُرِئَ بَيْنَكم ثُمَّ نُسِّيتُمْ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، فَحَمَلُوهُ عَلى نَسْخِ الحُكْمِ دُونَ التِّلاوَةِ، ونُنْسِها عَلى نَسْخِ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ مَعًا، فَإنْ قِيلَ: وُقُوعُ هَذا النِّسْيانِ مَمْنُوعٌ عَقْلًا وشَرْعًا. أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ القُرْآنَ لا بُدَّ مِن إيصالِهِ إلى أهْلِ التَّواتُرِ، والنِّسْيانُ عَلى أهْلِ التَّواتُرِ بِأجْمَعِهِمْ مُمْتَنِعٌ.
وأمّا النَّقْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْيانَ يَصِحُّ بِأنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِطَرْحِهِ مِنَ القُرْآنِ، وإخْراجِهِ مِن جُمْلَةِ ما يُتْلى ويُؤْتى بِهِ في الصَّلاةِ أوْ يُحْتَجُّ بِهِ، فَإذا زالَ حُكْمُ التَّعَبُّدِ بِهِ وطالَ العَهْدُ نُسِيَ، أوْ إنْ ذُكِرَ فَعَلى طَرِيقِ ما يُذْكَرُ خَبَرُ الواحِدِ فَيَصِيرُ لِهَذا الوَجْهِ مَنسِيًّا عَنِ الصُّدُورِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُرْوى فِيهِ خَبَرٌ: أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ السُّورَةَ، فَيُصْبِحُونَ وقَدْ نَسُوها.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦] وبِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] .
القَوْلُ الثّانِي: ”﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾“ أيْ: نُبَدِّلْها، إمّا بِأنْ نُبَدِّلَ حُكْمَها فَقَطْ أوْ تِلاوَتَها فَقَطْ أوْ نُبَدِّلَهُما، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نُنْسِها﴾ فالمُرادُ نَتْرُكُها كَما كانَتْ فَلا نُبَدِّلُها، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ النِّسْيانَ بِمَعْنى التَّرْكِ قَدْ جاءَ، فَيَصِيرُ حاصِلُ الآيَةِ أنَّ الَّذِي نُبَدِّلُهُ فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنهُ أوْ مِثْلِهِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾، أيْ: ما نَرْفَعْها بَعْدَ إنْزالِها أوْ نَنْسَأْها عَلى قِراءَةِ الهَمْزَةِ، أيْ: نُؤَخِّرْ إنْزالَها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ نُؤَخِّرُ نَسْخَها، فَلا نَنْسَخُها في الحالِ، فَإنّا نُنَزِّلُ بَدَلَها ما يَقُومُ مَقامَها في المَصْلَحَةِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾، وهي الآيَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً في الحُكْمِ والتِّلاوَةِ مَعًا، أوْ نُنْسِها، أيْ نَتْرُكْها، وهي الآيَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً في الحُكْمِ، ولَكِنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ في التِّلاوَةِ، بَلْ هي باقِيَةٌ في التِّلاوَةِ، فَأمّا مَن قالَ بِالقَوْلِ الثّانِي: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، أيْ نَنْسَخْها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ نَنْسَأْها، نُؤَخِّرْها. وأمّا قِراءَةُ ”نُنْسِها“ فالمَعْنى نَتْرُكُها يَعْنِي نَتْرُكُ نَسْخَها فَلا نَنْسَخُها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ فَكُلُّ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَ أبِي مُسْلِمٍ، فَإنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.
* * *
صفحة ٢١٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الأخَفُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الأصْلَحُ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ المُكَلَّفُ عَلى مَصالِحِهِ، لا عَلى ما هو أخَفُّ عَلى طِباعِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الثّانِي أصْلَحَ مِنَ الأوَّلِ، لَكانَ الأوَّلُ ناقِصَ الصَّلاحِ فَكَيْفَ أمَرَ اللَّهُ بِهِ ؟ قُلْنا: الأوَّلُ أصْلَحُ مِنَ الثّانِي بِالنِّسْبَةِ إلى الوَقْتِ الأوَّلِ، والثّانِي بِالعَكْسِ مِنهُ، فَزالَ السُّؤالُ. واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اسْتَنْبَطُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ أكْثَرَ مَسائِلِ النَّسْخِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمٌ: لا يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ إلّا إلى بَدَلٍ، واحْتَجُّوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا نَسَخَ لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ، أوْ بِما يَكُونُ مِثْلَهُ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في وُجُوبِ البَدَلِ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ نَفْيَ ذَلِكَ الحُكْمِ، وإسْقاطَ التَّعَبُّدِ بِهِ - خَيْرٌ مِن ثُبُوتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ لا إلى بَدَلٍ أنَّهُ نَسَخَ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ لا إلى بَدَلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَوْمٌ: لا يَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ إلى ما هو أثْقَلُ مِنهُ، واحْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ يُنافِي كَوْنَهُ أثْقَلَ؛ لِأنَّ الأثْقَلَ لا يَكُونُ خَيْرًا مِنهُ ولا مِثْلَهُ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَيْرِ ما يَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَسَخَ في حَقِّ الزُّناةِ الحَبْسَ في البُيُوتِ إلى الجَلْدِ والرَّجْمِ، ونَسَخَ صَوْمَ عاشُوراءَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، وكانَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ قَوْمٍ فَنُسِخَتْ بِأرْبَعٍ في الحَضَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا نَسْخُ الشَّيْءِ إلى الأثْقَلِ فَقَدْ وقَعَ في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ، وأمّا نَسْخُهُ إلى الأخَفِّ فَكَنَسْخِ العِدَّةِ مِن حَوْلٍ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، وكَنَسْخِ صَلاةِ اللَّيْلِ إلى التَّخْيِيرِ فِيها. وأمّا نَسْخُ الشَّيْءِ إلى المِثْلِ فَكالتَّحْوِيلِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الكِتابُ لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ ما يَنْسَخُهُ مِنَ الآياتِ يَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ يَأْتِي بِما هو مِن جِنْسِهِ، كَما إذا قالَ الإنْسانُ: ما آخُذُ مِنكَ مِن ثَوْبٍ آتِيكَ بِخَيْرٍ مِنهُ، يُفِيدُ أنَّهُ يَأْتِيهِ بِثَوْبٍ مِن جِنْسِهِ خَيْرٍ مِنهُ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِهِ فَجِنْسُ القُرْآنِ قُرْآنٌ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ يُفِيدُ أنَّهُ القُرْآنُ الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ دُونَ السُّنَّةِ الَّتِي يَأْتِي بِها الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ يُفِيدُ أنَّ المَأْتِيَّ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الآيَةِ، والسُّنَّةُ لا تَكُونُ خَيْرًا مِنَ القُرْآنِ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ الآتِيَ بِذَلِكَ الخَيْرِ هو المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الخَيْراتِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى. والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ بِأسْرِها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ لَيْسَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، بَلْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الخَيْرُ شَيْئًا مُغايِرًا لِلنّاسِخِ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ النَّسْخِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ هَذا الِاحْتِمالِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإتْيانَ بِذَلِكَ الخَيْرِ مُرَتَّبٌ عَلى نَسْخِ الآيَةِ الأوْلى، فَلَوْ كانَ نَسْخُ تِلْكَ الآيَةِ مُرَتَّبًا عَلى الإتْيانِ بِهَذا الخَيْرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ، ثُمَّ احْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأنَّ آيَةَ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ مَنسُوخَةٌ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» “ وبِأنَّ آيَةَ الجَلْدِ صارَتْ مَنسُوخَةً بِخَبَرِ الرَّجْمِ.
