Lafzullah

Tafsir Al-Razi — آل عمران 3:140 – آل عمران 3:188

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. آل عمران 3:140
  2. آل عمران 3:141
  3. آل عمران 3:142
  4. آل عمران 3:143
  5. آل عمران 3:144
  6. آل عمران 3:145
  7. آل عمران 3:146
  8. آل عمران 3:147
  9. آل عمران 3:148
  10. آل عمران 3:149
  11. آل عمران 3:150
  12. آل عمران 3:151
  13. آل عمران 3:152
  14. آل عمران 3:153
  15. آل عمران 3:154
  16. آل عمران 3:155
  17. آل عمران 3:156
  18. آل عمران 3:157
  19. آل عمران 3:158
  20. آل عمران 3:159
  21. آل عمران 3:160
  22. آل عمران 3:161
  23. آل عمران 3:162
  24. آل عمران 3:163
  25. آل عمران 3:164
  26. آل عمران 3:165
  27. آل عمران 3:166
  28. آل عمران 3:167
  29. آل عمران 3:168
  30. آل عمران 3:169
  31. آل عمران 3:170
  32. آل عمران 3:171
  33. آل عمران 3:172
  34. آل عمران 3:173
  35. آل عمران 3:174
  36. آل عمران 3:175
  37. آل عمران 3:176
  38. آل عمران 3:177
  39. آل عمران 3:178
  40. آل عمران 3:179
  41. آل عمران 3:180
  42. آل عمران 3:181
  43. آل عمران 3:182
  44. آل عمران 3:183
  45. آل عمران 3:184
  46. آل عمران 3:185
  47. آل عمران 3:186
  48. آل عمران 3:187
  49. آل عمران 3:188

آل عمران 3:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ صفحة ١٣ واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يُصِيبُهم مِنَ القَرْحِ لا يَجِبُ أنْ يُزِيلَ جِدَّهم واجْتِهادَهم في جِهادِ العَدُوِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أصابَهم ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ عَدُوَّهم مِثْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا كانُوا مَعَ باطِلِهِمْ، وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لَمْ يَفْتُرُوا لِأجْلِ ذَلِكَ في الحَرْبِ، فَبِأنْ لا يَلْحَقَكُمُ الفُتُورُ مَعَ حُسْنِ العاقِبَةِ والتَّمَسُّكِ بِالحَقِّ أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (قُرْحٌ) بِضَمِّ القافِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) [آلِ عِمْرانَ: ١٧٢] والباقُونَ بِفَتْحِ القافِ فِيهِما واخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: فالأوَّلُ: مَعْناهُما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ: كالجُهْدِ والجَهْدِ، والوُجْدِ والوَجْدِ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ. والثّانِي: أنَّ الفَتْحَ لُغَةُ تِهامَةَ والحِجازِ والضَّمَّ لُغَةُ نَجْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ اسْمٌ. والرّابِعُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ بِعَيْنِها وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحَةِ. والخامِسُ: قالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ المَفْتُوحَةَ تُوِهِمُ أنَّها جَمْعُ قُرْحَةٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] . والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ قَدْ نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلُ ما نالَكم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ مِنهم نَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا، وقُتِلَ صاحِبُ لِوائِهِمْ والجِراحاتُ كَثُرَتْ فِيهِمْ وعُقِرَ عامَّةُ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقَدْ كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ. فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وما كانَ قَرْحُهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلَ قَرْحِ المُشْرِكِينَ ؟ قُلْنا: يَجِبُ أنَّ يُفَسَّرَ القَرْحُ في هَذا التَّأْوِيلِ بِمُجَرَّدِ الِانْهِزامِ لا بِكَثْرَةِ القَتْلى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(الأيّامُ) صِفَةٌ و(نُداوِلُها) خَبَرُهُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الأيّامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَما تَقُولُ: هي الأيّامُ تُبْلِي كُلَّ جَدِيدٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أيّامِ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، فَبَيَّنَ أنَّها دُوَلٌ تَكُونُ عَلى الرَّجُلِ حِينًا ولَهُ حِينًا والحَرْبُ سِجالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: المُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا تَناقَلَتْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ٧] أيْ تَتَداوَلُونَها ولا تَجْعَلُونَ لِلْفُقَراءِ مِنها نَصِيبًا، ويُقالُ: الدُّنْيا دُوَلٌ، أيْ تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ، ثُمَّ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ، ويُقالُ: دالَ لَهُ الدَّهْرُ بِكَذا إذا انْتَقَلَ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا هي دُوَلٌ بَيْنَ النّاسِ لا يَدُومُ مَسارُّها ولا مَضارُّها، فَيَوْمٌ يَحْصُلُ فِيهِ السُّرُورُ لَهُ والغَمُّ لِعَدُوِّهِ، ويَوْمٌ آخَرُ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، ولا يَبْقى شَيْءٌ مِن أحْوالِها ولا يَسْتَقِرُّ أثَرٌ مِن آثارِها. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ المُداوَلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تارَةً يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ وأُخْرى يَنْصُرُ الكافِرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ مَنصِبٌ شَرِيفٌ وإعْزازٌ عَظِيمٌ، فَلا يَلِيقُ بِالكافِرِ، بَلِ المُرادُ مِن هَذِهِ المُداوَلَةِ أنَّهُ تارَةً يُشَدِّدُ المِحْنَةَ عَلى الكُفّارِ وأُخْرى عَلى المُؤْمِنِينَ والفائِدَةُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ شَدَّدَ المِحْنَةَ عَلى الكُفّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ وأزالَها عَنِ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لَحَصَلَ العِلْمُ الِاضْطِرارِيُّ بِأنَّ الإيمانَ حَقٌّ وما سِواهُ باطِلٌ، صفحة ١٤ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ التَّكْلِيفُ والثَّوابُ والعِقابُ، فَلِهَذا المَعْنى تارَةً يُسَلِّطُ اللَّهُ المِحْنَةَ عَلى أهْلِ الإيمانِ، وأُخْرى عَلى أهْلِ الكُفْرِ لِتَكُونَ الشُّبَهاتُ باقِيَةً والمُكَلَّفُ يَدْفَعُها بِواسِطَةِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ فَيَعْظُمُ ثَوابُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى بَعْضِ المَعاصِي، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا أدَبًا لَهُ، وأمّا تَشْدِيدُ المِحْنَةِ عَلى الكافِرِ فَإنَّهُ يَكُونُ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: وهو أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا وآلامَها غَيْرُ باقِيَةٍ وأحْوالُها غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ، وإنَّما تَحْصُلُ السَّعاداتُ المُسْتَمِرَّةُ في دارِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يُمِيتُ بَعْدَ الإحْياءِ، ويُسْقِمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، فَإذا حَسُنَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَحْسُنُ أنْ يُبَدِّلَ السَّرّاءَ بِالضَّرّاءِ، والقُدْرَةَ بِالعَجْزِ، ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ صَعِدَ الجَبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ الخَطّابِ ؟، فَقالَ عُمَرُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا أبُو بَكْرٍ، وها أنا عُمَرُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ والأيّامُ دُوَلٌ والحَرْبُ سِجالٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا سَواءَ، قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النّارِ، فَقالَ: إنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ، فَقَدْ خِبْنا إذَنْ وخَسِرْنا» . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، إمّا بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، أمّا الإضْمارُ بَعْدَهُ فَعَلى تَقْدِيرِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَعَلْنا هَذِهِ المُداوَلَةَ، وأمّا الإضْمارُ قَبْلَهُ فَعَلى تَقْدِيرِ: وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ لِأُمُورٍ، مِنها لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ومِنها لِيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ، ومِنها لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ومِنها لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ، فَكُلُّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ والعِلَّةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١١٣] والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ، وإنَّما حُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَصْلَحَةَ في هَذِهِ المُداوَلَةِ لَيْسَتْ بِواحِدَةٍ، لِيُسَلِّيَهم عَمّا جَرى، ولِيُعَرِّفَهم أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ وأنَّ شَأْنَهم فِيها، فِيهِ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لَوْ عَرَفُوهُ لَسَرَّهم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ تِلْكَ المُداوَلَةَ لِيَكْتَسِبَ هَذا العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكَهْفِ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُودٌ: ٧] وقَدِ احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ حُدُوثَ الحَوادِثِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، فَقالَ: كُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما صارَ عالِمًا بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ حُدُوثِها. أجابَ المُتَكَلِّمُونَ عَنْهُ: بِأنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الحَوادِثَ قَبْلَ وُقُوعِها، فَثَبَتَ أنَّ التَّغْيِيرَ في العِلْمِ مُحالٌ إلّا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ العِلْمِ عَلى المَعْلُومِ والقُدْرَةِ عَلى المَقْدُورِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا صفحة ١٥ عِلْمُ فُلانٍ والمُرادُ مَعْلُومُهُ، وهَذِهِ قُدْرَةُ فُلانٍ والمُرادُ مَقْدُورُهُ، فَكُلُّ آيَةٍ يُشْعِرُ ظاهِرُها بِتَجَدُّدِ العِلْمِ، فالمُرادُ تَجَدُّدُ المَعْلُومِ. إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لِيَظْهَرَ الإخْلاصُ مِنَ النِّفاقِ والمُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ. والثّانِي: لِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا. وثالِثُها: لِيَحْكُمَ بِالِامْتِيازِ، فَوَضَعَ العِلْمَ مَكانَ الحُكْمِ بِالِامْتِيازِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِالِامْتِيازِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ. ورابِعُها: لِيَعْلَمَ ذَلِكَ واقِعًا مِنهم كَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَقَعُ؛ لِأنَّ المُجازاةَ تَقَعُ عَلى الواقِعِ دُونَ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُكْتَفى فِيهِ بِمَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا، أيْ عَلِمْتُ ذاتَهُ وعَرَفْتُهُ، وقَدْ يَفْتَقِرُ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا كَرِيمًا، والمُرادُ مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا القِسْمُ الثّانِي، إلّا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ بِالإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، أيِ الحِكْمَةُ في هَذِهِ المُداوَلَةِ أنْ يَصِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ عَمَّنْ يَدَّعِي الإيمانَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هاهُنا مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، بِمَعْنى مَعْرِفَةِ الذّاتِ، والمَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما يَظْهَرُ مِن صَبْرِهِمْ عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، أيْ لِيَعْرِفَهم بِأعْيانِهِمْ إلّا أنَّ سَبَبَ حُدُوثِ هَذا العِلْمِ، وهو ظُهُورُ الصَّبْرِ حُذِفَ هاهُنا. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحِكْمَةِ الثّانِيَةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَتَّخِذُ مِنكم شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِما صَدَرَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، فَإنَّ كَوْنَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ مَنصِبٌ عالٍ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ ولِيُكْرِمَ قَوْمًا بِالشَّهادَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ فاتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ لِقاءَ العَدُوِّ وأنْ يَكُونَ لَهم يَوْمٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ يُقاتِلُونَ فِيهِ العَدُوَّ ويَلْتَمِسُونَ فِيهِ الشَّهادَةَ، وأيْضًا القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن تَعْظِيمِ حالِ الشُّهَداءِ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] وقالَ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] فَكانَتْ هَذِهِ المَنزِلَةُ هي المَنزِلَةُ الثّالِثَةُ لِلنُّبُوَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكانَ مِن جُمْلَةِ الفَوائِدِ المَطْلُوبَةِ مِن تِلْكَ المُداوَلَةِ حُصُولُ هَذا المَنصِبِ العَظِيمِ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: مَنصِبُ الشَّهادَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، فَإنْ كانَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِدُونِ تَسْلِيطِ الكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْقَ لِحُسْنِ التَّعْلِيلِ وجْهٌ، وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَتْلُ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الشَّهادَةِ، فَإذا كانَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الشَّهادَةِ لِلْعَبْدِ مَطْلُوبًا لِلَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَتْلُ مَطْلُوبًا لِلَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ ما بِهِ حَصَلَتْ تِلْكَ الشَّهادَةُ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ كالكُرَماءِ والظُّرَفاءِ، والمَقْتُولُ مِنَ المُسْلِمِينَ بِسَيْفِ الكُفّارِ شَهِيدٌ، وفي تَعْلِيلِ هَذا الِاسْمِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الشُّهَداءُ أحْياءُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] فَأرْواحُهم حَيَّةٌ وقَدْ حَضَرَتْ دارَ السَّلامِ، وأرْواحُ غَيْرِهِمْ لا تَشْهَدُها. الثّانِي: قالَ صفحة ١٦ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ومَلائِكَتَهُ شَهِدُوا لَهُ بِالجَنَّةِ، فالشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. الثّالِثُ: سُمُّوا شُهَداءَ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . الرّابِعُ: سُمُّوا شُهَداءَ لِأنَّهم كَما قُتِلُوا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ كَما ماتُوا أُدْخِلُوا النّارَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٥] فَكَذا هاهُنا يَجِبُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما ماتُوا دَخَلُوا الجَنَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيِ المُشْرِكِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ بَعْضِ التَّعْلِيلِ وبَعْضٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: واللَّهُ لا يُحِبُّ مَن لا يَكُونُ ثابِتًا عَلى الإيمانِ صابِرًا عَلى الجِهادِ. الثّانِي: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُؤَيِّدُ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِما ذَكَرَ مِنَ الفَوائِدِ، لا لِأنَّهُ يُحِبُّهم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِيُطَهِّرَهم مِن ذُنُوبِهِمْ ويُزِيلَها عَنْهم، والمَحْصُ: في اللُّغَةِ التَّنْقِيَةُ، والمَحْقُ في اللُّغَةِ النُّقْصانُ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو أنْ يَذْهَبَ الشَّيْءُ كُلُّهُ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٦] أيْ يَسْتَأْصِلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الأيّامَ مُداوَلَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَإنْ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ كانَ المُرادُ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى هَؤُلاءِ الكافِرِينَ كانَ المُرادُ مَحْقَ آثارِ الكافِرِينَ ومَحْوَهم، فَقابَلَ تَمْحِيصَ المُؤْمِنِينَ بِمَحْقِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ تَمْحِيصَ هَؤُلاءِ بِإهْلاكِ ذُنُوبِهِمْ نَظِيرُ مَحْقِ أُولَئِكَ بِإهْلاكِ أنْفُسِهِمْ، وهَذِهِ مُقابَلَةٌ لَطِيفَةٌ في المَعْنى. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هاهُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا الرَّسُولَ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِعِلْمِنا بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْحَقْ كُلَّ الكُفّارِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم بَقِيَ عَلى كَفْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ صفحة ١٣ واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يُصِيبُهم مِنَ القَرْحِ لا يَجِبُ أنْ يُزِيلَ جِدَّهم واجْتِهادَهم في جِهادِ العَدُوِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أصابَهم ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ عَدُوَّهم مِثْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا كانُوا مَعَ باطِلِهِمْ، وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لَمْ يَفْتُرُوا لِأجْلِ ذَلِكَ في الحَرْبِ، فَبِأنْ لا يَلْحَقَكُمُ الفُتُورُ مَعَ حُسْنِ العاقِبَةِ والتَّمَسُّكِ بِالحَقِّ أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (قُرْحٌ) بِضَمِّ القافِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) [آلِ عِمْرانَ: ١٧٢] والباقُونَ بِفَتْحِ القافِ فِيهِما واخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: فالأوَّلُ: مَعْناهُما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ: كالجُهْدِ والجَهْدِ، والوُجْدِ والوَجْدِ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ. والثّانِي: أنَّ الفَتْحَ لُغَةُ تِهامَةَ والحِجازِ والضَّمَّ لُغَةُ نَجْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ اسْمٌ. والرّابِعُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ بِعَيْنِها وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحَةِ. والخامِسُ: قالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ المَفْتُوحَةَ تُوِهِمُ أنَّها جَمْعُ قُرْحَةٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] . والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ قَدْ نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلُ ما نالَكم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ مِنهم نَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا، وقُتِلَ صاحِبُ لِوائِهِمْ والجِراحاتُ كَثُرَتْ فِيهِمْ وعُقِرَ عامَّةُ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقَدْ كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ. فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وما كانَ قَرْحُهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلَ قَرْحِ المُشْرِكِينَ ؟ قُلْنا: يَجِبُ أنَّ يُفَسَّرَ القَرْحُ في هَذا التَّأْوِيلِ بِمُجَرَّدِ الِانْهِزامِ لا بِكَثْرَةِ القَتْلى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(الأيّامُ) صِفَةٌ و(نُداوِلُها) خَبَرُهُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الأيّامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَما تَقُولُ: هي الأيّامُ تُبْلِي كُلَّ جَدِيدٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أيّامِ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، فَبَيَّنَ أنَّها دُوَلٌ تَكُونُ عَلى الرَّجُلِ حِينًا ولَهُ حِينًا والحَرْبُ سِجالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: المُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا تَناقَلَتْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ٧] أيْ تَتَداوَلُونَها ولا تَجْعَلُونَ لِلْفُقَراءِ مِنها نَصِيبًا، ويُقالُ: الدُّنْيا دُوَلٌ، أيْ تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ، ثُمَّ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ، ويُقالُ: دالَ لَهُ الدَّهْرُ بِكَذا إذا انْتَقَلَ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا هي دُوَلٌ بَيْنَ النّاسِ لا يَدُومُ مَسارُّها ولا مَضارُّها، فَيَوْمٌ يَحْصُلُ فِيهِ السُّرُورُ لَهُ والغَمُّ لِعَدُوِّهِ، ويَوْمٌ آخَرُ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، ولا يَبْقى شَيْءٌ مِن أحْوالِها ولا يَسْتَقِرُّ أثَرٌ مِن آثارِها. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ المُداوَلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تارَةً يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ وأُخْرى يَنْصُرُ الكافِرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ مَنصِبٌ شَرِيفٌ وإعْزازٌ عَظِيمٌ، فَلا يَلِيقُ بِالكافِرِ، بَلِ المُرادُ مِن هَذِهِ المُداوَلَةِ أنَّهُ تارَةً يُشَدِّدُ المِحْنَةَ عَلى الكُفّارِ وأُخْرى عَلى المُؤْمِنِينَ والفائِدَةُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ شَدَّدَ المِحْنَةَ عَلى الكُفّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ وأزالَها عَنِ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لَحَصَلَ العِلْمُ الِاضْطِرارِيُّ بِأنَّ الإيمانَ حَقٌّ وما سِواهُ باطِلٌ، صفحة ١٤ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ التَّكْلِيفُ والثَّوابُ والعِقابُ، فَلِهَذا المَعْنى تارَةً يُسَلِّطُ اللَّهُ المِحْنَةَ عَلى أهْلِ الإيمانِ، وأُخْرى عَلى أهْلِ الكُفْرِ لِتَكُونَ الشُّبَهاتُ باقِيَةً والمُكَلَّفُ يَدْفَعُها بِواسِطَةِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ فَيَعْظُمُ ثَوابُهُ عِنْدَ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى بَعْضِ المَعاصِي، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا أدَبًا لَهُ، وأمّا تَشْدِيدُ المِحْنَةِ عَلى الكافِرِ فَإنَّهُ يَكُونُ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: وهو أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا وآلامَها غَيْرُ باقِيَةٍ وأحْوالُها غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ، وإنَّما تَحْصُلُ السَّعاداتُ المُسْتَمِرَّةُ في دارِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يُمِيتُ بَعْدَ الإحْياءِ، ويُسْقِمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، فَإذا حَسُنَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَحْسُنُ أنْ يُبَدِّلَ السَّرّاءَ بِالضَّرّاءِ، والقُدْرَةَ بِالعَجْزِ، ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ صَعِدَ الجَبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ الخَطّابِ ؟، فَقالَ عُمَرُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا أبُو بَكْرٍ، وها أنا عُمَرُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ والأيّامُ دُوَلٌ والحَرْبُ سِجالٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا سَواءَ، قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النّارِ، فَقالَ: إنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ، فَقَدْ خِبْنا إذَنْ وخَسِرْنا» . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، إمّا بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، أمّا الإضْمارُ بَعْدَهُ فَعَلى تَقْدِيرِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَعَلْنا هَذِهِ المُداوَلَةَ، وأمّا الإضْمارُ قَبْلَهُ فَعَلى تَقْدِيرِ: وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ لِأُمُورٍ، مِنها لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ومِنها لِيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ، ومِنها لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ومِنها لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ، فَكُلُّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ والعِلَّةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١١٣] والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ، وإنَّما حُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَصْلَحَةَ في هَذِهِ المُداوَلَةِ لَيْسَتْ بِواحِدَةٍ، لِيُسَلِّيَهم عَمّا جَرى، ولِيُعَرِّفَهم أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ وأنَّ شَأْنَهم فِيها، فِيهِ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لَوْ عَرَفُوهُ لَسَرَّهم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ تِلْكَ المُداوَلَةَ لِيَكْتَسِبَ هَذا العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكَهْفِ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُودٌ: ٧] وقَدِ احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ حُدُوثَ الحَوادِثِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، فَقالَ: كُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما صارَ عالِمًا بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ حُدُوثِها. أجابَ المُتَكَلِّمُونَ عَنْهُ: بِأنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الحَوادِثَ قَبْلَ وُقُوعِها، فَثَبَتَ أنَّ التَّغْيِيرَ في العِلْمِ مُحالٌ إلّا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ العِلْمِ عَلى المَعْلُومِ والقُدْرَةِ عَلى المَقْدُورِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا صفحة ١٥ عِلْمُ فُلانٍ والمُرادُ مَعْلُومُهُ، وهَذِهِ قُدْرَةُ فُلانٍ والمُرادُ مَقْدُورُهُ، فَكُلُّ آيَةٍ يُشْعِرُ ظاهِرُها بِتَجَدُّدِ العِلْمِ، فالمُرادُ تَجَدُّدُ المَعْلُومِ. إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لِيَظْهَرَ الإخْلاصُ مِنَ النِّفاقِ والمُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ. والثّانِي: لِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا. وثالِثُها: لِيَحْكُمَ بِالِامْتِيازِ، فَوَضَعَ العِلْمَ مَكانَ الحُكْمِ بِالِامْتِيازِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِالِامْتِيازِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ. ورابِعُها: لِيَعْلَمَ ذَلِكَ واقِعًا مِنهم كَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَقَعُ؛ لِأنَّ المُجازاةَ تَقَعُ عَلى الواقِعِ دُونَ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُكْتَفى فِيهِ بِمَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا، أيْ عَلِمْتُ ذاتَهُ وعَرَفْتُهُ، وقَدْ يَفْتَقِرُ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا كَرِيمًا، والمُرادُ مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا القِسْمُ الثّانِي، إلّا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ بِالإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، أيِ الحِكْمَةُ في هَذِهِ المُداوَلَةِ أنْ يَصِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ عَمَّنْ يَدَّعِي الإيمانَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هاهُنا مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، بِمَعْنى مَعْرِفَةِ الذّاتِ، والمَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما يَظْهَرُ مِن صَبْرِهِمْ عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، أيْ لِيَعْرِفَهم بِأعْيانِهِمْ إلّا أنَّ سَبَبَ حُدُوثِ هَذا العِلْمِ، وهو ظُهُورُ الصَّبْرِ حُذِفَ هاهُنا. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحِكْمَةِ الثّانِيَةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَتَّخِذُ مِنكم شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِما صَدَرَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، فَإنَّ كَوْنَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ مَنصِبٌ عالٍ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ ولِيُكْرِمَ قَوْمًا بِالشَّهادَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ فاتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ لِقاءَ العَدُوِّ وأنْ يَكُونَ لَهم يَوْمٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ يُقاتِلُونَ فِيهِ العَدُوَّ ويَلْتَمِسُونَ فِيهِ الشَّهادَةَ، وأيْضًا القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن تَعْظِيمِ حالِ الشُّهَداءِ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] وقالَ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] فَكانَتْ هَذِهِ المَنزِلَةُ هي المَنزِلَةُ الثّالِثَةُ لِلنُّبُوَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكانَ مِن جُمْلَةِ الفَوائِدِ المَطْلُوبَةِ مِن تِلْكَ المُداوَلَةِ حُصُولُ هَذا المَنصِبِ العَظِيمِ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: مَنصِبُ الشَّهادَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، فَإنْ كانَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِدُونِ تَسْلِيطِ الكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْقَ لِحُسْنِ التَّعْلِيلِ وجْهٌ، وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَتْلُ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الشَّهادَةِ، فَإذا كانَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الشَّهادَةِ لِلْعَبْدِ مَطْلُوبًا لِلَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَتْلُ مَطْلُوبًا لِلَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ ما بِهِ حَصَلَتْ تِلْكَ الشَّهادَةُ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ كالكُرَماءِ والظُّرَفاءِ، والمَقْتُولُ مِنَ المُسْلِمِينَ بِسَيْفِ الكُفّارِ شَهِيدٌ، وفي تَعْلِيلِ هَذا الِاسْمِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الشُّهَداءُ أحْياءُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] فَأرْواحُهم حَيَّةٌ وقَدْ حَضَرَتْ دارَ السَّلامِ، وأرْواحُ غَيْرِهِمْ لا تَشْهَدُها. الثّانِي: قالَ صفحة ١٦ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ومَلائِكَتَهُ شَهِدُوا لَهُ بِالجَنَّةِ، فالشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. الثّالِثُ: سُمُّوا شُهَداءَ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . الرّابِعُ: سُمُّوا شُهَداءَ لِأنَّهم كَما قُتِلُوا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ كَما ماتُوا أُدْخِلُوا النّارَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٥] فَكَذا هاهُنا يَجِبُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما ماتُوا دَخَلُوا الجَنَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيِ المُشْرِكِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ بَعْضِ التَّعْلِيلِ وبَعْضٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: واللَّهُ لا يُحِبُّ مَن لا يَكُونُ ثابِتًا عَلى الإيمانِ صابِرًا عَلى الجِهادِ. الثّانِي: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُؤَيِّدُ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِما ذَكَرَ مِنَ الفَوائِدِ، لا لِأنَّهُ يُحِبُّهم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِيُطَهِّرَهم مِن ذُنُوبِهِمْ ويُزِيلَها عَنْهم، والمَحْصُ: في اللُّغَةِ التَّنْقِيَةُ، والمَحْقُ في اللُّغَةِ النُّقْصانُ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو أنْ يَذْهَبَ الشَّيْءُ كُلُّهُ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٦] أيْ يَسْتَأْصِلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الأيّامَ مُداوَلَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَإنْ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ كانَ المُرادُ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى هَؤُلاءِ الكافِرِينَ كانَ المُرادُ مَحْقَ آثارِ الكافِرِينَ ومَحْوَهم، فَقابَلَ تَمْحِيصَ المُؤْمِنِينَ بِمَحْقِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ تَمْحِيصَ هَؤُلاءِ بِإهْلاكِ ذُنُوبِهِمْ نَظِيرُ مَحْقِ أُولَئِكَ بِإهْلاكِ أنْفُسِهِمْ، وهَذِهِ مُقابَلَةٌ لَطِيفَةٌ في المَعْنى. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هاهُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا الرَّسُولَ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِعِلْمِنا بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْحَقْ كُلَّ الكُفّارِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم بَقِيَ عَلى كَفْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى الوُجُوهَ الَّتِي هي المُوجِباتُ والمُؤَثِّراتُ في مُداوَلَةِ الأيّامِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ لِذَلِكَ، فَقالَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، وتَفْسِيرُ كَوْنِها مُنْقَطِعَةً تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١ ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ ”أمْ“ الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ، يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟، مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما، قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا، صفحة ١٧ فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهِدَةٍ وصَبْرٍ، وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ وفي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إذا قِيلَ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وإذا قِيلَ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ لَمّا يَفْعَلْ. لِأنَّهُ لَمّا أُكِّدَ في جانِبِ الثُّبُوتِ بِقَدْ، لا جَرَمَ أُكِّدَ في جانِبِ النَّفْيِ بِكَلِمَةِ ”لَمّا“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّفْيِ عَلى العِلْمِ، والمُرادُ وُقُوعُهُ عَلى نَفْيِ المَعْلُومِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَصْدُرِ الجِهادُ عَنْكم، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، كَما هو عَلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُطابَقَةُ لا جَرَمَ. حَسُنَ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وأمّا النَّصْبُ فَبِإضْمارِ أنْ، وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى واوَ الصَّرْفِ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ لا تَجْمَعُ بَيْنَهُما، وكَذا هاهُنا المُرادُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وتَرْكَ المُصابَرَةِ عَلى الجِهادِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الواوَ لِلْحالِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا لا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدَهُما يَنْتَقِصُ الآخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا بِاشْتِغالِ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا، والسَّعادَةُ في الآخِرَةِ لا تَحْصُلُ إلّا بِفَراغِ القَلْبِ مِن كُلِّ ما سِوى اللَّهِ وامْتِلائِهِ مِن حُبِّ اللَّهِ، وهَذانَ الأمْرانِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، فَلِهَذا السِّرِّ وقَعَ الِاسْتِبْعادُ الشَّدِيدُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اجْتِماعِهِما، وأيْضًا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ الآخِرَةِ لا يَتِمُّ بِالدَّعْوى، فَلَيْسَ كُلُّ مَن أقَرَّ بِدِينِ اللَّهِ كانَ صادِقًا، ولَكِنَّ الفَصْلَ فِيهِ تَسْلِيطُ المَكْرُوهاتِ والمَحْبُوباتِ، فَإنَّ الحُبَّ هو الَّذِي لا يُنْتَقَصُ بِالجَفاءِ ولا يَزْدادُ بِالوَفاءِ، فَإنْ بَقِيَ الحُبُّ عِنْدَ تَسْلِيطِ أسْبابِ البَلاءِ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ الحُبَّ كانَ حَقِيقِيًّا، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ قالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِكُمُ الرَّسُولَ قَبْلَ أنْ يَبْتَلِيَكُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ وتَشْدِيدِ المِحْنَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:143

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى الوُجُوهَ الَّتِي هي المُوجِباتُ والمُؤَثِّراتُ في مُداوَلَةِ الأيّامِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ لِذَلِكَ، فَقالَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، وتَفْسِيرُ كَوْنِها مُنْقَطِعَةً تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١ ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ ”أمْ“ الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ، يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟، مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما، قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا، صفحة ١٧ فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهِدَةٍ وصَبْرٍ، وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ وفي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إذا قِيلَ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وإذا قِيلَ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ لَمّا يَفْعَلْ. لِأنَّهُ لَمّا أُكِّدَ في جانِبِ الثُّبُوتِ بِقَدْ، لا جَرَمَ أُكِّدَ في جانِبِ النَّفْيِ بِكَلِمَةِ ”لَمّا“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّفْيِ عَلى العِلْمِ، والمُرادُ وُقُوعُهُ عَلى نَفْيِ المَعْلُومِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَصْدُرِ الجِهادُ عَنْكم، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، كَما هو عَلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُطابَقَةُ لا جَرَمَ. حَسُنَ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وأمّا النَّصْبُ فَبِإضْمارِ أنْ، وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى واوَ الصَّرْفِ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ لا تَجْمَعُ بَيْنَهُما، وكَذا هاهُنا المُرادُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وتَرْكَ المُصابَرَةِ عَلى الجِهادِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الواوَ لِلْحالِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا لا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدَهُما يَنْتَقِصُ الآخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا بِاشْتِغالِ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا، والسَّعادَةُ في الآخِرَةِ لا تَحْصُلُ إلّا بِفَراغِ القَلْبِ مِن كُلِّ ما سِوى اللَّهِ وامْتِلائِهِ مِن حُبِّ اللَّهِ، وهَذانَ الأمْرانِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، فَلِهَذا السِّرِّ وقَعَ الِاسْتِبْعادُ الشَّدِيدُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اجْتِماعِهِما، وأيْضًا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ الآخِرَةِ لا يَتِمُّ بِالدَّعْوى، فَلَيْسَ كُلُّ مَن أقَرَّ بِدِينِ اللَّهِ كانَ صادِقًا، ولَكِنَّ الفَصْلَ فِيهِ تَسْلِيطُ المَكْرُوهاتِ والمَحْبُوباتِ، فَإنَّ الحُبَّ هو الَّذِي لا يُنْتَقَصُ بِالجَفاءِ ولا يَزْدادُ بِالوَفاءِ، فَإنْ بَقِيَ الحُبُّ عِنْدَ تَسْلِيطِ أسْبابِ البَلاءِ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ الحُبَّ كانَ حَقِيقِيًّا، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ قالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِكُمُ الرَّسُولَ قَبْلَ أنْ يَبْتَلِيَكُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ وتَشْدِيدِ المِحْنَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:144

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: «لَمّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُحُدٍ أمَرَ الرُّماةَ أنْ يَلْزَمُوا أصْلَ الجَبَلِ، وأنْ لا يَنْتَقِلُوا عَنْ ذَلِكَ سَواءٌ كانَ الأمْرُ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا وقَفُوا وحَمَلُوا عَلى الكُفّارِ وهَزَمُوهم وقَتَلَ عَلِيٌّ طَلْحَةَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ صاحِبَ لِوائِهِمْ، والزُّبَيْرُ والمِقْدادُ شَدّا عَلى المُشْرِكِينَ ثُمَّ حَمَلَ الرَّسُولُ مَعَ أصْحابِهِ صفحة ١٨ فَهَزَمُوا أبا سُفْيانَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ القَوْمِ لَمّا أنْ رَأوُا انْهِزامَ الكُفّارِ بادَرَ قَوْمٌ مِنَ الرُّماةِ إلى الغَنِيمَةِ وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ صاحِبُ مَيْمَنَةِ الكُفّارِ، فَلَمّا رَأى تَفَرُّقَ الرُّماةِ حَمَلَ عَلى المُسْلِمِينَ فَهَزَمَهم وفَرَّقَ جَمْعَهم وكَثُرَ القَتْلُ في المُسْلِمِينَ، ورَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رَباعِيَتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ، وأقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وهو صاحِبُ الرّايَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمِ أُحُدٍ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، فَظَنَّ أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ صارِخٌ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وكانَ الصّارِخُ الشَّيْطانَ، فَفَشا في النّاسِ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَهُنالِكَ قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما قُتِلَ، ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وإلى دِينِكم، فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: يا قَوْمُ إنْ كانَ قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، ثُمَّ سَلَّ سَيْفَهُ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَرَّ بَعْضُ المُهاجِرِينَ بِأنْصارِيٍّ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشْعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: إنْ كانَ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، قاتِلُوا عَلى دِينِكم، ولَمّا شَجَّ ذَلِكَ الكافِرُ وجْهَ الرَّسُولِ ﷺ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ، احْتَمَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ودافَعَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ونَفَرٌ آخَرُونَ مَعَهم، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَعَلَ يُنادِي ويَقُولُ: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ فَلامَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ فاسْتَوْلى الرُّعْبُ عَلى قُلُوبِنا فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ»، ومَعْنى الآيَةِ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، وكَما أنَّ أتْباعَهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ، فَعَلَيْكم أنْ تَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ وإلْزامُ الحُجَّةِ، لا وُجُودُهم بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِمْ أبَدًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: الرَّسُولُ جاءَ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: يُرادُ بِهِ المُرْسَلُ، والآخَرُ الرِّسالَةُ، وهاهُنا المُرادُ بِهِ المُرْسَلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وفَعُولٌ قَدْ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، كالرَّكُوبِ والحَلُوبِ لِما يُرْكَبُ ويُحْلَبُ، والرَّسُولُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ كَقَوْلِهِ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ، قالَ: ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ونَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ قالَ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَ عَلى الشَّرْطِ وهو في الحَقِيقَةِ داخِلٌ عَلى الجَزاءِ، والمَعْنى أتَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ أوْ قُتِلَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: هَلْ زَيْدٌ قائِمٌ ؟ فَأنْتَ إنَّما تَسْتَخْبِرُ عَنْ قِيامِهِ، إلّا أنَّكَ أدْخَلْتَ (هَلْ) عَلى الِاسْمِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُقْتَلُ قالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٠] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] فَلَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُقْتَلُ فَلِمَ قالَ أوْ قُتِلَ ؟ فَإنَّ الجَوابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ صِدْقَ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي صِدْقَ جُزْأيْها، فَإنَّكَ صفحة ١٩ تَقُولُ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فالشَّرْطِيَّةُ صادِقَةٌ وجُزْآها كاذِبانِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا حَقٌّ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، ولَيْسَ فِيهِما فَسادٌ، فَكَذا هاهُنا. والثّانِي: أنَّ هَذا ورَدَ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ ولَمْ تَرْجِعْ أُمَّتُهُ عَنْ ذَلِكَ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُتِلَ وهم لا يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ، فَكَذا هاهُنا. والثّالِثُ: أنَّ المَوْتَ لا يُوجِبُ رُجُوعَ الأُمَّةِ عَنْ دِينِهِ، فَكَذا القَتْلُ وجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِ؛ لِأنَّهُ فارَقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى هَذا المَعْنى كانَ المَقْصُودُ مِنهُ الرَّدَّ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ شَكُّوا في صِحَّةِ الدِّينِ وهَمُّوا بِالِارْتِدادِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ صِرْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم، يُقالُ لِكُلِّ مَن عادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ: رَجَعَ وراءَهُ وانْقَلَبَ عَلى عَقِبِهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قُتِلَ فالحَقُوا بِدِينِكم، فَقالَ بَعْضُ الأنْصارِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَتْلَهُ لا يُوجِبُ ضَعْفًا في دِينِهِ بِدَلِيلَيْنِ: الأوَّلُ: بِالقِياسِ عَلى مَوْتِ سائِرِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ. والثّانِي: أنَّ الحاجَةَ إلى الرَّسُولِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ وبَعْدَ ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن قَتْلِهِ فَسادُ الدِّينِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ شَكٌّ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ، فَإنّا نَقُولُ: المُرادُ أنَّهُ سَواءٌ وقَعَ هَذا أوْ ذاكَ فَلا تَأْثِيرَ لَهُ في ضَعْفِ الدِّينِ ووُجُوبِ الِارْتِدادِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ والغَرَضُ مِنهُ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَضُرُّهُ كُفْرُ الكافِرِينَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، وهَذا كَما إذا قالَ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ عِنْدَ العِتابِ: إنَّ هَذا الَّذِي تَأْتِي بِهِ مِنَ الأفْعالِ لا يَضُرُّ السَّماءَ والأرْضَ، ويُرِيدُ بِهِ أنَّهُ يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ فَكَذا هاهُنا، ثُمَّ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ لَمّا وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ بَعْضِهِمْ بِسَبَبِ تِلْكَ الهَزِيمَةِ ولَمْ تَقَعِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ العُلَماءِ الأقْوِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهم شَكَرُوا اللَّهَ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ وشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ، فَلا جَرَمَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أبُو بَكْرٍ مِنَ الشّاكِرِينَ وهو مِن أحِبّاءِ اللَّهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

آل عمران 3:145

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ أرَجَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ لا تَمُوتُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَكانَ قَتْلُهُ مِثْلَ مَوْتِهِ في أنَّهُ لا صفحة ٢٠ يَحْصُلُ إلّا في الوَقْتِ المُقَدَّرِ المُعَيَّنِ، فَكَما أنَّهُ لَوْ ماتَ في دارِهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى فَسادِ دِينِهِ، فَكَذا إذا قُتِلَ وجَبَ أنْ لا يُؤَثِّرَ ذَلِكَ في فَسادِ دِينِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ قَوْلِ المُنافِقِينَ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ: إنَّهُ لَمّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأدْيانِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْرِيضَ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ بِإعْلامِهِمْ أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ الأجَلِ وإذا جاءَ الأجَلُ لا يَنْدَفِعُ المَوْتُ بِشَيْءٍ، فَلا فائِدَةَ في الجُبْنِ والخَوْفِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ حِفْظَ اللَّهِ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَخْلِيصَهُ مِن تِلْكَ المَعْرَكَةِ المُخَوِّفَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ ما بَقِيَ سَبَبٌ مِن أسْبابِ الهَلاكِ إلّا وقَدْ حَصَلَ فِيها، ولَكِنْ لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى حافِظًا وناصِرًا ما ضَرَّهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أصْحابَهُ قَصَّرُوا في الذَّبِّ عَنْهُ. والرّابِعُ: وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَلَيْسَ في إرْجافِ مَن أرْجَفَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فِيهِ أوْ يُعِينُ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، بَلْ يُبْقِيهِ اللَّهُ إلى أنْ يَظْهَرَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الجَوابُ عَمّا قالَهُ المُنافِقُونَ، فَإنَّ الصَّحابَةَ لَمّا رَجَعُوا وقَدْ قُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ قالُوا: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَوْتَ والقَتْلَ كِلاهُما لا يَكُونانِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وحُضُورِ الأجَلِ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الإذْنِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ هو الأمْرُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلَكَ المَوْتِ بِقَبْضِ الأرْواحِ فَلا يَمُوتُ أحَدٌ إلّا بِهَذا الأمْرِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الإذْنِ ما هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] والمُرادُ مِن هَذا الأمْرِ إنَّما هو التَّكْوِينُ والتَّخْلِيقُ والإيجادُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المَوْتِ والحَياةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَإذَنِ المُرادُ: أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ إلّا بِما أماتَها اللَّهُ تَعالى. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ هو التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ وتَرْكُ المَنعِ بِالقَهْرِ والإجْبارِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ بِتَخْلِيَتِهِ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المَنعِ مِن ذَلِكَ بِالقَهْرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ بِتَخَلِّي اللَّهِ بَيْنَ القاتِلِ والمَقْتُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُ نَبِيَّهُ ويَجْعَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا لِيُتِمَّ عَلى يَدَيْهِ بَلاغَ ما أرْسَلَهُ بِهِ، ولا يُخَلِّي بَيْنَ أحَدٍ وبَيْنَ قَتْلِهِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ، فَلا تَنْكَسِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ في غَزَواتِكم بِأنْ يُرْجِفَ مُرْجِفٌ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ بِمَعْنى العِلْمِ، ومَعْناهُ أنَّ نَفَسًا لَنْ تَمُوتَ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مَوْتَها فِيهِ، وإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ لَزِمَ المَوْتُ، كَما قالَ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٦١] . الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإذْنُ هو قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، فَإنَّهُ لا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ فِعْلٌ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: اللّامُ في ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ﴾ مَعْناها النَّفْيُ، والتَّقْدِيرُ وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ، وأنَّ تَغْيِيرَ الآجالِ مُمْتَنِعٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قامَ مَقامَ أنْ يُقالَ: كَتَبَ اللَّهُ، فالتَّقْدِيرُ كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا مُؤَجَّلًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤] صفحة ٢١ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَتَبَ هَذا التَّحْرِيمَ عَلَيْكم، ومِثْلُهُ: صُنْعَ اللَّهِ، ووَعْدَ اللَّهِ، وفِطْرَةَ اللَّهِ، وصِبْغَةَ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالكِتابِ المُؤَجَّلِ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى الآجالِ، ويُقالُ: إنَّهُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، كَما ورَدَ في الأحادِيثِ ”«أنَّهُ تَعالى قالَ لِلْقَلَمِ اكْتُبْ، فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ . واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى، وجَمِيعَ حَوادِثِ هَذا العالَمِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَكْتُوبَةً في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَوْ وقَعَتْ بِخِلافِ عِلْمِ اللَّهِ لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا، ولانْقَلَبَ ذَلِكَ الكِتابُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وأكَّدَهُ بِحَدِيثِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ، وبِالحَدِيثِ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«فَحَجَّ آدَمُ مُوسى» “ قالَ القاضِي: أمّا الأجَلُ والرِّزْقُ فَهُما مُضافانِ إلى اللَّهِ، وأمّا الكُفْرُ والفِسْقُ والإيمانُ والطّاعَةُ فَكُلُّ ذَلِكَ مُضافٌ إلى العَبْدِ، فَإذا كَتَبَ تَعالى ذَلِكَ فَإنَّما يَكْتُبُ بِعِلْمِهِ مِنَ اخْتِيارِ العَبْدِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُ العَبْدَ مِن أنْ يَكُونَ هو المَذْمُومَ أوِ المَمْدُوحَ. واعْلَمْ أنَّهُ ما كانَ مِن حَقِّ القاضِي أنْ يَتَغافَلَ عَنْ مَوْضِعِ الإشْكالِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إذا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ العَبْدِ الكُفْرَ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنهُ الكُفْرَ، فَلَوْ أتى بِالإيمانِ لَكانَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ المُتَناقِضَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالكَفْرِ والخَبَرَ الصِّدْقَ عَنِ الكُفْرِ مَعَ عَدَمِ الكُفْرِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ مَوْضِعُ الإلْزامِ هو هَذا فَأنّى يَنْفَعُهُ الفِرارُ مِن ذَلِكَ إلى الكَلِماتِ الأجْنَبِيَّةِ عَنْ هَذا الإلْزامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ . فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنهم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا، ومِنهم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فالَّذِينَ حَضَرُوا القِتالَ لِلدُّنْيا، هُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا لِطَلَبِ الغَنائِمِ والذِّكْرِ والثَّناءِ، وهَؤُلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَنْهَزِمُوا، والَّذِينَ حَضَرُوا لِلدِّينِ، فَلا بُدَّ وأنْ لا يَنْهَزِمُوا ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن طَلَبَ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى بَعْضِ مَقْصُودِهِ ومَن طَلَبَ الآخِرَةَ فَكَذَلِكَ، وتَقْرِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ إلى آخَرِ الحَدِيثِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ ورَدَتْ في الجِهادِ خاصَّةً، لَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في جَلْبِ الثَّوابِ والعِقابِ المَقْصُودُ والدَّواعِي لا ظَواهِرُ الأعْمالِ، فَإنَّ مَن وضَعَ الجَبْهَةَ عَلى الأرْضِ في صَلاةِ الظُّهْرِ والشَّمْسُ قُدّامَهُ، فَإنْ قَصَدَ بِذَلِكَ السُّجُودِ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الإسْلامِ، وإنْ قَصَدَ بِهِ عِبادَةَ الشَّمْسِ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الكُفْرِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمُقاتِلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ ”في ماذا قُتِلْتَ ؟، فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالجِهادِ في سَبِيلِكَ فَقاتَلْتُ حَتّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ تَعالى: كَذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ فُلانٌ مُحارِبٌ وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ“ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ إلى النّارِ» .

آل عمران 3:146

صفحة ٢٢ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مِن تَمامِ تَأْدِيبِهِ قالَ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: إنَّ لَكم بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ وأتْباعِهِمْ أُسْوَةً حَسَنَةً، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَةُ أتْباعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ الصَّبْرَ عَلى الجِهادِ وتَرْكَ الفِرارِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم هَذا الفِرارُ والِانْهِزامُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”وكائِنْ“ عَلى وزْنِ كاعِنٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ ”كَأيِّنْ“ مَشْدُودًا بِوَزْنٍ كَعَيِّنٍ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، ومِنَ اللُّغَةِ الأُولى قَوْلُ جَرِيرٍ: وكائِنْ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِيبُ هو المُصابُ وأنْشَدَ المُفَضَّلُ: وكائِنْ تَرى في الحَيِّ مِن ذِي قَرابَةٍ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو (قُتِلَ مَعَهُ) والباقُونَ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ المَعْنى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ قُتِلُوا والَّذِينَ بَقَوْا بَعْدَهم ما وهَنُوا في دِينِهِمْ، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ ونُصْرَةِ دِينِهِمْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالُكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ هَكَذا. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والوَقْفُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ عَلى قَوْلِهِ: (قُتِلَ) وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالٌ بِمَعْنى قُتِلَ حالَ ما كانَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، أوْ يَكُونُ عَلى مَعْنى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قُتِلَ فَما وهَنَ الرِّبِّيُّونَ عَلى كَثْرَتِهِمْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مِن إخْوانِهِمْ، بَلْ مَضَوْا عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، فَقَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالُكم كَذَلِكَ، وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ ما جَرى لِسائِرِ الأنْبِياءِ لِتَقْتَدِيَ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهِمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ قَتْلَ سائِرِ الأنْبِياءِ لا قِتالَهم، ومَن قَرَأ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ فالمَعْنى: وكَمْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ العَدَدُ الكَثِيرُ مِن أصْحابِهِ فَأصابَهم مِن عَدُوِّهِمْ قَرْحٌ فَما وهَنُوا؛ لِأنَّ الَّذِي أصابَهم إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وإقامَةِ دِينِهِ ونُصْرَةِ رَسُولِهِ، فَكَذَلِكَ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ. وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في القِتالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هو القِتالَ. وأيْضًا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: ما سَمِعْنا بِنَبِيٍّ قُتِلَ في القِتالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَعْنى ”كَأيِّنْ“ كَمْ، وتَأْوِيلُها التَّكْثِيرُ لِعَدَدِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحَجِّ: ٤٥] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها﴾ [الحَجِّ: ٤٨] والكافُ في ”كَأيِّنْ“ كافُ التَّشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى ”أيِّ“ الَّتِي هي لِلِاسْتِفْهامِ كَما دَخَلَتْ عَلى ”ذا“ مِن ”كَذا“ و”أنَّ“ مِن ”كَأنَّ“، ولا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ فِيهِ كَما لا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ في كَذا، تَقُولُ: لِي عَلَيْهِ كَذا وكَذا: مَعْناهُ لِي عَلَيْهِ عَدَدٌ ما، فَلا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ، إلّا أنَّها زِيادَةٌ لازِمَةٌ لا يَجُوزُ حَذْفُها، واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِلتَّنْوِينِ صُورَةٌ في الخَطِّ إلّا في هَذا الحَرْفِ خاصَّةً، وكَذا اسْتِعْمالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً مَوْضُوعَةً لِلتَّكْثِيرِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرِّبِّيُّونَ الرَّبّانِيُّونَ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ والفَتْحِ عَلى صفحة ٢٣ القِياسِ، والضَّمُّ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الرِّبِّيُّونَ: الأوَّلُونَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، الواحِدُ رِبِّيٌّ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ مِنَ الرِّبَّةِ وهي الجَماعَةُ، يُقالُ: رِبِّيٌّ كَأنَّهُ نُسِبَ إلى الرِّبَّةِ. وقالَ الأخْفَشُ: الرِّبِّيُّونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، وطَعَنَ فِيهِ ثَعْلَبٌ، وقالَ: كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: رَبِّيٌّ لِيَكُونَ مَنسُوبًا إلى الرَّبِّ، وأجابَ مَن نَصَرَ الأخْفَشَ وقالَ: العَرَبُ إذا نَسَبَتْ شَيْئًا إلى شَيْءٍ غَيَّرَتْ حَرَكَتَهُ، كَما يُقالُ: بِصْرِيٌّ في النَّسَبِ إلى البَصْرَةِ، ودُهْرِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى الدَّهْرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبّانِيُّونَ الأئِمَّةُ والوُلاةُ، والرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وهُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى الرَّبِّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مَدَحَ هَؤُلاءِ الرِّبِّيِّينَ بِنَوْعَيْنِ: أوَّلًا بِصِفاتِ النَّفْيِ، وثانِيًا بِصِفاتِ الإثْباتِ، أمّا المَدْحُ بِصِفاتِ النَّفْيِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما وهَنُوا عِنْدَ قَتْلِ النَّبِيِّ وما ضَعُفُوا عَنِ الجِهادِ بَعْدَهُ وما اسْتَكانُوا لِلْعَدُوِّ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم مِنَ الوَهْنِ والِانْكِسارِ، عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ رَسُولِهِمْ، وبِضَعْفِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهَدَةِ المُشْرِكِينَ، واسْتِكانَتِهِمْ لِلْكَفّارِ حَتّى أرادُوا أنْ يَعْتَضِدُوا بِالمُنافِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وطَلَبِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُفَسَّرَ الوَهْنُ بِاسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، ويُفَسَّرَ الضَّعْفُ بِأنْ يَضْعُفَ إيمانُهم، وتَقَعَ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ في قُلُوبِهِمْ، والِاسْتِكانَةُ هي الِانْتِقالُ مِن دِينِهِمْ إلى دِينِ عَدُوِّهِمْ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّ الوَهْنَ ضَعْفٌ يَلْحَقُ القَلْبَ. والضَّعْفُ المُطْلَقُ هو اخْتِلالُ القُوَّةِ والقُدْرَةِ بِالجِسْمِ، والِاسْتِكانَةُ هي إظْهارُ ذَلِكَ العَجْزِ وذَلِكَ الضَّعْفِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ حَسَنَةٌ مُحْتَمَلَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: الِاسْتِكانَةُ الخُضُوعُ، وهو أنْ يَسْكُنَ لِصاحِبِهِ لِيَفْعَلَ بِهِ ما يُرِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن صَبَرَ عَلى تَحَمُّلِ الشَّدائِدِ في طَرِيقِ اللَّهِ ولَمْ يُظْهِرِ الجَزَعَ والعَجْزَ والهَلَعَ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إكْرامِهِ وإعْزازِهِ وتَعْظِيمِهِ، والحُكْمِ لَهُ بِالثَّوابِ والجَنَّةِ، وذَلِكَ نِهايَةُ المَطْلُوبِ.

