Tafsir Al-Razi — البقرة 2:110 – البقرة 2:132
المحتويات
البقرة 2:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَيْدِ اليَهُودِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ «رُوِيَ أنَّ فِنْحاصَ بْنَ
صفحة ٢١٤
عازُوراءَ»، وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكم وأفْضَلُ، ونَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ عَمّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ فِيكم ؟ قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ: فَإنِّي قَدْ عاهَدْتُ أنِّي لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ما عِشْتُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا هَذا فَقَدَ صَبَأ، وقالَ حُذَيْفَةُ: وأمّا أنا فَقَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا، ثُمَّ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَراهُ، فَقالَ: أصَبْتُما خَيْرًا وأفْلَحْتُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنّا نَتَكَلَّمُ أوَّلًا في الحَسَدِ ثُمَّ نَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ.
المَسْألَةُ الأُولى: في ذَمِّ الحَسَدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ» “ .
الثّانِي: قالَ أنَسٌ: ”«كُنّا يَوْمًا جالِسِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِن هَذا الفَجِّ رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ تَنْظِفُ لِحْيَتُهُ مِن وُضُوئِهِ، وقَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ في شِمالِهِ فَسَلَّمَ، فَلَمّا كانَ الغَدُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وقالَ في اليَوْمِ الثّالِثِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَمّا قامَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقالَ: إنِّي تَأذَّيْتُ مِن أبِي فَأقْسَمْتُ لا أدْخُلُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَذْهَبَ بِي إلى دارِكَ فَعَلْتَ، قالَ: نَعَمْ، فَباتَ عِنْدَهُ ثَلاثَ لَيالٍ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أنَّهُ إذا انْقَلَبَ عَلى فِراشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ ولا يَقُومُ حَتّى يَقُومَ لِصَلاةِ الفَجْرِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أسْمَعْهُ يَقُولُ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا مَرَّتِ الثَّلاثُ، وكِدْتُ أنْ أحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذا وكَذا، فَأرَدْتُ أنْ أعْرِفَ عَمَلَكَ، فَلَمْ أرَكَ تَعْمَلُ عَمَلًا كَثِيرًا، فَما الَّذِي بَلَغَ بِكَ ذاكَ ؟ قالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ. فَلَمّا ولَّيْتُ دَعانِي، فَقالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في نَفْسِي عَيْبًا ولا حَسَدًا عَلى خَيْرٍ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هي الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وهي الَّتِي لا تُطاقُ» “ .
الثّالِثُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكم، الحَسَدُ والبَغْضاءُ، والبِغْضَةُ هي الحالِقَةُ، لا أقُولُ حالِقَةُ الشَّعْرِ، ولَكِنْ حالِقَةُ الدِّينِ» “ .
الرّابِعُ: قالَ: ”«إنَّهُ سَيُصِيبُ أُمَّتِي داءُ الأُمَمِ، قالُوا: ما داءُ الأُمَمِ ؟ قالَ: الأشَرُ والبَطَرُ والتَّكاثُرُ والتَّنافُسُ في الدُّنْيا والتَّباعُدُ والتَّحاسُدُ حَتّى يَكُونَ البَغْيُ ثُمَّ الهَرْجُ» “ .
الخامِسُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَهَبَ إلى رَبِّهِ رَأى في ظِلِّ العَرْشِ رَجُلًا يُغْبَطُ بِمَكانِهِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَكَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِاسْمِهِ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، وقالَ: أُحَدِّثُكَ مِن عَمَلِهِ ثَلاثًا: كانَ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وكانَ لا يَعُقُّ والِدَيْهِ، ولا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.
السّادِسُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ لِنِعَمِ اللَّهِ أعْداءً، قِيلَ: وما أُولَئِكَ ؟ قالَ: الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ» “ .
السّابِعُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سِتَّةٌ يَدْخُلُونَ النّارَ قَبْلَ الحِسابِ: الأُمَراءُ بِالجَوْرِ، والعَرَبُ بِالعَصَبِيَّةِ، والدَّهاقِينُ بِالتَّكَبُّرِ، والتُّجّارُ بِالخِيانَةِ، وأهْلُ الرُّسْتاقِ بِالجَهالَةِ، والعُلَماءُ بِالحَسَدِ» “ .
أمّا الآثارُ:
فالأوَّلُ: حُكِيَ أنَّ عَوْفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلى الفَضْلِ بْنِ المُهَلَّبِ، وكانَ يَوْمَئِذٍ عَلى واسِطَ، فَقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أعِظَكَ بِشَيْءٍ، إيّاكَ والكِبْرَ، فَإنَّهُ أوَّلُ ذَنْبٍ عَصى اللَّهَ بِهِ إبْلِيسُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] وإيّاكَ والحِرْصَ؛ فَإنَّهُ أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ؛ أسْكَنَهُ اللَّهُ في جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ فَأكَلَ مِنها، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿اهْبِطا مِنها﴾ [طه: ١٢٣] وإيّاكَ والحَسَدَ؛ فَإنَّهُ قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ حِينَ حَسَدَهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] .
الثّانِي:
صفحة ٢١٥
قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ما حَسَدْتُ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَكَيْفَ أحْسُدُهُ عَلى الدُّنْيا وهي حَقِيرَةٌ في الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَكَيْفَ أحْسُدُهُ عَلى أمْرِ الدُّنْيا وهو يَصِيرُ إلى النّارِ.
الثّالِثُ: قالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: هَلْ يَحْسُدُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: ما أنْساكَ بَنِي يَعْقُوبَ، إلّا أنَّهُ لا يَضُرُّكَ ما لَمْ تُعِدَّ بِهِ يَدًا ولِسانًا.
الرّابِعُ: قالَ مُعاوِيَةُ: كُلُّ النّاسِ أقْدَرُ عَلى رِضاهُ إلّا الحاسِدَ؛ فَإنَّهُ لا يُرْضِيهِ إلّا زَوالُ النِّعْمَةِ.
الخامِسُ: قِيلَ: الحاسِدُ لا يَنالُ مِنَ المَجالِسِ إلّا مَذَمَّةً وذُلًّا، ولا يَنالُ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا لَعْنَةً وبُغْضًا، ولا يَنالُ مِنَ الخَلْقِ إلّا جَزَعًا وغَمًّا، ولا يَنالُ عِنْدَ الفَزَعِ إلّا شِدَّةً وهَوْلًا، وعِنْدَ المَوْقِفِ إلّا فَضِيحَةً ونَكالًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حَقِيقَةِ الحَسَدِ: إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى أخِيكَ بِنِعْمَةٍ، فَإنْ أرَدْتَ زَوالَها، فَهَذا هو الحَسَدُ، وإنِ اشْتَهَيْتَ لِنَفْسِكَ مِثْلَها، فَهَذا هو الغِبْطَةُ والمُنافَسَةُ، أمّا الأوَّلُ فَحَرامٌ بِكُلِّ حالٍ، إلّا نِعْمَةً أصابَها فاجِرٌ أوْ كافِرٌ يَسْتَعِينُ بِها عَلى الشَّرِّ والفَسادِ، فَلا يَضُرُّكَ مَحَبَّتُكَ لِزَوالِها؛ فَإنَّكَ ما تُحِبُّ زَوالَها مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها يُتَوَسَّلُ بِها إلى الفَسادِ والشَّرِّ والأذى. والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَدَ ما ذَكَرْنا آياتٌ:
أحَدُها: هَذِهِ الآيَةُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ حُبَّهم زَوالَ نِعْمَةِ الإيمانِ حَسَدٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وهَذا الفَرَحُ شَماتَةٌ، والحَسَدُ والشَّماتَةُ مُتَلازِمانِ.
ورابِعُها: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَسَدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وعَبَّرَ عَمّا في قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حَسَدَهم لَهُ عِبارَةٌ عَنْ كَراهَتِهِمْ حُصُولَ تِلْكَ النِّعْمَةِ لَهُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩] أيْ لا تَضِيقُ بِهِ صُدُورُهم ولا يَغْتَمُّونَ، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الحَسَدِ.
وسادِسُها: قالَ تَعالى في مَعْرِضِ الإنْكارِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] .
وسابِعُها: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] قِيلَ في التَّفْسِيرِ: حَسَدًا.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] فَأنْزَلَ اللَّهُ العِلْمَ لِيُؤَلِّفَ بَيْنَهم عَلى طاعَتِهِ فَتَحاسَدُوا واخْتَلَفُوا، إذْ أرادَ كُلُّ واحِدٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِالرِّياسَةِ وقَبُولِ القَوْلِ.
وتاسِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ اليَهُودُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا قاتَلُوا قَوْمًا قالُوا: نَسْألُكَ بِالنَّبِيِّ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تُرْسِلَهُ، وبِالكِتابِ الَّذِي تُنْزِلُهُ إلّا تَنْصُرُنا، فَكانُوا يُنْصَرُونَ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَرَفُوهُ وكَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠] أيْ حَسَدًا. «وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: جاءَ أبِي وعَمِّي مِن عِنْدِكَ، فَقالَ أبِي لِعَمِّي: ما تَقُولُ فِيهِ ؟ قالَ: أقُولُ: إنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: فَما تَرى ؟ قالَ: أرى مُعاداتَهُ أيّامَ الحَياةِ»، فَهَذا حُكْمُ الحَسَدِ. أمّا المُنافَسَةُ فَلَيْسَتْ بِحَرامٍ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّفاسَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِحَرامٍ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وإنَّما المُسابَقَةُ عِنْدَ خَوْفِ الفَوْتِ، وهو كالعَبْدَيْنِ يَتَسابَقانِ إلى خِدْمَةِ مَوْلاهُما، إذْ يَجْزَعُ كُلُّ واحِدٍ أنْ يَسْبِقَهُ صاحِبُهُ، فَيَحْظى عِنْدَ مَوْلاهُ بِمَنزِلَةٍ لا يَحْظى هو بِها.
وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ
صفحة ٢١٦
اللَّهُ مالًا فَأنْفَقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَهو يَعْمَلُ بِهِ ويُعَلِّمُهُ النّاسَ“» .
وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ الحَسَدِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُنافَسَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: المُنافَسَةُ قَدْ تَكُونُ واجِبَةً ومَندُوبَةً ومُباحَةً، أمّا الواجِبَةُ فَكَما إذا كانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ نِعْمَةً دِينِيَّةً واجِبَةً كالإيمانِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ كانَ راضِيًا بِالمَعْصِيَةِ، وذَلِكَ حَرامٌ، وأمّا إنْ كانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِنَ الفَضائِلِ المَندُوبَةِ كالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّشْمِيرِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ، كانَتِ المُنافَسَةُ فِيها مَندُوبَةً، وأمّا إنْ كانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِنَ المُباحاتِ كانَتِ المُنافَسَةُ فِيها مِنَ المُباحاتِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَذْمُومُ أنْ يُحِبَّ زَوالَها عَنِ الغَيْرِ، فَأمّا أنْ يُحِبَّ حُصُولَها لَهُ، وزَوالَ النُّقْصانِ عَنْهُ، فَهَذا غَيْرُ مَذْمُومٍ، لَكِنَّ هَهُنا دَقِيقَةً، وهي أنَّ زَوالَ النُّقْصانِ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ لَهُ طَرِيقانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ ما حَصَلَ لِلْغَيْرِ.
والثّانِي: أنْ يَزُولَ عَنِ الغَيْرِ ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَإذا حَصَلَ اليَأْسُ عَنْ أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ فَيَكادُ القَلْبُ لا يَنْفَكُّ عَنْ شَهْوَةِ الطَّرِيقِ الآخَرِ، فَهَهُنا إنْ وجَدَ قَلْبَهُ بِحَيْثُ لَوْ قَدَرَ عَلى إزالَةِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَأزالَها، فَهو صاحِبُ الحَسَدِ المَذْمُومِ، وإنْ كانَ يَجِدُ قَلْبَهُ بِحَيْثُ تَرْدَعُهُ التَّقْوى عَنْ إزالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنِ الغَيْرِ فالمَرْجُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنْ ذَلِكَ، ولَعَلَّ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ لا يَنْفَكُّ المُؤْمِنُ عَنْهُنَّ: الحَسَدُ والظَّنُّ والطِّيَرَةُ، ثُمَّ قالَ: ولَهُ مِنهُنَّ مَخْرَجٌ، إذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ» “، أيْ: إنْ وجَدْتَ في قَلْبِكَ شَيْئًا فَلا تَعْمَلْ بِهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في حَقِيقَةِ الحَسَدِ، وكُلُّهُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ الغَزالِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في مَراتِبِ الحَسَدِ، قالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هي أرْبَعَةٌ:
الأُولى: أنْ يُحِبَّ زَوالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ لَهُ، وهَذا غايَةُ الحَسَدِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يُحِبَّ زَوالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِثْلُ رَغْبَتِهِ في دارٍ حَسَنَةٍ أوِ امْرَأةٍ جَمِيلَةٍ، أوْ وِلايَةٍ نافِذَةٍ نالَها غَيْرُهُ، وهو يُحِبُّ أنْ تَكُونَ لَهُ، فالمَطْلُوبُ بِالذّاتِ حُصُولُهُ لَهُ، فَأمّا زَوالُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَمَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ.
الثّالِثَةُ: أنْ لا يَشْتَهِي عَنْها بَلْ يَشْتَهِي لِنَفَسِهِ مِثْلَها، فَإنْ عَجَزَ عَنْ مِثْلِها أحَبَّ زَوالَها لِكَيْ لا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما.
الرّابِعَةُ: أنْ يَشْتَهِيَ لِنَفَسِهِ مِثْلَها، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلا يُحِبُّ زَوالَها، وهَذا الأخِيرُ هو المَعْفُوُّ عَنْهُ إنْ كانَ في الدُّنْيا، والمَندُوبُ إلَيْهِ إنْ كانَ في الدِّينِ، والثّالِثَةُ مِنها مَذْمُومَةٌ وغَيْرُ مَذْمُومَةٍ، والثّانِيَةُ أخَفُّ مِنَ الثّالِثَةِ، والأوَّلُ مَذْمُومٌ مَحْضٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] فَتَمَنِّيهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وأمّا تَمَنِّيهِ عَيْنَ ذَلِكَ فَهو مَذْمُومٌ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلْحَسَدِ سَبْعَةَ أسْبابٍ:
السَّبَبُ الأوَّلُ: العَداوَةُ والبَغْضاءُ، فَإنَّ مَن آذاهُ إنْسانٌ أبْغَضَهُ قَلْبُهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ الغَضَبُ يُوَلِّدُ الحِقْدَ، والحِقْدُ يَقْتَضِي التَّشَفِّيَ والِانْتِقامَ، فَإنْ عَجَزَ المُبْغِضُ عَنِ التَّشَفِّي بِنَفْسِهِ أحَبَّ أنْ يَتَشَفّى مِنهُ الزَّمانُ، فَمَهْما أصابَ عَدُوَّهُ آفَةٌ وبَلاءٌ فَرِحَ، ومَهْما أصابَتْهُ نِعْمَةٌ ساءَتْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ضِدُّ مُرادِهِ، فالحَسَدُ مِن لَوازِمِ البُغْضِ والعَداوَةِ، ولا يُفارِقُهُما، وأقْصى الإمْكانِ في هَذا البابِ أنْ لا يُظْهِرَ تِلْكَ العَداوَةَ مِن نَفْسِهِ، وأنْ يَكْرَهَ تِلْكَ الحالَةَ مِن نَفْسِهِ، فَأمّا أنْ يُبْغِضَ إنْسانًا ثُمَّ تَسْتَوِي عِنْدَهُ مَسَرَّتُهُ ومَساءَتُهُ، فَهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الحَسَدِ هو الَّذِي وصَفَ اللَّهُ الكُفّارَ بِهِ، إذْ قالَ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١١٩، ١٢٠] وكَذا قالَ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] . واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ رُبَّما أفْضى إلى التَّنازُعِ والتَّقاتُلِ.
صفحة ٢١٧
السَّبَبُ الثّانِي: التَّعَزُّزُ، فَإنَّ واحِدًا مِن أمْثالِهِ إذا نالَ مَنصِبًا عالِيًا تَرَفَّعُ عَلَيْهِ، وهو لا يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُ ذَلِكَ، فَيُرِيدُ زَوالَ ذَلِكَ المَنصِبِ عَنْهُ، ولَيْسَ مِن غَرَضِهِ أنْ يَتَكَبَّرَ، بَلْ غَرَضُهُ أنْ يَدْفَعَ كِبْرَهُ، فَإنَّهُ قَدْ يَرْضى بِمُساواتِهِ، ولَكِنَّهُ لا يَرْضى بِتَرَفُّعِهِ عَلَيْهِ.
السَّبَبُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في طَبِيعَتِهِ أنْ يَسْتَخْدِمَ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ زَوالَ النِّعْمَةِ مِن ذَلِكَ الغَيْرِ لِيَقْدِرَ عَلى ذَلِكَ الغَرَضِ، ومِن هَذا البابِ كانَ حَسَدُ أكْثَرِ الكُفّارِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ قالُوا: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنا غُلامٌ يَتِيمٌ، وكَيْفَ نُطَأْطِئُ لَهُ رُءُوسَنا ؟ فَقالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقالَ تَعالى يَصِفُ قَوْلَ قُرَيْشٍ: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] كالِاسْتِحْقارِ بِهِمْ والأنَفَةِ مِنهم.
السَّبَبُ الرّابِعُ: التَّعَجُّبُ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، إذْ قالُوا: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥]، وقالُوا: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقالُوا مُتَعَجِّبِينَ: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] وقالَ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] .
السَّبَبُ الخامِسُ: الخَوْفُ مِن فَوْتِ المَقاصِدِ، وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالمُتَزاحِمِينَ عَلى مَقْصُودٍ واحِدٍ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحْسُدُ صاحِبَهُ في كُلِّ نِعْمَةٍ تَكُونُ عَوْنًا لَهُ في الِانْفِرادِ بِمَقْصُودِهِ، ومِن هَذا البابِ تَحاسُدُ الضَّرّاتِ في التَّزاحُمِ عَلى مَقاصِدِ الزَّوْجِيَّةِ، وتَحاسُدُ الإخْوَةِ في التَّزاحُمِ عَلى نَيْلِ المَنزِلَةِ في قُلُوبِ الأبَوَيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقاصِدِ المالِ والكَرامَةِ، وكَذَلِكَ تَحاسُدُ الواعِظِينَ المُتَزاحِمِينَ عَلى أهْلِ بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، إذْ كانَ غَرَضُهُما نَيْلَ المالِ والقَبُولِ عِنْدَهم.
السَّبَبُ السّادِسُ: حُبُّ الرِّياسَةِ وطَلَبُ الجاهِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَوَسُّلٍ بِهِ إلى مَقْصُودِهِ، وذَلِكَ كالرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَ عَدِيمَ النَّظِيرِ في فَنٍّ مِنَ الفُنُونِ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ بِنَظِيرٍ لَهُ في أقْصى العالَمِ ساءَهُ ذَلِكَ، وأحَبَّ مَوْتَهُ وزَوالَ النِّعْمَةِ الَّتِي بِها يُشارِكُهُ في المَنزِلَةِ مِن شَجاعَةٍ أوْ عِلْمٍ أوْ زُهْدٍ أوْ ثَرْوَةٍ، ويَفْرَحُ بِسَبَبِ تَفَرُّدِهِ.
السَّبَبُ السّابِعُ: شُحُّ النَّفْسِ بِالخَيْرِ عَلى عِبادِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَجِدُ مَن لا يَشْتَغِلُ بِرِياسَةٍ ولا بِكِبْرٍ ولا بِطَلَبِ مالٍ، إذا وُصِفَ عِنْدَهُ حُسْنُ حالِ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وإذا وُصِفَ اضْطِرابُ أُمُورِ النّاسِ وإدْبارُهم وتَنَغُّصُ عَيْشِهِمْ فَرِحَ بِهِ، فَهو أبَدًا يُحِبُّ الإدْبارَ لِغَيْرِهِ، ويَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، كَأنَّهم يَأْخُذُونَ ذَلِكَ مِن مِلْكِهِ وخِزانَتِهِ، ويُقالُ: البَخِيلُ مَن بَخِلَ بِمالِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ لا عَداوَةٌ ولا رابِطَةٌ، وهَذا لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ إلّا خُبْثُ النَّفْسِ، ورَذالَةُ جِبِلَّتِهِ في الطَّبْعِ؛ لِأنَّ سائِرَ أنْواعِ الحَسَدِ يُرْجى زَوالُهُ لِإزالَةِ سَبَبِهِ، وهَذا خُبْثٌ في الجِبِلَّةِ لا عَنْ سَبَبٍ عارِضٍ فَتَعْسُرُ إزالَتُهُ. فَهَذِهِ هي أسْبابُ الحَسَدِ، وقَدْ يَجْتَمِعُ بَعْضُ هَذِهِ الأسْبابِ أوْ أكْثَرُها أوْ جَمِيعُها في شَخْصٍ واحِدٍ، فَيَعْظُمُ فِيهِ الحَسَدُ، ويَقْوى قُوَّةً لا يَقْوى صاحِبُها مَعَها عَلى الإخْفاءِ والمُجامَلَةِ، بَلْ يَهْتِكُ حِجابَ المُجامَلَةِ، ويُظْهِرُ العَداوَةَ بِالمُكاشَفَةِ، وأكْثَرُ المُحاسَداتِ تَجْتَمِعُ فِيها جُمْلَةٌ مِن هَذِهِ الأسْبابِ، وقَلَّما يَتَجَرَّدُ واحِدٌ مِنها.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في سَبَبِ كَثْرَةِ الحَسَدِ وقِلَّتِهِ وقُوَّتِهِ وضَعْفِهِ.
اعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ إنَّما يَكْثُرُ بَيْنَ قَوْمٍ تَكْثُرُ فِيهِمُ الأسْبابُ الَّتِي ذَكَرْناها، إذِ الشَّخْصُ الواحِدُ يَجُوزُ أنْ يَحْسُدَ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن قَوْلِ المُتَكَبِّرِ، ولِأنَّهُ يَتَكَبَّرُ، ولِأنَّهُ
صفحة ٢١٨
عَدُوٌّ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهَذِهِ الأسْبابُ إنَّما تَكْثُرُ بَيْنَ قَوْمٍ تَجْمَعُهم رَوابِطُ يَجْتَمِعُونَ بِسَبَبِها في مَجالِسِ المُخاطَباتِ، ويَتَوارَدُونَ عَلى الأغْراضِ، والمُنازَعَةُ مَظِنَّةُ المُنافَرَةِ، والمُنافَرَةُ مُؤَدِّيَةٌ إلى الحَسَدِ، فَحَيْثُ لا مُخالَطَةَ فَلَيْسَ هُناكَ مُحاسَدَةٌ، ولَمّا لَمْ تُوجَدِ الرّابِطَةُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ في بَلَدَيْنِ لا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُحاسَدَةٌ، فَلِذَلِكَ تَرى العالِمَ يَحْسُدُ العالِمَ دُونَ العابِدِ، والعابِدَ يَحْسُدُ العابِدَ دُونَ العالِمِ، والتّاجِرَ يَحْسُدُ التّاجِرَ، بَلِ الإسْكافُ يَحْسُدُ الإسْكافَ، ولا يَحْسُدُ البَزّازَ، ويَحْسُدُ الرَّجُلُ أخاهُ وابْنَ عَمِّهِ أكْثَرَ مِمّا يَحْسُدُ الأجانِبَ، والمَرْأةُ تَحْسُدُ ضَرَّتَها وسُرِّيَّةَ زَوْجِها أكْثَرَ مِمّا تَحْسُدُ أُمَّ الزَّوْجِ وابْنَتَهُ؛ لِأنَّ مَقْصِدَ البَزّازِ غَيْرُ مَقْصِدِ الإسْكافِ؛ فَلا يَتَزاحَمُونَ عَلى المَقاصِدِ، ثُمَّ مُزاحَمَةُ البَزّازِ المُجاوِرِ لَهُ أكْثَرُ مِن مُزاحَمَةِ البَعِيدِ عَنْهُ إلى طَرَفِ السُّوقِ، وبِالجُمْلَةِ فَأصْلُ الحَسَدِ العَداوَةُ، وأصْلُ العَداوَةِ التَّزاحُمُ عَلى غَرَضٍ واحِدٍ، والغَرَضُ الواحِدُ لا يَجْمَعُ مُتَباعِدَيْنِ، بَلْ لا يَجْمَعُ إلّا مُتَناسِبَيْنِ، فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ الحَسَدُ بَيْنَهم، نَعَمْ مَنِ اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الجاهِ العَرِيضِ والصِّيتِ في أطْرافِ العالَمِ، فَإنَّهُ يَحْسُدُ كُلَّ مَن في العالَمِ مِمَّنْ يُشارِكُهُ في الخَصْلَةِ الَّتِي يَتَفاخَرُ بِها، أقُولُ: والسَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِيهِ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ بِالذّاتِ، وضِدُّ المَحْبُوبِ مَكْرُوهٌ، ومِن جُمْلَةِ أنْواعِ الكَمالِ التَّفَرُّدُ بِالكَمالِ، فَلا جَرَمَ كانَ الشَّرِيكُ في الكَمالِ مُبَغَّضًا لِكَوْنِهِ مُنازِعًا في الفَرْدانِيَّةِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ أبْوابِ الكَمالِ، إلّا أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الكَمالِ لَمّا امْتَنَعَ حُصُولُهُ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ووَقَعَ اليَأْسُ عَنْهُ فاخْتَصَّ الحَسَدُ بِالأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا لا تَفِي بِالمُتَزاحِمِينَ، أمّا الآخِرَةُ فَلا ضِيقَ فِيها، وإنَّما مِثالُ الآخِرَةِ نِعْمَةُ العِلْمِ، فَلا جَرَمَ مَن يُحِبُّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةَ صِفاتِهِ ومَلائِكَتِهِ، فَلا يَحْسُدُ غَيْرَهُ إذا عَرَفَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَضِيقُ عَلى العارِفِينَ، بَلِ المَعْلُومُ الواحِدُ يَعْرِفُهُ ألْفُ ألْفٍ، ويَفْرَحُ بِمَعْرِفَتِهِ، ويَلْتَذُّ بِهِ، ولا تَنْقُصُ لَذَّةُ أحَدٍ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، بَلْ يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ العارِفِينَ زِيادَةُ الأُنْسِ، فَلِذَلِكَ لا يَكُونُ بَيْنَ عُلَماءِ الدِّينِ مُحاسَدَةٌ؛ لِأنَّ مَقْصِدَهم مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وهي بَحْرٌ واسِعٌ لا ضِيقَ فِيها، وغَرَضُهُمُ المَنزِلَةُ عِنْدَ اللَّهِ ولا ضِيقَ فِيها، نَعَمْ إذا قَصَدَ العُلَماءُ بِالعِلْمِ المالَ والجاهَ تَحاسَدُوا؛ لِأنَّ المالَ أعْيانٌ إذا وقَعَتْ في يَدِ واحِدٍ خَلَتْ عَنْها يَدُ الآخَرِ، ومَعْنى الجاهِ مَلْءُ القُلُوبِ، ومَهْما امْتَلَأ قَلْبُ شَخْصٍ بِتَعْظِيمِ عالِمٍ انْصَرَفَ عَنْ تَعْظِيمِ الآخَرِ، أمّا إذا امْتَلَأ قَلْبٌ بِالفَرَحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُ غَيْرِهِ، وأنْ يَفْرَحَ بِهِ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدَمِ الحَسَدِ فَقالَ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] .
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في الدَّواءِ المُزِيلِ لِلْحَسَدِ، وهو أمْرانِ: العِلْمُ والعَمَلُ. أمّا العِلْمُ فَفِيهِ مَقامانِ: إجْمالِيٌّ، وتَفْصِيلِيٌّ، أمّا الإجْمالِيُّ فَهو أنْ يَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ؛ لِأنَّ المُمْكِنَ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى الواجِبِ لَمْ يَقِفْ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في النَّفْرَةِ عَنْهُ، وإذا حَصَلَ الرِّضا بِالقَضاءِ زالَ الحَسَدُ. وأمّا التَّفْصِيلِيُّ فَهو أنْ تَعْلَمَ أنَّ الحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَيْكَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَلى المَحْسُودِ ضَرَرٌ في الدِّينِ والدُّنْيا، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، أمّا أنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْكَ في الدِّينِ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّكَ بِالحَسَدِ كَرِهْتَ حُكْمَ اللَّهِ ونازَعْتَهُ في قِسْمَتِهِ الَّتِي قَسَمَها لِعِبادِهِ، وعَدْلِهِ الَّذِي أقامَهُ في خَلْقِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، وهَذِهِ جِنايَةٌ عَلى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ، وقَذًى في عَيْنِ الإيمانِ.
وثانِيها: أنَّكَ إنْ غَشَشْتَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ فارَقْتَ أوْلِياءَ اللَّهِ في حُبِّهِمُ الخَيْرَ لِعِبادِ اللَّهِ، وشارَكْتَ إبْلِيسَ وسائِرَ الكُفّارِ في مَحَبَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ البَلايا.
وثالِثُها: العِقابُ العَظِيمُ المُرَتَّبُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وأمّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَيْكَ في الدُّنْيا فَهو أنَّكَ بِسَبَبِ الحَسَدِ لا تَزالُ تَكُونُ في الغَمِّ والكَمَدِ، وأعْداؤُكَ لا يُخَلِّيهِمُ اللَّهُ مِن أنْواعِ النِّعَمِ، فَلا تَزالُ تَتَعَذَّبُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ
صفحة ٢١٩
تَراها وتَتَألَّمُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهم، فَتَبْقى أبَدًا مَغْمُومًا مَهْمُومًا، فَقَدْ حَصَلَ لَكَ ما أرَدْتَ حُصُولَهُ لِأعْدائِكَ وأرادَ أعْداؤُكَ حُصُولَهُ لَكَ فَقَدْ كُنْتَ تُرِيدُ المِحْنَةَ لِعَدُوِّكَ فَسَعَيْتَ في تَحْصِيلِ المِحْنَةِ لِنَفْسِكَ.
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الغَمَّ إذا اسْتَوْلى عَلَيْكَ أمْرَضَ بَدَنَكَ وأزالَ الصِّحَّةَ عَنْكَ، وأوْقَعَكَ في الوَساوِسِ ونَغَّصَ عَلَيْكَ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ. وأمّا أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المَحْسُودِ في دِينِهِ ودُنْياهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَزُولُ عَنْهُ بِحَسَدِكَ، بَلْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن إقْبالٍ ونِعْمَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَدُومَ إلى أجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ، ومَهْما لَمْ تَزُلِ النِّعْمَةُ بِالحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلى المَحْسُودِ ضَرَرٌ في الدُّنْيا، ولا عَلَيْهِ إثْمٌ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَيْتَ النِّعْمَةَ كانَتْ لِي، وتَزُولُ عَنِ المَحْسُودِ بِحَسَدِي، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ، فَإنَّهُ بَلاءٌ تَشْتَهِيهِ أوَّلًا لِنَفْسِكَ، فَإنَّكَ أيْضًا لا تَخْلُو عَنْ عَدُوٍّ يَحْسُدُكَ، فَلَوْ زالَتِ النِّعْمَةُ بِالحَسَدِ لَمْ يَبْقَ لِلَّهِ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ، لا في الدِّينِ ولا في الدُّنْيا، وإنِ اشْتَهَيْتَ أنْ تَزُولَ النِّعْمَةُ عَنِ الخَلْقِ بِحَسَدِكَ، ولا تَزُولَ عَنْكَ بِحَسَدِ غَيْرِكَ، فَهَذا أيْضًا جَهْلٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن حَمْقى الحُسّادِ يَشْتَهِي أنْ يَخْتَصَّ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ، ولَسْتَ أوْلى بِذَلِكَ مِنَ الغَيْرِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ في أنْ لَمْ يُزِلِ النِّعْمَةَ بِالحَسَدِ مِمّا يَجِبُ شُكْرُها عَلَيْكَ، وأنْتَ بِجَهْلِكَ تَكْرَهُها.
وأمّا أنَّ المَحْسُودَ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَواضِحٌ، أمّا مَنفَعَتُهُ في الدِّينِ فَهو أنَّهُ مَظْلُومٌ مِن جِهَتِكَ لا سِيَّما إذا أخْرَجْتَ الحَسَدَ إلى القَوْلِ والفِعْلِ بِالغِيبَةِ، والقَدْحِ فِيهِ وهَتْكِ سِتْرِهِ، وذِكْرِ مَساوِئِهِ، فَهي هَدايا يُهْدِيها اللَّهُ إلَيْهِ، أعْنِي أنَّكَ تُهْدِي إلَيْهِ حَسَناتِكَ، فَإنَّكَ كُلَّما ذَكَرْتَهُ بِسُوءٍ، نَقَلَ إلى دِيوانِهِ حَسَناتِكَ، وازْدادَتْ سَيِّئاتُكَ، فَكَأنَّكَ اشْتَهَيْتَ زَوالَ نِعَمِ اللَّهِ عَنْهُ إلَيْكَ، فَأُزِيلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْكَ إلَيْهِ، ولَمْ تَزَلْ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ تَزْدادُ شَقاوَةً، وأمّا مَنفَعَتُهُ في الدُّنْيا فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أهَمَّ أغْراضِ الخَلْقِ مَساءَةُ الأعْداءِ وكَوْنُهم مَغْمُومِينَ مُعَذَّبِينَ ولا عَذابَ أعْظَمُ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن ألَمِ الحَسَدِ، بَلِ العاقِلُ لا يَشْتَهِي مَوْتَ عَدُوِّهِ، بَلْ يُرِيدُ طُولَ حَياتِهِ؛ لِيَكُونَ في عَذابِ الحَسَدِ، لِيَنْظُرَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ إلى نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَيَتَقَطَّعَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ قِيلَ:
لا ماتَ أعْداؤُكَ بَلْ خُلِّدُوا حَتّى يَرَوْا مِنكَ الَّذِي يُكْمِدُ
لا زِلْتَ مَحْسُودًا عَلى نِعْمَةٍ ∗∗∗ فَإنَّما الكامِلُ مَن يُحْسَدُ
الثّانِي: أنَّ النّاسَ يَعْلَمُونَ أنَّ المَحْسُودَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذا نِعْمَةٍ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِحَسَدِ الحاسِدِ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِأنْواعِ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، وأعْظَمُ الفَضائِلِ مِمّا لا يُسْتَطاعُ دَفْعُهُ، وهو الَّذِي يُورِثُ الحَسَدَ فَصارَ الحَسَدُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى اتِّصافِ المَحْسُودِ بِأنْواعِ الفَضائِلِ والمَناقِبِ.
الثّالِثُ: أنَّ الحاسِدَ يَصِيرُ مَذْمُومًا بَيْنَ الخَلْقِ مَلْعُونًا عِنْدَ الخالِقِ، وهَذا مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ لِلْمَحْسُودِ.
الرّابِعُ: وهو أنَّهُ سَبَبٌ لِازْدِيادِ مَسَرَّةِ إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحاسِدَ لَمّا خَلا عَنِ الفَضائِلِ الَّتِي اخْتَصَّ المَحْسُودُ بِها، فَإنْ رَضِيَ بِذَلِكَ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ العَظِيمَ، فَخافَ إبْلِيسُ مِن أنْ يَرْضى بِذَلِكَ فَيَصِيرَ مُسْتَوْجِبًا لِذَلِكَ الثَّوابِ، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ بِهِ بَلْ أظْهَرَ الحَسَدَ فاتَهُ ذَلِكَ الثَّوابُ واسْتَوْجَبَ العِقابَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَرَحِ إبْلِيسَ، وغَضَبِ اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: أنَّكَ عَساكَ تَحْسُدُ رَجُلًا مِن أهْلِ العِلْمِ، وتُحِبُّ أنْ يُخْطِئَ في دِينِ اللَّهِ، وتَكْشِفَ خَطَأهُ لِيُفْتَضَحَ، وتُحِبُّ أنْ يُخْرَسَ لِسانُهُ حَتّى لا يَتَكَلَّمَ، أوْ يَمْرَضَ حَتّى لا يُعَلِّمَ ولا يَتَعَلَّمَ، وأيُّ إثْمٍ يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، وأيُّ مَرْتَبَةٍ أخَسُّ مِن هَذِهِ.
وقَدْ ظَهَرَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أيُّها الحاسِدُ أنَّكَ بِمَثابَةِ مَن يَرْمِي حَجَرًا إلى عَدُوِّهِ لِيُصِيبَ بِهِ مَقْتَلَهُ فَلا يُصِيبُهُ، بَلْ يَرْجِعُ إلى حَدَقَتِهِ اليُمْنى فَيَقْلَعُها، فَيَزْدادُ غَضَبُهُ، فَيَعُودُ ويَرْمِيهِ ثانِيًا أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ، فَيَرْجِعُ الحَجَرُ عَلى عَيْنِهِ الأُخْرى فَيُعْمِيهِ، فَيَزْدادُ غَيْظُهُ ويَعُودُ ثالِثًا، فَيَعُودُ عَلى رَأْسِهِ فَيَشُجُّهُ، وعَدُوُّهُ سالِمٌ في كُلِّ الأحْوالِ، والوَبالُ راجِعٌ إلَيْهِ دائِمًا،
صفحة ٢٢٠
وأعْداؤُهُ حَوالَيْهِ يَفْرَحُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ عَلَيْهِ، بَلْ حالُ الحاسِدِ أقْبَحُ مِن هَذا؛ لِأنَّ الحَجَرَ العائِدَ لَمْ يُفَوِّتْ إلّا العَيْنَ، ولَوْ بَقِيَتْ لَفاتَتْ بِالمَوْتِ، وأمّا حَسَدُهُ فَإنَّهُ يَسُوقُ إلى غَضَبِ اللَّهِ وإلى النّارِ، فَلَأنْ تَذْهَبَ عَيْنُهُ في الدُّنْيا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَبْقى لَهُ عَيْنٌ ويَدْخُلَ بِها النّارَ، فانْظُرْ كَيْفَ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنَ الحاسِدِ إذا أرادَ زَوالَ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ، فَما أزالَها عَنْهُ، ثُمَّ أزالَ نِعْمَةَ الحاسِدِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] فَهَذِهِ الأدْوِيَةُ العِلْمِيَّةُ فَمَهْما تَفَكَّرَ الإنْسانُ فِيها بِذِهْنٍ صافٍ وقَلْبٍ حاضِرٍ انْطَفَأ مِن قَلْبِهِ نارُ الحَسَدِ، وأمّا العَمَلُ النّافِعُ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِالأفْعالِ المُضادَّةِ لِمُقْتَضَياتِ الحَسَدِ، فَإنْ بَعَثَهُ الحَسَدُ عَلى القَدْحِ فِيهِ كَلَّفَ لِسانَهُ المَدْحَ لَهُ، وإنْ حَمَلَهُ عَلى التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ كَلَّفَ نَفْسَهُ التَّواضُعَ لَهُ، وإنْ حَمَلَهُ عَلى قَطْعِ أسْبابِ الخَيْرِ عَنْهُ كَلَّفَ نَفْسَهُ السَّعْيَ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، فَمَهْما عَرَفَ المَحْسُودُ ذَلِكَ طابَ قَلْبُهُ وأحَبَّ الحاسِدَ، وذَلِكَ يُفْضِي آخِرَ الأمْرِ إلى زَوالِ الحَسَدِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَحْسُودَ إذا أحَبَّ الحاسِدَ فَعَلَ ما يُحِبُّهُ الحاسِدُ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الحاسِدُ مُحِبًّا لِلْمَحْسُودِ، ويَزُولُ الحَسَدُ حِينَئِذٍ.
الثّانِي: أنَّ الحاسِدَ إذا أتى بِضِدِّ مُوجِباتِ الحَسَدِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّفِ يَصِيرُ ذَلِكَ بِالآخِرَةِ طَبْعًا لَهُ فَيَزُولُ الحَسَدُ عَنْهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ النَّفْرَةَ القائِمَةَ بِقَلْبِ الحاسِدِ مِنَ المَحْسُودِ أمْرٌ غَيْرُ داخِلٍ في وُسْعِهِ، فَكَيْفَ يُعاقَبُ عَلَيْهِ ؟ وأمّا الَّذِي في وُسْعِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: كَوْنُهُ راضِيًا بِتِلْكَ النَّفْرَةِ.
والثّانِي: إظْهارُ آثارِ تِلْكَ النَّفْرَةِ مِنَ القَدْحِ فِيهِ، والقَصْدُ إلى إزالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ، وجَرُّ أسْبابِ المَحَبَّةِ إلَيْهِ، فَهَذا هو الدّاخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ:
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ فالمُرادُ أنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ رُجُوعَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الإيمانِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الإيمانَ صَوابٌ وحَقٌّ، والعالِمُ بِأنَّ غَيْرَهُ عَلى حَقٍّ لا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَدَّهُ عَنْهُ إلّا بِشُبْهَةٍ يُلْقِيها إلَيْهِ؛ لِأنَّ المُحِقَّ لا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ إلّا بِشُبْهَةٍ، والشُّبْهَةُ ضَرْبانِ:
أحَدُهُما: ما يَتَّصِلُ بِالدُّنْيا، وهو أنْ يُقالَ لَهم: قَدْ عَلِمْتُمْ ما نَزَلَ بِكم مِن إخْراجِكم مِن دِيارِكم، وضِيقِ الأمْرِ عَلَيْكم واسْتِمْرارِ المَخافَةِ بِكم، فاتْرُكُوا الإيمانَ الَّذِي ساقَكم إلى هَذِهِ الأشْياءِ.
والثّانِي: في بابِ الدِّينِ، بِطَرْحِ الشُّبَهِ في المُعْجِزاتِ أوْ تَحْرِيفِ ما في التَّوْراةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُبَّهم لِأنْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ - إنَّما كانَ لِأجْلِ الحَسَدِ. قالَ الجُبّائِيُّ: عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ تَعالى، وأنَّ كُفْرَهم هو فِعْلُهم، لا مِن خَلْقِ اللَّهِ فِيهِمْ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ”ودَّ“ عَلى مَعْنى أنَّهم أحَبُّوا ذَلِكَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكم عَلى الحَقِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَمَنِّيهِمْ مِن قِبَلِ طَلَبِ الحَقِّ ؟ .
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”حَسَدًا“، أيْ: حَسَدًا عَظِيمًا مُنْبَعِثًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَهُودَ بَعْدَما أرادُوا صَرْفَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الإيمانِ
صفحة ٢٢١
احْتالُوا في ذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم تَعالى بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَلى وجْهِ الرِّضا بِما فَعَلُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَرْكُ المُقابَلَةِ والإعْراضُ عَنِ الجَوابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى تَسْكِينِ الثّائِرَةِ في الوَقْتِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ اليَهُودِ، فَكَذا أمَرَهُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ مُشْرِكِي العَرَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] ولِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ عَلى الدَّوامِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِغايَةٍ فَقالَ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ المُجازاةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ الحَسَنِ.
وثانِيها: أنَّهُ قُوَّةُ الرَّسُولِ وكَثْرَةُ أُمَّتِهِ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، أنَّهُ الأمْرُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ يَتَعَيَّنُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الإسْلامُ، وإمّا الخُضُوعُ لِدَفْعِ الجِزْيَةِ وتَحَمُّلِ الذُّلِّ والصَّغارِ، فَلِهَذا قالَ العُلَماءُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] «وعَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِتالٍ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وقَلَّدَهُ سَيْفًا، فَكانَ أوَّلَ قِتالٍ قاتَلَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ بِبَطْنِ نَخْلٍ، وبَعْدَهُ غَزْوَةُ» بَدْرٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ مَنسُوخًا وهو مُعَلَّقٌ بِغايَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وإنْ لَمْ يَكُنْ وُرُودُ اللَّيْلِ ناسِخًا، فَكَذا هَهُنا، الجَوابُ: أنَّ الغايَةَ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها الأمْرُ إذا كانَتْ لا تُعْلَمُ إلّا شَرْعًا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ الوارِدُ شَرْعًا عَنْ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، ويَحِلُّ مَحَلَّ قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إلى أنْ أنْسَخَهُ عَنْكم.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَعْفُونَ ويَصْفَحُونَ، والكُفّارُ كانُوا أصْحابَ الشَّوْكَةِ والقُوَّةِ، والصَّفْحُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ قُدْرَةٍ ؟ والجَوابُ: أنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ يُنالُ بِالأذى، فَيَقْدِرُ في تِلْكَ الحالَةِ قَبْلَ اجْتِماعِ الأعْداءِ أنْ يَدْفَعَ عَدُوَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، وأنْ يَسْتَعِينَ بِأصْحابِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ كَيْ لا يُهَيِّجُوا شَرًّا وقِتالًا.
القَوْلُ الثّانِي: في التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ حَسُنَ الِاسْتِدْعاءُ، واسْتُعْمِلَ ما يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ النُّصْحِ والإشْفاقِ والتَّشَدُّدِ فِيهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ، وإنَّما يَجُوزُ نَسْخُهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ لَهم بِالوَعِيدِ، سَواءٌ حُمِلَ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ أوْ غَيْرِهِ.
البقرة 2:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ اليَهُودِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما ألْزَمَهم لِحَظِّ الغَيْرِ وصَلاحِهِ العَفْوَ والصَّفْحَ، فَكَذَلِكَ ألْزَمَهم لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ وصَلاحِها القِيامَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ الواجِبَتَيْنِ، ونَبَّهَ بِهِما عَلى ما عَداهُما مِنَ الواجِباتِ. ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّطَوُّعاتُ مِنَ الصَّلَواتِ والزَّكَواتِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَجِدُونَهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَجِدُونَ عَيْنَ تِلْكَ الأعْمالِ؛ لِأنَّها لا تَبْقى، ولِأنَّ وِجْدانَ عَيْنِ تِلْكَ الأشْياءِ لا يُرْغَبُ فِيهِ، فَبَقِيَ أنَّ المُرادَ وِجْدانُ ثَوابِهِ وجَزائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ القَلِيلُ ولا الكَثِيرُ مِنَ الأعْمالِ، وهو تَرْغِيبٌ مِن حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُجازِي عَلى القَلِيلِ كَما يُجازِي عَلى الكَثِيرِ، وتَحْذِيرٌ مِن خِلافِهِ الَّذِي هو الشَّرُّ، وأمّا الخَيْرُ فَهو النَّفْعُ الحَسَنُ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فَلَمّا كانَ ما يَأْتِيهِ المَرْءُ مِنَ الطّاعَةِ يُؤَدِّي بِهِ إلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وجَبَ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] .
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن تَخْلِيطِ اليَهُودِ وإلْقاءِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ لا تَقُولُ في النَّصارى: إنَّها تَدْخُلُ الجَنَّةَ، ولا النَّصارى في اليَهُودِ، فَلا بُدَّ مِن تَفْصِيلٍ في الكَلامِ، فَكَأنَّهُ قالَ:
صفحة ٤
وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، ولا يَصِحُّ في الكَلامِ سِواهُ، مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يُكَفِّرُ الآخَرَ، ونَظِيرُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] والهُودُ جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِذٍ وعُوذٍ، وبازِلٍ وبُزْلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ: كانَ هُودًا، عَلى تَوْحِيدِ الِاسْمِ وجَمْعِ الخَبَرِ ؟ قُلْنا: حُمِلَ الِاسْمُ عَلى لَفْظِ ”مَن“ والخَبَرُ عَلى مَعْناهُ، كَقِراءَةِ الحَسَنِ: (إلّا مَن هو صالُو الجَحِيمِ)، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: (إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا)، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ مُتَمَنَّياتُهم، ثُمَّ إنَّهم لِشِدَّةِ تَمَنِّيهِمْ لِذَلِكَ قَدَّرُوهُ حَقًّا في نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ أمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ ؟ قُلْنا: أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأُمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، أيْ: تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾، و﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» “ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”لا تَتَّكِلْ عَلى المُنى؛ فَإنَّها بَضائِعُ التَّوَلِّي“ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”هاتِ“ صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ هاءِ في مَعْنى أحْضِرْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُدَّعِيَ سَواءٌ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ مِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ الشّاعِرُ:
مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم بُرْهانٌ أثْبَتَ أنَّ لِمَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ بُرْهانًا.
الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ، بَلى، إنْ غَيَّرْتُمْ طَرِيقَتَكم وأسْلَمْتُمْ وجْهَكم لِلَّهِ وأحْسَنْتُمْ فَلَكُمُ الجَنَّةُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الإسْلامِ، وبَيانًا لِمُفارَقَةِ حالِهِمْ لِحالِ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، لِكَيْ يُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ، ويَعْدِلُوا إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَأمّا مَعْنى: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فَهو إسْلامُ النَّفْسِ لِطاعَةِ اللَّهِ، وإنَّما خَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْدِنُ الحَواسِّ والفِكْرِ والتَّخَيُّلِ، فَإذا تَواضَعَ الأشْرَفُ كانَ غَيْرُهُ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ الوَجْهَ قَدْ يُكَنّى بِهِ عَنِ النَّفْسِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] .
وثالِثُها: أنَّ أعْظَمَ العِباداتِ السَّجْدَةُ، وهي إنَّما تَحْصُلُ بِالوَجْهِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ، ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا
وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
فَيَكُونُ المَرْءُ واهِبًا نَفْسَهُ لِهَذا الأمْرِ بِإذْلالِها، وذَكَرَ الوَجْهَ وأرادَ بِهِ نَفْسَ الشَّيْءِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالِانْقِيادِ والخُضُوعِ وإذْلالِ النَّفْسِ في طاعَتِهِ، وتَجَنُّبِ مَعاصِيهِ، ومَعْنى ”لِلَّهِ“ أيْ: خالِصًا لِلَّهِ لا يَشُوبُهُ شِرْكٌ،
صفحة ٥
فَلا يَكُونُ عابِدًا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ مُعَلِّقًا رَجاءَهُ بِغَيْرِهِ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَرْءَ لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِ إلّا إذا فَعَلَهُ عَلى وجْهِ العِبادَةِ في الإخْلاصِ والقُرْبَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَواضُعُهُ لِلَّهِ بِفِعْلٍ حَسَنٍ لا بِفِعْلٍ قَبِيحٍ، فَإنَّ الهِنْدَ يَتَواضَعُونَ لِلَّهِ لَكِنْ بِأفْعالٍ قَبِيحَةٍ، ومَوْضِعُ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مَوْضِعُ حالٍ، كَقَوْلِكَ: جاءَ فُلانٌ وهو راكِبٌ، أيْ جاءَ فُلانٌ راكِبًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، يَعْنِي بِهِ الثَّوابَ العَظِيمَ، ثُمَّ مَعَ هَذا النَّعِيمِ لا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، فَأمّا الخَوْفُ فَلا يَكُونُ إلّا مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وأمّا الحُزْنُ فَقَدْ يَكُونُ مِنَ الواقِعِ والماضِي كَما قَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، فَنَبَّهَ تَعالى بِالأمْرَيْنِ عَلى نِهايَةِ السَّعادَةِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ العَظِيمَ إذا دامَ وكَثُرَ وخَلُصَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ فَلا يَحْزَنُ عَلى أمْرٍ فاتَهُ، ولا عَلى أمْرٍ يَنالُهُ، ولا يَخافُ انْقِطاعَ ما هو فِيهِ وتَغَيُّرَهُ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتَحْذِيرٌ مِن خِلافِها الَّذِي هو طَرِيقَةُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ مِن قَبْلُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وحَّدَ أوَّلًا ثُمَّ جَمَعَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ﴾ [النجم: ٢٦] ثُمَّ قالَ: ﴿شَفاعَتُهُمْ﴾ [النجم: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ [محمد: ١٦] ولَمْ يَقِلْ: خَرَجَ، واعْلَمْ أنّا لَمّا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ بِالإخْلاصِ، فَلْنَذْكُرْ هَهُنا حَقِيقَةَ الإخْلاصِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ بَيانُهُ إلّا في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: في فَضْلِ النِّيَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “، وقالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أعْمالِكم، وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم ونِيّاتِكم» “ وفي الإسْرائِيلِيّاتِ أنَّ رَجُلًا مَرَّ بِكُثْبانٍ مِن رَمْلٍ في مَجاعَةٍ فَقالَ في نَفْسِهِ: لَوْ كانَ هَذا الرَّمْلُ طَعامًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَ النّاسِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِمْ قُلْ لَهُ: إنَّ اللَّهَ قَبِلَ صَدَقَتَكَ، وشَكَرَ حُسْنَ نِيَّتِكَ، وأعْطاكَ ثَوابَ ما لَوْ كانَ طَعامًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإنْسانُ إذا عَلِمَ أوْ ظَنَّ أوِ اعْتَقَدَ أنَّ لَهُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ جَلْبَ نَفْعٍ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ ظَهَرَ في قَلْبِهِ مَيْلٌ وطَلَبٌ، وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ، وهي الإرادَةُ، فَهَذِهِ الإرادَةُ هي النِّيَّةُ، والباعِثُ لَهُ عَلى تِلْكَ النِّيَّةِ ذَلِكَ العِلْمُ أوِ الِاعْتِقادُ أوِ الظَّنُّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الباعِثُ عَلى الفِعْلِ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا واحِدًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أمْرَيْنِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإمّا أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِالبَعْثِ، أوْ لا يَكُونَ واحِدٌ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ، أوْ يَكُونَ أحَدُهُما مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ دُونَ الآخَرِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الباعِثُ واحِدًا وهو كَما إذا هَجَمَ عَلى الإنْسانِ سَبُعٌ، فَلَمّا رَآهُ قامَ مِن مَكانِهِ، فَهَذا الفِعْلُ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا اعْتِقادُهُ ما في الهَرَبِ مِنَ النَّفْعِ، وما في تَرْكِ الهَرَبِ مِنَ الضَّرَرِ، فَهَذِهِ النِّيَّةُ تُسَمّى خالِصَةً، ويُسَمّى العَمَلُ بِمُوجَبِها إخْلاصًا.
الثّانِي: أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الفِعْلِ باعِثانِ مُسْتَقِلّانِ، كَما إذا سَألَهُ رَفِيقُهُ الفَقِيرُ حاجَةً فَيَقْضِيها؛ لِكَوْنِهِ رَفِيقًا لَهُ، وكَوْنِهِ فَقِيرًا، مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَ لاسْتَقَلَّ بِالِاسْتِقْضاءِ، واسْمُ هَذا مُوافَقَةُ الباعِثِ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَسْتَقِلَّ واحِدٌ مِنهُما لَوِ انْفَرَدَ، لَكِنَّ المَجْمُوعَ مُسْتَقِلٌّ، واسْمُ هَذا مُشارَكَةٌ.
الرّابِعُ: أنْ يَسْتَقِلَّ أحَدُهُما، ويَكُونُ الآخَرُ مُعاضِدًا، مِثْلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ وِرْدٌ مِنَ الطّاعاتِ فاتَّفَقَ أنْ حَضَرَ في وقْتِ أدائِها جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فَصارَ الفِعْلُ عَلَيْهِ أخَفَّ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِمْ، واسْمُ هَذا مُعاوَنَةٌ.
صفحة ٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ النِّيَّةَ سِرٌّ، والعَمَلَ عَلَنٌ، وطاعَةَ السِّرِّ أفْضَلُ مِن طاعَةِ العَلانِيَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نِيَّةُ الصَّلاةِ خَيْرًا مِن نَفْسِ الصَّلاةِ.