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَ المِيراثِ حَقًّا لِلْوارِثِ يَمْنَعُ مِن صَرْفِهِ إلى الوَصِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ آيَةَ المِيراثِ مانِعَةٌ مِنَ الوَصِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوى أنَّ قَوْلَهُ ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ“ كانَ قُرْآنًا، فَلَعَلَّ النَّسْخَ إنَّما وقَعَ بِهِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢١١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَتَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى تَصْرِيفِ المُكَلَّفِ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ لا دافِعَ لِما أرادَ، ولا مانِعَ لِما اخْتارَ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ النّاسِخُ والمَنسُوخُ قَدِيمَيْنِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لَأنَّ النّاسِخَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنِ المَنسُوخِ، والمُتَأخِّرُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، وأمّا المَنسُوخُ فَلِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَزُولَ ويَرْتَفِعَ، وما ثَبَتَ زَوالُهُ اسْتَحالَ قِدَمُهُ بِالِاتِّفاقِ.
وثانِيها: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ خَيْرٌ مِن بَعْضٍ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ قَدِيمًا.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نَسْخِ بَعْضِها، والإتْيانِ بِشَيْءٍ آخَرَ بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وما كانَ داخِلًا تَحْتَ القُدْرَةِ وكانَ فِعْلًا كانَ مُحْدَثًا، أجابَ الأصْحابُ عَنْهُ: بِأنَّ كَوْنَهُ ناسِخًا ومَنسُوخًا إنَّما هو مِن عَوارِضِ الألْفاظِ والعِباراتِ واللُّغاتِ، ولا نِزاعَ في حُدُوثِها، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ الَّذِي هو مَدْلُولُ العِباراتِ والِاصْطِلاحاتِ مُحْدَثٌ ؟ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي هو مَدْلُولُ العِباراتِ واللُّغاتِ لا شَكَّ أنَّ تَعَلُّقَهُ الأوَّلَ قَدْ زالَ وحَدَثَ لَهُ تَعَلُّقٌ آخَرُ، فالتَّعَلُّقُ الأوَّلُ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّهُ زالَ، والقَدِيمُ لا يَزُولُ، والتَّعَلُّقُ الثّانِي حادِثٌ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ، والكَلامُ الحَقِيقِيُّ لا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ التَّعَلُّقاتِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ التَّعَلُّقاتِ (مُحْدَثٌ) وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ والكَلامُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا.
أجابَ الأصْحابُ: أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ كانَتْ في الأزَلِ مُتَعَلِّقَةً بِإيجادِ العالِمِ، فَعِنْدَ دُخُولِ العالَمِ في الوُجُودِ هَلْ بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ أوْ لَمْ يَبْقَ ؟ فَإنْ بَقِيَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ القادِرُ قادِرًا عَلى إيجادِ المَوْجُودِ، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ؛ فَيَلْزَمُكم حُدُوثُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ، وكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَعِنْدَ دُخُولِ العالَمِ في الوُجُودِ إنْ بَقِيَ التَّعَلُّقُ الأوَّلُ كانَ جَهْلًا، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَيَلْزَمُكم كَوْنُ التَّعَلُّقِ الأوَّلِ حادِثًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَما زالَ، ويَكُونُ التَّعَلُّقُ الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ حادِثًا، فَإذَنْ عالِمِيَّةُ اللَّهِ تَعالى لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّعَلُّقاتِ الحادِثَةِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فَعالِمِيَّةُ اللَّهِ مُحْدَثَةٌ، فَكُلُّ ما تَجْعَلُونَهُ جَوابًا عَنِ العالِمِيَّةِ والقادِرِيَّةِ فَهو جَوابُنا عَنِ الكَلامِ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَقْرِيرِهِ فَلا نُعِيدُهُ، والقَدِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، وهو بِناءُ المُبالَغَةِ.
البقرة 2:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكَمَ بِجَوازِ النَّسْخِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ،
صفحة ٢١٢
وهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما حَسُنَ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ؛ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِلْخَلْقِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا، وأنَّهُ إنَّما حَسُنَ التَّكْلِيفُ مِنهُ لِمَحْضِ كَوْنِهِ مالِكًا لِلْخَلْقِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، لا لِثَوابٍ يَحْصُلُ، أوْ لِعِقابٍ يَنْدَفِعُ.
قالَ القَفّالُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى أمْرِ القِبْلَةِ، فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَهم بِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ الأمْكِنَةَ والجِهاتِ كُلَّها لَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ الجِهاتِ أكْبَرَ حُرْمَةً مِنَ البَعْضِ، إلّا مِن حَيْثُ يَجْعَلُها هو تَعالى لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ إنَّما هو مَحْضُ التَّخْصِيصِ بِالتَّشْرِيفِ، فَلا مانِعَ يَمْنَعُ مِن تَغَيُّرِهِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، وأمّا الوَلِيُّ والنَّصِيرُ فَكِلاهُما فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُلْكَ غَيْرُ القُدْرَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلَوْ كانَ المُلْكُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ هَذا تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ المُلْكِ والقُدْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .
البقرة 2:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”أمْ“ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُتَّصِلَةٍ، ومُنْقَطِعَةٍ، فالمُتَّصِلَةُ عَدِيلَةُ الألِفِ، وهي مُفَرِّقَةٌ لِما جَمَعَتْهُ (أيٌّ) كَما أنَّ ”أوْ“ مُفَرِّقَةٌ لِما جَمَعَتْهُ، تَقُولُ: اضْرِبْ أيَّهم شِئْتَ زَيْدًا أمْ عَمْرًا، فَإذا قُلْتَ: اضْرِبْ أحَدَهم، قُلْتَ: اضْرِبْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا، والمُنْقَطِعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ كَلامٍ تامٍّ، لِأنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ والألِفِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها الإبِلُ أمْ شاءٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ هي شاءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: بَلْ يَقُولُونَ، قالَ الأخْطَلُ:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ والجُبّائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ وهَذا الكَلامُ لا يَصِحُّ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾ يَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وقُولُوا: انْظُرْنا واسْمَعُوا، فَهَلْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَما أُمِرْتُمْ، أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم ؟ .
الثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ أُمُورٍ لا خَيْرَ لَهم في البَحْثِ عَنْها، لِيَعْلَمُوها، كَما سَألَ اليَهُودُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَمْ يَكُنْ لَهم فِيهِ خَيْرٌ عَنِ البَحْثِ عَنْهُ.
الرّابِعُ: سَألَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ كَما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ذاتُ أنْواطٍ، وهي شَجَرَةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها، ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، كَما سَألُوا مُوسى أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. قالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ ما أُومِنُ بِكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا، أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ، أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ، أوْ تَرْقى في السَّماءِ بِأنْ تَصْعَدَ، ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا مِنَ اللَّهِ إلى
صفحة ٢١٣
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فاتَّبِعُوهُ.
وقالَ لَهُ بَقِيَّةُ الرَّهْطِ: فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ذَلِكَ فائْتِنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ جُمْلَةً واحِدَةً، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ والفَرائِضُ، كَما جاءَ مُوسى إلى قَوْمِهِ بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيها كُلُّ ذَلِكَ، فَنُؤْمِنُ بِكَ عِنْدَ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم مُحَمَّدًا أنْ يَأْتِيَكُمُ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما سَألَ السَّبْعُونَ، فَقالُوا: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وفِضَّةً، فَقالَ: نَعَمْ، هو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ورَجَعُوا.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ اليَهُودُ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] حِكايَةٌ عَنْهم، ومَحاجَّةٌ مَعَهم، ولِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ولِأنَّهُ جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ وما جَرى ذِكْرُ غَيْرِهِمْ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُهُ، فَإذا سَألَهُ كانَ مُتَبَدِّلًا كُفْرًا بِالإيمانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ في ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنَّهم أتَوْا بِالسُّؤالِ فَضْلًا عَنْ كَيْفِيَّةِ السُّؤالِ، بَلِ المَرْجِعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها في أنَّهم سَألُوا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْمُعْجِزاتِ، فَمِن أيْنَ أنَّهُ كُفْرٌ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ عَلى الشَّيْءِ لا يَكُونُ كُفْرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِوَجْهِ الحِكْمَةِ المُفَصَّلَةِ في نَسْخِ الأحْكامِ، فَهَذا أيْضًا لا يَكُونُ كُفْرًا؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا الحِكْمَةَ التَّفْصِيلِيَّةَ في خِلْقَةِ البَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُفْرًا، فَلَعَلَّ الأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، وإنْ كانُوا طَلَبُوا المُعْجِزاتِ فَإنَّهم يَطْلُبُونَها عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، فَلِهَذا كَفَرُوا بِسَبَبِ هَذا السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِجَوازِ النَّسْخِ في الشَّرائِعِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يُطالِبُونَهُ بِتَفاصِيلِ ذَلِكَ الحُكْمِ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وبَيَّنَ أنَّهم لَيْسَ لَهم أنْ يَشْتَغِلُوا بِهَذِهِ الأسْئِلَةِ كَما أنَّهُ ما كانَ لِقَوْمِ مُوسى أنْ يَذْكُرُوا أسْئِلَتَهُمُ الفاسِدَةَ.