آل عمران 3:147

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ مَدَحَهم بِصِفاتِ الثُّبُوتِ فَقالَ: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كانُوا مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ بِطَلَبِ الإمْدادِ والإعانَةِ مِنَ اللَّهِ، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ مَن عَوَّلَ في تَحْصِيلِ مُهِمّاتِهِ عَلى نَفْسِهِ ذَلَّ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ فازَ بِالمَطْلُوبِ، قالَ القاضِي: إنَّما قَدَّمُوا قَوْلَهم: صفحة ٢٤ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ضَمِنَ النُّصْرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإذا لَمْ تَحْصُلِ النُّصْرَةُ وظَهَرَ أماراتُ اسْتِيلاءِ العَدُوِّ، دَلَّ ذَلِكَ ظاهِرًا عَلى صُدُورِ ذَنْبٍ وتَقْصِيرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَلِهَذا المَعْنى يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَقْدِيمُ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ عَلى طَلَبِ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَدَءُوا بِالتَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ الذُّنُوبِ، سَواءٌ كانَتْ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ إنَّهم خَصُّوا الذُّنُوبَ العَظِيمَةَ الكَبِيرَةَ مِنها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِعِظَمِها وعِظَمِ عِقابِها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ لِأنَّ الإسْرافَ في كُلِّ شَيْءٍ هو الإفْراطُ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسْراءِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعْرافِ: ٣١] ويُقالُ: فُلانٌ مُسْرِفٌ إذا كانَ مُكْثِرًا في النَّفَقَةِ وغَيْرِها، ثُمَّ إنَّهم لَمّا فَرَغُوا مِن ذَلِكَ سَألُوا رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامَهم، وذَلِكَ بِإزالَةِ الخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإزالَةِ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ عَنْ صُدُورِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَنْصُرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّصْرَةَ لا بُدَّ فِيها مِن أُمُورٍ زائِدَةٍ عَلى ثَباتِ أقْدامِهِمْ، وهو كالرُّعْبِ الَّذِي يُلْقِيهِ في قُلُوبِهِمْ، وإحْداثِ أحْوالٍ سَماوِيَّةٍ أوْ أرْضِيَّةٍ تُوجِبُ انْهِزامَهم، مِثْلَ هُبُوبِ رِياحٍ تُثِيرُ الغُبارَ في وُجُوهِهِمْ، ومِثْلَ جَرَيانِ سَيْلٍ في مَوْضِعِ وُقُوفِهِمْ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ بِالأدْعِيَةِ عِنْدَ النَّوائِبِ والمِحَنِ سَواءٌ كانَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ.

آل عمران 3:148

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ طَرِيقَةَ الرِّبِّيِّينَ في الصَّبْرِ، وطَرِيقَتَهم في الدُّعاءِ ذَكَرَ أيْضًا ما ضَمِنَ لَهم في مُقابَلَةٍ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ الأمْرَيْنِ، أمّا ثَوابُ الدُّنْيا فَهو النُّصْرَةُ والغَنِيمَةُ وقَهْرُ العَدُوِّ والثَّناءُ الجَمِيلُ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ وزَوالُ ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ وكَفّارَةُ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وأمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ وأنْواعِ السُّرُورِ والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ، فَيَكُونُ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ لَهم بِحُصُولِها في الآخِرَةِ، فَأقامَ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مَقامَ نَفْسِ الحُصُولِ، كَما أنَّ الكَذِبَ في وعْدِ اللَّهِ والظُّلْمَ في عَدْلِهِ مُحالٌ، أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (فَآتاهُمُ) عَلى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ عَلى قِياسِ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] أيْ سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ. قالَ القاضِي: ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالشُّهَداءِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَيَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الرِّبِّيِّينَ أيْضًا كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى في حالِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ قَدْ آتاهم حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ في جِنانِ السَّماءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ تَعالى ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ ثَوابِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ كُلَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَما خَصَّهُ اللَّهُ بِأنَّهُ حَسَنٌ مِن هَذا الجِنْسِ فانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ حُسْنُهُ، ولَمْ يَصِفْ ثَوابَ الدُّنْيا بِذَلِكَ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحُسْنُ هو الحَسَنَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٣] أيْ حَسَنًا، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ صفحة ٢٥ الحَسَنَةَ لِكَوْنِها عَظِيمَةً في الحُسْنِ صارَتْ نَفْسَ الحُسْنِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا كانَ في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] فَذَكَرَ لَفْظَةَ ”مِن“ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ في الآيَةِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ ”مِن“ والفَرْقُ: أنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ إنَّما اشْتَغَلُوا بِالعُبُودِيَّةِ لِطَلَبِ الثَّوابِ، فَكانَتْ مَرْتَبَتُهم في العُبُودِيَّةِ نازِلَةً، وأمّا المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا الذَّنْبَ والقُصُورَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] ولَمْ يَرَوُا التَّدْبِيرَ والنُّصْرَةَ والإعانَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] فَكانَ مَقامُ هَؤُلاءِ في العُبُودِيَّةِ في غايَةِ الكَمالِ، فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ فازُوا بِبَعْضِ الثَّوابِ، وهَؤُلاءِ فازُوا بِالكُلِّ، وأيْضًا أُولَئِكَ أرادُوا الثَّوابَ، وهَؤُلاءِ ما أرادُوا الثَّوابَ. وإنَّما أرادُوا خِدْمَةَ مَوْلاهم فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ حُرِمُوا وهَؤُلاءِ أُعْطُوا، لِيُعْلَمَ أنَّ كُلَّ مَن أقْبَلَ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ أقْبَلَ عَلى خِدْمَتِهِ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ هَؤُلاءِ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ سَمّاهُمُ اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم: إذا اعْتَرَفْتَ بِإساءَتِكَ وعَجْزِكَ فَأنا أصِفُكَ بِالإحْسانِ وأجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي، حَتّى تَعْلَمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إلى الوُصُولِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والعَجْزِ. وأيْضًا: إنَّهم لَمّا أرادُوا الإقْدامَ عَلى الجِهادِ طَلَبُوا تَثْبِيتَ أقْدامِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتَهم عَلى العَدُوِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَمّاهم بِالمُحْسِنِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالفِعْلِ الحَسَنِ، إلّا إذا أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الفِعْلَ الحَسَنَ وأعانَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٠] وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُعْطِي الفِعْلَ الحَسَنَ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ إنَّهُ يُثِيبُهُ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَةِ اللَّهِ.

آل عمران 3:149

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ لَمّا أرْجَفُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ودَعا المُنافِقُونَ بَعْضَ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ، مَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلامِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ. فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُرادُ أبُو سُفْيانَ، فَإنَّهُ كانَ كَبِيرَ القَوْمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ أبُو سُفْيانَ لِأنَّهُ كانَ شَجَرَةَ الفِتَنِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ مِنَ صفحة ٢٦ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ألْقَوُا الشُّبُهاتِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ وقالُوا لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ ما وقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الواقِعَةُ، وإنَّما هو رَجُلٌ كَسائِرِ النّاسِ، يَوْمٌ لَهُ ويَوْمٌ عَلَيْهِ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ اليَهُودُ لِأنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وكانُوا يُلْقُونَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، ولا سِيَّما عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طاعَتِهِمْ في كُلِّ ما يَقُولُونَهُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ فَقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم فِيما أمَرُوكم بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِن تَرْكِ الإسْلامِ، وقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم في كُلِّ ما يَأْمُرُونَكم مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ في المَشُورَةِ، وقِيلَ في تَرْكِ المُحارَبَةِ وهو قَوْلُهم: [ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ ] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَعْنِي يَرُدُّوكم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ؛ لِأنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الكُفْرِ كُفْرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا كانَ عامًّا وجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا خُسْرانُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أشَقَّ الأشْياءِ عَلى العُقَلاءِ في الدُّنْيا الِانْقِيادُ لِلْعَدُوِّ والتَّذَلُّلُ لَهُ وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا خُسْرانُ الآخِرَةِ فالحِرْمانُ عَنِ الثَّوابِ المُؤَبَّدِ والوُقُوعُ في العِقابِ المُخَلَّدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَ الكُفّارَ لِيَنْصُرُوكم ويُعِينُوكم عَلى مَطالِبِكم وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ مُتَحَيِّرُونَ، والعاقِلُ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَنْصُرُكم عَلى العَدُوِّ ويَدْفَعُ عَنْكم كَيْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ خَيْرُ النّاصِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ النُّصْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِهَذا القَوْلِ، وإنَّما كانَ تَعالى خَيْرَ النّاصِرِينَ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ في كُلِّ ما تُرِيدُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ دُعاؤُكَ وتَضَرُّعُكَ، والكَرِيمُ الَّذِي لا يَبْخَلُ في جُودِهِ، ونُصْرَةُ العَبِيدِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِخِلافِ ذَلِكَ في كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ. والثّانِي: أنَّهُ يَنْصُرُكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَنْصُرُكَ قَبْلَ سُؤالِكَ ومَعْرِفَتِكَ بِالحاجَةِ، كَما قالَ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٢] وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ سائِرِ النّاصِرِينَ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ورَدَ الكَلامُ عَلى حَسَبِ تَعارُفِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

آل عمران 3:150

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ لَمّا أرْجَفُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ودَعا المُنافِقُونَ بَعْضَ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ، مَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلامِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ. فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُرادُ أبُو سُفْيانَ، فَإنَّهُ كانَ كَبِيرَ القَوْمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ أبُو سُفْيانَ لِأنَّهُ كانَ شَجَرَةَ الفِتَنِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ مِنَ صفحة ٢٦ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ألْقَوُا الشُّبُهاتِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ وقالُوا لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ ما وقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الواقِعَةُ، وإنَّما هو رَجُلٌ كَسائِرِ النّاسِ، يَوْمٌ لَهُ ويَوْمٌ عَلَيْهِ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ اليَهُودُ لِأنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وكانُوا يُلْقُونَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، ولا سِيَّما عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طاعَتِهِمْ في كُلِّ ما يَقُولُونَهُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ فَقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم فِيما أمَرُوكم بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِن تَرْكِ الإسْلامِ، وقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم في كُلِّ ما يَأْمُرُونَكم مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ في المَشُورَةِ، وقِيلَ في تَرْكِ المُحارَبَةِ وهو قَوْلُهم: [ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ ] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَعْنِي يَرُدُّوكم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ؛ لِأنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الكُفْرِ كُفْرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا كانَ عامًّا وجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا خُسْرانُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أشَقَّ الأشْياءِ عَلى العُقَلاءِ في الدُّنْيا الِانْقِيادُ لِلْعَدُوِّ والتَّذَلُّلُ لَهُ وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا خُسْرانُ الآخِرَةِ فالحِرْمانُ عَنِ الثَّوابِ المُؤَبَّدِ والوُقُوعُ في العِقابِ المُخَلَّدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَ الكُفّارَ لِيَنْصُرُوكم ويُعِينُوكم عَلى مَطالِبِكم وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ مُتَحَيِّرُونَ، والعاقِلُ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَنْصُرُكم عَلى العَدُوِّ ويَدْفَعُ عَنْكم كَيْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ خَيْرُ النّاصِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ النُّصْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِهَذا القَوْلِ، وإنَّما كانَ تَعالى خَيْرَ النّاصِرِينَ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ في كُلِّ ما تُرِيدُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ دُعاؤُكَ وتَضَرُّعُكَ، والكَرِيمُ الَّذِي لا يَبْخَلُ في جُودِهِ، ونُصْرَةُ العَبِيدِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِخِلافِ ذَلِكَ في كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ. والثّانِي: أنَّهُ يَنْصُرُكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّالِثُ: أنَّهُ يَنْصُرُكَ قَبْلَ سُؤالِكَ ومَعْرِفَتِكَ بِالحاجَةِ، كَما قالَ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٢] وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ سائِرِ النّاصِرِينَ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ورَدَ الكَلامُ عَلى حَسَبِ تَعارُفِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

آل عمران 3:151

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ صفحة ٢٧ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وُجُوهًا كَثِيرَةً في التَّرْغِيبِ في الجِهادِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِالكُفّارِ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُلْقِي الخَوْفَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الوَعْدَ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ أُحُدٍ، أوْ هو عامٌّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ؟ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إنَّما ورَدَتْ في هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ في هَذا اليَوْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا اسْتَوْلَوْا عَلى المُسْلِمِينَ وهَزَمُوهم أوْقَعَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَتَرَكُوهم وفَرُّوا مِنهم مِن غَيْرِ سَبَبٍ، حَتّى رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ صَعِدَ الجَبَلَ، وقالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ ؟، وأيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ ؟، وأيْنَ ابْنُ الخَطّابِ ؟، فَأجابَهُ عُمَرُ، ودارَتْ بَيْنَهُما كَلِماتٌ، وما تَجاسَرَ أبُو سُفْيانَ عَلى النُّزُولِ مِنَ الجَبَلِ والذَّهابِ إلَيْهِمْ. والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا في بَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا الأكْثَرِينَ مِنهم، ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِيَوْمِ أُحُدٍ، بَلْ هو عامٌّ. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ وإنْ وقَعَتْ لَكم هَذِهِ الواقِعَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْقِي الرُّعْبَ مِنكم بَعْدَ ذَلِكَ في قُلُوبِ الكافِرِينَ حَتّى يَقْهَرَ الكُفّارَ، ويُظْهِرَ دِينَكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَتّى صارَ دِينُ الإسْلامِ قاهِرًا لِجَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» “ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِها في كُلِّ القُرْآنِ، قالَ الواحِدِيُّ: هُما لُغَتانِ، يُقالُ: رَعَبْتُهُ رُعْبًا ورُعُبًا وهو مَرْعُوبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ مَصْدَرًا، والرُّعُبُ اسْمٌ مِنهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرُّعْبُ: الخَوْفُ الَّذِي يَحْصُلُ في القَلْبِ، وأصْلُ الرُّعْبِ المَلْءُ، يُقالُ سَيْلٌ راعِبٌ إذا مَلَأ الأوْدِيَةَ والأنْهارَ، وإنَّما سُمِّيَ الفَزَعُ رُعْبًا لِأنَّهُ يَمْلَأُ القَلْبَ خَوْفًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ الرُّعْبِ في جَمِيعِ الكُفّارِ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى إجْراءِ هَذا العُمُومِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ لا أحَدَ يُخالِفُ دِينَ الإسْلامِ إلّا وفي قَلْبِهِ ضَرْبٌ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ، إمّا في الحَرْبِ، وإمّا عِنْدَ المُحاجَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ جَمِيعِ أنْواعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، إنَّما يَقْتَضِي وُقُوعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ في قُلُوبِهِمْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأُولَئِكَ الكُفّارِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ هَذا بِالوَجْهِ المَعْقُولِ هو أنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَصِيرُ في مَحَلِّ الإجابَةِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ كَما قالَ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاضْطِرارُ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كانَ هَذا المَعْبُودُ لا يَنْصُرُنِي، فَذاكَ الآخَرُ يَنْصُرُنِي، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ الِاضْطِرارُ لَمْ تَحْصُلِ الإجابَةُ ولا النُّصْرَةُ، صفحة ٢٨ وإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ الرُّعْبُ والخَوْفُ في قَلْبِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ يُوجِبُ الرُّعْبَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: السُّلْطانُ هاهُنا هو الحُجَّةُ والبُرْهانُ، وفي اشْتِقاقِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مِنَ السَّلِيطِ وهو الَّذِي يُضاءُ بِهِ السِّراجُ، وقِيلَ لِلْأُمَراءِ سَلاطِينُ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ بِهِمْ يَتَوَصَّلُ النّاسُ إلى تَحْصِيلِ الحُقُوقِ. الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ في اللُّغَةِ هو الحُجَّةُ، وإنَّما قِيلَ لِلْأمِيرِ سُلْطانٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ ذُو الحُجَّةِ. الثّالِثُ: قالَ اللَّيْثُ: السُّلْطانُ القُدْرَةُ؛ لِأنَّ أصْلَ بِنائِهِ مِنَ التَّسْلِيطِ وعَلى هَذا سُلْطانُ المَلِكِ: قُوَّتُهُ وقُدْرَتُهُ، ويُسَمّى البُرْهانُ سُلْطانًا لِقُوَّتِهِ عَلى دَفْعِ الباطِلِ. الرّابِعُ: قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُلْطانُ كُلِّ شَيْءٍ حِدَّتُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اللِّسانِ السَّلِيطِ، والسَّلاطَةُ بِمَعْنى الحِدَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ يُوهِمُ أنَّ فِيهِ سُلْطانًا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أنْزَلَهُ وما أظْهَرَهُ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِ سُلْطانًا، فَلَمّا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وجَبَ عَدَمُهُ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ: أنَّ هَذا مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ، ومِنهم مَن يُبالِغُ فَيَقُولُ: لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ نَفْيُهُ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِهَذا الحَرْفِ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ، فَقالَ: لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ الصّانِعِ إلّا بِاحْتِياجِ المُحْدَثاتِ إلَيْهِ، ويَكْفِي في دَفْعِ هَذِهِ الحاجَةِ إثْباتُ الصّانِعِ الواحِدِ، فَما زادَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ ما لا دَلِيلَ عَلى ثُبُوتِهِ يَكُونُ باطِلًا، فَيَلْزَمُ فَسادُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أحْوالَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا هو وُقُوعُ الخَوْفِ في قُلُوبِهِمْ، وبَيَّنَ أحْوالَهم في الآخِرَةِ، وهي أنَّ مَأْواهم ومَسْكَنَهُمُ النّارُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ المَثْوى: المَكانُ الَّذِي يَكُونُ مَقَرَّ الإنْسانِ ومَأْواهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوى يَثْوِي ثَوِيًّا، وجَمْعُ المَثْوى مَثاوِي.

آل عمران 3:152

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٢٩ اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّهُ لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ وقَدْ أصابَهم ما أصابَهم بِأُحُدٍ، قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . الثّانِي: قالَ بَعْضُهم «كانَ النَّبِيُّ ﷺ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُ كَبْشًا فَصَدَقَ اللَّهُ رُؤْياهُ بِقَتْلِ طَلْحَةَ بْنِ عُثْمانَ صاحِبِ لِواءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقُتِلَ بَعْدَهُ تِسْعَةُ نَفَرٍ عَلى اللِّواءِ فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يُرِيدُ تَصْدِيقَ رُؤْيا الرَّسُولِ» ﷺ . الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَعْدُ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٥] إلّا أنَّ هَذا كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى. والرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَعْدُ هو قَوْلَهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ إلّا أنَّ هَذا أيْضًا مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ. والخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَعْدُ هو قَوْلَهُ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥١] . والسّادِسُ: قِيلَ: الوَعْدُ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلرُّماةِ: ”«لا تَبْرَحُوا مِن هَذا المَكانِ، فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما دُمْتُمْ في هَذا المَكانِ» “ . السّابِعِ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَمّا وعَدَهُمُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَّرَهم ما أنْجَزَهم مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ في واقِعَةِ أُحُدٍ، فَإنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِالنُّصْرَةِ بِشَرْطِ أنْ يَتَّقُوا ويَصْبِرُوا فَحِينَ أتَوْا بِذَلِكَ الشَّرْطِ لا جَرَمَ، وفّى اللَّهُ تَعالى بِالمَشْرُوطِ وأعْطاهُمُ النُّصْرَةَ، فَلَمّا تَرَكُوا الشَّرْطَ لا جَرَمَ فاتَهُمُ المَشْرُوطُ. إذا عَرَفْتَ وجْهَ النَّظْمِ فَفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الصِّدْقُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في قِصَّةِ أُحُدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ واسْتَقْبَلَ المَدِينَةَ وأقامَ الرُّماةَ عِنْدَ الجَبَلِ، وأمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا هُناكَ ولا يَبْرَحُوا، سَواءٌ كانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أقْبَلَ المُشْرِكُونَ جَعَلَ الرُّماةُ يَرْشُقُونَ نَبْلَهم والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسُّيُوفِ حَتّى انْهَزَمُوا، والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ يَحُسُّونَهم»، قالَ اللَّيْثُ: الحَسُّ: القَتْلُ الذَّرِيعُ، تَحُسُّونَهم: أيْ تَقْتُلُونَهم قَتْلًا كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَسُّ: الِاسْتِئْصالُ بِالقَتْلِ، يُقالُ: جَرادٌ مَحْسُوسٌ. إذا قَتَلَهُ البَرْدُ. وسَنَةٌ حَسُوسٌ: إذا أتَتْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى ”تَحُسُّونَهُمْ“ أيْ تَسْتَأْصِلُونَهم قَتْلًا، قالَ أصْحابُ الِاشْتِقاقِ: ”حَسَّهُ“ إذا قَتَلَهُ لِأنَّهُ أبْطَلَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ، كَما يُقالُ: بَطَنَهُ: إذا أصابَ بَطْنَهُ، ورَأسَهُ: إذا أصابَ رَأْسَهُ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) أيْ بِعِلْمِهِ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَكُمُ النَّصْرَ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ عَلى الطّاعَةِ فَما دُمْتُمْ وافِينَ بِهَذا الشَّرْطِ أنْجَزَ وعْدَهُ ونَصَرَكم عَلى أعْدائِكم، فَلَمّا تَرَكْتُمُ الشَّرْطَ وعَصَيْتُمْ أمْرَ رَبِّكم لا جَرَمَ زالَتْ تِلْكَ النُّصْرَةُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ، ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الجَوابِ فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ هاهُنا طَرِيقَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلِ المَعْنى، ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ صفحة ٣٠ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ، أيْ قَدْ نَصَرَكم إلى أنْ كانَ مِنكُمُ الفَشَلُ والتَّنازُعُ؛ لِأنَّهُ تَعالى كانَ إنَّما وعَدَهم بِالنُّصْرَةِ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ عَلى الطّاعَةِ، فَلَمّا فَشِلُوا وعَصَوُا انْتَهى النَّصْرُ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ كَلِمَةُ ”حَتّى“ غايَةً بِمَعْنى ”إلى“ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: (حَتّى إذا) إلى أنْ، أوْ إلى حِينِ. الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ شَرْطٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في الجَوابِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مَنَعَكُمُ اللَّهُ نَصْرَهُ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ هَذا الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ عَلَيْهِ، ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] والتَّقْدِيرُ: فافْعَلْ، ثُمَّ أُسْقِطَ هَذا الجَوابُ لِدَلالَةِ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ، وقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] والتَّقْدِيرُ: أمْ مَن هو قانِتٌ كَمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ ؟ الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ واخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ جَوابَهُ هو قَوْلُهُ: (وعَصَيْتُمْ) والواوُ زائِدَةٌ كَما قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ﴾ [الصّافّاتِ: ١٠٣] والمَعْنى نادَيْناهُ، كَذا هاهُنا، الفَشَلُ والتَّنازُعُ صارَ مُوجِبًا لِلْعِصْيانِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ عَصَيْتُمْ، فالواوُ زائِدَةٌ، وبَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ زَعَمَ أنَّ مِن مَذْهَبِ العَرَبِ إدْخالَ الواوِ في جَوابِ ”حَتّى إذا“ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ [الزُّمَرِ: ٧١] والتَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ لَهم أبْوابُها. فَإنْ قِيلَ: إنَّ ”فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ“ مَعْصِيَةٌ، فَلَوْ جَعَلْنا الفَشَلَ والتَّنازُعَ عِلَّةً لِلْمَعْصِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ عِلَّةً لِنَفْسِهِ وذَلِكَ فاسِدٌ. قُلْنا: المُرادُ مِنَ العِصْيانِ هاهُنا خُرُوجُهم عَنْ ذَلِكَ المَكانِ، ولا شَكَّ أنَّ الفَشَلَ والتَّنازُعَ هو الَّذِي أوْجَبَ خُرُوجَهم عَنْ ذَلِكَ المَكانِ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ. واعْلَمْ أنَّ البَصْرِيِّينَ إنَّما لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الجَوابَ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الواوِ زائِدَةً. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنْ يُقالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ، صِرْتُمْ فَرِيقَيْنِ، مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا، ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ. فالجَوابُ: هو قَوْلُهُ: صِرْتُمْ فَرِيقَيْنِ، إلّا أنَّهُ أُسْقِطَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يُفِيدُ فائِدَتَهُ ويُؤَدِّي مَعْناهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ لِلتَّبْعِيضِ فَهي تُفِيدُ هَذا الِانْقِسامَ، وهَذا احْتِمالٌ خَطَرَ بِبالِي. الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وكَذا وكَذا صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ هاهُنا كالسّاقِطَةِ وهَذا الوَجْهُ في غايَةِ البُعْدِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الفَشَلُ وهو الضَّعْفُ، وقِيلَ الفَشَلُ هو الجُبْنُ، وهَذا باطِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] أيْ فَتَضْعُفُوا؛ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَتَجْبُنُوا. ثانِيها: التَّنازُعُ في الأمْرِ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ التَّنازُعِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ الرُّماةَ بِأنْ لا يَبْرَحُوا عَنْ مَكانِهِمْ ألْبَتَّةَ، صفحة ٣١ وجَعَلَ أمِيرَهم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ؛ فَلَمّا ظَهَرَ المُشْرِكُونَ أقْبَلَ الرُّماةُ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْيِ الكَثِيرِ حَتّى انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ ثُمَّ إنَّ الرُّماةَ رَأوْا نِساءَ المُشْرِكِينَ صَعِدْنَ الجَبَلَ وكَشَفْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ بِحَيْثُ بَدَتْ خَلاخِيلُهُنَّ، فَقالُوا: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ الرَّسُولُ إلَيْنا أنْ لا نَبْرَحَ عَنْ هَذا المَكانِ فَأبَوْا عَلَيْهِ وذَهَبُوا إلى طَلَبِ الغَنِيمَةِ، وبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ مَعَ طائِفَةٍ قَلِيلَةٍ دُونَ العَشَرَةِ إلى أنْ قَتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ» فَهَذا هو التَّنازُعُ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (في الأمْرِ) فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ هاهُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ والقِصَّةِ، أيْ تَنازَعْتُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّأْنِ. والثّانِي: أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يُضادُّهُ النَّهْيُ. والمَعْنى: وتَنازَعْتُمْ فِيما أمَرَكُمُ الرَّسُولُ بِهِ مِن مُلازَمَةِ ذَلِكَ المَكانِ. وثالِثُها: وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ، والمُرادُ عَصَيْتُمْ بِتَرْكِ مُلازَمَةِ ذَلِكَ المَكانِ. بَقِيَ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الفَشَلِ عَلى ذِكْرِ التَّنازُعِ والمَعْصِيَةِ ؟ والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا هَزِيمَةَ الكُفّارِ وطَمِعُوا في الغَنِيمَةِ فَشِلُوا في أنْفُسِهِمْ عَنِ الثَّباتِ طَمَعًا في الغَنِيمَةِ، ثُمَّ تَنازَعُوا بِطَرِيقِ القَوْلِ في أنّا: هَلْ نَذْهَبُ لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ أمْ لا ؟ ثُمَّ اشْتَغَلُوا بِطَلَبِ الغَنِيمَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَتِ المَعْصِيَةُ بِمُفارَقَةِ تِلْكَ المَواضِعِ خاصَّةً بِالبَعْضِ فَلِمَ جاءَ هَذا العِتابُ بِاللَّفْظِ العامِّ ؟ والجَوابُ: هَذا اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّهُ جاءَ المُخَصِّصُ بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ . والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَهم بِإنْجازِ الوَعْدِ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنِ المَعْصِيَةِ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلَيْها لا جَرَمَ سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ الإكْرامَ وأذاقَهم وبالَ أمْرِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ أصْحابِنا وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ صَرْفَهم عَنِ الكُفّارِ مَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ ؟ أمّا أصْحابُنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَةِ اللَّهِ وتَخْلِيقِهِ، فَعَلى هَذا قالُوا: مَعْنى هَذا الصَّرْفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ المُسْلِمِينَ عَنِ الكُفّارِ، وألْقى الهَزِيمَةَ عَلَيْهِمْ وسَلَّطَ الكُفّارَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٥] فَأضافَ ما كانَ مِنهم إلى فِعْلِ الشَّيْطانِ، فَكَيْفَ يُضِيفُهُ بَعْدَ هَذا إلى نَفْسِهِ ؟ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّهُ تَعالى عاتَبَهم عَلى ذَلِكَ الِانْصِرافِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُعاتَبَةُ القَوْمِ عَلَيْهِ، كَما لا يَجُوزُ مُعاتَبَتُهم عَلى طُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا ذَكَرُوا وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ: الأوَّلُ: قالَ الجِبائِيُّ: إنَّ الرُّماةَ كانُوا فَرِيقَيْنِ، بَعْضُهم فارَقُوا المَكانَ أوَّلًا لِطَلَبِ الغَنائِمِ، وبَعْضُهم بَقُوا هُناكَ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَقُوا أحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ، فَلَوِ اسْتَمَرُّوا عَلى المُكْثِ هُناكَ لَقَتَلَهُمُ العَدُوُّ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا، فَلِهَذا السَّبَبِ جازَ لَهم أنْ يَتَنَحَّوْا عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى مَوْضِعٍ يَتَحَرَّزُونَ فِيهِ عَنِ العَدُوِّ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ إلى الجَبَلِ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ وتَحَصَّنُوا بِهِ صفحة ٣٢ ولَمْ يَكُونُوا عُصاةً بِذَلِكَ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الِانْصِرافُ جائِزًا أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ بِأمْرِهِ وإذْنِهِ، ثُمَّ قالَ: (لِيَبْتَلِيَكم) والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَفَهم إلى ذَلِكَ المَكانِ وتَحَصَّنُوا بِهِ أمَرَهم هُناكَ بِالجِهادِ والذَّبِّ عَنْ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّ الإقْدامَ عَلى الجِهادِ بَعْدَ الِانْهِزامِ، وبَعْدَ أنْ شاهَدُوا في تِلْكَ المَعْرَكَةِ قَتْلَ أقْرِبائِهِمْ وأحِبّائِهِمْ هو مِن أعْظَمِ أنْواعِ الِابْتِلاءِ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ ما كانُوا مُذْنِبِينَ، فَلِمَ قالَ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ . قُلْنا: الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ مَن كانَ مَعْذُورًا في الِانْصِرافِ ومَن لَمْ يَكُنْ، وهُمُ الَّذِينَ بَدَءُوا بِالهَزِيمَةِ فَمَضَوْا وعَصَوْا فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ راجِعٌ إلى المَعْذُورِينَ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى قِسْمَيْنِ وعَلى حُكْمَيْنِ رَجَعَ كُلُّ حُكْمٍ إلى القِسْمِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] والمُرادُ الَّذِي قالَ لَهُ: (لا تَحْزَنْ) وهو أبُو بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ كانَ خائِفًا قَبْلَ هَذا القَوْلِ، فَلَمّا سَمِعَ هَذا سَكَنَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وعَنى بِذَلِكَ الرَّسُولَ دُونَ أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ جَرى ذِكْرُهُما جَمِيعًا، فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرَهُ الجِبائِيُّ في هَذا المَقامِ. والوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أنَّهُ تَعالى أزالَ ما كانَ في قُلُوبِ الكُفّارِ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ عُقُوبَةً مِنهُ عَلى عِصْيانِهِمْ وفَشَلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: (لِيَبْتَلِيَكم) أيْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ الصَّرْفَ مِحْنَةً عَلَيْكم لِتَتُوبُوا إلى اللَّهِ وتَرْجِعُوا إلَيْهِ وتَسْتَغْفِرُوهُ فِيما خالَفْتُمْ فِيهِ أمْرَهُ ومِلْتُمْ فِيهِ إلى الغَنِيمَةِ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ تَعالى قَدْ عَفا عَنْهم. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الكَعْبِيُّ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ بِأنْ لَمْ يَأْمُرْكم بِمُعاوَدَتِهِمْ مِن فَوْرِهِمْ (لِيَبْتَلِيَكم) بِكَثْرَةِ الإنْعامِ عَلَيْكم والتَّخْفِيفِ عَنْكم، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا المَوْضِعِ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ ذَنْبٍ مِنهم. قالَ القاضِي: إنْ كانَ ذَلِكَ الذَّنْبُ مِنَ الصَّغائِرِ صَحَّ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ عَفا عَنْهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وإنْ كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ، فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ تَوْبَتِهِمْ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ إذا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ الذَّنْبَ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ كَبِيرَةً؛ لِأنَّهم خالَفُوا صَرِيحَ نَصِّ الرَّسُولِ، وصارَتْ تِلْكَ المُخالَفَةُ سَبَبًا لِانْهِزامِ المُسْلِمِينَ، وقَتْلِ جَمْعٍ عَظِيمٍ مِن أكابِرِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الكَبائِرِ وأيْضًا: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنْفالِ: ١٦] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خاصٌّ في بَدْرٍ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ولا تَفاوُتَ في المَقْصُودِ، فَكانَ التَّخْصِيصُ مُمْتَنِعًا، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عَفا عَنْهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، فَصارَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ، وأمّا دَلِيلُ المُعْتَزِلَةِ في المَنعِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وهو راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالنَّصْرِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالعَفْوِ عَنِ المُذْنِبِينَ ثانِيًا. وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذا الذَّنْبَ كانَ صفحة ٣٣ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَمّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ بِخِلافِ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: كَأنَّهُ قالَ: وعَفا عَنْكم إذْ تُصْعِدُونَ؛ لِأنَّ عَفْوَهُ عَنْهم لا بُدَّ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِأمْرٍ اقْتَرَفُوهُ، وذَلِكَ الأمْرُ هو ما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ والمُرادُ بِهِ ما صَدَرَ عَنْهم مِن مُفارَقَةِ ذَلِكَ المَكانِ والأخْذِ في الوادِي كالمُنْهَزِمِينَ لا يَلْوُونَ عَلى أحَدٍ. وثانِيها: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم إذْ تُصْعِدُونَ. وثالِثُها: التَّقْدِيرُ: لِيَبْتَلِيَكم إذْ تُصْعِدُونَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تُصْعِدُونَ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ (إذْ تُصْعِدُونَ في الجَبَلِ)، وقَرَأ أُبَيٌّ (إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي) وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (إذْ تَصَعَّدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ، مِن ”تَصَعَّدَ“ في السُّلَّمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإصْعادُ: الذَّهابُ في الأرْضِ والإبْعادُ فِيهِ، يُقالُ صَعِدَ في الجَبَلِ، وأصْعَدَ في الأرْضِ، ويُقالُ أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أسْفَلُ وأعْلى مِثْلَ الوادِي والنَّهَرِ والأزِقَّةِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: صَعَّدَ فُلانٌ يُصَعِّدُ في الوادِي إذا أخَذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، وأمّا ما ارْتَفَعَ كالسُّلَّمِ فَإنَّهُ يُقالُ صَعِدْتُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ: أيْ لا تَلْتَفِتُونَ إلى أحَدٍ مِن شَدَّةِ الهَرَبِ، وأصْلُهُ أنَّ المُعَرِّجَ عَلى الشَّيْءِ يَلْوِي إلَيْهِ عُنُقَهُ أوْ عِنانَ دابَّتِهِ، فَإذا مَضى ولَمْ يُعَرِّجْ قِيلَ لَمْ يَلْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اللَّيُّ في تَرْكِ التَّعْرِيجِ عَلى الشَّيْءِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: فُلانٌ لا يَلْوِي عَلى شَيْءٍ، أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِ ولا يُبالِي بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كانَ يَقُولُ: ”«إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ مَن كَرَّ فَلَهُ الجَنَّةُ» “ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُوهم إلى نَفْسِهِ حَتّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهُ، ولا يَتَفَرَّقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ يَدْعُوهم إلى المُحارَبَةِ مَعَ العَدُوِّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ أيْ آخِرِكم، يُقالُ: جِئْتُ في آخِرِ النّاسِ وأُخْراهم، كَما يُقالُ: في أوَّلِهِمْ وأُولاهم، ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ في أُخْرَياتِ النّاسِ، أيْ آخِرِهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ صفحة ٣٤ يَدْعُوهم وهو واقِفٌ في آخِرِهِمْ؛ لِأنَّ القَوْمَ بِسَبَبِ الهَزِيمَةِ قَدْ تَقَدَّمُوهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ الثَّوابِ لا يُسْتَعْمَلُ في الأغْلَبِ إلّا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أيْضًا اسْتِعْمالُهُ في الشَّرِّ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ، أيْ رَجَعَ إلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] والمَرْأةُ تُسَمّى ثَيِّبًا لِأنَّ الواطِئَ عائِدٌ إلَيْها، وأصْلُ الثَّوابِ كُلُّ ما يَعُودُ إلى الفاعِلِ مِن جَزاءِ فِعْلِهِ سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، إلّا أنَّهُ بِحَسْبِ العُرْفِ اخْتُصَّ لَفْظُ الثَّوابِ بِالخَيْرِ، فَإنْ حَمَلْنا لَفْظَ الثَّوابِ هاهُنا عَلى أصْلِ اللُّغَةِ اسْتَقامَ الكَلامُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى مُقْتَضى العُرْفِ كانَ ذَلِكَ وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما يُقالُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ، وعِتابُكَ السَّيْفُ، أيْ جَعَلَ الغَمَّ مَكانَ ما يَرْجُونَ مِنَ الثَّوابِ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المُعاوَضَةِ، كَما يُقالُ: هَذا بِهَذا أيْ هَذا عِوَضٌ عَنْ ذاكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“ والتَّقْدِيرُ: أثابَهم غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّكم لَمّا أذَقْتُمُ الرَّسُولَ غَمًّا بِسَبَبِ أنْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ، فاللَّهُ تَعالى أذاقَكم هَذا الغَمَّ، وهو الغَمُّ الَّذِي حَصَلَ لَهم بِسَبَبِ الِانْهِزامِ وقَتْلِ الأحْبابِ، والمَعْنى جازاكم مِن ذَلِكَ الغَمِّ بِهَذا الغَمِّ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ غَمَّ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَبْقى في قَلْبِكُمُ التِفاتٌ إلى الدُّنْيا، فَلا تَفْرَحُوا بِإقْبالِها ولا تَحْزَنُوا بِإدْبارِها، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٣] في واقِعَةِ أُحُدٍ ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٣] في واقِعَةِ بَدْرٍ، طَعَنَ القاضِي في هَذا الوَجْهِ وقالَ: إنَّ غَمَّهم يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما كانَ مِن جِهَةِ اسْتِيلاءِ الكُفّارِ، وذَلِكَ كُفْرٌ ومَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يُضِيفُهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ ؟ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في تَسْلِيطِ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ نَوْعَ مَصْلَحَةٍ، وهو أنْ لا يَفْرَحُوا بِإقْبالِ الدُّنْيا ولا يَحْزَنُوا بِإدْبارِها، فَلا يَبْقى في قُلُوبِهِمِ اشْتِغالٌ بِغَيْرِ اللَّهِ. الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَأثابَكم) يَعُودُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا رَأوْا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، اغْتَمُّوا لِأجْلِهِ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهم عَصَوْا رَبَّهم لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ ثُمَّ بَقُوا مَحْرُومِينَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وقُتِلَ أقارِبُهُمُ اغْتَمَّ لِأجْلِهِمْ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ هو هَذا، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو أنْ تَكُونَ الباءُ في قَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) بِمَعْنى ”مَعَ“ أيْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أوْ غَمًّا عَلى غَمٍّ، فَهَذا جائِزٌ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ بَعْضٍ، تَقُولُ: ما زِلْتُ بِهِ حَتّى فَعَلَ، وما زِلْتُ مَعَهُ حَتّى فَعَلَ، وتَقُولُ: نَزَلْتُ بِبَنِي فُلانٍ، وعَلى بَنِي فُلانٍ. واعْلَمْ أنَّ الغُمُومَ هُناكَ كانَتْ كَثِيرَةً: أحَدُها: غَمُّهم بِما نالَهم مِنَ العَدُوِّ في الأنْفُسِ والأمْوالِ. وثانِيها: غَمُّهم بِما لَحِقَ سائِرَ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ. وثالِثُها: غَمُّهم بِما وصَلَ إلى الرَّسُولِ مِنَ الشَّجَّةِ وكَسْرِ الرَّباعِيَةِ. ورابِعُها: ما أُرْجِفَ بِهِ مِن قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ . وخامِسُها: بِما وقَعَ مِنهم مَنِ المَعْصِيَةِ وما يَخافُونَ مِن عِقابِها. وسادِسُها: غَمُّهم بِسَبَبِ التَّوْبَةِ الَّتِي صارَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا تابُوا عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ لَمْ تَتِمَّ تَوْبَتُهم إلّا بِتَرْكِ الهَزِيمَةِ والعَوْدِ إلى المُحارَبَةِ بَعْدَ الِانْهِزامِ، وذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُنْهَزِمًا يَصِيرُ ضَعِيفَ القَلْبِ جَبانًا، فَإذا أُمِرَ بِالمُعاوَدَةِ، فَإنْ فَعَلَ خافَ القَتْلَ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ خافَ صفحة ٣٥ الكُفْرَ أوْ عِقابَ الآخِرَةِ، وهَذا الغَمُّ لا شَكَّ أنَّهُ أعْظَمُ الغُمُومِ والأحْزانِ، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ ونَحْنُ نَعُدُّها: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما أصابَهم عِنْدَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ، والغَمَّ الثّانِي ما حَصَلَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ فَوْتِ الغَنائِمِ، والغَمَّ الثّانِي ما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا سُفْيانَ وخالِدَ بْنَ الوَلِيدِ اطَّلَعا عَلى المُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وقَتَلُوا مِنهم جَمْعًا عَظِيمًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما كانَ عِنْدَ تَوَجُّهِ أبِي سُفْيانَ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ، والغَمَّ الثّانِي هو أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَجَعُوا خافَ الباقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أنَّهم لَوْ رَجَعُوا لَقَتَلُوا الكُلَّ فَصارَ هَذا الغَمُّ بِحَيْثُ أذْهَلَهم عَنِ الغَمِّ الأوَّلِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما وصَلَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، والغَمَّ الثّانِي ما وصَلَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ اخْتارَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرادَ بِقَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) اثْنَيْنِ، وإنَّما أرادَ مُواصَلَةَ الغُمُومِ وطُولَها، أيْ أنَّ اللَّهَ عاقَبَكم بِغُمُومٍ كَثِيرَةٍ، مِثْلَ قَتْلِ إخْوانِكم وأقارِبِكم، ونُزُولِ المُشْرِكِينَ مِن فَوْقِ الجَبَلِ عَلَيْكم بِحَيْثُ لَمْ تَأْمَنُوا أنْ يَهْلَكَ أكْثَرُكم، ومِثْلَ إقْدامِكم عَلى المَعْصِيَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أثابَكم هَذِهِ الغُمُومَ المُتَعاقِبَةَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَكم عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ والِاشْتِغالِ بِما يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى أنَّ اللَّهَ أثابَهم غَمًّا بِغَمٍّ: أنَّهُ خَلَقَ الغَمَّ فِيهِمْ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهَذا لا يَلِيقُ بِأُصُولِهِمْ، فَذَكَرُوا في عِلَّةِ هَذِهِ الإضافَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا أرَجَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ قُتِلَ ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ تَعالى كَذِبَ ذَلِكَ القائِلِ، صارَ كَأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ الغَمَّ، وهَذا كالرَّجُلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ الخَبَرُ الَّذِي يَغُمُّهُ ويَكُونُ مَعَهُ مَن يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ كَذِبٌ، فَإذا لَمْ يَكْشِفْهُ لَهُ سَرِيعًا وتَرَكَهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ ثُمَّ أعْلَمُهُ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لَقَدْ غَمَّمْتَنِي وأطَلْتَ حُزْنِي وهو لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، بَلْ سَكَتَ وكَفَّ عَنْ إعْلامِهِ، فَكَذا هاهُنا. الثّانِي: أنَّ الغَمَّ وإنْ كانَ مِن فِعْلِ العَبْدِ فَسَبَبُهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ طَبَعَ العِبادَ طَبْعًا يَغْتَمُّونَ بِالمَصائِبِ الَّتِي تَنالُهم وهم لا يُحْمَدُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يُذَمُّونَ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الغَمَّ في قَلْبِ بَعْضِ المُكَلَّفِينَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ عَفا عَنْكم لِكَيْلا تَحْزَنُوا؛ لِأنَّ في عَفْوِهِ تَعالى ما يُزِيلُ كُلَّ غَمٍّ وحُزْنٍ. والثّانِي: أنَّ اللّامَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: (فَأثابَكم) ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أثابَكم غَمَّ الهَزِيمَةِ مِن غَمِّكُمُ النَّبِيَّ ﷺ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِ، لِيَكُونَ غَمُّكم بِأنْ خالَفْتُمُوهُ فَقَطْ، لا بِأنْ فاتَتْكُمُ الغَنِيمَةُ وأصابَتْكُمُ الهَزِيمَةُ، وذَلِكَ لَأنَّ الغَمَّ الحاصِلَ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ يُنْسِي الغَمَّ الحاصِلَ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: جَعَلَكم مَغْمُومِينَ يَوْمَ أُحُدٍ في مُقابَلَةِ ما جَعَلْتُمُوهم مَغْمُومِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأجْلِ أنْ يَسْهُلَ أمْرُ الدُّنْيا في أعْيُنِكم فَلا تَحْزَنُوا بِفَواتِها ولا تَفْرَحُوا بِإقْبالِها، وهَذانَ الوَجْهانِ مُفَرَّعانِ عَلى قَوْلِنا: الباءُ في قَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) لِلْمُجازاةِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها بِمَعْنى ”مَعَ“ فالمَعْنى أنَّكم قُلْتُمْ لَوْ بَقِينا في هَذا المَكانِ وامْتَثَلْنا أمْرَ صفحة ٣٦ الرَّسُولِ لَوَقَعْنا في غَمِّ فَواتِ الغَنِيمَةِ، فاعْلَمُوا أنَّكم لَمّا خالَفْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ وطَلَبْتُمُ الغَنِيمَةَ وقَعْتُمْ في هَذِهِ الغُمُومِ العَظِيمَةِ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الغَمِّ أضْعافًا مُضاعَفَةً، والعاقِلُ إذا تَعارَضَ عِنْدَهُ الضَّرَرانِ، وجَبَ أنْ يَخُصَّ أعْظَمَهُما بِالدَّفْعِ، فَصارَتْ إثابَةُ الغَمِّ عَلى الغَمِّ مانِعًا لَكم مِن أنْ تَحْزَنُوا بِسَبَبِ فَواتِ الغَنِيمَةِ، وزاجِرًا لَكم عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَما زَجَرَهم عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ بِهَذا الزَّجْرِ الحاصِلِ في الدُّنْيا، زَجَرَهم عَنْها بِسَبَبِ الزَّواجِرِ المَوْجُودَةِ في الغَنِيمَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِكم وقُصُودِكم ودَواعِيكم، قادِرٌ عَلى مُجازاتِها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الزَّواجِرِ لِلْعَبْدِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وهَذا النَّصْرُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِإزالَةِ الخَوْفِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أزالَ الخَوْفَ عَنْهم لِيَصِيرَ ذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ في نَصْرِ المُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ نَصَرَ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا، فَلَمّا عَصى بَعْضُهم سَلَّطَ الخَوْفَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أزالَ ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِ مَن كانَ صادِقًا في إيمانِهِ مُسْتَقِرًّا عَلى دِينِهِ بِحَيْثُ غَلَبَ النُّعاسُ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَرِيقانِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيٌّ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى، وكانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ هَذا الدِّينَ ويُظْهِرُهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، فَكانُوا قاطِعِينَ بِأنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لا تُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلا جَرَمَ كانُوا آمِنِينَ، وبَلَغَ ذَلِكَ الأمْنُ إلى حَيْثُ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ، فَإنَّ النَّوْمَ لا يَجِيءُ مَعَ الخَوْفِ، فَمَجِيءُ النَّوْمِ يَدُلُّ عَلى زَوالِ الخَوْفِ بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ هاهُنا في قِصَّةِ أُحُدٍ في هَؤُلاءِ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ وقالَ في قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنْفالِ: ١١] فَفي قِصَّةِ أُحُدٍ قَدَّمَ الأمَنَةَ عَلى النُّعاسِ، وفي قِصَّةِ بَدْرٍ قَدَّمَ النُّعاسَ عَلى الأمَنَةِ. وأمّا الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ كانُوا صفحة ٣٧ شاكِّينَ في نَبُّوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما حَضَرُوا إلّا لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ، فَهَؤُلاءِ اشْتَدَّ جَزَعُهم وعَظُمَ خَوْفُهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ حالَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”الأمَنَةُ“ مَصْدَرٌ كالأمْنِ، ومِثْلُهُ مِنَ المَصادِرِ: العَظَمَةُ والغَلَبَةُ، وقالَ الجِبائِيُّ: يُقالُ: أمِنَ فُلانٌ يَأْمَنُ أمْنًا وأمانًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ (أمْنَةً) بِسُكُونِ المِيمِ؛ لِأنَّها المَرَّةُ مِنَ الأمْنِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: (نُعاسًا) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن أمَنَةٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي قَوْلِهِ: (أمَنَةً) وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ راكِبًا رَجُلًا. وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ بِمَعْنى نَعَسْتُمْ أمَنَةً. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ بِمَعْنى ذَوِي أمَنَةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كانُوا عَلى البَصِيرَةِ في إيمانِهِمْ قالَ أبُو طَلْحَةَ، غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنا، فَكانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا فَيَأْخُذُهُ. ثُمَّ يَسْقُطُ فَيَأْخُذُهُ، وعَنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنا النَّوْمَ، وإنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ: والنُّعاسُ يَغْشانِي يَقُولُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أُلْقِيَ النَّوْمُ عَلَيْنا يَوْمَ أُحُدٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: النُّعاسُ في القِتالِ أمَنَةٌ، والنُّعاسُ في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في القِتالِ لا يَكُونُ إلّا مِن غايَةِ الوُثُوقِ بِاللَّهِ والفَراغِ عَنِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ في الصَّلاةِ إلّا مِن غايَةِ البُعْدِ عَنِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ النُّعاسَ فِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّهُ وقَعَ عَلى كافَّةِ المُؤْمِنِينَ لا عَلى الحَدِّ المُعْتادِ، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً ظاهِرَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزَةَ الجَدِيدَةَ ازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ، ومَتى صارُوا كَذَلِكَ ازْدادَ جِدُّهم في مُحارَبَةِ العَدُوِّ ووُثُوقِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ وعْدَهُ. وثانِيها: أنَّ الأرَقَ والسَّهَرَ يُوجِبانِ الضَّعْفَ والكَلالَ، والنَّوْمَ يُفِيدُ عَوْدَ القُوَّةِ والنَّشاطِ واشْتِدادَ القُوَّةِ والقُدْرَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا اشْتَغَلُوا بِقَتْلِ المُسْلِمِينَ ألْقى اللَّهُ النَّوْمَ عَلى عَيْنِ مَن بَقِيَ مِنهم لِئَلّا يُشاهِدُوا قَتْلَ أعِزَّتِهِمْ، فَيَشْتَدَّ الخَوْفُ والجُبْنُ في قُلُوبِهِمْ. ورابِعُها: أنَّ الأعْداءَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى قَتْلِهِمْ، فَبَقاؤُهم في النَّوْمِ مَعَ السَّلامَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المَعْرَكَةِ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ حِفْظَ اللَّهِ وعِصْمَتَهُ مَعَهم، وذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ الخَوْفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ويُورِثُهم مَزِيدَ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ذِكْرُ النُّعاسِ في هَذا المَوْضِعِ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ الأمْنِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ المُعارِضِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَرْكُ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ مَعَ اشْتِمالِها عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ والحِكَمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَغْشى) بِالتّاءِ رَدًّا إلى الأمَنَةِ، والباقُونَ بِالياءِ رَدًّا، إلى النُّعاسِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وخَلَفٍ وأبِي عُبَيْدٍ. واعْلَمْ أنَّ الأمَنَةَ والنُّعاسَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ رَدُّ الكِنايَةِ إلى أيِّهِما صفحة ٣٨ شِئْتَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ [الدُّخانِ: ٤٥] وتَغْلِي، إذا عَرَفْتَ جَوازَهُما فَنَقُولُ: مِمّا يُقَوِّي القِراءَةَ بِالتّاءِ أنَّ الأصْلَ الأمَنَةُ، والنُّعاسُ بَدَلٌ، ورَدُّ الكِنايَةِ إلى الأصْلِ أحْسَنُ، وأيْضًا الأمَنَةُ هي المَقْصُودُ، وإذا حَصَلَتِ الأمَنَةُ حَصَلَ النُّعاسُ لِأنَّها سَبَبُهُ، فَإنَّ الخائِفَ لا يَكادُ يَنْعَسُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ فَحُجَّتُهُ أنَّ النُّعاسَ هو الغاشِي، فَإنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ غَشِيَنا النُّعاسُ، وقَلَّما يَقُولُونَ غَشِيَنِي مِنَ النُّعاسِ أمَنَةٌ، وأيْضًا فَإنَّ النُّعاسَ مَذْكُورٌ بِالغَشَيانِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنْفالِ: ١١] وأيْضًا: النُّعاسُ يَلِي الفِعْلَ، وهو أقْرَبُ في اللَّفْظِ إلى ذِكْرِ الغَشَيانِ مِنَ الأمَنَةِ فالتَّذْكِيرُ أوْلى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأصْحابُهُما، كانَ هَمُّهم خَلاصَ أنْفُسِهِمْ، يُقالُ: هَمَّنِي الشَّيْءُ أيْ كانَ مِن هَمِّي وقَصْدِي، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَقُولُوا لِمَن خافَ: قَدْ أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ، فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ مِنَ القَتْلِ طارَ النَّوْمُ عَنْهم، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ، كانَ هَمَّهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وإخْوانَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، والمُنافِقُونَ كانَ هَمُّهم أنْفُسَهم، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ اشْتِغالُهُ بِالشَّيْءِ واسْتِغْراقُهُ فِيهِ، صارَ غافِلًا عَمّا سِواهُ، فَلَمّا كانَ أحَبُّ الأشْياءِ إلى الإنْسانِ نَفْسَهُ، فَعِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ يَصِيرُ ذاهِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواها، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أسْبابَ الخَوْفِ وهي قَصْدُ الأعْداءِ كانَتْ حاصِلَةً والدّافِعُ لِذَلِكَ وهو الوُثُوقُ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعْدِ رَسُولِهِ ما كانَ مُعْتَبَرًا عِنْدَهم؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالرَّسُولِ في قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ عَظُمَ الخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿وطائِفَةٌ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿يَظُنُّونَ﴾ وقِيلَ خَبَرُهُ ﴿أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الطّائِفَةَ بِأنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ. الصِّفَةُ الأُولى: مِن صِفاتِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا الظَّنِّ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: وهو الأظْهَرُ: هو أنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُحِقًّا في دَعْواهُ لَما سُلِّطَ الكُفّارُ عَلَيْهِ، وهَذا ظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ النُّبُوَّةَ خِلْعَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُشَرِّفُ عَبْدَهُ بِها، ولَيْسَ يَجِبُ في العَقْلِ أنَّ المَوْلى إذا شَرَّفَ عَبْدَهُ بِخِلْعَةٍ أنْ يُشَرِّفَهُ بِخِلْعَةٍ أُخْرى، بَلْ لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ كَيْفَ شاءَ بِحُكْمِ الإلَهِيَّةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَعْتَبِرُ المَصالِحَ في أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى في التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الكافِرِ والمُسْلِمِ، بِحَيْثُ يَقْهَرُ الكافِرُ المُسْلِمَ، حِكَمٌ خَفِيَّةٌ وألْطافٌ مَرْعِيَّةٌ، فَإنَّ الدُّنْيا دارُ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ، ووُجُوهُ المَصالِحِ مَسْتُورَةٌ عَنِ العُقُولِ، فَرُبَّما كانَتِ المَصْلَحَةُ في التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ حَتّى يَقْهَرَ الكافِرُ المُؤْمِنَ، ورُبَّما كانَتِ المَصْلَحَةُ في تَسْلِيطِ الفَقْرِ والزِّمانَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ. قالَ القَفّالُ: لَوْ كانَ كَوْنُ المُؤْمِنِ مُحِقًّا يُوجِبُ زَوالَ هَذِهِ المَعانِي لَوَجَبَ أنْ يُضْطَرَّ النّاسُ إلى مَعْرِفَةِ المُحِقِّ بِالجَبْرِ، وذَلِكَ يُنافِي التَّكْلِيفَ واسْتِحْقاقَ الثَّوابِ والعِقابِ، بَلِ الإنْسانُ إنَّما يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُحِقًّا بِما مَعَهُ مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، فَأمّا القَهْرُ فَقَدْ يَكُونُ مِنَ المُبْطِلِ لِلْمُحِقِّ، ومِنَ المُحِقِّ لِلْمُبْطِلِ، وهَذِهِ جُمْلَةٌ كافِيَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِالدَّوْلَةِ والشَّوْكَةِ ووُفُورِ القُوَّةِ عَلى أنَّ صاحِبَها عَلى الحَقِّ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ هو أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ إلَهَ العالَمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ القادِرَ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، ويُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ صفحة ٣٩ والبَعْثَ، فَلا جَرَمَ ما وثِقُوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في أنَّ اللَّهَ يُقَوِّيهِمْ ويَنْصُرُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ في حُكْمِ المَصْدَرِ، ومَعْناهُ: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ [وظَنُّ الجاهِلِيَّةِ] بَدَلٌ مِنهُ، والفائِدَةُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ غَيْرَ الحَقِّ أدْيانٌ كَثِيرَةٌ، وأقْبَحُها مَقالاتُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُمُ اخْتارُوا مِن أقْسامِ الأدْيانِ الَّتِي غَيْرُ حَقَّةٍ أرَكَّها وأكْثَرَها بُطْلانًا، وهو ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ دِينُهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، دِينُهُ دِينُ المَلاحِدَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَقَوْلِكَ: حاتِمُ الجُودِ، وعُمَرُ العَدْلِ، يُرِيدُ الظَّنَّ المُخْتَصَّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ. والثّانِي: المُرادُ: ظَنَّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ حِكايَةٌ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ أهْلُ النِّفاقِ بِها، وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمّا شاوَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الواقِعَةِ أشارَ عَلَيْهِ بِأنْ لا يَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ إنَّ الصَّحابَةَ ألَحُّوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمْ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: عَصانِي وأطاعَ الوِلْدانَ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ القَتْلُ في بَنِي الخَزْرَجِ، ورَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ قِيلَ لَهُ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقالَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ، يَعْنِي أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَقْبَلْ قَوْلِي حِينَ أمَرْتُهُ بِأنْ يَسْكُنَ في المَدِينَةِ ولا يَخْرُجَ مِنها، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٨] والمَعْنى: هَلْ لَنا مِن أمْرٍ يُطاعُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهُ إذا كانَتِ الدَّوْلَةُ لِعَدُوِّهِ قالُوا: عَلَيْهِ الأمْرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ هَلْ لَنا مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ يَعِدُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، وهو النُّصْرَةُ والقُوَّةُ شَيْءٌ ؟ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وكانَ غَرَضُهم مِنهُ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ كاذِبًا في ادِّعاءِ النُّصْرَةِ والعِصْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمَّتِهِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنَطْمَعُ أنْ تَكُونَ لَنا الغَلَبَةُ عَلى هَؤُلاءِ، والغَرَضُ مِنهُ تَصْبِيرُ المُسْلِمِينَ في التَّشْدِيدِ في الجِهادِ والحَرْبِ مَعَ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو (كُلُّهِ) بِرَفْعِ اللّامِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، أمّا وجْهُ الرَّفْعِ فَهو أنَّ قَوْلَهُ: [كُلُّهُ] مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: [لِلَّهِ] خَبَرُهُ، ثُمَّ صارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِ [إنَّ]، وأمّا النَّصْبُ فَلِأنَّ لَفْظَةَ ”كُلٍّ“ لِلتَّأْكِيدِ، فَكانَتْ كَلَفْظَةِ أجْمَعَ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الأمْرَ أجْمَعَ، لَمْ يَكُنْ إلّا النَّصْبُ، فَكَذا إذا قالَ ”كُلَّهُ“ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَجْهُ في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ ما بَيَّنّا: أنّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلى اللَّهِ اعْتِراضٌ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ في الإماتَةِ والإحْياءِ، والفَقْرِ والإغْناءِ والسَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وإنْ قُلْنا بِمَذْهَبِ القائِلِينَ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، فَوُجُوهُ المَصالِحِ مَخْفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، فَرُبَّما كانَتِ المَصْلَحَةُ في إيصالِ السُّرُورِ واللَّذَّةِ، ورُبَّما كانَتْ في تَسْلِيطِ الأحْزانِ والآلامِ، فَقَدِ انْدَفَعَتْ شُبْهَةُ المُنافِقِينَ مِن هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ المُحْدَثاتِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ صفحة ٤٠ المُنافِقِينَ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا لَوْ قَبِلَ مِنّا رَأْيَنا ونُصْحَنا، لَما وقَعَ في هَذِهِ المِحْنَةِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَنْتَظِمُ لَوْ كانَتْ أفْعالُ العِبادِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ إذْ لَوْ كانَتْ خارِجَةً عَنْ مَشِيئَتِهِ لَمْ يَكُنْ هَذا الجَوابُ دافِعًا لِشُبْهَةِ المُنافِقِينَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ما ذَكَرْنا. وأيْضًا فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ مُطابِقٌ لِلْبُرْهانِ العَقْلِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ، إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُسْتَنِدٌ إلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهَذِهِ القاعِدَةُ لا اخْتِصاصَ لَها بِمُحْدَثٍ دُونَ مُحْدَثٍ، أوْ مُمْكِنٍ دُونَ مُمْكِنٍ، فَتَدْخُلُ فِيهِ أفْعالُ العِبادِ وحَرَكاتُهم وسَكَناتُهم، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الظُّهُورِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإنْصافِ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ، وهَذا الكَلامُ مُحْتَمَلٌ، فَلَعَلَّ قائِلَهُ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ، وكانَ غَرَضُهُ مِنهُ إظْهارَ الشَّفَقَةِ، وإنَّهُ مَتى يَكُونُ الفَرَجُ ؟ ومِن أيْنَ تَحْصُلُ النُّصْرَةُ ؟ ولَعَلَّهُ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ، وإنَّما قالَهُ طَعْنًا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وفي الإسْلامِ فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ مِن هَذا الكَلامِ هَذا القِسْمُ الثّانِي، والفائِدَةُ في هَذا التَّنْبِيهِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَحَرِّزًا عَنْ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ. النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حَكى اللَّهُ عَنِ المُنافِقِينَ، قَوْلُهم: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا الكَلامِ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم قَوْلَهم: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ واحْتَجَّ المُنافِقُونَ عَلى الطَّعْنِ في هَذا الجَوابِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ لَما خَرَجْنا مِنَ المَدِينَةِ وما قُتِلْنا هاهُنا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ مِن أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وهَذا هو بِعَيْنِهِ المُناظَرَةُ الدّائِرَةُ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وأهْلِ الِاعْتِزالِ فَإنَّ السُّنِّيَّ يَقُولُ: الأمْرُ كُلُّهُ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والإيمانِ والكُفْرِ بِيَدِ اللَّهِ، فَيَقُولُ المُعْتَزِلِيُّ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإنْسانَ مُخْتارٌ مُسْتَقِلٌّ بِالفِعْلِ، إنْ شاءَ آمَنَ، وإنْ شاءَ كَفَرَ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ هَذا الكَلامُ شُبْهَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها، بَلْ يَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ الطَّعْنَ فِيما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ هو أنَّهُ هَلْ لَنا مِنَ النُّصْرَةِ الَّتِي وعَدَنا بِها مُحَمَّدٌ شَيْءٌ، ويَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ هو ما كانَ يَقُولُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِن أنَّ مُحَمَّدًا لَوْ أطاعَنِي وما خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ ما قُتِلْنا هاهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ الجَوابِ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والتَّدْبِيرَ لا يُقاوِمُ التَّقْدِيرَ، فالَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ لا بُدَّ وأنْ يُقْتَلُوا عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْتَلُ، فَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا؛ وقَدْ بَيَّنّا أيْضًا أنَّهُ مُمْكِنٌ صفحة ٤١ فَلا بُدَّ مِنَ انْتِهائِهِ إلى إيجادِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ لانْقَلَبَتْ قُدْرَتُهُ عَجْزًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ الوُجُوبِ كَما قَرَّرْنا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الوُجُوبَ، فَإنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] تُفِيدُ وُجُوبَ الفِعْلِ، وهاهُنا لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى وُجُوبِ الفِعْلِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى وُجُوبِ الوُجُودِ وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الظُّهُورِ لِمَن أيَّدَهُ اللَّهُ بِالتَّوْفِيقِ، ثُمَّ نَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: لَوْ جَلَسْتُمْ في بُيُوتِكم لَخَرَجَ مِنكم مَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ إلى مَضاجِعِهِمْ ومَصارِعِهِمْ حَتّى يُوجَدَ ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يُوجَدُ. والثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ لِلْمُنافِقِينَ لَوْ جَلَسْتُمْ في بُيُوتِكم وتَخَلَّفْتُمْ عَنِ الجِهادِ لَخَرَجَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ قِتالُ الكُفّارِ إلى مَضاجِعِهِمْ، ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ هَذِهِ الطّاعَةِ بِسَبَبِ تَخَلُّفِكم. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ زَعَمُوا أنَّ الخُرُوجَ إلى تِلْكَ المُقاتَلَةِ كانَ مَفْسَدَةً، ولَوْ كانَ الأمْرُ إلَيْهِمْ لَما خَرَجُوا إلَيْها، فَقالَ تَعالى: بَلْ هَذِهِ المُقاتَلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعَيْنِ مِنَ المَصْلَحَةِ: أنْ يَتَمَيَّزَ المُوافِقُ مِنَ المُنافِقِ، وفي المَثَلِ المَشْهُورِ: لا تَكْرَهُوا الفِتَنَ فَإنَّها حَصادُ المُنافِقِينَ، ومَعْنى الِابْتِلاءِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا كَثِيرَةً. فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الِابْتِلاءَ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ . قُلْنا: لَمّا طالَ الكَلامُ أعادَ ذِكْرَهُ، وقِيلَ: الِابْتِلاءُ الأوَّلُ هَزِيمَةُ المُؤْمِنِينَ، والثّانِي سائِرُ الأحْوالِ. والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ تُمَحِّصُ قُلُوبَكم عَنِ الوَساوِسِ والشُّبُهاتِ. والثّانِي: أنَّها تَصِيرُ كَفّارَةً لِذُنُوبِكم فُتُمَحِّصُكم عَنْ تَبِعاتِ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وذَكَرَ في الِابْتِلاءِ الصُّدُورَ، وفي التَّمْحِيصِ القُلُوبَ، وفِيهِ بَحْثٌ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ ذاتَ الصُّدُورِ هي الأشْياءُ المَوْجُودَةُ في الصُّدُورِ، وهي الأسْرارُ والضَّمائِرُ، وهي ذاتُ الصُّدُورِ؛ لِأنَّها حالَةٌ فِيها مُصاحِبَةٌ لَها، وصاحِبُ الشَّيْءِ ذُوهُ وصاحِبَتُهُ ذاتُهُ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهُ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وإنَّما ابْتَلاهم إمّا لِمَحْضِ الإلَهِيَّةِ، أوْ لِلِاسْتِصْلاحِ.