وثانِيها: النِّيَّةُ تَدُومُ إلى آخِرِ العَمَلِ، والأعْمالُ لا تَدُومُ، والدّائِمُ خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ العَمَلَ الكَثِيرُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ القَلِيلِ، وأيْضًا فَنِيَّةُ عَمَلِ الصَّلاةِ قَدْ لا تَحْصُلُ إلّا في لَحَظاتٍ قَلِيلَةٍ، والأعْمالُ تَدُومُ.
وثالِثُها: أنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ بِمُجَرَّدِهِ، وهو ضَعِيفٌ، إذِ العَمَلُ بِلا نِيَّةٍ لا خَيْرَ فِيهِ، وظاهِرٌ التَّرْجِيحِ لِلْمُشْتَرِكَيْنِ في أصْلِ الخَيْرِيَّةِ.
ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَيْرِ إثْباتَ الأفْضَلِيَّةِ، بَلِ المُرادُ أنَّ النِّيَّةَ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ الواقِعَةِ بِعَمَلِهِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ حَمْلَ الحَدِيثِ عَلَيْهِ لا يُفِيدُ إلّا إيضاحَ الواضِحاتِ، بَلِ الوَجْهُ الجَيِّدُ في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ: النِّيَّةُ ما لَمْ تَخْلُ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ الفُتُورِ لا تَكُونُ نِيَّةً جازِمَةً، ومَتى خَلَتْ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الفُتُورِ وجَبَ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْها لَوْ لَمْ يُوجَدْ عائِقٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ النِّيَّةَ لا تَنْفَكُّ ألْبَتَّةَ عَنِ الفِعْلِ، فَيُدَّعى أنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ تَنْوِيرُ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وتَطْهِيرُهُ عَمّا سِوى اللَّهِ، والنِّيَّةُ صِفَةُ القَلْبِ، والفِعْلُ لَيْسَ صِفَةَ القَلْبِ، وتَأْثِيرُ صِفَةِ القَلْبِ أقْوى مِن تَأْثِيرِ صِفَةِ الجَوارِحِ في القَلْبِ، فَلا جَرَمَ نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ لا مَعْنى لِلنِّيَّةِ إلّا القَصْدُ إلى إيقاعِ تِلْكَ الأعْمالِ طاعَةً لِلْمَعْبُودِ وانْقِيادًا لَهُ، وإنَّما إيرادُ الأعْمالِ لِيُسْتَحْفَظَ التَّذَكُّرُ بِالتَّكْرِيرِ، فَيَكُونُ الذِّكْرُ والقَصْدُ الَّذِي في القَلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَمَلِ كالمَقْصُودِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَسِيلَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ أشْرَفُ مِنَ الوَسِيلَةِ.
وثالِثُها: أنَّ القَلْبَ أشْرَفُ مِنَ الجَسَدِ، فَفِعْلُهُ أشْرَفُ مِن فِعْلِ الجَسَدِ، فَكانَتِ النِّيَّةُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأعْمالَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: طاعاتٍ، ومَعاصٍ، ومُباحاتٍ، أمّا المَعاصِي فَهي لا تَتَغَيَّرُ عَنْ مَوْضُوعاتِها بِالنِّيَّةِ، فَلا يَظُنَّ الجاهِلُ أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ يَقْتَضِي انْقِلابَ المَعْصِيَةِ طاعَةً بِالنِّيَّةِ، كالَّذِي يُطْعِمُ فَقِيرًا مِن مالِ غَيْرِهِ، أوْ يَبْنِي مَسْجِدًا مِن مالٍ حَرامٍ.
الثّانِي: الطّاعاتُ، وهي مُرْتَبِطَةٌ بِالنِّيّاتِ في الأصْلِ وفي الفَضِيلَةِ، أمّا في الأصْلِ فَهو أنْ يَنْوِيَ بِها عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ نَوى الرِّياءَ صارَتْ مَعْصِيَةً، وأمّا الفَضِيلَةُ فَبِكَثْرَةِ النِّيّاتِ تَكْثُرُ الحَسَنَةُ كَمَن قَعَدَ في المَسْجِدِ ويَنْوِي فِيهِ نِيّاتٍ كَثِيرَةً:
أوَّلُها: أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ ويَقْصِدَ بِهِ زِيارَةَ مَوْلاهُ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن قَعَدَ في المَسْجِدِ فَقَدْ زارَ اللَّهَ، وحَقٌّ عَلى المَزُورِ إكْرامُ زائِرِهِ» “ .
وثانِيها: أنْ يَنْتَظِرَ الصَّلاةَ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ حالَ الِانْتِظارِ كَمَن هو في الصَّلاةِ.
وثالِثُها: إغْضاءُ السَّمْعِ والبَصَرِ وسائِرِ الأعْضاءِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَإنَّ الِاعْتِكافَ كَفٌّ، وهو في مَعْنى الصَّوْمِ، وهو نَوْعُ تَرَهُّبٍ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رَهْبانِيَّةُ أُمَّتِي القُعُودُ في المَساجِدِ» “ .
ورابِعُها: صَرْفُ القَلْبِ والسِّرِّ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى.
وخامِسُها: إزالَةُ ما سِوى اللَّهِ عَنِ القَلْبِ.
وسادِسُها: أنْ يَقْصِدَ إفادَةَ عِلْمٍ أوْ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ.
وسابِعُها: أنْ يَسْتَفِيدَ أخًا في اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَنِيمَةُ أهْلِ الدِّينِ.
وثامِنُها: أنْ يَتْرُكَ الذُّنُوبَ حَياءً مِنَ اللَّهِ، فَهَذا طَرِيقُ تَكْثِيرِ النِّيّاتِ، وقِسْ بِهِ سائِرَ الطّاعاتِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: سائِرُ المُباحاتِ، ولا شَيْءَ مِنها إلّا ويَحْتَمِلُ نِيَّةً أوْ نِيّاتٍ، يَصِيرُ بِها مِن مَحاسِنِ القُرُباتِ، فَما أعْظَمَ خُسْرانَ مَن يَغْفُلُ عَنْها، ولا يَصْرِفُها إلى القُرُباتِ، وفي الخَبَرِ: ”«مَن تَطَيَّبَ لِلَّهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ورِيحُهُ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ، ومَن تَطَيَّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ورِيحُهُ أنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ» “، فَإنْ قُلْتَ: فاشْرَحْ لِي كَيْفِيَّةَ هَذِهِ النِّيَّةِ، فاعْلَمْ أنَّ القَصْدَ مِنَ التَّطَيُّبِ إنْ كانَ هو التَّنَعُّمَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا، أوْ إظْهارَ التَّفاخُرِ بِكَثْرَةِ المالِ، أوْ
صفحة ٧
رِياءَ الخَلْقِ، أوْ لِيَتَوَدَّدَ بِهِ إلى قُلُوبِ النِّساءِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَجْعَلُ التَّطَيُّبَ مَعْصِيَةً، وإنْ كانَ القَصْدُ إقامَةَ السُّنَّةِ، ودَفْعَ الرَّوائِحِ المُؤْذِيَةِ عَنْ عِبادِ اللَّهِ، وتَعْظِيمَ المَسْجِدِ، فَهو عَيْنُ الطّاعَةِ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَقِسْ عَلَيْهِ سائِرَ المُباحاتِ، والضّابِطُ أنَّ كُلَّ ما فَعَلْتَهُ لِداعِي الحَقِّ فَهو العَمَلُ الحَقُّ، وكُلَّ ما عَمِلْتَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَحَلالُها حِسابٌ وحَرامُها عَذابٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الجاهِلَ إذا سَمِعَ الوُجُوهَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، فَيَقُولُ في نَفْسِهِ عِنْدَ تَدْرِيسِهِ وتِجارَتِهِ: نَوَيْتُ أنْ أُدَرِّسَ لِلَّهِ، وأتَّجِرَ لِلَّهِ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ نِيَّةٌ، وهَيْهاتَ، فَذاكَ حَدِيثُ نَفْسٍ، أوْ حَدِيثُ لِسانٍ، والنِّيَّةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، إنَّما النِّيَّةُ انْبِعاثُ النَّفْسِ، ومَيْلُها إلى ما ظَهَرَ لَها أنَّ فِيهِ غَرَضَها إمّا عاجِلًا وإمّا آجِلًا. والمَيْلُ إذا لَمْ يَحْصُلُ لَمْ يَقْدِرِ الإنْسانُ عَلى اكْتِسابِهِ، وهو كَقَوْلِ الشَّبْعانِ: نَوَيْتُ أنْ أشْتَهِيَ الطَّعامَ، أوْ كَقَوْلِ الفارِغِ: نَوَيْتُ أنْ أعْشَقَ، بَلْ لا طَرِيقَ إلى اكْتِسابِ المَيْلِ إلى الشَّيْءِ إلّا بِاكْتِسابِ أسْبابِهِ، ولَيْسَتْ هي إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ثُمَّ هَذا العِلْمُ لا يُوجِبُ هَذا المَيْلَ إلّا عِنْدَ خُلُوِّ القَلْبِ عَنْ سائِرِ الشَّواغِلِ، فَإذا غَلَبَتْ شَهْوَةُ النِّكاحِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ في الوَلَدِ غَرَضًا صَحِيحًا لا عاجِلًا ولا آجِلًا، لا يُمْكِنُهُ أنْ يُواقِعَ عَلى نِيَّةِ الوَلَدِ، بَلْ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نِيَّةِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، إذِ النِّيَّةُ هي إجابَةُ الباعِثِ، ولا باعِثَ إلّا الشَّهْوَةُ، فَكَيْفَ يَنْوِي الوَلَدَ ؟ فَثَبَتَ أنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ القَوْلِ بِاللِّسانِ أوْ بِالقَلْبِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ هَذا المَيْلِ، وذَلِكَ أمْرٌ مُعَلَّقٌ بِالغَيْبِ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، وقَدْ يَتَعَذَّرُ في بَعْضِها.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ نِيّاتِ النّاسِ في الطّاعاتِ أقْسامٌ: فَمِنهم مَن يَكُونُ عَمَلُهم إجابَةً لِباعِثِ الخَوْفِ، فَإنَّهُ يَتَّقِي النّارَ، ومِنهم مَن يَعْمَلُ لِباعِثِ الرَّجاءِ، وهو الرَّغْبَةُ في الجَنَّةِ، والعامِلُ لِأجْلِ الجَنَّةِ عامِلٌ لِبَطْنِهِ وفَرْجِهِ، كالأجِيرِ السُّوءِ، ودَرَجَتُهُ دَرَجَةُ البُلْهِ، وأمّا عِبادَةُ ذَوِي الألْبابِ فَلا تُجاوِزُ ذِكْرَ اللَّهِ والفِكْرَ فِيهِ حُبًّا لِجَلالِهِ، وسائِرُ الأعْمالِ مُؤَكِّداتٌ لَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وثَوابُ النّاسِ بِقَدْرِ نِيّاتِهِمْ، فَلا جَرَمَ صارَ المُقَرَّبُونَ مُتَنَعِّمِينَ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، ونِسْبَةُ شَرَفِ الِالتِذاذِ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ إلى شَرَفِ الِالتِذاذِ بِهَذا المَقامِ كَنِسْبَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.
البقرة 2:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ اليَهُودِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما ألْزَمَهم لِحَظِّ الغَيْرِ وصَلاحِهِ العَفْوَ والصَّفْحَ، فَكَذَلِكَ ألْزَمَهم لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ وصَلاحِها القِيامَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ الواجِبَتَيْنِ، ونَبَّهَ بِهِما عَلى ما عَداهُما مِنَ الواجِباتِ. ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّطَوُّعاتُ مِنَ الصَّلَواتِ والزَّكَواتِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَجِدُونَهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَجِدُونَ عَيْنَ تِلْكَ الأعْمالِ؛ لِأنَّها لا تَبْقى، ولِأنَّ وِجْدانَ عَيْنِ تِلْكَ الأشْياءِ لا يُرْغَبُ فِيهِ، فَبَقِيَ أنَّ المُرادَ وِجْدانُ ثَوابِهِ وجَزائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ القَلِيلُ ولا الكَثِيرُ مِنَ الأعْمالِ، وهو تَرْغِيبٌ مِن حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُجازِي عَلى القَلِيلِ كَما يُجازِي عَلى الكَثِيرِ، وتَحْذِيرٌ مِن خِلافِهِ الَّذِي هو الشَّرُّ، وأمّا الخَيْرُ فَهو النَّفْعُ الحَسَنُ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فَلَمّا كانَ ما يَأْتِيهِ المَرْءُ مِنَ الطّاعَةِ يُؤَدِّي بِهِ إلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وجَبَ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] .
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن تَخْلِيطِ اليَهُودِ وإلْقاءِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ لا تَقُولُ في النَّصارى: إنَّها تَدْخُلُ الجَنَّةَ، ولا النَّصارى في اليَهُودِ، فَلا بُدَّ مِن تَفْصِيلٍ في الكَلامِ، فَكَأنَّهُ قالَ:
صفحة ٤
وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، ولا يَصِحُّ في الكَلامِ سِواهُ، مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يُكَفِّرُ الآخَرَ، ونَظِيرُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] والهُودُ جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِذٍ وعُوذٍ، وبازِلٍ وبُزْلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ: كانَ هُودًا، عَلى تَوْحِيدِ الِاسْمِ وجَمْعِ الخَبَرِ ؟ قُلْنا: حُمِلَ الِاسْمُ عَلى لَفْظِ ”مَن“ والخَبَرُ عَلى مَعْناهُ، كَقِراءَةِ الحَسَنِ: (إلّا مَن هو صالُو الجَحِيمِ)، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: (إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا)، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ مُتَمَنَّياتُهم، ثُمَّ إنَّهم لِشِدَّةِ تَمَنِّيهِمْ لِذَلِكَ قَدَّرُوهُ حَقًّا في نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ أمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ ؟ قُلْنا: أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأُمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، أيْ: تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾، و﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» “ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”لا تَتَّكِلْ عَلى المُنى؛ فَإنَّها بَضائِعُ التَّوَلِّي“ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”هاتِ“ صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ هاءِ في مَعْنى أحْضِرْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُدَّعِيَ سَواءٌ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ مِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ الشّاعِرُ:
مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم بُرْهانٌ أثْبَتَ أنَّ لِمَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ بُرْهانًا.
الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ، بَلى، إنْ غَيَّرْتُمْ طَرِيقَتَكم وأسْلَمْتُمْ وجْهَكم لِلَّهِ وأحْسَنْتُمْ فَلَكُمُ الجَنَّةُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الإسْلامِ، وبَيانًا لِمُفارَقَةِ حالِهِمْ لِحالِ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، لِكَيْ يُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ، ويَعْدِلُوا إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَأمّا مَعْنى: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فَهو إسْلامُ النَّفْسِ لِطاعَةِ اللَّهِ، وإنَّما خَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْدِنُ الحَواسِّ والفِكْرِ والتَّخَيُّلِ، فَإذا تَواضَعَ الأشْرَفُ كانَ غَيْرُهُ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ الوَجْهَ قَدْ يُكَنّى بِهِ عَنِ النَّفْسِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] .
وثالِثُها: أنَّ أعْظَمَ العِباداتِ السَّجْدَةُ، وهي إنَّما تَحْصُلُ بِالوَجْهِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ، ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا
وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
فَيَكُونُ المَرْءُ واهِبًا نَفْسَهُ لِهَذا الأمْرِ بِإذْلالِها، وذَكَرَ الوَجْهَ وأرادَ بِهِ نَفْسَ الشَّيْءِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالِانْقِيادِ والخُضُوعِ وإذْلالِ النَّفْسِ في طاعَتِهِ، وتَجَنُّبِ مَعاصِيهِ، ومَعْنى ”لِلَّهِ“ أيْ: خالِصًا لِلَّهِ لا يَشُوبُهُ شِرْكٌ،
صفحة ٥
فَلا يَكُونُ عابِدًا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ مُعَلِّقًا رَجاءَهُ بِغَيْرِهِ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَرْءَ لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِ إلّا إذا فَعَلَهُ عَلى وجْهِ العِبادَةِ في الإخْلاصِ والقُرْبَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَواضُعُهُ لِلَّهِ بِفِعْلٍ حَسَنٍ لا بِفِعْلٍ قَبِيحٍ، فَإنَّ الهِنْدَ يَتَواضَعُونَ لِلَّهِ لَكِنْ بِأفْعالٍ قَبِيحَةٍ، ومَوْضِعُ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مَوْضِعُ حالٍ، كَقَوْلِكَ: جاءَ فُلانٌ وهو راكِبٌ، أيْ جاءَ فُلانٌ راكِبًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، يَعْنِي بِهِ الثَّوابَ العَظِيمَ، ثُمَّ مَعَ هَذا النَّعِيمِ لا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، فَأمّا الخَوْفُ فَلا يَكُونُ إلّا مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وأمّا الحُزْنُ فَقَدْ يَكُونُ مِنَ الواقِعِ والماضِي كَما قَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، فَنَبَّهَ تَعالى بِالأمْرَيْنِ عَلى نِهايَةِ السَّعادَةِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ العَظِيمَ إذا دامَ وكَثُرَ وخَلُصَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ فَلا يَحْزَنُ عَلى أمْرٍ فاتَهُ، ولا عَلى أمْرٍ يَنالُهُ، ولا يَخافُ انْقِطاعَ ما هو فِيهِ وتَغَيُّرَهُ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتَحْذِيرٌ مِن خِلافِها الَّذِي هو طَرِيقَةُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ مِن قَبْلُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وحَّدَ أوَّلًا ثُمَّ جَمَعَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ﴾ [النجم: ٢٦] ثُمَّ قالَ: ﴿شَفاعَتُهُمْ﴾ [النجم: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ [محمد: ١٦] ولَمْ يَقِلْ: خَرَجَ، واعْلَمْ أنّا لَمّا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ بِالإخْلاصِ، فَلْنَذْكُرْ هَهُنا حَقِيقَةَ الإخْلاصِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ بَيانُهُ إلّا في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: في فَضْلِ النِّيَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “، وقالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أعْمالِكم، وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم ونِيّاتِكم» “ وفي الإسْرائِيلِيّاتِ أنَّ رَجُلًا مَرَّ بِكُثْبانٍ مِن رَمْلٍ في مَجاعَةٍ فَقالَ في نَفْسِهِ: لَوْ كانَ هَذا الرَّمْلُ طَعامًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَ النّاسِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِمْ قُلْ لَهُ: إنَّ اللَّهَ قَبِلَ صَدَقَتَكَ، وشَكَرَ حُسْنَ نِيَّتِكَ، وأعْطاكَ ثَوابَ ما لَوْ كانَ طَعامًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإنْسانُ إذا عَلِمَ أوْ ظَنَّ أوِ اعْتَقَدَ أنَّ لَهُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ جَلْبَ نَفْعٍ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ ظَهَرَ في قَلْبِهِ مَيْلٌ وطَلَبٌ، وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ، وهي الإرادَةُ، فَهَذِهِ الإرادَةُ هي النِّيَّةُ، والباعِثُ لَهُ عَلى تِلْكَ النِّيَّةِ ذَلِكَ العِلْمُ أوِ الِاعْتِقادُ أوِ الظَّنُّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الباعِثُ عَلى الفِعْلِ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا واحِدًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أمْرَيْنِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإمّا أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِالبَعْثِ، أوْ لا يَكُونَ واحِدٌ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ، أوْ يَكُونَ أحَدُهُما مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ دُونَ الآخَرِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الباعِثُ واحِدًا وهو كَما إذا هَجَمَ عَلى الإنْسانِ سَبُعٌ، فَلَمّا رَآهُ قامَ مِن مَكانِهِ، فَهَذا الفِعْلُ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا اعْتِقادُهُ ما في الهَرَبِ مِنَ النَّفْعِ، وما في تَرْكِ الهَرَبِ مِنَ الضَّرَرِ، فَهَذِهِ النِّيَّةُ تُسَمّى خالِصَةً، ويُسَمّى العَمَلُ بِمُوجَبِها إخْلاصًا.
الثّانِي: أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الفِعْلِ باعِثانِ مُسْتَقِلّانِ، كَما إذا سَألَهُ رَفِيقُهُ الفَقِيرُ حاجَةً فَيَقْضِيها؛ لِكَوْنِهِ رَفِيقًا لَهُ، وكَوْنِهِ فَقِيرًا، مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَ لاسْتَقَلَّ بِالِاسْتِقْضاءِ، واسْمُ هَذا مُوافَقَةُ الباعِثِ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَسْتَقِلَّ واحِدٌ مِنهُما لَوِ انْفَرَدَ، لَكِنَّ المَجْمُوعَ مُسْتَقِلٌّ، واسْمُ هَذا مُشارَكَةٌ.
الرّابِعُ: أنْ يَسْتَقِلَّ أحَدُهُما، ويَكُونُ الآخَرُ مُعاضِدًا، مِثْلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ وِرْدٌ مِنَ الطّاعاتِ فاتَّفَقَ أنْ حَضَرَ في وقْتِ أدائِها جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فَصارَ الفِعْلُ عَلَيْهِ أخَفَّ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِمْ، واسْمُ هَذا مُعاوَنَةٌ.
صفحة ٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ النِّيَّةَ سِرٌّ، والعَمَلَ عَلَنٌ، وطاعَةَ السِّرِّ أفْضَلُ مِن طاعَةِ العَلانِيَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نِيَّةُ الصَّلاةِ خَيْرًا مِن نَفْسِ الصَّلاةِ.
وثانِيها: النِّيَّةُ تَدُومُ إلى آخِرِ العَمَلِ، والأعْمالُ لا تَدُومُ، والدّائِمُ خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّ العَمَلَ الكَثِيرُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ القَلِيلِ، وأيْضًا فَنِيَّةُ عَمَلِ الصَّلاةِ قَدْ لا تَحْصُلُ إلّا في لَحَظاتٍ قَلِيلَةٍ، والأعْمالُ تَدُومُ.
وثالِثُها: أنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ بِمُجَرَّدِهِ، وهو ضَعِيفٌ، إذِ العَمَلُ بِلا نِيَّةٍ لا خَيْرَ فِيهِ، وظاهِرٌ التَّرْجِيحِ لِلْمُشْتَرِكَيْنِ في أصْلِ الخَيْرِيَّةِ.
ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَيْرِ إثْباتَ الأفْضَلِيَّةِ، بَلِ المُرادُ أنَّ النِّيَّةَ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ الواقِعَةِ بِعَمَلِهِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ حَمْلَ الحَدِيثِ عَلَيْهِ لا يُفِيدُ إلّا إيضاحَ الواضِحاتِ، بَلِ الوَجْهُ الجَيِّدُ في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ: النِّيَّةُ ما لَمْ تَخْلُ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ الفُتُورِ لا تَكُونُ نِيَّةً جازِمَةً، ومَتى خَلَتْ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الفُتُورِ وجَبَ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْها لَوْ لَمْ يُوجَدْ عائِقٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ النِّيَّةَ لا تَنْفَكُّ ألْبَتَّةَ عَنِ الفِعْلِ، فَيُدَّعى أنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ تَنْوِيرُ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وتَطْهِيرُهُ عَمّا سِوى اللَّهِ، والنِّيَّةُ صِفَةُ القَلْبِ، والفِعْلُ لَيْسَ صِفَةَ القَلْبِ، وتَأْثِيرُ صِفَةِ القَلْبِ أقْوى مِن تَأْثِيرِ صِفَةِ الجَوارِحِ في القَلْبِ، فَلا جَرَمَ نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ لا مَعْنى لِلنِّيَّةِ إلّا القَصْدُ إلى إيقاعِ تِلْكَ الأعْمالِ طاعَةً لِلْمَعْبُودِ وانْقِيادًا لَهُ، وإنَّما إيرادُ الأعْمالِ لِيُسْتَحْفَظَ التَّذَكُّرُ بِالتَّكْرِيرِ، فَيَكُونُ الذِّكْرُ والقَصْدُ الَّذِي في القَلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَمَلِ كالمَقْصُودِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَسِيلَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ أشْرَفُ مِنَ الوَسِيلَةِ.
وثالِثُها: أنَّ القَلْبَ أشْرَفُ مِنَ الجَسَدِ، فَفِعْلُهُ أشْرَفُ مِن فِعْلِ الجَسَدِ، فَكانَتِ النِّيَّةُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأعْمالَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: طاعاتٍ، ومَعاصٍ، ومُباحاتٍ، أمّا المَعاصِي فَهي لا تَتَغَيَّرُ عَنْ مَوْضُوعاتِها بِالنِّيَّةِ، فَلا يَظُنَّ الجاهِلُ أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ يَقْتَضِي انْقِلابَ المَعْصِيَةِ طاعَةً بِالنِّيَّةِ، كالَّذِي يُطْعِمُ فَقِيرًا مِن مالِ غَيْرِهِ، أوْ يَبْنِي مَسْجِدًا مِن مالٍ حَرامٍ.
الثّانِي: الطّاعاتُ، وهي مُرْتَبِطَةٌ بِالنِّيّاتِ في الأصْلِ وفي الفَضِيلَةِ، أمّا في الأصْلِ فَهو أنْ يَنْوِيَ بِها عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ نَوى الرِّياءَ صارَتْ مَعْصِيَةً، وأمّا الفَضِيلَةُ فَبِكَثْرَةِ النِّيّاتِ تَكْثُرُ الحَسَنَةُ كَمَن قَعَدَ في المَسْجِدِ ويَنْوِي فِيهِ نِيّاتٍ كَثِيرَةً:
أوَّلُها: أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ ويَقْصِدَ بِهِ زِيارَةَ مَوْلاهُ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن قَعَدَ في المَسْجِدِ فَقَدْ زارَ اللَّهَ، وحَقٌّ عَلى المَزُورِ إكْرامُ زائِرِهِ» “ .
وثانِيها: أنْ يَنْتَظِرَ الصَّلاةَ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ حالَ الِانْتِظارِ كَمَن هو في الصَّلاةِ.
وثالِثُها: إغْضاءُ السَّمْعِ والبَصَرِ وسائِرِ الأعْضاءِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَإنَّ الِاعْتِكافَ كَفٌّ، وهو في مَعْنى الصَّوْمِ، وهو نَوْعُ تَرَهُّبٍ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رَهْبانِيَّةُ أُمَّتِي القُعُودُ في المَساجِدِ» “ .
ورابِعُها: صَرْفُ القَلْبِ والسِّرِّ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى.
وخامِسُها: إزالَةُ ما سِوى اللَّهِ عَنِ القَلْبِ.
وسادِسُها: أنْ يَقْصِدَ إفادَةَ عِلْمٍ أوْ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ.
وسابِعُها: أنْ يَسْتَفِيدَ أخًا في اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَنِيمَةُ أهْلِ الدِّينِ.
وثامِنُها: أنْ يَتْرُكَ الذُّنُوبَ حَياءً مِنَ اللَّهِ، فَهَذا طَرِيقُ تَكْثِيرِ النِّيّاتِ، وقِسْ بِهِ سائِرَ الطّاعاتِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: سائِرُ المُباحاتِ، ولا شَيْءَ مِنها إلّا ويَحْتَمِلُ نِيَّةً أوْ نِيّاتٍ، يَصِيرُ بِها مِن مَحاسِنِ القُرُباتِ، فَما أعْظَمَ خُسْرانَ مَن يَغْفُلُ عَنْها، ولا يَصْرِفُها إلى القُرُباتِ، وفي الخَبَرِ: ”«مَن تَطَيَّبَ لِلَّهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ورِيحُهُ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ، ومَن تَطَيَّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ورِيحُهُ أنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ» “، فَإنْ قُلْتَ: فاشْرَحْ لِي كَيْفِيَّةَ هَذِهِ النِّيَّةِ، فاعْلَمْ أنَّ القَصْدَ مِنَ التَّطَيُّبِ إنْ كانَ هو التَّنَعُّمَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا، أوْ إظْهارَ التَّفاخُرِ بِكَثْرَةِ المالِ، أوْ
صفحة ٧
رِياءَ الخَلْقِ، أوْ لِيَتَوَدَّدَ بِهِ إلى قُلُوبِ النِّساءِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَجْعَلُ التَّطَيُّبَ مَعْصِيَةً، وإنْ كانَ القَصْدُ إقامَةَ السُّنَّةِ، ودَفْعَ الرَّوائِحِ المُؤْذِيَةِ عَنْ عِبادِ اللَّهِ، وتَعْظِيمَ المَسْجِدِ، فَهو عَيْنُ الطّاعَةِ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَقِسْ عَلَيْهِ سائِرَ المُباحاتِ، والضّابِطُ أنَّ كُلَّ ما فَعَلْتَهُ لِداعِي الحَقِّ فَهو العَمَلُ الحَقُّ، وكُلَّ ما عَمِلْتَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَحَلالُها حِسابٌ وحَرامُها عَذابٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الجاهِلَ إذا سَمِعَ الوُجُوهَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، فَيَقُولُ في نَفْسِهِ عِنْدَ تَدْرِيسِهِ وتِجارَتِهِ: نَوَيْتُ أنْ أُدَرِّسَ لِلَّهِ، وأتَّجِرَ لِلَّهِ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ نِيَّةٌ، وهَيْهاتَ، فَذاكَ حَدِيثُ نَفْسٍ، أوْ حَدِيثُ لِسانٍ، والنِّيَّةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، إنَّما النِّيَّةُ انْبِعاثُ النَّفْسِ، ومَيْلُها إلى ما ظَهَرَ لَها أنَّ فِيهِ غَرَضَها إمّا عاجِلًا وإمّا آجِلًا. والمَيْلُ إذا لَمْ يَحْصُلُ لَمْ يَقْدِرِ الإنْسانُ عَلى اكْتِسابِهِ، وهو كَقَوْلِ الشَّبْعانِ: نَوَيْتُ أنْ أشْتَهِيَ الطَّعامَ، أوْ كَقَوْلِ الفارِغِ: نَوَيْتُ أنْ أعْشَقَ، بَلْ لا طَرِيقَ إلى اكْتِسابِ المَيْلِ إلى الشَّيْءِ إلّا بِاكْتِسابِ أسْبابِهِ، ولَيْسَتْ هي إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ثُمَّ هَذا العِلْمُ لا يُوجِبُ هَذا المَيْلَ إلّا عِنْدَ خُلُوِّ القَلْبِ عَنْ سائِرِ الشَّواغِلِ، فَإذا غَلَبَتْ شَهْوَةُ النِّكاحِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ في الوَلَدِ غَرَضًا صَحِيحًا لا عاجِلًا ولا آجِلًا، لا يُمْكِنُهُ أنْ يُواقِعَ عَلى نِيَّةِ الوَلَدِ، بَلْ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نِيَّةِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، إذِ النِّيَّةُ هي إجابَةُ الباعِثِ، ولا باعِثَ إلّا الشَّهْوَةُ، فَكَيْفَ يَنْوِي الوَلَدَ ؟ فَثَبَتَ أنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ القَوْلِ بِاللِّسانِ أوْ بِالقَلْبِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ هَذا المَيْلِ، وذَلِكَ أمْرٌ مُعَلَّقٌ بِالغَيْبِ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، وقَدْ يَتَعَذَّرُ في بَعْضِها.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ نِيّاتِ النّاسِ في الطّاعاتِ أقْسامٌ: فَمِنهم مَن يَكُونُ عَمَلُهم إجابَةً لِباعِثِ الخَوْفِ، فَإنَّهُ يَتَّقِي النّارَ، ومِنهم مَن يَعْمَلُ لِباعِثِ الرَّجاءِ، وهو الرَّغْبَةُ في الجَنَّةِ، والعامِلُ لِأجْلِ الجَنَّةِ عامِلٌ لِبَطْنِهِ وفَرْجِهِ، كالأجِيرِ السُّوءِ، ودَرَجَتُهُ دَرَجَةُ البُلْهِ، وأمّا عِبادَةُ ذَوِي الألْبابِ فَلا تُجاوِزُ ذِكْرَ اللَّهِ والفِكْرَ فِيهِ حُبًّا لِجَلالِهِ، وسائِرُ الأعْمالِ مُؤَكِّداتٌ لَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وثَوابُ النّاسِ بِقَدْرِ نِيّاتِهِمْ، فَلا جَرَمَ صارَ المُقَرَّبُونَ مُتَنَعِّمِينَ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، ونِسْبَةُ شَرَفِ الِالتِذاذِ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ إلى شَرَفِ الِالتِذاذِ بِهَذا المَقامِ كَنِسْبَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.
البقرة 2:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا جَمَعَهم في الخَبَرِ الأوَّلِ فَصَّلَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ قَوْلَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم في الآخَرِ، وكَيْفَ يُنْكِرُ كُلُّ طائِفَةٍ دِينَ الأُخْرى، وهَهُنا مَسائِلُ:
صفحة ٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو كَقَوْلِهِمْ: أقَلُّ مِن لا شَيْءَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ﴾ [المائدة: ٦٨]، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانا يُثْبِتانِ الصّانِعَ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ قَوْلٌ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ضَمُّوا إلى ذَلِكَ القَوْلِ الحَسَنِ قَوْلًا باطِلًا يُحْبِطُ ثَوابَ الأوَّلِ، فَكَأنَّهم ما أتَوْا بِذَلِكَ الحَقِّ.
الثّانِي: أنْ يُخَصَّ هَذا العامُّ بِالأُمُورِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، وهي ما يَتَّصِلُ بِبابِ النُّبُوّاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتاهم أحْبارُ اليَهُودِ فَتَناظَرُوا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهم، فَقالَتِ اليَهُودُ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وكَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإنْجِيلِ، وقالَتِ النَّصارى لَهم نَحْوَهُ، وكَفَرُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والتَّوْراةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِيمَن هُمُ الَّذِينَ عَناهُمُ اللَّهُ تَعالى، أهُمُ الَّذِينَ كانُوا مِن بَعْثَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ والظّاهِرُ الحَقُّ أنَّهُ لا دَلِيلَ في الظّاهِرِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ اليَهُودِ وكُلِّ النَّصارى بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يَجِبُ لِما نُقِلَ في سَبَبِ الآيَةِ أنَّ يَهُودِيًّا خاطَبَ النَّصارى بِذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ - أنْ لا يُرادَ بِالآيَةِ سِواهُ، إذا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ، فَما الوَجْهُ في حَمْلِهِ عَلى التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ مِن طَرِيقَةِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم مُنْذُ كانُوا فَهَذا قَوْلُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُما في الآخَرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فالواوُ لِلْحالِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ، وحالُهم أنَّهم مِن أهْلِ العُلُومِ والتِّلاوَةِ لِلْكُتُبِ، وحَقُّ مَن حَمَلَ التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ أوْ غَيْرَهُما مِن كُتُبِ اللَّهِ وآمَنَ بِهِ - أنْ لا يَكْفُرَ بِالباقِي؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ مُصَدِّقٌ لِلثّانِي، شاهِدٌ لِصِحَّتِهِ، فَإنَّ التَّوْراةَ مُصَدِّقَةٌ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والإنْجِيلَ مُصَدِّقٌ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا لِكَيْ يَصِحَّ هَذا الفَرْقُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ المَعْرِفَةِ والتِّلاوَةِ، إذا كانُوا يَخْتَلِفُونَ هَذا الِاخْتِلافَ فَكَيْفَ حالُ مَن لا يَعْلَمُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ بِعَيْنِها قَدْ وقَعَتْ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تُكَفِّرُ الأُخْرى مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَن هُمُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ عَلى وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهم كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُسْلِمِينَ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إذا كانَ قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى وهم يَقْرَءُونَ الكُتُبَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ ويُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَقَوْلُ كُفّارِ العَرَبِ أوْلى أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ عَلى الَّذِينَ كانُوا حاضِرِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ عَلى عَوامِّهِمْ، فَصْلًا بَيْنَ خَواصِّهِمْ وعَوامِّهِمْ، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ كُلَّ اليَهُودِ والنَّصارى دَخَلُوا في الآيَةِ، فَمَن مُيِّزَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يُكَذِّبُهم جَمِيعًا ويُدْخِلُهُمُ النّارَ.
وثانِيها: حُكْمُ الِانْتِصافِ مِنَ الظّالِمِ المُكَذِّبِ لِلْمَظْلُومِ المُكَذَّبِ.
وثالِثُها: يُرِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ عِيانًا، ومَن يَدْخُلُ النّارَ عِيانًا، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
ورابِعُها: يَحْكُمُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مُجَرَّدَ بَيانِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أعْنِي مُجَرَّدَ بَيانِ أنَّ مَن فَعَلَ كَذا، فَإنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ بِهِ كَذا، بَلِ المُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّ مِنهم مَن مَنَعَ عِمارَةَ المَساجِدِ، وسَعى في خَرابِها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى جازاهم بِما ذَكَرَ في الآيَةِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ مَنَعُوا مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ وسَعَوْا في خَرابِهِ مَن هم ؟ وذَكَرُوا فِيهِ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ مَلِكَ النَّصارى غَزا بَيْتَ المَقْدِسِ فَخَرَّبَهُ، وألْقى فِيهِ الجِيَفَ، وحاصَرَ أهْلَهُ وقَتَلَهم، وسَبى البَقِيَّةَ وأحْرَقَ التَّوْراةَ، ولَمْ يَزَلْ بَيْتُ المَقْدِسِ خَرابًا حَتّى بَناهُ أهْلُ الإسْلامِ في زَمَنِ عُمَرَ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في بُخْتُنَصَّرَ حَيْثُ خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وبَعْضُ النَّصارى أعانَهُ عَلى ذَلِكَ بُغْضًا لِلْيَهُودِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ: هَذانِ الوَجْهانِ غَلَطانِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ عَهْدَ بُخْتُنَصَّرَ كانَ قَبْلَ مَوْلِدِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، والنَّصارى كانُوا بَعْدَ المَسِيحِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ بُخْتُنَصَّرَ في تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأيْضًا فَإنَّ النَّصارى يَعْتَقِدُونَ في تَعْظِيمِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِثْلَ اعْتِقادِ اليَهُودِ وأكْثَرَ، فَكَيْفَ أعانُوا عَلى تَخْرِيبِهِ.
وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ مَنَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ بِمَكَّةَ وألْجَئُوهُ إلى الهِجْرَةِ، فَصارُوا مانِعِينَ لَهُ ولِأصْحابِهِ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وقَدْ كانَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَنى مَسْجِدًا عِنْدَ دارِهِ، فَمُنِعَ، وكانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ وِلْدانُ قُرَيْشٍ ونِساؤُهم، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠] نَزَلَتْ في ذَلِكَ، فَمُنِعَ مِنَ الجَهْرِ لِئَلّا يُؤْذى، وطَرَحَ أبُو جَهْلٍ العَذِرَةَ عَلى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقِيلَ: ومَن أظْلَمُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، ويُصَلُّونَ لَهُ تَذَلُّلًا وخُشُوعًا، ويَشْغَلُونَ قُلُوبَهم بِالفِكْرِ فِيهِ، وألْسِنَتَهم بِالذِّكْرِ لَهُ، وجَمِيعَ جَسَدِهِمْ بِالتَّذَلُّلِ لِعَظَمَتِهِ وسُلْطانِهِ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ صَدُّوهُ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ حِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ مِنَ المَدِينَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفتح: ٢٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] وحَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿إلّا خائِفِينَ﴾ بِما يُعْلِي اللَّهُ مِن يَدِهِ، ويُظْهِرُ مِن كَلِمَتِهِ، كَما قالَ في المُنافِقِينَ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ خامِسٌ، وهو أقْرَبُ إلى رِعايَةِ النَّظْمِ: وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَكانُوا يَمْنَعُونَ النّاسَ عَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ تَوَجُّهِهِمْ إلى الكَعْبَةِ،
صفحة ١٠
ولَعَلَّهم سَعَوْا أيْضًا في تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ بِأنْ حَمَلُوا بَعْضَ الكُفّارِ عَلى تَخْرِيبِها، وسَعَوْا أيْضًا في تَخْرِيبِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ لِئَلّا يُصَلُّوا فِيهِ مُتَوَجِّهِينَ إلى القِبْلَةِ، فَعابَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وبَيَّنَ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ فِيهِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِمّا قَبْلَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في الآياتِ السّابِقَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ إلّا قَبائِحَ أفْعالِ اليَهُودِ والنَّصارى، وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها قَبائِحَ أفْعالِهِمْ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها قَبائِحَ أفْعالِ المُشْرِكِينَ في صَدِّهِمُ الرَّسُولَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى سَعْيِ النَّصارى في تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَضَعِيفٌ أيْضًا عَلى ما شَرَحَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا ما قُلْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
فَأمّا مَن حَمَلَها عَلى النَّصارى وخَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ: تَتَّصِلُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّ النَّصارى ادَّعَوْا أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَطْ، فَقِيلَ لَهم: كَيْفَ تَكُونُونَ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ مُعامَلَتَكم في تَخْرِيبِ المَساجِدِ والسَّعْيِ في خَرابِها هَكَذا.
وأمّا مَن حَمَلَهُ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ، قالَ: جَرى ذِكْرُ مُشْرِكِي العَرَبِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] وقِيلَ: جَرى ذِكْرُ جَمِيعِ الكُفّارِ وذَمُّهم، فَمَرَّةً وجَّهَ الذَّمَّ إلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومَرَّةً إلى المُشْرِكِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ عُمُومٌ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِهِ كُلُّ المَساجِدِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ مِن مَساجِدِ مَكَّةَ، وقالُوا: قَدْ كانَ لِأبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَسْجِدٌ بِمَكَّةَ يَدْعُو اللَّهَ فِيهِ، فَخَرَّبُوهُ قَبْلَ الهِجْرَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ فَقَطْ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ حَيْثُ فَسَّرَ المَنعَ بِصَدِّ الرَّسُولِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ لَفْظِ المَساجِدِ عَلى مَسْجِدٍ واحِدٍ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا كَمَنَ يَقُولُ لِمَن آذى صالِحًا واحِدًا: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ آذى الصّالِحِينَ.
وثانِيها: أنَّ المَسْجِدَ مَوْضِعُ السُّجُودِ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ مَسْجِدًا واحِدًا بَلْ مَساجِدَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ، واخْتَلَفُوا في العامِلِ فِيهِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ ”مَنَعَ“ لِأنَّكَ تَقُولُ: مَنَعْتُهُ كَذا، ومِثْلُهُ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ ”مِن“، كَأنَّهُ قِيلَ: مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ مِن أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِ مِن ”مَساجِدَ اللَّهِ“ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: كَراهَةَ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، والعامِلُ فِيهِ ”مَنَعَ“ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: السَّعْيُ في تَخْرِيبِ المَسْجِدِ قَدْ يَكُونُ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَنعُ المُصَلِّينَ والمُتَعَبِّدِينَ والمُتَعَهِّدِينَ لَهُ مِن دُخُولِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْرِيبًا.
والثّانِي: بِالهَدْمِ والتَّخْرِيبِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، ولَمْ يَظْهَرْ فِيهِ التَّخْرِيبُ؛ لِأنَّ مَنعَ النّاسِ مِن إقامَةِ شِعارِ العِبادَةِ فِيهِ يَكُونُ تَخْرِيبًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ لَهُ مَوْضِعُ صَلاةٍ فَخَرَّبَتْهُ قُرَيْشٌ لَمّا هاجَرَ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الفِعْلَ أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] مَعَ أنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ مِن هَذا الفِعْلِ، وكَذا الزِّنا، وقَتْلُ النَّفْسِ أعْظَمُ مِن هَذا الفِعْلِ، والجَوابُ عَنْهُ: أقْصى ما في البابِ أنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
صفحة ١١
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وسَعَوْا في تَخْرِيبِ المَسْجِدِ هُمُ الَّذِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ دُخُولُهُ إلّا خائِفِينَ، وأمّا مَن يَجْعَلُهُ عامًّا في الكُلِّ فَذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذا الخَوْفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوا مَساجِدَ اللَّهِ إلّا خائِفِينَ عَلى حالِ الهَيْبَةِ وارْتِعادِ الفَرائِصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ فَضْلًا أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْهِمْ، ويَمْنَعُوا المُؤْمِنِينَ مِنها، والمَعْنى: ما كانَ الحَقُّ والواجِبُ إلّا ذَلِكَ، لَوْلا ظُلْمُ الكَفَرَةِ وعُتُوُّهم.
وثانِيها: أنَّ هَذا بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهُ سَيُظْهِرُهم عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ وعَلى سائِرِ المَساجِدِ، وأنَّهُ يُذِلُّ المُشْرِكِينَ لَهم حَتّى لا يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ واحِدٌ مِنهم إلّا خائِفًا، يَخافُ أنْ يُؤْخَذَ فَيُعاقَبَ، أوْ يُقْتَلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ صِدْقَ هَذا الوَعْدِ، فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ونادى فِيهِمْ عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ألا لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، وأمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإخْراجِ اليَهُودِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَحَجَّ مِنَ العامِ الثّانِي ظاهِرًا عَلى المَساجِدِ لا يَجْتَرِئُ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَحُجَّ، ويَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وهَذا هو تَفْسِيرُ أبِي مُسْلِمٍ في حَمْلِ المَنعِ مِنَ المَساجِدِ عَلى صَدِّهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ويُحْمَلُ هَذا الخَوْفُ عَلى ظُهُورِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وغَلَبَتِهِ لَهم بِحَيْثُ يَصِيرُونَ خائِفِينَ مِنهُ ومِن أُمَّتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ هَذا الخَوْفُ عَلى ما يَلْحَقُهم مِنَ الصَّغارِ والذُّلِّ بِالجِزْيَةِ والإذْلالِ.
ورابِعُها: أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامِ إلّا في أمْرٍ يَتَضَمَّنُ الخَوْفَ نَحْوَ أنْ يَدْخُلُوا لِلْمُخاصَمَةِ والمُحاكَمَةِ والمُحاجَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الخَوْفَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] .
وخامِسُها: قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا خائِفِينَ﴾ بِمَعْنى أنَّ النَّصارى لا يَدْخُلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا خائِفِينَ، ولا يُوجِدُ فِيهِ نَصْرانِيٌّ إلّا أُوجِعَ ضَرْبًا، وهَذا التَّأْوِيلُ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ بَقِيَ أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ في أيْدِي النَّصارى، بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ إلّا خائِفًا، إلى أنِ اسْتَخْلَصَهُ المَلِكُ صَلاحُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ في زَمانِنا.
وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ، والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في الخِزْيِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما يَلْحَقُهم مِنَ الذُّلِّ بِمَنعِهِمْ مِنَ المَساجِدِ، وقالَ آخَرُونَ: بِالجِزْيَةِ في حَقِّ أهْلِ الذِّمَّةِ، وبِالقَتْلِ في حَقِّ أهْلِ الحَرْبِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، فَإنَّ الخِزْيَ لا يَكُونُ إلّا ما يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ مِنَ الهَوانِ والإذْلالِ، فَكُلُّ ما هَذِهِ صِفَتُهُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ، وذَلِكَ رَدْعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ ثَباتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الخِزْيَ الحاضِرَ يَصْرِفُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ، وأمّا العَذابُ العَظِيمُ فَقَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِما جَرى مَجْرى النِّهايَةِ في المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَدَّمَ ذِكْرَهم وصَفَهم بِأعْظَمِ الظُّلْمِ، فَبَيَّنَ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ العَظِيمَ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في أحْكامِ المَساجِدِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: في بَيانِ فَضْلِ المَساجِدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والأخْبارُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] . أضافَ المَساجِدَ إلى ذاتِهِ بِلامِ الِاخْتِصاصِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ﴾
صفحة ١٢
﴿مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فَجَعَلَ عِمارَةَ المَسْجِدِ دَلِيلًا عَلى الإيمانِ، بَلِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى حَصْرِ الإيمانِ فِيهِمْ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] .
ورابِعُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ فَإنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ السّاعِي في تَخْرِيبِ المَساجِدِ أسْوَأ حالًا مِنَ المُشْرِكِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ يَتَناوَلُ المُشْرِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَإذا كانَ السّاعِي في تَخْرِيبِهِ في أعْظَمِ دَرَجاتِ الفِسْقِ وجَبَ أنْ يَكُونَ السّاعِي في عِمارَتِهِ في أعْظَمِ دَرَجاتِ الإيمانِ. وأمّا الأخْبارُ:
فَأحَدُها: ما رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرادَ بِناءَ المَسْجِدِ فَكَرِهَ النّاسُ ذَلِكَ، وأحَبُّوا أنْ يَدَعَهُ، فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ”«مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ كَهَيْئَتِهِ في الجَنَّةِ» “ . وفي رِوايَةٍ أُخْرى: ”«بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» “ .
وثانِيها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«أحَبُّ البِلادِ إلى اللَّهِ تَعالى مَساجِدُها، وأبْغَضُ البِلادِ إلى اللَّهِ أسْواقُها» “، واعْلَمْ أنَّ هَذا الخَبَرَ تَنْبِيهٌ عَلى ما هو السِّرُّ العَقْلِيُّ في تَعْظِيمِ المَساجِدِ، وبَيانُهُ: أنَّ الأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ إنَّما تَتَشَرَّفُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ المَسْجِدُ مَكانًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى إنَّ الغافِلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والسُّوقُ عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ البَيْعِ والشِّراءِ والإقْبالِ عَلى الدُّنْيا، وذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الغَفْلَةَ عَنِ اللَّهِ والإعْراضَ عَنِ التَّفَكُّرِ في سَبِيلِ اللَّهِ، حَتّى إنَّ ذاكَرَ اللَّهِ إذا دَخَلَ السُّوقَ فَإنَّهُ يَصِيرُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ - لا جَرَمَ كانَتِ المَساجِدُ أشْرَفَ المَواضِعِ، والأسْواقُ أخَسَّ المَواضِعِ.
الثّانِي: في فَضْلِ المَشْيِ إلى المَساجِدِ:
(أ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشى إلى بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِن فَرائِضِ اللَّهِ، كانَتْ خُطُواتُهُ إحْداها تَحُطُّ خَطِيئَتَهُ، والأُخْرى تَرْفَعُ دَرَجَتَهُ» “، رَواهُ مُسْلِمٌ.
(ب) أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن غَدا أوْ راحَ إلى المَسْجِدِ أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مَنزِلًا كُلَّما غَدا أوْ راحَ» “ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحِ.
(ج) أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَجُلٌ ما أعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ مِمَّنْ يُصَلِّي إلى القِبْلَةِ أبْعَدَ مَنزِلًا مِنهُ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ لا تُخْطِئُهُ الصَّلَواتُ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمارًا لِتَرْكَبَهُ في الرَّمْضاءِ والظَّلْماءِ، فَقالَ: واللَّهِ ما أُحِبُّ أنَّ مَنزِلِي بِلِزْقِ المَسْجِدِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَسَألَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْما يُكْتَبُ أثَرِي وخُطايَ ورُجُوعِي إلى أهْلِي وإقْبالِي وإدْبارِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَكَ ما احْتَسَبْتَ أجْمَعُ» “، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(د) جابِرٌ قالَ: «خَلَتِ البِقاعُ حَوْلَ المَسْجِدِ فَأرادَ بَنُو سَلَمَةَ أنْ يَنْتَقِلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهم: ”إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكم تُرِيدُونَ أنْ تَنْتَقِلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَقالُوا: نَعَمْ، قَدْ أرَدْنا ذَلِكَ، قالَ: يا بَنِي سَلَمَةَ، دِيارَكم تُكْتَبُ آثارُكم» “، رَواهُ مُسْلِمٌ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّهِمْ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] .
(هـ) عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ أعْظَمَ النّاسِ أجْرًا في الصَّلاةِ أبْعَدُهم إلى المَسْجِدِ مَشْيًا، والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتّى يُصَلِّيَها مَعَ الإمامِ في جَماعَةٍ أعْظَمُ أجْرًا مِمَّنْ يُصَلِّيها ثُمَّ يَنامُ» “ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحِ.
(و) عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ ثُمَّ مَرَّ إلى المَسْجِدِ يَرْعى الصَّلاةَ، كَتَبَ لَهُ كاتِبُهُ أوْ كاتِباهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها إلى المَسْجِدِ عَشْرَ حَسَناتٍ، والقاعِدُ الَّذِي يَرْعى الصَّلاةَ كالقانِتِ، ويُكْتَبُ مِنَ المَصَلِّينَ مِن حِينِ يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى يَرْجِعَ» “ .
(ز) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: حَضَرَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ المَوْتُ، فَقالَ لِأهْلِهِ: مَن في البَيْتِ ؟ فَقالُوا:
صفحة ١٣
أهْلُكَ، وأمّا إخْوَتُكَ وجُلَساؤُكَ فَفي المَسْجِدِ، فَقالَ: ارْفَعُونِي، فَأسْنَدَهُ رَجُلٌ مِنهم إلَيْهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وسَلَّمَ عَلى القَوْمِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا لَهُ: خَيْرًا. فَقالَ: إنِّي مُورِثُكُمُ اليَوْمَ حَدِيثًا ما حَدَّثْتُ بِهِ أحَدًا مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ احْتِسابًا، وما أُحَدِّثُكُمُوهُ اليَوْمَ إلّا احْتِسابًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«مَن تَوَضَّأ في بَيْتِهِ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ يُصَلِّي في جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، لَمْ يَرْفَعْ رِجْلَهُ اليُمْنى إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِها حَسَنَةً، ولَمْ يَضَعْ رِجْلَهُ اليُسْرى إلّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِها خَطِيئَةً حَتّى يَأْتِيَ المَسْجِدَ، فَإذا صَلّى بِصَلاةِ الإمامِ انْصَرَفَ وقَدْ غُفِرَ لَهُ، فَإنْ هو أدْرَكَ بَعْضَها وفاتَهُ بَعْضٌ، كانَ كَذَلِكَ» “ .
(ح) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن تَوَضَّأ فَأحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ راحَ فَوَجَدَ النّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أعْطاهُ اللَّهُ مِثْلَ أجْرِ مَن صَلّاها وحَضَرَها، ولَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا» “ .
(ط) أبُو هُرَيْرَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا أدُلُّكم عَلى ما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ، قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ“» رَواهُ مُسْلِمٌ.
(ي) «قالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِداوُدَ بْنِ صالِحٍ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] قالَ: قُلْتُ: لا يا ابْنَ أخِي، قالَ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابَطُ فِيهِ، ولَكِنِ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ» . (يا) بُرَيْدَةُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بَشِّرِ المَشّائِينَ في الظُّلَمِ إلى المَسْجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ» “، قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَرَوْنَ المَشْيَ إلى المَسْجِدِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ مُوجِبَةً.