وثانِيها: لَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، قالَ لَهم: إنْ لَمْ تَقْبَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ وتَمَرَّدْتُمْ عَنِ الطّاعَةِ، كُنْتُمْ كَمَن سَألَ مُوسى ما لَيْسَ لَهُ أنْ يَسْألَهُ؛ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.
وثالِثُها: لَمّا أمَرَ ونَهى، قالَ: أتَفْعَلُونَ ما أُمِرْتُمْ، أمْ تَفْعَلُونَ كَما فَعَلَ مَن قَبْلَكم مِن قَوْمِ مُوسى ؟
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسَطَهُ، قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أيْ: وسَطِ الجَحِيمِ، والغَرَضُ التَّشْبِيهُ دُونَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ في ذَلِكَ أنَّ مَن سَلَكَ طَرِيقَةَ الإيمانِ فَهو جارٍ عَلى الِاسْتِقامَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى الفَوْزِ والظَّفَرِ بِالطِّلْبَةِ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، فالمُبَدِّلُ لِذَلِكَ بِالكُفْرِ عادِلٌ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
البقرة 2:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَيْدِ اليَهُودِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ «رُوِيَ أنَّ فِنْحاصَ بْنَ
صفحة ٢١٤
عازُوراءَ»، وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكم وأفْضَلُ، ونَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ عَمّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ فِيكم ؟ قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ: فَإنِّي قَدْ عاهَدْتُ أنِّي لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ما عِشْتُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا هَذا فَقَدَ صَبَأ، وقالَ حُذَيْفَةُ: وأمّا أنا فَقَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا، ثُمَّ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَراهُ، فَقالَ: أصَبْتُما خَيْرًا وأفْلَحْتُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنّا نَتَكَلَّمُ أوَّلًا في الحَسَدِ ثُمَّ نَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ.
المَسْألَةُ الأُولى: في ذَمِّ الحَسَدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ» “ .
الثّانِي: قالَ أنَسٌ: ”«كُنّا يَوْمًا جالِسِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِن هَذا الفَجِّ رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ تَنْظِفُ لِحْيَتُهُ مِن وُضُوئِهِ، وقَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ في شِمالِهِ فَسَلَّمَ، فَلَمّا كانَ الغَدُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وقالَ في اليَوْمِ الثّالِثِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَمّا قامَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقالَ: إنِّي تَأذَّيْتُ مِن أبِي فَأقْسَمْتُ لا أدْخُلُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَذْهَبَ بِي إلى دارِكَ فَعَلْتَ، قالَ: نَعَمْ، فَباتَ عِنْدَهُ ثَلاثَ لَيالٍ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أنَّهُ إذا انْقَلَبَ عَلى فِراشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ ولا يَقُومُ حَتّى يَقُومَ لِصَلاةِ الفَجْرِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أسْمَعْهُ يَقُولُ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا مَرَّتِ الثَّلاثُ، وكِدْتُ أنْ أحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذا وكَذا، فَأرَدْتُ أنْ أعْرِفَ عَمَلَكَ، فَلَمْ أرَكَ تَعْمَلُ عَمَلًا كَثِيرًا، فَما الَّذِي بَلَغَ بِكَ ذاكَ ؟ قالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ. فَلَمّا ولَّيْتُ دَعانِي، فَقالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في نَفْسِي عَيْبًا ولا حَسَدًا عَلى خَيْرٍ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هي الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وهي الَّتِي لا تُطاقُ» “ .
الثّالِثُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكم، الحَسَدُ والبَغْضاءُ، والبِغْضَةُ هي الحالِقَةُ، لا أقُولُ حالِقَةُ الشَّعْرِ، ولَكِنْ حالِقَةُ الدِّينِ» “ .
الرّابِعُ: قالَ: ”«إنَّهُ سَيُصِيبُ أُمَّتِي داءُ الأُمَمِ، قالُوا: ما داءُ الأُمَمِ ؟ قالَ: الأشَرُ والبَطَرُ والتَّكاثُرُ والتَّنافُسُ في الدُّنْيا والتَّباعُدُ والتَّحاسُدُ حَتّى يَكُونَ البَغْيُ ثُمَّ الهَرْجُ» “ .
الخامِسُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَهَبَ إلى رَبِّهِ رَأى في ظِلِّ العَرْشِ رَجُلًا يُغْبَطُ بِمَكانِهِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَكَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِاسْمِهِ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، وقالَ: أُحَدِّثُكَ مِن عَمَلِهِ ثَلاثًا: كانَ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وكانَ لا يَعُقُّ والِدَيْهِ، ولا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.
السّادِسُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ لِنِعَمِ اللَّهِ أعْداءً، قِيلَ: وما أُولَئِكَ ؟ قالَ: الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ» “ .
السّابِعُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سِتَّةٌ يَدْخُلُونَ النّارَ قَبْلَ الحِسابِ: الأُمَراءُ بِالجَوْرِ، والعَرَبُ بِالعَصَبِيَّةِ، والدَّهاقِينُ بِالتَّكَبُّرِ، والتُّجّارُ بِالخِيانَةِ، وأهْلُ الرُّسْتاقِ بِالجَهالَةِ، والعُلَماءُ بِالحَسَدِ» “ .
أمّا الآثارُ:
فالأوَّلُ: حُكِيَ أنَّ عَوْفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلى الفَضْلِ بْنِ المُهَلَّبِ، وكانَ يَوْمَئِذٍ عَلى واسِطَ، فَقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أعِظَكَ بِشَيْءٍ، إيّاكَ والكِبْرَ، فَإنَّهُ أوَّلُ ذَنْبٍ عَصى اللَّهَ بِهِ إبْلِيسُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] وإيّاكَ والحِرْصَ؛ فَإنَّهُ أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ؛ أسْكَنَهُ اللَّهُ في جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ فَأكَلَ مِنها، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿اهْبِطا مِنها﴾ [طه: ١٢٣] وإيّاكَ والحَسَدَ؛ فَإنَّهُ قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ حِينَ حَسَدَهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] .
الثّانِي:
صفحة ٢١٥
قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ما حَسَدْتُ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَكَيْفَ أحْسُدُهُ عَلى الدُّنْيا وهي حَقِيرَةٌ في الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَكَيْفَ أحْسُدُهُ عَلى أمْرِ الدُّنْيا وهو يَصِيرُ إلى النّارِ.
الثّالِثُ: قالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: هَلْ يَحْسُدُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: ما أنْساكَ بَنِي يَعْقُوبَ، إلّا أنَّهُ لا يَضُرُّكَ ما لَمْ تُعِدَّ بِهِ يَدًا ولِسانًا.
الرّابِعُ: قالَ مُعاوِيَةُ: كُلُّ النّاسِ أقْدَرُ عَلى رِضاهُ إلّا الحاسِدَ؛ فَإنَّهُ لا يُرْضِيهِ إلّا زَوالُ النِّعْمَةِ.