آل عمران 3:155

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ عِنْدَ التِقاءِ الجَمْعَيْنِ وفارَقُوا المَكانَ وانْهَزَمُوا قَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٤٢ المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَتِ الأخْبارُ فِيمَن ثَبَتَ ذَلِكَ اليَوْمَ وفِيمَن تَوَلّى، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ ثُلْثَ النّاسِ كانُوا مَجْرُوحِينَ، وثُلْثَهُمُ انْهَزَمُوا، وثُلْثَهم ثَبَتُوا، واخْتَلَفُوا في المُنْهَزِمِينَ، فَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم ورَدَ المَدِينَةَ وأخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ، وهو سَعْدُ بْنُ عُثْمانَ، ثُمَّ ورَدَ بَعْدَهُ رِجالٌ دَخَلُوا عَلى نِسائِهِمْ، وجَعَلَ النِّساءُ يَقُلْنَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفِرُّونَ وكُنَّ يَحْثِينَ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ ويَقُلْنَ: هاكَ المِغْزَلَ اغْزِلْ بِهِ، ومِنهم قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعْدُوا الجَبَلَ. قالَ القَفّالُ: والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ في الجُمْلَةِ أنَّ نَفَرًا مِنهم تَوَلَّوْا وأبْعَدُوا، فَمِنهم مَن دَخَلَ المَدِينَةَ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى سائِرِ الجَوانِبِ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَإنَّهم نَزَلُوا عِنْدَ الجَبَلِ واجْتَمَعُوا هُناكَ. ومِنَ المُنْهَزِمِينَ عُمَرُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في أوائِلِ المُنْهَزِمِينَ ولَمْ يَبْعُدْ، بَلْ ثَبَتَ عَلى الجَبَلِ إلى أنْ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ، ومِنهم أيْضًا عُثْمانُ انْهَزَمَ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُما سَعْدٌ وعُقْبَةُ، انْهَزَمُوا حَتّى بَلَغُوا مَوْضِعًا بَعِيدًا ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ”«لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً“ وقالَتْ فاطِمَةُ لِعَلِيٍّ: ما فَعَلَ عُثْمانُ ؟ فَنَقَّصَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”يا عَلِيُّ أعْيانِي أزْواجُ الأخَواتِ أنْ يَتَحابُّوا» “ وأمّا الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً مِنَ المُهاجِرِينَ، وسَبْعَةً مِنَ الأنْصارِ، فَمِنَ المُهاجِرِينَ أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وطِلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، ومِنَ الأنْصارِ الخَبّابُ بْنُ المُنْذِرِ وأبُو دُجانَةَ وعاصِمُ بْنُ ثابِتٍ والحَرْثُ بْنُ الصِّمَّةِ وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وذَكَرَ أنَّ ثَمانِيَةً مِن هَؤُلاءِ كانُوا بايَعُوهُ يَوْمَئِذٍ عَلى المَوْتِ ثَلاثَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: عَلِيٌّ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، وخَمْسَةٌ مِنَ الأنْصارِ: أبُو دُجانَةَ والحَرْثُ بْنُ الصِّمَّةِ وخَبّابُ بْنُ المُنْذِرِ وعاصِمُ بْنُ ثابِتٍ وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، ثُمَّ لَمْ يُقْتَلْ مِنهم أحَدٌ. ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّهُ «أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوٌ مِن ثَلاثِينَ كُلُّهم يَجِيءُ ويَجْثُو بَيْنَ يَدَيْهِ ويَقُولُ: وجْهِي لِوَجْهِكَ الفِداءُ، ونَفْسِي لِنَفْسِكَ الفِداءُ، وعَلَيْكَ السَّلامُ غَيْرَ مُوَدَّعٍ» . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً يَعْنِي الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ حَمَلَهم عَلى الزِّلَّةِ. وأزَلَّ واسْتَزَلَّ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتَزَلَّهم طَلَبَ زِلَّتَهم، كَما يُقالُ اسْتَعْجَلْتُهُ أيْ طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، واسْتَعْمَلْتُهُ طَلَبْتُ عَمَلَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ لا تُنْسَبُ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ تَعالى نَسَبَها في هَذِهِ الآيَةِ إلى الشَّيْطانِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [القَصَصِ: ١٥] وكَقَوْلِ يُوسُفَ. ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ وكَقَوْلِ صاحِبِ مُوسى: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ [الكَهْفِ: ٦٣] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ الشَّيْطانَ في أيِّ شَيْءٍ اسْتَزَلَّهم، وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ العَفْوِ لا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ المَعْصِيَةِ، لَكِنَّ العُلَماءَ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ تَحَوُّلَهم عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ، بِأنْ يَكُونَ رَغْبَتُهم في الغَنِيمَةِ، وأنْ يَكُونَ فَشَلُهم في الجِهادِ وعَدُولُهم عَنِ الإخْلاصِ، وأيُّ ذَلِكَ كانَ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْهم. ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ عُوتِبَ في هَزِيمَتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَ إنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ خَطَأً لَكِنَّ اللَّهَ عَفا عَنْهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، صفحة ٤٣ وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَتْ عَنْهم جِناياتٌ، فَبِواسِطَةِ تِلْكَ الجِناياتِ قَدِرَ الشَّيْطانُ عَلى اسْتِزْلالِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهم لَمْ يَتَوَلَّوْا عَلى جِهَةِ المُعانَدَةِ ولا عَلى جِهَةِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا، وإنَّما ذَكَّرَهُمُ الشَّيْطانُ ذُنُوبًا كانَتْ لَهم، فَكَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ إلّا عَلى حالٍ يَرْضَوْنَها، وإلّا بَعْدَ الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، فَهَذا خاطِرٌ خَطَرَ بِبالِهِمْ وكانُوا مُخْطِئِينَ فِيهِ. الثّانِي: أنَّهم لَمّا أذْنَبُوا بِسَبَبِ مُفارَقَةِ ذَلِكَ المَكانِ أزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِشُؤْمِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ وأوْقَعَهم في الهَزِيمَةِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ إلى الذَّنْبِ، كَما أنَّ الطّاعَةَ تَجُرُّ إلى الطّاعَةِ. ويَكُونُ لُطْفًا فِيها. الثّالِثُ: لَمّا أذْنَبُوا بِسَبَبِ الفَشَلِ ومُنازَعَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وقَعُوا في ذَلِكَ الذَّنْبِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ في بَعْضِ ما كَسَبُوا، لا في كُلِّ ما كَسَبُوا، والمُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّهم ما كَفَرُوا وما تَرَكُوا دِينَهم، بَلْ هَذِهِ زَلَّةٌ وقَعَتْ لَهم في بَعْضِ أعْمالِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ ما كانَتْ بِسَبَبِ الكُفْرِ، فَإنَّ العَفْوَ عَنِ الكُفْرِ لا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ الذَّنْبُ إنْ كانَ مِنَ الصَّغائِرِ جازَ العَفْوُ عَنْهُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وإنْ كانَ مِنَ الكَبائِرِ لَمْ يَجُزْ إلّا مَعَ التَّوْبَةِ، فَهاهُنا لا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ التَّوْبَةِ مِنهم، وإنْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ مِنَ الصَّغائِرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَكادُ في الكَبائِرِ يُقالُ إنَّها زَلَّةٌ، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الصَّغائِرِ. الثّانِي: أنَّ القَوْمَ ظَنُّوا أنَّ الهَزِيمَةَ لَمّا وقَعَتْ عَلى المُشْرِكِينَ لَمْ يَبْقَ إلى ثَباتِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ حاجَةٌ، فَلا جَرَمَ انْتَقَلُوا عَنْهُ وتَحَوَّلُوا لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ، ومِثْلُ هَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصَّغائِرِ لِأنَّ لِلِاجْتِهادِ في مِثْلِهِ مَدْخَلًا، وأمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فالعَفْوُ عَنِ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ جائِزٌ، فَلا حاجَةَ إلى هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أيْ غَفُورٌ لِمَن تابَ وأنابَ، حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ. وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الصَّغائِرِ لَوَجَبَ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، ولَوْ كانَ العَفْوُ عَنْهُ واجِبًا لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن يَظْلِمُ إنْسانًا فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنَّهُ عَفا عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ، فَلَمّا ذَكَرَ هَذا التَّمَدُّحَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ مِنَ الكَبائِرِ، ولَمّا عَفا عَنْهُ عَلِمْنا أنَّ العَفْوَ عَنِ الكَبائِرِ واقِعٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:156

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٤٤ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُعَيِّرُونَ المُؤْمِنِينَ في الجِهادِ مَعَ الكُفّارِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ظَهَرَ عَنْ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ فُتُورٌ وفَشَلٌ في الجِهادِ حَتّى وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ ما وقَعَ وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنْهم، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ أنْ يَقُولَ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا لِمَن يُرِيدُ الخُرُوجَ إلى الجِهادِ: لَوْ لَمْ تَخْرُجُوا لَما مُتُّمْ وما قُتِلْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ هو المُحْيِي والمُمِيتُ، فَمَن قُدِّرَ لَهُ البَقاءُ لَمْ يُقْتَلْ في الجِهادِ، ومَن قُدِّرَ لَهُ المَوْتُ لَمْ يَبْقَ وإنْ لَمْ يُجاهِدْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وأيْضًا الَّذِي قُتِلَ في الجِهادِ، لَوْ أنَّهُ ما خَرَجَ إلى الجِهادِ لَكانَ يَمُوتُ لا مَحالَةَ، فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَلَأنْ يُقْتَلَ في الجِهادِ حَتّى يَسْتَوْجِبَ الثَّوابَ العَظِيمَ، كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِن أنْ يَمُوتَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إطْلاقِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ كافِرٍ يَقُولُ مِثْلَ هَذا القَوْلِ سَواءٌ كانَ مُنافِقًا أوْ لَمْ يَكُنْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُخْتَصَّةٌ بِشَرْحِ أحْوالِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا مُخْتَصٌّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وسائِرِ أصْحابِهِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، كَما تَقُولُ الكَرّامِيَّةُ: إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المُنافِقُ مُؤْمِنًا، ولَوْ كانَ مُؤْمِنًا لَما سَمّاهُ اللَّهُ كافِرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْراجِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحْقافِ: ١١] وأقُولُ: تَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنَّهم لَمّا قالُوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الإخْوانَ كانُوا مَيِّتِينَ ومَقْتُولِينَ عِنْدَ هَذا القَوْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ هو أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، ولا يَكُونُ المُرادُ هو أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ مَعَ إخْوانِهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِإخْوانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُخُوَّةَ في النَّسَبِ وإنْ كانُوا مُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعْرافِ: ٧٣] فَإنَّ الأُخُوَّةَ في هَذِهِ الآياتِ أُخُوَّةُ النَّسَبِ لا أُخُوَّةُ الدِّينِ، فَلَعَلَّ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مِن أقارِبِ المُنافِقِينَ، فالمُنافِقُونَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ المُشاكَلَةَ في الدِّينِ، واتَّفَقَ إلى أنْ صارَ بَعْضُ المُنافِقِينَ مَقْتُولًا في بَعْضِ الغَزَواتِ فالَّذِينَ بَقُوا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا ذَلِكَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ الخارِجَ مِنهم لِسَفَرٍ بَعِيدٍ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ والخارِجَ إلى الغَزْوِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ إذا نالَهم مَوْتٌ أوْ قَتْلٌ فَذَلِكَ إنَّما نالَهم بِسَبَبِ السَّفَرِ والغَزْوِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا لِتَنْفِيرِ النّاسِ عَنِ الجِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّ في الطِّباعِ مَحَبَّةَ الحَياةِ وكَراهِيَةَ المَوْتِ والقَتْلِ، فَإذا قِيلَ لِلْمَرْءِ: إنْ تَحَرَّزْتَ مِنَ السَّفَرِ والجِهادِ فَأنْتَ سَلِيمٌ طَيِّبُ العَيْشِ، وإنْ تَقَحَّمْتَ صفحة ٤٥ أحَدَهُما وصَلْتَ إلى المَوْتِ أوِ القَتْلِ، فالغالِبُ أنَّهُ يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنْ ذَلِكَ ويَرْغَبُ في مُلازَمَةِ البَيْتِ، وكانَ ذَلِكَ مِن مَكايِدِ المُنافِقِينَ في تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ الجِهادِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا ذَكَرَ بَعْدَ الضَّرْبِ في الأرْضِ الغَزْوَ وهو داخِلٌ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الضَّرْبَ في الأرْضِ يُرادُ بِهِ الإبْعادُ في السَّفَرِ، لا ما يَقْرُبُ مِنهُ، وفي الغَزْوِ لا فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِهِ وقَرِيبِهِ، إذِ الخارِجُ مِنَ المَدِينَةِ إلى جَبَلِ أُحُدٍ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ ضارِبٌ في الأرْضِ مَعَ قُرْبِ المَسافَةِ وإنْ كانَ غازِيًا، فَهَذا فائِدَةُ إفْرادِ الغَزْوِ عَنِ الضَّرْبِ في الأرْضِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الماضِي، وقَوْلَهُ: ﴿إذا ضَرَبُوا﴾ يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ بَلْ لَوْ قالَ: وقالُوا لِإخْوانُهم إذْ ضَرَبُوا في الأرْضِ، أيْ حِينَ ضَرَبُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إشْكالٌ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُونُوا كالَّذِينِ كَفَرُوا ويَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ كَذا وكَذا، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِفائِدَتَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ لازِمَ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ فَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأنَّهُ حَدَثَ أوْ هو حادِثٌ قالَ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٠] فَهُنا لَوْ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقِلِّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبالَغَةٌ أمّا لَمّا وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جِدَّهم واجْتِهادَهم في تَقْرِيرِ الشُّبْهَةِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ، وصارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الجِدِّ هَذا المُسْتَقْبَلُ كالكائِنِ الواقِعِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ الإخْبارَ عَنْ صُدُورِ هَذا الكَلامِ، بَلِ المَقْصُودُ الإخْبارُ عَنْ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ الكَلامَ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، والمَعْنى أنَّ إخْوانَهم إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ، فالكافِرُونَ يَقُولُونَ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَمَن أخْبَرَ عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: قالُوا، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِنا: خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ قُطْرُبٌ: كَلِمَةُ ”إذْ“ و”إذا“، يَجُوزُ إقامَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَقامَ الأُخْرى، وأقُولُ: هَذا الَّذِي قالَهُ قُطْرُبٌ كَلامٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا جَوَّزْنا إثْباتَ اللُّغَةِ بِشِعْرٍ مَجْهُولٍ مَنقُولٍ عَنْ قائِلٍ مَجْهُولٍ، فَلَأنْ يَجُوزُ إثْباتُها بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، كانَ ذَلِكَ أوْلى، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ ”إذا“ حَقِيقَةٌ في المُسْتَقْبَلِ، ولَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في الماضِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ كَلِمَةِ ”إذْ“ مِنَ المُشابَهَةِ الشَّدِيدَةِ ؟ وكَثِيرًا أرى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، فَإذا اسْتَشْهَدُوا في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم، فَإنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ، فَلِأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ، كالقُوَّلِ والرُّكَّعِ والسُّجَّدِ، جَمْعِ قائِلٍ وراكِعٍ وساجِدٍ، ومِثْلُهُ مِنَ النّاقِصِ ”عَفا“ ويَجُوزُ أيْضًا: غُزاةٌ، مِثْلَ قُضاةٍ ورُماةٍ في جَمْعِ القاضِي والرّامِي، ومَعْنى الغَزْوِ في كَلامِ العَرَبِ صفحة ٤٦ قَصْدُ العَدُوِّ، والمَغْزى المَقْصِدُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، والتَّقْدِيرُ: إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا أوْ كانُوا غُزاةً فَقُتِلُوا، لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَقَوْلُهُ: ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ يَدُلُّ عَلى مَوْتِهِمْ وقَتْلِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ الكَلامَ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الكَلامَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، مِثْلَ ما يُقالُ: رَبَّيْتُهُ لِيُؤْذِيَنِي ونَصَرْتُهُ لِيَقْهَرَنِي ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ: ٨] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في بَيانِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كَيْفَ اسْتَعْقَبَ حُصُولَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ أقارِبَ ذَلِكَ المَقْتُولِ إذا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ ازْدادَتِ الحَسْرَةُ في قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدَهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَوْ بالَغَ في مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ السَّفَرِ وعَنْ ذَلِكَ الغَزْوِ لَبَقِيَ، فَذَلِكَ الشَّخْصُ إنَّما ماتَ أوْ قُتِلَ بِسَبَبِ أنَّ هَذا الإنْسانَ قَصَّرَ في مَنعِهِ، فَيَعْتَقِدُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ أنَّهُ هو الَّذِي تَسَبَّبَ إلى مَوْتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ العَزِيزِ عَلَيْهِ أوْ قَتَلَهُ، ومَتى اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ ذَلِكَ فَلا شَكَّ أنَّهُ تَزْدادُ حَسْرَتُهُ وتَلَهُّفُهُ، أمّا المُسْلِمُ المُعْتَقِدُ في أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، لَمْ يَحْصُلْ ألْبَتَّةَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ الحَسْرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرَها المُنافِقُونَ لا تُفِيدُهم إلّا زِيادَةَ الحَسْرَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ إذا ألْقَوْا هَذِهِ الشُّبْهَةَ إلى إخْوانِهِمْ تَثَبَّطُوا عَنِ الغَزْوِ والجِهادِ وتَخَلَّفُوا عَنْهُ، فَإذا اشْتَغَلَ المُسْلِمُونَ بِالجِهادِ والغَزْوِ، ووَصَلُوا بِسَبَبِهِ إلى الغَنائِمِ العَظِيمَةِ والِاسْتِيلاءِ عَلى الأعْداءِ. والفَوْزِ بِالأمانِيِّ، بَقِيَ ذَلِكَ المُتَخَلِّفُ عِنْدَ ذَلِكَ في الخَيْبَةِ والحَسْرَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الحَسْرَةَ إنَّما تَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ في قُلُوبِ المُنافِقِينَ إذا رَأوْا تَخْصِيصَ اللَّهِ المُجاهِدِينَ بِمَزِيدِ الكَراماتِ وإعْلاءِ الدَّرَجاتِ، وتَخْصِيصَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِمَزِيدِ الخِزْيِ واللَّعْنِ والعِقابِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المُنافِقِينَ إذا أوْرَدُوا هَذِهِ الشُّبْهَةُ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ ووَجَدُوا مِنهم قَبُولًا لَها، فَرِحُوا بِذَلِكَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ راجَ كَيْدُهم ومَكْرُهم عَلى أُولَئِكَ الضَّعَفَةِ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ سَيَصِيرُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ إذا عَلِمُوا أنَّهم كانُوا عَلى الباطِلِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ جِدَّهم واجْتِهادَهم في تَكْثِيرِ الشُّبُهاتِ وإلْقاءِ الضَّلالاتِ يُعْمِي قُلُوبَهم فَيَقَعُونَ عِنْدَ ذَلِكَ في الحَيْرَةِ والخَيْبَةِ وضِيقِ الصَّدْرِ، وهو المُرادُ بِالحَسْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنْعامِ: ١٢٥] . الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهم مَتى ألْقَوْا هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلى أقْوِياءِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ فَيَضِيعُ سَعْيُهم ويَبْطُلُ كَيْدُهم فَتَحْصُلُ الحَسْرَةُ في قُلُوبِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكُونُوا مِثْلَهم حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ مُخالَفَتَهم فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ ومُضادَّتَهم مِمّا يَغِيظُهم. صفحة ٤٧ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المُحْيِيَ والمُمِيتَ هو اللَّهُ، ولا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ آخَرَ في الحَياةِ والمَوْتِ، وأنَّ عِلْمَ اللَّهِ لا يَتَغَيَّرُ، وأنَّ حُكْمَهُ لا يَنْقَلِبُ، وأنَّ قَضاءَهُ لا يَتَبَدَّلُ، فَكَيْفَ يَنْفَعُ الجُلُوسُ في البَيْتِ مِنَ المَوْتِ ؟ فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ القَوْلُ بِأنَّ قَضاءَ اللَّهِ لا يَتَبَدَّلُ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ مُفِيدًا في الحَذَرِ عَنِ القَتْلِ والمَوْتِ، فَكَذا القَوْلُ بِأنَّ قَضاءَ اللَّهِ لا يَتَبَدَّلُ وجَبَ أنْ يَمْنَعَ مِن كَوْنِ العَمَلِ مُفِيدًا في الِاحْتِرازِ عَنْ عِقابِ الآخِرَةِ، وهَذا يَمْنَعُ مِن لُزُومِ التَّكْلِيفِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَقْرِيرُ الأمْرِ بِالجِهادِ والتَّكْلِيفِ، وإذا كانَ الجَوابُ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ كانَ هَذا الكَلامُ يَقْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ فَيَكُونُ باطِلًا. الجَوابُ: أنَّ حُسْنَ التَّكْلِيفِ عِنْدَنا غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِعِلَّةٍ ورِعايَةِ مَصْلَحَةٍ، بَلْ عِنْدَنا أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ الجَوابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِ المُنافِقِينَ، قالَ: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يُرِيدُ: يُحْيِي قُلُوبَ أوْلِيائِهِ وأهِلِ طاعَتِهِ بِالنُّورِ والفُرْقانِ، ويُمِيتُ قُلُوبَ أعْدائِهِ مِنَ المُنافِقِينَ.

آل عمران 3:157

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وطَرِيقَةِ المُنافِقِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَعْمَلُونَ) كِنايَةً عَنِ الغائِبِينَ، والتَّقْدِيرُ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِيَكُونَ وفْقًا لِما قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولِما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ شُبْهَةِ المُنافِقِينَ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذا المَوْتَ لا بُدَّ واقِعٌ ولا مَحِيصَ لِلْإنْسانِ مِن أنْ يُقْتَلَ أوْ يَمُوتَ، فَإذا وقَعَ هَذا المَوْتُ أوِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي طَلَبِ رِضْوانِهِ، فَهو خَيْرٌ مِن أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها الَّتِي لا يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِها بَعْدَ المَوْتِ ألْبَتَّةَ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الحُسْنِ والقُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا تَوَجَّهَ إلى الجِهادِ أعْرَضَ قَلَبُهُ عَنِ الدُّنْيا وأقْبَلَ عَلى الآخِرَةِ، فَإذا ماتَ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ عَنِ العَدُوِّ ووَصَلَ إلى المَحْبُوبِ، وإذا جَلَسَ في بَيْتِهِ خائِفًا مِنَ المَوْتِ حَرِيصًا عَلى جَمْعِ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ فَكَأنَّهُ حُجِبَ عَنِ المَعْشُوقِ وأُلْقِي في دارِ الغُرْبَةِ، ولا شَكَّ في كَمالِ سَعادَةِ الأوَّلِ، وكَمالِ شَقاوَةِ الثّانِي. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِتُّمْ) بِكَسْرِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ، والأوَّلُونَ أخَذُوهُ مِن: ماتَ يَماتُ مِتُّ، مِثْلَ هابَ يَهابُ هِبْتُ، وخافَ يَخافُ خِفْتُ، ورَوى المُبَرِّدُ هَذِهِ اللُّغَةَ فَإنْ صَحَّ فَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَهو مَأْخُوذٌ مِن، ماتَ يَمُوتُ مُتُّ: مِثْلَ قالَ يَقُولُ قُلْتُ. صفحة ٤٨ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ لامُ القَسَمِ، بِتَقْدِيرِ واللَّهِ لَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، ودالٌّ عَلى أنَّ ما هو داخِلٌ عَلَيْهِ جَزاءٌ، والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: هَذِهِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ المَعْنى إنْ وجَبَ أنْ تَمُوتُوا وتُقْتَلُوا في سَفَرِكم وغَزْوِكم، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَفُوزُوا بِالمَغْفِرَةِ أيْضًا، فَلِماذا تَحْتَرِزُونَ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَوْتَ والقَتْلَ غَيْرُ لازِمِ الحُصُولِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لازِمًا فَإنَّهُ يَسْتَعْقِبُ لُزُومَ المَغْفِرَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يَجْمَعُونَ﴾ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى وجْهِ الخِطابِ، أمّا وجْهُ الغَيْبَةِ فالمَعْنى أنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُهُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الحُطامِ الفانِي، وأمّا وجْهُ الخِطابِ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ لَهم: مَغْفِرَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِنَ الأمْوالِ الَّتِي تَجْمَعُونَها في الدُّنْيا. المَسْألَةَ الرّابِعَةَ: إنَّما قُلْنا: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ ومَغْفِرَتَهُ خَيْرٌ مِن نُعَيْمِ الدُّنْيا لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَن يَطْلُبُ المالَ فَهو في تَعَبٍ مِن ذَلِكَ الطَّلَبِ في الحالِ، ولَعَلَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَدًا لِأنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ الغَدِ وأمّا طَلَبُ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَفِعَ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وقَدْ قالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] . وثانِيها: هَبْ أنَّهُ بَقِيَ إلى الغَدِ لَكِنْ لَعَلَّ ذَلِكَ المالَ لا يَبْقى إلى الغَدِ، فَكَمْ مِنَ إنْسانٍ أصْبَحَ أمِيرًا وأمْسى أسِيرًا، وخَيْراتُ الآخِرَةِ لا تَزُولُ لِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] ولِقَوْلِهِ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] . وثالِثُها: بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْقى إلى الغَدِ ويَبْقى المالُ إلى الغَدِ، لَكِنْ لَعَلَّهُ يَحْدُثُ حادِثٌ يَمْنَعُكَ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ مِثْلَ مَرَضٍ وألَمٍ وغَيْرِهِما، ومَنافِعُ الآخِرَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. ورابِعُها: بِتَقْدِيرِ أنَّهُ في الغَدِ يُمْكِنُكَ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ المالِ، ولَكِنْ لَذّاتُ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالآلامِ ومَنافِعُها مَخْلُوطَةٌ بِالمَضارِّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى، وأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ. وخامِسُها: هَبْ أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ تَحْصُلُ في الغَدِ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ ولَكِنَّها لا تَدُومُ ولا تَسْتَمِرُّ، بَلْ تَنْقَطِعُ وتَفْنى، وكُلَّما كانَتِ اللَّذَّةُ أقْوى وأكْمَلَ، كانَ التَّأسُّفُ والتَّحَسُّرُ عِنْدَ فَواتِها أشَدَّ وأعْظَمَ، ومَنافِعُ الآخِرَةِ مَصُونَةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ. وسادِسُها: أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا حِسِّيَّةٌ ومَنافِعَ الآخِرَةِ عَقْلِيَّةٌ، والحِسِّيَّةُ خَسِيسَةٌ، والعَقْلِيَّةُ شَرِيفَةٌ، أتَرى أنَّ انْتِفاعَ الحِمارِ بِلَذَّةِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ يُساوِي ابْتِهاجَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ إشْراقِها بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ المَعاقِدُ السِّتَّةُ تُنَبِّهُكَ عَلى ما لا نِهايَةَ لَها مِنَ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ المَغْفِرَةُ مَوْصُوفَةً بِأنَّها خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ، ولا خَيْرَ فِيما تَجْمَعُونَ أصْلًا. قُلْنا: إنَّ الَّذِي تَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ مِن بابِ الحَلالِ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرًا، وأيْضًا هَذا وارِدٌ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ خَيْراتٌ، فَقِيلَ: المَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تَظُنُّونَها خَيْراتٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى رَغَّبَ المُجاهِدِينَ في الآيَةِ الأُولى بِالحَشْرِ إلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ في إعْلاءِ الدَّرَجاتِ فَرَغَّبَهم هاهُنا بِالحَشْرِ إلى اللَّهِ، يُرْوى أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ مَرَّ بِأقْوامٍ نَحِفَتْ أبْدانُهم واصْفَرَّتْ وُجُوهُهم، ورَأى عَلَيْهِمْ آثارَ العِبادَةِ، فَقالَ ماذا تَطْلُبُونَ ؟ فَقالُوا: نَخْشى عَذابَ اللَّهِ، فَقالَ: هو أكْرَمُ مِن أنْ لا يُخَلِّصَكم مِن عَذابِهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأقْوامٍ آخَرِينَ فَرَأى عَلَيْهِمْ تِلْكَ الآثارَ فَسَألَهم، فَقالُوا: نَطْلُبُ الجَنَّةَ والرَّحْمَةَ، فَقالَ: هو أكْرَمُ مِن أنْ يَمْنَحَكم رَحْمَتَهُ، ثُمَّ مَرَّ بِقَوْمٍ ثالِثٍ ورَأى آثارَ العُبُودِيَّةِ عَلَيْهِمْ أكْثَرَ، صفحة ٤٩ فَسَألَهم فَقالُوا: نَعْبُدُهُ لِأنَّهُ إلَهُنا، ونَحْنُ عَبِيدُهُ لا لِرَغْبَةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، فَقالَ: أنْتُمُ العَبِيدُ المُخْلِصُونَ والمُتَعَبِّدُونَ المُحِقُّونَ، فانْظُرْ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الآياتِ فَإنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَن يَعْبُدُهُ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَن يَعْبُدُهُ لِطَلَبِ ثَوابِهِ، ثُمَّ قالَ في خاتِمَةِ الآيَةِ: ﴿لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَن يَعْبُدُ اللَّهَ لِمُجَرَّدِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وهَذا أعْلى المَقاماتِ وأبْعَدُ النِّهاياتِ في العُبُودِيَّةِ في عُلُوِّ الدَّرَجَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا شَرَّفَ المَلائِكَةَ قالَ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] وقالَ لِلْمُقَرَّبِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٥٥] فَبَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَذَلُوا أنْفُسَهم وأبْدانَهم في طاعَتِهِ ومُجاهَدَةِ عَدُوِّهِ يَكُونُ حَشْرُهم إلَيْهِ، واسْتِئْناسُهم بِكَرَمِهِ، وتَمَتُّعُهم بِشُرُوقِ نُورِ رُبُوبِيَّتِهِ، وهَذا مَقامٌ فِيهِ إطْنابٌ، والمُسْتَبْصِرُ يُرْشِدُهُ القَدْرُ الَّذِي أوْرَدْناهُ. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: كَأنَّهُ قِيلَ إنْ تَرَكْتُمُ الجِهادَ واحْتَرَزْتُمْ عَنِ القَتْلِ والمَوْتِ بَقِيتُمْ أيّامًا قَلِيلَةً في الدُّنْيا مَعَ تِلْكَ اللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ، ثُمَّ تَتْرُكُونَها لا مَحالَةَ، فَتَكُونُ لَذّاتُها لِغَيْرِكم وتَبِعاتُها عَلَيْكم، أمّا لَوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، وبَذَلْتُمُ النَّفْسَ والمالَ لِلْمَوْلى يَكُونُ حَشْرُكم إلى اللَّهِ، ووُقُوفُكم عَلى عَتَبَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَلَذُّذُكم بِذِكْرِ اللَّهِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ والمَنزِلَتَيْنِ.