(يب) قالَ الأوْزاعِيُّ: كانَ يُقالُ: خَمْسٌ كانَ عَلَيْها أصْحابُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والتّابِعُونَ بِإحْسانٍ: لُزُومُ الجَماعَةِ واتِّباعُ السُّنَّةِ، وعِمارَةُ المَسْجِدِ، وتِلاوَةُ القُرْآنِ، والجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. (يج) أبُو هُرَيْرَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن بَنى لِلَّهِ بَيْتًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ مَن مالٍ حَلالٍ - بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ مِن دُرٍّ وياقُوتٍ» “ . (يد) أبُو ذَرٍّ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ - بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» “ . (يه) أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾“» [التوبة: ١٨] . (يو) عَنْ بَعْضِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم قالُوا: إنَّ المَساجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ، وإنَّهُ لَحَقٌّ عَلى اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ مَن زارَهُ فِيها. (يز) أنَسٌ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ عُمّارَ بُيُوتِ اللَّهِ هم أهْلُ بُيُوتِ اللَّهِ» “ . (يح) أنَسٌ، «قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَأنِّي لَأهُمُّ بِأهْلِ الأرْضِ عَذابًا، فَإذا نَظَرْتُ إلى عُمّارِ بُيُوتِي والمُتَحابِّينَ فِيَّ، وإلى المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ صَرَفْتُ عَنْهم» “ . (يط) عَنْ أنَسٍ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا أُنْزِلَتْ عاهَةٌ مِنَ السَّماءِ صُرِفَتْ عَنْ عَمّارِ المَساجِدِ» “ . (ك) كَتَبَ سَلْمانُ إلى أبِي الدَّرْداءِ: يا أخِي، لِيَكُنْ بَيْتُكَ المَساجِدَ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَن كانَتِ المَساجِدُ بُيُوتَهم بِالرَّوْحِ والرَّحْمَةِ، والجَوازِ عَلى الصِّراطِ إلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى» “ .
(كا) قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ لِلْمَساجِدِ أوْتادًا مِنَ النّاسِ، وإنَّ لَهم جُلَساءَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَإذا فَقَدُوهم سَألُوا عَنْهم، وإنْ كانُوا مَرْضى عادُوهم، وإنْ كانُوا في حاجَةٍ أعانُوهم. (كب) الحَسَنُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ يَكُونُ حَدِيثُهم في مَساجِدِهِمْ في أمْرِ دُنْياهم فَلا تُجالِسُوهم، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حاجَةٌ» “ . (كج) أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ لِلْمُنافِقِينَ عَلاماتٍ يُعْرَفُونَ بِها، تَحِيَّتُهم لَعْنَةٌ، وطَعامُهم نُهْبَةٌ، وغَنِيمَتُهم غُلُولٌ، لا يَقْرَبُونَ المَساجِدَ إلّا هَجْرًا، ولا الصَّلاةَ إلّا دَبْرًا، لا يَتَألَّفُونَ ولا يُؤْلَفُونَ، خُشُبٌ بِاللَّيْلِ، سُحُبٌ بِالنَّهارِ» “ . (كد) أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأبُو هُرَيْرَةَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادَةِ اللَّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسْجِدِ إذا خَرَجَ مِنهُ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِ، ورَجُلانِ تَحابّا
صفحة ١٤
فِي اللَّهِ، اجْتَمَعا عَلى ذَلِكَ وتَفَرَّقا، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا فَفاضَتْ عَيْناهُ، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ حُسْنٍ وجَمالٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمُ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» “ . هَذا حَدِيثٌ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في الصَّحِيحَيْنِ.
(كه) عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ إلى المَسْجِدِ كَتَبَ لَهُ كاتِبُهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها عَشْرَ حَسَناتٍ، والقاعِدُ في المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ كالقانِتِ، ويُكْتَبُ مِنَ المُصَلِّينَ حَتّى يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ» “ . (كو) رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ الحَكَمِ، قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وسَألَهُ أبِي: أحُضُورُ الجِنازَةِ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القُعُودُ في المَسْجِدِ ؟ قالَ: مَن صَلّى عَلى جِنازَةٍ فَلَهُ قِيراطٌ، ومَن تَبِعَها حَتّى تُقْبَرَ فَلَهُ قِيراطانِ، والجُلُوسُ في المَسْجِدِ أحَبُّ إلَيَّ، تُسَبِّحُ اللَّهَ، وتُهَلِّلُ وتَسْتَغْفِرُ، والمَلائِكَةُ تَقُولُ: آمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.
الثّالِثُ: في تَزْيِينِ المَساجِدِ:
(أ) ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَساجِدِ» “ والمُرادُ مِنَ التَّشْيِيدِ رَفْعُ البِناءِ وتَطْوِيلُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وهي الَّتِي يَطُولُ بِناؤُها.
(ب) أمَرَ عُمَرُ بِبِناءِ مَسْجِدٍ، وقالَ لِلْبَنّاءِ: أكِنَّ النّاسَ مِنَ المَطَرِ، وإيّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النّاسَ.
(ج) رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ رَأى أُتْرُجَّةً مِن جِصٍّ مُعَلَّقَةً في المَسْجِدِ، فَأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.
(د) قالَ أبُو الدَّرْداءِ: إذا حَلَّيْتُمْ مَصاحِفَكم، وزَيَّنْتُمْ مَساجِدَكم فالدَّمارُ عَلَيْكم.
(هـ) قالَ أبُو قِلابَةَ: غَدَوْنا مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ إلى الزّاوِيَةِ فَحَضَرَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ، فَمَرَرْنا بِمَسْجِدٍ فَقالَ أنَسٌ: لَوْ صَلَّيْنا في هَذا المَسْجِدِ ؟ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: حَتّى نَأْتِيَ المَسْجِدَ الآخَرَ، فَقالَ أنَسٌ: أيُّ مَسْجِدٍ ؟ قالُوا: مَسْجِدٌ أُحْدِثَ الآنَ، فَقالَ أنَسٌ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«سَيَأْتِي عَلى أُمَّتِي زَمانٌ يَتَباهَوْنَ في المَساجِدِ، ولا يَعْمُرُونَها إلّا قَلِيلًا» “ .
الرّابِعُ: في تَحِيَّةِ المَسْجِدِ، في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي قَتادَةَ السُّلَمِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إذا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ» “، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ مَذْهَبُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ومَكْحُولٍ وقَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجْلِسُ ولا يُصَلِّي، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأصْحابُ الرَّأْيِ.
الخامِسُ: فِيما يَقُولُ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ، رَوَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أبِيها، قالَتْ: ”«كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلّى عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ، وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لِي أبْوابَ رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ صَلّى عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ، وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لِي أبْوابَ فَضْلِكَ» “ .
السّادِسُ: في فَضِيلَةِ القُعُودِ في المَسْجِدِ لِانْتِظارِ الصَّلاةِ.
(أ) أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلى أحَدِكم ما دامَ في مُصَلّاهُ الَّذِي صَلّى فِيهِ، فَتَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ» “ . «ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ أتى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ائْذَنْ لِي في الِاخْتِصاءِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَيْسَ مِنّا مَن خَصى أوِ اخْتَصى، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ“، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي في السِّياحَةِ، فَقالَ: ”إنَّ سِياحَةَ أُمَّتَيِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ“، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي في التَّرَهُّبِ، فَقالَ: ”إنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيِ الجُلُوسُ في المَساجِدِ انْتِظارًا لِلصَّلاةِ» “ .
السّابِعُ: في كَراهِيَةِ البَيْعِ والشِّراءِ في المَسْجِدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «نَهى عَنْ تَناشُدِ الأشْعارِ في المَساجِدِ، وعَنِ البَيْعِ والشِّراءِ فِيهِ، وعَنْ أنْ يَتَحَلَّقَ النّاسُ في
صفحة ١٥
المَساجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ» .
واعْلَمْ أنَّهُ كَرِهَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ البَيْعَ والشِّراءَ في المَسْجِدِ، وبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ وإسْحاقُ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وكانَ إذا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَن يَبِيعُ في المَسْجِدِ، قالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيا، فَإنَّما هَذا سُوقُ الآخِرَةِ، وكانَ لِسالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - رَحْبَةٌ إلى جَنْبِ المَسْجِدِ سَمّاها البَطْحاءَ، وقالَ: مَن أرادَ أنْ يَلْغَطَ أوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أوْ يَرْفَعَ صَوْتًا، فَلْيَخْرُجْ إلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ، واعْلَمْ أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي رَوَيْناهُ يَدُلُّ عَلى كَراهِيَةِ التَّحَلُّقِ والِاجْتِماعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ لِمُذاكَرَةِ العِلْمِ، بَلْ يُشْتَغَلُ بِالذِّكْرِ والصَّلاةِ والإنْصاتِ لِلْخُطْبَةِ، ثُمَّ لا بَأْسَ بِالِاجْتِماعِ والتَّحَلُّقِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وأمّا طَلَبُ الضّالَّةِ في المَسْجِدِ، ورَفْعُ الصَّوْتِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ - فَمَكْرُوهٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: مَن سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذا، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إذا رَأيْتُمْ مَن يَبِيعُ أوْ يَبْتاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ» “، قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَدْخُلُ في هَذا كُلُّ أمْرٍ لَمْ يُبْنَ لَهُ المَسْجِدُ مِن أُمُورِ مُعامَلاتِ النّاسِ، واقْتِضاءِ حُقُوقِهِمْ، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ المَسْألَةَ في المَسْجِدِ، وكانَ بَعْضُهم يَرى أنْ لا يَتَصَدَّقَ عَلى السّائِلِ المُتَعَرِّضِ في المَسْجِدِ، ووَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إقامَةِ الحُدُودِ في المَساجِدِ، قالَ عُمَرُ فِيمَن لَزِمَهُ حَدٌّ: أخْرِجاهُ مِنَ المَسْجِدِ، ويُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُهُ، وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: إنَّ المَساجِدَ طُهِّرَتْ مِن خَمْسٍ: مِن أنْ يُقامَ فِيها الحُدُودُ، أوْ يُقْبَضَ فِيها الخَراجُ، أوْ يُنْطَقَ فِيها بِالأشْعارِ، أوْ يُنْشَدَ فِيها الضّالَّةُ، أوْ تُتَّخَذَ سُوقًا، ولَمْ يَرَ بَعْضُهم بِالقَضاءِ في المَسْجِدِ بَأْسًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لاعَنَ بَيْنَ العَجْلانِيِّ وامْرَأتِهِ في المَسْجِدِ، ولاعَنَ عُمَرُ عِنْدَ مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وقَضى شُرَيْحٌ والشَّعْبِيُّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ في المَسْجِدِ، وكانَ الحَسَنُ وزُرارَةُ بْنُ أوْفى يَقْضِيانِ في الرَّحْبَةِ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ.
الثّامِنُ: في النَّوْمِ في المَسْجِدِ؛ في الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أنَّهُ «رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا في المَسْجِدِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى»، وعَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: كانَ ذَلِكَ مِن عُمَرَ وعُثْمانَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاتِّكاءِ والِاضْطِجاعِ وأنْواعِ الِاسْتِراحَةِ في المَسْجِدِ، مِثْلَ جَوازِها في البَيْتِ، إلّا الِانْبِطاحَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْهُ، وقالَ: «إنَّها ضِجْعَةٌ يُبْغِضُها اللَّهُ»، وعَنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ شابًّا أعْزَبَ لا أهْلَ لَهُ، فَكانَ يَنامُ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَخَّصَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في النَّوْمِ في المَسْجِدِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَتَّخِذُوهُ مَبِيتًا أوْ مَقِيلًا.
التّاسِعُ: في كَراهِيَةِ البُزاقِ في المَسْجِدِ؛ عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«البُزاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفّارَتُها دَفْنُها» “، وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمالُ أُمَّتِي حَسَنُها وسَيِّئُها، فَوَجَدْتُ مِن مَحاسِنِ أعْمالِها الأذى يُماطُ عَنِ الطَّرِيقِ، ووَجَدْتُ في مَساوِئِ أعْمالِها النُّخامَةَ تَكُونُ في المَسْجِدِ لا تُدْفَنُ» “، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ المَسْجِدَ لَيَنْزَوِي مِنَ النُّخامَةِ كَما تَنْزَوِي الجِلْدَةُ في النّارِ» “، أيْ: يَنْضَمُّ ويَنْقَبِضُ، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أنَّ كَوْنَهُ مَسْجِدًا يَقْتَضِي التَّعْظِيمَ، وإلْقاءُ النُّخامَةِ يَقْتَضِي التَّحْقِيرَ، وبَيْنَهُما مُنافاةٌ، فَعَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تِلْكَ المُنافاةِ بِقَوْلِهِ: لَيَنْزَوِي، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ أهْلَ المَسْجِدِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ هَمّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: هَذا ما حَدَّثَنا أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا قامَ أحَدُكم إلى الصَّلاةِ فَلا يَبْصُقْ أمامَهُ، فَإنَّهُ يُناجِي اللَّهَ ما دامَ في مُصَلّاهُ، ولا عَنْ يَمِينِهِ
صفحة ١٦
فَإنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، ولَكِنْ لِيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ أوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَيَدْفِنُهُ» “ . وعَنْ أنَسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى نُخامَةً في القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى رُئِيَ في وجْهِهِ، فَقامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، وقالَ: ”إنَّ أحَدَكم إذا قامَ في صَلاتِهِ فَإنَّهُ يُناجِي رَبَّهُ؛ فَلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكم في قِبْلَتِهِ، ولَكِنْ عَنْ يَسارِهِ، أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، قالَ: ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، وقالَ: يَفْعَلُ هَكَذا» “ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
العاشِرُ: في الثُّومِ والبَصَلِ.
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ المُنْتِنَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنا؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ الإنْسُ» “، وعَنْ جابِرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن أكَلَ ثُومًا أوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنا» “، «وأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خُضَرٌ، فَوَجَدَ لَها رِيحًا، فَسَألَ فَأُخْبِرَ بِما فِيهِ مِنَ البُقُولِ، فَقالَ: ”قَرِّبُوها إلى بَعْضِ مَن كانَ حاضِرًا، وقالَ لَهُ: كُلْ، فَإنِّي أُناجِي مَن لا تُناجِي» “ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ.
الحادِيَ عَشَرَ: في المَساجِدِ في الدُّورِ.
عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِناءِ المَسْجِدِ في الدُّورِ، وأنْ يُنَظَّفَ ويُطَيَّبَ» . أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ ومَعَهُ أصْحابُهُ إذْ جاءَ أعْرابِيٌّ فَبالَ في المَسْجِدِ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَهْ مَهْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا تُزْرِمُوهُ“، ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ: ”إنَّ هَذِهِ المَساجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ العَذِرَةِ والبَوْلِ والخَلاءِ، إنَّما هي لِقِراءَةِ القُرْآنِ وذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ“، ثُمَّ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِن ماءٍ فَصَبُّوا عَلَيْهِ» .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في دُخُولِ الكافِرِ المَسْجِدَ، فَجَوَّزَهُ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا، وأباهُ مالِكٌ مُطْلَقًا، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُمْنَعُ مِن دُخُولِ الحَرَمِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] قالَ الشّافِعِيُّ: قَدْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِ خَدِيجَةَ. فالآيَةُ دالَّةٌ إمّا عَلى المَسْجِدِ فَقَطْ، أوْ عَلى الحَرَمِ كُلِّهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ؛ لِأنَّ الخِلافَ حاصِلٌ فِيهِما جَمِيعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَجُّ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ لِأنَّ الحَجَّ إنَّما يُفْعَلُ في السَّنَةِ مَرَّةً واحِدَةً، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ.
الثّانِي: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المانِعَ مِن قُرْبِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ نَجاسَتُهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم ما دامُوا مُشْرِكِينَ كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ الحَجَّ لَذَكَرَ مِنَ البِقاعِ ما يَقَعُ فِيهِ مُعْظَمُ أرْكانِ الحَجِّ، وهو عَرَفَةُ.
الرّابِعُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ دُخُولُ الحَرَمِ لا الحَجُّ فَقَطْ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] فَأرادَ بِهِ الدُّخُولَ لِلتِّجارَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يُمْنَعُوا مِن دُخُولِ المَسْجِدِ، وأنَّهم مَتى دَخَلُوا كانُوا خائِفِينَ مِنَ الإخْراجِ إلّا ما قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَن خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، أوْ بِمَن مَنَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العِبادَةِ في الكَعْبَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ خَوْفَ الإخْراجِ، بَلْ خَوْفُ الجِزْيَةِ والإخْراجِ.
قُلْنا: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ظاهِرٌ في العُمُومِ، فَتَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الصُّوَرِ خِلافُ
صفحة ١٧
الظّاهِرِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ الظّاهِرَ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الخَوْفُ إنَّما حَصَلَ مِنَ الدُّخُولِ، وعَلى ما يَقُولُونَهُ لا يَكُونُ الخَوْفُ مُتَوَلِّدًا مِنَ الدُّخُولِ، بَلْ مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَسَقَطَ كَلامُهم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] وعِمارَتُها تَكُونُ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِناؤُها وإصْلاحُها.
والثّانِي: حُضُورُها ولُزُومُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَعْمُرُ مَسْجِدَ فُلانٍ، أيْ: يَحْضُرُهُ ويَلْزَمُهُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» “، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، فَجَعَلَ حُضُورَ المَساجِدِ عِمارَةً لَها.
ورابِعُها: أنَّ الحَرَمَ واجِبُ التَّعْظِيمِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الدُّعاءِ: ”«اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا» ومَهابَةً“ فَصَوْنُهُ عَمّا يُوجِبُ تَحْقِيرَهُ واجِبٌ، وتَمْكِينُ الكُفّارِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْبَيْتِ لِلتَّحْقِيرِ؛ لِأنَّهم لِفَسادِ اعْتِقادِهِمْ فِيهِ رُبَّما اسْتَخَفُّوا بِهِ وأقْدَمُوا عَلى تَلْوِيثِهِ وتَنْجِيسِهِ.
وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ في قَوْلِهِ: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، والمُشْرِكُ نَجَسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] والتَّطْهِيرُ عَلى النَّجَسِ واجِبٌ، فَيَكُونُ تَبْعِيدُ الكُفّارِ عَنْهُ واجِبًا.
وسادِسُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الجُنُبَ يُمْنَعُ مِنهُ، فالكافِرُ بِأنْ يُمْنَعَ مِنهُ أوْلى إلّا أنَّ هَذا مُقْتَضى مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو أنْ يُمْنَعَ عَنْ كُلِّ المَساجِدِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ وفْدُ يَثْرِبَ فَأنْزَلَهُمُ المَسْجِدَ» .
الثّانِي: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ الكَعْبَةَ فَهو آمِنٌ» “، وهَذا يَقْتَضِي إباحَةَ الدُّخُولِ.
الثّالِثُ: الكافِرُ جازَ لَهُ دُخُولُ سائِرِ المَساجِدِ، فَكَذَلِكَ المَسْجِدُ الحَرامُ كالمُسْلِمِ، والجَوابُ عَنِ الحَدِيثَيْنِ الأوَّلَيْنِ: أنَّهُما كانا في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالآيَةِ، وعَنِ القِياسِ أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ أجَلُّ قَدْرًا مِن سائِرِ المَساجِدِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، الضّابِطُ أنَّ الأكْثَرِينَ زَعَمُوا أنَّها إنَّما نَزَلَتْ في أمْرٍ يَخْتَصُّ بِالصَّلاةِ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّها إنَّما نَزَلَتْ في أمْرٍ لا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ، أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَهو أقْوى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُها: أنَّهُ هو المَرْوِيُّ عَنْ كافَّةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقَوْلُهم حُجَّةٌ.
وثانِيهِما: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ يُفِيدُ التَّوَجُّهَ إلى القِبْلَةِ في الصَّلاةِ، ولِهَذا لا يُعْقَلُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] إلّا هَذا المَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أرادَ بِهِ تَحْوِيلَ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ
صفحة ١٨
المَشْرِقَ والمَغْرِبَ وجَمِيعَ الجِهاتِ والأطْرافِ كُلَّها مَمْلُوكَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ ومَخْلُوقَةُ لَهُ، فَأيْنَما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِاسْتِقْبالِهِ فَهو القِبْلَةُ؛ لِأنَّ القِبْلَةَ لَيْسَتْ قِبْلَةً لِذاتِها، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها قِبْلَةً، فَإنْ جَعَلَ الكَعْبَةَ قِبْلَةً فَلا تُنْكِرُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ كَيْفَ يُرِيدُ، وهو واسِعٌ عَلِيمٌ بِمَصالِحِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ بَيانًا لِجَوازِ نَسْخِ القِبْلَةِ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ آخَرَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِما كانَ يُرِيدُ تَعالى مِن نَسْخِ القِبْلَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ أنْكَرَ اليَهُودُ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] .
وثالِثُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما اسْتَقْبَلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى صَعِدَ السَّماءَ مِنَ الصَّخْرَةِ، والنَّصارى اسْتَقْبَلُوا المَشْرِقَ؛ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما وُلِدَ هُناكَ عَلى ما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ وصَفَ مَعْبُودَهُ بِالحُلُولِ في الأماكِنِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو مَخْلُوقٌ لا خالِقٌ، فَكَيْفَ تَخْلُصُ لَهُمُ الجَنَّةُ، وهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ.
ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالتَّخْيِيرِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَتَوَجَّهُوا إلى حَيْثُ شاءُوا في الصَّلاةِ، إلّا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْتارُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، مَعَ أنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَتَوَجَّهَ حَيْثُ شاءَ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِ الكَعْبَةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
وخامِسُها: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ مَن هو مُشاهِدٌ لِلْكَعْبَةِ، فَإنَّ لَهُ أنْ يَسْتَقْبِلَها مِن أيِّ جِهَةٍ شاءَ وأرادَ.
وسادِسُها: ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ في لَيْلَةٍ سَوْداءَ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَعْرِفِ القِبْلَةَ، فَجَعَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنّا مَسْجِدَهُ حِجارَةً مَوْضُوعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَلَّيْنا، فَلَمّا أصْبَحْنا إذا نَحْنُ عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَذَكَرْنا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ نُقِلُوا حِينَئِذٍ إلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّ القِتالَ فُرِضَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بَعْدَ نَسْخِ قِبْلَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ» .
وسابِعُها: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُسافِرِ يُصَلِّي النَّوافِلَ حَيْثُ تَتَوَجَّهُ بِهِ راحِلَتُهُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الرَّجُلِ يُصَلِّي إلى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ راحِلَتُهُ في السَّفَرِ. «وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا رَجَعَ مِن مَكَّةَ صَلّى عَلى راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا يُومِئُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ»، فَمَعْنى الآيَةِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ وُجُوهَكم لِنَوافِلِكم في أسْفارِكم: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فَقَدْ صادَفْتُمُ المَطْلُوبَ، إنَّ اللَّهَ واسِعُ الفَضْلِ غَنِيٌّ، فَمِن سَعَةِ فَضْلِهِ وغِناهُ رَخَّصَ لَكم في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَلَّفَكُمُ اسْتِقْبالَ القِبْلَةِ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ لَزِمَ أحَدُ الضَّرَرَيْنِ: إمّا تَرْكُ النَّوافِلِ، وإمّا النُّزُولُ عَنِ الرّاحِلَةِ والتَّخَلُّفُ عَنِ الرُّفْقَةِ، بِخِلافِ الفَرائِضِ، فَإنَّها صَلَواتٌ مَعْدُودَةٌ مَحْصُورَةٌ، فَتَكْلِيفُ النُّزُولِ عَنِ الرّاحِلَةِ عِنْدَ أدائِها واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ فِيها لا يُفْضِي إلى الحَرَجِ بِخِلافِ النَّوافِلِ، فَإنَّها غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَتَكْلِيفُ الِاسْتِقْبالِ يُفْضِي إلى الحَرَجِ. فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ هَذِهِ الأقاوِيلِ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ ؟ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّخْيِيرِ، والتَّخْيِيرُ لا يَثْبُتُ إلّا في صُورَتَيْنِ:
أحَدُهُما: في التَّطَوُّعِ عَلى
صفحة ١٩
الرّاحِلَةِ.
وثانِيهِما: في السَّفَرِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاجْتِهادِ لِلظُّلْمَةِ أوْ لِغَيْرِها؛ لِأنَّ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ المُصَلِّيَ مُخَيَّرٌ، فَأمّا عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَلا تَخْيِيرَ. وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ المُكَلَّفِينَ في اسْتِقْبالِ أيِّ جِهَةٍ شاءُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وهم كانُوا يَخْتارُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ، لا لِأنَّهُ لازِمٌ، بَلْ لِأنَّهُ أفْضَلُ وأوْلى - بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ لِبَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ إلى الكَعْبَةِ اخْتِصاصًا في الشَّرِيعَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا؛ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ، وأيْضًا فَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِالكَعْبَةِ، فَهَذِهِ الدَّلالَةَ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ والرّابِعِ، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتْ تَكَلَّمَ اليَهُودُ في صَلاةِ الرَّسُولِ ﷺ وصَلاةِ المُؤْمِنِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَبَيَّنَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ تِلْكَ القِبْلَةَ كانَ التَّوَجُّهُ إلَيْها صَوابًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، والتَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ صَوابٌ في هَذا الوَقْتِ، وبَيَّنَ أنَّهم أيْنَما يُوَلُّوا مِن هاتَيْنِ القِبْلَتَيْنِ في المَأْذُونِ فِيهِ فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ، قالُوا: وحَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ مُصَلٍّ، وإذا حُمِلَ عَلى الأوَّلِ لا يَعُمُّ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ مَحْمُولًا عَلى التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ، وعَلى السَّفَرِ في حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ الحَضَرِ، وإذا أمْكَنَ إجْراءُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى عُمُومِهِ، فَهو أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ، وأقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا بُدَّ أيْضًا مِن ضَرْبِ تَقْيِيدٍ، وهو أنْ يُقالَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ مِنَ الجِهاتِ المَأْمُورِ بِها: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ إلّا أنَّ هَذا الإضْمارَ لا بُدَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يَقُولَ تَعالى: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ بِحَسَبِ مَيْلِ أنْفُسِكم ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ طَرِيقَةُ التَّخْيِيرِ، ونَظِيرُهُ: إذا أقْبَلَ أحَدُنا عَلى ولَدِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ، فَقالَ لَهُ: كَيْفَ تَصَرَّفْتَ فَقَدِ اتَّبَعْتَ رِضائِي، فَإنَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما أمَرَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ مِن تَضْيِيقٍ أوْ تَخْيِيرٍ، ولا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّخْيِيرِ المُطْلَقِ فَكَذا هَهُنا.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أمْرٍ سِوى الصَّلاةِ فَلَهم أيْضًا وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِمَنعِ مَساجِدِي أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمِي وسَعَوْا في خَرابِها أُولَئِكَ لَهم كَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهم أيْنَما ولَّوْا هارِبِينَ عَنِّي وعَنْ سُلْطانِي فَإنَّ سُلْطانِي يَلْحَقُهم، وقُدْرَتِي تَسْبِقُهم، وأنا عَلِيمٌ بِهِمْ، لا يَخْفى عَلَيَّ مَكانُهم، وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وزَجْرٌ عَنِ ارْتِكابِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنهُ سَعَةَ العِلْمِ، وهو نَظِيرُ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] أيْ: عَمَّ كُلَّ شَيْءٍ بِعِلْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، وإحاطَتِهِ بِهِ وعُلُوِّهِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إنَّ أخاكُمُ النَّجّاشِيَّ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، قالُوا: نُصَلِّي عَلى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ“ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] فَقالُوا: إنَّهُ كانَ يُصَلِّي إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ»﴾ ومَعْناها: أنَّ الجِهاتِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْها أهْلُ المِلَلِ مِن شَرْقٍ وغَرْبٍ وما بَيْنَهُما - كُلُّها لِي، فَمَن وجَّهَ وجْهَهُ نَحْوَ شَيْءٍ مِنها بِأمْرٍ يُرِيدُنِي ويَبْتَغِي طاعَتِي وجَدَنِي هُناكَ، أيْ وجَدَ ثَوابِي، فَكانَ في هَذا عُذْرٌ لِلنَّجّاشِيِّ وأصْحابِهِ الَّذِينَ ماتُوا عَلى اسْتِقْبالِهِمُ المَشْرِقَ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
صفحة ٢٠
وثالِثُها: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالُوا: أيْنَ نَدْعُوهُ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ.
ورابِعُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أيْ لا يَمْنَعْكم تَخْرِيبُ مَن خَرَّبَ مَساجِدَ اللَّهِ عَنْ ذِكْرِهِ حَيْثُ كُنْتُمْ مِن أرْضِهِ، فَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ والجِهاتُ كُلُّها، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
وخامِسُها: مِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّها نَزَلَتْ في المُجْتَهِدِينَ الوافِينَ بِشَرائِطِ الِاجْتِهادِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها، والمُرادُ مِنهُ أنَّ المُجْتَهِدَ إذا رَأى بِشَرائِطِ الِاجْتِهادِ فَهو مُصِيبٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ فَسَّرْنا الآيَةَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى تَجْوِيزِ التَّوَجُّهِ إلى أيِّ جِهَةٍ أُرِيدَ، فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وإنْ فَسَّرْناها بِأنَّها تَدُلُّ عَلى نَسْخِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ فالآيَةُ ناسِخَةٌ، وإنْ فَسَّرْناها بِسائِرِ الوُجُوهِ فَهي لا ناسِخَةٌ ولا مَنسُوخَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ لامُ الِاخْتِصاصِ، أيْ: هو خالِقُهُما ومالِكُهُما، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [المزمل: ٩] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ بِذِكْرِهِما إلى ذِكْرِ مَن بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى نَفْيِ التَّجْسِيمِ وإثْباتِ التَّنْزِيهِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مَمْلُوكَتانِ لَهُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الجِهَةَ أمْرٌ مُمْتَدٌّ في الوَهْمِ طُولًا وعَرْضًا وعُمْقًا، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُنْقَسِمٌ، وكُلُّ مُنْقَسِمٍ فَهو مُؤَلَّفٌ مُرَكَّبٌ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ ومُوجِدٍ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ عامَّةٌ في الجِهاتِ كُلِّها، أعْنِي الفَوْقَ والتَّحْتَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى خالِقُ الجِهاتِ كُلِّها، والخالِقُ مُتَقَدِّمٌ عَلى المَخْلُوقِ لا مَحالَةَ، فَقَدْ كانَ البارِي تَعالى قَبْلَ خَلْقِ العالَمِ مُنَزَّهًا عَنِ الجِهاتِ والأحْيازِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى بَعْدَ خَلْقِ العالَمِ كَذَلِكَ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ انْقِلابِ الحَقائِقِ والماهِيّاتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، ولَهُ وجْهٌ جُسْمانِيٌّ لَكانَ وجْهُهُ مُخْتَصًّا بِجانِبٍ مُعَيَّنٍ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَما كانَ يَصْدُقُ قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فَلَمّا نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسْمِيَّةِ، واحْتَجَّ الخَصْمُ بِالآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى، والوَجْهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ جِسْمًا.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ واسِعًا، والسَّعَةُ مِن صِفَةِ الأجْسامِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الوَجْهَ وإنْ كانَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةً عَنِ العُضْوِ المَخْصُوصِ لَكِنّا بَيَّنّا أنّا لَوْ حَمَلْناهُ هَهُنا عَلى العُضْوِ لَكَذَبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الوَجْهَ لَوْ كانَ مُحاذِيًا لِلْمَشْرِقِ؛ لاسْتَحالَ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَكُونَ مُحاذِيًا لِلْمَغْرِبِ أيْضًا، فَإذَنْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إضافَةَ وجْهِ اللَّهِ كَإضافَةِ بَيْتِ اللَّهِ وناقَةِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنها الإضافَةُ بِالخَلْقِ والإيجادِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أيْ: فَثَمَّ وجْهُهُ الَّذِي وجَّهَكم إلَيْهِ؛ لِأنَّ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لَهُ بِوَجْهَيْهِما، والمَقْصُودُ مِنَ القِبْلَةِ إنَّما يَكُونُ قِبْلَةً لِنَصْبِهِ تَعالى إيّاها، فَأيُّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ العالَمِ المُضافِ إلَيْهِ بِالخَلْقِ والإيجادِ نَصَبَهُ وعَيَّنَهُ فَهو قِبْلَةٌ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوَجْهِ القَصْدَ والنِّيَّةَ، قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٢١
أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ أُحْصِيهِ رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: فَثَمَّ مَرْضاةُ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] يَعْنِي لِرِضْوانِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] يَعْنِي: ما كانَ لِرِضا اللَّهِ، ووَجْهُ الِاسْتِعارَةِ أنَّ مَن أرادَ الذَّهابَ إلى إنْسانٍ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَقْرُبُ مِن وجْهِهِ وقُدّامِهِ، فَكَذَلِكَ مَن يَطْلُبُ مَرْضاةَ أحَدٍ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَقْرُبُ مِن مَرْضاتِهِ، فَلِهَذا سُمِّيَ طَلَبُ الرِّضا بِطَلَبِ وجْهِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ الوَجْهَ صِلَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ ويَقُولُ النّاسُ: هَذا وجْهُ الأمْرِ - لا يُرِيدُونَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهُ، إنَّما يُرِيدُونَ بِهِ أنَّهُ مِن هَهُنا يَنْبَغِي أنْ يُقْصَدَ هَذا الأمْرُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ صَحِيحٌ في اللُّغَةِ إلّا أنَّ الكَلامَ يَبْقى، فَإنَّهُ يُقالُ لِهَذا القائِلِ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المَكانُ، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِأنَّ المُرادَ: فَثَمَّ قِبْلَتُهُ الَّتِي يُعْبَدُ بِها، أوْ ثَمَّ رَحْمَتُهُ ونِعْمَتُهُ وطَرِيقُ ثَوابِهِ والتِماسُ مَرْضاتِهِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ واسِعًا، فَلا شَكَّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وإلّا لَكانَ مُتَجَزِّئًا مُتَبَعِّضًا، فَيَفْتَقِرُ إلى الخالِقِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ عَلى السَّعَةِ في القُدْرَةِ والمُلْكِ، أوْ عَلى أنَّهُ واسِعُ العَطاءِ والرَّحْمَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ واسِعُ الإنْعامِ بِبَيانِ المَصْلَحَةِ لِلْعَبِيدِ لِكَيْ يَصِلُوا إلى رِضْوانِهِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ بِالكَلامِ ألْيَقُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى السَّعَةِ في العِلْمِ، وإلّا لَكانَ ذِكْرُ العَلِيمِ بَعْدَهُ تَكْرارًا، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ في هَذا المَوْضِعِ فَكالتَّهْدِيدِ؛ لِيَكُونَ المُصَلِّي عَلى حَذَرٍ مِنَ التَّفْرِيطِ، مِن حَيْثُ يَتَصَوَّرُ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفِي وما يُعْلِنُ، وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ، فَيَكُونُ مُتَحَذِّرًا عَنِ التَّساهُلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أنَّهُ تَعالى واسِعُ القُدْرَةِ في تَوْفِيَةِ ثَوابِ مَن يَقُومُ بِالصَّلاةِ عَلى شَرْطِها، وتَوْفِيَةِ عِقابِ مَن يَتَكاسَلُ عَنْها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ولّى إذا أقْبَلَ، ووَلّى إذا أدْبَرَ، وهو مِنَ الأضْدادِ، ومَعْناهُ هَهُنا الإقْبالُ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”فَأيْنَما تَوَلَّوْا“ بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ التَّوَلِّي، يُرِيدُ: فَأيْنَما تَوَجَّهُوا - القِبْلَةُ.
البقرة 2:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ العاشِرُ مِن مَقابِحِ أفْعالِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ، واعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنهم مَن تَأوَّلَهُ عَلى النَّصارى، ومِنهم مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، ونَحْنُ قَدْ تَأوَّلْناهُ عَلى اليَهُودِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ أثْبَتُوا الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ صَحَّتْ هَذِهِ الحِكايَةُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها نَزَلَتْ
صفحة ٢٢
فِي كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، فَإنَّهم جَعَلُوا عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَهو كَلِمَةُ تَنْزِيهٍ يُنَزِّهُ بِها نَفْسَهُ عَمّا قالُوهُ، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فَمَرَّةً أظْهَرَهُ، ومَرَّةً اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، واحْتَجَّ عَلى هَذا التَّنْزِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦] ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى المَوْجُودِ الواجِبِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِواجِبِ الوُجُودِ، والمَخْلُوقُ لا يَكُونُ ولَدًا، أمّا بَيانُ أنَّ ما سِوى المَوْجُودِ الواجِبِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَلِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ مَوْجُودانِ واجِبانِ لِذاتِهِما لاشْتَرَكا في وُجُوبِ الوُجُودِ، ولامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِما بِهِ التَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، ويَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن قَيْدَيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ مِن غَيْرِهِ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُودَيْنِ الواجِبَيْنِ لِذاتِهِما مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، هَذا خُلْفٌ، ثُمَّ نَقُولُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ واجِبًا عادَ التَّقْسِيمُ المَذْكُورُ فِيهِ، ويُفْضِي إلى كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِن أجْزاءٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ، ومَعَ تَسْلِيمِ أنَّهُ غَيْرُ مُحالٍ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كَثْرَةٍ فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الواحِدِ، فَتِلْكَ الآحادُ إنْ كانَتْ واجِبَةً لِذَواتِها كانَتْ مُرَكَّبَةً عَلى ما ثَبَتَ، فالبَسِيطُ مُرَكَّبٌ، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَتْ مُمْكِنَةً كانَ المُرَكَّبُ المُفْتَقِرُ إلَيْها أوْلى بِالإمْكانِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ كُلَّ ما عَدا المَوْجُودَ الواجِبَ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلى المُؤَثِّرِ، وتَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ فِيهِ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَذَلِكَ المُمْكِنُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فاحْتِياجُ ذَلِكَ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا أنْ يَكُونَ حالَ بَقائِهِ أوْ حالَ حُدُوثِهِ، والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إيجادَ الوُجُودِ، فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المُمْكِنِ مُحْدَثًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، وأنَّ وُجُودَهُ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإيجادِهِ وإبْداعِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو عَبْدُهُ ومِلْكُهُ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا سِواهُ ولَدًا لَهُ، وهَذا البُرْهانُ إنَّما اسْتَفَدْناهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ كُلُّ ما سِواهُ عَلى سَبِيلِ المِلْكِ والخَلْقِ والإيجادِ والإبْداعِ.
والثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ بِأنَّهُ ولَدُهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أزَلِيًّا أوْ مُحْدَثًا، فَإنْ كانَ أزَلِيًّا لَمْ يَكُنْ حُكْمُنا بِجَعْلِ أحَدِهِما ولَدًا والآخَرِ والِدًا أوْلى مِنَ العَكْسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الحُكْمُ حُكْمًا مُجَرَّدًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وإنْ كانَ الوَلَدُ حادِثًا كانَ مَخْلُوقًا لِذَلِكَ القَدِيمِ وعَبْدًا لَهُ، فَلا يَكُونُ ولَدًا لَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ، فَلَوْ فَرَضْنا لَهُ ولَدًا لَكانَ مُشارِكًا لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومُمْتازًا عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا ومُحْدَثًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَإذَنِ المُجانَسَةُ مُمْتَنِعَةٌ، فالوَلَدِيَّةُ مُمْتَنِعَةٌ.
الرّابِعُ: أنَّ الوَلَدَ إنَّما يُتَّخَذُ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ في الكِبَرِ، ورَجاءَ الِانْتِفاعِ بِمَعُونَتِهِ حالَ عَجْزِ الأبِ عَنْ أُمُورِ نَفْسِهِ، فَعَلى هَذا إيجادُ الوَلَدِ إنَّما يَصِحُّ عَلى مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الفَقْرُ والعَجْزُ والحاجَةُ، فَإذا كانَ كُلُّ ذَلِكَ مُحالًا كانَ إيجادُ الوَلَدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحالًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ عَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ إلَيْهِ الأوْلادَ - قَوْلَهم، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ، وهي أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبْدٌ لَهُ، وبِأنَّهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وقالَ في مَرْيَمَ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾
صفحة ٢٣
﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] وقالَ أيْضًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٩-٩٣] فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِ مالِكًا لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ بِكَوْنِهِ مالِكًا لِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ - أتَمُّ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”ما“ تَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ،
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القُنُوتُ أصْلُهُ الدَّوامُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وطُولِ القِيامِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا «سُئِلَ: أيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ”طُولُ القُنُوتِ» “، وبِمَعْنى السُّكُوتِ، كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأمْسَكْنا عَنِ الكَلامِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الدَّوامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قانِتُونَ مُطِيعُونَ، والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: الكُفّارُ لَيْسُوا مُطِيعِينَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ آخَرُونَ: المَعْنى أنَّهم يُطِيعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: هَذِهِ صِفَةُ المُكَلَّفِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ يَتَناوَلُ مَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَعِنْدَ هَذا فَسَّرُوا القُنُوتَ بِوُجُوهٍ أُخَرَ:
الأوَّلُ: بِكَوْنِها شاهِدَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ سُبْحانَهُ بِما فِيها مِن آثارِ الصَّنْعَةِ وأماراتِ الحُدُوثِ والدَّلالَةِ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
الثّانِي: كَوْنُ جَمِيعِها في مُلْكِهِ وقَهْرِهِ يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الآيَةُ عامَّةٌ.
الثّالِثُ: أرادَ بِهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرًا والمَسِيحَ، أيْ: كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِالوَلَدِ أنَّهم قانِتُونَ لَهُ، يُحْكى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ النَّصارى: لَوْلا تَمَرُّدُ عِيسى عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ لَصِرْتُ عَلى دِينِهِ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ إلى عِيسى مَعَ جِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإنْ كانَ عِيسى إلَهًا، فالإلَهُ كَيْفَ يَعْبُدُ غَيْرَهُ، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَلِيقُ بِهِ العِبادَةُ، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا كانَ القُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةً عَنِ الدَّوامِ كانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ دَوامَ المُمْكِناتِ وبَقاءَها - بِهِ سُبْحانَهُ ولِأجْلِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ العالَمَ حالَ بَقائِهِ واسْتِمْرارِهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ يَقْتَضِي أنْ لا تَنْقَطِعَ حاجَتُهُ عَنِ المُؤَثِّرِ لا حالَ حُدُوثِهِ ولا حالَ بَقائِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ كَيْفَ جاءَ بِـ ”ما“ الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾، جَوابُهُ: كَأنَّهُ جاءَ بِـ ”ما“ دُونَ ”مَن“ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: البَدِيعُ والمُبْدِعُ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ القَفّالُ: وهو مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ وحَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، غَيْرَ أنَّ في بَدِيعٍ مُبالَغَةً لِلْعُدُولِ فِيهِ، وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِ الصِّفَةِ في غَيْرِ حالِ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مِن شَأْنِهِ الإبْداعَ، فَهو في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ سامِعٍ وسَمِيعٍ، وقَدْ يَجِيءُ بَدِيعٌ بِمَعْنى مُبْدِعٍ، والإبْداعُ الإنْشاءُ، ونَقِيضُ
صفحة ٢٤
الإبْداعِ الِاخْتِراعُ عَلى مِثالٍ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ النّاسَ يُسَمُّونَ مَن قالَ أوْ عَمِلَ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مُبْتَدِعًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ كَوْنَهُ مالِكًا لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ المالِكُ أيْضًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يُبْدِعُ الشَّيْءَ فَقالَ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: القَضاءُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ سُمِّيَ بِهِ، ولِهَذا جُمِعَ عَلى أقْضِيَةٍ كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ، وفي مَعْناهُ القَضِيَّةُ، وجَمْعُها القَضايا، ووَزْنُهُ فَعالٌ مِن تَرْكِيبِ ”ق ض ي“ وأصْلُهُ ”قَضايٌ“ إلّا أنَّ الياءَ لَمّا وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ الألِفِ الزّائِدَةِ اعْتَلَّتْ فَقُلِبَتْ ألْفًا، ثُمَّ لَمّا لاقَتْ هي ألِفَ فَعالٍ، قُلِبَتْ هَمْزَةً لِامْتِناعِ التِقاءِ الألِفَيْنِ لَفْظًا، ومِن نَظائِرِهِ المَضاءُ والأتاءُ، مِن مَضَيْتُ وأتَيْتُ، والسِّقاءُ والشِّفاءُ، مِن سَقَيْتُ وشَفَيْتُ، والدَّلِيلُ عَلى أصالَةِ الياءِ دُونَ الهَمْزَةِ ثَباتُها في أكْثَرِ تَصَرُّفاتِ الكَلِمَةِ، تَقُولُ: قَضَيْتُ وقَضَيْنا وقَضَيْتَ. . . . إلى قَضَيْتُنَّ، وقَضَيا وقَضَيْنَ، وهُما يَقْضِيانِ، وهي وأنْتَ تَقْضِي، والمَرْأتانِ وأنْتُما تَقْضِيانِ، وهُنَّ يَقْضِينَ، وأمّا أنْتِ تَقْضِينَ فالياءُ فِيهِ ضَمِيرُ المُخاطَبَةِ، وأمّا مَعْناهُ فالأصْلُ الَّذِي يَدُلُّ تَرْكِيبُهُ عَلَيْهِ هو مَعْنى القَطْعِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: قَضى القاضِي لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ بِكَذا قَضاءً إذا حَكَمَ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ لِلدَّعْوى، ولِهَذا قِيلَ: حاكِمٌ فَيْصَلٌ إذا كانَ قاطِعًا لِلْخُصُوماتِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهم قالُوا: القاضِي مَعْناهُ القاطِعُ لِلْأُمُورِ المُحْكِمُ لَها، وقَوْلُهم: انْقَضى الشَّيْءُ إذا تَمَّ وانْقَطَعَ، وقَوْلُهم: قَضى حاجَتَهُ، مَعْناهُ قَطَعَها عَنِ المُحْتاجِ، ودَفَعَها عَنْهُ، وقَضى دَيْنَهُ إذا أدّاهُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قَطَعَ التَّقاضِيَ والِاقْتِضاءَ عَنْ نَفْسِهِ، أوِ انْقَطَعَ كُلٌّ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ، وقَوْلُهم: قَضى الأمْرَ، إذا أتَمَّهُ وأحْكَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] وهو مِن هَذا؛ لِأنَّ في إتْمامِ العَمَلِ قَطْعًا لَهُ وفَراغًا مِنهُ، ومِنهُ: دِرْعٌ قَضّاءُ، مِن قَضاها إذا أحْكَمَها وأتَمَّ صُنْعَها، وأمّا قَوْلُهم: قَضى المَرِيضُ، وقَضى نَحْبَهُ إذا ماتَ، وقَضى عَلَيْهِ: قَتَلَهُ، فَمَجازٌ مِمّا ذُكِرَ، والجامِعُ بَيْنَهُما ظاهِرٌ، وأمّا تَقَضِّي البازِي فَلَيْسَ مِن هَذا التَّرْكِيبِ، ومِمّا يُعَضِّدُ ذَلِكَ دَلالَةُ ما اسْتُعْمِلَ مِن تَقْلِيبِ تَرْتِيبِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ، وهو القَيْضُ والضِّيقُ، أمّا الأوَّلُ فَيُقالُ: قاضَهُ فانْقاضَ، أيْ شَقَّهُ فانْشَقَّ، ومِنهُ قَيْضُ البَيْضِ لِما انْفَلَقَ مِن قِشْرِهِ الأعْلى، وانْقاضَّ الحائِطُ إذا انْهَدَمَ مِن غَيْرِ هَدْمٍ، والقَطْعُ والشَّقُّ والفَلْقُ والهَدْمُ مُتَقارِبَةٌ، وأمّا الضِّيقُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ فَدَلالَتُهُ عَلى مَعْنى القَطْعِ بَيِّنَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ إذا قُطِعَ ضاقَ أوْ عَلى العَكْسِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما يَقْرُبُ مِن هَذا التَّرْكِيبِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى مَعْنى القَطْعِ:
فَأوَّلُها: قَضَبَهُ إذا قَطَعَهُ، ومِنهُ القَضْبَةُ المُرَطَّبَةُ؛ لِأنَّها تُقْضَبُ أيْ تُقْطَعُ، تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، والقَضِيبُ: الغُصْنُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمِقْضَبُ ما يُقْضَبُ بِهِ كالمِنجَلِ.
وثانِيها: القَضْمُ، وهو الأكْلُ بِأطْرافِ الأسْنانِ؛ لِأنَّ فِيهِ قَطْعًا لِلْمَأْكُولِ، وسَيْفٌ قَضِيمٌ: في طَرَفِهِ تَكَسُّرٌ وتَفَلُّلٌ.
وثالِثُها: القَضَفُ، وهو الدِّقَّةُ، يُقالُ رَجُلٌ قَضِيفٌ، أيْ: نَحِيفٌ؛ لِأنَّ القِلَّةَ مِن مُسَبَّباتِ القَطْعِ.
ورابِعُها: القُضْأةُ فُعْلَةٌ، وهي الفَسادُ، يُقالُ قَضِئَتِ القِرْبَةُ إذا عَفَتْ وفَسَدَتْ، وفي حَسَبِهِ قُضْأةٌ أيْ عَيْبٌ، وهَذا كُلُّهُ مِن أسْبابِ القَطْعِ أوْ مُسَبَّباتِهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحامِلِ لَفْظِ القَضاءِ في القُرْآنِ، قالُوا: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: بِمَعْنى الخَلْقِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] يَعْنِي خَلَقَهُنَّ.
وثانِيها: بِمَعْنى الأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وثالِثُها: بِمَعْنى الحُكْمِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْحاكِمِ: القاضِي.
صفحة ٢٥
ورابِعُها: بِمَعْنى الإخْبارِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] أيْ: أخْبَرْناهم، وهَذا يَأْتِي مَقْرُونًا بِـ ”إلى“ .
وخامِسُها: أنْ يَأْتِيَ بِمَعْنى الفَراغِ مِنَ الشَّيْءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] يَعْنِي لَمّا فُرِغَ مِن ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] يَعْنِي فُرِغَ مِن إهْلاكِ الكُفّارِ، وقالَ: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] بِمَعْنى لِيَفْرُغُوا مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] قِيلَ: إذا خَلَقَ شَيْئًا، وقِيلَ: حَكَمَ بِأنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا، وقِيلَ: أحْكَمَ أمْرًا، قالَ الشّاعِرُ:
وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ الأمْرِ حَقِيقَةٌ في القَوْلِ المَخْصُوصِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ في الفِعْلِ والشَّأْنِ الحَقِّ ؟ نَعَمْ، وهو المُرادُ بِالأمْرِ هَهُنا، وبَسْطُ القَوْلِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”كُنْ فَيَكُونَ“ بِالنَّصْبِ في كُلِّ القُرْآنِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٠] وفي الأنْعامِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] فَإنَّهُ رَفَعَهُما، وعَنِ الكِسائِيِّ بِالنَّصْبِ في النَّحْلِ ويس، وبِالرَّفْعِ في سائِرِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ في كُلِّ القُرْآنِ، أمّا النَّصْبُ فَعَلى جَوابِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو بَعِيدٌ، والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: فَهو يَكُونُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] هو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: ”كُنْ“ فَحِينَئِذٍ يَتَكَوَّنُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا، والقِسْمانِ فاسِدانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِتَوَقُّفِ حُدُوثِ الأشْياءِ عَلى ”كُنْ“، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”كُنْ“ لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ والنُّونِ، بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الكافِ عَلى النُّونِ، فالنُّونُ لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا بِالكافِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، والكافُ لِكَوْنِهِ مُتَقَدِّمًا عَلى المُحْدَثِ بِزَمانٍ واحِدٍ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا.
الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْبالِ، فَذَلِكَ القَضاءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا؛ لِأنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ ”إذا“، وقَوْلُهُ ”كُنْ“ مُرَتَّبٌ عَلى القَضاءِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾، والمُتَأخِّرُ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ ”كُنْ“ قَدِيمًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ تَكَوُّنَ المَخْلُوقِ عَلى قَوْلِهِ ”كُنْ“ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”كُنْ“ مُقَدَّمًا عَلى تَكَوُّنِ المَخْلُوقِ بِزَمانٍ واحِدٍ، والمُتَقَدِّمُ عَلى المُحْدَثِ بِزَمانٍ واحِدٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، فَقَوْلُهُ ”كُنْ“ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، ولا جائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ”كُنْ“ مُحْدَثًا؛ لِأنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ كُلُّ مُحْدَثٍ إلى قَوْلِهِ ”كُنْ“ وقَوْلُهُ ”كُنْ“ أيْضًا مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ افْتِقارُ ”كُنْ“ إلى ”كُنْ“ آخَرَ، ويَلْزَمُ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَوَقُّفُ إحْداثِ الحَوادِثِ عَلى قَوْلِهِ ”كُنْ“ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يُخاطِبَ المَخْلُوقَ بِـ ”كُنْ“ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، أوْ حالَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ خِطابَ المَعْدُومِ حالَ عَدَمِهِ سَفَهٌ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَوْجُودَ بِأنْ يَصِيرَ مَوْجُودًا، وذَلِكَ أيْضًا لا فائِدَةَ فِيهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ المَخْلُوقَ قَدْ يَكُونُ جَمادًا، وتَكْلِيفُ الجَمادِ عَبَثٌ، ولا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ القادِرَ هو الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ الفِعْلُ وتَرْكُهُ بِحَسْبِ الإراداتِ، فَإذا فَرَضْنا القادِرَ المُرِيدَ
صفحة ٢٦
مُنْفَكًّا عَنْ قَوْلِهِ ”كُنْ“، فَإمّا أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الإيجادِ والإحْداثِ، أوْ لا يَتَمَكَّنَ، فَإنْ تَمَكَّنَ لَمْ يَكُنِ الإيجادُ مَوْقُوفًا عَلى قَوْلِهِ ”كُنْ“، وإنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ القادِرُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ إلّا عِنْدَ تَكَلُّمِهِ بِـ ”كُنْ“، فَيَرْجِعُ حاصِلُ الأمْرِ إلى أنَّكم سَمِعْتُمُ القُدْرَةَ بِـ ”كُنْ“، وذَلِكَ نِزاعٌ في اللَّفْظِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ ”كُنْ“ لَوْ كانَ لَهُ أثَرٌ في التَّكْوِينِ لَكُنّا إذا تَكَلَّمْنا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ لَها ذَلِكَ التَّأْثِيرُ، ولَمّا عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ فَسادَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ ”كُنْ“ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ والنُّونِ، بِشَرْطِ كَوْنِ الكافِ مُتَقَدِّمًا عَلى النُّونِ، فالمُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ هو أحَدَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ أوْ مَجْمُوعَهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ لِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أثَرٌ ألْبَتَّةَ، بَلِ التَّأْثِيرُ لِأحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لِهَذا المَجْمُوعِ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّهُ حِينَ حَصَلَ الحَرْفُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنِ الثّانِي حاصِلًا، وحِينَ جاءَ الثّانِي فَقَدْ فاتَ الأوَّلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْمُوعِ وُجُودُ ألْبَتَّةَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لِلْمَجْمُوعِ أثَرٌ ألْبَتَّةَ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ ”كُنْ“ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِهِ، إذِ المُتَأخِّرُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِ ”كُنْ“ في وُجُودِ الشَّيْءِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ هَذا المَذْهَبِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأقْوى، أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ سُرْعَةُ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ، وأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الأشْياءَ، لا بِفِكْرَةٍ ومُعاناةٍ وتَجْرِبَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وصْفِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] مِن غَيْرِ قَوْلٍ كانَ مِنهُما، لَكِنْ عَلى سَبِيلِ سُرْعَةِ نَفاذِ قَدْرَتِهِ في تَكْوِينِهِما مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ ومُدافَعَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَرَبِ: قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي ؟ قالَ: سَلْ مَن يَدُقُّنِي، فَإنَّ الَّذِي ورائِي ما خَلّانِي ورائِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلامَةٌ يَفْعَلُها اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ، إذا سَمِعُوها عَلِمُوا أنَّهُ أحْدَثَ أمْرًا، يُحْكى ذَلِكَ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ خاصٌّ بِالمَوْجُودِينَ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] ومَن جَرى مَجْراهم، وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأحْياءِ بِالمَوْتِ ولِلْمَوْتى بِالحَياةِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، والقَوِيُّ هو الأوَّلُ.