الخامِسُ: قِيلَ: الحاسِدُ لا يَنالُ مِنَ المَجالِسِ إلّا مَذَمَّةً وذُلًّا، ولا يَنالُ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا لَعْنَةً وبُغْضًا، ولا يَنالُ مِنَ الخَلْقِ إلّا جَزَعًا وغَمًّا، ولا يَنالُ عِنْدَ الفَزَعِ إلّا شِدَّةً وهَوْلًا، وعِنْدَ المَوْقِفِ إلّا فَضِيحَةً ونَكالًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حَقِيقَةِ الحَسَدِ: إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى أخِيكَ بِنِعْمَةٍ، فَإنْ أرَدْتَ زَوالَها، فَهَذا هو الحَسَدُ، وإنِ اشْتَهَيْتَ لِنَفْسِكَ مِثْلَها، فَهَذا هو الغِبْطَةُ والمُنافَسَةُ، أمّا الأوَّلُ فَحَرامٌ بِكُلِّ حالٍ، إلّا نِعْمَةً أصابَها فاجِرٌ أوْ كافِرٌ يَسْتَعِينُ بِها عَلى الشَّرِّ والفَسادِ، فَلا يَضُرُّكَ مَحَبَّتُكَ لِزَوالِها؛ فَإنَّكَ ما تُحِبُّ زَوالَها مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها يُتَوَسَّلُ بِها إلى الفَسادِ والشَّرِّ والأذى. والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَدَ ما ذَكَرْنا آياتٌ:
أحَدُها: هَذِهِ الآيَةُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ حُبَّهم زَوالَ نِعْمَةِ الإيمانِ حَسَدٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وهَذا الفَرَحُ شَماتَةٌ، والحَسَدُ والشَّماتَةُ مُتَلازِمانِ.
ورابِعُها: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَسَدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وعَبَّرَ عَمّا في قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حَسَدَهم لَهُ عِبارَةٌ عَنْ كَراهَتِهِمْ حُصُولَ تِلْكَ النِّعْمَةِ لَهُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩] أيْ لا تَضِيقُ بِهِ صُدُورُهم ولا يَغْتَمُّونَ، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الحَسَدِ.
وسادِسُها: قالَ تَعالى في مَعْرِضِ الإنْكارِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] .
وسابِعُها: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] قِيلَ في التَّفْسِيرِ: حَسَدًا.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] فَأنْزَلَ اللَّهُ العِلْمَ لِيُؤَلِّفَ بَيْنَهم عَلى طاعَتِهِ فَتَحاسَدُوا واخْتَلَفُوا، إذْ أرادَ كُلُّ واحِدٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِالرِّياسَةِ وقَبُولِ القَوْلِ.
وتاسِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ اليَهُودُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا قاتَلُوا قَوْمًا قالُوا: نَسْألُكَ بِالنَّبِيِّ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تُرْسِلَهُ، وبِالكِتابِ الَّذِي تُنْزِلُهُ إلّا تَنْصُرُنا، فَكانُوا يُنْصَرُونَ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَرَفُوهُ وكَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠] أيْ حَسَدًا. «وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: جاءَ أبِي وعَمِّي مِن عِنْدِكَ، فَقالَ أبِي لِعَمِّي: ما تَقُولُ فِيهِ ؟ قالَ: أقُولُ: إنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: فَما تَرى ؟ قالَ: أرى مُعاداتَهُ أيّامَ الحَياةِ»، فَهَذا حُكْمُ الحَسَدِ. أمّا المُنافَسَةُ فَلَيْسَتْ بِحَرامٍ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّفاسَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِحَرامٍ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وإنَّما المُسابَقَةُ عِنْدَ خَوْفِ الفَوْتِ، وهو كالعَبْدَيْنِ يَتَسابَقانِ إلى خِدْمَةِ مَوْلاهُما، إذْ يَجْزَعُ كُلُّ واحِدٍ أنْ يَسْبِقَهُ صاحِبُهُ، فَيَحْظى عِنْدَ مَوْلاهُ بِمَنزِلَةٍ لا يَحْظى هو بِها.
وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ
صفحة ٢١٦
اللَّهُ مالًا فَأنْفَقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَهو يَعْمَلُ بِهِ ويُعَلِّمُهُ النّاسَ“» .
وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ الحَسَدِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُنافَسَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: المُنافَسَةُ قَدْ تَكُونُ واجِبَةً ومَندُوبَةً ومُباحَةً، أمّا الواجِبَةُ فَكَما إذا كانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ نِعْمَةً دِينِيَّةً واجِبَةً كالإيمانِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ كانَ راضِيًا بِالمَعْصِيَةِ، وذَلِكَ حَرامٌ، وأمّا إنْ كانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِنَ الفَضائِلِ المَندُوبَةِ كالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّشْمِيرِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ، كانَتِ المُنافَسَةُ فِيها مَندُوبَةً، وأمّا إنْ كانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِنَ المُباحاتِ كانَتِ المُنافَسَةُ فِيها مِنَ المُباحاتِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَذْمُومُ أنْ يُحِبَّ زَوالَها عَنِ الغَيْرِ، فَأمّا أنْ يُحِبَّ حُصُولَها لَهُ، وزَوالَ النُّقْصانِ عَنْهُ، فَهَذا غَيْرُ مَذْمُومٍ، لَكِنَّ هَهُنا دَقِيقَةً، وهي أنَّ زَوالَ النُّقْصانِ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ لَهُ طَرِيقانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ ما حَصَلَ لِلْغَيْرِ.
والثّانِي: أنْ يَزُولَ عَنِ الغَيْرِ ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَإذا حَصَلَ اليَأْسُ عَنْ أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ فَيَكادُ القَلْبُ لا يَنْفَكُّ عَنْ شَهْوَةِ الطَّرِيقِ الآخَرِ، فَهَهُنا إنْ وجَدَ قَلْبَهُ بِحَيْثُ لَوْ قَدَرَ عَلى إزالَةِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَأزالَها، فَهو صاحِبُ الحَسَدِ المَذْمُومِ، وإنْ كانَ يَجِدُ قَلْبَهُ بِحَيْثُ تَرْدَعُهُ التَّقْوى عَنْ إزالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنِ الغَيْرِ فالمَرْجُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنْ ذَلِكَ، ولَعَلَّ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ لا يَنْفَكُّ المُؤْمِنُ عَنْهُنَّ: الحَسَدُ والظَّنُّ والطِّيَرَةُ، ثُمَّ قالَ: ولَهُ مِنهُنَّ مَخْرَجٌ، إذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ» “، أيْ: إنْ وجَدْتَ في قَلْبِكَ شَيْئًا فَلا تَعْمَلْ بِهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في حَقِيقَةِ الحَسَدِ، وكُلُّهُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ الغَزالِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في مَراتِبِ الحَسَدِ، قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هي أرْبَعَةٌ:
الأُولى: أنْ يُحِبَّ زَوالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ لَهُ، وهَذا غايَةُ الحَسَدِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يُحِبَّ زَوالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِثْلُ رَغْبَتِهِ في دارٍ حَسَنَةٍ أوِ امْرَأةٍ جَمِيلَةٍ، أوْ وِلايَةٍ نافِذَةٍ نالَها غَيْرُهُ، وهو يُحِبُّ أنْ تَكُونَ لَهُ، فالمَطْلُوبُ بِالذّاتِ حُصُولُهُ لَهُ، فَأمّا زَوالُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَمَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ.
الثّالِثَةُ: أنْ لا يَشْتَهِي عَنْها بَلْ يَشْتَهِي لِنَفَسِهِ مِثْلَها، فَإنْ عَجَزَ عَنْ مِثْلِها أحَبَّ زَوالَها لِكَيْ لا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما.