آل عمران 3:158

واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ دَقائِقَ: أحُدُها: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ بَلْ قالَ: لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ، وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ إلى اللَّهِ يُحْشَرُ العالَمُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حاكِمَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا هو، قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافِرٍ: ١٦] وقالَ تَعالى: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] . وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْماءِ اللَّهِ هَذا الِاسْمَ، وهَذا الِاسْمُ أعْظَمُ الأسْماءِ وهو دالٌّ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ وكَمالِ القَهْرِ، فَهو لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ أعْظَمُ أنْواعِ الوَعْدِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ القَهْرِ أشَدُّ أنْواعِ الوَعِيدِ. وثالِثُها: إدْخالُ لامِ التَّأْكِيدِ في اسْمِ اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿لَإلى اللَّهِ﴾ وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي هَذا الحَشْرَ والنَّشْرَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فِعْلُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، مَعَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الحَشْرِ هو اللَّهُ، وإنَّما لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ لِأنَّهُ تَعالى هو العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي، شَهِدَتِ العُقُولُ بِأنَّهُ هو اللَّهُ الَّذِي يُبْدِئُ ويُعِيدُ، ومِنهُ الإنْشاءُ والإعادَةُ، فَتَرْكُ التَّصْرِيحِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ [هُودٍ: ٤٤] . وخامِسُها: أنَّهُ أضافَ حَشْرَهم إلى غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ يُنَبِّهُ العَقْلَ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ مُضْطَرُّونَ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ، فَهم سَواءٌ كانُوا أحْياءً أمْ أمْواتًا لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَهْرِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ. وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ، فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ يُحْشَرُونَ ويُوقَفُونَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ وبِساطِ العَدْلِ، فَيَجْتَمِعُ المَظْلُومُ مَعَ الظّالِمِ، والمَقْتُولُ مَعَ القاتِلِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى يَحْكُمُ بَيْنَ عَبِيدِهِ بِالعَدْلِ المُبَرَّأِ عَنِ الجَوْرِ، كَما قالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٧] فَمَن تَأمَّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ وساعَدَهُ التَّوْفِيقُ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الفَوائِدَ الَّتِي ذَكَرْناها كالقَطْرَةِ مِن بِحارِ الأسْرارِ المُودَعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكَ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ يَقْتَضِي عَطْفَ المَقْتُولِ عَلى المَيِّتِ، وعَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ.

آل عمران 3:159

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا انْهَزَمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ عادُوا لَمْ يُخاطِبْهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالتَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ، وإنَّما خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرْشَدَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ما يَنْفَعُهم في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنْ عَفا عَنْهم، زادَ في الفَضْلِ والَإحْسانِ بِأنْ مَدَحَ الرَّسُولَ ﷺ عَلى عَفْوِهِ عَنْهم، وتَرْكِهِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ومَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّ هَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ في الكَلامِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ لِينَهُ ﷺ مَعَ القَوْمِ عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ خُلُقِهِ مَعَ القَوْمِ قالَ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٥] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾، وقالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ٤] وقالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا حِلْمَ أحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حِلْمِ إمامٍ ورِفْقِهِ ولا جَهْلَ أبْغَضُ إلى اللَّهِ مِن جَهْلِ إمامٍ وخَرَقِهِ» “ فَلَمّا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمامَ العالَمِينَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَهم حِلْمًا وأحْسَنَهم خُلُقًا. ورُوِيَ «أنَّ امْرَأةَ عُثْمانَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﷺ، وكانَ النَّبِيُّ وعَلِيٌّ يَغْسِلانِ السِّلاحَ، فَقالَتْ: ما فَعَلَ ابْنُ عَفّانَ ؟ أما واللَّهِ لا تَجِدُونَهُ أمامَ القَوْمِ، فَقالَ لَها عَلِيٌّ: ألا إنَّ عُثْمانَ فَضَحَ الزَّمانَ اليَوْمَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”مَهْ“» ورُوِيَ أنَّهُ قالَ حِينَئِذٍ: «أعْيانِي أزْواجُ الأخَواتِ أنْ يَتَحابُّوا»، ولَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ عُثْمانُ مَعَ صاحِبَيْهِ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ”«لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً» “ ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْنا كُلَّ الإحْسانِ، كُنّا مُشْرِكِينَ، فَلَوْ جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ بِهَذا الدِّينِ جُمْلَةً، وبِالقُرْآنِ دُفْعَةً لَثَقُلَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ عَلَيْنا، فَما كُنّا نَدْخُلُ في الإسْلامِ، ولَكِنَّهُ دَعانا إلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَلَمّا قَبِلْناها وعَرَفْنا حَلاوَةَ الإيمانِ، قَبِلْنا ما وراءَها كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ إلى أنْ تَمَّ الدِّينُ وكَمُلَتِ الشَّرِيعَةُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ فَإذا ذَهَبَ أحَدُكم إلى الغائِطِ فَلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا يَسْتَدْبِرْها» “ واعْلَمْ أنَّ سِرَّ الأمْرِ في حُسْنِ الخُلُقِ أمْرانِ: اعْتِبارُ حالِ القائِلِ، واعْتِبارُ حالِ الفاعِلِ، أمّا اعْتِبارُ حالِ القائِلِ فَلِأنَّ جَواهِرَ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» “ وقالَ: ”«النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ» “ وكَما أنَّها في جانِبِ النُّقْصانِ تَنْتَهِي إلى غايَةِ البَلادَةِ والمَهانَةِ والنَّذالَةِ واسْتِيلاءِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلَيْها واسْتِيلاءِ حُبِّ المالِ واللَّذّاتِ، فَكَذَلِكَ في جانِبِ الكَمالِ قَدْ تَنْتَهِي إلى غايَةِ القُوَّةِ والجَلالَةِ، أمّا في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَيَكُونُ كَما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النِّساءِ: صفحة ٥١ ١١٣ ] وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَكَما وصَفَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كَأنَّها مِن جِنْسِ أرْواحِ المَلائِكَةِ، فَلا تَنْقادُ لِلشَّهْوَةِ ولا تَمِيلُ لِدَواعِي الغَضَبِ، ولا تَتَأثَّرُ مِن حُبِّ المالِ والجاهِ، فَإنَّ مَن تَأثَّرَ عَنْ شَيْءٍ كانَ المُتَأثِّرُ أضْعَفَ مِنَ المُؤَثِّرِ، فالنَّفْسُ إذا مالَتْ إلى هَذِهِ المَحْسُوساتِ كانَتْ رُوحانِيّاتُها أضْعَفَ مِنَ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا لَمْ تَمِلْ إلَيْها ولَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْها كانَتْ رُوحانِيّاتُها مُسْتَعْلِيَةً عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وهَذِهِ الخَواصُّ نَظَرِيَّةٌ، وكانَتْ نَفْسُهُ المُقَدَّسَةُ في غايَةِ الجَلالَةِ والكَمالِ في هَذِهِ الخِصالِ. وأمّا اعْتِبارُ حالِ الفاعِلِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الحَوادِثَ الأرْضِيَّةَ مُسْتَنِدَةٌ إلى الأسْبابِ الإلَهِيَّةِ، فَيَعْلَمُ أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، فَلا جَرَمَ إذا فاتَهُ مَطْلُوبٌ لَمْ يَغْضَبْ، وإذا حَصَلَ لَهُ مَحْبُوبٌ لَمْ يَأْنَسْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى الرُّوحانِيّاتِ الَّتِي هي أشْرَفُ مِن هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ، فَلا يُنازِعُ أحَدًا مِن هَذا العالَمِ في طَلَبِ شَيْءٍ مِن لَذّاتِها وطَيِّباتِها، ولا يَغْضَبُ عَلى أحَدٍ بِسَبَبِ فَوْتِ شَيْءٍ مِن مَطالِبِها، ومَتى كانَ الإنْسانُ كَذَلِكَ كانَ حَسَنَ الخُلُقِ، طَيِّبَ العِشْرَةِ مَعَ الخَلْقِ، ولَمّا كانَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ البَشَرِ في هَذِهِ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِحُسْنِ الخُلُقِ، لا جَرَمَ كانَ أكْمَلَ الخَلْقِ في حُسْنِ الخُلُقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُسْنَ خُلُقِهِ مَعَ الخَلْقِ، إنَّما كانَ بِسَبَبِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عامَّةٌ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ، فَكُلُّ ما فَعَلَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الهِدايَةِ والدَّعْوَةِ والبَيانِ والإرْشادِ، فَقَدْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ إبْلِيسَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ وأبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ، فَإذا كانَ عَلى هَذا القَوْلِ كُلُّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ المُكَلَّفِينَ في هَذا البابِ مُشْتَرِكًا فِيهِ بَيْنَ أصْفى الأصْفِياءِ، وبَيْنَ أشْقى الأشْقِياءِ لَمْ يَكُنِ اخْتِصاصُ بَعْضِهِمْ بِحُسْنِ الخُلُقِ وكَمالِ الطَّرِيقَةِ مُسْتَفادًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، فَكانَ عَلى هَذا القَوْلِ تَعْلِيلُ حُسْنِ خُلُقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ باطِلًا، ولَمّا كانَ هَذا باطِلًا عَلِمْنا أنَّ جَمِيعَ أفْعالِ العِبادِ بِقَضاءِ اللَّهِ وبِقَدْرِهِ، والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَ هَذا عَلى زِيادَةِ الألْطافِ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مُمْكِنًا مِنَ الألْطافِ، فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ، والَّذِي يَسْتَحِقُّهُ المُكَلَّفُ بِناءً عَلى طاعَتِهِ مِن مَزِيدِ الألْطافِ، فَذاكَ في الحَقِيقَةِ إنَّما اكْتَسَبَهُ مِن نَفْسِهِ لا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مَتى فَعَلَ الطّاعَةَ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ المَزِيدَ مِنَ اللُّطْفِ، ووَجَبَ إيصالُهُ إلَيْهِ، ومَتى لَمْ يَفْعَلِ امْتَنَعَ إيصالُهُ، فَكانَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ مِن نَفْسِهِ لا مِنَ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ صِلَةٌ زائِدَةٌ ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٤٠] و﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ﴾ [ص: ١١] ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النِّساءِ: ١٥٥] ﴿مِن خَطاياهُمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١٢] قالُوا: والعَرَبُ قَدْ تَزِيدُ في الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ عَلى ما يُسْتَغْنى عَنْهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ [يُوسُفَ: ٩٦] أرادَ فَلَمّا جاءَ، فَأكَّدَ بِأنْ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: دُخُولُ اللَّفْظِ المُهْمَلِ الضّائِعِ في كَلامِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ غَيْرُ جائِرٍ، وهاهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ اسْتِفْهامًا لِلتَّعَجُّبِ تَقْدِيرُهُ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّ جِنايَتَهم لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً ثُمَّ إنَّهُ ما أظْهَرَ ألْبَتَّةَ، تَغْلِيظًا في القَوْلِ، ولا خُشُونَةً في الكَلامِ، عَلِمُوا أنَّ هَذا لا يَتَأتّى إلّا بِتَأْيِيدٍ رَبّانِيٍّ وتَسْدِيدٍ إلَهِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ مِن كَمالِ ذَلِكَ التَّأْيِيدِ والتَّسْدِيدِ، فَقِيلَ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وهَذا هو الأصْوَبُ عِنْدِي. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ هي المُؤَثِّرَةُ في صَيْرُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صفحة ٥٢ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَحِيمًا بِالأُمَّةِ، فَإذا تَأمَّلْتَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَرَفْتَ دَلالَتَها عَلى أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ ألْقى في قَلْبِ عَبْدِهِ داعِيَةَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ واللُّطْفِ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإذا ألْقى في قَلْبِهِ هَذِهِ الدّاعِيَةَ فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ لا مَحالَةَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا رَحْمَةَ إلّا لِلَّهِ: إنَّ كُلَّ رَحِيمٍ سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِرَحْمَتِهِ عِوَضًا، إمّا هَرَبًا مِنَ العِقابِ، أوْ طَلَبًا لِلثَّوابِ، أوْ طَلَبًا لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ، فَإذا فَرَضْنا صُورَةً خالِيَةً عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ كانَ السَّبَبُ هو الرِّقَّةَ الجِنْسِيَّةَ، فَإنَّ مَن رَأى حَيَوانًا في الألَمِ رَقَّ قَلْبُهُ، وتَألَّمَ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِ إيّاهُ في الألَمِ، فَيُخَلِّصُهُ عَنْ ذَلِكَ الألَمِ دَفْعًا لِتِلْكَ الرِّقَّةِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْراضِ لَمْ يَرْحَمْ ألْبَتَّةَ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو الَّذِي يَرْحَمُ لا لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، فَلا رَحْمَةَ إلّا لِلَّهِ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَإنَّهُ إنَّما يَرْحَمُهُ بِأنْ يُعْطِيَهُ مالًا، أوْ يُبْعِدَ عَنْهُ سَبَبًا مِن أسْبابِ المَكْرُوهِ والبَلاءِ، إلّا أنَّ المَرْحُومَ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ المالِ إلّا مَعَ سَلامَةِ الأعْضاءِ، وهي لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا رَحْمَةَ في الحَقِيقَةِ إلّا لِلَّهِ، وأمّا في الظّاهِرِ فَكُلُّ مَن أعانَهُ اللَّهُ عَلى الرَّحْمَةِ سُمِّيَ رَحِيمًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الرّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» “ وقالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ كَمالَ رَحْمَةِ اللَّهِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ عَرَّفَهُ مَفاسِدَ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ وفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: الفَظُّ، الغَلِيظُ الجانِبِ السَّيِّءُ الخُلُقِ، يُقالُ: فَظِظْتَ تَفَظُّ فَظاظَةً فَأنْتَ فَظٌّ، وأصْلُهُ فَظِظَ، كَقَوْلِهِ: حَذِرَ مِن حَذِرْتُ، وفَرِقَ مِن فَرِقْتُ، إلّا أنَّ ما كانَ مِنَ المُضاعَفِ عَلى هَذا الوَزْنِ يُدْغَمُ نَحْوَ رَجُلٍ صَبٍّ، وأصْلُهُ صَبَبٌ، وأمّا ”الفَضُّ“ بِالضّادِ فَهو تَفْرِيقُ الشَّيْءِ، وانْفَضَّ القَوْمُ تَفَرَّقُوا، قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجُمُعَةِ: ١١] ومِنهُ: فَضَضَتُ الكِتابَ، ومِنهُ يُقالُ: لا يَفْضُضِ اللَّهُ فاكَ. فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَظِّ وبَيْنَ غَلِيظِ القَلْبِ ؟ قُلْنا: الفَظُّ الَّذِي يَكُونُ سَيِّءَ الخُلُقِ، وغَلِيظُ القَلْبِ هو الَّذِي لا يَتَأثَّرُ قَلْبُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَدْ لا يَكُونُ الإنْسانُ سَيِّءَ الخُلُقِ ولا يُؤْذِي أحَدًا ولَكِنَّهُ لا يَرِقُّ لَهم ولا يَرْحَمُهم، فَظَهَرَ الفَرْقُ مِن هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ أنْ يُبَلِّغَ الرَّسُولُ تَكالِيفَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَتِمُّ إلّا إذا مالَتْ قُلُوبُهم إلَيْهِ وسَكَنَتْ نُفُوسُهم لَدَيْهِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ رَحِيمًا كَرِيمًا، يَتَجاوَزُ عَنْ ذَنْبِهِمْ، ويَعْفُو عَنْ إساءَتِهِمْ، ويَخُصُّهم بِوُجُوهِ البِرِّ والمَكْرُمَةِ والشَّفَقَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبَرَّأً عَنْ سُوءِ الخُلُقِ، وكَما يَكُونُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ غَلِيظِ القَلْبِ، بَلْ يَكُونُ كَثِيرَ المَيْلِ إلى إعانَةِ الضُّعَفاءِ، كَثِيرَ القِيامِ بِإعانَةِ الفُقَراءِ، كَثِيرَ التَّجاوُزِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، كَثِيرَ الصَّفْحِ عَنْ زَلّاتِهِمْ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ ولَوِ انْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاتَ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. وحَمَلَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى واقِعَةِ أُحُدٍ قالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ عادُوا إلَيْكَ بَعْدَ الِانْهِزامِ ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ وشافَهْتَهم بِالمَلامَةِ عَلى ذَلِكَ الِانْهِزامِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ، هَيْبَةً مِنكَ وحَياءً بِسَبَبِ ما كانَ مِنهم مَنِ الِانْهِزامِ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يُطْمِعُ العَدُوَّ فِيكَ وفِيهِمْ. صفحة ٥٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللِّينُ والرِّفْقُ إنَّما يَجُوزُ إذا لَمْ يُفْضِ إلى إهْمالِ حَقٍّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَأمّا إذا أدّى إلى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٣] وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ في إقامَةِ حَدِّ الزِّنا: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٢] . وهاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى: وهي أنَّهُ تَعالى مَنعَهُ مِنَ الغِلْظَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمَرَهُ بِالغِلْظَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فَهاهُنا نَهاهُ عَنِ الغِلْظَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهُناكَ أمَرَهُ بِالغِلْظَةِ مَعَ الكافِرِينَ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ مَذْمُومانِ، والفَضِيلَةُ في الوَسَطِ، فَوُرُودُ الأمْرِ بِالتَّغْلِيظِ تارَةً، وأُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْهُ، إنَّما كانَ لِأجْلِ أنْ يَتَباعَدَ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فَيَبْقى عَلى الوَسَطِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فَلِهَذا السِّرِّ مَدَحَ اللَّهُ الوَسَطَ فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: بِالعَفْوِ عَنْهم وفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ كَمالَ حالِ العَبْدِ لَيْسَ إلّا في أنْ يَتَخَلَّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ» “ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَفا عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أمَرَ الرَّسُولَ أيْضًا أنْ يَعْفُوَ عَنْهم لِيَحْصُلَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضِيلَةُ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّكَ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْقِيبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم في الحالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ حَيْثُ عَفا هو عَنْهم، ثُمَّ أوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ أنْ يَعْفُوَ في الحالِ عَنْهم. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ إيجابٌ لِلْعَفْوِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا آلَ الأمْرُ إلى الأُمَّةِ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ نَدَبَهم إلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِانْهِزامَ في وقْتِ المُحارَبَةِ كَبِيرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنْفالِ: ١٦] فَثَبَتَ أنَّ انْهِزامَ أهْلِ أُحُدٍ كانَ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَصَّ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى أنَّهُ عَفا عَنْهم وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِالعَفْوِ عَنْهم، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى ما ذَكَرْنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أمْرٌ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ، وإذا أمَرَهُ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لا يَجُوزُ أنْ لا يُجِيبَهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكَرِيمِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُشَفِّعُ مُحَمَّدًا ﷺ في الدُّنْيا في حَقِّ أصْحابِ الكَبائِرِ، فَبِأنْ يُشَفِّعَهُ في حَقِّهِمْ في القِيامَةِ كانَ أوْلى. صفحة ٥٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَفا عَنْهم أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٥] ثُمَّ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم ولِأجْلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ اسْتَغْفِرْ لَهم فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْفُ عَنْهم فَإنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهم قَبْلَ عَفْوِكَ عَنْهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ رَحْمَةِ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: شاوَرَهم مُشاوَرَةً وشِوارًا ومَشُورَةً، والقَوْمُ شُورى، وهي مَصْدَرٌ سُمِّي القَوْمُ بِها كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسْراءِ: ٤٧] قِيلَ: المُشاوَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شُرْتُ العَسَلَ أشُورُهُ إذا أخَذْتَهُ مِن مَوْضِعِهِ واسْتَخْرَجْتَهُ وقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شُرْتُ الدّابَّةَ شَوْرًا إذا عَرَضْتَها، والمَكانُ الَّذِي يُعْرَضُ فِيهِ الدَّوابُّ يُسَمّى مِشْوارًا، كَأنَّهُ بِالعَرْضِ يُعْلَمُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، فَكَذَلِكَ بِالمُشاوَرَةِ يُعْلَمُ خَيْرُ الأُمُورِ وشَرُّهًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِمُشاوَرَتِهِمْ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ مُشاوَرَةَ الرَّسُولِ ﷺ إيّاهم تُوجِبُ عُلُوَّ شَأْنِهِمْ ورِفْعَةَ دَرَجَتِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي شِدَّةَ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ وخُلُوصَهم في طاعَتِهِ، ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ إهانَةً بِهِمْ فَيَحْصُلُ سُوءُ الخُلُقِ والفَظاظَةُ. الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ أكْمَلَ النّاسِ عَقَلًا إلّا أنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ إنْسانٍ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ، لا سِيَّما فِيما يَفْعَلُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أنْتُمْ أعْرَفُ بِأُمُورِ دُنْياكم وأنا أعْرَفُ بِأُمُورِ دِينِكم» “ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ» “ . الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في المُشاوَرَةِ ويَصِيرَ سُنَّةً في أُمَّتِهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاوَرَهم في واقِعَةِ أُحُدٍ فَأشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، وكانَ مَيْلُهُ إلى أنْ يَخْرُجَ، فَلَمّا خَرَجَ وقَعَ ما وقَعَ، فَلَوْ تَرَكَ مُشاوَرَتَهم بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ مِنهم بِسَبَبِ مُشاوَرَتِهِمْ بَقِيَّةُ أثَرٍ. فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ تِلْكَ الواقِعَةِ بِأنْ يُشاوِرَهم لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ أثَرٌ مِن تِلْكَ الواقِعَةِ. الخامِسُ: وشاوِرْهم في الأمْرِ، لا لِتَسْتَفِيدَ مِنهم رَأْيًا وعِلْمًا، لَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمَ مَقادِيرَ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ ومَقادِيرَ حُبِّهِمْ لَكَ وإخْلاصِهِمْ في طاعَتِكَ فَحِينَئِذٍ يَتَمَيَّزُ عِنْدَكَ الفاضِلُ مِنَ المَفْضُولِ فَبَيِّنْ لَهم عَلى قَدْرِ مَنازِلِهِمْ. السّادِسُ: وشاوِرْهم في الأمْرِ لا لِأنَّكَ مُحْتاجٌ إلَيْهِمْ، ولَكِنْ لِأجْلِ أنَّكَ إذا شاوَرْتَهم في الأمْرِ اجْتَهَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في اسْتِخْراجِ الوَجْهِ الأصْلَحِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَتَصِيرُ الأرْواحُ مُتَطابِقَةً مُتَوافِقَةً عَلى تَحْصِيلِ أصْلَحِ الوُجُوهِ فِيها، وتَطابُقُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مِمّا يُعِينُ عَلى حُصُولِهِ، وهَذا هو السِّرُّ عِنْدَ الِاجْتِماعِ في الصَّلَواتِ. وهو السِّرُّ في أنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ أفْضَلُ مِن صَلاةِ المُنْفَرِدِ. السّابِعُ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُشاوَرَتِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا وقِيمَةً، فَهَذا يُفِيدُ أنَّ لَهم قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وقَدْرًا عِنْدَ الرَّسُولِ وقَدْرًا عِنْدَ الخَلْقِ. الثّامِنُ: المَلِكُ العَظِيمُ لا يُشاوِرُ في المُهِمّاتِ العَظِيمَةِ إلّا خَواصَّهُ والمُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ، فَهَؤُلاءِ لَمّا أذْنَبُوا عَفا اللَّهُ عَنْهم، فَرُبَّما خَطَرَ بِبالِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وإنْ عَفا عَنّا بِفَضْلِهِ إلّا أنَّهُ ما بَقِيَتْ لَنا تِلْكَ الدَّرَجَةُ العَظِيمَةُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ تِلْكَ الدَّرَجَةَ ما انْتُقِصَتْ بَعْدَ التَّوْبَةِ، بَلْ أنا أزِيدُ فِيها، وذَلِكَ أنَّ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ ما أمَرْتُ رَسُولِي بِمُشاوَرَتِكم، وبَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ أمَرْتُهُ بِمُشاوَرَتِكم، لِتَعْلَمُوا أنَّكُمُ الآنَ أعْظَمُ حالًا مِمّا كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّكم قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ كُنْتُمْ تُعَوِّلُونَ عَلى أعْمالِكم وطاعَتِكم، والآنَ تُعَوِّلُونَ عَلى فَضْلِي وعَفْوِي، فَيَجِبُ أنْ تَصِيرَ دَرَجَتُكم ومَنزِلَتُكُمُ الآنَ أعْظُمَ مِمّا كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، لِتَعْلَمُوا أنَّ عَفْوِي أعْظَمُ مِن عَمَلِكم، وكَرَمِي أكْثَرُ مِن طاعَتِكم. والوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ مَذْكُورَةٌ، والبَقِيَّةُ مِمّا خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ هَذا المَوْضِعِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وأسْرارِ كِتابِهِ. صفحة ٥٥ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ كُلَّ ما نَزَلَ فِيهِ وحْيٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ لِلرَّسُولِ أنْ يُشاوِرَ فِيهِ الأُمَّةَ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ النَّصُّ بَطَلَ الرَّأْيُ والقِياسُ، فَأمّا ما لا نَصَّ فِيهِ فَهَلْ تَجُوزُ المُشاوَرَةُ فِيهِ في جَمِيعِ الأشْياءِ أمْ لا ؟ قالَ الكَلْبِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا الأمْرُ مَخْصُوصٌ بِالمُشاوَرَةِ في الحُرُوبِ وحُجَّتُهُ أنَّ الألِفَ واللّامَ في لَفْظِ ”الأمْرِ“ لَيْسا لِلِاسْتِغْراقِ، لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الوَحْيُ لا تَجُوزُ المُشاوَرَةُ فِيهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الألِفِ واللّامِ هاهُنا عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ، والمَعْهُودُ السّابِقُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو ما يَتَعَلَّقُ بِالحَرْبِ ولِقاءِ العَدُوِّ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: قَدْ أشارَ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالنُّزُولِ عَلى الماءِ فَقَبِلَ مِنهُ، فَأشارَ عَلَيْهِ السَّعْدانُ: سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، يَوْمَ الخَنْدَقِ بِتَرْكِ مُصالَحَةِ غَطَفانَ عَلى بَعْضِ ثِمارِ المَدِينَةِ لِيَنْصَرِفُوا، فَقَبِلَ مِنهُما وخَرَّقَ الصَّحِيفَةَ، ومِنهم مَن قالَ: اللَّفْظُ عامٌّ خُصَّ عَنْهُ ما نَزَلَ فِيهِ وحْيٌ فَتَبْقى حُجَّتُهُ في الباقِي، والتَّحْقِيقُ في القَوْلِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ أُولِي الأبْصارِ بِالِاعْتِبارِ فَقالَ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيِّدَ أُولِي الأبْصارِ، ومَدَحَ المُسْتَنْبِطِينَ فَقالَ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٨٣] وكانَ أكْثَرَ النّاسِ عَقْلًا وذَكاءً، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِالِاجْتِهادِ إذا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ، والِاجْتِهادُ يَتَقَوّى بِالمُناظَرَةِ والمُباحَثَةِ فَلِهَذا كانَ مَأْمُورًا بِالمُشاوَرَةِ. وقَدْ شاوَرَهم يَوْمَ بَدْرٍ في الأُسارى وكانَ مِن أُمُورِ الدِّينِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ أنَّ النَّصَّ كانَ لِعامَّةِ المَلائِكَةِ في سُجُودِ آدَمَ، ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ خَصَّ نَفْسَهُ بِالقِياسِ وهو قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] فَصارَ مَلْعُونًا، فَلَوْ كانَ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا لَما اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ بِهَذا السَّبَبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وشاوِرْهُمْ﴾ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، وحَمَلَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى النَّدْبِ فَقالَ هَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ في نَفْسِها» “ ولَوْ أكْرَهَها الأبُ عَلى النِّكاحِ جازَ، لَكِنَّ الأوْلى ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِنَفْسِها فَكَذا هاهُنا. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في الوَسِيطِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُشاوَرَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعِنْدِي فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ الَّذِينَ أمَرَهُ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَسْتَغْفِرَ لَهم وهُمُ المُنْهَزِمُونَ، فَهَبْ أنَّ عُمَرَ كانَ مِنَ المُنْهَزِمِينَ فَدَخَلَ تَحْتَ الآيَةِ، إلّا أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ مِنهم فَكَيْفَ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّهُ إذا حَصَلَ الرَّأْيُ المُتَأكَّدُ بِالمَشُورَةِ فَلا يَجِبُ أنْ يَقَعَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الِاعْتِمادُ عَلى إعانَةِ اللَّهِ وتَسْدِيدِهِ وعِصْمَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ اعْتِمادٌ عَلى شَيْءٍ إلّا عَلى اللَّهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّلُ أنْ يُهْمِلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، كَما يَقُولُهُ بَعْضُ الجُهّالِ، وإلّا لَكانَ الأمْرُ بِالمُشاوَرَةِ مُنافِيًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، بَلِ التَّوَكُّلُ هو أنْ يُراعِيَ الإنْسانُ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ، ولَكِنْ لا يُعَوِّلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْها، بَلْ يُعَوِّلُ عَلى عِصْمَةِ الحَقِّ. صفحة ٥٦ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حُكِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلرَّسُولِ إذا عَزَمْتُ أنا فَتَوَكَّلْ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وصْفُ اللَّهِ بِالعَزْمِ غَيْرُ جائِزٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا العَزْمُ بِمَعْنى الإيجابِ والإلْزامِ، والمَعْنى وشاوِرْهم في الأمْرِ، فَإذا عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ وأرْشَدْتُكَ إلَيْهِ. فَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، ولا تُشاوِرْ بَعْدَ ذَلِكَ أحَدًا. والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ لا يَجُوزُ إلْحاقُها بِالقُرْآنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ تَرْغِيبُ المُكَلَّفِينَ في الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ.

آل عمران 3:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ، فَلا يَغْلِبْكم أحَدٌ، وإنْ يَخْذُلْكم كَما خَذَلَكم يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَنْصُرْكم أحَدٌ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ التَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى مَعاصِيَ اللَّهِ تَعالى نَصَرَهُ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢٥] ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ، فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ فَقَدْ فازَ بِسَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّهُ يَفُوزُ بِسَعادَةٍ لا شَقاوَةَ مَعَها وبِعِزٍّ لا ذُلَّ مَعَهُ، ويَصِيرُ غالِبًا لا يَغْلِبُهُ أحَدٌ، وأمّا مَن أتى بِالمَعْصِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ يَخْذُلُهُ، ومَن خَذَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ وقَعَ في شَقاوَةٍ لا سَعادَةَ مَعَها، وذُلٍّ لا عِزَّ مَعَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ، والكَفْرُ لا يَحْصُلُ إلّا بِخِذْلانِهِ، والوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وإنْ يُخْذِلْكم) مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: يَعْنِي مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ قَوْلِكَ: لَيْسَ لَكَ مَن يُحْسِنُ إلَيْكَ مِن بَعْدِ فُلانٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِقَضائِهِ ولا دافِعَ لِحُكْمِهِ وجَبَ أنْ لا يَتَوَكَّلَ المُؤْمِنُ إلّا عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ لا عَلى غَيْرِهِ.

آل عمران 3:161

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في الحَثِّ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أحْكامِ الجِهادِ. ومِن جُمْلَتِها المَنعُ مِنَ الغُلُولِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذا المَعْنى وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الغُلُولُ هو الخِيانَةُ، وأصْلُهُ أخْذُ الشَّيْءِ في الخُفْيَةِ، يُقالُ أغَلَّ الجازِرُ والسّالِخُ إذا أبْقى في الجِلْدِ شَيْئًا مِنَ اللَّحْمِ عَلى طَرِيقِ الخِيانَةِ، والغِلُّ الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ. والغِلالَةُ الثَّوْبُ الَّذِي يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيابِ، والغَلَلُ الماءُ الَّذِي يَجْرِي في أُصُولِ الشَّجَرَةِ لِأنَّهُ مُسْتَتِرٌ بِالأشْجارِ وتَغَلَّلَ الشَّيْءُ إذا تَخَلَّلَ وخَفِيَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن بَعَثْناهُ عَلى عَمَلٍ فَغَلَّ شَيْئًا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ» “ وقالَ: ”«هَدايا الوُلاةِ غُلُولٌ» “ وقالَ: ”«لَيْسَ عَلى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمانٌ» “ وقالَ: ”«لا إغْلالَ ولا إسْلالَ» “ وأيْضًا يُقالُ: أغَلَّهُ إذا وجَدَهُ غالًّا، كَقَوْلِكَ: أبْخَلْتُهُ وأفْحَمْتُهُ. أيْ وجَدْتُهُ كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿يَغُلَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، أيْ ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَخُونَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿يَغُلَّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، أيْ ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يُخانَ. واخْتَلَفُوا في أسْبابِ النُّزُولِ، فَبَعْضُها يُوافِقُ القِراءَةَ الأُولى. وبَعْضُها يُوافِقُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَفِيهِ رِواياتٌ: الأُولى: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَنِمَ في بَعْضِ الغَزَواتِ وجَمَعَ الغَنائِمَ، وتَأخَّرَتِ القِسْمَةُ لِبَعْضِ المَوانِعِ، فَجاءَ قَوْمٌ وقالُوا: ألا تُقَسِّمُ غَنائِمَنا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَوْ كانَ لَكم مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ما حَبَسْتُ عَنْكم مِنهُ دِرْهَمًا أتَحْسَبُونَ أنِّي أغُلُّكم مَغْنَمَكم» ؟“ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ، كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِمْ، فَسَألُوهُ أنْ يَتْرَكَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. الثّالِثُ: رَوى عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ الجُهّالِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّ أشْرافَ النّاسِ طَمِعُوا أنْ يَخُصَّهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَنائِمِ بِشَيْءٍ زائِدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. الخامِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ طَلائِعَ فَغَنِمُوا غَنائِمَ فَقَسَّمَها ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. السّادِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ تَرَكَ الرُّماةُ المَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ وقالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ وأنْ لا يُقَسِّمُ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسِّمْها يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ فَلا نَقْسِمُ لَكم» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. واعْلَمْ أنَّ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى المُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَكْتُمَ الرَّسُولُ شَيْئًا مِنَ الغَنِيمَةِ عَنْ أصْحابِهِ لِنَفْسِهِ، وعَلى الرِّواياتِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ المَقْصُودُ نَهْيَهُ عَنِ الغُلُولِ، بِأنْ يُعْطى لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ. صفحة ٥٨ وأمّا ما يُوافِقُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ: فَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا وقَعَتْ غَنائِمُ هَوازِنَ في يَدِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، غَلَّ رَجُلٌ بِمِخْيَطٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . واعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَظَّمَ أمْرَ الغُلُولِ وجَعَلَهُ مِنَ الكَبائِرِ، عَنْ ثَوْبانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن فارَقَ رُوحُهُ جَسَدَهُ وهو بَرِيءٌ مِن ثَلاثٍ دَخَلَ الجَنَّةَ الكِبَرِ والغُلُولِ والدَّيْنِ“» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أنَّ رَجُلًا كانَ عَلى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ، يُقالُ لَهُ: كَرْكَرَةُ فَماتَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هو في النّارِ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَلَيْهِ كِساءً وعَباءَةً قَدْ غَلَّهُما»، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ فَإنَّهُ عارٌ ونارٌ وشَنارٌ يَوْمَ القِيامَةِ» “ ورَوى رُوَيْفِعُ بْنُ ثابِتٍ الأنْصارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا يَحِلُّ لِأحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَرْكَبَ دابَّةً مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتّى إذا أعْجَفَها رَدَّها، ولا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا حَتّى إذا أخْلَقَهُ رَدَّهُ» “ ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ جَعَلَ سَلْمانَ عَلى الغَنِيمَةِ فَجاءَهُ رَجُلٌ وقالَ يا سَلْمانُ كانَ في ثَوْبِي خَرْقٌ فَأخَذْتُ خَيْطًا مِن هَذا المَتاعِ فَخِطْتُهُ بِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ جَناحٌ ؟ فَقالَ سَلْمانُ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرِهِ فَسَلَّ الرَّجُلُ الخَيْطَ مِن ثَوْبِهِ ثُمَّ ألْقاهُ في المَتاعِ»، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا جاءَ النَّبِيَّ ﷺ بِشِراكٍ أوْ شِراكَيْنِ مِنَ المَغْنَمِ، فَقالَ أصَبْتُ هَذا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ”شِراكٌ أوْ شِراكانِ مِن نارٍ» “ «ورُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ في خَيْبَرَ، فَقالَ القَوْمُ لَمّا ماتَ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهادَةُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”كَلّا والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخَذَها مِنَ الغَنائِمِ قَبْلَ قِسْمَتِها لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نارًا» “ واعْلَمْ أنَّهُ يُسْتَثْنى عَنْ هَذا النَّهْيِ حالَتانِ: الحالَةُ الأُولى: أخْذُ الطَّعامِ وأخْذُ عَلْفِ الدّابَّةِ بِقَدْرِ الحاجَةِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: أصَبْنا طَعامًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي فَيَأْخُذُ مِنهُ قَدْرَ الكِفايَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وعَنْ سَلْمانَ أنَّهُ أصابَ يَوْمَ المَدائِنِ أرْغِفَةً وجُبْنًا وسِكِّينًا، فَجَعَلَ يَقْطَعُ مِنَ الجُبْنِ ويَقُولُ: كُلُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ. الحالَةُ الثّانِيَةُ: إذا احْتاجَ إلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَوَقَعَ عَلى قَفاهُ فَأخَذَ سَيْفَهُ وقَتَلَهُ بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا القِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، بِمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَخُونَ، فَلَهُ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ النُّبُوَّةَ والخِيانَةَ لا يَجْتَمِعانِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخِيانَةَ سَبَبٌ لِلْعارِ في الدُّنْيا والنّارِ في الآخِرَةِ، فالنَّفْسُ الرّاغِبَةُ فِيها تَكُونُ في نِهايَةِ الدَّناءَةِ، والنُّبُوَّةُ أعْلى المَناصِبِ الإنْسانِيَّةِ فَلا تَلِيقُ إلّا بِالنَّفْسِ الَّتِي تَكُونُ في غايَةِ الجَلالَةِ والشَّرَفِ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ في النَّفْسِ الواحِدَةِ مُمْتَنِعٌ، فَثَبَتَ أنَّ النُّبُوَّةَ والخِيانَةَ لا تَجْتَمِعانِ، فَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٥] يَعْنِي: الإلَهِيَّةُ واتِّخاذُ الوَلَدِ لا يَجْتَمِعانِ، وقِيلَ: اللّامُ مَنقُولَةٌ، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ النَّبِيُّ لِيَغُلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٥] أيْ ما كانَ اللَّهُ لِيَتَّخِذَ ولَدًا. الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ قَدِ التَمَسُوا مِنهُ أنْ يَخُصَّهم بِحِصَّةٍ زائِدَةٍ مِنَ الغَنائِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ غُلُولًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ أيْ ما كانَ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، وإذا لَمْ يَحِلَّ لَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النُّورِ: ١٦] أيْ ما يَحِلُّ لَنا. وإذا عَرَفْتَ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَنَقُولُ: حُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ في سَبَبِ صفحة ٥٩ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم نَسَبُوا الرَّسُولَ ﷺ إلى الغُلُولِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخَصْلَةَ لا تَلِيقُ بِهِ. وثانِيها: أنَّ ما هو مِن هَذا القَبِيلِ في التَّنْزِيلِ أُسْنِدَ الفِعْلُ فِيهِ إلى الفاعِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ و﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ [يُوسُفَ: ٧٦] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [يُوسُفَ: ٣٨] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٩] وقَلَّ أنْ يُقالَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيُضْرَبَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ إلْحاقُ هَذِهِ الآيَةِ بِالأعَمِّ الأغْلَبِ، ويُؤَكِّدُهُ ما حَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ يُونُسَ أنَّهُ كانَ يَخْتارُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: لَيْسَ في الكَلامِ ما كانَ لَكَ أنْ تُضْرَبَ، بِضَمِّ التّاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ: فَقِيلَ لَهُ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ ﴿يَغُلَّ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ النَّبِيُّ يَقْصِدُونَ قَتْلَهُ، فَكَيْفَ لا يَنْسُبُونَهُ إلى الخِيانَةِ ؟ وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي ﴿يَغُلَّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يُخانَ. واعْلَمْ أنَّ الخِيانَةَ مَعَ كُلِّ أحَدٍ مُحَرَّمَةٌ، وتَخْصِيصُ النَّبِيِّ بِهَذِهِ الحُرْمَةِ فِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ كُلَّما كانَ أشْرَفَ وأعْظَمَ دَرَجَةً كانَتِ الخِيانَةُ في حَقِّهِ أفْحَشَ، والرَّسُولُ أفْضَلُ البَشَرِ فَكانَتِ الخِيانَةُ في حَقِّهِ أفْحَشَ. وثانِيها: أنَّ الوَحْيَ كانَ يَأْتِيهِ حالًا فَحالًا، فَمَن خانَهُ فَرُبَّما نَزَلَ الوَحْيُ فِيهِ فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ عَذابِ الآخِرَةِ فَضِيحَةُ الدُّنْيا. وثالِثُها: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في غايَةِ الفَقْرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَكانَتْ تِلْكَ الخِيانَةُ هُناكَ أفْحَشَ. الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ مِنَ الإغْلالِ: أنْ يُخَوَّنَ، أيْ يُنْسَبَ إلى الخِيانَةِ، قالَ المُبَرِّدُ تَقُولُ العَرَبُ: أكْفَرْتُ الرَّجُلَ جَعَلْتُهُ كافِرًا ونَسَبْتُهُ إلى الكُفْرِ، قالَ العُتْبِيُّ: لَوْ كانَ هَذا هو المُرادَ لَقِيلَ: يُغَلَّلُ، كَما قِيلَ: يُفَسَّقُ ويُفَجَّرُ ويُكَفَّرُ، والأوْلى: أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن أغْلَلْتُهُ، أيْ وجَدْتُهُ غالًّا، كَما يُقالُ أبْخَلْتُهُ وأفْحَمْتُهُ، أيْ وجَدْتُهُ كَذَلِكَ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَذِهِ القِراءَةُ بِهَذا التَّأْوِيلِ يَقْرُبُ مَعْناها مِن مَعْنى القِراءَةِ الأُولى؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى لِهَذِهِ القِراءَةِ هو أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ النَّبِيُّ غالًّا؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ غالًّا إلّا إذا كانَ غالًّا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الغُلُولَ هو الخِيانَةُ، إلّا أنَّهُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ صارَ مَخْصُوصًا بِالخِيانَةِ في الغَنِيمَةِ، وقَدْ جاءَ هَذا أيْضًا في غَيْرِ الغَنِيمَةِ، قالَ ﷺ: ”«ألا أُنَبِّئَكم بِأكْبَرِ الغُلُولِ الرَّجُلانِ يَكُونُ بَيْنَهُما الدّارُ والأرْضُ فَإنِ اقْتَطَعَ أحَدُهُما مِن صاحِبِهِ مَوْضِعَ حَصاةٍ طُوِّقَها مِنَ الأرَضِينَ السَّبْعِ» “ وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ المَعْنى كَوْنُهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ مُبَرَّأً عَنْ جَمِيعِ الخِياناتِ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ والكَفّارُ كانُوا يَبْذُلُونَ لَهُ الأمْوالَ العَظِيمَةَ لِتَرْكِ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن كانَ كَذَلِكَ وكانَ أمِينًا لِلَّهِ في الوَحْيِ النّازِلِ إلَيْهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ أنْ يَخُونَ النّاسَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، قالُوا: وهي نَظِيرُ قَوْلِهِ في مانِعِ الزَّكاةِ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٥] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”«لا أُلْفَيَنَّ أحَدُكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ أوْ بَقَرَةٌ لَها خُوارٌ أوْ شاةٌ لَها ثُغاءٌ فَيُنادِي يامُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ فَأقُولُ لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ» “ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُمَثَّلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: انْزِلْ إلَيْهِ فَخُذْهُ فَيَنْزِلُ إلَيْهِ، فَإذا انْتَهى إلَيْهِ حَمَلَهُ عَلى ظَهْرِهِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا صفحة ٦٠ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى رَقَبَتِهِ ذَلِكَ الغُلُولُ ازْدادَتْ فَضِيحَتُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ: لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ ظاهِرَهُ، بَلِ المَقْصُودُ تَشْدِيدُ الوَعِيدِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ١٦] فَإنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ نَفْسَ هَذا الظّاهِرِ: بَلِ المَقْصُودُ إثْباتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ وعَنْ حِفْظِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، فَكَذا هاهُنا المَقْصُودُ تَشْدِيدُ الوَعِيدِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ عَلَيْهِ هَذا الغُلُولَ ويُعَزِّرُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُجازِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. الثّانِي: قالَ أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ: المُرادُ أنَّهُ يَشْتَهِرُ بِذَلِكَ مِثْلَ اشْتِهارِ مَن يَحْمِلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يُحْتَمَلُ إلّا أنَّ الأصْلَ المُعْتَبَرَ في عِلْمِ القُرْآنِ أنَّهُ يَجِبُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ، إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ يَمْنَعُ مِنهُ، وهاهُنا لا مانِعَ مِن هَذا الظّاهِرِ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلّا قِيلَ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ لِيَتَّصِلَ بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا العُمُومِ أنَّ صاحِبَ الغُلُولِ إذا عَلِمَ أنَّ هاهُنا مُجازِيًا يُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى عَمَلِهِ سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ مِن بَيْنِهِمْ مَعَ عِظَمِ ما اكْتَسَبَ. السُّؤالُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذا في إثْباتِ كَوْنِ العَبْدِ فاعِلًا، وفي إثْباتِ وعِيدِ الفُسّاقِ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الجَزاءَ عَلى كَسْبِهِ، فَلَوْ كانَ كَسْبُهُ خَلْقًا لِلَّهِ لَكانَ اللَّهُ تَعالى يُجازِيهِ عَلى ما خَلَقَهُ فِيهِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ في القاتِلِ المُتَعَمِّدِ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النِّساءِ: ٩٣] وأثْبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ عامِلٍ يَصِلُ إلَيْهِ جَزاؤُهُ فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ القَطْعُ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ. والجَوابُ: أمّا سُؤالُ الفِعْلِ فَجَوابُهُ المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ، وأمّا سُؤالُ الوَعِيدِ فَهَذا العُمُومُ مَخْصُوصٌ في صُورَةِ التَّوْبَةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا في صُورَةِ العَفْوِ لِلدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ قالَ القاضِيَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مُمْكِنٌ في أفْعالِ اللَّهِ وذَلِكَ بِأنْ يَنْقُصَ مِنَ الثَّوابِ أوْ يَزِيدَ في العِقابِ، قالَ: ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِنا دُونَ قَوْلِ مَن يَقُولُ مِنَ المُجْبِرَةِ: إنَّ أيَّ شَيْءٍ فَعَلَهُ تَعالى فَهو عَدْلٌ وحِكْمَةٌ لِأنَّهُ المالِكُ. الجَوابُ: نَفْيُ الظُّلْمِ عَنْهُ لا يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ عَلَيْهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] لا يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِما عَلَيْهِ.

آل عمران 3:162

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أتْبَعَهُ بِتَفْصِيلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وبَيَّنَ أنَّ جَزاءَ صفحة ٦١ المُطِيعِينَ ما هو، وجَزاءَ المُسِيئِينَ ما هو، فَقالَ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في فِعْلِ الغُلُولِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ. الثّانِي: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِالكُفْرِ بِهِ والِاشْتِغالِ بِمَعْصِيَتِهِ. الثّالِثُ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ. الرّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا حَمَلَ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ دَعا النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ إلى أنْ يَحْمِلُوا عَلى المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَهُ بَعْضُهم وتَرَكَهُ آخَرُونَ. فَقالَ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا أمْرَهُ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وقالَ القاضِي: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ صَحِيحٌ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وكُلُّ مَن أخْلَدَ إلى مُتابَعَةِ النَّفْسِ والشَّهْوَةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أقْصى ما في البابِ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في واقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ لا يَبْطُلُ لِأجْلِ خُصُوصِ السَّبَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمِنَ اتَّقى فاتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿باءَ بِسَخَطٍ﴾ أيِ احْتَمَلَهُ ورَجَعَ بِهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: (رُضْوانَ اللَّهِ) بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ وهُما مَصْدَرانِ، فالضَّمُّ كالكُفْرانِ، والكَسْرُ كالحِسْبانِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ مِن صِلَةِ ما قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وكانَ مَأْواهُ جَهَنَّمَ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَمُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جَهَنَّمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ صِفَتِها. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] واحْتَجَّ القَوْمُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُدْخِلَ المُطِيعِينَ في النّارِ، وأنْ يُدْخِلَ المُذْنِبِينَ الجَنَّةَ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، ولَوْلا أنَّهُ مُمْتَنِعٌ في العُقُولِ، وإلّا لَما حَسُنَ هَذا الِاسْتِبْعادُ، وأكَّدَ القَفّالُ ذَلِكَ فَقالَ: لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يُسَوّى المُسِيءُ بِالمُحْسِنِ، فَإنَّ فِيهِ إغْراءً بِالمَعاصِي وإباحَةً لَها وإهْمالًا لِلطّاعاتِ.