البقرة 2:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ العاشِرُ مِن مَقابِحِ أفْعالِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ، واعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنهم مَن تَأوَّلَهُ عَلى النَّصارى، ومِنهم مَن تَأوَّلَهُ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، ونَحْنُ قَدْ تَأوَّلْناهُ عَلى اليَهُودِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ أثْبَتُوا الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ صَحَّتْ هَذِهِ الحِكايَةُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها نَزَلَتْ
صفحة ٢٢
فِي كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، فَإنَّهم جَعَلُوا عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَهو كَلِمَةُ تَنْزِيهٍ يُنَزِّهُ بِها نَفْسَهُ عَمّا قالُوهُ، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فَمَرَّةً أظْهَرَهُ، ومَرَّةً اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، واحْتَجَّ عَلى هَذا التَّنْزِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦] ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى المَوْجُودِ الواجِبِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِواجِبِ الوُجُودِ، والمَخْلُوقُ لا يَكُونُ ولَدًا، أمّا بَيانُ أنَّ ما سِوى المَوْجُودِ الواجِبِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَلِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ مَوْجُودانِ واجِبانِ لِذاتِهِما لاشْتَرَكا في وُجُوبِ الوُجُودِ، ولامْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِما بِهِ التَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، ويَلْزَمُ تَرَكُّبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن قَيْدَيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ مِن غَيْرِهِ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُودَيْنِ الواجِبَيْنِ لِذاتِهِما مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، هَذا خُلْفٌ، ثُمَّ نَقُولُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ واجِبًا عادَ التَّقْسِيمُ المَذْكُورُ فِيهِ، ويُفْضِي إلى كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِن أجْزاءٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ، ومَعَ تَسْلِيمِ أنَّهُ غَيْرُ مُحالٍ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كَثْرَةٍ فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الواحِدِ، فَتِلْكَ الآحادُ إنْ كانَتْ واجِبَةً لِذَواتِها كانَتْ مُرَكَّبَةً عَلى ما ثَبَتَ، فالبَسِيطُ مُرَكَّبٌ، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَتْ مُمْكِنَةً كانَ المُرَكَّبُ المُفْتَقِرُ إلَيْها أوْلى بِالإمْكانِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ كُلَّ ما عَدا المَوْجُودَ الواجِبَ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلى المُؤَثِّرِ، وتَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ فِيهِ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ عَدَمِهِ أوْ حالَ وُجُودِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَذَلِكَ المُمْكِنُ مُحْدَثٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فاحْتِياجُ ذَلِكَ المَوْجُودِ إلى المُؤَثِّرِ، إمّا أنْ يَكُونَ حالَ بَقائِهِ أوْ حالَ حُدُوثِهِ، والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إيجادَ الوُجُودِ، فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المُمْكِنِ مُحْدَثًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، وأنَّ وُجُودَهُ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإيجادِهِ وإبْداعِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو عَبْدُهُ ومِلْكُهُ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا سِواهُ ولَدًا لَهُ، وهَذا البُرْهانُ إنَّما اسْتَفَدْناهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ كُلُّ ما سِواهُ عَلى سَبِيلِ المِلْكِ والخَلْقِ والإيجادِ والإبْداعِ.
والثّانِي: أنَّ هَذا الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ بِأنَّهُ ولَدُهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أزَلِيًّا أوْ مُحْدَثًا، فَإنْ كانَ أزَلِيًّا لَمْ يَكُنْ حُكْمُنا بِجَعْلِ أحَدِهِما ولَدًا والآخَرِ والِدًا أوْلى مِنَ العَكْسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الحُكْمُ حُكْمًا مُجَرَّدًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وإنْ كانَ الوَلَدُ حادِثًا كانَ مَخْلُوقًا لِذَلِكَ القَدِيمِ وعَبْدًا لَهُ، فَلا يَكُونُ ولَدًا لَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ، فَلَوْ فَرَضْنا لَهُ ولَدًا لَكانَ مُشارِكًا لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومُمْتازًا عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا ومُحْدَثًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَإذَنِ المُجانَسَةُ مُمْتَنِعَةٌ، فالوَلَدِيَّةُ مُمْتَنِعَةٌ.
الرّابِعُ: أنَّ الوَلَدَ إنَّما يُتَّخَذُ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ في الكِبَرِ، ورَجاءَ الِانْتِفاعِ بِمَعُونَتِهِ حالَ عَجْزِ الأبِ عَنْ أُمُورِ نَفْسِهِ، فَعَلى هَذا إيجادُ الوَلَدِ إنَّما يَصِحُّ عَلى مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الفَقْرُ والعَجْزُ والحاجَةُ، فَإذا كانَ كُلُّ ذَلِكَ مُحالًا كانَ إيجادُ الوَلَدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحالًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ عَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ إلَيْهِ الأوْلادَ - قَوْلَهم، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ، وهي أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبْدٌ لَهُ، وبِأنَّهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وقالَ في مَرْيَمَ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾
صفحة ٢٣
﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] وقالَ أيْضًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٩-٩٣] فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِ مالِكًا لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ بِكَوْنِهِ مالِكًا لِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ - أتَمُّ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”ما“ تَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ،
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القُنُوتُ أصْلُهُ الدَّوامُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وطُولِ القِيامِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا «سُئِلَ: أيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ”طُولُ القُنُوتِ» “، وبِمَعْنى السُّكُوتِ، كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأمْسَكْنا عَنِ الكَلامِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الدَّوامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قانِتُونَ مُطِيعُونَ، والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: الكُفّارُ لَيْسُوا مُطِيعِينَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ آخَرُونَ: المَعْنى أنَّهم يُطِيعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: هَذِهِ صِفَةُ المُكَلَّفِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ يَتَناوَلُ مَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَعِنْدَ هَذا فَسَّرُوا القُنُوتَ بِوُجُوهٍ أُخَرَ:
الأوَّلُ: بِكَوْنِها شاهِدَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ سُبْحانَهُ بِما فِيها مِن آثارِ الصَّنْعَةِ وأماراتِ الحُدُوثِ والدَّلالَةِ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
الثّانِي: كَوْنُ جَمِيعِها في مُلْكِهِ وقَهْرِهِ يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الآيَةُ عامَّةٌ.
الثّالِثُ: أرادَ بِهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرًا والمَسِيحَ، أيْ: كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِالوَلَدِ أنَّهم قانِتُونَ لَهُ، يُحْكى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ النَّصارى: لَوْلا تَمَرُّدُ عِيسى عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ لَصِرْتُ عَلى دِينِهِ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ إلى عِيسى مَعَ جِدِّهِ في طاعَةِ اللَّهِ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإنْ كانَ عِيسى إلَهًا، فالإلَهُ كَيْفَ يَعْبُدُ غَيْرَهُ، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَلِيقُ بِهِ العِبادَةُ، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا كانَ القُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةً عَنِ الدَّوامِ كانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ دَوامَ المُمْكِناتِ وبَقاءَها - بِهِ سُبْحانَهُ ولِأجْلِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ العالَمَ حالَ بَقائِهِ واسْتِمْرارِهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ يَقْتَضِي أنْ لا تَنْقَطِعَ حاجَتُهُ عَنِ المُؤَثِّرِ لا حالَ حُدُوثِهِ ولا حالَ بَقائِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ كَيْفَ جاءَ بِـ ”ما“ الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾، جَوابُهُ: كَأنَّهُ جاءَ بِـ ”ما“ دُونَ ”مَن“ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: البَدِيعُ والمُبْدِعُ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ القَفّالُ: وهو مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ وحَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، غَيْرَ أنَّ في بَدِيعٍ مُبالَغَةً لِلْعُدُولِ فِيهِ، وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِ الصِّفَةِ في غَيْرِ حالِ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مِن شَأْنِهِ الإبْداعَ، فَهو في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ سامِعٍ وسَمِيعٍ، وقَدْ يَجِيءُ بَدِيعٌ بِمَعْنى مُبْدِعٍ، والإبْداعُ الإنْشاءُ، ونَقِيضُ
صفحة ٢٤
الإبْداعِ الِاخْتِراعُ عَلى مِثالٍ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ النّاسَ يُسَمُّونَ مَن قالَ أوْ عَمِلَ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مُبْتَدِعًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ كَوْنَهُ مالِكًا لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ المالِكُ أيْضًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يُبْدِعُ الشَّيْءَ فَقالَ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: القَضاءُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ سُمِّيَ بِهِ، ولِهَذا جُمِعَ عَلى أقْضِيَةٍ كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ، وفي مَعْناهُ القَضِيَّةُ، وجَمْعُها القَضايا، ووَزْنُهُ فَعالٌ مِن تَرْكِيبِ ”ق ض ي“ وأصْلُهُ ”قَضايٌ“ إلّا أنَّ الياءَ لَمّا وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ الألِفِ الزّائِدَةِ اعْتَلَّتْ فَقُلِبَتْ ألْفًا، ثُمَّ لَمّا لاقَتْ هي ألِفَ فَعالٍ، قُلِبَتْ هَمْزَةً لِامْتِناعِ التِقاءِ الألِفَيْنِ لَفْظًا، ومِن نَظائِرِهِ المَضاءُ والأتاءُ، مِن مَضَيْتُ وأتَيْتُ، والسِّقاءُ والشِّفاءُ، مِن سَقَيْتُ وشَفَيْتُ، والدَّلِيلُ عَلى أصالَةِ الياءِ دُونَ الهَمْزَةِ ثَباتُها في أكْثَرِ تَصَرُّفاتِ الكَلِمَةِ، تَقُولُ: قَضَيْتُ وقَضَيْنا وقَضَيْتَ. . . . إلى قَضَيْتُنَّ، وقَضَيا وقَضَيْنَ، وهُما يَقْضِيانِ، وهي وأنْتَ تَقْضِي، والمَرْأتانِ وأنْتُما تَقْضِيانِ، وهُنَّ يَقْضِينَ، وأمّا أنْتِ تَقْضِينَ فالياءُ فِيهِ ضَمِيرُ المُخاطَبَةِ، وأمّا مَعْناهُ فالأصْلُ الَّذِي يَدُلُّ تَرْكِيبُهُ عَلَيْهِ هو مَعْنى القَطْعِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: قَضى القاضِي لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ بِكَذا قَضاءً إذا حَكَمَ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ لِلدَّعْوى، ولِهَذا قِيلَ: حاكِمٌ فَيْصَلٌ إذا كانَ قاطِعًا لِلْخُصُوماتِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهم قالُوا: القاضِي مَعْناهُ القاطِعُ لِلْأُمُورِ المُحْكِمُ لَها، وقَوْلُهم: انْقَضى الشَّيْءُ إذا تَمَّ وانْقَطَعَ، وقَوْلُهم: قَضى حاجَتَهُ، مَعْناهُ قَطَعَها عَنِ المُحْتاجِ، ودَفَعَها عَنْهُ، وقَضى دَيْنَهُ إذا أدّاهُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قَطَعَ التَّقاضِيَ والِاقْتِضاءَ عَنْ نَفْسِهِ، أوِ انْقَطَعَ كُلٌّ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ، وقَوْلُهم: قَضى الأمْرَ، إذا أتَمَّهُ وأحْكَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] وهو مِن هَذا؛ لِأنَّ في إتْمامِ العَمَلِ قَطْعًا لَهُ وفَراغًا مِنهُ، ومِنهُ: دِرْعٌ قَضّاءُ، مِن قَضاها إذا أحْكَمَها وأتَمَّ صُنْعَها، وأمّا قَوْلُهم: قَضى المَرِيضُ، وقَضى نَحْبَهُ إذا ماتَ، وقَضى عَلَيْهِ: قَتَلَهُ، فَمَجازٌ مِمّا ذُكِرَ، والجامِعُ بَيْنَهُما ظاهِرٌ، وأمّا تَقَضِّي البازِي فَلَيْسَ مِن هَذا التَّرْكِيبِ، ومِمّا يُعَضِّدُ ذَلِكَ دَلالَةُ ما اسْتُعْمِلَ مِن تَقْلِيبِ تَرْتِيبِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ، وهو القَيْضُ والضِّيقُ، أمّا الأوَّلُ فَيُقالُ: قاضَهُ فانْقاضَ، أيْ شَقَّهُ فانْشَقَّ، ومِنهُ قَيْضُ البَيْضِ لِما انْفَلَقَ مِن قِشْرِهِ الأعْلى، وانْقاضَّ الحائِطُ إذا انْهَدَمَ مِن غَيْرِ هَدْمٍ، والقَطْعُ والشَّقُّ والفَلْقُ والهَدْمُ مُتَقارِبَةٌ، وأمّا الضِّيقُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ فَدَلالَتُهُ عَلى مَعْنى القَطْعِ بَيِّنَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ إذا قُطِعَ ضاقَ أوْ عَلى العَكْسِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما يَقْرُبُ مِن هَذا التَّرْكِيبِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى مَعْنى القَطْعِ:
فَأوَّلُها: قَضَبَهُ إذا قَطَعَهُ، ومِنهُ القَضْبَةُ المُرَطَّبَةُ؛ لِأنَّها تُقْضَبُ أيْ تُقْطَعُ، تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، والقَضِيبُ: الغُصْنُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمِقْضَبُ ما يُقْضَبُ بِهِ كالمِنجَلِ.
وثانِيها: القَضْمُ، وهو الأكْلُ بِأطْرافِ الأسْنانِ؛ لِأنَّ فِيهِ قَطْعًا لِلْمَأْكُولِ، وسَيْفٌ قَضِيمٌ: في طَرَفِهِ تَكَسُّرٌ وتَفَلُّلٌ.
وثالِثُها: القَضَفُ، وهو الدِّقَّةُ، يُقالُ رَجُلٌ قَضِيفٌ، أيْ: نَحِيفٌ؛ لِأنَّ القِلَّةَ مِن مُسَبَّباتِ القَطْعِ.
ورابِعُها: القُضْأةُ فُعْلَةٌ، وهي الفَسادُ، يُقالُ قَضِئَتِ القِرْبَةُ إذا عَفَتْ وفَسَدَتْ، وفي حَسَبِهِ قُضْأةٌ أيْ عَيْبٌ، وهَذا كُلُّهُ مِن أسْبابِ القَطْعِ أوْ مُسَبَّباتِهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحامِلِ لَفْظِ القَضاءِ في القُرْآنِ، قالُوا: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: بِمَعْنى الخَلْقِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] يَعْنِي خَلَقَهُنَّ.
وثانِيها: بِمَعْنى الأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وثالِثُها: بِمَعْنى الحُكْمِ، ولِهَذا يُقالُ لِلْحاكِمِ: القاضِي.
صفحة ٢٥
ورابِعُها: بِمَعْنى الإخْبارِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] أيْ: أخْبَرْناهم، وهَذا يَأْتِي مَقْرُونًا بِـ ”إلى“ .
وخامِسُها: أنْ يَأْتِيَ بِمَعْنى الفَراغِ مِنَ الشَّيْءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] يَعْنِي لَمّا فُرِغَ مِن ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] يَعْنِي فُرِغَ مِن إهْلاكِ الكُفّارِ، وقالَ: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] بِمَعْنى لِيَفْرُغُوا مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] قِيلَ: إذا خَلَقَ شَيْئًا، وقِيلَ: حَكَمَ بِأنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا، وقِيلَ: أحْكَمَ أمْرًا، قالَ الشّاعِرُ:
وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ الأمْرِ حَقِيقَةٌ في القَوْلِ المَخْصُوصِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ في الفِعْلِ والشَّأْنِ الحَقِّ ؟ نَعَمْ، وهو المُرادُ بِالأمْرِ هَهُنا، وبَسْطُ القَوْلِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”كُنْ فَيَكُونَ“ بِالنَّصْبِ في كُلِّ القُرْآنِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٠] وفي الأنْعامِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] فَإنَّهُ رَفَعَهُما، وعَنِ الكِسائِيِّ بِالنَّصْبِ في النَّحْلِ ويس، وبِالرَّفْعِ في سائِرِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ في كُلِّ القُرْآنِ، أمّا النَّصْبُ فَعَلى جَوابِ الأمْرِ، وقِيلَ: هو بَعِيدٌ، والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: فَهو يَكُونُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] هو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: ”كُنْ“ فَحِينَئِذٍ يَتَكَوَّنُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا، والقِسْمانِ فاسِدانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِتَوَقُّفِ حُدُوثِ الأشْياءِ عَلى ”كُنْ“، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”كُنْ“ لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ والنُّونِ، بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الكافِ عَلى النُّونِ، فالنُّونُ لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا بِالكافِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، والكافُ لِكَوْنِهِ مُتَقَدِّمًا عَلى المُحْدَثِ بِزَمانٍ واحِدٍ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا.
الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْبالِ، فَذَلِكَ القَضاءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا؛ لِأنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ ”إذا“، وقَوْلُهُ ”كُنْ“ مُرَتَّبٌ عَلى القَضاءِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾، والمُتَأخِّرُ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ ”كُنْ“ قَدِيمًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ تَكَوُّنَ المَخْلُوقِ عَلى قَوْلِهِ ”كُنْ“ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”كُنْ“ مُقَدَّمًا عَلى تَكَوُّنِ المَخْلُوقِ بِزَمانٍ واحِدٍ، والمُتَقَدِّمُ عَلى المُحْدَثِ بِزَمانٍ واحِدٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، فَقَوْلُهُ ”كُنْ“ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، ولا جائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ”كُنْ“ مُحْدَثًا؛ لِأنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ كُلُّ مُحْدَثٍ إلى قَوْلِهِ ”كُنْ“ وقَوْلُهُ ”كُنْ“ أيْضًا مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ افْتِقارُ ”كُنْ“ إلى ”كُنْ“ آخَرَ، ويَلْزَمُ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَوَقُّفُ إحْداثِ الحَوادِثِ عَلى قَوْلِهِ ”كُنْ“ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يُخاطِبَ المَخْلُوقَ بِـ ”كُنْ“ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، أوْ حالَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ خِطابَ المَعْدُومِ حالَ عَدَمِهِ سَفَهٌ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَوْجُودَ بِأنْ يَصِيرَ مَوْجُودًا، وذَلِكَ أيْضًا لا فائِدَةَ فِيهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ المَخْلُوقَ قَدْ يَكُونُ جَمادًا، وتَكْلِيفُ الجَمادِ عَبَثٌ، ولا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ القادِرَ هو الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ الفِعْلُ وتَرْكُهُ بِحَسْبِ الإراداتِ، فَإذا فَرَضْنا القادِرَ المُرِيدَ
صفحة ٢٦
مُنْفَكًّا عَنْ قَوْلِهِ ”كُنْ“، فَإمّا أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الإيجادِ والإحْداثِ، أوْ لا يَتَمَكَّنَ، فَإنْ تَمَكَّنَ لَمْ يَكُنِ الإيجادُ مَوْقُوفًا عَلى قَوْلِهِ ”كُنْ“، وإنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ القادِرُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ إلّا عِنْدَ تَكَلُّمِهِ بِـ ”كُنْ“، فَيَرْجِعُ حاصِلُ الأمْرِ إلى أنَّكم سَمِعْتُمُ القُدْرَةَ بِـ ”كُنْ“، وذَلِكَ نِزاعٌ في اللَّفْظِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ ”كُنْ“ لَوْ كانَ لَهُ أثَرٌ في التَّكْوِينِ لَكُنّا إذا تَكَلَّمْنا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ لَها ذَلِكَ التَّأْثِيرُ، ولَمّا عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ فَسادَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ ”كُنْ“ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ والنُّونِ، بِشَرْطِ كَوْنِ الكافِ مُتَقَدِّمًا عَلى النُّونِ، فالمُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ هو أحَدَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ أوْ مَجْمُوعَهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ لِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أثَرٌ ألْبَتَّةَ، بَلِ التَّأْثِيرُ لِأحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لِهَذا المَجْمُوعِ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّهُ حِينَ حَصَلَ الحَرْفُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنِ الثّانِي حاصِلًا، وحِينَ جاءَ الثّانِي فَقَدْ فاتَ الأوَّلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْمُوعِ وُجُودُ ألْبَتَّةَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لِلْمَجْمُوعِ أثَرٌ ألْبَتَّةَ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ ”كُنْ“ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِهِ، إذِ المُتَأخِّرُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِ ”كُنْ“ في وُجُودِ الشَّيْءِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ هَذا المَذْهَبِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأقْوى، أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ سُرْعَةُ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ، وأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الأشْياءَ، لا بِفِكْرَةٍ ومُعاناةٍ وتَجْرِبَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وصْفِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] مِن غَيْرِ قَوْلٍ كانَ مِنهُما، لَكِنْ عَلى سَبِيلِ سُرْعَةِ نَفاذِ قَدْرَتِهِ في تَكْوِينِهِما مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ ومُدافَعَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَرَبِ: قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي ؟ قالَ: سَلْ مَن يَدُقُّنِي، فَإنَّ الَّذِي ورائِي ما خَلّانِي ورائِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلامَةٌ يَفْعَلُها اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ، إذا سَمِعُوها عَلِمُوا أنَّهُ أحْدَثَ أمْرًا، يُحْكى ذَلِكَ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ خاصٌّ بِالمَوْجُودِينَ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] ومَن جَرى مَجْراهم، وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأحْياءِ بِالمَوْتِ ولِلْمَوْتى بِالحَياةِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، والقَوِيُّ هو الأوَّلُ.
البقرة 2:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ مِن قَبائِحِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ، فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٧
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ ما يَقْدَحُ في التَّوْحِيدِ وهو أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ الوَلَدَ، حَكى الآنَ عَنْهم ما يَقْدَحُ في النُّبُوَّةِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَؤُلاءِ هم مُشْرِكُو العَرَبِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] وقالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ وقالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ سَألُوا ذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مُشْرِكُو العَرَبِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وأهْلُ الكِتابِ أهْلُ العِلْمِ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ كَما يَنْبَغِي، وأهْلُ الكِتابِ كانُوا كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها أنَّ الحَكِيمَ إذا أرادَ تَحْصِيلَ شَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنَّ يَخْتارَ أقْرَبَ الطُّرُقِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ وأبْعَدَها عَنِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَ مُوسى وأنْتَ تَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، إنَّهُ كَلَّمَكَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] فَلِمَ لا يُكَلِّمُنا مُشافَهَةً ولا يَنُصُّ عَلى نُبُوَّتِكَ حَتّى يَتَأكَّدَ الِاعْتِقادُ وتَزُولَ الشُّبْهَةُ وأيْضًا فَإنْ كانَ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَخُصُّكَ بِآيَةٍ ومُعْجِزَةٍ وهَذا مِنهم طَعْنٌ في كَوْنِ القُرْآنِ آيَةً ومُعْجِزَةً، لِأنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً لاسْتَحالَ أنْ يَقُولُوا: هَلّا يَأْتِينا بِآيَةٍ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وحاصِلُ هَذا الجَوابِ أنّا قَدْ أيَّدْنا قَوْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ، وبَيَّنّا صِحَّةَ قَوْلِهِ بِالآياتِ وهي القُرْآنُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ، فَكانَ طَلَبُ هَذِهِ الزَّوائِدِ مِن بابِ التَّعَنُّتِ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ إجابَتُها لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الدَّلالَةُ الواحِدَةُ فَقَدْ تَمَكَّنَ المُكَلَّفُ مِنَ الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَلَوْ كانَ غَرَضُهُ طَلَبَ الحَقِّ لاكْتَفى بِتِلْكَ الدَّلالَةِ، فَحَيْثُ لَمْ يَكْتَفِ بِها وطَلَبَ الزّائِدَ عَلَيْها عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لِلطَّلَبِ مِن بابِ العِنادِ واللَّجاجِ، فَلَمْ تَكُنْ إجابَتُها واجِبَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٠، ٥١] فَبَكَّتَهم بِما في القُرْآنِ مِنَ الدَّلالَةِ الشّافِيَةِ.
وثانِيها: لَوْ كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ لَفَعَلَها، ولَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ أعْطاهم ما سَألُوهُ لَما ازْدادُوا إلّا لَجاجًا فَلا جَرَمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٢٣] .
وثالِثُها: إنَّما حَصَلَ في تِلْكَ الآياتِ أنْواعٌ مِنَ المَفاسِدِ ورُبَّما أوْجَبَ حُصُولُها هَلاكَهم واسْتِئْصالَهم إنِ اسْتَمَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى التَّكْذِيبِ، ورُبَّما كانَ بَعْضُها مُنْتَهِيًا إلى حَدِّ الإلْجاءِ المُخِلِّ بِالتَّكْلِيفِ، ورُبَّما كانَتْ كَثْرَتُها وتَعاقُبُها يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعْجِزَةً، لِأنَّ الخَوارِقَ مَتى تَوالَتْ صارَ انْخِراقُ العادَةِ عادَةً، فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ فَثَبَتَ أنَّ عَدَمَ إسْعافِهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ لا يَقْدَحُ في النُّبُوَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالمُرادُ أنَّ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ تَتَشابَهُ أقْوالُهم وأفْعالُهم، فَكَما أنَّ قَوْمَ مُوسى كانُوا أبَدًا في التَّعَنُّتِ واقْتِراحِ الأباطِيلِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقَوْلِهِمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البَقَرَةِ: ٦٧] وقَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾
صفحة ٢٨
[النِّساءِ: ١٥٣] فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَكُونُونَ أبَدًا في العِنادِ واللَّجاجِ وطَلَبِ الباطِلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وغَيْرَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَمَجِيءِ الشَّجَرَةِ وكَلامِ الذِّئْبِ، وإشْباعِ الخَلْقِ الكَثِيرِ مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، آياتٌ قاهِرَةٌ، ومُعْجِزاتٌ باهِرَةٌ لِمَن كانَ طالِبًا لِلْيَقِينِ.
البقرة 2:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أصَرُّوا عَلى العِنادِ واللَّجاجِ الباطِلِ واقْتَرَحُوا المُعْجِزاتِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّهُ لا مَزِيدَ عَلى ما فَعَلَهُ في مَصالِحِ دِينِهِمْ مِن إظْهارِ الأدِلَّةِ وكَما بَيَّنَ ذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ لا مَزِيدَ عَلى ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ في بابِ الإبْلاغِ والتَّنْبِيهِ لِكَيْ لا يَكْثُرَ غَمُّهُ بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالإرْسالِ، أيْ أرْسَلْناكَ إرْسالًا بِالحَقِّ.
وثانِيها: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالبَشِيرِ والنَّذِيرِ أيْ أنْتَ مُبَشِّرٌ بِالحَقِّ ومُنْذِرٌ بِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ الدِّينَ والقُرْآنَ، أيْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ حالَ كَوْنِهِ بَشِيرًا لِمَن أطاعَ اللَّهَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِالعِقابِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ البَشِيرُ والنَّذِيرُ صِفَةً لِلرَّسُولِ ﷺ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالحَقِّ لِتَكُونَ مُبَشِّرًا لِمَنِ اتَّبَعَكَ واهْتَدى بِدِينِكَ ومُنْذِرًا لِمَن كَفَرَ بِكَ وضَلَّ عَنْ دِينِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ فَفِيهِ قِراءَتانِ:
الجُمْهُورُ بِرَفْعِ التّاءِ واللّامِ عَلى الخَبَرِ، وأمّا نافِعٌ فَبِالجَزْمِ وفَتْحِ التّاءِ عَلى النَّهْيِ.
أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَفي التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ مَصِيرَهم إلى الجَحِيمِ فَمَعْصِيَتُهم لا تَضُرُّكَ ولَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرَّعْدِ: ٤٠]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ [النُّورِ: ٥٤] .
والثّانِي: أنَّكَ هادٍ ولَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، فَلا تَأْسَفْ ولا تَغْتَمَّ لِكُفْرِهِمْ ومَصِيرِهِمْ إلى العَذابِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .
الثّالِثُ: لا تَنْظُرْ إلى المُطِيعِ والعاصِي في الوَقْتِ، فَإنَّ الحالَ قَدْ يَتَغَيَّرُ فَهو غَيْبٌ فَلا تَسْألْ عَنْهُ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِ غَيْرِهِ ولا يُؤاخَذُ بِما اجْتَرَمَهُ سِواهُ سَواءٌ كانَ قَرِيبًا أوْ كانَ بَعِيدًا.
أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ ؟ فَنُهِيَ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الكَفَرَةِ وهَذِهِ الرِّوايَةُ بَعِيدَةٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِكُفْرِهِمْ، وكانَ عالِمًا بِأنَّ الكافِرَ مُعَذَّبٌ، فَمَعَ
صفحة ٢٩
هَذا العِلْمِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ: لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ.
والثّانِي: مَعْنى هَذا النَّهْيِ تَعْظِيمُ ما وقَعَ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ، كَما إذا سَألْتَ عَنْ إنْسانٍ واقِعٍ في بَلِيَّةٍ فَيُقالُ لَكَ: لا تَسْألْ عَنْهُ، ووَجْهُ التَّعْظِيمِ أنَّ المَسْئُولَ يَجْزَعُ أنْ يَجْرِيَ عَلى لِسانِهِ ما هو فِيهِ لِفَظاعَتِهِ فَلا تَسْألْهُ ولا تُكَلِّفْهُ ما يُضْجِرُهُ، أوْ أنْتَ مُسْتَخْبِرٌ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِماعِ خَبَرِهِ لِإيحاشِهِ السّامِعَ وإضْجارِهِ، فَلا تَسْألْ، والقِراءَةُ الأُولى يُعَضِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”وما تُسْألُ“ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”ولَنْ تُسْألَ“ .
البقرة 2:120
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ وبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ قَدِ انْزاحَتْ مِن قِبَلِهِ لا مِن قِبَلِهِمْ وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم في الثَّباتِ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ القَوْمَ بَلَغَ حالُهم في تَشَدُّدِهِمْ في باطِلِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهم ولا يَرْضَوْنَ مِنهُ بِالكِتابِ، بَلْ يُرِيدُونَ مِنهُ المُوافَقَةَ لَهم فِيما هم عَلَيْهِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ وشَرَحَ ما يُوجِبُ اليَأْسَ مِن مُوافَقَتِهِمْ والمِلَّةُ هي الدِّينُ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ بِمَعْنى أنَّ هُدى اللَّهِ هو الَّذِي يَهْدِي إلى الإسْلامِ وهو الهُدى الحَقُّ والَّذِي يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى هُدًى وهو الهُدى كُلُّهُ لَيْسَ وراءَهُ هُدًى، وما يَدْعُونَ إلى اتِّباعِهِ ما هو بِهُدًى إنَّما هو هَوًى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ أقْوالَهُمُ الَّتِي هي أهْواءٌ وبِدَعٌ، ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مِنَ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ مُعِينٍ يَعْصِمُكَ ويَذُبُّ عَنْكَ، بَلِ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إذا أقَمْتَ عَلى الطّاعَةِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ. قالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِنها أنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ الشَّيْءَ يَجُوزُ مِنهُ أنْ يَتَوَعَّدَهُ عَلى فِعْلِهِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ أهْواءَهم ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] وإنَّما حَسُنَ هَذا الوَعِيدُ لِاحْتِمالِ أنَّ الصّارِفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ هو هَذا الوَعِيدُ أوْ هَذا الوَعِيدُ أحَدُ صَوارِفِهِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ نَصْبِ الأدِلَّةِ وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَبِأنْ لا يَجُوزَ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ القُدْرَةِ أوْلى فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ.
وثالِثُها: فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّباعَ الهَوى لا يَكُونُ إلّا باطِلًا، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ.
ورابِعُها: فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا شَفِيعَ لِمُسْتَحِقِّ العِقابِ لِأنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ إذا اتَّبَعَ هَواهُ لَوْ كانَ يَجِدُ شَفِيعًا ونَصِيرًا لَكانَ الرَّسُولُ أحَقَّ بِذَلِكَ وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اتِّباعَ أهْوائِهِمْ
صفحة ٣٠
كُفْرٌ، وعِنْدَنا لا شَفاعَةَ في الكُفْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿الَّذِينَ﴾ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ ابْتِداءٌ ثانٍ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ القُرْآنَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ حَثٌّ وتَرْغِيبٌ في تِلاوَةِ هَذا الكِتابِ، ومَدْحٌ عَلى تِلْكَ التِّلاوَةِ، والكِتابُ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ هو القُرْآنُ لا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَإنَّ قِراءَتَهُما غَيْرُ جائِزَةٍ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ، ولَوْ كانَ المُرادُ أهْلَ الكِتابِ لَما كانَ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والكِتابُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هَذا الوَصْفُ هو القُرْآنُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ آتاهُمُ الكِتابَ، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ مِنَ اليَهُودِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم هم أهْلُ الكِتابِ فَلَمّا ذَمَّ طَرِيقَتَهم وحَكى عَنْهم سُوءَ أفْعالِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَدْحِ مَن تَرَكَ طَرِيقَتَهم، بَلْ تَأمَّلَ التَّوْراةَ وتَرَكَ تَحْرِيفَها وعَرَفَ مِنها صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ فالتِّلاوَةُ لَها مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: القِراءَةُ.
الثّانِي: الِاتِّباعُ فِعْلًا، لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَهُ يُقالُ تَلاهُ فِعْلًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشَّمْسِ: ٢] فالظّاهِرُ أنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِما جَمِيعًا، ويَصِحُّ فِيهِما جَمِيعًا المُبالَغَةُ لِأنَّ التّابِعَ لِغَيْرِهِ قَدْ يَسْتَوْفِي حَقَّ الِاتِّباعِ فَلا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنهُ، وكَذَلِكَ التّالِي يَسْتَوْفِي حَقَّ قِراءَتِهِ فَلا يُخِلُّ بِما يَلْزَمُ فِيهِ، والَّذِينَ تَأوَّلُوهُ عَلى القِراءَةِ هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
فَأوَّلُها: أنَّهم تَدَبَّرُوهُ فَعَمِلُوا بِمُوجِبِهِ حَتّى تَمَسَّكُوا بِأحْكامِهِ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وغَيْرِهِما.
وثانِيها: أنَّهم خَضَعُوا عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وخَشَعُوا إذا قَرَأُوا القُرْآنَ في صَلاتِهِمْ وخَلَواتِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّهم عَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ وآمَنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وتَوَقَّفُوا فِيما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنهُ وفَوَّضُوهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
ورابِعُها: يَقْرَأُونَهُ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولا يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ الحَقِّ.
وخامِسُها: أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ لِأنَّها مُشْتَرِكَةٌ في مَفْهُومٍ واحِدٍ، وهو تَعْظِيمُها، والِانْقِيادُ لَها لَفْظًا ومَعْنًى، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا القَدْرِ المُشْتَرَكِ تَكْثِيرًا لِفَوائِدِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:121
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ وبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ قَدِ انْزاحَتْ مِن قِبَلِهِ لا مِن قِبَلِهِمْ وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم في الثَّباتِ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ القَوْمَ بَلَغَ حالُهم في تَشَدُّدِهِمْ في باطِلِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهم ولا يَرْضَوْنَ مِنهُ بِالكِتابِ، بَلْ يُرِيدُونَ مِنهُ المُوافَقَةَ لَهم فِيما هم عَلَيْهِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ وشَرَحَ ما يُوجِبُ اليَأْسَ مِن مُوافَقَتِهِمْ والمِلَّةُ هي الدِّينُ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ بِمَعْنى أنَّ هُدى اللَّهِ هو الَّذِي يَهْدِي إلى الإسْلامِ وهو الهُدى الحَقُّ والَّذِي يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى هُدًى وهو الهُدى كُلُّهُ لَيْسَ وراءَهُ هُدًى، وما يَدْعُونَ إلى اتِّباعِهِ ما هو بِهُدًى إنَّما هو هَوًى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ أقْوالَهُمُ الَّتِي هي أهْواءٌ وبِدَعٌ، ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مِنَ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ مُعِينٍ يَعْصِمُكَ ويَذُبُّ عَنْكَ، بَلِ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إذا أقَمْتَ عَلى الطّاعَةِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ. قالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِنها أنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ الشَّيْءَ يَجُوزُ مِنهُ أنْ يَتَوَعَّدَهُ عَلى فِعْلِهِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ أهْواءَهم ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] وإنَّما حَسُنَ هَذا الوَعِيدُ لِاحْتِمالِ أنَّ الصّارِفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ هو هَذا الوَعِيدُ أوْ هَذا الوَعِيدُ أحَدُ صَوارِفِهِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ نَصْبِ الأدِلَّةِ وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَبِأنْ لا يَجُوزَ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ القُدْرَةِ أوْلى فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ.
وثالِثُها: فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّباعَ الهَوى لا يَكُونُ إلّا باطِلًا، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ.
ورابِعُها: فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا شَفِيعَ لِمُسْتَحِقِّ العِقابِ لِأنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ إذا اتَّبَعَ هَواهُ لَوْ كانَ يَجِدُ شَفِيعًا ونَصِيرًا لَكانَ الرَّسُولُ أحَقَّ بِذَلِكَ وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اتِّباعَ أهْوائِهِمْ
صفحة ٣٠
كُفْرٌ، وعِنْدَنا لا شَفاعَةَ في الكُفْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿الَّذِينَ﴾ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ ابْتِداءٌ ثانٍ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ القُرْآنَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ حَثٌّ وتَرْغِيبٌ في تِلاوَةِ هَذا الكِتابِ، ومَدْحٌ عَلى تِلْكَ التِّلاوَةِ، والكِتابُ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ هو القُرْآنُ لا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَإنَّ قِراءَتَهُما غَيْرُ جائِزَةٍ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ، ولَوْ كانَ المُرادُ أهْلَ الكِتابِ لَما كانَ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والكِتابُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هَذا الوَصْفُ هو القُرْآنُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ آتاهُمُ الكِتابَ، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ مِنَ اليَهُودِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم هم أهْلُ الكِتابِ فَلَمّا ذَمَّ طَرِيقَتَهم وحَكى عَنْهم سُوءَ أفْعالِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَدْحِ مَن تَرَكَ طَرِيقَتَهم، بَلْ تَأمَّلَ التَّوْراةَ وتَرَكَ تَحْرِيفَها وعَرَفَ مِنها صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ فالتِّلاوَةُ لَها مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: القِراءَةُ.
الثّانِي: الِاتِّباعُ فِعْلًا، لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَهُ يُقالُ تَلاهُ فِعْلًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشَّمْسِ: ٢] فالظّاهِرُ أنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِما جَمِيعًا، ويَصِحُّ فِيهِما جَمِيعًا المُبالَغَةُ لِأنَّ التّابِعَ لِغَيْرِهِ قَدْ يَسْتَوْفِي حَقَّ الِاتِّباعِ فَلا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنهُ، وكَذَلِكَ التّالِي يَسْتَوْفِي حَقَّ قِراءَتِهِ فَلا يُخِلُّ بِما يَلْزَمُ فِيهِ، والَّذِينَ تَأوَّلُوهُ عَلى القِراءَةِ هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
فَأوَّلُها: أنَّهم تَدَبَّرُوهُ فَعَمِلُوا بِمُوجِبِهِ حَتّى تَمَسَّكُوا بِأحْكامِهِ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وغَيْرِهِما.
وثانِيها: أنَّهم خَضَعُوا عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وخَشَعُوا إذا قَرَأُوا القُرْآنَ في صَلاتِهِمْ وخَلَواتِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّهم عَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ وآمَنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وتَوَقَّفُوا فِيما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنهُ وفَوَّضُوهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
ورابِعُها: يَقْرَأُونَهُ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولا يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ الحَقِّ.
وخامِسُها: أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ لِأنَّها مُشْتَرِكَةٌ في مَفْهُومٍ واحِدٍ، وهو تَعْظِيمُها، والِانْقِيادُ لَها لَفْظًا ومَعْنًى، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا القَدْرِ المُشْتَرَكِ تَكْثِيرًا لِفَوائِدِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:122
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ.
البقرة 2:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ.
البقرة 2:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا اسْتَقْصى في شَرْحِ وُجُوهِ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ في شَرْحِ قَبائِحِهِمْ في أدْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وخَتَمَ هَذا الفَصْلَ بِما بَدَأ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ شَرَعَ سُبْحانَهُ هَهُنا في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ البَيانِ وهو أنْ ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفِيَّةَ أحْوالِهِ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ والمِلَلِ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ ومِن ساكِنِي حَرَمِهِ وخادِمِي بَيْتِهِ، وأهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى كانُوا أيْضًا مُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، فَحَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إبْراهِيمَ أُمُورًا تُوجِبُ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى اليَهُودِ والنَّصارى قَبُولَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والِاعْتِرافَ بِدِينِهِ والِانْقِيادَ لِشَرْعِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِبَعْضِ التَّكالِيفِ فَلَمّا وفّى بِها وخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِها لا جَرَمَ نالَ النُّبُوَّةَ والإمامَةَ وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ عَلى أنَّ الخَيْرَ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِتَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ طَلَبَ الإمامَةَ لِأوْلادِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَنصِبَ الإمامَةِ والرِّياسَةِ في الدِّينِ لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ، فَهَؤُلاءِ مَتى أرادُوا وِجْدانَ هَذا المَنصِبِ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ اللَّجاجِ والتَّعَصُّبِ لِلْباطِلِ.
وثالِثُها: أنَّ الحَجَّ مِن خَصائِصِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى في وُجُوبِ الِانْقِيادِ لِذَلِكَ.
ورابِعُها: أنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا البَيْتَ قِبْلَةُ إبْراهِيمَ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ بِتَعْظِيمِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ فَكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ زَوالَ ذَلِكَ الغَضَبِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وخامِسُها: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِها بِأُمُورٍ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى تَنْظِيفِ البَدَنِ وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَلى المُشْرِكِينَ اخْتِيارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالدِّماءِ وتَرْكِ النَّظافَةِ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ بِما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى ما ابْتُلِيَ بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وهو النَّظَرُ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ ومُناظَرَةُ عَبَدَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ الِانْقِيادُ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى في ذَبْحِ الوَلَدِ والإلْقاءِ في النّارِ، وهَذا يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِهِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِ في ذَلِكَ ويَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ في
صفحة ٣٢
تَرْكِ الحَسَدِ والحَمِيَّةِ وكَراهَةِ الِانْقِيادِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي لِأجْلِها ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمُورًا يَرْجِعُ بَعْضُها إلى الأُمُورِ الشّاقَّةِ الَّتِي كَلَّفَهُ بِها، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى التَّشْرِيفاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِها، ونَحْنُ نَأْتِي عَلى تَفْسِيرِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَكْلِيفٍ حَصَلَ بَعْدَهُ تَشْرِيفٌ.
* * *
أمّا التَّكْلِيفُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: العامِلُ في ”إذا“ إمّا مُضْمَرٌ نَحْوُ: واذْكُرْ إذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ، أوْ إذِ ابْتَلاهُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ؛ وإمّا ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ تَكْلِيفَهُ إيّاهُ بِبَلْوى تَوَسُّعًا لِأنَّ مِثْلَ هَذا يَكُونُ مِنّا عَلى جِهَةِ البَلْوى والتَّجْرِبَةِ والمِحْنَةِ مِن حَيْثُ لا يَعْرِفُ ما يَكُونُ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ في العُرْفِ بَيْنَنا جازَ أنْ يَصِفَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ بِذَلِكَ مَجازًا لِأنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاخْتِبارُ والِامْتِحانُ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، وقالَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ: إنَّهُ كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ وماهِيّاتِها فَقَطْ، فَأمّا حُدُوثُ تِلْكَ الماهِيّاتِ ودُخُولُها في الوُجُودِ فَهو تَعالى لا يَعْلَمُها إلّا عِنْدَ وُقُوعِها واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ، قالَ: إنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ ويَخْتَبِرُهم وذَكَرَ نَظِيرَهُ في سائِرِ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٣١] وقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُودٍ: ٧ ] وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٥] وذَكَرَ أيْضًا ما يُؤَكِّدُ هَذا المَذْهَبَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وكَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] فَهَذِهِ الآياتُ ونَظائِرُها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْلَمُ وُقُوعَ الكائِناتِ قَبْلَ وُقُوعِها، أمّا العَقْلُ فَدَلَّ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عالِمًا بِوُقُوعِ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها لَزِمَ نَفْيُ القُدْرَةِ عَنِ الخالِقِ وعَنِ الخَلْقِ، وذَلِكَ مُحالٌ فَما أدّى إلَيْهِ مِثْلُهُ بَيانُ المُلازَمَةِ: أنَّ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وُقُوعَهُ اسْتَحالَ أنْ لا يَقَعَ لِأنَّ العِلْمَ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ وبِلا وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُتَضادّانِ والجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وكَذَلِكَ ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَقَعُ كانَ وُقُوعُهُ مُحالًا لِعَيْنِ هَذِهِ الدَّلالَةِ، فَلَوْ كانَ البارِي تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ الجُزْئِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِها لَكانَ بَعْضُها واجِبَ الوُقُوعِ وبَعْضُها مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، ولا قُدْرَةَ البَتَّةَ لا عَلى الواجِبِ ولا عَلى المُمْتَنِعِ فَيَلْزَمُ نَفْيُ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ عَنِ الخالِقِ تَعالى وعَنِ الخَلْقِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ أمّا في حَقِّ الخالِقِ فَلِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ ولَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا إذْ لَوْ كانَ مُوجِبًا لِذاتِهِ لَزِمَ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ العالَمِ أوْ مِن حُدُوثِ العالَمِ حُدُوثُهُ، وأمّا في حَقِّ الخَلْقِ فَلِأنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا وِجْدانًا ضَرُورِيًّا كَوْنَنا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، عَلى مَعْنى أنّا إنْ شِئْنا الفِعْلَ قَدَرْنا عَلَيْهِ، وإنْ شِئْنا التَّرْكَ قَدَرْنا عَلى التَّرْكِ، فَلَوْ كانَ أحَدُهُما واجِبًا والآخَرُ مُمْتَنِعًا لَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُكْنَةُ الَّتِي يُعْرَفُ ثُبُوتُها بِالضَّرُورَةِ.
وثانِيها: أنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ بِأحَدِ المَعْلُومَيْنِ مُغايِرٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُومِ الآخَرِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ يَصِلُ مِنّا تَعَقُّلُ أحَدِ
صفحة ٣٣
التَّعَلُّقَيْنِ مَعَ الذُّهُولِ عَنِ التَّعَلُّقِ الآخَرِ، ولَوْ كانَ التَّعَلُّقانِ تَعَلُّقًا واحِدًا لاسْتَحالَ ذَلِكَ، لِأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَذْهُولًا عَنْهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ، لَكانَ لَهُ تَعالى عُلُومٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، أوْ كانَ لِعِلْمِهِ تَعَلُّقاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ حُصُولُ مَوْجُوداتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ دَفْعَةً واحِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الأشْياءِ أزْيَدُ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ نُقْصانِ عَشَرَةٍ مِنهُ، فالنّاقِصُ مُتَناهٍ، والزّائِدُ زادَ عَلى المُتَناهِي بِتِلْكَ العَشَرَةِ، والمُتَناهِي إذا ضُمَّ إلَيْهِ غَيْرُ المُتَناهِي كانَ الكُلُّ مُتَناهِيًا، فَإذًا وُجُودُ أُمُورٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مُحالٌ، فَإنْ قِيلَ: المَوْجُودُ هو العِلْمُ، فَأمّا تِلْكَ التَّعَلُّقاتُ فَهي أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، قُلْنا: العِلْمُ إنَّما يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِالمَعْلُومِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ حاصِلًا في نَفْسِ الأمْرِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ العِلْمُ عِلْمًا في نَفْسِ الأمْرِ وذَلِكَ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ عَدَدَها أوْ لا يَعْلَمُ، فَإنْ عَلِمَ عَدَدَها فَهي مُتَناهِيَةٌ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ فَهو مُتَناهٍ، وإنْ لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ تَعالى عَدَدَها لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَلامُنا لَيْسَ إلّا في العِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ.
ورابِعُها: أنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ فَهو مُتَمَيِّزٌ في الذِّهْنِ عَمّا عَداهُ، وكُلُّ مُتَمَيِّزٍ عَمّا عَداهُ فَإنَّ ما عَداهُ خارِجٌ عَنْهُ، وكُلُّ ما خَرَجَ عَنْهُ فَهو مُتَناهٍ، فَإذَنْ كُلُّ مَعْلُومٍ فَهو مُتَناهٍ، فَإذَنْ كُلُّ ما هو غَيْرُ مُتَناهٍ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا.
وخامِسُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ مَعْلُومًا لَوْ كانَ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ ونِسْبَةٌ إلَيْهِ وانْتِسابُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ تَعَيُّنٌ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو نِسْبَةٌ، والشَّيْءُ المُشَخَّصُ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ لَمْ يَكُنْ مُشَخَّصًا البَتَّةَ، فاسْتَحالَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ، فَإنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذا بِالمُحالاتِ والمُرَكَّباتِ قَبْلَ دُخُولِها في الوُجُودِ، فَإنّا نَعْلَمُها وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها تَعَيُّناتٌ البَتَّةَ، قُلْنا: هَذا الَّذِي أوْرَدْتُمُوهُ نَقْضٌ عَلى كَلامِنا، ولَيْسَ جَوابًا عَنْ كَلامِنا، وذَلِكَ مِمّا لا يُزِيلُ الشَّكَّ والشُّبْهَةَ، قالَهِشامٌ: فَهَذِهِ الوُجُوهُ العَقْلِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى صَرْفِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها.
واعْلَمْ أنَّ هِشامًا كانَ رَئِيسَ الرّافِضَةِ، فَلِذَلِكَ ذَهَبَ قُدَماءُ الرَّوافِضِ إلى القَوْلِ بِالبَداءِ، أمّا الجُمْهُورُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ قَبْلَ وُقُوعِها، واحْتَجُّوا عَلَيْها بِأنَّها قَبْلَ وُقُوعِها تَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى إنَّما قُلْنا إنَّها تَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِأنّا نَعْلَمُها قَبْلَ وُقُوعِها فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ غَدًا تَطْلُعُ مِن مَشْرِقِها، والوُقُوعُ يَدُلُّ عَلى الإمْكانِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمّا صَحَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وجَبَ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالمَعْلُومِ أمْرٌ ثَبَتَ لَهُ لِذاتِهِ، فَلَيْسَ تَعَلُّقُهُ بِبَعْضِ ما يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ أوْلى مِن تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، فَلَوْ حَصَلَ التَّخْصِيصُ لافْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنَ المَعْلُوماتِ أصْلًا وإنْ تَعَلَّقَ بِالبَعْضِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّها وهو المَطْلُوبُ.
أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فالجَوابُ عَنْها أنَّ العِلْمَ بِالوُقُوعِ تَبَعٌ لِلْوُقُوعِ، والوُقُوعُ تَبَعٌ لِلْقُدْرَةِ، فالتّابِعُ لا يُنافِي المَتْبُوعَ، فالعِلْمُ لازِمٌ لا يُغْنِي عَنِ القُدْرَةِ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: فالجَوابُ عَنْها: أنَّها مَنقُوضَةٌ بِمَراتِبِ الأعْدادِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: فالجَوابُ عَنْها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ عَدَدَها، ولا يَلْزَمُ مِنهُ إثْباتُ الجَهْلِ، لِأنَّ الجَهْلَ هو أنْ يَكُونَ لَها عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ عَدَدَها، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ لَها في نَفْسِها عَدَدٌ، لَمْ
صفحة ٣٤
يَلْزَمْ مِن قَوْلِنا: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ عَدَدَها إثْباتُ الجَهْلِ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: فالجَوابُ عَنْها: أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ المَعْلُومِ أنْ يَعْلَمَ العِلْمُ تَمَيُّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، لِأنَّ العِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ الغَيْرِ، فَلَوْ كانَ تَوَقُّفُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى العِلْمِ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ مِن غَيْرِهِ يُوقَفُ عَلى العِلْمِ بِغَيْرِهِ، لَزِمَ أنْ لا يَعْلَمَ الإنْسانُ شَيْئًا واحِدًا إلّا إذا عَلِمَ أُمُورًا لا نِهايَةَ لَها.
وأمّا الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: فالجَوابُ عَنْها بِالنَّقْضِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإذا انْتَقَضَتِ الشُّبْهَةُ سَقَطَتْ، فَيَبْقى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ عالِمِيَّةِ اللَّهِ تَعالى سالِمًا عَنِ المُعارِضِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، فالضَّمِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى المَذْكُورِ لَفْظًا ومَعْنًى، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ لَفْظًا ومَعْنًى، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَفْظًا ومُتَأخِّرًا مَعْنًى، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِنهُ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَفْظًا ومَعْنًى فالمَهْشُورُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّي بِجَوازِهِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالشِّعْرِ والمَعْقُولِ، أمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ:
جَزى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ
وأمّا المَعْقُولُ فَلِأنَّ الفاعِلَ مُؤَثِّرٌ والمَفْعُولَ قابِلٌ وتَعَلُّقَ الفِعْلِ بِهِما شَدِيدٌ، فَلا يَبْعُدُ تَقْدِيمُ أيِّ واحِدٍ مِنهُما كانَ عَلى الآخَرِ في اللَّفْظِ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ قُدِّمَ المَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ في اللَّفْظِ فَإنَّهُ جائِزٌ، فَكَذا إذا لَمْ يُقَدَّمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ جائِزٌ.
القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَأخِّرًا لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذا لا نِزاعَ في صِحَّتِهِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ غُلامَهُ.
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى وهو كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ غُلامَهُ زَيْدٌ، فَهَهُنا الضَّمِيرُ وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُتَأخِّرٌ في المَعْنى، لِأنَّ المَنصُوبَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المَرْفُوعِ في التَّقْدِيرِ، فَيَصِيرُ كَأنَّكَ قُلْتَ: زَيْدٌ ضَرَبَ غُلامَهُ فَلا جَرَمَ كانَ جائِزًا.
القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى مُتَأخِّرًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ فَإنَّ المَرْفُوعَ مُقَدَّمٌ في المَعْنى عَلى المَنصُوبِ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وإذِ ابْتَلى رَبُّهُ إبْراهِيمَ، إلّا أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَذَلِكَ بِحَسَبِ المَعْنى لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا في اللَّفْظِ بَلْ كانَ مُتَأخِّرًا لا جَرَمَ كانَ جائِزًا حَسَنًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”إبْراهامَ“ بِألِفٍ بَيْنَ الهاءِ والمِيمِ، والباقُونَ ”إبْراهِيمَ“ وهُما لُغَتانِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”إبْراهِيمُ رَبَّهُ“ بِرَفْعِ إبْراهِيمَ ونَصْبِ رَبِّهِ، والمَعْنى أنَّهُ دَعاهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُّعاءِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ هَلْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِنَّ أمْ لا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ هَلْ يَدُلُّ عَلى تِلْكَ الكَلِماتِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْها وهي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى مِنَ الإمامَةِ وتَطْهِيرِ البَيْتِ ورَفْعِ قَواعِدِهِ والدُّعاءِ بِإبْعاثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أُمُورٌ شاقَّةٌ، أمّا الإمامَةُ فَلِأنَّ المُرادَ مِنها هَهُنا هو النُّبُوَّةُ، وهَذا التَّكْلِيفُ يَتَضَمَّنُ مَشاقَّ عَظِيمَةً، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَلْزَمُهُ أنْ يَتَحَمَّلَ جَمِيعَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وأنْ لا يَخُونَ في أداءِ شَيْءٍ مِنها، ولَوْ لَزِمَهُ القَتْلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَشاقِّ، ولِهَذا قُلْنا: إنَّ ثَوابَ النَّبِيِّ أعْظَمُ مِن ثَوابِ غَيْرِهِ، وأمّا بِناءُ البَيْتِ وتَطْهِيرُهُ ورَفْعُ قَواعِدِهِ، فَمَن وقَفَ عَلى ما رُوِيَ في كَيْفِيَّةِ بِنائِهِ عَرَفَ
صفحة ٣٥
شِدَّةَ البَلْوى فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إقامَةَ المَناسِكِ، وقَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالشَّيْطانِ في المَوْقِفِ لِرَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِهِ، وأمّا اشْتِغالُهُ بِالدُّعاءِ في أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ في آخِرِ الزَّمانِ، فَهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، وإزالَةُ الحَسَدِ عَنِ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: تَكالِيفُ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنِ ابْتِلاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِالكَلِماتِ هو ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِ العَطْفِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وقالَ: إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا، بَلْ قالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ لَيْسَ إلّا التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا القَوْلِ فَقالَ: هَذا إنَّما يَجُوزُ لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّها إبْراهِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا فَأتَمَّهُنَّ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى امْتَحَنَهُ بِالكَلِماتِ وأتَمَّها إبْراهِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الكَلِماتِ الإمامَةَ فَقَطْ، بَلِ الإمامَةَ وبِناءَ البَيْتِ وتَطْهِيرَهُ والدُّعاءَ في بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتَلاهُ بِأُمُورٍ عَلى الإجْمالِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ أتَمَّها، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ، وهَذا مِمّا لا بُعْدَ فِيهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى المُرادِ بِهَذِهِ الكَلِماتِ وهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: بِكَلِماتٍ كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِنَّ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ مِمّا شاءَ كَلَّفَهُ بِالأمْرِ بِها.
والوَجْهُ الثّانِي: بِكَلِماتٍ تَكُونُ مِن إبْراهِيمَ يُكَلِّمُ بِها قَوْمَهُ، أيْ يُبَلِّغُهم إيّاها، والقائِلُونَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ عَلى أقْوالٍ.
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عَشْرُ خِصالٍ كانَتْ فَرْضًا في شَرْعِهِ وهي سُنَّةٌ في شَرْعِنا، خَمْسٌ في الرَّأْسِ وخَمْسٌ في الجَسَدِ، أمّا الَّتِي في الرَّأْسِ: فالمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ وفَرْقُ الرَّأْسِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، وأمّا الَّتِي في البَدَنِ: فالخِتانُ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ.
وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: ابْتَلاهُ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً مِن خِصالِ الإسْلامِ، عَشْرٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرٌ مِنها في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرٌ مِنها في المُؤْمِنُونَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠] ورُوِيَ عَشْرٌ في: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ [المَعارِجِ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] فَجَعَلَها أرْبَعِينَ سَهْمًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: أمَرَهُ بِمَناسِكِ الحَجِّ، كالطَّوافِ والسَّعْيِ والرَّمْيِ والإحْرامِ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ.
ورابِعُها: ابْتَلاهُ بِسَبْعَةِ أشْياءَ: بِالشَّمْسِ، والقَمَرِ، والكَواكِبِ، والخِتانِ عَلى الكِبَرِ، والنّارِ، وذَبْحِ الوَلَدِ، والهِجْرَةِ، فَوَفّى بِالكُلِّ فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] عَنِ الحَسَنِ.
وخامِسُها: أنَّ المُرادَ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] .
وسادِسُها: المُناظَراتُ الكَثِيرَةُ في التَّوْحِيدِ مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ ومَعَ نَمْرُوذَ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ، وقَسْمُ الغَنائِمِ، والضِّيافَةُ، والصَّبْرُ عَلَيْها. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّ الِابْتِلاءَ يَتَناوَلُ إلْزامَ كُلِّ ما في فِعْلِهِ كُلْفَةٌ وشِدَّةٌ ومَشَقَّةٌ، فاللَّفْظُ يَتَناوَلُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ ويَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنها، فَلَوْ ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ في الكُلِّ وجَبَ القَوْلُ بِالكُلِّ، ولَوْ ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ
صفحة ٣٦
فِي البَعْضِ دُونَ البَعْضِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القاضِي: هَذا الِابْتِلاءُ إنَّما كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ قِيامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِنَّ كالسَّبَبِ لِأنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ إمامًا، والسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلى المُسَبَّبِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا الِابْتِلاءِ مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ عَلى صَيْرُورَتِهِ إمامًا وهَذا أيْضًا مُلائِمٌ لِقَضايا العُقُولِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَفاءَ مِن شَرائِطِ النُّبُوَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ مَلاذِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها وتَرْكِ المُداهَنَةِ مَعَ الخَلْقِ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، وتَحَمُّلِ الأذى مِن جَمِيعِ أصْنافِ الخَلْقِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المَعْنى مِن أعْظَمِ المَشاقِّ وأجَلِّ المَتاعِبِ، ولِهَذا السَّبَبِ يَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ أجْرًا مِن أُمَّتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى ابْتَلاهُ بِالتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَلَمّا وفّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها لا جَرَمَ أعْطاهُ خُلْعَةَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلّا مِنَ الوَحْيِ، فَلا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ الوَحْيِ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَلَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ جَعَلَهُ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إلى الخَلْقِ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المَسْألَةَ فَنَقُولُ قالَ القاضِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلِماتِ ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ مِن حَدِيثِ الكَوْكَبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أمّا ذَبْحُ الوَلَدِ والهِجْرَةُ والنّارُ فَكُلُّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وكَذا الخِتانُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُرْوى أنَّهُ خَتَنَ نَفْسَهُ وكانَ سِنُّهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ قالَ: فَإنْ قامَتِ الدَّلالَةُ السَّمْعِيَّةُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكَلِماتِ هَذِهِ الأشْياءُ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (أتَمَّهُنَّ) أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يُتِمُّهُنَّ ويَقُومُ بِهِنَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَلا جَرَمَ أعْطاهُ خُلْعَةَ الإمامَةِ والنُّبُوَّةِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ في إحْدى القِراءَتَيْنِ لِإبْراهِيمَ بِمَعْنى فَقامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ، وأدّاهُنَّ أحْسَنَ التَّأْدِيَةِ، مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ وتَوانٍ. ونَحْوُهُ: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧ ] وفي الأُخْرى لِلَّهِ تَعالى بِمَعْنى: فَأعْطاهُ ما طَلَبَهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فالإمامُ اسْمُ مَن يُؤْتَمُّ بِهِ كالإزارِ لِما يُؤْتَزَرُ بِهِ، أيْ يَأْتَمُّونَ بِكَ في دِينِكَ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: المُرادُ مِنَ الإمامِ هَهُنا النَّبِيُّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلنّاسِ إمامًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ إمامًا لِكُلِّ النّاسِ والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَبَعًا لِرَسُولٍ آخَرَ لَكانَ مَأْمُومًا لِذَلِكَ الرَّسُولِ لا إمامًا لَهُ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ العُمُومُ.
وثانِيها: أنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إمامٌ في كُلِّ شَيْءِ والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
وثالِثُها: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أئِمَّةٌ مِن حَيْثُ يَجِبُ عَلى الخَلْقِ اتِّباعُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] والخُلَفاءُ أيْضًا أئِمَّةٌ لِأنَّهم رَتَّبُوا في المَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ عَلى النّاسِ اتِّباعُهم وقَبُولُ قَوْلِهِمْ وأحْكامِهِمْ والقُضاةُ والفُقَهاءُ أيْضًا أئِمَّةٌ لِهَذا المَعْنى، والَّذِي يُصَلِّي بِالنّاسِ يُسَمّى أيْضًا إمامًا لِأنَّ مَن دَخَلَ في صَلاتِهِ لَزِمَهُ الِائْتِمامُ بِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا ولا تَخْتَلِفُوا عَلى إمامِكم» “ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اسْمَ الإمامِ لِمَنِ اسْتَحَقَّ الِاقْتِداءَ بِهِ في الدِّينِ وقَدْ يُسَمّى بِذَلِكَ أيْضًا مَن يُؤْتَمُّ بِهِ في الباطِلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القَصَصِ: ٤١] إلّا أنَّ
صفحة ٣٧
اسْمَ الإمامِ لا يَتَناوَلُهُ عَلى الإطْلاقِ بَلْ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إلّا مُقَيَّدًا، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أئِمَّةَ الضَّلالِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ كَما أنَّ اسْمَ الإلَهِ لا يَتَناوَلُ إلّا المَعْبُودَ الحَقَّ، فَأمّا المَعْبُودُ الباطِلُ فَإنَّما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإلَهِ مَعَ القَيْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] إذا ثَبَتَ أنَّ اسْمَ الإمامِ يَتَناوَلُ ما ذَكَرْناهُ، وثَبَتَ أنَّ الأنْبِياءَ في أعْلى مَراتِبِ الإمامَةِ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ هَهُنا عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ الإمامِ هَهُنا في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ لِيَحْسُنَ نِسْبَةُ الِامْتِنانِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الإمامَةِ عَلى النُّبُوَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ إمامًا لِلنّاسِ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الوَعْدَ فِيهِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَإنَّ أهْلَ الأدْيانِ عَلى شَدَّةِ اخْتِلافِها ونِهايَةِ تَنافِيها يُعَظِّمُونَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَتَشَرَّفُونَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ إمّا في النَّسَبِ وإمّا في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ حَتّى إنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُعَظِّمِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وقالَ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠] وقالَ في آخِرِ سُورَةِ الحَجِّ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] وجَمِيعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُونَ في آخِرِ الصَّلاةِ: وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ وتَرَحَّمْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الإمامَ لا يَصِيرُ إمامًا إلّا بِالنَّصِّ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما صارَ إمامًا بِسَبَبِ التَّنْصِيصِ عَلى إمامَتِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَبَيَّنَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مَنصِبُ الخِلافَةِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالإمامَةِ هَهُنا النُّبُوَّةُ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنها مُطْلَقُ الإمامَةِ لَكِنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصَّ طَرِيقُ الإمامَةِ وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ، إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ هَلْ تَثْبُتُ الإمامَةُ بِغَيْرِ النَّصِّ، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ تَعَرُّضٌ لِهَذِهِ المَسْألَةِ لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعْصُومًا عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِأنَّ الإمامَ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ ويُقْتَدى، فَلَوْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ مِنهُ لَوَجَبَ عَلَيْنا الِاقْتِداءُ بِهِ في ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا فِعْلُ المَعْصِيَةِ وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَهُ مَعْصِيَةً عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِن فِعْلِهِ وكَوْنَهُ واجِبًا عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِن تَرْكِهِ والجَمِيعُ مُحالٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الذُّرِّيَّةُ: الأوْلادُ وأوْلادُ الأوْلادِ لِلرَّجُلِ وهو مِن ذَرْءِ اللَّهِ الخَلْقَ وتَرَكُوا هَمْزَها لِلْخِفَّةِ كَما تَرَكُوا في البَرِّيَّةِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ تَكُونَ مَنسُوبَةً إلى الذَّرِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ عَلى الكافِ كَأنَّهُ قالَ: وجاعِلُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي كَما يُقالُ لَكَ: سَأُكْرِمُكَ، فَتَقُولُ: وزَيْدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ فَأرادَ أنْ يَعْلَمَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ في كُلِّهِمْ أوْ في بَعْضِهِمْ وهَلْ يَصْلُحُ جَمِيعُهم لِهَذا الأمْرِ ؟ فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ ظالِمًا لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وقالَ
صفحة ٣٨
آخَرُونَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلامِ ولَمّا لَمْ يَعْلَمْ عَلى وجْهِ المَسْألَةِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى صَرِيحًا بِأنَّ النُّبُوَّةَ لا تَنالُ الظّالِمِينَ مِنهم، فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْذُونًا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ ؟ فَإنْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى في هَذا الدُّعاءِ فَلِمَ رَدَّ دُعاءَهُ ؟ وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا، قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ أئِمَّةً لِلنّاسِ، وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى إجابَةَ دُعائِهِ في المُؤْمِنِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ كَإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وجَعَلَ آخِرَهم مُحَمَّدًا ﷺ مِن ذُرِّيَّتِهِ الَّذِي هو أفْضَلُ الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿عَهْدِي﴾ بِإسْكانِ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وقَرَأ بَعْضُهم ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مَن كانَ ظالِمًا مِن ذُرِّيَّتِكَ فَإنَّهُ لا يَنالُ عَهْدِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في العَهْدِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ هَذا العَهْدَ هو الإمامَةُ المَذْكُورَةُ فِيما قَبْلُ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِن تِلْكَ الإمامَةِ هو النُّبُوَّةَ فَكَذا وإلّا فَلا.
وثانِيها: ﴿عَهْدِي﴾ أيْ رَحْمَتِي عَنْ عَطاءٍ.
وثالِثُها: طاعَتِي عَنِ الضَّحّاكِ.
ورابِعُها: أمانِي عَنْ أبِي عُبَيْدٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ طَلَبٌ لِتِلْكَ الإمامَةِ الَّتِي وعَدَهُ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ لا يَكُونُ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ إلّا إذا كانَ المُرادُ بِهَذا العَهْدِ تِلْكَ الإمامَةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيُعْطِي بَعْضَ ولَدِهِ ما سَألَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ الجَوابُ: لا، أوْ يَقُولُ: لا يَنالُ عَهْدِي ذُرِّيَّتَكَ، فَإنْ قِيلَ: أفَما كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِأنَّ النُّبُوَّةَ لا تَلِيقُ بِالظّالِمِينَ ؟ قُلْنا: بَلى، ولَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ حالَ ذُرِّيَّتِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ مَن هَذا حالُهُ وأنَّ النُّبُوَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن لَيْسَ بِظالِمٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الرَّوافِضُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَدْحِ في إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا كافِرَيْنِ، فَقَدْ كانا حالَ كُفْرِهِما ظالِمَيْنِ فَوَجَبَ أنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِما في تِلْكَ الحالَةِ أنَّهُما لا يَنالانِ عَهْدَ الإمامَةِ البَتَّةَ، وإذا صَدَقَ عَلَيْهِما في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُما لا يَنالانِ عَهْدَ الإمامَةِ البَتَّةَ ولا في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ ثَبَتَ أنَّهُما لا يَصْلُحانِ لِلْإمامَةِ.
الثّانِي: أنَّ مَن كانَ مُذْنِبًا في الباطِنِ كانَ مِنَ الظّالِمِينَ، فَإذَنْ ما لَمْ يَعْرِفْ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ ما كانا مِنَ الظّالِمِينَ المُذْنِبِينَ ظاهِرًا وباطِنًا وجَبَ أنْ لا يَحْكُمَ بِإمامَتِهِما وذَلِكَ إنَّما يَثْبُتُ في حَقِّ مَن تَثْبُتُ عِصْمَتُهُ ولَمّا لَمْ يَكُونا مَعْصُومَيْنِ بِالِاتِّفاقِ وجَبَ أنْ لا تَتَحَقَّقَ إمامَتُهُما البَتَّةَ.
الثّالِثُ: قالُوا: كانا مُشْرِكَيْنِ، وكُلُّ مُشْرِكٍ ظالِمٌ والظّالِمُ لا يَنالُهُ عَهْدُ الإمامَةِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يَنالَهُما عَهْدُ الإمامَةِ، أمّا أنَّهُما كانا مُشْرِكَيْنِ فَبِالِاتِّفاقِ، وأمّا أنَّ المُشْرِكَ ظالِمٌ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] وأمّا أنَّ الظّالِمَ لا يَنالُهُ عَهْدُ الإمامَةِ فَلِهَذِهِ الآيَةِ، لا يُقالُ إنَّهُما كانا ظالِمَيْنِ حالَ كُفْرِهِما، فَبَعْدَ زَوالِ الكُفْرِ لا يَبْقى هَذا الِاسْمُ لِأنّا نَقُولُ الظّالِمُ مَن وُجِدَ مِنهُ الظُّلْمُ، وقَوْلُنا: وُجِدَ مِنهُ الظُّلْمُ أعَمُّ مِن قَوْلِنا وُجِدَ
صفحة ٣٩
مِنهُ الظُّلْمُ في الماضِي أوْ في الحالِ بِدَلِيلِ أنَّ هَذا المَفْهُومَ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ بِالتَّقْسِيمِ بِالقِسْمَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وما كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ القِسْمَيْنِ يَلْزَمُ انْتِفاؤُهُ لِانْتِفاءِ أحَدِ القِسْمَيْنِ، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ ظالِمًا في الحالِ نَفْيُ كَوْنِهِ ظالِمًا والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى الدَّلائِلِ الشَّرْعِيَّةِ أنَّ النّائِمَ يُسَمّى مُؤْمِنًا والإيمانُ هو التَّصْدِيقُ والتَّصْدِيقُ غَيْرُ حاصِلٍ حالَ كَوْنِهِ نائِمًا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يُسَمّى مُؤْمِنًا لِأنَّ الإيمانَ كانَ حاصِلًا قَبْلُ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لِظُلْمٍ وُجِدَ مِن قَبْلُ، وأيْضًا فالكَلامُ عِبارَةٌ عَنْ حُرُوفٍ مُتَوالِيَةٍ، والمَشْيُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولاتٍ مُتَوالِيَةٍ في أحْيازٍ مُتَعاقِبَةٍ، فَمَجْمُوعُ تِلْكَ الأشْياءِ البَتَّةَ لا وُجُودَ لَها، فَلَوْ كانَ حُصُولُ المُشْتَقِّ مِنهُ شَرْطًا في كَوْنِ الِاسْمِ المُشْتَقِّ حَقِيقَةً وجَبَ أنْ يَكُونَ اسْمُ المُتَكَلِّمِ والماشِي وأمْثالِهِما حَقِيقَةً في شَيْءٍ أصْلًا، وأنَّهُ باطِلٌ قَطْعًا فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُصُولَ المُشْتَقِّ مِنهُ لَيْسَ شَرْطًا لِكَوْنِ الِاسْمِ المُشْتَقِّ حَقِيقَةً.
والجَوابُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مُعارَضٌ، بِما أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يُسَلِّمُ عَلى كافِرٍ فَسَلَّمَ عَلى إنْسانٍ مُؤْمِنٍ في الحالِ إلّا أنَّهُ كانَ كافِرًا قَبْلُ بِسِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ فَإنَّهُ لا يَحْنَثُ، فَدَلَّ عَلى ما قُلْناهُ، ولِأنَّ التّائِبَ عَنِ الكُفْرِ لا يُسَمّى كافِرًا والتّائِبَ عَنِ المَعْصِيَةِ لا يُسَمّى عاصِيًا، فَكَذا القَوْلُ في نَظائِرِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هُودٍ: ١١٣] فَإنَّهُ نَهى عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ حالَ إقامَتِهِمْ عَلى الظُّلْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] مَعْناهُ: ما أقامُوا عَلى الإحْسانِ، عَلى أنّا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنَ الإمامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: النُّبُوَّةُ، فَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ: الفاسِقُ حالَ فِسْقِهِ لا يَجُوزُ عَقْدُ الإمامَةِ لَهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الفِسْقَ الطّارِئَ هَلْ يُبْطِلُ الإمامَةَ أمْ لا ؟ واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ أنْ تُعْقَدَ لَهُ الإمامَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ طَلَبٌ لِلْإمامَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَهْدِ هو الإمامَةُ، لِيَكُونَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ، فَتَصِيرُ الآيَةُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا يَنالُ الإمامَةُ الظّالِمِينَ، وكُلُّ عاصٍ فَإنَّهُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى ما قُلْناهُ، فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ ظاهِرًا وباطِنًا ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأئِمَّةِ والقُضاةِ، قُلْنا: أمّا الشِّيعَةُ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في وُجُوبِ العِصْمَةِ ظاهِرًا وباطِنًا، وأمّا نَحْنُ فَنَقُولُ: مُقْتَضى الآيَةِ ذَلِكَ، إلّا أنّا تَرَكْنا اعْتِبارَ الباطِنِ فَتَبْقى العَدالَةُ الظّاهِرَةُ مُعْتَبَرَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨٧] وقالَ آدَمُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] قُلْنا: المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الظُّلْمُ المُطْلَقُ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ في آدَمَ ويُونُسَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ العَهْدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في كِتابِ اللَّهِ بِمَعْنى الأمْرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] يَعْنِي ألَمْ آمُرْكم بِهَذا، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] يَعْنِي أمَرَنا، ومِنهُ عُهُودُ الخُلَفاءِ إلى أُمَرائِهِمْ وقُضاتِهِمْ إذا ثَبَتَ أنَّ عَهْدَ اللَّهِ هو أمْرُهُ فَنَقُولُ: لا يَخْلُو قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ مِن أنْ يُرِيدَ أنَّ الظّالِمِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ، وأنَّ الظّالِمِينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا بِمَحَلِّ مَن يُقْبَلُ مِنهم أوامِرُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا بَطَلَ الوَجْهُ الأوَّلُ لِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٤٠
لازِمَةٌ لِلظّالِمِينَ كَلُزُومِها لِغَيْرِهِمْ ثَبْتَ الوَجْهُ الآخَرُ، وهو أنَّهم غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلى أوامِرِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُقْتَدًى بِهِمْ فِيها فَلا يَكُونُونَ أئِمَّةً في الدِّينِ، فَثَبَتَ بِدَلالَةِ الآيَةِ بُطْلانُ إمامَةِ الفاسِقِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» “ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَكُونُ حاكِمًا، وأنَّ أحْكامَهُ لا تُنَفَّذُ إذا ولِيَ الحُكْمَ، وكَذَلِكَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ ولا خَبَرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا فُتْياهُ إذا أفْتى، ولا يُقَدَّمُ لِلصَّلاةِ وإنْ كانَ هو بِحَيْثُ لَوِ اقْتُدِيَ بِهِ فَإنَّهُ لا تَفْسُدُ صَلاتُهُ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الفاسِقِ إمامًا وخَلِيفَةً، ولا يَجُوزُ كَوْنُ الفاسِقِ قاضِيًا، قالَ: وهَذا خَطَأٌ، ولَمْ يُفَرِّقْ أبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الخَلِيفَةِ والحاكِمِ في أنَّ شَرْطَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما العَدالَةُ، وكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً ورِوايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وأحْكامُهُ غَيْرُ نافِذَةٍ، وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلى أبِي حَنِيفَةَ وقَدْ أكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ في أيّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى القَضاءِ، وضَرَبَهُ فامْتَنَعَ مِن ذَلِكَ فَحُبِسَ، فَلَحَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أسْواطًا، فَلَمّا خِيفَ عَلَيْهِ، قالَ لَهُ الفُقَهاءُ: تَوَلَّ لَهُ شَيْئًا مِن عَمَلِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ حَتّى يَزُولَ عَنْكَ الضَّرْبُ، فَتَوَلّى لَهُ عَدَّ أحْمالِ التِّبْنِ الَّتِي تَدْخُلُ فَخَلّاهُ، ثُمَّ دَعاهُ المَنصُورُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ حَتّى عَدَّ لَهُ اللَّبِنَ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ المَنصُورِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ وقِصَّتُهُ في أمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ، وفي حَمْلِهِ المالَ إلَيْهِ وفُتْياهُ النّاسَ سِرًّا في وُجُوبِ نُصْرَتِهِ والقِتالِ مَعَهُ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ، قالَ: وإنَّما غَلِطَ مَن غَلِطَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ القاضِيَ إذا كانَ عَدْلًا في نَفْسِهِ، وتَوَلّى القَضاءَ مِن إمامٍ جائِرٍ فَإنَّ أحْكامَهُ نافِذَةٌ، والصَّلاةَ خَلْفَهُ جائِزَةٌ، لِأنَّ القاضِيَ إذا كانَ عَدْلًا في نَفْسِهِ ويُمْكِنُهُ تَنْفِيذُ الأحْكامِ كانَتْ أحْكامُهُ نافِذَةً، فَلا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِمَن ولّاهُ، لِأنَّ الَّذِي ولّاهُ بِمَنزِلَةِ سائِرِ أعْوانِهِ، ولَيْسَ شَرْطُ أعْوانِ القاضِي أنْ يَكُونُوا عُدُولًا ألا تَرى أنَّ أهْلَ بَلَدٍ لا سُلْطانَ عَلَيْهِمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى الرِّضا بِتَوْلِيَةِ رَجُلٍ عَدْلٍ مِنهُمُ القَضاءَ حَتّى يَكُونُوا أعْوانًا لَهُ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ أحْكامِهِ لَكانَ قَضاؤُهُ نافِذًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلايَةٌ مِن جِهَةِ إمامٍ ولا سُلْطانٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَهْدِ: الإمامَةُ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ إمامٌ، فَإنَّ الإمامَ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، والنَّبِيُّ أوْلى النّاسِ، وإذا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإمامَ لا يَكُونُ فاسِقًا، فَبِأنْ تَدُلَّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاسِقًا فاعِلًا لِلذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ أوْلى.
الثّانِي: قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَهَذا العَهْدُ إنْ كانَ هو النُّبُوَّةَ؛ وجَبَ أنْ تَكُونَ لا يَنالُها أحَدٌ مِنَ الظّالِمِينَ وإنْ كانَ هو الإمامَةَ، فَكَذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمامًا يُؤْتَمُّ بِهِ، وكُلُّ فاسِقٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ النُّبُوَّةُ لِأحَدٍ مِنَ الفاسِقِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ لَهُ مَعَكَ عَهْدًا، ولَكَ مَعَهُ عَهْدًا، وبَيَّنَ أنَّكَ مَتى تَفِي بِعَهْدِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَفِي أيْضًا بِعَهْدِهِ فَقالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] ثُمَّ في سائِرِ الآياتِ فَإنَّهُ أفْرَدَ عَهْدَكَ بِالذِّكْرِ، وأفْرَدَ عَهْدَ نَفْسِهِ أيْضًا بِالذِّكْرِ، أمّا عَهْدُكَ فَقالَ فِيهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] وقالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٨] وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائِدَةِ: ١] وقالَ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٣ ] وأمّا عَهْدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ فِيهِ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ إلى أبِينا آدَمَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ إلَيْنا فَقالَ:
صفحة ٤١
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عَهْدَهُ لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ فَقالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَهَذِهِ المُبالَغَةُ الشَّدِيدَةُ في هَذِهِ المُعاهَدَةِ تَقْتَضِي البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ فَنَقُولُ: العَهْدُ المَأْخُوذُ عَلَيْكَ لَيْسَ إلّا عَهْدَ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، والعَهْدُ الَّذِي التَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جِهَتِهِ لَيْسَ إلّا عَهْدَ الرَّحْمَةِ والرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ في حالِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ لَمْ يَجِدْ مِن نَفْسِهِ إلّا نَقْضَ هَذا العَهْدِ، ومِن رَبِّهِ إلّا الوَفاءَ بِالعَهْدِ، فَلْنَشْرَعْ في مَعاقِدِ هَذا البابِ فَنَقُولُ: أوَّلُ إنْعامِهِ عَلَيْكَ إنْعامُ الخَلْقِ والإيجادِ والإحْياءِ وإعْطاءِ العَقْلِ والآلَةِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ اشْتِغالُكَ بِالطّاعَةِ والخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ عَلى ما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] ونَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ هَذا الخَلْقُ والإيجادُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ العَبَثِ فَقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] وقالَ أيْضًا: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] وقالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٥] ثُمَّ بَيَّنَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ ما هو الحِكْمَةُ في الخَلْقِ والإيجادِ فَقالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَهو سُبْحانَهُ وفّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ خَلَقَكَ وأحْياكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وجَعَلَكَ عاقِلًا مُمَيِّزًا فَإذا لَمْ تَشْتَغِلْ بِخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ فَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَ عُبُودِيَّتِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وفّى بِعَهْدِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وثانِيها: أنَّ عَهْدَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي إعْطاءَ التَّوْفِيقِ والهِدايَةِ وعَهْدَ العُبُودِيَّةِ مِنكَ يَقْتَضِي الجِدَّ والِاجْتِهادَ في العَمَلِ، ثُمَّ إنَّهُ وفّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّهُ ما تَرَكَ ذَرَّةً مِنَ الذَّرّاتِ إلّا وجَعَلَها هادِيَةً لَكَ إلى سَبِيلِ الحَقِّ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ٤٤] وأنْتَ ما وفَّيْتَ البَتَّةَ بِعَهْدِ الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالإيمانِ أعْظَمُ النِّعَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَوْ فاتَتْكَ لَكُنْتَ أشْقى الأشْقِياءِ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، ثُمَّ هَذِهِ النِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٥٣] ثُمَّ مَعَ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنهُ فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ عَلَيْها وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٩] فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى يَشْكُرُكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ فَبِأنْ تَشْكُرَهُ عَلى ما أعْطى مِنَ التَّوْفِيقِ والهِدايَةِ كانَ أوْلى، ثُمَّ إنَّكَ ما أتَيْتَ إلّا بِالكُفْرانِ عَلى ما قالَ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عَبَسَ: ١٧] فَهو تَعالى وفّى بِعَهْدِهِ، وأنْتَ نَقَضْتَ عَهْدَكَ.
ورابِعُها: أنْ تُنْفَقَ نِعَمُهُ في سَبِيلِ مَرْضاتِهِ، فَعَهْدُهُ مَعَكَ أنْ يُعْطِيَكَ أصْنافَ النِّعَمِ وقَدْ فَعَلَ وعَهْدُكَ مَعَهُ أنْ تَصْرِفَ نِعَمَهُ في سَبِيلِ مَرْضاتِهِ وأنْتَ ما فَعَلْتَ ذَلِكَ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٧، ٦] .
وخامِسُها: أنْعَمَ عَلَيْكَ بِأنْواعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ مُحْسِنًا إلى الفُقَراءِ: ﴿وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] ثُمَّ إنَّكَ تَوَسَّلْتَ بِهِ إلى إيذاءِ النّاسِ وإيحاشِهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النِّساءِ: ٣٧] .
وسادِسُها: أعْطاكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ لِتَكُونَ مُقْبِلًا عَلى حَمْدِهِ وأنْتَ تَحْمَدُ غَيْرَهُ فانْظُرْ إلى السُّلْطانِ العَظِيمِ لَوْ أنْعَمَ عَلَيْكَ بِخُلْعَةٍ نَفِيسَةٍ، ثُمَّ إنَّكَ في حَضْرَتِهِ تُعْرِضُ عَنْهُ وتَبْقى مَشْغُولًا بِخِدْمَةِ بَعْضِ الأسْقاطِ كَيْفَ تَسْتَوْجِبُ الأدَبَ والمَقْتَ فَكَذا هَهُنا، واعْلَمْ أنّا لَوِ اشْتَغَلْنا بِشَرْحِ كَيْفِيَّةِ وفائِهِ سُبْحانَهُ بِعَهْدِ الإحْسانِ والرُّبُوبِيَّةِ
صفحة ٤٢
وكَيْفِيَّةِ نَقْضِنا لِعَهْدِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ لَما قَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَإنّا مِن أوَّلِ الحَياةِ إلى آخِرِها ما صِرْنا مُنْفَكِّينَ لَحْظَةً واحِدَةً مِن أنْواعِ نِعَمِهِ عَلى ظاهِرِنا وباطِنِنا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ تَسْتَدْعِي شُكْرًا عَلى حِدَةٍ وخِدْمَةً عَلى حِدَةٍ، ثُمَّ إنّا ما أتَيْنا بِها بَلْ ما تَنَبَّهْنا لَها وما عَرَفْنا كَيْفِيَّتَها وكَمِّيَّتَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى تَزايُدِ غَفْلَتِنا وتَقْصِيرِنا يَزِيدُ في أنْواعِ النِّعَمِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، فَكُنّا مِن أوَّلِ عُمْرِنا إلى آخِرِهِ لا نَزالُ نَتَزايَدُ في دَرَجاتِ النُّقْصانِ والتَّقْصِيرِ واسْتِحْقاقِ الذَّمِّ، وهو سُبْحانَهُ لا يَزالُ يَزِيدُ في الإحْسانِ واللُّطْفِ والكَرَمِ، واسْتِحْقاقِ الحَمْدِ والثَّناءِ فَإنَّهُ كُلَّما كانَ تَقْصِيرُنا أشَدَّ كانَ إنْعامُهُ عَلَيْنا بَعْدَ ذَلِكَ أعْظَمَ وقْعًا وكُلَّما كانَ إنْعامُهُ عَلَيْنا أكْثَرَ وقْعًا، كانَ تَقْصِيرُنا في شُكْرِهِ أقْبَحَ وأسْوَأ، فَلا تَزالُ أفْعالُنا تَزْدادُ قَبائِحَ ومَحاسِنُ أفْعالِهِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ بِحَيْثُ لا تُفْضِي إلى الِانْقِطاعِ ثُمَّ إنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ لَكُنّا نَقُولُ: إلَهَنا صَدَرَ مِنكَ ما يَلِيقُ بِكَ مِنَ الكَرَمِ والعَفْوِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ وصَدَرَ مِنّا ما يَلِيقُ بِنا مِنَ الجَهْلِ والغَدْرِ والتَّقْصِيرِ والكَسَلِ فَنَسْألُكَ بِكَ وبِفَضْلِكَ العَمِيمِ أنْ تَتَجاوَزَ عَنّا يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
البقرة 2:125
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَلَّفَهُ بِالإمامَةِ، وهَذا شَرْحُ التَّكْلِيفِ الثّانِي، وهو التَّكْلِيفُ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا البَيْتُ فَإنَّهُ يُرِيدُ البَيْتَ الحَرامَ، واكْتَفى بِذِكْرِ البَيْتِ مُطْلَقًا لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ، إذا كانَتا تَدْخُلانِ لِتَعْرِيفِ المَعْهُودِ أوِ الجِنْسِ، وقَدْ عَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الجِنْسَ فانْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ عِنْدَهم وهو الكَعْبَةُ، ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ نَفْسَ الكَعْبَةِ، لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ ”أمْنًا“ وهَذا صِفَةُ جَمِيعِ الحَرَمِ لا صِفَةُ الكَعْبَةِ فَقَطْ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ البَيْتِ والمُرادُ مِنهُ كُلُّ الحَرَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] والمُرادُ الحَرَمُ كُلُّهُ لا الكَعْبَةُ نَفْسُها، لِأنَّهُ لا يُذْبَحُ في الكَعْبَةِ، ولا في المَسْجِدِ الحَرامِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨]، والمُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ مَنعُهم مِنَ الحَجِّ حُضُورَ مَواضِعِ النُّسُكِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى مُخْبِرًا عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ وصَفَ البَيْتَ بِالأمْنِ فاقْتَضى جَمِيعَ الحَرَمِ، والسَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ لَفْظَ البَيْتِ وعَنى بِهِ الحَرَمَ كُلَّهُ أنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ لَمّا كانَتْ بِالبَيْتِ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ البَيْتِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابَةً وثَوْبًا إذا رَجَعَ يُقالُ: ثابَ الماءُ إذا رَجَعَ إلى النَّهْرِ بَعْدَ انْقِطاعِهِ، وثابَ إلى فُلانٍ عَقْلُهُ أيْ رَجَعَ وتَفَرَّقَ عَنْهُ النّاسُ، ثُمَّ ثابُوا: أيْ عادُوا مُجْتَمِعِينَ، والثَّوابُ مِن
صفحة ٤٣
هَذا أُخِذَ، كَأنَّ ما أخْرَجَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ فَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ، والمَثابُ مِنَ البِئْرِ: مُجْتَمَعُ الماءِ في أسْفَلِها، قالَ القَفّالُ قِيلَ: إنَّ مَثابًا ومَثابَةً لُغَتانِ مِثْلُ: مَقامٍ ومَقامَةٍ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: الهاءُ إنَّما دَخَلَتْ في مَثابَةٍ مُبالَغَةً كَما في قَوْلِهِمْ: نَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ، وأصْلُ مَثابَةٍ مَثُوبَةٌ [عَلى وزْنِ] مَفْعُلَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنَّهم يَثُوبُونَ إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا وهو يَتَمَنّى العَوْدَ إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٧] وقِيلَ: مَثابَةً أيْ يَحُجُّونَ إلَيْهِ فَيُثابُونَ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ البَيْتِ مَثابَةً يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ عَوْدِهِمْ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ لا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا فَفِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى فَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَمَعْناهُ أنَّهُ تَعالى ألْقى تَعْظِيمَهُ في القُلُوبِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى العَوْدِ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وإنَّما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أهْلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَجْتَمِعُونَ هُناكَ، فَيَحْصُلُ هُناكَ مِنَ التِّجاراتِ وضُرُوبِ المَكاسِبِ ما يَعْظُمُ بِهِ النَّفْعُ، وأيْضًا فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ السَّفَرِ إلى الحَجِّ عِمارَةُ الطَّرِيقِ والبِلادِ، ومُشاهَدَةُ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ في الدُّنْيا.
وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فَلِأنَّ مَن قَصَدَ البَيْتَ رَغْبَةً مِنهُ في النُّسُكِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ لَهُ، والمُواظَبَةِ عَلى العُمْرَةِ والطَّوافِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ في ذَلِكَ المَسْجِدِ المُكَرَّمِ والِاعْتِكافِ فِيهِ، يَسْتَوْجِبُ بِذَلِكَ ثَوابًا عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُ أصْحابِنا في وُجُوبِ العُمْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ إخْبارٌ عَنْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ كَوْنِهِ مَثابَةً لِلنّاسِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ إجْراءُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى لِأنَّ كَوْنَهُ مَثابَةً لِلنّاسِ صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِ النّاسِ، وما يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِ النّاسِ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالجَبْرِ والإلْجاءِ، وإذا ثَبَتَ تَعَذُّرُ إجْراءِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ لِأنّا مَتى حَمَلْناهُ عَلى الوُجُوبِ كانَ ذَلِكَ أفْضى إلى صَيْرُورَتِهِ كَذَلِكَ مِمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى النَّدْبِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْنا العَوْدَ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقَدْ تَوافَقْنا عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ فِيما سِوى الطَّوافِ، فَوَجَبَ تَحَقُّقُهُ في الطَّوافِ، هَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأكْثَرُ مَن تَكَلَّمَ في أحْكامِ القُرْآنِ طَعَنَ في دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا دَلالَتَها عَلَيْهِ مِن هَذا الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّاهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْنًا﴾ أيْ مَوْضِعَ أمْنٍ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ خَبَرٌ، فَتارَةً نَتْرُكُهُ عَلى ظاهِرِهِ ونَقُولُ إنَّهُ خَبَرٌ، وتارَةً نَصْرِفُهُ عَنْ ظاهِرِهِ ونَقُولُ إنَّهُ أمْرٌ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أهْلَ الحَرَمِ آمِنِينَ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ عَلى ما قالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القَصَصِ: ٥٧] ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإخْبارَ عَنْ عَدَمِ وُقُوعِ القَتْلِ في الحَرَمِ، لِأنّا نُشاهِدُ أنَّ القَتْلَ الحَرامَ قَدْ يَقَعُ فِيهِ، وأيْضًا فالقَتْلُ المُباحُ قَدْ يُوجَدُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩١] فَأخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ القَتْلِ فِيهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الأمْرِ عَلى سَبِيلِ التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ النّاسَ بِأنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ أمْنًا مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ، فَكانَ البَيْتُ مُحْتَرَمًا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ مُتَمَسِّكِينَ
صفحة ٤٤
بِتَحْرِيمِهِ، لا يَهِيجُونَ عَلى أحَدٍ التَجَأ إلَيْهِ، وكانُوا يُسَمُّونَ قُرَيْشًا: أهْلَ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ، ثُمَّ اعْتُبِرَ فِيهِ أمْرُ الصَّيْدِ حَتّى أنَّ الكَلْبَ لَيَهُمُّ بِالظَّبْيِ خارِجَ الحَرَمِ فَيَفِرُّ الظَّبْيُ فَيَتْبَعُهُ الكَلْبُ فَإذا دَخَلَ الظَّبْيُ الحَرَمَ لَمْ يَتْبَعْهُ الكَلْبُ، ورُوِيَتِ الأخْبارُ في تَحْرِيمِ مَكَّةَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنَّها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها كَما كانَتْ» “، فَذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى أنَّ المَعْنى: أنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ بِأنْ يَنْصُبَ الحَرْبَ عَلَيْها وأنَّ ذَلِكَ أُحِلَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمّا مَن دَخَلَ البَيْتَ مِنَ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الحُدُودُ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ الإمامَ يَأْمُرُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِهِ مِنَ الحَرَمِ، فَإذا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحِلِّ، فَإنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتّى قُتِلَ في الحَرَمِ جازَ، وكَذَلِكَ مَن قاتَلَ في الحَرَمِ جازَ قَتْلُهُ فِيهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ عِنْدَما قُتِلَ عاصِمُ بْنُ ثابِتِ بْنِ الأفْلَحِ وخُبَيْبٌ بِقَتْلِ أبِي سُفْيانَ في دارِهِ بِمَكَّةَ غِيلَةً إنْ قُدِرَ عَلَيْهِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وهَذا في الوَقْتِ الَّذِي كانَتْ مَكَّةُ فِيهِ مُحَرَّمَةً فَدَلَّ أنَّها لا تَمْنَعُ أحَدًا مِن شَيْءٍ وجَبَ عَلَيْهِ وأنَّها إنَّما تُمْنَعُ مِن أنْ يُنْصَبَ الحَرْبُ عَلَيْها كَما يُنْصَبُ عَلى غَيْرِها، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأمْنًا﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ جَعَلَهُ أمْنًا فِيماذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أمْنًا مِنَ القَحْطِ، وأنْ يَكُونَ أمْنًا مِن نَصْبِ الحُرُوبِ، وأنْ يَكُونَ أمْنًا مِن إقامَةِ الحُدُودِ، ولَيْسَ اللَّفْظُ مِن بابِ العُمُومِ حَتّى يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ، بَلْ حَمْلُهُ عَلى الأمْنِ مِنَ القَحْطِ والآفاتِ أوْلى لِأنّا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا نَحْتاجُ إلى حَمْلِ لَفْظِ الخَبَرِ عَلى مَعْنى الأمْرِ وفي سائِرِ الوُجُوهِ نَحْتاجُ إلى ذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أوْلى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: ”واتَّخِذُوا“ وبِكَسْرِ الخاءِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى صِيغَةِ الخَبَرِ.
أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ماذا، وفِيهِ أقْوالٌ.
الأوَّلُ: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ابْتَلاهُ بِكَلِماتٍ وأتَمَّهُنَّ، قالَ لَهُ جَزاءً لِما فَعَلَهُ مِن ذَلِكَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقالَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمَرَ بِهَذا ولَدَهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى أضْمَرَ قَوْلَهُ وقالَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٧١] .
الثّالِثُ: أنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، وهو كَلامٌ اعْتَرَضَ في خِلالِ ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ وجْهَهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا﴾ أنْتُمْ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى والتَّقْدِيرُ أنّا لَمّا شَرَّفْناهُ ووَصَفْناهُ بِكَوْنِهِ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا فاتَّخِذُوهُ أنْتُمْ قِبْلَةً لِأنْفُسِكم، والواوُ والفاءُ قَدْ يُذْكَرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في هَذا الوَضْعِ وإنْ كانَتِ الفاءُ أوْضَحَ، أمّا مَن قَرَأ: ”واتَّخَذُوا“ بِالفَتْحِ فَهو إخْبارٌ عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن مَقامِهِ مُصَلًّى، فَيَكُونُ هَذا عَطْفًا عَلى: ”جَعَلْنا البَيْتَ“ واتَّخَذُوهُ مُصَلًّى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ”وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ“ وإذِ اتَّخَذُوهُ مُصَلًّى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا أقْوالًا في أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيُّ شَيْءٍ هو:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ مَوْضِعُ الحَجَرِ قامَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما:
صفحة ٤٥
أنَّهُ هو الحَجَرُ الَّذِي كانَتْ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ وضَعَتْهُ تَحْتَ قَدَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ غَسَلَتْ رَأْسَهُ فَوَضَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ فَغَسَلَتْ أحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ ثُمَّ رَفَعَتْهُ مِن تَحْتِهِ وقَدْ غاصَتْ رِجْلُهُ في الحَجَرِ فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الرِّجْلِ الأُخْرى فَغاصَتْ رِجْلُهُ أيْضًا فِيهِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُعْجِزاتِهِ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَبْنِي البَيْتَ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ ويَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] فَلَمّا ارْتَفَعَ البُنْيانُ وضَعُفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ وضْعِ الحِجارَةِ قامَ عَلى حَجَرٍ وهو مَقامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
الرّابِعُ: الحَجُّ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، واتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما رَوى جابِرٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الطَّوافِ أتى المَقامَ وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَقِراءَةُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ هو ذَلِكَ المَوْضِعُ ظاهِرٌ.
وثانِيها: أنَّ هَذا الِاسْمَ في العُرْفِ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ المَوْضِعِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ سائِلًا لَوْ سَألَ المَكِّيَّ بِمَكَّةَ عَنْ مَقامِ إبْراهِيمَ لَمْ يُجِبْهُ ولَمْ يَفْهَمْ مِنهُ إلّا هَذا المَوْضِعَ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِالمَقامِ ومَعَهُ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْسَ هَذا مَقامَ أبِينا إبْراهِيمَ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ؟ قالَ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ مِن يَوْمِهِمْ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ» .
ورابِعُها: أنَّ الحَجَرَ صارَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ في رُطُوبَةِ الطِّينِ حَتّى غاصَتْ فِيهِ رِجْلا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِإبْراهِيمَ أوْلى مِنِ اخْتِصاصِ غَيْرِهِ بِهِ، فَكانَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ أوْلى.
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ ولَيْسَ لِلصَّلاةِ تَعَلُّقٌ بِالحَرَمِ ولا بِسائِرِ المَواضِعِ إلّا بِهَذا المَوْضِعِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَقامُ إبْراهِيمَ هو هَذا المَوْضِعَ.
وسادِسُها: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ هو مَوْضِعُ قِيامِهِ، وثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّهُ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ عِنْدَ المُغْتَسَلِ ولَمْ يَثْبُتْ قِيامُهُ عَلى غَيْرِهِ فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ، أعْنِي: مَقامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الحَجَرِ يَكُونُ أوْلى قالَ القَفّالُ: ومَن فَسَّرَ مَقامَ إبْراهِيمَ بِالحَجَرِ خَرَّجَ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ عَلى مَجازِ قَوْلِ الرَّجُلِ: اتَّخَذْتُ مِن فُلانٍ صَدِيقًا وقَدْ أعْطانِي اللَّهُ مِن فُلانٍ أخًا صالِحًا ووَهَبَ اللَّهُ لِي مِنكَ ولِيًّا مُشْفِقًا وإنَّما تَدْخُلُ ”مِن“ لِبَيانِ المُتَّخَذِ المَوْصُوفِ وتُمَيِّزُهُ في ذَلِكَ المَعْنى مِن غَيْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصَلًّى﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: المُصَلّى المُدَّعى فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي هي الدُّعاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإنَّما ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ لِيَتِمَّ لَهُ قَوْلُهُ: إنَّ كُلَّ الحَرَمِ مَقامُ إبْراهِيمَ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أرادَ بِهِ قِبْلَةً.
وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: أُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَذا القَوْلُ أوْلى لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ إذا أُطْلِقَ يُعْقَلُ مِنهُ الصَّلاةُ المَفْعُولَةُ بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ ألا تَرى أنَّ مُصَلّى المِصْرِ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُصَلّى فِيهِ صَلاةُ العِيدِ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: المُصَلّى أمامَكَ، يَعْنِي بِهِ مَوْضِعَ الصَّلاةِ المَفْعُولَةِ، وقَدْ
صفحة ٤٦
دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّلاةِ عِنْدَهُ بَعْدَ تِلاوَةِ الآيَةِ ولِأنَّ حَمْلَها عَلى الصَّلاةِ المَعْهُودَةِ أوْلى لِأنَّها جامِعَةٌ لِسائِرِ المَعانِي الَّتِي فَسَّرُوا الآيَةَ بِها وهَهُنا بَحْثٌ فِقْهِيٌّ وهو أنَّ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ فَرْضٌ أمْ سُنَّةٌ ؟ يُنْظَرُ إنْ كانَ الطَّوافُ فَرْضًا فَلِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ.
والثّانِي: سُنَّةٌ «لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْأعْرابِيِّ حِينَ قالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها، قالَ: لا إلّا أنْ تَطُوفَ» وإنْ كانَ الطَّوافُ نَفْلًا مِثْلَ طَوافِ القُدُومِ فَرَكْعَتاهُ سُنَّةٌ والرِّوايَةُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مُخْتَلِفَةٌ أيْضًا في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في فَضائِلِ البَيْتِ: رَوى الشَّيْخُ أحْمَدُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ”«قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ أوَّلًا ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قالَ: قُلْتُ ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: ثُمَّ المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما ؟ قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً فَأيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ فَهو مَسْجِدٌ» “ أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ: خُلِقَ البَيْتُ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أوَّلُ بُقْعَةٍ وُضِعَتْ في الأرْضِ مَوْضِعُ البَيْتِ ثُمَّ مُدَّتْ مِنها الأرْضُ، وإنَّ أوَّلَ جَبَلٍ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى وجْهِ الأرْضِ أبُو قُبَيْسٍ ثُمَّ مُدَّتْ مِنهُ الجِبالُ“ . وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُهْبِطَ إلى الأرْضِ اسْتَوْحَشَ مِنها لِما رَأى مِن سَعَتِها ولِأنَّهُ لَمْ يَرَ فِيها أحَدًا غَيْرَهُ فَقالَ: يا رَبِّ أما لِأرْضِكَ هَذِهِ عامِرٌ يُسَبِّحُكَ فِيها ويُقَدِّسُ لَكَ غَيْرِي. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنِّي سَأجْعَلُ فِيها مِن ذُرِّيَّتِكَ مَن يُسَبِّحُ بِحَمْدِي ويُقَدِّسُ لِي وسَأجْعَلُ فِيها بُيُوتًا تُرْفَعُ لِذِكْرِي فَيُسَبِّحُنِي فِيها خَلْقِي وسَأُبَوِّئُكَ مِنها بَيْتًا أخْتارُهُ لِنَفْسِي وأخُصُّهُ بِكَرامَتِي وأُوثِرُهُ عَلى بُيُوتِ الأرْضِ كُلِّها بِاسْمِي وأُسَمِّيهِ بَيْتِي أُعَظِّمُهُ بِعَظَمَتِي وأحُوطُهُ بِحُرْمَتِي وأجْعَلُهُ أحَقَّ البُيُوتِ كُلِّها وأوْلاها بِذِكْرِي وأضَعُهُ في البُقْعَةِ الَّتِي اخْتَرْتُ لِنَفْسِي فَإنِّي اخْتَرْتُ مَكانَهُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّماواتِ والأرْضَ، أجْعَلُ ذَلِكَ البَيْتَ لَكَ ولِمَن بَعْدَكَ حَرَمًا آمِنًا أُحَرِّمُ بِحُرْمَتِهِ ما فَوْقَهُ وما تَحْتَهُ وما حَوْلَهُ فَمَن حَرَّمَهُ بِحُرْمَتِي فَقَدْ عَظَّمَ حُرْمَتِي ومَن أحَلَّهُ فَقَدْ أباحَ حُرْمَتِي، ومَن أمَّنَ أهْلَهُ اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ أمانِي ومَن أخافَهم فَقَدْ أخافَنِي ومَن عَظَّمَ شَأْنَهُ فَقَدْ عَظُمَ في عَيْنِي ومَن تَهاوَنَ بِهِ فَقَدْ صَغُرَ في عَيْنِي سُكّانُها جِيرانِي وعُمّارُها وفْدِي وزُوّارُها أضْيافِي أجْعَلُهُ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ وأُعَمِّرُهُ بِأهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، يَأْتُونَهُ أفْواجًا شُعْثًا غُبْرًا: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٧] يَعُجُّونَ بِالتَّكْبِيرِ عَجًّا إلَيَّ ويَثُجُّونَ بِالتَّلْبِيَةِ ثَجًّا، فَمَنِ اعْتَمَرَهُ لا يُرِيدُ غَيْرِي فَقَدْ زارَنِي وضافَنِي ونَزَلَ بِي ووَفَدَ عَلَيَّ، فَحَقَّ لِي أنْ أُتْحِفَهُ بِكَرامَتِي وحَقَّ عَلى الكَرِيمِ أنْ يُكْرِمَ وفْدَهُ وأضْيافَهُ وزُوّارَهُ وأنْ يُسْعِفَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِحاجَتِهِ تُعَمِّرُهُ يا آدَمُ ما كُنْتَ حَيًّا ثُمَّ يُعَمِّرُهُ مِن بَعْدِكَ الأُمَمُ والقُرُونُ والأنْبِياءُ مِن ولَدِكَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ونَبِيًّا بَعْدَ نَبِيٍّ حَتّى يَنْتَهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى نَبِيٍّ مِن ولَدِكَ يُقالُ لَهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ فَأجْعَلُهُ مِن سُكّانِهِ وعُمّارِهِ وحُماتِهِ ووُلاتِهِ فَيَكُونُ أمِينِي عَلَيْهِ ما دامَ حَيًّا، فَإذا انْقَلَبَ إلَيَّ وجَدَنِي قَدِ ادَّخَرْتُ لَهُ مِن أجْرِهِ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ القُرْبَةِ إلى الوَسِيلَةِ عِنْدِي وأجْعَلُ اسْمَ ذَلِكَ البَيْتِ وذِكْرَهُ وشَرَفَهُ ومَجْدَهُ وسَناهُ وتَكْرُمَتَهُ لِنَبِيٍّ مِن ولَدِكَ يَكُونُ قَبْلَ هَذا النَّبِيِّ وهو أبُوهُ، يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ أرْفَعُ لَهُ قَواعِدَهُ وأقْضِي عَلى يَدَيْهِ عِمارَتَهُ وأُعَلِّمُهُ مَشاعِرَهُ ومَناسِكَهُ وأجْعَلُهُ أُمَّةً واحِدَةً قانِتًا قائِمًا بِأمْرِي داعِيًا إلى سَبِيلِي أجْتَبِيهِ وأهْدِيهِ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أبْتَلِيهِ فَيَصْبِرُ وأُعافِيهِ فَيَشْكُرُ، وآمُرُهُ فَيَفْعَلُ ويَنْذِرُ لِي فَيَفِي ويَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ وذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ وأُشَفِّعُهُ فِيهِمْ وأجْعَلُهم أهْلَ ذَلِكَ البَيْتِ ووُلاتَهُ وحُماتَهُ وسُقاتَهُ وخُدّامَهُ وخُزّانَهُ وحُجّابَهُ حَتّى يُبَدِّلُوا أوْ يُغَيِّرُوا وأجْعَلُ إبْراهِيمَ إمامَ ذَلِكَ
صفحة ٤٧
البَيْتِ وأهْلَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ يَأْتَمُّ بِهِ مَن حَضَرَ تِلْكَ المَواطِنَ مِن جَمِيعِ الجِنِّ والإنْسِ. وعَنْ عَطاءٍ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالهِنْدِ فَقالَ: يا رَبِّ ما لِي لا أسْمَعُ صَوْتَ المَلائِكَةِ كَما كُنْتُ أسْمَعُها في الجَنَّةِ ؟ قالَ: بِخَطِيئَتِكَ يا آدَمُ فانْطَلِقْ إلى مَكَّةَ فابْنِ بِها بَيْتًا تَطُوفُ بِهِ كَما رَأيْتَهم يَطُوفُونَ فانْطَلَقَ إلى مَكَّةَ فَبَنى البَيْتَ، فَكانَ مَوْضِعُ قَدَمَيْ آدَمَ قُرًى وأنْهارًا وعِمارَةً وما بَيْنَ خُطاهُ مَفاوِزَ فَحَجَّ آدَمُ البَيْتَ مِنَ الهِنْدِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وسَألَ عُمَرُ كَعْبًا فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا البَيْتِ فَقالَ: إنَّ هَذا البَيْتَ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ ياقُوتَةً مُجَوَّفَةً مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: يا آدَمُ إنَّ هَذا بَيْتِي فَطُفْ حَوْلَهُ وصَلِّ حَوْلَهُ كَما رَأيْتَ مَلائِكَتِي تَطُوفُ حَوْلَ عَرْشِي وتُصَلِّي ونَزَلَتْ مَعَهُ المَلائِكَةُ فَرَفَعُوا قَواعِدَهُ مِن حِجارَةٍ، فَوُضِعَ البَيْتُ عَلى القَواعِدِ فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ رَفَعَهُ اللَّهُ وبَقِيَتْ قَواعِدُهُ.