الرّابِعَةُ: أنْ يَشْتَهِيَ لِنَفَسِهِ مِثْلَها، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلا يُحِبُّ زَوالَها، وهَذا الأخِيرُ هو المَعْفُوُّ عَنْهُ إنْ كانَ في الدُّنْيا، والمَندُوبُ إلَيْهِ إنْ كانَ في الدِّينِ، والثّالِثَةُ مِنها مَذْمُومَةٌ وغَيْرُ مَذْمُومَةٍ، والثّانِيَةُ أخَفُّ مِنَ الثّالِثَةِ، والأوَّلُ مَذْمُومٌ مَحْضٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] فَتَمَنِّيهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وأمّا تَمَنِّيهِ عَيْنَ ذَلِكَ فَهو مَذْمُومٌ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلْحَسَدِ سَبْعَةَ أسْبابٍ:
السَّبَبُ الأوَّلُ: العَداوَةُ والبَغْضاءُ، فَإنَّ مَن آذاهُ إنْسانٌ أبْغَضَهُ قَلْبُهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ الغَضَبُ يُوَلِّدُ الحِقْدَ، والحِقْدُ يَقْتَضِي التَّشَفِّيَ والِانْتِقامَ، فَإنْ عَجَزَ المُبْغِضُ عَنِ التَّشَفِّي بِنَفْسِهِ أحَبَّ أنْ يَتَشَفّى مِنهُ الزَّمانُ، فَمَهْما أصابَ عَدُوَّهُ آفَةٌ وبَلاءٌ فَرِحَ، ومَهْما أصابَتْهُ نِعْمَةٌ ساءَتْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ضِدُّ مُرادِهِ، فالحَسَدُ مِن لَوازِمِ البُغْضِ والعَداوَةِ، ولا يُفارِقُهُما، وأقْصى الإمْكانِ في هَذا البابِ أنْ لا يُظْهِرَ تِلْكَ العَداوَةَ مِن نَفْسِهِ، وأنْ يَكْرَهَ تِلْكَ الحالَةَ مِن نَفْسِهِ، فَأمّا أنْ يُبْغِضَ إنْسانًا ثُمَّ تَسْتَوِي عِنْدَهُ مَسَرَّتُهُ ومَساءَتُهُ، فَهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الحَسَدِ هو الَّذِي وصَفَ اللَّهُ الكُفّارَ بِهِ، إذْ قالَ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١١٩، ١٢٠] وكَذا قالَ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] . واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ رُبَّما أفْضى إلى التَّنازُعِ والتَّقاتُلِ.
صفحة ٢١٧
السَّبَبُ الثّانِي: التَّعَزُّزُ، فَإنَّ واحِدًا مِن أمْثالِهِ إذا نالَ مَنصِبًا عالِيًا تَرَفَّعُ عَلَيْهِ، وهو لا يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُ ذَلِكَ، فَيُرِيدُ زَوالَ ذَلِكَ المَنصِبِ عَنْهُ، ولَيْسَ مِن غَرَضِهِ أنْ يَتَكَبَّرَ، بَلْ غَرَضُهُ أنْ يَدْفَعَ كِبْرَهُ، فَإنَّهُ قَدْ يَرْضى بِمُساواتِهِ، ولَكِنَّهُ لا يَرْضى بِتَرَفُّعِهِ عَلَيْهِ.
السَّبَبُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في طَبِيعَتِهِ أنْ يَسْتَخْدِمَ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ زَوالَ النِّعْمَةِ مِن ذَلِكَ الغَيْرِ لِيَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ الغَرَضِ، ومِن هَذا البابِ كانَ حَسَدُ أكْثَرِ الكُفّارِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ قالُوا: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنا غُلامٌ يَتِيمٌ، وكَيْفَ نُطَأْطِئُ لَهُ رُءُوسَنا ؟ فَقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقالَ تَعالى يَصِفُ قَوْلَ قُرَيْشٍ: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] كالِاسْتِحْقارِ بِهِمْ والأنَفَةِ مِنهم.
السَّبَبُ الرّابِعُ: التَّعَجُّبُ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، إذْ قالُوا: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥]، وقالُوا: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقالُوا مُتَعَجِّبِينَ: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] وقالَ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] .
السَّبَبُ الخامِسُ: الخَوْفُ مِن فَوْتِ المَقاصِدِ، وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالمُتَزاحِمِينَ عَلى مَقْصُودٍ واحِدٍ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحْسُدُ صاحِبَهُ في كُلِّ نِعْمَةٍ تَكُونُ عَوْنًا لَهُ في الِانْفِرادِ بِمَقْصُودِهِ، ومِن هَذا البابِ تَحاسُدُ الضَّرّاتِ في التَّزاحُمِ عَلى مَقاصِدِ الزَّوْجِيَّةِ، وتَحاسُدُ الإخْوَةِ في التَّزاحُمِ عَلى نَيْلِ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الأبَوَيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقاصِدِ المالِ والكَرامَةِ، وكَذَلِكَ تَحاسُدُ الواعِظِينَ المُتَزاحِمِينَ عَلى أهْلِ بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، إذْ كانَ غَرَضُهُما نَيْلَ المالِ والقَبُولِ عِنْدَهم.
السَّبَبُ السّادِسُ: حُبُّ الرِّياسَةِ وطَلَبُ الجاهِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَوَسُّلٍ بِهِ إلى مَقْصُودِهِ، وذَلِكَ كالرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَ عَدِيمَ النَّظِيرِ في فَنٍّ مِنَ الفُنُونِ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ بِنَظِيرٍ لَهُ في أقْصى العالَمِ ساءَهُ ذَلِكَ، وأحَبَّ مَوْتَهُ وزَوالَ النِّعْمَةِ الَّتِي بِها يُشارِكُهُ في المَنزِلَةِ مِن شَجاعَةٍ أوْ عِلْمٍ أوْ زُهْدٍ أوْ ثَرْوَةٍ، ويَفْرَحُ بِسَبَبِ تَفَرُّدِهِ.
السَّبَبُ السّابِعُ: شُحُّ النَّفْسِ بِالخَيْرِ عَلى عِبادِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَجِدُ مَن لا يَشْتَغِلُ بِرِياسَةٍ ولا بِكِبْرٍ ولا بِطَلَبِ مالٍ، إذا وُصِفَ عِنْدَهُ حُسْنُ حالِ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وإذا وُصِفَ اضْطِرابُ أُمُورِ النّاسِ وإدْبارُهم وتَنَغُّصُ عَيْشِهِمْ فَرِحَ بِهِ، فَهو أبَدًا يُحِبُّ الإدْبارَ لِغَيْرِهِ، ويَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، كَأنَّهم يَأْخُذُونَ ذَلِكَ مِن مِلْكِهِ وخِزانَتِهِ، ويُقالُ: البَخِيلُ مَن بَخِلَ بِمالِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ لا عَداوَةٌ ولا رابِطَةٌ، وهَذا لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ إلّا خُبْثُ النَّفْسِ، ورَذالَةُ جِبِلَّتِهِ في الطَّبْعِ؛ لِأنَّ سائِرَ أنْواعِ الحَسَدِ يُرْجى زَوالُهُ لِإزالَةِ سَبَبِهِ، وهَذا خُبْثٌ في الجِبِلَّةِ لا عَنْ سَبَبٍ عارِضٍ فَتَعْسُرُ إزالَتُهُ. فَهَذِهِ هي أسْبابُ الحَسَدِ، وقَدْ يَجْتَمِعُ بَعْضُ هَذِهِ الأسْبابِ أوْ أكْثَرُها أوْ جَمِيعُها في شَخْصٍ واحِدٍ، فَيَعْظُمُ فِيهِ الحَسَدُ، ويَقْوى قُوَّةً لا يَقْوى صاحِبُها مَعَها عَلى الإخْفاءِ والمُجامَلَةِ، بَلْ يَهْتِكُ حِجابَ المُجامَلَةِ، ويُظْهِرُ العَداوَةَ بِالمُكاشَفَةِ، وأكْثَرُ المُحاسَداتِ تَجْتَمِعُ فِيها جُمْلَةٌ مِن هَذِهِ الأسْبابِ، وقَلَّما يَتَجَرَّدُ واحِدٌ مِنها.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في سَبَبِ كَثْرَةِ الحَسَدِ وقِلَّتِهِ وقُوَّتِهِ وضَعْفِهِ.
اعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ إنَّما يَكْثُرُ بَيْنَ قَوْمٍ تَكْثُرُ فِيهِمُ الأسْبابُ الَّتِي ذَكَرْناها، إذِ الشَّخْصُ الواحِدُ يَجُوزُ أنْ يَحْسُدَ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن قَوْلِ المُتَكَبِّرِ، ولِأنَّهُ يَتَكَبَّرُ، ولِأنَّهُ
صفحة ٢١٨
عَدُوٌّ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهَذِهِ الأسْبابُ إنَّما تَكْثُرُ بَيْنَ قَوْمٍ تَجْمَعُهم رَوابِطُ يَجْتَمِعُونَ بِسَبَبِها في مَجالِسِ المُخاطَباتِ، ويَتَوارَدُونَ عَلى الأغْراضِ، والمُنازَعَةُ مَظِنَّةُ المُنافَرَةِ، والمُنافَرَةُ مُؤَدِّيَةٌ إلى الحَسَدِ، فَحَيْثُ لا مُخالَطَةَ فَلَيْسَ هُناكَ مُحاسَدَةٌ، ولَمّا لَمْ تُوجَدِ الرّابِطَةُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ في بَلَدَيْنِ لا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُحاسَدَةٌ، فَلِذَلِكَ تَرى العالِمَ يَحْسُدُ العالِمَ دُونَ العابِدِ، والعابِدَ يَحْسُدُ العابِدَ دُونَ العالِمِ، والتّاجِرَ يَحْسُدُ التّاجِرَ، بَلِ الإسْكافُ يَحْسُدُ الإسْكافَ، ولا يَحْسُدُ البَزّازَ، ويَحْسُدُ الرَّجُلُ أخاهُ وابْنَ عَمِّهِ أكْثَرَ مِمّا يَحْسُدُ الأجانِبَ، والمَرْأةُ تَحْسُدُ ضَرَّتَها وسُرِّيَّةَ زَوْجِها أكْثَرَ مِمّا تَحْسُدُ أُمَّ الزَّوْجِ وابْنَتَهُ؛ لِأنَّ مَقْصِدَ البَزّازِ غَيْرُ مَقْصِدِ الإسْكافِ؛ فَلا يَتَزاحَمُونَ عَلى المَقاصِدِ، ثُمَّ مُزاحَمَةُ البَزّازِ المُجاوِرِ لَهُ أكْثَرُ مِن مُزاحَمَةِ البَعِيدِ عَنْهُ إلى طَرَفِ السُّوقِ، وبِالجُمْلَةِ فَأصْلُ الحَسَدِ العَداوَةُ، وأصْلُ العَداوَةِ التَّزاحُمُ عَلى غَرَضٍ واحِدٍ، والغَرَضُ الواحِدُ لا يَجْمَعُ مُتَباعِدَيْنِ، بَلْ لا يَجْمَعُ إلّا مُتَناسِبَيْنِ، فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ الحَسَدُ بَيْنَهم، نَعَمْ مَنِ اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الجاهِ العَرِيضِ والصِّيتِ في أطْرافِ العالَمِ، فَإنَّهُ يَحْسُدُ كُلَّ مَن في العالَمِ مِمَّنْ يُشارِكُهُ في الخَصْلَةِ الَّتِي يَتَفاخَرُ بِها، أقُولُ: والسَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِيهِ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ بِالذّاتِ، وضِدُّ المَحْبُوبِ مَكْرُوهٌ، ومِن جُمْلَةِ أنْواعِ الكَمالِ التَّفَرُّدُ بِالكَمالِ، فَلا جَرَمَ كانَ الشَّرِيكُ في الكَمالِ مُبَغَّضًا لِكَوْنِهِ مُنازِعًا في الفَرْدانِيَّةِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ أبْوابِ الكَمالِ، إلّا أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الكَمالِ لَمّا امْتَنَعَ حُصُولُهُ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ووَقَعَ اليَأْسُ عَنْهُ فاخْتَصَّ الحَسَدُ بِالأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا لا تَفِي بِالمُتَزاحِمِينَ، أمّا الآخِرَةُ فَلا ضِيقَ فِيها، وإنَّما مِثالُ الآخِرَةِ نِعْمَةُ العِلْمِ، فَلا جَرَمَ مَن يُحِبُّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةَ صِفاتِهِ ومَلائِكَتِهِ، فَلا يَحْسُدُ غَيْرَهُ إذا عَرَفَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَضِيقُ عَلى العارِفِينَ، بَلِ المَعْلُومُ الواحِدُ يَعْرِفُهُ ألْفُ ألْفٍ، ويَفْرَحُ بِمَعْرِفَتِهِ، ويَلْتَذُّ بِهِ، ولا تَنْقُصُ لَذَّةُ أحَدٍ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، بَلْ يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ العارِفِينَ زِيادَةُ الأُنْسِ، فَلِذَلِكَ لا يَكُونُ بَيْنَ عُلَماءِ الدِّينِ مُحاسَدَةٌ؛ لِأنَّ مَقْصِدَهم مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وهي بَحْرٌ واسِعٌ لا ضِيقَ فِيها، وغَرَضُهُمُ المَنزِلَةُ عِنْدَ اللَّهِ ولا ضِيقَ فِيها، نَعَمْ إذا قَصَدَ العُلَماءُ بِالعِلْمِ المالَ والجاهَ تَحاسَدُوا؛ لِأنَّ المالَ أعْيانٌ إذا وقَعَتْ في يَدِ واحِدٍ خَلَتْ عَنْها يَدُ الآخَرِ، ومَعْنى الجاهِ مَلْءُ القُلُوبِ، ومَهْما امْتَلَأ قَلْبُ شَخْصٍ بِتَعْظِيمِ عالِمٍ انْصَرَفَ عَنْ تَعْظِيمِ الآخَرِ، أمّا إذا امْتَلَأ قَلْبٌ بِالفَرَحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُ غَيْرِهِ، وأنْ يَفْرَحَ بِهِ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدَمِ الحَسَدِ فَقالَ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] .
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في الدَّواءِ المُزِيلِ لِلْحَسَدِ، وهو أمْرانِ: العِلْمُ والعَمَلُ. أمّا العِلْمُ فَفِيهِ مَقامانِ: إجْمالِيٌّ، وتَفْصِيلِيٌّ، أمّا الإجْمالِيُّ فَهو أنْ يَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ؛ لِأنَّ المُمْكِنَ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى الواجِبِ لَمْ يَقِفْ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في النَّفْرَةِ عَنْهُ، وإذا حَصَلَ الرِّضا بِالقَضاءِ زالَ الحَسَدُ. وأمّا التَّفْصِيلِيُّ فَهو أنْ تَعْلَمَ أنَّ الحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَيْكَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَلى المَحْسُودِ ضَرَرٌ في الدِّينِ والدُّنْيا، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، أمّا أنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْكَ في الدِّينِ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّكَ بِالحَسَدِ كَرِهْتَ حُكْمَ اللَّهِ ونازَعْتَهُ في قِسْمَتِهِ الَّتِي قَسَمَها لِعِبادِهِ، وعَدْلِهِ الَّذِي أقامَهُ في خَلْقِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، وهَذِهِ جِنايَةٌ عَلى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ، وقَذًى في عَيْنِ الإيمانِ.
وثانِيها: أنَّكَ إنْ غَشَشْتَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ فارَقْتَ أوْلِياءَ اللَّهِ في حُبِّهِمُ الخَيْرَ لِعِبادِ اللَّهِ، وشارَكْتَ إبْلِيسَ وسائِرَ الكُفّارِ في مَحَبَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ البَلايا.