آل عمران 3:163

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الكَلامِ: لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ حَسُنَ هَذا الحَذْفُ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ صفحة ٦٢ أعْمالِهِمْ قَدْ صَيَّرَتْهم بِمَنزِلَةِ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ في ذَواتِها. فَكانَ هَذا المَجازُ أبْلَغَ مِنَ الحَقِيقَةِ، والحُكَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ والحَقِيقَةِ، فَبَعْضُها ذَكِيَّةٌ وبَعْضُها بَلِيدَةٌ، وبَعْضُها مُشْرِقَةٌ نُورانِيَّةٌ، وبَعْضُها كَدِرَةٌ ظُلْمانِيَّةٌ، وبَعْضُها خَيِّرَةٌ، وبَعْضُها نَذِلَةٌ، واخْتِلافُ هَذِهِ الصِّفاتِ لَيْسَ لِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ البَدَنِيَّةِ، بَلْ لِاخْتِلافِ ماهِيّاتِ النُّفُوسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ» “ وقالَ: ”«الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» “ وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ النّاسَ في أنْفُسِهِمْ دَرَجاتٌ، لا أنَّ لَهم دَرَجاتٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هم: عائِدٌ إلى لَفْظِ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ ولَفْظُ ”مَن“ يُفِيدُ الجَمْعَ في المَعْنى، فَلِهَذا صَحَّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هُمْ﴾ عائِدًا إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْتَوُونَ﴾ صِيغَةُ الجَمْعِ وهو عائِدٌ إلى ”مَن“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هم: ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، وذِكْرُ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الضَّمِيرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأوَّلِ، أوْ إلى الثّانِي، أوْ إلَيْهِما مَعًا، والِاحْتِمالاتُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةَ. الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ وتَقْدِيرُهُ: أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ سَواءٌ، لا بَلْ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ وأنَّهُ أوْلى، وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الغالِبَ في العُرْفِ اسْتِعْمالُ الدَّرَجاتِ في أهْلِ الثَّوابِ، والدَّرَكاتِ في أهْلِ العِقابِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ مَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، وهو أنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ وصْفًا لِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ في الأكْثَرِ جارِيَةٌ بِأنَّ ما كانَ مِنَ الثَّوابِ والرَّحْمَةِ فَإنَّ اللَّهَ يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ، وما كانَ مِنَ العِقابِ لا يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ، قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] وقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] فَلَمّا أضافَ هَذِهِ الدَّرَجاتِ إلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ صِفَةُ أهْلِ الثَّوابِ. ورابِعُها: أنَّهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٢١] . والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ عائِدًا عَلى ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ والحُجَّةُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأقْرَبِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قالَ: والمُرادُ أنَّ أهْلَ النّارِ مُتَفاوِتُونَ في مَراتِبِ العَذابِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنْعامِ: ١٣٢] وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّ فِيها ضَحْضاحًا وغَمْرًا، وأنا أرْجُو أنْ يَكُونَ أبُو طالِبٍ في ضَحْضاحِها» “ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«إنَّ أهْوَنَ أهْلِ النّارِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلٌ يُحْذى لَهُ نَعْلانِ مِن نارٍ يَغْلِي مِن حَرِّهِما دِماغُهُ يُنادِي يا رَبِّ، وهَلْ أحَدٌ يُعَذَّبُ عَذابِي» ؟!“ . الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿هُمْ﴾ عائِدًا إلى الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ دَرَجاتِ أهْلِ الثَّوابِ مُتَفاوِتَةٌ، ودَرَجاتِ أهْلِ العُقابِ أيْضًا مُتَفاوِتَةٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ أعْمالِ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ ٨] فَلَمّا تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الخَلْقِ في أعْمالِ المَعاصِي والطّاعاتِ وجَبَ أنْ تَتَفاوَتَ مَراتِبُهم في دَرَجاتِ العِقابِ والثَّوابِ. صفحة ٦٣ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، فَهو كَما يُقالُ: هَذِهِ المَسْألَةُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ كَذا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ كَذا، وبِهَذا يَظْهَرُ فَسادُ اسْتِدْلالِ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٥٥] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُوَفِّي لِكُلِّ أحَدٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ جَزاءَهُ، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِ العِبادِ عَلى التَّفْصِيلِ الخالِي عَنِ الظَّنِّ والرَّيْبِ والحُسْبانِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ كَوْنِهِ عالِمًا بِالكُلِّ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ المَعْنى، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ صاحِبُ المَغازِي في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أيْ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ رَغْبَةً في النّاسِ أوْ رَهْبَةً عَنْهم، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي رَجَّحَ رِضْوانَ اللَّهِ عَلى رِضْوانِ الخَلْقِ، وسَخَطَ اللَّهِ عَلى سَخَطِ الخَلْقِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَرَجَّحَ سَخَطَ الخَلْقِ عَلى سَخَطِ اللَّهِ، ورِضْوانَ الخَلْقِ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ مُعْتَبَرًا إذا كانَ عَلى وفْقِ الدِّينِ، فَأمّا إذا كانَ عَلى خِلافِ الدِّينِ فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وبَيْنَ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ الخَلْقِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحْتَمَلٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الغُلُولَ عِبارَةٌ عَنِ الخِيانَةِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وأمّا أنَّ اخْتِصاصَ هَذا اللَّفْظِ بِالخِيانَةِ في الغَنِيمَةِ فَهو عُرْفٌ حادِثٌ.

آل عمران 3:164

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَطَأ مَن نَسَبَهُ إلى الغُلُولِ والخِيانَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الرَّسُولَ وُلِدَ في بَلَدِهِمْ ونَشَأ فِيما بَيْنَهم، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُ طُولَ عُمُرِهِ إلّا الصِّدْقُ والأمانَةُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ الخِيانَةُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ خَطَأهم في نِسْبَتِهِ إلى الخِيانَةِ والغُلُولِ قالَ: لا أقْنَعُ بِذَلِكَ، ولا أكْتَفِي في حَقِّهِ بِأنْ أُبَيِّنَ بَراءَتَهُ عَنِ الخِيانَةِ والغُلُولِ، ولَكِنِّي أقُولُ: إنَّ وُجُودَهُ فِيكم مِن أعْظَمِ نِعْمَتِي عَلَيْكم فَإنَّهُ يُزَكِّيكم عَنِ الطَّرِيقِ الباطِلَةِ، ويُعَلِّمُكُمُ العُلُومَ النّافِعَةَ لَكم في دُنْياكم وفي دِينِكم، فَأيُّ عاقِلٍ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنْ يَنْسُبَ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ إلى الخِيانَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ مِنكم ومِن أهْلِ بَلَدِكم ومِن أقارِبِكم، وأنْتُمْ أرْبابُ الخُمُولِ والدَّناءَةِ، فَإذا شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى وخَصَّهُ بِمَزايا الفَضْلِ والإحْسانِ مِن جَمِيعِ العالَمِينَ، حَصَلَ لَكم شَرَفٌ عَظِيمٌ صفحة ٦٤ بِسَبَبِ كَوْنِهِ فِيكم، فَطَعْنُكم فِيهِ واجْتِهادُكم في نِسْبَةِ القَبائِحِ إلَيْهِ عَلى خِلافِ العَقْلِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَ في الشَّرَفِ والمَنقَبَةِ بِحَيْثُ يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ وجَبَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُعِينَهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تُحارِبُوا أعْداءَهُ وأنْ تَكُونُوا مَعَهُ بِاليَدِ واللِّسانِ والسَّيْفِ والسِّنانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ العَوْدُ إلى تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ في مُجاهَدَةِ الكُفّارِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلْمَنِّ في كَلامِ العَرَبِ مَعانٍ: أحَدُها: الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٥٧] . وثانِيها: أنْ تَمُنَّ بِما أعْطَيْتَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٤] . وثالِثُها: القَطْعُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ . ورابِعُها: الإنْعامُ والإحْسانُ إلى مَن لا تَطْلُبُ الجَزاءَ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ والمَنّانُ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى: المُعْطِي ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ مِنهُ عِوَضًا وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأحْسَنَ إلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ هَذا الرَّسُولَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ إحْسانٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ وجْهَ الإحْسانِ في بِعْثَتِهِ كَوْنُهُ داعِيًا لَهم إلى ما يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ اللَّهِ ويُوَصِّلُهم إلى ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا عامٌّ في حَقِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] إلّا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذا الإنْعامِ إلّا أهْلُ الإسْلامِ، فَلِهَذا التَّأْوِيلِ خَصَّ تَعالى هَذِهِ المِنَّةَ بِالمُؤْمِنِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] مَعَ أنَّهُ هُدًى لِلْكُلِّ، كَما قالَ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ بَعْثَةَ الرَّسُولِ إحْسانٌ مِنَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِالرَّسُولِ أكْثَرَ كانَ وجْهُ الإنْعامِ في بَعْثَةِ الرُّسُلِ أكْثَرَ، وبَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى الأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: المَنافِعُ الحاصِلَةُ مِن أصْلِ البَعْثَةِ. والثّانِي: المَنافِعُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الخِصالِ الَّتِي ما كانَتْ مَوْجُودَةً في غَيْرِهِ. أمّا المَنفَعَةُ بِسَبَبِ أصْلِ البَعْثَةِ فَهي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيُّ: وجْهُ الِانْتِفاعِ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ لَيْسَ إلّا في طَرِيقِ الدِّينِ وهو مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى النُّقْصانِ وقِلَّةِ الفَهْمِ وعَدَمِ الدِّرايَةِ، فَهو صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ وُجُوهَ الدَّلائِلِ ونَقَّحَها، وكُلَّما خَطَرَ بِبالِهِمْ شَكٌّ أوْ شُبْهَةٌ أزالَها وأجابَ عَنْها. والثّانِي: أنَّ الخَلْقَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن خِدْمَةِ مَوْلاهم، ولَكِنَّهم ما كانُوا عارِفِينَ بِكَيْفِيَّةِ تِلْكَ الخِدْمَةِ، فَهو شَرَحَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ لَهم حَتّى يُقْدِمُوا عَلى الخِدْمَةِ آمَنِينَ مِنَ الغَلَطِ ومِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَنْبَغِي. والثّالِثُ: أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى الكَسَلِ والغَفْلَةِ والتَّوانِي والمَلالَةِ فَهو يُورِدُ عَلَيْهِمْ أنْواعَ التَّرْغِيباتِ والتَّرْهِيباتِ حَتّى إنَّهُ كُلَّما عَرَضَ لَهم كَسَلٌ أوْ فُتُورٌ نَشَّطَهم لِلطّاعَةِ ورَغَّبَهم فِيها. الرّابِعُ: أنَّ أنْوارَ عُقُولِ الخَلْقِ تَجْرِي مَجْرى أنْوارِ البَصَرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِانْتِفاعَ بِنُورِ البَصَرِ لا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ سُطُوعِ نُورِ الشَّمْسِ، ونُورُهُ عَقْلِيٌّ إلَهِيٌّ صفحة ٦٥ يَجْرِي مَجْرى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيُقَوِّي العُقُولَ بِنُورِ عَقْلِهِ، ويَظْهَرُ لَهم مِن لَوائِحِ الغَيْبِ ما كانَ مُسْتَتِرًا عَنْهم قَبْلَ ظُهُورِهِ، فَهَذا إشارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ إلى فَوائِدِ أصْلِ البَعْثَةِ. وأمّا المَنافِعُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ ما كانَ في مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الصِّفاتِ، فَأُمُورٌ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهَذا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ في بَلَدِهِمْ، ونَشَأ فِيما بَيْنَهم، وهم كانُوا عارِفِينَ بِأحْوالِهِ مُطَّلِعِينَ عَلى جَمِيعِ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، فَما شاهَدُوا مِنهُ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ إلّا الصِّدْقَ والعَفافَ، وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، والمُلازَمَةِ عَلى الصِّدْقِ، ومَن عَرَفَ مِن أحْوالِهِ مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ مُلازَمَتَهُ الصِّدْقَ والأمانَةَ، وبُعْدَهُ عَنِ الخِيانَةِ والكَذِبِ، ثُمَّ ادَّعى النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ الَّتِي يَكُونُ الكَذِبُ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى أقْبَحَ أنْواعِ الكَذِبِ، يَغْلِبُ عَلى ظَنِّ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ صادِقٌ في هَذِهِ الدَّعْوى. الثّانِي: أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ ولَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يُمارِسْ دَرْسًا ولا تَكْرارًا، وأنَّهُ إلى تَمامِ الأرْبَعِينَ لَمْ يَنْطِقِ البَتَّةَ بِحَدِيثِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ ادَّعى الرِّسالَةَ وظَهَرَ عَلى لِسانِهِ مِنَ العُلُومِ ما لَمْ يَظْهَرْ عَلى أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ يَذْكُرُ قِصَصَ المُتَقَدِّمِينَ وأحْوالَ الأنْبِياءِ الماضِينَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في كُتُبِهِمْ، فَكُلُّ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ عَلِمَ أنَّ هَذا لا يَتَأتّى إلّا بِالوَحْيِ السَّماوِيِّ والإلْهامِ الإلَهِيِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ بَعْدَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ عَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والأزْواجَ لِيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ قَنِعَ بِالفَقْرِ وصَبَرَ عَلى المَشَقَّةِ، ولَمّا عَلا أمْرُهُ وعَظُمَ شَأْنُهُ وأخَذَ البِلادَ وعَظُمَتِ الغَنائِمُ لَمْ يُغَيِّرْ طَرِيقَهُ في البُعْدِ عَنِ الدُّنْيا والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والكاذِبُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى الكَذِبِ لِيَجِدَ الدُّنْيا، فَإذا وجَدَها تَمَتَّعَ بِها وتَوَسَّعَ فِيها، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ كانَ صادِقًا. الرّابِعُ: أنَّ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَقْرِيرُ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ وإثْباتُ المَعادِ وشَرْحُ العِباداتِ وتَقْرِيرُ الطّاعاتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ولَمّا كانَ كِتابُهُ لَيْسَ إلّا في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ صادِقٌ فِيما يَقُولُهُ. الخامِسُ: أنَّ قَبْلَ مَجِيئِهِ كانَ دِينُ العَرَبِ أرْذَلَ الأدْيانِ وهو عِبادَةُ الأوْثانِ، وأخْلاقُهم أرْذَلَ الأخْلاقِ وهو الغارَةُ والنَّهْبُ والقَتْلُ وأكْلُ الأطْعِمَةِ الرَّدِيئَةِ. ثُمَّ لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَقَلَهُمُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ مَقْدَمِهِ مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي أخَسُّ الدَّرَجاتِ إلى أنْ صارُوا أفْضَلَ الأُمَمِ في العِلْمِ والزُّهْدِ والعِبادَةِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا وطَيِّباتِها. ولا شَكَّ أنَّ فِيهِ أعْظَمَ المِنَّةِ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ فَنَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وُلِدَ فِيهِمْ ونَشَأ فِيما بَيْنَهم، وكانُوا مُشاهِدِينَ لِهَذِهِ الأحْوالِ، مُطَّلِعِينَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ، فَكانَ إيمانُهم مَعَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الأحْوالِ أسْهَلَ مِمّا إذا لَمْ يَكُونُوا مُطَّلِعِينَ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ. فَلِهَذِهِ المَعانِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ مَبْعُوثًا مِنهم فَقالَ: ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ مِنَ المِنَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ صارَ شَرَفًا لِلْعَرَبِ وفَخْرًا لَهم، كَما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وذَلِكَ لِأنَّ الِافْتِخارَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى والعَرَبِ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِمُوسى وعِيسى والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَما كانَ لِلْعَرَبِ ما يُقابِلُ ذَلِكَ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ القُرْآنَ صارَ شَرَفُ العَرَبِ بِذَلِكَ زائِدًا عَلى شَرَفِ جَمِيعِ الأُمَمِ، فَهَذا هو وجْهُ الفائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ . صفحة ٦٦ ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أمْرَيْنِ: في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ قُوَّتانِ، نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِتَكْمِيلِ الخَلْقِ في هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُبَلِّغًا لِذَلِكَ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِحُصُولِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ ”والكِتابَ“ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى ”الكِتابَ“ إشارَةٌ إلى ظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ ”والحِكْمَةَ“ إشارَةٌ إلى مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ وأسْرارِها وعِلَلِها ومَنافِعِها، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما تَتَكَمَّلُ بِهِ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وهو أنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، لِأنَّ النِّعْمَةَ إذا ورَدَتْ بَعْدَ المِحْنَةِ كانَ تَوَقُّعُها أعْظَمَ، فَإذا كانَ وجْهُ النِّعْمَةِ العِلْمَ والإعْلامَ، ووَرَدا عَقِيبَ الجَهْلِ والذَّهابِ عَنِ الدِّينِ، كانَ أعْظَمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] .

آل عمران 3:165

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم طَعَنُوا في الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ نَسَبُوهُ إلى الغُلُولِ والخِيانَةِ، حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى في هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهم: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما انْهَزَمَ عَسْكَرُهُ مِنَ الكُفّارِ في يَوْمِ أُحُدٍ: وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: أنّى هَذا، وأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ هَذا الِانْهِزامُ إنَّما حَصَلَ بِشُؤْمِ عِصْيانِكم، فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ الآيَةِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ المُرادُ مِنها واقِعَةُ أُحُدٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ مَعْناهُ قَدْ أصَبْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ. والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَزَمُوهم أيْضًا في الأوَّلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمّا عَصَوْا هَزَمَهُمُ المُشْرِكُونَ، فانْهِزامُ المُشْرِكِينَ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ، وانْهِزامُ المُسْلِمِينَ حَصَلَ مَرَّةً واحِدَةً، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وطَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا الوَجْهِ فَقالَ: كَما أنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ نالُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ولَكِنَّهم ما هَزَمُوا المُسْلِمِينَ البَتَّةَ، أمّا يَوْمَ أُحُدٍ فالمُسْلِمُونَ هَزَمُوا المُشْرِكِينَ أوَّلًا ثُمَّ انْقَلَبَ الأمْرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أُمُورَ الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، فَلَمّا هَزَمْتُمُوهم مَرَّتَيْنِ فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَهْزِمُوكم مَرَّةً واحِدَةً. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: سَبَبُ تَعَجُّبِهِمْ أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نَنْصُرُ الإسْلامَ الَّذِي هو دِينُ الحَقِّ، ومَعَنا الرَّسُولُ، وهم يَنْصُرُونَ دِينَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والكُفْرَ، فَكَيْفَ صارُوا مَنصُورِينَ عَلَيْنا ! صفحة ٦٧ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ما أدْرَجَهُ عِنْدَ حِكايَةِ السُّؤالِ وهو قَوْلُهُ ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يَعْنِي أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، فَإذا أصَبْتُمْ مِنهم مِثْلَيْ هَذِهِ الواقِعَةِ، فَكَيْفَ تَسْتَبْعِدُونَ هَذِهِ الواقِعَةَ ؟ . والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّكم إنَّما وقَعْتُمْ في هَذِهِ المُصِيبَةِ بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكم وذَلِكَ لِأنَّهم عَصَوُا الرَّسُولَ في أُمُورٍ: أوَّلُها: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: المَصْلَحَةُ في أنْ لا نَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ بَلْ نَبْقى هَهُنا، وهم أبَوْا إلّا الخُرُوجَ، فَلَمّا خالَفُوهُ تَوَجَّهَ إلى أُحُدٍ. وثانِيها: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن فَشَلِهِمْ. وثالِثُها: ما وقَعَ بَيْنَهم مِنَ المُنازَعَةِ. ورابِعُها: أنَّهم فارَقُوا المَكانَ وفَرَّقُوا الجَمْعَ. وخامِسُها: اشْتِغالُهم بِطَلَبِ الغَنِيمَةِ، وإعْراضُهم عَنْ طاعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها ذُنُوبٌ ومَعاصٍ، واللَّهُ تَعالى إنَّما وعَدَهُمُ النَّصْرَ بِشَرْطِ تَرْكِ المَعْصِيَةِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥] فَلَمّا فاتَ الشَّرْطُ لا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ مِنَ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أنْ يُقَدِّمُوا الأُسارى فَيَضْرِبُوا أعْناقَهم، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ تُقْتَلَ مِنهم عِدَّتُهم، فَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَشائِرُنا وإخْوانُنا نَأْخُذُ الفِداءَ مِنهم، فَنَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ العَدُوِّ، ونَرْضى أنْ يُسْتَشْهَدَ مِنّا بِعَدَدِهِمْ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عَدَدُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ»، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ بِأخْذِ الفِداءِ واخْتِيارِكُمُ القَتْلَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حاصِلًا بِخَلْقِ اللَّهِ ولا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِيهِ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ كَذِبًا. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا أنَّ اللَّهَ كَيْفَ يُسَلِّطُ الكافِرَ عَلى المُؤْمِنِ، فاللَّهُ تَعالى أزالَ التَّعَجُّبَ بِأنْ ذَكَرَ أنَّكم إنَّما وقَعْتُمْ في هَذا المَكْرُوهِ بِسَبَبِ شُؤْمِ فِعْلِكم، فَلَوْ كانَ فِعْلُهم خَلْقًا لِلَّهِ لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. وثالِثُها: أنَّ القَوْمَ قالُوا: (أنّى هَذا)، أيْ مِن أيْنَ هَذا ؟ فَهَذا طَلَبٌ لِسَبَبِ الحُدُوثِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُحْدِثُ لَها هو العَبْدَ لَمْ يَكُنِ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ. والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ أفْعالِ العَبْدِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ أنَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِكم لَوْ ثَبَتُّمْ وصَبَرْتُمْ، كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّخْلِيَةِ إذا خالَفْتُمْ وعَصَيْتُمْ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: إنَّ فِعْلَ العَبْدِ شَيْءٌ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ، وإذا كانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى إيجادِهِ، فَلَوْ أوْجَدَهُ العَبْدُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيجادِهِ لِأنَّهُ لَمّا أوْجَدَهُ العَبْدُ امْتَنَعَ مِنَ اللَّهِ إيجادُهُ؛ لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، فَلَمّا كانَ كَوْنُ العَبْدِ مُوجِدًا لَهُ يُفْضِي إلى هَذا المُحالِ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ مُوجِدًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:166

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى أنَّها أصابَتْهم بِذَنْبِهِمْ ومِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها أصابَتْهم لِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ عَنِ المُنافِقِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ المُرادُ يَوْمَ أُحُدٍ، والجَمْعانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ المُسْلِمِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّانِي: جَمْعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ أبِي سُفْيانَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (فَبِإذْنِ اللَّهِ) وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ إذْنَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ وتَرْكِ المُدافَعَةِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم، لِأنَّ الإذْنَ في الشَّيْءِ لا يَدْفَعُ المَأْذُونَ عَنْ مُرادِهِ، فَلَمّا كانَ تَرْكُ المُدافَعَةِ مِن لَوازِمِ الإذْنِ أُطْلِقَ عَلى تَرْكِ المُدافِعَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. الوَجْهُ الثّانِي: فَبِإذْنِ اللَّهِ: أيْ بِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] أيْ إعْلامٌ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى العِلْمِ. طَعَنَ الواحِدِيُّ فِيهِ فَقالَ: الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا أصابَهم، ولا تَقَعُ التَّسْلِيَةُ إلّا إذا كانَ واقِعًا بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] . الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ الأمْرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالمُحارَبَةِ، ثُمَّ صارَتْ تِلْكَ المُحارَبَةُ مُؤَدِّيَةً إلى ذَلِكَ الِانْهِزامِ، صَحَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أنْ يُقالَ حَصَلَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ وحُكْمُهُ بِهِ، وهَذا أوْلى لِأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا أصابَهم، والتَّسْلِيَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا قِيلَ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرْضَوْنَ بِما قَضى اللَّهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ والمَعْنى لِيُمَيِّزَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نافَقَ الرَّجُلُ فَهو مُنافِقٌ إذا أظْهَرَ كَلِمَةَ الإيمانِ وأضْمَرَ خِلافَها، والنِّفاقُ اسْمٌ إسْلامِيٌّ اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وذَلِكَ لِأنَّ جُحْرَ اليَرْبُوعِ لَهُ بابانِ: القاصِعاءُ والنّافِقاءُ، فَإذا طُلِبَ مِن أيِّهِما كانَ خَرَجَ مِنَ الآخَرِ، فَقِيلَ لِلْمُنافِقِ إنَّهُ صفحة ٦٩ مُنافِقٌ، لِأنَّهُ وضَعَ لِنَفْسِهِ طَرِيقَيْنِ، إظْهارَ الإسْلامِ وإضْمارَ الكُفْرِ، فَمِن أيِّهِما طَلَبْتَهُ خَرَجَ مِنَ الآخَرِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُنافِقُ مِنَ النَّفَقِ وهو السِّرْبُ، ومَعْناهُ أنَّهُ يَتَسَتَّرُ بِالإسْلامِ كَما يَتَسَتَّرُ الرَّجُلُ في السِّرْبِ. الثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النّافِقاءِ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهو أنَّ النّافِقاءَ جُحْرٌ يَحْفِرُهُ اليَرْبُوعُ في داخِلِ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ يُرَقِّقُ مِمّا فَوْقَ الجُحْرِ، حَتّى إذا رابَهُ رَيْبٌ دَفَعَ التُّرابَ بِرَأْسِهِ وخَرَجَ، فَقِيلَ لِلْمُنافِقِ مُنافِقٌ لِأنَّهُ يُضْمِرُ الكُفْرَ في باطِنِهِ، فَإذا فَتَّشَتْهُ رَمى عَنْهُ ذَلِكَ الكُفْرَ وتَمَسَّكَ بِالإسْلامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لِأجْلِ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا العِلْمُ أذِنَ في تِلْكَ المُصِيبَةِ، وهَذا يُشْعِرُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِ اللَّهِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فالمُرادُ هَهُنا مِنَ العِلْمِ المَعْلُومُ، والتَّقْدِيرُ: لِيَتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، ولِيَتَمَيَّزَ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ حَصَلَ الإذْنُ في تِلْكَ المُصِيبَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِيَعْلَمَ إيمانَ المُؤْمِنِينَ ونِفاقَ المُنافِقِينَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِيَعْلَمَ المُنافِقِينَ ؟ قُلْنا: الِاسْمُ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ ذَلِكَ المَعْنى، والفِعْلُ يَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلى إيمانِهِمْ مُتَثَبِّتِينَ فِيهِ، وأمّا (نافَقُوا) فَيَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ إنَّما شَرَعُوا في الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِالنِّفاقِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

آل عمران 3:167

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في أنَّ هَذا القائِلَ مَن هو ؟ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُوهم إلى القِتالِ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولٍ لَمّا خَرَجَ بِعَسْكَرِهِ إلى أُحُدٍ قالُوا: لِمَ نُلْقِي أنْفُسَنا في القَتْلِ، فَرَجَعُوا وكانُوا ثَلاثُمِائَةً مِن جُمْلَةِ الألْفِ الَّذِينَ خَرَجَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ أبُو جابِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَ حُضُورِ العَدُوِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ هَذا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ يَعْنِي إنْ كانَ في قَلْبِكم حُبُّ الدِّينِ والإسْلامِ فَقاتِلُوا لِلدِّينِ والإسْلامِ، وإنْ لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ، فَقاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكم وأهْلِيكم وأمْوالِكم، يَعْنِي كُونُوا إمّا مِن رِجالِ الدِّينِ، أوْ مِن رِجالِ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ادْفَعُوا عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ سَوادِنا إنْ لَمْ تُقاتِلُوا مَعَنا، قالُوا: لِأنَّ الكَثْرَةَ أحَدُ أسْبابِ الهَيْبَةِ والعَظَمَةِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدَّمُوا طَلَبَ الدِّينِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا في كُلِّ المُهِمّاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾ وهَذا هو الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُنافِقُونَ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لا يَقْتَتِلانِ البَتَّةَ، فَلِهَذا رَجَعْنا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ نَعْلَمُ ما يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكم، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لا يُقالُ لَهُ صفحة ٧٠ قِتالٌ، وإنَّما هو إلْقاءُ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ؛ لِأنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ، وما كانَ يَسْتَصْوِبُ الخُرُوجَ. واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ هو الوَجْهَ الأوَّلَ فَهو فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الظَّنَّ في أحْوالِ الدُّنْيا قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ، وأماراتُ حُصُولِ القِتالِ كانَتْ ظاهِرَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَوْ قِيلَ لِهَذا المُنافِقِ الَّذِي ذَكَرَ هَذا الجَوابَ: فَيَنْبَغِي لَكَ لَوْ شاهَدْتَ مَن شَهَرَ سَيْفَهُ في الحَرْبِ أنْ لا تَقْدَمَ عَلى مُقاتَلَتِهِ لِأنَّكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ قِتالًا، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ التَّصَرُّفاتِ في أُمُورِ الدُّنْيا، بَلِ الحَقُّ أنَّ الجِهادَ واجِبٌ عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ المُحارَبَةِ، ولا أماراتِ أقْوى مِن قُرْبِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ عِنْدَ جَبَلِ أُحُدٍ، فَدَلَّ ذِكْرُ هَذا الجَوابِ عَلى غايَةِ الخِزْيِ والنِّفاقِ، وأنَّهُ كانَ غَرَضُهم مِن ذِكْرِ هَذا الجَوابِ إمّا التَّلْبِيسَ، وإمّا الِاسْتِهْزاءَ. وأمّا إنْ كانَ مُرادُ المُنافِقِ هو الوَجْهَ الثّانِيَ فَهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهم بِالنُّصْرَةِ والإعانَةِ لَمْ يَكُنِ الخُرُوجُ إلى ذَلِكَ القِتالِ إلْقاءًا لِلنَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَهم عِنْدَما ذَكَرُوا هَذا الجَوابَ فَقالَ: ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ يُظْهِرُونَ الإيمانَ مِن أنْفُسِهِمْ، وما ظَهَرَتْ مِنهم أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، فَلَمّا رَجَعُوا عَنْ عَسْكَرِ المُؤْمِنِينَ تَباعَدُوا بِذَلِكَ عَنْ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ. واعْلَمْ أنَّ رُجُوعَهم عَنْ مُعاوَنَةِ المُسْلِمِينَ دَلَّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وأيْضًا قَوْلُهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ إمّا عَلى السُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ، وإمّا عَلى عَدَمِ الوُثُوقِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما كُفْرٌ. الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُسْلِمِينَ بِالِانْعِزالِ يَجُرُّ إلى تَقْوِيَةِ المُشْرِكِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: أنَّ هَذا تَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهم كُفّارٌ، قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: (أقْرَبُ) فَهو اليَقِينُ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] فَهَذِهِ الزِّيادَةُ لا شَكَّ فِيها، وأيْضًا المُكَلَّفُ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْفَكَّ عَنِ الإيمانِ والكُفْرِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى القُرْبِ لَزِمَ حُصُولُ الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ ولَمْ يُطْلَقِ القَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقِ القَوْلَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ، لِإظْهارِهِمُ القَوْلَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ والمُرادُ أنَّ لِسانَهم مُخالِفٌ لِقَلْبِهِمْ، فَهم وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِاللِّسانِ لَكِنَّهم يُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ . صفحة ٧١ فَإنْ قِيلَ: إنَّ المَعْلُومَ إذا عَلِمَهُ عالِمانِ لا يَكُونُ أحَدُهُما أعْلَمَ بِهِ مِنَ الآخَرِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ؟ . قُلْنا: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ مِن تَفاصِيلِ تِلْكَ الأحْوالِ ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.

آل عمران 3:168

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم كَما قَعَدُوا واحْتَجُّوا لِقُعُودِهِمْ، فَكَذَلِكَ ثَبَّطُوا غَيْرَهم واحْتَجُّوا لِذَلِكَ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِإخْوانِهِمْ إنَّ الخارِجِينَ لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا، فَخَوَّفُوا مَن مُرادُهُ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ ﷺ في مُحارَبَةِ الكُفّارِ بِالقَتْلِ لَمّا عَرَفُوا ما جَرى يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ القَتْلِ؛ لِأنَّ المَعْلُومَ مِنَ الطِّباعِ مَحَبَّةُ الحَياةِ، فَكانَ وُقُوعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القُلُوبِ يَجْرِي مَجْرى ما يُورِدُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الوَسْواسِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ ”الَّذِينَ“ وُجُوهٌ: أحَدُها: النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنَ ”الَّذِينَ نافَقُوا“ . وثانِيها: الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَكْتُمُونَ“ . وثالِثُها: الرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: هُمُ الَّذِينَ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ ”بِالَّذِينَ قالُوا“ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقالَ الأصَمُّ: هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، وهَذا القَوْلُ فَهو واقِعٌ فِيمَن قَدْ تَخَلَّفَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ في القُعُودِ ”ما قُتِلُوا“، فَهو كَلامٌ مُتَأخِّرٌ عَنِ الجِهادِ قالَهُ لِمَن خَرَجَ إلى الجِهادِ ولِمَن هو قَوِيُّ النِّيَّةِ في ذَلِكَ لِيَجْعَلَهُ شُبْهَةً فِيما بَعْدَهُ صارِفًا لَهم عَنِ الجِهادِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا لِإخْوانِهِمْ: أيْ قالُوا لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ المُرادِ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ، الأُخُوَّةِ في النَّسَبِ، أوِ الأُخُوَّةِ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الدّارِ، أوْ في عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ في عِبادَةِ الأوْثانِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الواوُ في قَوْلِهِ: (وقَعَدُوا) لِلْحالِ، ومَعْنى هَذا القُعُودِ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ، يَعْنِي مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ لَوْ قَعَدُوا كَما قَعَدْنا وفَعَلُوا كَما فَعَلْنا لَسَلِمُوا ولَمْ يُقْتَلُوا. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الفَرْقَ ظاهِرٌ، فَإنَّ التَّحَرُّزَ عَنِ القَتْلِ مُمْكِنٌ، أمّا التَّحَرُّزُ عَنِ المَوْتِ فَهو غَيْرُ مُمْكِنٍ البَتَّةَ ؟ والجَوابُ: هَذا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لا يَتَمَشّى إلّا إذا اعْتَرَفْنا بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا صفحة ٧٢ قُلْنا لا يَدْخُلُ الشَّيْءُ في الوُجُودِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، اعْتَرَفْنا بِأنَّ الكافِرَ لا يَقْتُلُ المُسْلِمَ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ المَوْتِ فَرْقٌ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ. أمّا إذا قُلْنا بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، كانَ الفَرْقُ بَيْنَ المَوْتِ والقَتْلِ ظاهِرًا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، فَتُفْضِي إلى فَسادِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ المُفْضِيَ إلى ذَلِكَ يَكُونُ باطِلًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: (إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يَعْنِي: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في كَوْنِكم مُشْتَغِلِينَ بِالحَذَرِ عَنِ المَكارِهِ، والوُصُولِ إلى المَطالِبِ.

آل عمران 3:169

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ثَبَّطُوا الرّاغِبِينَ في الجِهادِ بِأنْ قالُوا: الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ، كَما قالُوا في حَقِّ مَن خَرَجَ إلى الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، والقَتْلُ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، فَوَجَبَ الحَذَرُ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُمُ الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ باطِلٌ، بِأنَّ القَتْلَ إنَّما يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كَما أنَّ المَوْتَ يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَمَن قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ القَتْلَ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، ومَن لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ القَتْلَ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. ثُمَّ أجابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في هَذِهِ الآيَةِ بِجَوابٍ آخَرَ وهو أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، وكَيْفَ يُقالُ ذَلِكَ والمَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ القَتْلِ وخَصَّهُ بِدَرَجاتِ القُرْبَةِ والكَرامَةِ، وأعْطاهُ أفْضَلَ أنْواعِ الرِّزْقِ وأوْصَلَهُ إلى أجَلِّ مَراتِبِ الفَرَحِ والسُّرُورِ ؟ فَأيُّ عاقِلٍ يَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذا القَتْلِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شُهَداءِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، لِأنَّ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الشُّهَداءِ إلّا مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمُنافِقُونَ إنَّما يُنَفِّرُونَ المُجاهِدِينَ عَنِ الجِهادِ لِئَلّا يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ مِثْلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ فَضائِلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى التَّشَبُّهِ بِمَن جاهَدَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ وقُتِلَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ فَرُبَّما وصَلَ إلى نَعِيمِ الدُّنْيا ورُبَّما لَمْ يَصِلْ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَهو حَقِيرٌ وقَلِيلٌ، ومَن أقْبَلَ عَلى الجِهادِ فازَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ قَطْعًا وهو نَعِيمٌ عَظِيمٌ، ومَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا فَهو دائِمٌ مُقِيمٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الإقْبالَ عَلى الجِهادِ أفْضَلُ مِن تَرْكِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ أحْياءً، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ هو الحَقِيقَةَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، أوِ صفحة ٧٣ المُرادُ أنَّهم أحْياءٌ في الحالِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إثْباتَ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ أوْ إثْباتَ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَهَذا ضَبْطُ الوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذِهِ الآيَةِ. الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن مُتَكَلِّمِي المُعْتَزِلَةِ، مِنهم أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ما حَكى، كانُوا يَقُولُونَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ فَيُقْتَلُونَ ويَخْسَرُونَ الحَياةَ، ولا يَصِلُونَ إلى خَيْرٍ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَحْدِهِمُ البَعْثَ والمِيعادَ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُرْزَقُونَ ويُوصَلُ إلَيْهِمُ الفَرَحُ والسُّرُورُ والبِشارَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَنا باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أحْياءً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَحَمْلُهُ عَلى أنَّهم سَيَصِيرُونَ أحْياءً بَعْدَ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ أرْجَحُ مِن جانِبِ العَذابِ والعُقُوبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أهْلِ العَذابِ أنَّهُ أحْياهم قَبْلَ القِيامَةِ لِأجْلِ التَّعْذِيبِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والتَّعْذِيبُ مَشْرُوطٌ بِالحَياةِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وإذا جَعَلَ اللَّهُ أهْلَ العَذابِ أحْياءً قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِأجْلِ التَّعْذِيبِ، فَلِأنْ يَجْعَلَ أهْلَ الثَّوابِ أحْياءً قَبْلَ القِيامَةِ لِأجْلِ الإحْسانِ والإثابَةِ كانَ ذَلِكَ أوْلى. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنَّهُ سَيَجْعَلُهم أحْياءً عِنْدَ البَعْثِ في الجَنَّةِ لَما قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى ثَوابِ القَبْرِ حَسُنَ قَوْلُهُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَعَلَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يُشَرِّفُ المُطِيعِينَ والمُخْلِصِينَ بِهَذا التَّشْرِيفِ، وهو أنَّهُ يُحْيِيهِمْ قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِأجْلِ إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ عالِمًا بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ أحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ عِنْدَ البَعْثِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَجازَ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ أحْياءً ويَصِلُونَ إلى الثَّوابِ والسُّرُورِ. قُلْنا: قَوْلُهُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) إنَّما يَتَناوَلُ المَوْتَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ فالَّذِي يُزِيلُ هَذا الحُسْبانَ هو كَوْنُهم أحْياءً في الحالِ؛ لِأنَّهُ لا حُسْبانَ هُناكَ في صَيْرُورَتِهِمْ أحْياءً يَوْمَ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ﴾ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ الحُسْبانِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ والقَوْمُ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا في الدُّنْيا، فاسْتِبْشارُهم بِمَن يَكُونُ في الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ، والِاسْتِبْشارُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعَ الحَياةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِمْ أحْياءً قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ بَحْثٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في صِفَةِ الشُّهَداءِ: إنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وإنَّها تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَسْرَحُ حَيْثُ شاءَتْ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ صفحة ٧٤ مِن ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمّا رَأوْا طِيبَ مَسْكَنِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ قَوْمَنا يَعْلَمُونَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِنا كَيْ يَرْغَبُوا في الجِهادِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا مُخْبِرٌ عَنْكم ومُبَلِّغٌ إخْوانَكم، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ واسْتَبْشَرُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَألْنا عَنْها فَقِيلَ لَنا: إنَّ الشُّهَداءَ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ، وفي رِوايَةٍ في رَوْضَةٍ خَضْراءَ، «وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا أُبَشِّرُكَ أنَّ أباكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ أحْياهُ اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ما تُرِيدُ يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أنْ أفْعَلَ بِكَ ؟ فَقالَ: يا رَبِّ أُحِبُّ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرى»، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَأنَّها بَلَغَتْ حَدَّ التَّواتُرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إنْكارُها ! طَعَنَ الكَعْبِيُّ في هَذِهِ الرِّواياتِ وقالَ: إنَّها غَيْرُ جائِزَةٍ لِأنَّ الأرْواحَ لا تَتَنَعَّمُ، وإنَّما يَتَنَعَّمُ الجِسْمُ إذا كانَ فِيهِ رَوْحٌ لا الرُّوحُ، ومَنزِلَةُ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ مَنزِلَةُ القُوَّةِ، وأيْضًا: الخَبَرُ المَرْوِيُّ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ في حَواصِلِ الطَّيْرِ، وأيْضًا ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّها تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَسْرَحُ، وهَذا يُناقِضُ كَوْنَها في حَواصِلِ الطَّيْرِ. والجَوابُ: أمّا الطَّعْنُ الأوَّلُ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ قائِمٌ بِالجِسْمِ، وسَنُبَيِّنُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا الطَّعْنُ الثّانِي فَهو مَدْفُوعٌ لِأنَّ القَصْدَ مِن أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الكِناياتُ عَنْ حُصُولِ الرّاحاتِ والمَسَرّاتِ وزَوالِ المَخافاتِ والآفاتِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا الِاحْتِمالِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ في الحالِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن أثْبَتَ هَذِهِ الحَياةَ لِلرُّوحِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها لِلْبَدَنِ، وقَبْلَ الخَوْضِ في هَذا البابِ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُقَدِّمَةٍ، وهي أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ البِنْيَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّ أجْزاءَ هَذِهِ البِنْيَةِ في الذَّوَبانِ والِانْحِلالِ والتَّبَدُّلِ، والإنْسانُ المَخْصُوصُ شَيْءٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ، والباقِي مُغايِرٌ لِلْمُتَبَدِّلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ: أنَّهُ تارَةً يَصِيرُ سَمِينًا وأُخْرى هَزِيلًا، وأنَّهُ يَكُونُ في أوَّلِ الأمْرِ صَغِيرَ الجُثَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكْبُرُ ويَنْمُو، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ فَصَحَّ ما قُلْناهُ. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عالِمًا بِنَفْسِهِ حالَ ما يَكُونُ غافِلًا عَنْ جَمِيعِ أعْضائِهِ وأجْزائِهِ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ المَحْسُوسِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا مَخْصُوصًا سارِيًا في هَذِهِ الجُثَّةِ سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، والدُّهْنِ في السِّمْسِمِ، وماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا حالٍّ في الجِسْمِ، وعَلى كِلا المَذْهَبَيْنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّهُ لَمّا ماتَ البَدَنُ انْفَصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَيًّا، وإنْ قُلْنا إنَّهُ أماتَهُ اللَّهُ إلّا أنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَزُولُ الشُّبُهاتُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ ثَوابِ القَبْرِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وعَنْ عَذابِ القَبْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] فَثَبَتَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّهُ لا امْتِناعَ في ذَلِكَ، فَظاهِرُ الآيَةِ دالٌّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ القُرْآنُ والحَدِيثُ والعَقْلُ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: إحْداها: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ المَوْتُ. ثُمَّ قالَ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] وفاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ عَقِيبَ المَوْتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. وثانِيها: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وهَذا عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِ البَدَنِ. صفحة ٧٥ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] فَقَوْلُهُ: (رُدُّوا) ضَمِيرٌ عَنْهُ. وإنَّما هو بِحَياتِهِ وذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ باقٍ بَعْدَ مَوْتِ البَدَنِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] وفاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الرَّوْحَ والرَّيْحانَ والجَنَّةَ حاصِلٌ عَقِيبَ المَوْتِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ والفاءُ فاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِيامَةَ كُلِّ أحَدٍ حاصِلَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأمّا القِيامَةُ الكُبْرى فَهي حاصِلَةٌ في الوَقْتِ المَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» “ وأيْضًا رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ يُنادِي المَقْتُولِينَ ويَقُولُ: ”هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟“ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم أمْواتٌ، فَكَيْفَ تُنادِيهِمْ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهم أسْمَعُ مِنكم“» أوْ لَفْظًا هَذا مَعْناهُ، وأيْضًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أوْلِياءُ اللَّهِ لا يَمُوتُونَ ولَكِنْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» “ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ باقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الجَسَدِ. وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ وقْتَ النَّوْمِ يُضْعِفُ البَدَنَ، وضَعْفُهُ لا يَقْتَضِي ضَعْفَ النَّفْسِ، بَلِ النَّفْسُ تَقْوى وقْتَ النَّوْمِ فَتُشاهِدُ الأحْوالَ وتَطَّلِعُ عَلى المُغَيَّباتِ، فَإذا كانَ ضَعْفُ البَدَنِ لا يُوجِبُ ضَعْفَ النَّفْسِ، فَهَذا يُقَوِّي الظَّنَّ في أنَّ مَوْتَ البَدَنِ لا يَسْتَعْقِبُ مَوْتَ النَّفْسِ. الثّانِي: وهو أنَّ كَثْرَةَ الأفْكارِ سَبَبٌ لِجَفافِ الدِّماغِ، وجَفافُهُ يُؤَدِّي إلى المَوْتِ، وهَذِهِ الأفْكارُ سَبَبٌ لِاسْتِكْمالِ النَّفْسِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وهو غايَةُ كَمالِ النَّفْسِ، فَما هو سَبَبٌ في كَمالِ النَّفْسِ فَهو سَبَبٌ لِنُقْصانِ البَدَنِ، وهَذا يُقَوِّي الظَّنَّ في أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ. الثّالِثُ: أنَّ أحْوالَ النَّفْسِ عَلى ضِدِّ أحْوالِ البَدَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ إنَّما تَفْرَحُ وتَبْتَهِجُ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» “ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ والشَّرابَ لَيْسَ إلّا عِبارَةً عَنِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والِاسْتِنارَةِ بِأنْوارِ عالَمِ الغَيْبِ. وأيْضًا فَإنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِبْشارُ بِخِدْمَةِ سُلْطانٍ، أوْ بِالفَوْزِ بِمَنصِبٍ، أوْ بِالوُصُولِ إلى مَعْشُوقِهِ، قَدْ يَنْسى الطَّعامَ والشَّرابَ، بَلْ يَصِيرُ بِحَيْثُ لَوْ دُعِيَ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ لَوَجَدَ مِن قَلْبِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً مِنهُ، والعارِفُونَ المُتَوَغِّلُونَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَدْ يَجِدُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم إذا لاحَ لَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأنْوارِ، وانْكَشَفَ لَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأسْرارِ، لَمْ يَحُسُّوا البَتَّةَ بِالجُوعِ والعَطَشِ. وبِالجُمْلَةِ فالسَّعادَةُ النَّفْسانِيَّةُ كالمُضادَّةِ لِلسَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ النَّفْسَ مُسْتَقِلَّةٌ بِذاتِها ولا تَعَلُّقَ لَها بِالبَدَنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَمُوتَ النَّفْسُ بِمَوْتِ البَدَنِ، ولْتَكُنْ هَذِهِ الإقْناعِيّاتُ كافِيَةً في هَذا المُقامِ. واعْلَمْ أنَّهُ مَتى تَقَرَّرَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ زالَتِ الإشْكالاتُ والشُّبُهاتُ عَنْ كُلِّ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ثَوابِ القَبْرِ وعَذابِهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ أحْياءٌ وهي تَرْكَعُ وتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«إذا نامَ العَبْدُ في سُجُودِهِ باهى اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ ويَقُولُ انْظُرُوا إلى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وجَسَدُهُ في خِدْمَتِي» “ . واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولَفْظُ ”عِنْدَ“ فَكَما أنَّهُ مَذْكُورٌ هَهُنا فَكَذا في صِفَةِ المَلائِكَةِ مَذْكُورٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] فَإذا فَهِمْتَ السَّعادَةَ صفحة ٧٦ الحاصِلَةَ لِلْمَلائِكَةِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَهِمْتَ السَّعادَةَ الحاصِلَةَ لِلشُّهَداءِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذِهِ كَلِماتٌ تَفْتَحُ عَلى العَقْلِ أبْوابَ مَعارِفِ الآخِرَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ هَذِهِ الحَياةَ لِلْأجْسادِ: والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى يُصْعِدُ أجْسادَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ إلى السَّماواتِ وإلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ، ويُوصِلُ أنْواعَ السَّعادَةِ والكَراماتِ إلَيْها، ومِنهم مَن قالَ: يَتْرُكُها في الأرْضِ ويُحْيِيها ويُوصِلُ هَذِهِ السَّعاداتِ إلَيْها، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ فِيهِ وقالَ: إنّا نَرى أجْسادَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ قَدْ تَأْكُلُها السِّباعُ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِيها حالَ كَوْنِها في بُطُونِ هَذِهِ السِّباعِ ويُوَصِّلُ الثَّوابَ إلَيْها، أوْ يُقالُ إنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ بَعْدَ انْفِصالِها مِن بُطُونِ السِّباعِ يُرَكِّبُها اللَّهُ تَعالى، ويُؤَلِّفُها ويَرُدُّ الحَياةَ إلَيْها ويُوصِّلُ الثَّوابَ إلَيْها، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ، ولِأنّا قَدْ نَرى المَيِّتَ المَقْتُولَ باقِيًا أيّامًا إلى أنْ تَنْفَسِخَ أعْضاؤُهُ ويَنْفَصِلَ القَيْحُ والصَّدِيدُ، فَإنْ جَوَّزْنا كَوْنَها حَيَّةً مُتَنَعِّمَةً عاقِلَةً عارِفَةً لَزِمَ القَوْلُ بِالسَّفْسَطَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها أحْياءً حُصُولَ الحَياةِ فِيهِمْ، بَلِ المُرادُ بَعْضُ المَجازاتِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ البَلْخِيُّ: إنَّ المَيِّتَ إذا كانَ عَظِيمَ المَنزِلَةِ في الدِّينِ، وكانَتْ عاقِبَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ البَهْجَةَ والسَّعادَةَ والكَرامَةَ، صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَيٌّ ولَيْسَ بِمَيِّتٍ، كَما يُقالُ في الجاهِلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسَهُ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ: إنَّهُ مَيِّتٌ ولَيْسَ بِحَيٍّ، وكَما يُقالُ لِلْبَلِيدِ: إنَّهُ حِمارٌ، ولِلْمُؤْذِي إنَّهُ سَبُعٌ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ لَمّا رَأى الزُّهْرِيَّ وعَلِمَ فِقْهَهُ وتَحْقِيقَهُ قالَ لَهُ: ما ماتَ مَن خَلَّفَ مِثْلَكَ، وبِالجُمْلَةِ فَلا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ وخَلَّفَ ثَناءً جَمِيلًا وذِكْرًا حَسَنًا، فَإنَّهُ يُقالُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ إنَّهُ ما ماتَ بَلْ هو حَيٌّ. الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: مَجازُ هَذِهِ الحَياةِ أنَّ أجْسادَهم باقِيَةٌ في قُبُورِهِمْ، وأنَّها لا تَبْلى تَحْتَ الأرْضِ البَتَّةَ. واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أرادَ مُعاوِيَةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ عَلى قُبُورِ الشُّهَداءِ، أمَرَ بِأنْ يُنادى: مَن كانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيُخْرِجْهُ مِن هَذا المَوْضِعِ، قالَ جابِرٌ: فَخَرَجْنا إلَيْهِمْ فَأخْرَجْناهم رِطابَ الأبْدانِ، فَأصابَتِ المِسْحاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنهم فَقَطَرَتْ دَمًا. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِمْ أحْياءً أنَّهم لا يُغَسَّلُونَ كَما تُغَسَّلُ الأمْواتُ. فَهَذا مَجْمُوعُ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ المَخْلُوقاتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”ولا تَحْسَبَنَّ“ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، وقُرِئَ بِالياءِ، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ”ولا يَحْسَبَنَّ رَسُولُ اللَّهِ“ . والثّانِي: ”ولا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ“ . والثّالِثُ: ”ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنْفُسَهم أمْواتًا“ . قالَ: وقُرِئَ ”تَحْسَبَنَّ“ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قُتِّلُوا“ بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: التَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”أحْياءًا“ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءًا. وأقُولُ: إنَّ الزَّجّاجَ قالَ: ولَوْ قُرِئَ ”أحْياءً“ بِالنَّصْبِ لَجازَ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءًا، وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فِيهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ أمْرٌ بِالشَّكِّ، والأمْرُ بِالشَّكِّ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ، ولا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُسْبانِ بِالعِلْمِ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن عُلَماءِ أهْلِ اللُّغَةِ، ولِلزَّجّاجِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: الحُسْبانُ ظَنٌّ لا شَكٌّ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالظَّنِّ، ألَيْسَ أنَّ تَكْلِيفَهُ في جَمِيعِ المُجْتَهَداتِ لَيْسَ إلّا بِالظَّنِّ. صفحة ٧٧ وأقُولُ: هَذِهِ المُناظَرَةُ مِنَ الزَّجّاجِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قُرِئَ ”أحْياءًا“ بِالنَّصْبِ بَلِ الزَّجّاجُ كانَ يَدَّعِي أنَّ لَها وجْهًا في اللُّغَةِ، والفارِسِيُّ نازَعَهُ فِيهِ، ولَيْسَ كُلُّ ما لَهُ وجْهٌ في الإعْرابِ جازَتِ القِراءَةُ بِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا اللَّهُ تَعالى. والثّانِي: هم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أيْ هم أحْياءٌ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، كَما يُقالُ: هَذا عِنْدَ الشّافِعِيِّ كَذا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ بِخِلافِهِ. والثّالِثُ: أنَّ ”عِنْدَ“ مَعْناهُ القُرْبُ والإكْرامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا: الثَّوابُ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: (يُرْزَقُونَ) إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ، وقَوْلُهُ: (فَرِحِينَ) إشارَةٌ إلى الفَرَحِ الحاصِلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْظِيمِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم قالُوا: إذا أشْرَقَتْ جَواهِرُ الأرْواحِ القُدُسِيَّةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ كانَتْ مُبْتَهِجَةً مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ذَواتُها مُنِيرَةً مُشْرِقَةً مُتَلَأْلِئَةً بِتِلْكَ الجَلايا القُدُسِيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ. والثّانِي: بِكَوْنِها ناظِرَةً إلى يَنْبُوعِ النُّورِ ومَصْدَرِ الرَّحْمَةِ والجَلالَةِ، قالُوا: وابْتِهاجُها بِهَذا القِسْمِ الثّانِي أتَمُّ مِنِ ابْتِهاجِها بِالأوَّلِ، فَقَوْلُهُ: (يُرْزَقُونَ) إشارَةٌ إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ: (فَرِحِينَ) إشارَةٌ إلى الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي أنَّ فَرَحَهم لَيْسَ بِالرِّزْقِ، بَلْ بِإيتاءِ الرِّزْقِ لِأنَّ المَشْغُولَ بِالرِّزْقِ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، والنّاظِرُ إلى إيتاءِ الرِّزْقِ مَشْغُولٌ بِالرّازِقِ، ومَن طَلَبَ الحَقَّ لِغَيْرِهِ فَهو مَحْجُوبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا خَوْفٌ﴾ في مَحَلِّ الخَفْضِ بَدَلٌ مِنَ ”الَّذِينَ“ والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِأنْ لا خَوْفٌ ولا حُزْنٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِبْشارُ السُّرُورُ الحاصِلُ بِالبِشارَةِ، وأصْلُ الِاسْتِفْعالِ طَلَبُ الفِعْلِ، فالمُسْتَبْشِرُ بِمَنزِلَةِ مَن طَلَبَ السُّرُورَ فَوَجَدَهُ بِالبِشارَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ سَلَّمُوا كَوْنَ الشُّهَداءِ أحْياءً قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ ذَكَرُوا لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلاتٍ أُخَرَ: أمّا الأوَّلُ: فَهو أنْ يُقالَ: أنَّ الشُّهَداءَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَرَكْنا إخْوانَنا فُلانًا وفُلانًا في صَفِّ المُقاتِلَةِ مَعَ الكُفّارِ فَيُقْتَلُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ فَيُصِيبُونَ مِنَ الرِّزْقِ والكَرامَةِ ما أصَبْنا، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ . وأمّا الثّانِي: فَهو أنْ يُقالَ: إنَّ الشُّهَداءَ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ هم إخْوانُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم مِثْلُ دَرَجَةِ الشُّهَداءِ، لِأنَّ الشُّهَداءَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَهم، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦] فَيَفْرَحُونَ بِما يَرَوْنَ مِن مَأْوى المُؤْمِنِينَ والنَّعِيمِ المُعَدِّ لَهم، وبِما يَرْجُونَهُ مِنَ الِاجْتِماعِ بِهِمْ وتَقَرُّ بِذَلِكَ أعْيُنُهم، هَذا اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ والزَّجّاجِ. واعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ أقْوى مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ حاصِلَ الثّانِي يَرْجِعُ إلى اسْتِبْشارِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ صفحة ٧٨ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ اجْتِماعِهِمْ في الجَنَّةِ، وهَذا أمْرٌ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ الشُّهَداءِ بِذَلِكَ، وأيْضًا: فَهم كَما يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَسْتَبْشِرُونَ بِمَن تَقَدَّمَهم في الدُّخُولِ، لِأنَّ مَنازِلَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ فَوْقَ مَنازِلِ الشُّهَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى فائِدَةٌ في التَّخْصِيصِ. أمّا إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ فَفي تَخْصِيصِ المُجاهِدِينَ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ أعْظَمُ الفَوائِدِ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخَوْفُ يَكُونُ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ المَكْرُوهِ النّازِلِ في المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ يَكُونُ بِسَبَبِ فَواتِ المَنافِعِ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الماضِي، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما سَيَأْتِيهِمْ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا حُزْنٌ لَهم فِيما فاتَهم مِن نَعِيمِ الدُّنْيا.