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: البَيْتُ المَعْمُورُ بَيْتٌ في السَّماءِ يُقالُ لَهُ الضُّراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِن فَوْقِها حُرْمَتُهُ في السَّماءِ كَحُرْمَةِ البَيْتِ في الأرْضِ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبَدًا، وذَكَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ فانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ العَمالِقَةُ ومَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ جُرْهُمُ ومَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ شابٌّ، فَلَمّا أرادُوا أنْ يَرْفَعُوا الحَجَرَ الأسْوَدَ اخْتَصَمُوا فِيهِ فَقالُوا: يَحْكُمُ بَيْنَنا أوَّلُ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِن هَذِهِ السِّكَّةِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلَ مَن خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَضى بَيْنَهم أنْ يَجْعَلُوا الحَجَرَ في مِرْطٍ ثُمَّ تَرْفَعُهُ جَمِيعُ القَبائِلِ فَرَفَعُوهُ كُلُّهم فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم وجَدُوا في مَقامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَ صُفُوحٍ في كُلِّ صَفْحٍ مِنها كِتابٌ، (في الصَّفْحِ الأوَّلِ) أنا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ صَنَعْتُها يَوْمَ صَنَعْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ وحَفَفْتُها بِسَبْعَةِ أمْلاكٍ حَفًّا وبارَكْتُ لِأهْلِها في اللَّحْمِ واللَّبَنِ.
وفِي الصَّفْحِ الثّانِي: أنا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وشَقَقْتُ لَها اسْمًا مِنِ اسْمِي مَن وصَلَها وصَلْتُهُ ومَن قَطَعَها قَطَعْتُهُ.
وفِي الثّالِثِ: أنا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن كانَ الخَيْرُ عَلى يَدَيْهِ ووَيْلٌ لِمَن كانَ الشَّرُّ عَلى يَدَيْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في فَضائِلِ الحَجَرِ والمَقامِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الرُّكْنُ والمَقامُ ياقُوتَتانِ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُما ولَوْلا ذَلِكَ لَأضاءا ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما مَسَّهُما ذُو عاهَةٍ ولا سَقِيمٌ إلّا شُفِيَ» “ وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّهُ كانَ أشَدَّ بَياضًا مِنَ الثَّلْجِ فَسَوَّدَتْهُ خَطايا أهْلِ الشِّرْكِ» “، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَيَأْتِيَنَّ هَذا الحَجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ عَيْنانِ يُبْصِرُ بِهِما ولِسانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» “، ورُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ انْتَهى إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ فَقالَ: إنِّي لَأُقَبِّلُكَ وإنِّي لَأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ» . أخْرَجاهُ في الصَّحِيحِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ فالأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ ألْزَمْناهُما ذَلِكَ وأمَرْناهُما أمْرًا وثَّقْنا عَلَيْهِما فِيهِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ مَعْنى العَهْدِ والمِيثاقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ فَيَجِبُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّطْهِيرُ مِن كُلِّ أمْرٍ لا يَلِيقُ بِالبَيْتِ، فَإذا كانَ مَوْضِعُ البَيْتِ وحَوالَيْهِ مُصَلًّى وجَبَ تَطْهِيرُهُ مِنَ الأنْجاسِ والأقْذارِ، وإذا كانَ مَوْضِعَ العِبادَةِ والإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى: وجَبَ تَطْهِيرُهُ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ الكَلامِ ثُمَّ إنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ مَعْنى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ ابْنِياهُ وطَهِّراهُ مِنَ الشِّرْكِ وأسِّساهُ عَلى التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٤٨
﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٩] .
وثانِيها: عَرِّفا النّاسَ أنَّ بَيْتِيَ طُهْرَةٌ لَهم مَتى حَجُّوهُ وزارُوهُ وأقامُوا بِهِ، ومَجازُهُ: اجْعَلاهُ طاهِرًا عِنْدَهم، كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُطَهِّرُ هَذا، وأبُو حَنِيفَةَ يُنَجِّسُهُ.
وثالِثُها: ابْنِياهُ ولا تَدَعا أحَدًا مِن أهْلِ الرَّيْبِ والشِّرْكِ يُزاحِمُ الطّائِفِينَ فِيهِ، بَلْ أقِرّاهُ عَلى طَهارَتِهِ مِن أهْلِ الكُفْرِ والرَّيْبِ، كَما يُقالُ: طَهَّرَ اللَّهُ الأرْضَ مِن فُلانٍ، وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يُوجِبُ إيقاعَ تَطْهِيرِهِ مِنَ الأوْثانِ والشِّرْكِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥] فَمَعْلُومٌ أنَّهُنَّ لَمْ يُطَهَّرْنَ مِن نَجَسٍ بَلْ خُلِقْنَ طاهِراتٍ، وكَذا البَيْتُ المَأْمُورُ بِتَطْهِيرِهِ خُلِقَ طاهِرًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
ورابِعُها: مَعْناهُ نَظِّفا بَيْتِيَ مِنَ الأوْثانِ والشِّرْكِ والمَعاصِي، لِيَقْتَدِيَ النّاسُ بِكُما في ذَلِكَ.
وخامِسُها: قالَ بَعْضُهم: إنَّ مَوْضِعَ البَيْتِ قَبْلَ البِناءِ كانَ يُلْقى فِيهِ الجِيَفُ والأقْذارُ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِإزالَةِ تِلْكَ القاذُوراتِ وبِناءِ البَيْتِ هُناكَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَبْلَ البِناءِ ما كانَ البَيْتُ مَوْجُودًا فَتَطْهِيرُ تِلْكَ العَرْصَةِ لا يَكُونُ تَطْهِيرًا لِلْبَيْتِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ سَمّاهُ بَيْتًا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مَآلَهُ إلى أنْ يَصِيرَ بَيْتًا ولَكِنَّهُ مَجازٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العَكْفُ مَصْدَرُ عَكُفَ بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها عَكْفًا إذا لَزِمَ الشَّيْءَ وأقامَ عَلَيْهِ فَهو عاكِفٌ، وقِيلَ: إذا أقْبَلَ عَلَيْهِ لا يَصْرِفُ عَنْهُ وجْهَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى فِرَقٍ ثَلاثَةٍ، لِأنَّ مِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الطّائِفُونَ غَيْرَ العاكِفِينَ والعاكِفُونَ غَيْرَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ لِتَصِحَّ فائِدَةُ العَطْفِ، فالمُرادُ بِالطّائِفِينَ: مَن يَقْصِدُ البَيْتَ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا فَيَطُوفُ بِهِ، والمُرادُ بِالعاكِفِينَ: مَن يُقِيمُ هُناكَ ويُجاوِرُ، والمُرادُ بِالرُّكَّعِ السُّجُودِ: مَن يُصَلِّي هُناكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ عَطاءٍ: أنَّهُ إذا كانَ طائِفًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ، تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنّا إذا فَسَّرْنا الطّائِفِينَ بِالغُرَباءِ فَحِينَئِذٍ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الطَّوافَ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ تَعالى كَما خَصَّهم بِالطَّوافِ دَلَّ عَلى أنَّ لَهم بِهِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ: أنَّ الطَّوافَ لِأهْلِ الأمْصارِ أفْضَلُ، والصَّلاةَ لِأهْلِ مَكَّةَ أفْضَلُ.
وثانِيها: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى جَوازِ الِاعْتِكافِ في البَيْتِ.
وثالِثُها: تَدُلُّ عَلى جَوازِ الصَّلاةِ في البَيْتِ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفْلًا إذْ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مِنها، وهو خِلافُ قَوْلِ مالِكٍ في امْتِناعِهِ مِن جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ في البَيْتِ، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: والرُّكَّعِ السُّجُودِ في البَيْتِ، وكَما لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى جَوازِ فِعْلِ الطَّوافِ في جَوْفِ البَيْتِ، وإنَّما دَلَّتْ عَلى فِعْلِهِ خارِجَ البَيْتِ، كَذَلِكَ دَلالَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ إلى البَيْتِ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ، قُلْنا: ظاهِرُ الآيَةِ يَتَناوَلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ إلى البَيْتِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في البَيْتِ أوْ خارِجًا عَنْهُ، وإنَّما أوْجَبْنا وُقُوعَ الطَّوافِ خارِجَ البَيْتِ لِأنَّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ هو أنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ، ولا يُسَمّى طائِفًا بِالبَيْتِ مَن طافَ في جَوْفِهِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِالطَّوافِ بِهِ لا بِالطَّوافِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحَجِّ: ٢٩] وأيْضًا المُرادُ لَوْ كانَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ لِلصَّلاةِ، لَما كانَ لِلْأمْرِ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ لِلرُّكَّعِ السُّجُودِ وجْهٌ، إذا كانَ حاضِرُو البَيْتِ والغائِبُونَ عَنْهُ سَواءً في الأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ، واحْتَجَّ مالِكٌ
صفحة ٤٩
بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٤] ومَن كانَ داخِلَ المَسْجِدِ الحَرامِ لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا إلى المَسْجِدِ بَلْ إلى جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ.
(والجَوابُ): أنَّ المُتَوَجِّهَ الواحِدَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى كُلِّ المَسْجِدِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ ومَن كانَ داخِلَ البَيْتِ فَهو كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ الآيَةِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ يَتَناوَلُ مُطْلَقَ الطَّوافِ سَواءٌ كانَ مَنصُوصًا عَلَيْهِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحَجِّ: ٢٩] أوْ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالسُّنَّةِ، أوْ كانَ مِنَ المَندُوباتِ.
البقرة 2:126
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى هَهُنا، قالَ القاضِي: في هَذِهِ الآياتِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ دُخُولِ البَلَدِ في الوُجُودِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مِن بَعْدُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُتَقَدِّمٌ في المَعْنى، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الآيَةِ دُعاءُ إبْراهِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن سُكّانِ مَكَّةَ بِالأمْنِ والتَّوْسِعَةِ بِما يُجْلَبُ إلى مَكَّةَ لِأنَّها بَلَدٌ لا زَرْعَ ولا غَرْسَ فِيهِ، فَلَوْلا الأمْنُ لَمْ يُجْلَبْ إلَيْها مِنَ النَّواحِي وتَعَذَّرَ العَيْشُ فِيها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ وجَعَلَهُ آمِنًا مِنَ الآفاتِ، فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الفِيلِ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ الحَجّاجَ حارَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وخَرَّبَ الكَعْبَةَ وقَصَدَ أهْلَها بِكُلِّ سُوءٍ وتَمَّ لَهُ ذَلِكَ ؟
الجَوابُ: لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ لِذاتِها، بَلْ كانَ مَقْصُودُهُ شَيْئًا آخَرَ.
السُّؤالُ الثّانِي: المَطْلُوبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو أنْ يَجْعَلَ البَلَدَ آمِنًا كَثِيرَ الخِصْبِ، وهَذا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَنافِعِ الدُّنْيا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المُعَظَّمِ طَلَبُها.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الدُّنْيا إذا طُلِبَتْ لِيُتَقَوّى بِها عَلى الدِّينِ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ، فَإذا كانَ البَلَدُ آمِنًا وحَصَلَ فِيهِ الخِصْبُ تَفَرَّغَ أهْلُهُ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ البَلَدُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ كانُوا عَلى ضِدِّ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مَثابَةً لِلنّاسِ والنّاسُ إنَّما يُمْكِنُهُمُ الذَّهابُ إلَيْهِ إذا كانَتِ الطُّرُقُ آمِنَةً والأقْواتُ هُناكَ رَخِيصَةً.
وثالِثُها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأمْنُ والخِصْبُ مِمّا يَدْعُو الإنْسانُ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ، فَحِينَئِذٍ يُشاهِدُ المَشاعِرَ المُعَظَّمَةَ والمَواقِفَ المُكَرَّمَةَ فَيَكُونُ الأمْنُ والخِصْبُ سَبَبَ اتِّصالِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ.
صفحة ٥٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَأْمُونٌ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارِعَةِ: ٧] أيْ مَرْضِيَّةٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أهْلَ البَلَدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ أهْلَها وهو مَجازٌ لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ لا يَلْحَقانِ البَلَدَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في الأمْنِ المَسْئُولِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: سَألَهُ الأمْنَ مِنَ القَحْطِ لِأنَّهُ أسْكَنَ أهْلَهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ.
وثانِيها: سَألَهُ الأمْنَ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ.
وثالِثُها: سَألَهُ الأمْنَ مِنَ القَتْلِ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَهُ الأمْنَ أوَّلًا، ثُمَّ سَألَهُ الرِّزْقَ ثانِيًا، ولَوْ كانَ الأمْنُ المَطْلُوبُ هو الأمْنَ مِنَ القَحْطِ لَكانَ سُؤالُ الرِّزْقِ بَعْدَهُ تَكْرارًا فَقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ الأمْنَ المَسْئُولَ هو الأمْنُ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، أوْ لَعَلَّهُ الأمْنُ مِنَ القَحْطِ، ثُمَّ الأمْنُ مِنَ القَحْطِ قَدْ يَكُونُ بِحُصُولِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الأغْذِيَةِ وقَدْ يَكُونُ بِالتَّوْسِعَةِ فِيها فَهو بِالسُّؤالِ الأوَّلِ طَلَبُ إزالَةِ القَحْطِ وبِالسُّؤالِ الثّانِي طَلَبُ التَّوْسِعَةِ العَظِيمَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مَكَّةَ هَلْ كانَتْ آمِنَةً مُحَرَّمَةً قَبْلَ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ إنَّما صارَتْ كَذَلِكَ بِدَعْوَتِهِ فَقالَ قائِلُونَ: إنَّها كانَتْ كَذَلِكَ أبَدًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» “ وأيْضًا قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٧] وهَذا يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَهُ بِهَذا الدُّعاءِ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّها إنَّما صارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِدُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَبْلَهُ كانَتْ كَسائِرِ البِلادِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«اللَّهُمَّ إنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ» “ .
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّها كانَتْ حَرامًا قَبْلَ الدَّعْوَةِ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي صارَتْ بِهِ حَرامًا بَعْدَ الدَّعْوَةِ. فالأوَّلُ بِمَنعِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاصْطِلامِ وبِما جَعَلَ في النُّفُوسِ مِنَ التَّعْظِيمِ. والثّانِي بِالأمْرِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ عَلى التَّنْكِيرِ وقالَ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] عَلى التَّعْرِيفِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى وقَعَتْ ولَمْ يَكُنِ المَكانُ قَدْ جُعِلَ بَلَدًا، كَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ هَذا الوادِيَ بَلَدًا آمِنًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٧] فَقالَ: هَهُنا اجْعَلْ هَذا الوادِيَ بَلَدًا آمِنًا، والدَّعْوَةُ الثّانِيَةُ وقَعَتْ وقَدْ جُعِلَ بَلَدًا، فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ هَذا المَكانَ الَّذِي صَيَّرْتَهُ بَلَدًا ذا أمْنٍ وسَلامَةٍ، كَقَوْلِكَ: جَعَلْتُ هَذا الرَّجُلَ آمِنًا.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ الدَّعْوَتانِ وقَعَتا بَعْدَما صارَ المَكانُ بَلَدًا، فَقَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ تَقْدِيرُهُ: اجْعَلْ هَذا البَلَدَ بَلَدًا آمِنًا، كَقَوْلِكَ: كانَ اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا، وهَذا إنَّما تَذْكُرُهُ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ بِالحَرارَةِ، لِأنَّ التَّنْكِيرَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ مَعْناهُ: اجْعَلْهُ مِنَ البُلْدانِ الكامِلَةِ في الأمْنِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] فَلَيْسَ فِيهِ إلّا طَلَبُ الأمْنِ لا طَلَبُ المُبالَغَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ أنْ يُدِرَّ عَلى ساكِنِي مَكَّةَ أقْواتَهم، فاسْتَجابَ اللَّهُ
صفحة ٥١
تَعالى لَهُ فَصارَتْ مَكَّةُ يُجْبى إلَيْها ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ فَهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهْلَهُ﴾ يَعْنِي وارْزُقِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِهِ خاصَّةً، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَهُ أنَّ مِنهم قَوْمًا كُفّارًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ لا جَرَمَ خَصَّصَ دُعاءَهُ بِالمُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ وسَبَبُ هَذا التَّخْصِيصِ النَّصُّ والقِياسُ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٦٨] وأمّا القِياسُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ الإمامَةَ في ذُرِّيَّتِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا في المَسْألَةِ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ الكافِرِينَ في بابِ الإمامَةِ، لا جَرَمَ خَصَّصَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا الدُّعاءِ دُونَ الكافِرِينَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الفَرْقَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ ورِزْقِ الدُّنْيا، لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ والإمامَةِ لا يَلِيقُ بِالفاسِقِينَ، لِأنَّهُ لا بُدَّ في الإمامَةِ والنُّبُوَّةِ مِن قُوَّةِ العَزْمِ والصَّبْرِ عَلى ضُرُوبِ المِحْنَةِ حَتّى يُؤَدِّيَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ ولا تَأْخُذَهُ في الدِّينِ لَوْمَةُ لائِمٍ وسَطْوَةُ جَبّارٍ، أمّا الرِّزْقُ فَلا يَقْبُحُ إيصالُهُ إلى المُطِيعِ والكافِرِ والصّادِقِ والمُنافِقِ، فَمَن آمَنَ فالجَنَّةُ مَسْكَنُهُ ومَثْواهُ، ومَن كَفَرَ فالنّارُ مُسْتَقَرُّهُ ومَأْواهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوِيٌّ في ظَنِّهِ أنَّهُ إنْ دَعا لِلْكُلِّ كَثُرَ في البَلَدِ الكُفّارُ فَيَكُونُ في غَلَبَتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ مَفْسَدَةٌ ومَضَرَّةٌ مِن ذَهابِ النّاسِ إلى الحَجِّ، فَخَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالدُّعاءِ لِهَذا السَّبَبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”فَأُمْتِعُهُ“ بِسُكُونِ المِيمِ خَفِيفَةً مِن أمْتَعْتُ، والباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً مِن مَتَّعْتُ، والتَّشْدِيدُ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ بِخِلافِ التَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أُمَتِّعُهُ قِيلَ: بِالرِّزْقِ، وقِيلَ: بِالبَقاءِ في الدُّنْيا، وقِيلَ: بِهِما إلى خُرُوجِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقْتُلُهُ أوْ يُخْرِجُهُ مِن هَذِهِ الدِّيارِ إنْ أقامَ عَلى الكُفْرِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَأنَّهُ قالَ: إنَّكَ وإنْ كُنْتَ خَصَصْتَ بِدُعائِكَ المُؤْمِنِينَ فَإنِّي أُمَتِّعُ الكافِرَ مِنهم بِعاجِلِ الدُّنْيا، ولا أمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ ما أتَفَضَّلُ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يَتِمَّ عُمْرُهُ فَأقْبِضَهُ ثُمَّ أضْطَرَّهُ في الآخِرَةِ إلى عَذابِ النّارِ، فَجَعَلَ ما رُزِقَ الكافِرُ في دارِ الدُّنْيا قَلِيلًا، إذْ كانَ واقِعًا في مُدَّةِ عُمْرِهِ، وهي مُدَّةٌ واقِعَةٌ فِيما بَيْنَ الأزَلِ والأبَدِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما قَلِيلٌ جِدًّا، والحاصِلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ نِعْمَةَ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا مَوْصُولَةٌ بِالنِّعْمَةِ في الآخِرَةِ، بِخِلافِ الكافِرِ فَإنَّ نِعْمَتَهُ في الدُّنْيا تَنْقَطِعُ عِنْدَ المَوْتِ وتَتَخَلَّصُ مِنهُ إلى الآخِرَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الِاضْطِرارِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَفْعَلَ بِهِ ما يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الخَلاصُ مِنهُ وهَهُنا كَذَلِكَ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطُّورِ: ١٣] و﴿يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القَمَرِ: ٤٨] يُقالُ: اضْطَرَرْتُهُ إلى الأمْرِ أيْ ألْجَأْتُهُ وحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ كانَ كارِهًا لَهُ، وقالُوا: إنَّ أصْلَهُ مِنَ الضُّرِّ وهو إدْناءُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، ومِنهُ ضَرَّةُ المَرْأةِ لِدُنُوِّها وقُرْبِها.
والثّانِي: أنَّ الِاضْطِرارَ هو أنْ يَصِيرَ الفاعِلُ بِالتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ إلى أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ اخْتِيارًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٣] فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ مُضْطَرٌّ إلى تَناوُلِ المَيْتَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الأكْلُ فَعَلَهُ فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْجِئُهُ إلى أنْ يَخْتارَ النّارَ والِاسْتِقْرارَ فِيها بِأنْ أعْلَمَهُ بِأنَّهُ لَوْ رامَ التَّخَلُّصَ لَمُنِعَ مِنهُ، لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ يَجْعَلُ مَلْجَأً إلى الوُقُوعِ في النّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِئْسَ المَصِيرُ، لِأنَّ نِعْمَ المَصِيرُ ما يُنالُ فِيهِ النَّعِيمُ والسُّرُورُ، وبِئْسَ المَصِيرُ ضِدُّهُ.
البقرة 2:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أنَّهُما عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ ذَكَرا ثَلاثَةً مِنَ الدُّعاءِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّابِتَةُ، ومِنهُ أقْعَدَكَ اللَّهُ أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ أيْ يُثَبِّتُكَ ورَفَعَ الأساسَ البَنّاءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَّقاصُرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها سافاتِ البِناءِ لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ ويُوضَعُ فَوْقَهُ، ومَعْنى رَفْعِ القَواعِدِ رَفْعُها بِالبِناءِ لِأنَّهُ إذا وضَعَ سافًا فَوْقَ سافٍ فَقَدْ رَفَعَ السّافاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ الأخْبارِ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَوَيْنا مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ تِلْكَ القَواعِدَ كانَتْ مَوْجُودَةً مُتَهَدِّمَةً إلّا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَها وعَمَّرَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ وبِنائِهِ ؟ قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ كانَ شَرِيكًا لَهُ في ذَلِكَ والتَّقْدِيرُ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطْفُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُها ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا ذِكْرُ رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إسْماعِيلُ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ اشْتِراكَهُما في ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْتَرِكا في البِناءِ ورَفْعِ الجُدْرانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما بانِيًا لِلْبَيْتِ والآخَرُ يَرْفَعُ إلَيْهِ الحَجَرَ والطِّينَ، ويُهَيِّئُ لَهُ الآلاتِ والأدَواتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَصِحُّ إضافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِما، وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أُدْخِلَ في الحَقِيقَةِ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إسْماعِيلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ لَمّا بَنى البَيْتَ خَرَجَ وخَلَّفَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ فَقالا: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى اللَّهِ فَعَطِشَ إسْماعِيلُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنَ الماءِ فَناداهُما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَحَصَ الأرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ وهَؤُلاءِ جَعَلُوا الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَءُوا: وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا طاعَتَنا بِبِناءِ هَذا البَيْتِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ إسْماعِيلُ شَرِيكًا
صفحة ٥٣
فِي الدُّعاءِ لا في البِناءِ، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ماذا يَقْبَلُ فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو رَفْعُ البَيْتِ فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ كَيْفَ يَدْعُو اللَّهَ بِأنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنهُ، فَإذَنْ هَذا القَوْلُ عَلى خِلافِ ظاهِرِ القُرْآنِ فَوَجَبَ رَدُّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَرْفَعُ قَواعِدَ البَيْتِ، لِأنَّ في إبْهامِ القَواعِدِ وتَبْيِينِها بَعْدَ الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ الشَّأْنِ ما لَيْسَ في العِبارَةِ الأُخْرى، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُما بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الدُّعاءِ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ فَقالَ المُتَكَلِّمُونَ: كُلُّ عَمَلٍ يَقْبَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو يُثِيبُ صاحِبَهُ ويَرْضاهُ مِنهُ، والَّذِي لا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ ولا يَرْضاهُ مِنهُ فَهو المَرْدُودُ، فَهَهُنا عَبَّرَ عَنْ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ، فَذَكَرَ لَفْظَ القَبُولِ وأرادَ بِهِ الثَّوابَ والرِّضا لِأنَّ التَّقَبُّلَ هو أنْ يَقْبَلَ الرَّجُلُ ما يُهْدى إلَيْهِ، فَشَبَّهَ الفِعْلَ مِنَ العَبْدِ بِالعَطِيَّةِ، والرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ تَوَسُّعًا. وقالَ العارِفُونَ: فَرْقٌ بَيْنَ القَبُولِ والتَّقَبُّلِ فَإنَّ التَّقَبُّلَ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَتَكَلَّفَ الإنْسانُ في قَبُولِهِ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ العَمَلُ ناقِصًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ فَهَذا اعْتِرافٌ مِنهُما بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ، واعْتِرافٌ بِالعَجْزِ والِانْكِسارِ، وأيْضًا فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْطاءَ الثَّوابِ عَلَيْهِ، لِأنَّ كَوْنَ الفِعْلِ واقِعًا مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ المَخْدُومِ ألَذُّ عِنْدَ الخادِمِ العاقِلِ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ عَلَيْهِ وتَمامُ تَحْقِيقِهِ سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ المَحَبَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥] واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهم بَعْدَ أنْ أتَوْا بِتِلْكَ العِبادَةِ مُخْلِصِينَ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في قَبُولِها وطَلَبُوا الثَّوابَ عَلَيْها عَلى ما قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، ولَوْ كانَ تَرْتِيبُ الثَّوابِ عَلى الفِعْلِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، لَما كانَ في هَذا الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فائِدَةٌ، فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى أنَّ الإنْسانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ فَيَقُولُ: يا إلَهِي اجْعَلِ النّارَ حارَّةً والجَمَدَ بارِدًا، بَلْ ذَلِكَ الدُّعاءُ أحْسَنُ لِأنَّهُ لا اسْتِبْعادَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ في صَيْرُورَةِ النّارِ حالَ بَقائِها عَلى صُورَتِها في الإشْراقِ والِاشْتِعالِ بارِدَةً، والجَمَدِ حالَ بَقائِهِ عَلى صُورَتِهِ في الِانْجِمادِ والبَياضِ حارًّا ويَسْتَحِيلُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ لا يَتَرَتَّبَ الثَّوابُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ هَهُنا أقْبَحَ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما عَقَّبَ هَذا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَسْمَعُ دُعاءَنا وتَضَرُّعَنا، وتَعْلَمُ ما في قَلْبِنا مِنَ الإخْلاصِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى أحَدٍ سِواكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَكُونُ سَمِيعًا. قُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ لِكَمالِهِ في هَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ كَأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِها دُونَ غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الدُّعاءِ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فَإنَّ الإسْلامَ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الدِّينَ والِاعْتِقادَ، أوِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ رَغِبا في أنْ يَجْعَلَهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ: وجَعْلُهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا خَلْقُ ذَلِكَ فِيهِما، فَإنَّ الجَعْلَ عِبارَةٌ عَنِ الخَلْقِ، قالَ اللَّهُ
صفحة ٥٤
تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الإسْلامَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّهُما وقْتَ السُّؤالِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ، إذْ لَوْ كانا مُسْلِمَيْنِ لَكانَ طَلَبُ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وإنَّهُ باطِلٌ، لَكِنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُما كانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، ولِأنَّ صُدُورَ هَذا الدُّعاءِ مِنهُما لا يَصْلُحُ إلّا بَعْدَ أنْ كانا مُسْلِمَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ بِها، سَلَّمْنا أنَّها لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الجَعْلَ عِبارَةٌ عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ، بَلْ لَهُ مَعانٍ أُخَرُ سِوى الخَلْقِ.
أحَدُها: جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٤٧] .
وثانِيها: جَعَلَ بِمَعْنى وهَبَ، نَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وهَذا العَبْدَ وهَذا الفَرَسَ.
وثالِثُها: جَعَلَ بِمَعْنى الوَصْفِ لِلشَّيْءِ والحُكْمِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] وقالَ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] .
ورابِعُها: جَعَلَهُ كَذَلِكَ بِمَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] يَعْنِي أمَرْناهم بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ، وقالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَهو بِالأمْرِ.
وخامِسُها: أنْ يَجْعَلَهُ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ كاتِبًا وشاعِرًا إذا عَلَّمْتَهُ ذَلِكَ.
وسادِسُها: البَيانُ والدَّلالَةُ تَقُولُ: جَعَلْتُ كَلامَ فُلانٍ باطِلًا إذا أوْرَدْتَ مِنَ الحُجَّةِ ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ ذَلِكَ، إذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَهُما بِالإسْلامِ والحُكْمِ لَهُما بِذَلِكَ كَما يُقالُ: جَعَلَنِي فُلانٌ لِصًّا وجَعَلَنِي فاضِلًا أدِيبًا إذا وصَفَهُ بِذَلِكَ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الجَعْلِ الخَلْقُ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ خَلْقَ الألْطافِ الدّاعِيَةِ لَهُما إلى الإسْلامِ وتَوْفِيقَهُما لِذَلِكَ فَمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمُورِ حَتّى يَفْعَلَها فَقَدْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا لَهُ، ومِثالُهُ: مَن يُؤَدِّبُ ابْنَهُ حَتّى يَصِيرَ أدِيبًا فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: صَيَّرْتُكَ أدِيبًا وجَعَلْتُكَ أدِيبًا، وفي خِلافِ ذَلِكَ يُقالُ: جَعَلَ ابْنَهُ لِصًّا مُحْتالًا، سَلَّمْنا أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْإسْلامِ، لَكِنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَوَجَبَ تَرْكُ القَوْلِ بِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما اسْتَحَقَّ العَبْدُ بِهِ مَدْحًا ولا ذَمًّا، ولا ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المُسْلِمَ المُطِيعَ لا العَبْدُ.
والجَوابُ: قَوْلُهُ: الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الإسْلامَ عَرَضٌ قائِمٌ بِالقَلْبِ وأنَّهُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اخْلُقْ هَذا العَرَضَ فِينا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ دائِمًا، وطَلَبُ تَحْصِيلِهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي حُصُولَهُ في الحالِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الزِّيادَةَ في الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ٤]، ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧] وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] فَكَأنَّهُما دَعَواهُ بِزِيادَةِ اليَقِينِ والتَّصْدِيقِ، وطَلَبُ الزِّيادَةِ لا يُنافِي حُصُولَ الأصْلِ في الحالِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإسْلامَ إذا أُطْلِقَ يُفِيدُ الإيمانَ والِاعْتِقادَ، فَأمّا إذا أُضِيفَ بِحَرْفِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فالمُرادُ الِاسْتِسْلامُ لَهُ والِانْقِيادُ والرِّضا بِكُلِّ ما قَدَّرَ وتَرْكُ المُنازَعَةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأقْضِيَتِهِ، فَلَقَدْ كانا عارِفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لَكِنْ لَعَلَّهُ بَقِيَ في قُلُوبِهِما نَوْعٌ مِنَ المُنازَعَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ البَشَرِيَّةِ فَأرادَ أنْ يُزِيلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُما
صفحة ٥٥
بِالكُلِّيَّةِ لِيَحْصُلَ لَهُما مَقامُ الرِّضا بِالقَضاءِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ. قَوْلُهُ: يُحْمَلُ الجَعْلُ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَوْصُوفَ إذا حَصَلَتِ الصِّفَةُ لَهُ فَلا فائِدَةَ في الصِّفَةِ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ هو مُجَرَّدَ الوَصْفِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى تَحْصِيلِ الصِّفَةِ، ولا يُقالُ: وصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ ثَناءٌ ومَدْحٌ وهو مَرْغُوبٌ فِيهِ، قُلْنا: نَعَمْ لَكِنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ نَفْسِ الشَّيْءِ أكْثَرُ مِنَ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ الوَصْفِ بِهِ والحُكْمِ بِهِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّهُ مَتى حَصَلَ الإسْلامُ فِيهِما فَقَدِ اسْتَحَقّا التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ واللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ، فَكانَ ذَلِكَ الوَصْفُ حاصِلًا وأيُّ فائِدَةٍ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّسْمِيَةَ لَوَجَبَ أنَّ كُلَّ مَن سَمّى إبْراهِيمَ مُسْلِمًا جازَ أنْ يُقالَ جَعَلَهُ مُسْلِمًا، أمّا قَوْلُهُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، قُلْنا: هَذا أيْضًا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ لَفْظَ الجَعْلِ مُضافٌ إلى الإسْلامِ فَصَرْفُهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الألْطافَ قَدْ فَعَلَها اللَّهُ تَعالى وأوْجَدَها وأخْرَجَها إلى الوُجُودِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَطَلَبُها يَكُونُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ الألْطافَ إمّا أنْ يَكُونَ لَها أثَرٌ في تَرْجِيحِ جانِبِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في هَذا التَّرْجِيحِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لُطْفًا وإنْ كانَ لَها أثَرٌ في التَّرْجِيحِ فَنَقُولُ: مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ التَّرْجِيحِ إمّا أنْ يَجِبَ الفِعْلُ أوْ يَمْتَنِعَ أوْ لا يَجِبَ ولا يَمْتَنِعَ، فَإنْ وجَبَ فَهو المَطْلُوبُ، وإنِ امْتَنَعَ فَهو مانِعٌ لا مُرَجِّحٌ، وإنْ لَمْ يَجِبْ ولا يَمْتَنِعْ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ وُقُوعُ الفِعْلِ مَعَهُ تارَةً ولا وُقُوعُهُ أُخْرى فاخْتِصاصُ وقْتِ الوُقُوعِ بِالوُقُوعِ إمّا أنْ يَكُونَ لِانْضِمامِ أمْرٍ إلَيْهِ لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ ذَلِكَ الوَقْتُ بِالوُقُوعِ أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ المُرَجِّحُ مَجْمُوعَ اللُّطْفِ مَعَ هَذِهِ الضَّمِيمَةِ الزّائِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِهَذا اللُّطْفِ أثَرٌ في التَّرْجِيحِ أصْلًا وقَدْ فَرَضْناهُ كَذَلِكَ هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ الثّانِي لَزِمَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ المُساوِي عَلى الآخَرِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا اللُّطْفِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. قَوْلُهُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِ فِعْلِ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهو فَصْلُ المَدْحِ والذَّمِّ، قُلْنا: إنَّهُ مُعارَضٌ بِسُؤالِ العِلْمِ وسُؤالُ الدّاعِي عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرارًا وأطْوارًا واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَشْهُورَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُما لَمّا كانا مُسْلِمَيْنِ فَكَيْفَ طَلَبا الإسْلامَ؟ قَدْ أدْرَجْناهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وذَكَرْنا عَنْهُ أجْوِبَةً شافِيَةً كافِيَةً والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى أنَّ صَيْرُورَتَهُما مُسْلِمَيْنِ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما ذَكَرْنا أنَّ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لِلْإسْلامِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِتَرْكِهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِتَرْكِهِ فَتِلْكَ القُدْرَةُ مُوجِبَةٌ فَخَلْقُ تِلْكَ القُدْرَةِ المُوجِبَةِ فِيهِما جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِتَرْكِهِ فَهو باطِلٌ ومَعَ تَسْلِيمِ إمْكانِهِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ أمّا بُطْلانُهُ فَلِأنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ، الأصْلُ والعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أثَرٌ ولِأنَّهُ عَدَمٌ باقٍ والباقِي لا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى ذَلِكَ العَدَمِ المُسْتَمِرِّ، فَإذَنْ لا قُدْرَةَ إلّا عَلى الوُجُودِ، فالقُدْرَةُ غَيْرُ صالِحَةٍ إلّا لِلْوُجُودِ، وأمّا أنَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ كَوْنِ القُدْرَةِ صالِحَةً لِلْوُجُودِ والعَدَمِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، لِأنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لا تَخْتَصُّ بِطَرَفِ الوُجُودِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، ويَجِبُ انْتِهاءُ المُرَجِّحاتِ إلى فِعْلِ
صفحة ٥٦
اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ المُرَجِّحِ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ وُقُوعُ الفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ هو الَّذِي يَصِحُّ عَلى قَوانِينِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ نَكُونُ مُسْلِمَيْنِ لَكَ لا لِغَيْرِكَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ سَعادَةِ العَبْدِ في أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وأنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِواهُ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيْ مُوَحِّدَيْنِ مُخْلِصَيْنِ لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ.
والثّانِي: قائِمَيْنِ بِجَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ وهو الأوْجَهُ لِعُمُومِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أما إنَّ العَبْدَ لا يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى وقْتَ الدُّعاءِ إلّا بِقَوْلِهِ: رَبَّنا فَسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] في شَرائِطِ الدُّعاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فالمَعْنى: واجْعَلْ مِن أوْلادِنا و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ وخَصَّ بَعْضَهم لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُما أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما الظّالِمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: أرادَ بِهِ العَرَبَ لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِما، و”أُمَّةً“ قِيلَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ كَما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا فَكَذَلِكَ يُوجَدُ فِيهِمْ مَن لا يَكُونُ ظالِمًا، فَإذَنْ كَوْنُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً صارَ مَعْلُومًا بِتِلْكَ الآيَةِ فَما الفائِدَةُ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ مَرَّةً أُخْرى ؟
الجَوابُ: تِلْكَ الدَّلالَةُ ما كانَتْ قاطِعَةً، والشَّفِيقُ بِسُوءِ الظَّنِّ مُولَعٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ ذُرِّيَّتَهُما بِالدُّعاءِ ألَيْسَ أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى البُخْلِ في الدُّعاءِ؟
والجَوابُ: الذُّرِّيَّةُ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والمَصْلَحَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِأنَّ أوْلادَ الأنْبِياءِ إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمْ غَيْرُهم وتابَعَهم عَلى الخَيْراتِ، ألا تَرى أنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ العُلَماءِ والكُبَراءِ إذا كانُوا عَلى السَّدادِ كَيْفَ يَتَسَبَّبُونَ إلى سَدادِ مَن وراءَهم.
السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ رَدَّ هَذا الدُّعاءَ لَصَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّدِّ فَلَمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرَّدِّ عَلِمْنا أنَّهُ أجابَهُ إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، فَإنَّ في زَمانِ أجْدادِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مُسْلِمًا، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ سِوى العَرَبِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
والجَوابُ: قالَ القَفّالُ: أنَّهُ لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِما مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ولَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقُسُّ بْنُ ساعِدَةَ، ويُقالُ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعامِرُ بْنُ الظَّرِبِ كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ يُقِرُّونَ بِالإبْداءِ والإعادَةِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ويُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى، ولا يَأْكُلُونَ المَيْتَةَ، ولا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ”أرِنا“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ عَلِّمْنا شَرائِعَ حِجِّنا إذْ أمَرْتَنا بِبِناءِ البَيْتِ لِنَحُجَّهُ ونَدْعُوَ
صفحة ٥٧
النّاسَ إلى حَجِّهِ، فَعَلِّمْنا شَرائِعَهُ وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَأْتِيَهُ فِيهِ مِن عَمَلٍ وقَوْلٍ مَجازُ هَذا مِن رُؤْيَةِ العِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفُرْقانِ: ٤٥]، ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفِيلِ: ١] .
الثّانِي: أظْهِرْها لِأعْيُنِنا حَتّى نَراها.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ كُلَّها، حَتّى بَلَغَ عَرَفاتٍ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ أعَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ مِنَ المَناسِكِ؟ قالَ: نَعَمْ فَسُمِّيَتْ عَرَفاتٍ فَلَمّا كانَ يَوْمُ النَّحْرِ أرادَ أنْ يَزُورَ البَيْتَ عَرَضَ لَهُ إبْلِيسُ فَسَدَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ فَفَعَلَ، فَذَهَبَ الشَّيْطانُ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ في اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ والرّابِعِ كُلُّ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَمْيِ الحَصَياتِ.
وهَهُنا قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المُرادَ العِلْمُ والرُّؤْيَةُ مَعًا. وهو قَوْلُ القاضِي لِأنَّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلّا بِأُمُورٍ بَعْضُها يُعْلَمُ ولا يُرى، وبَعْضُها لا يَتِمُّ الغَرَضُ مِنهُ إلّا بِالرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَبَقِيَ القَوْلُ المُعْتَبَرُ وهو القَوْلانِ الأوَّلانِ، فَمَن قالَ بِالقَوْلِ الثّانِي قالَ: إنَّ المَناسِكَ هي المَواقِفُ والمَواضِعُ الَّتِي يُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ كَمِنًى وعَرَفاتٍ والمُزْدَلِفَةِ ونَحْوِها، ومَن قالَ بِالأوَّلِ قالَ: إنَّ المَناسِكَ هي أعْمالُ الحَجِّ كالطَّوافِ والسَّعْيِ والوُقُوفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النُّسُكُ هو التَّعَبُّدُ، يُقالُ لِلْعابِدِ ناسِكٌ ثُمَّ سُمِّيَ الذَّبْحُ نُسُكًا والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةً، وسُمِّيَ أعْمالُ الحَجِّ مَناسِكَ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا» “ . والمَواضِعُ الَّتِي تُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ تُسَمّى: مَناسِكَ أيْضًا، ويُقالُ: المَنسَكُ بِفَتْحِ السِّينِ بِمَعْنى الفِعْلِ، وبِكَسْرِ السِّينِ بِمَعْنى المَواضِعِ، كالمَسْجِدِ والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحَجِّ: ٦٧] قُرِئَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى الفِعْلِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» “ أمَرَهم بِأنْ يَتَعَلَّمُوا أفْعالَهُ في الحَجِّ لا أنَّهُ أرادَ: خُذُوا عَنِّي مَواضِعَ نُسُكِكم إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا المَناسِكَ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، فَإنْ حَمَلْناها عَلى الأفْعالِ فالإراءَةُ لِتَعْرِيفِ تِلْكَ الأعْمالِ، وإنْ حَمَلْناها عَلى المَواضِعِ فالإراءَةُ لِتَعْرِيفِ البِقاعِ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ المَناسِكَ عَلى الذَّبِيحَةِ فَقَطْ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ الذَّبِيحَةَ إنَّما تُسَمّى نُسُكًا لِدُخُولِها تَحْتَ التَّعَبُّدِ، ولِذَلِكَ لا يُسَمُّونَ ما يُذْبَحُ لِلْأكْلِ بِذَلِكَ فَما لِأجْلِهِ سُمِّيَتِ الذَّبِيحَةُ نُسُكًا، وهو كَوْنُهُ عَمَلًا مِن أعْمالِ الحَجِّ قائِمٌ في سائِرِ الأعْمالِ، فَوَجَبَ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ وإنْ حَمْلَنا المَناسِكَ عَلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، واللُّزُومِ لِما يُرْضِيهِ وجُعِلَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ عَلِّمْنا كَيْفَ نَعْبُدُكَ، وأيْنَ نَعْبُدُكَ وبِماذا نَتَقَرَّبُ إلَيْكَ حَتّى نَخْدُمَكَ بِهِ كَما يَخْدُمُ العَبْدُ مَوْلاهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في بَعْضِ الرِّواياتِ ”أرْنا“ بِإسْكانِ الرّاءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ووافَقَهُما عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في حَرْفٍ واحِدٍ، في حم السَّجْدَةِ ﴿أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٩] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في بَعْضِ الرِّواياتِ الظّاهِرَةِ عَنْهُ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالكَسْرَةِ مُشْبَعَةً، وأصْلُهُ أرْئِنا بِالهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، نُقِلَتْ كَسْرَةُ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وهو الِاخْتِيارُ لِأنَّ أكْثَرَ القُرّاءِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ سَقَطَتِ الهَمْزَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْكُنَ الرّاءُ لِئَلّا يُجْحَفَ بِالكَلِمَةِ وتَذْهَبَ الدَّلالَةُ عَلى الهَمْزَةِ، وأمّا التَّسْكِينُ فَعَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وحَرَكَتِها وعَلى التَّشْبِيهِ بِما سَكَنَ كَقَوْلِهِمْ: فَخْذٌ وكَبْدٌ، وأمّا
صفحة ٥٨
الِاخْتِلاسُ فَلِطَلَبِ الخِفَّةِ وبَقاءِ الدَّلالَةِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: لِأنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوطَةٌ بِتَقَدُّمِ الذَّنْبِ، فَلَوْلا تَقَدُّمُ الذَّنْبِ وإلّا لَكانَ طَلَبُ التَّوْبَةِ طَلَبًا لِلْمُحالِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنّا نُجَوِّزُ الصَّغِيرَةَ عَلى الأنْبِياءِ فَكانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ تَوْبَةً مِنَ الصَّغِيرَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الصَّغائِرَ قَدْ صارَتْ مُكَفَّرَةً بِثَوابِ فاعِلِها وإذا صارَتْ مُكَفَّرَةً فالتَّوْبَةُ عَنْها مُحالٌ، لِأنَّ تَأْثِيرَ التَّوْبَةِ في إزالَتِها، وإزالَةُ الزّائِلِ مُحالٌ.
وهَهُنا أجْوِبَةٌ أُخَرُ تَصْلُحُ لِمَن جَوَّزَ الصَّغائِرَ ولِمَن لَمْ يُجَوِّزْها، وهي مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بِصُورَةِ التَّوْبَةِ تَشَدُّدًا في الِانْصِرافِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن تَصَوَّرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ النّادِمِ العازِمِ عَلى التَّحَرُّزِ الشَّدِيدِ، كانَ أقْرَبَ إلى تَرْكِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا داعِيًا إلى تَرْكِ المَعاصِي.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَةِ رَبِّهِ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّقْصِيرِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ: إمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، أوْ عَلى سَبِيلِ تَرْكِ الأوْلى، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا عاصِيًا، لا جَرَمَ سَألَ هَهُنا أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُوَفِّقَ أُولَئِكَ العُصاةَ المُذْنِبِينَ لِلتَّوْبَةِ فَقالَ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ أيْ عَلى المُذْنِبِينَ مِن ذُرِّيَّتِنا، والأبُ المُشْفِقُ عَلى ولَدِهِ إذا أذْنَبَ ولَدُهُ فاعْتَذَرَ الوالِدُ عَنْهُ فَقَدْ يَقُولُ: أجْرَمْتُ وعَصَيْتُ وأذْنَبْتُ فاقْبَلْ عُذْرِي ويَكُونُ مُرادُهُ: إنَّ ولَدِي أذْنَبَ فاقْبَلْ عُذْرَهُ، لِأنَّ ولَدَ الإنْسانِ يَجْرِي مَجْرى نَفْسِهِ، والَّذِي يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما حَكى اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦، ٣٥] فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن عَصانِي فَإنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ إنْ تابَ، وتَغْفِرَ لَهُ ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ.
الثّانِي: ذَكَرَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وأرِهِمْ مَناسِكَهم وتُبْ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ .
الرّابِعُ: تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] بِجَعْلِ خَلْقِهِ إيّاهُ خَلْقًا لَهم إذْ كانُوا مِنهُ، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ أرِنا ذُرِّيَّتَنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ مَخْلُوقَةً لِلْعَبْدِ، لَكانَ طَلَبُها مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالًا وجَهْلًا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى طَلَبَ التَّوْبَةَ مِنّا، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] ولَوْ كانَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ طَلَبُها مِنَ العَبْدِ مُحالًا وجَهْلًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى التَّوْفِيقِ وفِعْلِ الألْطافِ أوْ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ العَبْدِ، قالَ الأصْحابُ: التَّرْجِيحُ مَعَنا لِأنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يُعَضِّدُ قَوْلَنا مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ مَتى لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى داعِيَةً مُوجِبَةً لِلتَّوْبَةِ اسْتَحالَ حُصُولُ التَّوْبَةِ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ العَبْدِ، وتَقْرِيرُ دَلِيلِ الدّاعِي قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وثانِيها: أنَّ التَّوْبَةَ عَلى ما لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ: عِلْمٍ
صفحة ٥٩
وحالٍ وعَمَلٍ، فالعِلْمُ أوَّلٌ والحالُ ثانٍ وهو مُوجِبُ العِلْمِ والعَمَلُ ثالِثٌ وهو مُوجِبُ الحالِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ عِظَمِ ضَرَرِ الذُّنُوبِ، يَتَوَلَّدُ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَوْتِ المَنفَعَةِ وحُصُولِ المَضَرَّةِ، وهَذا التَّألُّمُ هو المُسَمّى بِالنَّدَمِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن هَذا النَّدَمِ صِفَةٌ تُسَمّى إرادَةً، ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالحالِ فَهو التَّرْكُ لِلذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالِاسْتِقْبالِ فَبِالعَزْمِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمُرِ، وأمّا في الماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهَذا العِلْمِ الإيمانَ واليَقِينَ، فَإنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِأنَّ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ واليَقِينَ عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ هَذا التَّصْدِيقِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ واسْتِيلائِهِ عَلى القَلْبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا اليَقِينَ مَهْما اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ اشْتَعَلَ نارُ النَّدَمِ فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ يُبْصِرُ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ، أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ تَرَتُّبَ الفِعْلِ عَلى الإرادَةِ ضَرُورِيٌّ لِأنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ الخالِيَةَ عَنِ المُعارِضِ لا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الفِعْلُ وتَرَتُّبُ الإرادَةِ عَلى تَألُّمِ القَلْبِ أيْضًا ضَرُورِيٌّ، فَإنَّ مَن تَألَّمَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ مُشاهَدَةِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ إرادَةُ الدَّفْعِ وتَرَتُّبُ ذَلِكَ الألَمِ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ جالِبًا لِلْمَضارِّ، ودَفْعًا لِلْمَنافِعِ أيْضًا أمْرٌ ضَرُورِيٌّ، فَكُلُّ هَذِهِ المَراتِبِ ضَرُورِيَّةٌ فَكَيْفَ تَحْصُلُ تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكَلُّفِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: الدّاخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ هو العِلْمُ، إلّا أنَّ فِيهِ أيْضًا إشْكالًا، لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكْلِيفِ أيْضًا، وإنْ كانَ نَظَرِيًّا فَهو مُسْتَنْتَجٌ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. فَمَجْمُوعُ تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ المُنْتِجَةِ لِلْعِلْمِ النَّظَرِيِّ الأوَّلِ، إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في ذَلِكَ الإنْتاجِ أوْ غَيْرَ كافٍ، فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ تَرَتُّبُ ذَلِكَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ المُسْتَنْتَجِ أوَّلًا عَلى تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ واجِبًا، والَّذِي يَجِبُ تَرَتُّبُهُ عَلى ما يَكُونُ خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، كانَ أيْضًا خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كافِيًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَذَلِكَ الآخَرُ إنْ كانَ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَهو إنْ كانَ حاصِلًا فالَّذِي فَرَضْناهُ غَيْرُ كافٍ، وقَدْ كانَ كافِيًا، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ مِنَ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ افْتَقَرَ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ إلى عِلْمٍ نَظَرِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ أوَّلًا لِلْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وهَذا خُلْفٌ.
ثُمَّ الكَلامُ في ذَلِكَ الأوَّلِ كَما فِيما قَبْلَهُ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا آخِرًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، وهو الحَقُّ المُطابِقُ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وأنَّ سائِرَ الآياتِ المُعارِضَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ أوْلى بِالتَّأْوِيلِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ يُرِيدُ مَن أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ لِأنَّهُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ووَصْفُهُ لِذُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَذا الدُّعاءُ يُفِيدُ كَمالَ حالِ ذُرِّيَّتِهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فِيهِمْ رَسُولٌ يُكْمِلُ لَهُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ ويَدْعُوهم إلى ما يَثْبُتُونَ بِهِ عَلى الإسْلامِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبْعُوثُ مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِيَكُونَ مَحَلُّهم ورُتْبَتُهم في
صفحة ٦٠
العِزِّ والدِّينِ أعْظَمَ، لِأنَّ الرَّسُولَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ إذا كانا مَعًا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كانَ أشْرَفَ لِطَلِبَتِهِ إذا أُجِيبَ إلَيْها.
وثانِيها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم فَإنَّهم يَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ فَيَقْرُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَةِ صِدْقِهِ وأمانَتِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى خَيْرِهِمْ وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأجْنَبِيِّ لَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ مُرادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِمارَةَ الدِّينِ في الحالِ وفي المُسْتَقْبَلِ، وكانَ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ ويَكْمُلُ بِأنْ يَكُونَ القَوْمُ مِن ذُرِّيَّتِهِ حَسُنَ مِنهُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ لَهُ بِذَلِكَ نِهايَةُ المُرادِ في الدِّينِ، ويَنْضافُ إلَيْهِ السُّرُورُ العَظِيمُ بِأنْ يَكُونَ هَذا الأمْرُ في ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ لا عِزَّ ولا شَرَفَ أعْلى مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ.