وثالِثُها: العِقابُ العَظِيمُ المُرَتَّبُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وأمّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَيْكَ في الدُّنْيا فَهو أنَّكَ بِسَبَبِ الحَسَدِ لا تَزالُ تَكُونُ في الغَمِّ والكَمَدِ، وأعْداؤُكَ لا يُخَلِّيهِمُ اللَّهُ مِن أنْواعِ النِّعَمِ، فَلا تَزالُ تَتَعَذَّبُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ
صفحة ٢١٩
تَراها وتَتَألَّمُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهم، فَتَبْقى أبَدًا مَغْمُومًا مَهْمُومًا، فَقَدْ حَصَلَ لَكَ ما أرَدْتَ حُصُولَهُ لِأعْدائِكَ وأرادَ أعْداؤُكَ حُصُولَهُ لَكَ فَقَدْ كُنْتَ تُرِيدُ المِحْنَةَ لِعَدُوِّكَ فَسَعَيْتَ في تَحْصِيلِ المِحْنَةِ لِنَفْسِكَ.
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الغَمَّ إذا اسْتَوْلى عَلَيْكَ أمْرَضَ بَدَنَكَ وأزالَ الصِّحَّةَ عَنْكَ، وأوْقَعَكَ في الوَساوِسِ ونَغَّصَ عَلَيْكَ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ. وأمّا أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المَحْسُودِ في دِينِهِ ودُنْياهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَزُولُ عَنْهُ بِحَسَدِكَ، بَلْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن إقْبالٍ ونِعْمَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَدُومَ إلى أجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ، ومَهْما لَمْ تَزُلِ النِّعْمَةُ بِالحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلى المَحْسُودِ ضَرَرٌ في الدُّنْيا، ولا عَلَيْهِ إثْمٌ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَيْتَ النِّعْمَةَ كانَتْ لِي، وتَزُولُ عَنِ المَحْسُودِ بِحَسَدِي، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ، فَإنَّهُ بَلاءٌ تَشْتَهِيهِ أوَّلًا لِنَفْسِكَ، فَإنَّكَ أيْضًا لا تَخْلُو عَنْ عَدُوٍّ يَحْسُدُكَ، فَلَوْ زالَتِ النِّعْمَةُ بِالحَسَدِ لَمْ يَبْقَ لِلَّهِ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ، لا في الدِّينِ ولا في الدُّنْيا، وإنِ اشْتَهَيْتَ أنْ تَزُولَ النِّعْمَةُ عَنِ الخَلْقِ بِحَسَدِكَ، ولا تَزُولَ عَنْكَ بِحَسَدِ غَيْرِكَ، فَهَذا أيْضًا جَهْلٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن حَمْقى الحُسّادِ يَشْتَهِي أنْ يَخْتَصَّ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ، ولَسْتَ أوْلى بِذَلِكَ مِنَ الغَيْرِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ في أنْ لَمْ يُزِلِ النِّعْمَةَ بِالحَسَدِ مِمّا يَجِبُ شُكْرُها عَلَيْكَ، وأنْتَ بِجَهْلِكَ تَكْرَهُها.
وأمّا أنَّ المَحْسُودَ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَواضِحٌ، أمّا مَنفَعَتُهُ في الدِّينِ فَهو أنَّهُ مَظْلُومٌ مِن جِهَتِكَ لا سِيَّما إذا أخْرَجْتَ الحَسَدَ إلى القَوْلِ والفِعْلِ بِالغِيبَةِ، والقَدْحِ فِيهِ وهَتْكِ سِتْرِهِ، وذِكْرِ مَساوِئِهِ، فَهي هَدايا يُهْدِيها اللَّهُ إلَيْهِ، أعْنِي أنَّكَ تُهْدِي إلَيْهِ حَسَناتِكَ، فَإنَّكَ كُلَّما ذَكَرْتَهُ بِسُوءٍ، نَقَلَ إلى دِيوانِهِ حَسَناتِكَ، وازْدادَتْ سَيِّئاتُكَ، فَكَأنَّكَ اشْتَهَيْتَ زَوالَ نِعَمِ اللَّهِ عَنْهُ إلَيْكَ، فَأُزِيلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْكَ إلَيْهِ، ولَمْ تَزَلْ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ تَزْدادُ شَقاوَةً، وأمّا مَنفَعَتُهُ في الدُّنْيا فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أهَمَّ أغْراضِ الخَلْقِ مَساءَةُ الأعْداءِ وكَوْنُهم مَغْمُومِينَ مُعَذَّبِينَ ولا عَذابَ أعْظَمُ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن ألَمِ الحَسَدِ، بَلِ العاقِلُ لا يَشْتَهِي مَوْتَ عَدُوِّهِ، بَلْ يُرِيدُ طُولَ حَياتِهِ؛ لِيَكُونَ في عَذابِ الحَسَدِ، لِيَنْظُرَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ إلى نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَيَتَقَطَّعَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ قِيلَ:
لا ماتَ أعْداؤُكَ بَلْ خُلِّدُوا حَتّى يَرَوْا مِنكَ الَّذِي يُكْمِدُ
لا زِلْتَ مَحْسُودًا عَلى نِعْمَةٍ ∗∗∗ فَإنَّما الكامِلُ مَن يُحْسَدُ
الثّانِي: أنَّ النّاسَ يَعْلَمُونَ أنَّ المَحْسُودَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذا نِعْمَةٍ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِحَسَدِ الحاسِدِ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِأنْواعِ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، وأعْظَمُ الفَضائِلِ مِمّا لا يُسْتَطاعُ دَفْعُهُ، وهو الَّذِي يُورِثُ الحَسَدَ فَصارَ الحَسَدُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى اتِّصافِ المَحْسُودِ بِأنْواعِ الفَضائِلِ والمَناقِبِ.
الثّالِثُ: أنَّ الحاسِدَ يَصِيرُ مَذْمُومًا بَيْنَ الخَلْقِ مَلْعُونًا عِنْدَ الخالِقِ، وهَذا مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ لِلْمَحْسُودِ.
الرّابِعُ: وهو أنَّهُ سَبَبٌ لِازْدِيادِ مَسَرَّةِ إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحاسِدَ لَمّا خَلا عَنِ الفَضائِلِ الَّتِي اخْتَصَّ المَحْسُودُ بِها، فَإنْ رَضِيَ بِذَلِكَ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ العَظِيمَ، فَخافَ إبْلِيسُ مِن أنْ يَرْضى بِذَلِكَ فَيَصِيرَ مُسْتَوْجِبًا لِذَلِكَ الثَّوابِ، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ بِهِ بَلْ أظْهَرَ الحَسَدَ فاتَهُ ذَلِكَ الثَّوابُ واسْتَوْجَبَ العِقابَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَرَحِ إبْلِيسَ، وغَضَبِ اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: أنَّكَ عَساكَ تَحْسُدُ رَجُلًا مِن أهْلِ العِلْمِ، وتُحِبُّ أنْ يُخْطِئَ في دِينِ اللَّهِ، وتَكْشِفَ خَطَأهُ لِيُفْتَضَحَ، وتُحِبُّ أنْ يُخْرَسَ لِسانُهُ حَتّى لا يَتَكَلَّمَ، أوْ يَمْرَضَ حَتّى لا يُعَلِّمَ ولا يَتَعَلَّمَ، وأيُّ إثْمٍ يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، وأيُّ مَرْتَبَةٍ أخَسُّ مِن هَذِهِ.