آل عمران 3:170

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ثَبَّطُوا الرّاغِبِينَ في الجِهادِ بِأنْ قالُوا: الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ، كَما قالُوا في حَقِّ مَن خَرَجَ إلى الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، والقَتْلُ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، فَوَجَبَ الحَذَرُ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُمُ الجِهادُ يُفْضِي إلى القَتْلِ باطِلٌ، بِأنَّ القَتْلَ إنَّما يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كَما أنَّ المَوْتَ يَحْصُلُ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَمَن قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ القَتْلَ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، ومَن لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ القَتْلَ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. ثُمَّ أجابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في هَذِهِ الآيَةِ بِجَوابٍ آخَرَ وهو أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، وكَيْفَ يُقالُ ذَلِكَ والمَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ القَتْلِ وخَصَّهُ بِدَرَجاتِ القُرْبَةِ والكَرامَةِ، وأعْطاهُ أفْضَلَ أنْواعِ الرِّزْقِ وأوْصَلَهُ إلى أجَلِّ مَراتِبِ الفَرَحِ والسُّرُورِ ؟ فَأيُّ عاقِلٍ يَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذا القَتْلِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شُهَداءِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، لِأنَّ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الشُّهَداءِ إلّا مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمُنافِقُونَ إنَّما يُنَفِّرُونَ المُجاهِدِينَ عَنِ الجِهادِ لِئَلّا يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ مِثْلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ فَضائِلَ مَن قُتِلَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى التَّشَبُّهِ بِمَن جاهَدَ في هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ وقُتِلَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ فَرُبَّما وصَلَ إلى نَعِيمِ الدُّنْيا ورُبَّما لَمْ يَصِلْ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَهو حَقِيرٌ وقَلِيلٌ، ومَن أقْبَلَ عَلى الجِهادِ فازَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ قَطْعًا وهو نَعِيمٌ عَظِيمٌ، ومَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا فَهو دائِمٌ مُقِيمٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الإقْبالَ عَلى الجِهادِ أفْضَلُ مِن تَرْكِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ أحْياءً، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ هو الحَقِيقَةَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، أوِ صفحة ٧٣ المُرادُ أنَّهم أحْياءٌ في الحالِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إثْباتَ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ أوْ إثْباتَ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَهَذا ضَبْطُ الوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذِهِ الآيَةِ. الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ أحْياءً، قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن مُتَكَلِّمِي المُعْتَزِلَةِ، مِنهم أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ما حَكى، كانُوا يَقُولُونَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ فَيُقْتَلُونَ ويَخْسَرُونَ الحَياةَ، ولا يَصِلُونَ إلى خَيْرٍ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِجَحْدِهِمُ البَعْثَ والمِيعادَ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُرْزَقُونَ ويُوصَلُ إلَيْهِمُ الفَرَحُ والسُّرُورُ والبِشارَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَنا باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أحْياءً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَحَمْلُهُ عَلى أنَّهم سَيَصِيرُونَ أحْياءً بَعْدَ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ أرْجَحُ مِن جانِبِ العَذابِ والعُقُوبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أهْلِ العَذابِ أنَّهُ أحْياهم قَبْلَ القِيامَةِ لِأجْلِ التَّعْذِيبِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والتَّعْذِيبُ مَشْرُوطٌ بِالحَياةِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وإذا جَعَلَ اللَّهُ أهْلَ العَذابِ أحْياءً قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِأجْلِ التَّعْذِيبِ، فَلِأنْ يَجْعَلَ أهْلَ الثَّوابِ أحْياءً قَبْلَ القِيامَةِ لِأجْلِ الإحْسانِ والإثابَةِ كانَ ذَلِكَ أوْلى. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنَّهُ سَيَجْعَلُهم أحْياءً عِنْدَ البَعْثِ في الجَنَّةِ لَما قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى ثَوابِ القَبْرِ حَسُنَ قَوْلُهُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَعَلَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يُشَرِّفُ المُطِيعِينَ والمُخْلِصِينَ بِهَذا التَّشْرِيفِ، وهو أنَّهُ يُحْيِيهِمْ قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِأجْلِ إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ عالِمًا بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ أحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ عِنْدَ البَعْثِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَجازَ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ أحْياءً ويَصِلُونَ إلى الثَّوابِ والسُّرُورِ. قُلْنا: قَوْلُهُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) إنَّما يَتَناوَلُ المَوْتَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ فالَّذِي يُزِيلُ هَذا الحُسْبانَ هو كَوْنُهم أحْياءً في الحالِ؛ لِأنَّهُ لا حُسْبانَ هُناكَ في صَيْرُورَتِهِمْ أحْياءً يَوْمَ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ﴾ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ الحُسْبانِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ والقَوْمُ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا في الدُّنْيا، فاسْتِبْشارُهم بِمَن يَكُونُ في الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ، والِاسْتِبْشارُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعَ الحَياةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِمْ أحْياءً قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ بَحْثٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في صِفَةِ الشُّهَداءِ: إنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وإنَّها تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَسْرَحُ حَيْثُ شاءَتْ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ صفحة ٧٤ مِن ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمّا رَأوْا طِيبَ مَسْكَنِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ قَوْمَنا يَعْلَمُونَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِنا كَيْ يَرْغَبُوا في الجِهادِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا مُخْبِرٌ عَنْكم ومُبَلِّغٌ إخْوانَكم، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ واسْتَبْشَرُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَألْنا عَنْها فَقِيلَ لَنا: إنَّ الشُّهَداءَ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ، وفي رِوايَةٍ في رَوْضَةٍ خَضْراءَ، «وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا أُبَشِّرُكَ أنَّ أباكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ أحْياهُ اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ما تُرِيدُ يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أنْ أفْعَلَ بِكَ ؟ فَقالَ: يا رَبِّ أُحِبُّ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرى»، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَأنَّها بَلَغَتْ حَدَّ التَّواتُرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إنْكارُها ! طَعَنَ الكَعْبِيُّ في هَذِهِ الرِّواياتِ وقالَ: إنَّها غَيْرُ جائِزَةٍ لِأنَّ الأرْواحَ لا تَتَنَعَّمُ، وإنَّما يَتَنَعَّمُ الجِسْمُ إذا كانَ فِيهِ رَوْحٌ لا الرُّوحُ، ومَنزِلَةُ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ مَنزِلَةُ القُوَّةِ، وأيْضًا: الخَبَرُ المَرْوِيُّ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ في حَواصِلِ الطَّيْرِ، وأيْضًا ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّها تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَسْرَحُ، وهَذا يُناقِضُ كَوْنَها في حَواصِلِ الطَّيْرِ. والجَوابُ: أمّا الطَّعْنُ الأوَّلُ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ قائِمٌ بِالجِسْمِ، وسَنُبَيِّنُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا الطَّعْنُ الثّانِي فَهو مَدْفُوعٌ لِأنَّ القَصْدَ مِن أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الكِناياتُ عَنْ حُصُولِ الرّاحاتِ والمَسَرّاتِ وزَوالِ المَخافاتِ والآفاتِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا الِاحْتِمالِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ في الحالِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن أثْبَتَ هَذِهِ الحَياةَ لِلرُّوحِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها لِلْبَدَنِ، وقَبْلَ الخَوْضِ في هَذا البابِ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُقَدِّمَةٍ، وهي أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ البِنْيَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّ أجْزاءَ هَذِهِ البِنْيَةِ في الذَّوَبانِ والِانْحِلالِ والتَّبَدُّلِ، والإنْسانُ المَخْصُوصُ شَيْءٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ، والباقِي مُغايِرٌ لِلْمُتَبَدِّلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ: أنَّهُ تارَةً يَصِيرُ سَمِينًا وأُخْرى هَزِيلًا، وأنَّهُ يَكُونُ في أوَّلِ الأمْرِ صَغِيرَ الجُثَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكْبُرُ ويَنْمُو، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ فَصَحَّ ما قُلْناهُ. الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عالِمًا بِنَفْسِهِ حالَ ما يَكُونُ غافِلًا عَنْ جَمِيعِ أعْضائِهِ وأجْزائِهِ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ المَحْسُوسِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا مَخْصُوصًا سارِيًا في هَذِهِ الجُثَّةِ سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، والدُّهْنِ في السِّمْسِمِ، وماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا حالٍّ في الجِسْمِ، وعَلى كِلا المَذْهَبَيْنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّهُ لَمّا ماتَ البَدَنُ انْفَصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَيًّا، وإنْ قُلْنا إنَّهُ أماتَهُ اللَّهُ إلّا أنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَزُولُ الشُّبُهاتُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ ثَوابِ القَبْرِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وعَنْ عَذابِ القَبْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] فَثَبَتَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّهُ لا امْتِناعَ في ذَلِكَ، فَظاهِرُ الآيَةِ دالٌّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ القُرْآنُ والحَدِيثُ والعَقْلُ. أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: إحْداها: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ المَوْتُ. ثُمَّ قالَ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] وفاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ عَقِيبَ المَوْتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. وثانِيها: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وهَذا عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِ البَدَنِ. صفحة ٧٥ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] فَقَوْلُهُ: (رُدُّوا) ضَمِيرٌ عَنْهُ. وإنَّما هو بِحَياتِهِ وذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ باقٍ بَعْدَ مَوْتِ البَدَنِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] وفاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الرَّوْحَ والرَّيْحانَ والجَنَّةَ حاصِلٌ عَقِيبَ المَوْتِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ والفاءُ فاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِيامَةَ كُلِّ أحَدٍ حاصِلَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأمّا القِيامَةُ الكُبْرى فَهي حاصِلَةٌ في الوَقْتِ المَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» “ وأيْضًا رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ يُنادِي المَقْتُولِينَ ويَقُولُ: ”هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟“ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم أمْواتٌ، فَكَيْفَ تُنادِيهِمْ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهم أسْمَعُ مِنكم“» أوْ لَفْظًا هَذا مَعْناهُ، وأيْضًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أوْلِياءُ اللَّهِ لا يَمُوتُونَ ولَكِنْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» “ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ باقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الجَسَدِ. وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ وقْتَ النَّوْمِ يُضْعِفُ البَدَنَ، وضَعْفُهُ لا يَقْتَضِي ضَعْفَ النَّفْسِ، بَلِ النَّفْسُ تَقْوى وقْتَ النَّوْمِ فَتُشاهِدُ الأحْوالَ وتَطَّلِعُ عَلى المُغَيَّباتِ، فَإذا كانَ ضَعْفُ البَدَنِ لا يُوجِبُ ضَعْفَ النَّفْسِ، فَهَذا يُقَوِّي الظَّنَّ في أنَّ مَوْتَ البَدَنِ لا يَسْتَعْقِبُ مَوْتَ النَّفْسِ. الثّانِي: وهو أنَّ كَثْرَةَ الأفْكارِ سَبَبٌ لِجَفافِ الدِّماغِ، وجَفافُهُ يُؤَدِّي إلى المَوْتِ، وهَذِهِ الأفْكارُ سَبَبٌ لِاسْتِكْمالِ النَّفْسِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وهو غايَةُ كَمالِ النَّفْسِ، فَما هو سَبَبٌ في كَمالِ النَّفْسِ فَهو سَبَبٌ لِنُقْصانِ البَدَنِ، وهَذا يُقَوِّي الظَّنَّ في أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ. الثّالِثُ: أنَّ أحْوالَ النَّفْسِ عَلى ضِدِّ أحْوالِ البَدَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ إنَّما تَفْرَحُ وتَبْتَهِجُ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» “ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ والشَّرابَ لَيْسَ إلّا عِبارَةً عَنِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والِاسْتِنارَةِ بِأنْوارِ عالَمِ الغَيْبِ. وأيْضًا فَإنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِبْشارُ بِخِدْمَةِ سُلْطانٍ، أوْ بِالفَوْزِ بِمَنصِبٍ، أوْ بِالوُصُولِ إلى مَعْشُوقِهِ، قَدْ يَنْسى الطَّعامَ والشَّرابَ، بَلْ يَصِيرُ بِحَيْثُ لَوْ دُعِيَ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ لَوَجَدَ مِن قَلْبِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً مِنهُ، والعارِفُونَ المُتَوَغِّلُونَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَدْ يَجِدُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم إذا لاحَ لَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأنْوارِ، وانْكَشَفَ لَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأسْرارِ، لَمْ يَحُسُّوا البَتَّةَ بِالجُوعِ والعَطَشِ. وبِالجُمْلَةِ فالسَّعادَةُ النَّفْسانِيَّةُ كالمُضادَّةِ لِلسَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ النَّفْسَ مُسْتَقِلَّةٌ بِذاتِها ولا تَعَلُّقَ لَها بِالبَدَنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَمُوتَ النَّفْسُ بِمَوْتِ البَدَنِ، ولْتَكُنْ هَذِهِ الإقْناعِيّاتُ كافِيَةً في هَذا المُقامِ. واعْلَمْ أنَّهُ مَتى تَقَرَّرَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ زالَتِ الإشْكالاتُ والشُّبُهاتُ عَنْ كُلِّ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ثَوابِ القَبْرِ وعَذابِهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ أحْياءٌ وهي تَرْكَعُ وتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«إذا نامَ العَبْدُ في سُجُودِهِ باهى اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ ويَقُولُ انْظُرُوا إلى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وجَسَدُهُ في خِدْمَتِي» “ . واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولَفْظُ ”عِنْدَ“ فَكَما أنَّهُ مَذْكُورٌ هَهُنا فَكَذا في صِفَةِ المَلائِكَةِ مَذْكُورٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] فَإذا فَهِمْتَ السَّعادَةَ صفحة ٧٦ الحاصِلَةَ لِلْمَلائِكَةِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَهِمْتَ السَّعادَةَ الحاصِلَةَ لِلشُّهَداءِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذِهِ كَلِماتٌ تَفْتَحُ عَلى العَقْلِ أبْوابَ مَعارِفِ الآخِرَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ هَذِهِ الحَياةَ لِلْأجْسادِ: والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى يُصْعِدُ أجْسادَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ إلى السَّماواتِ وإلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ، ويُوصِلُ أنْواعَ السَّعادَةِ والكَراماتِ إلَيْها، ومِنهم مَن قالَ: يَتْرُكُها في الأرْضِ ويُحْيِيها ويُوصِلُ هَذِهِ السَّعاداتِ إلَيْها، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ فِيهِ وقالَ: إنّا نَرى أجْسادَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ قَدْ تَأْكُلُها السِّباعُ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِيها حالَ كَوْنِها في بُطُونِ هَذِهِ السِّباعِ ويُوَصِّلُ الثَّوابَ إلَيْها، أوْ يُقالُ إنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ بَعْدَ انْفِصالِها مِن بُطُونِ السِّباعِ يُرَكِّبُها اللَّهُ تَعالى، ويُؤَلِّفُها ويَرُدُّ الحَياةَ إلَيْها ويُوصِّلُ الثَّوابَ إلَيْها، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ، ولِأنّا قَدْ نَرى المَيِّتَ المَقْتُولَ باقِيًا أيّامًا إلى أنْ تَنْفَسِخَ أعْضاؤُهُ ويَنْفَصِلَ القَيْحُ والصَّدِيدُ، فَإنْ جَوَّزْنا كَوْنَها حَيَّةً مُتَنَعِّمَةً عاقِلَةً عارِفَةً لَزِمَ القَوْلُ بِالسَّفْسَطَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها أحْياءً حُصُولَ الحَياةِ فِيهِمْ، بَلِ المُرادُ بَعْضُ المَجازاتِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ البَلْخِيُّ: إنَّ المَيِّتَ إذا كانَ عَظِيمَ المَنزِلَةِ في الدِّينِ، وكانَتْ عاقِبَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ البَهْجَةَ والسَّعادَةَ والكَرامَةَ، صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَيٌّ ولَيْسَ بِمَيِّتٍ، كَما يُقالُ في الجاهِلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسَهُ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ: إنَّهُ مَيِّتٌ ولَيْسَ بِحَيٍّ، وكَما يُقالُ لِلْبَلِيدِ: إنَّهُ حِمارٌ، ولِلْمُؤْذِي إنَّهُ سَبُعٌ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ لَمّا رَأى الزُّهْرِيَّ وعَلِمَ فِقْهَهُ وتَحْقِيقَهُ قالَ لَهُ: ما ماتَ مَن خَلَّفَ مِثْلَكَ، وبِالجُمْلَةِ فَلا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ وخَلَّفَ ثَناءً جَمِيلًا وذِكْرًا حَسَنًا، فَإنَّهُ يُقالُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ إنَّهُ ما ماتَ بَلْ هو حَيٌّ. الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: مَجازُ هَذِهِ الحَياةِ أنَّ أجْسادَهم باقِيَةٌ في قُبُورِهِمْ، وأنَّها لا تَبْلى تَحْتَ الأرْضِ البَتَّةَ. واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أرادَ مُعاوِيَةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ عَلى قُبُورِ الشُّهَداءِ، أمَرَ بِأنْ يُنادى: مَن كانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيُخْرِجْهُ مِن هَذا المَوْضِعِ، قالَ جابِرٌ: فَخَرَجْنا إلَيْهِمْ فَأخْرَجْناهم رِطابَ الأبْدانِ، فَأصابَتِ المِسْحاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنهم فَقَطَرَتْ دَمًا. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِمْ أحْياءً أنَّهم لا يُغَسَّلُونَ كَما تُغَسَّلُ الأمْواتُ. فَهَذا مَجْمُوعُ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ المَخْلُوقاتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”ولا تَحْسَبَنَّ“ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، وقُرِئَ بِالياءِ، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ”ولا يَحْسَبَنَّ رَسُولُ اللَّهِ“ . والثّانِي: ”ولا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ“ . والثّالِثُ: ”ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنْفُسَهم أمْواتًا“ . قالَ: وقُرِئَ ”تَحْسَبَنَّ“ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قُتِّلُوا“ بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: التَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”أحْياءًا“ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءًا. وأقُولُ: إنَّ الزَّجّاجَ قالَ: ولَوْ قُرِئَ ”أحْياءً“ بِالنَّصْبِ لَجازَ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءًا، وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فِيهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ أمْرٌ بِالشَّكِّ، والأمْرُ بِالشَّكِّ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ، ولا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُسْبانِ بِالعِلْمِ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن عُلَماءِ أهْلِ اللُّغَةِ، ولِلزَّجّاجِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: الحُسْبانُ ظَنٌّ لا شَكٌّ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالظَّنِّ، ألَيْسَ أنَّ تَكْلِيفَهُ في جَمِيعِ المُجْتَهَداتِ لَيْسَ إلّا بِالظَّنِّ. صفحة ٧٧ وأقُولُ: هَذِهِ المُناظَرَةُ مِنَ الزَّجّاجِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قُرِئَ ”أحْياءًا“ بِالنَّصْبِ بَلِ الزَّجّاجُ كانَ يَدَّعِي أنَّ لَها وجْهًا في اللُّغَةِ، والفارِسِيُّ نازَعَهُ فِيهِ، ولَيْسَ كُلُّ ما لَهُ وجْهٌ في الإعْرابِ جازَتِ القِراءَةُ بِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا اللَّهُ تَعالى. والثّانِي: هم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أيْ هم أحْياءٌ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، كَما يُقالُ: هَذا عِنْدَ الشّافِعِيِّ كَذا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ بِخِلافِهِ. والثّالِثُ: أنَّ ”عِنْدَ“ مَعْناهُ القُرْبُ والإكْرامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا: الثَّوابُ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: (يُرْزَقُونَ) إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ، وقَوْلُهُ: (فَرِحِينَ) إشارَةٌ إلى الفَرَحِ الحاصِلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْظِيمِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم قالُوا: إذا أشْرَقَتْ جَواهِرُ الأرْواحِ القُدُسِيَّةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ كانَتْ مُبْتَهِجَةً مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ذَواتُها مُنِيرَةً مُشْرِقَةً مُتَلَأْلِئَةً بِتِلْكَ الجَلايا القُدُسِيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ. والثّانِي: بِكَوْنِها ناظِرَةً إلى يَنْبُوعِ النُّورِ ومَصْدَرِ الرَّحْمَةِ والجَلالَةِ، قالُوا: وابْتِهاجُها بِهَذا القِسْمِ الثّانِي أتَمُّ مِنِ ابْتِهاجِها بِالأوَّلِ، فَقَوْلُهُ: (يُرْزَقُونَ) إشارَةٌ إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ: (فَرِحِينَ) إشارَةٌ إلى الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي أنَّ فَرَحَهم لَيْسَ بِالرِّزْقِ، بَلْ بِإيتاءِ الرِّزْقِ لِأنَّ المَشْغُولَ بِالرِّزْقِ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، والنّاظِرُ إلى إيتاءِ الرِّزْقِ مَشْغُولٌ بِالرّازِقِ، ومَن طَلَبَ الحَقَّ لِغَيْرِهِ فَهو مَحْجُوبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا خَوْفٌ﴾ في مَحَلِّ الخَفْضِ بَدَلٌ مِنَ ”الَّذِينَ“ والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِأنْ لا خَوْفٌ ولا حُزْنٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِبْشارُ السُّرُورُ الحاصِلُ بِالبِشارَةِ، وأصْلُ الِاسْتِفْعالِ طَلَبُ الفِعْلِ، فالمُسْتَبْشِرُ بِمَنزِلَةِ مَن طَلَبَ السُّرُورَ فَوَجَدَهُ بِالبِشارَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ سَلَّمُوا كَوْنَ الشُّهَداءِ أحْياءً قَبْلَ قِيامِ القِيامَةِ ذَكَرُوا لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلاتٍ أُخَرَ: أمّا الأوَّلُ: فَهو أنْ يُقالَ: أنَّ الشُّهَداءَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَرَكْنا إخْوانَنا فُلانًا وفُلانًا في صَفِّ المُقاتِلَةِ مَعَ الكُفّارِ فَيُقْتَلُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ فَيُصِيبُونَ مِنَ الرِّزْقِ والكَرامَةِ ما أصَبْنا، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ . وأمّا الثّانِي: فَهو أنْ يُقالَ: إنَّ الشُّهَداءَ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ هم إخْوانُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم مِثْلُ دَرَجَةِ الشُّهَداءِ، لِأنَّ الشُّهَداءَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَهم، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦] فَيَفْرَحُونَ بِما يَرَوْنَ مِن مَأْوى المُؤْمِنِينَ والنَّعِيمِ المُعَدِّ لَهم، وبِما يَرْجُونَهُ مِنَ الِاجْتِماعِ بِهِمْ وتَقَرُّ بِذَلِكَ أعْيُنُهم، هَذا اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ والزَّجّاجِ. واعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ أقْوى مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ حاصِلَ الثّانِي يَرْجِعُ إلى اسْتِبْشارِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ صفحة ٧٨ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ اجْتِماعِهِمْ في الجَنَّةِ، وهَذا أمْرٌ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ الشُّهَداءِ بِذَلِكَ، وأيْضًا: فَهم كَما يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَسْتَبْشِرُونَ بِمَن تَقَدَّمَهم في الدُّخُولِ، لِأنَّ مَنازِلَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ فَوْقَ مَنازِلِ الشُّهَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى فائِدَةٌ في التَّخْصِيصِ. أمّا إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ فَفي تَخْصِيصِ المُجاهِدِينَ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ أعْظَمُ الفَوائِدِ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخَوْفُ يَكُونُ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ المَكْرُوهِ النّازِلِ في المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ يَكُونُ بِسَبَبِ فَواتِ المَنافِعِ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً في الماضِي، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما سَيَأْتِيهِمْ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا حُزْنٌ لَهم فِيما فاتَهم مِن نَعِيمِ الدُّنْيا.

آل عمران 3:171

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كَما يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَ فَهم يَسْتَبْشِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما رُزِقُوا مِنَ النَّعِيمِ، وإنَّما أعادَ لَفْظَ ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ الأوَّلَ كانَ بِأحْوالِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، والِاسْتِبْشارُ الثّانِي كانَ بِأحْوالِ أنْفُسِهِمْ خاصَّةً. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ذَكَرَ فَرَحَهم بِأحْوالِ أنْفُسِهِمْ، والفَرَحُ عَيْنُ الِاسْتِبْشارِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الِاسْتِبْشارَ هو الفَرَحُ التّامُّ فَلا يَلْزَمُ التَّكْرارُ. والثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ حُصُولُ الفَرَحِ بِما حَصَلَ في الحالِ، وحُصُولُ الِاسْتِبْشارِ بِما عَرَفُوا أنَّ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ تَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ النِّعْمَةُ هي الثَّوابُ والفَضْلُ هو التَّفَضُّلُ الزّائِدُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِبْشارَهم بِسَعادَةِ إخْوانِهِمْ أتَمُّ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِسَعادَةِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ الأوَّلَ في الذِّكْرِ هو بِأحْوالِ الإخْوانِ، وهَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ فَرَحَ الإنْسانِ بِصَلاحِ أحْوالِ إخْوانِهِ ومُتَعَلِّقِيهِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن فَرَحِهِ بِصَلاحِ أحْوالِ نَفْسِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ ”وإنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى مَعْنى: وبِأنَّ اللَّهَ، والتَّقْدِيرُ: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وبِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، والقِراءَةُ الأُولى أتَمُّ وأكْمَلُ لِأنَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الِاسْتِبْشارُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَقَطْ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الِاسْتِبْشارُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ وطَلَبِ الأجْرِ، ولا شَكَّ أنَّ المَقامَ الأوَّلَ أكْمَلُ لِأنَّ كَوْنَ العَبْدِ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ اللَّهِ أتَمُّ مِنِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ أجْرِ عَمَلِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن إيصالِ الثَّوابِ والسُّرُورِ العَظِيمِ إلى الشُّهَداءِ صفحة ٧٩ لَيْسَ حُكْمًا مَخْصُوصًا بِهِمْ، بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلَيْهِ ذَلِكَ الأجْرَ والثَّوابَ ولا يُضِيعُهُ ألْبَتَّةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ عِنْدَنا دالَّةٌ عَلى العَفْوِ عَنْ فُسّاقِ أهْلِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ بِإيمانِهِ اسْتَحَقَّ الجَنَّةَ، فَلَوْ بَقِيَ بِسَبَبِ فِسْقِهِ في النّارِ مُؤَبَّدًا مُخَلَّدًا لَما وصَلَ إلَيْهِ أجْرُ إيمانِهِ، فَحِينَئِذٍ يَضِيعُ أجْرُ المُؤْمِنِينَ عَلى إيمانِهِمْ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ.

آل عمران 3:172

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ المُؤْمِنِينَ عَلى غَزْوَتَيْنِ، تُعْرَفُ إحْداهُما بِغَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، والثّانِيَةُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وكِلاهُما مُتَّصِلَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ، أمّا غَزْوَةُ حَمْراءِ الأسَدِ فَهي المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ (الَّذِينَ) وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ هو الخَفْضَ عَلى النَّعْتِ لِلْمُؤْمِنِينَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ وهو الأصَحُّ: أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ وبَلَغُوا الرَّوْحاءَ نَدِمُوا، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا أكْثَرَهم ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ فَلِمَ تَرَكْناهم ؟ بَلِ الواجِبُ أنْ نَرْجِعَ ونَسْتَأْصِلَهم، فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأرادَ أنْ يُرْهِبَ الكُفّارَ ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ ومِن أصْحابِهِ قُوَّةً، فَنَدَبَ أصْحابَهُ إلى الخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ وقالَ: لا أُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ الآنَ مَعِي إلّا مَن كانَ مَعِي في القِتالِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ، قِيلَ كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وهو مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى عُنُقِهِ ساعَةً، ثُمَّ كانَ المَحْمُولُ يَحْمِلُ الحامِلَ ساعَةً أُخْرى، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِإثْخانِ الجِراحاتِ فِيهِمْ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَتَوَكَّأُ عَلى صاحِبِهِ ساعَةً، ويَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ ساعَةً. والثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ لَمّا رَجَعَ النّاسُ إلَيْهِ ﷺ بَعْدَ الهَزِيمَةِ فَشَدَّ بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى كَشَفَهم، وكانُوا قَدْ هَمُّوا بِالمُثْلَةِ فَدَفَعَهم عَنْها بَعْدَ أنْ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا، وصَلّى عَلَيْهِمْ ﷺ ودَفَنَهم بِدِمائِهِمْ، وذَكَرُوا أنَّ صَفِيَّةَ جاءَتْ لِتَنْظُرَ إلى أخِيها حَمْزَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلزُّبَيْرِ: رُدَّها لِئَلّا تَجْزَعَ مِن مُثْلَةِ أخِيها، فَقالَتْ: قَدْ بَلَغَنِي ما فُعِلَ بِهِ، وذَلِكَ يَسِيرٌ في جَنْبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِلزُّبَيْرِ: فَدَعْها تَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقالَتْ خَيْرًا واسْتَغْفَرَتْ لَهُ. وجاءَتِ امْرَأةٌ قَدْ قُتِلَ زَوْجُها وأبُوها وأخُوها وابْنُها فَلَمّا رَأتِ النَّبِيَّ ﷺ وهو حَيٌّ قالَتْ: إنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ هَدَرٌ. فَهَذا ما قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ صفحة ٨٠ الآيَةِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَجابَ: بِمَعْنى أجابَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وقِيلَ: أجابَ، فَعَلَ الإجابَةَ، واسْتَجابَ: طَلَبَ أنْ يَفْعَلَ الإجابَةَ، لِأنَّ الأصْلَ في الِاسْتِفْعالِ طَلَبُ الفِعْلِ، والمَعْنى: أجابُوا وأطاعُوا اللَّهَ في أوامِرِهِ وأطاعُوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ الجِراحاتُ القَوِيَّةُ.

آل عمران 3:173

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: (أحْسَنُوا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِائْتِمارُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقَوْا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، والمُكَلَّفُ عِنْدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ العَظِيمَ. الثّانِي: أحْسَنُوا في طاعَةِ الرَّسُولِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واتَّقَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِجابَةُ لِلرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ الأمْرُ بِهِمْ في الجِراحاتِ ما بَلَغَ مِن بَعْدِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ النُّهُوضِ. الثّالِثُ: أحْسَنُوا فِيما أتَوْا بِهِ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واتَّقَوُا ارْتِكابَ شَيْءٍ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا واتَّقَوْا كُلُّهم لا بَعْضُهم. ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا عَزَمَ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ نادى: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى فَنَقْتَتِلُ بِها إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعُمَرَ: قُلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا حَضَرَ الأجَلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ مَعَ قَوْمِهِ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ نُعَيْمٌ مُعْتَمِرًا، فَقالَ: يا نُعَيْمُ إنِّي وعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذا عامُ جَدْبٍ ولا يُصْلِحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أرْجِعَ، ولَكِنْ إنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ ولَمْ أخْرُجْ زادَ بِذَلِكَ جَراءَةً، فاذْهَبْ إلى المَدِينَةِ فَثَبِّطْهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم: ما هَذا بِالرَّأْيِ، أتَوْكم في دِيارِكم وقَتَلُوا أكْثَرَكم فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، فَوَقَعَ هَذا الكَلامُ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنهم، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ قالَ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ صفحة ٨١ إلَيْهِمْ ولَوْ وحْدِي“ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، ومَعَهُ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وذَهَبُوا إلى أنْ وصَلُوا إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وهي ماءٌ لِبَنِي كِنانَةَ، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم يَجْتَمِعُونَ فِيها كُلَّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ووافَقُوا السُّوقَ، وكانَتْ مَعَهم نَفَقاتٌ وتِجاراتٌ، فَباعُوا واشْتَرَوْا أُدْمًا وزَبِيبًا ورَبِحُوا وأصابُوا بِالدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ سالِمِينَ غانِمِينَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ إلى مَكَّةَ فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَهُ جَيْشَ السَّوِيقِ، وقالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا السَّوِيقَ، فَهَذا هو الكَلامُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحَلِّ (الَّذِينَ) وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ جَرٌّ، صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَقْدِيرِ: واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ. الثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لِلَّذِينَ أحْسَنُوا) . الثّالِثُ: أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ) مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. وفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا القائِلَ هو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ كَما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جازَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ عَلى الإنْسانِ الواحِدِ، لِأنَّهُ إذا قالَ الواحِدُ قَوْلًا ولَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ أوْ يَرْضَوْنَ بِقَوْلِهِ، حَسُنَ حِينَئِذٍ إضافَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ إلى الكُلِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وإنَّما فَعَلَهُ أسْلافُهم، إلّا أنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِمْ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم عَلى تَصْوِيبِهِمْ في تِلْكَ الأفْعالِ، فَكَذا هَهُنا يَجُوزُ أنْ يُضافَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ الرّاضِينَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الواحِدِ. الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ: أنَّ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا بِأبِي سُفْيانَ، فَدَسَّهم إلى المُسْلِمِينَ لِيُجَبِّنُوهم وضَمِنَ لَهم عَلَيْهِ جُعْلًا. الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ تَجَهَّزُوا لِلْمَسِيرِ إلى بَدْرٍ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ: القَوْمُ قَدْ أتَوْكم في دِيارِكم، فَقَتَلُوا الأكْثَرِينَ مِنكم، فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ مِنكم أحَدٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ هو أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ ورُؤَساءُ عَسْكَرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيْ جَمَعُوا لَكُمُ الجُمُوعَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الجَيْشَ جَمْعًا ويَجْمَعُونَهُ جُمُوعًا، وقَوْلُهُ: (فاخْشَوْهم) أيْ فَكُونُوا خائِفِينَ مِنهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يُقِيمُوا لَهُ وزْنًا، فَقالَ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَزادَهم) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: عائِدٌ إلى الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى نَفْسِ قَوْلِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا، وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ في الإيمانِ لَمّا حَصَلَتْ عِنْدَ سَماعِ هَذا القَوْلِ حَسُنَتْ إضافَتُها إلى هَذا القَوْلِ وإلى هَذا القائِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالزِّيادَةِ في الإيمانِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ المُخَوِّفَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، بَلْ حَدَثَ في قُلُوبِهِمْ عَزْمٌ مُتَأكِّدٌ عَلى مُحارَبَةِ الكُفّارِ، وعَلى طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ ثَقُلَ صفحة ٨٢ ذَلِكَ أوْ خَفَّ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ فِيهِمْ مَن بِهِ جِراحاتٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا مُحْتاجِينَ إلى المُداواةِ، وحَدَثَ في قُلُوبِهِمْ وُثُوقٌ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِمْ ويُؤَيِّدُهم في هَذِهِ المُحارَبَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ لا عَنِ التَّصْدِيقِ بَلْ عَنِ الطّاعاتِ، وإنَّهُ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى وُقُوعِ الزِّيادَةِ، والَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: الزِّيادَةُ إنَّما وقَعَتْ في مَراتِبِ الإيمانِ وفي شَعائِرِهِ، فَصَحَّ القَوْلُ بِوُقُوعِ الزِّيادَةِ في الإيمانِ مَجازًا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدِ انْهَزَمُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، والعادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّهُ إذا انْهَزَمَ أحَدُ الخَصْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِ الغالِبِ قُوَّةٌ وشِدَّةُ اسْتِيلاءٍ، وفي قَلْبِ المَغْلُوبِ انْكِسارٌ وضَعْفٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ القَضِيَّةَ هَهُنا، فَأوْدَعَ قُلُوبَ الغالِبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ الخَوْفَ والرُّعْبَ، وأوْدَعَ قُلُوبَ المَغْلُوبِينَ القُوَّةَ والحَمِيَّةَ والصَّلابَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّواعِيَ والصَّوارِفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها مَتى حَدَثَتْ في القُلُوبِ وقَعَتِ الأفْعالُ عَلى وفْقِها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم كُلَّما ازْدادُوا إيمانًا في قُلُوبِهِمْ أظْهَرُوا ما يُطابِقُهُ فَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ كافِينا اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٌ ورِيٌّ أيْ يَكْفِيكَ الشِّبَعُ والرِّيُّ، وأمّا ”الوَكِيلُ“ فَفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ الكَفِيلُ. قالَ الشّاعِرُ: ذَكَرْتُ أبا أرْوى فَبِتُّ كَأنَّنِي ∗∗∗ بِرَدِّ الأُمُورِ الماضِياتِ وكِيلُ أرادَ كَأنَّنِي بِرَدِّ الأُمُورِ كَفِيلٌ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الوَكِيلُ: الكافِي، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ”نِعْمَ“ سَبِيلُها أنْ يَكُونَ الَّذِي بَعْدَها مُوافِقًا لِلَّذِي قَبْلَها، تَقُولُ: رازِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الرّازِقُ، وخالِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الخالِقُ، وهَذا أحْسَنُ مِن قَوْلِ مَن يَقُولُ: خالِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الرّازِقُ، فَكَذا هَهُنا تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَكْفِينا اللَّهُ ونِعْمَ الكافِي. الثّالِثُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ، والكافِي والكَفِيلُ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى وكِيلًا، لِأنَّ الكافِيَ يَكُونُ الأمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَذا الكَفِيلُ يَكُونُ الأمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ، والمَعْنى: وخَرَجُوا فانْقَلَبُوا، فَحَذَفَ الخُرُوجَ لِأنَّ الِانْقِلابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَضُرِبَ فانْفَلَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَهُنا العافِيَةُ، والفَضْلُ التِّجارَةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ مَنافِعُ الدُّنْيا، والفَضْلُ ثَوابُ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ ولا جِراحٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ رَسُولِهِ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ فِيما فَعَلُوا، وفي ذَلِكَ إلْقاءُ الحَسْرَةِ في قُلُوبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهم وإظْهارٌ لِخَطَأِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم مِمّا فازَ بِهِ هَؤُلاءِ، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًا، فَأعْطاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الغَزْوِ ورَضِيَ عَنْهم. صفحة ٨٣ واعْلَمْ أنَّ أهْلَ المَغازِي اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الواقِدِيُّ إلى تَخْصِيصِ الآيَةِ الأُولى بِواقِعَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ بِبَدْرٍ الصُّغْرى، ومِنهم مَن يَجْعَلُ الآيَتَيْنِ في وقْعَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ عَهْدٍ بِالقَرْحِ، فالمَدْحُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ المَدْحِ عَلى الخُرُوجِ عَلى العَدُوِّ مِن وقْتِ إصابَةِ القَرْحِ لِمَسِّهِ، والقَوْلُ الآخَرُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ. والقَرْحُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ بِالهَزِيمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ انْهَزَمُوا ثُمَّ أحْسَنُوا الأعْمالَ بِالتَّوْبَةِ واتَّقَوُا اللَّهَ في سائِرِ أُمُورِهِمْ، ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ عازِمِينَ عَلى الثَّوابِ مُوَطِّنِينَ أنْفُسَهم عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، بِحَيْثُ لَمّا بَلَغَهم كَثْرَةُ جُمُوعِهِمْ لَمْ يَفْتَرُوا ولَمْ يَفْشَلُوا، وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ ورَضُوا بِهِ كافِيًا ومُعِينًا فَلَهم أجْرٌ عَظِيمٌ لا يَحْجُبُهم عَنْهُ ما كانَ مِنهم مِنَ الهَزِيمَةِ إذْ كانُوا قَدْ تابُوا عَنْها، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:174