وأمّا إنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ وهو حُجَّةٌ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى» “ وأرادَ بِالدَّعْوَةِ هَذِهِ الآيَةَ، وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الصَّفِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] .
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا بِهَذا الدُّعاءِ بِمَكَّةَ لِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ بِها وبِما حَوْلَها ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى إلى مَن بِمَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا مُحَمَّدًا ﷺ .
وهَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّهُ يُقالُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ في بابِ الصَّلاةِ حَيْثُ يُقالُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ فَلَمّا وجَبَ لِلْخَلِيلِ عَلى الحَبِيبِ حَقُّ دُعائِهِ لَهُ قَضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَقَّهُ بِأنْ أجْرى ذِكْرَهُ عَلى ألْسِنَةِ أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ ذَلِكَ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] يَعْنِي أبْقِ لِي ثَناءً حَسَنًا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وقَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ حَبِيبِهِ إبْقاءً لِلثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ في أُمَّتِهِ.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أبَ المِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ومُحَمَّدٌ كانَ أبَ الرَّحْمَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم“ وقالَ في قِصَّتِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ» “، يَعْنِي في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، فَلَمّا وجَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حَقُّ الأُبُوَّةِ مِن وجْهٍ قَرَّبَ بَيْنَ ذِكْرِهِما في بابِ الثَّناءِ والصَّلاةِ.
ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنادِيَ الشَّرِيعَةِ في الحَجِّ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحَجِّ: ٢٧] وكانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيَ الدِّينِ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٣] فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما في الذِّكْرِ الجَمِيلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ بَعْثَةَ رَسُولٍ مِنهم إلَيْهِمْ، ذَكَرَ لِذَلِكَ الرَّسُولِ صِفاتٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّها الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الأعْلامَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها ويَدْعُوهم إلَيْها ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِتِلاوَةِ الكِتابِ ويُعَلِّمُهم مَعانِيَ الكِتابِ وحَقائِقَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ التِّلاوَةَ مَطْلُوبَةٌ لِوُجُوهٍ:
مِنها بَقاءُ لَفْظِها عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ التَّواتُرِ فَيَبْقى مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ
صفحة ٦١
والتَّصْحِيفِ، ومِنها أنْ يَكُونَ لَفْظُهُ ونَظْمُهُ مُعْجِزًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنها أنْ يَكُونَ في تِلاوَتِهِ نَوْعُ عِبادَةٍ وطاعَةٍ، ومِنها أنْ تَكُونَ قِراءَتُهُ في الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ نَوْعَ عِبادَةٍ، فَهَذا حُكْمُ التِّلاوَةِ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى والمَقْصُودَ الأشْرَفَ تَعْلِيمُ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ هُدًى ونُورًا لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي والحِكَمِ والأسْرارِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا أمْرَ التِّلاوَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ تَعْلِيمَ حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ فَقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ .
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ هي: الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، ولا يُسَمّى حَكِيمًا إلّا مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الأمْرانِ وقِيلَ: أصْلُها مِن أحْكَمْتُ الشَّيْءَ أيْ رَدَدْتُهُ، فَكَأنَّ الحِكْمَةَ هي الَّتِي تَرُدُّ عَنِ الجَهْلِ والخَطَأِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِما ذَكَرْنا مِنَ الإصابَةِ في القَوْلِ والفِعْلِ، ووَضْعِ كُلِّ شَيْءِ مَوْضِعَهُ.
قالَ القَفّالُ: وعَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالحِكْمَةِ هَهُنا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ وهْبٍ قُلْتُ لِمالِكٍ: ما الحِكْمَةُ ؟ قالَ: مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلاوَةَ الكِتابِ أوَّلًا وتَعْلِيمَهُ ثانِيًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ شَيْئًا خارِجًا عَنِ الكِتابِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا سُنَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَعْلِيمِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العُقُولَ مُسْتَقْبِلَةٌ بِذَلِكَ فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الشَّرْعِ أوْلى.
وثالِثُها: الحِكْمَةُ هي الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحُكْمِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. والمَعْنى: يُعَلِّمُهم كِتابَكَ الَّذِي تُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ، وفَصْلَ أقَضِيَتِكَ وأحْكامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إيّاها، ومِثالُ هَذا: الخُبْرُ والخِبْرَةُ، والعُذْرُ والعِذْرَةُ، والغُلُّ والغِلَّةُ، والذُّلُّ والذِّلَّةُ.
ورابِعُها: ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ أرادَ بِهِ الآياتِ المُحْكَمَةَ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها الآياتِ المُتَشابِهاتِ.
وخامِسُها: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ يُعَلِّمُهم ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها أنَّهُ يُعَلِّمُهم حِكْمَةَ تِلْكَ الشَّرائِعِ وما فِيها مِن وُجُوهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكُلُّ صِفاتُ الكِتابِ كَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ آياتٌ، وبِأنَّهُ كِتابٌ، وبِأنَّهُ حِكْمَةٌ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ: قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَإنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ طاهِرًا عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، ولَمْ يَكُنْ زَكِيًّا عَنْها، فَلَمّا ذَكَرَ صِفاتِ الفَضْلِ والكَمالِ أرْدَفَها بِذِكْرِ التَّزْكِيَةِ عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، فَقالَ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّصَرُّفِ في بَواطِنِ المُكَلَّفِينَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ لَكِنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ فِيها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ الزَّكاءُ حاصِلًا فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الجَبْرِ لا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فَإذَنْ هَذِهِ التَّزْكِيَةُ لَها تَفْسِيرانِ:
الأوَّلُ: ما يَفْعَلُهُ سِوى التِّلاوَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِطَهارَتِهِمْ، وتِلْكَ الأُمُورُ ما كانَ يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ والإيعادِ، والوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، وتَكْرِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ومِنَ التَّشَبُّثِ بِأُمُورِ الدُّنْيا إلى أنْ يُؤْمِنُوا ويَصْلُحُوا، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْعَلُ مِن هَذا الجِنْسِ أشْياءَ كَثِيرَةً لِيُقَوِّيَ بِها
صفحة ٦٢
دَواعِيَهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ مَدَحَهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وأنَّهُ أُوتِيَ مَكارِمَ الأخْلاقِ.
الثّانِي: يُزَكِّيهِمْ، يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا شَهِدَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، كَتَزْكِيَةِ المُزَكِّي الشُّهُودَ، والأوَّلُ أجْوَدُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في مُشاكَلَةِ مُرادِهِ بِالدُّعاءِ، لِأنَّ مُرادَهُ أنْ يَتَكامَلَ لِهَذِهِ الذُّرِّيَّةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ الشَّدِيدِ في العَمَلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِالعَمَلِ وهو التَّزْكِيَةُ. هَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يُطَهِّرُهم مِن شِرْكِهِمْ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سَيَكُونُ في ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ جُهّالٌ لا حِكْمَةَ فِيهِمْ ولا كِتابَ، وأنَّ الشِّرْكَ يُنَجِّسُهم، وأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يُطَهِّرُهم ويَجْعَلُهم حُكَماءَ الأرْضِ بَعْدَ جَهْلِهِمْ.
وثانِيها: التَّزْكِيَةُ هي الطّاعَةُ لِلَّهِ والإخْلاصُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: ويُزَكِّيهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وسائِرِ الأرْجاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّعَواتِ خَتَمَها بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ والعَزِيزُ: هو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والحَكِيمُ هو العالِمُ الَّذِي لا يَجْهَلُ شَيْئًا، وإذا كانَ عالِمًا قادِرًا كانَ ما يَفْعَلُهُ صَوابًا ومُبَرَّأً عَنِ العَبَثِ والسَّفَهِ، ولَوْلا كَوْنُهُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ مِنهُ إجابَةُ الدُّعاءِ ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ، ولا إنْزالُ الكِتابِ.
واعْلَمْ أنَّ العَزِيزَ مِن صِفاتِ الذّاتِ إذا أُرِيدَ اقْتِدارُهُ عَلى الأشْياءِ وامْتِناعُهُ مِنَ الهَضْمِ والذِّلَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجاتِ لَمْ تَلْحَقْهُ ذِلَّةُ المُحْتاجِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْنَعَ مِن مُرادِهِ حَتّى يَلْحَقَهُ اهْتِضامٌ، فَهو عَزِيزٌ لا مَحالَةَ، وأمّا الحَكِيمُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ مَعْنى العَلِيمِ فَهو مِن صِفاتِ الذّاتِ، فَإذا أُرِيدَ بِالعِزَّةِ كَمالُ العِزَّةِ وهو الِامْتِناعُ مِنِ اسْتِيلاءِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، وأُرِيدَ بِالحِكْمَةِ أفْعالُ الحِكْمَةِ لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ والحَكِيمُ مِن صِفاتِ الذّاتِ بَلْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الصِّفاتِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ أزَلِيَّةٌ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ تَصْدُقَ نَقائِضُها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ صِفاتِ الفِعْلِ أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ يُعْتَبَرُ في تَحَقُّقِها صُدُورُ الآثارِ عَنِ الفاعِلِ، وصِفاتِ الذّاتِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ النَّظّامُ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى القَبِيحِ بِأنْ قالَ: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِذاتِهِ، وإذا كانَ حَكِيمًا لِذاتِهِ لَمْ يَكُنِ القَبِيحُ مَقْدُورًا، والحِكْمَةُ لِذاتِها تُنافِي فِعْلَ القَبِيحِ، فالإلَهُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ فِعْلُ القَبِيحِ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، إنَّما قُلْنا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ لَجازَ تَبَدُّلُهُ بِنَقِيضِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلَهًا مَعَ عَدَمِ الحِكْمَةِ وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مُحالٌ، وأمّا أنَّ الحِكْمَةَ تُنافِي فِعْلَ السَّفَهِ فَذَلِكَ أيْضًا مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، وأمّا أنَّ مُسْتَلْزِمَ المُنافِي مُنافٍ فَمَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإذَنِ الإلَهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْرِيرُها مَعَ فِعْلِ السَّفَهِ، وأمّا أنَّ المُحالَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَبَيِّنٌ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ سَفَهًا مِنهُ فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أنَّهُما عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ ذَكَرا ثَلاثَةً مِنَ الدُّعاءِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّابِتَةُ، ومِنهُ أقْعَدَكَ اللَّهُ أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ أيْ يُثَبِّتُكَ ورَفَعَ الأساسَ البَنّاءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَّقاصُرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها سافاتِ البِناءِ لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ ويُوضَعُ فَوْقَهُ، ومَعْنى رَفْعِ القَواعِدِ رَفْعُها بِالبِناءِ لِأنَّهُ إذا وضَعَ سافًا فَوْقَ سافٍ فَقَدْ رَفَعَ السّافاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ الأخْبارِ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَوَيْنا مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ تِلْكَ القَواعِدَ كانَتْ مَوْجُودَةً مُتَهَدِّمَةً إلّا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَها وعَمَّرَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ وبِنائِهِ ؟ قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ كانَ شَرِيكًا لَهُ في ذَلِكَ والتَّقْدِيرُ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطْفُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُها ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا ذِكْرُ رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إسْماعِيلُ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ اشْتِراكَهُما في ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْتَرِكا في البِناءِ ورَفْعِ الجُدْرانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما بانِيًا لِلْبَيْتِ والآخَرُ يَرْفَعُ إلَيْهِ الحَجَرَ والطِّينَ، ويُهَيِّئُ لَهُ الآلاتِ والأدَواتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَصِحُّ إضافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِما، وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أُدْخِلَ في الحَقِيقَةِ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إسْماعِيلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ لَمّا بَنى البَيْتَ خَرَجَ وخَلَّفَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ فَقالا: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى اللَّهِ فَعَطِشَ إسْماعِيلُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنَ الماءِ فَناداهُما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَحَصَ الأرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ وهَؤُلاءِ جَعَلُوا الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَءُوا: وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا طاعَتَنا بِبِناءِ هَذا البَيْتِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ إسْماعِيلُ شَرِيكًا
صفحة ٥٣
فِي الدُّعاءِ لا في البِناءِ، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ماذا يَقْبَلُ فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو رَفْعُ البَيْتِ فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ كَيْفَ يَدْعُو اللَّهَ بِأنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنهُ، فَإذَنْ هَذا القَوْلُ عَلى خِلافِ ظاهِرِ القُرْآنِ فَوَجَبَ رَدُّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَرْفَعُ قَواعِدَ البَيْتِ، لِأنَّ في إبْهامِ القَواعِدِ وتَبْيِينِها بَعْدَ الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ الشَّأْنِ ما لَيْسَ في العِبارَةِ الأُخْرى، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُما بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الدُّعاءِ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ فَقالَ المُتَكَلِّمُونَ: كُلُّ عَمَلٍ يَقْبَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو يُثِيبُ صاحِبَهُ ويَرْضاهُ مِنهُ، والَّذِي لا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ ولا يَرْضاهُ مِنهُ فَهو المَرْدُودُ، فَهَهُنا عَبَّرَ عَنْ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ، فَذَكَرَ لَفْظَ القَبُولِ وأرادَ بِهِ الثَّوابَ والرِّضا لِأنَّ التَّقَبُّلَ هو أنْ يَقْبَلَ الرَّجُلُ ما يُهْدى إلَيْهِ، فَشَبَّهَ الفِعْلَ مِنَ العَبْدِ بِالعَطِيَّةِ، والرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ تَوَسُّعًا. وقالَ العارِفُونَ: فَرْقٌ بَيْنَ القَبُولِ والتَّقَبُّلِ فَإنَّ التَّقَبُّلَ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَتَكَلَّفَ الإنْسانُ في قَبُولِهِ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ العَمَلُ ناقِصًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ فَهَذا اعْتِرافٌ مِنهُما بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ، واعْتِرافٌ بِالعَجْزِ والِانْكِسارِ، وأيْضًا فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْطاءَ الثَّوابِ عَلَيْهِ، لِأنَّ كَوْنَ الفِعْلِ واقِعًا مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ المَخْدُومِ ألَذُّ عِنْدَ الخادِمِ العاقِلِ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ عَلَيْهِ وتَمامُ تَحْقِيقِهِ سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ المَحَبَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥] واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهم بَعْدَ أنْ أتَوْا بِتِلْكَ العِبادَةِ مُخْلِصِينَ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في قَبُولِها وطَلَبُوا الثَّوابَ عَلَيْها عَلى ما قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، ولَوْ كانَ تَرْتِيبُ الثَّوابِ عَلى الفِعْلِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، لَما كانَ في هَذا الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فائِدَةٌ، فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى أنَّ الإنْسانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ فَيَقُولُ: يا إلَهِي اجْعَلِ النّارَ حارَّةً والجَمَدَ بارِدًا، بَلْ ذَلِكَ الدُّعاءُ أحْسَنُ لِأنَّهُ لا اسْتِبْعادَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ في صَيْرُورَةِ النّارِ حالَ بَقائِها عَلى صُورَتِها في الإشْراقِ والِاشْتِعالِ بارِدَةً، والجَمَدِ حالَ بَقائِهِ عَلى صُورَتِهِ في الِانْجِمادِ والبَياضِ حارًّا ويَسْتَحِيلُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ لا يَتَرَتَّبَ الثَّوابُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ هَهُنا أقْبَحَ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما عَقَّبَ هَذا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَسْمَعُ دُعاءَنا وتَضَرُّعَنا، وتَعْلَمُ ما في قَلْبِنا مِنَ الإخْلاصِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى أحَدٍ سِواكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَكُونُ سَمِيعًا. قُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ لِكَمالِهِ في هَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ كَأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِها دُونَ غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الدُّعاءِ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فَإنَّ الإسْلامَ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الدِّينَ والِاعْتِقادَ، أوِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ رَغِبا في أنْ يَجْعَلَهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ: وجَعْلُهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا خَلْقُ ذَلِكَ فِيهِما، فَإنَّ الجَعْلَ عِبارَةٌ عَنِ الخَلْقِ، قالَ اللَّهُ
صفحة ٥٤
تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الإسْلامَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّهُما وقْتَ السُّؤالِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ، إذْ لَوْ كانا مُسْلِمَيْنِ لَكانَ طَلَبُ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وإنَّهُ باطِلٌ، لَكِنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُما كانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، ولِأنَّ صُدُورَ هَذا الدُّعاءِ مِنهُما لا يَصْلُحُ إلّا بَعْدَ أنْ كانا مُسْلِمَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ بِها، سَلَّمْنا أنَّها لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الجَعْلَ عِبارَةٌ عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ، بَلْ لَهُ مَعانٍ أُخَرُ سِوى الخَلْقِ.
أحَدُها: جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٤٧] .
وثانِيها: جَعَلَ بِمَعْنى وهَبَ، نَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وهَذا العَبْدَ وهَذا الفَرَسَ.
وثالِثُها: جَعَلَ بِمَعْنى الوَصْفِ لِلشَّيْءِ والحُكْمِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] وقالَ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] .
ورابِعُها: جَعَلَهُ كَذَلِكَ بِمَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] يَعْنِي أمَرْناهم بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ، وقالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَهو بِالأمْرِ.
وخامِسُها: أنْ يَجْعَلَهُ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ كاتِبًا وشاعِرًا إذا عَلَّمْتَهُ ذَلِكَ.
وسادِسُها: البَيانُ والدَّلالَةُ تَقُولُ: جَعَلْتُ كَلامَ فُلانٍ باطِلًا إذا أوْرَدْتَ مِنَ الحُجَّةِ ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ ذَلِكَ، إذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَهُما بِالإسْلامِ والحُكْمِ لَهُما بِذَلِكَ كَما يُقالُ: جَعَلَنِي فُلانٌ لِصًّا وجَعَلَنِي فاضِلًا أدِيبًا إذا وصَفَهُ بِذَلِكَ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الجَعْلِ الخَلْقُ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ خَلْقَ الألْطافِ الدّاعِيَةِ لَهُما إلى الإسْلامِ وتَوْفِيقَهُما لِذَلِكَ فَمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمُورِ حَتّى يَفْعَلَها فَقَدْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا لَهُ، ومِثالُهُ: مَن يُؤَدِّبُ ابْنَهُ حَتّى يَصِيرَ أدِيبًا فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: صَيَّرْتُكَ أدِيبًا وجَعَلْتُكَ أدِيبًا، وفي خِلافِ ذَلِكَ يُقالُ: جَعَلَ ابْنَهُ لِصًّا مُحْتالًا، سَلَّمْنا أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْإسْلامِ، لَكِنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَوَجَبَ تَرْكُ القَوْلِ بِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما اسْتَحَقَّ العَبْدُ بِهِ مَدْحًا ولا ذَمًّا، ولا ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المُسْلِمَ المُطِيعَ لا العَبْدُ.
والجَوابُ: قَوْلُهُ: الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الإسْلامَ عَرَضٌ قائِمٌ بِالقَلْبِ وأنَّهُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اخْلُقْ هَذا العَرَضَ فِينا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ دائِمًا، وطَلَبُ تَحْصِيلِهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي حُصُولَهُ في الحالِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الزِّيادَةَ في الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ٤]، ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧] وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] فَكَأنَّهُما دَعَواهُ بِزِيادَةِ اليَقِينِ والتَّصْدِيقِ، وطَلَبُ الزِّيادَةِ لا يُنافِي حُصُولَ الأصْلِ في الحالِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإسْلامَ إذا أُطْلِقَ يُفِيدُ الإيمانَ والِاعْتِقادَ، فَأمّا إذا أُضِيفَ بِحَرْفِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فالمُرادُ الِاسْتِسْلامُ لَهُ والِانْقِيادُ والرِّضا بِكُلِّ ما قَدَّرَ وتَرْكُ المُنازَعَةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأقْضِيَتِهِ، فَلَقَدْ كانا عارِفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لَكِنْ لَعَلَّهُ بَقِيَ في قُلُوبِهِما نَوْعٌ مِنَ المُنازَعَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ البَشَرِيَّةِ فَأرادَ أنْ يُزِيلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُما
صفحة ٥٥
بِالكُلِّيَّةِ لِيَحْصُلَ لَهُما مَقامُ الرِّضا بِالقَضاءِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ. قَوْلُهُ: يُحْمَلُ الجَعْلُ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَوْصُوفَ إذا حَصَلَتِ الصِّفَةُ لَهُ فَلا فائِدَةَ في الصِّفَةِ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ هو مُجَرَّدَ الوَصْفِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى تَحْصِيلِ الصِّفَةِ، ولا يُقالُ: وصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ ثَناءٌ ومَدْحٌ وهو مَرْغُوبٌ فِيهِ، قُلْنا: نَعَمْ لَكِنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ نَفْسِ الشَّيْءِ أكْثَرُ مِنَ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ الوَصْفِ بِهِ والحُكْمِ بِهِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّهُ مَتى حَصَلَ الإسْلامُ فِيهِما فَقَدِ اسْتَحَقّا التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ واللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ، فَكانَ ذَلِكَ الوَصْفُ حاصِلًا وأيُّ فائِدَةٍ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّسْمِيَةَ لَوَجَبَ أنَّ كُلَّ مَن سَمّى إبْراهِيمَ مُسْلِمًا جازَ أنْ يُقالَ جَعَلَهُ مُسْلِمًا، أمّا قَوْلُهُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، قُلْنا: هَذا أيْضًا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ لَفْظَ الجَعْلِ مُضافٌ إلى الإسْلامِ فَصَرْفُهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الألْطافَ قَدْ فَعَلَها اللَّهُ تَعالى وأوْجَدَها وأخْرَجَها إلى الوُجُودِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَطَلَبُها يَكُونُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ الألْطافَ إمّا أنْ يَكُونَ لَها أثَرٌ في تَرْجِيحِ جانِبِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في هَذا التَّرْجِيحِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لُطْفًا وإنْ كانَ لَها أثَرٌ في التَّرْجِيحِ فَنَقُولُ: مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ التَّرْجِيحِ إمّا أنْ يَجِبَ الفِعْلُ أوْ يَمْتَنِعَ أوْ لا يَجِبَ ولا يَمْتَنِعَ، فَإنْ وجَبَ فَهو المَطْلُوبُ، وإنِ امْتَنَعَ فَهو مانِعٌ لا مُرَجِّحٌ، وإنْ لَمْ يَجِبْ ولا يَمْتَنِعْ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ وُقُوعُ الفِعْلِ مَعَهُ تارَةً ولا وُقُوعُهُ أُخْرى فاخْتِصاصُ وقْتِ الوُقُوعِ بِالوُقُوعِ إمّا أنْ يَكُونَ لِانْضِمامِ أمْرٍ إلَيْهِ لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ ذَلِكَ الوَقْتُ بِالوُقُوعِ أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ المُرَجِّحُ مَجْمُوعَ اللُّطْفِ مَعَ هَذِهِ الضَّمِيمَةِ الزّائِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِهَذا اللُّطْفِ أثَرٌ في التَّرْجِيحِ أصْلًا وقَدْ فَرَضْناهُ كَذَلِكَ هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ الثّانِي لَزِمَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ المُساوِي عَلى الآخَرِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا اللُّطْفِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. قَوْلُهُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِ فِعْلِ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهو فَصْلُ المَدْحِ والذَّمِّ، قُلْنا: إنَّهُ مُعارَضٌ بِسُؤالِ العِلْمِ وسُؤالُ الدّاعِي عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرارًا وأطْوارًا واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَشْهُورَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُما لَمّا كانا مُسْلِمَيْنِ فَكَيْفَ طَلَبا الإسْلامَ؟ قَدْ أدْرَجْناهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وذَكَرْنا عَنْهُ أجْوِبَةً شافِيَةً كافِيَةً والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى أنَّ صَيْرُورَتَهُما مُسْلِمَيْنِ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما ذَكَرْنا أنَّ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لِلْإسْلامِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِتَرْكِهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِتَرْكِهِ فَتِلْكَ القُدْرَةُ مُوجِبَةٌ فَخَلْقُ تِلْكَ القُدْرَةِ المُوجِبَةِ فِيهِما جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِتَرْكِهِ فَهو باطِلٌ ومَعَ تَسْلِيمِ إمْكانِهِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ أمّا بُطْلانُهُ فَلِأنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ، الأصْلُ والعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أثَرٌ ولِأنَّهُ عَدَمٌ باقٍ والباقِي لا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى ذَلِكَ العَدَمِ المُسْتَمِرِّ، فَإذَنْ لا قُدْرَةَ إلّا عَلى الوُجُودِ، فالقُدْرَةُ غَيْرُ صالِحَةٍ إلّا لِلْوُجُودِ، وأمّا أنَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ كَوْنِ القُدْرَةِ صالِحَةً لِلْوُجُودِ والعَدَمِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، لِأنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لا تَخْتَصُّ بِطَرَفِ الوُجُودِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، ويَجِبُ انْتِهاءُ المُرَجِّحاتِ إلى فِعْلِ
صفحة ٥٦
اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ المُرَجِّحِ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ وُقُوعُ الفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ هو الَّذِي يَصِحُّ عَلى قَوانِينِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ نَكُونُ مُسْلِمَيْنِ لَكَ لا لِغَيْرِكَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ سَعادَةِ العَبْدِ في أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وأنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِواهُ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيْ مُوَحِّدَيْنِ مُخْلِصَيْنِ لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ.
والثّانِي: قائِمَيْنِ بِجَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ وهو الأوْجَهُ لِعُمُومِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أما إنَّ العَبْدَ لا يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى وقْتَ الدُّعاءِ إلّا بِقَوْلِهِ: رَبَّنا فَسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] في شَرائِطِ الدُّعاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فالمَعْنى: واجْعَلْ مِن أوْلادِنا و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ وخَصَّ بَعْضَهم لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُما أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما الظّالِمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: أرادَ بِهِ العَرَبَ لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِما، و”أُمَّةً“ قِيلَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ كَما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا فَكَذَلِكَ يُوجَدُ فِيهِمْ مَن لا يَكُونُ ظالِمًا، فَإذَنْ كَوْنُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً صارَ مَعْلُومًا بِتِلْكَ الآيَةِ فَما الفائِدَةُ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ مَرَّةً أُخْرى ؟
الجَوابُ: تِلْكَ الدَّلالَةُ ما كانَتْ قاطِعَةً، والشَّفِيقُ بِسُوءِ الظَّنِّ مُولَعٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ ذُرِّيَّتَهُما بِالدُّعاءِ ألَيْسَ أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى البُخْلِ في الدُّعاءِ؟
والجَوابُ: الذُّرِّيَّةُ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والمَصْلَحَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِأنَّ أوْلادَ الأنْبِياءِ إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمْ غَيْرُهم وتابَعَهم عَلى الخَيْراتِ، ألا تَرى أنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ العُلَماءِ والكُبَراءِ إذا كانُوا عَلى السَّدادِ كَيْفَ يَتَسَبَّبُونَ إلى سَدادِ مَن وراءَهم.
السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ رَدَّ هَذا الدُّعاءَ لَصَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّدِّ فَلَمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرَّدِّ عَلِمْنا أنَّهُ أجابَهُ إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، فَإنَّ في زَمانِ أجْدادِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مُسْلِمًا، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ سِوى العَرَبِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
والجَوابُ: قالَ القَفّالُ: أنَّهُ لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِما مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ولَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقُسُّ بْنُ ساعِدَةَ، ويُقالُ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعامِرُ بْنُ الظَّرِبِ كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ يُقِرُّونَ بِالإبْداءِ والإعادَةِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ويُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى، ولا يَأْكُلُونَ المَيْتَةَ، ولا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ”أرِنا“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ عَلِّمْنا شَرائِعَ حِجِّنا إذْ أمَرْتَنا بِبِناءِ البَيْتِ لِنَحُجَّهُ ونَدْعُوَ
صفحة ٥٧
النّاسَ إلى حَجِّهِ، فَعَلِّمْنا شَرائِعَهُ وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَأْتِيَهُ فِيهِ مِن عَمَلٍ وقَوْلٍ مَجازُ هَذا مِن رُؤْيَةِ العِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفُرْقانِ: ٤٥]، ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفِيلِ: ١] .
الثّانِي: أظْهِرْها لِأعْيُنِنا حَتّى نَراها.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ كُلَّها، حَتّى بَلَغَ عَرَفاتٍ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ أعَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ مِنَ المَناسِكِ؟ قالَ: نَعَمْ فَسُمِّيَتْ عَرَفاتٍ فَلَمّا كانَ يَوْمُ النَّحْرِ أرادَ أنْ يَزُورَ البَيْتَ عَرَضَ لَهُ إبْلِيسُ فَسَدَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ فَفَعَلَ، فَذَهَبَ الشَّيْطانُ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ في اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ والرّابِعِ كُلُّ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَمْيِ الحَصَياتِ.
وهَهُنا قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المُرادَ العِلْمُ والرُّؤْيَةُ مَعًا. وهو قَوْلُ القاضِي لِأنَّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلّا بِأُمُورٍ بَعْضُها يُعْلَمُ ولا يُرى، وبَعْضُها لا يَتِمُّ الغَرَضُ مِنهُ إلّا بِالرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَبَقِيَ القَوْلُ المُعْتَبَرُ وهو القَوْلانِ الأوَّلانِ، فَمَن قالَ بِالقَوْلِ الثّانِي قالَ: إنَّ المَناسِكَ هي المَواقِفُ والمَواضِعُ الَّتِي يُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ كَمِنًى وعَرَفاتٍ والمُزْدَلِفَةِ ونَحْوِها، ومَن قالَ بِالأوَّلِ قالَ: إنَّ المَناسِكَ هي أعْمالُ الحَجِّ كالطَّوافِ والسَّعْيِ والوُقُوفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النُّسُكُ هو التَّعَبُّدُ، يُقالُ لِلْعابِدِ ناسِكٌ ثُمَّ سُمِّيَ الذَّبْحُ نُسُكًا والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةً، وسُمِّيَ أعْمالُ الحَجِّ مَناسِكَ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا» “ . والمَواضِعُ الَّتِي تُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ تُسَمّى: مَناسِكَ أيْضًا، ويُقالُ: المَنسَكُ بِفَتْحِ السِّينِ بِمَعْنى الفِعْلِ، وبِكَسْرِ السِّينِ بِمَعْنى المَواضِعِ، كالمَسْجِدِ والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحَجِّ: ٦٧] قُرِئَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى الفِعْلِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» “ أمَرَهم بِأنْ يَتَعَلَّمُوا أفْعالَهُ في الحَجِّ لا أنَّهُ أرادَ: خُذُوا عَنِّي مَواضِعَ نُسُكِكم إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا المَناسِكَ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، فَإنْ حَمَلْناها عَلى الأفْعالِ فالإراءَةُ لِتَعْرِيفِ تِلْكَ الأعْمالِ، وإنْ حَمَلْناها عَلى المَواضِعِ فالإراءَةُ لِتَعْرِيفِ البِقاعِ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ المَناسِكَ عَلى الذَّبِيحَةِ فَقَطْ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ الذَّبِيحَةَ إنَّما تُسَمّى نُسُكًا لِدُخُولِها تَحْتَ التَّعَبُّدِ، ولِذَلِكَ لا يُسَمُّونَ ما يُذْبَحُ لِلْأكْلِ بِذَلِكَ فَما لِأجْلِهِ سُمِّيَتِ الذَّبِيحَةُ نُسُكًا، وهو كَوْنُهُ عَمَلًا مِن أعْمالِ الحَجِّ قائِمٌ في سائِرِ الأعْمالِ، فَوَجَبَ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ وإنْ حَمْلَنا المَناسِكَ عَلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، واللُّزُومِ لِما يُرْضِيهِ وجُعِلَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ عَلِّمْنا كَيْفَ نَعْبُدُكَ، وأيْنَ نَعْبُدُكَ وبِماذا نَتَقَرَّبُ إلَيْكَ حَتّى نَخْدُمَكَ بِهِ كَما يَخْدُمُ العَبْدُ مَوْلاهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في بَعْضِ الرِّواياتِ ”أرْنا“ بِإسْكانِ الرّاءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ووافَقَهُما عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في حَرْفٍ واحِدٍ، في حم السَّجْدَةِ ﴿أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٩] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في بَعْضِ الرِّواياتِ الظّاهِرَةِ عَنْهُ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالكَسْرَةِ مُشْبَعَةً، وأصْلُهُ أرْئِنا بِالهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، نُقِلَتْ كَسْرَةُ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وهو الِاخْتِيارُ لِأنَّ أكْثَرَ القُرّاءِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ سَقَطَتِ الهَمْزَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْكُنَ الرّاءُ لِئَلّا يُجْحَفَ بِالكَلِمَةِ وتَذْهَبَ الدَّلالَةُ عَلى الهَمْزَةِ، وأمّا التَّسْكِينُ فَعَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وحَرَكَتِها وعَلى التَّشْبِيهِ بِما سَكَنَ كَقَوْلِهِمْ: فَخْذٌ وكَبْدٌ، وأمّا
صفحة ٥٨
الِاخْتِلاسُ فَلِطَلَبِ الخِفَّةِ وبَقاءِ الدَّلالَةِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: لِأنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوطَةٌ بِتَقَدُّمِ الذَّنْبِ، فَلَوْلا تَقَدُّمُ الذَّنْبِ وإلّا لَكانَ طَلَبُ التَّوْبَةِ طَلَبًا لِلْمُحالِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنّا نُجَوِّزُ الصَّغِيرَةَ عَلى الأنْبِياءِ فَكانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ تَوْبَةً مِنَ الصَّغِيرَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الصَّغائِرَ قَدْ صارَتْ مُكَفَّرَةً بِثَوابِ فاعِلِها وإذا صارَتْ مُكَفَّرَةً فالتَّوْبَةُ عَنْها مُحالٌ، لِأنَّ تَأْثِيرَ التَّوْبَةِ في إزالَتِها، وإزالَةُ الزّائِلِ مُحالٌ.
وهَهُنا أجْوِبَةٌ أُخَرُ تَصْلُحُ لِمَن جَوَّزَ الصَّغائِرَ ولِمَن لَمْ يُجَوِّزْها، وهي مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بِصُورَةِ التَّوْبَةِ تَشَدُّدًا في الِانْصِرافِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن تَصَوَّرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ النّادِمِ العازِمِ عَلى التَّحَرُّزِ الشَّدِيدِ، كانَ أقْرَبَ إلى تَرْكِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا داعِيًا إلى تَرْكِ المَعاصِي.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَةِ رَبِّهِ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّقْصِيرِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ: إمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، أوْ عَلى سَبِيلِ تَرْكِ الأوْلى، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا عاصِيًا، لا جَرَمَ سَألَ هَهُنا أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُوَفِّقَ أُولَئِكَ العُصاةَ المُذْنِبِينَ لِلتَّوْبَةِ فَقالَ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ أيْ عَلى المُذْنِبِينَ مِن ذُرِّيَّتِنا، والأبُ المُشْفِقُ عَلى ولَدِهِ إذا أذْنَبَ ولَدُهُ فاعْتَذَرَ الوالِدُ عَنْهُ فَقَدْ يَقُولُ: أجْرَمْتُ وعَصَيْتُ وأذْنَبْتُ فاقْبَلْ عُذْرِي ويَكُونُ مُرادُهُ: إنَّ ولَدِي أذْنَبَ فاقْبَلْ عُذْرَهُ، لِأنَّ ولَدَ الإنْسانِ يَجْرِي مَجْرى نَفْسِهِ، والَّذِي يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما حَكى اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦، ٣٥] فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن عَصانِي فَإنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ إنْ تابَ، وتَغْفِرَ لَهُ ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ.
الثّانِي: ذَكَرَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وأرِهِمْ مَناسِكَهم وتُبْ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ .
الرّابِعُ: تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] بِجَعْلِ خَلْقِهِ إيّاهُ خَلْقًا لَهم إذْ كانُوا مِنهُ، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ أرِنا ذُرِّيَّتَنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ مَخْلُوقَةً لِلْعَبْدِ، لَكانَ طَلَبُها مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالًا وجَهْلًا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى طَلَبَ التَّوْبَةَ مِنّا، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] ولَوْ كانَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ طَلَبُها مِنَ العَبْدِ مُحالًا وجَهْلًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى التَّوْفِيقِ وفِعْلِ الألْطافِ أوْ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ العَبْدِ، قالَ الأصْحابُ: التَّرْجِيحُ مَعَنا لِأنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يُعَضِّدُ قَوْلَنا مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ مَتى لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى داعِيَةً مُوجِبَةً لِلتَّوْبَةِ اسْتَحالَ حُصُولُ التَّوْبَةِ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ العَبْدِ، وتَقْرِيرُ دَلِيلِ الدّاعِي قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وثانِيها: أنَّ التَّوْبَةَ عَلى ما لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ: عِلْمٍ
صفحة ٥٩
وحالٍ وعَمَلٍ، فالعِلْمُ أوَّلٌ والحالُ ثانٍ وهو مُوجِبُ العِلْمِ والعَمَلُ ثالِثٌ وهو مُوجِبُ الحالِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ عِظَمِ ضَرَرِ الذُّنُوبِ، يَتَوَلَّدُ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَوْتِ المَنفَعَةِ وحُصُولِ المَضَرَّةِ، وهَذا التَّألُّمُ هو المُسَمّى بِالنَّدَمِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن هَذا النَّدَمِ صِفَةٌ تُسَمّى إرادَةً، ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالحالِ فَهو التَّرْكُ لِلذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالِاسْتِقْبالِ فَبِالعَزْمِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمُرِ، وأمّا في الماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهَذا العِلْمِ الإيمانَ واليَقِينَ، فَإنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِأنَّ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ واليَقِينَ عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ هَذا التَّصْدِيقِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ واسْتِيلائِهِ عَلى القَلْبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا اليَقِينَ مَهْما اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ اشْتَعَلَ نارُ النَّدَمِ فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ يُبْصِرُ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ، أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ تَرَتُّبَ الفِعْلِ عَلى الإرادَةِ ضَرُورِيٌّ لِأنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ الخالِيَةَ عَنِ المُعارِضِ لا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الفِعْلُ وتَرَتُّبُ الإرادَةِ عَلى تَألُّمِ القَلْبِ أيْضًا ضَرُورِيٌّ، فَإنَّ مَن تَألَّمَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ مُشاهَدَةِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ إرادَةُ الدَّفْعِ وتَرَتُّبُ ذَلِكَ الألَمِ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ جالِبًا لِلْمَضارِّ، ودَفْعًا لِلْمَنافِعِ أيْضًا أمْرٌ ضَرُورِيٌّ، فَكُلُّ هَذِهِ المَراتِبِ ضَرُورِيَّةٌ فَكَيْفَ تَحْصُلُ تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكَلُّفِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: الدّاخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ هو العِلْمُ، إلّا أنَّ فِيهِ أيْضًا إشْكالًا، لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكْلِيفِ أيْضًا، وإنْ كانَ نَظَرِيًّا فَهو مُسْتَنْتَجٌ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. فَمَجْمُوعُ تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ المُنْتِجَةِ لِلْعِلْمِ النَّظَرِيِّ الأوَّلِ، إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في ذَلِكَ الإنْتاجِ أوْ غَيْرَ كافٍ، فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ تَرَتُّبُ ذَلِكَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ المُسْتَنْتَجِ أوَّلًا عَلى تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ واجِبًا، والَّذِي يَجِبُ تَرَتُّبُهُ عَلى ما يَكُونُ خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، كانَ أيْضًا خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كافِيًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَذَلِكَ الآخَرُ إنْ كانَ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَهو إنْ كانَ حاصِلًا فالَّذِي فَرَضْناهُ غَيْرُ كافٍ، وقَدْ كانَ كافِيًا، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ مِنَ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ افْتَقَرَ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ إلى عِلْمٍ نَظَرِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ أوَّلًا لِلْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وهَذا خُلْفٌ.
ثُمَّ الكَلامُ في ذَلِكَ الأوَّلِ كَما فِيما قَبْلَهُ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا آخِرًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، وهو الحَقُّ المُطابِقُ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وأنَّ سائِرَ الآياتِ المُعارِضَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ أوْلى بِالتَّأْوِيلِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ يُرِيدُ مَن أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ لِأنَّهُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ووَصْفُهُ لِذُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَذا الدُّعاءُ يُفِيدُ كَمالَ حالِ ذُرِّيَّتِهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فِيهِمْ رَسُولٌ يُكْمِلُ لَهُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ ويَدْعُوهم إلى ما يَثْبُتُونَ بِهِ عَلى الإسْلامِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبْعُوثُ مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِيَكُونَ مَحَلُّهم ورُتْبَتُهم في
صفحة ٦٠
العِزِّ والدِّينِ أعْظَمَ، لِأنَّ الرَّسُولَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ إذا كانا مَعًا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كانَ أشْرَفَ لِطَلِبَتِهِ إذا أُجِيبَ إلَيْها.
وثانِيها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم فَإنَّهم يَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ فَيَقْرُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَةِ صِدْقِهِ وأمانَتِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى خَيْرِهِمْ وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأجْنَبِيِّ لَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ مُرادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِمارَةَ الدِّينِ في الحالِ وفي المُسْتَقْبَلِ، وكانَ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ ويَكْمُلُ بِأنْ يَكُونَ القَوْمُ مِن ذُرِّيَّتِهِ حَسُنَ مِنهُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ لَهُ بِذَلِكَ نِهايَةُ المُرادِ في الدِّينِ، ويَنْضافُ إلَيْهِ السُّرُورُ العَظِيمُ بِأنْ يَكُونَ هَذا الأمْرُ في ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ لا عِزَّ ولا شَرَفَ أعْلى مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ.
وأمّا إنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ وهو حُجَّةٌ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى» “ وأرادَ بِالدَّعْوَةِ هَذِهِ الآيَةَ، وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الصَّفِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] .
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا بِهَذا الدُّعاءِ بِمَكَّةَ لِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ بِها وبِما حَوْلَها ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى إلى مَن بِمَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا مُحَمَّدًا ﷺ .
وهَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّهُ يُقالُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ في بابِ الصَّلاةِ حَيْثُ يُقالُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ فَلَمّا وجَبَ لِلْخَلِيلِ عَلى الحَبِيبِ حَقُّ دُعائِهِ لَهُ قَضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَقَّهُ بِأنْ أجْرى ذِكْرَهُ عَلى ألْسِنَةِ أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ ذَلِكَ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] يَعْنِي أبْقِ لِي ثَناءً حَسَنًا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وقَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ حَبِيبِهِ إبْقاءً لِلثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ في أُمَّتِهِ.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أبَ المِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ومُحَمَّدٌ كانَ أبَ الرَّحْمَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم“ وقالَ في قِصَّتِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ» “، يَعْنِي في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، فَلَمّا وجَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حَقُّ الأُبُوَّةِ مِن وجْهٍ قَرَّبَ بَيْنَ ذِكْرِهِما في بابِ الثَّناءِ والصَّلاةِ.
ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنادِيَ الشَّرِيعَةِ في الحَجِّ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحَجِّ: ٢٧] وكانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيَ الدِّينِ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٣] فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما في الذِّكْرِ الجَمِيلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ بَعْثَةَ رَسُولٍ مِنهم إلَيْهِمْ، ذَكَرَ لِذَلِكَ الرَّسُولِ صِفاتٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّها الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الأعْلامَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها ويَدْعُوهم إلَيْها ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِتِلاوَةِ الكِتابِ ويُعَلِّمُهم مَعانِيَ الكِتابِ وحَقائِقَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ التِّلاوَةَ مَطْلُوبَةٌ لِوُجُوهٍ:
مِنها بَقاءُ لَفْظِها عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ التَّواتُرِ فَيَبْقى مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ
صفحة ٦١
والتَّصْحِيفِ، ومِنها أنْ يَكُونَ لَفْظُهُ ونَظْمُهُ مُعْجِزًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنها أنْ يَكُونَ في تِلاوَتِهِ نَوْعُ عِبادَةٍ وطاعَةٍ، ومِنها أنْ تَكُونَ قِراءَتُهُ في الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ نَوْعَ عِبادَةٍ، فَهَذا حُكْمُ التِّلاوَةِ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى والمَقْصُودَ الأشْرَفَ تَعْلِيمُ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ هُدًى ونُورًا لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي والحِكَمِ والأسْرارِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا أمْرَ التِّلاوَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ تَعْلِيمَ حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ فَقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ .
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ هي: الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، ولا يُسَمّى حَكِيمًا إلّا مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الأمْرانِ وقِيلَ: أصْلُها مِن أحْكَمْتُ الشَّيْءَ أيْ رَدَدْتُهُ، فَكَأنَّ الحِكْمَةَ هي الَّتِي تَرُدُّ عَنِ الجَهْلِ والخَطَأِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِما ذَكَرْنا مِنَ الإصابَةِ في القَوْلِ والفِعْلِ، ووَضْعِ كُلِّ شَيْءِ مَوْضِعَهُ.
قالَ القَفّالُ: وعَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالحِكْمَةِ هَهُنا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ وهْبٍ قُلْتُ لِمالِكٍ: ما الحِكْمَةُ ؟ قالَ: مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلاوَةَ الكِتابِ أوَّلًا وتَعْلِيمَهُ ثانِيًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ شَيْئًا خارِجًا عَنِ الكِتابِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا سُنَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَعْلِيمِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العُقُولَ مُسْتَقْبِلَةٌ بِذَلِكَ فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الشَّرْعِ أوْلى.
وثالِثُها: الحِكْمَةُ هي الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحُكْمِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. والمَعْنى: يُعَلِّمُهم كِتابَكَ الَّذِي تُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ، وفَصْلَ أقَضِيَتِكَ وأحْكامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إيّاها، ومِثالُ هَذا: الخُبْرُ والخِبْرَةُ، والعُذْرُ والعِذْرَةُ، والغُلُّ والغِلَّةُ، والذُّلُّ والذِّلَّةُ.
ورابِعُها: ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ أرادَ بِهِ الآياتِ المُحْكَمَةَ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها الآياتِ المُتَشابِهاتِ.
وخامِسُها: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ يُعَلِّمُهم ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها أنَّهُ يُعَلِّمُهم حِكْمَةَ تِلْكَ الشَّرائِعِ وما فِيها مِن وُجُوهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكُلُّ صِفاتُ الكِتابِ كَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ آياتٌ، وبِأنَّهُ كِتابٌ، وبِأنَّهُ حِكْمَةٌ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ: قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَإنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ طاهِرًا عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، ولَمْ يَكُنْ زَكِيًّا عَنْها، فَلَمّا ذَكَرَ صِفاتِ الفَضْلِ والكَمالِ أرْدَفَها بِذِكْرِ التَّزْكِيَةِ عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، فَقالَ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّصَرُّفِ في بَواطِنِ المُكَلَّفِينَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ لَكِنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ فِيها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ الزَّكاءُ حاصِلًا فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الجَبْرِ لا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فَإذَنْ هَذِهِ التَّزْكِيَةُ لَها تَفْسِيرانِ:
الأوَّلُ: ما يَفْعَلُهُ سِوى التِّلاوَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِطَهارَتِهِمْ، وتِلْكَ الأُمُورُ ما كانَ يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ والإيعادِ، والوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، وتَكْرِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ومِنَ التَّشَبُّثِ بِأُمُورِ الدُّنْيا إلى أنْ يُؤْمِنُوا ويَصْلُحُوا، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْعَلُ مِن هَذا الجِنْسِ أشْياءَ كَثِيرَةً لِيُقَوِّيَ بِها
صفحة ٦٢
دَواعِيَهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ مَدَحَهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وأنَّهُ أُوتِيَ مَكارِمَ الأخْلاقِ.
الثّانِي: يُزَكِّيهِمْ، يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا شَهِدَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، كَتَزْكِيَةِ المُزَكِّي الشُّهُودَ، والأوَّلُ أجْوَدُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في مُشاكَلَةِ مُرادِهِ بِالدُّعاءِ، لِأنَّ مُرادَهُ أنْ يَتَكامَلَ لِهَذِهِ الذُّرِّيَّةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ الشَّدِيدِ في العَمَلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِالعَمَلِ وهو التَّزْكِيَةُ. هَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يُطَهِّرُهم مِن شِرْكِهِمْ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سَيَكُونُ في ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ جُهّالٌ لا حِكْمَةَ فِيهِمْ ولا كِتابَ، وأنَّ الشِّرْكَ يُنَجِّسُهم، وأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يُطَهِّرُهم ويَجْعَلُهم حُكَماءَ الأرْضِ بَعْدَ جَهْلِهِمْ.
وثانِيها: التَّزْكِيَةُ هي الطّاعَةُ لِلَّهِ والإخْلاصُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: ويُزَكِّيهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وسائِرِ الأرْجاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّعَواتِ خَتَمَها بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ والعَزِيزُ: هو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والحَكِيمُ هو العالِمُ الَّذِي لا يَجْهَلُ شَيْئًا، وإذا كانَ عالِمًا قادِرًا كانَ ما يَفْعَلُهُ صَوابًا ومُبَرَّأً عَنِ العَبَثِ والسَّفَهِ، ولَوْلا كَوْنُهُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ مِنهُ إجابَةُ الدُّعاءِ ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ، ولا إنْزالُ الكِتابِ.
واعْلَمْ أنَّ العَزِيزَ مِن صِفاتِ الذّاتِ إذا أُرِيدَ اقْتِدارُهُ عَلى الأشْياءِ وامْتِناعُهُ مِنَ الهَضْمِ والذِّلَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجاتِ لَمْ تَلْحَقْهُ ذِلَّةُ المُحْتاجِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْنَعَ مِن مُرادِهِ حَتّى يَلْحَقَهُ اهْتِضامٌ، فَهو عَزِيزٌ لا مَحالَةَ، وأمّا الحَكِيمُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ مَعْنى العَلِيمِ فَهو مِن صِفاتِ الذّاتِ، فَإذا أُرِيدَ بِالعِزَّةِ كَمالُ العِزَّةِ وهو الِامْتِناعُ مِنِ اسْتِيلاءِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، وأُرِيدَ بِالحِكْمَةِ أفْعالُ الحِكْمَةِ لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ والحَكِيمُ مِن صِفاتِ الذّاتِ بَلْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الصِّفاتِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ أزَلِيَّةٌ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ تَصْدُقَ نَقائِضُها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ صِفاتِ الفِعْلِ أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ يُعْتَبَرُ في تَحَقُّقِها صُدُورُ الآثارِ عَنِ الفاعِلِ، وصِفاتِ الذّاتِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ النَّظّامُ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى القَبِيحِ بِأنْ قالَ: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِذاتِهِ، وإذا كانَ حَكِيمًا لِذاتِهِ لَمْ يَكُنِ القَبِيحُ مَقْدُورًا، والحِكْمَةُ لِذاتِها تُنافِي فِعْلَ القَبِيحِ، فالإلَهُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ فِعْلُ القَبِيحِ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، إنَّما قُلْنا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ لَجازَ تَبَدُّلُهُ بِنَقِيضِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلَهًا مَعَ عَدَمِ الحِكْمَةِ وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مُحالٌ، وأمّا أنَّ الحِكْمَةَ تُنافِي فِعْلَ السَّفَهِ فَذَلِكَ أيْضًا مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، وأمّا أنَّ مُسْتَلْزِمَ المُنافِي مُنافٍ فَمَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإذَنِ الإلَهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْرِيرُها مَعَ فِعْلِ السَّفَهِ، وأمّا أنَّ المُحالَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَبَيِّنٌ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ سَفَهًا مِنهُ فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أنَّهُما عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ ذَكَرا ثَلاثَةً مِنَ الدُّعاءِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّابِتَةُ، ومِنهُ أقْعَدَكَ اللَّهُ أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ أيْ يُثَبِّتُكَ ورَفَعَ الأساسَ البَنّاءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَّقاصُرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها سافاتِ البِناءِ لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ ويُوضَعُ فَوْقَهُ، ومَعْنى رَفْعِ القَواعِدِ رَفْعُها بِالبِناءِ لِأنَّهُ إذا وضَعَ سافًا فَوْقَ سافٍ فَقَدْ رَفَعَ السّافاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ الأخْبارِ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَوَيْنا مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ تِلْكَ القَواعِدَ كانَتْ مَوْجُودَةً مُتَهَدِّمَةً إلّا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَها وعَمَّرَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ وبِنائِهِ ؟ قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ كانَ شَرِيكًا لَهُ في ذَلِكَ والتَّقْدِيرُ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطْفُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُها ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا ذِكْرُ رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إسْماعِيلُ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ اشْتِراكَهُما في ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَشْتَرِكا في البِناءِ ورَفْعِ الجُدْرانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما بانِيًا لِلْبَيْتِ والآخَرُ يَرْفَعُ إلَيْهِ الحَجَرَ والطِّينَ، ويُهَيِّئُ لَهُ الآلاتِ والأدَواتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَصِحُّ إضافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِما، وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أُدْخِلَ في الحَقِيقَةِ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إسْماعِيلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ لَمّا بَنى البَيْتَ خَرَجَ وخَلَّفَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ فَقالا: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى اللَّهِ فَعَطِشَ إسْماعِيلُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنَ الماءِ فَناداهُما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَحَصَ الأرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ وهَؤُلاءِ جَعَلُوا الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَءُوا: وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا طاعَتَنا بِبِناءِ هَذا البَيْتِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ إسْماعِيلُ شَرِيكًا
صفحة ٥٣
فِي الدُّعاءِ لا في البِناءِ، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ماذا يَقْبَلُ فَوَجَبَ صَرْفُهُ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو رَفْعُ البَيْتِ فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ كَيْفَ يَدْعُو اللَّهَ بِأنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنهُ، فَإذَنْ هَذا القَوْلُ عَلى خِلافِ ظاهِرِ القُرْآنِ فَوَجَبَ رَدُّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَرْفَعُ قَواعِدَ البَيْتِ، لِأنَّ في إبْهامِ القَواعِدِ وتَبْيِينِها بَعْدَ الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ الشَّأْنِ ما لَيْسَ في العِبارَةِ الأُخْرى، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهُما بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الدُّعاءِ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ فَقالَ المُتَكَلِّمُونَ: كُلُّ عَمَلٍ يَقْبَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو يُثِيبُ صاحِبَهُ ويَرْضاهُ مِنهُ، والَّذِي لا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ ولا يَرْضاهُ مِنهُ فَهو المَرْدُودُ، فَهَهُنا عَبَّرَ عَنْ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ، فَذَكَرَ لَفْظَ القَبُولِ وأرادَ بِهِ الثَّوابَ والرِّضا لِأنَّ التَّقَبُّلَ هو أنْ يَقْبَلَ الرَّجُلُ ما يُهْدى إلَيْهِ، فَشَبَّهَ الفِعْلَ مِنَ العَبْدِ بِالعَطِيَّةِ، والرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ تَوَسُّعًا. وقالَ العارِفُونَ: فَرْقٌ بَيْنَ القَبُولِ والتَّقَبُّلِ فَإنَّ التَّقَبُّلَ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَتَكَلَّفَ الإنْسانُ في قَبُولِهِ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ العَمَلُ ناقِصًا لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْبَلَ فَهَذا اعْتِرافٌ مِنهُما بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ، واعْتِرافٌ بِالعَجْزِ والِانْكِسارِ، وأيْضًا فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْطاءَ الثَّوابِ عَلَيْهِ، لِأنَّ كَوْنَ الفِعْلِ واقِعًا مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ المَخْدُومِ ألَذُّ عِنْدَ الخادِمِ العاقِلِ مِن إعْطاءِ الثَّوابِ عَلَيْهِ وتَمامُ تَحْقِيقِهِ سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ المَحَبَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥] واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهم بَعْدَ أنْ أتَوْا بِتِلْكَ العِبادَةِ مُخْلِصِينَ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في قَبُولِها وطَلَبُوا الثَّوابَ عَلَيْها عَلى ما قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، ولَوْ كانَ تَرْتِيبُ الثَّوابِ عَلى الفِعْلِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، لَما كانَ في هَذا الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فائِدَةٌ، فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى أنَّ الإنْسانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ فَيَقُولُ: يا إلَهِي اجْعَلِ النّارَ حارَّةً والجَمَدَ بارِدًا، بَلْ ذَلِكَ الدُّعاءُ أحْسَنُ لِأنَّهُ لا اسْتِبْعادَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ في صَيْرُورَةِ النّارِ حالَ بَقائِها عَلى صُورَتِها في الإشْراقِ والِاشْتِعالِ بارِدَةً، والجَمَدِ حالَ بَقائِهِ عَلى صُورَتِهِ في الِانْجِمادِ والبَياضِ حارًّا ويَسْتَحِيلُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ لا يَتَرَتَّبَ الثَّوابُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ هَهُنا أقْبَحَ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما عَقَّبَ هَذا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: تَسْمَعُ دُعاءَنا وتَضَرُّعَنا، وتَعْلَمُ ما في قَلْبِنا مِنَ الإخْلاصِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى أحَدٍ سِواكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَكُونُ سَمِيعًا. قُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ لِكَمالِهِ في هَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ كَأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِها دُونَ غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الدُّعاءِ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فَإنَّ الإسْلامَ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الدِّينَ والِاعْتِقادَ، أوِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ رَغِبا في أنْ يَجْعَلَهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ: وجَعْلُهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا خَلْقُ ذَلِكَ فِيهِما، فَإنَّ الجَعْلَ عِبارَةٌ عَنِ الخَلْقِ، قالَ اللَّهُ
صفحة ٥٤
تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الإسْلامَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّهُما وقْتَ السُّؤالِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ، إذْ لَوْ كانا مُسْلِمَيْنِ لَكانَ طَلَبُ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وإنَّهُ باطِلٌ، لَكِنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُما كانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، ولِأنَّ صُدُورَ هَذا الدُّعاءِ مِنهُما لا يَصْلُحُ إلّا بَعْدَ أنْ كانا مُسْلِمَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ بِها، سَلَّمْنا أنَّها لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الجَعْلَ عِبارَةٌ عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ، بَلْ لَهُ مَعانٍ أُخَرُ سِوى الخَلْقِ.