وقَدْ ظَهَرَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أيُّها الحاسِدُ أنَّكَ بِمَثابَةِ مَن يَرْمِي حَجَرًا إلى عَدُوِّهِ لِيُصِيبَ بِهِ مَقْتَلَهُ فَلا يُصِيبُهُ، بَلْ يَرْجِعُ إلى حَدَقَتِهِ اليُمْنى فَيَقْلَعُها، فَيَزْدادُ غَضَبُهُ، فَيَعُودُ ويَرْمِيهِ ثانِيًا أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ، فَيَرْجِعُ الحَجَرُ عَلى عَيْنِهِ الأُخْرى فَيُعْمِيهِ، فَيَزْدادُ غَيْظُهُ ويَعُودُ ثالِثًا، فَيَعُودُ عَلى رَأْسِهِ فَيَشُجُّهُ، وعَدُوُّهُ سالِمٌ في كُلِّ الأحْوالِ، والوَبالُ راجِعٌ إلَيْهِ دائِمًا،
صفحة ٢٢٠
وأعْداؤُهُ حَوالَيْهِ يَفْرَحُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ عَلَيْهِ، بَلْ حالُ الحاسِدِ أقْبَحُ مِن هَذا؛ لِأنَّ الحَجَرَ العائِدَ لَمْ يُفَوِّتْ إلّا العَيْنَ، ولَوْ بَقِيَتْ لَفاتَتْ بِالمَوْتِ، وأمّا حَسَدُهُ فَإنَّهُ يَسُوقُ إلى غَضَبِ اللَّهِ وإلى النّارِ، فَلَأنْ تَذْهَبَ عَيْنُهُ في الدُّنْيا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَبْقى لَهُ عَيْنٌ ويَدْخُلَ بِها النّارَ، فانْظُرْ كَيْفَ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنَ الحاسِدِ إذا أرادَ زَوالَ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ، فَما أزالَها عَنْهُ، ثُمَّ أزالَ نِعْمَةَ الحاسِدِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] فَهَذِهِ الأدْوِيَةُ العِلْمِيَّةُ فَمَهْما تَفَكَّرَ الإنْسانُ فِيها بِذِهْنٍ صافٍ وقَلْبٍ حاضِرٍ انْطَفَأ مِن قَلْبِهِ نارُ الحَسَدِ، وأمّا العَمَلُ النّافِعُ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِالأفْعالِ المُضادَّةِ لِمُقْتَضَياتِ الحَسَدِ، فَإنْ بَعَثَهُ الحَسَدُ عَلى القَدْحِ فِيهِ كَلَّفَ لِسانَهُ المَدْحَ لَهُ، وإنْ حَمَلَهُ عَلى التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ كَلَّفَ نَفْسَهُ التَّواضُعَ لَهُ، وإنْ حَمَلَهُ عَلى قَطْعِ أسْبابِ الخَيْرِ عَنْهُ كَلَّفَ نَفْسَهُ السَّعْيَ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، فَمَهْما عَرَفَ المَحْسُودُ ذَلِكَ طابَ قَلْبُهُ وأحَبَّ الحاسِدَ، وذَلِكَ يُفْضِي آخِرَ الأمْرِ إلى زَوالِ الحَسَدِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَحْسُودَ إذا أحَبَّ الحاسِدَ فَعَلَ ما يُحِبُّهُ الحاسِدُ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الحاسِدُ مُحِبًّا لِلْمَحْسُودِ، ويَزُولُ الحَسَدُ حِينَئِذٍ.
الثّانِي: أنَّ الحاسِدَ إذا أتى بِضِدِّ مُوجِباتِ الحَسَدِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّفِ يَصِيرُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ طَبْعًا لَهُ فَيَزُولُ الحَسَدُ عَنْهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ النَّفْرَةَ القائِمَةَ بِقَلْبِ الحاسِدِ مِنَ المَحْسُودِ أمْرٌ غَيْرُ داخِلٍ في وُسْعِهِ، فَكَيْفَ يُعاقَبُ عَلَيْهِ ؟ وأمّا الَّذِي في وُسْعِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: كَوْنُهُ راضِيًا بِتِلْكَ النَّفْرَةِ.
والثّانِي: إظْهارُ آثارِ تِلْكَ النَّفْرَةِ مِنَ القَدْحِ فِيهِ، والقَصْدُ إلى إزالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ، وجَرُّ أسْبابِ المَحَبَّةِ إلَيْهِ، فَهَذا هو الدّاخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ:
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ فالمُرادُ أنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ رُجُوعَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الإيمانِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الإيمانَ صَوابٌ وحَقٌّ، والعالِمُ بِأنَّ غَيْرَهُ عَلى حَقٍّ لا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَدَّهُ عَنْهُ إلّا بِشُبْهَةٍ يُلْقِيها إلَيْهِ؛ لِأنَّ المُحِقَّ لا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ إلّا بِشُبْهَةٍ، والشُّبْهَةُ ضَرْبانِ:
أحَدُهُما: ما يَتَّصِلُ بِالدُّنْيا، وهو أنْ يُقالَ لَهم: قَدْ عَلِمْتُمْ ما نَزَلَ بِكم مِن إخْراجِكم مِن دِيارِكم، وضِيقِ الأمْرِ عَلَيْكم واسْتِمْرارِ المَخافَةِ بِكم، فاتْرُكُوا الإيمانَ الَّذِي ساقَكم إلى هَذِهِ الأشْياءِ.
والثّانِي: في بابِ الدِّينِ، بِطَرْحِ الشُّبَهِ في المُعْجِزاتِ أوْ تَحْرِيفِ ما في التَّوْراةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُبَّهم لِأنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ - إنَّما كانَ لِأجْلِ الحَسَدِ. قالَ الجُبّائِيُّ: عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ تَعالى، وأنَّ كُفْرَهم هو فِعْلُهم، لا مِن خَلْقِ اللَّهِ فِيهِمْ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ”ودَّ“ عَلى مَعْنى أنَّهم أحَبُّوا ذَلِكَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكم عَلى الحَقِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَمَنِّيهِمْ مِن قِبَلِ طَلَبِ الحَقِّ ؟ .
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”حَسَدًا“، أيْ: حَسَدًا عَظِيمًا مُنْبَعِثًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَهُودَ بَعْدَما أرادُوا صَرْفَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الإيمانِ
صفحة ٢٢١
احْتالُوا في ذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم تَعالى بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَلى وجْهِ الرِّضا بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَرْكُ المُقابَلَةِ والإعْراضُ عَنِ الجَوابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى تَسْكِينِ الثّائِرَةِ في الوَقْتِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ اليَهُودِ، فَكَذا أمَرَهُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ مُشْرِكِي العَرَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ولِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ عَلى الدَّوامِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِغايَةٍ فَقالَ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ المُجازاةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ الحَسَنِ.
وثانِيها: أنَّهُ قُوَّةُ الرَّسُولِ وكَثْرَةُ أُمَّتِهِ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، أنَّهُ الأمْرُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ يَتَعَيَّنُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الإسْلامُ، وإمّا الخُضُوعُ لِدَفْعِ الجِزْيَةِ وتَحَمُّلِ الذُّلِّ والصَّغارِ، فَلِهَذا قالَ العُلَماءُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] «وعَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِتالٍ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وقَلَّدَهُ سَيْفًا، فَكانَ أوَّلَ قِتالٍ قاتَلَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ بِبَطْنِ نَخْلٍ، وبَعْدَهُ غَزْوَةُ» بَدْرٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ مَنسُوخًا وهو مُعَلَّقٌ بِغايَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وإنْ لَمْ يَكُنْ وُرُودُ اللَّيْلِ ناسِخًا، فَكَذا هَهُنا، الجَوابُ: أنَّ الغايَةَ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها الأمْرُ إذا كانَتْ لا تُعْلَمُ إلّا شَرْعًا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ الوارِدُ شَرْعًا عَنْ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، ويَحِلُّ مَحَلَّ قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إلى أنْ أنْسَخَهُ عَنْكم.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَعْفُونَ ويَصْفَحُونَ، والكُفّارُ كانُوا أصْحابَ الشَّوْكَةِ والقُوَّةِ، والصَّفْحُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ قُدْرَةٍ ؟ والجَوابُ: أنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ يُنالُ بِالأذى، فَيَقْدِرُ في تِلْكَ الحالَةِ قَبْلَ اجْتِماعِ الأعْداءِ أنْ يَدْفَعَ عَدُوَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، وأنْ يَسْتَعِينَ بِأصْحابِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ كَيْ لا يُهَيِّجُوا شَرًّا وقِتالًا.
القَوْلُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ حَسُنَ الِاسْتِدْعاءُ، واسْتُعْمِلَ ما يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ النُّصْحِ والإشْفاقِ والتَّشَدُّدِ فِيهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ، وإنَّما يَجُوزُ نَسْخُهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ لَهم بِالوَعِيدِ، سَواءٌ حُمِلَ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ أوْ غَيْرِهِ.