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: (أحْسَنُوا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِائْتِمارُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقَوْا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، والمُكَلَّفُ عِنْدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ العَظِيمَ. الثّانِي: أحْسَنُوا في طاعَةِ الرَّسُولِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واتَّقَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِجابَةُ لِلرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ الأمْرُ بِهِمْ في الجِراحاتِ ما بَلَغَ مِن بَعْدِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ النُّهُوضِ. الثّالِثُ: أحْسَنُوا فِيما أتَوْا بِهِ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واتَّقَوُا ارْتِكابَ شَيْءٍ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا واتَّقَوْا كُلُّهم لا بَعْضُهم. ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا عَزَمَ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ نادى: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى فَنَقْتَتِلُ بِها إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعُمَرَ: قُلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا حَضَرَ الأجَلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ مَعَ قَوْمِهِ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ نُعَيْمٌ مُعْتَمِرًا، فَقالَ: يا نُعَيْمُ إنِّي وعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذا عامُ جَدْبٍ ولا يُصْلِحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أرْجِعَ، ولَكِنْ إنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ ولَمْ أخْرُجْ زادَ بِذَلِكَ جَراءَةً، فاذْهَبْ إلى المَدِينَةِ فَثَبِّطْهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم: ما هَذا بِالرَّأْيِ، أتَوْكم في دِيارِكم وقَتَلُوا أكْثَرَكم فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، فَوَقَعَ هَذا الكَلامُ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنهم، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ قالَ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ صفحة ٨١ إلَيْهِمْ ولَوْ وحْدِي“ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، ومَعَهُ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وذَهَبُوا إلى أنْ وصَلُوا إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وهي ماءٌ لِبَنِي كِنانَةَ، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم يَجْتَمِعُونَ فِيها كُلَّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ووافَقُوا السُّوقَ، وكانَتْ مَعَهم نَفَقاتٌ وتِجاراتٌ، فَباعُوا واشْتَرَوْا أُدْمًا وزَبِيبًا ورَبِحُوا وأصابُوا بِالدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ سالِمِينَ غانِمِينَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ إلى مَكَّةَ فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَهُ جَيْشَ السَّوِيقِ، وقالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا السَّوِيقَ، فَهَذا هو الكَلامُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحَلِّ (الَّذِينَ) وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ جَرٌّ، صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَقْدِيرِ: واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ. الثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لِلَّذِينَ أحْسَنُوا) . الثّالِثُ: أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ) مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. وفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا القائِلَ هو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ كَما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جازَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ عَلى الإنْسانِ الواحِدِ، لِأنَّهُ إذا قالَ الواحِدُ قَوْلًا ولَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ أوْ يَرْضَوْنَ بِقَوْلِهِ، حَسُنَ حِينَئِذٍ إضافَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ إلى الكُلِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وإنَّما فَعَلَهُ أسْلافُهم، إلّا أنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِمْ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم عَلى تَصْوِيبِهِمْ في تِلْكَ الأفْعالِ، فَكَذا هَهُنا يَجُوزُ أنْ يُضافَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ الرّاضِينَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الواحِدِ. الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ: أنَّ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا بِأبِي سُفْيانَ، فَدَسَّهم إلى المُسْلِمِينَ لِيُجَبِّنُوهم وضَمِنَ لَهم عَلَيْهِ جُعْلًا. الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ تَجَهَّزُوا لِلْمَسِيرِ إلى بَدْرٍ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ: القَوْمُ قَدْ أتَوْكم في دِيارِكم، فَقَتَلُوا الأكْثَرِينَ مِنكم، فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ مِنكم أحَدٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ هو أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ ورُؤَساءُ عَسْكَرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيْ جَمَعُوا لَكُمُ الجُمُوعَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الجَيْشَ جَمْعًا ويَجْمَعُونَهُ جُمُوعًا، وقَوْلُهُ: (فاخْشَوْهم) أيْ فَكُونُوا خائِفِينَ مِنهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يُقِيمُوا لَهُ وزْنًا، فَقالَ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَزادَهم) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: عائِدٌ إلى الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى نَفْسِ قَوْلِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا، وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ في الإيمانِ لَمّا حَصَلَتْ عِنْدَ سَماعِ هَذا القَوْلِ حَسُنَتْ إضافَتُها إلى هَذا القَوْلِ وإلى هَذا القائِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالزِّيادَةِ في الإيمانِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ المُخَوِّفَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، بَلْ حَدَثَ في قُلُوبِهِمْ عَزْمٌ مُتَأكِّدٌ عَلى مُحارَبَةِ الكُفّارِ، وعَلى طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ ثَقُلَ صفحة ٨٢ ذَلِكَ أوْ خَفَّ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ فِيهِمْ مَن بِهِ جِراحاتٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا مُحْتاجِينَ إلى المُداواةِ، وحَدَثَ في قُلُوبِهِمْ وُثُوقٌ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِمْ ويُؤَيِّدُهم في هَذِهِ المُحارَبَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ لا عَنِ التَّصْدِيقِ بَلْ عَنِ الطّاعاتِ، وإنَّهُ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى وُقُوعِ الزِّيادَةِ، والَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: الزِّيادَةُ إنَّما وقَعَتْ في مَراتِبِ الإيمانِ وفي شَعائِرِهِ، فَصَحَّ القَوْلُ بِوُقُوعِ الزِّيادَةِ في الإيمانِ مَجازًا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدِ انْهَزَمُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، والعادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّهُ إذا انْهَزَمَ أحَدُ الخَصْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِ الغالِبِ قُوَّةٌ وشِدَّةُ اسْتِيلاءٍ، وفي قَلْبِ المَغْلُوبِ انْكِسارٌ وضَعْفٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ القَضِيَّةَ هَهُنا، فَأوْدَعَ قُلُوبَ الغالِبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ الخَوْفَ والرُّعْبَ، وأوْدَعَ قُلُوبَ المَغْلُوبِينَ القُوَّةَ والحَمِيَّةَ والصَّلابَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّواعِيَ والصَّوارِفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها مَتى حَدَثَتْ في القُلُوبِ وقَعَتِ الأفْعالُ عَلى وفْقِها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم كُلَّما ازْدادُوا إيمانًا في قُلُوبِهِمْ أظْهَرُوا ما يُطابِقُهُ فَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ كافِينا اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٌ ورِيٌّ أيْ يَكْفِيكَ الشِّبَعُ والرِّيُّ، وأمّا ”الوَكِيلُ“ فَفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ الكَفِيلُ. قالَ الشّاعِرُ: ذَكَرْتُ أبا أرْوى فَبِتُّ كَأنَّنِي ∗∗∗ بِرَدِّ الأُمُورِ الماضِياتِ وكِيلُ أرادَ كَأنَّنِي بِرَدِّ الأُمُورِ كَفِيلٌ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الوَكِيلُ: الكافِي، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ”نِعْمَ“ سَبِيلُها أنْ يَكُونَ الَّذِي بَعْدَها مُوافِقًا لِلَّذِي قَبْلَها، تَقُولُ: رازِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الرّازِقُ، وخالِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الخالِقُ، وهَذا أحْسَنُ مِن قَوْلِ مَن يَقُولُ: خالِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الرّازِقُ، فَكَذا هَهُنا تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَكْفِينا اللَّهُ ونِعْمَ الكافِي. الثّالِثُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ، والكافِي والكَفِيلُ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى وكِيلًا، لِأنَّ الكافِيَ يَكُونُ الأمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَذا الكَفِيلُ يَكُونُ الأمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ، والمَعْنى: وخَرَجُوا فانْقَلَبُوا، فَحَذَفَ الخُرُوجَ لِأنَّ الِانْقِلابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَضُرِبَ فانْفَلَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَهُنا العافِيَةُ، والفَضْلُ التِّجارَةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ مَنافِعُ الدُّنْيا، والفَضْلُ ثَوابُ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ ولا جِراحٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ رَسُولِهِ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ فِيما فَعَلُوا، وفي ذَلِكَ إلْقاءُ الحَسْرَةِ في قُلُوبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهم وإظْهارٌ لِخَطَأِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم مِمّا فازَ بِهِ هَؤُلاءِ، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًا، فَأعْطاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الغَزْوِ ورَضِيَ عَنْهم. صفحة ٨٣ واعْلَمْ أنَّ أهْلَ المَغازِي اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الواقِدِيُّ إلى تَخْصِيصِ الآيَةِ الأُولى بِواقِعَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ بِبَدْرٍ الصُّغْرى، ومِنهم مَن يَجْعَلُ الآيَتَيْنِ في وقْعَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ عَهْدٍ بِالقَرْحِ، فالمَدْحُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ المَدْحِ عَلى الخُرُوجِ عَلى العَدُوِّ مِن وقْتِ إصابَةِ القَرْحِ لِمَسِّهِ، والقَوْلُ الآخَرُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ. والقَرْحُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ بِالهَزِيمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ انْهَزَمُوا ثُمَّ أحْسَنُوا الأعْمالَ بِالتَّوْبَةِ واتَّقَوُا اللَّهَ في سائِرِ أُمُورِهِمْ، ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ عازِمِينَ عَلى الثَّوابِ مُوَطِّنِينَ أنْفُسَهم عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، بِحَيْثُ لَمّا بَلَغَهم كَثْرَةُ جُمُوعِهِمْ لَمْ يَفْتَرُوا ولَمْ يَفْشَلُوا، وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ ورَضُوا بِهِ كافِيًا ومُعِينًا فَلَهم أجْرٌ عَظِيمٌ لا يَحْجُبُهم عَنْهُ ما كانَ مِنهم مِنَ الهَزِيمَةِ إذْ كانُوا قَدْ تابُوا عَنْها، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:175

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (الشَّيْطانُ) خَبَرُ (ذَلِكم) بِمَعْنى: إنَّما ذَلِكُمُ المُثَبِّطُ هو الشَّيْطانُ و(يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِتَثْبِيطِهِ، أوِ (الشَّيْطانُ) صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ و(يُخَوِّفُ) الخَبَرُ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الرَّكْبُ، وقِيلَ: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وسُمِّيَ شَيْطانًا لِعُتُوِّهِ وتَمَرُّدِهِ في الكُفْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ بِالوَسْوَسَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالشَّيْطانِ إنَّما خَوَّفُوا المُؤْمِنِينَ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي وحُذِفَ الجارُّ، ومِثالُ حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، ومِثالُ حَذْفِ الجارِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] مَعْناهُ: لِيُنْذِرَكم بِبَأْسٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ لِيُنْذِرَكم بِيَوْمِ التَّلاقِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وأبِي عَلِيٍّ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“ . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا عَلى قَوْلِ القائِلِ: خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ الأمْوالَ، أيْ أعْطَيْتُ القَوْمَ الأمْوالَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أوْلى مِنِ ادِّعاءٍ جارٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا) أيْ لِيُنْذِرَكم بَأْسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أيْ لِيُنْذِرَكم يَوْمَ التَّلاقِ، والتَّخْوِيفُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن غَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ القِتالَ، وخَوَّفْتُهُ القِتالَ، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“ . القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ ويُؤْثِرُونَ أمْرَهُ، فَأمّا أوْلِياءُ اللَّهِ، فَإنَّهم لا يَخافُونَهُ إذا خَوَّفَهم ولا يَنْقادُونَ لِأمْرِهِ ومُرادِهِ مِنهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ، فالقَوْلُ الأوَّلُ فِيهِ مَحْذُوفانِ، والثّانِي فِيهِ مَحْذُوفٌ واحِدٌ، والثّالِثُ لا حَذْفَ فِيهِ. وأمّا الأوْلِياءُ فَهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ الكِنايَةُ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عائِدَةٌ صفحة ٨٤ إلى الأوْلِياءِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ عائِدَةٌ إلى ”النّاسِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ فَتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا (وخافُونِ) فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ عَلى خَوْفِ النّاسِ.

آل عمران 3:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”يُحْزِنْكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ وضَمَّ الزّايَ، والباقُونَ كُلُّهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ حَزَنَهُ يَحْزُنُهُ عَلى ما قَرَأ بِهِ أكْثَرُ القُرّاءِ، وحُجَّةُ نافِعٍ أنَّهُما لُغَتانِ يُقالُ: حَزَنَ يَحْزُنُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ، وأحْزَنَ يُحْزِنُ كَأكْرَمَ يُكْرِمُ لُغَتانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ رَسُولَهُ آمِنًا مِن شَرِّهِمْ، والمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ مَن يُسارِعُ في الكُفْرِ بِأنْ يَقْصِدَ جَمْعَ العَساكِرِ لِمُحارَبَتِكَ، فَإنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم ولا يَضُرُّونَ اللَّهَ، ولا بُدَّ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَنْ يَضُرُّوا النَّبِيَّ وأصْحابَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ضَرَرٍ مَخْصُوصٍ، لِأنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ ألْحَقُوا أنْواعًا مِنَ الضَّرَرِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى أنَّ مَقْصُودَهم مِن جَمْعِ العَساكِرِ إبْطالُ هَذا الدِّينِ وإزالَةُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَحْصُلُ لَهم، بَلْ يَضْمَحِلُّ أمْرُهم وتَزُولُ شَوْكَتُهم، ويَعْظُمُ أمْرُكَ ويَعْلُو شَأْنُكَ. الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ومُسارَعَتُهم هي أنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ وقْعَةِ أُحُدٍ ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ، أوْ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا طالِبُ مُلْكٍ، فَتارَةً يَكُونُ الأمْرُ لَهُ، وتارَةً عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ما غُلِبَ، وهَذا كانَ يُنَفِّرُ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، فَكانَ الرَّسُولُ يَحْزَنُ بِسَبَبِهِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ أسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا خَوْفًا مِن قُرَيْشٍ، فَوَقَعَ الغَمُّ في قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهم بِسَبَبِ تِلْكَ الرِّدَّةِ يُلْحِقُونَ بِهِ مَضَرَّةً، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ رِدَّتَهم لا تُؤَثِّرُ في لُحُوقِ ضَرَرٍ بِكَ. قالَ القاضِي: ويُمْكِنُ أنْ يَقْوى هَذا الوَجْهُ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ عَلى الكُفْرِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ يُسارِعُ في الكُفْرِ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ. الثّانِي: أنَّ إرادَتَهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن قَدْ آمَنَ، فاسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُحْبِطَ. الثّالِثُ: أنَّ الحُزْنَ إنَّما يَكُونُ عَلى فَواتِ أمْرٍ مَقْصُودٍ، فَلَمّا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الِانْتِفاعَ بِإيمانِهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا حَزِنَ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ لِفَواتِ التَّكْثِيرِ بِهِمْ، فَآمَنُهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وعَرَّفَهُ أنَّ وُجُودَ إيمانِهِمْ كَعَدَمِهِ في أنَّ أحْوالَهُ لا تَتَغَيَّرُ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمَتاعِ صفحة ٨٥ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولا يَبْعُدُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ أصْنافِ الكُفّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤١] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُزْنَهُ كانَ حاصِلًا مِن كُلِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الحُزْنَ عَلى كُفْرِ الكافِرِ ومَعْصِيَةِ العاصِي طاعَةٌ، فَكَيْفَ نَهى اللَّهُ عَنِ الطّاعَةِ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ يُفَرِّطُ ويُسْرِفُ في الحُزْنِ عَلى كُفْرِ قَوْمِهِ حَتّى كادَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الإسْرافِ فِيهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] . الثّانِي: أنَّ المَعْنى لا يُحْزِنُوكَ بِخَوْفِ أنْ يَضُرُّوكَ ويُعِينُوا عَلَيْكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ يَعْنِي أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ، ولا يَعُودُ وبالُ ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ ألْبَتَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ والمَعْنى أنَّهم لَنْ يَضُرُّوا النَّبِيَّ وأصْحابَهُ شَيْئًا، وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّهُ يُرِيدُ الإخْبارَ بِذَلِكَ والحُكْمَ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. والثّانِي: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما قالَ، لَكِنَّ الإتْيانَ بِضِدِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وحَكَمَ بِهِ مُحالٌ فَيَعُودُ الإشْكالُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الإرادَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِ، وقالَ أصْحابُنا ذَلِكَ جائِزٌ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى قَوْلِ أصْحابِنا لِأنَّهُ قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ إرادَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذا العَدَمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قُلْنا: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّكِرَةَ في مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ، إذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلِ العُمُومُ لَمْ يَحْصُلْ تَهْدِيدُ الكُفّارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والمَعْنى أنَّهُ كَما لا حَظَّ لَهُمُ البَتَّةَ مِن مَنافِعِ الآخِرَةِ فَلَهُمُ الحَظُّ العَظِيمُ مِن مَضارِّ الآخِرَةِ.

آل عمران 3:177

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وحَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى المُرْتَدِّينَ لا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ الآيَةِ الأُولى عَلى المُرْتَدِّينَ، وحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى اليَهُودِ، ومَعْنى اشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ مِنهم، أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ويَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلى أعْدائِهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ وتَرَكُوا ما صفحة ٨٦ كانُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوُا الإيمانَ وأخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا عَنْهُ كَما يَفْعَلُ المُشْتَرِي مِن إعْطاءِ شَيْءٍ وأخْذِ غَيْرِهِ بَدَلًا عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم مَتى كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، فَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ كَفَرُوا وتَرَكُوا الإيمانَ، فَكانَ ذَلِكَ كَأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: (الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكفر لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرارِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ أوَّلًا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاضْطِرابِ وضَعْفِ الرَّأْيِ وقِلَّةِ الثَّباتِ، ومِثْلُ هَذا الإنْسانِ لا خَوْفَ مِنهُ ولا هَيْبَةَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ عَلى إلْحاقِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ. وثانِيها: أنَّ أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها، ومِثْلُ هَذا مِمّا لا يُقْدِمُ الإنْسانُ فِيهِ عَلى الفِعْلِ أوْ عَلى التَّرْكِ إلّا بَعْدَ إمْعانِ النَّظَرِ وكَثْرَةِ الفِكْرِ، وهَؤُلاءِ يُقْدِمُونَ عَلى الفِعْلِ أوْ عَلى التَّرْكِ في مِثْلِ هَذا المُهِمِّ العَظِيمِ بِأهْوَنِ الأسْبابِ وأضْعَفِ المُوجِباتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وشِدَّةِ حَماقَتِهِمْ، فَأمْثالُ هَؤُلاءِ لا يَلْتَفِتُ العاقِلُ إلَيْهِمْ. وثالِثُها: أنَّ أكْثَرَهم إنَّما يُنازِعُونَكَ في الدِّينِ، لا بِناءً عَلى الشُّبُهاتِ، بَلْ بِناءً عَلى الحَسَدِ والمُنازَعَةِ في مَنصِبِ الدُّنْيا، ومَن كانَ عَقْلُهُ هَذا القَدْرَ، وهو أنَّهُ يَبِيعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيا السَّعادَةَ العَظِيمَةَ في الآخِرَةِ كانَ في غايَةِ الحَماقَةِ، ومِثْلُهُ لا يَقْدِرُ في إلْحاقِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ، فَهَذا هو الفائِدَةُ في إعادَةِ هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

آل عمران 3:178

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى المَدِينَةِ لِتَثْبِيطِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم إنَّما ثَبَّطُوهم لِأنَّهم خَوَّفُوهم بِأنْ يُقْتَلُوا كَما قُتِلَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ الشَّياطِينِ لا يَقْبَلُها المُؤْمِنُ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وإنَّما الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَقاءَ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ لَيْسَ خَيْرًا مِن قَتْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ، لِأنَّ هَذا البَقاءَ صارَ وسِيلَةً إلى الخِزْيِ في الدُّنْيا والعِقابِ الدّائِمِ في القِيامَةِ، وقَتْلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ صارَ وسِيلَةً إلى الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، فَتَرْغِيبُ أُولَئِكَ المُثَبِّطِينَ في مِثْلِ هَذِهِ الحَياةِ وتَنْفِيرُهم عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَتْلِ لا يَقْبَلُهُ إلّا جاهِلٌ. فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”ولا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. ولا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. لا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. فَلا تَحْسَبُنَّهم“ في الأرْبَعَةِ بِالتّاءِ وضَمَّ الباءِ في قَوْلِهِ (تَحْسَبُنَّهم) وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ إلّا قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبَنَّهم“ [آل عمران: ١٨٨] فَإنَّهُ بِالتّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ كُلَّها بِالتّاءِ، واخْتِلافُ القُرّاءِ في فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قَدَّمْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ: صفحة ٨٧ فَقَوْلُهُ: (يَحْسَبَنَّ) فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعِلٌ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولًا يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ نَحْوُ حَسِبْتُ، وقَوْلُهُ: حَسِبْتُ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، وحَسِبْتُ أنْ يَقُومَ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤] وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ فَأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نُصِبَ بِأنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ، و﴿أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ بَدَلٌ عَنْهُ. و﴿خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ إمْلاءَ الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم. ومِثْلُهُ مِمّا جَعَلَ ”أنَّ“ مَعَ الفِعْلِ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فَقَوْلُهُ: (أنَّها لَكم) بَدَلٌ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: (أنَّما) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (الَّذِي) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، وحَذَفَ الهاءَ مِن ”نُمْلِي“ لِأنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الهاءِ مِن صِلَةِ الَّذِي كَقَوْلِكَ: الَّذِي رَأيْتُ زَيْدٌ. والآخَرُ: أنْ يُقالَ: ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلائِي لَهم خَيْرٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكانَ حَقُّها في قِياسِ عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً ولَكِنَّها وقَعَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ مُتَّصِلَةً، واتِّباعُ خَطِّ المَصاحِفِ لِذَلِكَ المُصْحَفِ واجِبٌ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ فَهَهُنا يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً لِأنَّها كافَّةٌ بِخِلافِ الأُولى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى ”نُمْلِي“ نُطِيلُ ونُؤَخِّرُ، والإمْلاءُ الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واشْتِقاقُهُ مِنَ المَلْوَةِ وهي المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ، يُقالُ: مَلَوْتُ مِنَ الدَّهْرِ مَلْوَةً ومُلْوَةً ومِلاوَةً ومُلاوَةً بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أمْلى عَلَيْهِ الزَّمانُ أيْ طالَ، وأمْلى لَهُ أيْ طَوَّلَ لَهُ وأمْهَلَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِنهُ المَلا لِلْأرْضِ الواسِعَةِ الطَّوِيلَةِ والمَلَوانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الإمْلاءَ عِبارَةٌ عَنْ إطالَةِ المُدَّةِ، وهي لا شَكَّ أنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ نَصٌّ في بَيانِ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فاعِلُ الخَيْرِ والشَّرِّ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الإمْلاءِ هو أنْ يَزْدادُوا مِنَ الإثْمِ والبَغْيِ والعُدْوانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِإرادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولِيَكُونَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا خَيْرَ لَهم في هَذا الإمْلاءِ، وأنَّهم لا يَحْصُلُونَ إلّا عَلى ازْدِيادِ البَغْيِ والطُّغْيانِ، والإتْيانُ بِخِلافِ مُخْبَرِ اللَّهِ تَعالى مَعَ بَقاءِ ذَلِكَ الخَيْرِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإذا لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ مَعَ ذَلِكَ الإمْلاءِ عَلى الخَيْرِ والطّاعَةِ مَعَ أنَّهم مُكَلَّفُونَ بِذَلِكَ لَزِمَ في نَفْسِهِ بُطْلانُ مَذْهَبِ القَوْمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَلَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، إنَّما المُرادُ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لَيْسَ خَيْرًا لَهم مِن أنْ يَمُوتُوا كَما ماتَ الشُّهَداءُ يَوْمَ أُحُدٍ، لِأنَّ كُلَّ هَذِهِ الآياتِ في شَأْنِ أُحُدٍ وفي تَثْبِيطِ المُنافِقِينَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الجِهادِ عَلى ما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْقاءَ الكافِرِينَ في الدُّنْيا وإمْلاءَهُ لَهم لَيْسَ بِخَيْرٍ لَهم مِن أنْ يَمُوتُوا كَمَوْتِ الشُّهَداءِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِ هَذا الإمْلاءِ أكْثَرَ خَيْرِيَّةً مِن ذَلِكَ القَتْلِ، أنْ لا يَكُونَ هَذا الإمْلاءُ في نَفْسِهِ خَيْرًا. صفحة ٨٨ وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَقَدْ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الغَرَضَ مِنَ الإمْلاءِ إقْدامُهم عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] بَلِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ: أحَدُها: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ اللّامُ عَلى لامِ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ لِطَلَبِ الإضْلالِ، بَلْ لِطَلَبِ الِاهْتِداءِ، ويُقالُ: ما كانَتْ مَوْعِظَتِي لَكَ إلّا لِزِيادَةٍ في تَمادِيكَ في الفِسْقِ إذا كانَتْ عاقِبَةُ المَوْعِظَةِ ذَلِكَ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا إنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمْهَلَهم مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَزْدادُونَ عِنْدَ هَذا الإمْهالِ إلّا تَمادِيًا في الغَيِّ والطُّغْيانِ، أشْبَهَ هَذا حالَ مَن فَعَلَ الإمْلاءَ لِهَذا الغَرَضِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ أسْبابِ حُسْنِ المَجازِ. ورابِعُها: وهو السُّؤالُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لِلْقَوْمِ وهو أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: (لِيَزْدادُوا إثْمًا) غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى الغَرَضِ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، أمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ فَلِأنَّهم يُحِيلُونَ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ بِالأغْراضِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنّا لا نَقُولُ بِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ مُعَلَّلٌ بِغَرَضِ التَّعَبِ والإيلامِ، بَلْ عِنْدَنا أنَّهُ تَعالى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا إلّا لِغَرَضِ الإحْسانِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الإجْماعُ عَلى أنَّ هَذِهِ اللّامَ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ عَلى التَّعْلِيلِ والغَرَضِ، وعِنْدَ هَذا يَسْقُطُ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا قَوْلُ القائِلِ: ما المُرادُ مِن هَذِهِ اللّامِ ؟ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ، لِأنَّ المُسْتَدِلَّ إنَّما بَنى اسْتِدْلالَهُ عَلى أنَّ هَذِهِ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، فَإذا بَطَلَ ذَلِكَ سَقَطَ اسْتِدْلالُهُ. وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الإخْبارُ والعِلْمُ فَهو مُعارَضٌ بِأنَّ هَذا لَوْ مَنَعَ العَبْدَ مِنَ الفِعْلِ لَمَنَعَ اللَّهُ مِنهُ، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُوجِبًا لا مُخْتارًا، وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾ مَعْناهُ نَفْيُ الخَيْرِيَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، لِأنَّ بِناءَ المُبالَغَةِ لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ، فَلَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ هَهُنا إلّا أحَدَ الأمْرَيْنِ عَرَفْنا أنَّهُ لِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ لا لِنَفْيِ كَوْنِهِ خَيْرًا مِن شَيْءٍ آخَرَ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو تَمَسُّكُهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ﴾ [النساء: ٦٤] . فَجَوابُهُ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها خاصٌّ، والآيَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو حَمْلُ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَإنَّ البُرْهانَ العَقْلِيَّ يُبْطِلُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِازْدِيادِ الغَيِّ والطُّغْيانِ، كانَ ذَلِكَ واجِبَ الحُصُولِ لِأنَّ حُصُولَ مَعْلُومِ اللَّهِ واجِبٌ، وعَدَمُ حُصُولِهِ مُحالٌ، وإرادَةُ المُحالِ مُحالٌ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ الإيمانَ، ويَجِبُ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ ازْدِيادَ الغَيِّ والطُّغْيانِ، وحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ هو التَّعْلِيلُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلى لامِ العاقِبَةِ. وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: وهو التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ. فالجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ. وثانِيها: قالَ الواحِدِيُّ صفحة ٨٩ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذا إنَّما يَحْسُنُ لَوْ جازَتْ قِراءَةُ ”إنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ“ بِكَسْرِ ”إنَّما“ وقِراءَةُ ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ " بِالفَتْحِ. ولَمْ تُوجَدْ هَذِهِ القِراءَةُ البَتَّةَ. وثالِثُها: أنّا بَيَّنّا بِالبُرْهانِ القاطِعِ العَقْلِيِّ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ مِن هَذا الإمْلاءِ حُصُولَ الطُّغْيانِ لا حُصُولَ الإيمانِ، فالقَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ والتِزامٌ لِما هو عَلى خِلافِ البُرْهانِ القاطِعِ. وأمّا السُّؤالُ الخامِسُ: وهو قَوْلُهُ: هَذِهِ اللّامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى التَّعْلِيلِ. فَجَوابُهُ أنَّ عِنْدَنا يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ أفْعالِ اللَّهِ لِغَرَضٍ يَصْدُرُ مِنَ العِبادِ، فَأمّا أنْ يَفْعَلَ تَعالى فِعْلًا لِيَحْصُلَ مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ فَهَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الإمْلاءِ إيصالَ الخَيْرِ لَهم والإحْسانَ إلَيْهِمْ، والقَوْمُ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، فَتَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ. وأمّا السُّؤالُ السّادِسُ: وهو المُعارَضَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى. فالجَوابُ: أنَّ تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ في إيجادِ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِعَدَمِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْ أنْ يَكُونَ العِلْمُ مانِعًا عَنِ القُدْرَةِ. أمّا في حَقِّ العَبْدِ فَتَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِ الفِعْلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِهِ، فَصَلَحَ أنْ يَكُونَ هَذا العِلْمُ مانِعًا لِلْعَبْدِ عَنِ الفِعْلِ، فَهَذا تَمامُ المُناظَرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اتَّفَقَ أصْحابُنا أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى في حَقِّ الكافِرِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وهَلْ لَهُ في حَقِّهِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أصْحابِنا، فالَّذِينَ قالُوا لَيْسَ لَهُ في حَقِّهِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ إطالَةَ العُمُرِ وإيصالَهُ إلى مُراداتِهِ في الدُّنْيا لَيْسَ شَيْءٌ مِنها نِعْمَةً، لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، والعَقْلُ أيْضًا يُقَرِّرُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن أطْعَمَ إنْسانًا خَبِيصًا مَسْمُومًا فَإنَّهُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ الإطْعامُ إنْعامًا، فَإذا كانَ المَقْصُودُ مِن إعْطاءِ نِعَمِ الدُّنْيا عِقابَ الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنها نِعْمَةً حَقِيقِيَّةً، وأمّا الآياتُ الوارِدَةُ في تَكْثِيرِ النِّعَمِ في حَقِّ الكُفّارِ فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى ما يَكُونُ نِعَمًا في الظّاهِرِ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ تِلْكَ الآياتِ إلّا أنْ نَقُولَ: تِلْكَ النِّعَمُ نِعَمٌ في الظّاهِرِ ولَكِنَّها نِقَمٌ وآفاتٌ في الحَقِيقَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:179

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الأحْوالَ الَّتِي وقَعَتْ في تِلْكَ الحادِثَةِ مِنَ القَتْلِ والهَزِيمَةِ، ثُمَّ دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم مَعَ ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحاتِ إلى الخُرُوجِ لِطَلَبِ العَدُوِّ، ثُمَّ دُعائِهِ إيّاهم مَرَّةً أُخْرى إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ صفحة ٩٠ صارَ دَلِيلًا عَلى امْتِيازِ المُؤْمِنِ مِنَ المُنافِقِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ خافُوا ورَجَعُوا وشَمَتُوا بِكَثْرَةِ القَتْلى مِنكم، ثُمَّ ثَبَّطُوا وزَهَّدُوا المُؤْمِنِينَ عَنِ العَوْدِ إلى الجِهادِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لا يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلاطِ المُنافِقِينَ بِكم وإظْهارِهِمْ أنَّهم مِنكم ومِن أهْلِ الإيمانِ بَلْ كانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ إلْقاءُ هَذِهِ الحَوادِثِ والوَقائِعِ حَتّى يَحْصُلَ هَذا الِامْتِيازُ، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ“ بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في الأفْعالِ، والباقُونَ ”يَمِيزَ“ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ الأُولى وكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ الأخِيرَةِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهُما لُغَتانِ يُقالُ مِزْتُ الشَّيْءَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ فَأنا أُمَيِّزُهُ مَيْزًا أوْ أُمَيِّزُهُ تَمْيِيزًا، ومِنهُ الحَدِيثُ ”«مَن مازَ أذًى عَنْ طَرِيقٍ فَهو لَهُ صَدَقَةٌ» “ وحُجَّةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ أنَّ المَيْزَ يُفِيدُ فائِدَةَ التَّمْيِيزِ وهو أخَفُّ في اللَّفْظِ فَكانَ أوْلى، وحَكى أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يَقُولُ: التَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَمِيزُ بِالتَّخْفِيفِ، واللَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فَذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وهَذا كَما قالَ بَعْضُهم في الفَرْقِ والتَّفْرِيقِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وهو مُطاوِعُ المَيْزِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ: أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ، وفي المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ كَثْرَةٌ، فَلَفْظُ التَّمْيِيزِ هَهُنا أوْلى، ولَفْظُ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا إلّا أنَّهُ لِلْجِنْسِ، فالمُرادُ بِهِما جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ لا اثْنانِ مِنهُما. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلاطِ المُؤْمِنِ بِالمُنافِقِ وأشْباهِهِ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، أيِ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ، واخْتَلَفُوا بِأيِّ شَيْءٍ مَيَّزَ بَيْنَهم، وذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: بِإلْقاءِ المِحَنِ والمَصائِبِ والقَتْلِ والهَزِيمَةِ، فَمَن كانَ مُؤْمِنًا ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ وعَلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، ومَن كانَ مُنافِقًا ظَهَرَ نِفاقُهُ وكُفْرُهُ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ وعَدَ بِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ عَظُمَتْ دَوْلَتُهُ وذَلَّ الكُفْرُ وأهْلُهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ حَصَلَ هَذا الِامْتِيازُ. وثالِثُها: القَرائِنُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، مِثْلُ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَفْرَحُونَ بِنُصْرَةِ الإسْلامِ وقُوَّتِهِ، والمُنافِقِينَ كانُوا يَغْتَمُّونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ هَذا التَّمْيِيزَ إنْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ فَقَدْ ظَهَرَ كُفْرُ المُنافِقِينَ، وظُهُورُ الكُفْرِ مِنهم يَنْفِي كَوْنَهم مُنافِقِينَ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَمْ يَحْصُلْ مَوْعُودُ اللَّهِ. وجَوابُهُ: أنَّهُ ظَهَرَ بِحَيْثُ يُفِيدُ الِامْتِيازَ الظَّنِّيَّ، لا الِامْتِيازَ القَطْعِيَّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنْ يَظْهَرَ هَذا التَّمْيِيزُ، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ التَّمْيِيزُ بِأنْ يُطْلِعَكُمُ اللَّهُ عَلى غَيْبِهِ فَيَقُولُ إنَّ فُلانًا مُنافِقٌ وفُلانًا مُؤْمِنٌ، وفُلانًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وفُلانًا مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَوامُّ النّاسِ عَلى غَيْبِهِ، بَلْ لا سَبِيلَ لَكم إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الِامْتِيازِ إلّا بِالِامْتِحاناتِ مِثْلُ ما ذَكَرْنا مِن وُقُوعِ المِحَنِ والآفاتِ، حَتّى يَتَمَيَّزَ عِنْدَها المُوافِقُ مِنَ المُنافِقِ، فَأمّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّلاعِ مِنَ الغَيْبِ فَهو مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَخَصَّهم بِإعْلامِهِمْ أنَّ هَذا مُؤْمِنٌ وهَذا مُنافِقٌ. ويُحْتَمَلُ: ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَيَمْتَحِنُ خَلْقَهُ بِالشَّرائِعِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى يَتَمَيَّزَ الفَرِيقانِ بِالِامْتِحانِ، ويُحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ صفحة ٩١ لِيَجْعَلَكم كُلَّكم عالِمِينَ بِالغَيْبِ مِن حَيْثُ يُعْلِمُ الرَّسُولَ حَتّى تَصِيرُوا مُسْتَغْنِينَ عَنِ الرَّسُولِ، بَلِ اللَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ يُكَلِّفُ الباقِينَ طاعَةَ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ المُنافِقِينَ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِوُقُوعِ الحَوادِثِ المَكْرُوهَةِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ فِيها مَصالِحُ، مِنها تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، فَلَمّا أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ يَعْنِي لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى نُبُوَّتِهِ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ فَقَدْ أجَبْنا عَنْها، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وإنَّما قالَ: (ورُسُلِهِ) ولَمْ يَقُلْ: ورَسُولِهِ لِدَقِيقَةٍ، وهي أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي بِهِ يُتَوَصَّلُ إلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ إلّا المُعْجِزُ وهو حاصِلٌ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَبَ الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ قالَ: (ورُسُلِهِ) والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ طَرِيقَ إثْباتِ نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ واحِدٌ، فَمَن أقَرَّ بِنُبُوَّةِ واحِدٍ مِنهم لَزِمَهُ الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الكُلِّ، ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَرَنَ بِهِ الوَعْدَ بِالثَّوابِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو ظاهِرٌ.

آل عمران 3:180

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهادِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ في الجِهادِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ بِبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ، وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فاعِلُ ”يَحْسَبَنَّ“ ضَمِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ ضَمِيرَ أحَدٍ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم، وإنَّما جازَ حَذْفُهُ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيِ الكَذِبُ، ومِثْلُهُ: إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ أيِ السَّفَهُ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ: هُمُ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ هُمُ ∗∗∗ والآخِذُونَ بِهِ والسّادَةُ الأُوَلُ فَقَوْلُهُ ”بِهِ“ يُرِيدُ بِالمُلْكِ، ولَكِنَّهُ اكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ المُلُوكِ. صفحة ٩٢ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ تُسَمِّيهِ البَصْرِيُّونَ فَصْلًا، والكُوفِيُّونَ عِمادًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ”يَبْخَلُونَ“ فَهو بِمَنزِلَةِ ما إذا ذَكَرَ البُخْلَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ البُخْلَ خَيْرًا لَهم، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ لِلْمُبْتَدَأِ حَقِيقَةً، ولِلْخَبَرِ حَقِيقَةً، وكَوْنُ حَقِيقَةُ المُبْتَدَأِ مَوْصُوفًا بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ أمْرٌ زائِدٌ عَلى حَقِيقَةِ المُبْتَدَأِ وحَقِيقَةِ الخَبَرِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ المَوْصُوفِيَّةُ أمْرًا زائِدًا عَلى الذّاتَيْنِ فَلا بُدَّ مِن صِيغَةٍ ثالِثَةٍ دالَّةٍ عَلى هَذِهِ المَوْصُوفِيَّةِ وهي كَلِمَةُ ”هو“ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَمِّ البُخْلِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ الخَيْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مالًا، وأنْ يَكُونَ عِلْمًا. فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ ورَدَ عَلى البُخْلِ بِالمالِ، والمَعْنى: لا يَتَوَهَّمَنَّ هَؤُلاءِ البُخَلاءُ أنَّ بُخْلَهم هو خَيْرٌ لَهم، بَلْ هو شَرٌّ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْقى عِقابُ بُخْلِهِمْ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَعَ أنَّهُ لا تَبْقى تِلْكَ الأمْوالُ عَلَيْهِمْ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا البُخْلِ: البُخْلُ بِالعِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يَكْتُمُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ الكِتْمانُ بُخْلًا، يُقالُ: فُلانٌ يَبْخَلُ بِعِلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّمَ اليَهُودَ والنَّصارى ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإذا كَتَمُوا ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ ذَلِكَ بُخْلًا. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ ولَوْ فَسَّرْنا الآيَةَ بِالعِلْمِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ المَجازِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ فَسَّرْناها بِالمالِ لَمْ نَحْتَجْ إلى المَجازِ فَكانَ هَذا أوْلى. الثّانِي: أنّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى المالِ كانَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في بَذْلِ المالِ في الجِهادِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها نَظْمٌ حَسَنٌ، ولَوْ حَمَلْناها عَلى أنَّ اليَهُودَ كَتَمُوا ما عَرَفُوهُ مِنَ التَّوْراةِ انْقَطَعَ النَّظْمُ، إلّا عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّفِ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ البُخْلَ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الواجِبِ، وأنَّ مَنعَ التَّطَوُّعِ لا يَكُونُ بُخْلًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في البُخْلِ، والوَعِيدُ لا يَلِيقُ إلّا عَلى الواجِبِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ البُخْلَ وعابَهُ، ومَنعُ التَّطَوُّعِ لا يَجُوزُ أنْ يُذَمَّ فاعِلُهُ، وأنْ يُعابَ بِهِ. وثالِثُها: وهو أنَّهُ تَعالى لا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْكِ التَّفَضُّلِ لِأنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَقْدُوراتِهِ في التَّفَضُّلِ، وكُلُّ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ فَهو مُتَناهٍ، فَيَكُونُ لا مَحالَةَ تارِكًا التَّفَضُّلَ، فَلَوْ كانَ تَرْكُ التَّفَضُّلِ بُخْلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى مَوْصُوفًا بِالبُخْلِ لا مَحالَةَ تَعالى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا. ورابِعُها: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ» “ ومَعْلُومٌ أنَّ تارِكَ التَّطَوُّعِ لا يَلِيقُ بِهِ هَذا الوَصْفُ. وخامِسُها: أنَّهُ لَوْ كانَ تارِكُ التَّفَضُّلِ بَخِيلًا لَوَجَبَ فِيمَن يَمْلِكُ المالَ كُلَّهُ العَظِيمَ أنْ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ البُخْلِ إلّا بِإخْراجِ الكُلِّ. وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ بَعْضَ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] صفحة ٩٣ فَوَصَفَهم بِالهُدى والفَلاحِ، ولَوْ كانَ تارِكُ التَّطَوُّعِ بَخِيلًا مَذْمُومًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ البُخْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ الواجِبِ، إلّا أنَّ الإنْفاقَ الواجِبَ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، مِنها إنْفاقُهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أقارِبِهِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهم، ومِنها ما يَتَّصِلُ بِأبْوابِ الزَّكاةِ، ومِنها ما إذا احْتاجَ المُسْلِمُونَ إلى دَفْعِ عَدُوٍّ يَقْصِدُ قَتْلَهم ومالَهم، فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْفاقُ الأمْوالِ عَلى مَن يَدْفَعُهُ عَنْهم، لِأنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، ومِنها إذا صارَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مُضْطَرًّا فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِقْدارَ ما يَسْتَبْقِي بِهِ رَمَقَهُ، فَكُلُّ هَذِهِ الإنْفاقاتِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكُهُ مِن بابِ البُخْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا الوَعِيدِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ وهو أنَّهُ تَعالى يُطَوِّقُهم بِطَوْقٍ يَكُونُ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ. قِيلَ إنَّهُ تَعالى يُصَيِّرُ تِلْكَ الأمْوالَ في أعْناقِهِمْ حَيّاةً تَكُونُ لَهم كالأطْواقِ تَلْتَوِي في أعْناقِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَلْتَوِيَ تِلْكَ الحَيّاتُ في سائِرِ أبْدانِهِمْ، فَأمّا ما يَصِيرُ مِن ذَلِكَ في أعْناقِهِمْ فَعَلى جِهَةِ أنَّهم كانُوا التَزَمُوا أداءَ الزَّكاةِ ثُمَّ امْتَنَعُوا عَنْها، وأمّا ما يَلْتَوِي مِنها في سائِرِ أبْدانِهِمْ فَعَلى جِهَةِ أنَّهم كانُوا يَضُمُّونَ تِلْكَ الأمْوالَ إلى أنْفُسِهِمْ، فَعُوِّضُوا مِنها بِأنْ جُعِلَتْ حَيّاتٌ التَوَتْ عَلَيْهِمْ كَأنَّهم قَدِ التَزَمُوها وضَمُّوها إلى أنْفُسِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الطَّوْقُ طَوْقًا مِن نارٍ يُجْعَلُ في أعْناقِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: تُجْعَلُ تِلْكَ الزَّكاةُ المَمْنُوعَةُ في عُنُقِهِمْ كَهَيْئَةِ الطَّوْقِ شُجاعًا ذا زَبِيبَتَيْنِ يَلْدَغُ بِهِما خَدَّيْهِ ويَقُولُ: أنا الزَّكاةُ الَّتِي بَخِلْتَ في الدُّنْيا بِي. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (سَيُطَوَّقُونَ) قالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”وعَلى الَّذِينَ يَطُوقُونَهُ فِدْيَةٌ“ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُكَلَّفُونَهُ ولا يُطِيقُونَهُ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُؤْمَرُونَ بِأداءِ ما مَنَعُوا حِينَ لا يُمْكِنُهُمُ الإتْيانُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلى مَعْنى: هَلّا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُمْكِنًا. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ أيْ سَيَلْزَمُونَ إثْمَهُ في الآخِرَةِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا عَلى أنَّ ثَمَّ أطْواقًا، يُقالُ مِنهُ: فُلانٌ كالطَّوْقِ في رَقَبَةِ فُلانٍ، والعَرَبُ يُعَبِّرُونَ عَنْ تَأْكِيدِ إلْزامِ الشَّيْءِ بِتَصْيِيرِهِ في العُنُقِ، ومِنهُ يُقالُ: قَلَّدْتُكَ هَذا الأمْرَ، وجَعَلْتُ هَذا الأمْرَ في عُنُقِكَ؛ قالَ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] . القَوْلُ الرّابِعُ: إذا فَسَّرْنا هَذا البُخْلَ بِالبُخْلِ بِالعِلْمِ كانَ مَعْنى ”سَيُطَوَّقُونَ“ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ في رِقابِهِمْ طَوْقًا مِن نارٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ ألْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجامٍ مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ والمَعْنى أنَّهم عُوقِبُوا في أفْواهِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ بِهَذا اللِّجامِ لِأنَّهم لَمْ يَنْطِقُوا بِأفْواهِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى الحَقِّ. واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ هَذا البُخْلِ بِكِتْمانِ دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ غَيْرُ بَعِيدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى صفحة ٩٤ مَوْصُوفُونَ بِالبُخْلِ في القُرْآنِ مَذْمُومُونَ بِهِ؛ قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] وقالَ أيْضًا فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وأيْضًا ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وذَلِكَ مِن أقْوالِ اليَهُودِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً في البُخْلِ بِالعِلْمِ، وفي البُخْلِ بِالمالِ، ويَكُونُ الوَعِيدُ حاصِلًا عَلَيْهِما مَعًا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَلْزَمُهُ هَذِهِ الحُقُوقُ ولا تَسْقُطُ عَنْهُ هو المُصَدِّقُ بِالرَّسُولِ وبِالشَّرِيعَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ فَلِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى حِرْمانِ الثَّوابِ وحُصُولِ النّارِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَهو صَرِيحٌ بِالوَعِيدِ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ولَهُ ما فِيها مِمّا يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ، فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: المُرادُ أنَّهُ يَفْنى أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ وتَبْقى الأمْلاكُ ولا مالِكَ لَها إلّا اللَّهُ، فَجَرى هَذا مَجْرى الوِراثَةِ إذْ كانَ الخَلْقُ يَدَعُونَ الأمْلاكَ، فَلَمّا ماتُوا عَنْها ولَمْ يُخْلِفُوا أحَدًا كانَ هو الوارِثَ لَها، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يَبْطُلُ مِلْكُ جَمْعِ المالِكِينَ إلّا مِلْكَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَصِيرُ كالمِيراثِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ ورِثَ فُلانٌ عِلْمَ فُلانٍ إذا انْفَرَدَ بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ مُشارِكًا فِيهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] وكانَ المَعْنى انْفِرادَهُ بِذَلِكَ الأمْرِ بَعْدَ أنْ كانَ داوُدُ مُشارِكًا لَهُ فِيهِ وغالِبًا عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”بِما يَعْمَلُونَ“ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ كِنايَةً عَنِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والمَعْنى واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مِن مَنعِهِمُ الحُقُوقَ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والباقُونَ قَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ خِطابٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، والغَيْبَةُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الخِطابِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الياءُ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وهي أبْلَغُ في الوَعِيدِ.