أحَدُها: جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٤٧] .
وثانِيها: جَعَلَ بِمَعْنى وهَبَ، نَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وهَذا العَبْدَ وهَذا الفَرَسَ.
وثالِثُها: جَعَلَ بِمَعْنى الوَصْفِ لِلشَّيْءِ والحُكْمِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] وقالَ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] .
ورابِعُها: جَعَلَهُ كَذَلِكَ بِمَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] يَعْنِي أمَرْناهم بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ، وقالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَهو بِالأمْرِ.
وخامِسُها: أنْ يَجْعَلَهُ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ كاتِبًا وشاعِرًا إذا عَلَّمْتَهُ ذَلِكَ.
وسادِسُها: البَيانُ والدَّلالَةُ تَقُولُ: جَعَلْتُ كَلامَ فُلانٍ باطِلًا إذا أوْرَدْتَ مِنَ الحُجَّةِ ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ ذَلِكَ، إذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَهُما بِالإسْلامِ والحُكْمِ لَهُما بِذَلِكَ كَما يُقالُ: جَعَلَنِي فُلانٌ لِصًّا وجَعَلَنِي فاضِلًا أدِيبًا إذا وصَفَهُ بِذَلِكَ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الجَعْلِ الخَلْقُ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ خَلْقَ الألْطافِ الدّاعِيَةِ لَهُما إلى الإسْلامِ وتَوْفِيقَهُما لِذَلِكَ فَمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمُورِ حَتّى يَفْعَلَها فَقَدْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا لَهُ، ومِثالُهُ: مَن يُؤَدِّبُ ابْنَهُ حَتّى يَصِيرَ أدِيبًا فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: صَيَّرْتُكَ أدِيبًا وجَعَلْتُكَ أدِيبًا، وفي خِلافِ ذَلِكَ يُقالُ: جَعَلَ ابْنَهُ لِصًّا مُحْتالًا، سَلَّمْنا أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْإسْلامِ، لَكِنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَوَجَبَ تَرْكُ القَوْلِ بِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما اسْتَحَقَّ العَبْدُ بِهِ مَدْحًا ولا ذَمًّا، ولا ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المُسْلِمَ المُطِيعَ لا العَبْدُ.
والجَوابُ: قَوْلُهُ: الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الإسْلامَ عَرَضٌ قائِمٌ بِالقَلْبِ وأنَّهُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اخْلُقْ هَذا العَرَضَ فِينا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ دائِمًا، وطَلَبُ تَحْصِيلِهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي حُصُولَهُ في الحالِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الزِّيادَةَ في الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ٤]، ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧] وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] فَكَأنَّهُما دَعَواهُ بِزِيادَةِ اليَقِينِ والتَّصْدِيقِ، وطَلَبُ الزِّيادَةِ لا يُنافِي حُصُولَ الأصْلِ في الحالِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإسْلامَ إذا أُطْلِقَ يُفِيدُ الإيمانَ والِاعْتِقادَ، فَأمّا إذا أُضِيفَ بِحَرْفِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فالمُرادُ الِاسْتِسْلامُ لَهُ والِانْقِيادُ والرِّضا بِكُلِّ ما قَدَّرَ وتَرْكُ المُنازَعَةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأقْضِيَتِهِ، فَلَقَدْ كانا عارِفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لَكِنْ لَعَلَّهُ بَقِيَ في قُلُوبِهِما نَوْعٌ مِنَ المُنازَعَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ البَشَرِيَّةِ فَأرادَ أنْ يُزِيلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُما
صفحة ٥٥
بِالكُلِّيَّةِ لِيَحْصُلَ لَهُما مَقامُ الرِّضا بِالقَضاءِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ. قَوْلُهُ: يُحْمَلُ الجَعْلُ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَوْصُوفَ إذا حَصَلَتِ الصِّفَةُ لَهُ فَلا فائِدَةَ في الصِّفَةِ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ هو مُجَرَّدَ الوَصْفِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى تَحْصِيلِ الصِّفَةِ، ولا يُقالُ: وصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ ثَناءٌ ومَدْحٌ وهو مَرْغُوبٌ فِيهِ، قُلْنا: نَعَمْ لَكِنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ نَفْسِ الشَّيْءِ أكْثَرُ مِنَ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ الوَصْفِ بِهِ والحُكْمِ بِهِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّهُ مَتى حَصَلَ الإسْلامُ فِيهِما فَقَدِ اسْتَحَقّا التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ واللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ، فَكانَ ذَلِكَ الوَصْفُ حاصِلًا وأيُّ فائِدَةٍ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّسْمِيَةَ لَوَجَبَ أنَّ كُلَّ مَن سَمّى إبْراهِيمَ مُسْلِمًا جازَ أنْ يُقالَ جَعَلَهُ مُسْلِمًا، أمّا قَوْلُهُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، قُلْنا: هَذا أيْضًا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ لَفْظَ الجَعْلِ مُضافٌ إلى الإسْلامِ فَصَرْفُهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الألْطافَ قَدْ فَعَلَها اللَّهُ تَعالى وأوْجَدَها وأخْرَجَها إلى الوُجُودِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَطَلَبُها يَكُونُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
وثالِثُها: أنَّ تِلْكَ الألْطافَ إمّا أنْ يَكُونَ لَها أثَرٌ في تَرْجِيحِ جانِبِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في هَذا التَّرْجِيحِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لُطْفًا وإنْ كانَ لَها أثَرٌ في التَّرْجِيحِ فَنَقُولُ: مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ التَّرْجِيحِ إمّا أنْ يَجِبَ الفِعْلُ أوْ يَمْتَنِعَ أوْ لا يَجِبَ ولا يَمْتَنِعَ، فَإنْ وجَبَ فَهو المَطْلُوبُ، وإنِ امْتَنَعَ فَهو مانِعٌ لا مُرَجِّحٌ، وإنْ لَمْ يَجِبْ ولا يَمْتَنِعْ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ وُقُوعُ الفِعْلِ مَعَهُ تارَةً ولا وُقُوعُهُ أُخْرى فاخْتِصاصُ وقْتِ الوُقُوعِ بِالوُقُوعِ إمّا أنْ يَكُونَ لِانْضِمامِ أمْرٍ إلَيْهِ لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ ذَلِكَ الوَقْتُ بِالوُقُوعِ أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ المُرَجِّحُ مَجْمُوعَ اللُّطْفِ مَعَ هَذِهِ الضَّمِيمَةِ الزّائِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِهَذا اللُّطْفِ أثَرٌ في التَّرْجِيحِ أصْلًا وقَدْ فَرَضْناهُ كَذَلِكَ هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ الثّانِي لَزِمَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ المُساوِي عَلى الآخَرِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا اللُّطْفِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. قَوْلُهُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِ فِعْلِ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهو فَصْلُ المَدْحِ والذَّمِّ، قُلْنا: إنَّهُ مُعارَضٌ بِسُؤالِ العِلْمِ وسُؤالُ الدّاعِي عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرارًا وأطْوارًا واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَشْهُورَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُما لَمّا كانا مُسْلِمَيْنِ فَكَيْفَ طَلَبا الإسْلامَ؟ قَدْ أدْرَجْناهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وذَكَرْنا عَنْهُ أجْوِبَةً شافِيَةً كافِيَةً والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى أنَّ صَيْرُورَتَهُما مُسْلِمَيْنِ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما ذَكَرْنا أنَّ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لِلْإسْلامِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِتَرْكِهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِتَرْكِهِ فَتِلْكَ القُدْرَةُ مُوجِبَةٌ فَخَلْقُ تِلْكَ القُدْرَةِ المُوجِبَةِ فِيهِما جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِتَرْكِهِ فَهو باطِلٌ ومَعَ تَسْلِيمِ إمْكانِهِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ أمّا بُطْلانُهُ فَلِأنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ، الأصْلُ والعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أثَرٌ ولِأنَّهُ عَدَمٌ باقٍ والباقِي لا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى ذَلِكَ العَدَمِ المُسْتَمِرِّ، فَإذَنْ لا قُدْرَةَ إلّا عَلى الوُجُودِ، فالقُدْرَةُ غَيْرُ صالِحَةٍ إلّا لِلْوُجُودِ، وأمّا أنَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ كَوْنِ القُدْرَةِ صالِحَةً لِلْوُجُودِ والعَدَمِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، لِأنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لا تَخْتَصُّ بِطَرَفِ الوُجُودِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، ويَجِبُ انْتِهاءُ المُرَجِّحاتِ إلى فِعْلِ
صفحة ٥٦
اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ المُرَجِّحِ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ وُقُوعُ الفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ هو الَّذِي يَصِحُّ عَلى قَوانِينِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ نَكُونُ مُسْلِمَيْنِ لَكَ لا لِغَيْرِكَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ سَعادَةِ العَبْدِ في أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وأنْ لا يَكُونَ مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلى شَيْءٍ سِواهُ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيْ مُوَحِّدَيْنِ مُخْلِصَيْنِ لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ.
والثّانِي: قائِمَيْنِ بِجَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ وهو الأوْجَهُ لِعُمُومِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أما إنَّ العَبْدَ لا يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى وقْتَ الدُّعاءِ إلّا بِقَوْلِهِ: رَبَّنا فَسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] في شَرائِطِ الدُّعاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فالمَعْنى: واجْعَلْ مِن أوْلادِنا و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ وخَصَّ بَعْضَهم لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُما أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما الظّالِمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: أرادَ بِهِ العَرَبَ لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِما، و”أُمَّةً“ قِيلَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ كَما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا فَكَذَلِكَ يُوجَدُ فِيهِمْ مَن لا يَكُونُ ظالِمًا، فَإذَنْ كَوْنُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً صارَ مَعْلُومًا بِتِلْكَ الآيَةِ فَما الفائِدَةُ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ مَرَّةً أُخْرى ؟
الجَوابُ: تِلْكَ الدَّلالَةُ ما كانَتْ قاطِعَةً، والشَّفِيقُ بِسُوءِ الظَّنِّ مُولَعٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ ذُرِّيَّتَهُما بِالدُّعاءِ ألَيْسَ أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى البُخْلِ في الدُّعاءِ؟
والجَوابُ: الذُّرِّيَّةُ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والمَصْلَحَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِأنَّ أوْلادَ الأنْبِياءِ إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمْ غَيْرُهم وتابَعَهم عَلى الخَيْراتِ، ألا تَرى أنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ العُلَماءِ والكُبَراءِ إذا كانُوا عَلى السَّدادِ كَيْفَ يَتَسَبَّبُونَ إلى سَدادِ مَن وراءَهم.
السُّؤالُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ رَدَّ هَذا الدُّعاءَ لَصَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّدِّ فَلَمّا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرَّدِّ عَلِمْنا أنَّهُ أجابَهُ إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، فَإنَّ في زَمانِ أجْدادِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مُسْلِمًا، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ سِوى العَرَبِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
والجَوابُ: قالَ القَفّالُ: أنَّهُ لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِما مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ولَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقُسُّ بْنُ ساعِدَةَ، ويُقالُ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعامِرُ بْنُ الظَّرِبِ كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ يُقِرُّونَ بِالإبْداءِ والإعادَةِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ويُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى، ولا يَأْكُلُونَ المَيْتَةَ، ولا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ”أرِنا“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ عَلِّمْنا شَرائِعَ حِجِّنا إذْ أمَرْتَنا بِبِناءِ البَيْتِ لِنَحُجَّهُ ونَدْعُوَ
صفحة ٥٧
النّاسَ إلى حَجِّهِ، فَعَلِّمْنا شَرائِعَهُ وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَأْتِيَهُ فِيهِ مِن عَمَلٍ وقَوْلٍ مَجازُ هَذا مِن رُؤْيَةِ العِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفُرْقانِ: ٤٥]، ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفِيلِ: ١] .
الثّانِي: أظْهِرْها لِأعْيُنِنا حَتّى نَراها.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ كُلَّها، حَتّى بَلَغَ عَرَفاتٍ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ أعَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ مِنَ المَناسِكِ؟ قالَ: نَعَمْ فَسُمِّيَتْ عَرَفاتٍ فَلَمّا كانَ يَوْمُ النَّحْرِ أرادَ أنْ يَزُورَ البَيْتَ عَرَضَ لَهُ إبْلِيسُ فَسَدَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ فَفَعَلَ، فَذَهَبَ الشَّيْطانُ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ في اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ والرّابِعِ كُلُّ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَمْيِ الحَصَياتِ.
وهَهُنا قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المُرادَ العِلْمُ والرُّؤْيَةُ مَعًا. وهو قَوْلُ القاضِي لِأنَّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلّا بِأُمُورٍ بَعْضُها يُعْلَمُ ولا يُرى، وبَعْضُها لا يَتِمُّ الغَرَضُ مِنهُ إلّا بِالرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَبَقِيَ القَوْلُ المُعْتَبَرُ وهو القَوْلانِ الأوَّلانِ، فَمَن قالَ بِالقَوْلِ الثّانِي قالَ: إنَّ المَناسِكَ هي المَواقِفُ والمَواضِعُ الَّتِي يُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ كَمِنًى وعَرَفاتٍ والمُزْدَلِفَةِ ونَحْوِها، ومَن قالَ بِالأوَّلِ قالَ: إنَّ المَناسِكَ هي أعْمالُ الحَجِّ كالطَّوافِ والسَّعْيِ والوُقُوفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النُّسُكُ هو التَّعَبُّدُ، يُقالُ لِلْعابِدِ ناسِكٌ ثُمَّ سُمِّيَ الذَّبْحُ نُسُكًا والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةً، وسُمِّيَ أعْمالُ الحَجِّ مَناسِكَ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا» “ . والمَواضِعُ الَّتِي تُقامُ فِيها شَرائِعُ الحَجِّ تُسَمّى: مَناسِكَ أيْضًا، ويُقالُ: المَنسَكُ بِفَتْحِ السِّينِ بِمَعْنى الفِعْلِ، وبِكَسْرِ السِّينِ بِمَعْنى المَواضِعِ، كالمَسْجِدِ والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحَجِّ: ٦٧] قُرِئَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى الفِعْلِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» “ أمَرَهم بِأنْ يَتَعَلَّمُوا أفْعالَهُ في الحَجِّ لا أنَّهُ أرادَ: خُذُوا عَنِّي مَواضِعَ نُسُكِكم إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا المَناسِكَ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، فَإنْ حَمَلْناها عَلى الأفْعالِ فالإراءَةُ لِتَعْرِيفِ تِلْكَ الأعْمالِ، وإنْ حَمَلْناها عَلى المَواضِعِ فالإراءَةُ لِتَعْرِيفِ البِقاعِ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ المَناسِكَ عَلى الذَّبِيحَةِ فَقَطْ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ الذَّبِيحَةَ إنَّما تُسَمّى نُسُكًا لِدُخُولِها تَحْتَ التَّعَبُّدِ، ولِذَلِكَ لا يُسَمُّونَ ما يُذْبَحُ لِلْأكْلِ بِذَلِكَ فَما لِأجْلِهِ سُمِّيَتِ الذَّبِيحَةُ نُسُكًا، وهو كَوْنُهُ عَمَلًا مِن أعْمالِ الحَجِّ قائِمٌ في سائِرِ الأعْمالِ، فَوَجَبَ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ وإنْ حَمْلَنا المَناسِكَ عَلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، واللُّزُومِ لِما يُرْضِيهِ وجُعِلَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ عَلِّمْنا كَيْفَ نَعْبُدُكَ، وأيْنَ نَعْبُدُكَ وبِماذا نَتَقَرَّبُ إلَيْكَ حَتّى نَخْدُمَكَ بِهِ كَما يَخْدُمُ العَبْدُ مَوْلاهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في بَعْضِ الرِّواياتِ ”أرْنا“ بِإسْكانِ الرّاءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ووافَقَهُما عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في حَرْفٍ واحِدٍ، في حم السَّجْدَةِ ﴿أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٩] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في بَعْضِ الرِّواياتِ الظّاهِرَةِ عَنْهُ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالكَسْرَةِ مُشْبَعَةً، وأصْلُهُ أرْئِنا بِالهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، نُقِلَتْ كَسْرَةُ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وهو الِاخْتِيارُ لِأنَّ أكْثَرَ القُرّاءِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ سَقَطَتِ الهَمْزَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْكُنَ الرّاءُ لِئَلّا يُجْحَفَ بِالكَلِمَةِ وتَذْهَبَ الدَّلالَةُ عَلى الهَمْزَةِ، وأمّا التَّسْكِينُ فَعَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وحَرَكَتِها وعَلى التَّشْبِيهِ بِما سَكَنَ كَقَوْلِهِمْ: فَخْذٌ وكَبْدٌ، وأمّا
صفحة ٥٨
الِاخْتِلاسُ فَلِطَلَبِ الخِفَّةِ وبَقاءِ الدَّلالَةِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: لِأنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوطَةٌ بِتَقَدُّمِ الذَّنْبِ، فَلَوْلا تَقَدُّمُ الذَّنْبِ وإلّا لَكانَ طَلَبُ التَّوْبَةِ طَلَبًا لِلْمُحالِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنّا نُجَوِّزُ الصَّغِيرَةَ عَلى الأنْبِياءِ فَكانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ تَوْبَةً مِنَ الصَّغِيرَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الصَّغائِرَ قَدْ صارَتْ مُكَفَّرَةً بِثَوابِ فاعِلِها وإذا صارَتْ مُكَفَّرَةً فالتَّوْبَةُ عَنْها مُحالٌ، لِأنَّ تَأْثِيرَ التَّوْبَةِ في إزالَتِها، وإزالَةُ الزّائِلِ مُحالٌ.
وهَهُنا أجْوِبَةٌ أُخَرُ تَصْلُحُ لِمَن جَوَّزَ الصَّغائِرَ ولِمَن لَمْ يُجَوِّزْها، وهي مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بِصُورَةِ التَّوْبَةِ تَشَدُّدًا في الِانْصِرافِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن تَصَوَّرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ النّادِمِ العازِمِ عَلى التَّحَرُّزِ الشَّدِيدِ، كانَ أقْرَبَ إلى تَرْكِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا داعِيًا إلى تَرْكِ المَعاصِي.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَةِ رَبِّهِ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّقْصِيرِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ: إمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، أوْ عَلى سَبِيلِ تَرْكِ الأوْلى، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا عاصِيًا، لا جَرَمَ سَألَ هَهُنا أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُوَفِّقَ أُولَئِكَ العُصاةَ المُذْنِبِينَ لِلتَّوْبَةِ فَقالَ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ أيْ عَلى المُذْنِبِينَ مِن ذُرِّيَّتِنا، والأبُ المُشْفِقُ عَلى ولَدِهِ إذا أذْنَبَ ولَدُهُ فاعْتَذَرَ الوالِدُ عَنْهُ فَقَدْ يَقُولُ: أجْرَمْتُ وعَصَيْتُ وأذْنَبْتُ فاقْبَلْ عُذْرِي ويَكُونُ مُرادُهُ: إنَّ ولَدِي أذْنَبَ فاقْبَلْ عُذْرَهُ، لِأنَّ ولَدَ الإنْسانِ يَجْرِي مَجْرى نَفْسِهِ، والَّذِي يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما حَكى اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦، ٣٥] فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن عَصانِي فَإنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ إنْ تابَ، وتَغْفِرَ لَهُ ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ.
الثّانِي: ذَكَرَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وأرِهِمْ مَناسِكَهم وتُبْ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ .
الرّابِعُ: تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] بِجَعْلِ خَلْقِهِ إيّاهُ خَلْقًا لَهم إذْ كانُوا مِنهُ، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ أرِنا ذُرِّيَّتَنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ مَخْلُوقَةً لِلْعَبْدِ، لَكانَ طَلَبُها مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالًا وجَهْلًا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى طَلَبَ التَّوْبَةَ مِنّا، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] ولَوْ كانَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ طَلَبُها مِنَ العَبْدِ مُحالًا وجَهْلًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى التَّوْفِيقِ وفِعْلِ الألْطافِ أوْ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ العَبْدِ، قالَ الأصْحابُ: التَّرْجِيحُ مَعَنا لِأنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يُعَضِّدُ قَوْلَنا مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ مَتى لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى داعِيَةً مُوجِبَةً لِلتَّوْبَةِ اسْتَحالَ حُصُولُ التَّوْبَةِ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ العَبْدِ، وتَقْرِيرُ دَلِيلِ الدّاعِي قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وثانِيها: أنَّ التَّوْبَةَ عَلى ما لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ: عِلْمٍ
صفحة ٥٩
وحالٍ وعَمَلٍ، فالعِلْمُ أوَّلٌ والحالُ ثانٍ وهو مُوجِبُ العِلْمِ والعَمَلُ ثالِثٌ وهو مُوجِبُ الحالِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ عِظَمِ ضَرَرِ الذُّنُوبِ، يَتَوَلَّدُ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَوْتِ المَنفَعَةِ وحُصُولِ المَضَرَّةِ، وهَذا التَّألُّمُ هو المُسَمّى بِالنَّدَمِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن هَذا النَّدَمِ صِفَةٌ تُسَمّى إرادَةً، ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالحالِ فَهو التَّرْكُ لِلذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالِاسْتِقْبالِ فَبِالعَزْمِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمُرِ، وأمّا في الماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهَذا العِلْمِ الإيمانَ واليَقِينَ، فَإنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِأنَّ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ واليَقِينَ عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ هَذا التَّصْدِيقِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ واسْتِيلائِهِ عَلى القَلْبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا اليَقِينَ مَهْما اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ اشْتَعَلَ نارُ النَّدَمِ فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ يُبْصِرُ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ، أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ تَرَتُّبَ الفِعْلِ عَلى الإرادَةِ ضَرُورِيٌّ لِأنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ الخالِيَةَ عَنِ المُعارِضِ لا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الفِعْلُ وتَرَتُّبُ الإرادَةِ عَلى تَألُّمِ القَلْبِ أيْضًا ضَرُورِيٌّ، فَإنَّ مَن تَألَّمَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ مُشاهَدَةِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ إرادَةُ الدَّفْعِ وتَرَتُّبُ ذَلِكَ الألَمِ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ جالِبًا لِلْمَضارِّ، ودَفْعًا لِلْمَنافِعِ أيْضًا أمْرٌ ضَرُورِيٌّ، فَكُلُّ هَذِهِ المَراتِبِ ضَرُورِيَّةٌ فَكَيْفَ تَحْصُلُ تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكَلُّفِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: الدّاخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ هو العِلْمُ، إلّا أنَّ فِيهِ أيْضًا إشْكالًا، لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكْلِيفِ أيْضًا، وإنْ كانَ نَظَرِيًّا فَهو مُسْتَنْتَجٌ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. فَمَجْمُوعُ تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ المُنْتِجَةِ لِلْعِلْمِ النَّظَرِيِّ الأوَّلِ، إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في ذَلِكَ الإنْتاجِ أوْ غَيْرَ كافٍ، فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ تَرَتُّبُ ذَلِكَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ المُسْتَنْتَجِ أوَّلًا عَلى تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ واجِبًا، والَّذِي يَجِبُ تَرَتُّبُهُ عَلى ما يَكُونُ خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، كانَ أيْضًا خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كافِيًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَذَلِكَ الآخَرُ إنْ كانَ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَهو إنْ كانَ حاصِلًا فالَّذِي فَرَضْناهُ غَيْرُ كافٍ، وقَدْ كانَ كافِيًا، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ مِنَ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ افْتَقَرَ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ إلى عِلْمٍ نَظَرِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ أوَّلًا لِلْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وهَذا خُلْفٌ.
ثُمَّ الكَلامُ في ذَلِكَ الأوَّلِ كَما فِيما قَبْلَهُ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا آخِرًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، وهو الحَقُّ المُطابِقُ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وأنَّ سائِرَ الآياتِ المُعارِضَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ أوْلى بِالتَّأْوِيلِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ يُرِيدُ مَن أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ لِأنَّهُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ووَصْفُهُ لِذُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَذا الدُّعاءُ يُفِيدُ كَمالَ حالِ ذُرِّيَّتِهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فِيهِمْ رَسُولٌ يُكْمِلُ لَهُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ ويَدْعُوهم إلى ما يَثْبُتُونَ بِهِ عَلى الإسْلامِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبْعُوثُ مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِيَكُونَ مَحَلُّهم ورُتْبَتُهم في
صفحة ٦٠
العِزِّ والدِّينِ أعْظَمَ، لِأنَّ الرَّسُولَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ إذا كانا مَعًا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كانَ أشْرَفَ لِطَلِبَتِهِ إذا أُجِيبَ إلَيْها.
وثانِيها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم فَإنَّهم يَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ فَيَقْرُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَةِ صِدْقِهِ وأمانَتِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى خَيْرِهِمْ وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأجْنَبِيِّ لَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ مُرادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِمارَةَ الدِّينِ في الحالِ وفي المُسْتَقْبَلِ، وكانَ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ ويَكْمُلُ بِأنْ يَكُونَ القَوْمُ مِن ذُرِّيَّتِهِ حَسُنَ مِنهُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ لَهُ بِذَلِكَ نِهايَةُ المُرادِ في الدِّينِ، ويَنْضافُ إلَيْهِ السُّرُورُ العَظِيمُ بِأنْ يَكُونَ هَذا الأمْرُ في ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ لا عِزَّ ولا شَرَفَ أعْلى مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ.
وأمّا إنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ وهو حُجَّةٌ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى» “ وأرادَ بِالدَّعْوَةِ هَذِهِ الآيَةَ، وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الصَّفِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] .
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا بِهَذا الدُّعاءِ بِمَكَّةَ لِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ بِها وبِما حَوْلَها ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى إلى مَن بِمَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا مُحَمَّدًا ﷺ .
وهَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّهُ يُقالُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ في بابِ الصَّلاةِ حَيْثُ يُقالُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ فَلَمّا وجَبَ لِلْخَلِيلِ عَلى الحَبِيبِ حَقُّ دُعائِهِ لَهُ قَضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَقَّهُ بِأنْ أجْرى ذِكْرَهُ عَلى ألْسِنَةِ أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ ذَلِكَ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] يَعْنِي أبْقِ لِي ثَناءً حَسَنًا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وقَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ حَبِيبِهِ إبْقاءً لِلثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ في أُمَّتِهِ.
وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أبَ المِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ومُحَمَّدٌ كانَ أبَ الرَّحْمَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم“ وقالَ في قِصَّتِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ» “، يَعْنِي في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، فَلَمّا وجَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حَقُّ الأُبُوَّةِ مِن وجْهٍ قَرَّبَ بَيْنَ ذِكْرِهِما في بابِ الثَّناءِ والصَّلاةِ.
ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنادِيَ الشَّرِيعَةِ في الحَجِّ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحَجِّ: ٢٧] وكانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيَ الدِّينِ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٣] فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما في الذِّكْرِ الجَمِيلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ بَعْثَةَ رَسُولٍ مِنهم إلَيْهِمْ، ذَكَرَ لِذَلِكَ الرَّسُولِ صِفاتٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّها الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الأعْلامَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها ويَدْعُوهم إلَيْها ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِتِلاوَةِ الكِتابِ ويُعَلِّمُهم مَعانِيَ الكِتابِ وحَقائِقَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ التِّلاوَةَ مَطْلُوبَةٌ لِوُجُوهٍ:
مِنها بَقاءُ لَفْظِها عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ التَّواتُرِ فَيَبْقى مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ
صفحة ٦١
والتَّصْحِيفِ، ومِنها أنْ يَكُونَ لَفْظُهُ ونَظْمُهُ مُعْجِزًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنها أنْ يَكُونَ في تِلاوَتِهِ نَوْعُ عِبادَةٍ وطاعَةٍ، ومِنها أنْ تَكُونَ قِراءَتُهُ في الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ نَوْعَ عِبادَةٍ، فَهَذا حُكْمُ التِّلاوَةِ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى والمَقْصُودَ الأشْرَفَ تَعْلِيمُ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ هُدًى ونُورًا لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي والحِكَمِ والأسْرارِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا أمْرَ التِّلاوَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ تَعْلِيمَ حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ فَقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ .
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ هي: الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، ولا يُسَمّى حَكِيمًا إلّا مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الأمْرانِ وقِيلَ: أصْلُها مِن أحْكَمْتُ الشَّيْءَ أيْ رَدَدْتُهُ، فَكَأنَّ الحِكْمَةَ هي الَّتِي تَرُدُّ عَنِ الجَهْلِ والخَطَأِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِما ذَكَرْنا مِنَ الإصابَةِ في القَوْلِ والفِعْلِ، ووَضْعِ كُلِّ شَيْءِ مَوْضِعَهُ.
قالَ القَفّالُ: وعَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالحِكْمَةِ هَهُنا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ وهْبٍ قُلْتُ لِمالِكٍ: ما الحِكْمَةُ ؟ قالَ: مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلاوَةَ الكِتابِ أوَّلًا وتَعْلِيمَهُ ثانِيًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ شَيْئًا خارِجًا عَنِ الكِتابِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا سُنَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَعْلِيمِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العُقُولَ مُسْتَقْبِلَةٌ بِذَلِكَ فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الشَّرْعِ أوْلى.
وثالِثُها: الحِكْمَةُ هي الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحُكْمِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. والمَعْنى: يُعَلِّمُهم كِتابَكَ الَّذِي تُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ، وفَصْلَ أقَضِيَتِكَ وأحْكامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إيّاها، ومِثالُ هَذا: الخُبْرُ والخِبْرَةُ، والعُذْرُ والعِذْرَةُ، والغُلُّ والغِلَّةُ، والذُّلُّ والذِّلَّةُ.
ورابِعُها: ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ أرادَ بِهِ الآياتِ المُحْكَمَةَ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها الآياتِ المُتَشابِهاتِ.
وخامِسُها: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ يُعَلِّمُهم ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها أنَّهُ يُعَلِّمُهم حِكْمَةَ تِلْكَ الشَّرائِعِ وما فِيها مِن وُجُوهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكُلُّ صِفاتُ الكِتابِ كَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ آياتٌ، وبِأنَّهُ كِتابٌ، وبِأنَّهُ حِكْمَةٌ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ: قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَإنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ طاهِرًا عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، ولَمْ يَكُنْ زَكِيًّا عَنْها، فَلَمّا ذَكَرَ صِفاتِ الفَضْلِ والكَمالِ أرْدَفَها بِذِكْرِ التَّزْكِيَةِ عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، فَقالَ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّصَرُّفِ في بَواطِنِ المُكَلَّفِينَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ لَكِنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ فِيها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ الزَّكاءُ حاصِلًا فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الجَبْرِ لا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فَإذَنْ هَذِهِ التَّزْكِيَةُ لَها تَفْسِيرانِ:
الأوَّلُ: ما يَفْعَلُهُ سِوى التِّلاوَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِطَهارَتِهِمْ، وتِلْكَ الأُمُورُ ما كانَ يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ والإيعادِ، والوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، وتَكْرِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ومِنَ التَّشَبُّثِ بِأُمُورِ الدُّنْيا إلى أنْ يُؤْمِنُوا ويَصْلُحُوا، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْعَلُ مِن هَذا الجِنْسِ أشْياءَ كَثِيرَةً لِيُقَوِّيَ بِها
صفحة ٦٢
دَواعِيَهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ مَدَحَهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وأنَّهُ أُوتِيَ مَكارِمَ الأخْلاقِ.
الثّانِي: يُزَكِّيهِمْ، يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا شَهِدَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، كَتَزْكِيَةِ المُزَكِّي الشُّهُودَ، والأوَّلُ أجْوَدُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في مُشاكَلَةِ مُرادِهِ بِالدُّعاءِ، لِأنَّ مُرادَهُ أنْ يَتَكامَلَ لِهَذِهِ الذُّرِّيَّةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ الشَّدِيدِ في العَمَلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِالعَمَلِ وهو التَّزْكِيَةُ. هَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يُطَهِّرُهم مِن شِرْكِهِمْ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سَيَكُونُ في ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ جُهّالٌ لا حِكْمَةَ فِيهِمْ ولا كِتابَ، وأنَّ الشِّرْكَ يُنَجِّسُهم، وأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يُطَهِّرُهم ويَجْعَلُهم حُكَماءَ الأرْضِ بَعْدَ جَهْلِهِمْ.
وثانِيها: التَّزْكِيَةُ هي الطّاعَةُ لِلَّهِ والإخْلاصُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: ويُزَكِّيهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وسائِرِ الأرْجاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّعَواتِ خَتَمَها بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ والعَزِيزُ: هو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والحَكِيمُ هو العالِمُ الَّذِي لا يَجْهَلُ شَيْئًا، وإذا كانَ عالِمًا قادِرًا كانَ ما يَفْعَلُهُ صَوابًا ومُبَرَّأً عَنِ العَبَثِ والسَّفَهِ، ولَوْلا كَوْنُهُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ مِنهُ إجابَةُ الدُّعاءِ ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ، ولا إنْزالُ الكِتابِ.
واعْلَمْ أنَّ العَزِيزَ مِن صِفاتِ الذّاتِ إذا أُرِيدَ اقْتِدارُهُ عَلى الأشْياءِ وامْتِناعُهُ مِنَ الهَضْمِ والذِّلَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجاتِ لَمْ تَلْحَقْهُ ذِلَّةُ المُحْتاجِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْنَعَ مِن مُرادِهِ حَتّى يَلْحَقَهُ اهْتِضامٌ، فَهو عَزِيزٌ لا مَحالَةَ، وأمّا الحَكِيمُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ مَعْنى العَلِيمِ فَهو مِن صِفاتِ الذّاتِ، فَإذا أُرِيدَ بِالعِزَّةِ كَمالُ العِزَّةِ وهو الِامْتِناعُ مِنِ اسْتِيلاءِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، وأُرِيدَ بِالحِكْمَةِ أفْعالُ الحِكْمَةِ لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ والحَكِيمُ مِن صِفاتِ الذّاتِ بَلْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الصِّفاتِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ أزَلِيَّةٌ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ تَصْدُقَ نَقائِضُها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ صِفاتِ الفِعْلِ أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ يُعْتَبَرُ في تَحَقُّقِها صُدُورُ الآثارِ عَنِ الفاعِلِ، وصِفاتِ الذّاتِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ النَّظّامُ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى القَبِيحِ بِأنْ قالَ: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِذاتِهِ، وإذا كانَ حَكِيمًا لِذاتِهِ لَمْ يَكُنِ القَبِيحُ مَقْدُورًا، والحِكْمَةُ لِذاتِها تُنافِي فِعْلَ القَبِيحِ، فالإلَهُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ فِعْلُ القَبِيحِ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، إنَّما قُلْنا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ لَجازَ تَبَدُّلُهُ بِنَقِيضِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلَهًا مَعَ عَدَمِ الحِكْمَةِ وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مُحالٌ، وأمّا أنَّ الحِكْمَةَ تُنافِي فِعْلَ السَّفَهِ فَذَلِكَ أيْضًا مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، وأمّا أنَّ مُسْتَلْزِمَ المُنافِي مُنافٍ فَمَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإذَنِ الإلَهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْرِيرُها مَعَ فِعْلِ السَّفَهِ، وأمّا أنَّ المُحالَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَبَيِّنٌ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ سَفَهًا مِنهُ فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:130
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾
صفحة ٦٣
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أمْرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما أجْراهُ عَلى يَدِهِ مِن شَرائِفِ شَرائِعِهِ الَّتِي ابْتَلاهُ بِها، ومِن بِناءِ بَيْتِهِ وأمْرِهِ بِحَجِّ عِبادِ اللَّهِ إلَيْهِ وما جَبَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ عَلى مَصالِحِ عِبادِهِ ودُعائِهِ بِالخَيْرِ لَهم، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ السّالِفَةِ عَجَّبَ النّاسَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ والإيمانُ بِما أتى مِن شَرائِعِهِ فَكانَ في ذَلِكَ تَوْبِيخُ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما يَفْتَخِرُونَ بِهِ ويُوصَلُونَ بِالوَصْلَةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ مِن نَسَبِ إسْرائِيلَ، والنَّصارى فافْتِخارُهم لَيْسَ بِعِيسى وهو مُنْتَسِبٌ مِن جانِبِ الأُمِّ إلى إسْرائِيلَ، وأمّا قُرَيْشٌ فَإنَّهم إنَّما نالُوا كُلَّ خَيْرٍ في الجاهِلِيَّةِ بِالبَيْتِ الَّذِي بَناهُ فَصارُوا لِذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسائِرُ العَرَبِ وهُمُ العَدْنانِيُّونَ فَمَرْجِعُهم إلى إسْماعِيلَ وهم يَفْتَخِرُونَ عَلى القَحْطانِيِّينَ بِإسْماعِيلَ بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ، فَرَجَعَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ افْتِخارُ الكُلِّ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةَ هَذا الرَّسُولِ في آخِرِ الزَّمانِ وهو الَّذِي تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ، فالعَجَبُ مِمَّنْ أعْظَمُ مَفاخِرِهِ وفَضائِلِهِ الِانْتِسابُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَطْلُوبُهُ بِالتَّضَرُّعِ لا شَكَّ أنَّ هَذا مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: رَغِبْتُ مِنَ الأمْرِ إذا كَرِهْتَهُ، ورَغِبْتُ فِيهِ إذا أرَدْتَهُ. ”ومَنِ“ الأُولى اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى الَّذِي، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن سَفِهَ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ وإنَّما صَحَّ البَدَلُ لِأنَّ مَن يَرْغَبُ غَيْرُ مُوجِبٍ كَقَوْلِكَ: هَلْ جاءَكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المُرادَ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ هو المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ تَرْغِيبُ النّاسِ في قَبُولِ هَذا الدِّينِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ المِلَّةَ عَيْنُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، أوْ يُقالَ: هَذِهِ المِلَّةُ هي تِلْكَ المِلَّةُ في الأُصُولِ أعْنِي التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ ورِعايَةَ مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَكِنَّهُما يَخْتَلِفانِ في فُرُوعِ الشَّرائِعِ وكَيْفِيَّةِ الأعْمالِ.
أمّا الأوَّلُ: فَباطِلٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدَّعِي أنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ كُلَّ الشَّرائِعِ، فَكَيْفَ يُقالُ هَذا الشَّرْعُ هو عَيْنُ ذَلِكَ الشَّرْعِ.
وأمّا الثّانِي: فَهو لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِالأُصُولِ أعْنِي التَّوْحِيدَ والعَدْلَ ومَكارِمَ الأخْلاقِ والمَعادَ لا يَقْتَضِي الِاعْتِرافَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِهَذا الكَلامِ في هَذا المَطْلُوبِ.
وسُؤالٌ آخَرُ وهو أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا اعْتَرَفَ بِأنَّ شَرْعَ إبْراهِيمَ مَنسُوخٌ، ولَفْظَ المِلَّةِ يَتَناوَلُ الأُصُولَ والفُرُوعَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راغِبًا أيْضًا عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَيَلْزَمُ ما ألْزَمَ عَلَيْهِمْ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ مِنهُ بَعْثَةَ هَذا الرَّسُولِ ونُصْرَتَهُ وتَأْيِيدَهُ ونَشْرَ شَرِيعَتِهِ، عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ فَلَمّا سَلَّمَ اليَهُودُ والنَّصارى والعَرَبُ كَوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحِقًّا في مَقالِهِ، وجَبَ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ هَذا الشَّخْصِ الَّذِي هو مَطْلُوبُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٦٤
قالَ السّائِلُ: إنَّ القَوْلَ ما سَلَّمُوا أنَّ إبْراهِيمَ طَلَبَ مِثْلَ هَذا الرَّسُولِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَوى هَذا الخَبَرَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَبْنِيَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ إلْزامَ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذَنْ لا تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ ما لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ، ولا تَثْبُتُ هَذِهِ الرِّوايَةُ ما لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُ، فَيُفْضِي إلى الدَّوْرِ وهو ساقِطٌ، سَلَّمْنا أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا صِحَّةَ هَذِهِ الرِّوايَةِ لَكِنْ لَيْسَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ إلّا أنَّإبْراهِيمَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مِن ذُرِّيَّتِهِ وذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، فَكَيْفَ القَطْعُ بِأنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ هو هَذا الشَّخْصُ ؟ فَلَعَلَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وإذا جازَ أنْ تَتَأخَّرَ إجابَةُ هَذا الدُّعاءِ بِمِقْدارِ ألْفَيْ سَنَةٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي بَيْنَ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَأخَّرَ بِمِقْدارِ ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ حَتّى يَكُونَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ شَخْصًا آخَرَ سِوى هَذا الشَّخْصِ المُعَيَّنِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: لَعَلَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ شاهِدانِ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ اليَهُودُ والنَّصارى مِن أشَدِّ النّاسِ مُسارَعَةً إلى تَكْذِيبِهِ في هَذِهِ الدَّعْوى.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ المُعْتَمَدَ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ، وهو القُرْآنُ وإخْبارُهُ عَنِ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا نَبِيُّ مِثْلِ هَذِهِ الحِكاياتِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَجْرِي مَجْرى المُؤَكِّدِ لِلْمَقْصُودِ والمَطْلُوبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في انْتِصابِ ”نَفْسَهُ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: لِأنَّهُ مَفْعُولٌ، قالَ المُبَرِّدُ: سَفَهَ لازِمٌ، وسَفِهَ مُتَعَدٍّ، وعَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: امْتَهَنَها واسْتَخَفَّ بِها، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِصَ النّاسَ» “ وذَلِكَ أنَّهُ إذا رَغِبَ عَمّا لا يَرْغَبُ عَنْهُ عاقِلٌ قَطُّ فَقَدْ بالَغَ في إزالَةِ نَفْسِهِ وتَعْجِيزِها، حَيْثُ خالَفَ بِها كُلَّ نَفْسٍ عاقِلَةٍ.
والثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إلّا مَن جَهِلَ نَفْسَهُ وخَسِرَ نَفْسَهُ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن جَهِلَ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها، فَيَسْتَدِلُّ بِما يَجِدُهُ فِيها مِن آثارِ الصَّنْعَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى حِكْمَتِهِ، فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والثّالِثُ: أهْلَكَ نَفْسَهُ وأوْبَقَها عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.
والرّابِعُ: أضَلَّ نَفْسَهُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مَفْعُولًا وذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ نَفْسَهُ نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ تَقْدِيرُهُ سَفِهَ في نَفْسِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى التَّفْسِيرِ عَنِ الفَرّاءِ ومَعْناهُ سَفِهَ نَفْسًا ثُمَّ أضافَ وتَقْدِيرُهُ إلّا السَّفِيهَ، وذِكْرُ النَّفْسِ تَأْكِيدٌ كَما يُقالُ: هَذا الأمْرُ نَفْسَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في سَفَهِهِ.
الثّالِثُ: قُرِئَ: (إلّا مَن سَفَّهَ نَفْسَهُ) بِتَشْدِيدِ الفاءِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِسَفاهَةِ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ السَّبَبَ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ والمُرادُ بِهِ أنّا إذا اخْتَرْناهُ لِلرِّسالَةِ مِن دُونِ سائِرِ الخَلِيقَةِ، وعَرَّفْناهُ المِلَّةَ الَّتِي هي جامِعَةٌ لِلتَّوْحِيدِ والعَدْلِ والشَّرائِعِ والإمامَةِ الباقِيَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ ثُمَّ أُضِيفَ إلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فَشَرَّفَهُ اللَّهُ بِهَذا اللَّقَبِ الَّذِي فِيهِ نِهايَةُ الجَلالَةِ لِمَن نالَها مِن مَلِكٍ مِن مُلُوكِ البَشَرِ فَكَيْفَ مَن نالَها مِن مَلِكِ المُلُوكِ والشَّرائِعِ فَلْيُحَقِّقْ كُلُّ ذِي لُبٍّ وعَقْلٍ أنَّ الرّاغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ فَهو سَفِيهٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ في الآخِرَةِ عَظِيمُ المَنزِلَةِ لِيَرْغَبَ في مِثْلِ طَرِيقَتِهِ لِيَنالَ مِثْلَ تِلْكَ المَنزِلَةِ، وقِيلَ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ، وإذا صَحَّ الكَلامُ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ كانَ أوْلى، قالَ الحَسَنُ: مِنَ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ الكَرامَةَ وحُسْنَ الثَّوابِ عَلى كَرَمِ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:131
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الخامِسَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَوْضِعُ ”إذْ“ نَصْبٌ وفي عامِلِهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِـاصْطَفَيْناهُ، أيِ اصْطَفَيْناهُ في الوَقْتِ الَّذِي قالَ لَهُ رَبُّهُ: أسْلِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الِاصْطِفاءَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَبَبِ الِاصْطِفاءِ، فَكَأنَّهُ لَمّا أسْلَمَ نَفْسَهُ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وخَضَعَ لَها وانْقادَ عَلِمَ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ عَلى الأوْقاتِ وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُطَهَّرٌ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتارَهُ لِلرِّسالَةِ واخْتَصَّهُ بِها لِأنَّهُ تَعالى لا يَخْتارُ لِلرِّسالَةِ إلّا مَن هَذا حالُهُ في البَدْءِ والعاقِبَةِ، فَإسْلامُهُ لِلَّهِ تَعالى وحُسْنُ إجابَتِهِ مَنطُوقٌ بِهِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ النَّفْسِ وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ إخْبارٌ عَنِ المُغايَبَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّظْمُ واحِدًا ؟ قُلْنا: هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِرارًا.
الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَتى قالَ لَهُ أسْلِمْ ؟ ومَنشَأُ الإشْكالِ أنَّهُ إنَّما يُقالُ لَهُ: أسْلِمْ في زَمانٍ لا يَكُونُ مُسْلِمًا فِيهِ، فَهَلْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُسْلِمٍ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ لِيُقالَ لَهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ أسْلِمْ ؟ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما قالَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَ البُلُوغِ، وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِدْلالِهِ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ فِيها، وإحاطَتِهِ بِافْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ يُخالِفُها في الجِسْمِيَّةِ وأماراتِ الحُدُوثِ، فَلَمّا عَرَفَ رَبَّهُ قالَ لَهُ تَعالى: ﴿أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ عَرَفَ رَبَّهُ ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أسْلِمْ﴾ كانَ قَبْلَ الِاسْتِدْلالِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن هَذا القَوْلِ لا نَفْسَ القَوْلِ بَلْ دَلالَةَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى حَسَبِ مَذاهِبِ العَرَبِ في هَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وأصْدَقُ دَلالَةٍ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٣٥] فَجَعَلَ دَلالَةَ البُرْهانِ كَلامًا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الأمْرُ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْلِمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإسْلامَ والإيمانَ بَلْ أُمُورٌ أُخَرُ.
أحَدُها: الِانْقِيادُ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، والمُسارَعَةُ إلى تَلَقِّيها بِالقَبُولِ، وتَرْكُ الإعْراضِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ .
وثانِيها: قالَ الأصَمُّ: ”أسْلِمْ“ أيْ أخْلِصْ عِبادَتَكَ واجْعَلْها سَلِيمَةً مِنَ الشِّرْكِ ومُلاحَظَةِ الأغْيارِ.
وثالِثُها: اسْتَقِمْ عَلى الإسْلامِ واثْبُتْ عَلى التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] .
ورابِعُها: أنَّ الإيمانَ صِفَةُ القَلْبِ والإسْلامَ صِفَةُ الجَوارِحِ، وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ وكَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِعَمَلِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلِمْ﴾ .
البقرة 2:132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ السّادِسُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”وأوْصى“ بِالألِفِ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ والباقُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ بِالتَّشْدِيدِ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ في ”وصّى“ دَلِيلُ مُبالَغَةٍ وتَكْثِيرٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في ”بِها“ إلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ والجُمْلَةِ، ونَحْوُهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٨] دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ.
(القَوْلُ الثّانِي): أنَّهُ عائِدٌ إلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ القاضِي وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ ورَدُّ الإضْمارِ إلى المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ إذا أمْكَنَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى المَدْلُولِ والمَفْهُومِ.
الثّانِي: أنَّ المِلَّةَ أجْمَعُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما وصّى ولَدَهُ إلّا بِما يَجْمَعُ فِيهِمُ الفَلاحَ والفَوْزَ بِالآخِرَةِ، والشَّهادَةُ وحْدَها لا تَقْتَضِي ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى دَقائِقَ مُرَغِّبَةٍ في قَبُولِ الدِّينِ.
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وأمَرَ إبْراهِيمُ بَنِيهِ بَلْ قالَ: وصّاهم ولَفْظُ الوَصِيَّةِ أوْكَدُ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ احْتِياطُ الإنْسانِ لِدِينِهِ أشَدَّ وأتَمَّ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مُهْتَمًّا بِهَذا الأمْرِ مُتَشَدِّدًا فِيهِ، كانَ القَوْلُ إلى قَبُولِهِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَصَّصَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أبْنائِهِ أكْثَرُ مِن شَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلَمّا خَصَّهم بِذَلِكَ في آخِرِ عُمْرِهِ، عَلِمْنا أنَّ اهْتِمامَهُ بِذَلِكَ كانَ أشَدَّ مِنَ اهْتِمامِهِ بِغَيْرِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَمَّمَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ جَمِيعَ بَنِيهِ ولَمْ يَخُصَّ أحَدًا مِنهم بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ.
ورابِعُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْلَقَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ ومَكانٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ زَجَرَهم أبْلَغَ الزَّجْرِ عَنْ أنْ يَمُوتُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ.
وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما مَزَجَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ وصِيَّةً أُخْرى، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ، ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الرَّجُلُ المَشْهُودُ لَهُ بِالفَضْلِ وحُسْنِ الطَّرِيقَةِ وكَمالِ السِّيرَةِ، ثُمَّ عُرِفَ أنَّهُ كانَ في نِهايَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ، عُرِفَ حِينَئِذٍ أنَّ هَذا الأمْرَ أوْلى الأُمُورِ بِالِاهْتِمامِ، وأجْراها بِالرِّعايَةِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في أنَّهُ خَصَّ أهْلَهُ وأبْناءَهُ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، وإلّا فَمَعْلُومٌ مِن حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدْعُو الكُلَّ أبَدًا إلى الإسْلامِ والدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْقُوبُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو الأشْهَرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، والمَعْنى أنَّهُ وصّى
صفحة ٦٧
كَوَصِيَّةِ إبْراهِيمَ.
والثّانِي: قُرِئَ ”ويَعْقُوبَ“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، ومَعْناهُ: وصّى إبْراهِيمُ بَنِيهِ، ونافِلَتَهُ يَعْقُوبَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ﴾ فَهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ يَتَعَلَّقُ بِوَصّى لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ، أنْ يا بَنِيَّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى اسْتَخْلَصَهُ بِأنْ أقامَ عَلَيْهِ الدَّلائِلَ الظّاهِرَةَ الجَلِيَّةَ ودَعاكم إلَيْهِ ومَنَعَكم عَنْ غَيْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فالمُرادُ بَعْثُهم عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا لَمْ يَأْمَنِ المَوْتَ في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ إنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَأْتِيَ بِالشَّيْءِ قَبْلَ المَوْتِ صارَ مَأْمُورًا بِهِ في كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ يُخْشى إنْ لَمْ يُبادِرْ إلَيْهِ أنْ تُعاجِلَهُ المَنِيَّةُ فَيَفُوتُهُ الظَّفَرُ بِالنَّجاةِ ويَخافُ الهَلاكَ فَيَصِيرُ مُدْخِلًا نَفْسَهُ في الخَطَرِ والغُرُورِ.