آل عمران 3:181

قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُكَلَّفِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِبَذْلِ النَّفْسِ صفحة ٩٥ وبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في حِكايَةِ شُبُهاتِ القَوْمِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ. فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِهِ قالَتِ الكُفّارُ: إنَّهُ تَعالى لَوْ طَلَبَ الإنْفاقَ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، لَأنَّ الَّذِي يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ يَكُونُ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ الفَقْرُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالًا، كانَ كَوْنُهُ طالِبًا لِلْمالِ مِن عَبِيدِهِ مُحالًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في إسْنادِ هَذا الطَّلَبِ إلى اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ الثّانِي في طَرِيقِ النَّظْمِ: أنَّ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ بِأمْوالِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتْ تَجِيءُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا طَلَبَ مِنهم بَذْلَ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ قالُوا لَهُ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَما طَلَبْتَ الأمْوالَ لِهَذا الغَرَضِ، فَإنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِفَقِيرٍ حَتّى يَحْتاجَ في إصْلاحِ دِينِهِ إلى أمْوالِنا، بَلْ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ تَطْلُبُ أمْوالَنا لِأجْلِ أنْ تَجِيئَها نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ أنْ يَقُولَ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، بَلِ الإنْسانُ إنَّما يَذْكُرُ ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وقالَ آخَرُونَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتِ اليَهُودُ: نَرى إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذَنْ أغْنِياءُ وهو فَقِيرٌ، وهو يَنْهانا عَنِ الرِّبا ثُمَّ يُعْطِينا الرِّبا، وأرادُوا قَوْلَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ هَذا القائِلِ، إلّا أنَّ العُلَماءَ نَسَبُوا هَذا القَوْلَ إلى اليَهُودِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: إنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّهُ بَخِيلٌ بِالعَطاءِ، وذَلِكَ الجَهْلُ مُناسِبٌ لِلْجَهْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ عَلى ما رَوَيْناهُ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ. وثالِثُها: أنَّ القَوْلَ بِالتَّشْبِيهِ غالِبٌ عَلى اليَهُودِ، ومَن قالَ بِالتَّشْبِيهِ لا يُمْكِنُهُ إثْباتَ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وإذا عَجَزَ عَنْ إثْباتِ هَذا الأصْلِ عَجَزَ عَنْ بَيانِ أنَّهُ غَنِيٌّ ولَيْسَ بِفَقِيرٍ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم أنْ يُوافِقُوهُ في مُجاهَدَةِ الأعْداءِ قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ . فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الجِهادَ بِالنَّفْسِ قالُوا: لَمّا كانَ الإلَهُ قادِرًا فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى جِهادِنا، وكَذا هَهُنا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الجِهادَ بِبَذْلِ المالِ قالُوا: لَمّا كانَ الإلَهُ غَنِيًّا فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أمْوالِنا. فَكانَ إسْنادُهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ إلى اليَهُودِ لائِقًا مِن هَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم مِنَ الجُهّالِ قَدْ قالَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّهم قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَعْنِي لَوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في أنَّ الإلَهَ يَطْلُبُ المالَ مِن عَبِيدِهِ لَكانَ صفحة ٩٦ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحالًا ثَبَتَ أنَّهُ كاذِبٌ في هَذا الإخْبارِ، أوْ ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ العاقِلُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ عَنِ اعْتِقادٍ فَهو بَعِيدٌ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ كانُوا جَماعَةً، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ”﴿الَّذِينَ قالُوا﴾“ وظاهِرُ هَذا القَوْلِ يُفِيدُ الجَمْعَ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلَ هو فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَلَمّا شَهِدَ الكِتابُ أنَّ القائِلِينَ كانُوا جَماعَةً وجَبَ القَطْعُ بِذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”سَيُكْتَبُ“ بِالياءِ وضَمِّها عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ”وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءِ“ بِرَفْعِ اللّامِ عَلى مَعْنى سَيُكْتَبُ قَتْلُهم، والباقُونَ بِالنُّونِ وفَتْحِ اللّامِ إضافَةً إلَيْهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ”سَيَكْتُبُ“ بِالياءِ وتَسْمِيَةِ الفاعِلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا وعِيدٌ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَتْبِهِ عَلَيْهِمْ إثْباتَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأنْ لا يُلْغى ولا يُطْرَحَ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ إذا أرادُوا إثْباتَ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يَزُولُ ولا يُنْسى ولا يَتَغَيَّرُ كَتَبُوهُ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَتْبَةَ مَجازًا عَنْ إثْباتِ حُكْمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. الثّانِي: سَنَكْتُبُ ما قالُوا في الكُتُبِ الَّتِي تُكْتَبُ فِيها أعْمالُهم لِيَقْرَأُوا ذَلِكَ في جَرائِدِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. والثّالِثُ: عِنْدِي فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ: سَنَكْتُبُ عَنْهم هَذا الجَهْلَ في القُرْآنِ حَتّى يَعْلَمَ الخَلْقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ شِدَّةَ تَعَنُّتِ هَؤُلاءِ وجَهْلَهم وجُهْدَهم في الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكُلِّ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ ونَكْتُبُ قَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الفائِدَةُ في ضَمِّ أنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ إلى أنَّهم وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالفَقْرِ، هي بَيانُ أنَّ جَهْلَ هَؤُلاءِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهَذا الوَقْتِ، بَلْ هم مُنْذُ كانُوا، مُصِرُّونَ عَلى الجَهالاتِ والحَماقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إضافَةِ قَتْلِ الأنْبِياءِ إلى هَؤُلاءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَنَكْتُبُ ما قالَ هَؤُلاءِ ونَكْتُبُ ما فَعَلَهُ أسْلافُهم فَنُجازِي الفَرِيقَيْنِ بِما هو أهْلُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] أيْ قَتَلَها أسْلافُكم ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] . ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] والفاعِلُ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو أسْلافُهم، والمَعْنى أنَّهُ سَيَحْفَظُ عَلى الفَرِيقَيْنِ مَعًا أقْوالَهم وأفْعالَهم. والوَجْهُ الثّانِي: سَنَكْتُبُ عَلى هَؤُلاءِ ما قالُوا بِأنْفُسِهِمْ، ونَكْتُبُ عَلَيْهِمْ رِضاهم بِقَتْلِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنْ رَجُلًا ذَكَرَ عِنْدَهُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وحَسَّنَ قَتْلَهُ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ: صِرْتَ شَرِيكًا في دَمِهِ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فَنَسَبَ لِهَؤُلاءِ قَتْلَهم وكانَ بَيْنَهُما قَرِيبٌ مِن سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٧ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”سَيُكْتَبُ“ عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ”وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ“ بِرَفْعِ اللّامِ ”ويَقُولُ ذُوقُوا“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، والباقُونَ ”سَنَكْتُبُ ونَقُولُ“ بِالنُّونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَنْتَقِمُ مِن هَذا القائِلِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ ذُقْ عَذابَ الحَرِيقِ، كَما أذَقْتَ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ، والحَرِيقُ هو المُحْرِقُ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ هَذا القَوْلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ أوْ عِنْدَ قِراءَةِ الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ حُصُولِ الوَعِيدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم أوْرَدُوا سُؤالًا وهو أنَّ مَن يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ كانَ فَقِيرًا مُحْتاجًا، فَلَوْ طَلَبَ اللَّهُ المالَ مِن عَبِيدِهِ لَكانَ فَقِيرًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ المالَ مِن عَبِيدِهِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صادِقًا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَهَذا هو شُبْهَةُ القَوْمِ فَأيْنَ الجَوابُ عَنْها ؟ وكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُ الوَعِيدِ عَلى ذِكْرِها قَبْلَ ذِكْرِ الجَوابِ عَنْها ؟ فَنَقُولُ: إذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى عَبِيدَهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ. وإنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ تَعالى يُراعِي المَصالِحَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في هَذا التَّكْلِيفِ أنْواعٌ مِنَ المَصالِحِ العائِدَةِ إلى العِبادِ: مِنها: أنَّ إنْفاقَ المالِ يُوجِبُ زَوالَ حُبِّ المالِ عَنِ القَلْبِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَنافِعِ، فَإنَّهُ إذا ماتَ فَلَوْ بَقِيَ في قَلْبِهِ حُبُّ المالِ مَعَ أنَّهُ تَرَكَ المالَ لَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَألُّمِ رُوحِهِ بِتِلْكَ المُفارَقَةِ. ومِنها: أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ الإنْفاقِ إلى الثَّوابِ المُخَلَّدِ المُؤَبَّدِ. ومِنها: أنَّ بِسَبَبِ الإنْفاقِ يَصِيرُ القَلْبُ فارِغًا عَنْ حُبِّ ما سِوى اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَزُولُ عَنِ القَلْبِ حُبُّ غَيْرِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَقْوى في حُبِّ اللَّهِ، وذَلِكَ رَأْسُ السَّعاداتِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ وبَيَّنَها مِرارًا وأطْوارًا، كَما قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] وقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وقالَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ كانَ إيرادُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ البَيِّناتِ مَحْضَ التَّعَنُّتِ، فَلِهَذا اقْتَصَرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِها عَلى مُجَرَّدِ الوَعِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ المُحْرِقُ جَزاءُ فِعْلِكم حَيْثُ وصَفْتُمُ اللَّهَ وأقْدَمْتُمْ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ هَذا العِقابُ عَدْلًا لا جَوْرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العِقابِ بِهِمْ كانَ يَكُونُ ظُلْمًا بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَقَعَ مِنهم تِلْكَ الذُّنُوبُ، وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ جُرْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَ البالِغِينَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ فاعِلًا، وإلّا لَكانَ الظُّلْمُ حاصِلًا. والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مُعارَضٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ عَلى ما شَرَحْناهُ مِرارًا وأطْوارًا. صفحة ٩٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] يُفِيدُ نَفْيَ كَوْنِهِ ظَلّامًا، ونَفْيُ الصِّفَةِ يُوهِمُ بَقاءَ الأصْلِ، فَهَذا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أصْلِ الظُّلْمِ. أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَ بِأنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ لَوْ كانَ ظُلْمًا لَكانَ عَظِيمًا، فَنَفاهُ عَلى حَدِّ عِظَمِهِ لَوْ كانَ ثابِتًا، وهَذا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إيصالَ العِقابِ إلَيْهِمْ يَكُونُ ظُلْمًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الأيْدِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّ الفاعِلَ هو الإنْسانُ لا اليَدُ، إلّا أنَّ اليَدَ لَمّا كانَتْ آلَةَ الفِعْلِ حَسُنَ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اليَدَ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] والكُلُّ حَسَنٌ مُتَعارَفٌ في اللُّغَةِ.

آل عمران 3:182

قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُكَلَّفِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِبَذْلِ النَّفْسِ صفحة ٩٥ وبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في حِكايَةِ شُبُهاتِ القَوْمِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ. فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِهِ قالَتِ الكُفّارُ: إنَّهُ تَعالى لَوْ طَلَبَ الإنْفاقَ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، لَأنَّ الَّذِي يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ يَكُونُ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ الفَقْرُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالًا، كانَ كَوْنُهُ طالِبًا لِلْمالِ مِن عَبِيدِهِ مُحالًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في إسْنادِ هَذا الطَّلَبِ إلى اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ الثّانِي في طَرِيقِ النَّظْمِ: أنَّ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ بِأمْوالِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتْ تَجِيءُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا طَلَبَ مِنهم بَذْلَ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ قالُوا لَهُ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَما طَلَبْتَ الأمْوالَ لِهَذا الغَرَضِ، فَإنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِفَقِيرٍ حَتّى يَحْتاجَ في إصْلاحِ دِينِهِ إلى أمْوالِنا، بَلْ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ تَطْلُبُ أمْوالَنا لِأجْلِ أنْ تَجِيئَها نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ أنْ يَقُولَ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، بَلِ الإنْسانُ إنَّما يَذْكُرُ ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وقالَ آخَرُونَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتِ اليَهُودُ: نَرى إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذَنْ أغْنِياءُ وهو فَقِيرٌ، وهو يَنْهانا عَنِ الرِّبا ثُمَّ يُعْطِينا الرِّبا، وأرادُوا قَوْلَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ هَذا القائِلِ، إلّا أنَّ العُلَماءَ نَسَبُوا هَذا القَوْلَ إلى اليَهُودِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: إنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّهُ بَخِيلٌ بِالعَطاءِ، وذَلِكَ الجَهْلُ مُناسِبٌ لِلْجَهْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ عَلى ما رَوَيْناهُ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ. وثالِثُها: أنَّ القَوْلَ بِالتَّشْبِيهِ غالِبٌ عَلى اليَهُودِ، ومَن قالَ بِالتَّشْبِيهِ لا يُمْكِنُهُ إثْباتَ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وإذا عَجَزَ عَنْ إثْباتِ هَذا الأصْلِ عَجَزَ عَنْ بَيانِ أنَّهُ غَنِيٌّ ولَيْسَ بِفَقِيرٍ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم أنْ يُوافِقُوهُ في مُجاهَدَةِ الأعْداءِ قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ . فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الجِهادَ بِالنَّفْسِ قالُوا: لَمّا كانَ الإلَهُ قادِرًا فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى جِهادِنا، وكَذا هَهُنا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الجِهادَ بِبَذْلِ المالِ قالُوا: لَمّا كانَ الإلَهُ غَنِيًّا فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أمْوالِنا. فَكانَ إسْنادُهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ إلى اليَهُودِ لائِقًا مِن هَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم مِنَ الجُهّالِ قَدْ قالَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّهم قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَعْنِي لَوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في أنَّ الإلَهَ يَطْلُبُ المالَ مِن عَبِيدِهِ لَكانَ صفحة ٩٦ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحالًا ثَبَتَ أنَّهُ كاذِبٌ في هَذا الإخْبارِ، أوْ ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ العاقِلُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ عَنِ اعْتِقادٍ فَهو بَعِيدٌ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ كانُوا جَماعَةً، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ”﴿الَّذِينَ قالُوا﴾“ وظاهِرُ هَذا القَوْلِ يُفِيدُ الجَمْعَ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلَ هو فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَلَمّا شَهِدَ الكِتابُ أنَّ القائِلِينَ كانُوا جَماعَةً وجَبَ القَطْعُ بِذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”سَيُكْتَبُ“ بِالياءِ وضَمِّها عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ”وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءِ“ بِرَفْعِ اللّامِ عَلى مَعْنى سَيُكْتَبُ قَتْلُهم، والباقُونَ بِالنُّونِ وفَتْحِ اللّامِ إضافَةً إلَيْهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ”سَيَكْتُبُ“ بِالياءِ وتَسْمِيَةِ الفاعِلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا وعِيدٌ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَتْبِهِ عَلَيْهِمْ إثْباتَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأنْ لا يُلْغى ولا يُطْرَحَ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ إذا أرادُوا إثْباتَ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يَزُولُ ولا يُنْسى ولا يَتَغَيَّرُ كَتَبُوهُ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَتْبَةَ مَجازًا عَنْ إثْباتِ حُكْمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. الثّانِي: سَنَكْتُبُ ما قالُوا في الكُتُبِ الَّتِي تُكْتَبُ فِيها أعْمالُهم لِيَقْرَأُوا ذَلِكَ في جَرائِدِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. والثّالِثُ: عِنْدِي فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ: سَنَكْتُبُ عَنْهم هَذا الجَهْلَ في القُرْآنِ حَتّى يَعْلَمَ الخَلْقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ شِدَّةَ تَعَنُّتِ هَؤُلاءِ وجَهْلَهم وجُهْدَهم في الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكُلِّ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ ونَكْتُبُ قَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الفائِدَةُ في ضَمِّ أنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ إلى أنَّهم وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالفَقْرِ، هي بَيانُ أنَّ جَهْلَ هَؤُلاءِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهَذا الوَقْتِ، بَلْ هم مُنْذُ كانُوا، مُصِرُّونَ عَلى الجَهالاتِ والحَماقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إضافَةِ قَتْلِ الأنْبِياءِ إلى هَؤُلاءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَنَكْتُبُ ما قالَ هَؤُلاءِ ونَكْتُبُ ما فَعَلَهُ أسْلافُهم فَنُجازِي الفَرِيقَيْنِ بِما هو أهْلُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] أيْ قَتَلَها أسْلافُكم ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] . ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] والفاعِلُ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو أسْلافُهم، والمَعْنى أنَّهُ سَيَحْفَظُ عَلى الفَرِيقَيْنِ مَعًا أقْوالَهم وأفْعالَهم. والوَجْهُ الثّانِي: سَنَكْتُبُ عَلى هَؤُلاءِ ما قالُوا بِأنْفُسِهِمْ، ونَكْتُبُ عَلَيْهِمْ رِضاهم بِقَتْلِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنْ رَجُلًا ذَكَرَ عِنْدَهُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وحَسَّنَ قَتْلَهُ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ: صِرْتَ شَرِيكًا في دَمِهِ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فَنَسَبَ لِهَؤُلاءِ قَتْلَهم وكانَ بَيْنَهُما قَرِيبٌ مِن سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٧ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”سَيُكْتَبُ“ عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ”وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ“ بِرَفْعِ اللّامِ ”ويَقُولُ ذُوقُوا“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، والباقُونَ ”سَنَكْتُبُ ونَقُولُ“ بِالنُّونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَنْتَقِمُ مِن هَذا القائِلِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ ذُقْ عَذابَ الحَرِيقِ، كَما أذَقْتَ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ، والحَرِيقُ هو المُحْرِقُ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ هَذا القَوْلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ أوْ عِنْدَ قِراءَةِ الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ حُصُولِ الوَعِيدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم أوْرَدُوا سُؤالًا وهو أنَّ مَن يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ كانَ فَقِيرًا مُحْتاجًا، فَلَوْ طَلَبَ اللَّهُ المالَ مِن عَبِيدِهِ لَكانَ فَقِيرًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ المالَ مِن عَبِيدِهِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صادِقًا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَهَذا هو شُبْهَةُ القَوْمِ فَأيْنَ الجَوابُ عَنْها ؟ وكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُ الوَعِيدِ عَلى ذِكْرِها قَبْلَ ذِكْرِ الجَوابِ عَنْها ؟ فَنَقُولُ: إذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى عَبِيدَهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ. وإنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ تَعالى يُراعِي المَصالِحَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في هَذا التَّكْلِيفِ أنْواعٌ مِنَ المَصالِحِ العائِدَةِ إلى العِبادِ: مِنها: أنَّ إنْفاقَ المالِ يُوجِبُ زَوالَ حُبِّ المالِ عَنِ القَلْبِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَنافِعِ، فَإنَّهُ إذا ماتَ فَلَوْ بَقِيَ في قَلْبِهِ حُبُّ المالِ مَعَ أنَّهُ تَرَكَ المالَ لَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَألُّمِ رُوحِهِ بِتِلْكَ المُفارَقَةِ. ومِنها: أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ الإنْفاقِ إلى الثَّوابِ المُخَلَّدِ المُؤَبَّدِ. ومِنها: أنَّ بِسَبَبِ الإنْفاقِ يَصِيرُ القَلْبُ فارِغًا عَنْ حُبِّ ما سِوى اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَزُولُ عَنِ القَلْبِ حُبُّ غَيْرِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَقْوى في حُبِّ اللَّهِ، وذَلِكَ رَأْسُ السَّعاداتِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ وبَيَّنَها مِرارًا وأطْوارًا، كَما قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] وقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وقالَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ كانَ إيرادُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ البَيِّناتِ مَحْضَ التَّعَنُّتِ، فَلِهَذا اقْتَصَرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِها عَلى مُجَرَّدِ الوَعِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ المُحْرِقُ جَزاءُ فِعْلِكم حَيْثُ وصَفْتُمُ اللَّهَ وأقْدَمْتُمْ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ هَذا العِقابُ عَدْلًا لا جَوْرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العِقابِ بِهِمْ كانَ يَكُونُ ظُلْمًا بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَقَعَ مِنهم تِلْكَ الذُّنُوبُ، وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ جُرْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَ البالِغِينَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ فاعِلًا، وإلّا لَكانَ الظُّلْمُ حاصِلًا. والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مُعارَضٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ عَلى ما شَرَحْناهُ مِرارًا وأطْوارًا. صفحة ٩٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] يُفِيدُ نَفْيَ كَوْنِهِ ظَلّامًا، ونَفْيُ الصِّفَةِ يُوهِمُ بَقاءَ الأصْلِ، فَهَذا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أصْلِ الظُّلْمِ. أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَ بِأنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ لَوْ كانَ ظُلْمًا لَكانَ عَظِيمًا، فَنَفاهُ عَلى حَدِّ عِظَمِهِ لَوْ كانَ ثابِتًا، وهَذا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إيصالَ العِقابِ إلَيْهِمْ يَكُونُ ظُلْمًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الأيْدِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّ الفاعِلَ هو الإنْسانُ لا اليَدُ، إلّا أنَّ اليَدَ لَمّا كانَتْ آلَةَ الفِعْلِ حَسُنَ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اليَدَ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] والكُلُّ حَسَنٌ مُتَعارَفٌ في اللُّغَةِ.

آل عمران 3:183

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِلْكُفّارِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ ﷺ، وتَقْرِيرُها أنَّهم قالُوا: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ ما فَعَلْتَ ذَلِكَ؛ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وزَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ وغَيْرِهِمْ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْكَ كِتابًا، وقَدْ عَهِدَ إلَيْنا في التَّوْراةِ أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، ويَكُونُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ، تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَإنْ جِئْتَنا بِهَذا صَدَّقْناكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ عَطاءٌ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَذْبَحُونَ لِلَّهِ، فَيَأْخُذُونَ الثُّرُوبَ وأطايِبَ اللَّحْمِ فَيَضَعُونَها في وسَطِ بَيْتٍ والسَّقْفُ مَكْشُوفٌ، فَيَقُومُ النَّبِيُّ في البَيْتِ ويُناجِي رَبَّهُ، وبَنُو إسْرائِيلَ خارِجُونَ واقِفُونَ حَوْلَ البَيْتِ فَتَنْزِلُ نارٌ بَيْضاءُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ ولا دُخانَ لَها فَتَأْكُلُ كُلَّ ذَلِكَ القُرْبانِ. واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ فِيما ادَّعاهُ اليَهُودُ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا الشَّرْطَ جاءَ في التَّوْراةِ ولَكِنَّهُ مَعَ شَرْطٍ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ في التَّوْراةِ: مَن جاءَكم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ فَلا تُصَدِّقُوهُ حَتّى يَأْتِيَكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ إلّا المَسِيحَ ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ. فَإنَّهُما إذا أتَيا فَآمِنُوا بِهِما فَإنَّهُما يَأْتِيانِ بِغَيْرِ قُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. قالَ: وكانَتْ هَذِهِ العادَةُ باقِيَةً إلى مَبْعَثِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ارْتَفَعَتْ وزالَتْ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ ادِّعاءَ هَذا الشَّرْطِ كَذِبٌ عَلى التَّوْراةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ صفحة ٩٩ حَقًّا لَكانَتْ مُعْجِزاتُ كُلِّ الأنْبِياءِ هَذا القُرْبانَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كانَتْ أشْياءَ سِوى هَذا القُرْبانِ. وثانِيها: أنَّ نُزُولَ هَذِهِ النّارِ وأكْلَها لِلْقُرْبانِ مُعْجِزَةٌ فَكانَتْ هي وسائِرُ المُعْجِزاتِ عَلى السَّواءِ، فَلَمْ يَكُنْ في تَعْيِينِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وتَخْصِيصِها فائِدَةٌ، بَلْ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ القاهِرَةُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ القَطْعُ بِنُبُوَّتِهِ سَواءٌ ظَهَرَتْ هَذِهِ المُعْجِزَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ. وثالِثُها: أنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ وإنْ جاءَ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ فَلا تَقْبَلُوا قَوْلَهُ إلّا أنْ يَجِيءَ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ، أوْ يُقالَ: جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ يُطالِبُ بِالمُعْجِزَةِ سَواءٌ كانَتِ المُعْجِزَةُ هي مَجِيءَ النّارِ، أوْ شَيْءٌ آخَرُ، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنِ الإتْيانُ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ دالًّا عَلى الصِّدْقِ، وإذا جازَ الطَّعْنُ في سائِرِ المُعْجِزاتِ جازَ الطَّعْنُ أيْضًا في هَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ. وأمّا الثّانِي: فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَوْقِيتَ الصِّدْقِ عَلى ظُهُورِ مُطْلَقِ المُعْجِزَةِ، لا عَلى ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ، فَكانَ اعْتِبارُ هَذِهِ المُعْجِزَةِ عَبَثًا ولَغْوًا، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا سُقُوطُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِالكُلِّيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحَلِّ ”الَّذِينَ“ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُّ: الجَرُّ، وهَذا نَعْتُ العَبِيدِ، والتَّقْدِيرُ: وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ الَّذِينَ قالُوا كَذا وكَذا. وثانِيها: أنَّ التَّقْدِيرَ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وقَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القُرْبانُ البِرُّ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ، وأصْلُهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِكَ قَرُبَ قُرْبانًا، كالكُفْرانِ والرُّجْحانِ والخُسْرانِ، ثُمَّ سَمّى بِهِ نَفْسَ المُتَقَرَّبِ بِهِ، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: ”يا كَعْبُ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّلاةُ قُرْبانٌ“» أيْ بِها يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ ويُسْتَشْفَعُ في الحاجَةِ لَدَيْهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّهم يَطْلُبُونَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وذَلِكَ لِأنَّ أسْلافَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ طَلَبُوا هَذا المُعْجِزَ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِثْلِ زَكَرِيّا وعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهم أظْهَرُوا هَذا المُعْجِزَ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ سَعَوْا في قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى، ويَزْعُمُونَ أنَّهم قَتَلُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ إنَّما طَلَبُوا هَذا المُعْجِزَ مِن أُولَئِكَ الأنْبِياءِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما سَعَوْا في قَتْلِهِمْ، ثُمَّ إنَّ المُتَأخِّرِينَ راضُونَ بِأفْعالِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ومُصَوِّبُونَ لَهم في كُلِّ ما فَعَلُوهُ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَؤُلاءِ في طَلَبِ هَذا المُعْجِزِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَنِّتِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّ طَلَبَهم لِهَذا المُعْجِزِ وقَعَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ، لَمْ يَجِبْ في حِكْمَةِ اللَّهِ إسْعافُهم بِذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا الجَوابُ شافٍ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. صفحة ١٠٠ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي﴾ ولَمْ يَقُلْ جاءَتْكم رُسُلٌ لِأنَّ فِعْلَ المُؤَنَّثِ يُذَكَّرُ إذا تَقَدَّمَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ هو ما طَلَبُوهُ مِنهُ، وهو القُرْبانُ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالَّذِي قُلْتُمْ، بَلْ قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ والفائِدَةُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وقَّفَ التَّصْدِيقَ بِالنُّبُوَّةِ عَلى ظُهُورِ القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ، فَلَوْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: إنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ أتَوْا بِهَذا القُرْبانِ، لَمْ يَلْزَمْ مِن هَذا القَدْرِ وُجُوبُ الِاعْتِرافِ بِنُبُوَّتِهِمْ، لِاحْتِمالِ أنَّ الإتْيانَ بِهَذا القُرْبانِ شَرْطٌ لِلنُّبُوَّةِ لا مُوجِبٌ لَها، والشَّرْطُ هو الَّذِي يَلْزَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ عَدَمُ المَشْرُوطِ، لَكِنْ لا يَلْزَمُ عِنْدَ وُجُودِهِ وُجُودُ المَشْرُوطِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِهَذا القَدْرِ لَما كانَ الإلْزامُ وارِدًا، أمّا لَمّا قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ كانَ الإلْزامُ وارِدًا، لِأنَّهم لَمّا أتَوْا بِالبَيِّناتِ فَقَدْ أتَوْا بِالمُوجِبِ لِلتَّصْدِيقِ، ولَمّا أتَوْا بِهَذا القُرْبانِ فَقَدْ أتَوْا بِالشَّرْطِ، وعِنْدَ الإتْيانِ بِهِما كانَ الإقْرارُ بِالنُّبُوَّةِ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْلا قَوْلُهُ: (جاءَكم بِالبَيِّناتِ) لَمْ يَكُنِ الإلْزامُ وارِدًا عَلى القَوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:184

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ . فِي قَوْلِهِ: (فَإنْ كَذَّبُوكَ) وُجُوهٌ: أحَدُها: فَإنْ كَذَّبُوكَ في قَوْلِكَ إنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ جاءُوا إلى هَؤُلاءِ اليَهُودِ بِالقُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ فَكَذَّبُوهم وقَتَلُوهم، فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ: نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ وغَيْرُهم. والثّانِي: أنَّ المُرادَ: إنْ كَذَّبُوكَ في أصْلِ النُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أوْجَهُ، لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ، ولِأنَّ تَكْذِيبَهم في أصْلِ النُّبُوَّةِ أعْظَمُ، ولِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّكْذِيبُ في ذَلِكَ الحِجاجِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَيانُ أنَّ هَذا التَّكْذِيبَ لَيْسَ أمْرًا مُخْتَصًّا بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ، بَلْ شَأْنُ جَمِيعِ الكُفّارِ تَكْذِيبُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والطَّعْنُ فِيهِمْ، مَعَ أنَّ حالَهم في ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ وفي نُزُولِ الكُتُبِ إلَيْهِمْ كَحالِكَ، ومَعَ هَذا فَإنَّهم صَبَرُوا عَلى ما نالَهم مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ واحْتَمَلُوا إيذاءَهم في جَنْبِ تَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ، فَكُنْ مُتَأسِّيًا بِهِمْ سالِكًا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ في هَذا المَعْنى، وإنَّما صارَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ طابَتْ وخَفَّتْ، فَأمّا البَيِّناتُ فَهي الحُجَجُ والمُعْجِزاتُ، وأمّا الزُّبُرُ فَهي الكُتُبُ، وهي جَمْعُ زَبُورٍ، والزَّبُورُ الكِتابُ، بِمَعْنى المَزْبُورِ أيِ المَكْتُوبَ، يُقالُ زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، وكُلُّ كِتابٍ زَبُورٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ كُلُّ كِتابٍ ذِي حِكْمَةٍ، وعَلى هَذا: صفحة ١٠١ الأشْبَهُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الزَّبُورِ مِنَ الزَّبْرِ الَّذِي هو الزَّجْرُ، يُقالُ: زَبَرْتُ الرَّجُلَ إذا زَجَرْتَهُ عَنِ الباطِلِ، وسُمِّيَ الكِتابُ زَبُورًا لِما فِيهِ مِنَ الزَّبْرِ عَنْ خِلافِ الحَقِّ، وبِهِ سُمِّيَ زَبُورُ داوُدَ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الزَّواجِرِ والمَواعِظِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”وبِالزُّبُرِ“ أعادَ الباءَ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا ”المُنِيرِ“ فَهو مِن قَوْلِكَ أنَرْتُ الشَّيْءَ أيْ أوْضَحْتُهُ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ البَيِّناتِ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الزُّبُرَ والكِتابَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ إنَّ مُعْجِزاتِهِمْ كانَتْ مُغايِرَةً لِكُتُبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ ما كانَتْ كُتُبُهم مُعْجِزَةً لَهم، فالتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ ما كانَ شَيْءٌ مِنها مُعْجِزَةً، وأمّا القُرْآنُ فَهو وحْدَهُ كِتابٌ ومُعْجِزَةٌ، وهَذا أحَدُ خَواصِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ ”الكِتابِ المُنِيرِ“ عَلى ”الزُّبُرِ“ مَعَ أنَّ الكِتابَ المُنِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الزُّبُرِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا العَطْفُ لِأنَّ الكِتابَ المُنِيرَ أشْرَفُ الكُتُبِ وأحْسَنُ الزُّبُرِ، فَحَسُنَ العَطْفُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقالَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ووَجْهُ زِيادَةِ الشَّرَفِ فِيهِ إمّا كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلى جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ، أوْ كَوْنُهُ باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالزُّبُرِ: الصُّحُفَ، وبِالكِتابِ المُنِيرِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ.

آل عمران 3:185

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُبالَغَةُ في إزالَةِ الحُزْنِ مِن قَلْبِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ عاقِبَةَ الكُلِّ المَوْتُ، وهَذِهِ الغُمُومُ والأحْزانُ تَذْهَبُ وتَزُولُ ولا يَبْقى شَيْءٌ مِنها، والحُزْنُ مَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتِ العاقِلُ إلَيْهِ. والثّانِي: أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارٌ يَتَمَيَّزُ فِيها المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، ويَتَوَفَّرُ عَلى عَمَلِ كُلِّ واحِدٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في غايَةِ القُوَّةِ في إزالَةِ الحُزْنِ والغَمِّ عَنْ قُلُوبِ العُقَلاءِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَمّى بِالنَّفْسِ، قالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ وأيْضًا النَّفْسُ والذّاتُ واحِدٌ فَعَلى هَذا يَدْخُلُ الجَماداتُ تَحْتَ اسْمِ النَّفْسِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا عُمُومُ المَوْتِ في الجَماداتِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَمُوتَ الدّاخِلُونَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ، وهَذا العُمُومُ يَقْتَضِي مَوْتَ الكُلِّ، وأيْضًا يَقْتَضِي وُقُوعَ المَوْتِ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولِأهْلِ النّارِ لِأنَّ كُلَّهم نُفُوسٌ. وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُكَلَّفُونَ الحاضِرُونَ في دارِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ فَإنَّ هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا فِيهِمْ، وأيْضًا العامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقى حُجَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ذائِقَةُ“ فاعِلَةٌ مِنَ الذَّوْقِ، واسْمُ الفاعِلِ إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ وأُرِيدَ بِهِ الماضِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الجَرُّ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ضارِبُ عَمْرٍو أمْسِ، فَإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ والِاسْتِقْبالَ جازَ الجَرُّ والنَّصْبُ، صفحة ١٠٢ تَقُولُ: هو ضارِبُ زَيْدٍ غَدًا، وضارِبٌ زِيدًا غَدًا، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] و”كاشِفاتُ ضُرِّهِ“ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ لِلِاسْتِقْبالِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”ذائِقَةً المَوْتَ“ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ ”المَوْتَ“ وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذائِقَةُ المَوْتَ“ بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ: ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَأْتِي في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ المَوْتَ واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ولا تَزالُ تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الحالَةُ إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ كانَ المَوْتُ ضَرُورِيًّا في هَذِهِ الحَياةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَعَلَ النَّفْسَ ذائِقَةَ المَوْتِ، والذّائِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ الذَّوْقِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ مَوْتِ البَدَنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، وأيْضًا: لَفْظُ النَّفْسِ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ضَرُورَةَ المَوْتِ مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَأمّا الأرْواحُ المُجَرَّدَةُ فَلا، وقَدْ جاءَ في الرِّواياتِ ما هو خِلافُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ ماتَ أهْلُ الأرْضِ، ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ يُسَمّى بِالمَيِّتِ وإنَّما لا يُسَمّى المُذَكّى بِالمَيِّتِ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ بِالعُرْفِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَمامَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَنفَعَةٍ تَصِلُ إلى المُكَلَّفِ في الدُّنْيا فَهي مُكَدَّرَةٌ بِالغُمُومِ والهُمُومِ وبِخَوْفِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ، والأجْرُ التّامُّ والثَّوابُ الكامِلُ إنَّما يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ هُناكَ يَحْصُلُ السُّرُورُ بِلا غَمٍّ، والأمْنُ بِلا خَوْفٍ، واللَّذَّةُ بِلا ألَمٍ. والسَّعادَةُ بِلا خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وكَذا القَوْلُ في جانِبِ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا ألَمٌ خالِصٌ عَنْ شَوائِبِ اللَّذَّةِ، بَلْ يَمْتَزِجُ بِهِ راحاتٌ وتَخْفِيفاتٌ، وإنَّما الألَمُ التّامُّ الخالِصُ الباقِي هو الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ الزَّحْزَحَةُ التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ، وهو تَكْرِيرُ الزَّحِّ، والزَّحُّ هو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ حِينَما كانَ في الدُّنْيا كَأنَّهُ كانَ في النّارِ، وما ذاكَ إلّا لِكَثْرَةِ آفاتِها وشِدَّةِ بَلِيّاتِها، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ» “ . واعْلَمْ أنَّهُ لا مَقْصُودَ لِلْإنْسانِ وراءَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، الخَلاصِ عَنِ العَذابِ، والوُصُولِ إلى الثَّوابِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن وصَلَ إلى هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ فَقَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى والغايَةِ الَّتِي لا مَطْلُوبَ بَعْدَها. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» “ وقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَمَن صفحة ١٠٣ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيُؤْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» “ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ الغُرُورُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: غَرَّرْتُ فُلانًا غُرُورًا، شَبَّهَ اللَّهُ الدُّنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ عَلَيْهِ حَتّى يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ، والشَّيْطانُ هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذا في حَقِّ مَن آثَرَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ بِها فَإنَّها نِعْمَ المَتاعُ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ فَسادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِلْإنْسانِ جَمِيعُ مُراداتِهِ لَكانَ غَمُّهُ وهَمُّهُ أزْيَدَ مِن سُرُورِهِ، لِأجْلِ قِصَرِ وقْتِهِ وقِلَّةِ الوُثُوقِ بِهِ وعَدَمِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ هَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أمْ لا. وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ وِجْدانُهُ بِمُراداتِ الدُّنْيا أكْثَرَ كانَ حِرْصُهُ في طَلَبِها أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الحِرْصُ أكْثَرَ كانَ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِرْصِ أشَدَّ، فَإنَّ الإنْسانَ يَتَوَهَّمُ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ سَكَنَتْ نَفْسُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَزْدادُ طَلَبُهُ وحِرْصُهُ ورَغْبَتُهُ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ بِقَدْرِ ما يَجِدُ مِنَ الدُّنْيا يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ السَّعاداتِ والخَيْراتِ، ومَتى عَرَفْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ عَلِمْتَ أنَّ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ، وأنَّها كَما وصَفَها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قالَ: لِينُ مَسِّها قاتِلُ سُمِّها. وقالَ بَعْضُهم: الدُّنْيا ظاهِرُها مَطِيَّةُ السُّرُورِ، وباطِنُها مَطِيَّةُ الشُّرُورِ.

آل عمران 3:186

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ بَعْدَ أنْ آذَوُا الرَّسُولَ والمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَيُؤْذُونَهم أيْضًا في المُسْتَقْبَلِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُهم، مِنَ الإيذاءِ بِالنَّفْسِ والإيذاءِ بِالمالِ، والغَرَضُ مِن هَذا الإعْلامِ أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ وتَرْكِ الجَزَعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَعْلَمْ نُزُولَ البَلاءِ عَلَيْهِ فَإذا أُنْزِلَ البَلاءُ عَلَيْهِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أمّا إذا كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ، فَإذا نَزَلَ لَمْ يَعْظُمْ وقْعُهُ عَلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً وضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ، ولَمْ تُكْسَرْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّها واوُ جَمْعٍ فَحُرِّكَتْ بِما كانَ يَجِبُ لِما قَبْلَها مِنَ الضَّمِّ، ومِثْلُهُ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] . صفحة ١٠٤ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (لَتُبْلَوُنَّ) لَتُخْتَبَرُنَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى الِاخْتِبارُ لِأنَّهُ طَلَبَ المَعْرِفَةَ لِيَعْرِفَ الجَيِّدَ مِنَ الرَّدِيءِ، ولَكِنَّ مَعْناهُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُعامِلُ العَبْدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ ما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ والفَقْرِ وما يَنالُهم مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ والهَزِيمَةِ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، ومِن حَيْثُ أُلْزِمُوا الصَّبْرَ في الجِهادِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشَّدِيدَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالبَدَنِ والمالِ، وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ والجِهادُ. قالَ القاضِي: والظّاهِرُ يَحْتَمِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنْواعُ الإيذاءِ الحاصِلَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، وكانُوا يَطْعَنُونَ في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولَقَدْ هَجاهُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا يُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وأمّا المُشْرِكُونَ فَهم كانُوا يُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويَجْمَعُونَ العَساكِرَ عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويُثَبِّطُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَحْمُولًا عَلى الكُلِّ إذْ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الثّانِي. ثُمَّ قالَ تَعالى عَطْفًا عَلى الأمْرَيْنِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: «بَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ أبا بَكْرٍ إلى فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ يَسْتَمِدُّهُ، فَقالَ فِنْحاصُ: قَدِ احْتاجَ رَبُّكَ إلى أنْ نُمِدَّهُ، فَهَمَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ: لا تَغْلِبَنَّ عَلى شَيْءٍ حَتّى تَرْجِعَ إلَيَّ، فَتَذَكَّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ وكَفَّ عَنِ الضَّرْبِ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْآيَةِ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلى الِابْتِلاءِ في النَّفْسِ والمالِ، والمُصابَرَةِ عَلى تَحَمُّلِ الأذى وتَرْكِ المُعارَضَةِ والمُقابَلَةِ، وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى دُخُولِ المُخالِفِ في الدِّينِ، كَما قالَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] والمُرادُ بِهَذا الغُفْرانِ الصَّبْرُ وتَرْكُ الِانْتِقامِ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ. قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذا لَيْسَ بِمَنسُوخٍ، والظّاهِرُ أنَّها نَزَلَتْ عَقِيبَ قِصَّةِ أُحُدٍ، والمَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلى ما يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى طَرِيقِ الأقْوالِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم، واسْتِعْمالِ مُداراتِهِمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ، والأمْرُ بِالقِتالِ لا يُنافِي الأمْرَ بِالمُصابَرَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الواحِدِيِّ ضَعِيفٌ، والقَوْلُ ما قالَهُ القَفّالُ. الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى: الصَّبْرَ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ صفحة ١٠٥ ومُنابَذَتَهم والإنْكارَ عَلَيْهِمْ، فَأُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ، والجَرْيَ عَلى نَهْجِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الإنْكارِ عَلى اليَهُودِ والِاتِّقاءَ عَنِ المُداهَنَةِ مَعَ الكُفّارِ والسُّكُوتِ عَنْ إظْهارِ الإنْكارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الصَّبْرُ عِبارَةٌ عَنِ احْتِمالِ المَكْرُوهِ، والتَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي فَقَدَّمَ ذِكْرَ الصَّبْرِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ التَّقْوى، لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِأجْلِ أنَّهُ يُرِيدُ الِاتِّقاءَ عَمّا لا يَنْبَغِي. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّبْرِ هو أنَّ مُقابَلَةَ الإساءَةِ بِالإساءَةِ تُفْضِي إلى ازْدِيادِ الإساءَةِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ تَقْلِيلًا لِمَضارِّ الدُّنْيا، وأُمِرَ بِالتَّقْوى تَقْلِيلًا لِمَضارِّ الآخِرَةِ، فَكانَتِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ جامِعَةً لِآدابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِن صَوابِ التَّدْبِيرِ الَّذِي لا شَكَّ في ظُهُورِ الرُّشْدِ فِيهِ، وهو مِمّا يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، فَتَأْخُذُ نَفْسُهُ لا مَحالَةَ بِهِ، والعَزْمُ كَأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الحَزْمِ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ألْزَمْتُهُ إيّاكَ لا مَحالَةَ عَلى وجْهٍ لا يَجُوزُ ذَلِكَ التَّرَخُّصُ في تَرْكِهِ، فَما كانَ مِنَ الأُمُورِ حَمِيدَ العاقِبَةِ مَعْرُوفًا بِالرُّشْدِ والصَّوابِ فَهو مِن عَزْمِ الأُمُورِ لِأنَّهُ مِمّا لا يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يَتَرَخَّصَ في تَرْكِهِ. ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا قَدْ عُزِمَ عَلَيْكم فِيهِ أيْ أُلْزِمْتُمُ الأخْذَ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:187

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ شُبُهًا طاعِنَةً في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأجابَ عَنْهُ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أُمَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أنْ يَشْرَحُوا ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ دِينِهِ وصِدْقِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، والمُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكم إيرادُ الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ ودِينِهِ مَعَ أنَّ كُتُبَكم ناطِقَةٌ ودالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم ذِكْرُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ودِينِهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ احْتِمالَ الأذى مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ إيذائِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ أنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانُوا يُحَرِّفُونَها ويَذْكُرُونَ لَها تَأْوِيلاتٍ فاسِدَةً، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها الصَّبْرُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”لَيُبَيِّنُنَّهُ ولا يَكْتُمُونَهُ“ بِالياءِ فِيهِما كِنايَةً عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ الَّذِي كانَ حاصِلًا في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ، أيْ فَقالَ لَهم: لَتُبَيِّنُنَّهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] بِالتّاءِ صفحة ١٠٦ والياءِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٤] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ أخْذِ المِيثاقِ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْرَدُوا الدَّلائِلَ في جَمِيعِ أبْوابِ التَّكالِيفِ وألْزَمُوهم قَبُولَها، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما أخَذَ المِيثاقَ مِنهم عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَذَلِكَ التَّوْكِيدُ والإلْزامُ هو المُرادُ بِأخْذِ المِيثاقِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَأُونَ ”وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ“ فَقالَ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ إلْزامَ هَذا الإظْهارِ لا شَكَّ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِعُلَماءِ القَوْمِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ما في الكِتابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: هو عائِدٌ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يَعُودُ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم بِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللّامُ لامُ التَّأْكِيدِ يَدْخُلُ عَلى اليَمِينِ، تَقْدِيرُهُ: اسْتَحْلَفَهم لَيُبَيِّنُنَّهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ: ولا تَكْتُمُونَهُ ولَمْ يَقُلْ: ولا تَكْتُمْنَهُ، لِأنَّ الواوَ واوُ الحالِ دُونَ واوِ العَطْفِ، والمَعْنى لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ غَيْرَ كاتِمِينَ. فَإنْ قِيلَ: البَيانُ يُضادُّ الكِتْمانَ، فَلَمّا أمَرَ بِالبَيانِ كانَ الأمْرُ بِهِ نَهْيًا عَنِ الكِتْمانِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ ؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ البَيانِ ذِكْرُ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ أنْ لا يُلْقُوا فِيها التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ والشُّبُهاتِ المُعَطِّلَةَ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ والنَّصارى فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أيْضًا دُخُولُ المُسْلِمِينَ فِيهِ، لِأنَّهم أهْلُ القُرْآنِ وهو أشْرَفُ الكُتُبِ. حُكِيَ أنَّ الحَجّاجَ أرْسَلَ إلى الحَسَنِ وقالَ: ما الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ ؟ فَقالَ: ما كُلُّ الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي قُلْتُهُ، ولا كُلُّ ما قُلْتُهُ بَلَغَكَ، قالَ: أنْتَ الَّذِي قُلْتَ إنَّ النِّفاقَ كانَ مَقْمُوعًا فَأصْبَحَ قَدْ تَعَمَّمَ وتَقَلَّدَ سَيْفًا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقالَ: وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى هَذا ونَحْنُ نَكْرَهُهُ ؟ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ. وقالَ قَتادَةُ: مَثَلُ عِلْمٍ لا يُقالُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ، ومَثَلُ حِكْمَةٍ لا تَخْرُجُ كَمَثَلِ صَنَمٍ قائِمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وكانَ يَقُولُ: طُوبى لِعالِمٍ ناطِقٍ، ولِمُسْتَمِعٍ واعٍ، هَذا عَلِمَ عِلْمًا فَبَذَلَهُ، وهَذا سَمِعَ خَيْرًا فَوَعاهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أهْلِهِ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ» “ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُعَلِّمُوا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، والنَّبْذُ وراءَ الظَّهْرِ مِثْلُ الطَّرْحِ وتَرْكِ الِاعْتِدادِ، ونَقِيضُهُ: جَعْلُهُ نُصْبَ عَيْنِهِ وإلْقاؤُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم أخْفَوُا الحَقَّ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى وِجْدانِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، صفحة ١٠٧ فَكُلُّ مَن لَمْ يُبَيِّنِ الحَقَّ لِلنّاسِ وكَتَمَ شَيْئًا مِنهُ لِغَرَضٍ فاسِدٍ، مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ وتَطْيِيبٍ لِقُلُوبِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةٍ، أوْ لِتَقِيَّةٍ وخَوْفٍ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.

آل عمران 3:188

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ أنْواعِ هَذا الأذى أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا بِهِ مِن أنْواعِ الخَبَثِ والتَّلْبِيسِ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ البِرِّ والتَّقْوى والصِّدْقِ والدِّيانَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ يَتَأذّى بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَأمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلَيْها، وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِفَتْحِ الباءِ. والثّانِي: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِضَمِّ الباءِ، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ وفَتَحَ الباءَ فِيهِما جَعَلَ التَّقْدِيرَ: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ، أوْ أيُّها السّامِعُ، ومَن ضَمَّ الباءَ فِيهِما جَعَلَ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ ”الَّذِينَ يَفْرَحُونَ“، والثّانِي: ”بِمَفازَةٍ“ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وحَسُنَتْ إعادَتُهُ لِطُولِ الكَلامِ، كَقَوْلِكَ: لا تَظُنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ في كَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في قَوْلِهِ: ”لا يَحْسَبَنَّ“ فَفِيها أيْضًا وجْهانِ: الأوَّلُ: بِفَتْحِ الباءِ وبِضَمِّها فِيهِما، جَعَلَ الفِعْلَ لِلرَّسُولِ ﷺ والباقِي كَما عَلِمْتَ. والوَجْهُ الثّانِي: بِفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي وهو قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَعَلَ الفِعْلَ لِلَّذِينَ يَفْرَحُونَ ولَمْ يَذْكُرْ واحِدًا مِن مَفْعُولَيْهِ، ثُمَّ أعادَ قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبُنَّ“ بِضَمِّ الباءِ، وقَوْلُهُ: (هم) رُفِعَ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِأنَّهم يَفْرَحُونَ بِفِعْلِهِمْ ويُحِبُّونَ أيْضًا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ يُحَرِّفُونَ نُصُوصَ التَّوْراةِ ويُفَسِّرُونَها بِتَفْسِيراتٍ باطِلَةٍ ويُرَوِّجُونَها عَلى الأغْمارِ مِنَ النّاسِ، ويَفْرَحُونَ بِهَذا الصُّنْعِ ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ الدِّينِ والدِّيانَةِ والعَفافِ والصِّدْقِ والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْتَ إذا أنْصَفْتَ عَرَفْتَ أنَّ أحْوالَ أكْثَرِ الخَلْقِ كَذَلِكَ، فَإنَّهم يَأْتُونَ بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ويَفْرَحُونَ بِوِجْدانِ صفحة ١٠٨ مَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ العَفافِ والصِّدْقِ والدِّينِ. والثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَكَتَمُوا الحَقَّ وأخْبَرُوا بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَّقُوهُ وفَرِحُوا بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ، وطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ يُثْنِيَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى هَذا السِّرِّ. والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ فَرِحُوا بِما فَعَلُوا مِنَ التَّلْبِيسِ وتَوَقَّعُوا مِنكَ أنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِمْ بِالصِّدْقِ والوَفاءِ. الثّالِثُ: يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِنَ اتِّباعِ دِينِ إبْراهِيمَ، حَيْثُ ادَّعَوْا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأنَّهم عَلى دِينِهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَلَ في المُنافِقِينَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِن إظْهارِ الإيمانِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَتَوَصَّلُونَ بِذَلِكَ إلى تَحْصِيلِ مَصالِحِهِمْ في الدُّنْيا، ثُمَّ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَحْمَدَهم عَلى الإيمانِ الَّذِي ما كانَ مَوْجُودًا في قُلُوبِهِمْ. الخامِسُ: قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، ويَفْرَحُونَ بِقُعُودِهِمْ عَنْهُ فَإذا قَدِمَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ فَيَقْبَلُ عُذْرَهم، ثُمَّ طَمِعُوا أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ يُثْنِي عَلى المُسْلِمِينَ المُجاهِدِينَ. السّادِسُ: المُرادُ مِنهُ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِن أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ بِالِاعْتِرافِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِالإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ ودِينِهِ، ثُمَّ إنَّهم فَرِحُوا بِكِتْمانِهِمْ لِذَلِكَ وإعْراضِهِمْ عَنْ نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً. واعْلَمْ أنَّ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ مُشْتَرِكَةٌ في قَدْرٍ واحِدٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ يَأْتِي بِالفِعْلِ الَّذِي لا يَنْبَغِي ويَفْرَحُ بِهِ، ثُمَّ يَتَوَقَّعُ مِنَ النّاسِ أنْ يَصِفُوهُ بِسَدادِ السِّيرَةِ واسْتِقامَةِ الطَّرِيقَةِ والزُّهْدِ والإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿بِما أتَوْا﴾ بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: (بِما أتَوْا) يُرِيدُ فَعَلُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أيْ فَعَلْتِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أتى وجاءَ، يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى فَعَلَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] . ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا“ . البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ آتَوْا بِمَعْنى أعْطَوْا، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”بِما أُوتُوا“ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ بِمَنجاةٍ مِنهُ، مِن قَوْلِهِمْ: فازَ فُلانٌ إذا نَجا، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ بِبُعْدٍ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ، وذَكَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ولا شُبْهَةَ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في الكُفّارِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ مِمَّنْ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَيْفَ يَرْجُو النَّجاةَ مَن كانَ مُعَذِّبُهُ هَذا القادِرُ الغالِبُ.